Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الطلاق 65:1 – الملك 67:30
المحتويات
- الطلاق 65:1
- الطلاق 65:2
- الطلاق 65:3
- الطلاق 65:4
- الطلاق 65:5
- الطلاق 65:6
- الطلاق 65:7
- الطلاق 65:8
- الطلاق 65:9
- الطلاق 65:10
- الطلاق 65:11
- الطلاق 65:12
- التحريم 66:1
- التحريم 66:2
- التحريم 66:3
- التحريم 66:4
- التحريم 66:5
- التحريم 66:6
- التحريم 66:7
- التحريم 66:8
- التحريم 66:9
- التحريم 66:10
- التحريم 66:11
- التحريم 66:12
- الملك 67:1
- الملك 67:2
- الملك 67:3
- الملك 67:4
- الملك 67:5
- الملك 67:6
- الملك 67:7
- الملك 67:8
- الملك 67:9
- الملك 67:10
- الملك 67:11
- الملك 67:12
- الملك 67:13
- الملك 67:14
- الملك 67:15
- الملك 67:16
- الملك 67:17
- الملك 67:18
- الملك 67:19
- الملك 67:20
- الملك 67:21
- الملك 67:22
- الملك 67:23
- الملك 67:24
- الملك 67:25
- الملك 67:26
- الملك 67:27
- الملك 67:28
- الملك 67:29
- الملك 67:30
الطلاق 65:1
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ .
تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ آياتِ التَّشْرِيعِ المُهْتَمِّ بِهِ فَلا يَقْتَضِي ذَلِكَ تَخْصِيصَ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِثْلَ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ الَّذِي يَتَوَلّى تَنْفِيذَ الشَّرِيعَةِ في أُمَّتِهِ وتَبْيِينَ أحْوالِها. فَإنْ كانَ التَّشْرِيعُ الوارِدُ يَشْمَلُهُ ويَشْمَلُ الأُمَّةَ جاءَ الخِطابُ مُشْتَمِلًا عَلى ما يُفِيدُ ذَلِكَ مِثْلَ صِيغَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ هُنا ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ وإنْ كانَ التَّشْرِيعُ خاصًّا بِالرَّسُولِ ﷺ جاءَتْ بِما يَقْتَضِي ذَلِكَ نَحْوَ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] .
قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا قَوْلُهم أنَّ الخِطابَ لَهُ لَفْظًا. والمَعْنى لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وإذا أرادَ اللَّهُ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ لاطَفَهُ بِقُولِهِ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ﴾، وإذا كانَ الخِطابُ بِاللَّفْظِ والمَعْنى جَمِيعًا لَهُ قالَ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] اهـ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ بِأحْكامِ الطَّلاقِ والمُراجَعَةِ والعِدَّةِ سَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ .
فالأحْكامُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ عامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ مِثْلُهُ مُرادٌ بِها هو وأُمَّتُهُ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ لِلنّاسِ وإمامُ أُمَّتِهِ وقُدْوَتُهم والمُنَفِّذُ لِأحْكامِ اللَّهِ فِيهِمْ فِيما بَيْنَهم مِنَ المُعامَلاتِ فالتَّقْدِيرُ إذا طَلَّقْتُمْ أيُّها المُسْلِمُونَ.
وظاهِرُ كَلِمَةِ (إذا) أنَّها لِلْمُسْتَقْبَلِ وهَذا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ مِن أنَّها
صفحة ٢٩٥
شَرْعُ مُبْتَدَإٍ قالُوا إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إذا طَلَّقْتُمْ في المُسْتَقْبَلِ فَلا تَعُودُوا إلى مَثْلِ ما فَعَلْتُمْ ولَكِنْ طَلَّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ، أيْ في أطْهارِهِنَّ كَما سَيَأْتِي.
وتَكْرِيرُ فِعْلِ (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾) لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ فَلَمْ يَقُلْ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَلِطُهْرِهِنَّ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
واللّامُ في (لِعِدَّتِهِنَّ) لامُ التَّوْقِيتِ وهي بِمَعْنى عِنْدَ مِثْلَ كُتِبَ لِيَوْمِ كَذا مَن شَهْرِ كَذا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] لا تَحْتَمِلُ هَذِهِ اللّامُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي الَّتِي تَأْتِي لَها اللّامُ. ولَمّا كانَ مَدْخُولُ اللّامِ هُنا غَيْرَ زَمانٍ عُلِمَ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ المُضافِ إلى عِدَّتِهِنَّ أيْ وقْتُ الطُّهْرِ.
ومَعْنى التَّرْكِيبِ أنَّ عِدَّةَ النِّساءِ جُعِلَتْ وقْتًا لِإيقاعِ طَلاقِهِنَّ فَكُنِّيَ بِالعِدَّةِ عَنِ الطُّهْرِ لِأنَّ المُطَلَّقَةَ تَعْتَدُّ بِالأطْهارِ.
وفائِدَةُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ إيماءً إلى حِكْمَةِ هَذا التَّشْرِيعِ وهي أنْ يَكُونَ الطَّلاقُ عِنْدَ ابْتِداءِ العِدَّةِ وإنَّما تُبْتَدَأُ العِدَّةُ بِأوَّلِ طُهْرٍ مِن أطْهارٍ ثَلاثَةٍ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ عَنِ المُطَلَّقَةِ بِإطالَةِ انْتِظارِ تَزْوِيجِها لِأنَّ ما بَيْنَ حَيْضِها إذا طُلِّقَتْ فِيهِ وبَيْنَ طُهْرِها أيّامٌ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ في عِدَّتِها فَكانَ أكْثَرُ المُطَلِّقِينَ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ إطالَةَ مُدَّةِ العِدَّةِ لِيُوَسِّعُوا عَلى أنْفُسِهِمْ زَمَنَ الِارْتِياءِ لِلْمُراجَعَةِ قَبْلَ أنْ يَبِينَ مِنهم.
وفِعْلُ (﴿طَلَّقْتُمُ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى أرَدْتُمُ الطَّلاقَ وهو اسْتِعْمالٌ وارِدٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ.
والآيَةُ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ التَّطْلِيقِ بِدَلالَةِ الإشارَةِ لِأنَّ القُرْآنَ لا يُقَدِّرُ حُصُولَ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ مِن دُونِ أنْ يُبَيِّنَ مَنعَهُ.
والطَّلاقُ مُباحٌ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ حاجِيًّا لِبَعْضِ الأزْواجِ فَإنَّ الزَّوْجَيْنِ شَخْصانِ اعْتَشَرا اعْتِشارًا حَدِيثًا في الغالِبِ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُما قَبْلَهُ صِلَةٌ مِن نَسَبٍ ولا جِوارٍ ولا تَخَلُّقٍ بِخُلُقٍ مُتَقارِبٍ أوْ مُتَماثِلٍ فَيَكْثُرُ أنْ يَحْدُثَ بَيْنَهُما بَعْدَ التَّزَوُّجِ تَخالُفٌ في بَعْضِ نَواحِي المُعاشَرَةِ قَدْ يَكُونُ شَدِيدًا ويَعْسُرُ تَذْلِيلُهُ، فَيَمَلُّ أحَدُهُما ولا يُوجَدُ سَبِيلٌ إلى
صفحة ٢٩٦
إراحَتِهِما مِن ذَلِكَ إلّا التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُما فَأحَلَّهُ اللَّهُ لِأنَّهُ حاجِيٌّ ولَكِنَّهُ ما أحَلَّهُ إلّا لِدَفْعِ الضُّرِّ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ الإذْنُ فِيهِ ذَرِيعَةً لِلنِّكايَةِ مِن أحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِالآخَرِ. أوْ مِن ذَوِي قَرابَتِهِما، أوْ لِقَصْدِ تَبْدِيلِ المَذاقِ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ» .
وتَعْلِيقُ (﴿طَلَّقْتُمُ﴾) بِإذا الشَّرْطِيَّةِ مُشْعِرٌ بِأنَّ الطَّلاقَ خِلافُ الأصْلِ في عَلاقَةِ الزَّوْجَيْنِ الَّتِي قالَ اللَّهُ فِيها ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ النَّبِيءَ ﷺ طَلَّقَ وجَزَمَ بِهِ الخَطّابِيُّ في شَرْحِ سُنَنِ أبِي داوُدَ ولَمْ يَثْبُتْ تَطْلِيقُ النَّبِيءِ ﷺ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ والمَرْوِيُّ في ذَلِكَ خَبَرانِ، أوَّلَهُما ما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ زُرارَةَ ومَسْرُوقِ بْنِ المَرْزُبانِ بِسَنَدِهِمْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ راجَعَها» . وفي هَذا السَّنَدِ ضَعْفٌ لِأنَّ سُوَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ ضَعِيفٌ نَسَبَهُ ابْنُ مَعِينٍ إلى الكَذِبِ وضَعَّفَهُ ابْنُ المَدِينِيِّ والنَّسائِيُّ وابْنُ عَدِيِّ. وقَبِلَهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأبُو حاتِمِ. وكَذَلِكَ مَسْرُوقُ بْنُ المَرْزُبانِ يُضَعَّفُ أيْضًا. وبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرِ بْنِ زُرارَةَ لا مُتَكَلَّمَ فِيهِ فَيَكُونُ الحَدِيثُ صَحِيحًا لَكِنَّهُ غَرِيبٌ وهو لا يُقْبَلُ فِيما تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى رِوايَتِهِ كَهَذا. وهَذا الحَدِيثُ غَرِيبٌ في مَبْدَئِهِ ومُنْتَهاهُ لِانْفِرادِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِرِوايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وانْفِرادِ ابْنِ عَبّاسٍ بِرِوايَتِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَعَ عَدَمِ إخْراجِ أهْلِ الصَّحِيحِ إيّاهُ فالأشْبَهُ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلاقُ النَّبِيءِ ﷺ حَفْصَةَ ولَكِنْ كانَتْ قَضِيَّةُ الإيلاءِ بِسَبَبِ حَفْصَةَ.
والمَعْرُوفُ في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آلى مِن نِسائِهِ فَقالَ النّاسُ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ نِساءَهُ. قالَ عُمَرُ: فَقَلَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ أطَلَّقْتَ نِساءَكَ، قالَ: لا آلَيْتُ مِنهُنَّ شَهْرًا» . فَلَعَلَّ أحَدَ رُواةِ الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَبَّرَ عَنِ الإيلاءِ بِلَفْظِ التَّطْلِيقِ وعَنِ الفَيْئَةِ بِلَفْظِ راجَعَ عَلى أنَّ ابْنَ ماجَهْ يَضْعُفُ عِنْدَ أهْلِ النَّقْدِ.
وثانِيهُما حَدِيثُ الجُونِيَّةِ أسْماءَ أوْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ شَراحِيلَ الكِنْدِيَّةِ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَها وأنَّهُ لَمّا دَخَلَ يَبْنِي بِها قالَتْ لَهُ: أعُوذُ بِاللهِ مِنكَ، فَقالَ:
صفحة ٢٩٧
قَدْ عُذْتِ بِمَعاذٍ ألْحَقِي بِأهْلِكِ وأمَرَ أبا أُسَيْدٍ السّاعِدِيَّ أنْ يَكْسُوَها ثَوْبَيْنِ وأنْ يُلْحِقَها بِأهْلِها»، ولَعَلَّها أرادَتْ إظْهارَ شَرَفِها والتَّظاهُرَ بِأنَّها لا تَرْغَبُ في الرِّجالِ وهو خُلُقٌ شائِعٌ في النِّساءِ.
والأشْبَهُ أنَّ هَذا طَلاقٌ وأنَّهُ كانَ عَلى سَبَبِ سُؤالِها فَهو مِثْلُ التَّخْيِيرِ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأحزاب: ٢٨] في سُورَةِ الأحْزابِ. فَلا يُعارِضُ ذَلِكَ قَوْلَهُ «أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ» . إذْ يَكُونُ قَوْلُهُ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالطَّلاقِ الَّذِي يَأْتِيهِ الزَّوْجُ بِداعٍ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ لِأنَّ عِلَّةَ الكَراهِيَةِ هي ما يُخَلِّفُهُ الطَّلاقُ مِن بَغْضاءِ المُطَلَّقَةِ مَن يُطَلِّقُها فَلا يَصْدُرُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ ابْتِداءً تَجَنُّبًا مِن أنْ تَبْغَضَهُ المُطْلَقَةُ فَيَكُونُ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْها، فَأمّا إذا سَألَتْهُ فَقَدِ انْتَفَتِ الذَّرِيعَةُ الَّتِي يَجِبُ سَدُّها.
وعُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾) أنَّهُنَّ النِّساءُ المَدْخُولُ بِهِنَّ لِأنَّ غَيْرَ المَدْخُولِ بِهِنَّ لا عِدَّةَ لَهُنَّ إجْماعًا بِنَصِّ آيَةِ الأحْزابِ.
وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ لِمالِكٍ والشّافِعِيِّ والجُمْهُورِ أنَّ العِدَّةَ بِالأطْهارَ لا بِالحَيْضِ فَإنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنْ يَكُونَ إيقاعُ الطَّلاقِ عِنْدَ مَبْدَإ الِاعْتِدادِ فَلَوْ كانَ مَبْدَأُ الِاعْتِدادِ هو الحَيْضُ لَكانَتِ الآيَةُ أمْرًا بِإيقاعِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ ولا خِلافَ في أنَّ ذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ لِحَدِيثِ عُمَرَ في قَضِيَّةِ طَلاقِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ زَوْجَهُ وهي حائِضٌ. واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى الأخْذِ بِهِ فَكَيْفَ يُخالِفُ مُخالِفٌ في مَعْنى القَرْءِ خِلافًا يُفْضِي إلى إبْطالِ حُكْمِ القَضِيَّةِ في ابْنِ عُمَرَ وقَدْ كانَتِ العِدَّةُ مَشْرُوعَةً مِن قَبْلُ بِآيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وآياتِ الأحْزابِ فَلِذَلِكَ كانَ نَوْطُ إيقاعِ الطَّلاقِ بِالحالِ الَّتِي تَكُونُ بِها العِدَّةُ إحالَةً عَلى أمْرٍ مَعْلُومٍ لَهم.
وحِكْمَةُ العِدَّةِ تَقَدَّمَ بَيانُها.
* * *
﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ .
الإحْصاءُ: مَعْرِفَةُ العَدِّ وضَبْطُهُ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصى وهي صِغارُ الحِجارَةِ لِأنَّهم كانُوا إذا كَثُرَتْ أعْدادُ شَيْءٍ جَعَلُوا لِكُلِّ مَعْدُودٍ حَصاةً ثُمَّ عَدُّوا ذَلِكَ الحَصى قالَ تَعالى ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] .
صفحة ٢٩٨
والمَعْنى: الأمْرُ بِضَبْطِ أيّامِ العِدَّةِ والإتْيانُ عَلى جَمِيعِها وعَدَمُ التَّساهُلِ فِيها لِأنَّ التَّساهُلَ فِيها ذَرِيعَةٌ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ. إمّا التَّزْوِيجِ قَبْلَ انْتِهائِها فَرُبَّما اخْتَلَطَ النَّسَبُ، وإمّا تَطْوِيلِ المُدَّةِ عَلى المُطَلَّقَةِ في أيّامِ مَنعِها مِنَ التَّزَوُّجِ لِأنَّها في مُدَّةِ العِدَّةِ لا تَخْلُو مِن حاجَةٍ إلى مَن يَقُومُ بِها.
وأمّا فَواتُ أمَدِ المُراجَعَةِ إذا كانَ المُطَلِّقُ قَدْ ثابَ إلى مُراجَعَةِ امْرَأتِهِ.
والتَّعْرِيفُ في العِدَّةِ لِلْعَهْدِ فَإنَّ الِاعْتِدادَ مَشْرُوعٌ مِن قَبْلُ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا والكَلامُ عَلى تَقْدِيرٍ مُضافٍ لِأنَّ المُحْصى أيّامُ العِدَّةِ.
والمُخاطَبُ بِضَمِيرِ (أحْصُوا) هُمُ المُخاطَبُونَ بِضَمِيرِ إذا طَلَّقْتُمْ فَيَأْخُذُ كُلُّ مَن يَتَعَلَّقُ بِهِ هَذا الحُكْمُ حَظَّهُ مِنَ المُطَلِّقِ والمُطَلَّقَةِ ومَن يَطَّلِعُ عَلى مُخالَفَةِ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ وخاصَّةً وُلاةَ الأُمُورِ مِنَ الحُكّامِ وأهْلِ الحِسْبَةِ فَإنَّهُمُ الأوْلى بِإقامَةِ شَرائِعِ اللَّهِ في الأُمَّةِ وبِخاصَّةٍ إذا رَأوْا تَفَشِّيَ الِاسْتِخْفافِ بِما قَصَدَتْهُ الشَّرِيعَةُ. وقَدْ بَيِّنّا ذَلِكَ في بابِ مَقاصِدِ القَضاءِ مِن كِتابِي (( مَقاصِدُ الشَّرِيعَةِ) ) .
فَفِي العِدَّةِ مَصالِحُ كَثِيرَةٌ وتَحْتَها حُقُوقٌ مُخْتَلِفَةٌ اقْتَضَتْها تِلْكَ المَصالِحُ الكَثِيرَةُ وأكْثَرُ تِلْكَ الحُقُوقِ لِلْمُطَلِّقِ والمُطْلَقَةِ وهي تَسْتَتْبِعُ حُقُوقًا لِلْمُسْلِمِينَ ووُلاةِ أُمُورِهِمْ في المُحافَظَةِ عَلى تِلْكَ الحُقُوقِ وخاصَّةً عِنْدَ التَّحاكُمِ.
* * *
﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ وجُمْلَةِ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ . والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ اتَّقَوُا اللَّهَ لِيَعُمَّ جَمِيعَ ما يُتَّقى اللَّهُ فِيهِ فَيَكُونُ هَذا مِن قَبِيلِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ وأوَّلُ ما يُقْصَدُ بِأنْ يُتَّقى اللَّهُ فِيهِ ما سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ.
فَقَوْلُهُ (﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾) تَحْذِيرٌ مِنَ التَّساهُلِ في أحْكامِ الطَّلاقِ والعِدَّةِ. وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يُقِيمُونَ لِلنِّساءِ وزْنًا وكانَ قُرابَةُ المُطَلَّقاتِ قَلَّما يُدافِعْنَ عَنْهُنَّ فَتَناسى النّاسُ تِلْكَ الحُقُوقَ وغَمَصُوها فَلِذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ
صفحة ٢٩٩
شَدِيدَةَ اللَّهْجَةِ في التَّحَدِّي، وعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الحُقُوقِ بِالتَّقْوى وبِحُدُودِ اللَّهِ ولِزِيادَةِ الحِرْصِ عَلى التَّقْوى اتْبُعَ اسْمُ الجَلالَةِ بِوَصْفِ رَبِّكم لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى غَضَبُهُ.
* * *
﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بِيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ .
اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ أحْصُوا العِدَّةَ، أيْ حالَةَ كَوْنِ العِدَّةِ في بِيُوتِهِنَّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ أحْصُوا العِدَّةَ لِأنَّ مَكْثَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ في مُدَّةِ العِدَّةِ يُحَقِّقُ مَعْنى إحْصاءِ العِدَّةِ.
ولِكِلا الوَجْهَيْنِ جُرِّدَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الِاقْتِرانِ بِالواوِ وجَوازًا أوْ وُجُوبًا.
وفِي إضافَةِ البُيُوتِ إلى ضَمِيرِ النِّساءِ إيماءٌ إلى أنَّهُنَّ مُسْتَحِقّاتٌ المَكْثَ في البُيُوتِ مُدَّةَ العِدَّةِ بِمَنزِلَةِ مالِكِ الشَّيْءِ وهَذا ما يُسَمّى في الفِقْهِ مِلْكَ الِانْتِفاعِ دُونَ العَيْنِ ولِأنَّ بَقاءَ المُطَلَّقاتِ في البُيُوتِ اللّاتِي كُنَّ فِيها أزْواجًا اسْتِصْحابٌ لِحالِ الزَّوْجِيَّةِ إذِ الزَّوْجَةُ هي المُتَصَرِّفَةُ في بَيْتِ زَوْجِها ولِذَلِكَ يَدْعُوها العَرَبُ (رَبَّةَ البَيْتِ) ولِلْمُطَلَّقَةِ حُكْمُ الزَّوْجَةِ ما دامَتْ في العِدَّةِ إلّا في اسْتِمْتاعِ المُطَلِّقِ.
وهَذا الحُكْمُ سَبَبُهُ مُرَكَّبٌ مِن قَصْدِ المُكارَمَةِ بَيْنَ المُطَلِّقِ والمُطَلَّقَةِ. وقَصْدُ الِانْضِباطِ في عِلَّةِ الِاعْتِدادِ تَكْمِيلًا لِتَحَقُقِ لِحاقِ ما يَظْهَرُ مِن حَمْلٍ بِأبِيهِ المُطَلِّقِ حَتّى يَبْرَأ النَّسَبُ مِن كُلِّ شَكٍّ
وجُمْلَةُ ﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ وهو نَهْيٌ لَهُنَّ عَنِ الخُرُوجِ فَإنَّ المُطَلِّقَ قَدْ يُخْرِجُها فَتَرْغَبُ المُطَلَّقَةُ في الخُرُوجِ لِأنَّها تَسْتَثْقِلُ البَقاءَ في بَيْتٍ زالَتْ عَنْهُ سِيادَتُها فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنِ الخُرُوجِ. فَإذا كانَ البَيْتُ مُكْتَرًى سَكَنَتْهُ المُطَلَّقَةُ وكِراؤُهُ عَلى المُطَلِّقِ وإذا انْتَهى أمَدُ كَرائِهِ فَعَلى المُطَلِّقِ تَجْدِيدُهُ إلى انْتِهاءِ عِدَّةِ المُطَلَّقَةِ.
وهَذا التَّرْتِبُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ يُشْعِرُ بِالسَّبَبِيَّةِ وأنَّ لِكُلِّ امْرَأةٍ مُعْتَدَّةٍ حَقَّ السُّكْنى في بَيْتِ زَوْجِها مُدَّةَ العِدَّةِ لِأنَّها مُعْتَدَّةٌ لِأجْلِهِ أيْ لِأجْلِ حِفْظِ نَسَبِهِ وعِرْضِهِ فَهَذا
صفحة ٣٠٠
مُقْتَضى الآيَةِ. ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ وجُمْهُورُ العُلَماءِ بِوُجُوبِ السُّكْنى لِلْمُطَلَّقَةِ المَدْخُولِ بِها سَواءً كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا أوْ بائِنًا وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: لا سُكْنى إلّا لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وعَلَّلَ وُجُوبَ الإسْكانِ لِلْمُطَلَّقَةِ المَدْخُولِ بِها بِعِدَّةِ أُمُورٍ: حَفِظُ النَّسَبِ، وجَبْرُ خاطِرِ المُطَلَّقَةِ وحِفْظُ عِرْضِها. وسَيَجِيءُ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الآيَةَ. وتَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوبِ الإسْكانِ في العِدَّةِ أُعِيدَ لِيُبَيَّنَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]) وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ (﴿إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾) يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ كَما هو الشَّأْنُ فِيهِ إذا ورَدَ بَعْدَ جُمَلٍ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ لِعُلَماءِ الأُصُولِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأخِيرَةِ مِنهُما وهو مُقْتَضى كَوْنِهِ مُوافِقًا لِضَمِيرِها إذْ كانَ الضَّمِيرُ في كِلْتَيْهِما ضَمِيرَ النِّسْوَةِ. وهو اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ الَّتِي اقْتَضاها عُمُومُ الذَّواتِ في قَوْلِهِ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ ﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾ . فالمَعْنى: إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ فَأخْرَجُوهُنَّ أوْ لِيَخْرُجْنَ، أيْ يُباحُ لَكم إخْراجُهُنَّ ولَيْسَ لَهُنَّ الِامْتِناعُ مِنَ الخُرُوجِ وكَذَلِكَ عَكْسُهُ.
والفاحِشَةُ: الفِعْلَةُ الشَّدِيدَةُ السُّوءِ بِهِذا غَلَبَ إطْلاقُها في عُرْفِ اللُّغَةِ فَتَشْمَلُ الزِّنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]) الآيَةُ في سُورَةِ النِّساءِ.
وشَمِلَ غَيْرَهُ مِنَ الأعْمالِ ذاتِ الفَسادِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] . وقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: الفاحِشَةُ مَتى ورَدَتْ في القُرْآنِ مُعَرَّفَةً فَهي الزِّنا (يُرِيدُ أوْ ما يُشْبِهُهُ) كَما في قَوْلِهِ (﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]) ومَتى ورَدَتْ مُنَكَّرَةً فَهي المَعاصِي.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿مُبَيِّنَةٍ﴾) بِكَسْرِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ، أيْ هي تُبَيِّنُ لِمَن تَبْلُغُهُ أنَّها فاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ فَإسْنادُ التَّبْيِينِ إلَيْها مَجازٌ بِاسْتِعارَةِ التَّبْيِينِ لِلْوُضُوحِ، أوْ تَبْيِينٌ لِوُلاةِ الأُمُورِ صُدُورَها مِنَ المَرْأةِ فَيَكُونُ إسْنادُ التَّبْيِينِ إلى الفاحِشَةِ مَجازًا عَقْلِيًّا وإنَّما المُبِيِّنُ
صفحة ٣٠١
مُلابِسُها وهو الإقْرارُ والشَّهادَةُ فَيُحْمَلُ في كُلِّ حالَةٍ عَلى ما يُناسِبُ مَعْنى التَّبْيِينِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مُبِيَّنَةٍ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ، أيْ كانَتْ فاحِشَةً بِيَّنَتْها الحُجَّةُ أوْ بِيَّنَها الخارِجُ ومَحْمِلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
ووَصْفُها بِمُبِيِّنَةٍ إمّا أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها واضِحَةٌ في جِنْسِ الفَواحِشِ، أيْ هي فاحِشَةٌ عَظِيمَةٌ وهَذا المَقامُ يُشْعِرُ بِأنَّ عِظَمَها هو عِظَمُ ما يَأْتِيهِ النِّساءُ مِن أمْثالِها عُرْفًا. وإمّا أنْ يُرادَ بِهِ مُبِيَّنَةَ الثُّبُوتِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي تَخْرَجُ.
وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِنَ الفاحِشَةِ هُنا وفي مَعْنى الخُرُوجِ لِأجْلِها فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ والشَّعْبِيِّ والحَسَنِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ وحَمّادٍ واللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وأبِي يُوسُفَ: أنَّ الفاحِشَةَ الزِّنا، قالُوا: ومُعادُ الِاسْتِثْناءِ الإذْنُ في إخْراجِهِنَّ، أيْ لِيُقامَ عَلَيْهِنَّ الحَدُّ.
وفُسِّرَتِ الفاحِشَةُ بِالبَذاءِ عَلى الجِيرانِ والإحْماءِ أوْ عَلى الزَّوْجِ بِحَيْثُ أنَّ بَقاءَ أمْثالِهِنَّ في جِوارِ أهْلِ البَيْتِ يُفْضِي إلى تَكَرُّرِ الخِصامِ فَيَكُونُ إخْراجُها مِنِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَرَيْنِ ونُسِبَ هَذا إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ لِأنَّهُ قَرَأ إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكم بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ أيِ الِاعْتِداءُ بِكَلامٍ فاحِشٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا واخْتارَهُ الشّافِعِيُّ.
وفُسِّرَتِ الفاحِشَةُ بِالمَعْصِيَةِ مِن سَرِقَةٍ أوْ سَبٍّ أوْ خُرُوجٍ مِنَ البَيْتِ فَإنَّ العِدَّةَ بَلْهَ الزِّنا ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وابْنِ عُمَرَ وقالَهُ السُّدِّيُّ وأبُو حَنِيفَةَ.
