Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الصف 61:1 – التغابن 64:18
المحتويات
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
الصف 61:1
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
صفحة ١٧٤
مُناسَبَةُ هَذِهِ الفاتِحَةِ لِما بَعْدَها مِنَ السُّورَةِ بَيانُ أنَّ الكافِرِينَ مَحْقُوقُونَ بِأنْ تُقاتِلُوهم لِأنَّهم شَذُّوا عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ فَلَمْ يُسَبِّحُوا اللَّهَ ولَمْ يَصِفُوهُ بِصِفاتِ الكَمالِ إذْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ أخْلَفُوا ما وعَدُوا بِأنَّهم لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّ تَسْبِيحِ اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقٌّ لِأنْ يُوَفّى بِعَهْدِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وأنَّ اللَّهَ ناصِرُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ (سَبَّحَ لِلَّهِ) إلى (الحَكِيمُ) في أوَّلِ سُورَةِ الحَشْرِ وسُورَةِ الحَدِيدِ.
وفِي إجْراءِ وصْفِ (العَزِيزُ) عَلَيْهِ تَعالى هُنا إيماءٌ إلى أنَّهُ الغالِبُ لِعَدُوِّهِ فَما كانَ لَكم أنْ تَرْهَبُوا أعْداءَهُ فَتَفِرُّوا مِنهم عِنْدَ اللِّقاءِ.
وإجْراءُ صِفَةِ (الحَكِيمُ) إنْ حُمِلَتْ عَلى مَعْنى المُتَّصِفِ بِالحِكْمَةِ أنَّ المَوْصُوفَ بِالحِكْمَةِ لا يَأْمُرُكم بِجِهادِ العَدُوِّ عَبَثًا ولا يُخَلِّيهِمْ يَغْلِبُونَكم. وإنْ حُمِلَتْ عَلى مَعْنى المُحْكِمِ لِلْأُمُورِ فَكَذَلِكَ.
الصف 61:2
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .
ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ تَعْرِيضًا بِأنَّ الإيمانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَزَعَ المُؤْمِنُ عَنْ أنْ يُخالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ في الوَعْدِ بِالخَيْرِ.
واللّامُ لِتَعْلِيلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وهو الشَّيْءُ المُبْهَمُ الَّذِي هو مَدْلُولُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أمْرٍ مُبْهَمٍ يُطْلَبُ تَعْيِينُهُ.
والتَّقْدِيرُ: تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ لِأيِّ سَبَبٍ أوْ لِأيَّةِ عِلَّةٍ.
وتَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلِ (تَقُولُونَ) المَجْرُورِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ لِصَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.
والِاسْتِفْهامُ عَنِ العِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في إنْكارِ أنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ مُرْضِيًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ أنَّ ما يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ هو أمْرٌ مُنْكَرٌ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اللَّوْمِ والتَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٧٥
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وعْدًا وعَدُوهُ ولَمْ يَفُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ لَمْ يُطابِقِ الواقِعَ. وقَدْ مَضى اسْتِيفاءُ ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى صَدْرِ السُّورَةِ.
وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ما فَعَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِطَرِيقِ الرَّمْزِ، وكِنايَةٌ عَنِ اللَّوْمِ عَلى ما فَعَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِطَرِيقِ التَّلْوِيحِ.
وتَعْقِيبُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] إلَخْ. يُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّوْمَ عَلى وعْدٍ يَتَعَلَّقُ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ مَعْنى الآيَةِ مَعَ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ في سَبَبِ النُّزُولِ وتَنْدَحِضُ رِواياتٌ أُخْرى رُوِيَتْ في سَبَبِ نُزُولِها ذَكَرَها في الكَشّافِ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ إذْ يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِأقْوالِهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ أهْلِ الإيمانِ بِالقَلْبِ ولا بِالجَسَدِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَوْلُ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ مِنكم ومَعَكم ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ تَصْرِيحًا بِالمَعْنى المُكَنّى عَنْهُ بِها.
وهُوَ خَبَرٌ عَنْ كَوْنِ قَوْلِهِمْ ﴿ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أمْرًا كَبِيرًا في جِنْسِ المَقْتِ.
والكِبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلشِّدَةِ لِأنَّ الكَبِيرَ فِيهِ كَثْرَةٌ وشِدَّةٌ في نَوْعِهِ.
و(أنْ تَقُولُوا) فاعِلُ (كَبُرَ) .
والمَقْتُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ. وهو هُنا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ.
وانْتَصَبَ مَقْتًا عَلى التَّمْيِيزِ لِجِهَةِ الكِبَرِ. وهو تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ.
والتَّقْدِيرُ: كَبُرَ مَمْقُوتًا قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَهُ.
ونُظِمَ هَذا الكَلامُ بِطَرِيقَةِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ بِالتَّمْيِيزِ لِتَهْوِيلِ هَذا الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ لِكَوْنِ الكَثِيرِ مِنهم بِمِظَنَّةِ التَّهاوُنِ في الحَيْطَةِ مِنهُ حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ. فَفِيهِ وعِيدٌ عَلى تَجَدُّدِ مِثْلِهِ، وزِيدَ المَقْصُودُ اهْتِمامًا بِأنْ وُصِفَ المَقْتُ بِأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ مَقْتٌ لا تَسامُحَ فِيهِ.
صفحة ١٧٦
وعَدَلَ عَنْ جَعْلِ فاعِلِ (كَبُرَ) ضَمِيرَ القَوْلِ بِأنْ يَقْتَصِرَ عَلى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أوْ يُقالُ: كَبُرَ ذَلِكَ مَقْتًا، لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِإعادِةِ لَفْظِهِ، ولِإفادَةِ التَّأْكِيدِ.
و(ما) في قَوْلِهِ (ما لا تَفْعَلُونَ) في المَوْضِعَيْنِ مَوْصُولَةٌ، وهي بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، أيِ الفِعْلُ الَّذِي وعَدْتُمْ أنْ تَفْعَلُوهُ وهو أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ أوِ الجِهادُ. فاقْتَضَتِ الآيَةُ أنَّ الوَعْدَ في مِثْلِ هَذا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ لِأنَّ المَوْعُودَ بِهَ طاعَةٌ فالوَعْدُ بِهِ مِن قَبِيلِ النَّذْرِ المَقْصُودِ مِنهُ القِرْبَةُ فَيَجِبُ الوَفاءُ بِهِ.
الصف 61:3
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ .
ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ تَعْرِيضًا بِأنَّ الإيمانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَزَعَ المُؤْمِنُ عَنْ أنْ يُخالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ في الوَعْدِ بِالخَيْرِ.
واللّامُ لِتَعْلِيلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وهو الشَّيْءُ المُبْهَمُ الَّذِي هو مَدْلُولُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أمْرٍ مُبْهَمٍ يُطْلَبُ تَعْيِينُهُ.
والتَّقْدِيرُ: تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ لِأيِّ سَبَبٍ أوْ لِأيَّةِ عِلَّةٍ.
وتَتَعَلَّقُ اللّامُ بِفِعْلِ (تَقُولُونَ) المَجْرُورِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ لِصَدارَةِ الِاسْتِفْهامِ.
والِاسْتِفْهامُ عَنِ العِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في إنْكارِ أنْ يَكُونَ سَبَبُ ذَلِكَ مُرْضِيًا لِلَّهِ تَعالى، أيْ أنَّ ما يَدْعُوهم إلى ذَلِكَ هو أمْرٌ مُنْكَرٌ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اللَّوْمِ والتَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٧٥
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ الَّذِي قالُوهُ وعْدًا وعَدُوهُ ولَمْ يَفُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ لَمْ يُطابِقِ الواقِعَ. وقَدْ مَضى اسْتِيفاءُ ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى صَدْرِ السُّورَةِ.
وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ما فَعَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِطَرِيقِ الرَّمْزِ، وكِنايَةٌ عَنِ اللَّوْمِ عَلى ما فَعَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ بِطَرِيقِ التَّلْوِيحِ.
وتَعْقِيبُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] إلَخْ. يُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّوْمَ عَلى وعْدٍ يَتَعَلَّقُ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ مَعْنى الآيَةِ مَعَ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ في سَبَبِ النُّزُولِ وتَنْدَحِضُ رِواياتٌ أُخْرى رُوِيَتْ في سَبَبِ نُزُولِها ذَكَرَها في الكَشّافِ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ إذْ يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِأقْوالِهِمْ وهم لا يَعْمَلُونَ أعْمالَ أهْلِ الإيمانِ بِالقَلْبِ ولا بِالجَسَدِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو قَوْلُ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ مِنكم ومَعَكم ثُمَّ يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ تَصْرِيحًا بِالمَعْنى المُكَنّى عَنْهُ بِها.
وهُوَ خَبَرٌ عَنْ كَوْنِ قَوْلِهِمْ ﴿ما لا تَفْعَلُونَ﴾ أمْرًا كَبِيرًا في جِنْسِ المَقْتِ.
والكِبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلشِّدَةِ لِأنَّ الكَبِيرَ فِيهِ كَثْرَةٌ وشِدَّةٌ في نَوْعِهِ.
و(أنْ تَقُولُوا) فاعِلُ (كَبُرَ) .
والمَقْتُ: البُغْضُ الشَّدِيدُ. وهو هُنا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ.
وانْتَصَبَ مَقْتًا عَلى التَّمْيِيزِ لِجِهَةِ الكِبَرِ. وهو تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ.
والتَّقْدِيرُ: كَبُرَ مَمْقُوتًا قَوْلُكم ما لا تَفْعَلُونَهُ.
ونُظِمَ هَذا الكَلامُ بِطَرِيقَةِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ بِالتَّمْيِيزِ لِتَهْوِيلِ هَذا الأمْرِ في قُلُوبِ السّامِعِينَ لِكَوْنِ الكَثِيرِ مِنهم بِمِظَنَّةِ التَّهاوُنِ في الحَيْطَةِ مِنهُ حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ. فَفِيهِ وعِيدٌ عَلى تَجَدُّدِ مِثْلِهِ، وزِيدَ المَقْصُودُ اهْتِمامًا بِأنْ وُصِفَ المَقْتُ بِأنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ مَقْتٌ لا تَسامُحَ فِيهِ.
صفحة ١٧٦
وعَدَلَ عَنْ جَعْلِ فاعِلِ (كَبُرَ) ضَمِيرَ القَوْلِ بِأنْ يَقْتَصِرَ عَلى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أوْ يُقالُ: كَبُرَ ذَلِكَ مَقْتًا، لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّهْوِيلِ بِإعادِةِ لَفْظِهِ، ولِإفادَةِ التَّأْكِيدِ.
و(ما) في قَوْلِهِ (ما لا تَفْعَلُونَ) في المَوْضِعَيْنِ مَوْصُولَةٌ، وهي بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، أيِ الفِعْلُ الَّذِي وعَدْتُمْ أنْ تَفْعَلُوهُ وهو أحَبُّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ أوِ الجِهادُ. فاقْتَضَتِ الآيَةُ أنَّ الوَعْدَ في مِثْلِ هَذا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ لِأنَّ المَوْعُودَ بِهَ طاعَةٌ فالوَعْدُ بِهِ مِن قَبِيلِ النَّذْرِ المَقْصُودِ مِنهُ القِرْبَةُ فَيَجِبُ الوَفاءُ بِهِ.
الصف 61:4
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .
هَذا جَوابٌ عَلى تَمَنِّيهِمْ مَعْرِفَةَ أحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ كَما في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ المُتَقَدِّمِ وما قَبْلُهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ عَلى أُسْلُوبِ الخُطَبِ ومُقَدِّماتِها.
والصَّفُّ: عَدَدٌ مِن أشْياءَ مُتَجانِبَةٍ مُنْتَظِمَةِ الأماكِنَ، فَيُطْلَقُ عَلى صَفِّ المُصَلِّينَ، وصَفِّ المَلائِكَةِ، وصَفِّ الجَيْشِ في مَيْدانِ القِتالِ بِالجَيْشِ إذا حَضَرَ القِتالُ كانَ صَفًّا مِن رَجّالَةٍ أوْ فُرْسانٍ ثُمَّ يَقَعُ تَقَدُّمُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ فُرادى أوْ زَرافاتٍ.
فالصَّفُّ هُنا: كِنايَةٌ عَنْ الِانْتِظامِ والمُقاتَلَةِ عَنْ تَدَبُّرِ.
وأمّا حَرَكاتُ القِتالِ فَتَعْرِضُ بِحَسَبِ مَصالِحِ الحَرْبِ في اجْتِماعٍ وتَفَرُّقٍ وكَرٍّ وفَرٍّ. وانْتَصَبَ (صَفًّا) عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ: صافِّينَ، أوْ مَصْفُوفِينَ.
والمَرْصُوصُ: المُتَلاصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. والتَّشْبِيهُ في الثَّباتِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ وهو الَّذِي اقْتَضاهُ التَّوْبِيخُ السّابِقُ في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] .
الصف 61:5
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
صفحة ١٧٧
مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا خَفِيُّ المُناسِبَةِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا انْتُقِلَ بِهِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عَدَمِ الوَفاءِ بِما وعَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ إلى التَّعْرِيضِ بِقَوِمٍ آذَوُا النَّبِيءَ ﷺ بِالقَوْلِ أوْ بِالعِصْيانِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُوَجَّهًا إلى المُنافِقِينَ، فَقَدْ وُسِمُوا بِأذى الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١] وقَوْلُهُ ”ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيءَ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ“ .
وعَلى هَذا الوَجْهِ فَهو اقْتِضابٌ نُقِلَ بِهِ الكَلامُ مِنَ الغَرَضِ الَّذِي قَبْلَهُ لِتَمامِهِ إلى هَذا الغَرَضِ، أوْ تَكُونُ مُناسِبَةُ وقْعِهِ في هَذا المَوْقِعِ حُدُوثَ سَبَبٍ اقْتَضى نُزُولَهُ مِن أذًى قَدْ حَدَثَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ ورُواةُ الأخْبارِ وأسْبابِ النُّزُولِ.
والواوُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ. وهو المُسَمّى بِعَطْفِ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُسْلِمِينَ لِتَحْذِيرِهِمْ مِن إتْيانِ ما يُؤْذِي رَسُولَهُ ﷺ ويَسُوءُهُ مِنَ الخُرُوجِ عَنْ جادَّةِ الكَمالِ الدِّينِيِّ مِثْلِ عَدَمِ الوَفاءِ بِوَعْدِهِمْ في الإتْيانِ بِأحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ تَعالى. وأشْفَقَهم مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلزَّيْغِ والضَّلالِ كَما حَدَثَ لِقَوْمِ مُوسى لَمّا آذَوْهُ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ بِأذى قَوْمِ مُوسى إيّاهُ: عَدَمُ تَوَخِّي طاعَتِهِ ورِضاهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١]، إلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] . فَإنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ اسْتِخْفافٌ يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] .
وقَدْ يَكُونُ وصْفُهم في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ناظِرًا إلى وصْفِهِمْ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ في آيَةِ سُورَةِ العُقُودِ في قَوْلِهِ ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] .
صفحة ١٧٨
فَيَكُونُ المَقْصُودُ الأهَمُّ مِنَ القِصَّةِ هو ما تَفَرَّعَ عَلى ذِكْرِها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . ويُناسِبُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ وعِبْرَةً بِما عَرَضَ لَهم مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ لَمّا خالَفُوا أمْرَهُ مِن عَدَمِ ثَباتِ الرُّماةِ في مَكانِهِمْ.
وقَدْ تَشابَهَتِ القِصَّتانِ في أنَّ القَوْمَ فَرُّوا يَوْمَ أُحُدٍ كَما فَرَّ قَوْمُ مُوسى يَوْمَ أرِيحا، وفي أنَّ الرُّماةَ الَّذِينَ أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا يَبْرَحُوا مَكانَهم («ولَوْ تَخَطَّفَنا الطَّيْرُ» ) وأنْ يَنْضَحُوا عَنِ الجَيْشِ بِالنِّبالِ خَشْيَةَ أنْ يَأْتِيَهُ العَدُوُّ مِن خَلْفِهِ لَمْ يَفْعَلُوا ما أمَرَهم بِهِ وعَصَوْا أمْرَ أمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ وفارَقُوا مَوْقِفَهم طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ.
والواوُ عَلى هَذا الوَجْهِ عَطْفُ تَحْذِيرٍ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عَلى النَّهْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] الآيَةَ.
ويَتْبَعُ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما حَصَلَ مِن مُخالَفَةِ الرُّماةِ حَتّى تَسَبَّبُوا في هَزِيمَةِ النّاسِ.
و(إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، أيِ اذْكُرْ لَهم أيْضًا وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ أوِ اذْكُرْ لَهم مَعَ هَذا النَّهْيِ وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ.
وابْتِداءُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِـ (يا قَوْمِ) تَعْرِيضٌ بِأنَّ شَأْنَ قَوْمِ الرَّسُولِ أنْ يُطِيعُوهُ بَلْهَ أنْ لا يُؤْذُوهُ. فَفي النِّداءِ بِوَصْفِ (قَوْمِ) تَمْهِيدٌ لِلْإنْكارِ في قَوْلِهِ لِمَ تُؤْذُونَنِي.
والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ إنْكارِ أنْ يَكُونَ لِلْإذايَةِ سَبَبٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] .
وقَدْ جاءَتْ جُمْلَةُ الحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ مُصادِفَةَ المَحَلِّ مِنَ التَّرَقِّي في الإنْكارِ.
و(مِن) لِتَحْقِيقِ مَعْنى الحالِيَّةِ، أيْ وعِلْمُكم بِرِسالَتِي عَنِ اللَّهِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لِما
صفحة ١٧٩
شاهَدُوهُ مِن دَلائِلِ رِسالَتِهِ، وكَما أُكِّدَ عِلْمُهم بِـ (قَدْ) أُكِّدَ حُصُولُ المَعْلُومِ بِـ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ، فَحَصَلَ تَأْكِيدانِ لِلرِّسالِةِ. والمَعْنى: فَكَيْفَ لا يَجْرِي أمْرُكم عَلى وفْقِ هَذا العِلْمِ.
والإتْيانُ بَعْدَ (قَدْ) بِالمُضارِعِ هُنا لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهم بِذَلِكَ مُجَدَّدٌ بِتَجَدُّدِ الآياتِ والوَحْيِ، وذَلِكَ أجْدى بِدَوامِ امْتِثالِهِ لِأنَّهُ لَوْ جِيءَ بِفِعْلِ المُضِيَّ لَمّا دَلَّ عَلى أكْثَرِ مِن حُصُولِ ذَلِكَ العِلْمِ فِيما مَضى. ولَعَلَّهُ قَدْ طَرَأ عَلَيْهِ ما يُبْطِلُهُ، وهَذا كالمُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] في سُورَةِ الأحْزابِ.
والزَّيْغُ: المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، أيْ لَمّا خالَفُوا ما أمَرَهم رَسُولُهم جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ زَيْغًا، أيْ تَمَكَّنَ الزَّيْغُ مِن نُفُوسِهِمْ فَلَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ الضَّلالِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في النّاسِ فَكانَ قَوْمُ مُوسى الَّذِينَ آذَوْهُ مِن أهْلِ ذَلِكَ العُمُومِ.
وذُكِرَ وصْفُ (الفاسِقِينَ) جارِيًا عَلى لَفْظِ (القَوْمِ) لِلْإيماءِ إلى الفُسُوقِ الَّذِي دَخَلَ في مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ. كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في البَقَرَةِ.
فالمَعْنى: الَّذِينَ كانَ الفُسُوقُ عَنِ الحَقِّ سَجِيَّةً لَهم لا يَلْطُفُ اللَّهُ بِهِمْ ولا يَعْتَنِي بِهِمْ عِنايَةً خاصَّةً تَسُوقُهم إلى الهُدى، وإنَّما هو طَوْعُ الأسْبابِ والمُناسَباتِ.
الصف 61:6
﴿وإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِيَ اسْمُهُ أحْمَدُ فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [الصف: ٥] فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها فَمَوْقِعُ هَذِهِ مُساوٍ لَهُ.
وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في الآيَةِ السّابِقَةِ فَإنَّ هَذِهِ مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّتْمِيمِ لِقِصَّةِ مُوسى بِذِكْرِ مِثالٍ آخَرٍ لِقَوْمٍ حادُوا عَنْ طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ إفادَةِ
صفحة ١٨٠
تَحْذِيرٍ لِلْمُخاطَبِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ولِلتَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ أخْبارِ عِيسى بِالرَّسُولِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَهُ.
ونادى عِيسى قَوْمَهُ بِعُنْوانِ بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ (يا قَوْمِ) لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى اشْتُهِرُوا بِعُنْوانِ (بَنِي إسْرائِيلَ) ولَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِمْ عُنْوانُ: قَوْمُ مُوسى، إلّا في مُدَّةِ حَياةِ مُوسى خاصَّةً فَإنَّهم إنَّما صارُوا أُمَّةً وقَوْمًا بِسَبَبِهِ وشَرِيعَتِهِ.
فَأمّا عِيسى فَإنَّما كانَ مُرْسَلًا بِتَأْيِيدِ شَرِيعَةِ مُوسى، والتَّذْكِيرِ بِها وتَغْيِيرِ بَعْضِ أحْكامِها، ولِأنَّ عِيسى حِينَ خاطَبَهم لَمْ يَكُونُوا قَدْ اتَّبَعُوهُ ولا صَدَّقُوهُ فَلَمْ يَكُونُوا قَوْمًا لَهُ خالِصِينَ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ في أوائِلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي أثْناءِ سُورَةِ العُقُودِ.
والمَقْصُودُ مِن تَنْبِيهِهِمْ عَلى هَذا التَّصْدِيقِ حِينَ ابْتَدَأهم بِالدَّعْوَةِ تَقْرِيبُ إجابَتِهِمْ واسْتِنْزالُ طائِرِهِمْ لِشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِالتَّوْراةِ واعْتِقادِهِمْ أنَّ أحْكامَها لا تَقْبَلُ النَّسْخَ، وأنَّها دائِمَةٌ. ولِذَلِكَ لَمّا ابْتَدَأهم بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْها ما حَكى عَنْهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فَيُحْمَلُ ما هُنالِكَ عَلى أنَّهُ خِطابٌ واقِعٌ بَعْدَ أوَّلِ الدَّعْوَةِ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُوحِ إلَيْهِ أوَّلَ مَرَّةٍ بِنَسْخِ بَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ ثُمَّ أوْحاهُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. فَحِينَئِذٍ أخْبَرَهم بِما أُوحِيَ إلَيْهِ.
وكَذَلِكَ شَأْنُ التَّشْرِيعِ أنْ يُلْقى إلى الأُمَّةِ تَدْرِيجًا كَما في «حَدِيثِ عائِشَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّها قالَتْ: إنَّما أُنْزِلَ أوَّلُ ما أُنْزِلَ مِنهُ (أيِ القُرْآنِ) سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ حَتّى إذا ثابَ النّاسُ إلى الإسْلامِ نَزَلَ الحَلالُ والحَرامُ، ولَوْ أنْزَلَ أوَّلَ شَيْءٍ: لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقالُوا: لا نَتْرُكُ الخَمْرَ أبَدًا، ولَوْ نَزَلَ: لا تَزْنُوا: لَقالُوا: لا نَدَعُ الزِّنى أبَدًا. لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وإنِّي لَجارِيَةٌ ألْعَبُ ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَهُ اهـ» .
فَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ في كِلْتا الآيَتَيْنِ هو التَّصْدِيقُ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ والأعْمالِ عَلى وجْهِ الجُمْلَةِ، أيْ أعْمالِ مَجْمُوعِها وجَمْهَرَةِ أحْكامِها ولا
صفحة ١٨١
يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ بَعْضُ أحْكامِها بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ في أحْوالٍ قَلِيلَةٍ.
والتَّبْشِيرُ: الإخْبارُ بِحادِثٍ يَسُرُّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى الإخْبارِ بِأمْرٍ عَظِيمِ النَّفْعِ لَهم لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ السُّرُورُ الحَقُّ فَإنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ إلى النّاسِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ.
ووَجْهُ إيثارِ هَذا اللَّفْظِ الإشارَةُ إلى ما وقَعَ في الإنْجِيلِ مِن وصْفِ رِسالَةِ الرَّسُولِ المَوْعُودِ بِهِ بِأنَّها بِشارَةُ المَلَكُوتِ.
وإنَّما أخْبَرَهم بِمَجِيءِ رَسُولٍ مِن بَعْدِهِ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَزالُوا يَنْتَظِرُونَ مَجِيءَ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ يُخَلِّصُهم مِن بَراثِنِ المُتَسَلِّطِينَ عَلَيْهِمْ وهَذا الِانْتِظارُ دَيْدَنُهم، وهم مَوْعُودُونَ لِهَذا المُخَلِّصِ لَهم عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ بَعْدَ مُوسى. فَكانَ وعْدُ عِيسى بِهِ كَوَعْدِ مَن سَبَقَهُ مِن أنْبِيائِهِمْ، وفاتَحَهم بِهِ في أوَّلِ الدَّعْوَةِ اعْتِناءً بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ.
وفِي الِابْتِداءِ بِها تَنْبِيهٌ عَلى أنْ لَيْسَ عِيسى هو المُخَلِّصُ المُنْتَظَرُ وأنَّ المُنْتَظَرَ رَسُولٌ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
ولِعَظْمِ شَأْنِ هَذا الرَّسُولِ المَوْعُودِ بِهِ أرادَ اللَّهُ أنْ يُقِيمَ لِلْأُمَمِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها عَلاماتٌ ودَلائِلُ لِيَتَبَيَّنُوا بِها شَخْصَهُ فَيَكُونُ انْطِباقُها فاتِحَةً لِإقْبالِهِمْ عَلى تَلَقِّي دَعْوَتِهِ، وإنَّما يَعْرِفُها حَقَّ مَعْرِفَتِها الرّاسِخُونَ في الدِّينِ مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَرْجِعُ إلَيْهِمُ الدَّهْماءُ مِن أهْلِ مَلَّتِهِمْ قالَ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] . وقالَ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .
وقَدْ وصَفَ اللَّهُ بَعْضَ صِفاتِ هَذا الرَّسُولِ لِمُوسِى عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إجابَتِهِ دُعاءَ مُوسى ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيءَ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
صفحة ١٨٢
فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى إعْدادَ البَشَرِ لِقُبُولِ رِسالَةِ هَذا الرَّسُولِ العَظِيمِ المَوْعُودِ بِهِ ﷺ اسْتَوْدَعَهم أشْراطَهُ وعَلاماتِهِ عَلى لِسانِ كُلِّ رَسُولٍ أرْسَلَهُ إلى النّاسِ. قالَ تَعالى ”﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] أيْ أأخَذْتُمْ إصْرِي مِن أُمَمِكم عَلى الإيمانِ بِالرَّسُولِ الَّذِي يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِلرُّسِلِ ؟ . وقَوْلُهُ فاشْهَدُوا، أيْ عَلى أُمَمِكم وسَيَجِيءُ مِن حِكايَةِ كَلامِ عِيسى في الإنْجِيلِ ما يَشْرَحُ هَذِهِ الشَّهادَةَ.
وقالَ تَعالى في خُصُوصِ ما لَقَّنَهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآيَةَ.
وأوْصى بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ وصِيَّةً جامِعَةً لِما تَقَدَّمَها مِن وصايا الأنْبِياءِ وأجْمَلَها إجْمالًا عَلى طَرِيقِ الرَّمْزِ. وهو أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ أهْلِ الحِكْمَةِ والرِّسالَةِ في غَيْرِ بَيانِ الشَّرِيعَةِ قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ في تِلْكَ حِكْمَةُ الإشْراقِ (وكَلِماتُ الأوَّلِينَ مَرْمُوزَةٌ) فَقالَ قُطْبُ الدِّينِ الشِّيرازِيِّ في شَرْحِهِ: كانُوا يَرْمُزُونَ في كَلامِهِمْ إمّا تَشْحِيذًا لِلْخاطِرِ بِاسْتِكَدادِ الفِكْرِ أوْ تَشْبِيهًا بِالبارِي تَعالى وأصْحابِ النَّوامِيسِ فِيما أتَوْا بِهِ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ المَرْمُوزَةِ لِتَكُونَ أقْرَبَ إلى فَهْمِ الجُمْهُورِ فَيَنْتَفِعَ الخَواصُّ بِباطِنِها والعَوامُّ بِظاهِرِها. اهـ. أيْ لِيَتَوَسَّمُها أهْلُ العِلْمِ مِن أهْلِ الكِتابِ فَيَتَحَصَّلَ لَهم مِن مَجْمُوعِ تَفْصِيلِها شَمائِلُ الرَّسُولِ المَوْعُودِ بِهِ ولا يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي ذَلِكَ كَذِبًا. أوْ يَدَّعِيهِ لَهُ طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ كَذِبًا أوِ اشْتِباهًا.
ولا يُحْمَلُ قَوْلُهُ اسْمُهُ أحْمَدُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِن لَفْظِ اسْمٍ مِن أنَّهُ العَلَمُ المَجْهُولُ لِلدِّلالَةِ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِتُمَيِّزَهُ مِن بَيْنِ مَن لا يُشارِكُها في ذَلِكَ الِاسْمِ لِأنَّ هَذا الحَمْلَ يَمْنَعُ مِنهُ وأنَّهُ لَيْسَ بِمُطابِقٍ لِلْواقِعِ لِأنَّ الرَّسُولَ المَوْعُودَ بِهِ لَمْ يَدْعُهُ النّاسُ أحْمَدُ فَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَدْعُو النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ بِاسْمِ أحْمَدَ لا قَبْلَ نُبُوءَتِهِ ولا بَعْدَها ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ.
وأمّا ما وقَعَ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ
صفحة ١٨٣
النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لِي خَمْسَةُ أسْماءٍ: أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي، وأنا العاقِبُ» فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ أطْلَقَ الأسْماءَ عَلى ما يَشْمَلُ الِاسْمَ العَلَمَ والصِّفَةَ الخاصَّةَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ. وقَدْ رُوِيَتْ لَهُ أسْماءٌ غَيْرُها اسْتَقْصاها أبُو بَكْرٍ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ والقَبَسِ.
فالَّذِي نُوقِنُ بِهِ أنَّ مَحْمَلَ قَوْلِهِ (اسْمُهُ أحْمَدُ) يَجْرِي عَلى جَمِيعِ ما تَحْمِلُهُ جُزْءا هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنَ المَعانِي.
فَأمّا لَفْظُ (اسْمٍ) فَأشْهَرُ اسْتِعْمالِهِ في كَلامِ العَرَبِ ثَلاثَةُ اسْتِعْمالاتٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُسَمّى. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الِاسْمُ هُوالمُسَمّى. ونَسَبَ ثَعْلَبٌ إلى سِيبَوَيْهِ أنَّ الِاسْمَ غَيْرُ المُسَمّى (أيْ إذا أُطْلِقَ لَفْظُ اسْمٍ في الكَلامِ فالمَعْنى بِهِ مُسَمّى ذَلِكَ الِاسْمِ) لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ السَّيِّدِ البَطَلْيَوْسِيُّ في كِتابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ في مَعانِيَ الِاسْمِ هَلْ هو عَيْنُ المُسَمّى، أنَّهُ وقَعَ في بَعْضِ مَواضِعَ مِن كِتابِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى، ووَقَعَ في بَعْضِها أنَّهُ غَيْرُ المُسَمّى، فَحَمَلَهُ ابْنُ السَّيِّدِ البَطَلْيَوْسِيُّ عَلى أنَّهُما إطْلاقانِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلافٍ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وتَوَقَّفَ أبُو العَبّاسِ ثَعْلَبٌ في ذَلِكَ فَقالَ: لَيْسَ لِي فِيهِ قَوْلٌ. ولِما في هَذا الِاسْتِعْمالِ مِن الِاحْتِمالِ بَطُلَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ.
الِاسْتِعْمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الِاسْمُ بِمَعْنى شُهْرَةٍ في الخَيْرِ وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
لِأعْظَمِها قَدْرًا وأكْرَمِها أبًا وأحْسَنِها وجْهًا وأعْلَنِها سُمى
سَمًى لُغَةٌ في اسْمٍ.
الِاسْتِعْمالُ الثّالِثُ: أنْ يُطْلَقَ عَلى لَفْظِ جُعِلَ دالًّا عَلى ذاتٍ لِتُمَيَّزَ مِن كَثِيرٍ مِن أمْثالِها، وهَذا هو العَلَمُ.
ونَحْنُ نَجْرِي عَلى أصْلِنا في حَمْلِ ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي الَّتِي يَسْمَحُ بِها
صفحة ١٨٤
الِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ كَما في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، فَنَحْمِلُ الِاسْمَ في قَوْلِهِ اسْمُهُ أحْمَدُ ما يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الِاسْتِعْمالاتِ الثَّلاثَةِ، أيْ مُسَمّاهُ أحْمَدُ، وذِكْرُهُ أحْمَدَ، وعَلَمُهُ أحْمَدُ، ولْنَحْمِلْ لَفْظَ أحْمَدَ عَلى ما لا يَأْباهُ واحِدٌ مِنَ اسْتِعْمالاتِ اسْمِ الثَّلاثَةِ إذا قُرِنَ بِهِ وهو أنَّ أحْمَدَ اسْمُ تَفْضِيلٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَسْلُوبَ المُفاضَلَةِ مَعْنِيًّا بِهِ القُوَّةُ فِيمَ هو مُشْتَقٌّ مِنهُ، أيِ الحَمْدِ وهو الثَّناءُ، فَيَكُونُ أحْمَدُ هُنا مُسْتَعْمَلًا في قُوَّةِ مَفْعُولِيَّةِ الحَمْدِ، أيْ حَمْدِ النّاسِ إيّاهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِمْ. (العُودُ أحْمَدُ)، أيْ مَحْمُودٌ كَثِيرًا. فالوَصْفُ بِـ (أحْمَدَ) بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنى الأوَّلِ في اسْمٍ أنَّ مُسَمّى هَذا الرَّسُولَ ونَفْسُهُ مَوْصُوفَةٌ بِأقْوى ما يَحْمَدُ عَلَيْهِ مَحْمُودٌ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ النَّفْسانِيَّةِ والخُلُقِيَّةِ والخِلْقِيَّةِ والنَّسَبِيَّةِ والقَوْمِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَعْدُودٌ مِنَ الكِمالاتِ الذّاتِيَّةِ والغَرَضِيَّةِ.
ويَصِحُّ اعْتِبارُ (أحْمَدَ) تَفْضِيلًا حَقِيقِيًّا في كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ مُسَمّاهُ أحْمَدُ مِنِّي، أيْ أفْضَلُ، أيْ في رِسالَتِهِ وشَرِيعَتِهِ. وعِباراتُ الإنْجِيلِ تُشْعِرُ بِهَذا التَّفْضِيلِ فَفي إنْجِيلِ يُوحَنّا في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ“ وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ أيْ مِن رَبِّنا فَيُعْطِيَكم (فارْقَلِيطَ) آخَرَ لِيَثْبُتَ مَعَكم إلى الأبَدِ رُوحُ الحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ العالِمُ أنْ يَقْبَلَهُ لِأنَّهُ لا يَراهُ ولا يَعْرِفُهُ ”. ثُمَّ قالَ: وأمّا الفارْقَلِيطُ الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ (اللَّهُ) فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم، أيْ في جُمْلَةِ ما يُعَلِّمُكم أنْ يُذَكِّرَكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم. وهَذا يُفِيدُ تَفْضِيلُهُ عَلى عِيسى بِفَضِيلَةِ دَوامِ شَرِيعَتِهِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَوْلِ الإنْجِيلِ لِيَثْبُتَ مَعَكم إلى الأبَدِ وبِفَضِيلَةِ عُمُومِ شَرْعِهِ لِلْأحْكامِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (يُعَلِّمَكم كُلَّ شَيْءٍ) .
والوَصْفُ بِـ (أحْمَدَ) عَلى المَعْنى الثّانِي في الِاسْمِ. أنَّ سُمْعَتَهُ وذِكْرَهُ في جِيلِهِ والأجْيالِ بَعْدَهُ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ أشَدُّ ذِكْرٍ مَحْمُودٍ وسُمْعَةٍ مَحْمُودَةٍ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ «أنا حامِلُ لِواءِ الحَمْدِ يَوْمَ القِيامَةِ» وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ مَقامًا مَحْمُودًا.
ووَصْفُ (أحْمَدُ) بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْنى الثّالِثِ في الِاسْمِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ اسْمُهُ العَلَمُ يَكُونُ بِمَعْنى: أحْمَدَ، فَإنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ اسْمٌ مَفْعُولٍ مِن حَمَّدَ المُضاعَفِ الدّالِ عَلى
صفحة ١٨٥
كَثْرَةِ حَمْدِ الحامِدِينَ إيّاهُ كَما قالُوا: فُلانٌ مُمَدَّحٌ، إذا تَكَرَّرَ مَدْحُهُ مِن مادِحِينَ كَثِيرِينَ.
فاسْمُ (مُحَمَّدٍ) يُفِيدُ مَعْنى: المَحْمُودِ حَمْدًا كَثِيرًا ورُمِزَ إلَيْهِ بِأحْمَدَ.
وهَذِهِ الكَلِمَةُ الجامِعَةُ الَّتِي أوْحى اللَّهُ بِها إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ اللَّهُ بِها أنْ تَكُونَ شِعارًا لِجِماعِ صِفاتِ الرَّسُولِ المَوْعُودِ بِهِ ﷺ، صِيغَتْ بِأقْصى صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إجْمالًا بِحَسَبِ ما تَسْمَحُ اللُّغَةُ بِجَمْعِهِ مِن مَعانِيَ. ووُكِلَ تَفْصِيلُها إلى ما يَظْهَرُ مِن شَمائِلِهِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ وبَعْدِها لِيَتَوَسَّمَها المُتَوَسِّمُونَ ويَتَدَبَّرَ مَطاوِيها الرّاسِخُونَ عِنْدَ المُشاهَدَةِ والتَّجْرِبَةِ.
جاءَ في إنْجِيلِ مَتّى في الإصْحاحِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ قَوْلُ عِيسى“ ويَقُومِ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرًا ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى فَهَذا يُخَلَّصُ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَكُونُ المُنْتَهى ”، ومَعْنى يَكْرِزُ يَدْعُو ويُنْبِئُ، ومَعْنى يَصِيرُ إلى المُنْتَهى يَتَأخَّرُ إلى قُرْبِ السّاعَةِ.
وفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا في الإصْحاحِ الرّابِعِ عَشَرَ“ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فاحْفَظُوا وصايايَ وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم فارْقالِيطَ آخَرَ يَثْبُتُ مَعَكم إلى الأبَدِ ”. و(فارْقَلِيطُ) كَلِمَةٌ رُومِيَّةٌ، أيْ بُوانِيَّةٌ تُطْلَقُ بِمَعْنى المُدافِعِ أوِ المُسَلِّي، أيِ الَّذِي يَأْتِي بِما يَدْفَعُ الأحْزانَ والمَصائِبَ، أيْ يَأْتِي رَحْمَةً، أيْ رَسُولٌ مُبَشِّرٌ، وكَلِمَةُ آخَرَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ رَسُولٌ مِثْلُ عِيسى.
وفِي الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ“ والكَلامُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلِ الَّذِي أرْسَلَنِي وبِهَذا كَلَّمْتُكم وأنا عِنْدُكم - أيْ مُدَّةَ وُجُودِي بَيْنَكم -، وأمّا (الفارْقَلِيطُ) الرُّوحُ القُدْسِيُّ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما
صفحة ١٨٦
قُلْتُهُ -، ومَعْنى (بِاسْمِي أيْ بِصِفَةِ الرِّسالَةِ) لا أتَكَلَّمُ مَعَكم كَثِيرًا لِأنَّ رَئِيسَ هَذا العالِمِ يَأْتِي ولَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٍ ولَكِنْ لِيَفْهَمَ العالِمُ أنِّي أُحِبُّ الأبَ وكَما أوْصانِي الأبُ أفْعَلُ ”.
وفِي الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ مِنهُ“ ومَتى جاءَ الفارْقَلِيطُ الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أنا إلَيْكم مِنَ الأبِ رُوحُ الحَقِّ الَّذِي مِن عِنْدِ الأبِ يَنْبَثِقُ فَهو يَشْهَدُ لِي ”.
وفِي هَذِهِ الأخْبارِ إثْباتٌ أنَّ هَذا الرَّسُولَ المُبَشَّرَ بِهِ تَعُمُّ رِسالَتُهُ جَمِيعَ الأُمَمِ في جَمِيعِ الأرْضِ، وأنَّهُ الخاتَمُ، وأنَّ لِشَرِيعَتِهِ مُلْكًا لِقَوْلِ إنْجِيلِ مَتّى“ هو يَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ " والمَلَكُوتُ هو المَلِكُ، وأنَّ تَعالِيمَهُ تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ العارِضَةِ لِلنّاسِ، أيْ شَرِيعَتُهُ تَتَعَلَّقُ أحْكامُها بِجَمِيعِ الأحْوالِ البَشَرِيَّةِ، وجَمِيعُها مِمّا تَشْمَلُهُ الكَلِمَةُ الَّتِي جاءَتْ عَلى لِسانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي كَلِمَةُ (اسْمُهُ أحْمَدُ) فَكانَتْ مِنَ الرُّمُوزِ الإلَهِيَّةِ ولِكَوْنِها مُرادَةً لِذَلِكَ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ تَذْكِيرًا وإعْلانًا.
وذِكْرُ القُرْآنِ تَبْشِيرَ عِيسى بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في خِلالِ المَقْصُودِ الَّذِي هو تَنْظِيرُ ما أُوذِيَ بِهِ مُوسى مِن قَوْمِهِ وما أُوذِيَ بِهِ عِيسى مِن قَوْمِهِ إدْماجًا يُؤَيِّدُ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ ويُثَبِّتُ فُؤادَهُ ويَزِيدُهُ تَسْلِيَةً. وفِيها تَخَلُّصٌ إلى أنَّ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ نَظِيرُ ما لَقِيَهُ عِيسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هو مَناطُ الأذى.
فَإنَّ المُتَبادِرَ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ في قَوْلِهِ جاءَهم إلى عِيسى، وأنْ يَعُودَ
صفحة ١٨٧
ضَمِيرُ النَّصْبِ إلى الَّذِينَ خاطَبَهم عِيسى. والتَّقْدِيرُ: فَكَذَّبُوهُ، فَلَمّا جاءَهم بِالمُعْجِزاتِ قالُوا هَذا سِحْرٌ أوْ هو ساحِرٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ عائِدًا إلى رَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي. وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدًا إلى لَفْظِ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرِ الَّذِينَ دَعاهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بابِ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ ما يُسَمّى بِدِرْهَمٍ، أيْ فَلَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ الَّذِي دَعاهُ عِيسى بِاسْمِ أحْمَدَ بِالبَيِّناتِ، أيْ دَلائِلِ انْطِباقِ الصِّفاتِ المَوْعُودِ بِها قالُوا هَذا سِحْرٌ أوْ هَذا ساحِرٌ مُبِينٌ فَيَكُونُ هَذا التَّرْكِيبُ مُبَيَّنٌ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُوَجَّهِ.
وحَصَلَ أذاهم بِهَذا القَوْلِ لِكِلا الرَّسُولَيْنِ.
فالجُمْلَةُ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ تُحْمَلُ عَلى أنَّها اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ ومُمَهِّدَةٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى مَذَمَّةِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَقْبَلْ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الياءِ مِن قَوْلِهِ بَعْدِي. وقَرَأهُ الباقُونَ بِسِكُونِها. قالَ في الكَشّافِ: واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ الفَتْحَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (هَذا سِحْرٌ) بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (هَذا ساحِرٌ) فَعَلى الأُولى الإشارَةُ لِلْبَيِّناتِ، وعَلى الثّانِيَةِ الإشارَةُ إلى عِيسى أوْ إلى الرَّسُولِ.
الصف 61:7
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهْوَ يُدْعى إلى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
كانَتْ دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ مُماثِلَةً دَعْوَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ جَوابُ الَّذِينَ دَعاهم إلى الإسْلامِ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ والمُشْرِكِينَ مُماثِلًا لِجَوابِ الَّذِينَ دَعاهم عَلَيْهِ السَّلامُ. فَلَمّا أدْمَجَ في حِكايَةِ دَعْوَةِ عِيسى بِشارَتَهُ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ ناسَبَ أنْ يَنْقُلَ الكَلامَ إلى ما قابَلَ بِهِ قَوْمُ الرَّسُولِ المَوْعُودِ رَسُولَهم فَلِذَلِكَ ذُكِرَ في دَعْوَةِ هَذا الرَّسُولِ دِينُ الإسْلامِ فَوُصِفُوا بِأنَّهم أظْلَمُ النّاسِ تَشْنِيعًا لِحالِهِمْ.
صفحة ١٨٨
فالمُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ . ولِذَلِكَ عُطِفَ هَذا الكَلامُ بِالواوِ ودُونَ الفاءِ لِأنَّهُ لَيْسَ مُفَرَّعًا عَلى دَعْوَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَدْ شَمَلَ هَذا التَّشْنِيعُ جَمِيعَ الَّذِينَ كَذَّبُوا دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ والمُشْرِكِينَ.
والمَقْصُودُ الأوَّلُ هم أهْلُ الكِتابِ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩] فَهُما فَرِيقانِ.
والِاسْتِفْهامُ بِـ (مَن أظْلَمُ) إنْكارٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن هَؤُلاءِ فالمُكَذِّبُونَ مِن قَبْلِهِمْ، إمّا أنْ يَكُونُوا أظْلَمَ مِنهم وإمّا أنْ يُساوُوهم عَلى كُلِّ حالٍ، فالكَلامُ مُبالَغَةٌ.
وإنَّما كانُوا أظْلَمَ النّاسِ لِأنَّهم ظَلَمُوا الرَّسُولَ ﷺ بِنِسْبَتِهِ إلى ما لَيْسَ فِيهِ إذْ قالُوا: هو ساحِرٌ، وظَلَمُوا أنْفُسَهم إذْ لَمْ يَتَوَخَّوْا لَها النَّجاةَ، فَيَعْرِضُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى النَّظَرِ الصَّحِيحِ حَتّى يَعْلَمُوا صِدْقَهُ، وظَلَمُوا رَبَّهم إذْ نَسَبُوا ما جاءَهم مِن هَدْيِهِ وحُجَجِ رَسُولِهِ ﷺ إلى ما لَيْسَ مِنهُ فَسَمَّوُا الآياتِ والحُجَجَ سِحْرًا، وظَلَمُوا النّاسَ بِحَمْلِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ وظَلَمُوهم بِإخْفاءِ الأخْبارِ الَّتِي جاءَتْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُثْبِتَةً صِدْقَ رَسُولِ الإسْلامِ ﷺ وكَمَّلَ لَهم هَذا الظُّلْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، فَيُعْلَمُ أنَّهُ ظُلْمٌ مُسْتَمِرٌّ.
وقَدْ كانَ لِجُمْلَةِ الحالِ ﴿وهُوَ يُدْعى إلى الإسْلامِ﴾ مَوْقِعٌ مَتِينٌ هُنا، أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ في حِينِ أنَّ الرَّسُولَ يَدْعُوهم إلى ما فِيهِ خَيْرُهم فَعاضُوا الشُّكْرَ بِالكُفْرِ.
وإنَّما جُعِلَ افْتِراؤُهُمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ لِأنَّهم كَذَّبُوا رَسُولًا يُخْبِرُهم أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَكانَتْ حُرْمَةُ هَذِهِ النِّسْبَةِ تَقْتَضِي أنْ يُقْبِلُوا عَلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ فِيما دَعاهم إلَيْهِ لِيَصِلُوا إلى التَّصْدِيقِ، فَلَمّا بادَرُوها بِالإعْراضِ وانْتَحَلُوا لِلدّاعِي صِفاتَ النَّقْصِ كانُوا قَدْ نَسَبُوا ذَلِكَ إلى اللَّهِ دُونَ تَوْقِيرٍ.
فَأمّا أهْلُ الكِتابِ فَجَحَدُوا الصِّفاتِ المَوْصُوفَةَ في كِتابِهِمْ كَما قالَ تَعالى فِيهِمْ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذَلِكَ افْتِراءٌ.
وأمّا المُشْرِكُونَ فَإنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ إذْ قالُوا ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] .
صفحة ١٨٩
واسْمُ (الإسْلامِ) عَلَمٌ لِلدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، وهو جامِعٌ لِما فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَكانَ ذِكْرُ هَذا الِاسْمِ في الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ زِيادَةً في تَشْنِيعِ حالِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ، أيْ وهو يُدْعى إلى ما فِيهِ خَيْرُهُ وبِذَلِكَ حَقَّ عَلَيْهِ وصْفُ (أظْلَمُ) .
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَأْيِيسٌ لَهم مِنَ الإقْلاعِ عَنْ هَذا الظُّلْمِ، أيْ أنَّ الَّذِينَ بَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ مِنَ الظُّلْمِ لا طَمَعَ في صَلاحِهِمْ لِتَمَكُّنِ الكُفْرِ مِنهم حَتّى خالَطَ سَجاياهم وتَقَوَّمَ مَعَ قَوْمِيَّتِهِمْ، ولِذَلِكَ أقْحَمَ لَفْظَ القَوْمِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ الظُّلْمَ بَلَغَ حَدَّ أنْ صارَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ.
وهَذا يَعُمُّ المُخْبَرَ عَنْهم وأمْثالَهُمُ الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى عِيسى، فَفِيها مَعْنى التَّذْيِيلِ.
وأُسْنِدَ نَفْيُ هَدْيِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ هَذا الهَدْيِ عَنْهم أثَرٌ مِن آثارِ تَكْوِينِ عُقُولِهِمْ ومَدارِكِهِمْ عَلى المُكابَرَةِ بِأسْبابِ التَّكْوِينِ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ في نِظامِ تَكَوُّنِ الكائِناتِ وتَطَوُّرِها مِنَ ارْتِباطِ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَتَدارَكُ أكْثَرَهم بِعِنايَتِهِ، فَمُغَيِّرٌ فِيهِمْ بَعْضَ القُوى المانِعَةِ لَهم مِنَ الهُدى غَضَبًا عَلَيْهِمْ إذْ لَمْ يُخْلِفُوا بِدَعْوَةٍ تَسْتَحِقُّ التَّبَصُّرَ بِسَبَبِ نِسْبَتِها إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَتَمَيَّزَ لَهُمُ الصِّدْقُ مِنَ الكَذِبِ والحَقُّ مِنَ الباطِلِ.