وعَنْ قَتادَةَ الفاحِشَةُ: النُّشُوزُ، أيْ إذا طَلَّقَها لِأجْلِ النُّشُوزِ فَلا سُكْنى لَها.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ والسُّدِّيِّ إرْجاعُ الِاسْتِثْناءِ إلى الجُمْلَةِ الَّتِي هو مُوالٍ لَها وهي جُمْلَةُ (﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾) أيْ هم مَنهِيّاتٌ عَنِ الخُرُوجِ إلّا أنْ يُرِدْنَ أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ، ومَعْنى ذَلِكَ إرادَةُ تَفْظِيعِ خُرُوجِهِنَّ، أيْ إنْ أرَدْنَ أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ يَخْرُجْنَ وهَذا بِما يُسَمّى تَأْكِيدَ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَذا سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ تَسْمِيَةً عِنْدَ الأقْدَمِينَ تَأْكِيدَ المادِحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
صفحة ٣٠٢
فَجَعَلَتِ الآيَةُ خُرُوجَهُنَّ رِيبَةً لَهُنَّ وحَذَّرَتِ النِّساءَ مِنهُ بِأُسْلُوبٍ خَطابِيٍّ بِفَتْحِ الخاءِ فَيَكُونُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مَنعًا لَهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ.
ومَحْمِلُ فِعْلِ (﴿يَأْتِينَ﴾) عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهُ مَن يُرِدْنَ أنْ يَأْتِينَ مِثْلَ ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ «عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ أتَتْهُ فاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ الفِهْرِيَّةُ فَأخْبَرَتْهُ أنَّ زَوْجَها أبا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ أوْ أبا حَفْصِ بْنَ عَمْرٍو وكانَ وجَّهَهُ النَّبِيءُ ﷺ مَعَ عَلِيٍّ إلى اليَمَنِ فَأرْسَلَ إلَيْها مِنَ اليَمَنِ بِتَطْلِيقَةٍ صادَفَتْ آخِرَ الثَّلاثِ فَبانَتْ مِنهُ، وأنَّهُ أرْسَلَ إلى بَعْضِ ذَوِيهِ بِأنْ يُنْفِقُوا عَلَيْها مُدَّةَ العِدَّةِ فَقالُوا لَها ما لَكِ نَفَقَةٌ إلّا أنْ تَكُونِي حامِلًا، وأنَّها رَفَعَتْ أمْرَها إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: لا نَفَقَةَ لَكِ فاسْتَأْذَنَتْهُ في الِانْتِقالِ فَأذِنَ لَها أنْ تَعْتَدَّ في بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» . وفي رِوايَةٍ «أنَّها قالَتْ: أخافُ أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ» (بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ)، وفي رِوايَةٍ «أنَّها كانَتْ في مَكانٍ وحْشٍ مُخِيفٍ عَلى ناحِيَتِها فَأمَرَها النَّبِيءُ ﷺ بِالِانْتِقالِ» .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في انْتِقالِها فَقالَ جَماعَةٌ: هو رُخْصَةٌ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لا تَتَجاوَزُها وكانَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ تَرى ذَلِكَ، رَوى البُخارِيُّ أنَّ يَحْيى بْنَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ طَلَّقَ امْرَأتَهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَمِ وكانَ عَمُّها مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ أمِيرَ المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ فانْتَقَلَها أبُوها إلَيْهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ فَأرْسَلَتْ إلى مَرْوانَ أنِ اتَّقِ اللَّهَ وأرْدُدْها إلى بَيْتِها فَقالَ مَرْوانُ أوَما بَلَغَكِ شَأْنُ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ عائِشَةُ لا يَضُرُّكَ أنْ لا تَذَكُرَ حَدِيثَ فاطِمَةَ، فَقالَ مَرْوانُ إنْ كانَ بِكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ ما بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ، ولَعَلَّ عائِشَةَ اقْتَنَعَتْ بِذَلِكَ إذْ لَمْ يَرِدْ أنَّها رَدَّتْ عَلَيْهِ.
وفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: لا نَدَعُ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّنا لِقَوْلِ امْرَأةٍ لا نَدْرِي أحَفِظَتْ أمْ نَسِيَتْ. وقالَتْ عائِشَةُ: لَيْسَ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ خَبَرٌ في ذِكْرِ هَذا الحَدِيثِ وعابَتْ عَلَيْها أشَدَّ العَيْبِ. وقالَتْ: «إنَّ فاطِمَةَ كانَتْ في مَكانٍ وحْشٍ مُخِيفٍ عَلى ناحِيَتِها فَرَخَّصَ لَها النَّبِيءُ ﷺ بِالِانْتِقالِ» . ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ اخْتِلافٌ في حَقِيقَةِ العُذْرِ المُسَوِّغِ لِلِانْتِقالِ. قالَ مالِكٌ: ولَيْسَ لِلْمَرْأةِ أنْ تَنْتَقِلَ مِن مَوْضِعِ عِدَّتِها بِغَيْرِ عُذْرٍ رَواهُ الباجِيُّ في المُنْتَقى.
صفحة ٣٠٣
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ الخُرُوجَ لِلْحَدَثِ والبَذاءِ والحاجَةِ إلى المَعايِشِ وخَوْفِ العَوْدَةِ مِنَ المَسْكَنِ جائِزٌ بِالسُّنَّةِ.
ومِنَ العُلَماءِ مَن جَوَّزَ الِانْتِقالَ لِلضَّرُورَةِ وجَعَلُوا ذَلِكَ مَحْمِلَ حَدِيثِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإنَّها خِيفَ عَلَيْها في مَكانٍ وحْشٍ وحَدَثَ بَيْنَها وبَيْنَ أهْلِ زَوْجِها شَرٌّ وبَذاءٌ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ تِلْكَ امْرَأةٌ اسْتَطالَتْ عَلى أحْمائِها بِلِسانِها أنَّها كانَتْ لَسِنَةً فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تَنْتَقِلَ، وهَذا الِاخْتِلافُ قَرِيبٌ مِن أنْ يَكُونَ اخْتِلافًا لَفْظِيًّا لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَدا عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَلى أنَّ انْتِقالَها كانَ لِعُذْرٍ قَبِلَهُ النَّبِيءُ ﷺ فَتَكُونُ تِلْكَ القَضِيَّةُ مُخَصِّصَةً لِلْآيَةِ ويَجْرِي القِياسُ عَلَيْها إذا تَحَقَّقَتْ عِلَّةُ القِياسِ.
أمّا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لا نَدَعُ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيئِنا لِقَوْلِ امْرَأةٍ أحَفِظَتْ أمْ نَسِيَتْ. فَهو دَحْضٌ لِرِوايَةِ فاطِمَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ بِشَكٍّ لَهُ فِيهِ فَلا تَكُونُ مُعارِضَةً لِآيَةٍ حَتّى يُصارَ إلى الجَمْعِ بِالتَّخْصِيصِ والتَّرْخِيصِ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قِيلَ إنَّ عُمَرَ لَمْ يُخَصِّصِ القُرْآنَ بِخَبَرِ الواحِدِ.
وأمّا تَحْدِيدُ مَنعِ خُرُوجِ المُعْتَدَّةِ مِن بَيْتِها فَلا خِلافَ في أنَّ مَبِيتَها في غَيْرِ بَيْتِها حَرامٌ. وأمّا خُرُوجُها نَهارًا لِقَضاءِ شُئُونِ نَفْسِها فَجَوَّزَهُ مالِكٌ واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ لِلْمُعْتَدَّةِ مُطْلَقًا.
وقالَ الشّافِعِيُّ: المُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ لا تَخْرُجُ لَيْلًا ولا نَهارًا والمَبْتُوتَةُ تَخْرُجُ نَهارًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تَخْرُجُ المُعْتَدَّةُ عِدَّةَ الوَفاةِ نَهارًا ولا تَخْرُجُ غَيْرُها، لا لَيْلًا ولا نَهارًا.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ أرْسَلَ إلى فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ يَسْألُها عَنْ حَدِيثِها فَلَمّا أُبْلِغَ إلَيْهِ قالَ: لَمْ نَسْمَعْ هَذا الحَدِيثَ إلّا مِنَ امْرَأةٍ سَنَأْخُذُ بِالعِصْمَةِ الَّتِي وجَدْنا عَلَيْها النّاسَ. فَقالَتْ فاطِمَةُ حِينَ بَلَغَها قَوْلُ مَرْوانَ: فَبَيْنِي وبَيْنَكُمُ القُرْآنُ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ . هَذا لِمَن كانَ لَهُ رَجْعَةٌ فَأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لا نَفَقَةَ لَها إذا لَمْ تَكُنْ حامِلًا فَعَلامَ تَحْبِسُونَها فَظَنَّتْ أنَّ مُلازَمَةَ بَيْتِها لِاسْتِقاءِ الصِّلَةِ بَيْنَها وبَيْنَ مُفارِقِها وأنَّها مُلْزَمَةٌ بِذَلِكَ لِأجْلِ الإنْفاقِ.
صفحة ٣٠٤
والَّذِي تَخَلَّصَ لِي أنَّ حِكْمَةَ السُّكْنى لِلْمُطَلَّقَةِ أنَّها حِفْظُ الأعْراضِ فَإنَّ المُطَلَّقَةَ يَكْثُرُ التِفاتُ العُيُونِ لَها وقَدْ يَتَسَرَّبُ سُوءُ الظَّنِّ إلَيْها فَيَكْثُرُ الِاخْتِلافُ عَلَيْها ولا تَجِدُ ذا عِصْمَةٍ يَذُبُّ عَنْها، فَلِذَلِكَ شُرِعَتْ لَها السُّكْنى، ولا تَخْرُجُ إلّا لِحاجِياتِها فَهَذِهِ حِكْمَةٌ مِن قَبِيلِ المَظِنَّةِ فَإذا طَرَأ عَلى الأحْوالِ ما أوْقَعَها في المَشَقَّةِ أوْ أوْقَعَ النّاسَ في مَشَقَّةٍ مِن جَرّائِها أُخْرِجَتْ مِن ذَلِكَ المَسْكَنِ وجَرى عَلى مُكْثِها في المَسْكَنِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إلَيْهِ ما يَجْرِي عَلَيْها في مَسْكَنِ مُطَلِّقِها لِأنَّ المَظِنَّةَ قَدْ عارَضَتْها مَئِنَّةٌ. ومِنَ الحُكْمِ أيْضًا في ذَلِكَ أنَّ المُطَلَّقَةَ قَدْ لا تَجِدُ مَسْكَنًا لِأنَّ غالِبَ النِّساءِ لَمْ تَكُنْ لَهُنَّ أمْوالٌ وإنَّما هُنَّ عِيالٌ عَلى الرِّجالِ فَلَمّا كانَتِ المُعْتَدَّةُ مَمْنُوعَةً مِنَ التَّزَوُّجِ كانَ إسْكانُها حَقًّا عَلى مُفارِقِها اسْتِصْحابًا لِلْحالِ حَتّى تَحِلَّ لِلتَّزَوُّجِ فَتَصِيرَ سُكْناها عَلى مَن يَتَزَوَّجُها. ويُزادُ في المُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ قَصْدُ اسْتِبْقاءِ الصِّلَةِ بَيْنَها وبَيْنَ مُطَلِّقِها لَعَلَّهُ أنْ يَثُوبَ إلَيْهِ رُشْدُهُ فَيُراجِعَها فَلا يَحْتاجُ في مُراجَعَتِها إلى إعادَةِ التَّذاكُرِ بَيْنَهُ وبَيْنَها أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِها. فَهَذا مَجْمُوعُ عِلَلٍ فَإذا تَخَلَّفَتْ واحِدَةٌ مِنها لَمْ يَتَخَلَّفِ الحُكْمُ لِأنَّ الحُكْمَ المُعَلَّلَ بِعِلَّتَيْنِ فَأكْثَرَ لا يُبْطِلُهُ سُقُوطُ بَعْضِها بِخِلافِ العِلَّةِ المُرَكَّبَةِ إذا تَخَلَّفَ جُزْءٌ مِنها.
* * *
﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿ولا يَخْرُجْنَ﴾)، وجُمْلَةِ (﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾) أُرِيدَ بِهِذا الِاعْتِراضِ المُبادَرَةُ بِالتَّنْبِيهِ إلى إقامَةِ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إقامَةً لا تَقْصِيرَ فِيها ولا خِيَرَةَ لِأحَدٍ في التَّسامُحِ بِها، وخاصَّةً المُطَلَّقَةُ والمُطَلِّقُ أنْ يَحْسَبا أنَّ ذَلِكَ مِن حَقِّهِما انْفِرادًا أوِ اشْتِراكًا.
والإشارَةُ إلى الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ بِاعْتِبارِ مَعانِيها بِتَأْوِيلِ القَضايا.
والحُدُودُ: جَمْعُ حَدٍّ وهو ما يَحُدُّ، أيْ يَمْنَعُ مِنَ الِاجْتِيازِ إلى ما ورائِهِ لِلْأماكِنِ الَّتِي لا يُحِبُّونَ الِاقْتِحامَ فِيها إمّا مُطْلَقًا مِثْلَ حُدُودِ الحِمى وإمّا لِوُجُوبِ تَغْيِيرِ الحالَةِ مِثْلَ حُدُودِ الحَرَمِ لِمَنعِ الصَّيْدِ وحُدُودِ المَواقِيتِ لِلْإحْرامِ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ.
والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ مُشابِهَةٌ الحُدُودَ في المُحافَظَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ في هَذا.
صفحة ٣٠٥
ووَجْهُ الشَّبَهِ إنَّما يُراعى بِما يَسْمَحُ بِهِ عُرْفُ الكَلامِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ (النَّحْوُ في الكَلامِ كالمِلْحِ في الطَّعامِ) فَإنَّ وجْهَ التَّشْبِيهِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ الكَلامُ بِدُونِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ أنْ يَكُونَ الكَثِيرُ مِنَ النَّحْوِ في الكَلامِ مُفْسِدًا كَكَثْرَةِ المِلْحِ في الطَّعامِ.
ووُقُوعُ حُدُودِ اللَّهِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ الَّذِي أُشِيرَ بِهِ إلى أشْياءَ مُعَيَّنَةٍ يَجْعَلُ إضافَةَ حُدُودٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مُرادًا مِنها تَشْرِيفُ المُضافِ وتَعْظِيمُهُ.
والمَعْنى: وتِلْكَ مِمّا حَدَّ اللَّهُ فَلا تُفِيدُ تَعْرِيفَ الجَمْعِ بِالإضافَةِ عُمُومًا لِصَرْفِ القَرِينَةِ عَنْ إفادَةِ ذَلِكَ لِظُهُورِ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ المُعَيَّنَةَ لَيْسَتْ جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ.
* * *
﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ، (﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾) .
فَهُوَ تَتْمِيمٌ وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّذْيِيلِ وإذْ قَدْ كانَ حُدُودُ اللَّهِ جَمْعًا مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ كانَ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ إذْ لا صارِفَ عَنْ إرادَةِ العُمُومِ بِخِلافِ إضافَةِ حُدُودِ اللَّهِ السّابِقِ.
والمَعْنى: مَن يَتَعَدَّ شَيْئًا مِن حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ في قَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِاخْتِلافِ هَذَيْنِ المُرَكَّبَيْنِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ وجِيءَ بِهَذا الإطْنابِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ هَذا التَّعَدِّي.
وأُخْبِرَ عَنْ مُتَعَدِّيها بِأنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ لِلتَّخْوِيفِ تَحْذِيرًا مِن تَعَدِّي هَذِهِ الحُدُودِ فَإنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ هو الجَرِيرَةُ عَلَيْها بِما يَعُودُ بِالإضْرارِ وذَلِكَ مِنهُ ظُلْمٌ لَها في الدُّنْيا بِتَعْرِيضِ النَّفْسِ لِعَواقِبَ سَيِّئَةٍ تَنْجَرُّ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ الدِّينِ لِأنَّ أحْكامَهُ صَلاحٌ لِلنّاسِ فَمَن فَرَّطَ فِيها فاتَتْهُ المَصالِحُ المُنْطَوِيَةُ هي عَلَيْها.
قالَ ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] .
ومِنهُ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ في الآخِرَةِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ عَلى الإخْلالِ بِأحْكامِ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] ﴿أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]
صفحة ٣٠٦
فَإنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ حَظًّا مِن هَذا الوَعِيدِ بِمِقْدارِ تَفاوُتِ ما بَيْنَ الكُفْرِ ومُجَرَّدِ العِصْيانِ وجِيءَ في هَذا التَّحْذِيرِ (بِمَن) الشَّرْطِيَّةِ لِإفادَةِ عُمُومِ كُلِّ مَن تَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الَّذِينَ يَتَعَدُّونَ أحْكامَ الطَّلاقِ وأحْكامَ العِدَّةِ في هَذا العُمُومِ.
* * *
﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وما أُلْحِقَ بِها مِمّا هو إيضاحٌ لَها وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ مَفْصُولَةً عَنِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها.
ويَجُوزُ كَوْنُها بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِأنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ بَعْضُهُ حاصِلٌ في الدُّنْيا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى إضاعَةِ مَصالِحِ النَّفْسِ عَنْها. وقَدْ سَلَكَ في هَذِهِ الآيَةِ مَسْلَكَ التَّرْغِيبِ في امْتِثالِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ بَعْدَ أنْ سَلَكَ في شَأْنِها مَسْلَكَ التَّرْهِيبِ مِن مُخالَفَتِها.
فَمِن مَصالِحِ الِاعْتِدادِ ما في مُدَّةِ الِاعْتِدادِ مِنَ التَّوْسِيعِ عَلى الزَّوْجَيْنِ في مُهْلَةِ النَّظَرِ في مَصِيرِ شَأْنِهِما بَعْدَ الطَّلاقِ، فَقَدْ يَتَّضِحُ لَهُما أوْ لِأحَدِهِما مَتاعِبُ وأضْرارٌ مِنِ انْفِصامِ عُرْوَةِ المُعاشَرَةِ بَيْنَهُما فَيُعَدُّ ما أضْجَرَهُما مِن بَعْضِ خُلُقِهِما شَيْئًا تافِهًا بالنِّسْبَةِ لِما لَحِقَهُما مِن أضْرارِ الطَّلاقِ فَيَنْدَمُ كِلاهُما أوْ أحَدُهُما فَيَجِدا مِنَ المُدَّةِ ما يَسَعُ لِلسَّعْيِ بَيْنَهُما في إصْلاحِ ذاتِ بَيْنِهِما.
والمَقْصُودُ الإشارَةُ إلى أهَمِّ ما في العِدَّةِ مِنَ المَصالِحِ وهو ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِن أمْرٍ بَعْدَ الطَّلاقِ، وتَنْكِيرُ أمْرٍ لِلتَّنْوِيعِ.
أيْ أمْرًا مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ أمْرًا نافِعًا لَهُما.
وهَذا الأمْرُ هو تَقْلِيبُ القُلُوبِ مِن بُغْضٍ إلى مَحَبَّةٍ، ومِن غَضَبٍ إلى رِضًى، ومِن إيثارِ تَحَمُّلِ المُخالَفَةِ في الأخْلاقِ مَعَ المُعاشَرَةِ عَلى تَحَمُّلِ آلامِ الفِراقِ وخاصَّةً إذا كانَ بَيْنَ المُتَفارِقَيْنِ أبْناءٌ، أوْ مِن ظُهُورِ حَمْلٍ بِالمُطَلَّقَةِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لَها أوْلادٌ فَيَلُزُّ ظُهُورُهُ أباهُ إلى مُراجَعَةِ أُمِّهِ المُطَلَّقَةِ. عَلى أنَّ في الِاعْتِدادِ والإسْكانِ مَصالِحَ أُخْرى كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
صفحة ٣٠٧
والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿لا تَدْرِي﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ القَصْدِ بِالخِطابِ إلى كُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ ويُهِمُّهُ أمْرُ الشَّيْءِ المُخاطَبِ بِهِ مِن كُلِّ مَن قَصُرَ بَصَرُهُ إلى حالَةِ الكَراهِيَةِ الَّتِي نَشَأ عَلَيْها الطَّلاقُ ولَمْ يَتَدَبَّرْ في عَواقِبِ الأُمُورِ ولا أحاطَ فِكْرُهُ بِصُوَرِ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ المُتَقَلِّبَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] .
ولَعَلَّ كَلِمَةَ (﴿لا تَدْرِي﴾) تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ فَلا يُرادُ مِمّا فِيها مِن عَلامَةِ الخِطابِ ولا مِن صِيغَةِ الإفْرادِ إلّا الجَرْيُ عَلى الغالِبِ في الخِطابِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَوْجِيهِ الخِطابِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.
و(لَعَلَّ) ومَعْمُولاها سادَّةٌ مُعَلِّقَةٌ فِعْلَ (تَدْرِي) عَنِ العَمَلِ.
الطلاق 65:2
﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن أحْكامِ العِدَّةِ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) لِأنَّ إحْصاءَها بِحِفْظِ مُدَّتِها واسْتِيعابِ أيّامِها فَإذا انْتَهَتِ المُدَّةُ فَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ لَهُما والزِّيادَةُ عَلَيْها إضْرارٌ بِأحَدِهِما أوْ بِكِلَيْهِما وفائِدَةُ الآجالِ الوُقُوفُ عِنْدَ انْتِهائِها.
وبُلُوغُ الأجَلِ أصْلُهُ انْتِهاءُ المُدَّةِ المُقَدَّرَةِ لَهُ كَما يُؤْذِنُ بِهِ مَعْنى البُلُوغِ الَّذِي هو الوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ عَلى تَشْبِيهِ الأجَلِ المُعَيَّنِ بِالمَكانِ المُسَيَّرِ إلَيْهِ وشاعَ ذَلِكَ في الِاسْتِعْمالِ فالمَجازُ في لَفْظِ الأجَلِ وتَبِعَهُ المَجازُ في البُلُوغِ وقَدِ اسْتُعْمِلَ البُلُوغُ في هَذِهِ الآيَةِ في مُقارَبَةِ ذَلِكَ الِانْتِهاءِ مُبالَغَةً في عَدَمِ التَّسامُحِ فِيهِ وهَذا الِاسْتِعْمالُ مَجازٌ آخَرُ لِمُشابَهَةِ مُقارَبَةِ الشَّيْءِ بِالحُصُولِ فِيهِ والتَّلَبُّسِ بِهِ.
وقَرِينَةُ المَجازِ هُنا هو لَفْظُ الأجَلِ لِأنَّهُ لا تُتَصَوَّرُ المُراجَعَةُ بَعْدَ بُلُوغِ الأجَلِ لِأنَّ في ذَلِكَ رَفْعَ مَعْنى التَّأْجِيلِ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٣٠٨
والإمْساكُ: اعْتِزامُ المُراجَعَةِ عُبِّرَ عَنْهُ بِالإمْساكِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ المُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لَها حُكْمُ الزَّوْجَةِ فِيما عَدا الِاسْتِمْتاعِ فَكَأنَّهُ لَمّا راجَعَها قَدْ أمْسَكَها أنْ لا تُفارِقَهُ فَكَأنَّهُ لَمْ يُفارِقْها لِأنَّ الإمْساكَ هو الضَّنُّ بِالشَّيْءِ وعَدَمُ التَّفْرِيطِ فِيهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]) وأنَّهُ إذا لَمْ يُراجِعْها فَكَأنَّهُ قَدْ أعادَ فِراقَها وقَسا قَلْبُهُ.
ومِن أجْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ جُعِلَ عَدَمُ الإمْساكِ فِراقًا جَدِيدًا في قَوْلِهِ (﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾) .
والأمْرُ في (﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾) أوْ (﴿فارِقُوهُنَّ﴾) لِلْإباحَةِ، و(أوْ) فِيهِ لِلتَّخْيِيرِ.
والباءُ في ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُلابَسَةِ كُلٍّ مِنَ الإمْساكِ والفِراقِ لِلْمَعْرُوفِ.
والمَعْرُوفُ: هو ما تَعارَفَهُ الأزْواجُ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ في المُعاشَرَةِ وفي الفِراقِ.
فالمَعْرُوفُ في الإمْساكِ: حُسْنُ اللِّقاءِ والِاعْتِذارُ لَها عَمّا فَرَّطَ والعَوْدُ إلى حُسْنِ المُعاشَرَةِ.
والمَعْرُوفُ في الفِراقِ: كَفُّ اللِّسانِ عَنْ غَيْبَتِها وإظْهارُ الِاسْتِراحَةِ مِنها.
والمَعْرُوفُ في الحالَيْنِ مِن عَمَلِ الرَّجُلِ لِأنَّهُ هو المُخاطَبُ بِالإمْساكِ أوِ الفِراقِ.
وأمّا المَعْرُوفُ الَّذِي هو مِن عَمَلِ المَرْأةِ فَمُقَرَّرٌ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) .
وتَقْدِيمُ الإمْساكِ أعْنِي المُراجَعَةَ عَلى إمْضاءِ المُفارَقَةِ إيماءٌ إلى أنَّهُ أرْضى لِلَّهِ تَعالى وأوْفَقُ بِمَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُراجَعَةِ بِالإمْساكِ، فَفُهِمَ أنَّ المُراجَعَةَ مَندُوبٌ إلَيْها لِأنَّ أبْغَضَ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ.
ولَمّا قُيِّدَ أمْرُ الإباحَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾) أوْ (﴿فارِقُوهُنَّ﴾)، بِقَيْدٍ بِالمَعْرُوفِ، فُهِمَ مِنهُ أنَّهُ إنْ كانَ إمْساكٌ دُونَ المَعْرُوفِ فَهو غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ وهو الإمْساكُ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ فَإذا قارَبَتِ انْتِهاءَ عِدَّتِها راجَعَها أيّامًا ثُمَّ طَلَّقَها بِفِعْلِ ذَلِكَ ثَلاثًا لِيُطِيلَ عَلَيْها مِنَ العِدَّةِ فَلا تَتَزَوَّجُ عِدَّةَ أشْهُرٍ إضْرارًا بِها.
وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١])، إلى قَوْلِهِ (﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
صفحة ٣٠٩
﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ .
ظاهِرُ وُقُوعِ هَذا الأمْرِ بَعْدَ ذِكْرِ الإمْساكِ أوِ الفِراقِ، أنَّهُ راجِعٌ إلى كِلَيْهِما لِأنَّ الإشْهادَ جُعِلَ تَتِمَّةً لِلْمَأْمُورِ بِهِ في مَعْنى الشَّرْطِ لِلْإمْساكِ أوِ الفِراقِ لِأنَّ هَذا العَطْفَ يُشْبِهُ القَيْدَ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَيْدًا وشَأْنُ الشُّرُوطِ الوارِدَةِ بَعْدَ جُمَلٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِها.
وظاهِرُ صِيغَةِ الأمْرِ الدَّلالَةُ عَلى الوُجُوبِ فَيَتَرَكَّبُ مِن هَذَيْنِ أنْ يَكُونَ الإشْهادُ عَلى المُراجَعَةِ وعَلى بَتِّ الطَّلاقِ واجِبًا عَلى الأزْواجِ لِأنَّ الإشْهادَ يَرْفَعُ أشْكالًا مِنَ النَّوازِلِ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأخَذَ بِهِ يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ مِنَ المالِكِيَّةِ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ وابْنُ حَنْبَلٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ ورُوِيَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وطاوُسٍ وإبْراهِيمَ وأبِي قِلابَةَ وعَطاءٍ. وقالَ الجُمْهُورُ: الإشْهادُ المَأْمُورُ بِهِ الإشْهادُ عَلى المُراجَعَةِ دُونَ بَتِّ الطَّلاقِ.
أمّا مُقْتَضى صِيغَةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى { ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ } فَقِيلَ هو مُسْتَحَبٌّ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ فِيما حَكاهُ ابْنُ القَصّارِ ولَعَلَّ مُسْتَنَدَ هَذا القَوْلِ عَدَمُ جَرَيانِ العَمَلِ بِالتِزامِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في عَصْرِ الصَّحابَةِ وعُصُورِ أهْلِ العِلْمِ، وقِياسُهُ عَلى الإشْهادِ بِالبَيْعِ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى عَدَمِ وُجُوبِهِ وكِلا هَذَيْنِ مَدْخُولٌ لِأنَّ دَعْوى العَمَلِ بِتَرْكِ الإشْهادِ دُونَها مَنعٌ، ولِأنَّ قِياسَ الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ عَلى البَيْعِ قَدْ يُقْدَحُ فِيهِ بِوُجُودِ فارِقٍ مُعْتَبَرٍ وهو خَطَرُ الطَّلاقِ والمُراجَعَةِ وأهَمِّيَّةُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما مِنَ الخُصُوماتِ بَيْنَ الأنْسابِ، وما في البُيُوعاتِ مِمّا يُغْنِي عَنِ الإشْهادِ وهو التَّقايُضُ في الأعْواضِ. وقِيلَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ المُراجَعَةُ دُونَ الفُرْقَةِ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ ونَسَبَهُ إسْماعِيلُ بْنُ حَمّادٍ مِن فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ بِبَغْدادَ إلى مالِكٍ وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ ابْنِ بُكَيْرٍ.
واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ هَذا الإشْهادَ لَيْسَ شَرْطًا في صِحَّةِ المُراجَعَةِ أوِ المُفارَقَةِ لِأنَّهُ إنَّما شُرِعَ احْتِياطًا لِحَقِّهِما وتَجَنُّبًا لِنَوازِلِ الخُصُوماتِ خَوْفًا مِن أنْ يَمُوتَ فَتَدَّعِي أنَّها زَوْجَةٌ لَمْ تُطَلَّقْ، أوْ أنْ تَمُوتَ هي فَيَدَّعِي هو ذَلِكَ، وكَأنَّهم بَنَوْهُ عَلى أنَّ الأمْرَ لا يَقْتَضِي الفَوْرَ، عَلى أنْ جَعْلَ الشَّيْءِ شَرْطًا لِغَيْرِهِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ خاصٍّ غَيْرِ دَلِيلِ الوُجُوبِ لِأنَّهُ قَدْ يَتَحَقَّقُ الإثْمُ بِتَرْكِهِ ولا يَبْطُلُ بِتَرْكِهِ ما أُمِرَ بِإيقاعِهِ مَعَهُ مِثْلَ
صفحة ٣١٠
الصَّلاةِ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ. وبِالثَّوَبِ المَغْصُوبِ. قالَ المُوجِبُونَ لِلْإشْهادِ لَوْ راجَعَ ولَمْ يُشْهِدْ أوْ بَتَّ الفِراقَ ولَمْ يُشْهِدْ صَحَّتْ مُراجَعَتُهُ ومُفارَقَتُهُ وعَلَيْهِ أنْ يُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قالَ يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ: مَعْنى الإشْهادِ عَلى المُراجَعَةِ والمُفارَقَةِ أنْ يُشْهِدَ عِنْدَ مُراجَعَتِها إنْ راجَعَها، وعِنْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها إنْ لَمْ يُراجِعْها أنَّهُ قَدْ كانَ طَلَّقَها وأنَّ عِدَّتَها قَدِ انْقَضَتْ.
ولِفُقَهاءِ الأمْصارِ في صِفَةِ ما تَقَعُ المُراجِعَةُ مِن صِيغَةٍ بِالقَوْلِ ومِن فِعْلِ ما هو مِن أفْعالِ الأزْواجِ تَفاصِيلُ مَحَلُّها كُتُبُ الفُرُوعِ ولا يَتَعَلَّقُ بِالآيَةِ إلّا ما جَعَلَهُ أهْلُ العِلْمِ دَلِيلًا عَلى المُراجَعَةِ عِنْدَ مَن جَعَلَهُ كَذَلِكَ.
* * *
﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ .
عَطْفٌ عَلى (﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾) .
والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِكُلِّ مَن تَتَعَلَّقُ بِهِ الشَّهادَةُ مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ والشُّهُودِ كُلٌّ يَأْخُذُ بِما هو حَظُّهُ مِن هَذَيْنِ الخِطابَيْنِ. ولَيْسَ هو مِن قَبِيلِ (﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]) لِظُهُورِ التَّوْزِيعِ هُناكَ بِاللَّفْظِ دُونَ ما هُنا فَإنَّهُ بِالمَعْنى فالكُلُّ مَأْمُورُونَ بِإقامَةِ الشَّهادَةِ.
فَتَعْرِيفُ الشَّهادَةِ لِاسْتِغْراقِ، أيْ كُلِّ شَهادَةٍ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ الشَّهادَةُ الشَّرْعِيَّةُ.
ومَعْنى إقامَةِ الشَّهادَةِ: إيقاعُها مُسْتَقِيمَةً لا عِوَجَ فِيها فالإقامَةُ مُسْتَعارَةٌ لِإيقاعِ الشَّهادَةِ عَلى مُسْتَوْفِيها ما يَجِبُ فِيها شَرْعًا مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةُ الشَّرِيعَةِ وهَذِهِ اسْتِعارَةُ شائِعَةُ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ (لِلَّهِ)، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ لا لِأجْلِ المَشْهُودِ لَهُ ولا لِأجْلِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ ولا لِأجْلِ مَنفَعَةِ الشّاهِدِ والإبْقاءِ عَلى راحَتِهِ. وتَقَدَّمَ بَعْضُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
صفحة ٣١١
﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ .
الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي فِيها مَوْعِظَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]، إلى قَوْلِهِ (﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾) .
والوَعْظُ: التَّحْذِيرُ مِمّا يَضُرُّ والتَّذْكِيرُ المُلَيِّنُ لِلْقُلُوبِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: ١٧]) في سُورَةِ النُّورِ.
* * *
﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] .
اعْتِراضُ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ﴾) وجُمْلَةِ (﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]) الآيَةَ، فَإنَّ تِلْكَ الأحْكامَ لَمّا اعْتُبِرَتْ مَوْعِظَةً بِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾) أُعْقِبَ ذَلِكَ بِقَضِيَّةٍ عامَّةٍ، وهي أنَّ تِلْكَ مِن تَقْوى اللَّهِ تَعالى وبِما لِتَقْوى اللَّهِ مِن خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ المَوْعِظَةِ والتَّرْهِيبِ بِالبِشارَةِ والتَّرْغِيبِ.
ولَمّا كانَ أمْرُ الطَّلاقِ غَيْرَ خالٍ مَن حَرَجٍ وغَمٍّ يَعْرِضُ لِلزَّوْجَيْنِ وأمْرُ المُراجَعَةِ لا يَخْلُو في بَعْضِ أحْوالِهِ مِن تَحَمُلِ أحَدِهِما لِبَعْضِ الكُرْهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي سَبَّبَتِ الطَّلاقَ، أعْلَمَهُما اللَّهُ بِأنَّهُ وعَدَ المُتَّقِينَ الواقِفِينَ عِنْدَ حُدُودِهِ أنْ يَجْعَلَ لَهم مَخْرَجًا مِنَ الضّائِقاتِ، شَبَّهَ ما هم فِيهِ مِنَ الحَرَجِ بِالمَكانِ المُغْلَقِ عَلى الحالِّ فِيهِ وشَبَّهَ ما يَمْنَحُهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ اللُّطْفِ وإجْراءِ الأُمُورِ عَلى ما يُلائِمُ أحْوالَهم بِجَعْلِ مَنفَذٍ في المَكانِ المُغْلَقِ يَتَخَلَّصُ مِنهُ المُتَضائِقُ فِيهِ.
فَفِي الكَلامِ اسْتِعارَتانِ إحْداهُما ضِمْنِيَّةٌ مَطْوِيَّةٌ والأُخْرى صَرِيحَةٌ وشَمْلَ المَخْرَجُ ما يَحُفُّ مِنَ اللُّطْفِ بِالمُتَّقِينَ في الآخِرَةِ أيْضًا بِتَخْلِيصِهِمْ مِن أهْوالِ الحِسابِ والِانْتِظارِ فالمَخْرَجُ لَهم في الآخِرَةِ هو الإسْراعُ بِهِمْ إلى النَّعِيمِ.
صفحة ٣١٢
ولَمّا كانَ مِن دَواعِي الفِراقِ والخِلافِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ما هو مِنَ التَّقْتِيرِ في الإنْفاقِ لِضِيقِ ذاتِ اليَدِ فَكانَ الإحْجامُ عَنِ المُراجَعَةِ عارِضًا كَثِيرًا لِلنّاسِ بَعْدَ التَّطْلِيقِ، أُتْبِعَ الوَعْدُ بِجَعْلِ المَخْرَجِ لِلْمُتَّقِينَ بِالوَعْدِ بِمَخْرَجٍ خاصٍّ وهو مَخْرَجُ التَّوْسِعَةِ في الرِّزْقِ.
وقَوْلُهُ (﴿مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]) احْتِراسٌ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أحَدٌ أنَّ طُرُقَ الرِّزْقِ مُعَطَّلَةٌ عَلَيْهِ فَيَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ فَيُمْسِكَ عَنْ مُراجَعَةِ المُطَلَّقَةِ لِأنَّهُ لا يَسْتَقْبِلُ مالًا يُنْفِقُ مِنهُ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ هَذا الرِّزْقَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ أعْلَمُ كَيْفَ يُهَيِّئُ لَهُ أسْبابًا غَيْرَ مُتَرَقَّبَةٍ.
فَمَعْنى (﴿مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]): مِن مَكانٍ لا يَحْتَسِبُ مِنهُ الرِّزْقَ أيْ لا يَظُنُّ أنَّهُ يُرْزَقُ مِنهُ.
و(حَيْثُ) مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في الأحْوالِ والوُجُوهِ تَشْبِيهًا لِلْأحْوالِ بِالجِهاتِ لِأنَّها لَمّا جُعِلَتْ مُقارِنَةً لِلرِّزْقِ أشْبَهَتِ المَكانَ الَّذِي يَرِدُ مِنهُ الوارِدُ ولِذَلِكَ كانَتْ مِن هُنا لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ حَيْثُ. فَفي حَرْفِ (مِن) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّها «نَزَلَتْ في شَأْنِ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ إذْ أسَرَ المُشْرِكُونَ ابْنَهُ سالِمًا فَأتى عَوْفٌ النَّبِيءَ ﷺ وشَكا إلَيْهِ ذَلِكَ وأنَّ أُمَّهُ جَزِعَتْ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ وأمَرَهُ وزَوْجَهُ أنْ يُكْثِرا قَوْلَ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ فَغَفَلَ المُشْرِكُونَ عَنِ الِابْنِ فَساقَ عَنْزًا كَثِيرَةً مِن عَنْزِ المُشْرِكِينَ وجاءَ بِها المَدِينَةَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُها في أثْناءِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فَصادَفَتِ الغَرَضَيْنِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ مُعْجِزاتِ القُرْآنِ.
الطلاق 65:3
﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهْوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بالِغٌ أمْرَهُ﴾ .
تَكْمِلَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها فَإنَّ تَقْوى اللَّهِ سَبَبُ تَفْرِيجِ الكُرَبِ والخَلاصِ مِنَ المَضائِقِ، ومُلاحَظَةُ المُسْلِمِ ذَلِكَ ويَقِينُهُ بِأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْهُ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ الَّتِي تُثَبِّطُهُ عَنِ التَّقْوى ويُحَقِّقُ وعْدَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
وحَسْبُ: وصَفٌ بِمَعْنى كافٍ. وأصْلُهُ اسْمُ مَصْدَرٍ أوْ مَصْدَرٌ.
صفحة ٣١٣
وجُمْلَةُ (﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾) في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ (﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾)، أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا وُقُوعَ ما وعَدَكُمُ اللَّهُ حِينَ تَرَوْنَ أسْبابَ ذَلِكَ مَفْقُودَةً فَإنَّ اللَّهَ إذا وعَدَ وعَدًا فَقَدْ أرادَهُ وإذا أرادَ اللَّهُ أمْرًا يَسَّرَ أسْبابَهُ.
ولَعَلَّ قَوْلَهُ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى، أيْ: عَلِمَ اللَّهُ أنْ يَكْفِيَ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ مُهِمَّةً فَقَدَّرَ لِذَلِكَ أسْبابَهُ كَما قَدَّرَ أسْبابَ الأشْياءِ كُلِّها فَلا تَشُكُّوا في إنْجازِ وعْدِهِ فَإنَّهُ إذا أرادَ أمْرًا يَسَّرَ أسْبابَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ النّاسُ وتَصارِيفُ اللَّهِ تَعالى خَفِيَّةٌ عَجِيبَةٌ.
ومَعْنى (﴿بالِغُ أمْرِهِ﴾): واصَلٌ إلى مُرادِهِ. والبُلُوغُ مُجازٌ مَشْهُورٌ في الحُصُولِ عَلى المُرادِ. والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّأْنِ.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رافِعٍ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ قالَ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ أيْ بَعْضَهم: فَنَحْنُ إذا تَوَكَّلْنا نُرْسِلُ ما كانَ لَنا ولا نَحْفَظُهُ فَنَزَلَتْ ( ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾، أيْ فِيكم وعَلَيْكم اهـ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (بالِغٌ) بِالتَّنْوِينِ و(أمْرَهُ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (﴿بالِغُ أمْرِهِ﴾) بِإضافَةِ (بالِغُ) إلى (أمْرِهِ) .
* * *
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ .
لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعٌ تَتَجَلّى فِيهِ صُورَةٌ مِن صُوَرِ إعْجازِ القُرْآنِ في تَرْتِيبِ مَواقِعِ الجُمَلِ بَعْضِها بَعْدَ بَعْضٍ كَما نَبَّهْتُ عَلَيْهِ في مَواقِعَ سَلَفَتْ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لَها مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ ناشِئِ عَمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ جُمَلُ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢])، إلى قَوْلِهِ (﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾) لِأنَّ اسْتِعْدادَ السّامِعِينَ لِلْيَقِينِ بِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الجُمَلُ مُتَفاوِتٌ فَقَدْ يَسْتَبْعِدُ بَعْضُ السّامِعِينَ تَحَقَّقَ الوَعْدِ لِأمْثالِهِ بِما تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الجُمَلُ بِعَرْضِها عَلى ارْتِباكِ أحْوالِهِ، أوْ يَتَرَدَّدُ يَقِينُهُ فَيَقُولُ: أيْنَ أنا مِن تَحْصِيلِ هَذا، حِينَ يُتْبِعُ نَظَرَهُ فَيَرى بَوْنًا عَنْ حُصُولِ المَوْعُودِ بِسَبَبِ انْعِدامِ وسائِلِهِ لَدَيْهِ فَيَتَمَلَّكُهُ اليَأْسُ.
صفحة ٣١٤
فَهَذا الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ وقَعَ عَقِبَ الوَعْدِ تَذْكِيرًا بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَواعِيدَهُ وهَيَّأ لَها مَقادِيرَ حُصُولِها لِأنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.
ولَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) فَإنَّ العِدَّةَ مِنَ الأشْياءِ فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِإحْصاءِ أمْرِها عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ تَقْدِيرَ مُدَّةِ العِدَّةِ جَعَلَهُ اللَّهُ، فَلا يُسَوَّغُ التَّهاوُنَ فِيهِ.
ولَها مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ( ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، أيِ الَّذِي وضَعَ تِلْكَ الحُدُودَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا لا يَعْدُوهُ كَما جَعَلَ الحُدُودَ.
ولَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢])، لِأنَّ المَعْنى إذا بَلَغْنَ القَدْرَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِمُدَّةِ العِدَّةِ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] فالمَعْنى: فَإنَّ لَمْ يُحْدِثِ اللَّهُ أمْرَ المُراجَعَةِ فَقَدْ رَفُقَ بِكم وحَطَّ عَنْكُمُ امْتِدادَ العِدَّةِ.
ولَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]) فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ الشَّهادَةَ قَدْرًا لِرَفْعِ النِّزاعِ.
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ جُزْءُ آيَةٍ وهي تَحْتَوِي عَلى حَقائِقَ مِنَ الحِكْمَةِ.
ومَعْنى (﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾) لِكُلِّ مَوْجُودٍ، أيْ لِكُلِّ حادِثٍ فالشَّيْءُ المَوْجُودُ سَواءً كانَ ذاتًا أوْ مَعْنًى مِنَ المَعانِي قالَ تَعالى ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] . فَعُمُومُ قَوْلِهِ (﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾) صَرِيحٌ في أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ يَجْعَلُ لَهُ حِينَ تَكْوِينِهِ قَدْرًا.
قالَ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِهِ: وذَلِكَ أنَّ فِعْلَ اللَّهِ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ أوْجَدَهُ بِالفِعْلِ، ومَعْنى إيجادِهِ بِالفِعْلِ أنَّهُ أبْدَعَهُ كامِلًا دَفْعَةً لا تَعْتَرِيهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ إلى أنْ يَشاءَ أنْ يُغْنِيَهُ أوْ يُبَدِّلَهُ كالسَّماواتِ وما فِيها. ومِنها ما جَعَلَ أُصُولَهُ مَوْجُودَةً بِالفِعْلِ وأجْزاءَهُ بِالصَّلاحِيَّةِ وقَدَّرَهُ عَلى وجْهٍ لا يَتَأتّى مِنهُ غَيْرُ ما قَدَّرَهُ فِيهِ كَتَقْدِيرِهِ في النَّواةِ أنْ يَنْبُتَ مِنها النَّخْلُ دُونَ أنْ يَنْبُتَ مِنها تُفّاحٌ أوْ زَيْتُونٌ. وتَقْدِيرِهِ نُطْفَةَ الإنْسانِ لِأنْ يَكُونَ مِنها إنْسانٌ دُونَ حَيَوانٍ آخَرَ. فَتَقْدِيرُ اللَّهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما بِالحُكْمِ
صفحة ٣١٥
مِنهُ أنْ تَكُونَ كَذا أوْ لا يَكُونَ كَذا: إمّا عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ وإمّا عَلى سَبِيلِ الإمْكانِ. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ . والثّانِي بِإعْطاءِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿فَقَدَرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]) أوْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ اهـ.
والقَدْرُ: مُصْدَرُ (قَدَرَهُ) المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ بِتَخْفِيفِ الدّالِ الَّذِي مَعْناهُ وضَعَ فِيهِ بِمِقْدارٍ كِمِّيَّةً ذاتِيَّةً أوْ مَعْنَوِيَّةً تُجْعَلُ عَلى حَسَبِ ما يَتَحَمَّلُهُ المَفْعُولُ. فَقَدْرُ كُلِّ مَفْعُولٍ لِفِعْلٍ قَدْرُ ما تَتَحَمَّلُهُ طاقَتُهُ واسْتِطاعَتُهُ مِن أعْمالٍ، أوْ تَتَحَمَّلُهُ مِساحَتُهُ مِن أشْياءَ أوْ يَتَحَمَّلُهُ وعْيُهُ لِما يَكِدُّ بِهِ ذِهْنُهُ مِن مَدارِكَ وأفْهامٍ. ومِن فُرُوعِ هَذا المَعْنى ما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ هُنا (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]) .
ومِن جُزْئِيّاتِ مَعْنى القَدْرِ ما يُسَمّى التَّقْدِيرُ: مَصْدَرُ (قَدَّرَ) المُضاعَفِ إذا جَعَلَ شَيْئًا أوْ أشْياءَ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مُناسِبٍ لِما جُعِلَ لِأجْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ [سبإ: ١١]) في سُورَةِ سَبَأٍ.
الطلاق 65:4
﴿واللّاءِ يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) فَإنَّ العِدَّةَ هُنالِكَ أُرِيدَ بِها الأقْراءُ فَأشْعَرَ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ المُعْتَدَّةَ مِمَّنْ لَها أقْراءٌ، فَبَقِيَ بَيانُ اعْتِدادِ المَرْأةِ الَّتِي تَجاوَزَتْ سِنَّ المَحِيضِ أوِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ مَن تَحِيضُ وهي الصَّغِيرَةُ. وكِلْتاهُما يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها آيِسَةٌ مِنَ المَحِيضِ، أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
والوُقُفُ عَلى قَوْلِهِ (﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾)، أيْ هُنَّ مَعْطُوفاتٌ عَلى الآيِسِينَ.
واليَأْسُ: عَدَمُ الأمَلِ. والمَأْيُوسُ مِنهُ في الآيَةِ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١])، أيْ يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ سَواءً كانَ اليَأْسُ مِنهُ بَعْدَ تَعَدُّدِهِ أوْ كانَ بِعَدَمِ ظُهُورِهِ، أيْ لَمْ يَكُنِ انْقِطاعَهُ لِمَرَضٍ أوْ إرْضاعٍ. وهَذا السِّنُّ يَخْتَلِفُ تَحْدِيدُهُ بِاخْتِلافِ الذَّواتِ والأقْطارِ كَما يَخْتَلِفُ سِنُّ ابْتِداءِ الحَيْضِ كَذَلِكَ. وقَدْ
صفحة ٣١٦
اخْتُلِفَ في تَحْدِيدِ هَذا السِّنِّ بِعَدَدِ السِّنِينَ فَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: خَمْسٌ وخَمْسُونَ، وتَرْكُ الضَّبْطِ بِالسِّنِينَ أوْلى وإنَّما هَذا تَقْرِيبٌ لِإبانِ اليَأْسِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيِّنٌ وهي مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ (﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ نَزَلَتْ سُورَةُ الطَّلاقِ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ خُفِيَ مَفادُ الشَّرْطِ مِن قَوْلِهِ (﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾) وما هو مُتَّصِلٌ بِهِ. وجُمْهُورُ أهْلِ التَّفْسِيرِ جَعَلُوا هَذا الشَّرْطَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي وقَعَ هو في أثْنائِهِ، وإنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، خِلافًا لِشُذُوذِ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ وتَشْتِيتٍ لِشَمْلِ الكَلامِ، ثُمَّ خُفِيَ المُرادُ مِن هَذا الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ (﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾) .
ولِلْعُلَماءِ فِيهِ طَرِيقَتانِ: الطَّرِيقَةُ الأُولى: مَشى أصْحابُها إلى أنَّ مَرْجِعَ اليَأْسِ غَيْرُ مَرْجِعِ الِارْتِيابِ بِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فَرَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عِدَّةَ ذَواتِ القُرُوءِ وذَواتِ الحَمْلِ، أيْ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَقِيَتِ اليائِسَةُ والَّتِي لَمْ تَحِضِ ارْتابَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أمْرِهِما فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومِثْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَوى الطَّبَرِيُّ خَبَرًا «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ اعْتِدادِ هاتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَمْ تُذْكَرا في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . فَجَعَلُوا حَرْفَ (إنْ) بِمَعْنى (إذْ) وأنَّ الِارْتِيابَ وقَعَ في حُكْمِ العِدَّةِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، أيْ إذِ ارْتَبْتُمْ في حُكْمِ ذَلِكَ فَبَيَّنّاهُ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: حَدِيثُ أُبَيٍّ غَيْرُ صَحِيحٍ. وأنا أقُولُ: رَواهُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ. والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سالِمٍ أنَّ أُبَيًّا قالَ: ولَيْسَ في رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى إسْنادِ الحَدِيثِ.
وهُوَ في رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ بِسَنَدِهِ إلى أبِي عُثْمانَ عُمَرَ بْنِ سالِمٍ الأنْصارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ أبا عُثْمانَ لَمْ يَلْقَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وأحْسَبُ أنَّهُ في
صفحة ٣١٧
مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ كَذَلِكَ لِأنَّ البَيْهَقِيَّ رَواهُ عَنِ الحاكِمِ فَلا وجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ العَرَبِيِّ: هو غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإنَّ رِجالَ سَنَدِهِ ثِقاتٌ.
وفِي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ عَنْ قَتادَةَ «أنَّ خَلّادَ بْنَ النُّعْمانِ وأُبَيًّا سَألا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ: إنَّ السّائِلَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ سَألَ عَنْ عِدَّةِ الآيِسَةِ.
فالرِّيبَةُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَكُونُ مُرادًا بِها ما حَصَلَ مِنَ التَّرَدُّدِ في حُكْمِ هَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو المَوْصُولُ وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو جُمْلَةُ (﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾) .
والفاءُ في (﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾) داخِلَةٌ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ لِما في المَوْصُولِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦]) ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
والِارْتِيابُ عَلى هَذا قَدْ وقَعَ فِيما مَضى فَتَكُونُ (إنْ) مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى اليَقِينِ بِلا نُكْتَةٍ.
والطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ: مَشى أصْحابُها إلى أنَّ مَرْجِعَ اليَأْسِ ومَرْجِعَ الِارْتِيابِ واحِدٌ، وهو حالَةُ المُطَلَّقَةِ مِنَ المَحِيضِ، وهو عَنْ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وبِهِ فَسَّرَ يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ وإسْماعِيلُ بْنُ هادٍ مِنَ المالِكِيَّةِ ونَسَبَهُ ابْنُ لُبابَةَ مِنَ المالِكِيَّةِ إلى داوُدَ الظّاهِرِيِّ.
وهَذا التَّفْسِيرُ يَمْحَضُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِارْتِيابِ حُصُولَ الرَّيْبِ في حالِ المَرْأةِ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنْ (اللّائِي يَئِسْنَ)، أيْ إنِ ارْتَبْنَ هُنَّ وارْتَبْتُمْ أنْتُمْ لِأجْلِ ارْتِيابِهِنَّ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ جَمْعِ الذُّكُورِ المُخاطَبِينَ تَغْلِيبًا ويَبْقى الشَّرْطُ عَلى شَرْطِيَّتِهِ. والِارْتِيابُ مُسْتَقْبَلٌ والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ.
صفحة ٣١٨
وهَذا التَّفْسِيرُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاعْتِدادُ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ مَشْرُوطًا بِأنْ تَحْصُلَ الرِّيبَةُ في يَأْسِها مِنَ المَحِيضِ فاصْطَدَمَ أصْحابُهُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهُ إنْ لَمْ تَحْصُلِ الرِّيبَةُ في يَأْسِهِنَّ أنَّهُنَّ لا يَعْتَدِدْنَ بِذَلِكَ أوْ لا يَعْتَدِدْنَ أصْلًا فَنَسَبَ ابْنُ لُبابَةَ مِن فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ إلى داوُدَ الظّاهِرِيِّ أنَّهُ ذَهَبَ إلى سُقُوطِ العِدَّةِ عَنِ المَرْأةِ الَّتِي يُوقِنُ أنَّها يائِسَةٌ.
قُلْتُ ولا تُعْرَفُ نِسْبَةُ هَذا إلى داوُدَ. فَإنَّ ابْنَ حَزْمٍ: لَمْ يَحْكِهِ عَنْهُ ولا حَكاهُ أحَدٌ مِمَّنْ تَعَرَّضُوا لِاخْتِلافِ الفُقَهاءِ، قالَ ابْنُ لُبابَةَ: وهو شُذُوذٌ، وقالَ ابْنُ لُبابَةَ: وأمّا ابْنُ بُكَيْرٍ وإسْماعِيلُ بْنُ حَمّادٍ، أيْ مِن فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ فَجَعَلا المَرْأةَ المُتَيَقَّنَ يَأْسُها مُلْحَقَةً بِالمُرْتابَةِ في العِدَّةِ بِطَرِيقِ القِياسِ يُرِيدُ أنَّ العِدَّةَ لَها حِكْمَتانِ بَراءَةُ الرَّحِمِ، وانْتِظارُ المُراجَعَةِ، وأمّا الَّذِينَ لا يَعْتَبِرُونَ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ فَهم في سِعَةٍ مِمّا لَزِمَ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَهُ.
وأصْحابُ هَذا الطَّرِيقِ مُخْتَلِفُونَ في الوِجْهَةِ وفي مَحْمِلِ الآيَةِ بِحَسَبِها: فَقالَ عِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ وقَتادَةُ: لَيْسَ عَلى المَرْأةِ المُرْتابِ في مُعاوَدَةِ الحَيْضِ إلَيْها عِدَّةٌ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أشْهُرٍ تَعَلُّقًا بِظاهِرٍ لِلْآيَةِ ولَعَلَّ عِلَّةَ ذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ ثَلاثَةَ الأشْهُرِ يَتَبَيَّنُ فِيها أمْرُ الحَمْلِ فَإنَّ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ بَعْدَ انْقِضائِها تَمَّتْ عِدَّةُ المَرْأةِ، لِأنَّ الحَمْلَ بَعْدَ سِنِّ اليَأْسِ نادِرٌ فَإذا اعْتَرَتْها رِيبَةُ الحَمْلِ انْتَقَلَ النَّظَرُ إلى حُكْمِ الشَّكِّ في الحَمْلِ وتِلْكَ مَسْألَةٌ غَيْرُ الَّتِي نَزَلَتْ في شَأْنِها الآيَةُ.
وقالَ الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرْتابَ في يَأْسِها تَمْكُثُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ (أيْ أمَدَ الحَمْلِ المُعْتادِ) فَإنْ لَمْ يَظْهَرْ بِها حَمْلٌ ابْتَدَأتِ الِاعْتِدادَ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ فَتَكْمُلُ لَها سَنَةٌ كامِلَةٌ. وأصِلُ ذَلِكَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ مِن قَضاءِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ولَمْ يُخالِفْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وأخَذَ بِهِ مالِكٌ. وعَنْ مالِكٍ في المُدَوَّنَةِ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ لِلرِّيبَةِ والثَّلاثَةُ الأشْهُرِ هي العِدَّةُ. ولَعَلَّهم رَأوْا أنَّ العِدَّةَ بَعْدَ مُضِيِّ التِّسْعَةِ الأشْهُرِ تَعَبُّدٌ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي في القُرْآنِ وأمّا التِّسْعَةُ الأشْهُرِ فَأوْجَبَها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَعَلَّهُ بِالِاجْتِهادِ، وهو تَقْيِيدٌ لِلْإطْلاقِ الَّذِي في الآيَةِ.
وقالَ النَّخَعِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: تَعْتَدُّ المُرْتابُ في يَأْسِها بِالأقْراءِ أيْ تَنْتَظِرُ الدَّمَ إلى أنْ تَبْلُغَ سِنَّ مَن لا يُشْبِهُ أنْ تَحِيضَ ولَوْ زادَتْ مُدَّةُ
صفحة ٣١٩
انْتِظارِها عَلى تِسْعَةِ أشْهُرٍ. فَإذا بَلَغَتْ سِنَّ اليَأْسِ دُونَ رِيبَةٍ اعْتَدَّتْ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ مِن يَوْمِئِذٍ. ونَحْنُ نَتَأوَّلُ لَهُ بِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، أيْ بَعْدَ زَوالِ الِارْتِيابِ كَما سَنَذْكُرُهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ الأشْهُرِ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعَةِ أشْهُرٍ أوْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَبْلُغُ بِها سِنَّ مَن لا يُشْبِهُ أنْ تَحِيضَ تَعَبُّدٌ، لِأنَّ انْتِفاءَ الحَمْلِ قَدِ اتَّضَحَ وانْتِظارَ المُراجَعَةِ قَدِ امْتَدَّ. إلّا أنْ نَعْتَذِرَ لَهم بِأنَّ مُدَّةَ الِانْتِظارِ لا يَتَحَفَّزُ في خِلالِها المُطَلِّقُ لِلرَّأْيِ في أمْرِ المُراجَعَةِ لِأنَّهُ في سِعَةِ الِانْتِظارِ فَيُزادُ في المُدَّةِ لِأجْلِ ذَلِكَ، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: مِنَ الرِّيبَةِ المَرْأةُ المُسْتَحاضَةُ الَّتِي لا يَسْتَقِيمُ لَها الحَيْضُ في أوَّلِ الشَّهْرِ مِرارًا، وفي الأشْهُرِ مَرَّةً أيْ بِدُونَ انْضِباطٍ اهـ. ونَقْلَ الطَّبَرِيُّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وابْنِ زَيْدٍ، فَيَجِبُ أنْ يُصارَ إلى هَذا الوَجْهِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ. والمَرْأةُ إذا قارَبَتْ وقْتَ اليَأْسِ لا يَنْقَطِعُ عَنْها الحَيْضُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ تَبْقى عِدَّةَ أشْهُرٍ يَنْتابُها الحَيْضُ غِبًّا بِدُونِ انْتِظامٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ تَمامًا.
وقَوْلُهُ تَعالى (﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾) عَطْفٌ عَلى (﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾) والتَّقْدِيرُ: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. ويَحْسُنُ الوُقُفُ عَلى قَوْلِهِ (﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾) .
* * *
﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾) فَهي إتْمامٌ لِأحْوالِ العِدَّةِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) وتَقْدِيرُ الكَلامِ: (وأُولاتُ الأحْمالِ مِنهُنَّ)، أيْ مِنَ المُطَلَّقاتِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.
فَحَصَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ المُطَلَّقاتِ وحَصَلَ أيْضًا مِنها بَيانٌ لِإجْمالِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ.
(﴿وأُولاتُ﴾) اسْمُ جَمْعٍ لِذاتٍ بِمَعْنى: صاحِبَةٍ. وذاتُ: مُؤَنَّثُ ذُو، بِمَعْنى: صاحِبٍ. ولا مُفْرَدَ لِ (أُولاتُ) مِن لَفْظِهِ كَما لا مُفْرَدَ لِلَفْظِ (أُولُوا) و(أُولاتُ) مِثْلُ ذَواتٍ كَما أنَّ أُولُو مِثْلُ ذَوُو. ويُكْتَبُ (أُولاتُ) بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ في الرَّسْمِ تَبَعًا لِكِتابَةِ لَفْظِ (أُولُو) بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ لِقَصْدِ التَّفْرِقَةِ في الرَّسْمِ بَيْنَ أُولِي في حالَةِ
صفحة ٣٢٠
النَّصْبِ والجَرِّ وبَيْنَ حَرْفِ (إلى) . ولَيْتَهم قَصَرُوا كِتابَتَهُ بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ عَلى لَفْظِ أُولِي المُذَكَّرِ المَنصُوبِ أوِ المَجْرُورِ وتَرَكُوا التَّكَلُّفَ في غَيْرِهِما.
وجُعِلَتْ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ الحامِلِ مَنهاةً بِوَضْعِ الحَمْلِ لِأنَّهُ لا أدَلَّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ مِنهُ، إذِ الغَرَضُ الأوَّلُ مِنَ العِدَّةِ تَحَقُّقُ بَراءَةِ الرَّحِمِ مِن ولَدٍ لِلْمُطَلَّقِ أوْ ظُهُورِ اشْتِغالِ الرَّحِمِ بِجَنَيْنٍ لَهُ. وضُمَّ إلى ذَلِكَ غَرَضٌ آخَرُ وهو تَرَقُّبُ نَدَمِ المُطَلِّقِ وتَمْكِينُهُ مِن تَدارُكِ أمْرِهِ بِالمُراجَعَةِ، فَلَمّا حَصَلَ الأهَمُّ أُلْغِيَ ما عَداهُ رَعْيًا لِحَقِّ المَرْأةِ في الِانْطِلاقِ مِن حَرَجِ الِانْتِظارِ، عَلى أنَّ الحَمْلَ قَدْ يَحْصُلُ بِالقُرْبِ مِنَ الطَّلاقِ فَأُلْغِيَ قَصْدُ الِانْتِظارِ تَعْلِيلًا بِالغالِبِ دُونَ النّادِرِ، خِلافًا لِمَن قالَ في المُتَوَفّى عَنْها: عَلَيْها أقْصى الأجَلَيْنِ وهو مَنسُوبٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ العَبّاسِ.
وبِهَذا التَّفْسِيرِ لا تَتَعارَضُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ آيَةِ عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) لِأنَّ تِلْكَ في وادٍ وهَذِهِ في وادٍ، تِلْكَ شَأْنُ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ وهَذِهِ في شَأْنِ المُطَلَّقاتِ.
ولَكِنْ لَمّا كانَ أجَلُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ لِلْمُتَوَفّى عَنْها مُنْحَصِرَةً حِكْمَتُهُ في تَحَقُّقِ بَراءَةِ رَحِمِ امْرَأةِ المُتَوَفّى مِن ولَدٍ لَهُ إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الشَّرِيعَةَ جَعَلَتْ ذَلِكَ لِغَرَضِ الحُزْنِ عَلى الزَّوْجِ المُتَوَفّى لِلْقَطْعِ بِأنَّ هَذا مَقْصِدٌ جاهِلِيٌّ، وقَدْ دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ في مَواضِعَ عَلى إبْطالِهِ والنَّهْيِ عَنْهُ في تَصارِيفَ كَثِيرَةٍ كَما بَيَّناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) إلَخْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ عَلِمْنا أنَّ وضْعَ الحَمْلِ غايَةٌ لِحُصُولِ هَذا المَقْصِدِ نَجَمَ مِن جِهَةِ المَعْنى أنَّ المُتَوَفّى عَنْها الحامِلَ إذا وضَعَتْ حَمْلَها تَخْرُجُ مِن عِدَّةِ وفاةِ زَوْجِها ولا تُقَضِّي أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا كَما أنَّها لَوْ كانَ أمَدُ حَمْلِها أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ لا تَقْتَصِرُ عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وعَشْرٍ إذْ لا حِكْمَةَ في ذَلِكَ.
مِن أجْلِ ذَلِكَ كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ عِدَّةَ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها سَواءً كانَتْ مُعْتَدَّةً مِن طَلاقٍ أمْ كانَتْ مُعْتَدَّةً في وفاةٍ.
صفحة ٣٢١
ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم: إنَّ عِدَّةَ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها كَعِدَّتِها مِنَ الطَّلاقِ وضْعُ حَمْلِها غَيْرَ أنَّ أقْوالَهم تَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَهم مَن كانُوا يَرَوْنَ في تَعارُضِ العُمُومَيْنِ أنَّ العامَّ المُتَأخِّرَ مِنهُما يَنْسَخُ العامَّ الآخَرَ وهي طَرِيقَةُ المُتَقَدِّمِينَ.
رَوى أهْلُ الصَّحِيحِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ قالَ في عِدَّةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها: إنَّ عَلَيْها أقْصى الأجَلَيْنِ (أيْ أجَلِ وضْعِ الحَمْلِ وأجَلِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ) قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى أيْ سُورَةُ الطَّلاقِ بَعْدَ الطُّولى أيْ بَعْدَ طُولى السُّوَرِ وهي البَقَرَةُ، أيْ لَيْسَتْ آيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ بِناسِخَةٍ لِما في آيَةِ سُورَةِ الطَّلاقِ. ( ويُعَضِّدُهم خَبَرُ «سُبَيْعَةَ بَنْتِ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةِ تُوُفِّيَ زَوْجُها سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمَكَّةَ وتَرَكَها حامِلًا فَوَضَعَتْ بَعْدَ وفاتِهِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وقِيلَ بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً. فاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في التَّزَوُّجِ فَقالَ لَها: قَدْ حَلَلْتِ فانْكِحِي إنْ شِئْتِ» . رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ وقَبِلَهُ مُعْظَمُ الصَّحابَةِ الَّذِينَ بَلَغَهم. وتَلَقّاهُ الفُقَهاءُ بَعْدَهم بِالقَبُولِ ويُشْهَدُ لَهُ بِالمَعْنى والحِكْمَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
واخْتَلَفَ المُتَأخِّرُونَ مِن أهْلِ الأُصُولِ في وجْهِ العَمَلِ في تَعارُضِ عُمُومَيْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عامٌّ مِن وجْهٍ مِثْلَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ فالجُمْهُورُ دَرَجُوا عَلى تَرْجِيحِ أحَدِهِما بِمُرَجِّحٍ والحَنَفِيَّةُ جَعَلُوا المُتَأخِّرَ مِنَ العَمُودَيْنِ ناسِخًا لِلْمُتُقَدِّمِ. فَقَوْلُهُ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) لِأنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ فَيَعُمُّ كُلَّ حامِلٍ مُعْتَدَّةٍ سَواءً كانَتْ في عِدَّةِ الطَّلاقِ أوْ في عِدَّةِ وفاةٍ، وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] تَعُمُّ كُلَّ امْرَأةٍ تَرَكَها المَيِّتُ سَواءً كانَتْ حامِلًا أوْ غَيْرَ حامِلٍ، لِأنَّ ( ﴿أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) نَكِرَةٌ وقَعَتْ مَفْعُولَ الصِّلَةِ وهي (﴿يَذَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) المُشْتَمِلَةُ عَلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ الَّذِي هو عامٌّ فَمَفْعُولُهُ تَبَعٌ لَهُ في عُمُومِهِ فَيَشْمَلُ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ الحَوامِلَ وهُنَّ مِمَّنْ شَمَلَهُنَّ عُمُومُ (﴿أُولاتُ الأحْمالِ﴾) فَتَعارُضُ العُمُومانِ كُلٌّ مِن وجْهٍ، فَآيَةُ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) اقْتَضَتْ أنَّ الحَوامِلَ كُلَّهُنَّ تَنْتَهِي عِدَّتُهُنَّ بِالوَضْعِ وقَدْ يَكُونُ الوَضْعُ قَبْلَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ، وآيَةُ البَقَرَةِ يَقْتَضِي عُمُومُها أنَّ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ يَتَرَبَّصْنَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. وقَدْ يَتَأخَّرُ هَذا الأجَلُ عَنْ وضْعِ الحَمْلِ.
صفحة ٣٢٢
فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى تَرْجِيحِ عُمُومِ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) عَلى عُمُومِ (﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ عُمُومَ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) حاصِلٌ بِذاتِ اللَّفْظِ لِأنَّ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وأمّا قَوْلُهُ (﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) فَإنَّ (﴿أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ فَلا عُمُومَ لَها في لَفْظِها وإنَّما عَرَضَ لَها العُمُومُ تَبَعًا لِعُمُومِ المَوْصُولِ العامِلِ فِيها وما كانَ عُمُومُهُ بِالذّاتِ أرْجَحَ مِمّا كانَ عُمُومُهُ بِالعَرْضِ.
وثانِيها: أنَّ الحُكْمَ في عُمُومِ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) عُلِّقَ بِمَدْلُولِ صِلَةِ المَوْصُولِ وهي مُشْتَقٌّ، وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيلِ ما اشْتُقَّ مِنهُ بِخِلافِ العُمُومِ الَّذِي في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَما كانَ عُمُومُهُ مُعَلَّلًا بِالوَصْفِ أرْجَحُ في العَمَلِ مِمّا عُمُومُهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ.
وثالِثُها: قَضاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عِدَّةِ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ.
وذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ إلى أنَّ عُمُومَ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) ناسِخٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ (﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) في مِقْدارِ ما تَعارَضا فِيهِ.
ومَآلُ الرَّأْيَيْنِ واحِدٌ هو أنَّ عِدَّةَ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها سَواءً كانَتْ مُعْتَدَّةً مِن طَلاقٍ أمْ مِن وفاةِ زَوْجِها.
والصَّحِيحُ أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ حُكْمُها وشَذَّ القائِلُونَ بِأنَّ المُتَوَفّى عَنْها إنَّ لَمْ تَكُنْ حامِلًا ووَضَعَتْ حَمْلَها يَجِبُ عَلَيْها عِدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرًا.
وقالَ قَلِيلٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِما يُحَقِّقُ العَمَلَ بِهِما مَعًا فَأوْجَبُوا عَلى الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها الِاعْتِدادَ بِالأقْصى مِنَ الأجَلَيْنِ أجَلِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ وأجَلِ وضْعِ الحَمْلِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ. وقَصْدُهم مِن ذَلِكَ الِاحْتِياطُ لِأنَّهُ قَدْ تَأتّى لَهم هُنا إذْ كانَ التَّعارُضُ في مِقْدارِ زَمَنَيْنِ فَأُمْكِنَ العَمَلُ بِأوْسَعِهِما الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الآخَرُ وزِيادَةٌ فَيَصِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ (﴿أُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) ما لَمْ تَكُنْ في عِدَّةِ وفاةٍ ويَكُونُ مَعْنى آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وأزْواجُ المُتَوَفَّيْنَ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ما لَمْ تَكُنَّ حَوامِلَ فَيَزِدْنَ تَرَبُّصًا إلى وضْعِ الحَمْلِ. ولا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ
صفحة ٣٢٣
(﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) بِما في آيَةِ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) مِن خُصُوصٍ بِالنَّظَرِ إلى الحَوامِلِ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ تَنْتَهِيَ عِدَّةُ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها الَّتِي مَضَتْ عَلَيْها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ قَبْلَ وضْعِ حَمْلِها مِن عِدَّةِ زَوْجِها، وهي في حالَةِ حَمْلٍ لِأنَّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ بُطْلانُهُ مِن عِدَّةِ أدِلَّةٍ في الشَّرِيعَةِ لا خِلافَ فِيها وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: كُنْتُ في حَلْقَةٍ فِيها عُظْمٌ مِنَ الأنْصارِ أيْ بِالكُوفَةِ وفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى وكانَ أصْحابُهُ يَعِظُونَهُ فَذَكَرَ آخِرَ الأجَلَيْنِ، فَحَدَّثَتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ في شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَكِنَّ عَمَّهُ أيْ عَمَّ عُتْبَةَ وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ كانَ لا يَقُولُ ذَلِكَ أيْ لَمْ يُحَدِّثْنا بِهِ فَقُلْتُ: إنِّي إذَنْ لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلى رَجُلٍ في جانِبِ الكُوفَةِ وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ ساكِنًا بِظاهِرِ الكُوفَةِ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ عامِرًا أوْ مالِكَ بْنَ عَوْفٍ فَقُلْتُ: كَيْفَ كانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها وهي حامِلٌ، فَقالَ: قالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ ولا تَجْعَلُونَ لَها الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى بَعْدَ الطُّولى (أيِ البَقَرَةِ) .
وفِي البُخارِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ جالَسٌ عِنْدَهُ فَقالَ: أفْتِنِي في امْرَأةٍ ولَدَتْ بَعْدَ زَوْجِها بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ الأجَلَيْنِ. فَقُلْتُ أنا (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: أنا مَعَ ابْنِ أخِي أيْ مَعَ أبِي سَلَمَةَ فَأرْسَلَ ابْنُ عَبّاسٍ كُرَيْبًا إلى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْألُها فَقالَتْ: قُتِلَ - (كَذا والتَّحْقِيقُ أنَّهُ ماتَ في حِجَّةِ الوَداعِ) - زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ وهي حُبْلى فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَخُطِبَتْ فَأنْكَحَها رَسُولُ اللَّهِ. وقَدْ قالَ بَعْضُهم: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. ولَمْ يُذْكَرْ رُجُوعُهُ في حَدِيثِ أبِي سَلَمَةَ.
* * *
﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ .
صفحة ٣٢٤
تَكْرِيرٌ لِلْمَوْعِظَةِ وهو اعْتِراضٌ. والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]) . والمَقْصُودُ مَوْعِظَةُ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى الأخْذِ بِما في هَذِهِ الأحْكامِ مِمّا عَسى أنْ يَكُونَ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى أحَدٍ بِأنَّ عَلى كُلٍّ أنْ يَصْبِرَ لِذَلِكَ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ فَإنَّ المُمْتَثِلَ وهو مُسَمًّى المُتَّقِيَ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ يُسْرًا فِيما لَحِقَهُ مِن عُسْرٍ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ. والمَقْصُودُ: يَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ العَسِيرِ في نَظَرِهِ يُسْرًا بِقَرِينَةِ جَعْلِ اليُسْرَ لِأمْرِهِ.
و(مَن) لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ المُقارَنَةُ والمُلابَسَةُ.
واليُسْرُ: انْتِفاءُ الصُّعُوبَةِ، أيِ انْتِفاءُ المَشاقِّ والمَكْرُوهاتِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْقِيقُ الوَعْدِ بِاليُسْرِ فِيما شَأْنُهُ العُسْرُ لِحَثِّ الأزْواجِ عَلى امْتِثالِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ الزَّوْجَ مِنَ الإنْفاقِ في مُدَّةِ العِدَّةِ ومِنَ المُراجَعَةِ وتَرْكِ مَنزِلِهِ لِأجْلِ سُكْناها إذا كانَ لا يَسَعُهُما وما أمَرَ بِهِ المَرْأةَ مِن تَرَبُّصِ أمَدِ العِدَّةِ وعَدَمِ الخُرُوجِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ﴾) إلى الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَتَيْنِ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ (﴿أمْرُ اللَّهِ﴾): حُكْمُهُ وما شَرَعَهُ لَكم كَما قالَ (﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]) .
وإنْزالُهُ: إبْلاغُهُ إلى النّاسِ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ أطْلَقَ عَلَيْهِ الإنْزالَ تَشْبِيهًا لِشَرَفِ مَعانِيهِ وألْفاظِهِ بِالشَّيْءِ الرَّفِيعِ لِأنَّ الشَّرِيفَ يُتَخَيَّلُ رَفِيعًا. وهو اسْتِعارَةٌ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. فَفي قَوْلِهِ (﴿أنْزَلَهُ﴾) اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ.
والكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ الحَثِّ عَلى التَّهَمُّمِ بِرِعايَتِهِ والعَمَلِ بِهِ وبَعْثِ النّاسِ عَلى التَّنافُسِ في العِلْمِ بِهِ إذْ قَدِ اعْتَنى اللَّهُ بِالنّاسِ حَيْثُ أنْزَلَ إلَيْهِمْ ما فِيهِ صَلاحُهم.
وأُعِيدَ التَّحْرِيضُ عَلى العَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِالوَعَدِ بِما هو أعْظَمُ مِنَ الأرْزاقِ وتَفْرِيجِ الكَرْبِ وتَيَسُّرِ الصُّعُوباتِ في الدُّنْيا. وذَلِكَ هو تَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئاتِ وتَوْفِيرُ الأُجُورِ.
صفحة ٣٢٥
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ فَلَها حُكْمُ الِاعْتِراضِ.
وجِيءَ بِالوَعْدِ مِنَ الشَّرْطِ لِتَحْقِيقِ تَعْلِيقِ الجَوابِ عَلى شَرْطِهِ.
الطلاق 65:5
﴿واللّاءِ يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) فَإنَّ العِدَّةَ هُنالِكَ أُرِيدَ بِها الأقْراءُ فَأشْعَرَ ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ المُعْتَدَّةَ مِمَّنْ لَها أقْراءٌ، فَبَقِيَ بَيانُ اعْتِدادِ المَرْأةِ الَّتِي تَجاوَزَتْ سِنَّ المَحِيضِ أوِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ مَن تَحِيضُ وهي الصَّغِيرَةُ. وكِلْتاهُما يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها آيِسَةٌ مِنَ المَحِيضِ، أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
والوُقُفُ عَلى قَوْلِهِ (﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾)، أيْ هُنَّ مَعْطُوفاتٌ عَلى الآيِسِينَ.
واليَأْسُ: عَدَمُ الأمَلِ. والمَأْيُوسُ مِنهُ في الآيَةِ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١])، أيْ يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ سَواءً كانَ اليَأْسُ مِنهُ بَعْدَ تَعَدُّدِهِ أوْ كانَ بِعَدَمِ ظُهُورِهِ، أيْ لَمْ يَكُنِ انْقِطاعَهُ لِمَرَضٍ أوْ إرْضاعٍ. وهَذا السِّنُّ يَخْتَلِفُ تَحْدِيدُهُ بِاخْتِلافِ الذَّواتِ والأقْطارِ كَما يَخْتَلِفُ سِنُّ ابْتِداءِ الحَيْضِ كَذَلِكَ. وقَدْ
صفحة ٣١٦
اخْتُلِفَ في تَحْدِيدِ هَذا السِّنِّ بِعَدَدِ السِّنِينَ فَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: خَمْسٌ وخَمْسُونَ، وتَرْكُ الضَّبْطِ بِالسِّنِينَ أوْلى وإنَّما هَذا تَقْرِيبٌ لِإبانِ اليَأْسِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ بَيِّنٌ وهي مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ (﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]) مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ نَزَلَتْ سُورَةُ الطَّلاقِ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ خُفِيَ مَفادُ الشَّرْطِ مِن قَوْلِهِ (﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾) وما هو مُتَّصِلٌ بِهِ. وجُمْهُورُ أهْلِ التَّفْسِيرِ جَعَلُوا هَذا الشَّرْطَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي وقَعَ هو في أثْنائِهِ، وإنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، خِلافًا لِشُذُوذِ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ وتَشْتِيتٍ لِشَمْلِ الكَلامِ، ثُمَّ خُفِيَ المُرادُ مِن هَذا الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ (﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾) .
ولِلْعُلَماءِ فِيهِ طَرِيقَتانِ: الطَّرِيقَةُ الأُولى: مَشى أصْحابُها إلى أنَّ مَرْجِعَ اليَأْسِ غَيْرُ مَرْجِعِ الِارْتِيابِ بِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، فَرَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عِدَّةَ ذَواتِ القُرُوءِ وذَواتِ الحَمْلِ، أيْ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَقِيَتِ اليائِسَةُ والَّتِي لَمْ تَحِضِ ارْتابَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أمْرِهِما فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومِثْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، ورَوى الطَّبَرِيُّ خَبَرًا «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ اعْتِدادِ هاتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَمْ تُذْكَرا في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . فَجَعَلُوا حَرْفَ (إنْ) بِمَعْنى (إذْ) وأنَّ الِارْتِيابَ وقَعَ في حُكْمِ العِدَّةِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، أيْ إذِ ارْتَبْتُمْ في حُكْمِ ذَلِكَ فَبَيَّنّاهُ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: حَدِيثُ أُبَيٍّ غَيْرُ صَحِيحٍ. وأنا أقُولُ: رَواهُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ. والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سالِمٍ أنَّ أُبَيًّا قالَ: ولَيْسَ في رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى إسْنادِ الحَدِيثِ.
وهُوَ في رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ بِسَنَدِهِ إلى أبِي عُثْمانَ عُمَرَ بْنِ سالِمٍ الأنْصارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ أبا عُثْمانَ لَمْ يَلْقَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وأحْسَبُ أنَّهُ في
صفحة ٣١٧
مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ كَذَلِكَ لِأنَّ البَيْهَقِيَّ رَواهُ عَنِ الحاكِمِ فَلا وجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ العَرَبِيِّ: هو غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإنَّ رِجالَ سَنَدِهِ ثِقاتٌ.
وفِي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ عَنْ قَتادَةَ «أنَّ خَلّادَ بْنَ النُّعْمانِ وأُبَيًّا سَألا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقِيلَ: إنَّ السّائِلَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ سَألَ عَنْ عِدَّةِ الآيِسَةِ.
فالرِّيبَةُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَكُونُ مُرادًا بِها ما حَصَلَ مِنَ التَّرَدُّدِ في حُكْمِ هَؤُلاءِ المُطَلَّقاتِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو المَوْصُولُ وبَيْنَ خَبَرِهِ وهو جُمْلَةُ (﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾) .
والفاءُ في (﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾) داخِلَةٌ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ لِما في المَوْصُولِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦]) ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
والِارْتِيابُ عَلى هَذا قَدْ وقَعَ فِيما مَضى فَتَكُونُ (إنْ) مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى اليَقِينِ بِلا نُكْتَةٍ.
والطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ: مَشى أصْحابُها إلى أنَّ مَرْجِعَ اليَأْسِ ومَرْجِعَ الِارْتِيابِ واحِدٌ، وهو حالَةُ المُطَلَّقَةِ مِنَ المَحِيضِ، وهو عَنْ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وبِهِ فَسَّرَ يَحْيى بْنُ بُكَيْرٍ وإسْماعِيلُ بْنُ هادٍ مِنَ المالِكِيَّةِ ونَسَبَهُ ابْنُ لُبابَةَ مِنَ المالِكِيَّةِ إلى داوُدَ الظّاهِرِيِّ.
وهَذا التَّفْسِيرُ يَمْحَضُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِارْتِيابِ حُصُولَ الرَّيْبِ في حالِ المَرْأةِ.
وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنْ (اللّائِي يَئِسْنَ)، أيْ إنِ ارْتَبْنَ هُنَّ وارْتَبْتُمْ أنْتُمْ لِأجْلِ ارْتِيابِهِنَّ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ جَمْعِ الذُّكُورِ المُخاطَبِينَ تَغْلِيبًا ويَبْقى الشَّرْطُ عَلى شَرْطِيَّتِهِ. والِارْتِيابُ مُسْتَقْبَلٌ والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ.
صفحة ٣١٨
وهَذا التَّفْسِيرُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاعْتِدادُ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ مَشْرُوطًا بِأنْ تَحْصُلَ الرِّيبَةُ في يَأْسِها مِنَ المَحِيضِ فاصْطَدَمَ أصْحابُهُ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهُ إنْ لَمْ تَحْصُلِ الرِّيبَةُ في يَأْسِهِنَّ أنَّهُنَّ لا يَعْتَدِدْنَ بِذَلِكَ أوْ لا يَعْتَدِدْنَ أصْلًا فَنَسَبَ ابْنُ لُبابَةَ مِن فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ إلى داوُدَ الظّاهِرِيِّ أنَّهُ ذَهَبَ إلى سُقُوطِ العِدَّةِ عَنِ المَرْأةِ الَّتِي يُوقِنُ أنَّها يائِسَةٌ.