الصف 61:8
”﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمٌّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾“ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في حالِ أنَّهم يُدْعَوْنَ إلى الإسْلامِ لِأنَّهُ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَمّا دَعاهم إلى هَذا الِافْتِراءِ. فَأُجِيبُ بِأنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُخْفُوا الإسْلامَ عَنِ النّاسِ ويَعُوقُوا انْتِشارَهُ ومُثِّلَتْ حالَتُهم بِحالَةِ نَفَرٍ يَبْتَغُونَ الظَّلامَ لِلتَّلَصُّصِ أوْ غَيْرِهِ مِمّا يُرادُ فِيهِ الِاخْتِفاءُ.
فَلاحَتْ لَهُ ذُبالَةُ مِصْباحٍ تُضِيءُ لِلنّاسِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وخَشُوا أنْ يَشِعَّ نُورُهُ عَلى النّاسِ فَتَفْتَضِحَ تُرَّهاتُهم، فَعَمَدُوا إلى إطْفائِهِ بِالنَّفْخِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْطَفِئْ،
صفحة ١٩٠
فالكَلامُ تَمْثِيلٌ دالٌّ عَلى حالَةِ المُمَثَّلِ لَهم. والتَّقْدِيرُ: يُرِيدُونَ عَوْقَ ظُهُورِ الإسْلامِ كَمَثَلِ قَوْمٍ يُرِيدُونَ إطْفاءَ النُّورِ، فَهَذا تَشْبِيهُ الهَيْئَةِ بِالهَيْئَةِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
ثُمَّ إنْ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ المَحاسِنِ أنَّهُ قابِلٌ لِتَفْرِقَةِ التَّشْبِيهِ عَلى أجْزاءِ الهَيْئَةِ، فاليَهُودُ في حالِ إرادَتِهِمْ عَوْقَ الإسْلامِ عَنِ الظُّهُورِ مُشَبَّهُونَ بِقَوْمٍ يُرِيدُونَ إطْفاءَ نُورِ الإسْلامِ فَشُبِّهَ بِمِصْباحٍ. والمُشْرِكُونَ مِثْلُهم وقَدْ مُثِّلَ حالُ أهْلِ الكِتابِ بِنَظِيرِ هَذا التَّمْثِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] الآيَةُ في سُورَةِ بَراءَةَ، ووَصْفهِمُ القُرْآنَ بِأنَّهُ سِحْرٌ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن تَمْوِيهاتِهِمْ، فَشُبِّهَ بِنَفْخِ النّافِخِينَ عَلى المِصْباحِ فَكانَ لِذِكْرِ (بِأفْواهِهِمْ) وقْعٌ عَظِيمٌ في هَذا التَّمْثِيلِ لِأنَّ الإطْفاءَ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الأفْواهِ مِثْلِ المِرْوَحَةِ والكِيرِ، وهم أرادُوا إبْطالَ آياتِ القُرْآنِ بِزَعْمِ أنَّها مِن أقْوالِ السِّحْرِ.
وإضافَةُ ”نُورَ“ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، أيْ نُورًا أوْقَدَهُ اللَّهُ، أيْ أوْجَدَهُ وقَدَّرَهُ فَما ظَنُّكم بِكَمالِهِ.
واللّامُ مِن قَوْلِهِ (لِيُطْفِئُوا) تُسَمّى اللّامَ الزّائِدَةَ، وتُفِيدُ التَّأْكِيدَ. وأصْلُها لامُ التَّعْلِيلِ، ذُكِرَتْ عِلَّةُ فِعْلِ الإرادَةِ عِوَضًا عَنْ مَفْعُولِهِ بِتَنْزِيلِ المَفْعُولِ مَنزِلَةَ العِلَّةِ.
والتَّقْدِيرُ: يُرِيدُونَ إطْفاءَ نُورِ اللَّهِ لِيُطْفِئُوا. ويَكْثُرُ وُقُوعُ هَذا اللّامِ بَعْدَ مادَّةِ الإرادَةِ ومادَّةِ الأمْرِ. وقَدْ سَمّاها بَعْضُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: لامَ (أنْ) لِأنَّ مَعْنى (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ مُلازِمٌ لَها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ. فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ اللّامَ بَعْدَ فِعْلِ الإرادَةِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (يُرِيدُونَ) وهي إخْبارٌ بِأنَّهم لا يَبْلُغُونَ مُرادَهم وأنَّ هَذا الدِّينَ سَيَتِمُّ، أيْ يَبْلُغُ تَمامَ الِانْتِشارِ. وفي الحَدِيثِ «واللَّهِ لَيَتِمَّنَ هَذا الأمْرُ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلّا اللَّهَ أوِ الذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ» .
والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ تُفِيدُ ثُبُوتَ هَذا الإتْمامِ. والتَّمامُ: هو حُصُولُ جَمِيعِ ما لِلشَّيْءِ
صفحة ١٩١
مِن كَيْفِيَّةٍ أوْ كَمِّيَّةٍ، فَتَمامُ النُّورِ: حُصُولُ أقْوى شُعاعِهِ وإتْمامُهُ إمْدادُ آلَتِهِ بِما يُقَوِّى شُعاعَهُ كَزِيادَةِ الزَّيْتِ في المِصْباحِ وإزالَةِ ما يَغْشاهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ حالِيَّةٌ و(لَوْ) وصْلِيَةٌ، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ شَرْطِها أجْدَرُ ما يُظَنُّ أنْ لا يَحْصُلُ عِنْدَ حُصُولِهِ مَضْمُونُ الجَوابِ. ولِذَلِكَ يُقَدِّرُ المُعْرِبُونَ قَبْلَهُ ما يَدُلُّ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الشَّرْطِ. فَيَقُولُونَ هَذا إذا لَمْ يَكُنْ كَذا بَلْ وإنْ كانَ كَذا، وهو تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ حَذْفٍ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ المَحْذُوفِ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ مَوْقِعٍ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، إذْ لا يُقالُ: إذا كُنّا كاذِبِينَ، بَلْ ولَوْ كُنّا صادِقِينَ. وكَذَلِكَ ما في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ المَعْنى: واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ عَلى فَرْضِ كَراهَةِ الكافِرِينَ، ولَمّا كانَتْ كَراهَةُ الكافِرِينَ إتْمامَ هَذا النُّورِ مُحَقَّقَةً كانَ سِياقُها في صُورَةِ الأمْرِ المَفْرُوضِ تَهَكُّمًا. وتَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ (لَوْ) هَذِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وإنَّما كانَتْ كَراهِيَةُ الكافِرِينَ ظُهُورَ نُورِ اللَّهِ حالَةً يُظَنُّ انْتِفاءُ تَمامِ النُّورِ مَعَها، لِأنَّ تِلْكَ الكَراهِيَةَ تَبْعَثُهم عَلى أنْ يَتَألَّبُوا عَلى إحْداثِ العَراقِيلِ وتَضْلِيلِ المُتَصَدِّينَ لِلِاهْتِداءِ وصَرْفِهِمْ عَنْهُ بِوُجُوهِ المَكْرِ والخَدِيعَةِ والكَيْدِ والإضْرارِ.
وشَمَلَ لَفْظُ الكافِرُونَ جَمِيعَ الكافِرِينَ بِالإسْلامِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ.
ولَكِنْ غَلَبَ اصْطِلاحُ القُرْآنِ عَلى تَخْصِيصِ وصْفِ الكافِرِينَ بِأهْلِ الكِتابِ ومُقابَلَتِهِمْ بِالمُشْرِكِينَ أوِ الظّالِمِينَ ويَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِ هَؤُلاءِ بَعْدَ لَوِ الوَصْلِيَّةِ لِأنَّ المَقامَ لِإبْطالِ مُرادِهِمْ إطْفاءَ نُورِ اللَّهِ فَإتْمامُ اللَّهِ نُورَهُ إبْطالٌ لِمُرادِهِمْ إطْفاءَهُ. وسَيَرِدُ بَعْدَ هَذا ما يُبْطِلُ مُرادَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُعانِدِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مُتِمٌّ نُورَهُ) بِتَنْوِينِ (مُتِمٌّ) ونَصْبِ (نُورَهُ) . وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِدُونِ تَنْوِينٍ وجَرِّ (نُورِهِ) عَلى إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ عَلى مَفْعُولِهِ وكِلاهُما فَصِيحٌ.
الصف 61:9
صفحة ١٩٢
﴿هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ .
هَذا زِيادَةُ تَحَدٍّ لِلْمُشْرِكِينَ وأحْلافِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ فِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، وفِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. فَقَدْ أفادَ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ قَصْرًا إضافِيًّا لِقَلْبِ زَعْمِ الكافِرِينَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أتى مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ. وأنَّ شَيْئًا تَوَلّى اللَّهُ فِعْلَهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يُزِيلَهُ.
وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ أرادَ ظُهُورَ هَذا الدِّينِ وانْتِشارَهُ كَيْلا يَطْمَعُوا أنْ يَنالَهُ ما نالَ دِينَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَمْعِ والخَفْتِ في أوَّلِ أمْرِهِ واسْتَمَرَّ زَمانًا طَوِيلًا حَتّى تَنَصَّرَ قُسْطَنْطِينُ سُلْطانُ الرُّومِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِأنَّهُ أرادَ إظْهارَ دِينِ الإسْلامِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ عُلِمَ أنَّ أمْرَهُ لا يَزالُ في ازْدِيادٍ حَتّى يَتِمَّ المُرادُ.
والإظْهارُ: النَّصْرُ ويُطْلَقُ عَلى التَّفْضِيلِ والإعْلاءِ المَعْنَوِيِّ.
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (عَلى الدِّينِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ لِيُعْلِيَ هَذا الدِّينَ الحَقَّ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ ويَنْصُرَ أهْلَهُ عَلى أهْلِ الأدْيانِ الأُخْرى الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِأهْلِ الإسْلامِ.
ويَظْهَرُ أنَّ لَفْظَ (الدِّينِ) مُسْتَعْمَلٌ في كِلا مَعْنَيَيْهِ: المَعْنى الحَقِيقِيِّ وهو الشَّرِيعَةُ. والمَعْنى المَجازِيِّ وهو أهْلُ الدِّينِ كَما تَقُولُ: دَخَلْتُ قَرْيَةَ كَذا وأكْرَمَتْنِي، فَإظْهارُ الدِّينِ عَلى الأدْيانِ بِكَوْنِهِ أعْلى مِنها تَشْرِيعًا وآدابًا، وأصْلَحَ بِجَمِيعِ النّاسِ لا يَخُصُّ أُمَّةً دُونَ أُخْرى ولا جِيلًا دُونَ جِيلٍ.
وإظْهارُ أهْلِهِ عَلى أهْلِ الأدْيانِ بِنَصْرِ أهْلِهِ عَلى الَّذِينَ يُشاقُّونَهم في مُدَّةِ ظُهُورِهِ حَتّى يَتِمَّ أمْرُهُ ويَسْتَغْنِيَ عَمَّنْ يَنْصُرُهُ.
وقَدْ تَمَّ وعْدُ اللَّهِ وظَهَرَ هَذا الدِّينُ ومَلَكَ أهْلُهُ أُمَمًا كَثِيرَةً ثُمَّ عَرَضَتْ عَوارِضُ
صفحة ١٩٣
مِن تَفْرِيطِ المُسْلِمِينَ في إقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهِهِ فَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ أُمَمٌ، فَأمّا الدِّينُ فَلَمْ يَزَلْ عالِيًا مَشْهُودًا لَهُ مِن عُلَماءِ الأُمَمِ المُنْصِفِينَ بِأنَّهُ أفْضَلُ دِينٍ لِلْبَشَرِ.
وخُصَّ المُشْرِكُونَ بِالذِّكْرِ هُنا إتْمامًا لِلَّذِينَ يَكْرَهُونَ إتْمامَ هَذا النُّورِ، وظُهُورَ هَذا الَّذِينَ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ. ويُعْلَمُ أنَّ غَيْرَ المُشْرِكِينَ يَكْرَهُونَ ظُهُورَ هَذا الَّدِينِ لِأنَّهم أرادُوا إطْفاءَ نُورِ الدِّينِ لِأنَّهم يَكْرَهُونَ ظُهُورَ هَذا الدِّينِ فَحَصَلَ في الكَلامِ احْتِباكٌ.
الصف 61:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
هَذا تَخَلُّصٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . فَبَعْدَ أنْ ضُرِبَتْ لَهُمُ الأمْثالُ، وانْتَقَلَ الكَلامُ مِن مَجالٍ إلى مَجالٍ، أُعِيدَ خِطابُهم هُنا بِمِثْلِ ما خُوطِبُوا بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، أيْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أحَبِّ العَمَلِ إلى اللَّهِ لِتَعْمَلُوا بِهِ كَما طَلَبْتُمْ إذْ قُلْتُمْ لَوُ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْنا بِهِ فَجاءَتِ السُّورَةُ في أُسْلُوبِ الخَطابَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في (أدُلُّكم) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ظاهِرَ الخِطابِ أنَّهُ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ إلى النَّبِيءِ ﷺ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ وعَلى اخْتِلافِ الِاحْتِمالِ يَخْتَلِفُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ الآتِي (﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]) .
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ مَجازًا لِأنَّ العارِضَ قَدْ يَسْألُ المَعْرُوضَ عَلَيْهِ لِيَعْلَمَ رَغْبَتَهُ في الأمْرِ المَعْرُوضِ كَما يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا ؟ أوْ هَلْ لَكَ إلى كَذا ؟
صفحة ١٩٤
والعَرْضُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّشْوِيقِ إلى الأمْرِ المَعْرُوضِ، وهو دَلالَتُهُ إيّاهم عَلى تِجارَةٍ نافِعَةٍ. وألْفاظُ الِاسْتِفْهامِ تَخْرُجُ عَنْهُ إلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ هي مِن مُلازِماتِ الِاسْتِفْهامِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهي غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما ذَكَرَهُ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (أدُلُّكم) لِإفادَةِ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُهْتَدى إلَيْها بِسُهُولَةٍ.
وأُطْلِقَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ لَفْظُ التِّجارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِمُشابَهَةِ العَمَلِ الصّالِحِ التِّجارَةَ في طَلَبِ النَّفْعِ مِن ذَلِكَ العَمَلِ ومُزاوَلَتِهِ والكَدِّ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَصْفُ التِّجارَةِ بِأنَّها تُنْجِي مِن عَذابٍ ألِيمٍ، تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ لِقَصْدِ الصَّراحَةِ بِهَذِهِ الفائِدَةِ لِأهَمِّيَتِها ولَيْسَ الإنْجاءُ مِنَ العَذابِ مِن شَأْنِ التِّجارَةِ فَهو مِن مُناسِباتِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ.
وجُمْلَةُ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ ذِكْرَ الدَّلالَةِ مُجْمَلٌ والتَّشْوِيقُ الَّذِي سَبَقَها مِمّا يُثِيرُ في أنْفُسِ السّامِعِينَ التَّساؤُلَ عَنْ هَذا الَّذِي تَدُلُّنا عَلَيْهِ وعَنْ هَذِهِ التِّجارَةِ.
وإذْ قَدْ كانَ الخِطابُ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ فَإنَّ فِعْلَ (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) مَعَ (وتُجاهِدُونَ) مُرادٌ بِهِ تَجْمَعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وبَيْنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الجِهادِ. وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ إفادَةُ الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الإيمانِ وتَجْدِيدِهِ في كُلِّ آنٍ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ وتَحْذِيرٌ مِنَ التَّغافُلِ عَنْ مُلازَمَةِ الإيمانِ وشُؤُونِهِ.
وأمّا (تُجاهِدُونَ) فَإنَّهُ لِإرادَةِ تَجَدُّدِ الجِهادِ إذا اسْتُنْفِرُوا إلَيْهِ.
ومَجِيءُ (يَغْفِرُ) مَجْزُومًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ (تُؤْمِنُونَ) (وتُجاهِدُونَ) وإنْ جاءا في صِيغَةِ الخَبَرِ فالمُرادُ الأمْرُ لِأنَّ الجَزْمَ إنَّما يَكُونُ في جَوابِ الطَّلَبِ لا في جَوابِ الخَبَرِ. قالَهُ المُبَرِّدُ والزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: جُزِمَ (يَغْفِرْ) لِأنَّهُ جَوابُ (هَلْ أدُلُّكم)، أيْ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ
صفحة ١٩٥
(أدُلُّكم) هو التِّجارَةُ المُفَسَّرَةُ بِالإيمانِ والجِهادِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تَتَّجِرُونَ بِالإيمانِ والجِهادِ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم.
وإنَّما جِيءَ بِالفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ حَتّى يَفْرِضَ المَأْمُورُ كَأنَّهُ سَمِعَ الأمْرَ وامْتَثَلَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُنْجِيكم) بِسِكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، يُقالُ: أنْجاهُ ونَجّاهُ.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى الإيمانِ والجِهادِ بِتَأْوِيلِ: المَذْكُورُ خَيْرٌ.
و(خَيْرٌ) هَذا لَيْسَ اسْمَ تَفْضِيلٍ الَّذِي أصْلُهُ أخْيَرُ ووَزْنُهُ: أفْعَلُ، بَلْ هو اسْمٌ لِضِدِّ الشَّرِّ ووَزْنُهُ: فَعْلٌ.
وجَمَعَ قَوْلُهُ (خَيْرٌ) ما هو خَيْرُ الدُّنْيا وخَيْرُ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ (إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تَعْرِيضٌ لَهم بِالعِتابِ عَلى تَوَلِّيهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ أنْ قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَنُدِبُوا إلى الجِهادِ فَكانَ ما كانَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يُشَكُّ في عَمَلِهِمْ بِأنَّهُ خَيْرٌ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ.
والمَساكِنُ الطَّيِّبَةِ: هي القُصُورُ الَّتِي في الجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] .
وإنَّما خُصَّتِ المَساكِنُ بِالذِّكْرِ هُنا لِأنَّ في الجِهادِ مُفارَقَةَ مَساكِنِهِمْ، فَوُعِدُوا عَلى تِلْكَ المُفارَقَةِ المُؤَقَّتَةِ بِمَساكِنَ أبَدِيَّةٍ. قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيَةَ.
الصف 61:11
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
هَذا تَخَلُّصٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . فَبَعْدَ أنْ ضُرِبَتْ لَهُمُ الأمْثالُ، وانْتَقَلَ الكَلامُ مِن مَجالٍ إلى مَجالٍ، أُعِيدَ خِطابُهم هُنا بِمِثْلِ ما خُوطِبُوا بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، أيْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أحَبِّ العَمَلِ إلى اللَّهِ لِتَعْمَلُوا بِهِ كَما طَلَبْتُمْ إذْ قُلْتُمْ لَوُ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْنا بِهِ فَجاءَتِ السُّورَةُ في أُسْلُوبِ الخَطابَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في (أدُلُّكم) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ظاهِرَ الخِطابِ أنَّهُ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ إلى النَّبِيءِ ﷺ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ وعَلى اخْتِلافِ الِاحْتِمالِ يَخْتَلِفُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ الآتِي (﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]) .
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ مَجازًا لِأنَّ العارِضَ قَدْ يَسْألُ المَعْرُوضَ عَلَيْهِ لِيَعْلَمَ رَغْبَتَهُ في الأمْرِ المَعْرُوضِ كَما يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا ؟ أوْ هَلْ لَكَ إلى كَذا ؟
صفحة ١٩٤
والعَرْضُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّشْوِيقِ إلى الأمْرِ المَعْرُوضِ، وهو دَلالَتُهُ إيّاهم عَلى تِجارَةٍ نافِعَةٍ. وألْفاظُ الِاسْتِفْهامِ تَخْرُجُ عَنْهُ إلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ هي مِن مُلازِماتِ الِاسْتِفْهامِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهي غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما ذَكَرَهُ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (أدُلُّكم) لِإفادَةِ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُهْتَدى إلَيْها بِسُهُولَةٍ.
وأُطْلِقَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ لَفْظُ التِّجارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِمُشابَهَةِ العَمَلِ الصّالِحِ التِّجارَةَ في طَلَبِ النَّفْعِ مِن ذَلِكَ العَمَلِ ومُزاوَلَتِهِ والكَدِّ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَصْفُ التِّجارَةِ بِأنَّها تُنْجِي مِن عَذابٍ ألِيمٍ، تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ لِقَصْدِ الصَّراحَةِ بِهَذِهِ الفائِدَةِ لِأهَمِّيَتِها ولَيْسَ الإنْجاءُ مِنَ العَذابِ مِن شَأْنِ التِّجارَةِ فَهو مِن مُناسِباتِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ.
وجُمْلَةُ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ ذِكْرَ الدَّلالَةِ مُجْمَلٌ والتَّشْوِيقُ الَّذِي سَبَقَها مِمّا يُثِيرُ في أنْفُسِ السّامِعِينَ التَّساؤُلَ عَنْ هَذا الَّذِي تَدُلُّنا عَلَيْهِ وعَنْ هَذِهِ التِّجارَةِ.
وإذْ قَدْ كانَ الخِطابُ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ فَإنَّ فِعْلَ (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) مَعَ (وتُجاهِدُونَ) مُرادٌ بِهِ تَجْمَعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وبَيْنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الجِهادِ. وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ إفادَةُ الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الإيمانِ وتَجْدِيدِهِ في كُلِّ آنٍ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ وتَحْذِيرٌ مِنَ التَّغافُلِ عَنْ مُلازَمَةِ الإيمانِ وشُؤُونِهِ.
وأمّا (تُجاهِدُونَ) فَإنَّهُ لِإرادَةِ تَجَدُّدِ الجِهادِ إذا اسْتُنْفِرُوا إلَيْهِ.
ومَجِيءُ (يَغْفِرُ) مَجْزُومًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ (تُؤْمِنُونَ) (وتُجاهِدُونَ) وإنْ جاءا في صِيغَةِ الخَبَرِ فالمُرادُ الأمْرُ لِأنَّ الجَزْمَ إنَّما يَكُونُ في جَوابِ الطَّلَبِ لا في جَوابِ الخَبَرِ. قالَهُ المُبَرِّدُ والزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: جُزِمَ (يَغْفِرْ) لِأنَّهُ جَوابُ (هَلْ أدُلُّكم)، أيْ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ
صفحة ١٩٥
(أدُلُّكم) هو التِّجارَةُ المُفَسَّرَةُ بِالإيمانِ والجِهادِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تَتَّجِرُونَ بِالإيمانِ والجِهادِ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم.
وإنَّما جِيءَ بِالفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ حَتّى يَفْرِضَ المَأْمُورُ كَأنَّهُ سَمِعَ الأمْرَ وامْتَثَلَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُنْجِيكم) بِسِكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، يُقالُ: أنْجاهُ ونَجّاهُ.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى الإيمانِ والجِهادِ بِتَأْوِيلِ: المَذْكُورُ خَيْرٌ.
و(خَيْرٌ) هَذا لَيْسَ اسْمَ تَفْضِيلٍ الَّذِي أصْلُهُ أخْيَرُ ووَزْنُهُ: أفْعَلُ، بَلْ هو اسْمٌ لِضِدِّ الشَّرِّ ووَزْنُهُ: فَعْلٌ.
وجَمَعَ قَوْلُهُ (خَيْرٌ) ما هو خَيْرُ الدُّنْيا وخَيْرُ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ (إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تَعْرِيضٌ لَهم بِالعِتابِ عَلى تَوَلِّيهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ أنْ قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَنُدِبُوا إلى الجِهادِ فَكانَ ما كانَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يُشَكُّ في عَمَلِهِمْ بِأنَّهُ خَيْرٌ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ.
والمَساكِنُ الطَّيِّبَةِ: هي القُصُورُ الَّتِي في الجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] .
وإنَّما خُصَّتِ المَساكِنُ بِالذِّكْرِ هُنا لِأنَّ في الجِهادِ مُفارَقَةَ مَساكِنِهِمْ، فَوُعِدُوا عَلى تِلْكَ المُفارَقَةِ المُؤَقَّتَةِ بِمَساكِنَ أبَدِيَّةٍ. قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيَةَ.
الصف 61:12
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
هَذا تَخَلُّصٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . فَبَعْدَ أنْ ضُرِبَتْ لَهُمُ الأمْثالُ، وانْتَقَلَ الكَلامُ مِن مَجالٍ إلى مَجالٍ، أُعِيدَ خِطابُهم هُنا بِمِثْلِ ما خُوطِبُوا بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، أيْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أحَبِّ العَمَلِ إلى اللَّهِ لِتَعْمَلُوا بِهِ كَما طَلَبْتُمْ إذْ قُلْتُمْ لَوُ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْنا بِهِ فَجاءَتِ السُّورَةُ في أُسْلُوبِ الخَطابَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في (أدُلُّكم) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ظاهِرَ الخِطابِ أنَّهُ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ إلى النَّبِيءِ ﷺ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ وعَلى اخْتِلافِ الِاحْتِمالِ يَخْتَلِفُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ الآتِي (﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣]) .
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ مَجازًا لِأنَّ العارِضَ قَدْ يَسْألُ المَعْرُوضَ عَلَيْهِ لِيَعْلَمَ رَغْبَتَهُ في الأمْرِ المَعْرُوضِ كَما يُقالُ: هَلْ لَكَ في كَذا ؟ أوْ هَلْ لَكَ إلى كَذا ؟
صفحة ١٩٤
والعَرْضُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّشْوِيقِ إلى الأمْرِ المَعْرُوضِ، وهو دَلالَتُهُ إيّاهم عَلى تِجارَةٍ نافِعَةٍ. وألْفاظُ الِاسْتِفْهامِ تَخْرُجُ عَنْهُ إلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ هي مِن مُلازِماتِ الِاسْتِفْهامِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وهي غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما ذَكَرَهُ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (أدُلُّكم) لِإفادَةِ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لا يُهْتَدى إلَيْها بِسُهُولَةٍ.
وأُطْلِقَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ لَفْظُ التِّجارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِمُشابَهَةِ العَمَلِ الصّالِحِ التِّجارَةَ في طَلَبِ النَّفْعِ مِن ذَلِكَ العَمَلِ ومُزاوَلَتِهِ والكَدِّ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَصْفُ التِّجارَةِ بِأنَّها تُنْجِي مِن عَذابٍ ألِيمٍ، تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ لِقَصْدِ الصَّراحَةِ بِهَذِهِ الفائِدَةِ لِأهَمِّيَتِها ولَيْسَ الإنْجاءُ مِنَ العَذابِ مِن شَأْنِ التِّجارَةِ فَهو مِن مُناسِباتِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ.
وجُمْلَةُ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ ذِكْرَ الدَّلالَةِ مُجْمَلٌ والتَّشْوِيقُ الَّذِي سَبَقَها مِمّا يُثِيرُ في أنْفُسِ السّامِعِينَ التَّساؤُلَ عَنْ هَذا الَّذِي تَدُلُّنا عَلَيْهِ وعَنْ هَذِهِ التِّجارَةِ.
وإذْ قَدْ كانَ الخِطابُ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ فَإنَّ فِعْلَ (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) مَعَ (وتُجاهِدُونَ) مُرادٌ بِهِ تَجْمَعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وبَيْنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الجِهادِ. وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ إفادَةُ الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الإيمانِ وتَجْدِيدِهِ في كُلِّ آنٍ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ وتَحْذِيرٌ مِنَ التَّغافُلِ عَنْ مُلازَمَةِ الإيمانِ وشُؤُونِهِ.
وأمّا (تُجاهِدُونَ) فَإنَّهُ لِإرادَةِ تَجَدُّدِ الجِهادِ إذا اسْتُنْفِرُوا إلَيْهِ.
ومَجِيءُ (يَغْفِرُ) مَجْزُومًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ (تُؤْمِنُونَ) (وتُجاهِدُونَ) وإنْ جاءا في صِيغَةِ الخَبَرِ فالمُرادُ الأمْرُ لِأنَّ الجَزْمَ إنَّما يَكُونُ في جَوابِ الطَّلَبِ لا في جَوابِ الخَبَرِ. قالَهُ المُبَرِّدُ والزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ: جُزِمَ (يَغْفِرْ) لِأنَّهُ جَوابُ (هَلْ أدُلُّكم)، أيْ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ
صفحة ١٩٥
(أدُلُّكم) هو التِّجارَةُ المُفَسَّرَةُ بِالإيمانِ والجِهادِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تَتَّجِرُونَ بِالإيمانِ والجِهادِ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم.
وإنَّما جِيءَ بِالفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ الِامْتِثالِ حَتّى يَفْرِضَ المَأْمُورُ كَأنَّهُ سَمِعَ الأمْرَ وامْتَثَلَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُنْجِيكم) بِسِكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ، يُقالُ: أنْجاهُ ونَجّاهُ.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى الإيمانِ والجِهادِ بِتَأْوِيلِ: المَذْكُورُ خَيْرٌ.
و(خَيْرٌ) هَذا لَيْسَ اسْمَ تَفْضِيلٍ الَّذِي أصْلُهُ أخْيَرُ ووَزْنُهُ: أفْعَلُ، بَلْ هو اسْمٌ لِضِدِّ الشَّرِّ ووَزْنُهُ: فَعْلٌ.
وجَمَعَ قَوْلُهُ (خَيْرٌ) ما هو خَيْرُ الدُّنْيا وخَيْرُ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ (إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تَعْرِيضٌ لَهم بِالعِتابِ عَلى تَوَلِّيهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ أنْ قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ لَعَمِلْناهُ، فَنُدِبُوا إلى الجِهادِ فَكانَ ما كانَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يُشَكُّ في عَمَلِهِمْ بِأنَّهُ خَيْرٌ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ.
والمَساكِنُ الطَّيِّبَةِ: هي القُصُورُ الَّتِي في الجَنَّةِ، قالَ تَعالى ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] .
وإنَّما خُصَّتِ المَساكِنُ بِالذِّكْرِ هُنا لِأنَّ في الجِهادِ مُفارَقَةَ مَساكِنِهِمْ، فَوُعِدُوا عَلى تِلْكَ المُفارَقَةِ المُؤَقَّتَةِ بِمَساكِنَ أبَدِيَّةٍ. قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٤] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] الآيَةَ.
الصف 61:13
﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (يَغْفِرْ لَكم) (ويُدْخِلْكم) عَطْفَ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ. وجِيءَ بِالإسْمِيَّةِ لِإفادَةِ الثُّبُوتِ والتَّحَقُّقِ. فَ (أُخْرى) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ
صفحة ١٩٦
عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أدُلُّكم) مِن قَوْلِهِ (يَغْفِرْ لَكم) . والتَّقْدِيرُ: أُخْرى لَكم، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الخَبَرَ قَوْلَهُ (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) .
وجِيءَ بِهِ وصْفًا مُؤَنَّثًا بِتَأْوِيلِ نِعْمَةٍ، أوْ فَضِيلَةٍ، أوْ خَصْلَةٍ مِمّا يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ (يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم) إلى آخِرِهِ مِن مَعْنى النِّعْمَةِ والخَصْلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها﴾ [الفتح: ٢١] في سُورَةِ الفَتْحِ.
ووَصَفَ (أُخْرى) بِجُمْلَةِ (تُحِبُّونَها) إشارَةً إلى الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِإعْطائِهِمْ ما يُحِبُّونَ في الحَياةِ الدُّنْيا قَبْلَ إعْطاءِ نَعِيمِ الآخِرَةِ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤] .
و(نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) بَدَلٌ مِن (أُخْرى)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ أُخْرى. والمُرادُ بِهِ النَّصْرُ العَظِيمِ، وهو نَصْرُ فَتْحِ مَكَّةَ فَإنَّهُ كانَ نَصْرًا عَلى أشَدِّ أعْدائِهِمُ الَّذِينَ فَتَنُوهم وآذَوْهم وأخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وألَّبُوا عَلَيْهِمُ العَرَبَ والأحْزابَ. ورامُوا تَشْوِيهَ سُمْعَتِهِمْ، وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ نَصْرُ الدِّينِ بِإسْلامِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلُ أيِمَّةَ الكُفْرِ ومَساعِيرَ الفِتْنَةِ، فَأصْبَحُوا مُؤْمِنِينَ إخْوانًا وصَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] وقَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
وذِكْرُ اسْمِ الجَلالَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ (هَلْ أدُلُّكم) كَلامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ إنْ كانَ الخِطابُ أُمِرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَقْدِيرِ (قُلْ) .
ووَصْفُ الفَتْحِ بِـ (قَرِيبٌ) تَعْجِيلٌ بِالمَسَرَّةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ الرّاجِعَةِ إلى الإخْبارِ بِالغَيْبِ.
* * *
﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ
صفحة ١٩٧
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] عَلى احْتِمالِ أنَّ ما قَبْلَها كَلامٌ صادِرٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ فَيَكُونُ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ بِأنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ. ولا يَتَأتّى في هَذِهِ الجُمْلَةِ فَرْضُ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ إذْ لَيْسَ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ بَلْ جُمْلَةٍ عَلى مَجْمُوعِ جُمَلٍ عَلى نَحْوِ ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥] الآيَةُ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وما بَيَّنَهُ مِن كَلامِ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ في حاشِيَةِ الكَشّافِ.
وأمّا عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ [الصف: ١٠] إلى آخِرِهِ مَسُوقًا لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قُلْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ [الصف: ١٠]، إلى آخِرِهِ، فَيَكُونُ الأمْرُ في وبَشِّرِ التِفاتًا مِن قَبِيلِ التَّجْرِيدِ. والمَعْنى: وأُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥]) في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيِي الآنَ أنَّ الاخْتِلافَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ اخْتِلافٌ لَفْظِيٌّ لا يُؤَثِّرُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ اتِّصالًا ولا انْقِطاعًا لِأنَّ الِاتِّصالَ والِانْقِطاعَ أمْرانِ مَعْنَوِيّانِ وتابِعانِ لِلْأغْراضِ فالعِبْرَةُ بِالمُناسَبَةِ المَعْنَوِيَّةِ دُونَ الصِّيغَةِ اللَّفْظِيَّةِ وفي هَذا مَقْنَعٌ حَيْثُ فاتَنِي التَّعَرُّضُ لِهَذا الوَجْهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
الصف 61:14
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أنْصارًا لِلَّهِ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِيَ إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ .
صفحة ١٩٨
هَذا خِطابٌ آخَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَكْمِلَةً لِما تَضَمَّنَهُ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف: ١١] الآيَةَ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الخِطابِ، فَجاءَ هَذا الخِطابُ الثّانِي تَذْكِيرًا بِأُسْوَةٍ عَظِيمَةٍ مِن أحْوالِ المُخْلِصِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ وهم أصْحابُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ وضَعْفِهِمْ.
فَأمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِنَصْرِ الدِّينِ وهو نَصْرٌ غَيْرُ النَّصْرِ الَّذِي بِالجِهادِ لِأنَّ ذَلِكَ تَقَدَّمَ التَّحْرِيضُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] الآيَةَ ووَعْدُهم عَلَيْهِ بِأنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ، فَهَذا النَّصْرُ المَأْمُورُ بِهِ هُنا نَصْرُ دِينِ اللَّهِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ بِأنْ يَبُثُّوهُ ويَثْبُتُوا عَلى الأخْذِ بِهِ دُونَ اكْتِراثٍ بِما يُلاقُونَهُ مِن أذًى مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، قالَ تَعالى ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] . وهَذا هو الَّذِي شَبَّهَ بِنَصْرِ الحَوارِيِّينَ دِينَ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ عِيسى لَمْ يُجاهِدْ مَن عانَدُوهُ، ولا كانَ الحَوارِيُّونَ مِمَّنْ
صفحة ١٩٩
جاهَدُوا ولَكِنَّهُ صَبَرَ وصَبَرُوا حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ دِينَ النَّصْرانِيَّةِ وانْتَشَرَ في الأرْضِ ثُمَّ دَبَّ إلَيْهِ التَّغْيِيرُ حَتّى جاءَ الإسْلامُ فَنَسَخَهُ مِن أصْلِهِ.
والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، وهو النّاصِرُ الشَّدِيدُ النَّصْرِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (كُونُوا أنْصارًا لِلَّهِ) بِتَنْوِينِ (أنْصارًا) وقَرَنَ اسْمَ الجَلالَةِ بِاللّامِ الجارَّةِ فَيَكُونُ (أنْصارًا) مُرادًا بِهِ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ المُفِيدِ لِلْإحْداثِ، أيْ مُحْدِثِينَ النَّصْرَ، واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ، أيْ ناصِرِينَ لَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] .
وقَرَأهُ الباقُونَ بِإضافَةِ (أنْصارَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ بِدُونِ لامٍ عَلى اعْتِبارِ أنْصارٍ كاللَّقَبِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ مَن أنْصارِي.
والتَّشْبِيهُ بِدَعْوَةِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ وجَوابُ الحَوارِيِّينَ تَشْبِيهُ تَمْثِيلٍ، أيْ كُونُوا عِنْدَما يَدْعُوكم مُحَمَّدٌ ﷺ إلى نَصْرِ اللَّهِ كَحالَةِ قَوْلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ واسْتِجابَتِهِمْ لَهُ.
صفحة ٢٠٠
والتَّشْبِيهُ لِقَصْدِ التَّنْظِيرِ والتَّأسِّي فَقَدْ صَدَقَ الحَوارِيُّونَ وعْدَهم وثَبَتُوا عَلى الدِّينِ ولَمْ تُزَعْزِعْهُمُ الفِتَنُ والتَّعْذِيبُ.
وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ كَقَوْلِ عِيسى وقَوْلِ الحَوارِيِّينَ. وفِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: لِكَوْنِ قَوْلِ عِيسى وقَوْلِ الحَوارِيِّينَ. فالتَّشْبِيهُ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ قَوْلُ عِيسى وجَوابُ الحَوارِيِّينَ لِأنَّ جَوابَ الحَوارِيِّينَ بِمَنزِلَةِ الكَلامِ المُفَرَّعِ عَلى دَعْوَةِ عِيسى وإنَّما تُحْذَفُ الفاءُ في مِثْلِهِ مِنَ المُقاوَلاتِ والمُحاوَراتِ لِلِاخْتِصارِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُ عِيسى ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ لِاخْتِبارِ انْتِدابِهِمْ إلى نَصْرِ دِينِ اللَّهِ مَعَهُ نَظِيرَ قَوْلِ طَرَفَةَ:
إذا القَوْمُ قالُوا مَن فَتًى خِلْتُ إنَّنِي عُنِيتُ فَلَمْ أكْسَلْ ولَمْ أتَبَلَّدِ
وإضافَةُ أنْصارٍ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ وهو عِيسى بِاعْتِبارِهِمْ أنْصارَ دَعْوَتِهِ.
وإلى اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِ أنْصارِي. ومَعْنى (إلى) الِانْتِهاءُ المَجازِيِّ، أيْ
صفحة ٢٠١
مُتَوَجِّهِينَ إلى اللَّهِ، شُبِّهَ دُعاؤُهم إلى الدِّينِ وتَعْلِيمُهُمُ النّاسَ ما يَرْضاهُ اللَّهُ لَهم بِسَعْيِ ساعِينَ إلى اللَّهِ لِيَنْصُرُوهُ كَما يَسْعى المُسْتَنْجِدُ بِهِمْ إلى مَكانِ مُسْتَنْجِدِهِمْ لِيَنْصُرُوهُ عَلى مَن غَلَبَهُ.
فَفِي حَرْفِ (إلى) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، ولِذَلِكَ كانَ الجَوابُ المَحْكِيُّ عَنِ الحَوارِيِّينَ مُطابِقًا لِلِاسْتِفْهامِ إذْ قالُوا: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ، أيْ نَحْنُ نَنْصُرُ اللَّهَ عَلى مَن حادَّهُ وشاقَّهُ، أيْ نَنْصُرُ دِينَهُ.
والحَوارِيُّونَ: جَمْعُ حَوارِيٍّ بِفَتْحِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الواوِ وهي كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الحَبَشِيَّةِ (حَوارِيّا) وهو الصّاحِبُ الصَّفِيُّ، ولَيْسَتْ عَرَبِيَّةَ الأصْلِ ولا مُشْتَقَّةً مِن مادَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، وقَدْ عَدَّها الضَّحّاكُ في جُمْلَةِ الألْفاظِ المُعَرَّبَةِ لَكِنَّهُ قالَ: إنَّها نَبَطِيَّةٌ. ومَعْنى الحَوارِيِّ الغَسّالُ، كَذا في الإتْقانِ.
والحَوارِيُّونَ: اسْمٌ أطْلَقَهُ القُرْآنُ عَلى أصْحابِ عِيسى الِاثْنَيْ عَشَرَ، ولا شَكَّ أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ نَصارى العَرَبِ أخَذُوهُ مِن نَصارى الحَبَشَةِ. ولا يُعْرَفُ هَذا الِاسْمُ
صفحة ٢٠٢
فِي الأناجِيلِ.
وقَدْ سَمّى النَّبِيءُ ﷺ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ حَوارِيَّهُ عَلى التَّشْبِيهِ بِأحَدِ الحَوارِيِّينَ فَقالَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوارِيٌّ وحَوارِيَّ الزُّبَيْرُ» . وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَوارِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
واعْلَمْ أنَّ مَقالَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَحْكِيَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَقالَتِهِ المَحْكِيَّةِ في آيَةِ آلِ عِمْرانَ فَإنَّ تِلْكَ مُوَجَّهَةٌ إلى جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ لَمّا دَعاهم إلى الإيمانِ بِهِ.
أمّا مَقالَتُهُ المَحْكِيَّةُ هُنا فَهي مُوَجَّهَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ طالِبًا مِنهم نُصَرْتَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ﴾ الآيَةَ، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ اخْتِلافُ مُقْتَضى الكَلامَيْنِ المُتَماثِلَيْنِ. وعَلى حَسَبِ اخْتِلافِ المَقامَيْنِ يُجْرى اخْتِلافُ اعْتِبارِ الخُصُوصِيّاتِ في الكَلامَيْنِ وإنْ كانا مُتَشابِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْنا هُنالِكَ إضافَةُ ”أنْصارُ اللَّهِ“ إضافَةً لَفْظِيَّةً وبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ مُفِيدًا لِلْقَصْرِ لِانْعِدامِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ. فَأمّا هُنا فالأظْهَرُ أنَّ كَلِمَةَ ”أنْصارُ اللَّهِ“ اعْتُبِرَتْ لَقَبًا لِلْحَوارِيِّينَ عَرَّفُوا أنْفُسَهم بِهِ وخَلَعُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ فَلِذَلِكَ أرادُوا الِاسْتِدْلالَ بِهِ عَلى أنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِتَحْقِيقِ مَعْناهُ، ولِذَلِكَ تَكُونُ إضافَةُ أنْصارٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ هُنا إضافَةً مَعْنَوِيَّةً مُفِيدَةً تَعْرِيفًا فَصارَتْ جُمْلَةً ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ هُنا مُشْتَمِلَةً عَلى صِيغَةِ قَصْرٍ عَلى خِلافِ نَظِيرَتِها الَّتِي في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
فَفِي حِكايَةِ جَوابِ الحَوارِيِّينَ هُنا خُصُوصِيَّةُ صِيغَةِ القَصْرِ بِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ. وخُصُوصِيَّةُ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ. فَكانَ إيجازًا في حِكايَةِ جَوابِهِمْ بِأنَّهم أجابُوا بِالِانْتِدابِ إلى نَصْرِ الرَّسُولِ وبِجَعْلِ أنْفُسِهِمْ مَحْقُوقِينَ بِهَذا النَّصْرِ لِأنَّهم مَحَّضُوا أنْفُسَهم لِنَصْرِ الدِّينِ وعُرِفُوا بِذَلِكَ وبِحَصْرِ نَصْرِ الدِّينِ فِيهِمْ حَصْرًا يُفِيدُ المُبالَغَةَ في تَمَحُّضِهِمْ لَهُ حَتّى كَأنَّهُ لا ناصِرَ لِلدِّينِ غَيْرُهم مَعَ قِلَّتِهِمْ وإفادَتَهُ التَّعْرِيضَ بِكُفْرِ بَقِيَّةِ قَوْمِهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وفُرِّعَ عَلى قَوْلِ الحَوارِيِّينَ (نَحْنُ أنْصارُ) الإخْبارُ بِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقُوا طائِفَتَيْنِ طائِفَةٌ آمَنَتْ بِعِيسى وما جاءَ بِهِ، وطائِفَةٌ كَفَرَتْ بِذَلِكَ وهو التَّفْرِيعُ يَقْتَضِي كَلامًا مُقَدَّرًا وهو فَنَصَرُوا اللَّهَ بِالدَّعْوَةِ والمُصابَرَةِ عَلَيْها فاسْتَجابَ بَعْضُ بَنِي
صفحة ٢٠٣
إسْرائِيلَ وكَفْرَ بَعْضُ وإنَّما اسْتَجابَ لَهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَدَدٌ قَلِيلٌ فَقَدْ جاءَ في إنْجِيلِ لُوقا أنَّ أتْباعَ عِيسى كانُوا أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ التَّوْطِئَةُ لِقَوْلِهِ ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ والتَّأْيِيدُ والنَّصْرُ والتَّقْوِيَةُ، أيَّدَ اللَّهُ أهْلَ النَّصْرانِيَّةِ بِكَثِيرٍ مِمَّنِ اتَّبَعَ النَّصْرانِيَّةَ بِدَعْوَةِ الحَوارِيِّينَ وأتْباعِهِمْ مِثْلَ بُولِسَ
وإنَّما قالَ ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَأيَّدْناهم لِأنَّ التَّأْيِيدَ كانَ لِمَجْمُوعِ المُؤْمِنِينَ بِعِيسى لا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم إذْ قَدْ قُتِلَ مِن أتْباعِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ ومُثِّلَ بِهِمْ وأُلْقُوا إلى السِّباعِ في المَشاهِدِ العامَّةِ تَفْتَرِسُهم، وكانَ مِمَّنْ قُتِلَ مِنَ الحَوارِيِّينِ الحَوارِيُّ الأكْبَرُ الَّذِي سَمّاهُ عِيسى بُطْرُسَ، أيِ الصَّخْرَةَ في ثَباتِهِ في اللَّهِ.
ويَزْعُمُونَ أنَّ جُثَّتَهُ في الكَنِيسَةِ العُظْمى في رُومَةَ المَعْرُوفَةُ بِكَنِيسَةِ القِدِّيسِ بُطْرُسَ والحُكْمُ عَلى المَجْمُوعِ في مِثْلِ هَذا شائِعٌ كَما تَقُولُ: نَصَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ أنَّ مِنهم مَن قُتِلَ. والمَقْصُودُ نَصْرُ الدِّينِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ وعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ أُمِرُوا أنْ يَكُونُوا أنْصارَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُهم عَلى عَدُوِّهِمْ.
والعَدُوُّ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، قالَ تَعالى ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ.
والظّاهِرُ هو: الغالِبُ، يُقالُ: ظَهَرَ عَلَيْهِ، أيْ غَلَبَهُ، وظَهَرَ بِهِ أيْ غَلَبَ بِسَبَبِهِ، أيْ بِإعانَتِهِ وأصْلُ فِعْلِهِ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ. وهو الظَّهْرُ الَّذِي هو العَمُودُ الوَسَطُ مِن جَسَدِ الإنْسانِ، والدَّوابِّ لِأنَّ بِالظَّهْرِ قُوَّةَ الحَيَوانِ. وهَذا مِثْلُ فِعْلِ عَضَدَ مُشْتَقًّا مِنَ العَضُدِ. و(أيَّدَ) مُشْتَقًّا مِنَ اليَدِ ومِن تَصارِيفِهِ ظاهَرَ عَلَيْهِ واسْتَظْهَرَ وظَهِيرٌ لَهُ قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] . فَمَعْنى ظاهِرِينَ أنَّهم مَنصُورُونَ لِأنَّ عاقِبَةَ النَّصْرِ كانَتْ لَهم فَتَمَكَّنُوا مِنَ الحُكْمِ في اليَهُودِ الكافِرِينَ بِعِيسى ومَزَّقُوهم كُلَّ مُمَزَّقٍ.
* * *
صفحة ٢٠٤
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الجُمُعَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عِنْدَ الصَّحابَةِ وفي كُتُبِ السُّنَّةِ والتَّفاسِيرِ (سُورَةُ الجُمُعَةِ) ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ فَأُنْزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الجُمُعَةِ» الحَدِيثَ. وسَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] .
ووَجْهُ تَسْمِيَتِها وُقُوعُ لَفْظِ (الجُمُعَةُ) فِيها وهو اسْمٌ لِلْيَوْمِ السّابِعِ مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ في الإسْلامِ.
وقالَ ثَعْلَبٌ: إنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَجْتَمِعُ فِيهِ عِنْدَ قُصَيٍّ بِدارِ النَّدْوَةِ. ولا يَقْتَضِي في ذَلِكَ أنَّهم سَمَّوْا ذَلِكَ اليَوْمَ الجُمُعَةَ.
ولَمْ أرَ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ ما يُثْبِتُ أنَّ اسْمَ الجُمُعَةِ أطْلَقُوهُ عَلى هَذا اليَوْمِ.
وقَدْ أُطْلِقَ اسْمُ (الجُمُعَةِ) عَلى الصَّلاةِ المَشْرُوعَةِ فِيهِ عَلى حَذْفِ المُضافِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إذا جاءَ أحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»، ووَقَعَ في كَلامِ عائِشَةَ كانَ النّاسُ يَنْتابُونَ الجُمُعَةَ مِن مَنازِلِهِمْ والعَوالِيِّ إلَخْ.
وفِي كَلامِ أنَسٍ كُنّا نَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ، ومِن كَلامِ ابْنِ عُمَرَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ لا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتّى يَنْصَرِفَ، أيْ مِنَ المَسْجِدِ. ومِن كَلامِ
صفحة ٢٠٥
سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ما كُنّا نَقِيلُ ولا نَتَغَدّى إلّا بَعْدَ الجُمُعَةِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ الجُمُعَةِ الَّذِي في اسْمِ هَذِهِ السُّورَةِ مَعْنِيًّا بِهِ صَلاةَ الجُمُعَةِ لِأنَّ في هَذِهِ السُّورَةِ أحْكامًا لِصَلاةِ الجُمُعَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ يَوْمُ الجُمُعَةِ لِوُقُوعِ لَفْظِ يَوْمِ الجُمُعَةِ في السُّورَةِ في آيَةِ صَلاةِ الجُمُعَةِ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
ويَظْهَرُ أنَّها نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ وهي سَنَةُ خَيْبَرَ، فَظاهِرُ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ لِأنَّ أبا هُرَيْرَةَ أسْلَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ.
وظاهِرُهُ أنَّها نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً فَتَكُونُ قَضِيَّةُ وُرُودِ العِيرِ مِنَ الشّامِ هي سَبَبُ نُزُولِ السُّورَةِ وسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ.
وكانَ فَرْضُ صَلاةِ الجُمُعَةِ مُتَقَدِّمًا عَلى وقْتِ نُزُولِ السُّورَةِ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ فَرَضَها في خُطْبَةٍ خَطَبَ بِها لِلنّاسِ وصَلّاها في أوَّلِ يَوْمِ جُمُعَةٍ بَعْدَ يَوْمِ الهِجْرَةِ في دارٍ لِبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ. وثَبَتَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ صَلَّوْها قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ كَما سَيَأْتِي. فَكانَ فَرْضُها ثابِتًا بِالسُّنَّةِ قَوْلًا وفِعْلًا. وما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ورَدَ مَوْرِدَ التَّأْكِيدِ لِحُضُورِ صَلاةِ الجُمُعَةِ وتَرْكِ البَيْعِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الِانْصِرافِ عِنْدَ الصَّلاةِ قَبْلَ تَمامِها كَما سَيَأْتِي.
وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ السّادِسَةُ بَعْدَ المِائَةِ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ وقَبْلَ سُورَةِ التَّغابُنِ.
وظاهِرُ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرُ مُنَجِّمَةٍ.
وعُدَّتْ آيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِاتِّفاقِ العادِّينَ مِن قُرّاءِ الأمْصارِ.
* * *
أوَّلُ أغْراضِها ما نَزَلَتْ لِأجْلِهِ وهو التَّحْذِيرُ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ
صفحة ٢٠٦
والأمْرُ بِتَرْكِ ما يَشْغَلُ عَنْها في وقْتِ أدائِها. وقُدِّمَ لِذَلِكَ: التَّنْوِيهُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى والتَّنْوِيهُ بِالرَّسُولِ ﷺ . وأنَّهُ رَسُولٌ إلى العَرَبِ ومَن سَيَلْحَقُ بِهِمْ.
وأنَّ رِسالَتَهُ لَهم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.
وفِي هَذا تَوْطِئَةٌ لِذَمِّ اليَهُودِ لَأنَّهم حَسَدُوا المُسْلِمِينَ عَلى تَشْرِيفِهِمْ بِهَذا الدِّينِ.
ومِن جُمْلَةِ ما حَسَدُوهم عَلَيْهِ ونَقَمُوهُ أنْ جُعِلَ يَوْمُ الجُمُعَةِ اليَوْمَ الفاضِلَ في الأُسْبُوعِ بَعْدَ أنْ كانَ يَوْمَ السَّبْتِ وهو المَعْرُوفُ في تِلْكَ البِلادِ.
وإبْطالُ زَعْمِهِمْ أنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ.
وتَوْبِيخُ قَوْمٍ انْصَرَفُوا عَنْها لِمَجِيءِ عِيرِ تِجارَةٍ مِنَ الشّامِ.
الجمعة 62:1
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ .
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالإخْبارِ عَنْ تَسْبِيحِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ تَعالى بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِأنَّ الغَرَضَ الأوَّلَ مِنَ السُّورَةِ التَّحْرِيضُ عَلى شُهُودِ الجُمُعَةِ والنَّهْيُ عَنِ الأشْغالِ الَّتِي تَشْغَلُ عَنْ شُهُودِها وزَجْرُ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ انْصَرَفُوا عَنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ حِرْصًا عَلى الِابْتِياعِ مَن عِيرٍ ورَدَتِ المَدِينَةَ في وقْتِ حُضُورِهِمْ لِصَلاةِ الجُمُعَةِ.
ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ يُجَدِّدُونَ تَسْبِيحَ اللَّهِ ولا يَفْتُرُونَ عَنْهُ أُوثِرَ المُضارِعُ في قَوْلِهِ (يُسَبِّحُ) .
ومَعانِي هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَتْ مُفَرَّقَةً في أوائِلِ سُورَةِ الحَدِيدِ وسُورَةِ الحَشْرِ.
سِوى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ جاءَ فِيها فِعْلُ التَّسْبِيحِ مُضارِعًا وجِيءَ بِهِ في سِواها ماضِيًا لِمُناسَبَةٍ فِيها وهي: أنَّ الغَرَضَ مِنها التَّنْوِيهُ بِصَلاةِ الجُمُعَةِ والتَّنْدِيدُ عَلى نَفَرٍ قُطِعُوا عَنْ صَلاتِهِمْ وخَرَجُوا لِتِجارَةٍ أوْ لَهْوٍ فَمُناسِبٌ أنْ يُحْكى تَسْبِيحُ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ بِما فِيهِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِمْرارِ تَسْبِيحِهِمْ وتَجَدُّدِهِ تَعْرِيضًا بِالَّذِينَ لَمْ يُتِمُّوا صَلاةَ الجُمُعَةِ.
صفحة ٢٠٧
ومَعانِي صِفاتِ اللَّهِ تَعالى المَذْكُورَةُ هُنا تَقَدَّمَتْ في خَواتِمِ سُورَةِ الحَشْرِ.
ومُناسَبَةُ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ هُنا أنَّ العَظِيمَ لا يَنْصَرِفُ عَنْ مَجْلِسِهِ مَن كانَ عِنْدَهُ إلّا عِنْدَ انْفِضاضِ مَجْلِسِهِ أوْ إيذانِهِ بِانْصِرافِهِمْ.
والقُدُّوسُ: المُنَزَّهُ عَنِ النَّقْصِ وهو يَرْغَبُ في حَضْرَتِهِ. والعَزِيزُ: يَعْتَزُّ المُلْتَفُّونَ حَوْلَهُ. فَمُفارَقَتُهم حَضَرَتِهِ تَفْرِيطٌ في العِزَّةِ. وكَذَلِكَ الحَكِيمُ إذا فارَقَ أحَدٌ حَضْرَتَهُ فاتَهُ في كُلِّ آنٍ شَيْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ كَما فاتَ الَّذِينَ انْفَضُّوا إلى العِيرِ ما خَطَبَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ إذْ تَرَكُوهُ قائِمًا في الخُطْبَةِ.
الجمعة 62:2
﴿هو الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌ ناشِئٌ عَنْ إجْراءِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إذْ يَتَساءَلُ السّامِعُ عَنْ وجْهِ تَخْصِيصِ تِلْكَ الصِّفاتِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا أنْ يُبَيَّنَ شَيْءٌ عَظِيمٌ مِن تَعَلُّقِ تِلْكَ الصِّفاتِ بِأحْوالِ خَلْقِهِ تَعالى إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا يُطَهِّرُ نُفُوسَهم ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهم. فَصِفَةُ (المَلِكِ) تَعَلَّقَتْ بِأنْ يُدَبِّرَ أمْرَ عِبادِهِ ويُصْلِحَ شُئُونَهم، وصِفَةُ (القُدُّوسِ) تَعَلَّقَتْ بِأنْ يُزَكِّيَ نُفُوسَهم، وصِفَةُ (العَزِيزِ) اقْتَضَتْ أنْ يُلْحِقَ الأُمِّيِّينَ مِن عِبادِهِ بِمَراتِبِ أهْلِ العِلْمِ ويُخْرِجَهم مِن ذِلَّةِ الضَّلالِ فَيَنالُوا عِزَّةَ العِلْمِ وشَرَفَهُ، وصِفَةُ (الحَكِيمِ) اقْتَضَتْ أنْ يُعَلِّمَهُمُ الحِكْمَةَ والشَّرِيعَةَ.
وابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ لِتَكُونَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً فَتُفِيدُ تَقْوِيَةَ هَذا الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ، أيْ أنَّ النَّبِيَّءَ ﷺ مَبْعُوثٌ مِنَ اللَّهِ لا مَحالَةَ.
وفي مِن قَوْلِهِ ﴿فِي الأُمِّيِّينَ﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ ظَرْفِيَّةِ الجَماعَةِ ولِأحَدِ أفْرادِها. ويُفْهَمُ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ مَعْنى المُلازَمَةِ، أيْ رَسُولًا لا يُفارِقُهم فَلَيْسَ مارًّا بِهِمْ كَما يَمُرُّ المُرْسَلُ بِمَقالَةٍ أوْ بِمالِكَةٍ يُبَلِّغُها إلى القَوْمِ ويُغادِرُهم.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أقامَ رَسُولَهُ لِلنّاسِ بَيْنَ العَرَبِ يَدْعُوهم ويَنْشُرُ رِسالَتَهُ إلى جَمِيعِ النّاسِ مِن بِلادِ العَرَبِ فَإنَّ دَلائِلَ عُمُومِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعْلُومَةٌ مِن مَواضِعَ
صفحة ٢٠٨
أُخْرى مِنَ القُرْآنِ كَما في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وفي سُورَةِ سَبَأٍ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبإ: ٢٨] .
والمُرادُ بِ (الأُمِّيِّينَ): العَرَبُ لِأنَّ وصْفَ الأُمِّيَّةِ غالِبٌ عَلى الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ يَوْمَئِذٍ. ووَصَفُ الرَّسُولِ بِ (مِنهم)، أيْ لَمْ يَكُنْ غَرِيبًا عَنْهم كَما بَعَثَ لُوطًا إلى أهْلِ سَدُومَ ولا كَما بَعَثَ يُونُسَ إلى أهْلِ نِينَوى، وبَعَثَ إلْياسَ إلى أهْلِ صَيْدا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ بَعْلًا، فَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ رَسُولًا مِنَ العَرَبِ.
وهَذِهِ مِنَّةٌ مُوَجَّهَةٌ لِلْعَرَبِ لِيَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى لُطْفِهِ بِهِمْ، فَإنَّ كَوْنَ رَسُولِ القَوْمِ مِنهم نِعْمَةٌ زائِدَةٌ عَلى نِعْمَةِ الإرْشادِ والهَدْيِ، وهَذا اسْتِجابَةٌ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ إذْ قالَ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] فَتَذْكِيرُهم بِهَذِهِ النِّعْمَةِ اسْتِنْزالٌ لِطائِرِ نُفُوسِهِمْ وعِنادِهِمْ.
وفِيهِ تَوَرُّكٌ عَلَيْهِمْ إذْ أعْرَضُوا عَنْ سَماعِ القُرْآنِ فَإنَّ كَوْنَ الرَّسُولِ مِنهم وكِتابَهُ بِلُغَتِهِمْ هو أعْوَنُ عَلى تَلَقِّي الإرْشادِ مِنهُ إذْ يَنْطَلِقُ بِلِسانِهِمْ وبِحَمْلِهِمْ عَلى ما يُصْلِحُ أخْلاقَهم لِيَكُونُوا حَمَلَةَ هَذا الدِّينِ إلى غَيْرِهِمْ.
والأُمِّيِّينَ: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ، أيْ في النّاسِ الأُمِّيِّينَ. وصِيغَةُ جَمْعِ المَذْكُورِ في كَلامِ الشّارِعِ تَشْمَلُ النِّساءَ بِطَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ الِاصْطِلاحِيِّ، أيْ في الأُمِّيِّينَ والأُمِّيّاتِ فَإنَّ أدِلَّةَ الشَّرِيعَةِ قائِمَةٌ عَلى أنَّها تَعُمُّ الرِّجالَ والنِّساءَ إلّا في أحْكامٍ مَعْلُومَةٍ.
والأُمِّيُّونَ: الَّذِينَ لا يَقْرَءُونَ الكِتابَةَ ولا يَكْتُبُونَ، وهو جَمْعُ أُمِّيٍّ نِسْبَةً إلى الأُمَّةِ، يَعْنُونَ بِها أُمَّةَ العَرَبِ لِأنَّهم لا يَكْتُبُونَ إلّا نادِرًا، فَغَلَبَ هَذا التَّشْبِيهُ في الإطْلاقِ عِنْدَ العَرَبِ حَتّى صارَتْ تُطْلَقُ عَلى مَن لا يَكْتُبُ ولَوْ مِن غَيْرِهِمْ قالَ تَعالى في ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأُوثِرَ التَّعْبِيرُ بِهِ هُنا تَوَرُّكًا عَلى اليَهُودِ لِأنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَ بِهِ الغَضَّ مِنَ العَرَبِ ومِنَ النَّبِيءِ ﷺ جَهْلًا مِنهم فَيَقُولُونَ: هو رَسُولُ الأُمِّيِّينَ ولَيْسَ رَسُولًا إلَيْنا. وقَدْ قالَ ابْنُ صَيّادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَمّا قالَ لَهُ «أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ. أشْهَدُ أنَّكَ
صفحة ٢٠٩
رَسُولُ الأُمِّيِّينَ» . وكانَ ابْنُ صَيّادٍ مُتَدَيِّنًا بِاليَهُودِيَّةِ لِأنَّ أهْلَهُ كانُوا حُلَفاءَ لِلْيَهُودِ.
وكانَ اليَهُودُ يَنْتَقِصُونَ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم أُمِّيُّونَ قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَتَحَدّى اللَّهُ اليَهُودَ بِأنَّهُ بَعَثَ رَسُولًا إلى الأُمِّيِّينَ وبِأنَّ الرَّسُولَ أُمِّيٌّ، وأعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ كَما في آخِرِ الآيَةِ وأنَّ فَضْلَ اللَّهِ لَيْسَ خاصًّا بِاليَهُودِ ولا بِغَيْرِهِمْ وقَدْ قالَ تَعالى مِن قَبْلُ لِمُوسى (﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أيِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥]) .
ووَصَفُ الرَّسُولِ بِأنَّهُ مِنهم، أيْ مِنَ الأُمِّيِّينَ شامِلٌ لِمُماثَلَتِهِ لَهم في الأُمِّيَّةِ وفي القَوْمِيَّةِ. وهَذا مِن إيجازِ القُرْآنِ البَدِيعِ.
وفِي وصْفِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ بَأنَّهُ يَتْلُو عَلى الأُمِّيِّينَ آياتِ اللَّهِ، أيْ وحْيَهُ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكُتّابَ، أيْ يُلَقِّنُهم إيّاهُ كَما كانَتِ الرُّسُلُ تُلَقِّنُ الأُمَمَ الكِتابِ بِالكِتابَةِ، ويُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ الَّتِي عَلَّمَتْها الرُّسُلُ السّابِقُونَ أُمَمَهم في كُلِّ هَذِهِ الأوْصافِ تَحَدٍّ بِمُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ في هَذا الرَّسُولِ ﷺ، أيْ هو مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا قَدْ أتى أمَّتَهُ بِجَمِيعِ الفَوائِدِ الَّتِي أتى بِها الرُّسُلُ غَيْرُ الأُمِّيِّينَ أُمَمَهم ولَمْ يَنْقُصْ عَنْهم شَيْئًا، فَتَمَحَّضَتِ الأُمِّيَّةُ لِلْكَوْنِ مُعْجِزَةً حَصَلَ مِن صاحِبِها أفْضَلُ مِمّا حَصَلَ مِنَ الرُّسُلِ الكاتِبِينَ مِثْلِ مُوسى.
وفِي وصْفِ الأُمِّيِّ بِالتِّلاوَةِ وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ وتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ ضَرْبٌ مِن مُحَسِّنِ الطِّباقِ لِأنَّ المُتَعارَفَ أنَّ هَذِهِ مُضادَّةٌ لِلْأُمِّيَّةِ.
وابْتُدِئَ بِالتِّلاوَةِ لِأنَّ أوَّلَ تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ بِإبْلاغِ الوَحْيِ، وثُنِّيَ بِالتَّزْكِيَةِ لِأنَّ ابْتِداءَ الدَّعْوَةِ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الرِّجْسِ المَعْنَوِيِّ وهو الشِّرْكُ، وما يَعْلِقُ بِهِ مِن مُساوِيَ الأعْمالِ والطِّباعِ.
وعَقَّبَ بِذِكْرِ تَعْلِيمِهِمُ الكِتابَ لِأنَّ الكِتابَ بَعْدَ إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ تَبَيَّنَ لَهم مَقاصِدُهُ ومَعانِيهِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، وقالَ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وتَعْلِيمُ الحِكْمَةِ هو غايَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ لِأنَّ مَن تَدَبَّرَ القُرْآنَ وعَمِلَ بِهِ وفَهِمَ خَفاياهُ نالَ الحِكْمَةَ قالَ تَعالى
صفحة ٢١٠
﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] ونَظِيرُها قَوْلُهُ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأُمِّيِّينَ، أيْ لَيْسَتْ نِعْمَةُ إرْسالِ هَذا الرَّسُولِ إلَيْهِمْ قاصِرَةً عَلى رَفْعِ النَّقائِصِ عَنْهم وعَلى تَحْلِيَتِهِمْ بِكَمالِ عِلْمِ آياتِ اللَّهِ وزَكاةِ أنْفُسِهِمْ وتَعْلِيمِهِمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ بَلْ هي أجَلُّ مِن ذَلِكَ إذْ كانَتْ مُنْقِذَةً لَهم مِن ضَلالٍ مُبِينٍ كانُوا فِيهِ وهو ضَلالُ الإشْراكِ بِاللَّهِ. وإنَّما كانَ ضَلالًا مُبِينًا لِأنَّهُ أفْحَشُ ضَلالٍ وقَدْ قامَتْ عَلى شَناعَتِهِ الدَّلائِلُ القاطِعَةُ، أيْ فَأخْرَجَهم مِنَ الضَّلالِ المُبِينِ إلى أفْضَلِ الهُدى، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ نَفَرُوا إسْلامَهم في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مُهْمَلَةٌ عَنِ العَمَلِ في اسْمِها وخَبَرِها. وقَدْ سَدَّ مَسَدَّها فِعْلُ كانَ كَما هو غالِبُ اسْتِعْمالِ إنِ المُخَفَّفَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ تُسَمّى اللّامَ الفارِقَةَ، أيِ الَّتِي تُفِيدُ الفَرْقَ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وما هي إلّا اللّامُ الَّتِي أصْلُها أنْ تَقْتَرِنَ بِخَبَرِ إنَّ إذِ الأصْلُ: وإنَّهم لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ، لَكِنَّ ذِكْرَ اللّامِ مَعَ المُخَفَّفَةِ واجِبٌ غالِبًا لِئَلّا تَلْتَبِسَ بِالنّافِيةِ، إلّا إذا أُمِنَ اللَّبْسُ.
الجمعة 62:3
﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وآخَرِينَ عَطْفًا عَلى الأُمِّيِّينَ لِأنَّ آخَرِينَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ لِما يُقابِلُهُ فَيَقْتَضِي أنَّهُ صادِقٌ عَلى غَيْرِ الأُمِّيِّينَ، أيْ غَيْرِ العَرَبِ والرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ غَيْرِ العَرَبِ فَتَعَيَّنَ أنْ لا يُعْطَفَ وآخَرِينَ عَلى الأُمِّيِّينَ لِئَلّا يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ بَعَثَ مَجْرُورُ في ولا عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ مِنهم كَذَلِكَ.
فَهُوَ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ [الجمعة: ٢] والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو عَلى آخَرِينَ وإذا كانَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ لِأنَّ تِلاوَةَ الرَّسُولِ ﷺ لا تَكُونُ إلّا تِلاوَةَ تَبْلِيغٍ لِما أوْحى بِهِ إلَيْهِ.
صفحة ٢١١
وإمّا أنْ يَجْعَلَ (وآخَرِينَ) مَفْعُولًا مَعَهُ. والواوُ لِلْمَعِيَّةِ ويَتَنازَعُهُ الأفْعالُ الثَّلاثَةُ وهي (يَتْلُو، ويُزَكِّي، ويُعَلِّمُ) . والتَّقْدِيرُ: يَتْلُو عَلى الأُمِّيِّينَ آياتِنا ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتّابَ والحِكْمَةَ مَعَ آخَرِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها أوْ بَيْنَ الضَّمائِرِ والمَفْعُولِ مَعَهُ. وآخَرِينَ: جَمْعُ آخَرَ وهو المُغايِرُ في وصْفٍ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ. وإذْ قَدْ جَعَلَ آخَرِينَ هُنا مُقابِلًا لِلْأُمِّيِّينَ كانَ مُرادًا بِهِ آخَرُونَ غَيْرُ الأُمِّيِّينَ، أيْ مِن غَيْرِ العَرَبِ المَعْنِيِّينَ بِالأُمِّيِّينَ.
فَلَوْ حَمَلْنا المُغايِرَةَ عَلى المُغايَرَةِ بِالزَّمانِ أوِ المَكانِ، أيْ مُغايِرِينَ لِلَّذِينَ بُعِثَ فِيهِمُ الرَّسُولُ، وجَعَلْنا قَوْلَهُ (مِنهم) بِمَعْنى أنَّهم مِنَ الأُمِّيِّينَ، وقُلْنا أُرِيدَ: وآخَرِينَ مِنَ العَرَبِ غَيْرِ الَّذِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ فِيهِمْ، أيْ عَرَبًا آخَرِينَ غَيْرَ أهْلِ مَكَّةِ، وهم بَقِيَّةُ قَبائِلِ العَرَبِ أكَّدَهُ ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ يَزِيدُ آخِرُهم عَلى الأوَّلِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الجُمُعَةِ فَتَلاها فَلَمّا بَلَغَ ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ لَهُ رَجُلٌ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَلَمْ يُراجِعْهُ حَتّى سَألَ ثَلاثًا، وفِينا سَلْمانُ الفارِسِيُّ ووَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلى سَلْمانَ وقالَ: لَوْ كانَ الإيمانَ عِنْدَ الثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ» وهَذا وارِدٌ مَوْرِدَ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى (وآخَرِينَ) .
والَّذِي يَلُوحُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ بِالجُزْئِيِّ عَلى وجْهِ المِثالِ لِيُفِيدَ أنَّ (آخَرِينَ) صادِقٌ عَلى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنها أمَةُ فارِسَ، وأمّا شُمُولُهُ لِقَبائِلِ العَرَبِ فَهو بِالأوْلى لِأنَّهم مِمّا شَمِلَهم لَفْظُ الأُمِّيِّينَ.
ثُمَّ بِنا أنْ نَنْظُرَ إلى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى (مِنهم) . قُلْنا أنْ نَجْعَلَ مِن تَبْعِيضِيَّةً كَما هو المُتَبادِرُ مِن مَعانِيها فَنَجْعَلُ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِ مِن عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (كانُوا) مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، فالمَعْنى: وآخَرِينَ مِنَ الضّالِّينَ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ اللَّهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ولَنا أنْ نَجْعَلَ مِنَ اتِّصالِيَّةً كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] والمَعْنى: وآخَرِينَ يَتَّصِلُونَ بِهِمْ ويَصِيرُونَ في جُمْلَتِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ (مِنهم)
صفحة ٢١٢
مَوْضِعَ الحالِ، وهَذا الوَجْهُ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لِأنَّ اللُّحُوقَ هو مَعْنى الِاتِّصالِ.
ومَوْضِعُ جُمْلَةِ ﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ مَوْضِعُ الحالِ، ويَنْشَأُ عَنْ هَذا المَعْنى إيماءٌ إلى أنَّ الأُمَمَ الَّتِي تَدْخُلُ في الإسْلامِ بَعْدَ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ يَصِيرُونَ مِثْلَهم، ويَنْشَأُ مِنهُ أيْضًا رَمَزٌ إلى أنَّهم يَتَعَرَّبُونَ لِفَهْمِ الدِّينِ والنُّطْقِ بِالقُرْآنِ فَكَمْ مِن مَعانٍ جَلِيلَةٍ حَوَتْها هَذِهِ الآيَةُ سَكَتَ عَنْها أهْلُ التَّفْسِيرِ.
وهَذِهِ بِشارَةٌ غَيْبِيَّةٌ بِأنَّ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ سَتَبْلُغُ أُمَمًا لَيْسُوا مِنَ العَرَبِ وهم فارِسُ. والأرْمَنُ. والأكْرادُ. والبَرْبَرُ. والسُّودانُ. والرُّومُ. والتُّرْكُ. والتَّتارُ. والمَغُولُ. والصِّينُ. والهُنُودُ، وغَيْرُهم وهَذا مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ مِن صِنْفِ الإخْبارِ بِالمُغِيباتِ.
وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عُمُومِ رِسالَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِجَمِيعِ الأُمَمِ.
والنَّفْيُ بِ (لَمّا) يَقْتَضِي أنَّ المَنفِيَّ بِها مُسْتَمِرُّ الِانْتِفاءِ إلى زَمَنِ التَّكَلُّمِ فَيُشْعِرُ بِأنَّهُ مُتَرَقَّبُ الثُّبُوتَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أيْ وسَيَدْخُلُ كَما في الكَشّافِ، والمَعْنى: أنَّ آخَرِينَ هم في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ ولَمْ يَلْتَحِقُوا بِمَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ وسَيَدْخُلُونَ في أزْمانٍ أُخْرى.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ «لَوْ كانَ الإيمانُ بِالثُّرِيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ» الإيماءُ إلى مِثالٍ مِمّا يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ في جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي انْحِصارَ المُرادِ بِ (آخَرِينَ) في قَوْمِ سَلْمانَ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: هُمُ التّابِعُونَ. وعَنْ مُجاهِدِ: هُمُ النّاسُ كُلُّهُمُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: هم أهْلُ اليَمَنِ.
وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن هَذا التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ لِانْتِشارِ هَذا الدِّينِ في جَمِيعِ الأُمَمِ. فَإنَّ العَزِيزَ لا يَغْلِبُ قُدْرَتَهُ شَيْءٌ. والحَكِيمُ تَأْتِي أفْعالُهُ عَنْ قَدْرٍ مُحْكَمٍ.
الجمعة 62:4
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ .
صفحة ٢١٣
الإشارَةُ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِ مِن إرْسالِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالآياتِ والتَّزْكِيَةِ وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ والإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ ومِن إفاضَةِ هَذِهِ الكَمالاتِ عَلى الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ لَهم سابِقَةُ عَلَمٍ ولا كِتابٍ، ومِن لِحاقِ أُمَمِ (آخَرِينَ) في هَذا الخَبَرِ فَزالَ اخْتِصاصُ اليَهُودِ بِالكِتابِ والشَّرِيعَةِ، وهَذا أجْدَعُ لِأنْفِهِمْ إذا حالُوا أنْ يَجِيءَ رَسُولٌ أُمِّيٌّ بِشَرِيعَةٍ إلى أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ فَضْلًا عَنْ أنْ نَلْتَحِقَ بِأُمِّيَّةِ أُمَمٍ عَظِيمَةٍ كانُوا أمْكَنَ في المَعارِفِ والسُّلْطانِ.
وقالَ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣] يَخْتَصُّ بِهِ. وهَذا تَمْهِيدٌ ومُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ [الجمعة: ٥] الآياتِ.
الجمعة 62:5
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى آتى فَضْلَهُ قَوْمًا أُمِّيِّينَ أعْقَبَهُ بِأنَّهُ قَدْ آتى فَضْلَهُ أهْلَ الكِتابِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدِ اقْتَنَعُوا مِنَ العِلْمِ بِأنْ يَحْمِلُوا التَّوْراةَ دُونَ فَهْمٍ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ ادِّخارَ أسْفارِ التَّوْراةِ وانْتِقالَها مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ كافٍ في التَّبَجُّحِ بِها وتَحْقِيرِ مَن لَمْ تَكُنِ التَّوْراةَ بِأيْدِيهِمْ، فالمُرادُ اليَهُودُ الَّذِينَ قاوَمُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ.
وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ لِهَؤُلاءِ مَثَلًا بِحالِ حِمارٍ يَحْمِلُ أسْفارًا لا حَظَّ لَهُ مِنها إلّا الحَمْلُ دُونَ عِلْمٍ ولا فَهْمٍ.
ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ اليَهُودِ بِما في التَّوْراةِ أدْخَلُوا فِيهِ ما صَيَّرَهُ مَخْلُوطًا بِأخْطاءٍ وضَلالاتٍ ومُتَّبَعًا فِيهِ هَوى نُفُوسِهِمْ وما لا يَعْدُو نَفْعَهُمُ الدُّنْيَوِيَّ ولَمْ يَتَخَلَّقُوا بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الهُدى والدُّعاءِ إلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وقَدْ كَتَمُوا ما في كُتُبِهِمْ مِنَ العَهْدِ بِاتِّباعِ النَّبِيءِ الَّذِي يَأْتِي لِتَخْلِيصِهِمْ مِن رِبْقَةِ الضَّلالِ فَهَذا وجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، وبِذَلِكَ كانَتْ هي كالتَّتِمَّةِ لِما قَبْلَها. وقالَ في الكَشّافِ عَنْ
صفحة ٢١٤
بَعْضِهِمْ: افْتَخَرَ اليَهُودُ بِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ. والعَرَبُ لا كِتابَ لَهم. فَأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِشَبَهِهِمْ بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا.
ومَعْنى حُمِّلُوا: عُهِدَ بِها إلَيْهِمْ وكُلِّفُوا بِما فِيها فَلَمْ يَفُوا بِما كُلِّفُوا، يُقالُ: حَمَّلْتُ فُلانًا أمْرَ كَذا فاحْتَمَلَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] سُورَةُ الأحْزابِ.
وإطْلاقُ الحَمْلِ وما تَصَرَّفَ مِنهُ عَلى هَذا المَعْنى اسْتِعارَةٌ، بِتَشْبِيهِ إيكالِ الأمْرِ بِحَمْلِ الحِمْلِ عَلى ظَهْرِ الدّابَّةِ، وبِذَلِكَ كانَ تَمْثِيلُ حالِهِمْ بِحالِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا تَمْثِيلًا لِلْمَعْنى المَجازِيِّ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ. وهو مِن لَطائِفِ القُرْآنِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ عَدَمَ وفائِهِمْ بِما عُهِدَ إلَيْهِمْ أعْجَبُ مِن تَحَمُّلِهِمْ إيّاهُ. وجُمْلَةُ ﴿يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الحِمارِ أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأنَّ تَعْرِيفَ الحِمارِ هُنا تَعْرِيفُ جِنْسٍ فَهو مَعْرِفَةٌ لَفْظًا نَكِرَةٌ مَعْنًى، فَصَحَّ في الجُمْلَةِ اعْتِبارُ الحالِيَّةِ والوَصْفِ.
وهَذا التَّمْثِيلُ مَقْصُودٌ مِنهُ تَشْنِيعَ حالِهِمْ وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ المُتَعارَفِ، ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِذَمِّ حالِهِمْ ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ .
و(بِئْسَ) فِعْلُ ذَمٍّ، أيْ ساءَ حالُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِكِتابِ اللَّهِ فَهم قَدْ ضَمُّوا إلى جَهْلِهِمْ بِمَعانِي التَّوْراةِ تَكْذِيبًا بِآياتِ اللَّهِ وهي القُرْآنُ.
و﴿مَثَلُ القَوْمِ﴾، فاعِلُ بِئْسَ. وأفْنى هَذا الفاعِلُ عَنْ ذِكْرِ المَخْصُوصِ بِالذَّمِ لِحُصُولِ العِلْمِ بِأنَّ المَذْمُومَ هو حالُ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ فَلَمْ يَسْلُكْ في هَذا التَّرْكِيبِ طَرِيقَ الإيهامِ عَلى شَرْطِ التَّفْسِيرِ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَهُ ما بَيَّنَهُ بِالمَثَلِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ . فَصارَ إعادَةُ لَفْظِ المَثَلِ ثَقِيلًا في الكَلامِ أكْثَرَ مِن ثَلاثِ مَرّاتِ. وهَذا مِن تَفَنُّناتِ القُرْآنِ. و(﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾) صِفَةُ (القَوْمِ) .
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ إخْبارًا عَنْهم بِأنَّ سُوءَ حالِهِمْ لا يُرْجى لَهم مِنهُ انْفِكاكٌ لِأنَّ اللَّهُ حَرَمَهُمُ اللُّطْفَ والعِنايَةَ بِإنْقاذِهِمْ لِظُلْمِهِمْ بِالِاعْتِداءِ
صفحة ٢١٥
عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ دُونَ نَظَرٍ، وعَلى آياتِ اللَّهِ بِالجَحْدِ دُونَ تَدَبُّرٍ.
قالَ في الكَشّافِ: وعَنْ بَعْضِهِمْ قَدْ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَ اليَهُودِ في ثَلاثٍ، أيْ آياتٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ: افْتَخَرُوا بِأنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ فَكَذَّبَهم في قَوْلِهِ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] . وبِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ والعَرَبُ لا كِتابَ لَهم، فَشَبَّهَهم بِالحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا، وبِالسَّبْتِ وأنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ فَشَرَعَ اللَّهُ لَهُمُ الجُمُعَةَ.
الجمعة 62:6
﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
أعْقَبَ تَمْثِيلَ حالِ جَهْلِهِمْ بِالتَّوْراةِ بِذِكْرِ زَعْمٍ مِن آثارِ جَهْلِهِمْ بِها إبْطالًا لِمَفْخَرَةٍ مَزْعُومَةٍ عِنْدَهم أنَّهم أوْلِياءُ اللَّهِ وبَقِيَّةُ النّاسِ لَيْسُوا مِثْلَهم. وذَلِكَ أصْلٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ حُجَّةً عَلى أنَّ شُئُونَهم أفْضَلُ مِن شُئُونِ غَيْرِهِمْ. ومِن ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمُ السَّبْتَ أفْضَلَ أيّامِ الأُسْبُوعِ وأنَّهُ لَيْسَ لِلْأُمِّيِّينَ مِثْلُهُ فَلَمّا جَعَلَ اللَّهُ الجُمُعَةَ لِلْمُسْلِمِينَ اغْتاظُوا، وفي الكَشّافِ افْتَخَرَ اليَهُودُ بِالسَّبْتِ وأنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ فَشَرْعَ اللَّهُ لَهُمُ الجُمُعَةَ.
وافْتُتِحَ بِفِعْلِ قُلْ لِلِاهْتِمامِ.
و﴿الَّذِينَ هادُوا﴾: هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَهُودًا، وتَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ اليَهُودِ يَهُودًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هادُوا) بِمَعْنى تابُوا لِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وأشْهَرُ وصْفِ بَنِي إسْرائِيلَ في القُرْآنِ بِأنَّهم هُودٌ جَمْعُ هائِدٍ مِثْلُ قُعُودٍ جَمْعُ قاعِدٍ. وأصِلُ هُودٍ هُوُودٌ وقَدْ تُنُوسِيَ مِنهُ هَذا المَعْنى وصارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَنُودُوا بِهِ هُنا بِهَذا الِاعْتِبارِ لِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ ثَناءٍ عَلَيْهِمْ أوْ هو تَهَكُّمٌ.
وجِيءَ بِ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي الأصْلُ فِيها عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ مَعَ أنَّ الشَّرْطَ هُنا مُحَقَّقُ الوُقُوعِ إذْ قَدِ اشْتَهَرُوا بِهَذا الزَّعْمِ وحَكاهُ القُرْآنُ عَنْهم في سُورَةِ العُقُودِ
صفحة ٢١٦
﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ زَعْمَهم هَذا لَمّا كانَ باطِلًا بِالدَّلائِلِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يُفْرَضُ وُقُوعُهُ كَما يُفْرَضُ المُسْتَبْعَدُ وكَأنَّهُ لَيْسَ واقِعًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] ويُفِيدُ ذَلِكَ تَوْبِيخًا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.
والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكم فَتَمَنَّوُا المَوْتَ. وهَذا إلْجاءٌ لَهم حَتّى يَلْزَمَهم ثُبُوتُ شَكِّهِمْ فِيما زَعَمُوهُ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ (فَتَمَنَّوُا) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ: كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] .
ووَجْهُ المُلازِمَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ أنَّ المَوْتَ رُجُوعُ الإنْسانِ بِرُوحِهِ إلى حَياةٍ أبَدِيَّةٍ تَظْهَرُ فِيها آثارُ رِضا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أوْ غَضَبِهِ لِيَجْزِيَهُ عَلى حَسَبِ فِعْلِهِ.
والنَّتِيجَةُ الحاصِلَةُ مِن هَذا الشَّرْطِ تُحَصِّلُ أنَّهم مِثْلُ جَمِيعِ النّاسِ في الحَياتَيْنِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وآثارِهِما، واخْتِلافِ أحْوالِ أهْلِهِما، فَيُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهم لَيْسُوا أفْضَلَ مِنَ النّاسِ. وهَذا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨] .
وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما قَدْ يَعْرِضُ لِلنّاظِرِ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ المُعارَضَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ. وما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّءَ ﷺ قالَ: «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ، فَقالَتْ عائِشَةُ: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ فَقالَ لَها لَيْسَ ذَلِكَ» الحَدِيثَ. وما رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسى فَلَمّا جاءَهُ صَكَّهُ فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَقالَ أرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ إلى قَوْلِهِ قالَ مُوسى فالآنَ» .
ذَلِكَ أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونُوا بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، ولَيْسُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّ الفَوْزَ مَضْمُونٌ لَهم كَما تَوَهَّمَ اليَهُودُ.
فَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنْ حالِ اليَهُودِ المَوْجُودِينَ يَوْمَئِذٍ، وهم عامَّةٌ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الأوْقامُ والغُرُورُ بَعْدَ انْقِراضِ عُلَمائِهِمْ، فَهو حِكايَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ قَوْمٍ. وأمّا الأخْبارُ الَّتِي أوْرَدْناها فَوَصَفٌ لِأحْوالٍ مُعَيَّنَةٍ وأشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ فَلا
صفحة ٢١٧
تَعارُضَ مَعَ اخْتِلافِ الأحْوالِ والأزْمانِ، فَلَوْ حَصَلَ لِأحَدٍ يَقِينٌ بِالتَّعْجِيلِ إلى النَّعِيمِ لَتَمَنّى المَوْتَ إلّا أنْ تَكُونَ حَياتُهُ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ كَحَياةِ الأنْبِياءِ.
فَعَلى الأوَّلِ يُحْمَلُ حالُ عُمَيْرِ بْنِ الحُمامِ في قَوْلِهِ:
جَرْيًا إلى اللَّهِ بِغَيْرِ زادٍ
وحالُ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبِ يَوْمَ مُوتَةَ وقَدِ اقْتَحَمَ صَفَّ المُشْرِكِينَ:
يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقْتِرابُها
وقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ:
لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وضَرْبَةَ ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا
المُتَقَدِّمَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ الشَّهادَةَ مَضْمُونَةُ الجَزاءِ الأحْسَنِ والمَغْفِرَةِ التّامَّةِ.
وعَلى الثّانِي يُحْمَلُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعائِشَةَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ «مِن أحَبِّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ» إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبُّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ فَأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ. وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَلَكِ المَوْتِ: فالآنَ.
الجمعة 62:7
﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَتَيِ القَوْلَيْنِ قُصِدَ بِهِ تَحَدِّيهِمْ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءً لِلَّهِ.
ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا مَعْذِرَةً لَهم مِن عَدَمِ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ وإنَّما المَقْصُودُ زِيادَةُ الكَشْفِ عَنْ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وإثْباتِ أنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ اسْتِدْلالُ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ بِتَحَقُقِهِمْ أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] . وقَدْ مَرَّ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ العُقُودِ.
والباءُ في ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (يَتَمَنَّوْنَهُ) المَنفِيِ فَما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ هو سَبَبُ انْتِفاءِ تَمَنِّيهِمُ المَوْتَ ألْقى في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِمّا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَكانَ سَبَبُ صَرْفِهِمْ عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ لِتَقَدُمِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
صفحة ٢١٨
وما مَوْصُولَةٌ وعائِدُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ وحَذْفُهُ أغْلَبِيٌّ في أمْثالِهِ.
والأيْدِي مَجازٌ في اكْتِسابِ الأعْمالِ لِأنَّ اليَدَ يَلْزَمُها الِاكْتِسابُ غالِبًا. وماصَدَقَ (ما قَدَّمَتْهُ أيْدِيهم) سَيِّئاتُهم ومَعاصِيهم بِقَرِينَةِ المَقامِ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وما ذَكَرْتُهُ هُنا أتَمُّ مِمّا هُنالِكَ فَأجْمَعُ بَيْنَهُما.
والتَّقْدِيمُ: أصْلُهُ جَعَلُ الشَّيْءِ مُقَدَّمًا، أيْ سابِقًا غَيْرَهُ في مَكانٍ يَقْعُوهُ فِيهِ غَيْرُهُ. واسْتُعِيرَ هُنا لِما سَلَفَ مِنَ العَمَلِ تَشْبِيهًا لَهُ بِشَيْءٍ يَسْبِقُهُ المَرْءُ إلى مَكانٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾، أيْ: عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ وبِأحْوالِ أمْثالِهِمْ مِنَ الظّالِمِينَ فَشَمَلَ لَفْظُ الظّالِمِينَ اليَهُودَ فَإنَّهم مِنَ الظّالِمِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ظُلْمِهِمْ في الآيَةِ قَبْلَها. وقَدْ وصَفَ اليَهُودَ بِالظّالِمِينَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] والمَقْصُودُ أنَّ إحْجامَهم عَنْ تَمَنِّي المَوْتِ لِما في نُفُوسِهِمْ مِن خَوْفِ العِقابِ عَلى ما فَعَلُوهُ في الدُّنْيا، فَكُنِّيَ بِعِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ عَنْ عَدَمِ انْفِلاتِهِمْ مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها فَفي هَذا وعِيدٌ لَهُمْ
الجمعة 62:8
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
تَصْرِيحٌ بِما اقْتَضاهُ التَّذْيِيلُ مِنَ الوَعِيدِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنَ الجَزاءِ عَنْ أعْمالِهِمْ ولَوْ بَعُدَ زَمانُ وُقُوعِها لِأنَّ طُولَ الزَّمانِ لا يُؤَثِّرُ في عِلْمِ اللَّهِ نِسْيانًا، إذْ هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦]، وإعادَةُ فِعْلِ (قُلْ) مِن قَبِيلِ إعادَةِ العامِلِ في المُبْدَلِ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤] في سُورَةِ العُقُودِ.
ووَصَفَ المَوْتَ بِ ﴿الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَلَعَهم مِنَ المَوْتِ خَطَأٌ كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ:
صفحة ٢١٩
إنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَهم إخْوانَكم يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
وأطْلَقَ الفِرارَ عَلى شِدَّةِ الحَذَرِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.
واقْتَرانُ خَبَرِ إنَّ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ لِأنَّ اسْمَ إنَّ نُعِتَ بِاسْمِ المَوْصُولِ والمَوْصُولُ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ فَعُومِلَ اسْمُ إنَّ المَنعُوتُ بِالمَوْصُولِ مُعامَلَةَ نَعْتِهِ.
وإعادَةُ إنَّ الأُولى لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِ جَرِيرِ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. وفي سُورَةِ الحَجِّ أيْضًا.
والإنْباءُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلَيْهِ، وهو تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ.
الجمعة 62:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
هَذِهِ الآياتُ هي المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ وما قَبْلَها مُقَدِّماتٌ وتَوْطِئاتٌ لَها كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ما حَكاهُ الكَشّافُ مِن أنَّ اليَهُودَ افْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ بِالسَّبْتِ فَشَرَعَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ الجُمُعَةَ. فَهَذا وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِالآياتِ الأرْبَعِ الَّتِي قَبْلَها فَكُنَّ لِهَذِهِ الآيَةِ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً. واللّامُ في قَوْلِهِ لِلصَّلاةِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ نادى مُنادٍ لِأجْلِ الصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَعَلِمَ أنَّ النِّداءَ هُنا هو أذانُ الصَّلاةِ.
والجُمُعَةُ بِضَمِّ الجِيمِ وضَمِّ المِيمِ في لُغَةِ جُمْهُورِ العَرَبِ وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وبَنُو عَقِيلِ بِسُكُونِ المِيمِ.
والتَّعْرِيفُ في الصَّلاةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ وهي الصَّلاةُ المَعْرُوفَةُ الخاصَّةُ بِيَوْمِ
صفحة ٢٢٠
الجُمُعَةِ. وقَدْ ثَبَتَتْ شَرْعًا بِالتَّواتُرِ ثُمَّ تَقَرَّرَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ فَصارَ دَلِيلُ وُجُوبِها في الكِتابِ والسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ وإجْماعِ الأُمَّةِ.
وكانَتْ صَلاةُ الجُمُعَةِ مَشْرُوعَةً مِن أوَّلِ أيّامِ الهِجْرَةِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّ الأنْصارَ جَمَعُوا الجُمُعَةَ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ النَّبِيءُ ﷺ المَدِينَةَ قالُوا: إنَّ لِلْيَهُودِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ولِلنَّصارى يَوْمٌ مِثْلُ ذَلِكَ فَتَعالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ حَتّى نَجْعَلَ يَوْمًا لَنا نَذْكُرَ اللَّهَ ونُصَلِّيَ فِيهِ. وقالُوا: إنَّ لِلْيَهُودِ السَّبْتَ ولِلنَّصارى الأحَدَ فاجْعَلُوهُ يَوْمَ العَرُوبَةِ. فاجْتَمَعُوا إلى أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ فَصَلّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ وذَكَّرَهم.
ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ كانَ أوَّلَ مَن جَمَعَ الجُمُعَةَ بِالمَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ عَلِمَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ولَعَلَّهم بَلَغَهم عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حَدِيثُ فَضْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ وأنَّهُ يَوْمُ المُسْلِمِينَ.
فَمَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ الجُمُعَةِ والتَّجْمِيعُ فِيهِ إجابَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى رَغْبَةَ المُسْلِمِينَ مِثْلَ إجابَتِهِ رَغْبَةَ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
وأمّا أوَّلُ جُمُعَةٍ جَمَعَها النَّبِيءُ ﷺ فَقالَ أهْلُ السِّيَرِ: كانَتْ في اليَوْمِ الخامِسِ لِلْهِجْرَةِ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدِمَ المَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ فَأقامَ بِقُباءَ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلى المَدِينَةِ فَأدْرَكَهُ وقْتُ الجُمُعَةِ في بَطْنِ وادٍ لِبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهم فِيهِ مَسْجِدٌ، فَجَمَّعَ بِهِمْ في ذَلِكَ المَسْجِدِ، وخَطَبَ فِيهِ أوَّلَ خُطْبَةٍ خَطَبَها بِالمَدِينَةِ وهي طَوِيلَةٌ ذَكَرَ نَصَّها القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
وقَوْلُهم (فَأدْرَكَهُ وقْتُ الجُمُعَةِ)، يَدُلُّ عَلى أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ كانَتْ مَشْرُوعَةً يَوْمَئِذٍ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ عازِمًا أنْ يُصَلِّيَها بِالمَدِينَةِ فَضاقَ عَلَيْهِ الوَقْتُ فَأدّاها في مَسْجِدِ بَنِي سالِمٍ، ثُمَّ صَلّى الجُمُعَةَ القابِلَةَ في مَسْجِدِهِ بالمَدِينَةِ وكانَتْ جُمُعَةُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِالمَدِينَةِ الثّانِيَةَ بِالأخْبارِ الصَّحِيحَةِ.
وأوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ في مَسْجِدٍ مِن مَساجِدِ بِلادِ الإسْلامِ بَعْدَ المَدِينَةِ كانَتْ في
صفحة ٢٢١
مَسْجِدِ جُؤاثاءَ مِن بِلادِ البَحْرَيْنِ وهي مَدِينَةُ الخَطِّ قَرْيَةٌ لِعَبْدِ القَيْسِ. ولَمّا ارْتَدَّتِ العَرَبُ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ ثَبَتَ أهْلُ جُؤاثاءَ عَلى الإسْلامِ.
وتَقَرَّرَ أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ اليَوْمُ السّابِعُ مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ في الإسْلامِ وهو الَّذِي كانَ يُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ عَرُوبَةَ. قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِ اللّامُ. قالَ السُّهَيْلِيُّ: مَعْنى العَرُوبَةِ الرّاحَةُ فِيما بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ اهـ. قُلْتُ: وذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ثَعْلَبٍ، وهو قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ وقَدْ كانَ يَوْمُ السَّبْتِ عِيدَ الأُسْبُوعِ عِنْدَ اليَهُودِ وهو آخِرُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. وقَدْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمُ الرّاحَةُ فِيهِ عَنِ الشُّغْلِ بِنَصِّ التَّوْراةِ فَكانُوا يَبْتَدِئُونَ عَدَدَ أيّامِ الأُسْبُوعِ مِن يَوْمِ الأحَدِ وهو المُوالِي لِلسَّبْتِ وتَبِعَهُمُ العَرَبُ في ذَلِكَ لِأسْبابٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ ولِذَلِكَ سَمّى العَرَبُ القُدَماءُ يَوْمَ الأحَدِ (أوَّلَ) .
فَأيّامُ الأُسْبُوعِ عِنْدَ العَرَبِ في القَدِيمِ هي: أوَّلُ، أهْوَنُ جُبارٌ، كَغُرابٍ وكِتابٍ، دُبارٌ كَذَلِكَ، مُؤْيِسٌ (مَهْمُوزًا)، عَرُوبَةُ، شِيارٌ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ.
ثُمَّ أحْدَثُوا أسْماءً لِهَذِهِ الأيّامِ هي: الأحَدُ، الِاثْنَيْنُ، الثُّلاثاءُ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ الأُولى وبِضَمِّها، الإرْبِعاءُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ، الخَمِيسُ، عَرُوبَةُ أوِ الجُمُعَةُ (في قَوْلِ بَعْضِهِمْ) السَّبْتُ. وأصْلُ السَّبْتِ: القَطْعُ، سُمِّيَ سَبْتًا عِنْدَ الإسْرائِيلِيِّينَ لِأنَّهم يَقْطَعُونَ فِيهِ العَمَلَ، وشاعَ ذَلِكَ الِاسْمُ عِنْدَ العَرَبِ.