قُلْتُ ولا تُعْرَفُ نِسْبَةُ هَذا إلى داوُدَ. فَإنَّ ابْنَ حَزْمٍ: لَمْ يَحْكِهِ عَنْهُ ولا حَكاهُ أحَدٌ مِمَّنْ تَعَرَّضُوا لِاخْتِلافِ الفُقَهاءِ، قالَ ابْنُ لُبابَةَ: وهو شُذُوذٌ، وقالَ ابْنُ لُبابَةَ: وأمّا ابْنُ بُكَيْرٍ وإسْماعِيلُ بْنُ حَمّادٍ، أيْ مِن فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ فَجَعَلا المَرْأةَ المُتَيَقَّنَ يَأْسُها مُلْحَقَةً بِالمُرْتابَةِ في العِدَّةِ بِطَرِيقِ القِياسِ يُرِيدُ أنَّ العِدَّةَ لَها حِكْمَتانِ بَراءَةُ الرَّحِمِ، وانْتِظارُ المُراجَعَةِ، وأمّا الَّذِينَ لا يَعْتَبِرُونَ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ فَهم في سِعَةٍ مِمّا لَزِمَ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَهُ.
وأصْحابُ هَذا الطَّرِيقِ مُخْتَلِفُونَ في الوِجْهَةِ وفي مَحْمِلِ الآيَةِ بِحَسَبِها: فَقالَ عِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ وقَتادَةُ: لَيْسَ عَلى المَرْأةِ المُرْتابِ في مُعاوَدَةِ الحَيْضِ إلَيْها عِدَّةٌ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أشْهُرٍ تَعَلُّقًا بِظاهِرٍ لِلْآيَةِ ولَعَلَّ عِلَّةَ ذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ ثَلاثَةَ الأشْهُرِ يَتَبَيَّنُ فِيها أمْرُ الحَمْلِ فَإنَّ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ بَعْدَ انْقِضائِها تَمَّتْ عِدَّةُ المَرْأةِ، لِأنَّ الحَمْلَ بَعْدَ سِنِّ اليَأْسِ نادِرٌ فَإذا اعْتَرَتْها رِيبَةُ الحَمْلِ انْتَقَلَ النَّظَرُ إلى حُكْمِ الشَّكِّ في الحَمْلِ وتِلْكَ مَسْألَةٌ غَيْرُ الَّتِي نَزَلَتْ في شَأْنِها الآيَةُ.
وقالَ الأكْثَرُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ المُرْتابَ في يَأْسِها تَمْكُثُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ (أيْ أمَدَ الحَمْلِ المُعْتادِ) فَإنْ لَمْ يَظْهَرْ بِها حَمْلٌ ابْتَدَأتِ الِاعْتِدادَ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ فَتَكْمُلُ لَها سَنَةٌ كامِلَةٌ. وأصِلُ ذَلِكَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ مِن قَضاءِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ولَمْ يُخالِفْ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وأخَذَ بِهِ مالِكٌ. وعَنْ مالِكٍ في المُدَوَّنَةِ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ لِلرِّيبَةِ والثَّلاثَةُ الأشْهُرِ هي العِدَّةُ. ولَعَلَّهم رَأوْا أنَّ العِدَّةَ بَعْدَ مُضِيِّ التِّسْعَةِ الأشْهُرِ تَعَبُّدٌ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي في القُرْآنِ وأمّا التِّسْعَةُ الأشْهُرِ فَأوْجَبَها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لَعَلَّهُ بِالِاجْتِهادِ، وهو تَقْيِيدٌ لِلْإطْلاقِ الَّذِي في الآيَةِ.
وقالَ النَّخَعِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: تَعْتَدُّ المُرْتابُ في يَأْسِها بِالأقْراءِ أيْ تَنْتَظِرُ الدَّمَ إلى أنْ تَبْلُغَ سِنَّ مَن لا يُشْبِهُ أنْ تَحِيضَ ولَوْ زادَتْ مُدَّةُ
صفحة ٣١٩
انْتِظارِها عَلى تِسْعَةِ أشْهُرٍ. فَإذا بَلَغَتْ سِنَّ اليَأْسِ دُونَ رِيبَةٍ اعْتَدَّتْ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ مِن يَوْمِئِذٍ. ونَحْنُ نَتَأوَّلُ لَهُ بِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، أيْ بَعْدَ زَوالِ الِارْتِيابِ كَما سَنَذْكُرُهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ الأشْهُرِ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعَةِ أشْهُرٍ أوْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَبْلُغُ بِها سِنَّ مَن لا يُشْبِهُ أنْ تَحِيضَ تَعَبُّدٌ، لِأنَّ انْتِفاءَ الحَمْلِ قَدِ اتَّضَحَ وانْتِظارَ المُراجَعَةِ قَدِ امْتَدَّ. إلّا أنْ نَعْتَذِرَ لَهم بِأنَّ مُدَّةَ الِانْتِظارِ لا يَتَحَفَّزُ في خِلالِها المُطَلِّقُ لِلرَّأْيِ في أمْرِ المُراجَعَةِ لِأنَّهُ في سِعَةِ الِانْتِظارِ فَيُزادُ في المُدَّةِ لِأجْلِ ذَلِكَ، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: مِنَ الرِّيبَةِ المَرْأةُ المُسْتَحاضَةُ الَّتِي لا يَسْتَقِيمُ لَها الحَيْضُ في أوَّلِ الشَّهْرِ مِرارًا، وفي الأشْهُرِ مَرَّةً أيْ بِدُونَ انْضِباطٍ اهـ. ونَقْلَ الطَّبَرِيُّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وابْنِ زَيْدٍ، فَيَجِبُ أنْ يُصارَ إلى هَذا الوَجْهِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ. والمَرْأةُ إذا قارَبَتْ وقْتَ اليَأْسِ لا يَنْقَطِعُ عَنْها الحَيْضُ دُفْعَةً واحِدَةً بَلْ تَبْقى عِدَّةَ أشْهُرٍ يَنْتابُها الحَيْضُ غِبًّا بِدُونِ انْتِظامٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ تَمامًا.
وقَوْلُهُ تَعالى (﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾) عَطْفٌ عَلى (﴿واللّائِي يَئِسْنَ﴾) والتَّقْدِيرُ: عِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. ويَحْسُنُ الوُقُفُ عَلى قَوْلِهِ (﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾) .
* * *
﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿واللّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾) فَهي إتْمامٌ لِأحْوالِ العِدَّةِ المُجْمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]) وتَقْدِيرُ الكَلامِ: (وأُولاتُ الأحْمالِ مِنهُنَّ)، أيْ مِنَ المُطَلَّقاتِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.
فَحَصَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ المُطَلَّقاتِ وحَصَلَ أيْضًا مِنها بَيانٌ لِإجْمالِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ.
(﴿وأُولاتُ﴾) اسْمُ جَمْعٍ لِذاتٍ بِمَعْنى: صاحِبَةٍ. وذاتُ: مُؤَنَّثُ ذُو، بِمَعْنى: صاحِبٍ. ولا مُفْرَدَ لِ (أُولاتُ) مِن لَفْظِهِ كَما لا مُفْرَدَ لِلَفْظِ (أُولُوا) و(أُولاتُ) مِثْلُ ذَواتٍ كَما أنَّ أُولُو مِثْلُ ذَوُو. ويُكْتَبُ (أُولاتُ) بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ في الرَّسْمِ تَبَعًا لِكِتابَةِ لَفْظِ (أُولُو) بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ لِقَصْدِ التَّفْرِقَةِ في الرَّسْمِ بَيْنَ أُولِي في حالَةِ
صفحة ٣٢٠
النَّصْبِ والجَرِّ وبَيْنَ حَرْفِ (إلى) . ولَيْتَهم قَصَرُوا كِتابَتَهُ بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ عَلى لَفْظِ أُولِي المُذَكَّرِ المَنصُوبِ أوِ المَجْرُورِ وتَرَكُوا التَّكَلُّفَ في غَيْرِهِما.
وجُعِلَتْ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ الحامِلِ مَنهاةً بِوَضْعِ الحَمْلِ لِأنَّهُ لا أدَلَّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ مِنهُ، إذِ الغَرَضُ الأوَّلُ مِنَ العِدَّةِ تَحَقُّقُ بَراءَةِ الرَّحِمِ مِن ولَدٍ لِلْمُطَلَّقِ أوْ ظُهُورِ اشْتِغالِ الرَّحِمِ بِجَنَيْنٍ لَهُ. وضُمَّ إلى ذَلِكَ غَرَضٌ آخَرُ وهو تَرَقُّبُ نَدَمِ المُطَلِّقِ وتَمْكِينُهُ مِن تَدارُكِ أمْرِهِ بِالمُراجَعَةِ، فَلَمّا حَصَلَ الأهَمُّ أُلْغِيَ ما عَداهُ رَعْيًا لِحَقِّ المَرْأةِ في الِانْطِلاقِ مِن حَرَجِ الِانْتِظارِ، عَلى أنَّ الحَمْلَ قَدْ يَحْصُلُ بِالقُرْبِ مِنَ الطَّلاقِ فَأُلْغِيَ قَصْدُ الِانْتِظارِ تَعْلِيلًا بِالغالِبِ دُونَ النّادِرِ، خِلافًا لِمَن قالَ في المُتَوَفّى عَنْها: عَلَيْها أقْصى الأجَلَيْنِ وهو مَنسُوبٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ العَبّاسِ.
وبِهَذا التَّفْسِيرِ لا تَتَعارَضُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ آيَةِ عِدَّةِ المُتَوَفّى عَنْها الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) لِأنَّ تِلْكَ في وادٍ وهَذِهِ في وادٍ، تِلْكَ شَأْنُ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ وهَذِهِ في شَأْنِ المُطَلَّقاتِ.
ولَكِنْ لَمّا كانَ أجَلُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ لِلْمُتَوَفّى عَنْها مُنْحَصِرَةً حِكْمَتُهُ في تَحَقُّقِ بَراءَةِ رَحِمِ امْرَأةِ المُتَوَفّى مِن ولَدٍ لَهُ إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الشَّرِيعَةَ جَعَلَتْ ذَلِكَ لِغَرَضِ الحُزْنِ عَلى الزَّوْجِ المُتَوَفّى لِلْقَطْعِ بِأنَّ هَذا مَقْصِدٌ جاهِلِيٌّ، وقَدْ دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ في مَواضِعَ عَلى إبْطالِهِ والنَّهْيِ عَنْهُ في تَصارِيفَ كَثِيرَةٍ كَما بَيَّناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) إلَخْ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ عَلِمْنا أنَّ وضْعَ الحَمْلِ غايَةٌ لِحُصُولِ هَذا المَقْصِدِ نَجَمَ مِن جِهَةِ المَعْنى أنَّ المُتَوَفّى عَنْها الحامِلَ إذا وضَعَتْ حَمْلَها تَخْرُجُ مِن عِدَّةِ وفاةِ زَوْجِها ولا تُقَضِّي أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا كَما أنَّها لَوْ كانَ أمَدُ حَمْلِها أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ لا تَقْتَصِرُ عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ وعَشْرٍ إذْ لا حِكْمَةَ في ذَلِكَ.
مِن أجْلِ ذَلِكَ كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ عِدَّةَ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها سَواءً كانَتْ مُعْتَدَّةً مِن طَلاقٍ أمْ كانَتْ مُعْتَدَّةً في وفاةٍ.
صفحة ٣٢١
ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ فَمَن بَعْدَهم: إنَّ عِدَّةَ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها كَعِدَّتِها مِنَ الطَّلاقِ وضْعُ حَمْلِها غَيْرَ أنَّ أقْوالَهم تَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَهم مَن كانُوا يَرَوْنَ في تَعارُضِ العُمُومَيْنِ أنَّ العامَّ المُتَأخِّرَ مِنهُما يَنْسَخُ العامَّ الآخَرَ وهي طَرِيقَةُ المُتَقَدِّمِينَ.
رَوى أهْلُ الصَّحِيحِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ قالَ في عِدَّةِ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها: إنَّ عَلَيْها أقْصى الأجَلَيْنِ (أيْ أجَلِ وضْعِ الحَمْلِ وأجَلِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ) قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى أيْ سُورَةُ الطَّلاقِ بَعْدَ الطُّولى أيْ بَعْدَ طُولى السُّوَرِ وهي البَقَرَةُ، أيْ لَيْسَتْ آيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ بِناسِخَةٍ لِما في آيَةِ سُورَةِ الطَّلاقِ. ( ويُعَضِّدُهم خَبَرُ «سُبَيْعَةَ بَنْتِ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةِ تُوُفِّيَ زَوْجُها سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمَكَّةَ وتَرَكَها حامِلًا فَوَضَعَتْ بَعْدَ وفاتِهِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وقِيلَ بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً. فاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في التَّزَوُّجِ فَقالَ لَها: قَدْ حَلَلْتِ فانْكِحِي إنْ شِئْتِ» . رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ وقَبِلَهُ مُعْظَمُ الصَّحابَةِ الَّذِينَ بَلَغَهم. وتَلَقّاهُ الفُقَهاءُ بَعْدَهم بِالقَبُولِ ويُشْهَدُ لَهُ بِالمَعْنى والحِكْمَةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
واخْتَلَفَ المُتَأخِّرُونَ مِن أهْلِ الأُصُولِ في وجْهِ العَمَلِ في تَعارُضِ عُمُومَيْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عامٌّ مِن وجْهٍ مِثْلَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ فالجُمْهُورُ دَرَجُوا عَلى تَرْجِيحِ أحَدِهِما بِمُرَجِّحٍ والحَنَفِيَّةُ جَعَلُوا المُتَأخِّرَ مِنَ العَمُودَيْنِ ناسِخًا لِلْمُتُقَدِّمِ. فَقَوْلُهُ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) لِأنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ فَيَعُمُّ كُلَّ حامِلٍ مُعْتَدَّةٍ سَواءً كانَتْ في عِدَّةِ الطَّلاقِ أوْ في عِدَّةِ وفاةٍ، وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] تَعُمُّ كُلَّ امْرَأةٍ تَرَكَها المَيِّتُ سَواءً كانَتْ حامِلًا أوْ غَيْرَ حامِلٍ، لِأنَّ ( ﴿أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) نَكِرَةٌ وقَعَتْ مَفْعُولَ الصِّلَةِ وهي (﴿يَذَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٤]) المُشْتَمِلَةُ عَلى ضَمِيرِ المَوْصُولِ الَّذِي هو عامٌّ فَمَفْعُولُهُ تَبَعٌ لَهُ في عُمُومِهِ فَيَشْمَلُ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ الحَوامِلَ وهُنَّ مِمَّنْ شَمَلَهُنَّ عُمُومُ (﴿أُولاتُ الأحْمالِ﴾) فَتَعارُضُ العُمُومانِ كُلٌّ مِن وجْهٍ، فَآيَةُ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) اقْتَضَتْ أنَّ الحَوامِلَ كُلَّهُنَّ تَنْتَهِي عِدَّتُهُنَّ بِالوَضْعِ وقَدْ يَكُونُ الوَضْعُ قَبْلَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ، وآيَةُ البَقَرَةِ يَقْتَضِي عُمُومُها أنَّ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ يَتَرَبَّصْنَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا. وقَدْ يَتَأخَّرُ هَذا الأجَلُ عَنْ وضْعِ الحَمْلِ.
صفحة ٣٢٢
فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى تَرْجِيحِ عُمُومِ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) عَلى عُمُومِ (﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّ عُمُومَ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) حاصِلٌ بِذاتِ اللَّفْظِ لِأنَّ المَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، وأمّا قَوْلُهُ (﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) فَإنَّ (﴿أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ فَلا عُمُومَ لَها في لَفْظِها وإنَّما عَرَضَ لَها العُمُومُ تَبَعًا لِعُمُومِ المَوْصُولِ العامِلِ فِيها وما كانَ عُمُومُهُ بِالذّاتِ أرْجَحَ مِمّا كانَ عُمُومُهُ بِالعَرْضِ.
وثانِيها: أنَّ الحُكْمَ في عُمُومِ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) عُلِّقَ بِمَدْلُولِ صِلَةِ المَوْصُولِ وهي مُشْتَقٌّ، وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيلِ ما اشْتُقَّ مِنهُ بِخِلافِ العُمُومِ الَّذِي في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَما كانَ عُمُومُهُ مُعَلَّلًا بِالوَصْفِ أرْجَحُ في العَمَلِ مِمّا عُمُومُهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ.
وثالِثُها: قَضاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عِدَّةِ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ.
وذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ إلى أنَّ عُمُومَ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ﴾) ناسِخٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ (﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) في مِقْدارِ ما تَعارَضا فِيهِ.
ومَآلُ الرَّأْيَيْنِ واحِدٌ هو أنَّ عِدَّةَ الحامِلِ وضْعُ حَمْلِها سَواءً كانَتْ مُعْتَدَّةً مِن طَلاقٍ أمْ مِن وفاةِ زَوْجِها.
والصَّحِيحُ أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ حُكْمُها وشَذَّ القائِلُونَ بِأنَّ المُتَوَفّى عَنْها إنَّ لَمْ تَكُنْ حامِلًا ووَضَعَتْ حَمْلَها يَجِبُ عَلَيْها عِدَّةَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرًا.
وقالَ قَلِيلٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ بِما يُحَقِّقُ العَمَلَ بِهِما مَعًا فَأوْجَبُوا عَلى الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها الِاعْتِدادَ بِالأقْصى مِنَ الأجَلَيْنِ أجَلِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ وأجَلِ وضْعِ الحَمْلِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ. وقَصْدُهم مِن ذَلِكَ الِاحْتِياطُ لِأنَّهُ قَدْ تَأتّى لَهم هُنا إذْ كانَ التَّعارُضُ في مِقْدارِ زَمَنَيْنِ فَأُمْكِنَ العَمَلُ بِأوْسَعِهِما الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الآخَرُ وزِيادَةٌ فَيَصِيرُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ (﴿أُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) ما لَمْ تَكُنْ في عِدَّةِ وفاةٍ ويَكُونُ مَعْنى آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وأزْواجُ المُتَوَفَّيْنَ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ما لَمْ تَكُنَّ حَوامِلَ فَيَزِدْنَ تَرَبُّصًا إلى وضْعِ الحَمْلِ. ولا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ
صفحة ٣٢٣
(﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]) بِما في آيَةِ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) مِن خُصُوصٍ بِالنَّظَرِ إلى الحَوامِلِ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ تَنْتَهِيَ عِدَّةُ الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها الَّتِي مَضَتْ عَلَيْها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ قَبْلَ وضْعِ حَمْلِها مِن عِدَّةِ زَوْجِها، وهي في حالَةِ حَمْلٍ لِأنَّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ بُطْلانُهُ مِن عِدَّةِ أدِلَّةٍ في الشَّرِيعَةِ لا خِلافَ فِيها وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: كُنْتُ في حَلْقَةٍ فِيها عُظْمٌ مِنَ الأنْصارِ أيْ بِالكُوفَةِ وفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى وكانَ أصْحابُهُ يَعِظُونَهُ فَذَكَرَ آخِرَ الأجَلَيْنِ، فَحَدَّثَتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ في شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ فَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَكِنَّ عَمَّهُ أيْ عَمَّ عُتْبَةَ وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ كانَ لا يَقُولُ ذَلِكَ أيْ لَمْ يُحَدِّثْنا بِهِ فَقُلْتُ: إنِّي إذَنْ لَجَرِيءٌ إنْ كَذَبْتُ عَلى رَجُلٍ في جانِبِ الكُوفَةِ وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ ساكِنًا بِظاهِرِ الكُوفَةِ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ عامِرًا أوْ مالِكَ بْنَ عَوْفٍ فَقُلْتُ: كَيْفَ كانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها وهي حامِلٌ، فَقالَ: قالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ: أتَجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ ولا تَجْعَلُونَ لَها الرُّخْصَةَ لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى بَعْدَ الطُّولى (أيِ البَقَرَةِ) .
وفِي البُخارِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ جالَسٌ عِنْدَهُ فَقالَ: أفْتِنِي في امْرَأةٍ ولَدَتْ بَعْدَ زَوْجِها بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آخِرُ الأجَلَيْنِ. فَقُلْتُ أنا (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: أنا مَعَ ابْنِ أخِي أيْ مَعَ أبِي سَلَمَةَ فَأرْسَلَ ابْنُ عَبّاسٍ كُرَيْبًا إلى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْألُها فَقالَتْ: قُتِلَ - (كَذا والتَّحْقِيقُ أنَّهُ ماتَ في حِجَّةِ الوَداعِ) - زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ وهي حُبْلى فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأرْبَعِينَ لَيْلَةً فَخُطِبَتْ فَأنْكَحَها رَسُولُ اللَّهِ. وقَدْ قالَ بَعْضُهم: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. ولَمْ يُذْكَرْ رُجُوعُهُ في حَدِيثِ أبِي سَلَمَةَ.
* * *
﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ ﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ .
صفحة ٣٢٤
تَكْرِيرٌ لِلْمَوْعِظَةِ وهو اعْتِراضٌ. والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]) . والمَقْصُودُ مَوْعِظَةُ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى الأخْذِ بِما في هَذِهِ الأحْكامِ مِمّا عَسى أنْ يَكُونَ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلى أحَدٍ بِأنَّ عَلى كُلٍّ أنْ يَصْبِرَ لِذَلِكَ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ فَإنَّ المُمْتَثِلَ وهو مُسَمًّى المُتَّقِيَ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ يُسْرًا فِيما لَحِقَهُ مِن عُسْرٍ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ. والمَقْصُودُ: يَجْعَلُ لَهُ مِن أمْرِهِ العَسِيرِ في نَظَرِهِ يُسْرًا بِقَرِينَةِ جَعْلِ اليُسْرَ لِأمْرِهِ.
و(مَن) لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ المُقارَنَةُ والمُلابَسَةُ.
واليُسْرُ: انْتِفاءُ الصُّعُوبَةِ، أيِ انْتِفاءُ المَشاقِّ والمَكْرُوهاتِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْقِيقُ الوَعْدِ بِاليُسْرِ فِيما شَأْنُهُ العُسْرُ لِحَثِّ الأزْواجِ عَلى امْتِثالِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ الزَّوْجَ مِنَ الإنْفاقِ في مُدَّةِ العِدَّةِ ومِنَ المُراجَعَةِ وتَرْكِ مَنزِلِهِ لِأجْلِ سُكْناها إذا كانَ لا يَسَعُهُما وما أمَرَ بِهِ المَرْأةَ مِن تَرَبُّصِ أمَدِ العِدَّةِ وعَدَمِ الخُرُوجِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ﴾) إلى الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَتَيْنِ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ (﴿أمْرُ اللَّهِ﴾): حُكْمُهُ وما شَرَعَهُ لَكم كَما قالَ (﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]) .
وإنْزالُهُ: إبْلاغُهُ إلى النّاسِ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ أطْلَقَ عَلَيْهِ الإنْزالَ تَشْبِيهًا لِشَرَفِ مَعانِيهِ وألْفاظِهِ بِالشَّيْءِ الرَّفِيعِ لِأنَّ الشَّرِيفَ يُتَخَيَّلُ رَفِيعًا. وهو اسْتِعارَةٌ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. فَفي قَوْلِهِ (﴿أنْزَلَهُ﴾) اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ.
والكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ الحَثِّ عَلى التَّهَمُّمِ بِرِعايَتِهِ والعَمَلِ بِهِ وبَعْثِ النّاسِ عَلى التَّنافُسِ في العِلْمِ بِهِ إذْ قَدِ اعْتَنى اللَّهُ بِالنّاسِ حَيْثُ أنْزَلَ إلَيْهِمْ ما فِيهِ صَلاحُهم.
وأُعِيدَ التَّحْرِيضُ عَلى العَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ بِالوَعَدِ بِما هو أعْظَمُ مِنَ الأرْزاقِ وتَفْرِيجِ الكَرْبِ وتَيَسُّرِ الصُّعُوباتِ في الدُّنْيا. وذَلِكَ هو تَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئاتِ وتَوْفِيرُ الأُجُورِ.
صفحة ٣٢٥
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ فَلَها حُكْمُ الِاعْتِراضِ.
وجِيءَ بِالوَعْدِ مِنَ الشَّرْطِ لِتَحْقِيقِ تَعْلِيقِ الجَوابِ عَلى شَرْطِهِ.
الطلاق 65:6
﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكُمْ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ وما أُلْحِقَ بِها مِنَ الجُمَلِ إلى قَوْلِهِ (﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ [الطلاق: ٨]) إلَخْ.
تَشْرِيعٌ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ بَيانٌ لِما أُجْمِلَ في الآياتِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) وقَوْلِهِ (﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢])، وقَوْلِهِ (﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) فَتَتَنَزَّلُ هَذِهِ الجُمَلُ مِنَ اللّاتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ لِبَعْضٍ، ويَدُلُّ الِاشْتِمالُ لِبَعْضٍ وكُلُّ ذَلِكَ مُقْتَضًى لِلْفَصْلِ. وابْتُدِئَ بِبَيانِ ما في (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) مِن إجْمالٍ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾) عائِدٌ إلى النِّساءِ المُطَلَّقاتِ في قَوْلِهِ (﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]) . ولَيْسَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ عَلَيْهِ هَذا الضَّمِيرُ إلّا لَفْظُ النِّساءِ وإلّا لَفْظُ (﴿أُولاتُ الأحْمالِ﴾ [الطلاق: ٤])، ولَكِنَّ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ الإسْكانَ خاصٌّ بِالمُعْتَدّاتِ الحَوامِلِ فَإنَّهُ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]) فَتَعَيَّنَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى النِّساءِ المُطَلَّقاتِ كُلِّهِنَّ، وبِذَلِكَ يَشْمَلُ المُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ والبائِنَةَ والحامِلَ، لِما عَلِمْتَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن إرادَةِ الرَّجْعِيَّةِ والبائِنَةِ مِن لَفْظِ (﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]) .
وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ قائِلُونَ بِوُجُوبِ السُّكْنى لَهُنَّ جَمِيعًا. قالَ أشْهَبُ: قالَ مالِكٌ يَخْرُجُ عَنْها إذا طَلَّقَها وتَبْقى هي في المَنزِلِ. ورَوى ابْنُ نافِعٍ قالَ مالِكٌ: فَأمّا الَّتِي لَمْ تَبِنْ فَإنَّها زَوْجَةٌ يَتَوارَثانِ والسُّكْنى لَهُنَّ لازِمَةٌ لِأزْواجِهِنَّ اهـ. يُرِيدُ أنَّها مُسْتَغْنًى عَنْ أخْذِ حُكْمِ سُكْناها مِن هَذِهِ الآيَةِ. ولا يُرِيدُ أنَّها مُسْتَثْناةٌ مِن حُكْمِ الآيَةِ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ أبِي لَيْلى وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا سُكْنى لِلْمُطَلَّقَةِ طَلاقًا بائِنًا. ومُتَمَسَّكُهم في ذَلِكَ ما رَوَتْهُ فاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: «أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثَلاثًا وأنَّ أخا زَوْجِها مَنَعَها مِنَ السُّكْنى والنَّفَقَةِ، وأنَّها رَفَعَتْ أمْرَها إلى
صفحة ٣٢٦
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَها: إنَّما السُّكْنى والنَّفَقَةُ عَلى مَن لَهُ عَلَيْها الرَّجْعَةُ» . وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَمْ يَعْرِفْهُ أحَدٌ إلّا مِن رِوايَةِ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. ولَمْ يَقْبَلْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. فَقالَ: لا نَتْرُكُ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّنا لِقَوْلِ امْرَأةٍ لا نَدْرِي لَعَلَّها نَسِيَتْ أوْ شُبِّهَ عَلَيْها. وأنْكَرَتْهُ عائِشَةُ عَلى فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِيما ذَكَرَتْهُ مِن أنَّهُ أذِنَ لَها في الِانْتِقالِ إلى مَكانٍ غَيْرِ الَّذِي طُلِّقَتْ فِيهِ كَما تَقَدَّمَ.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَوى عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أنَّ لِلْمُطَلَّقَةِ البائِنَةِ سُكْنى» . ورَوَوْا أنَّ قَتادَةَ وابْنَ أبِي لَيْلى أخَذا بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١]) إذِ الأمْرُ هو المُراجَعَةُ، فَقَصَرا الطَّلاقَ في قَوْلِهِ (﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١])، عَلى الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ لِأنَّ البائِنَ لا تَتَرَقَّبُ بَعْدَهُ مُراجَعَةً وسَبَقَها إلى هَذا المَأْخَذِ فاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ المَذْكُورَةُ.