وسَمَّوُا الأيّامَ الأرْبَعَةَ بَعْدَهُ بِأسْماءٍ مُشْتَقَّةٍ عَنْ أسْماءِ العَدَدِ عَلى تَرْتِيبِها ولَيْسَ في التَّوْراةِ ذِكْرُ أسْماءٍ لِلْأيّامِ. وفي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنها ذُكِرَتْ أيّامُ بَدْءِ الخَلْقِ بِأعْدادِها أوَّلُ وثانٍ إلَخْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا في اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَ اليَوْمِ
صفحة ٢٢٢
السّادِسِ. وسَمَّتْهُ التَّوْراةُ سَبْتًا، قالَ السُّهَيْلِيُّ: قِيلَ أوَّلُ مَن سَمّى يَوْمَ عَرُوبَةَ الجُمُعَةَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ جَدُّ أبِي قُصَيٍّ. وكانَ قُرَيْشٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ إلى كَعْبٍ قالَ: وفي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. لَمْ يُسَمَّ يَوْمُ عَرُوبَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلّا مُذْ جاءَ الإسْلامُ.
جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدَ الأُسْبُوعِ فَشَرَعَ لَهُمُ اجْتِماعَ أهْلِ البَلَدِ في المَسْجِدِ وسَماعَ الخُطْبَةِ لِيُعَلَّمُوا ما يُهِمُّهم في إقامَةِ شُئُونِ دِينِهِمْ وإصْلاحِهِمْ.
قالَ القَفّالُ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ النّاسَ أشْرَفَ العالَمِ السُّفْلِيِّ لَمْ يُخْفِ عِظَمَ المِنَّةِ وجَلالَةَ قَدْرِ مَوْهِبَتِهِ لَهم فَأمَرَهم بِالشُّكْرِ عَلى هَذِهِ الكَرامَةِ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ السَّبْعَةِ لِيَكُونَ في اجْتِماعِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ. ولِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ مَعْرُوفَةٍ يَوْمٌ مِنَ الأُسْبُوعِ مُعَظَّمٌ، فَلِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ ولِلنَّصارى الأحَدُ ولِلْمُسْلِمِينَ يَوْمُ الجُمُعَةِ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: نَحْنُ الآخِرُونَ، أيْ آخِرُ الدُّنْيا السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ القِيامَةِ يَتَعَلَّقُ بِـ (السّابِقُونَ) . بَيْدَ أنَّهم أيِ اليَهُودَ والنَّصارى أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا ثُمَّ كانَ هَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ.
ولَمّا جُعِلَ يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمَ شُكْرٍ وتَعْظِيمِ نِعْمَةٍ احْتِيجَ فِيهِ إلى الِاجْتِماعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ شُهْرَتُهُ فَجُمِّعَتِ الجَماعاتُ لِذَلِكَ، واحْتِيجَ فِيهِ إلى الخُطْبَةِ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ وحَثًّا عَلى اسْتِدامَتِها. ولَمّا كانَ مَدارُ التَّعْظِيمِ إنَّما هو عَلى الصَّلاةِ جُعِلَتِ الصَّلاةُ لِهَذا اليَوْمِ وسَطَ النَّهارِ لِيَتِمَّ الِاجْتِماعُ ولَمْ تَجُزْ هَذِهِ الصَّلاةُ إلّا في مَسْجِدٍ واحِدٍ لِيَكُونَ أدْعى الِاجْتِماعِ اهـ. كَلامُ القَفّالِ. وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ، إشارَةٌ إلى ما عَمِلَهُ النَّصارى بَعْدَ المَسِيحِ وبَعْدَ الحَوارِيِّينَ مِن تَعْوِيضِ يَوْمِ السَّبْتِ بِيَوْمِ الأحَدِ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ يَوْمَ الأحَدِ فِيهِ قامَ عِيسى مِن قَبْرِهِ. فَعَوَّضُوا الأحَدَ عَنْ يَوْمِ السَّبْتِ بِأمْرٍ مِن قُسْطَنْطِينَ سُلْطانِ الرُّومِ في سَنَةِ ٣٢١ المَسِيحِيِّ. وصارَ دِينًا لَهم بِأمْرِ أحْبارِهِمْ.
وصَلاةُ الجُمُعَةِ هي صَلاةُ ظُهْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ولَيْسَتْ صَلاةً زائِدَةً عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَأُسْقِطَ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ رَكْعَتانِ لِأجْلِ الخُطْبَتَيْنِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: وإنَّما قُصِرَتِ الجُمُعَةُ لِأجْلِ الخُطْبَةِ.
صفحة ٢٢٣
وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ عَلى النّاسِ إذْ وجَبَتْ عَلَيْهِمْ خُطْبَتانِ مَعَ الصَّلاةِ فَكانَتْ كُلُّ خُطْبَةٍ بِمَنزِلَةِ رَكْعَةٍ وهَذا سَبَبُ الجُلُوسِ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ لِلْإيماءِ إلى أنَّهُما قائِمَتانِ مَقامَ الرَّكْعَتَيْنِ ولِذَلِكَ كانَ الجُلُوسُ خَفِيفًا. غَيْرَ أنَّ الخُطْبَتَيْنِ لَمْ تُعْطَيا أحْكامَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلا يَضُرُّ فَواتُ إحْداهُما أوْ فَواتُهُما مَعًا ولا يَجِبُ عَلى المَسْبُوقِ تَعْوِيضُهُما ولا سُجُودٌ لِنَقْصِهِما عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهاءِ الأمْصارِ، رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ: أنَّ مَن فاتَتْهُ الخُطْبَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى أرْبَعًا صَلاةَ الظُّهْرِ. وعَنْ عَطاءٍ: أنَّ مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ أضافَ إلَيْها ثَلاثَ رَكَعاتٍ وهو أرادَ إنْ فاتَتْهُ الخُطْبَةُ ورَكْعَةٌ مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ.
وجُعِلَتِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ جَهْرًا مَعَ أنَّ شَأْنَ صَلَواتِ النَّهارِ إسْرارُ القِراءَةِ لِفائِدَةِ إسْماعِ النّاسِ سُوَرًا مِنَ القُرْآنِ كَما أُسْمِعُوا الخُطْبَةَ فَكانَتْ صَلاةَ إرْشادٍ لِأهْلِ البَلَدِ في يَوْمٍ مِن كُلِّ أُسْبُوعٍ.
والإجْماعُ عَلى أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ قائِمَةٌ مَقامَ صَلاةِ الظُّهْرِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ فَمَن صَلّاها لا يُصَلِّي مَعَها ظُهْرًا فَأمّا مَن لَمْ يُصَلِّها لِعُذْرٍ أوْ لِغَيْرِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ. ورَأيْتُ في الجامِعِ الأُمَوِيِّ في دِمَشْقَ قامَ إمامٌ يُصَلِّي بِجَماعَةٍ ظُهْرًا بَعْدَ الفَراغِ مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ وذَلِكَ بِدْعَةٌ.
وإنَّما اخْتَلَفَ الأيمَّةُ في أصْلِ الفَرْضِ في وقْتِ الظُّهْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في آخِرِ قَوْلَيْهِ وأحْمَدُ وزُفَرُ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ: صَلاةُ الجُمُعَةِ المَعْرُوفَةُ فَرْضُ وقْتِ الزَّوالِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ وصَلاةُ الظُّهْرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تَكُونُ إلّا بَدَلًا عَنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ، أيْ لِمَن لَمْ يُصَلِّ الجُمُعَةَ لِعُذْرٍ ونَحْوِهُ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ في أوَّلِ قَوْلَيْهِ (المَرْجُوعِ عَنْهُ) وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ في رِوايَةٍ: الفَرْضُ بِالأصْلِ هو الظُّهْرُ وصَلاةُ الجُمُعَةِ بَدَلٌ عَنِ الظُّهْرِ، وهو الَّذِي صَحَّحَهُ فُقَهاءُ الحَنَفِيَّةِ.
وقالَ مُحَمَّدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: الفَرْضُ إحْدى الصَّلاتَيْنِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ والتَّعْيِينُ لِلْمُكَلَّفِ فَأشْبَهَ الواجِبَ المُخَيَّرَ لِأنَّ الواجِبَ المُخَيَّرَ لا يَأْثَمُ فِيهِ فاعِلُ أحَدِ الأمْرَيْنِ وتارِكُ الجُمُعَةِ بِدُونِ عُذْرٍ آثِمٌ.
صفحة ٢٢٤
قالُوا: تَظْهَرُ فائِدَةُ الخِلافِ في حُرٍّ مُقِيمٍ صَلّى الظُّهْرَ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لَهُ صَلاةُ الظُّهْرِ مُطْلَقًا حَتّى لَوْ خَرَجَ بَعْدَ أنْ صَلّى الظُّهْرَ أوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يَبْطُلْ فَرْضُهُ، لَكِنْ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِمُجَرَّدِ السَّعْيِ مُطْلَقًا وعِنْدَ صاحِبَيْهِ لا يَبْطُلُ ظُهْرُهُ إلّا إذا أدْرَكَ الجُمُعَةَ.
وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَواءٌ أدْرَكَ الجُمُعَةَ أمْ لا، خَرَجَ إلَيْها أمْ لا يَعْنِي فَإنْ أدْرَكَ الجُمُعَةَ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يُدْرِكْها وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا آخَرَ.
والنِّداءُ لِلصَّلاةِ: الأذانُ المَعْرُوفُ وهو أذانُ الظُّهْرِ ورَدَ في الصَّحِيحِ «عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: كانَ النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذا جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ عَلى عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: فَلَمّا كانَ عُثْمانُ وكَثُرَ النّاسُ بِالمَدِينَةِ زادَ أذانًا عَلى الزَّوْراءِ» - (الزَّوْراءُ: مَوْضِعٌ بِسُوقِ المَدِينَةِ -) . ورُبَّما وُصِفَ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِالأذانِ الثّانِي. ومَعْنى كَوْنِهِ ثانِيًا أنَّهُ أذانٌ مُكَرَّرٌ لِلْأذانِ الأصْلِيِّ فَهو ثانٍ في المَشْرُوعِيَّةِ ولا يُرِيدُ أنَّهُ يُؤَذَّنُ بِهِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الأذانِ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ وقْتَ جُلُوسِ الإمامِ عَلى المِنبَرِ، أيْ يُؤَذَّنُ بِهِ في بابِ المَسْجِدِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ صَوْمَعَةٌ، ورُبَّما وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ وصْفُهُ بِالنِّداءِ الثّالِثِ وإنَّما يُعْنى بِذَلِكَ أنَّهُ ثالِثٌ بِضَمِيمِهِ الأذانَ الأوَّلَ. ولا يُرادُ أنَّ النّاسَ يُؤَذِّنُونَ أذانَيْنِ في المَسْجِدِ وإنَّما زادَهُ عُثْمانُ لِيَسْمَعَ النِّداءَ مَن في أطْرافِ المَدِينَةِ، ورُبَّما سَمَّوْهُ الأذانَ الأوَّلَ.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن تَحْقِيقِ الرِّواياتِ أنَّ هَذا الأذانَ الثّانِي يُؤَذَّنُ بِهِ عَقِبَ الأذانِ الأوَّلِ، لِأنَّ المَقْصُودَ حُضُورُ النّاسِ لِلصَّلاةِ في وقْتٍ واحِدٍ ووَقَعَ في بَعْضِ عِباراتِ الرِّواياتِ والرُّواةِ أنَّهُ كانَ يُؤَذَّنُ بِأذانِ الزَّوْراءِ أوَّلًا ثُمَّ يَخْرُجُ الإمامُ فَيُؤَذَّنُ بِالأذانِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: لَمّا كَثُرَ النّاسُ في زَمَنِ عُثْمانَ زادَ النِّداءَ عَلى الزَّوْراءِ لِيَشْعُرَ النّاسُ بِالوَقْتِ فَيَأْخُذُوا بِالإقْبالِ إلى الجُمُعَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ عُثْمانُ فَإذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أُذِّنَ الثّانِي الَّذِي كانَ أوَّلًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَخْطُبُ. ثُمَّ يُؤَذَّنُ الثّالِثُ يَعْنِي بِهِ الإقامَةَ اهـ.
صفحة ٢٢٥
وقالَ في الأحْكامِ: وسَمّاهُ في الحَدِيثِ أيْ حَدِيثِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ثالِثًا لِأنَّهُ إضافَةٌ إلى الإقامَةِ فَجَعَلَهُ ثالِثَ الإقامَةِ، أيْ لِأنَّهُ أحْدَثَ بَعْدَ أنْ كانَتِ الإقامَةُ مَشْرُوعَةً وسَمّى الإقامَةَ أذانًا مُشاكَلَةً أوْ لِأنَّها إيذانٌ بِالدُّخُولِ في الصَّلاةِ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «بَيْنَ كُلِّ أذانَيْنِ صَلاةٌ لِمَن شاءَ» يَعْنِي بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، فَتَوَهَّمَ النّاسُ أنَّهُ أذانٌ أصْلِيٌّ فَجَعَلُوا الأذاناتِ ثَلاثَةً فَكانَ وهْمًا. ثُمَّ جَمَعُوهم في وقْتٍ واحِدٍ فَكانَ وهْمًا عَلى وهْمٍ اهـ. فَتَوَهَّمَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الأمْصارِ أنَّ الأذانَ لِصَّلاةِ الجُمُعَةِ ثَلاثُ مَرّاتٍ لِهَذا تَراهم يُؤَذِّنُونَ في جَوامِعِ تُونِسَ ثَلاثَةَ أذاناتٍ وهو بِدْعَةٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: فَأمّا بِالمَغْرِبِ أيْ بِلادِ المَغْرِبِ فَيُؤَذِّنُ ثَلاثَةٌ مِنَ المُؤَذِّنِينَ لِجَهْلِ المُفْتِينَ في الرِّسالَةِ: وهَذا الأذانُ الثّانِي أحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ فَوَصَفَهُ بِالثّانِي وهو التَّحْقِيقُ، ولَكِنَّهُ نَسَبَهُ إلى بَنِي أُمَيَّةَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ أنَّ الَّذِي زادَهُ عُثْمانُ، ورَواهُ البُخارِيُّ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ولَمْ يَرْوِهِ مُسْلِمٌ ولا مالِكٌ في المُوَطَّأِ.
والسَّبَبُ في نِسْبَتِهِ إلى بَنِي أُمَيَّةَ: أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا كانَ بِالكُوفَةِ لَمْ يُؤَذِّنِ الجُمُعَةَ إلّا أذانًا واحِدًا كَما كانَ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ وأُلْغِيَ الأذانُ الَّذِي جَعَلَهُ عُثْمانُ بِالمَدِينَةِ. فَلَعَلَّ الَّذِي أرْجَعَ الأذانَ الثّانِيَ بَعْضُ خُلَفاءِ بَنِي أُمَيَّةَ قالَ مالِكٌ في المَجْمُوعَةِ: إنَّ هِشامَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ أحْدَثَ أذانًا ثانِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ في المَسْجِدِ.
واعْلَمْ أنَّ النِّداءَ الَّذِي نِيطَ بِهِ الأمْرُ بِالسَّعْيِ في هَذِهِ الآيَةِ هو النِّداءُ الأوَّلُ، وما كانَ النِّداءُ الثّانِي إلّا تَبْلِيغًا لِلْأذانِ لِمَن كانَ بَعِيدًا فَيَجِبُ عَلى مَن سَمِعَهُ السَّعْيُ إلى الجُمُعَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ قَدْ نُودِيَ لِلْجُمُعَةِ.
والسَّعْيُ: أصْلُهُ الِاشْتِدادُ في المَشْيِ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى المَشْيِ بِحِرْصٍ، وتَوَقِّي التَّأخُّرِ مَجازًا.
(وذِكْرُ اللَّهِ) فُسِّرَ بِالصَّلاةِ وفُسِّرَ بِالخُطْبَةِ، بِهَذا فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ والصَّحِيحُ أنَّهُ الجَمِيعُ أوَّلُهُ الخُطْبَةُ.
قُلْتُ: وإيثارُ (ذِكْرِ اللَّهِ) هُنا دُونَ أنْ يَقُولَ: إلى الصَّلاةِ، كَما قالَ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ
صفحة ٢٢٦
لِتَتَأتّى إرادَةُ الأمْرَيْنِ الخُطْبَةِ والصَّلاةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الخُطْبَةِ في صَلاةِ الجُمُعَةِ وشَرْطِيَّتِهِ عَلى الجُمْلَةِ. وتَفْصِيلُ أحْكامِ التَّخَلُّفِ عَنِ الخُطْبَةِ لَيْسَتْ مُساوِيَةً لِلتَّخَلُّفِ عَنِ الصَّلاةِ إلّا في أصْلِ حُرْمَةِ التَّخَلُّفِ عَنْ حُضُورِ الخُطْبَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وفِي حَدِيثِ المُوَطَّأِ «فَإذا خَرَجَ الإمامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» ولا شَكَّ أنَّ الإمامَ إذا خَرَجَ ابْتَدَأ بِالخُطْبَةِ فَكانَتِ الخُطْبَةُ مِنَ الذِّكْرِ وفي ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِلَفْظِ الذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ. وإنَّما نُهُوا عَنِ البَيْعِ لِأنَّهُ الَّذِي يَشْغَلُهم ولِأنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ كانَ لِتَرْكِ فَرِيقٍ مِنهُمُ الجُمُعَةَ إقْبالًا عَلى عِيرِ تِجارَةٍ ورَدَتْ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] .
ومِثْلُ البَيْعِ كُلُّ ما يَشْغَلُ عَنِ السَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ، وبَعْدَ كَوْنِ البَيْعِ وما قِيسَ عَلَيْهِ مِنها فَقَدِ اخْتُلِفَ في نَسْخِ العُقُودِ الَّتِي انْعَقَدَتْ وقْتَ الجُمُعَةِ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في اقْتِضاءِ النَّهْيِ فَسادَ المَنهِيِّ عَنْهُ، ومَذْهَبُ مالِكٍ أنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسادَ إلّا لِدَلِيلٍ. وقَوْلُ مالِكٍ في المُدَوَّنَةِ: إنَّ البَيْعَ الواقِعَ في وقْتِ صَلاةِ الجُمُعَةِ بَيْنَ مَن تَجِبُ عَلَيْهِمُ الجُمُعَةُ يُفْسَخُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يُفْسَخُ. وجَعَلَهُ كالصَّلاةِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا.
وأمّا النِّكاحُ المَعْقُودُ في وقْتِ الجُمُعَةِ: فَفي العُتْبِبَّةِ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: لا يُفْسَخُ. ولَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلى ما ورَدَ النَّهْيُ عَنْهُ في القُرْآنِ ولَمْ يَرَ القِياسَ مُوجِبًا لِفَسْخِ المَقِيسِ. وكَذَلِكَ قالَ أيمَّةُ المالِكِيَّةِ: لا تُفْسَخُ الشَّرِكَةُ والهِبَةُ والصَّدَقَةُ الواقِعَةُ في وقْتِ الجُمُعَةِ وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِنَدْرَةِ وُقُوعِ أمْثالِها بِخِلافِ البَيْعِ.
وخِطابُ الآيَةِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ فَدَلَّ عَلى أنَّ الجُمُعَةَ واجِبَةٌ عَلى الأعْيانِ. وشَذَّ قَوْمٌ قالُوا: إنَّها واجِبَةٌ عَلى الكِفايَةِ، قالَ ابْنُ الفَرَسِ: ونُسِبَ إلى بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ وخِطابُ القُرْآنِ الَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الجُمُعَةِ عَلى النِّساءِ والعَبِيدِ والمُسافِرِ إذا حَلَّ بِقَرْيَةٍ الجُمُعَةَ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ السَّعْيَ إلَيْها.
و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾) تَبْعِيضِيَّةٌ فَإنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ زَمانٌ تَقَعُ فِيهِ أعْمالٌ: مِنها الصَّلاةُ المَعْهُودَةُ فِيهِ، فَنَزَلَ ما يَقَعُ في الزَّمانِ بِمَنزِلَةِ أجْزاءِ الشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٧
ويَجُوزُ كَوْنُ (مِن) لِلظَّرْفِيَّةِ مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠])، أيْ فِيها مِنَ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ.
والإشارَةُ بـِ (ذَلِكم) إلى المَذْكُورِ، أيْ ما ذُكِرَ مِن أمْرٍ بِالسَّعْيِ إلَيْها، وأُمِرَ بِتَرْكِ البَيْعِ حِينَئِذٍ، أيْ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم مِمّا يَحْصُلُ لَكم مِنَ البُيُوعاتِ. فَلَفْظُ (خَيْرٌ) اسْمُ تَفْضِيلٍ أصْلُهُ: أخْيَرُ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والمُفَضَّلُ: الصَّلاةُ، أيْ ثَوابُها.
والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ: مَنافِعُ البَيْعِ لِلْبائِعِ والمُشْتَرِي.
وإنَّما أُعْقِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَهم سَعَةً مِنَ النَّهارِ يَجْعَلُونَها لِلْبَيْعِ ونَحْوِهِ مِنِ ابْتِغاءِ أسْبابِ المَعاشِ فَلا يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِن وقْتِ الصَّلاةِ، وذِكْرِ اللَّهِ، والأمْرُ في ( ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ لِلْإباحَةِ.
والمُرادُ بِـ (فَضْلِ اللَّهِ): اكْتِسابُ المالِ والرِّزْقِ.
وأمّا قَوْلُهُ (﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾) فَهو احْتِراسٌ مِنَ الِانْصِبابِ في أشْغالِ الدُّنْيا انْصِبابًا يُنْسِي ذِكْرَ اللَّهِ، أوْ يَشْغَلُ عَنِ الصَّلَواتِ فَإنَّ الفَلاحَ في الإقْبالِ عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
الجمعة 62:10
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
هَذِهِ الآياتُ هي المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ وما قَبْلَها مُقَدِّماتٌ وتَوْطِئاتٌ لَها كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ما حَكاهُ الكَشّافُ مِن أنَّ اليَهُودَ افْتَخَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ بِالسَّبْتِ فَشَرَعَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ الجُمُعَةَ. فَهَذا وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِالآياتِ الأرْبَعِ الَّتِي قَبْلَها فَكُنَّ لِهَذِهِ الآيَةِ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً. واللّامُ في قَوْلِهِ لِلصَّلاةِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ نادى مُنادٍ لِأجْلِ الصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَعَلِمَ أنَّ النِّداءَ هُنا هو أذانُ الصَّلاةِ.
والجُمُعَةُ بِضَمِّ الجِيمِ وضَمِّ المِيمِ في لُغَةِ جُمْهُورِ العَرَبِ وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وبَنُو عَقِيلِ بِسُكُونِ المِيمِ.
والتَّعْرِيفُ في الصَّلاةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ وهي الصَّلاةُ المَعْرُوفَةُ الخاصَّةُ بِيَوْمِ
صفحة ٢٢٠
الجُمُعَةِ. وقَدْ ثَبَتَتْ شَرْعًا بِالتَّواتُرِ ثُمَّ تَقَرَّرَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ فَصارَ دَلِيلُ وُجُوبِها في الكِتابِ والسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ وإجْماعِ الأُمَّةِ.
وكانَتْ صَلاةُ الجُمُعَةِ مَشْرُوعَةً مِن أوَّلِ أيّامِ الهِجْرَةِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّ الأنْصارَ جَمَعُوا الجُمُعَةَ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ النَّبِيءُ ﷺ المَدِينَةَ قالُوا: إنَّ لِلْيَهُودِ يَوْمًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ولِلنَّصارى يَوْمٌ مِثْلُ ذَلِكَ فَتَعالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ حَتّى نَجْعَلَ يَوْمًا لَنا نَذْكُرَ اللَّهَ ونُصَلِّيَ فِيهِ. وقالُوا: إنَّ لِلْيَهُودِ السَّبْتَ ولِلنَّصارى الأحَدَ فاجْعَلُوهُ يَوْمَ العَرُوبَةِ. فاجْتَمَعُوا إلى أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ فَصَلّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيْنِ وذَكَّرَهم.
ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ كانَ أوَّلَ مَن جَمَعَ الجُمُعَةَ بِالمَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ عَلِمَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ولَعَلَّهم بَلَغَهم عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حَدِيثُ فَضْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ وأنَّهُ يَوْمُ المُسْلِمِينَ.
فَمَشْرُوعِيَّةُ صَلاةِ الجُمُعَةِ والتَّجْمِيعُ فِيهِ إجابَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى رَغْبَةَ المُسْلِمِينَ مِثْلَ إجابَتِهِ رَغْبَةَ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] .
وأمّا أوَّلُ جُمُعَةٍ جَمَعَها النَّبِيءُ ﷺ فَقالَ أهْلُ السِّيَرِ: كانَتْ في اليَوْمِ الخامِسِ لِلْهِجْرَةِ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدِمَ المَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن رَبِيعٍ الأوَّلِ فَأقامَ بِقُباءَ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلى المَدِينَةِ فَأدْرَكَهُ وقْتُ الجُمُعَةِ في بَطْنِ وادٍ لِبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ كانَ لَهم فِيهِ مَسْجِدٌ، فَجَمَّعَ بِهِمْ في ذَلِكَ المَسْجِدِ، وخَطَبَ فِيهِ أوَّلَ خُطْبَةٍ خَطَبَها بِالمَدِينَةِ وهي طَوِيلَةٌ ذَكَرَ نَصَّها القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
وقَوْلُهم (فَأدْرَكَهُ وقْتُ الجُمُعَةِ)، يَدُلُّ عَلى أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ كانَتْ مَشْرُوعَةً يَوْمَئِذٍ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ عازِمًا أنْ يُصَلِّيَها بِالمَدِينَةِ فَضاقَ عَلَيْهِ الوَقْتُ فَأدّاها في مَسْجِدِ بَنِي سالِمٍ، ثُمَّ صَلّى الجُمُعَةَ القابِلَةَ في مَسْجِدِهِ بالمَدِينَةِ وكانَتْ جُمُعَةُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِالمَدِينَةِ الثّانِيَةَ بِالأخْبارِ الصَّحِيحَةِ.
وأوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ في مَسْجِدٍ مِن مَساجِدِ بِلادِ الإسْلامِ بَعْدَ المَدِينَةِ كانَتْ في
صفحة ٢٢١
مَسْجِدِ جُؤاثاءَ مِن بِلادِ البَحْرَيْنِ وهي مَدِينَةُ الخَطِّ قَرْيَةٌ لِعَبْدِ القَيْسِ. ولَمّا ارْتَدَّتِ العَرَبُ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ ثَبَتَ أهْلُ جُؤاثاءَ عَلى الإسْلامِ.
وتَقَرَّرَ أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ اليَوْمُ السّابِعُ مِن أيّامِ الأُسْبُوعِ في الإسْلامِ وهو الَّذِي كانَ يُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ عَرُوبَةَ. قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: ولا تَدْخُلُ عَلَيْهِ اللّامُ. قالَ السُّهَيْلِيُّ: مَعْنى العَرُوبَةِ الرّاحَةُ فِيما بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ اهـ. قُلْتُ: وذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ثَعْلَبٍ، وهو قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ وقَدْ كانَ يَوْمُ السَّبْتِ عِيدَ الأُسْبُوعِ عِنْدَ اليَهُودِ وهو آخِرُ أيّامِ الأُسْبُوعِ. وقَدْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمُ الرّاحَةُ فِيهِ عَنِ الشُّغْلِ بِنَصِّ التَّوْراةِ فَكانُوا يَبْتَدِئُونَ عَدَدَ أيّامِ الأُسْبُوعِ مِن يَوْمِ الأحَدِ وهو المُوالِي لِلسَّبْتِ وتَبِعَهُمُ العَرَبُ في ذَلِكَ لِأسْبابٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ ولِذَلِكَ سَمّى العَرَبُ القُدَماءُ يَوْمَ الأحَدِ (أوَّلَ) .
فَأيّامُ الأُسْبُوعِ عِنْدَ العَرَبِ في القَدِيمِ هي: أوَّلُ، أهْوَنُ جُبارٌ، كَغُرابٍ وكِتابٍ، دُبارٌ كَذَلِكَ، مُؤْيِسٌ (مَهْمُوزًا)، عَرُوبَةُ، شِيارٌ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ.
ثُمَّ أحْدَثُوا أسْماءً لِهَذِهِ الأيّامِ هي: الأحَدُ، الِاثْنَيْنُ، الثُّلاثاءُ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ الأُولى وبِضَمِّها، الإرْبِعاءُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ، الخَمِيسُ، عَرُوبَةُ أوِ الجُمُعَةُ (في قَوْلِ بَعْضِهِمْ) السَّبْتُ. وأصْلُ السَّبْتِ: القَطْعُ، سُمِّيَ سَبْتًا عِنْدَ الإسْرائِيلِيِّينَ لِأنَّهم يَقْطَعُونَ فِيهِ العَمَلَ، وشاعَ ذَلِكَ الِاسْمُ عِنْدَ العَرَبِ.
وسَمَّوُا الأيّامَ الأرْبَعَةَ بَعْدَهُ بِأسْماءٍ مُشْتَقَّةٍ عَنْ أسْماءِ العَدَدِ عَلى تَرْتِيبِها ولَيْسَ في التَّوْراةِ ذِكْرُ أسْماءٍ لِلْأيّامِ. وفي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنها ذُكِرَتْ أيّامُ بَدْءِ الخَلْقِ بِأعْدادِها أوَّلُ وثانٍ إلَخْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا في اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَ اليَوْمِ
صفحة ٢٢٢
السّادِسِ. وسَمَّتْهُ التَّوْراةُ سَبْتًا، قالَ السُّهَيْلِيُّ: قِيلَ أوَّلُ مَن سَمّى يَوْمَ عَرُوبَةَ الجُمُعَةَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ جَدُّ أبِي قُصَيٍّ. وكانَ قُرَيْشٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ إلى كَعْبٍ قالَ: وفي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. لَمْ يُسَمَّ يَوْمُ عَرُوبَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلّا مُذْ جاءَ الإسْلامُ.
جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدَ الأُسْبُوعِ فَشَرَعَ لَهُمُ اجْتِماعَ أهْلِ البَلَدِ في المَسْجِدِ وسَماعَ الخُطْبَةِ لِيُعَلَّمُوا ما يُهِمُّهم في إقامَةِ شُئُونِ دِينِهِمْ وإصْلاحِهِمْ.
قالَ القَفّالُ: لَمّا جَعَلَ اللَّهُ النّاسَ أشْرَفَ العالَمِ السُّفْلِيِّ لَمْ يُخْفِ عِظَمَ المِنَّةِ وجَلالَةَ قَدْرِ مَوْهِبَتِهِ لَهم فَأمَرَهم بِالشُّكْرِ عَلى هَذِهِ الكَرامَةِ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ السَّبْعَةِ لِيَكُونَ في اجْتِماعِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ. ولِكُلِّ أهْلِ مِلَّةٍ مَعْرُوفَةٍ يَوْمٌ مِنَ الأُسْبُوعِ مُعَظَّمٌ، فَلِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ ولِلنَّصارى الأحَدُ ولِلْمُسْلِمِينَ يَوْمُ الجُمُعَةِ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: نَحْنُ الآخِرُونَ، أيْ آخِرُ الدُّنْيا السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، يَوْمَ القِيامَةِ يَتَعَلَّقُ بِـ (السّابِقُونَ) . بَيْدَ أنَّهم أيِ اليَهُودَ والنَّصارى أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا ثُمَّ كانَ هَذا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ.
ولَمّا جُعِلَ يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمَ شُكْرٍ وتَعْظِيمِ نِعْمَةٍ احْتِيجَ فِيهِ إلى الِاجْتِماعِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ شُهْرَتُهُ فَجُمِّعَتِ الجَماعاتُ لِذَلِكَ، واحْتِيجَ فِيهِ إلى الخُطْبَةِ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ وحَثًّا عَلى اسْتِدامَتِها. ولَمّا كانَ مَدارُ التَّعْظِيمِ إنَّما هو عَلى الصَّلاةِ جُعِلَتِ الصَّلاةُ لِهَذا اليَوْمِ وسَطَ النَّهارِ لِيَتِمَّ الِاجْتِماعُ ولَمْ تَجُزْ هَذِهِ الصَّلاةُ إلّا في مَسْجِدٍ واحِدٍ لِيَكُونَ أدْعى الِاجْتِماعِ اهـ. كَلامُ القَفّالِ. وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ، إشارَةٌ إلى ما عَمِلَهُ النَّصارى بَعْدَ المَسِيحِ وبَعْدَ الحَوارِيِّينَ مِن تَعْوِيضِ يَوْمِ السَّبْتِ بِيَوْمِ الأحَدِ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ يَوْمَ الأحَدِ فِيهِ قامَ عِيسى مِن قَبْرِهِ. فَعَوَّضُوا الأحَدَ عَنْ يَوْمِ السَّبْتِ بِأمْرٍ مِن قُسْطَنْطِينَ سُلْطانِ الرُّومِ في سَنَةِ ٣٢١ المَسِيحِيِّ. وصارَ دِينًا لَهم بِأمْرِ أحْبارِهِمْ.
وصَلاةُ الجُمُعَةِ هي صَلاةُ ظُهْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ولَيْسَتْ صَلاةً زائِدَةً عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ فَأُسْقِطَ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ رَكْعَتانِ لِأجْلِ الخُطْبَتَيْنِ. رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: وإنَّما قُصِرَتِ الجُمُعَةُ لِأجْلِ الخُطْبَةِ.
صفحة ٢٢٣
وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ عَلى النّاسِ إذْ وجَبَتْ عَلَيْهِمْ خُطْبَتانِ مَعَ الصَّلاةِ فَكانَتْ كُلُّ خُطْبَةٍ بِمَنزِلَةِ رَكْعَةٍ وهَذا سَبَبُ الجُلُوسِ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ لِلْإيماءِ إلى أنَّهُما قائِمَتانِ مَقامَ الرَّكْعَتَيْنِ ولِذَلِكَ كانَ الجُلُوسُ خَفِيفًا. غَيْرَ أنَّ الخُطْبَتَيْنِ لَمْ تُعْطَيا أحْكامَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلا يَضُرُّ فَواتُ إحْداهُما أوْ فَواتُهُما مَعًا ولا يَجِبُ عَلى المَسْبُوقِ تَعْوِيضُهُما ولا سُجُودٌ لِنَقْصِهِما عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهاءِ الأمْصارِ، رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ: أنَّ مَن فاتَتْهُ الخُطْبَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى أرْبَعًا صَلاةَ الظُّهْرِ. وعَنْ عَطاءٍ: أنَّ مَن أدْرَكَ رَكْعَةً مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ أضافَ إلَيْها ثَلاثَ رَكَعاتٍ وهو أرادَ إنْ فاتَتْهُ الخُطْبَةُ ورَكْعَةٌ مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ.
وجُعِلَتِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ جَهْرًا مَعَ أنَّ شَأْنَ صَلَواتِ النَّهارِ إسْرارُ القِراءَةِ لِفائِدَةِ إسْماعِ النّاسِ سُوَرًا مِنَ القُرْآنِ كَما أُسْمِعُوا الخُطْبَةَ فَكانَتْ صَلاةَ إرْشادٍ لِأهْلِ البَلَدِ في يَوْمٍ مِن كُلِّ أُسْبُوعٍ.
والإجْماعُ عَلى أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ قائِمَةٌ مَقامَ صَلاةِ الظُّهْرِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ فَمَن صَلّاها لا يُصَلِّي مَعَها ظُهْرًا فَأمّا مَن لَمْ يُصَلِّها لِعُذْرٍ أوْ لِغَيْرِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ. ورَأيْتُ في الجامِعِ الأُمَوِيِّ في دِمَشْقَ قامَ إمامٌ يُصَلِّي بِجَماعَةٍ ظُهْرًا بَعْدَ الفَراغِ مِن صَلاةِ الجُمُعَةِ وذَلِكَ بِدْعَةٌ.
وإنَّما اخْتَلَفَ الأيمَّةُ في أصْلِ الفَرْضِ في وقْتِ الظُّهْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في آخِرِ قَوْلَيْهِ وأحْمَدُ وزُفَرُ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ: صَلاةُ الجُمُعَةِ المَعْرُوفَةُ فَرْضُ وقْتِ الزَّوالِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ وصَلاةُ الظُّهْرِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا تَكُونُ إلّا بَدَلًا عَنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ، أيْ لِمَن لَمْ يُصَلِّ الجُمُعَةَ لِعُذْرٍ ونَحْوِهُ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ في أوَّلِ قَوْلَيْهِ (المَرْجُوعِ عَنْهُ) وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ في رِوايَةٍ: الفَرْضُ بِالأصْلِ هو الظُّهْرُ وصَلاةُ الجُمُعَةِ بَدَلٌ عَنِ الظُّهْرِ، وهو الَّذِي صَحَّحَهُ فُقَهاءُ الحَنَفِيَّةِ.
وقالَ مُحَمَّدٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: الفَرْضُ إحْدى الصَّلاتَيْنِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ والتَّعْيِينُ لِلْمُكَلَّفِ فَأشْبَهَ الواجِبَ المُخَيَّرَ لِأنَّ الواجِبَ المُخَيَّرَ لا يَأْثَمُ فِيهِ فاعِلُ أحَدِ الأمْرَيْنِ وتارِكُ الجُمُعَةِ بِدُونِ عُذْرٍ آثِمٌ.
صفحة ٢٢٤
قالُوا: تَظْهَرُ فائِدَةُ الخِلافِ في حُرٍّ مُقِيمٍ صَلّى الظُّهْرَ في أوَّلِ الوَقْتِ؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لَهُ صَلاةُ الظُّهْرِ مُطْلَقًا حَتّى لَوْ خَرَجَ بَعْدَ أنْ صَلّى الظُّهْرَ أوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يَبْطُلْ فَرْضُهُ، لَكِنْ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِمُجَرَّدِ السَّعْيِ مُطْلَقًا وعِنْدَ صاحِبَيْهِ لا يَبْطُلُ ظُهْرُهُ إلّا إذا أدْرَكَ الجُمُعَةَ.
وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ أنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَواءٌ أدْرَكَ الجُمُعَةَ أمْ لا، خَرَجَ إلَيْها أمْ لا يَعْنِي فَإنْ أدْرَكَ الجُمُعَةَ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ لَمْ يُدْرِكْها وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا آخَرَ.
والنِّداءُ لِلصَّلاةِ: الأذانُ المَعْرُوفُ وهو أذانُ الظُّهْرِ ورَدَ في الصَّحِيحِ «عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: كانَ النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذا جَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ عَلى عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. قالَ السّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: فَلَمّا كانَ عُثْمانُ وكَثُرَ النّاسُ بِالمَدِينَةِ زادَ أذانًا عَلى الزَّوْراءِ» - (الزَّوْراءُ: مَوْضِعٌ بِسُوقِ المَدِينَةِ -) . ورُبَّما وُصِفَ في بَعْضِ الرِّواياتِ بِالأذانِ الثّانِي. ومَعْنى كَوْنِهِ ثانِيًا أنَّهُ أذانٌ مُكَرَّرٌ لِلْأذانِ الأصْلِيِّ فَهو ثانٍ في المَشْرُوعِيَّةِ ولا يُرِيدُ أنَّهُ يُؤَذَّنُ بِهِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الأذانِ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ وقْتَ جُلُوسِ الإمامِ عَلى المِنبَرِ، أيْ يُؤَذَّنُ بِهِ في بابِ المَسْجِدِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ صَوْمَعَةٌ، ورُبَّما وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ وصْفُهُ بِالنِّداءِ الثّالِثِ وإنَّما يُعْنى بِذَلِكَ أنَّهُ ثالِثٌ بِضَمِيمِهِ الأذانَ الأوَّلَ. ولا يُرادُ أنَّ النّاسَ يُؤَذِّنُونَ أذانَيْنِ في المَسْجِدِ وإنَّما زادَهُ عُثْمانُ لِيَسْمَعَ النِّداءَ مَن في أطْرافِ المَدِينَةِ، ورُبَّما سَمَّوْهُ الأذانَ الأوَّلَ.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن تَحْقِيقِ الرِّواياتِ أنَّ هَذا الأذانَ الثّانِي يُؤَذَّنُ بِهِ عَقِبَ الأذانِ الأوَّلِ، لِأنَّ المَقْصُودَ حُضُورُ النّاسِ لِلصَّلاةِ في وقْتٍ واحِدٍ ووَقَعَ في بَعْضِ عِباراتِ الرِّواياتِ والرُّواةِ أنَّهُ كانَ يُؤَذَّنُ بِأذانِ الزَّوْراءِ أوَّلًا ثُمَّ يَخْرُجُ الإمامُ فَيُؤَذَّنُ بِالأذانِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: لَمّا كَثُرَ النّاسُ في زَمَنِ عُثْمانَ زادَ النِّداءَ عَلى الزَّوْراءِ لِيَشْعُرَ النّاسُ بِالوَقْتِ فَيَأْخُذُوا بِالإقْبالِ إلى الجُمُعَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ عُثْمانُ فَإذا جَلَسَ عَلى المِنبَرِ أُذِّنَ الثّانِي الَّذِي كانَ أوَّلًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَخْطُبُ. ثُمَّ يُؤَذَّنُ الثّالِثُ يَعْنِي بِهِ الإقامَةَ اهـ.
صفحة ٢٢٥
وقالَ في الأحْكامِ: وسَمّاهُ في الحَدِيثِ أيْ حَدِيثِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ثالِثًا لِأنَّهُ إضافَةٌ إلى الإقامَةِ فَجَعَلَهُ ثالِثَ الإقامَةِ، أيْ لِأنَّهُ أحْدَثَ بَعْدَ أنْ كانَتِ الإقامَةُ مَشْرُوعَةً وسَمّى الإقامَةَ أذانًا مُشاكَلَةً أوْ لِأنَّها إيذانٌ بِالدُّخُولِ في الصَّلاةِ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «بَيْنَ كُلِّ أذانَيْنِ صَلاةٌ لِمَن شاءَ» يَعْنِي بَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، فَتَوَهَّمَ النّاسُ أنَّهُ أذانٌ أصْلِيٌّ فَجَعَلُوا الأذاناتِ ثَلاثَةً فَكانَ وهْمًا. ثُمَّ جَمَعُوهم في وقْتٍ واحِدٍ فَكانَ وهْمًا عَلى وهْمٍ اهـ. فَتَوَهَّمَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الأمْصارِ أنَّ الأذانَ لِصَّلاةِ الجُمُعَةِ ثَلاثُ مَرّاتٍ لِهَذا تَراهم يُؤَذِّنُونَ في جَوامِعِ تُونِسَ ثَلاثَةَ أذاناتٍ وهو بِدْعَةٌ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: فَأمّا بِالمَغْرِبِ أيْ بِلادِ المَغْرِبِ فَيُؤَذِّنُ ثَلاثَةٌ مِنَ المُؤَذِّنِينَ لِجَهْلِ المُفْتِينَ في الرِّسالَةِ: وهَذا الأذانُ الثّانِي أحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ فَوَصَفَهُ بِالثّانِي وهو التَّحْقِيقُ، ولَكِنَّهُ نَسَبَهُ إلى بَنِي أُمَيَّةَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ أنَّ الَّذِي زادَهُ عُثْمانُ، ورَواهُ البُخارِيُّ وأهْلُ السُّنَنِ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ولَمْ يَرْوِهِ مُسْلِمٌ ولا مالِكٌ في المُوَطَّأِ.
والسَّبَبُ في نِسْبَتِهِ إلى بَنِي أُمَيَّةَ: أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ لَمّا كانَ بِالكُوفَةِ لَمْ يُؤَذِّنِ الجُمُعَةَ إلّا أذانًا واحِدًا كَما كانَ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ وأُلْغِيَ الأذانُ الَّذِي جَعَلَهُ عُثْمانُ بِالمَدِينَةِ. فَلَعَلَّ الَّذِي أرْجَعَ الأذانَ الثّانِيَ بَعْضُ خُلَفاءِ بَنِي أُمَيَّةَ قالَ مالِكٌ في المَجْمُوعَةِ: إنَّ هِشامَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ أحْدَثَ أذانًا ثانِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ في المَسْجِدِ.
واعْلَمْ أنَّ النِّداءَ الَّذِي نِيطَ بِهِ الأمْرُ بِالسَّعْيِ في هَذِهِ الآيَةِ هو النِّداءُ الأوَّلُ، وما كانَ النِّداءُ الثّانِي إلّا تَبْلِيغًا لِلْأذانِ لِمَن كانَ بَعِيدًا فَيَجِبُ عَلى مَن سَمِعَهُ السَّعْيُ إلى الجُمُعَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ قَدْ نُودِيَ لِلْجُمُعَةِ.
والسَّعْيُ: أصْلُهُ الِاشْتِدادُ في المَشْيِ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى المَشْيِ بِحِرْصٍ، وتَوَقِّي التَّأخُّرِ مَجازًا.
(وذِكْرُ اللَّهِ) فُسِّرَ بِالصَّلاةِ وفُسِّرَ بِالخُطْبَةِ، بِهَذا فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ والصَّحِيحُ أنَّهُ الجَمِيعُ أوَّلُهُ الخُطْبَةُ.
قُلْتُ: وإيثارُ (ذِكْرِ اللَّهِ) هُنا دُونَ أنْ يَقُولَ: إلى الصَّلاةِ، كَما قالَ فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ
صفحة ٢٢٦
لِتَتَأتّى إرادَةُ الأمْرَيْنِ الخُطْبَةِ والصَّلاةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الخُطْبَةِ في صَلاةِ الجُمُعَةِ وشَرْطِيَّتِهِ عَلى الجُمْلَةِ. وتَفْصِيلُ أحْكامِ التَّخَلُّفِ عَنِ الخُطْبَةِ لَيْسَتْ مُساوِيَةً لِلتَّخَلُّفِ عَنِ الصَّلاةِ إلّا في أصْلِ حُرْمَةِ التَّخَلُّفِ عَنْ حُضُورِ الخُطْبَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وفِي حَدِيثِ المُوَطَّأِ «فَإذا خَرَجَ الإمامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» ولا شَكَّ أنَّ الإمامَ إذا خَرَجَ ابْتَدَأ بِالخُطْبَةِ فَكانَتِ الخُطْبَةُ مِنَ الذِّكْرِ وفي ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِلَفْظِ الذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ. وإنَّما نُهُوا عَنِ البَيْعِ لِأنَّهُ الَّذِي يَشْغَلُهم ولِأنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ كانَ لِتَرْكِ فَرِيقٍ مِنهُمُ الجُمُعَةَ إقْبالًا عَلى عِيرِ تِجارَةٍ ورَدَتْ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] .
ومِثْلُ البَيْعِ كُلُّ ما يَشْغَلُ عَنِ السَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ، وبَعْدَ كَوْنِ البَيْعِ وما قِيسَ عَلَيْهِ مِنها فَقَدِ اخْتُلِفَ في نَسْخِ العُقُودِ الَّتِي انْعَقَدَتْ وقْتَ الجُمُعَةِ. وهو مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في اقْتِضاءِ النَّهْيِ فَسادَ المَنهِيِّ عَنْهُ، ومَذْهَبُ مالِكٍ أنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسادَ إلّا لِدَلِيلٍ. وقَوْلُ مالِكٍ في المُدَوَّنَةِ: إنَّ البَيْعَ الواقِعَ في وقْتِ صَلاةِ الجُمُعَةِ بَيْنَ مَن تَجِبُ عَلَيْهِمُ الجُمُعَةُ يُفْسَخُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يُفْسَخُ. وجَعَلَهُ كالصَّلاةِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا.
وأمّا النِّكاحُ المَعْقُودُ في وقْتِ الجُمُعَةِ: فَفي العُتْبِبَّةِ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: لا يُفْسَخُ. ولَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلى ما ورَدَ النَّهْيُ عَنْهُ في القُرْآنِ ولَمْ يَرَ القِياسَ مُوجِبًا لِفَسْخِ المَقِيسِ. وكَذَلِكَ قالَ أيمَّةُ المالِكِيَّةِ: لا تُفْسَخُ الشَّرِكَةُ والهِبَةُ والصَّدَقَةُ الواقِعَةُ في وقْتِ الجُمُعَةِ وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِنَدْرَةِ وُقُوعِ أمْثالِها بِخِلافِ البَيْعِ.
وخِطابُ الآيَةِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ فَدَلَّ عَلى أنَّ الجُمُعَةَ واجِبَةٌ عَلى الأعْيانِ. وشَذَّ قَوْمٌ قالُوا: إنَّها واجِبَةٌ عَلى الكِفايَةِ، قالَ ابْنُ الفَرَسِ: ونُسِبَ إلى بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ وخِطابُ القُرْآنِ الَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الجُمُعَةِ عَلى النِّساءِ والعَبِيدِ والمُسافِرِ إذا حَلَّ بِقَرْيَةٍ الجُمُعَةَ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ السَّعْيَ إلَيْها.
و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾) تَبْعِيضِيَّةٌ فَإنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ زَمانٌ تَقَعُ فِيهِ أعْمالٌ: مِنها الصَّلاةُ المَعْهُودَةُ فِيهِ، فَنَزَلَ ما يَقَعُ في الزَّمانِ بِمَنزِلَةِ أجْزاءِ الشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٧
ويَجُوزُ كَوْنُ (مِن) لِلظَّرْفِيَّةِ مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠])، أيْ فِيها مِنَ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ.
والإشارَةُ بـِ (ذَلِكم) إلى المَذْكُورِ، أيْ ما ذُكِرَ مِن أمْرٍ بِالسَّعْيِ إلَيْها، وأُمِرَ بِتَرْكِ البَيْعِ حِينَئِذٍ، أيْ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم مِمّا يَحْصُلُ لَكم مِنَ البُيُوعاتِ. فَلَفْظُ (خَيْرٌ) اسْمُ تَفْضِيلٍ أصْلُهُ: أخْيَرُ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
والمُفَضَّلُ: الصَّلاةُ، أيْ ثَوابُها.
والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ: مَنافِعُ البَيْعِ لِلْبائِعِ والمُشْتَرِي.
وإنَّما أُعْقِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَهم سَعَةً مِنَ النَّهارِ يَجْعَلُونَها لِلْبَيْعِ ونَحْوِهِ مِنِ ابْتِغاءِ أسْبابِ المَعاشِ فَلا يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِن وقْتِ الصَّلاةِ، وذِكْرِ اللَّهِ، والأمْرُ في ( ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ لِلْإباحَةِ.
والمُرادُ بِـ (فَضْلِ اللَّهِ): اكْتِسابُ المالِ والرِّزْقِ.
وأمّا قَوْلُهُ (﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾) فَهو احْتِراسٌ مِنَ الِانْصِبابِ في أشْغالِ الدُّنْيا انْصِبابًا يُنْسِي ذِكْرَ اللَّهِ، أوْ يَشْغَلُ عَنِ الصَّلَواتِ فَإنَّ الفَلاحَ في الإقْبالِ عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
الجمعة 62:11
﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الآيَةَ. عُطِفَ التَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ الأمْرِ وسُلِكَتْ في المَعْطُوفَةِ طَرِيقَةُ الِالتِفاتِ لِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ إيذانًا بِأنِّهم أحْرِياءُ أنْ يُصْرَفَ لِلْخِطابِ عَنْهم فَحُرِمُوا مِن عِزِّ الحُضُورِ. وأُخْبِرَ عَنْهم بِحالِ الغائِبِينَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ.
ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإذا رَأيْتُمْ تِجارَةً أوْ لَهْوًا فَلا تَنْفَضُّوا إلَيْها. ومِن
صفحة ٢٢٨
مُقْتَضَياتِ تَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا أنْ يَكُونَ هَذا التَّوْبِيخُ غَيْرَ شامِلٍ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ نَفَرًا مِنهم بَقُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ خُطْبَتِهِ ولَمْ يَخْرُجُوا لِلتِّجارَةِ ولا لِلَّهْوِ.
وفِي الصَّحِيحِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيءِ ﷺ وهو يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذْ أقْبَلَتْ عِيرٌ مِنَ الشّامِ تَحْمِلُ طَعامًا فانْفَتَلَ النّاسُ إلَيْها حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ إلّا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا أنا فِيهِمْ» . وفي رِوايَةٍ وفِيهِمْ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في الجُمُعَةِ ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ اهـ. وقَدْ ذَكَرُوا في رِواياتٍ أُخْرى أنَّهُ بَقِيَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، وسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وبِلالٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ أرْبَعَةَ عَشَرَ. وذَكَرَ الدّارَقُطْنِيُّ في حَدِيثِ جابِرٍ: أنَّهُ قالَ «لَيْسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا أرْبَعُونَ رَجُلًا» .
وعَنْ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ: «كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَخْطُبُ فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الكَلْبِيُّ (بِتِجارَةٍ فَتَلَقّاهُ أهْلُهُ بِالدُّفُوفِ فَخَرَجَ النّاسُ») . وفي رِوايَةٍ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ أصابَهم جُوعٌ وغَلاءٌ شَدِيدٌ فَقَدِمَ دِحْيَةُ بِتِجارَةٍ مِن زَيْتِ الشّامِ. وفي رِوايَةٍ (وطَعامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ فَخَرَجَ النّاسُ مِنَ المَسْجِدِ خَشْيَةَ أنْ يُسْبَقُوا إلى ذَلِكَ) . وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كانَتِ الجَوارِي إذا نُكِحْنَ يُمَرَّرْنَ بِالمَزامِيرِ والطَّبْلِ فانْفَضُّوا إلَيْها، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾، فَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلا شَكَّ أنَّ خُرُوجَهم كانَ تارَةً لِأجْلِ مَجِيءِ العِيرِ وتارَةً لِحُضُورِ اللَّهْوِ.
ورُوِيَ أنَّ العِيرَ نَزَلَتْ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: أحْجارُ الزَّيْتِ فَتَوَهَّمَ الرّاوِي فَقالَ: بِتِجارَةِ الزَّيْتِ.
وضَمِيرُ (إلَيْها) عائِدٌ إلى التِّجارَةِ لِأنَّها أهَمُّ عِنْدَهم مِنَ اللَّهْوِ ولِأنَّ الحَدَثَ الَّذِي نَزَلَتِ الآيَةُ عِنْدَهُ هو مَجِيءُ عِيرِ دِحْيَةَ مِنَ الشّامِ. واكْتَفى بِهِ عَنْ ضَمِيرِ اللَّهْوِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ، أوْ عَمْرِو بْنِ الحارِثِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ:
صفحة ٢٢٩
نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
ولَعَلَّ التَّقْسِيمَ الَّذِي أفادَتْهُ (أوْ) في قَوْلِهِ ﴿أوْ لَهْوًا﴾ تَقْسِيمٌ لِأحْوالِ المُنْفَضِّينَ إذْ يَكُونُ بَعْضُهم مِن ذَوِي العائِلاتِ خَرَجُوا لِيَمْتارُوا لِأهْلِهِمْ، وبَعْضُهم مِنَ الشَّبابِ لا هِمَّةَ لَهم في المِيرَةِ ولَكِنْ أحَبُّوا حُضُورَ اللَّهْوِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الماضِي مُجَرَّدٌ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ لِأنَّ هَذا الِانْفِضاضَ مَضى. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم سَيَعُودُونَ إلَيْهِ بَعْدَ ما نَزَلَ هَذا التَّوْبِيخُ وما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ والتَّحْرِيضِ. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] وقَوْلُهُ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ.
والِانْفِضاضُ: مُطاوِعُ فَضَّهُ إذا فَرَّقَهُ، وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِ مَعْنى المُطاوَعَةِ، أيْ بِمَعْنًى مُطْلَقٍ كَما تَفَرَّقَ. قالَ تَعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] .
وقَوْلُهُ ﴿أوْ لَهْوًا﴾ فِيهِ لِلتَّقْسِيمِ، أيْ مِنهم مَنِ انْفَضَّ لِأجْلِ التِّجارَةِ، ومِنهم مَنِ انْفَضَّ لِأجْلِ اللَّهْوِ، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ إلَيْها تَغْلِيبٌ لِلَفْظِ (تِجارَةٍ) لِأنَّ التِّجارَةَ كانَتِ الدّاعِيَ الأقْوى لِانْفِضاضِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿وتَرَكُوكَ قائِمًا﴾) تَفْظِيعٌ لِفِعْلِهِمْ إذْ فَرَّطُوا في سَماعِ وعْظِ النَّبِيءِ ﷺ، أيْ تَرَكُوكَ قائِمًا عَلى المِنبَرِ. وذَلِكَ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ، والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ تَرَكُوكَ في حالِ المَوْعِظَةِ والإرْشادِ فَأضاعُوا عِلْمًا عَظِيمًا بِانْفِضاضِهِمْ إلى التِّجارَةِ واللَّهْوِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ حُضُورِ الخُطْبَةِ في صَلاةِ الجُمُعَةِ إذْ لَمْ يَقُلْ: وتَرَكُوا الصَّلاةَ.
وأمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ أنْ يَعِظَهم بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ عَلى حُضُورِ الجُمُعَةِ خَيْرٌ مِن فائِدَةِ التِّجارَةِ ولَذَّةِ اللَّهْوِ. وكَذَلِكَ ما أعَدَّ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ لِلَّذِينَ يُؤْثِرُونَ طاعَةَ اللَّهِ عَلى ما يُشْغِلُ عَنْها مِن وسائِلِ الِارْتِزاقِ جَزاءً لَهم عَلى إيثارِهِمْ جَزاءً في الدُّنْيا قَبْلَ جَزاءِ الآخِرَةِ، فَرُبَّ رِزْقٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الحَرِيصُ عَلَيْهِ وإنْ كانَ كَثِيرًا، ورُبَّ رِزْقٍ قَلِيلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ صاحِبُهُ ويَعُودُ عَلَيْهِ بِصَلاحٍ، قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
صفحة ٢٣٠
وقالَ حِكايَةً عَنْ خِطابِ نَوْعِ قَوْمِهِ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢] ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ [نوح: ١٢] ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٢] .
وذُيِّلَ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الرِّزْقَ لِمَن يَرْضى عَنْهُ سَلِيمًا مِنَ الأكْدارِ والآثامِ، ولِأنَّهُ يَرْزُقُ خَيْرَ الدُّنْيا وخَيْرَ الآخِرَةِ، لَيْسَ غَيْرُ اللَّهِ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، والنّاسُ في هَذا المَقامِ دَرَجاتٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ وهو العالِمُ بِالسَّرائِرِ.
* * *
صفحة ٢٣١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُنافِقُونَ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةُ المُنافِقِينَ) اعْتِبارًا بِذِكْرِ أحْوالِهِمْ وصِفاتِهِمْ فِيها.
ووَقَعَ هَذا الِاسْمُ في حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ («فَلَمّا أصْبَحْنا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ المُنافِقِينَ» ) . وسَيَأْتِي قَرِيبًا، ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ فَيُحَرِّضُ بِها المُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِيَةِ بِسُورَةِ المُنافِقِينَ فَيُقْرِعُ بِها المُنافِقِينَ» .
ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وبَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ تَسْمِيَتُها (سُورَةَ المُنافِقُونَ) عَلى حِكايَةِ اللَّفْظِ الواقِعِ في أوَّلِها وكَذَلِكَ ثَبَتَ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ المَغْرِبِيَّةِ والمَشْرِقِيَّةِ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
واتَّفَقَ العادُّونَ عَلى عَدِّ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وقَدْ عُدَّتِ الثّانِيَةَ بَعْدَ المِائَةِ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحَجِّ وقَبْلَ سُورَةِ المُجادِلَةِ.
والصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ ووَقَعَ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ. ووَقَعَ فِيهِ أيْضًا عَنْ سُفْيانَ: أنَّ
صفحة ٢٣٢
ذَلِكَ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ وغَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ سَنَةَ خَمْسٍ، وغَزْوَةُ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ.
ورَجَّحَ أهْلُ المَغازِي وابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ وهو الأظْهَرُ. لِأنَّ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: (لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ)، يُناسِبُ الوَقْتَ الَّذِي لَمْ يَضْعُفْ فِيهِ شَأْنُ المُنافِقِينَ وكانَ أمْرُهم كُلَّ يَوْمٍ في ضَعْفٍ وكانَتْ غَزْوَةَ تَبُوكَ في آخِرِ سِنِيِّ النُّبُوَّةِ وقَدْ ضَعُفَ أمْرُ المُنافِقِينَ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ «أنَّهُ قالَ: كُنّا في غَزاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلًا جُهَنِيًّا حَلِيفًا لِلْأنْصارِ فَقالَ الجُهَنِيُّ: يا لِلْأنْصارِ، وقالَ المُهاجِرِيُّ: يا لِلْمُهاجِرِينَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ما بالُ دَعْوى الجاهِلِيَّةِ، قالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَقالَ دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ (أيِ اتْرُكُوا دَعْوَةَ الجاهِلِيَّةِ: يَآلَ كَذا) فَسَمِعَ هَذا الخَبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَقالَ: أقَدْ فَعَلُوها أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلُّ. وقالَ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: فَسَمِعَتُ ذَلِكَ فَأخْبَرْتُ بِهِ عَمِّي فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَدَعانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ فَحَلَفُوا ما قالُوا، فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ وصَدَّقَهُ فَأصابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مَثْلُهُ فَقالَ عَمِّي ما أرَدْتَ إلّا أنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي رِوايَةٍ: «إلى أنْ كَذَّبَكَ، فَلَمّا أصْبَحْنا قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ سُورَةَ المُنافِقِينَ وقالَ لِي: إنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ» .
وفِي رِوايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ في هَذا الحَدِيثِ: أنَّ المُهاجِرِيَّ أعْرابِيٌّ وأنَّ الأنْصارِيَّ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ، وأنَّ المُهاجِرِيَّ ضَرَبَ الأنْصارِيَّ عَلى رَأْسِهِ بِخَشَبَةٍ فَشَجَّهُ، وأنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ يَعْنِي الأعْرابَ، وذَكَرَ أهْلَ السَّيَرِ أنَّ المُهاجِرِيَّ مِن غِفارٍ اسْمُهُ جَهْجاهٌ أجِيرٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وأنَّ الأنْصارِيَّ جُهَنِيٌّ اسْمُهُ سِنانٌ حَلِيفٌ لِابْنِ
صفحة ٢٣٣
أُبَيٍّ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الحادِثَةُ واحِدَةً. واضْطَرَبُ الرّاوِي عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ في صِفَتِها؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ حادِثَتانِ في غَزاةٍ واحِدَةٍ.
وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وقالَ لَهُ: أنْتَ صاحِبُ هَذا الكَلامِ الَّذِي بَلَغَنِي، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ما قُلْتُ شَيْئًا مِن هَذا وإنَّ زَيْدًا لَكاذِبٌ» .
والظّاهِرُ أنَّ المَقالَةَ الأُولى قالَها ابْنُ أُبَيٍّ في سَوْرَةِ غَضَبٍ تَهْيِيجًا لِقَوْمِهِ ثُمَّ خَشِيَ انْكِشافَ نِفاقِهِ فَأنْكَرَها.
وأمّا المَقالَةُ الثّانِيَةُ فَإنَّما أدْرَجَها زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ في حَدِيثِهِ وإنَّما قالَها ابْنُ أُبَيٍّ في سُورَةِ النّاصِحِ كَما سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ حِكايَتِها.
وعَلى الأصَحِّ فَهي قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الأحْزابِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ تَكُونُ نَزَلَتْ مَعَ سُورَةِ (بَراءَةٌ) أوْ قَبْلَها بِقَلِيلٍ وهو بَعِيدٌ.
* * *
فَضْحُ أحْوالِ المُنافِقِينَ بِعَدِّ كَثِيرٍ مِن دَخائِلِهِمْ وتَوَلُّدِ بَعْضِها عَنْ بَعْضِ مِن كَذِبٍ، وخَيْسٍ بِعَهْدِ اللَّهِ، واضْطِرابٍ في العَقِيدَةِ، ومِن سَفالَةِ نُفُوسٍ في أجْسامٍ تَغُرُّ وتُعْجِبُ، ومِن تَصْمِيمٍ عَلى الإعْراضِ عَنْ طَلَبِ الحَقِّ والهُدى، وعَلى صَدِّ النّاسِ عَنْهُ، وكانَ كُلُّ قِسْمٍ مِن آياتِ السُّورَةِ المُفْتَتَحِ بِ (إذا) خُصَّ بِغَرَضٍ مِن هَذِهِ الأغْراضِ. وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ ذَلِكَ جَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ إلى تَكْذِيبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فِيما حَلَفَ عَلَيْهِ مِنَ التَّنَصُّلِ مِمّا قالَهُ.
وخُتِمَتْ بِمَوْعِظَةِ المُؤْمِنِينَ وحَثِّهِمْ عَلى الإنْفاقِ والِادِّخارِ لِلْآخِرَةِ قَبْلَ حُلُولِ الأجَلِ.
المنافقون 63:1
﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ .
صفحة ٢٣٤
لمّا كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ خُصُومَةِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ومَقالَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ في شَأْنِ المُهاجِرِينَ. تَعَيَّنَ أنَّ الغَرَضَ مِن هَذِهِ الآيَةِ التَّعْرِيضُ بِكَذِبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وبِنِفاقِهِ فَصِيَغَ الكَلامُ بِصِيغَةٍ تَعُمُّ المُنافِقِينَ لِتَجَنُّبِ التَّصْرِيحِ بِالمَقْصُودِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتابِ اللَّهِ» ومُرادُهُ مَوْلى بَرِيرَةَ لَمّا أرادَ أنْ يَبِيعَها لِعائِشَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ واشْتَرَطَ أنْ يَكُونَ الوَلاءُ لَهُ، وابْتُدِئَ بِتَكْذِيبِ مَن أُرِيدَ تَكْذِيبُهُ في ادِّعائِهِ الإيمانَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ إشْعارًا بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى دَخائِلِهِمْ، وهو تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْلَمُ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا: نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ مَحْكِيًّا بِالمَعْنى لِأنَّهم يَقُولُونَ عِباراتٍ كَثِيرَةً تُفِيدُ مَعْنى أنَّهم يَشْهَدُونَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلَ نُطْقِهِمْ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا تَوَطَّئُوا عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ كُلَّما أعْلَنَ أحَدُهُمُ الإسْلامَ. وهَذا ألْيَقُ بِحِكايَةِ كَلامِهِمْ بِكَلِمَةِ قالُوا دُونَ نَحْوِ: زَعَمُوا.
وإذا ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الماضِي بِقَرِينَةٍ جَعَلَ جُمْلَتَيْها ماضِيَتَيْنِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِفَعْلِ (قالُوا) وهو جَوابُ إذا.
فالمَعْنى: إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ.
و﴿نَشْهَدُ﴾ خَبَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأنَّ الشَّهادَةَ الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ إذْ هي مُشْتَقَّةٌ مِنَ المُشاهَدَةِ أيِ المُعايَنَةِ. والمُعايَنَةُ أقْوى طُرُقِ العِلْمِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُ: أشْهَدُ ونَحْوِهِ مِن أفْعالِ اليَقِينِ في مَعْنى القَسَمِ. وكَثُرَ أنْ يُجابَ بِمِثْلِ ما يُجابُ بِهِ القَسَمُ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿نَشْهَدُ﴾ لَيْسَ إنْشاءً. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ جَعَلَهُ صِيغَةَ يَمِينٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ إعْلامُ النَّبِيءِ ﷺ وإعْلامُ المُسْلِمِينَ بِطائِفَةٍ مُبْهَمَةٍ شَأْنُهُمُ النِّفاقُ لِيَتَوَسَّمُوهم ويَخْتَبِرُوا أحْوالَهم وقَدْ يَتَلَقّى النَّبِيءُ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ تَعْيِينَهم أوْ تَعْيِينَ بَعْضِهِمْ.
صفحة ٢٣٥
والمُنافِقُونَ جَمْعُ مُنافِقٍ وهو الَّذِي يُظْهِرُ الإيمانَ ويُسِرُّ الكُفْرَ وقَدْ مَضى القَوْلُ فِيهِ مُفَصَّلًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿نَشْهَدُ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ وهَذا الِاعْتِراضُ لِدَفْعِ إيهامِ مَن يَسْمَعُ جُمْلَةَ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ أنَّهُ تَكْذِيبٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ فَإنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ مَحْفُوفِينَ بِفِئامٍ مِنَ المُنافِقِينَ مَبْثُوثِينَ بَيْنَهم هِجِّيراهم فِتْنَةَ المُسْلِمِينَ فَكانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا دَفَعَ الإيهامِ وهَذا مِنَ الِاحْتِراسِ.
وعُلِّقَ فِعْلُ (يَعْلَمُ) عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ (إنَّ) في أوَّلِ الجُمْلَةِ وقَدْ عَدُّوا (إنَّ) الَّتِي في خَبَرِها لامُ ابْتِداءِ مِنَ المُعَلَّقاتِ لِأفْعالِ القَلْبِ عَنِ العَمَلِ بِناءً عَلى أنَّ لامَ الِابْتِداءِ هي في الحَقِيقَةِ لامُ جَوابِ القَسَمِ وأنَّ حَقَّها أنْ تَقَعَ قَبْلَ (إنَّ) ولَكِنَّها زُحْلِقَتْ في الكَلامِ كَراهِيَةَ اجْتِماعِ مُؤَكِّدَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ، وأُخِذَ ذَلِكَ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهَ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ عَطَفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا نَشْهَدُ﴾ .
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتُقَوِّيَ الحُكْمَ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (﴿يَشْهَدُ﴾) في الإخْبارِ عَنْ تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم لِلْمُشاكَلَةِ حَتّى يَكُونَ إبْطالُ خَبَرِهِمْ مُساوِيًا لِإخْبارِهِمْ.
والكَذِبُ: مُخالَفَةُ ما يُفِيدُهُ الخَبَرُ لِلْواقِعِ في الخارِجِ، أيِ الوُجُودِ فَمَعْنى كَوْنِ المُنافِقِينَ كاذِبُونَ هُنا أنَّهم كاذِبُونَ في إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم يَشْهَدُونَ بِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ لِأنَّ خَبَرَهم ذَلِكَ مُخالِفٌ لِما في أنْفُسِهِمْ فَهم لا يَشْهَدُونَ بِهِ ولا يُوافِقُ قَوْلُهم ما في نُفُوسِهِمْ. وبِهَذا بَطَلَ احْتِجاجُ النَّظّامِ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْيِهِ أنَّ الكَذِبَ مُخالَفَةُ الخَبَرِ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ لِأنَّهُ غَفَلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا نَشْهَدُ﴾ . وقَدْ أشارَ إلى هَذا الرَّدِّ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ وفي الإيضاحِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ مُبِيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَشْهَدُ﴾ مِثْلَ سابِقَتِها.
المنافقون 63:2
صفحة ٢٣٦
﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ تَكْذِيبَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم في قَوْلِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، يُثِيرُ في أنْفُسِ السّامِعِينَ سُؤالًا عَنْ أيْمانِهِمْ لَدى النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِهِ وأنَّهم لا يُضْمِرُونَ بُغْضَهُ فَأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم تَقِيَّةً يَتَّقُونَ بِها وقَدْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالحَلِفِ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
والجُنَّةُ: ما يُسْتَتَرُ بِهِ ويُتَّقى ومِنهُ سُمِّيَتِ الدِّرْعُ جُنَّةً.
والمَعْنى: جَعَلُوا أيْمانَهم كالجُنَّةِ يُتَّقى بِها ما يَلْحَقُ مِن أذى. فَلَمّا شُبِّهَتِ الأيْمانُ بِالجُنَّةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَشْبِيهِ الحَلِفِ بِاتِّخاذِ الجُنَّةِ، أيِ اسْتِعْمالِها، فَفي اتَّخَذُوا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، ولَيْسَ هَذا خاصًّا بِحَلِفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أنَّهُ ما قالَ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، كَما تَقَدَّمَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِها، بَلْ هو أعَمُّ، ولِذَلِكَ فالوَجْهُ حَمْلُ ضَمائِرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ﴾ الآيَةَ عَلى حَقِيقَتِها، أيِ اتَّخَذَ المُنافِقُونَ كُلُّهم أيْمانَهم جُنَّةً، أيْ كانَتْ تِلْكَ تَقِيَّتُهم، أيْ تِلْكَ شَنْشَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِيهِمْ.
﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَفْرِيعٌ لِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عَلى الحَلِفِ الكاذِبِ لِأنَّ اليَمِينَ الفاجِرَةَ مِن كَبائِرِ الإثْمِ لِما فِيها مِنَ الِاسْتِخْفافِ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى ولِأنَّهم لَمّا حَلَفُوا عَلى الكَذِبِ ظَنُّوا أنَّهم قَدْ أمِنُوا اتِّهامَ المُسْلِمِينَ إيّاهم بِالنِّفاقِ فاسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ والمَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ وذَلِكَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ إعْراضٌ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِسُلُوكِها.
وفِعْلُ (صَدُّوا) هُنا قاصِرٌ الَّذِي قِياسُ مُضارِعِهِ (يَصِدُّ) بِكَسْرِ الصّادِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِتَفْظِيعِ حالِهِمْ عَنِ السّامِعِ. وساءَ مِن أفْعالِ الذَّمِّ تُلْحَقُ بِبِئْسَ عَلى تَقْدِيرِ تَحْوِيلِ صِيغَةِ فِعْلِها عَنْ فَعَلَ المَفْتُوحِ العَيْنِ إلى فَعُلَ المَضْمُومِها لِقَصْدِ إفادَةِ الذَّمِّ مَعَ إفادَةِ التَّعَجُّبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّحْوِيلِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ وأشارَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّسْهِيلِ.
المنافقون 63:3
صفحة ٢٣٧
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ .
جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] .
والإشارَةُ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢]، أيْ سَبَبُ إقْدامِهِمْ عَلى الأعْمالِ السَّيِّئَةِ المُتَعَجَّبِ مِن سُوئِها، هو اسْتِخْفافُهم بِالأيْمانِ ومُراجَعَتُهُمُ الكُفْرَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، فَرَسَخَ الكُفْرُ في نُفُوسِهِمْ فَتَجَرَّأتْ أنْفُسُهم عَلى الجَرائِمِ وضَرَبَتْ بِها، حَتّى صارَتْ قُلُوبُهم كالمَطْبُوعِ عَلَيْها أنْ لا يَخْلُصَ إلَيْها الخَيْرُ.
فَقَوْلُهُ ﴿بِأنَّهم آمَنُوا﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. ومَعْنى الباءِ السَّبَبِيَّةُ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ إبْطالَ الكُفْرِ مَعَ إظْهارِ الإيمانِ أعْظَمُ مِنَ الكُفْرِ الصَّرِيحِ. وأنَّ كُفْرَهم أرْسَخُ فِيهِمْ مِن إظْهارِ أيْمانِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مَعَ ذَلِكَ التَّراخِي في الزَّمَنِ وهو المُهْلَةُ.
فَإسْنادُ فِعْلِ آمَنُوا إلَيْهِمْ مَعَ الإخْبارِ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ بِأنَّهم كاذَّبُونَ في قَوْلِهِمْ ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ فَإنَّ مَراتِبَ المُنافِقِينَ مُتَفاوِتَةٌ في النِّفاقِ وشِدَّةِ الكُفْرِ فَمِنهم مَن آمَنُوا لَمّا سَمِعُوا آياتِ القُرْآنِ أوْ لاحَتْ لَهم أنْوارٌ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لَمْ تَثْبُتْ في قُلُوبِهِمْ.
ثُمَّ رَجَعُوا إلى الكُفْرِ لِلَوْمِ أصْحابِهِمْ عَلَيْهِمْ أوْ لِإلْقائِهِمُ الشَّكَّ في نُفُوسِهِمْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا. فَقُلْتُ: ولَعَلَّ الَّذِينَ تابُوا وحَسُنَ إسْلامُهم مِن هَذا الفَرِيقِ. فَهَؤُلاءِ إسْنادُ الإيمانِ إلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ.
ومِنهم مَن خالَجَهم خاطَرُ الإيمانِ فَتَرَدَّدُوا وقارَبُوا أنْ يُؤْمِنُوا ثُمَّ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ فَشابَهَ أوَّلُ حالِهِمْ حالَ المُؤْمِنِينَ حِينَ خُطُورِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ.
ومِنهم مَن أظْهَرُوا الإيمانَ كَذِبًا وهَذا هو الفَرِيقُ الأكْثَرُ. ولَيْسَ ما أظْهَرُوهُ في شَيْءٍ مِنَ الإيمانِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في مِثْلِهِمْ ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فَسَمّاهُ إسْلامًا ولَمْ يُسَمِّهِ إيمانًا. ومِنهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] . وإطْلاقُ اسْمِ الإيمانِ عَلى مَثْلِ هَذا الفَرِيقِ مَجازٌ
صفحة ٢٣٨
بِعِلاقَةِ الصُّورَةِ وهو كَإسْنادِ فِعْلِ يَحْذَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤] الآيَةَ، في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ الأصْلِيِّ والمَجازِيِّ عَلى ما يُناسِبُ مَحْمِلَ فِعْلِ (آمَنُوا) .
ولَوْ حُمِلَ المُنافِقُونَ عَلى واحِدٍ مُعَيَّنٍ وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جازَ أنْ يَكُونَ ابْنُ أُبَيٍّ آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ فَيَكُونُ إسْنادُ (آمَنُوا) حَقِيقَةً وتَكُونُ ثُمَّ لِلتَّراخِي في الزَّمانِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾، فَصارَ كُفْرُهم بَعْدَ الإيمانِ عَلى الوُجُوهِ السّابِقَةِ سَبَبًا في سُوءِ أعْمالِهِمْ بِمُقْتَضى باءِ السَّبَبِيَّةِ، وسَبَبًا في انْتِفاءِ إدْراكِهِمُ الحَقائِقَ النَّظَرِيَّةَ بِمُقْتَضى فاءِ التَّفْرِيعِ.
والفِقْهُ: فَهْمٌ لِلْحَقائِقِ الخَفِيَّةِ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَ دَلائِلَ الإيمانِ حَتّى يَعْلَمُوا حَقِّيَّتَهُ.
المنافقون 63:4
﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ .
هَذا انْتِقالٌ إلى وضْحِ بَعْضِ أحْوالِهِمُ الَّتِي لا يُبْرِزُونَها إذا جاءُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ ولَكِنَّها تَبْرُزُ مِن مُشاهَدَتِهِمْ، فَكانَ الوَضْحُ الأوَّلُ مُفْتَتَحًا بِ ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] وهَذا الوَضْحُ مُفْتَتَحًا بِ ﴿إذا رَأيْتَهُمْ﴾ [الإنسان: ١٩] .
فَجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] واقِعَةٌ مَوْقِعَ الِاحْتِراسِ والتَّتْمِيمِ لِدَفْعِ إيهامِ مَن يَغُرُّهُ ظاهِرُ صُوَرِهِمْ.
واتْبِعَ انْتِفاءُ فِقْهِ عُقُولِهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى عَدَمِ الِاغْتِرارِ بِحُسْنِ صُوَرِهِمْ فَإنَّها أجْسامٌ خالِيَةٌ عَنْ كَمالِ الأنْفُسِ كَقَوْلِ حَسّانَ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ:
لا بَأْسَ بِالقَوْمِ مِن طُولٍ ومِن غِلَظٍ جِسْمُ البِغالِ وأحْلامُ العَصافِيرِ
وتُفِيدُ مَعَ الِاحْتِراسِ تَنْبِيهًا عَلى دَخائِلِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ حُذِفَ حَرْفُ العَطْفِ مِن
صفحة ٢٣٩
الجُمْلَتَيْنِ لَصَحَّ وُقُوعُهُما مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ. ولَكِنْ أُوثِرَ العَطْفُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هاتَيْنِ صِفَتانِ تُحْسَبانِ كَمالًا وهُما نَقِيصَتانِ لِعَدَمِ تَناسُقِهِما مَعَ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ كَمالًا. فَإنَّ جَمالَ النَّفْسِ كَجَمالِ الخِلْقَةِ إنَّما يَحْصُلُ بِالتَّناسُبِ بَيْنَ المَحاسِنِ وإلّا فَرُبَّما انْقَلَبَ الحَسَنُ مُوجِبَ نَقْصٍ.
فالخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ يَشْمَلُ كُلَّ مَن يَراهم مِمَّنْ يَظُنُّ أنْ تَغُرَّهُ صُوَرُهم فَلا يَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أطْلَعَهُ عَلى أحْوالِهِمْ وأوْقَفَهُ عَلى تَعْيِينِهِمْ فَهو كالخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] .
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ أوْ عَدَدٌ مَحْدُودٌ إذْ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المُنافِقِينَ أحاسِنَ الصُّوَرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ ابْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا صَحِيحًا صَبِيحًا ذَلْقَ اللِّسانِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: المُرادُ ابْنُ أُبَيٍّ والجِدُّ بْنُ قَيْسٍ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ كانَتْ لَهم أجْسامٌ ومَنظَرٌ وفَصاحَةٌ. وقالَ في الكَشّافِ: وقَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ في مِثْلِ صِفَةِ ابْنِ أُبَيٍّ رُؤَساءُ المَدِينَةِ.
وأجْسامُ: جَمْعُ جِسْمٍ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ السِّينِ وهو ما يُقْصَدُ بِالإشارَةِ إلَيْهِ أوْ ما لَهُ طُولٌ وعَرْضٌ وعُمْقٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأيْتَهُمْ﴾ إلَخْ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ .
والمُرادُ بِالسَّماعِ في قَوْلِهِ ﴿تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ الإصْغاءُ إلَيْهِمْ لِحُسْنِ إبانَتِهِمْ وفَصاحَةِ كَلامِهِمْ مَعَ تَغْرِيرِهِمْ بِحَلاوَةِ مَعانِيهِمْ تَمْوِيهَ حالِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ.
فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِقَوْلِهِمْ﴾ لِتَضْمِينَ (﴿تَسْمَعْ﴾) مَعْنى: تُصْغِ أيُّها السّامِعُ، إذْ لَيْسَ في الإخْبارِ بِالسَّماعِ لِلْقَوْلِ فائِدَةٌ لَوْلا أنَّهُ ضَمَّنَ مَعْنى الإصْغاءِ لِوَعْيِ كَلامِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ وصْفِ حُسْنِ أجْسامِهِمْ وذَلاقَةِ كَلامِهِمْ، فَإنَّهُ في صُورَةِ مَدْحٍ فَلا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ مِن ذَمِّهِمْ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ ما يَرِدُ بَعْدَ هَذا الوَصْفِ.
صفحة ٢٤٠
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن ضَمِيرِي الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ .
ومَعْناهُ أنَّ حُسْنَ صُوَرِهِمْ لا نَفْعَ فِيهِ لِأنْفُسِهِمْ ولا لِلْمُسْلِمِينَ.
و(خُشُبٌ) بِضَمِّ الخاءِ وضَمِّ الشِّينِ جَمْعُ خَشَبَةٍ بِفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ الشِّينِ وهو جَمْعٌ نادِرٌ لَمْ يُحْفَظْ إلّا في ثَمَرَةٍ، وقِيلَ ثُمُرٌ جَمْعُ ثِمارٍ الَّذِي هو جَمْعُ ثَمَرَةٍ فَيَكُونُ ثُمُرٌ جَمْعَ جَمْعٍ. فَيَكُونُ خُشُبٌ عَلى مِثالِ جَمْعِ الجَمْعِ وإنَّ لَمْ يُسْمَعْ مُفْرَدٌ. ويُقالُ خُشْبٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وهو جَمْعُ خَشَبَةٍ لا مَحالَةَ، مِثْلَ: بُدْنٌ جَمْعُ بَدَنَةٍ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأهُ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ بِضَمَّةٍ فَسُكُونٍ.
والمُسَنَّدَةُ الَّتِي سُنِّدَتْ إلى حائِطٍ أوْ نَحْوِهِ، أيْ أُمِيلَتْ إلَيْهِ فَهي غَلِيظَةٌ طَوِيلَةٌ قَوِيَّةٌ لَكِنَّها غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِها في سَقْفٍ ولا مَشْدُودٍ بِها جِدارٌ. شُبِّهُوا بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ تَشْبِيهَ التَّمْثِيلِ في حُسْنِ المَرْأى وعَدَمِ الجَدْوى، أُفِيدَ بِها أنَّ أجْسامَهُمُ المُعْجَبَ بِها ومَقالَهُمُ المُصْغى إلَيْهِ خالِيانِ عَنِ النَّفْعِ كَخُلُوِّ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ عَنِ الفائِدَةِ، فَإذا رَأيْتُمُوهم حَسِبْتُمُوهم أرْبابَ لُبٍّ وشَجاعَةٍ وعِلْمٍ ودِرايَةٍ. وإذا اخْتَبَرْتُمُوهم وجَدْتُمُوهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَلا تَحْتَفِلُوا بِهِمْ.
* * *
﴿يَحْسِبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، أيْ مِن مُخالَفَةِ باطِنِهِمُ المُشَوَّهِ لِلظّاهِرِ المُمَوَّهِ، أيْ هم أهْلُ جُبْنٍ في صُورَةِ شُجْعانَ.
وهَذا مِن جُمْلَةِ ما فَضَحَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِن دَخائِلِهِمْ ومَطاوِي نُفُوسِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في الآياتِ السّابِقَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَواقِعُها مِن تَفَنُّنِ أسالِيبِ النَّظْمِ، فَهي مُشْتَرِكَةٌ في التَّنْبِيهِ عَلى أسْرارِهِمْ.
والصَّيْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الصِّياحِ، أيْ هم لِسُوءِ ما يُضْمِرُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ العَداوَةِ
صفحة ٢٤١
لا يَزالُونَ يَتَوَجَّسُونَ خِيفَةً مِن أنْ يَنْكَشِفَ أمْرُهم عِنْدَ المُسْلِمِينَ فَهم في خَوْفٍ وهَلَعٍ إذا سَمِعُوا صَيْحَةً في خُصُومَةٍ أوْ أُنْشِدَتْ ضالَّةٌ خَشَوْا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ غارَةً مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ لِلْإيقاعِ بِهِمْ.
و(كُلَّ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأكْثَرِ لِأنَّهم إنَّما يَتَوَجَّسُونَ خَوْفًا مِن صَيْحاتٍ لا يَعْلَمُونَ أسْبابَها كَما اسْتَعْمَلَهُ النّابِغَةُ في قَوْلِهِ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ
وقَوْلُهُ عَلَيْهِمْ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِفَعْلِ ﴿يَحْسَبُونَ﴾ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِ (﴿صَيْحَةٍ﴾) .
* * *
﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ لِغَرابَةِ مَعْناها تُثِيرُ سُؤالًا عَنْ سَبَبِ هَلَعِهِمْ وتَخَوُّفِهِمْ مِن كُلِّ ما يَتَخَيَّلُ مِنهُ بَأْسُ المُسْلِمِينَ فَيُجابُ بِأنَّ ذَلِكَ لِأنِّهم أعْداءٌ ألَدّاءٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَنْظُرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَرْآةِ نُفُوسِهِمْ فَكَما هم يَتَرَبَّصُونَ بِالمُسْلِمِينَ الدَّوائِرَ ويَتَمَنَّوْنَ الوَقِيعَةَ بِهِمْ في حِينَ يُظْهِرُونَ لَهُمُ المَوَدَّةَ كَذَلِكَ يَظُنُّونَ بِالمُسْلِمِينَ التَّرَبُّصَ بِهِمْ وإضْمارَ البَطْشِ بِهِمْ عَلى نَحْوِ ما قالَ أبُو الطَّيِّبِ:
إذا ساءَ فِعْلُ المَرْءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ وصَدَّقَ ما يَعْتادُهُ مِن تَوُهُّمِ
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِذِكْرِ حالَةٍ مِن أحْوالِهِمْ تَهُمُّ المُسْلِمِينَ مَعْرِفَتُها لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْها تَفْرِيعُ ﴿فاحْذَرْهُمْ﴾ وعَلى كُلِّ التَّقادِيرِ فَنَظْمُ الكَلامِ وافٍ بِالغَرَضِ مِن فَضْحِ دَخائِلِهِمْ.
والتَّعْرِيفُ في العَدُوِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ الدّالِّ عَلى مُعَيَّنِ كَمالِ حَقِيقَةِ العَدُوِّ فِيهِمْ، لِأنَّ أعْدى الأعادِي العَدُوُّ المُتَظاهِرُ بِالمُوالاةِ وهو مَدّاحٌ وتَحْتَ ضُلُوعِهِ الدّاءُ الدَّوِيُّ. وعَلى هَذا المَعْنى رَتَّبَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالحَذَرِ مِنهم.
صفحة ٢٤٢
والعَدُوُّ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ. والمُرادُ: الحَذَرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِهِمُ الخَلّابَةِ لِئَلّا يُخْلِصَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِسِرِّهِمْ ولا يَتَقَبَّلُوا نَصائِحَهم خَشْيَةَ المَكائِدِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِيُبَلِّغَهُ المُسْلِمِينَ فَيَحْذَرُوهم.
* * *
﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
تَذْيِيلٌ فَإنَّهُ جَمَعَ عَلى الإجْمالِ ما يَغْنِي عَنْ تَعْدادِ مَذامِّهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]، مَسُوقٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ تَوَغُّلِهِمْ في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ بِعُدُولِهِمْ عَنِ الحَقِّ.
فافْتُتِحَ التَّعْجِيبُ مِنهم بِجُمْلَةٍ أصْلُها دُعاءٌ بِالإهْلاكِ والِاسْتِئْصالِ ولَكِنَّها غَلَبَ اسْتِعْمالُها في التَّعَجُّبِ أوْ التَّعْجِيبِ مِن سُوءِ الحالِ الَّذِي جَرَّهُ صاحِبُهُ لِنَفْسِهِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الكَلِمِ الَّتِي هي دُعاءٌ بِسُوءٍ تُسْتَعْمَلُ في التَّعْجِيبِ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ مَكْرُوهٍ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، ووَيْلُ أُمِّهِ. وتَرِبَتْ يَمِينُهُ. واسْتِعْمالُ ذَلِكَ في التَّعَجُّبِ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلْمُلازَمَةِ بَيْنَ بُلُوغِ الحالِ في السُّوءِ وبَيْنَ الدُّعاءِ عَلى صاحِبِهِ بِالهَلاكِ وبَيْنَ التَّعَجُّبِ مِن سُوءِ الحالِ. فَهي مُلازَمَةٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ.
وأنّى هُنا اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ المَكانِ. وأصَّلُ أنّى ظَرْفُ مَكانٍ وكَثُرَ تَضْمِينُهُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ في اسْتِعْمالاتِهِ، وقَدْ يَكُونُ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ فَيُفَسَّرُ بِمَعْنى كَيْفَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آل عمران: ١٦٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وفي قَوْلِهِ ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٣] في سُورَةِ الدُّخانِ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّ الأمْرَ العَجِيبَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ حالِ حُصُولِهِ. فالِاسْتِفْهامُ عَنْهُ مِن لَوازِمِ أُعْجُوبَتِهِ. فَجُمْلَةُ ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ بَيانٌ لِلتَّعْجِيبِ الإجْمالِيِّ المُفادِ بِجُمْلَةِ ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ .
صفحة ٢٤٣
ويُؤْفَكُونَ يُصْرَفُونَ يُقالُ: أفَكَهُ، إذا صَرَفَهُ وأبْعَدَهُ، والمُرادُ: صَرَفَهم عَنِ الهُدى، أيْ كَيْفَ أمْكَنَ لَهم أنْ يَصْرِفُوا أنْفُسَهم عَنِ الهُدى، أوْ كَيْفَ أمْكَنَ لِمُضَلِّلِيهِمْ أنْ يَصْرِفُوهم عَنِ الهُدى مَعَ وُضُوحِ دَلائِلِهِ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
المنافقون 63:5
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ .
هَذا حالُهم في العِنادِ ومُجافاةِ الرَّسُولِ ﷺ والإعْراضِ عَنِ التَّفَكُّرِ في الآخِرَةِ، بَلْهَ الِاسْتِعْدادِ لِلْفَوْزِ فِيها.
و(﴿تَعالَوْا﴾) طَلَبٌ مِنَ المُخاطَبِ بِالحُضُورِ عِنْدَ الطّالِبِ، وأصْلُهُ فِعْلُ أمْرٍ مِنَ التَّعالِي، وهو تَكَلُّفُ العُلُوِّ، أيِ الصُّعُودِ، وتُنُوسِيَ ذَلِكَ وصارَ لِمُجَرَّدِ طَلَبِ الحُضُورِ، فَلَزِمَ حالَةً واحِدَةً فَصارَ اسْمَ فِعْلٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآيَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وهَذا الطَّلَبُ يَجْعَلُ (﴿تَعالَوْا﴾) مُشْعِرًا بِأنَّ هَذِهِ حالَةٌ مِن أحْوالِ انْفِرادِهِمْ في جَماعَتِهِمْ فَهي ثالِثُ الأغْراضِ مِن بَيانِ مُخْتَلَفِ أنْواعِ تِلْكَ الأحْوالِ، وقَدِ ابْتُدِأتْ بِ إذا كَما ابْتُدِئَ الغَرَضانِ السّابِقانِ بِ إذا ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] . و﴿إذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] .
والقائِلُ لَهم ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضَ المُسْلِمِينَ وعَظُوهم ونَصَحُوهم، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بَعْضٌ مِنهُمُ اهْتَدى وأرادَ الإنابَةَ.
قِيلَ المَقُولُ لَهُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوُجُوهِ في ذِكْرِ المُنافِقِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] وما بَعْدَهُ.
والمَعْنى: اذْهَبُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ وسَلُوهُ الِاسْتِغْفارَ لَكم. وهَذا يَدُلُّ دَلالَةَ اقْتِضاءٍ عَلى أنَّ المُرادَ تُوبُوا مِنَ النِّفاقِ وأخْلِصُوا الإيمانَ وسَلُوا رَسُولَ اللَّهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَكم ما فَرَطَ مِنكم، فَكانَ الَّذِي قالَ لَهم ذَلِكَ مُطَّلِعًا عَلى نِفاقِهِمْ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في
صفحة ٢٤٤
سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣] .
ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ الصَّفْحَ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] . لِأنَّ ابْنَ أُبَيٍّ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبَرَّأ مِن أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ ولِأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] .
ولَيُّ الرُّءُوسِ: إمالَتُها إلى جانِبٍ غَيْرِ وُجاهِ المُتَكَلِّمِ. إعْراضًا عَنْ كَلامِهِ، أيْ أبَوْا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأنَّهم ثابِتُونَ عَلى النِّفاقِ، أوْ لِأنَّهم غَيْرُ راجِعِينَ فِيما قالُوهُ مِن كَلامٍ بَذِيءٍ في جانِبِ المُسْلِمِينَ، أوْ لِئَلّا يُلْزَمُوا بِالِاعْتِرافِ بِما نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنَ النِّفاقِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَوَّوْا) بِتَشْدِيدِ الواوِ الأُولى مُضاعَفُ (لَوى) لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ فَيَقْتَضِي كَثْرَةَ اللَّيِّ مِنهم، أيْ لَوى جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنهم رُءُوسَهم، وقَرَأ نافِعٌ ورَوْحُ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَخْفِيفِ الواوِ الأُولى اكْتِفاءً بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ.
والخِطابُ في ورَأيْتَهم لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ ورَأيْتَهم يا مَن يَراهم حِينَئِذٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَصُدُّونَ، أيْ يَصُدُّونَ صَدَّ المُتَكَبِّرِ عَنْ طَلَبِ الِاسْتِغْفارِ.
المنافقون 63:6
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ .
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ أحْوالِهِمْ نَشَأتْ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] إلَخْ.
واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ: سَواءٌ عَلَيْهِ أكَذا أمْ كَذا، ونَحْوَهُ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ فَيَلْزَمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مَعَ ما يُناسِبُها مِن ضَمائِرِ المُخْبِرِ عَنْهُ. ومَدْلُولُهُ اسْتِواءُ الأمْرَيْنِ لَدى المَجْرُورِ بِحَرْفِ عَلى، ولِذَلِكَ يُعَقَّبُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ جِهَةَ الِاسْتِواءِ كَجُمْلَةِ ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . وجُمْلَةِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠] في سُورَةِ يس وأمّا ما يُنْسَبُ إلى بُثَيْنَةَ في رِثاءِ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ مِن قَوْلِها:
صفحة ٢٤٥
سَواءٌ عَلَيْنا يا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ إذا مِتَّ بَأْساءُ الحَياةِ ولِينُها
فَلا أحْسَبُهُ صَحِيحَ الرِّوايَةِ.
وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى مُساوٍ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الجامِدِ في الغالِبِ فَلا يَتَغَيَّرُ خَبَرُهُ نَقُولُ: هُما سَواءٌ، وهم سَواءٌ. وشَذَّ قَوْلُهُ: سِواءَيْنِ.
وعَلى مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى تَمَكُّنِ الوَصْفِ. فالمَعْنى: سَواءٌ فِيهِمْ.
وهَمْزَةُ (﴿أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾) أصْلُها هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى: سَواءٌ عِنْدَهم سُؤالُ السّائِلِ عَنْ وُقُوعِ الِاسْتِغْفارِ لَهم وسُؤالُ السّائِلِ عَنْ عَدَمِ وُقُوعِهِ. وهو اسْتِفْهامٌ مَجازِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ قِلَّةِ الِاعْتِناءِ بِكَلا الحالَيْنِ بِقَرِينَةِ لَفْظِ سَواءٍ ولِذَلِكَ يُسَمِّي النُّحاةُ هَذِهِ الهَمْزَةَ التَّسْوِيَةَ. وتَقَدِّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ سَواءٌ عِنْدَهُمُ اسْتِغْفارُكَ لَهم وعَدَمُهُ. فَ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو التَّمَكُّنُ والتَّلَبُّسُ فَتَئُولُ إلى مَعْنى عِنْدَ كَما تَقُولُ سَواءٌ عَلَيَّ أرَضِيتُ أمْ غَضِبْتُ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ وجُمْلَةِ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ [المنافقون: ٧] وهي وعِيدٌ لَهم وجَزاءٌ عَلى اسْتِخْفافِهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
* * *
﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا عَنْ حالٍ مِن أحْوالِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهم بِأنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَحَرَمَهُمُ اللُّطْفَ والعِنايَةَ.
المنافقون 63:7
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ .
صفحة ٢٤٦
هَذا أيْضًا مِن مَقالاتِهِمْ في مَجامِعِهِمْ وجَماعَتِهِمْ يَقُولُونَها لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يُنْفِقُونَ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ تَظاهُرًا بِالإسْلامِ كَأنَّهم يَقُولُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ تَظاهَرِ الإسْلامَ بِغَيْرِ الإنْفاقِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٥] وذَلِكَ عُقِّبَتْ بِها. وقَدْ جاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ قائِلَ هَذِهِ المَقالَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ كَما تَقَدَّمَ في طالِعَةِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ فَإسْنادُ هَذا القَوْلِ إلى ضَمِيرِ المُنافِقِينَ لِأنَّهم تَقَبَّلُوهُ مِنهُ إذْ هو رَأْسُ المُنافِقِينَ أوْ فَشا هَذا القَوْلُ بَيْنَ المُنافِقِينَ فَأخَذُوا يَبُثُّونَهُ في المُسْلِمِينَ.
ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ الِاسْتِئْنافُ الِابْتِدائِيُّ المُعْرِبُ عَنْ مَكْرِهِمْ وسُوءِ طَواياهُمُ انْتِقالًا مِن وصْفِ إعْراضِهِمْ عِنْدَ التَّقَرُّبِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، إلى وصْفِ لَوْنٍ آخَرِ مِن كُفْرِهِمْ وهو الكَيْدُ لِلدِّينِ في صُورَةِ النَّصِيحَةِ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِهِمُ الظّاهِرِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالمُسْتَتِرِ في يَقُولُونَ مُعامَلَةً لَهم بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ فَإنَّهم سَتَرُوا كَيْدَهم بِإظْهارِ قَصْدِ النَّصِيحَةِ فَفَضَحَ اللَّهُ أمْرَهم بِمَزِيدِ التَّصْرِيحِ، أيْ قَدْ عَلِمْتُ أنَّكم تَقُولُونَ هَذا. وفي إظْهارِ الضَّمِيرِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ [ص: ٦٠] . ولِيَكُونَ لِلْجُمْلَةِ الإسْمِيَّةِ إفادَةُ ثَباتِ الخَبَرِ، ولِيَكُونَ الإتْيانُ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرًا بِأنَّهم عُرِفُوا بِهَذِهِ الصِّلَةِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَقُولُونَ يُشْعِرُ بِأنَّ في هَذِهِ المَقالَةِ تَتَكَرَّرُ مِنهم لِقَصْدِ إفْشائِها.
و﴿مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ مَن كانُوا في رِعايَتِهِ مِثْلَ أهْلِ الصُّفَّةِ ومَن كانُوا يَلْحَقُونَ بِالمَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ كانَ يُمَوِّنُهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ. رَوى البُخارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في سَفَرٍ أصابَ النّاسَ فِيهِ شَدَّةٌ فَقالَ عَبْدُ اللَّهَ بْنُ أُبَيٍّ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ» وهَذا كَلامُ مَكْرٍ لِأنَّ ظاهِرَهُ قَصْدُ الرِّفْقِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن كُلْفَةِ إنْفاقِ الأعْرابِ الَّذِينَ ألَمُّوا بِهِ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وباطِنَهُ إرادَةُ إبْعادِ الأعْرابِ عَنْ تَلَقِّي الهَدْيِ النَّبَوِيِّ وعَنْ أنْ يَتَقَوّى بِهِمُ المُسْلِمُونَ أوْ تُفَرُّقُ فُقَراءِ المُهاجِرِينَ لِتَضْعُفَ بِتَفَرُّقِهِمْ بَعْضُ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ. ورِواياتُ حَدِيثِ زَيْدٍ مُخْتَلِطَةٌ.
وقَوْلُهُ (﴿رَسُولِ اللَّهِ﴾) يُظْهِرُ أنَّهُ صَدَرَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ
صفحة ٢٤٧
المُنافِقِينَ بِهَذا اللَّفْظِ إذا كانُوا قالُوا ذَلِكَ جَهْرًا في مَلَأِ المُسْلِمِينَ إذْ هم يَتَظاهَرُونَ ساعَتَئِذٍ بِالإسْلامِ.
وحَتّى مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ بِطَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّ مَعْنى حَتّى انْتِهاءُ الفِعْلِ المَذْكُورِ قَبْلَها وغايَةُ الفِعْلِ يَنْتَهِي الفاعِلُ عَنِ الفِعْلِ إذا بَلَغَها، فَهي سَبَبٌ لِلِانْتِهاءِ وعِلَّةٌ لَهُ، ولَيْسَ المُرادُ فَإذا انْفَضُّوا فَأنْفَقُوا عَلَيْهِمْ.
والِانْفِضاضُ: التَّفَرُّقُ والِابْتِعادُ.
* * *
﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إبْطالًا لِمَكْرِ المُنافِقِينَ فِيما قَصَدُوهُ مِن قَوْلِهِمُ المُتَظاهِرِينَ بِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ نُصْحَ المُسْلِمِينَ، أيْ لَوْ تَمَشَّتْ حِيلَتُهم عَلى المُسْلِمِينَ فَأمْسَكُوا هم وبَعْضُ المُسْلِمِينَ عَنْ إنْفاقِ الأعْرابِ ومَن يَأْوُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العُفاةِ، فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَقْطَعُ عَنْهُمُ الإنْفاقَ وذَلِكَ دَأْبُهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: ما عِنْدِي شَيْءٌ ولَكِنِ ابْتَعْ عَلَيَّ فَإذا جاءَنِي شَيْءٌ قَضَيْتُهُ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كَلَّفَكَ اللَّهُ ما لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَكَرِهَ النَّبِيءُ ﷺ قَوْلَ عُمَرَ. فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْفِقْ ولا تَخْشَ مِن ذِي العَرْشِ إقْلالًا. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعُرِفَ في وجْهِهِ البِشْرُ لِقَوْلِ الأنْصارِيِّ ثُمَّ قالَ: بِهَذا أُمِرْتُ» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ الشَّمائِلِ.
وهَذا جَوابٌ مِن بابِ طَرِيقَةِ النَّقْضِ لِكَلامِهِمْ في مُصْطَلَحِ آدابِ البَحْثِ.
وخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ. وهي البَيْتُ الَّذِي تُخَزِّنُ فِيهِ الطَّعامُ قالَ تَعالى ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وتُطْلَقُ عَلى الصُّنْدُوقِ الكَبِيرِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ المالُ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ وعَلى بُيُوتِ الكُتُبِ
صفحة ٢٤٨
وصَنادِيقِها، ومِن هَذا ما جاءَ في حَدِيثِ الصَّرْفِ مِنَ المُوَطَّأِ حَتّى يَحْضُرَ خازِنِي مِنَ الغابَةِ.
وخَزائِنُ السَّماواتِ مَقارُّ أسْبابِ حُصُولِ الأرْزاقِ مِن غُيُوثٍ رَسْمِيَّةٍ وأشِعَّةِ الشَّمْسِ والرِّياحِ الصّالِحَةِ فَيَأْتِي ذَلِكَ بِتَوْفِيرِ الثِّمارِ والحُبُوبِ وخِصْبِ المَرْعى وتَزايُدِ النِّتاجِ. وأمّا خَزائِنُ الأرْضِ فَما فِيها مِن أهْرِيَةٍ ومَطامِيرَ وأنْدُرٍ، ومِن كُنُوزِ الأحْوالِ وما يَفْتَحُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ مِنَ البِلادِ وما يَفِي عَلَيْهِ مِن أهْلِ القُرى.
واللّامُ في لِلَّهِ لِلْمِلْكِ أيِ التَّصَرُّفُ في ذَلِكَ مَلِكٌ لِلَّهِ تَعالى. ولَمّا كانَ الإنْفاقُ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ مِمّا يُعِينُ عَلى ظُهُورِ الدِّينِ الَّذِي أرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ كانَ الإخْبارُ بِأنَّ الخَزائِنَ لِلَّهِ كِنايَةً عَنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ حُصُولَ ما يُنْفِقُ مِنهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «لَمّا قالَ الأنْصارِيُّ (ولا تَخْشَ مِن ذِي العَرْشِ إقْلالًا) (بِهَذا أُمِرْتُ») . وذَلِكَ بِما سَيَّرَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ مِن زَكَواتِ المُسْلِمِينَ وغَنائِمِ الغَزَواتِ، وما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ البِلادِ بِخَيْراتِها، وما أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتالٍ.
وتَقْدِيُمُ المَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِإفادَةِ قَصْرِ القَلْبِ وهو قَلْبٌ لِلازِمِ قَوْلِهِمْ لا لِصَرِيحِهِ لِأنَّ المُنافِقِينَ لَمّا قالُوا ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ حَسِبُوا أنَّهم إذا قَطَعُوا الإنْفاقَ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ لا يَجِدُ الرَّسُولُ ﷺ ما يُنْفِقُ مِنهُ عَلَيْهِمْ فَأعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُباشَرَةً وأعْلَمَهم تَبَعًا بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرِّزْقِ أعْظَمُ وأوْسَعُ.
واسْتَدْراكُ قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ لِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهم حِينَ قالُوا ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ كانُوا قالُوهُ عَنْ بَصِيرَةٍ ويَقِينٍ بِأنَّ انْقِطاعَ إنْفاقِهِمْ عَلى الَّذِينَ يَلُوذُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَعِّطُ رِزْقَهم فَيَنْفَضُّونَ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ القُدْرَةَ عَلى الإنْفاقِ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِمْ لِأنَّهم أهْلُ الأحْوالِ وقَدْ غَفَلُوا عَنْ تَعَدُّدِ أسْبابِ الغِنى وأسْبابِ الفَقْرِ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُدْرِكُونَ دَقائِقَ المُدْرَكاتِ وخَفاياها.
ومَفْعُولُ (﴿يَفْقَهُونَ﴾) مَحْذُوفٌ، أيْ لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ وهو مَضْمُونُ ﴿لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أوْ نُزِّلَ الفِعْلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ مُبالَغَةً في انْتِفاءِ فَقْهِ الأشْياءِ عَنْهم في كُلِّ حالٍ.
المنافقون 63:8
صفحة ٢٤٩
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ثانٍ عَلى أُسْلُوبِ التَّعْدادِ والتَّكْرِيرِ ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ. ومِثْلُهُ يَكْثُرُ في مَقامِ التَّوْبِيخِ. وهَذا وصْفٌ لِخُبْثِ نَواياهم إذْ أرادُوا التَّهْدِيدَ وإفْسادَ إخْلاصِ الأنْصارِ وأُخُوَّتِهِمْ مَعَ المُهاجِرِينَ بِإلْقاءِ هَذا الخاطِرِ في نُفُوسِ الأنْصارِ بَذْرًا لِلْفِتْنَةِ والتَّفْرِقَةِ وانْتِهازًا لِخُصُومَةٍ طَفِيفَةٍ حَدَثَتْ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مِن مَوالِيَ الفَرِيقَيْنِ، وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ هُنا صَدَرَ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ حِينَ كَسَعَ حَلِيفُ المُهاجِرِينَ حَلِيفَ الأنْصارِ كَما تَقَدَّمَ في ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]، فَإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ المُنافِقِينَ هُنا كَإسْنادِهِ هُناكَ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في حِكايَةِ هَذِهِ المَقالَةِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] . والمَدِينَةُ هي مَدِينَتُهُمُ المَعْهُودَةُ وهي يَثْرِبُ.
والأعَزُّ: القَوِيُّ العِزَّةُ وهو الَّذِي لا يُقْهَرُ ولا يُغْلَبُ عَلى تَفاوُتٍ في مِقْدارِ العِزَّةِ إذْ هي مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. والعِزَّةُ تَحْصُلُ بِوَفْرَةِ العَدَدِ وسِعَةِ المالِ والعُدَّةِ، وأرادَ بِ ﴿الأعَزُّ﴾ فَرِيقَ الأنْصارِ فَإنَّهم أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الأمْوالِ وهم أكْثَرُ عَدَدًا مِنَ المُهاجِرِينَ فَأرادَ لَيُخْرِجَنَّ الأنْصارَ مِن مَدِينَتِهِمْ مَن جاءَها مِنَ المُهاجِرِينَ.
وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ كَلامَهم بِقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو جَوابٌ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُسَمّى القَوْلَ بِالمُوجَبِ في عِلْمِ الجَدَلِ وهي مِمّا يُسَمّى بِالتَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ في عِلْمِ آدابِ البَحْثِ.
والمَعْنى: إنْ كانَ الأعَزُّ يُخْرُجُ الأذَلَّ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الفَرِيقُ الأعَزُّ. وعِزَّتُهم بِكَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِمْ وبِتَأْيِيدِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ وأوْلِياءَهُ لِأنَّ عِزَّةَ اللَّهِ هي العِزَّةُ الحَقُّ المُطْلَقَةُ، وعَزَّةُ غَيْرِهِ ناقِصَةٌ، فَلا جَرَمَ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ لا يُقْهَرُونَ إذا أرادَ اللَّهُ نَصْرَهم ووَعْدَهم بِهِ. فَإنْ كانَ إخْراجٌ مِنَ المَدِينَةِ فَإنَّما يُخْرَجُ مِنها أنْتُمْ يا أهْلَ النِّفاقِ.
صفحة ٢٥٠
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ في ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ﴾ لِقَصْدِ القَصْرِ وهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ العِزَّةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ لا لَكم كَما تَحْسَبُونَ.
وإعادَةُ اللّامِ في قَوْلِهِ ﴿ولِرَسُولِهِ﴾ مَعَ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ مُغْنٍ عَنْها لِتَأْكِيدِ عِزَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّها بِسَبَبِ عِزَّةِ اللَّهِ ووَعْدِهِ إيّاهُ، وإعادَةُ اللّامِ أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ أيْضًا إذْ قَدْ تَخْفى عِزَّتُهم وأكْثَرُهم في حالِ قِلَّةٍ وحاجَةٍ.
والقَوْلُ في الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ نَظِيرُ القَوْلِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] .
وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . وقَدْ سَبَقَ اسْمُهم في نَظِيرِها قَبْلَها لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةَ الدَّلالَةِ بِذاتِها فَتَسِيرُ سَيْرَ المَثَلِ.
وإنَّما نُفِيَ عَنْهم هُنا العِلْمُ تَجْهِيلًا بِسُوءِ التَّأمُّلِ في أماراتِ الظُّهُورِ والِانْحِطاطِ فَلَمْ يَفْطَنُوا لِلْإقْبالِ الَّذِي في أحْوالِ المُسْلِمِينَ وازْدِيادِ سُلْطانِهِمْ يَوْمًا فَيَوْمًا وتَناقُصٍ مِن أعْدائِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُشاهَدٌ فَكَيْفَ يَظُنُّ المُنافِقُونَ أنَّ عِزَّتَهم أقْوى مِن عِزَّةِ قَبائِلِ العَرَبِ الَّذِينَ يَسْقُطُونَ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ كُلَّما غَزَوهم مِن يَوْمِ بَدْرٍ فَما بَعْدَهُ.
المنافقون 63:9
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
انْتِقالٌ مِن كَشْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ المَسُوقِ لِلْحَذَرِ مِنهم والتَّحْذِيرِ مِن صِفاتِهِمْ. إلى الإقْبالِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِنَهْيِهِمْ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يَشْغَلَ عَنِ التَّذَكُّرِ لِما أمْرَ اللَّهُ ونَهى، ثُمَّ الأمْرِ بِالإنْفاقِ في سُبُلِ الخَيْرِ في سَبِيلِ اللَّهِ ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ وجَماعَتِهِمْ وإسْعافِ آحادِهِمْ، لِئَلّا يَسْتَهْوِيَهم قَوْلُ المُنافِقِينَ ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧] والمُبادَرَةُ إلى ذَلِكَ قَبْلَ إتْيانِ المَوْتِ الَّذِي لا يُدْرى وقْتُ حُلُولِهِ حِينَ تَمَنّى أنْ يَكُونَ قَدْ تَأخَّرَ أجَلُهُ لِيَزِيدَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ فَلا يَنْفَعُهُ التَّمَنِّي وهو تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ [المنافقون: ١٠]، فالمُناسِبَةُ لِهَذا الِانْتِقالِ هو حِكايَةُ مَقالِ المُنافِقِينَ ولِذَلِكَ قَدَّمَ ذِكْرَ الأقْوالِ عَلى ذِكْرِ الأوْلادِ لِأنَّها أهَمُّ بِحَسَبِ السِّياقِ.
صفحة ٢٥١
ونُودِيَ المُخاطَبُونَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّهَمُّمِ لِامْتِثالِ النَّهْيِ.
وخُصَّ الأمْوالُ والأوْلادُ بِتَوَجُّهِ النَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِها اشْتِغالًا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِأنَّ الأمْوالَ مِمّا يَكْثُرُ إقْبالُ النّاسِ عَلى إنْمائِها والتَّفْكِيرِ في اكْتِسابِها بِحَيْثُ تَكُونُ أوْقاتُ الشُّغْلِ بِها أكْثَرَ مِن أوْقاتِ الشُّغْلِ بِالأوْلادِ. ولِأنَّها كَما تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ الوَقْتِ في كَسْبِها ونَمائِها، تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِهِ أيْضًا بِالتَّذْكِيرِ لِكَنْزِها بِحَيْثُ يُنْسى ذِكْرُ ما دَعا اللَّهُ إلَيْهِ مِن إنْفاقِها.
وأمّا ذِكْرُ الأوْلادِ فَهو إدْماجٌ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالأوْلادِ والشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وتَدْبِيرَ شُئُونِهِمْ وقَضاءَ الأوْقاتِ في التَّأنُّسِ بِهِمْ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسِيَ عَنْ تَذَكُّرِ أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ فالشُّغْلُ بِهَذَيْنِ أكْثَرُ مِنَ الشُّغْلِ بِغَيْرِهِما.
وصِيغَ الكَلامُ في قالَبِ تَوْجِيهِ النَّهْيِ عَنِ الإلْهاءِ عَنِ الذَّكْرِ، إلى الأمْوالِ والأوْلادِ والمُرادُ نَهْيُ أصْحابِها، وهو اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ وقَرِينَتُهُ هُنا قَوْلُهُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ . وأصْلُهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مُبالَغَةً في نَهْيِ أصْحابِها عَنِ الِاشْتِغالِ بِسَبَبِها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَنُزِّلَ سَبَبُ الإلْهاءِ مَنزِلَةَ اللّاهِي لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَهُما وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلِهِمْ لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا.
و(لا) في قَوْلِهِ (﴿ولا أوْلادُكُمْ﴾) نافِيَةٌ عاطِفَةٌ أوْلادُكم عَلى أمْوالُكم، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَدْخُولُ لا النّاهِيَةِ لِأنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ إذْ هو طَلَبُ عَدَمِ الفِعْلِ فَ (لا) النّاهِيَةِ أصْلُها (لا) النّافِيَةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى النَّهْيِ عِنْدَ قَصْدِ النَّهْيِ فَجَزَمَتِ الفِعْلَ حَمْلًا عَلى مُضادَّةِ مَعْنى لامِ الأمْرِ فَأُكِّدَ النَّهْيُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالأوْلادِ بِحَرْفِ النَّفْيِ لِيَكُونَ لِلِاشْتِغالِ بِالأوْلادِ حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ الأمْوالِ.
وذِكْرِ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ. فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ بِاللِسانِ كالصَّلاةِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ، والتَّذَكُّرَ بِالعَقْلِ كالتَّدَبُّرِ في صِفاتِهِ واسْتِحْضارِ امْتِثالِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
وفِيهِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ الَّذِي لا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ولَهُ مَراتِبُ.
صفحة ٢٥٢
وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ النَّهْيُ اقْتِضاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّهْوِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الأمْوالِ والأوْلادِ، أيْ ومَن يُلْهَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أيْ يَتْرُكُ ذِكْرَ اللَّهِ الَّذِي أُوجَبَهُ مِثْلَ الصَّلاةِ في الوَقْتِ ويَتْرُكُ تَذَكُّرَ اللَّهِ، أيْ مُراعاةَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
ومَتى كانَ اللَّهْوُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِالِاشْتِغالِ بِغَيْرِ الأمْوالِ وغَيْرِ الأوْلادِ كانَ أوْلى بِحُكْمِ النَّهْيِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ.
وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قَصْرَ صِفَةِ الخاسِرِ عَلى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصافِهِمْ بِالخُسْرانِ كَأنَّ خُسْرانَ غَيْرِهِمْ لا يُعَدُّ خُسْرانًا بِالنِّسْبَةِ إلى خُسْرانِهِمْ.
والإشارَةُ إلَيْهِمْ بِ أُولَئِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، أعْنِي اللَّهْوَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
المنافقون 63:10
﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
هَذا إبْطالٌ ونَقْضٌ لِكَيْدِ المُنافِقِينَ حِينَ قالُوا ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٧]، وهو يَعُمُّ الإنْفاقَ عَلى المُلْتَفِّينَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والإنْفاقَ عَلى غَيْرِهِمْ فَكانَتِ الجُمْلَةُ كالتَّذْيِيلِ.
وفَعَلُ (أنْفِقُوا) مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ الشّامِلِ لِلْواجِبِ والمُسْتَحَبِّ فَإنَّ مَدْلُولَ صِيغَةِ: افْعَلْ، مُطْلَقُ الطَّلَبِ، وهو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الوُجُوبِ والنَّدْبِ.
وفِي قَوْلِهِ (﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]) إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْفاقَ المَأْمُورَ بِهِ شُكْرُ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَ المُنْفِقُ فَإنَّ الشُّكْرَ صَرْفُ العَبْدِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ، ويُعْرَفُ ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ الشَّرِيعَةِ.
صفحة ٢٥٣
و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ بَعْضَ ما رَزَقْناكم، وهَذِهِ تَوْسِعَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ، وهَذا البَعْضُ مِنهُ هو مُعَيَّنُ المِقْدارِ مِثْلَ مَقادِيرِ الزَّكاةِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ. ومِنهُ ما يَتَعَيَّنُ بِسَدِّ الخَلَّةِ الواجِبِ سَدَّها مَعَ طاقَةِ المُنْفِقِ كَنَفَقاتِ الحَجِّ والجِهادِ والرِّباطِ ونَفَقاتِ العِيالِ الواجِبَةِ ونَفَقاتِ مَصالِحِ المُسْلِمِينَ الضَّرُورِيَّةِ والحاجِيَّةِ، ومِنهُ ما يَتَعَيَّنُ بِتَعَيُّنِ سَبَبِهِ كالكَفّاراتِ، ومِنهُ ما وكَّلَ لِلنّاسِ تَعْيِينَهُ مِمّا لَيْسَ بِواجِبٍ مِنَ الإنْفاقِ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى رَغَباتِ النّاسِ في نَوالِ الثَّوابِ فَإنَّ ذَلِكَ بابٌ عَظِيمٌ مِنَ القُرْبى مِن رِضى اللَّهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ» .
وقَدْ ذَكَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِما في الإنْفاقِ مِنَ الخَيْرِ بِأنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يُكْثِرُوا مِنهُ ما دامُوا مُقْتَدِرِينَ قَبْلَ الفَوْتِ، أيْ قَبْلَ تَعَذُّرِ الإنْفاقِ والإتْيانِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، وذَلِكَ حِينَ يَحِسُّ المَرْءُ بِحالَةٍ تُؤْذِنُ بِقُرْبِ المَوْتِ ويُغْلَبُ عَلى قُواهُ فَيَسْألُ اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ مَوْتَهُ ويَشْفِيَهُ لِيَأْتِيَ بِكَثِيرٍ مِمّا فَرَّطَ فِيهِ مِنَ الحَسَناتِ طَمَعًا أنْ يُسْتَجابَ لَهُ فَإنْ كانَ في أجَلِهِ تَأْخِيرٌ فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ فَإنْ لَمْ يَكُنْ في الأجَلِ تَأْخِيرٌ أوْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ الِاسْتِجابَةَ فَإنَّهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ، والتَّحْضِيضُ الطَّلَبُ الحَثِيثُ المُضْطَرُّ إلَيْهِ، ويُسْتَعْمَلُ (لَوْلا) لِلْعَرْضِ أيْضًا والتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ والتَّمَنِّي عَلى المَجازِ أوِ الكِنايَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ [يونس: ٩٨] في سُورَةِ يُونُسَ.
وحَقُّ الفِعْلِ بَعْدَها أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وإنَّما جاءَ ماضِيًا هُنا لِتَأْكِيدِ إيقاعِهِ في دُعاءِ الدّاعِي حَتّى كَأنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] وقَرِينَةُ ذَلِكَ تَرْتِيبُ فِعْلَيْ ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ عَلَيْهِ.
والمَعْنى: فَيَسْألُ المُؤْمِنُ رَبَّهُ سُؤالًا حَثِيثًا أنْ يُحَقِّقَ تَأْخِيرَ مَوْتِهِ إلى أجَلٍ يَسْتَدْرِكُ فِيهِ ما اشْتَغَلَ عَنْهُ مِن إنْفاقٍ وعَمَلٍ صالِحٍ.
ووَصْفُ الأجَلِ بِ قَرِيبٍ تَمْهِيدٌ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِجابَةِ بِناءً عَلى مُتَعارَفِ النّاسِ أنَّ الأمْرَ اليَسِيرَ أرْجى لِأنْ يَسْتَجِيبَهُ المَسْئُولُ فَيَغْلِبُ ذَلِكَ عَلى شُعُورِهِمْ حِينَ يَسْألُونَ اللَّهَ تَنْساقُ بِذَلِكَ نُفُوسُهم إلى ما عَرَفُوا، ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ«لا يَقُولُنَّ أحَدُكم: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ ولِيَعْزِمَ المَسْألَةَ فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ» . تَنْبِيهًا عَلى هَذا التَّوَهُّمِ فالقُرْآنُ حَكى عَنِ النّاسِ ما هو الغالِبُ عَلى أقْوالِهِمْ.
صفحة ٢٥٤
وانْتَصَبَ فِعْلُ فَأصَّدَّقَ عَلى إضْمارِ أنَّ المَصْدَرِيَّةِ إضْمارًا واجِبًا في جَوابِ الطَّلَبِ.
وأمّا قَوْلُهُ وأكُنْ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ القُرّاءُ.
فَأمّا الجُمْهُورُ فَقَرَأُوهُ مَجْزُومًا بِسُكُونِ آخِرِهِ عَلى اعْتِبارِهِ جَوابًا لِلطَّلَبِ مُباشَرَةً لِعَدَمِ وُجُودِ فاءِ السَّبَبِيَّةِ فِيهِ، واعْتِبارِ الواوِ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ ولَيْسَتْ عاطِفَةً مُفْرَدًا عَلى مُفْرَدٍ. وذَلِكَ لِقَصْدِ تَضْمِينِ الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ زِيادَةً عَلى مَعْنى التَّسَبُّبِ فَيُغْنِي الجَزْمُ عَنْ فِعْلِ شَرْطِ. فَتَقْدِيرُهُ: إنْ تُؤَخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ أكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ، جَمْعًا بَيْنَ التَّسَبُّبِ المُفادِ بِالفاءِ والتَّعْلِيقِ الشُّرْطِيِّ المُفادِ بِجَزْمِ الفِعْلِ.
وإذا قَدْ كانَ الفِعْلُ الأوَّلُ هو المُؤَثِّرُ في الفِعْلَيْنِ الواقِعِ أحَدُهُما بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ والآخَرُ بَعْدَ الواوِ العاطِفَةِ عَلَيْهِ. فَقَدْ أفادَ الكَلامُ التَّسَبُّبَ والتَّعْلِيقَ في كِلا الفِعْلَيْنِ وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى مُحَسِّنِ الِاحْتِباكِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُونَ مِنَ الصّالِحِينَ. إنْ تُؤَخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ أصَّدَّقْ وأُكِنْ مِنَ الصّالِحِينَ.
ومِن لَطائِفِ هَذا الِاسْتِعْمالِ أنَّ هَذا السّائِلَ بَعْدَ أنْ حَثَّ سُؤالَهُ أعْقَبَهُ بِأنَّ الأمْرَ مُمْكِنٌ فَقالَ: إنْ تُؤَخِّرْنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ أصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ. وهو مِن بَدائِعِ الِاسْتِعْمالِ القُرْآنِيِّ لِقَصْدِ الإيجازِ وتَوْفِيرِ المَعانِي.
ووَجَّهَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ والزُّجاجُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِجَعْلِ (وأكُنْ) مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ (فَأصَّدَّقَ) . وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ مِن بَيْنِ العَشَرَةِ (وأكُونَ) بالنَّصْبِ والقِراءَةُ رِوايَةٌ مُتَواتِرَةٌ وإنْ كانَتْ مُخالِفَةً لِرَسْمِ المَصاحِفِ المُتَواتِرَةِ. وقِيلَ: إنَّها يُوافِقُها رَسْمُ مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقَرَأ بِذَلِكَ الحَسَنُ والأعْمَشُ وابْنُ مَحِيضٍ مِنَ القِراءاتِ غَيْرِ المَشْهُورَةِ. ورُوِيَتْ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبِي رَجاءٍ. وتِلْكَ أقَلُّ شُهْرَةٍ.
واعْتَذَرَ أبُو عَمْرٍو عَنْ مُخالَفَةِ قِراءَتِهِ لِلْمَصَحِفِ بِأنَّ الواوَ حُذِفَتْ في الخَطِّ اخْتِصارًا يُرِيدُ أنَّهم حَذَفُوا صُورَةَ إشْباعِ الضَّمَّةِ وهو الواوُ اعْتِمادًا عَلى نُطْقِ القارِئِ
صفحة ٢٥٥
كَما تُحْذَفُ الألِفُ اخْتِصارًا بِكَثْرَةٍ في المَصاحِفِ. وقالَ القُرّاءُ العَرَبُ: قَدْ تَسْقُطُ الواوُ في بَعْضِ الهِجاءِ كَما أسْقَطُوا الألِفَ مِن سُلَيْمانَ وأشْباهِهِ، أيْ كَما أسْقَطُوا الواوَ الثّانِيَةَ مِن داوُودَ وبِكَثْرَةٍ يَكْتُبُونَهُ داوُدَ. قالَ الفَرّاءُ: ورَأيْتُ في مَصاحِفِ عَبْدِ اللَّهِ فَقُولا (فَقُلا) بِغَيْرِ واوٍ، وكُلُّ هَذا لا حاجَةَ إلَيْهِ لِأنَّ القُرْآنَ مُتَلَقًّى بِالتَّواتُرِ لا بِهِجاءِ المَصاحِفِ وإنَّما المَصاحِفُ مُعِينَةٌ عَلى حِفْظِهِ.
المنافقون 63:11
﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ تَذْكِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالأجَلِ لِكُلِّ رُوحٍ عِنْدَ حُلُولِها في جَسَدِها حِينَ يُؤْمَرُ المَلِكُ الَّذِي يَنْفُخُ الرُّوحَ يُكْتَبُ أجَلُهُ وعَمَلُهُ ورِزْقُهُ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ. فالأجَلُ هو المُدَّةُ المُعَيَّنَةُ لِحَياتِهِ لا يُؤَخَّرُ عَنْ أمَدِهِ فَإذا حَضَرَ المَوْتُ كانَ دُعاءُ المُؤْمِنِ اللَّهَ بِتَأْخِيرِ أجَلِهِ مِنَ الدُّعاءِ الَّذِي اسْتَجابَ لِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الآجالَ.
وهَذا سِرٌّ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُ حِكْمَةَ تَحْدِيدِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
والنَّفْسُ: الرُّوحُ، سُمِّيَتْ نَفْسًا أخْذًا مِنَ النَّفَسِ بِفَتْحِ الفاءِ وهو الهَواءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأنْفِ والفَمِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ ذِي رِئَةٍ، فَسُمِّيَتِ النَّفْسُ نَفْسًا لِأنَّ النَّفَسَ يَتَوَلَّدُ مِنها، كَما سُمِّيَ مُرادِفُ النَّفْسِ رُوحًا لِأنَّهُ مَأْخُوذُ الرَّوْحِ بِفَتْحِ الرّاءِ لِأنَّ الرَّوْحَ بِهِ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ.
وأجَلُها الوَقْتُ المُحَدَّدُ لِبَقائِها في الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنَّفْسِ الذّاتُ، أيْ شَخْصُ الإنْسانِ وهو مِن مَعانِي النَّفْسِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وأجَلُها الوَقْتُ المُعَيَّنُ مِقْدارُهُ لِبَقاءِ الحَياةِ.
و(لَنْ) لِتَأْكِيدِ نَفْيِ التَّأْخِيرِ، وعُمُومُ (نَفْسًا) في سِياقِ النَّفْيِ يَعُمُّ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ.
صفحة ٢٥٦
ومَجِيءُ الأجَلِ حُلُولُ الوَقْتِ المُحَدَّدِ لِلِاتِّصالِ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ وهو ما عَلِمَهُ اللَّهُ مِن طاقَةِ البَدَنِ لِلْبَقاءِ حَيًّا بِحَسَبِ قُواهُ وسَلامَتِهِ مِنَ العَوارِضِ المُهْلِكَةِ.
وهَذا إرْشادٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونُوا عَلى اسْتِعْدادٍ لِلْمَوْتِ في كُلِّ وقْتٍ، فَلا يُؤَخِّرُوا ما يُهِمُّهم عَمَلُهُ سُؤالَ ثَوابِهِ، فَما مِن أحَدٍ يُؤَخِّرُ العَمَلَ الَّذِي يَسُرُّهُ أنْ يَعْمَلَهُ ويَنالَ ثَوابَهُ إلّا وهو مُعَرَّضٌ لِأنْ يَأْتِيَهُ المَوْتُ عَنْ قَرِيبٍ أوْ يُفاجِئَهُ، فَعَلَيْهِ بِالتَّحَرُّزِ الشَّدِيدِ مِن هَذا التَّفْرِيطِ في كُلِّ وقْتٍ وحالٍ، فَرُبَّما تَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّدارُكُ بِفَجْأةِ الفَواتِ، أوْ وهَنِ المَقْدِرَةِ فَإنَّهُ إنْ كانَ لَمْ تُطاوِعْهُ نَفْسُهُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ قَبْلَ الفَواتِ فَكَيْفَ يَتَمَنّى تَأْخِيرَ الأجَلِ المَحْتُومِ.
* * *
﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ [المنافقون: ٩]) . أوْ تَذْيِيلٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
ويُفِيدُ بِناءُ الخَبَرِ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَحْقِيقَ عِلْمِ اللَّهِ بِما يَعْمَلُهُ المُؤْمِنُونَ. ولَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ لا يُخامِرُهم شَكٌّ في ذَلِكَ كانَ التَّحْقِيقُ والتَّقَوِّي راجِعًا إلى لازِمِ الخَبَرِ وهو الوَعْدُ والوَعِيدُ والمَقامُ هُنا مَقامُهُما لِأنَّ الإنْفاقَ المَأْمُورَ بِهِ مِنهُ الواجِبُ المَندُوبُ. وفِعْلُهُما يَسْتَحِقُّ الوَعْدَ. وتَرْكُ أوَّلِهِما يَسْتَحِقُّ الوَعِيدَ.
وإيثارُ وُصْفِ (﴿خَبِيرٌ﴾) دُونَ: عَلِيمٍ، لِما تُؤْذِنُ بِهِ مادَّةُ خَبِيرٌ مِنَ العِلْمِ بِالأُمُورِ الخَفِيَّةِ لِيُفِيدَ أنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِما ظَهَرَ مِنَ الأعْمالِ وما بَطَنَ مِثْلَ أعْمالِ القَلْبِ الَّتِي هي العَزائِمُ والنِّيّاتُ، وإيقاعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ما يَقْطَعُهُ المَوْتُ مِنِ ازْدِيادِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ إيماءً إلى أنَّ ما عَسى أنْ يَقْطَعَهُ المَوْتُ مِنَ العَزْمِ عَلى العَمَلِ إذا كانَ وقْتُهُ المُعِيَّنُ لَهُ شَرْعًا مُمْتَدًّا كالعُمْرِ لِلْحَجِّ عَلى المُسْتَطِيعِ لِمَن لَمْ يَتَوَقَّعُ طُرُوَّ مانِعٍ. وكالوَقْتِ المُخْتارِ لِلصَّلَواتِ، أنَّ حَيْلُولَةَ المَوْتِ دُونَ إتْمامِهِ لا يُرْزِئُ المُؤْمِنُ ثَوابَهُ لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا اعْتادَ حِزْبًا أوْ عَزَمَ عَلى عَمَلٍ صالِحٍ ثُمَّ عَرَضَ لَهُ ما مَنَعَهُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ أجْرَهُ.
ومِن هَذا القَبِيلِ: أنَّ مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
صفحة ٢٥٧
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ عائِدًا إلى (نَفْسًا) الواقِعِ في سِياقِ النَّفْيِ لِأنَّهُ عامٌ فَلَهُ حُكْمُ الجَمْعِ في المَعْنى.
* * *
صفحة ٢٥٨
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّغابُنِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ (( سُورَةَ التَّغابُنِ) ) ولا تُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذا الِاسْمِ ولَمْ تَرِدْ تَسْمِيَتُها بِذَلِكَ في خَبَرٍ مَأْثُورٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِوى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا وفي تَشابِيكٍ مَكْتُوبٌ خَمْسُ آياتٍ فاتِحَةُ سُورَةِ التَّغابُنِ» . والظّاهِرُ أنَّ مُنْتَهى هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ٤] فَتَأمَّلْهُ. ورَواهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ولَمْ يَنْسِبْهُ إلى التَّعْلِيقِ فَلَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ.
ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ وُقُوعُ لَفْظِ (التَّغابُنِ) فِيها ولَمْ يَقَعْ في غَيْرِها مِنَ القُرْآنِ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ وعَنِ الضَّحّاكِ هي مَكِّيَّةٌ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ تِلْكَ الآياتِ نَزَلَتْ في رِجالٍ أسْلَمُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ وأرادُوا الهِجْرَةَ فَأبى أزْواجُهم وأوْلادُهم أنْ يَدَعُوهم يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الحَدِيثَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في شَأْنِ عَوْفٍ الأشْجَعِيِّ كَما سَيَأْتِي.
وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّابِعَةُ والمِائَةُ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الجُمُعَةِ وقَبْلَ سُورَةِ الصَّفِّ بِناءً عَلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
وعَدَدُ آيِها ثَمانِ عَشْرَةَ.
* * *
صفحة ٢٥٩
أغْراضُها واشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى التَّذْكِيرِ بِأنَّ مَن في السَّماءِ ومَن في الأرْضِ يُسَبِّحُونَ لِلَّهِ، أيْ يُنَزِّهُونَهُ عَنِ النَّقائِصِ تَسْبِيحًا مُتَجَدِّدًا.
وأنَّ المُلْكَ لِلَّهِ وحْدَهُ فَهو الحَقِيقُ بِإفْرادِهِ بِالحَمْدِ لِأنَّهُ خالِقُ النّاسِ كُلِّهِمْ فَآمَنَ بِوَحْدانِيَّتِهِ ناسٌ وكَفَرَ ناسٌ ولَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ إذْ خَلَقَهم في أحْسَنِ صُورَةٍ وتَحْذِيرِهِمْ مِن إنْكارِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وإنْذارِهِمْ عَلى ذَلِكَ لِيَعْتَبِرُوا بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم وجَحَدُوا بِيِّناتِهِمْ تَكَبُّرًا أنْ يَهْتَدُوا بِإرْشادِ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ.
والإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالظّاهِرِ والخَفِيِّ في السَّماواتِ والأرْضِ فَلا يَجْرِي أمْرٌ في العالَمِ إلّا عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ.
وأنْحى عَلَيْهِمْ إنْكارَ البَعْثِ وبَيَّنَ لَهم عَدَمَ اسْتِحالَتِهِ وهَدَّدَهم بِأنَّهم يَلْقَوْنَ حِينَ يُبْعَثُونَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ فَإنْ أرادُوا النَّجاةَ فَلْيُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ ولِيُصَدِّقُوا رَسُولَهُ ﷺ والكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ ويُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ فَإنَّهم إنْ آمَنُوا كُفِّرَتْ عَنْهم سَيِّئاتُهم وإلّا فَجَزاؤُهُمُ النّارُ خالِدِينَ فِيها.
ثُمَّ تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما يُلاقُونَهُ مِن ضُرِّ أهْلِ الكُفْرِ بِهِمْ فَلْيَتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ في أُمُورِهِمْ.
وتَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ مِن بَعْضِ قَرابَتِهِمُ الَّذِينَ تَغَلْغَلَ الإشْراكُ في نُفُوسِهِمْ تَحْذِيرًا مِن أنْ يُثَبِّطُوهم عَنِ الإيمانِ والهِجْرَةِ.
وعَرَّضَ لَهم بِالصَّبْرِ عَلى أمْوالِهِمُ الَّتِي صادَرَها المُشْرِكُونَ.
وأمَرَهم بِإنْفاقِ المالِ في وُجُوهِ الخَيْرِ الَّتِي يُرْضُونَ بِها رَبَّهم وبِتَقْوى اللَّهِ والسَّمْعِ لَهُ والطّاعَةِ.
التغابن 64:1
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
صفحة ٢٦٠
لَمّا كانَ جُلُّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ إبْطالَ إشْراكِ المُشْرِكِينَ وزَجْرَهم عَنْ دِينِ الإشْراكِ بِأسْرِهِ وعَنْ تَفارِيعِهِ الَّتِي أعْظَمُها إنْكارُهُمُ البَعْثَ وتَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ ﷺ وتَكْذِيبُ القُرْآنِ وتِلْكَ أُصُولُ ضَلالِهِمْ ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِالإعْلانِ بِضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمُ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ تَعالى عَنِ النَّقائِصِ: إمّا بِلِسانِ المَقالِ مِثْلَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ أوْ بِلِسانِ الحالِ مِثْلَ عِبادَةِ المُطِيعِينَ مِنَ المَخْلُوقاتِ المُدْرِكَةِ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ، وإمّا بِلِسانِ الحالِ مِثْلَ دَلالَةِ حالِ الِاحْتِياجِ إلى الإيجادِ والإمْدادِ كَحاجَةِ الحَيَوانِ إلى الرِّزْقِ وحاجَةِ الشَّجَرَةِ إلى المَطَرِ وما يَشْهَدُ بِهِ حالُ جَمِيعِ تِلْكَ الكائِناتِ مِن أنَّها مَرْبُوبَةٌ لِلَّهِ تَعالى ومُسَخَّرَةٌ لِما أرادَهُ مِنها، وكُلُّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَنْقُضْ دَلالَةَ حالِها بِنَقائِضِ كُفْرِ مَقالِها فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا التَّسْبِيحِ إلّا أهْلُ الضَّلالِ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ فَإنَّهم حُجِبُوا بِشَهادَةِ حالِهِمْ لَمّا غَشَوْها بِهِ مِن صَرْحِ الكُفْرِ.
فالمَعْنى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وأنْتُمْ بِخِلافِ ذَلِكَ.
وهَذا يُفِيدُ ابْتِداءَ تَقْرِيرِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وقُوَّةِ سُلْطانِهِ لِيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ويَكُونُ لَهم تَعْلِيمًا وامْتِنانًا ويُفِيدُ ثانِيًا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُنَزِّهُوهُ ولا وقَّرُوهُ فَنَسَبُوا إلَيْهِ شُرَكاءَ.
وجِيءَ بِفِعْلِ التَّسْبِيحِ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ ودَوامِهِ وقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ الجُمُعَةِ.
وجِيءَ بِهِ في فَواتِحِ سُوَرِ: الحَدِيدِ، والحَشْرِ، والصَّفِّ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ قَدِ اسْتَقَرَّ في قَدِيمِ الأزْمانِ. فَحَصَلَ مِن هَذا التَّفَنُّنِ في فَواتِحِ هَذِهِ السُّوَرِ كِلا المَعْنَيَيْنِ زِيادَةً عَلى ما بَيَّناهُ مِنَ المُناسَبَةِ الخاصَّةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ، وما في هاتِهِ السُّورَةِ مِنَ المُناسَبَةِ بَيْنَ تَجَدُّدِ التَّسْبِيحِ والأمْرِ بِالعَفْوِ عَنْ ذَوِي القُرْبى والأمْرِ بِالتَّقْوى بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ والسَّمْعِ والطّاعَةِ لِكَيْ لا يَكْتَفِيَ المُؤْمِنُونَ بِحُصُولِ إيمانِهِمْ لِيَجْتَهِدُوا في تَعْزِيزِهِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وإعادَةُ (ما) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ (﴿وما في الأرْضِ﴾) لِقَصْدِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.
وجُمْلَةُ (﴿لَهُ المُلْكُ﴾) اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ لِمَضْمُونِ تَسْبِيحِ اللَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَإنَّ مُلابَسَةَ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ لِدَلائِلِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى
صفحة ٢٦١
عَنِ الشُّرَكاءِ وعَنِ النَّقائِصِ لا مُقْتَضى لَها إلّا انْفِرادُهُ بِتَمَلُّكِها وإيجادِها وما فِيها مِنَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ وتَصَرُّفِهِ فِيها تَصَرُّفَ المالِكِ المُتَفَرِّدِ في مُلْكِهِ.
وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَنْوِيهٌ بِإقْبالِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ وتَجْدِيدِ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ.
فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ تَخْصِيصِهِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ، أيْ قَصْرُ تَعَلُّقِ لامِ الِاسْتِحْقاقِ بِالمُلْكِ عَلَيْهِ تَعالى فَلا مُلْكَ لِغَيْرِهِ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما لِغَيْرِ اللَّهِ مِن مُلْكٍ لِنَقْصِهِ وعَدَمِ خُلُوِّهِ عَنِ الحاجَةِ إلى غَيْرِهِ مَن هو لَهُ بِخِلافِ مُلْكِهِ تَعالى فَهو المَلِكُ المُطْلَقُ الدّاخِلُ في سُلْطانِهِ كُلُّ ذِي مُلْكٍ.
وجُمْلَةُ (﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾) مَضْمُونُها سَبَبٌ لِتَسْبِيحِ اللَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، إذِ التَّسْبِيحُ مِنَ الحَمْدِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ حَمْدُ ذَوِي الإدْراكِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى إذْ هو المَوْصُوفُ بِالجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ المُطْلَقِ فَهو الحَقِيقُ بِالحَمْدِ والتَّسْبِيحِ.
فَهَذا القَصْرُ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحَمْدِ غَيْرِهِ لِنُقْصانِ كَمالاتِهِمْ وإذا أُرِيدَ بِالحَمْدِ ما يَشْمَلُ الشُّكْرَ أوْ يُفْضِي إلَيْهِ كَما في الحَدِيثِ «الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَبَدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ» وهو مُقْتَضى المَقامِ مِن تَسْفِيهِ أحْلامِ المُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ فالشُّكْرُ أيْضًا مَقْصُورٌ عَلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ المُنْعِمُ الحَقُّ بِنِعَمٍ لا قِبَلَ لِغَيْرِهِ بِإسْدائِها، وهو المُفِيضُ عَلى المُنْعِمِينَ ما يُنْعِمُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، قالَ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.
وجُمْلَةُ (﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى اللَّتَيْنِ قَبِلَها وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لَهُما والتَّبْيِينِ لِوَجْهِ القَصْرَيْنِ فِيهِما، فَإنَّ التَّقْدِيرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ هو صاحِبُ المُلْكِ الحَقِّ وهو المُخْتَصُّ بِالحَمْدِ الحَقِّ.
وفِي هَذا التَّذْيِيلِ وعْدٌ لِلشّاكِرِينَ ووَعِيدٌ وتَرْهِيبٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ وصْفِ (قَدِيرٌ) هُنا لِأنَّ المَخْلُوقاتِ الَّتِي تُسَبِّحُ اللَّهَ دالَّةٌ عَلى صِفَةِ القُدْرَةِ أوَّلًا لِأنَّ مَن يُشاهِدِ المَخْلُوقاتِ يَعْلَمْ أنَّ خالِقَها قادِرٌ.
التغابن 64:2
﴿هو الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
صفحة ٢٦٢
هَذا تَقْرِيرٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [التغابن: ١]، وتَخَلُّصٌ لِلْمَقْصُودِ مِنهُ عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللهِ قَدْ كَفَرُوا بِنِعْمَتِهِ وبِخَلْقِهِمْ، زِيادَةً عَلى جَحْدِهِمْ دَلائِلَ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنِ النَّقْصِ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ لَهُ. ولِذَلِكَ قَدَّمَ (﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾) عَلى (﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾) لِأنَّ الشِّقَّ الأوَّلَ هو المَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ تَعْرِيضًا وتَصْرِيحًا.
وأفادَ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ مِن جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ قَصْرَ صِفَةِ الخالقِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ قُصِدَ بِهِ الإشارَةُ بِالكِنايَةِ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ عَمَدُوا إلى عِبادَةِ أصْنامٍ يَعْلَمُونَ أنَّها لَمْ تَخْلُقْهم فَما كانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِأنْ تُعْبَدَ، لِأنَّ العِبادَةَ شُكْرٌ. قالَ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لِجَمِيعِ النّاسِ الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ القُرْآنُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، فَإنَّ النّاسَ لا يُعِدُّونَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.
والفاءُ في ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى فِعْلِ (﴿خَلَقَكُمْ﴾) وهي لِلتَّفْرِيعِ في الوُقُوعِ دُونَ تَسَبُّبٍ.
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ (وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوءَةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ) ومِثْلُ هَذا التَّفْرِيعِ يَسْتَتْبِعُ التَّعْجِيبَ مِن جَرْيِ أحْوالِ بَعْضِ النّاسِ عَلى غَيْرِ ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] فَجُمْلَةُ ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ هي المَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ، وهو تَفْرِيعٌ في الحُصُولِ. وقُدِّمَ ذِكْرُ الكافِرِ لِأنَّهُ الأهَمُّ في هَذا المَقامِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ [التغابن: ٥] .
وجُمْلَةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ تَتْمِيمٌ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ أهْلِ الإيمانِ ومُضادَّةُ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الكُفْرِ ومُقابَلَةُ الحالِ بِالحالِ.
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَتْمِيمٌ واحْتِراسٌ واسْتِطْرادٌ، فَهو تَتْمِيمٌ لِما يُكَمِّلُ المَقْصُودُ مِن تَقْسِيمِهِمْ إلى فَرِيقَيْنِ لِإبْداءِ الفَرْقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الخَيْرِ والشَّرِّ وهو عَلِيمٌ بِذَلِكَ وعَلِيمٌ بِأنَّهُ يَقَعُ ولَيْسَ اللَّهُ مَغْلُوبًا عَلى وُقُوعِهِ ولَكِنَّ حِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ اقْتَضَيا ذَلِكَ. ودُونَ تَفْصِيلٍ، هَذا تَطْوِيلٌ نَخُصُّهُ بِتَأْلِيفٍ في مَعْنى القَدَرِ وجَرَيانِ أعْمالِ النّاسِ في الدُّنْيا إنْ شاءَ اللَّهُ. ونَقْتَصِرُ هُنا عَلى أنْ نَقُولَ: خَلَقَ اللَّهُ النّاسَ
صفحة ٢٦٣
وأوْدَعَ فِيهِمُ العُقُولَ الَّتِي تَتَوَصَّلُ بِالنَّظَرِ السَّلِيمِ مِنَ التَّقْصِيرِ وشَوائِبِ الهَوى وغِشاواتِ العِنادِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَلى الوَصْفِ اللّائِقِ بِهِ وخَلَقَ فِيهِمُ القُدْرَةَ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ وغَيْرِها المُسَمّاةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ بِالكَسْبِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ بِقُدْرَةِ العَبْدِ (والخِلافُ في التَّعْبِيرِ) . وأرْشَدَهم إلى الصَّلاحِ وحَذَّرَهم مِنَ الفَسادِ، واللَّهُ عالِمٌ بِما يَكْتَسِبُهُ كُلُّ أحَدٍ ولَوْ شاءَ لَصَرَفَ مُقْتَرِفَ الفَسادِ عَنْ فِعْلِهِ ولَكِنَّهُ أوْجَدَ نُظُمًا مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ ومُنْتَشِرَةً فَقَضَتْ حِكْمَتُهُ بِالحِفاظِ عَلى تِلْكَ النُّظُمِ الكَثِيرَةِ بِأنْ لا يَعُوقَ سَيْرَها في طَرائِقِها ولا يُعَطِّلَ عَمَلَها لِأجْلِ إصْلاحِ أشْخاصِ هم جُزْءٌ مِن كُلٍّ لِأنَّ النُّظُمَ العامَّةَ أعَمُّ فالحِفاظُ عَلى اطِّرادِها أصْلَحُ وأرْجَحُ، فَلا تَتَنازَلُ إرادَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ إلى التَّدَخُّلِ فِيما سُمِّيَ بِالكَسْبِ عَلى أُصُولِنا أوْ بِالقُدْوَةِ الحادِثَةِ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، بَلْ جَعَلَ بِحِكْمَتِهِ بَيْنَ الخَلْقِ والكَسْبِ حاجِزًا هو نِظامُ تَكْوِينِ الإنْسانِ بِما فِيهِ مِن إرادَةٍ وإدْراكٍ وقُدْرَةٍ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ هو بَصِيرٌ بِهِ مِن قَبْلِ أنْ تَعْمَلُوهُ، وبَعْدَ أنْ عَمِلْتُمُوهُ.
فالبَصِيرُ: أُرِيدَ بِهِ العالِمُ عِلْمَ انْكِشافٍ لا يَقْبَلُ الخَفاءَ فَهو كَعِلْمِ المُشاهِدَةِ وهَذا إطْلاقٌ شائِعٌ في القُرْآنِ لا سِيَّما إذا أُفْرِدَتْ صِفَةُ (بَصِيرٌ) بِالذِّكْرِ ولَمْ تُذْكَرْ مَعَها صِفَةُ (سَمِيعٌ) .
واصْطَلَحَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّ صِفَةَ البَصِيرَةِ: العالِمُ بِالمَرْئِيّاتِ. وقالَ بَعْضُهم: هي تَعَلُّقُ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالأُمُورِ عِنْدَ وُقُوعِها. والحَقُّ أنَّها اسْتِعْمالاتٌ مُخْتَلِفَةٌ. وبِهَذا يَتَّضِحُ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ ما يَبْدُو مِن تَعارُضٍ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ وإخْبارٍ مِنَ السُّنَّةِ فاجْعَلُوهُ مِثالًا يُحْتَذى، وقُولُوا هَكَذا. هَكَذا.
وهُوَ احْتِراسٌ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ مِن تَقْسِيمِهِمْ إلى فَرِيقَيْنِ أنَّ ذَلِكَ رِضى بِالحالِينِ كَما حُكِيَ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .
وهُوَ اسْتِطْرادٌ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ بِهِ عَنِ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
وشَمَلَ قَوْلُهُ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أعْمالَ القُلُوبِ كالإيمانِ وهي المَقْصُودُ ابْتِداءً هُنا.
التغابن 64:3
﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .
صفحة ٢٦٤
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] يُبَيِّنُ أنَّ انْقِسامَهم إلى قِسْمَيِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ نَشَأ عَنْ حِيادِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ الحَقَّ أنْ يُؤْمِنَ النّاسُ بِوُجُودِ خالِقِهِمْ، وبِأنَّهُ واحِدٌ وأنْ يَفْرِدُوهُ بالعِبادَةِ فَذَلِكَ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وقالَ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] فَمَن حادَ عَنِ الإيمانِ ومالَ إلى الكُفْرِ فَقَدْ حادَ عَنِ الحَقِّ والفِطْرَةِ.
* * *
﴿بِالحَقِّ﴾ .
وقَوْلُهُ (﴿بِالحَقِّ﴾) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾) وجُمْلَةِ (﴿وصَوَّرَكُمْ﴾) .
وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ إيماءٌ إلى إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ لِأنَّ قَوْلَهُ بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (خَلَقَ) تَعَلُّقَ المُلابَسَةِ المُفادَ بِالباءِ، أيْ خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحَقِ، والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] . والباطِلُ ماصَدَقَهُ هُنالِكَ هو العَبَثُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] فَتَعَيَّنَ أنَّ ماصَدَقَ الحَقِّ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ ضِدُّ العَبَثِ والإهْمالِ.
والمُرادُ بِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ خَلَقَ ذَواتِهِنَّ وخُلِقَ ما فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]، أيْ ما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الآيَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
ومُلابَسَةُ الحَقِّ لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُلابَسَةً عامَّةً مُطَّرِدَةً لِأنَّهُ لَوِ اخْتَلَّتْ مُلابَسَةُ حالٍ مِن أحْوالِ مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ لِلْحَقِّ لَكانَ ناقِضًا لِمَعْنى مُلابَسَةِ خَلْقِها لِلْحَقِّ، فَكانَ نَفْيُ البَعْثِ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِ المَخْلُوقاتِ مُوجِبًا
صفحة ٢٦٥
اخْتِلالَ تِلْكَ المُلابَسَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ. وتَخَلُّفُ الجَزاءِ عَنِ الأعْمالِ في الدُّنْيا مُشاهَدٌ إذْ كَثِيرًا ما نَرى الصّالِحِينَ في كَرْبٍ ونَرى أهْلَ الفَسادِ في نِعْمَةٍ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا قُصارى حَياةِ المُكَلَّفِينَ لَكانَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ غَيْرَ لاقٍ جَزاءً عَلى صَلاحِهِ. وانْقَلَبَ أكْثَرُ أهْلِ الفَسادِ مُتَمَتِّعًا بِإرْضاءِ خَباثَةِ نَفْسِهِ ونَوالِ مُشْتَهَياتِهِ، فَكانَ خَلْقُ كِلا هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ غَيْرَ مُلابِسٍ لِلْحَقِ، بِالمَعْنى المُرادِ.
ولِزِيادَةِ الإيقاظِ لِهَذا الإيماءِ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾) وكُلُّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ إلى ما سَبَقَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] ) الآيَةَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ رَمْزٌ إلى الجَزاءِ وهو وعِيدٌ ووَعْدٌ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى آخِرِهِ إظْهارٌ أيْضًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ في مَلَكُوتِهِ.
* * *
﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ إدْماجُ امْتِنانٍ عَلى النّاسِ بِأنَّهم مَعَ ما خُلِقُوا عَلَيْهِ مِن مُلابَسَةِ الحَقِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ وذَلِكَ مِنَ الكَمالِ وهو ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ فَقَدْ خُلِقُوا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ إذْ كانَتْ صُورَةُ الإنْسانِ مُسْتَوْفِيَةَ الحُسْنِ مُتَماثِلَةً فِيهِ لا يَعْتَوِرُها مِن فَظاعَةِ بَعْضِ أجْزائِها ونُقْصانِ الِانْتِفاعِ بِها ما يُناكِدُ مَحاسِنَ سائِرِها بِخِلافِ مَحاسِنِ أحاسِنِ الحَيَوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ والحِيتانِ مِن مَشْيٍ عَلى أرْبَعٍ مَعَ انْتِكاسِ الرَّأْسِ غالِبًا، أوْ زَحْفٍ، أوْ نَقْزٍ في المَشْيِ في البَعْضِ.
ولا تَعْتَوِرُ الإنْسانَ نَقائِصُ في صُورَتِهِ إلّا مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ في مُدَّةِ تَكْوِينِهِ مِن صَدَماتٍ لِبُطُونِ الأُمَّهاتِ، أوْ عِلَلٍ تَحِلُّ بِهِنَّ، أوْ بِالأجِنَّةِ أوْ مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ لَهُ في مُدَّةِ حَياتِهِ فَتُشَوِّهُ بَعْضَ مَحاسِنِ الصُّوَرِ. فَلا يُعَدُّ ذَلِكَ مِن أصْلِ تَصْوِيرِ الإنْسانِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ نُدْرَتِهِ لا يُعَدُّ فَظاعَةً ولَكِنَّهُ نَقْصٌ نِسْبِيٌّ في المَحاسِنِ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الإيماءِ إلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ قَدْ نَبَّهَهم إلى ما اقْتَضاهُ الإنْعامُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ كَما قالَ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥]، وقالَ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .
* * *
صفحة ٢٦٦
﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وصَوَّرَكُمْ﴾) لِأنَّ التَّصْوِيرَ يَقْتَضِي الإيجادَ فَأُعْقِبَ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ بَعْدَ هَذا الإيجادِ فَناءً ثُمَّ بَعْثًا لِلْجَزاءِ.
والمَصِيرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلٍ صارَ بِمَعْنى رَجَعَ وانْتَهى، ولِذَلِكَ يُعَدّى بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ، أيْ ومَرْجِعَكم إلَيْهِ يَعْنِي بَعْدَ المَوْتِ وهو مَصِيرُ الحَشْرِ لِلْجَزاءِ.
وتَقْدِيمُ (إلَيْهِ) عَلى (المَصِيرُ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ إفادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ ذَلِكَ المَصِيرِ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ المَحْضِ. ولَيْسَ مُرادًا بِالتَّقْدِيمِ قَصْرٌ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِهَذا المَصِيرِ مِن أصْلِهِ بَلْهَ أنْ يَدَّعُوا أنَّهُ مَصِيرٌ إلى غَيْرِهِ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بالقَصْرِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ أشَدُّ ارْتِباطًا بِجُمْلَةِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ مِنها بِجُمْلَةِ ( ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.
التغابن 64:4
﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
كانُوا يَنْفُونَ الحَشْرَ بِعِلَّةِ أنَّهُ إذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ الجَسَدِ لا يُمْكِنُ جَمْعُها ولا يُحاطُ بِها. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ دَحْضًا لِشُبْهَتِهِمْ، أيْ أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا يُعْجِزُهُ تَفَرُّقُ أجْزاءِ البَدَنِ إذا أرادَ جَمْعَها. والَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في نَفْسِ الإنْسانِ، والسِّرُّ أدَقُّ وأخْفى مِن ذَرّاتِ الأجْسادِ المُتَفَرِّقَةِ، لا تَخْفى عَلَيْهِ مَواقِعُ تِلْكَ الأجْزاءِ الدَّقِيقَةِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] .
فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ كَما يَقْتَضِيهِ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ في تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِأعْمالِ الجَوارِحِ، ولِأنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ في مَكَّةَ عَلى الرّاجِحِ. وذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ المُنافِقِينَ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ تَهْدِيدًا عَلى ما يُبْطِنُهُ النّاسُ مِنَ الكُفْرِ.
صفحة ٢٦٧
وأمّا عَطْفُ (﴿وما تُعْلِنُونَ﴾) فَتَتْمِيمٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعُمُومِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالأعْمالِ.
وقَدْ تَضْمَنَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ وعِيدًا ووَعْدًا ناظِرَيْنِ إلى قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] فَكانَتِ الجُمْلَةُ لِذَلِكَ شَدِيدَةَ الِاتِّصالِ بِجُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] .
وإعادَةُ فِعْلِ (يَعْلَمُ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى العِنايَةِ بِهَذا التَّعَلُّقِ الخاصِّ لِلْعِلْمِ الإلَهِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ تَعَلُّقِهِ العامِّ في قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى الوَعِيدِ والوَعْدِ بِوُجْهٍ خاصٍّ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما سَيَّرَهُ جَمِيعُ النّاسِ مِنَ المُخاطِبِينَ وغَيْرِهِمْ.
و(ذاتِ الصُّدُورِ) صِفَةٌ لِمُوصُوفٍ مَحْذُوفٍ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ مَوْصُوفِها، أيْ صاحِباتِ الصُّدُورِ، أيِ المَكْتُومَةِ فِيها.
والتَّقْدِيرُ: بِالنَّوايا والخَواطِرِ ذاتِ الصُّدُورِ كَقَوْلِهِ ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ﴾ [القمر: ١٣] وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.
التغابن 64:5
﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ انْتِقالٌ مِنَ التَّعْرِيضِ الرَّمْزِيِّ بِالوَعِيدِ الأُخْرَوِيِّ في قَوْلِهِ (﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢])، إلى قَوْلِهِ (﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣])، وقَوْلِهِ (﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [التغابن: ٤])، إلى تَعْرِيضٍ أوْضَحَ مِنهُ بِطَرِيقِ الإيماءِ إلى وعِيدٍ لِعَذابٍ دُنْيَوِيٍّ وأُخْرَوِيٍّ مَعًا فَأنَّ ما يُسَمّى في بابِ الكِنايَةِ بِالإيمانِ أقَلَّ لَوازِمَ مِنَ العَرِيضِ والرَّمْزِ فَهو أقْرَبُ إلى التَّصْرِيحِ. وهَذا الإيماءُ بِضَرْبِ المَثَلِ بِحالِ أُمَمٍ تَلَقَّوْا رُسُلَهم بِمِثْلِ ما تَلَقّى بِهِ المُشْرِكُونَ مُحَمَّدًا ﷺ تَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ يَحُلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، فالجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةُ لِأنَّها عَدٌّ لِصَنْفٍ ثانٍ مِن أصْنافِ كُفْرِهِمْ وهو إنْكارُ الرِّسالَةِ.
فالخِطابُ لِخُصُوصِ الفَرِيقِ الكافِرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ فَهَذا
صفحة ٢٦٨
الخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حالُهم كَحالِ مَن لَمْ يَبْلُغْهم نَبَأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِثْلَ كُفْرِهِمْ، مِثْلُ عادٍ وثَمُودَ ومَدْيَنَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، والتَّقْرِيرِيُّ يُؤْتى مَعَهُ بِالجُمْلَةِ مَنفِيَّةً تَوْسِعَةً عَلى المُقَرَّرِ إنْ كانَ يُرِيدُ الإنْكارَ حَتّى إذا أقَرَّ لَمْ يَسْتَطِعْ بَعْدَ إقْرارِهِ إنْكارًا لِأنَّهُ قَدْ أُعْذِرَ لَهُ مِن قَبْلُ بِتَلْقِينِهِ النَّفْيَ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وحُذِفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ قَبْلُ ونُوِيَ مَعْناهُ، والتَّقْدِيرُ: (مِن قَبْلِكم)، أيْ في الكُفْرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ [التغابن: ٢] . والكافِرُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَقْصُودُ لِأنَّهم مُقْدِمُونَ عَلى الكُفْرِ ومُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ.
والوَبالُ: السُّوءُ وما يُكْرَهُ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ.
والذَّوْقُ مَجازٌ في مُطْلَقِ الإحْساسِ والوِجْدانِ، شَبَّهَ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِشَيْءٍ ذِي طَعْمٍ كَرِيهٍ يَذُوقُهُ مَن حَلَّ بِهِ ويَبْتَلِعُهُ لِأنَّ الذَّوْقَ بِاللِسانِ أشَدُّ مِنَ اللَّمْسِ بِاليَدِ أوِ الجِلْدِ. والمَعْنى: أحَسُّوا العَذابَ في الدُّنْيا إحْساسًا مَكِينًا.
وقَوْلُهُ (﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾) مُرادٌ بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ.
التغابن 64:6
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ارْتِقاءٌ في التَّعْرِيضِ إلى ضَرْبٍ مِنهُ قَرِيبٍ مِنَ الصَّرِيحِ. وهو المُسَمّى في الكِنايَةِ بِالإشارَةِ. كانَتْ مَقالَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ مُماثِلَةً لِمَقالَةِ المُخاطَبِينَ فَإذا كانَتْ هي سَبَبُ ما ذاقُوهُ مِنَ الوَبالِ فَيُوشِكُ أنْ يَذُوقَ مُماثِلُوهم في المَقالَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الوَبالِ.
فاسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الوَبالِ والعَذابِ الألِيمِ.
فَهَذا عَدٌّ لِكُفْرٍ آخَرَ مِن وُجُوهِ كُفْرِهِمْ وهو تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ وتَكْذِيبُهم بِالقُرْآنِ فَإنَّ القُرْآنَ بَيِّنَةٌ مِنَ البَيِّناتِ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ.
صفحة ٢٦٩
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ في مَوْقِعِ العِلَّةِ. والضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ ما يُفَسِّرُ الضَّمِيرُ، وهو جُمْلَةُ ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ إلى آخِرِها.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿أبَشَرٌ﴾) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وإبْطالٍ فَهم أحالُوا أنْ يَكُونَ بَشَرٌ مِثْلُهم يَهْدُونَ بَشَرًا أمْثالَهم، وهَذا مِن جَهْلِهِمْ بِمَراتِبِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ومَن يَصْطَفِيهِ اللَّهُ مِنها، ويَخْلُقُهُ مُضْطَلِعًا بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ إلى عِبادِهِ. كَما قالَ ﴿وقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] وجَهِلُوا أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِإرْشادِ النّاسِ إلّا مَن هو مِن نَوْعِهِمْ قالَ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ولَمّا أحالُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ أهْلًا لِهِدايَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ جَعَلُوا ذَلِكَ كافِيًا في إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ القُرْآنِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ.
والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ لِلْإنْسانِ يَصْدُقُ عَلى الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] ويُقالُ عَلى الجَمْعِ كَما هُنا. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] .
وتَنْكِيرُ (﴿بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]) لِلنَّوْعِيَّةِ لِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ عَلى كَوْنِهِمْ يَهْدُونَهم، وهو نَوْعُ البَشَرِيَّةِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِقَصْدِ تَقَوِّي حُكْمِ الإنْكارِ، وما قالُوا ذَلِكَ حَتّى اعْتَقَدُوهُ فَلِذَلِكَ أقْدَمُوا عَلى الكُفْرِ بِرُسُلِهِمْ إذْ قَدِ اعْتَقَدُوا اسْتِحالَةَ إرْسالِ اللَّهِ إيّاهم فَجَزَمُوا بِكَذِبِهِمْ في دَعْوى الرِّسالَةِ فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ (﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾) .
والتَّوَلِّي أصْلُهُ: الِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
(﴿واسْتَغْنى﴾) غَنِيَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ (﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥]) . والمَعْنى: غَنِيَ اللَّهُ عَنْ إيمانِهِمْ قالَ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .
والواوُ واوُ الحالِ، أيْ والحالُ أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم مِن زَمَنٍ مَضى فَإنَّ غِنى اللَّهِ عَنْ إيمانِهِمْ مُقْرَرٌ في الأزَلِ.
صفحة ٢٧٠
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: (واسْتَغْنى اللَّهُ) عَنْ إعادَةِ دَعْوَتِهِمْ لِأنَّ فِيما أظْهَرَ لَهم مِنَ البَيِّناتِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِمْ ما هو كافٍ لِحُصُولِ التَّصْدِيقِ بِدَعْوَةِ رُسُلِهِمْ لَوْلا المُكابَرَةُ فَلِذَلِكَ عُجِّلَ لَهم بِالعَذابِ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فَمُتَعَلِّقُ (اسْتَغْنى) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَكَفَرُوا) . وقَوْلُهُ (بِالبَيِّناتِ) والتَّقْدِيرُ: واسْتَغْنى اللَّهُ عَنْ إيمانِهِمْ.
وجُمْلَةُ (﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾) تَذْيِيلٌ، أيْ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِيما طَلَبَ مِنهم، حَمِيدٌ لِمَنِ امْتَثَلَ وشَكَرَ.
التغابن 64:7
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ هَذا ضَرْبٌ ثالِثٌ مِن ضُرُوبِ كُفْرِ المُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [التغابن: ٥] إلَخْ، وهو كُفْرُهم بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ. وهَذا الكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ بَلى﴾ . ولَيْسَ هَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ ولا مِنَ الِالتِفاتِ بَلْ هو ابْتِداءُ غَرَضٍ مُخاطَبٍ بِهِ غَيْرُ مَن كانَ الخِطابُ جارِيًا مَعَهم.
وتَتَضَمَّنُ الجُمْلَةُ تَصْرِيحًا بِإثْباتِ البَعْثِ وذَلِكَ الَّذِي أُوتِيَ إلَيْهِ فِيما مَضى يُفِيدُ بالحَقِ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [التغابن: ٣] وبِقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [التغابن: ٤] كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
والزَّعْمُ: القَوْلُ المَوْسُومُ بِمُخالَفَةِ الواقِعِ خَطَأٌ فَمِنهُ الكَذِبُ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ قائِلُهُ أنْ يُخالِفَ الواقِعَ في ظَنِّ سامِعِهِ. ويُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ المُسْتَغْرَبِ المَشْكُوكِ في وُقُوعِ ما أخْبَرَ بِهِ، وعَنْ شُرَيْحٍ: لِكُلِّ شَيْءٍ كُنْيَةٌ وكُنْيَةُ الكَذِبِ زَعَمُوا أرادَ بِالكُنْيَةِ الكِنايَةَ. فَبَيْنَ الزَّعْمِ والكَذِبِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ.
وفِي الحَدِيثِ بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ إلى الكَذِبِ زَعَمُوا، أيْ قَوْلُ الرَّجُلِ
صفحة ٢٧١
زَعَمُوا كَذا. ورَوى أهْلُ الأدَبِ أنَّ الأعْشى لَمّا أنْشَدَ قَيْسَ بْنَ مَعْدِ يَكْرِبَ: الكِنَدِيَّ قَوْلَهُ في مَدْحِهِ:
ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَنِ
غَضِبَ قَيْسٌ وقالَ لَهُ وما هو إلّا الزَّعْمُ.
ولِأجْلِ ما يُصاحِبُ الزَّعْمَ مِن تَوَهُّمِ قائِلِهِ صِدْقَ ما قالَهُ أُلْحِقَ فِعْلُ زَعَمَ بِأفْعالِ الظَّنِّ فَنَصَبَ مَفْعُولَيْنِ. ولَيْسَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبِ:
فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلُ فِيكُمُ ∗∗∗ فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ
ومِن شَواهِدِ النَّحْوِ قَوْلُ أبِي أُمَيَّةَ أوْسٍ الحَنَفِيِّ:
زَعَمَتْنِي شَيْخًا ولَسْتُ بِشَيْخٍ ∗∗∗ إنَّما الشَّيْخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا
والأكْثَرُ أنْ يَقَعَ بَعْدَ فِعْلِ الزَّعْمِ أنَّ المَفْتُوحَةُ المُشَدَّدَةُ أوِ المُخَفَّفَةُ مِثْلَ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ فَيَسُدُّ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا انْتِفاءَ بَعْثِهِمْ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ الزَّعْمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠] الآيَةُ في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] في سُورَةِ الأنْعامِ وما ذَكَرْتُهُ هُنا أوْفى.
والمُرادُ بِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هُنا المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن عَلى دِينِهِمْ.
واجْتِلابُ حَرْفِ (لَنْ) لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ فَكانُوا مُوقِنِينَ بِانْتِفاءِ البَعْثِ.
ولِذَلِكَ جِيءَ إبْطالُ زَعْمِهِمْ مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ لِيَنْقُضَ نَفْيَهم بِأشَدَّ مِنهُ، فَأُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يُبَلِّغَهم عَنِ اللَّهِ أنَّ البَعْثَ واقِعٌ وخاطَبَهم بِذَلِكَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ أنْ لا يَقُولُوا ما بَلَّغَناهُ ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ (﴿قُلْ بَلى﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) وجُمْلَةِ ( ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التغابن: ٨] .
وحَرْفُ (بَلى) حَرْفُ جَوابٍ لِلْإبْطالِ خاصٌّ بِجَوابِ الكَلامِ المَنفِيِّ لِإبْطالِهِ.
صفحة ٢٧٢
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾) ارْتِقاءٌ في الإبْطالِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ إنْباءَهم بِما عَمِلُوا أهَمُّ مِن إثْباتِ البَعْثِ إذْ هو العِلَّةُ لِلْبَعْثِ.
والإنْباءُ: الإخْبارُ، وإنْباؤُهم بِما عَمِلُوا كِنايَةٌ عَنْ مُحاسَبَتِهِمْ عَلَيْهِ وجَزائِهِمْ عَمّا عَمِلُوهُ، فَإنَّ الجَزاءَ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ المُجازى بِعَمَلِهِ الَّذِي جُوزِيَ عَلَيْهِ فَكانَ حُصُولُ الجَزاءِ بِمَنزِلَةِ إخْبارِهِ بِما عَمِلَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ [لقمان: ٢٣] .
وهَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ بِجَزاءٍ سَيِّئٍ لِأنَّ المَقامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَمَلَهم سِيِّئٌ وهو تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ وإنْكارُ ما دَعاهم إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ (﴿وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾) تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
واسْمُ الإشارَةِ: إمّا عائِدٌ إلى البَعْثِ المَفْهُومِ مِن (﴿لَتُبْعَثُنَّ﴾) مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] أيِ العَدْلُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، وإمّا عائِدٌ إلى مَعْنى المَذْكُورِ مِن مَجْمُوعِ (﴿لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾) .
وأخْبَرَ عَنْهُ بِ يَسِيرٌ دُونَ أنْ يُقالَ: واقِعٌ كَما قالَ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]، لِأنَّ الكَلامَ لِرَدِّ إحالَتِهِمُ البَعْثَ بِعِلَّةِ أنَّ أجْزاءَ الجَسَدِ تَفَرَّقَتْ فَيَتَعَذَّرُ جَمْعُها فَذَكَرُوا بِأنَّ العَسِيرَ في مُتَعارَفِ النّاسِ لا يَعْسُرُ عَلى اللَّهِ وقَدْ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
التغابن 64:8
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ.
والفاءُ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، والتَّقْدِيرُ: فَإذا عَلِمْتُمْ هَذِهِ الحُجَجَ وتَذَكَّرْتُمْ ما حَلَّ بِنُظَرائِكم مِنَ العِقابِ وما سَتُنَبَّئُونَ بِهِ مِن أعْمالِكم فَآمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والقُرْآنِ، أيْ بِنَصِّهِ.
صفحة ٢٧٣
والمُرادُ بِالنُّورَ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ، وُصِفَ بِأنَّهُ نُورٌ عَلى نُورٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ أشْبَهَ النُّورَ في إيضاحِ المَطْلُوبِ بِاسْتِقامَةِ حُجَّتِهِ وبَلاغَةِ كَلامِهِ قالَ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] . وأشْبَهَ النُّورَ في الإرْشادِ إلى السُّلُوكِ القَوِيمِ وفي هَذا الشَّبَهِ الثّانِي تَشارُكُهُ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ، قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقَرِينَةُ الِاسْتِعارَةِ قَوْلُهُ ﴿الَّذِي أنْزَلْنا﴾، لِأنَّهُ مِن مُناسِباتِ المُشَبَّهِ لِاشْتِهارِ القُرْآنِ بَيْنَ النّاسِ كُلِّهِمْ بِالألْقابِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الإنْزالِ والتَّنْزِيلِ عَرَفَ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ والمُعانِدُونَ. وهو إنْزالٌ مَجازِيٌّ أُرِيدَ بِهِ تَبْلِيغُ مُرادِ اللَّهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وإنَّما جُعِلَ الإيمانُ بِصِدْقِ القُرْآنِ داخِلًا في حَيِّزِ فاءِ التَّفْرِيعِ لِأنَّ ما قَبْلَ الفاءِ تَضَمَّنَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] كَما قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ والإيمانُ بِالقُرْآنِ يَشْمَلُ الإيمانَ بِالبَعْثِ فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾) شامِلًا لِما سَبَقَ الفاءَ مِن قَوْلِهِ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] إلَخْ.
وفِي قَوْلِهِ (﴿الَّذِي أنْزَلْنا﴾) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِالقُرْآنِ تَذْكِيرًا بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ ضَمِيرَ التَّكَلُّمِ أشَدُّ دَلالَةً عَلى مَعادِهِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ، ولِتَقْوِيَةِ داعِي المَأْمُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَقْتَضِي وعْدًا إنْ آمَنُوا ووَعِيدًا إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا.
وفِي ذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً جارِيَةً مَجْرى المَثَلِ والكَلِمِ الجَوامِعِ، ولِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أقْوى دَلالَةً مِنَ الضَّمِيرِ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ تَطَلُّبِ المَعادِ. وفِيهِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ ما في قَوْلِ الخَلِيفَةِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكم بِكَذا.
والخَبِيرُ: العَلِيمُ، وجِيءَ هُنا بِصِفَةِ الخَبِيرُ دُونَ: البَصِيرُ، لِأنَّ ما يَعْلَمُونَهُ مِنهُ مَحْسُوساتٍ ومِنهُ غَيْرُ مَحْسُوساتٍ كالمُعْتَقَداتِ، ومِنها الإيمانُ بِالبَعْثِ، فَعُلِّقَ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالمَوْجُوداتِ كُلِّها، بِخِلافِ قَوْلِهِ فِيما
صفحة ٢٧٤
تَقَدَّمَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢] فَإنَّ لِكُفْرِ الكافِرِينَ وإيمانِ المُؤْمِنِينَ آثارًا ظاهِرَةً مَحْسُوسَةً فَعُلِّقَتْ بِالوُصْفِ الدّالِّ عَلى تَعَلُّقِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالمَحْسُوساتِ.
التغابن 64:9
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنْ (تُجازَوْنَ) عَلى تَكْذِيبِكم بِالبَعْثِ فَيَكُونُ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهُمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] .
ومَعْنى (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) يَجْمَعُ المُخاطَبِينَ والأُمَمَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ، قالَ تَعالى ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] .
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]، وهَذا زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِلْبَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ.
واللّامُ في ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ يَجْمَعُكم لِأجْلِ اليَوْمِ المَعْرُوفِ بِالجَمْعِ المَخْصُوصِ. وهو الَّذِي لِأجْلِ جَمْعِ النّاسِ، أيْ يَبْعَثُكم لِأجْلِ أنْ يَجْمَعَ النّاسَ كُلَّهم لِلْحِسابِ، فَمَعْنى الجَمْعِ هَذا غَيْرُ مَعْنى الَّذِي في ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ .
فَلَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ بَلْ هو مِن قَبِيلِ التَّجْنِيسِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى (في) عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقَوْلِهِ ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] وقَوْلِ العَرَبِ: مَضى لِسَبِيلِهِ، أيْ في طَرِيقِهِ وهو طَرِيقُ المَوْتِ.
والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلتَّوْقِيتِ، وهي الَّتِي بِمَعْنى (عِنْدَ) كالَّتِي في قَوْلِهِمْ: كُتِبَ لِكَذا مَضَيْنَ مَثَلًا، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
صفحة ٢٧٥
وهُوَ اسْتِعْمالٌ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاقْتِرابِ ولِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِمَعْنى (عِنْدَ)، ويُفِيدُ هُنا: أنَّهم مَجْمُوعُونَ في الأجَلِ المُعَيَّنِ دُونَ تَأْخِيرٍ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]، فَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ بِفِعْلِ (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) .
فِ (﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧]) هو يَوْمُ الحَشْرِ. وفي الحَدِيثِ («يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ» ) إلَخْ. جُعِلَ هَذا المُرَكَّبُ الإضافِيُّ لَقَبًا لِيَوْمِ الحَشْرِ، قالَ تَعالى ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) بِياءِ الغائِبِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِنُونِ العَظَمَةِ.
* * *
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]) بِمُتَعَلِّقِها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ اعْتِراضًا يُفِيدُ تَهْوِيلَ هَذا اليَوْمَ تَعْرِيضًا بِوَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِالخَسارَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ: أيْ بِسُوءِ المُنْقَلَبِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في مَقامِ الضَّمِيرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِتَمْيِيزِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ مَعَ ما يُفِيدُ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ مِن عُلُوِّ المَرْتَبَةِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّغابُنُ: مَصْدَرُ غابَنَهُ مِن بابِ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ أوْ أكْثَرَ.
وحَقِيقَةُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ أنْ تَدُلَّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ الواحِدِ مِن فاعِلَيْنِ فَأكْثَرَ عَلى وجْهِ المُشارَكَةِ في ذَلِكَ الفِعْلِ.
والغَبْنُ أنْ يُعْطى البائِعُ ثَمَنًا دُونَ حَقِّ قِيمَتِهِ الَّتِي يُعَوِّضُ بِها مِثْلَهُ.
فالغَبْنُ يَئُولُ إلى خَسارَةِ البائِعِ في بَيْعِهِ، فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ الغَبْنُ عَلى مُطْلَقِ الخُسْرانِ مَجازًا مُرْسَلًا كَما في قَوْلِ الأعْشى:
لا يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يُبالِي غَبْنَ الخاسِرِ
صفحة ٢٧٦
فَلَيْسَتْ مادَّةُ التَّغابُنِ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها إذْ لا تَعارُضَ حَتّى يَكُونَ فِيهِ غِبْنٌ بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الخُسْرانِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ.
وأمّا صِيغَةُ التَّفاعُلِ فَحَمَلَها جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى حَقِيقَتِها مِن حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ فَفَسَّرُوها بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ غَبَنُوا أهْلَ النّارِ إذْ أهْلُ الجَنَّةِ أخَذُوا الجَنَّةَ وأهْلُ جَهَنَّمَ أخَذُوا جَهَنَّمَ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ. فَحَمَلَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ كَلامَ هَؤُلاءِ الأيِّمَةِ عَلى أنَّ التَّغابُنَ تَمْثِيلٌ لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِحالِ مُتَبايِعَيْنِ أخَذَ أحَدُهُما الثَّمَنَ الوافِي، وأخَذَ الآخَرُ الثَّمَنَ المَغْبُونَ، يَعْنِي وقَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] قَرِينَةٌ عَلى المُرادِ مِنَ الجانِبَيْنِ وعَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَفْصِيلًا لِلْفَرِيقَيْنِ، فَيَكُونُ في الآيَةِ مَجازٌ وتَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ، فالمَجازُ في مادَّةِ الغَبْنِ، والتَّمْثِيلُ في صِيغَةِ التَّغابُنِ، وهو تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ بِمَنزِلَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ إذِ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ يَوْمٌ مِثْلُ التَّغابُنِ.
وحَمَلَ قَلِيلٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (وهو ما فُسِّرَ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِهِ وصَرَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ) صِيغَةَ التَّفاعُلِ عَلى مَعْنى الكَثْرَةِ وشَدَّةِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِنا عافاكَ اللَّهُ وتَبارَكَ اللَّهُ فَتَكُونُ اسْتِعارَةً، أيْ خَسارَةٌ لِلْكافِرِينَ إذْ هم مَناطُ الإنْذارِ.
وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةُ في سُورَةِ الصَّفِّ.
فَصِيغَةُ التَّفاعُلِ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في كَثْرَةِ حُصُولِ الغَبْنِ لِلْكَثْرَةِ بِفِعْلِ مَن يَحْصُلُ مِن مُتَعَدِّدٍ.
والكَلامُ تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِسُوءِ حالَتِهِمْ في يَوْمِ الجَمْعِ، إذِ المَعْنى: ذَلِكَ يَوْمُ غَبْنِكُمُ الكَثِيرِ الشَّدِيدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] . والغابِنُ لَهم هو اللَّهُ تَعالى.
ولَوْلا قَصْدُ ذَلِكَ لَما اقْتَصَرَ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَوْمُ تَغابُنٍ فَإنَّ فِيهِ رِبْحًا عَظِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ
صفحة ٢٧٧
بِاللهِ ورَسُولِهِ والقُرْآنِ، فَوِزانُ هَذا القَصْرِ وِزانُ قَوْلِهِ (﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]) وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «إنَّما المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وأفادَ تَعْرِيفُ جُزْأيْ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ قَصْرَ جِنْسِ يَوْمِ التَّغابُنِ عَلى يَوْمِ الجُمُعَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وهو مِن قَبِيلِ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قَصْرًا ادِّعائِيًّا، أيْ ذَلِكَ يَوْمُ الغَبْنِ لا أيّامُ أسْواقِكم ولا غَيْرُها، فَإنَّ عَدَمَ أهَمِّيَّةِ غَبْنِ النّاسِ في الدُّنْيا جَعَلَ غَبْنَ الدُّنْيا كالعَدَمِ وجَعَلَ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْحَصِرًا فِيهِ جِنْسُ الغَبْنِ.
وأمّا لامُ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ ﴿التَّغابُنِ﴾ فَهي لامُ الجِنْسِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] . وقَوْلُهُ في ضِدِّهِ ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] . هَذا هو المُتَعَيَّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مَرَّ بِها مَرًّا. ولَمْ يَحْتَلِبْ مِنها دَرًّا. وها أنا ذا كَدَدْتُ ثِمادِي، فَعَسى أنْ يَقَعَ لِلنّاظِرِ كَوَقْعِ القَراحِ مِنَ الصّادِي، واللَّهُ الهادِي.
* * *
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ونُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التغابن: ٨] وهو تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ ( ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] الَّذِي هو تَذْيِيلٌ.
و(مَن) شَرْطِيَّةٌ والفِعْلُ بَعْدَها مُسْتَقْبَلٌ، أيْ مَن يُؤْمِن مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذِهِ المَوْعِظَةِ نُكَفِّرْ عَنْهُ ما فَرَّطَ مِن سَيِّئاتِهِ.
والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ: الكُفْرُ وما سَبَقَهُ مِنَ الأعْمالِ الفاسِدَةِ.
وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ: العَفْوُ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِها وهو مَصْدَرُ كَفَّرَ مُبالِغَةً في كَفَرَ.
صفحة ٢٧٨
وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في العَفْوِ عَمّا سَلَفَ مِنَ السَّيِّئاتِ وأصِلُهُ: اسْتِعارَةُ السَّتْرِ لِلْإزالَةِ مِثْلَ الغُفْرانِ أيْضًا.
وانْتَصَبَ (صالِحًا) عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلًا صالِحًا.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ نُكَفِّرْ و(نُدْخِلْهُ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِأنَّ مَقامَ الوَعْدِ مَقامُ إقْبالٍ فَناسَبَهُ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأهُما الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ ضَمِيرَ الجَلالَةِ يُؤْذِنُ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهَذا الفَرِيقِ.
وجُمْلَةُ (﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾) تَذْيِيلٌ.
وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾)، أيْ كَفَرُوا وكَذَّبُوا مِن قَبْلُ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ ثَبَتَ لَهم أنَّهم أصْحابُ النّارِ. ولِذَلِكَ جِيءَ في جانِبِ الخَبَرِ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
وجِيءَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ تَمْيِيزًا لا يَلْتَبِسُ مَعَهُ غَيْرُهم بِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] مَعَ ما يُفِيدُهُ اسْمُ الإشارَةِ مِن أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِمُلازَمَةِ النّارِ ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وهَذا وعِيدٌ.
وجُمْلَةُ (وبِئْسَ المَصِيرُ) اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ لِزِيادَةِ تَهْوِيلِ الوَعِيدِ.
التغابن 64:10
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧] الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنْ (تُجازَوْنَ) عَلى تَكْذِيبِكم بِالبَعْثِ فَيَكُونُ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهُمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] .
ومَعْنى (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) يَجْمَعُ المُخاطَبِينَ والأُمَمَ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ، قالَ تَعالى ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] .
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الجَمْعُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]، وهَذا زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِلْبَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ.
واللّامُ في ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ يَجْمَعُكم لِأجْلِ اليَوْمِ المَعْرُوفِ بِالجَمْعِ المَخْصُوصِ. وهو الَّذِي لِأجْلِ جَمْعِ النّاسِ، أيْ يَبْعَثُكم لِأجْلِ أنْ يَجْمَعَ النّاسَ كُلَّهم لِلْحِسابِ، فَمَعْنى الجَمْعِ هَذا غَيْرُ مَعْنى الَّذِي في ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ .
فَلَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ بَلْ هو مِن قَبِيلِ التَّجْنِيسِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى (في) عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقَوْلِهِ ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] وقَوْلِ العَرَبِ: مَضى لِسَبِيلِهِ، أيْ في طَرِيقِهِ وهو طَرِيقُ المَوْتِ.
والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلتَّوْقِيتِ، وهي الَّتِي بِمَعْنى (عِنْدَ) كالَّتِي في قَوْلِهِمْ: كُتِبَ لِكَذا مَضَيْنَ مَثَلًا، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
صفحة ٢٧٥
وهُوَ اسْتِعْمالٌ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاقْتِرابِ ولِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِمَعْنى (عِنْدَ)، ويُفِيدُ هُنا: أنَّهم مَجْمُوعُونَ في الأجَلِ المُعَيَّنِ دُونَ تَأْخِيرٍ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]، فَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ بِفِعْلِ (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) .
فِ (﴿يَوْمَ الجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧]) هو يَوْمُ الحَشْرِ. وفي الحَدِيثِ («يَجْمَعُ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ» ) إلَخْ. جُعِلَ هَذا المُرَكَّبُ الإضافِيُّ لَقَبًا لِيَوْمِ الحَشْرِ، قالَ تَعالى ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَجْمَعُكُمْ﴾) بِياءِ الغائِبِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِنُونِ العَظَمَةِ.
* * *
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]) بِمُتَعَلِّقِها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ اعْتِراضًا يُفِيدُ تَهْوِيلَ هَذا اليَوْمَ تَعْرِيضًا بِوَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِالخَسارَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ: أيْ بِسُوءِ المُنْقَلَبِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في مَقامِ الضَّمِيرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِتَمْيِيزِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ مَعَ ما يُفِيدُ اسْمُ إشارَةِ البَعِيدِ مِن عُلُوِّ المَرْتَبَةِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّغابُنُ: مَصْدَرُ غابَنَهُ مِن بابِ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ أوْ أكْثَرَ.
وحَقِيقَةُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ أنْ تَدُلَّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ الواحِدِ مِن فاعِلَيْنِ فَأكْثَرَ عَلى وجْهِ المُشارَكَةِ في ذَلِكَ الفِعْلِ.
والغَبْنُ أنْ يُعْطى البائِعُ ثَمَنًا دُونَ حَقِّ قِيمَتِهِ الَّتِي يُعَوِّضُ بِها مِثْلَهُ.
فالغَبْنُ يَئُولُ إلى خَسارَةِ البائِعِ في بَيْعِهِ، فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ الغَبْنُ عَلى مُطْلَقِ الخُسْرانِ مَجازًا مُرْسَلًا كَما في قَوْلِ الأعْشى:
لا يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يُبالِي غَبْنَ الخاسِرِ
صفحة ٢٧٦
فَلَيْسَتْ مادَّةُ التَّغابُنِ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها إذْ لا تَعارُضَ حَتّى يَكُونَ فِيهِ غِبْنٌ بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الخُسْرانِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ.
وأمّا صِيغَةُ التَّفاعُلِ فَحَمَلَها جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى حَقِيقَتِها مِن حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ فَفَسَّرُوها بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ غَبَنُوا أهْلَ النّارِ إذْ أهْلُ الجَنَّةِ أخَذُوا الجَنَّةَ وأهْلُ جَهَنَّمَ أخَذُوا جَهَنَّمَ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ. فَحَمَلَ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ كَلامَ هَؤُلاءِ الأيِّمَةِ عَلى أنَّ التَّغابُنَ تَمْثِيلٌ لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِحالِ مُتَبايِعَيْنِ أخَذَ أحَدُهُما الثَّمَنَ الوافِي، وأخَذَ الآخَرُ الثَّمَنَ المَغْبُونَ، يَعْنِي وقَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] قَرِينَةٌ عَلى المُرادِ مِنَ الجانِبَيْنِ وعَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَفْصِيلًا لِلْفَرِيقَيْنِ، فَيَكُونُ في الآيَةِ مَجازٌ وتَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ، فالمَجازُ في مادَّةِ الغَبْنِ، والتَّمْثِيلُ في صِيغَةِ التَّغابُنِ، وهو تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ بِمَنزِلَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ إذِ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ يَوْمٌ مِثْلُ التَّغابُنِ.
وحَمَلَ قَلِيلٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (وهو ما فُسِّرَ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ في مُفْرَداتِهِ وصَرَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ) صِيغَةَ التَّفاعُلِ عَلى مَعْنى الكَثْرَةِ وشَدَّةِ الفِعْلِ كَما في قَوْلِنا عافاكَ اللَّهُ وتَبارَكَ اللَّهُ فَتَكُونُ اسْتِعارَةً، أيْ خَسارَةٌ لِلْكافِرِينَ إذْ هم مَناطُ الإنْذارِ.
وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةُ في سُورَةِ الصَّفِّ.
فَصِيغَةُ التَّفاعُلِ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في كَثْرَةِ حُصُولِ الغَبْنِ لِلْكَثْرَةِ بِفِعْلِ مَن يَحْصُلُ مِن مُتَعَدِّدٍ.
والكَلامُ تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِسُوءِ حالَتِهِمْ في يَوْمِ الجَمْعِ، إذِ المَعْنى: ذَلِكَ يَوْمُ غَبْنِكُمُ الكَثِيرِ الشَّدِيدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] . والغابِنُ لَهم هو اللَّهُ تَعالى.
ولَوْلا قَصْدُ ذَلِكَ لَما اقْتَصَرَ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَوْمُ تَغابُنٍ فَإنَّ فِيهِ رِبْحًا عَظِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ
صفحة ٢٧٧
بِاللهِ ورَسُولِهِ والقُرْآنِ، فَوِزانُ هَذا القَصْرِ وِزانُ قَوْلِهِ (﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]) وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «إنَّما المُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
وأفادَ تَعْرِيفُ جُزْأيْ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ قَصْرَ جِنْسِ يَوْمِ التَّغابُنِ عَلى يَوْمِ الجُمُعَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ، وهو مِن قَبِيلِ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ قَصْرًا ادِّعائِيًّا، أيْ ذَلِكَ يَوْمُ الغَبْنِ لا أيّامُ أسْواقِكم ولا غَيْرُها، فَإنَّ عَدَمَ أهَمِّيَّةِ غَبْنِ النّاسِ في الدُّنْيا جَعَلَ غَبْنَ الدُّنْيا كالعَدَمِ وجَعَلَ يَوْمَ القِيامَةِ مُنْحَصِرًا فِيهِ جِنْسُ الغَبْنِ.
وأمّا لامُ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ ﴿التَّغابُنِ﴾ فَهي لامُ الجِنْسِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] . وقَوْلُهُ في ضِدِّهِ ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] . هَذا هو المُتَعَيَّنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مَرَّ بِها مَرًّا. ولَمْ يَحْتَلِبْ مِنها دَرًّا. وها أنا ذا كَدَدْتُ ثِمادِي، فَعَسى أنْ يَقَعَ لِلنّاظِرِ كَوَقْعِ القَراحِ مِنَ الصّادِي، واللَّهُ الهادِي.
* * *
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ونُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ( ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التغابن: ٨] وهو تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ ( ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] الَّذِي هو تَذْيِيلٌ.
و(مَن) شَرْطِيَّةٌ والفِعْلُ بَعْدَها مُسْتَقْبَلٌ، أيْ مَن يُؤْمِن مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ هَذِهِ المَوْعِظَةِ نُكَفِّرْ عَنْهُ ما فَرَّطَ مِن سَيِّئاتِهِ.
والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ: الكُفْرُ وما سَبَقَهُ مِنَ الأعْمالِ الفاسِدَةِ.
وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ: العَفْوُ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِها وهو مَصْدَرُ كَفَّرَ مُبالِغَةً في كَفَرَ.
صفحة ٢٧٨
وغَلَبَ اسْتِعْمالُهُ في العَفْوِ عَمّا سَلَفَ مِنَ السَّيِّئاتِ وأصِلُهُ: اسْتِعارَةُ السَّتْرِ لِلْإزالَةِ مِثْلَ الغُفْرانِ أيْضًا.
وانْتَصَبَ (صالِحًا) عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلًا صالِحًا.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ نُكَفِّرْ و(نُدْخِلْهُ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ لِأنَّ مَقامَ الوَعْدِ مَقامُ إقْبالٍ فَناسَبَهُ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأهُما الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ ضَمِيرَ الجَلالَةِ يُؤْذِنُ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهَذا الفَرِيقِ.
وجُمْلَةُ (﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾) تَذْيِيلٌ.
وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا﴾)، أيْ كَفَرُوا وكَذَّبُوا مِن قَبْلُ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ ثَبَتَ لَهم أنَّهم أصْحابُ النّارِ. ولِذَلِكَ جِيءَ في جانِبِ الخَبَرِ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.
وجِيءَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ تَمْيِيزًا لا يَلْتَبِسُ مَعَهُ غَيْرُهم بِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] مَعَ ما يُفِيدُهُ اسْمُ الإشارَةِ مِن أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِمُلازَمَةِ النّارِ ناشِئٌ عَنِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ وهَذا وعِيدٌ.
وجُمْلَةُ (وبِئْسَ المَصِيرُ) اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ لِزِيادَةِ تَهْوِيلِ الوَعِيدِ.
التغابن 64:11
﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ انْتُقِلَ إلَيْهِ بَعْدَ أنْ تُوُعِّدَ المُشْرِكُونَ بِما يَحْصُلُ لَهم مِنَ التَّغابُنِ يَوْمُ يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ يَوْمَ الحِسابِ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ تَهْدِيدَ المُشْرِكِينَ بِيَوْمِ الحِسابِ يُثِيرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ التَّساؤُلَ عَنِ الِانْتِصافِ مِنَ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا عَلى ما يَلْقاهُ المُسْلِمُونَ مِن إضْرارِهِمْ بِمَكَّةَ فَإنَّهم لَمْ يَكُفُّوا عَنْ أذى المُسْلِمِينَ وإصابَتِهِمْ في أبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ والفِتْنَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ وأبْنائِهِمْ.
صفحة ٢٧٩
فالمُرادُ: المَصائِبُ الَّتِي أصابَتِ المُسْلِمِينَ مِن مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِما يُسَلِّيهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما يَنالُهم. وقالَ القُرْطُبِيُّ قِيلَ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ الكُفّارَ قالُوا لَوْ كانَ ما عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ حَقًّا لَصانَهُمُ اللَّهُ عَنِ المَصائِبِ.
واخْتُصَّتِ المُصِيبَةُ في اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ بِما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِن شَرٍّ وضُرٍّ وإنْ كانَ أصْلُ فِعْلِها يُقالُ كُلُّ ما يُصِيبُ الإنْسانَ مُطْلَقًا ولَكِنْ غَلَبَ إطْلاقُ فِعْلِ أصابَ عَلى لِحاقِ السُّوءِ، وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، أنَّ إسْنادَ الإصابَةِ إلى الحَسَنَةِ مِن قَبِيلِ المُشاكَلَةِ.
وتَأْنِيثُ المُصِيبَةِ لِتَأْوِيلِها بِالحادِثَةِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ [آل عمران: ١٦٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والإذْنُ: أصْلُهُ إجازَةُ الفِعْلِ لِمَن يَفْعَلُهُ وأُطْلِقَ عَلى إباحَةِ الدُّخُولِ إلى البَيْتِ وإزالَةِ الحِجابِ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن أذِنَ لَهُ إذا سَمِعَ كَلامَهُ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَكْوِينِ أسْبابِ الحَوادِثِ. وهي الأسْبابُ الَّتِي تُفْضِي في نِظامِ العادَةِ إلى وُقُوعِ واقِعاتٍ، وهي مِن آثارِ صُنْعِ اللَّهِ في نِظامِ هَذا العالَمِ مِن رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها مَعَ عِلْمِهِ بِما تُفْضِي إلَيْهِ تِلْكَ الأسْبابُ فَلَمّا كانَ هو الَّذِي أوْجَدَ الأسْبابَ وأسْبابَ أسْبابِها، وكانَ قَدْ جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ أُصُولًا وفُرُوعًا بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، أُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ لَفْظُ الإذْنِ، والمُشابَهَةُ ظاهِرَةٌ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلّا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] .
ومُقْتَضى هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ تَقْرِيبُ حَقِيقَةِ التَّقَلُّباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ إلى عُقُولِ المُسْلِمِينَ بِاخْتِصارِ العِبارَةِ لِضِيقِ المَقامِ عَنِ الإطْنابِ في بَيانِ العِلَلِ والأسْبابِ، ولِأنَّ أكْثَرَ ذَلِكَ لا تَبْلُغُ إلَيْهِ عُقُولُ الأُمَّةِ بِسُهُولَةٍ. والقَصْدُ مِن هَذا تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ الصَّبْرَ عَلى ما يَغْلِبُهم مِن مَصائِبِ الحَوادِثِ لِكَيْلا تَفُلَّ عَزائِمُهم ولا يَهِنُوا ولا يُلْهِيَهُمُ الحُزْنُ عَنْ مُهِمّاتِ أُمُورِهِمْ وتَدْبِيرِ شُئُونِهِمْ كَما قالَ في سُورَةِ الحَدِيدِ (﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]) .
ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ هُنا بِقَوْلِهِ (﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾)، أيْ يَهْدِ قَلْبَهُ عِنْدَما تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَحَذَفَ هَذا المُتَعَلِّقَ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ قالَ ( ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] .
صفحة ٢٨٠
والمَعْنى: أنَّ المُؤْمِنَ مُرْتاضٌ بِالأخْلاقِ الإسْلامِيَّةِ مُتَّبِعٌ لِوَصايا اللَّهِ تَعالى فَهو مُجافٍ لِفَسادِ الأخْلاقِ مِنَ الجَزَعِ والهَلَعِ يَتَلَقّى ما يُصِيبُهُ مِن مُصِيبَةٍ بِالصَّبْرِ والتَّفَكُّرِ في أنَّ الحَياةَ لا تَخْلُو مِن عَوارِضَ مُؤْلِمَةٍ أوْ مُكَدِّرَةٍ. قالَ تَعالى ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، أيْ أصْحابَ الهُدى الكامِلِ لِأنَّهُ هُدًى مُتَلَقًّى مِنَ التَّعالِيمِ الإلَهِيَّةِ الحَقِّ المَعْصُومَةِ مِنَ الخَطَلِ كَقَوْلِهِ هُنا ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .
وهَذا الخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إيماءٌ إلى الأمْرِ بِالثَّباتِ والصَّبْرِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن هَدْيِ اللَّهِ قَلْبَ المُؤْمِنِ عِنْدَ المُصِيبَةِ تَرْغِيبُ المُؤْمِنِينَ في الثَّباتِ والتَّصَبُّرِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ فَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَهو تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وارِدٌ عَلى مُراعاةِ جَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن أنَّ المَصائِبَ بِإذْنِ اللَّهِ، ومِن أنَّ اللَّهَ يَهْدِي قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ لِلثَّباتِ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ ومِنَ الأمْرِ بِالثَّباتِ والصَّبْرِ عِنْدَ المَصائِبِ، أيْ يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ.
وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ مُجازاةِ الصّابِرِينَ بِالثَّوابِ لِأنَّ فائِدَةَ عِلْمِ اللَّهِ الَّتِي تُهِمُّ النّاسَ هو التَّخَلُّقُ ورَجاءُ الثَّوابِ ورَفْعُ الدَّرَجاتِ.
التغابن 64:12
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] لِأنَّها تَضَمَّنَتْ أنَّ المُؤْمِنِينَ مُتَهَيِّئُونَ لِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ فِيما يَدْعُوانِهِمْ إلَيْهِ مِن صالِحِ الأعْمالِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَذْيِيلُ الكَلامِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]، ولِأنَّ طَلَبَ الطّاعَةِ فَرْعٌ عَنْ تَحَقُّقِ الإيمانِ كَما في حَدِيثِ مُعاذٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ قالَ لَهُ: «إنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أهْلَ كِتابٍ فَأوَّلُ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ فادْعُهم إلى أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإنْ هم أطاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأخْبِرْهم أنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً» الحَدِيثَ.
صفحة ٢٨١
وتَفْرِيعُ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ تَحْذِيرٌ مِن عِصْيانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .
والتَّوَلِّي مُسْتَعارٌ لِلْعِصْيانِ وعَدَمِ قَبُولِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ.
وحَقِيقَةُ التَّوَلِّي الِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ المُسْتَقِرِّ فِيهِ واسْتُعِيرَ التَّوَلِّي لِلْعِصْيانِ تَشْنِيعًا لَهُ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِنهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في خِطابِ المُؤْمِنِينَ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] .
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿رَسُولِنا﴾ بِالإضافَةِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِ بِأنَّهُ ﷺ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. وهَذا الضَّمِيرُ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ يُفِيدُ تَشْرِيفَ الرَّسُولِ بِعِزِّ الإضافَةِ إلى المُتَكَلِّمِ.
ومَعْنى الحَصْرِ في قَوْلِهِ (﴿فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾) قَصْرُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى كَوْنِ واجِبِهِ البَلاغَ، قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ فالرَّسُولُ ﷺ مَقْصُورٌ عَلى لُزُومِ البَلاغِ لَهُ لا يَعْدُو ذَلِكَ إلى لُزُومِ شَيْءٍ آخَرَ. وهو قَصْرُ قَلْبٍ تَنْزِيلًا لَهم في حالَةِ العِصْيانِ المَفْرُوضِ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَألْجَأهم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ إلْهابًا لِنُفُوسِهِمْ بِالحَثِّ عَلى الطّاعَةِ.
ووَصْفُ (﴿البَلاغُ﴾) بِ (﴿المُبِينُ﴾)، أيِ الواضِحُ عُذْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ ادَّعى ما أُمِرَ بِهِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ قَطْعًا لِلْمُعَذَّرِ عَنْ عَدَمِ امْتِثالِ ما أُمِرَ بِهِ.
وبِاعْتِبارِ مَفْهُومِ القَصْرِ جُمْلَةُ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ كانَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ دُونَ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ دَلِيلًا عَلَيْهِ أوْ عِلَّةً لَهُ.
التغابن 64:13
﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] وجُمْلَةِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .
واسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ خَبَرٌ. وهَذا تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَعْلَمُونَهُ. أيْ مَن آمَنَ بِأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا هو كانَ حَقًّا عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَهُ وأنْ لا يَعْبَأ
صفحة ٢٨٢
بِما يُصِيبُهُ في جانِبِ طاعَةِ اللَّهِ مِن مَصائِبَ وأذًى كَما قالَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ:
لَسْتُ أُبالِي حَيْنَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ (﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ [التغابن: ١٢])، وتُفِيدُ أيْضًا تَعْلِيلَ جُمْلَةِ (﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢]) لِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ تَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ قالَ تَعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الجَلالَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ إذْ لَمْ يَقُلْ هو لا إلَهَ إلّا هو لِاسْتِحْضارِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى بِما يَحْوِيهِ اسْمُ الجَلالَةِ مِن مَعانِي الكَمالِ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها فَتَكُونُ جارِيَةً مَجْرى الأمْثالِ والكَلِمِ الجَوامِعِ.
* * *
﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى (﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ [التغابن: ١٢]) فَهو في مَعْنى: وتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ لا عَلى غَيْرِهِ وأنْتُمْ مُؤْمِنُونَ فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ أنَّ المُؤْمِنِينَ لِا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى اللَّهِ.
وجِيءَ في ذَلِكَ بِصِيغَةِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ رَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ وتَثْبِيتًا لِنُفُوسِهِمْ كَيْلا يَأْسَفُوا مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ وما يُصِيبُهم مِنهم وأنَّ ذَلِكَ لَنْ يَضُرَّهم.
فَإنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَعْتَزُّونَ بِهِمْ ولا يَتَقَوَّوْنَ بِأمْثالِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهم أنْ لا يَتَوَكَّلُوا إلّا عَلَيْهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم لا يُخالِفُونَ أمْرَ اللَّهِ وذَلِكَ يَغِيظُ الكافِرِينَ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَسِيرَ مَسْرى المَثَلِ، ولِذَلِكَ كانَ إظْهارُ لَفْظِ (﴿المُؤْمِنُونَ﴾) ولَمْ يَقُلْ: وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلُوا، ولِما في (﴿المُؤْمِنُونَ﴾) مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِلْمُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ لِيَكُونَ مَعْنى التَّمْثِيلِ.
التغابن 64:14
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
صفحة ٢٨٣
إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِما يُفِيدُهم كَمالًا ويُجَنِّبُهم ما يَفْتِنُهم.
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَؤُلاءِ رِجالٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وأرادُوا أنْ يَأْتُوا النَّبِيءَ ﷺ فَأبى أزْواجُهم وأوْلادُهم أنْ يَدْعُوَهم، فَلَمّا أتَوُا النَّبِيءَ ﷺ أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ وجاءَ مَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم ورَأوُا النّاسَ قَدْ فَقِهُوا في الدِّينِ أيْ سَبَقُوهم بِالفِقْهِ في الدِّينِ لِتَأخُّرِ هَؤُلاءِ عَنِ الهِجْرَةِ فَهَمُّوا أنْ يُعاقِبُوهم عَلى ما تَسَبَّبُوا لَهم حَتّى سَبَقَهُمُ النّاسُ إلى الفِقْهِ في الدِّينِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ أيْ حَتّى قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وهو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ ومُقْتَضاهُ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.
وعَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِ كانَ ذا أهْلٍ ووَلَدٍ فَكانَ إذا أرادَ الغَزْوَ بَكَوْا إلَيْهِ ورَقَّقُوهُ وقالُوا: إلى مَن تَدَعُنا، فَيَرِقُّ لَهم فَيَقْعُدُ عَنِ الغَزْوِ. وشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا ويَكُونُ مَوْقِعُها هَذا سَبَبَ نُزُولِها صادَفَ أنْ كانَ عَقِبَ ما نَزَلَ قَبْلَها مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّ كِلْتَيْهِما تَسْلِيَةٌ عَلى ما أصابَ المُؤْمِنِينَ مِن غَمٍّ مِن مُعامَلَةِ أعْدائِهِمْ إيّاهم ومِنِ انْحِرافِ بَعْضِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ عَلَيْهِمْ.
وإذا كانَتِ السُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةً كَما هو قَوْلُ الضَّحّاكِ كانَتِ الآيَةُ ابْتِداءَ إقْبالٍ عَلى تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِالخِطابِ بَعْدَ قَضاءِ حَقِّ الغَرَضِ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الأغْراضِ بِأضْدادِها مِن تَرْغِيبٍ أوْ تَرْهِيبٍ، وثَناءٍ أوْ مَلامٍ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِيُوفّى الطَّرَفانِ حَقَّيْهِما، وكانَتْ تَنْبِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأحْوالٍ في عائِلاتِهِمْ قَدْ تَخْفى عَلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم، وهَذا هو المُناسِبُ لَما قَبْلَ الهِجْرَةِ كانَ المُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ مُمْتَزِجِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِوَشائِجِ النَّسَبِ والصِّهْرِ والوَلاءِ فَلَمّا ناصَبَهُمُ المُشْرِكُونَ العَداءَ لِمُفارَقَتِهِمْ دِينِهِمْ وأضْمَرُوا لَهُمُ الحِقْدَ وأصْبَحُوا فَرِيقَيْنِ كانَ كُلُّ فَرِيقٍ غَيْرَ خالٍ مِن أفْرادٍ مُتَفاوِتِينَ في المُضادَّةِ تَبَعًا لِلتَّفاوُتِ في صَلابَةِ الدِّينِ، وفي أواصِرِ القَرابَةِ والصِّهْرِ، وقَدْ يَبْلُغُ العَداءُ إلى نِهايَةِ طَرَفِهِ فَتَنْدَحِضُ أمامَهُ جَمِيعُ الأواصِرِ فَيُصْبِحُ الأشَدُّ قُرْبًا أشَدَّ مَضَرَّةً عَلى قَرِيبِهِ مِن مَضَرَّةِ البَعِيدِ.
صفحة ٢٨٤
فَأيْقَظَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَغُرَّهم أهْلُ قَرابَتِهِمْ فِيما تُوُهِّمَ مِن جانِبِ غُرُورِهِمْ فَيَكُونُ ضُرُّهم أشُدَّ عَلَيْهِمْ وفي هَذا الإيقاظِ مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ ولِلْمُسْلِمِينَ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ ولَمْ يَأْمُرْ بِأنْ يَضُرُّوهم، وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، جَمْعًا بَيْنَ الحَذَرِ وبَيْنَ المُسالَمَةِ وذَلِكَ مِنَ الحَزْمِ.
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ. وتَقْدِيمُ خَبَرِ (إنَّ) عَلى اسْمِها لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ ولِما فِيهِ مِن تَشْوِيقٍ إلى الِاسْمِ لِيَتَمَكَّنَ مَضْمُونُ هَذا الخَبَرِ في الذِّهْنِ أتَمَّ تَمَكُّنٍ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ والأهَمِّيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(عَدُوٌّ) وصْفٌ مِنَ العَداوَةِ بِوَزْنِ فَعُولٍ بِمَعْنى فاعِلٍ فَلِذَلِكَ لَزَمَ حالَةَ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ إذا كانَ وصْفًا، وقَدْ مَضى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ. فَأمّا إذا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ فَيُطابِقُ ما أُجْرِي عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ [الممتحنة: ٢] .
والإخْبارُ عَنْ بَعْضِ الأزْواجِ والأوْلادِ بِأنَّهم عَدُوٌّ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّ بَعْضَهم قَدْ يُضْمِرُ عَداوَةً لِزَوْجِهِ وبَعْضَهم لِأبَوَيْهِ مِن جَرّاءِ المُعامَلَةِ بِما لا يَرُوقُ عِنْدَهُ مَعَ خَباثَةٍ في النَّفْسِ وسُوءِ تَفْكِيرٍ فَيَصِيرُ عَدُوًّا لِمَن حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لَهُ صَدِيقًا، ويَكْثُرُ أنْ تَأْتِيَ هَذِهِ العَداوَةُ مِنِ اخْتِلافِ الدِّينِ ومِنَ الِانْتِماءِ إلى الأعْداءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ كالعَدُوِّ في المُعامَلَةِ بِما هو مِن شَأْنِ مُعامَلَةِ الأعْداءِ كَما قِيلَ في المَثَلِ يَفْعَلُ الجاهِلُ بِنَفْسِهِ ما يَفْعَلُ العَدُوُّ لِعَدُوِّهِ. وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾) جُمْلَةُ (﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا﴾) إلى آخِرِها عَطْفَ الِاحْتِراسِ لِأنَّهُ إذا كانَ العَفْوُ مَطْلُوبًا مَحْبُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى وهو لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الذَّنْبِ فَإنَّ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ عَلى مُجَرَّدِ ظَنِّ العَداوَةِ أجْدَرُ بِالطَّلَبِ فَفُهِمَ النَّهْيُ عَنْ مُعامَلَةِ الأزْواجِ والأبْناءِ مُعامَلَةَ الأعْداءِ لِأجْلِ إيجاسِ العَداوَةِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنَ التَّحْذِيرِ التَّوَقِّي وأخَذُ الحِيطَةِ لِابْتِداءِ المُؤاخَذَةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ الحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ بِالنّاسِ، أيْ لَكِنْ دُونَ أنْ يُبْنى عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ مُعامَلَةُ مَن صَدَرَ مِنهُ ما ظَنَنْتَ
صفحة ٢٨٥
بِهِ قالَ تَعالى (﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]) وقالَ (﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]) .
والعَفْوُ: تَرْكُ المُعاقَبَةِ عَلى الذَّنْبِ بَعْدَ الِاسْتِعْدادِ لَها. ولَوْ مَعَ تَوْبِيخٍ.
والصَّفْحُ: الإعْراضُ عَنِ المُذْنِبِ، أيْ تَرْكُ عِقابِهِ عَلى ذَنْبِهِ دُونَ التَّوْبِيخِ.
والغَفْرُ: سَتْرُ الذَّنْبِ وعَدَمُ إشاعَتِهِ.
والجَمْعُ بَيْنَها هُنا إيماءٌ إلى تَراتُبِ آثارِ هَذِهِ العَداوَةِ وما تَقْتَضِيهِ آثارُها مِن هَذِهِ المُعامَلاتِ الثَّلاثِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ مِن أوْلادِكم وأزْواجِكم فِيما يَصْدُرُ مِنهم مِمّا يُؤْذِيكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ لِإرادَةِ عُمُومِ التَّرْغِيبِ في العَفْوِ.
وإنَّما يَعْفُو المَرْءُ ويَصْفَحُ ويَغْفِرُ عَنِ المُذْنِبِ إذا كانَ ذَنْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقِّ ذَلِكَ المَرْءِ وبِهَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ هُنا مُطْلَقَةً وفي أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ تَقْيِيداتٌ لَها.
وجُمْلَةُ (﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ المُؤْذِنِ بِالتَّرْغِيبِ في العَفْوِ والصَّفْحِ والغَفْرِ فالتَّقْدِيرُ وأنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا يُحِبُّ اللَّهُ ذَلِكَ مِنكم لِأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أيْ لِلَّذِينَ يَغْفِرُونَ ويَرْحَمُونَ، وجَمَعَ وصْفُ (رَحِيمٌ) الخِصالَ الثَّلاثَ.
التغابن 64:15
﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
تَذْيِيلٌ لِأنَّ فِيهِ تَعْمِيمَ أحْوالِ الأوْلادِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ حالٌ خاصٌّ بِبَعْضِهِمْ.
وأُدْمِجَ فِيهِ الأمْوالُ لِأنَّها لَمْ يَشْمَلْها طَلَبُ الحَذَرِ ولا وصْفُ العَداوَةِ. وقُدِّمَ ذِكْرُ الأمْوالِ عَلى الأوْلادِ لِأنَّ الأمْوالَ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها بِخِلافِ الأوْلادِ.
ووَجْهُ إدْماجِ الأمْوالِ هُنا أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ أُصِيبُوا في أمْوالِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَغَلَبُوهم عَلى أمْوالِهِمْ ولَمْ تُذْكَرِ الأمْوالُ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِأنَّ الغَرَضَ هو التَّحْذِيرُ مِن أشَدِّ الأشْياءِ اتِّصالًا بِهِمْ وهي أزْواجُهم وأوْلادُهم. ولِأنَّ فِتْنَةَ هَؤُلاءِ مُضاعَفَةٌ لِأنَّ الدّاعِي إلَيْها يَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ ومِن مَساعِيَ الآخَرِينَ وتَسْوِيلِهِمْ. وجُرِّدَ عَنْ ذِكْرِ
صفحة ٢٨٦
الأزْواجِ هُنا اكْتِفاءً لِدَلالَةِ فِتْنَةِ الأوْلادِ عَلَيْهِنَّ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، فَإنَّ فِتْنَتَهُنَّ أشَدُّ مِن فِتْنَةِ الأوْلادِ لِأنَّ جُرْأتَهُنَّ عَلى التَّسْوِيلِ لِأزْواجِهِنَّ ما يُحاوِلْنَهُ مِنهم أشَدُّ مِن جُرْأةِ الأوْلادِ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، أيْ لَيْسَتْ أمْوالُكم وأوْلادُكم إلّا فِتْنَةً. وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ مُلازَمَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ إذْ يَنْدُرُ أنْ تَخْلُوَ أفْرادُ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، وهُما أمْوالُ المُسْلِمِينَ وأوْلادُهم عَنِ الِاتِّصافِ بِالفِتْنَةِ لِمَن يَتَلَبَّسُ بِهِما.
والإخْبارُ بِ (﴿فِتْنَةٌ﴾) لِلْمُبالَغَةِ. والمُرادُ: أنَّهم سَبَبُ فِتْنَةٍ سَواءً سَعَوْا في فِعْلِ الفَتْنِ أمْ لَمْ يَسْعَوْا. فَإنَّ الشُّغْلَ بِالمالِ والعِنايَةَ بِالأوْلادِ فِيهِ فِتْنَةٌ.
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن خُصُوصِيّاتِ عِلْمِ المَعانِي التَّذْيِيلُ والإدْماجُ، وكِلاهُما مِنَ الإطْنابِ، والِاكْتِفاءُ وهو مِنَ الإيجازِ، وفِيها الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ وهو (﴿فِتْنَةٌ﴾)، والإخْبارُ بِهِ مِنَ المُبالَغَةِ فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ، وفِيها القَصْرُ، وفِيها التَّعْلِيلُ، وهو مِن خُصُوصِيّاتِ الفَصْلِ، وقَدْ يُعَدُّ مِن مُحَسِّناتِ البَدِيعِ أيْضًا فَتِلْكَ سِتُّ خُصُوصِيّاتٍ.
وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى التَّذْيِيلِ والتَّعْلِيلِ وكِلاهُما مِن مُقْتَضَياتِ الفَصْلِ.
والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ النَّفْسِ وحِيرَتُها مِن جَرّاءِ أحْوالٍ لا تُلائِمُ مَن عَرَضَتْ لَهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ يَعْثُرانِ ويَقُومانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المِنبَرِ فَأخَذَهُما وجَذَبَهُما ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ . وقالَ رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ» .
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ عُمَرَ قالَ لِحُذَيْفَةَ: كَيْفَ أصْبَحْتَ فَقالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ. فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا ؟ فَقالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ.
صفحة ٢٨٧
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَنْ تِلْكَ الفِتْنَةِ لِمَن يُصابِرُ نَفْسَهُ عَلى مُراجَعَةِ ما تُسَوِّلُهُ مِنَ الِانْحِرافِ عَنْ مَرْضاةِ اللَّهِ إنْ كانَ في ذَلِكَ تَسْوِيلٌ. والأجْرُ العَظِيمُ عَلى إعْطاءِ حَقِّ المالِ والرَّأْفَةِ بِالأوْلادِ، أيْ واللَّهُ يَؤْجُرُكم عَلَيْها. لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَنِ ابْتُلِيَ مِن هَذِهِ البَناتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ الصَّبْرَ عَلى سُوءِ خُلُقِ الزَّوْجَةِ عِبادَةٌ» .
والأحادِيثُ كَثِيرَةٌ في هَذا المَعْنى مِنها ما رَواهُ حُذَيْفَةُ «فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ ومالِهِ تُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصَّدَقَةُ» .
التغابن 64:16
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
فاءٌ فَصِيحَةٌ وتَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ إذا عَلِمْتُمْ هَذا فاتَّقُوا اللَّهَ فِيما يَجِبُ مِنَ التَّقْوى في مُعامَلَةِ الأوْلادِ والأزْواجِ ومَصارِفَ في الأمْوالِ فَلا يَصُدُّكم حُبُّ ذَلِكَ والشُّغْلُ بِهِ عَنِ الواجِباتِ، ولا يُخْرِجُكُمُ الغَضَبُ ونَحْوُهُ عَنْ حَدِّ العَدْلِ المَأْمُورِ بِهِ، ولا حُبُّ المالِ عَنْ أداءِ حُقُوقِ الأمْوالِ وعَنْ طَلَبِها مِن وُجُوهِ الحَلالِ. فالأمْرُ بِالتَّقْوى شامِلٌ لِلتَّحْذِيرِ المُتَقَدِّمِ ولِلتَّرْغِيبِ في العَفْوِ كَما تَقَدَّمَ ولِما عَدا ذَلِكَ.
والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ (اتَّقُوا) لِقَصْدِ تَعْمِيمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّقْوى مِن جَمِيعِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها وبِذَلِكَ يَكُونُ هَذا الكَلامُ كالتَّذْيِيلِ لِأنَّ مَضْمُونَهُ أعَمُّ مِن مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
ولَمّا كانَتِ التَّقْوى في شَأْنِ المَذْكُوراتِ وغَيْرِها قَدْ يَعْرِضُ لِصاحِبِها التَّقْصِيرُ في إقامَتِها حِرْصًا عَلى إرْضاءِ شَهْوَةِ النَّفْسِ في كَثِيرٍ مِن أحْوالِ تِلْكَ الأشْياءِ زِيدَ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِالتَّقْوى بِقَوْلِهِ (﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾) .
وما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِكم لِيَعُمَّ الأزْمانَ كُلَّها ويَعُمَّ الأحْوالَ
صفحة ٢٨٨
تَبَعًا لِعُمُومِ الأزْمانِ ويَعُمَّ الِاسْتِطاعاتِ، فَلا يَتَخَلَّوْا عَنِ التَّقْوى في شَيْءٍ مِنَ الأزْمانِ. وجُعِلَتِ الأزْمانُ ظَرْفًا لِلِاسْتِطاعَةِ لِئَلّا يُقَصِّرُوا بالتَّفْرِيطِ في شَيْءٍ يَسْتَطِيعُونَهُ فِيما أُمِرُوا بِالتَّقْوى في شَأْنِهِ ما لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ إلى حَدِّ المَشَقَّةِ قالَ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
فَلَيْسَ في قَوْلِهِ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ تَخْفِيفٌ ولا تَشْدِيدٌ ولَكِنَّهُ عَدْلٌ. وإنْصافٌ. فَفِيهِ ما عَلَيْهِمْ وفِيهِ ما لَهم.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «بايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ فَلَقَّنَنِي: فِيما اسْتَطَعْتُ»، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ «كُنّا إذا بايَعْنا النَّبِيءَ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ يَقُولُ لَنا فِيما اسْتَطَعْتُ» .
وعَطْفُ (﴿واسْمَعُوا وأطِيعُوا﴾) عَلى اتَّقُوا اللَّهَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِأنَّ التَّقْوى تَتَبادَرُ في تَرْكِ المَنهِيّاتِ فَإنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن وقى. فَتَقْوى اللَّهِ أنْ يَقِيَ المَرْءُ نَفْسَهُ مِمّا نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولَمّا كانَ تَرْكُ المَأْمُوراتِ فَيُئَوَّلُ إلى إتْيانِ المَنهِيّاتِ، لِأنَّ تَرْكَ الأمْرِ مَنهِيٌّ عَنْهُ إذِ الأمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. كانَ التَّصْرِيحُ بِهِ بِخُصُوصِهِ اهْتِمامًا بِكِلا الأمْرَيْنِ لِتَحْصُلَ حَقِيقَةُ التَّقْوى الشَّرْعِيَّةِ وهي اجْتِنابُ المَنهِيّاتِ وامْتِثالُ المَأْمُوراتِ.
والمُرادُ: اسْمَعُوا اللَّهَ، أيْ أطِيعُوا بِالسَّمْعِ لِلرَّسُولِ ﷺ وطاعَتِهِ.
والأمْرُ بِالسَّمْعِ أمْرٌ يَتَلَقّى الشَّرِيعَةَ والإقْبالَ عَلى سَماعِ مَواعِظِ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ وسِيلَةُ التَّقْوى قالَ تَعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] .
وعُطِفَ عَلَيْهِ (﴿وأطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٢]): أيْ أطِيعُوا ما سَمِعْتُمْ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.
وعَطْفُ (﴿وأنْفِقُوا﴾) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَإنَّ الإنْفاقَ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهو مِنَ المَأْمُوراتِ.
وصِيغَةُ الأمْرِ تَشْتَمِلُ واجِبَ الإنْفاقِ والمَندُوبَ فَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلى الإنْفاقِ بِمَرْتَبَتِيهِ وهَذا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالنَّزاهَةِ مِن فِتْنَةِ المالِ الَّتِي ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] .
صفحة ٢٨٩
وانْتَصَبَ (﴿خَيْرًا﴾) عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (أنْفِقُوا) . والتَّقْدِيرُ: إنْفاقًا خَيْرًا لِأنْفُسِكم. هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ فَيَكُونُ خَيْرٌ اسْمَ تَفْضِيلٍ. وأصْلُهُ: أخْيَرُ، وهو مَحْذُوفُ الهَمْزَةِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، أيِ الإنْفاقُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الإمْساكِ. وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ (أنْفِقُوا) . والتَّقْدِيرُ: ائْتُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم.
وجُمْلَةُ (﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾) تَذْيِيلٌ.
و(مَن) اسْمُ شَرْطٍ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ: أيْ كُلُّ مَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، والعُمُومُ يَدُلُّ عَلى أنَّ (مَن) مُرادٌ بِها جِنْسٌ لا شَخْصٌ مُعِيَّنٌ ولا طائِفَةٌ، وهَذا حُبٌّ اقْتَضاهُ حِرْصُ أكْثَرِ النّاسِ عَلى حِفْظِ المالِ وادِّخارِهِ والإقْلالِ مِن نَفْعِ الغَيْرِ بِهِ وذَلِكَ الحِرْصُ يُسَمّى الشُّحُّ.
والمَعْنى: أنَّ الإنْفاقَ يَقِي صاحِبَهُ مِنَ الشُّحِّ المَنهِيِّ عَنْهُ فَإذا يُسِّرَ عَلى المَرْءِ الإنْفاقُ فِيما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ وذَلِكَ مِنَ الفَلاحِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ فَلاحًا عَظِيمًا جِيءَ في جانِبِهِ بِصِيغَةِ الحَصْرِ بِطَرِيقَةِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ، وهو قَصْرُ جِنْسِ المُفْلِحِينَ عَلى جِنْسِ الَّذِينَ وُقُوا شُحَّ أنْفُسِهِمْ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِ وصْفِ المُفْلِحِينَ الَّذِينَ وُقُوا شُحَّ أنْفُسِهِمْ نَزَلَ الآنَ فَلاحُ غَيْرِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ.
وإضافَةُ (﴿شُحَّ﴾) إلى النَّفْسِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الشُّحَّ مِن طِباعِ النَّفْسِ فَإنَّ النُّفُوسَ شَحِيحَةٌ بِالأشْياءِ المُحَبَّبَةِ إلَيْها قالَ تَعالى ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] .
وفِي الحَدِيثِ لَمّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أفْضَلِ الصَّدَقَةِ قالَ: «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى. وأنْ لا تَدَعَ حَتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كَذا ولِفُلانٍ كَذا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ» وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] في سُورَةِ الحَشْرِ.
التغابن 64:17
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
صفحة ٢٩٠
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فَإنَّ مُضاعَفَةَ الجَزاءِ عَلى الإنْفاقِ مَعَ المَغْفِرَةِ خَيْرٌ عَظِيمٌ، وبِهَذا المَوْقِعِ يَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ القَرْضَ أُطْلِقَ عَلى الإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ إطْلاقًا بِالِاسْتِعارَةِ، والمَقْصُودُ الِاعْتِناءُ بِفَضْلِ الإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ.
اهْتِمامًا مُكَرَّرًا فَبَعْدَ أنْ جُعَلَ خَيْرًا جُعِلَ سَبَبَ الفَلاحِ وعُرِّفَ بِأنَّهُ قَرْضٌ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ وكَفى بِهَذا تَرْغِيبًا وتَلَطُّفًا في الطَّلَبِ إذْ جُعِلَ المُنْفِقُ كَأنَّهُ يُعْطِي اللَّهَ تَعالى مالًا وذَلِكَ مِن مَعْنى الإحْسانِ في مُعامَلَةِ العَبْدِ رَبَّهُ وقَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ إذْ «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: أخْبِرْنِي عَنِ الإحْسانِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنَّ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» فَمِمّا يَنْضَوِي تَحْتَ مَعْنى عِبادَةِ اللَّهِ عِبادَةُ مَن يَراهُ أنْ يَسْتَشْعِرَ العَبْدُ أنَّ امْتِثالَ أمْرِ رَبِّهِ بِالإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ مِنهُ كَأنَّهُ مُعامَلَةٌ بَيْنَ مُقْرِضٍ ومُسْتَقْرِضٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُضاعِفْهُ﴾ بِألِفٍ بَعْدَ الضّادِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (يُضَعِّفَهُ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ مُضارِعُ ضَعَّفَ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ وهو لَفْظِيُّ الضِّعْفِ.
والمُضاعَفَةُ: إعْطاءُ الضِّعْفِ بِكَسْرِ الضّادِ وهو مِثْلُ الشَّيْءِ في الذّاتِ أوِ الصِّفَةِ. وتَصَدُقُ بِمِثْلٍ وبَعْدَهُ أمْثالٌ كَما قالَ تَعالى ﴿أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
وجُعِلَ الإنْفاقُ سَبَبًا لِلْغُفْرانَ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ» .
والشَّكُورُ: فَعُولُ بِمَعْنى فاعِلٍ مُبالَغَةً، أيْ كَثِيرِ الشُّكْرِ وأُطْلِقَ الشُّكْرُ فِيهِ عَلى الجَزاءِ بِالخَيْرِ عَلى فِعْلِ الصّالِحاتِ تَشْبِيهًا لِفِعْلِ المُتَفَضِّلِ بِالجَزاءِ بِشُكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى نِعْمَةٍ ولا نِعْمَةَ عَلى اللَّهِ فِيما يَفْعَلُهُ عِبادُهُ مِنَ الصّالِحاتِ. فَإنَّما نَفْعُها لِأنْفُسِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِذَلِكَ حَثًّا عَلى صَلاحِهِمْ فَرَتَّبَ لَهُمُ الثَّوابَ بِالنَّعِيمِ عَلى تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، وتَلَطَّفَ لَهم فَسُمِّيَ ذَلِكَ الثَّوابُ شُكْرًا وجَعَلَ نَفْسَهُ شاكِرًا.
صفحة ٢٩١
وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا المَقْصِدِ إتْباعُ صِفَةِ (﴿شَكُورٌ﴾) بِصِفَةِ (﴿حَلِيمٌ﴾) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن حِلْمِهِ بِعِبادِهِ دُونَ حَقٍّ لَهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.
وأمّا وصْفُ بِ (﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾) فَتَتْمِيمٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُناسَبَتِها لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ الَّذِينَ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِما الآياتُ السّابِقَةُ كُلُّها لِأنَّ العالِمَ بِالأفْعالِ ظاهِرِها وخَفِيِّها لا يُفِيتُ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها بِما رَتَّبَ لَها، ولِأنَّ العَزِيزَ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
و﴿الحَكِيمُ﴾: المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ لا يَدَعُ مُعامَلَةَ النّاسِ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن وضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها ونَوْطِ الأُمُورِ بِما يُناسِبُ حَقائِقَها.
والحَكِيمُ فَعِيلُ بِمَعْنى: المُحْكِمُ، أيِ المُتْقِنُ في صُنْعِهِ ومُعامَلَتِهِ وهُما مَعًا مِن صِفاتِهِ تَعالى فَهو وصْفٌ جامِعٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ.
* * *
صفحة ٢٩٢
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطَّلاقِ
سُورَةُ (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]) إلَخْ شاعَتْ تَسْمِيَتُها في المَصاحِفِ وفي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ: سُورَةَ الطَّلاقِ ولَمْ تَرِدْ تَسْمِيَتُها بِهَذا في حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْسُومٍ بِالقَبُولِ.
وذُكِرَ في الإتْقانِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَمّاها سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى أخْذًا مِمّا أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ مالِكِ بْنِ عامِرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذُكِرَ عِنْدَهُ أنَّ الحامِلَ المُتَوَفّى عَنْها تَعْتَدُّ أقْصى الأجَلَيْنِ أيْ أجَلِ وضْعِ الحَمْلِ إنْ كانَ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، وأجَلِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وعَشْرٍ فَقالَ: أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ ولا تَجْعَلُونَ عَلَيْها الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى بَعْدَ الطُّولى ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] اهـ. وفي الإتْقانِ عَنِ الدّاوُدِيِّ إنْكارُ أنْ تُدْعى هَذِهِ السُّورَةُ بِالقُصْرى لِلتَّنَزُّهِ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِصِفَةِ نَقْصٍ ورَدَّهُ ابْنُ حُجْرٍ بِأنَّ القَصْرَ أمْرٌ نِسْبِيٌّ أيْ لَيْسَ مُشْعِرًا بِنَقْصٍ عَلى الإطْلاقِ. وابْنُ مَسْعُودٍ وصْفَها بِالقُصْرى احْتِرازًا عَنِ السُّورَةِ المَشْهُورَةِ بِاسْمِ سُورَةِ النِّساءِ الَّتِي هي السُّورَةُ الرّابِعَةُ في المُصْحَفِ الَّتِي أوَّلَها ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] . وأمّا قَوْلُهُ الطُّولى فَهو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَعْدَ السُّورَةِ الطُّولى يَعْنِي سُورَةَ البَقَرَةِ لِأنَّها أطْوَلُ سُوَرِ القُرْآنِ ويَتَعَيَّنُ أنَّ ذَلِكَ مُرادُهُ لِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ هي الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها. وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ تُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ الطُّولى مِن مُقابَلَتِها بِسُورَةِ النِّساءِ القُصْرى في كَلامِ ابْنِ مَسْعُودٍ. ولَيْسَ كَذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
صفحة ٢٩٣
وعَدَدُ آيِها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً في عَدَدِ الأكْثَرِ. وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّادِسَةَ والتِّسْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الإنْسانِ وقَبْلَ سُورَةِ البَيِّنَةِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أيْمَنَ يَسْألُ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ تَرى في الرَّجُلِ طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا فَقالَ «طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأتَهُ حائِضًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: لِيُراجِعْها، فَرَدَّها وقالَ: إذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أوْ لِيُمْسِكْ. قالَ ابْنُ عُمَرَ وقَرَأ النَّبِيءُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق»: ١] .
وظاهِرُ قَوْلِهِ وقَرَأ النَّبِيءُ ﷺ إلَخْ. إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ الحادِثَةِ. وقالَ الواحِدِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ طَلاقِ ابْنِ عُمَرَ وعَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ولَمْ يَصِحَّ. وجَزَمَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ بِأنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ وأنَّ الأصَحَّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَيانًا لِشَرْعِ مُبْتَدَإٍ.
* * *
الغَرَضُ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ تَحْدِيدُ أحْكامِ الطَّلاقِ وما يَعْقُبُهُ مِنَ العِدَّةِ والإرْضاعِ والإنْفاقِ والإسْكانِ. تَتْمِيمًا لِلْأحْكامِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والإيماءُ إلى حِكْمَةِ شَرْعِ العِدَّةِ والنَّهْيُ عَنِ الإضْرارِ بِالمُطَلَّقاتِ والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ.
والإشْهادُ عَلى التَّطْلِيقِ وعَلى المُراجَعَةِ وإرْضاعُ المُطَلَّقَةِ ابْنَها بِأجْرٍ عَلى اللَّهِ.
والأمْرُ بِالِائْتِمارِ والتَّشاوُرِ بَيْنَ الأبَوَيْنِ في شَأْنِ أوْلادِهِما.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ الوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ مَن يَتَّقِي اللَّهَ ويَتَّبِعُ حُدُودَهُ ويَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا ويُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ.
صفحة ٢٩٤
وأنَّ اللَّهَ وضَعَ لِكُلِّ شَيْءٍ حُكْمَهُ لا يُعْجِزُهُ تَنْفِيذُ أحْكامِهِ.
وأُعْقِبَ ذَلِكَ بِالمَوْعِظَةِ بِحالِ الأُمَمِ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أمْرِ اللَّهِ ورُسُلِهِ وهو حَثٌّ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ لِئَلّا يَحِقَّ عَلَيْهِمْ وصْفُ العُتُوِّ عَنِ الأمْرِ.
وتَشْرِيفُ وحْيِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماواتِ وصادِرٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ تَعالى.
التغابن 64:18
﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
صفحة ٢٩٠
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فَإنَّ مُضاعَفَةَ الجَزاءِ عَلى الإنْفاقِ مَعَ المَغْفِرَةِ خَيْرٌ عَظِيمٌ، وبِهَذا المَوْقِعِ يَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ القَرْضَ أُطْلِقَ عَلى الإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ إطْلاقًا بِالِاسْتِعارَةِ، والمَقْصُودُ الِاعْتِناءُ بِفَضْلِ الإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ.
اهْتِمامًا مُكَرَّرًا فَبَعْدَ أنْ جُعَلَ خَيْرًا جُعِلَ سَبَبَ الفَلاحِ وعُرِّفَ بِأنَّهُ قَرْضٌ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ وكَفى بِهَذا تَرْغِيبًا وتَلَطُّفًا في الطَّلَبِ إذْ جُعِلَ المُنْفِقُ كَأنَّهُ يُعْطِي اللَّهَ تَعالى مالًا وذَلِكَ مِن مَعْنى الإحْسانِ في مُعامَلَةِ العَبْدِ رَبَّهُ وقَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ إذْ «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: أخْبِرْنِي عَنِ الإحْسانِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنَّ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» فَمِمّا يَنْضَوِي تَحْتَ مَعْنى عِبادَةِ اللَّهِ عِبادَةُ مَن يَراهُ أنْ يَسْتَشْعِرَ العَبْدُ أنَّ امْتِثالَ أمْرِ رَبِّهِ بِالإنْفاقِ المَأْمُورِ بِهِ مِنهُ كَأنَّهُ مُعامَلَةٌ بَيْنَ مُقْرِضٍ ومُسْتَقْرِضٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُضاعِفْهُ﴾ بِألِفٍ بَعْدَ الضّادِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (يُضَعِّفَهُ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ مُضارِعُ ضَعَّفَ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ وهو لَفْظِيُّ الضِّعْفِ.
والمُضاعَفَةُ: إعْطاءُ الضِّعْفِ بِكَسْرِ الضّادِ وهو مِثْلُ الشَّيْءِ في الذّاتِ أوِ الصِّفَةِ. وتَصَدُقُ بِمِثْلٍ وبَعْدَهُ أمْثالٌ كَما قالَ تَعالى ﴿أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
وجُعِلَ الإنْفاقُ سَبَبًا لِلْغُفْرانَ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ» .
والشَّكُورُ: فَعُولُ بِمَعْنى فاعِلٍ مُبالَغَةً، أيْ كَثِيرِ الشُّكْرِ وأُطْلِقَ الشُّكْرُ فِيهِ عَلى الجَزاءِ بِالخَيْرِ عَلى فِعْلِ الصّالِحاتِ تَشْبِيهًا لِفِعْلِ المُتَفَضِّلِ بِالجَزاءِ بِشُكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى نِعْمَةٍ ولا نِعْمَةَ عَلى اللَّهِ فِيما يَفْعَلُهُ عِبادُهُ مِنَ الصّالِحاتِ. فَإنَّما نَفْعُها لِأنْفُسِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِذَلِكَ حَثًّا عَلى صَلاحِهِمْ فَرَتَّبَ لَهُمُ الثَّوابَ بِالنَّعِيمِ عَلى تَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ، وتَلَطَّفَ لَهم فَسُمِّيَ ذَلِكَ الثَّوابُ شُكْرًا وجَعَلَ نَفْسَهُ شاكِرًا.
صفحة ٢٩١
وقَدْ أوْمَأ إلى هَذا المَقْصِدِ إتْباعُ صِفَةِ (﴿شَكُورٌ﴾) بِصِفَةِ (﴿حَلِيمٌ﴾) تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن حِلْمِهِ بِعِبادِهِ دُونَ حَقٍّ لَهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.
وأمّا وصْفُ بِ (﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾) فَتَتْمِيمٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُناسَبَتِها لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ الَّذِينَ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِما الآياتُ السّابِقَةُ كُلُّها لِأنَّ العالِمَ بِالأفْعالِ ظاهِرِها وخَفِيِّها لا يُفِيتُ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ عَلَيْها بِما رَتَّبَ لَها، ولِأنَّ العَزِيزَ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
و﴿الحَكِيمُ﴾: المَوْصُوفُ بِالحِكْمَةِ لا يَدَعُ مُعامَلَةَ النّاسِ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن وضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها ونَوْطِ الأُمُورِ بِما يُناسِبُ حَقائِقَها.
والحَكِيمُ فَعِيلُ بِمَعْنى: المُحْكِمُ، أيِ المُتْقِنُ في صُنْعِهِ ومُعامَلَتِهِ وهُما مَعًا مِن صِفاتِهِ تَعالى فَهو وصْفٌ جامِعٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ.
* * *
صفحة ٢٩٢
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطَّلاقِ
سُورَةُ (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]) إلَخْ شاعَتْ تَسْمِيَتُها في المَصاحِفِ وفي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ: سُورَةَ الطَّلاقِ ولَمْ تَرِدْ تَسْمِيَتُها بِهَذا في حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْسُومٍ بِالقَبُولِ.
وذُكِرَ في الإتْقانِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَمّاها سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى أخْذًا مِمّا أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ مالِكِ بْنِ عامِرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذُكِرَ عِنْدَهُ أنَّ الحامِلَ المُتَوَفّى عَنْها تَعْتَدُّ أقْصى الأجَلَيْنِ أيْ أجَلِ وضْعِ الحَمْلِ إنْ كانَ أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ، وأجَلِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وعَشْرٍ فَقالَ: أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ ولا تَجْعَلُونَ عَلَيْها الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى بَعْدَ الطُّولى ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] اهـ. وفي الإتْقانِ عَنِ الدّاوُدِيِّ إنْكارُ أنْ تُدْعى هَذِهِ السُّورَةُ بِالقُصْرى لِلتَّنَزُّهِ عَنْ وصْفِ القُرْآنِ بِصِفَةِ نَقْصٍ ورَدَّهُ ابْنُ حُجْرٍ بِأنَّ القَصْرَ أمْرٌ نِسْبِيٌّ أيْ لَيْسَ مُشْعِرًا بِنَقْصٍ عَلى الإطْلاقِ. وابْنُ مَسْعُودٍ وصْفَها بِالقُصْرى احْتِرازًا عَنِ السُّورَةِ المَشْهُورَةِ بِاسْمِ سُورَةِ النِّساءِ الَّتِي هي السُّورَةُ الرّابِعَةُ في المُصْحَفِ الَّتِي أوَّلَها ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] . وأمّا قَوْلُهُ الطُّولى فَهو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَعْدَ السُّورَةِ الطُّولى يَعْنِي سُورَةَ البَقَرَةِ لِأنَّها أطْوَلُ سُوَرِ القُرْآنِ ويَتَعَيَّنُ أنَّ ذَلِكَ مُرادُهُ لِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ هي الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها. وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ تُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ الطُّولى مِن مُقابَلَتِها بِسُورَةِ النِّساءِ القُصْرى في كَلامِ ابْنِ مَسْعُودٍ. ولَيْسَ كَذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
صفحة ٢٩٣
وعَدَدُ آيِها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً في عَدَدِ الأكْثَرِ. وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّادِسَةَ والتِّسْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الإنْسانِ وقَبْلَ سُورَةِ البَيِّنَةِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أيْمَنَ يَسْألُ ابْنَ عُمَرَ كَيْفَ تَرى في الرَّجُلِ طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا فَقالَ «طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأتَهُ حائِضًا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: لِيُراجِعْها، فَرَدَّها وقالَ: إذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أوْ لِيُمْسِكْ. قالَ ابْنُ عُمَرَ وقَرَأ النَّبِيءُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق»: ١] .
وظاهِرُ قَوْلِهِ وقَرَأ النَّبِيءُ ﷺ إلَخْ. إنَّها نَزَلَتْ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ الحادِثَةِ. وقالَ الواحِدِيُّ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ طَلاقِ ابْنِ عُمَرَ وعَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ولَمْ يَصِحَّ. وجَزَمَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ بِأنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ وأنَّ الأصَحَّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَيانًا لِشَرْعِ مُبْتَدَإٍ.
* * *
الغَرَضُ مِن آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ تَحْدِيدُ أحْكامِ الطَّلاقِ وما يَعْقُبُهُ مِنَ العِدَّةِ والإرْضاعِ والإنْفاقِ والإسْكانِ. تَتْمِيمًا لِلْأحْكامِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والإيماءُ إلى حِكْمَةِ شَرْعِ العِدَّةِ والنَّهْيُ عَنِ الإضْرارِ بِالمُطَلَّقاتِ والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ.
والإشْهادُ عَلى التَّطْلِيقِ وعَلى المُراجَعَةِ وإرْضاعُ المُطَلَّقَةِ ابْنَها بِأجْرٍ عَلى اللَّهِ.
والأمْرُ بِالِائْتِمارِ والتَّشاوُرِ بَيْنَ الأبَوَيْنِ في شَأْنِ أوْلادِهِما.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ الوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ مَن يَتَّقِي اللَّهَ ويَتَّبِعُ حُدُودَهُ ويَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا ويُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ.
صفحة ٢٩٤
وأنَّ اللَّهَ وضَعَ لِكُلِّ شَيْءٍ حُكْمَهُ لا يُعْجِزُهُ تَنْفِيذُ أحْكامِهِ.
وأُعْقِبَ ذَلِكَ بِالمَوْعِظَةِ بِحالِ الأُمَمِ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أمْرِ اللَّهِ ورُسُلِهِ وهو حَثٌّ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﷺ لِئَلّا يَحِقَّ عَلَيْهِمْ وصْفُ العُتُوِّ عَنِ الأمْرِ.
وتَشْرِيفُ وحْيِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماواتِ وصادِرٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ تَعالى.