رَوى مُسْلِمٌ أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ أرْسَلَ إلى فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ يَسْألُها عَنِ الحَدِيثِ فَحَدَّثَتْهُ فَقالَ مَرْوانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذا الحَدِيثَ إلّا مِنَ المَرْأةِ سَنَأْخُذُ بِالعِصْمَةِ الَّتِي وجَدْنا عَلَيْها النّاسَ فَبَلَغَ قَوْلُ مَرْوانَ فاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ فَقالَتْ: بَيْنِي وبَيْنَكُمُ القُرْآنُ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١])، إلى قَوْلِهِ (﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١]) . قالَتْ: هَذا لِمَن كانَتْ لَهُ رَجْعَةٌ فَأيُّ أمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ اهـ.
ويَرُدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ إحْداثَ الأمْرِ لَيْسَ قاصِرًا عَلى المُراجَعَةِ فَإنَّ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ أنْ يُرَقِّقَ قُلُوبَهُما فَيَرْغَبا مَعًا في إعادَةِ المُعاشَرَةِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ. وعَلى تَسْلِيمِ اقْتِصارِ ذَلِكَ عَلى إحْداثِ أمْرِ المُراجَعَةِ فَذِكْرُ هَذِهِ الحِكْمَةِ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ اللَّفْظِ الَّذِي قَبْلَها إذْ يَكْفِي أنْ تَكُونَ حِكْمَةً لِبَعْضِ أحْوالِ العامِّ. فالصَّوابُ أنَّ حَقَّ السُّكْنى لِلْمُطَلَّقاتِ كُلِّهِنَّ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ.
وقَوْلُهُ (﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾)، أيْ في البُيُوتِ الَّتِي تَسْكُنُونَها، أيْ لا يُكَلَّفُ المُطَلِّقُ بِمَكانٍ لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرَ بَيْتِهِ ولا يَمْنَعُها السُّكْنى بِبَيْتِهِ. وهَذا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]) .
صفحة ٣٢٧
فَإذا كانَ المَسْكَنُ لا يَسَعُ مُبَيِّتَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ خَرَجَ المُطَلِّقُ مِنهُ وبَقِيَتِ المُطَلَّقَةُ، كَما تَقَدَّمَ فِيما رَواهُ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ.
و(مِن) الواقِعَةُ في قَوْلِهِ (﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ في بَعْضِ ما سَكَنْتُمْ ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ المَسْكَنَ صالِحٌ لِلتَّبْعِيضِ بِحَسَبِ عُرْفِ السُّكْنى مَعَ تَجَنُّبِ التَّقارُبِ في المَبِيتِ إنْ كانَتْ غَيْرَ رَجْعِيَّةٍ، فَيُؤْخَذُ مِنهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَسَعْهُما خَرَجَ الزَّوْجُ المُطَلِّقُ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾) بَدَلٌ مُطابِقٌ، وهو بَيانٌ لِقَوْلِهِ (﴿مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾) فَإنَّ مَسْكَنَ المَرْءِ هو وُجْدُهُ الَّذِي وجَدَهُ غالِبًا لِمَن لَمْ يَكُنْ مُقَتِّرًا عَلى نَفْسِهِ.
والوُجْدُ: مُثَلَّثُ الواوِ هو الوِسْعُ والطّاقَةُ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأهُ رَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِها.
* * *
﴿ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ .
أُتْبِعَ الأمْرُ بِإسْكانِ المُطَلَّقاتِ بِنَهْيٍ عَنِ الإضْرارِ بِهِنَّ في شَيْءٍ مُدَّةَ العِدَّةِ مِن ضِيقِ مَحَلٍّ أوْ تَقْتِيرٍ في الإنْفاقِ أوْ مُراجَعَةٍ يَعْقُبُها تَطْلِيقٌ لِتَطْوُيْلِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ قَصْدًا لِلنِّكايَةِ والتَّشَفِّي كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٢٣١]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. أوْ لِلْإلْجاءِ إلى افْتِدائِها مِن مُراجَعَتِهِ بِخُلْعٍ.
والضّارَّةُ: الإضْرارُ القَوِيُّ فَكَأنَّ المُبالَغَةَ راجِعَةٌ إلى النَّهْيِ لا إلى المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ هو نَهْيٌ شَدِيدٌ كالمُبالَغَةِ في قَوْلِهِ (﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]) في أنَّها مُبالَغَةٌ في النَّفْيِ ومَثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
والمُرادُ بِالتَّضْيِيقِ: التَّضْيِيقُ المَجازِيُّ وهو الحَرَجُ والأذى.
واللّامُ في (﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾) لِتَعْلِيلِ الإضْرارِ وهو قَيْدٌ جَرى عَلى غالِبِ ما يَعْرِضُ لِلْمُطَلَّقِينَ مِن مَقاصِدِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، كَما تَقَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]) وإلّا فَإنَّ الإضْرارَ بِالمُطَلَّقاتِ مَنهِيٌّ عَنْهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِنَّ.
* * *
صفحة ٣٢٨
﴿وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
ضَمِيرُ (كُنَّ) يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾) كَما هو شَأْنُ تَرْتِيبِ الضَّمائِرِ، وكَما هو مُقْتَضى عَطْفِ الجُمَلِ، ولَيْسَ عائِدًا عَلى خُصُوصِ النِّساءِ السّاكِناتِ لِأنَّ الضَّمِيرَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُعادًا لِضَمِيرٍ آخَرَ.
وظاهِرُ نَظْمِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الحَوامِلَ مُسْتَحِقّاتُ الإنْفاقِ دُونَ بَعْضِ المُطَلَّقاتِ أخْذًا بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وقَدْ أخَذَ بِذَلِكَ الشّافِعِيُّ والأوْزاعِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى.
ولَكِنَّ المَفْهُومَ مُعَطَّلٌ في المُطَلَّقاتِ الرَّجْعِيّاتِ لِأنَّ إنْفاقَهُنَّ ثابِتٌ بِأنَّهُنَّ زَوْجاتٌ. ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ: إنَّ ضَمِيرَ (﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾) لِلْمُطَلَّقاتِ البَوائِنِ كَما تَقَدَّمَ. ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِالمَفْهُومِ قالُوا الآيَةَ تَعَرَّضَتْ لِلْحَوامِلِ تَأْكِيدًا لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ لِأنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ طَوِيلَةٌ فَرُبَّما سَئِمَ المُطَلِّقُ الإنْفاقَ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو الغايَةُ الَّتِي بِقَوْلِهِ (﴿حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾) وجَعَلُوا لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرِ ذاتِ الحَمْلِ الإنْفاقَ. وبِهِ أخْذَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ. ونُسِبَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
وهَذا الَّذِي يُرَجِّحُ هَذا القَوْلُ ولَيْسَ لِلشَّرْطِ مَفْهُومٌ وإنَّما الشَّرْطُ مَسُوقٌ لِاسْتِيعابِ الإنْفاقِ جَمِيعَ أمَدِ الحَمْلِ.
* * *
﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ .
لَمّا كانَ الحَمْلُ يَنْتَهِي بِالوَضْعِ انْتَقَلَ إلى بَيانِ ما يَجِبُ لَهُنَّ بَعْدَ الوَضْعِ فَإنَّهُنَّ بِالوَضْعِ يَصِرْنَ بائِناتٍ فَتَنْقَطِعُ أحْكامُ الزَّوْجِيَّةِ فَكانَ السّامِعُ بِحَيْثُ لا يَدْرِي هَلْ يَكُونُ إرْضاعُها ولَدَها حَقًّا عَلَيْها كَما كانَ في زَمَنِ العِصْمَةِ أوْ حَقًّا عَلى أبِيهِ فَيُعْطِيها أجْرَ إرْضاعِها كَما كانَ يُعْطِيها النَّفَقَةَ لِأجْلِ ذَلِكَ الوَلَدِ حِينَ كانَ حَمْلًا. وهَذِهِ
صفحة ٣٢٩
الآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) الآيَةَ.
وأفْهَمَ قَوْلُهُ (لَكم) أنَّ إرْضاعَ الوَلَدِ بَعْدَ الفِراقِ حَقٌّ عَلى الأبِ وحْدَهُ لِأنَّهُ كالإنْفاقِ والأُمُّ تُرْضِعُ ولَدَها في العِصْمَةِ تَبَعًا لِإنْفاقِ أبِيهِ عَلَيْها عِنْدَ مالِكٍ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، إذْ قالا: لا يَجِبُ الإرْضاعُ عَلى الأُمِّ حَتّى في العِصْمَةِ فَلَمّا انْقَطَعَ إنْفاقُ الأبِ عَلَيْها بِالبَيْنُونَةِ تَمَحَّضَتْ إقامَةُ غِذاءِ ابْنِهِ عَلَيْهِ فَإنْ أرادَتْ أنْ تُرْضِعَهُ فَهي أحَقُّ بِذَلِكَ، ولَها أجْرُ الإرْضاعِ وإنْ أبَتْ فَعَلَيْهِ أنْ يَطْلُبَ ظِئْرًا لِابْنِهِ فَإنْ كانَ الطِّفْلُ غَيْرَ قابِلٍ ثَدْيَ غَيْرِ أُمِّهِ وجَبَ عَلَيْها إرْضاعُهُ ووَجَبَ عَلى أبِيهِ دَفْعُ أُجْرَةِ رِضاعِهِ.
وقالَ أبُو ثَوْرٍ: يَجِبُ إرْضاعُ الِابْنِ عَلى أُمِّهِ ولَوْ بَعْدَ البَيْنُونَةِ. نَقَلَهُ عَنْهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ وهو عَجِيبٌ. وهَذِهِ الآيَةُ أمامَهُ.
والِائْتِمارُ: التَّشاوُرُ والتَّداوُلُ في النَّظَرِ. وأصْلُهُ مُطاوِعُ أمَرَهُ لِأنَّ المُتَشاوِرِينَ يَأْمُرُ أحَدُهُما الآخَرَ فَيَأْتَمِرُ الآخَرُ بِما أمَرَهُ. ومِنهُ تَسْمِيَةُ مَجامِعِ أصْحابِ الدَّعْوَةِ أوِ النِّحْلَةِ أوِ القَصْدِ المُوَحَّدِ مُؤْتَمِرًا لِأنَّهُ يَقَعُ الِاسْتِئْمارُ فِيهِ، أيِ التَّشاوُرِ وتَداوُلِ الآراءِ.
وقَوْلُهُ (﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ﴾) خِطابٌ لِلرِّجالِ والنِّساءِ الواقِعِ بَيْنَهُمُ الطَّلاقُ لِيَتَشاوَرُوا في أمْرِ إرْضاعِ الأُمِّ ولَدَها. وما يَبْذُلُهُ الأبُ لَها مِنَ الأُجْرَةِ عَلى ذَلِكَ.
وقُيِّدَ الِائْتِمارُ بِالمَعْرُوفِ، أيِ ائْتَمِارًا مُلابِسًا لِما هو المَعْرُوفُ في مِثْلِ حالِهِمْ وقَوْمِهِمْ، أيْ مُعْتادٍ مَقْبُولٍ، فَلا يَشْتَطُّ الأبُ في الشُّحِّ ولا تَشْتَطُّ الأُمُّ في الحِرْصِ.
وقَوْلُهُ (﴿وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾) عِتابٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْأبِ والأُمِّ بِأنْ يُنَزِّلَ كُلٌّ مِنهُما نَفْسَهُ مَنزِلَةَ ما لَوِ اجْتُلِبَتْ لِلطِّفْلِ ظِئْرٌ، فَلا تَسْألُ الأُمُّ أكْثَرَ مِن أجْرِ أمْثالِها، ولا يَشِحُّ الأبُ عَمّا يَبْلُغُ أجْرَ أمْثالِ أُمِّ الطِّفْلِ، ولا يَسْقُطُ حَقُّ الأُمِّ إذا وجَدَ الأبُ مَن يُرْضِعُ لَهُ مَجّانًا لِأنَّ اللَّهَ قالَ (﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾) وإنَّما يُقالُ أرْضَعَتْ لَهُ، إذا اسْتُؤْجِرَتْ لِذَلِكَ، كَما يُقالُ: اسْتَرْضَعَ أيْضًا، إذا آجَرَ مَن يُرْضِعُ لَهُ ولَدَهُ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣]) الآيَةَ.
صفحة ٣٣٠
والتَّعاسُرُ صُدُورُ العُسْرِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وهو تَفاعُلٌ مِن قَوْلِكم: عَسَرْتُ فُلانًا، إذا أخَذْتَهُ عَلى عُسْرِهِ، ويُقالُ: تَعاسَرَ البَيِّعانِ إذا لَمْ يَتَّفِقا.
فَمَعْنى (﴿تَعاسَرْتُمْ﴾) اشْتَدَّ الخِلافُ بَيْنَكم ولَمْ تَرْجِعُوا إلى وِفاقٍ، أيْ فَلا يُبْقى الوَلَدُ بِدُونَ رَضاعَةٍ.
وسِينُ الِاسْتِقْبالِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) في سُورَةِ يُوسُفَ. وهَذا المَعْنى ناشِئٌ عَنْ جَعْلِ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ كِنايَةً عَنْ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الفِعْلِ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا لِتَحْصِيلِهِ.
وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أيْضًا عَنْ أمْرِ الأبِ بِاسْتِئْجارِ ظِئْرٍ لِلطِّفْلِ بِقَرِينَةِ تَعْلِيقِ (لَهُ) . بِقَوْلِهِ (﴿فَسَتُرْضِعُ﴾) .
فاجْتَمَعَ فِيهِ ثَلاثُ كِناياتٍ: كِنايَةٌ عَنْ مَوْعِظَةِ الأبِ، وكِنايَةٌ عَنْ مَوْعِظَةِ الأُمِّ، وكِنايَةٌ عَنْ أمْرِ الأبِ بِالِاسْتِرْضاعِ لِوَلَدِهِ.
الطلاق 65:7
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِن أحْكامِ الإنْفاقِ عَلى المُعْتَدّاتِ والمُرْضِعاتِ بِما يَعُمُّ ذَلِكَ. ويَعُمُّ كُلَّ إنْفاقٍ يُطالَبُ بِهِ المُسْلِمُ مِن مَفْرُوضٍ ومَندُوبٍ، أيْ الإنْفاقُ عَلى قَدْرِ السَّعَةِ.
والسَّعَةُ: هي الجِدَّةُ مِنَ المالِ أوِ الرِّزْقِ.
والإنْفاقُ: كِفايَةُ مَئُونَةِ الحَياةِ مِن طَعامٍ ولِباسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ.
و(مِن) هُنا ابْتِدائِيَّةٌ لِأنَّ الإنْفاقَ يَصْدُرُ عَنِ السَّعَةِ في الِاعْتِبارِ، ولَيْسَتْ مِن هَذِهِ كَ (مِن) الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]) لِأنَّ النَّفَقَةَ هُنا لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ السَّعَةِ، وهي هُناكَ بَعْضُ الرِّزْقِ فَلِذَلِكَ تَكُونُ (مِن) مِن قَوْلِهِ (﴿فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾) تَبْعِيضِيَّةٌ.
صفحة ٣٣١
ومَعْنى (﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾) جُعِلَ رِزْقُهُ مَقْدُورًا، أيْ مَحْدُودًا بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ التَّضْيِيقِ. وضِدُّهُ ﴿يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، يُقالُ: قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، إذا قَتَّرَهُ، قالَ تَعالى (﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]) وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ أيْ مِن كانَ في ضِيقٍ مِنَ المالِ فَلْيُنْفِقْ بِما يَسْمَحُ بِهِ رِزْقُهُ بِالنَّظَرِ إلى الوَفاءِ بِالإنْفاقِ ومَراتِبِهِ في التَّقْدِيمِ. وهَذا مُجْمَلٌ هُنا تَفْصِيلُهُ في أدِلَّةٍ أُخْرى مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والِاسْتِنْباطِ «، قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أبِي سُفْيانَ: خُذِي مِن مالِهِ ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» .
والمَعْرُوفُ: هو ما تَعارَفَهُ النّاسُ في مُعْتادِ تَصَرُّفاتِهِمْ ما لَمْ تُبْطِلْهُ الشَّرِيعَةُ.
والرِّزْقُ: اسْمٌ لِما يَنْتَفِعُ بِهِ الإنْسانُ في حاجاتِهِ مِن طَعامٍ ولِباسٍ ومَتاعٍ ومَنزِلٍ. سَواءٌ كانَ أعْيانًا أوْ أثْمانًا. ويُطْلَقُ الرِّزْقُ كَثِيرًا عَلى الطَّعامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]) .
ولَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ النَّفَقاتِ لا تَتَحَدَّدُ بِمَقادِيرَ مُعَيَّنَةٍ لِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ والأزْمانِ والبِلادِ. وإنَّما اخْتَلَفُوا في التَّوَسُّعِ في الإنْفاقِ في مالِ المُؤْسِرِ هَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلى مَن يُنْفِقُ هو عَلَيْهِ ولا أحْسَبُ الخِلافَ في ذَلِكَ إلّا اخْتِلافًا في أحْوالِ النّاسِ وعَوائِدِهِمْ ولا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِ حالِ المُنْفَقِ عَلَيْهِ ومُعْتادِهِ، كالزَّوْجَةِ العالِيَةِ القَدْرِ. وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ «قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِهِنْدٍ: (ما يَكْفِيكِ ووَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» ) .
وجُمْلَةُ (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾) . لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهي قَبْلَ سُورَةِ الطَّلاقِ.
والمَقْصُودُ مِنهُ إقْناعُ المُنْفَقِ عَلَيْهِ بِأنْ لا يَطْلُبَ مِنَ المُنْفِقِ أكْثَرَ مِن مَقْدِرَتِهِ. ولِهَذا قالَ عُلَماؤُنا: لا يُطْلَقُ عَلى المُعْسِرِ إذا كانَ يَقْدِرُ عَلى إشْباعِ المُنْفَقِ عَلَيْها وإكْسائِها بِالمَعْرُوفِ ولَوْ بِشَظَفٍ، أيْ دُونَ ضُرٍّ.
و(﴿مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾) يَشْمَلُ المَقْدِرَةَ عَلى الِاكْتِسابِ فَإذا كانَ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ
صفحة ٣٣٢
الإنْفاقُ قادِرًا عَلى الِاكْتِسابِ لِيُنْفِقْ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ إنْفاقُهُ أوْ لِيُكَمِّلْ لَهُ ما ضاقَ عَنْهُ مالُهُ، يُجْبَرُ عَلى الِاكْتِسابِ. وأمّا مَن لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الِاكْتِسابِ ولَيْسَ لَهُ ما يُنْفِقُ مِنهُ فَنَفَقَتُهُ أوْ نَفَقَةُ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ إنْفاقُهُ عَلى مَراتِبِها تَكُونُ عَلى بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ. وقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وأنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ ورَبَّ الغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ ماشِيَتُهُما يَأْتِينَ بِبَيِّنَةٍ يَقُولُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أفَتارِكُهم أيُّنا، رَواهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ.
وفِي عَجْزِ الزَّوْجِ عَنْ إنْفاقِ زَوْجِهِ إذا طَلَبَتِ الفِراقَ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ خِلافٌ. فَمِنَ الفُقَهاءِ مَن رَأى ذَلِكَ مُوجِبًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما بَعْدَ أجَلِ رَجاءٍ يَسُرُّ الزَّوْجُ وقُدِّرَ بِشَهْرَيْنِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ. ومِنهم مَن لَمْ يَرَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، أيْ وتُنْفِقُ مِن بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ.
والَّذِي يَقْتَضِيهُ النَّظَرُ أنَّهُ إنْ كانَ بَيْتُ المالِ قائِمًا فَإنَّ مِن واجِبِهِ نَفَقَةَ الزَّوْجَيْنِ المُعْسِرَيْنِ وإنْ لَمْ يَتَوَصَّلْ إلى الإنْفاقِ مِن بَيْتِ المالِ كانَ حَقًّا أنْ يُفَرِّقَ القاضِي بَيْنَهُما ولا يَتْرُكَ المَرْأةَ وزَوْجَها في احْتِياجٍ. ومَحَلٌّ بَسْطِ ذَلِكَ في مَسائِلِ الفِقْهِ.
وجُمْلَةُ (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾) تَكْمِلَةٌ لِلتَّذْيِيلِ فَإنَّ قَوْلَهُ (﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا ما آتاها﴾) يُناسِبُ مَضْمُونَ جُمْلَةِ (﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾) .
وقَوْلَهُ (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ﴾) إلَخْ تُناسِبُ مَضْمُونَ (﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾) إلَخْ. وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في بَعْثِ التَّرَجِّي وطَرْحِ اليَأْسِ عَنِ المُعْسِرِ مِن ذَوِي العِيالِ. ومَعْناهُ: عَسى أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِكم يُسْرًا لَكم فَإنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا. وهَذا الخَبَرُ لا يَقْتَضِي إلّا أنَّ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ أنْ يَجْعَلَ بَعْدَ عُسْرِ قَوْمٍ يُسْرًا لَهم، فَمَن كانَ في عُسْرٍ رَجا أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ فَضْلُ اللَّهِ، فَيُبَدِّلُ عُسْرَهُ بِاليُسْرِ.
ولَيْسَ في هَذا الخَبَرِ وعْدٌ لِكُلِّ مُعْسِرٍ بِأنْ يَصِيرَ عُسْرُهُ يُسْرًا. وقَدْ يَكُونُ في المُشاهَدَةِ ما يُخالِفُ ذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في التَّكَلُّفِ بِأنَّ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ المُوَحِّدِينَ يَوْمَئِذٍ بِأنَّ اللَّهَ سَيُبَدِّلُ عُسْرَهم بِاليُسْرِ، أوْ وعْدٌ لِلْمُنْفِقِينَ الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ لِأمْرِ اللَّهِ ولا يَشِحُّونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَسَعُهُ مالُهم. وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى ( ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] .
صفحة ٣٣٣
ومِن بَلاغَةِ القُرْآنِ الإتْيانُ بِ (عُسْرٍ ويُسْرٍ) نَكِرَتَيْنِ غَيْرَ مُعَرَّفَيْنِ بِاللّامِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِنَ التَّعْرِيفِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ كَما في قَوْلِهِ (﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥]) .
الطلاق 65:8
﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكُرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠] .
لَمّا شُرِعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الطَّلاقِ ولَواحِقِهِ، وكانَتْ كُلُّها تَكالِيفَ قَدْ تُحْجِمُ بَعْضُ الأنْفُسِ عَنْ إيفاءِ حَقِّ الِامْتِثالِ لِها تَكاسُلًا أوْ تَقْصِيرًا رَغَّبَ في الِامْتِثالِ لَها بِقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢])، وقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤])، وقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ [الطلاق: ٥])، وقَوْلِهِ (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]) .
وحَذَّرَ اللَّهُ النّاسَ في خِلالِ ذَلِكَ مِن مُخالَفَتِها بِقَوْلِهِ (﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١])، وقَوْلِهِ (﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢]) أعْقَبَها بِتَحْذِيرٍ عَظِيمٍ مِنَ الوُقُوعِ في مُخالَفَةِ أحْكامِ اللَّهِ ورُسُلِهِ لِقِلَّةِ العِنايَةِ بِمُراقَبَتِهِمْ، لِأنَّ الصَّغِيرَ يُثِيرُ الجَلِيلَ، فَذَكَّرَ المُسْلِمِينَ ( ولَيْسُوا مِمَّنْ يَعْتُوا عَلى أمْرِ رَبِّهِمْ بِما حَلَّ بِأقْوامٍ مِن عِقابٍ عَظِيمٍ عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِأمْرِ اللَّهِ ورُسُلِهِ لِئَلّا يَسْلُكُوا سَبِيلَ التَّهاوُنِ بِإقامَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيُلْقِي بِهِمْ ذَلِكَ في مَهْواةِ الضَّلالِ.
وهَذا الكَلامُ مُقَدِّمَةٌ لِما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [الطلاق: ١٠]) الآياتِ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمَلِ السّابِقَةِ عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ.
و(كَأيِّنْ) اسْمٌ لِعَدَدِ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما يُمَيِّزُهُ بَعْدَهُ مِنَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن و(كَأيِّنْ) بِمَعْنى (كَمِ) الخَبَرِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) في آلِ عِمْرانَ.
والمَقْصُودُ مِن إفادَةِ التَّكْثِيرِ هُنا تَحْقِيقُ أنَّ العَذابَ الَّذِي نالَ أهْلَ تِلْكَ القُرى شَيْءٌ مُلازِمٍ لِجَزائِهِمْ عَلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ورُسُلِهِ فَلا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ ذَلِكَ مُصادَفَةً في بَعْضِ القُرى وأنَّها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ في جَمِيعِهِمْ.
صفحة ٣٣٤
و(كَأيِّنْ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو مَبْنِيٌّ.
وجُمْلَةُ (﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾) في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِ (كَأيِّنْ) .
والمَعْنى: الإخْبارُ بِكَثْرَةِ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَحاسَبْناها﴾) فالمُفَرَّعُ هو المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ.
والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ (﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) إذْ جِيءَ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ.
وإنَّما أُوثِرَ لَفْظُ القَرْيَةِ هُنا دُونَ الأُمَّةِ ونَحْوِها لِأنَّ في اجْتِلابِ هَذا اللَّفْظِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومُشايَعَةً لَهم بِالنَّذارَةِ ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ أهْلِ القُرى في التَّذْكِيرِ بِعَذابِ اللَّهِ في نَحْوِ (﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤]) .
وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِهِمْ ومَحْقِ عَدِوِّهِمْ.
والعُتُوُّ ويُقالُ العُتِيُّ: تَجاوَزُ الحَدِّ في الِاسْتِكْبارِ والعِنادِ. وضُمِّنَ مَعْنى الإعْراضِ فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنْ) .
والمُحاسِبَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الجَزاءِ عَلى الفِعْلِ بِما يُناسِبُ شِدَّتَهُ مِن شَدِيدِ العِقابِ، تَشْبِيهًا لِتَقْدِيرِ الجَزاءِ بِإجْراءِ الحِسابِ بَيْنَ المُتَعامِلِينَ، وهو الحِسابُ في الدُّنْيا، ولِذَلِكَ جاءَ (حاسَبْناها) و(عَذَّبْناها) بِصِيغَةِ الماضِي.
والمَعْنى: فَجازَيْناها عَلى عُتُوِّها جَزاءً يُكافِئُ طُغْيانَها.
والعَذابُ النُّكُرُ: هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ بِالغَرَقِ، والخَسْفِ، والرَّجْمِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وعَطْفُ العَذابِ عَلى الحِسابِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ غَيْرُهُ، فالحِسابُ فِيما لَقُوهُ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ مِنَ المُخَوِّفاتِ وأشْراطِ الإنْذارِ مِثْلَ القَحْطِ والوَباءِ والعَذابِ هو ما تُوُعِّدُوا بِهِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الحِسابَ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُرادَ بِهِ حِسابُ الآخِرَةِ. وشِدَّتُهُ قُوَّةُ المُناقَشَةِ فِيهِ والِانْتِهارُ عَلى كُلِّ سَيِّئَةٍ يُحاسَبُونَ عَلَيْها.
صفحة ٣٣٥
والعَذابُ: عَذابُ جَهَنَّمِ، ويَكُونُ الفِعْلُ الماضِي مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِلْمُسْتَقْبَلِ بِالماضِي في تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١])، وقَوْلِهِ (﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]) .
والنُّكُرُ بِضَمَّتَيْنِ، وبِضَمٍّ فَسُكُونٍ: ما يُنْكِرُهُ الرَّأْيُ مِن فَظاعَةِ كَيْفِيَّتِهِ إنْكارًا شَدِيدًا.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ نُكُرًا بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ الكافِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ (﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾) لِتَفْرِيعِ (﴿فَحاسَبْناها﴾) (﴿وعَذَّبْناها﴾) .
والذَّوْقُ: هُنا الإحْساسُ مُطْلَقًا، وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ.
والوَبِيلُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. يُقالُ: وبُلَ - بِالضَّمِّ - المَرْعى: إذا كانَ كَلَأُهُ وخِيمًا ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
والأمْرُ: الحالُ والشَّأْنُ، وإضافَةُ الوَبالِ إلى الأمْرِ مِن إضافَةِ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ، أيْ ذاقُوا الوَبالَ الَّذِي تَسَبَّبَ لَهم فِيهِ أمْرُهم وشَأْنُهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ.
وعاقِبَةُ الأمْرِ: آخِرُهُ وأثَرُهُ. وهو يَشْمَلُ العاقِبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) .
وشُبِّهَتْ عاقِبَتُهُمُ السُّوأى بِخَسارَةِ التّاجِرِ في بَيْعِهِ في أنَّهم لَمّا عَتَوْا حَسِبُوا أنَّهم أرْضَوْا أنْفُسَهم بِإعْراضِهِمْ عَنِ الرُّسُلِ وانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ فَما لَبِثُوا أنْ صارُوا بِمَذَلَّةٍ وكَما يَخْسَرُ التّاجِرُ في تَجْرِهِ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (كانَ) بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّ الحَدِيثَ عَنْ عاقِبَتِها في الدُّنْيا تَغْلِيبًا. وفي كُلِّ ذَلِكَ تَفْظِيعٌ لِما لَحِقَهم مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ.
وجُمْلَةُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) بَدَلُ اشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ (﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾) أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ.
صفحة ٣٣٦
والمُرادُ عَذابُ الآخِرَةِ لِأنَّ الإعْدادَ التَّهْيِئَةُ وإنَّما يُهَيَّأُ الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ.
وإنْ جَعَلْتَ الحِسابَ والعَذابَ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا حِسابَ الآخِرَةِ وعَذابَها كَما تَقَدَّمَ آنِفًا فَجُمْلَةُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) اسْتِئْنافًا لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مُتَزايِدٌ غَيْرُ مُخَفَّفٍ مِنهُ كَقَوْلِهِ (﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [النبإ: ٣٠]) .
الطلاق 65:9
﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكُرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠] .
لَمّا شُرِعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الطَّلاقِ ولَواحِقِهِ، وكانَتْ كُلُّها تَكالِيفَ قَدْ تُحْجِمُ بَعْضُ الأنْفُسِ عَنْ إيفاءِ حَقِّ الِامْتِثالِ لِها تَكاسُلًا أوْ تَقْصِيرًا رَغَّبَ في الِامْتِثالِ لَها بِقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢])، وقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤])، وقَوْلِهِ (﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ [الطلاق: ٥])، وقَوْلِهِ (﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]) .
وحَذَّرَ اللَّهُ النّاسَ في خِلالِ ذَلِكَ مِن مُخالَفَتِها بِقَوْلِهِ (﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١])، وقَوْلِهِ (﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢]) أعْقَبَها بِتَحْذِيرٍ عَظِيمٍ مِنَ الوُقُوعِ في مُخالَفَةِ أحْكامِ اللَّهِ ورُسُلِهِ لِقِلَّةِ العِنايَةِ بِمُراقَبَتِهِمْ، لِأنَّ الصَّغِيرَ يُثِيرُ الجَلِيلَ، فَذَكَّرَ المُسْلِمِينَ ( ولَيْسُوا مِمَّنْ يَعْتُوا عَلى أمْرِ رَبِّهِمْ بِما حَلَّ بِأقْوامٍ مِن عِقابٍ عَظِيمٍ عَلى قِلَّةِ اكْتِراثِهِمْ بِأمْرِ اللَّهِ ورُسُلِهِ لِئَلّا يَسْلُكُوا سَبِيلَ التَّهاوُنِ بِإقامَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيُلْقِي بِهِمْ ذَلِكَ في مَهْواةِ الضَّلالِ.
وهَذا الكَلامُ مُقَدِّمَةٌ لِما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ (﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [الطلاق: ١٠]) الآياتِ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الجُمَلِ السّابِقَةِ عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ.
و(كَأيِّنْ) اسْمٌ لِعَدَدِ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ ما يُمَيِّزُهُ بَعْدَهُ مِنَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن و(كَأيِّنْ) بِمَعْنى (كَمِ) الخَبَرِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) في آلِ عِمْرانَ.
والمَقْصُودُ مِن إفادَةِ التَّكْثِيرِ هُنا تَحْقِيقُ أنَّ العَذابَ الَّذِي نالَ أهْلَ تِلْكَ القُرى شَيْءٌ مُلازِمٍ لِجَزائِهِمْ عَلى عُتُوِّهِمْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ورُسُلِهِ فَلا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ ذَلِكَ مُصادَفَةً في بَعْضِ القُرى وأنَّها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ في جَمِيعِهِمْ.
صفحة ٣٣٤
و(كَأيِّنْ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهو مَبْنِيٌّ.
وجُمْلَةُ (﴿عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها﴾) في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِ (كَأيِّنْ) .
والمَعْنى: الإخْبارُ بِكَثْرَةِ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَحاسَبْناها﴾) فالمُفَرَّعُ هو المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ.
والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ (﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) إذْ جِيءَ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ.
وإنَّما أُوثِرَ لَفْظُ القَرْيَةِ هُنا دُونَ الأُمَّةِ ونَحْوِها لِأنَّ في اجْتِلابِ هَذا اللَّفْظِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومُشايَعَةً لَهم بِالنَّذارَةِ ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ أهْلِ القُرى في التَّذْكِيرِ بِعَذابِ اللَّهِ في نَحْوِ (﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤]) .
وفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِهِمْ ومَحْقِ عَدِوِّهِمْ.
والعُتُوُّ ويُقالُ العُتِيُّ: تَجاوَزُ الحَدِّ في الِاسْتِكْبارِ والعِنادِ. وضُمِّنَ مَعْنى الإعْراضِ فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنْ) .
والمُحاسِبَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الجَزاءِ عَلى الفِعْلِ بِما يُناسِبُ شِدَّتَهُ مِن شَدِيدِ العِقابِ، تَشْبِيهًا لِتَقْدِيرِ الجَزاءِ بِإجْراءِ الحِسابِ بَيْنَ المُتَعامِلِينَ، وهو الحِسابُ في الدُّنْيا، ولِذَلِكَ جاءَ (حاسَبْناها) و(عَذَّبْناها) بِصِيغَةِ الماضِي.
والمَعْنى: فَجازَيْناها عَلى عُتُوِّها جَزاءً يُكافِئُ طُغْيانَها.
والعَذابُ النُّكُرُ: هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ بِالغَرَقِ، والخَسْفِ، والرَّجْمِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وعَطْفُ العَذابِ عَلى الحِسابِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ غَيْرُهُ، فالحِسابُ فِيما لَقُوهُ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ مِنَ المُخَوِّفاتِ وأشْراطِ الإنْذارِ مِثْلَ القَحْطِ والوَباءِ والعَذابِ هو ما تُوُعِّدُوا بِهِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الحِسابَ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُرادَ بِهِ حِسابُ الآخِرَةِ. وشِدَّتُهُ قُوَّةُ المُناقَشَةِ فِيهِ والِانْتِهارُ عَلى كُلِّ سَيِّئَةٍ يُحاسَبُونَ عَلَيْها.
صفحة ٣٣٥
والعَذابُ: عَذابُ جَهَنَّمِ، ويَكُونُ الفِعْلُ الماضِي مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِلْمُسْتَقْبَلِ بِالماضِي في تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١])، وقَوْلِهِ (﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]) .
والنُّكُرُ بِضَمَّتَيْنِ، وبِضَمٍّ فَسُكُونٍ: ما يُنْكِرُهُ الرَّأْيُ مِن فَظاعَةِ كَيْفِيَّتِهِ إنْكارًا شَدِيدًا.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ نُكُرًا بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ الكافِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ (﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾) لِتَفْرِيعِ (﴿فَحاسَبْناها﴾) (﴿وعَذَّبْناها﴾) .
والذَّوْقُ: هُنا الإحْساسُ مُطْلَقًا، وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ.
والوَبِيلُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. يُقالُ: وبُلَ - بِالضَّمِّ - المَرْعى: إذا كانَ كَلَأُهُ وخِيمًا ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
والأمْرُ: الحالُ والشَّأْنُ، وإضافَةُ الوَبالِ إلى الأمْرِ مِن إضافَةِ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ، أيْ ذاقُوا الوَبالَ الَّذِي تَسَبَّبَ لَهم فِيهِ أمْرُهم وشَأْنُهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ.
وعاقِبَةُ الأمْرِ: آخِرُهُ وأثَرُهُ. وهو يَشْمَلُ العاقِبَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) .
وشُبِّهَتْ عاقِبَتُهُمُ السُّوأى بِخَسارَةِ التّاجِرِ في بَيْعِهِ في أنَّهم لَمّا عَتَوْا حَسِبُوا أنَّهم أرْضَوْا أنْفُسَهم بِإعْراضِهِمْ عَنِ الرُّسُلِ وانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ فَما لَبِثُوا أنْ صارُوا بِمَذَلَّةٍ وكَما يَخْسَرُ التّاجِرُ في تَجْرِهِ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (كانَ) بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّ الحَدِيثَ عَنْ عاقِبَتِها في الدُّنْيا تَغْلِيبًا. وفي كُلِّ ذَلِكَ تَفْظِيعٌ لِما لَحِقَهم مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ.
وجُمْلَةُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) بَدَلُ اشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ (﴿وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾) أوْ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ.
صفحة ٣٣٦
والمُرادُ عَذابُ الآخِرَةِ لِأنَّ الإعْدادَ التَّهْيِئَةُ وإنَّما يُهَيَّأُ الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ.
وإنْ جَعَلْتَ الحِسابَ والعَذابَ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا حِسابَ الآخِرَةِ وعَذابَها كَما تَقَدَّمَ آنِفًا فَجُمْلَةُ (﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق: ١٠]) اسْتِئْنافًا لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مُتَزايِدٌ غَيْرُ مُخَفَّفٍ مِنهُ كَقَوْلِهِ (﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [النبإ: ٣٠]) .
الطلاق 65:10
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
هَذا التَّفْرِيعُ المَقْصُودُ عَلى التَّكالِيفِ السّابِقَةِ وخاصَّةً عَلى قَوْلِهِ (﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]) وهو نَتِيجَةُ ما مَهَّدَ لَهُ بِهِ مِن قَوْلِهِ (﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨]) .
وفِي نِداءِ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ (أُولِي الألْبابِ) إيماءٌ إلى أنَّ العُقُولَ الرّاجِحَةَ تَدْعُو إلى تَقْوى اللَّهِ لِأنَّها كَمالٌ نَفْسانِيٌّ، ولِأنَّ فَوائِدَها حَقِيقِيَّةٌ دائِمَةٌ، ولِأنَّ بِها اجْتِنابَ المَضارِّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَ تَعالى (﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣])، وقَوْلُهُ (أُولِي) مَعْناهُ ذَوِي، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]) آنِفًا، و(﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) بَدَلٌ مِن (أُولِي الألْبابِ) . وهَذا الِاتِّباعُ يُومِئُ إلى أنَّ قَبُولَهُمُ الإيمانَ عُنْوانٌ عَلى رَجاحَةِ عُقُولِهِمْ. والإتْيانُ بِصِلَةِ المَوْصُولِ إشْعارٌ بِأنَّ الإيمانَ سَبَبٌ لِلتَّقْوى وجامِعٌ لِمُعْظَمِها ولَكِنَّ لِلتَّقْوى دَرَجاتٍ هي الَّتِي أُمِرُوا بِأنْ يُحِيطُوا بِها.
* * *
﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيَّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١١] .
فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى لِأنَّ إنْزالَ الكِتابِ نَفْعٌ عَظِيمٌ لَهم مُسْتَحِقٌّ شُكْرَهم عَلَيْهِ.
صفحة ٣٣٧
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ وبَعَثِ النُّفُوسِ عَلى تَصَفُّحِ هَذا الكِتابِ ومُتابَعَةِ إرْشادِ الرَّسُولِ ﷺ .
والذِّكْرُ: القُرْآنُ. وقَدْ سُمِّيَ بِالذِّكْرِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَذْكِيرَ النّاسِ بِما هم في غَفْلَةٍ عَنْهُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وما يَتَفَرَّعُ عَنْها مِن حُسْنِ السُّلُوكِ، ثُمَّ تَذْكِيرَهم بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّكالِيفِ وبَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦]) في سُورَةِ الحِجْرِ. وإنْزالُ القُرْآنِ تَبْلِيغُهُ إلى الرَّسُولِ ﷺ بِواسِطَةِ المَلَكِ واسْتُعِيرَ لَهُ الإنْزالُ لِأنَّ الذِّكْرَ مُشَبَّهٌ بِالشَّيْءِ المَرْفُوعِ في السَّماواتِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وجُعِلَ إنْزالُ الذِّكْرِ إلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهِ وعَلِمُوا بِما فِيهِ فَخُصِّصُوا هُنا مِن بَيْنِ جَمِيعِ الأُمَمِ لِأنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ.
وقَوْلُهُ (﴿رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١١]) بَدَلٌ مِن (ذِكْرًا) بَدَلُ اشْتِمالٍ لِأنَّ بَيْنَ القُرْآنِ والرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُلازَمَةً ومُلابَسَةً فَإنَّ الرِّسالَةَ تَحَقَّقَتْ لَهُ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، فَقَدْ أُعْمِلَ فِعْلُ (أنْزَلَ) في (رَسُولًا) تَبَعًا لِإعْمالِهِ في المُبْدَلِ مِنهُ بِاعْتِبارِ هَذِهِ المُقارَنَةِ واشْتِمالِ مَفْهُومِ أحَدِ الِاسْمَيْنِ عَلى مَفْهُومِ الآخَرِ. وهَذا كَما أُبْدِلَ (﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: ٢]) مِن قَوْلِهِ (﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١]) في سُورَةِ البَيِّنَةِ.
والرَّسُولُ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وأمّا تَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِجِبْرِيلَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ لِتَصْحِيحِ إبْدالِ (﴿رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١١]) مِنهُ فَفِيهِ تَكَلُّفاتٌ لا داعِيَ إلَيْها فَإنَّهُ لا مَحِيصَ عَنِ اعْتِبارِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ، ولا يَسْتَقِيمُ وصَفُ جِبْرِيلَ بِأنَّهُ يَتْلُو عَلى النّاسِ الآياتِ فَإنَّ مَعْنى التِّلاوَةِ بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ تَفْسِيرُ الذِّكْرِ بِجِبْرِيلَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١١]) مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أنْزَلَ اللَّهُ وتَقْدِيرُهُ: وأرْسَلَ إلَيْكم رَسُولًا، ويَكُونُ حَذْفُهُ إيجازًا إلّا أنَّ الوَجْهَ السّابِقَ أبْلَغُ وأوْجَزُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (مُبَيِّناتٍ) بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِها ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وجُعِلَتْ عِلَّةُ إنْزالِ الذِّكْرِ إخْراجَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنْ
صفحة ٣٣٨
كانَتْ عِلَّةُ إنْزالِهِ إخْراجَ جَمِيعِ النّاسِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ وفَسادِ الأعْمالِ إلى نُورِ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ، نَظَرًا لِخُصُوصِ الفَرِيقِ الَّذِي انْتَفَعَ بِهَذا الذِّكْرِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِمْ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِدالٍّ عَلى أنَّ العِلَّةَ مَقْصُورَةٌ عَلى هَذا الفَرِيقِ ولَكِنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْصِيصٍ بِالذِّكْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنها أوَّلُ سُورَةِ الأعْرافِ.
الطلاق 65:11
﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى الأمْرِ بِالتَّقْوى، والتَّنْوِيهُ بِالمُتَّقِينَ، والعِنايَةُ بِهِمْ هَذا الوَعْدُ عَلى امْتِثالِهِمْ بِالنَّعِيمِ الخالِدِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ مُقَيَّدٌ حُصُولُهُ لِراغِبِيهِ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَعْمَلُوا الصّالِحاتِ.
و(﴿صالِحًا﴾) نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (﴿يَعْمَلْ﴾ [النساء: ١١٠]) أيْ عَمَلًا صالِحًا، وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ كَإفادَتِهِ في سِياقِ النَّفْيِ. فالمَعْنى: ويَعْمَلُ جَمِيعَ الصّالِحاتِ، أيِ المَأْمُورِ بِها أمْرًا جازِمًا بِقَرِينَةِ اسْتِقْراءِ أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
وجُمْلَةُ (﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نُدْخِلْهُ) ولِذَلِكَ فَذِكْرُ اسْمِ الجَلالَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها.
والرِّزْقُ: كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ وتَنْكِيرُهُ هُنا لِلتَّعْظِيمِ، أيْ رِزْقًا عَظِيمًا.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (نُدْخِلْهُ) بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾) وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ يَكُونُ فِيهِ سُكُونُ الِالتِفاتِ.
الطلاق 65:12
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
صفحة ٣٣٩
اسْمُ الجَلالَةِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هو اللَّهُ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ جَرى ذِكْرُ شُئُونٍ مِن عَظِيمِ شُئُونِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ (﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]) إلى هُنا، فَقَدْ تَكَرَّرَ اسْمُ الجَلالَةِ وضَمِيرُهُ والإسْنادُ إلَيْهِ زُهاءَ ثَلاثِينَ مَرَّةً فاقْتَضى المَقامُ عَقِبَ ذَلِكَ أنْ يُزادَ تَعْرِيفُ النّاسِ بِهَذا العَظِيمِ، ولَمّا صارَ البِساطُ مَلِيئًا بِذِكْرِ اسْمِهِ صَحَّ حَذْفُهُ عِنْدَ الإخْبارِ عَنْهُ إيجازًا وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [مريم: ٦٥]) في سُورَةِ مَرْيَمَ، وكَذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨])، وقَوْلِهِ (﴿مَقامِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فالجُمْلَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ وقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الصِّلَةُ لِما فِيها مَن الدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وعَلى أنَّ النّاسَ وهم مِن جُمْلَةِ ما في الأرْضِ عَبِيدُهُ، فَعَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوهُ، ولا يَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ، ويُحاسِبُوا أنْفُسَهم عَلى مَدى طاعَتِهِمْ إيّاهُ فَإنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، وأنَّهُ قَدِيرٌ عَلى إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ إنْ أطاعُوهُ وعِقابِهِمْ إنْ عَصَوْهُ.
وفِيهِ تَنْوِيهٌ بِالقُرْآنِ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الأمْرِ الَّذِي يَتَنَزَّلُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
والسَّبْعُ السَّماواتِ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها غَيْرَ مَرَّةٍ، وهي سَبْعٌ مُنْفَصِلٌ بَعْضُها عَنِ الآخَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ نُوحٍ (﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥]) .
وقَوْلُهُ (﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾) عَطْفٌ عَلى (﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾) وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ قَوْلَهُ (﴿مِنَ الأرْضِ﴾) عَلى أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ لَفْظَ الأرْضِ ويَكُونُ حَرْفُ (مِن) مَزِيدًا لِلتَّوْكِيدِ بِناءً عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ لِزِيادَةِ (مِن) أنْ تَقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ والنَّهْيِ والِاسْتِفْهامِ والشَّرْطِ وهو الأحَقُّ بِالقَبُولِ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا في الكَلامِ، وعَدَمُ الكَثْرَةِ لا يُنافِي الفَصاحَةَ، والتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ الأرْضَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿مِثْلَهُنَّ﴾) حالًا مِن (﴿الأرْضِ﴾) .
ومُماثَلَةُ الأرْضِ لِلسَّماواتِ في دَلالَةِ خَلْقِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ أنَّ خَلْقَ الأرْضِ لَيْسَ أضْعَفَ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ لِأنَّ لِكُلٍّ مِنهُما خَصائِصَ دالَّةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ.
صفحة ٣٤٠
وهَذا أظْهَرُ ما تُئَوَّلُ بِهِ الآيَةُ.
وفِي إفْرادِ لَفْظِ (﴿الأرْضِ﴾) دُونَ أنْ يُؤْتى بِهِ جَمْعًا كَما أُتِيَ بِلَفْظِ السَّماواتِ إيذانٌ بِالِاخْتِلافِ بَيْنَ حالَيْهِما.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ (﴿مِثْلَهُنَّ﴾) ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿ومِنَ الأرْضِ﴾) بَيانًا لِلْمِثْلِ فَماصَدَقَ (﴿مِثْلَهُنَّ﴾) هو (﴿الأرْضِ﴾) . وتَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةً وفِيهِ تَقْدِيمُ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ، وهو وارِدٌ غَيْرُ نادِرٍ.
فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُماثِلَةً في الكُرَوِيَّةِ، أيْ مِثْلَ واحِدَةٍ مِنَ السَّماواتِ، أيْ مِثْلَ كَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ في كَوْنِها تَسِيرُ حَوْلَ الشَّمْسِ مِثْلَ الكَواكِبِ فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِنَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا المُماثَلَةَ في عَدَدِ السَّبْعِ وقالُوا: إنِ الأرْضَ سَبْعُ طَبَقاتٍ فَمِنهم مَن قالَ هي سَبْعُ طَبَقاتٍ مُنْبَسِطَةٍ تَفْرُقُ بَيْنَها البِحارُ. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ، ومِنهم مَن قالَ هي سَبْعُ طِباقٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وهَذا يَقْرُبُ مِن قَوْلِ عُلَماءِ طَبَقاتِ الأرْضِ (الجُيُولُوجْيا)، مِن إثْباتِ طَبَقاتٍ أرْضِيَّةٍ لَكِنَّها لا تَصِلُ إلى سَبْعِ طَبَقاتٍ.
وفِي الكَشّافِ قِيلَ ما في القُرْآنِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأرَضِينَ سَبْعٌ إلّا هَذِهِ اهـ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّها لا دَلالَةَ فِيها عَلى ذَلِكَ.
وقالَ المازِرِيُّ في كِتابِهِ (المُعْلِمِ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عِنْدَ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في كِتابِ الشُّفْعَةِ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ مِن سَبْعِ أرَضِينَ يَوْمَ القِيامَةِ» ) .
كانَ شَيْخُنا أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَمِيدِ كَتَبَ إلَيَّ بَعْدَ فِراقِي لَهُ: هَلْ وقَعَ في الشَّرْعِ عَمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الأرْضِ سَبْعًا، فَكَتَبْتُ إلَيْهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى (﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾) وذَكَرْتُ لَهُ هَذا الحَدِيثَ فَأعادَ كِتابَهُ إلَيَّ يَذْكُرُ فِيهِ أنَّ الآيَةَ مُحْتَمَلَةٌ هَلْ مِثْلَهُنَّ في الشَّكْلِ والهَيْئَةِ أوْ مِثْلَهُنَّ في العَدَدِ. وأنَّ الخَبَرَ مِن أخْبارِ الآحادِ، والقُرْآنُ إذا احْتُمِلَ والخَبَرُ إذا لَمْ يَتَواتَرْ لَمْ يَصِحَّ القَطْعُ بِذَلِكَ، والمَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ العَمَلِيّاتِ فَيُتَمَسَّكُ فِيها بِالظَّواهِرِ وأخْبارِ الآحادِ، فَأعَدْتُ
صفحة ٣٤١
إلَيْهِ المُجاوَبَةَ أحْتَجُّ لِبُعْدِ الِاحْتِمالِ عَنِ القُرْآنِ وبَسَطْتُ القَوْلَ في ذَلِكَ وتَرَدَّدْتُ في آخِرِ كِتابِي في احْتِمالِ ما قالَ. فَقَطَعَ المُجاوَبَةَ اهـ.
وأنْتَ قَدْ تَبَيَّنْتَ أنَّ إفْرادَ الأرْضِ مُشْعِرٌ بِأنَّها أرْضٌ واحِدَةٌ وأنَّ المُماثَلَةَ في قَوْلِهِ (﴿مِثْلَهُنَّ﴾) راجِعَةٌ إلى المُماثَلَةِ في الخَلْقِ العَظِيمِ، وأمّا الحَدِيثُ فَإنَّهُ في شَأْنٍ مِن شُئُونِ الآخِرَةِ وهي مُخالَفَةٌ لِلْمُتَعارَفِ، فَيَجُوزُ أنْ يُطَوَّقَ الغاصِبُ بِالمِقْدارِ الَّذِي غَصَبَهُ مُضاعَفًا سَبْعَ مَرّاتٍ في الغِلَظِ والثِّقَلِ، عَلى أنَّ عَدَدَ السَّبْعِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المُبالَغَةُ في المُضاعَفَةِ. ولَوْ كانَ المُرادُ طَبَقاتٍ مَعْلُومَةً لَقالَ: طَوَّقَهُ مِنَ السَّبْعِ الأرَضِينَ بِصِيغَةِ التَّعْرِيفِ. وكَلامُ عَبْدِ الحَمِيدِ أدْخَلُ في التَّحْقِيقِ مِن كَلامِ المازِرِيِّ.
وعَلى مُجاراةِ تَفْسِيرُ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ (﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾) مِنَ المُماثَلَةِ في عَدَدِ السَّبْعِ، فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ السَّبْعَ سَبْعُ قِطَعٍ واسِعَةٍ مِن سَطْحِ الأرْضِ يَفْصِلُ بَيْنَها البِحارُ نُسَمِّيها القارّاتِ ولَكِنْ لا نَعْنِي بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ المَعْنى الِاصْطِلاحِيَّ في كُتُبِ الجُغْرافِيا القَدِيمَةِ أوِ الحَدِيثَةِ بَلْ هي قارّاتٌ طَبِيعِيَّةٌ كانَ يَتَعَذَّرُ وصُولُ سُكّانِ بَعْضِها إلى بَعْضِها الآخَرِ في الأزْمانِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِيها تَنَقُّلٌ بَحَرِيٌّ وفِيما بَعْدَها مِمّا كانَ رُكُوبُ البَحْرِ فِيها مَهُولًا. وهي أنَّ آسْيا مَعَ أُورُوبّا قارَّةٌ، وإفْرِيقِيا قارَّةٌ، وأُسْتُراليا قارَّةٌ، وأمِيرِيكا الشَّمالِيَّةُ قارَّةٌ، وأمِيرِيكا الجَنُوبِيَّةُ قارَّةٌ، وجِرُولَنْدَةُ في الشَّمالِ، والقارَّةُ القُطْبِيَّةُ الجَنُوبِيَّةُ. ولا التِفاتَ إلى الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ مِنَ الأرْضِ في البِحارِ، وتَكُونُ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً لِأنَّ هَذِهِ القارّاتِ الِاصْطِلاحِيَّةَ أجْزاءٌ مِنَ الأرْضِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ (﴿مِثْلَهُنَّ﴾) بِالنَّصْبِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ في غَيْرِ المُتَواتِرِ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ.
ومَعْنى (﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾) أمْرُ اللَّهِ بِالتَّكْوِينِ أوْ بِالتَّكْلِيفِ يُبَلَّغُ إلى الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ لِيُبَلِّغُوهُ. أوْ لِمَن يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ مِنَ الرُّسُلِ لِيُبَلِّغُوهُ عَنْهُ، أوْ مِنَ النّاسِ لِيَعْلَمُوا بِما فِيهِ، كُلُّ ذَلِكَ يَقَعُ فِيما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ (﴿لِتَعْلَمُوا﴾) لامُ كَيْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِ (خَلَقَ) .
والمَعْنى: أنَّ مِمّا أرادَهُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ، أنْ يَعْلَمَ النّاسُ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإحاطَةَ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ. لِأنَّ خَلْقَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ
صفحة ٣٤٢
وتَسْخِيرَها وتَدْبِيرَ نِظامِها في طُولِ الدَّهْرِ يَدُلُّ أفْكارَ المُتَأمِّلِينَ عَلى أنَّ مُبْدِعَها يَقْدِرُ عَلى أمْثالِها فَيَسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدِيرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى إبْداعِ ما هو دُونَها ظاهِرَةٌ، ودَلالَتَها عَلى ما هو أعْظَمُ مِنها وإنْ كانَتْ غَيْرَ مُشاهَدَةٍ، فَقِياسُ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ يَدُلُّ عَلى أنَّ خالِقَ أمْثالِها قادِرٌ عَلى ما هو أعْظَمُ. وأيْضًا فَإنَّ تَدْبِيرَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الإتْقانِ المُشاهَدِ في نِظامِها، دَلِيلٌ عَلى سِعَةِ عِلْمِ مُبْدِعِها وإحاطَتِهِ بِدَقائِقِ ما هو دُونَها، وأنَّ مَن كانَ عِلْمُهُ بِتِلْكَ المَثابَةِ لا يُظَنُّ بِعِلْمِهِ إلّا الإحاطَةُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ.
فالعِلْمُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ (﴿لِتَعْلَمُوا﴾) صادِقٌ عَلى عِلْمَيْنِ: عِلْمٌ يَقِينِيٌّ مُسْتَنِدٌ إلى أدِلَّةٍ يَقِينِيَّةٍ مُرَكَّبَةٍ مِنَ الدَّلالَةِ الحِسِّيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، وعِلْمٌ ظَنِّيٌّ مُسْتَنِدٌ إلى الأدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ والقَرائِنِ. وكِلا العِلْمَيْنِ مُوَصِّلٌ إلى الِاسْتِدْلالِ في الِاسْتِدْلالِ الخَطابِيِّ (بِفَتْحِ الخاءِ) .
* * *
صفحة ٣٤٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّحْرِيمِ
سُورَةُ (( ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]) ) إلَخْ سُمِّيَتْ (سُورَةَ التَّحْرِيمِ) في كُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ. ووَقَعَ في رِوايَةِ أبِي ذَرٍّ الهَرَوُيِّ لِصَحِيحِ البُخارِيِّ تَسْمِيَتُها باسْمِ (سُورَةِ اللِّمَ تُحَرِّمُ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ، وفي الإتْقانِ وتُسَمّى (سُورَةَ اللِّمَ تُحَرِّمُ)، وفي تَفْسِيرِ الكَواشِيِّ أيْ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وتَشْدِيدِ اللّامِ مَكْسُورَةً وبِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ التّاءِ مُحَقَّقَةً وتَشْدِيدِ الرّاءِ مَكْسُورَةً بَعْدَها مِيمٌ عَلى حِكايَةِ جُمْلَةِ (﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١]) وجَعْلِها بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ وإدْخالِ لامِ تَعْرِيفِ العَهْدِ عَلى ذَلِكَ اللَّفْظِ وإدْغامِ اللّامَيْنِ.
وتُسَمّى (سُورَةَ النَّبِيءِ) ﷺ وقالَ الآلُوسِيُّ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ سَمّاها (سُورَةَ النِّساءِ) . قُلْتُ ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ ولَمْ يَذْكُرْ صاحِبُ الإتْقانِ هَذَيْنِ في أسْمائِها.
واتَّفَقَ أهْلُ العَدَدِ عَلى أنَّ عِدَّةَ آيِها اثْنَتا عَشْرَةَ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ. وقالَ في الإتْقانِ عَنْ قَتادَةَ: إنَّ أوَّلَها إلى تَمامِ عَشْرِ آياتٍ وما بَعْدَها مَكِّيٌّ، كَما وقَعَتْ حِكايَةُ كَلامِهِ. ولَعَلَّهُ أرادَ إلى عَشْرِ آياتٍ، أيْ أنَّ الآيَةَ العاشِرَةَ مِنَ المَكِّيِّ إذْ مِنَ البَعِيدِ أنْ تَكُونَ الآيَةُ العاشِرَةُ مَدَنِيَّةً والحادِيَةَ عَشَرَ مَكِّيَّةً.
وهِيَ مَعْدُودَةٌ الخامِسَةُ بَعْدَ المِائَةِ في عِدادِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحُجُراتِ وقَبْلَ سُورَةِ الجُمُعَةِ.
صفحة ٣٤٤
ويَدُلُّ قَوْلُهُ (﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]) أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المائِدَةِ كَما سَيَأْتِي.
وسَبَبُ نُزُولِها حادِثَتانِ حَدَثَتا بَيْنَ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ .
إحْداهُما: ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ شَرِبَ عَسَلًا عِنْدَ إحْدى نِسائِهِ اخْتُلِفَ في أنَّها زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، أوْ حَفْصَةُ، أوْ أُمُّ سَلَمَةَ، أوْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ. والأصَحُّ أنَّها زَيْنَبُ. فَعَلِمَتْ بِذَلِكَ عائِشَةُ فَتَواطَأتْ هي وحَفْصَةُ عَلى أنَّ أيَّتَهُما دَخَلَ عَلَيْها تَقُولُ لَهُ (إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغافِيرَ أكَلْتَ مَغافِيرَ) (والمَغافِيرُ صَمْغُ شَجَرِ العُرْفُطِ ولَهُ رائِحَةٌ مُخْتَمِرَةٌ) وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَكْرَهُ أنْ تُوجَدَ مِنهُ رائِحَةٌ وإنَّما تَواطَأتا عَلى ذَلِكَ غَيْرَةً مِنهُما أنْ يَحْتَبِسَ عِنْدَ زَيْنَبَ زَمانًا يَشْرَبُ فِيهِ عَسَلًا. فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ فَقالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: «بَلْ شَرِبَتُ عَسَلًا عِنْدَ فُلانَةٍ ولَنْ أعُودَ لَهُ»، أرادَ بِذَلِكَ اسْتِرْضاءَ حَفْصَةَ في هَذا الشَّأْنِ وأوْصاها أنْ لا تُخْبِرَ بِذَلِكَ عائِشَةَ لِأنَّهُ يَكْرَهُ غَضَبَها فَأخْبَرَتْ حَفْصَةُ عائِشَةَ فَنَزَلَتِ الآياتُ.
هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ. والتَّحْرِيمُ هو قَوْلُهُ: ولَنْ أعُودَ لَهُ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَقُولُ إلّا صِدْقًا وكانَتْ سَوْدَةُ تَقُولُ لَقَدْ حَرَمْناهُ.
والثّانِيَةُ ما رَواهُ ابْنُ القاسِمِ في المُدَوَّنَةِ عَنْ مالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّ إبْراهِيمَ جارِيَتَهُ فَقالَ (واللَّهِ لا أطَؤُكِ) ثُمَّ قالَ: هي عَلَيَّ حَرامٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ﴾ [التحريم: ١]) .
وتَفْصِيلُ هَذا الخَبَرِ ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُمِّ ولَدِهِ مارِيَةَ في بَيْتِ حَفْصَةَ فَوَجَدَتْهُ حَفْصَةُ مَعَها، وكانَتْ حَفْصَةُ غابَتْ إلى بَيْتِ أبِيها. فَقالَتْ حَفْصَةُ: تُدْخِلُها بَيْتِي ما صَنَعْتَ بِي هَذا مِن بَيْنَ نِسائِكَ إلّا مِن هَوانِي عَلَيْكَ. فَقالَ لَها: لا تَذْكُرِي هَذا لِعائِشَةَ فَهي عَلَيَّ حَرامٌ إنْ قَرِبْتُها. قِيلَ: فَقالَتْ لَهُ حَفْصَةُ: كَيْفَ تَحْرُمُ عَلَيْكَ وهي جارِيَتُكَ فَحَلِفَ لَها أنْ لا يَقْرَبَها فَذَكَرَتْهُ حَفْصَةُ لِعائِشَةَ فَآلى أنْ لا يَدْخُلَ عَلى نِسائِهِ شَهْرًا
صفحة ٣٤٥
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم»: ١]) . وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ ما تَضَمَّنُهُ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أحَدًا لا يُحَرِّمُ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ لِإرْضاءِ أحَدٍ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمَصْلَحَةٍ لَهُ ولا لِلَّذِي يَسْتَرْضِيهِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ كالنَّذْرِ إذْ لا قُرْبَةَ فِيهِ وما هو بِطَلاقٍ لِأنَّ الَّتِي حَرَّمَها جارِيَةً لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، فَإنَّما صَلاحُ كُلِّ جانِبٍ فِيما يَعُودُ بِنَفْعٍ عَلى نَفْسِهِ أوْ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَهُ نَفْعًا مُرْضِيًا عِنْدَ اللَّهِ. وتَنْبِيهُ نِساءِ النَّبِيءِ ﷺ إلى أنَّ غَيْرَةَ اللَّهِ عَلى نَبِيئِهِ أعْظَمُ مِن غَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ وأسْمى مَقْصِدًا.
وأنَّ اللَّهَ يُطْلِعُهُ عَلى ما يَخُصُّهُ مِنَ الحادِثاتِ.
وأنَّ مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى حِنْثَها خَيْرًا مِن بِرِّها أنْ يُكَفِّرَ عَنْها ويَفْعَلَ الَّذِي هو خَيْرٌ. وقَدْ ورَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في حَدِيثِ وفْدِ عَبْدِ القَيْسِ عَنْ رِوايَةِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
وتَعْلِيمُ الأزْواجِ أنْ لا يُكْثِرْنَ مِن مُضايَقَةِ أزْواجِهِنَّ فَإنَّها رُبَّما أدَّتْ إلى المَلالِ فالكَراهِيَةِ فالفِراقِ.
ومَوْعِظَةُ النّاسِ بِتَرْبِيةِ بَعْضِ الأهْلِ بَعْضًا ووَعْظِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وأُتْبِعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ عَذابِ الآخِرَةِ ونَعِيمِها وما يُفْضِي إلى كِلَيْهِما مِن أعْمالِ النّاسِ صالِحاتِها وسَيِّئاتِها.
وذُيِّلَ ذَلِكَ بِضَرْبِ مَثَلَيْنِ مِن صالِحاتِ النِّساءِ وضِدِّهِنَّ لِما في ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ لِنِساءِ المُؤْمِنِينَ ولِأُمَّهاتِهِمْ.
التحريم 66:1
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
صفحة ٣٤٦
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ بِالنِّداءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ مِمّا يَهْتَمُّ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ والأُمَّةُ ولِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كانَ مِن عَلائِقِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا يُوجَدُ ما يَدْعُو إلى أنْ تُحَرِّمَ عَلى نَفْسِكَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ، ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا التَزَمَ عَدَمَ العَوْدِ إلى ما صَدَرَ مِنهُ التِزامًا بِيَمِينٍ أوْ بِدُونِ يَمِينٍ أرادَ الِامْتِناعَ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ قاصِدًا بِذَلِكَ تَطْمِينَ أزْواجِهِ اللّائِي تَمالَأْنَ عَلَيْهِ لِفَرْطِ غَيْرَتِهِنَّ، أيْ لَيْسَتْ غَيْرَتُهُنَّ مِمّا تَجِبُ مُراعاتُهُ في المُعاشَرَةِ إنْ كانَتْ فِيما لا هَضْمَ فِيهِ لِحُقُوقِهِمْ، ولا هي مِن إكْرامِ إحْداهِنَّ لِزَوْجِها إنْ كانَتِ الأُخْرى لَمْ تَتَمَكَّنْ مِن إكْرامِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الإكْرامِ في بَعْضِ الأيّامِ.
وهَذا يُومِئُ إلى ضَبْطِ ما يُراعى مِنَ الغَيْرَةِ وما لا يُراعى.
وفِعْلُ (تُحَرِّمُ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى: تَجْعَلُ ما أُحِلَّ لَكَ حَرامًا، أيْ تُحَرِّمُهُ عَلى نَفْسِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]) وقَرِينَتُهُ قَوْلُهُ هُنا (﴿ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾) .
ولَيْسَ مَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا نِسْبَةَ الفِعْلِ إلى كَوْنِهِ حَرامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢])، وقَوْلِهِ (﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ [التوبة: ٣٧])، فَإنَّ التَّفْعِيلَ يَأْتِي بِمَعْنى التَّصْبِيرِ كَما يُقالُ: وسِّعْ هَذا البابَ، ويَأْتِي بِمَعْنى إيجادِ الشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِثْلِ ما يُقالُ لِلْخَيّاطِ: وسِّعْ طَوْقَ الجُبَّةِ.
ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ مِنهُ أنَّكَ غَيَّرْتَ إباحَتَهُ حَرامًا عَلى النّاسِ أوْ عَلَيْكَ. ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ الكَشّافِ: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما أحَلَّ اللَّهُ لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أحَلَّهُ لِمَصْلَحَةٍ عَرَفَها في إحْلالِهِ إلَخْ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾) لِأنَّهُ أوْقَعَ تَحْرِيمًا مُتَجَدِّدًا.
فَجُمْلَةُ (تَبْتَغِي) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تُحَرِّمُ) . فالتَّعْجِيبُ واقِعٌ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]) وفي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ (﴿ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾) لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الحُكْمِ هو أنَّ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ ما لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ما
صفحة ٣٤٧
يُوجِبُ قَطْعَهُ مِن ضُرٍّ أوْ مَرَضٍ لِأنَّ تَناوُلَهُ شُكْرٌ لِلَّهِ واعْتِرافٌ بِنِعْمَتِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ (﴿تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ﴾) عُذْرٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ فِيما فَعَلَهُ مِن أنَّهُ أرادَ بِهِ خَيْرًا وهو جَلْبُ رِضا الأزْواجِ لِأنَّهُ أهْوَنُ عَلى مُعاشَرَتِهِ مَعَ الإشْعارِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَرْضاةِ لا يَعْبَأُ بِها لِأنَّ الغَيْرَةَ نَشَأتْ عَنْ مُجَرَّدِ مُعاكَسَةِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا وذَلِكَ مِمّا يَخْتَلُّ بِهِ حُسْنُ المُعاشَرَةِ بَيْنَهُنَّ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ أنَّ هَذا الِاجْتِهادَ مُعارَضٌ بِأنَّ تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ يُفْضِي إلى قَطْعِ كَثِيرٍ مِن أسْبابِ شُكْرِ اللَّهِ عِنْدَ تَناوُلِ نِعَمَهُ وأنَّ ذَلِكَ يَنْبَغِي إبْطالُهُ في سِيرَةِ الأُمَّةِ.
وذُيِّلَ بِجُمْلَةِ (﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) اسْتِئْناسًا لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن وحْشَةِ هَذا المَلامِ، أيْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَكَ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]) .
التحريم 66:2
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهْوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَيَّنَ اللَّهُ بِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنَّ لَهُ سِعَةً في التَّحَلُّلِ مِمّا التَزَمَ تَحْرِيمَهُ عَلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ فِيما شَرَعَ اللَّهُ مِن كَفّارَةِ اليَمِينِ فَأفْتاهُ اللَّهُ بِأنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَتِهِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ المَشْرُوعَةِ لِلْأُمَّةِ كُلِّها ومِن آثارِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ ما قالَهُ النَّبِيءُ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ بَعْدَ أنِ اسْتَحْمَلُوهُ وحَلَفَ أنْ لا يَحْمِلَهم إذْ لَيْسَ عِنْدَهُ ما يَحْمِلُهم عَلَيْهِ، فَجاءَهُ ذَوْدٌ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ فَقالَ لَهم: «وإنِّي واللَّهِ لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وفَعَلْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ» .
وافْتِتاحُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ النَّبِيءِ ﷺ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ فَرَضَ تَحِلَّةَ الأيْمانِ بِآيَةِ الكَفّارَةِ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِالرُّخْصَةِ تَعْظِيمًا لِلْقَسَمِ. فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ الأخْذَ بِالكَفّارَةِ لا تَقْصِيرَ عَلَيْهِ فِيهِ فَإنَّ في الكَفّارَةِ ما يَكْفِي لِلْوَفاءِ بِتَعْظِيمِ اليَمِينِ بِاللهِ إلى شَيْءٍ، هَذا قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ (﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]) كَما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِها و(فَرَضَ) عَيَّنَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]) . وقالَ: فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ والمَعْنى: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ في تِلْكَ الحادِثَةِ إلّا أنَّهُ التَزَمَ أنْ لا
صفحة ٣٤٨
يَعُودَ لِشُرْبِ شَيْئًا عِنْدَ بَعْضِ أزْواجِهِ في غَيْرِ يَوْمِ نَوْبَتِها أوْ كانَ وعْدٌ أنْ يُحَرِّمَ مارِيَةَ عَلى نَفْسِهِ بِدُونِ يَمِينٍ عَلى الرِّوايَةِ الأُخْرى. كانَ ذَلِكَ غَيْرَ يَمِينٍ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ إمّا لِأنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى اليَمِينِ لِأنَّهُ إنَّما وعَدَ لِذَلِكَ تَطْمِينًا لِخاطِرِ أزْواجِهِ فَهو التِزامٌ لَهُنَّ فَكانَ بِذَلِكَ مُلْحَقًا بِاليَمِينِ وبِذَلِكَ أخَذَأبُو حَنِيفَةَ ولَمْ يَرَهُ مالِكٌ يَمِينًا ولا نَذْرًا فَقالَ في المُوَطَّأِ: ومَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ» أنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أنْ يَمْشِيَ إلى الشّامِ أوْ إلى مِصْرَ مِمّا لَيْسَ لِلَّهِ بِطاعَةٍ إنْ كَلَّمَ فُلانًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ إنْ هو كَلَّمَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ في هَذِهِ الأشْياءِ طاعَةٌ فَإنْ حَلَفَ فَقالَ: (واللَّهِ لا آكُلُ هَذا الطَّعامَ ولا ألْبَسُ هَذا الثَّوْبَ فَإنَّما عَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ) اهـ.
وقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ تِلْكَ.
فالتَّحِلَّةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ عِنْدَ مالِكٍ هي: جَعْلُ اللَّهِ مُلْتَزِمَ مِثْلِ هَذا في حِلٍّ مِنَ التِزامِ ما التَزَمَهُ. أيْ مُوجِبٌ التَّحَلُّلَ مِن يَمِينِهِ.
وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ هي ما شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ الأيْمانِ بِالكَفّاراتِ وإنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ صَدَرَ مِنهُ يَمِينٌ عِنْدَ ذَلِكَ عَلى أنْ لا يَعُودَ فَتَحِلَّةُ اليَمِينِ هي الكَفّارَةُ عِنْدَ الجَمِيعِ.
وجُمْلَةُ (﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾) تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾) . والمَوْلى: الوَلِيُّ، وهو النّاصِرُ ومُتَوَلِّي تَدْبِيرِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الرَّءُوفِ والمُيَسِّرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) .
وعُطِفَ عَلَيْها جُمْلَةُ (﴿وهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾) أيِ العَلِيمُ بِما يُصْلِحُكم فَيَحْمِلُكم عَلى الصَّوابِ والرُّشْدِ والسَّدادِ وهو الحَكِيمُ فِيما يَشْرَعُهُ، أيْ يُجْرِي أحْكامَهُ عَلى الحِكْمَةِ. وهي إعْطاءُ الأفْعالِ ما تَقْتَضِيهِ حَقائِقُها دُونَ الأوْهامِ والتَّخَيُّلاتِ.
واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الإسْلامِ فِيمَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ لَهُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ أنْهاها القُرْطُبِيُّ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا وبَعْضُها مُتَداخِلٌ في بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الشُّرُوطِ والنِّيّاتِ فَتَئُولُ إلى سَبْعَةٍ.
أحَدُها: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ سَواءٌ كانَ المُحَرَّمُ زَوْجًا أوْ غَيْرَها. وهو قَوْلُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ مِنَ التّابِعَيْنِ وقالَهُ أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
صفحة ٣٤٩
الثّانِي: تَجِبُ كَفّارَةُ مِثْلُ كَفّارَةِ اليَمِينِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ. وهَذا جارٍ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾) .
الثّالِثُ: لا يَلْزَمُهُ في غَيْرِ الزَّوْجَةِ وأمّا الزَّوْجَةُ فَقِيلَ: إنْ كانَ دَخَلَ بِها كانَ التَّحْرِيمُ ثَلاثًا، وإنْ لَمْ يَدْخُلْ بِها يَنْوِ فِيما أرادَ وهو قَوْلُ الحَسَنِ والحَكَمِ ومالِكٍ في المَشْهُورِ. وقِيلَ هي ثَلاثُ تَطْلِيقاتٍ دَخَلَ بِها أمْ لَمْ يَدْخُلْ. ونُسِبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وأبِي هُرَيْرَةَ. وقالَهُ ابْنُ أبِي لَيْلى وهو عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ الماجْشُونِ في المَبْسُوطِ. وقِيلَ طَلْقَةٌ بائِنَةٌ. ونُسِبَ إلى زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وحَمّادِ بْنِ سُلَيْمانَ ونَسَبَهُ ابْنُ خُوَيْزَ مَندادَ إلى مالِكٍ وهو غَيْرُ المَشْهُورِ عَنْهُ. وقِيلَ: طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ في الزَّوْجَةِ مُطْلَقًا، ونُسِبَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَيَكُونُ قَيْدًا لِما رُوِيَ عَنْهُ في القَوْلِ الثّانِي. وقالَهُ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ وابْنُ الماجْشُونِ، وقالَ الشّافِعِيُّ يَعْنِي في أحَدِ قَوْلَيْهِ إنْ نَوى الطَّلاقَ فَعَلَيْهِ ما نَوى مِن أعْدادِهِ وإلّا فَهي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقِيلَ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها وواحِدَةٌ في الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها دُونَ تَنْوِيَةٍ.
الرّابِعُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إنْ نَوى بِالحَرامِ الظِّهارَ كانَ ما نَوى فَإنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إلّا أنْ يَكُونَ نَوى الثَّلاثَ. وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كانَتْ يَمِينًا وعَلَيْهِ كَفّارَةٌ فَإنْ أباها كانَ مُولِّيًا.
وتَحْرِيمُ النَّبِيءِ ﷺ سُرِّيَّتَهُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِهِ هو أيْضًا مِن قَبِيلِ تَحْرِيمِ أحَدٍ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ لَهُ غَيْرَ الزَّوْجَةِ لِأنَّ مارِيَةَ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً لَهُ بَلْ هي مَمْلُوكَتُهُ فَحُكْمُ قَوْلِهِ (﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾) جارٍ في قَضِيَّةِ تَحْرِيمِ مارِيَةَ بِيَمِينٍ أوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ بِلا فَرْقٍ. و(تَحِلَّةَ) تَفْعِلَةٌ مِن حَلَّلَ جَعَلَ الفِعْلَ حَلالًا. وأصْلُهُ تَحِلْلَةَ فَأُدْغِمَ اللّامانِ وهو مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ لِأنَّ الهاءَ في آخِرِهِ لَيْسَتْ بِقِياسٍ إذْ لَمْ يُحْذَفْ مِنهُ حَرْفٌ حَتّى يُعَوَّضَ عَنْهُ الهاءُ مِثْلَ تَزْكِيَةٍ ولَكِنَّهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ مِثْلُ تَعِلَّةٍ.
التحريم 66:3
﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيءُ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾
صفحة ٣٥٠
هَذا تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ بِما جَرى في خِلالِ تَيْنِكَ الحادِثَتَيْنِ ثُنِيَ إلَيْهِ عِنانُ الكَلامِ بَعْدَ أنْ قُضِيَ ما يُهِمُّ مِنَ التَّشْرِيعِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ مِن جَرّائِهِما.
وهُوَ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]) بِتَقْدِيرِ واذْكُرْ.
وقَدْ أُعِيدَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ ضِمْنًا بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ بِأُسْلُوبٍ آخَرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ ما فِيهِ مِن عِبَرٍ ومَواعِظَ وأدَبٍ ومَكارِمَ وتَنْبِيهٍ وتَحْذِيرٍ.
فاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى عِشْرِينَ مِن مَعانِي ذَلِكَ إحْداها ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿إلى بَعْضِ أزْواجِهِ﴾) .
الثّانِي: قَوْلُهُ (﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾) .
الثّالِثُ: (﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾) .
الرّابِعُ: (﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾) .
الخامِسُ: (﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾) .
السّادِسُ: (﴿قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا﴾) .
السّابِعُ: (﴿قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾) .
الثّامِنُ والتّاسِعُ والعاشِرُ: (﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]) إلى (﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ [التحريم: ٤]) .
الحادِي عَشَرَ والثّانِي عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ: (﴿وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ﴾ [التحريم: ٤]) .
الرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ: (﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا﴾ [التحريم: ٥]) .
السّادِسَ عَشَرَ: (﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]) .
السّابِعَ عَشَرَ: (﴿مُسْلِماتٍ﴾ [التحريم: ٥]) إلَخْ.
الثّامِنَ عَشَرَ: (﴿سائِحاتٍ﴾ [التحريم: ٥]) .
التّاسِعَ عَشَرَ: (﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥])، وسَيَأْتِي بَيانُها عِنْدَ تَفْسِيرِ كُلِّ آيَةٍ مِنها.
صفحة ٣٥١
العِشْرُونَ: ما في ذِكْرِ حَفْصَةَ أوْ غَيْرِها بِعُنْوانِ (﴿بَعْضِ أزْواجِهِ﴾) دُونَ تَسْمِيَتِهِ مِنَ الِاكْتِفاءِ في المَلامِ بِذِكْرِ ما تَسْتَشْعِرُ بِهِ أنَّها المَقْصُودَةُ بِاللَّوْمِ.
وإنَّما نَبَّأها النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّهُ عَلِمَ إفْشاءَها الحَدِيثَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ المَوْعِظَةَ والتَّأْدِيبَ فَإنَّ اللَّهَ ما أطْلَعَهُ عَلى إفْشائِها إلّا لِغَرَضٍ جَلِيلٍ.
والحَدِيثُ هو ما حَصَلَ مِنِ اخْتِلاءِ النَّبِيءِ ﷺ بِجارِيَتِهِ مارِيَةَ وما دارَ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَفْصَةَ وقَوْلُهُ لِحَفْصَةَ هي عَلَيَّ حَرامٌ ولا تُخْبِرِي عائِشَةَ وكانَتا مُتَصافِيَتَيْنِ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ عَلى أنَّ حَفْصَةَ أخْبَرَتْ عائِشَةَ بِما أسَرَّ إلَيْها.
والواوُ عاطِفَةٌ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ لِأنَّ قِصَّةَ إفْشاءِ حَفْصَةَ السِّرَّ غَيْرُ قِصَّةِ تَحْرِيمِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى نَفْسِهِ بَعْضَ ما أُحِلَّ لَهُ.
ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ في أنَّ الَّتِي أسَرَّ إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ الحَدِيثَ هي حَفْصَةُ ويَأْتِي أنَّ الَّتِي نَبَّأتْها حَفْصَةُ هي عائِشَةُ. وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَكَثْتُ سَنَةً وأنا أُرِيدُ أنْ أسْألَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ عَنْ آيَةٍ فَما أسْتَطِيعُ أنْ أسْألَهُ هَيْبَةً لَهُ حَتّى خَرَجَ حاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمّا رَجَعَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتانِ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ مِن أزْواجِهِ ؟ فَقالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وعائِشَةُ وساقَ القِصَّةَ بِطُولِها.
وأصْلُ إطْلاقِ الحَدِيثِ عَلى الكَلامِ مَجازٌ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَدَثانِ فالَّذِي حَدَثَ هو الفِعْلُ ونَحْوَهُ شاعَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً في الخَبَرِ عَنْهُ وصارَ إطْلاقُهُ عَلى الحادِثَةِ هو المَجازُ فانْقَلَبَ حالُ وضْعِهِ واسْتِعْمالِهِ.
و(أسَرَّ) أخْبَرَ بِما يُرادُ كِتْمانُهُ عَنْ غَيْرِ المُخْبِرِ أوْ سَألَهُ عَدَمَ إفْشاءِ شَيْءٍ وقَعَ بَيْنَهُما وإنْ لَمْ يَكُنْ إخْبارًا وذَلِكَ إذا كانَ الخَبَرُ أوِ الفِعْلُ يُرادُ عَدَمُ فَشَوِّهِ فَيَقُولُهُ صاحِبُهُ سِرًّا والسِّرُّ ضِدُّ الجَهْرِ، قالَ تَعالى (﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [التغابن: ٤]) فَصارَ (أسَرَّ) يُطْلَقُ بِمَعْنى الوِصايَةِ بِعَدَمِ الإفْشاءِ، أيْ عَدَمِ الإظْهارِ قالَ تَعالى (﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ [يوسف: ٧٧]) .
وأسَرَّ: فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّرِّ فَإنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ جَعَلَهُ ذا سِرًّ، يُقالُ: أسَرَّ في نَفْسِهِ، إذا كَتَمَ سِرَّهُ. ويُقالُ: أسَرَّ إلَيْهِ، إذا حَدَّثَهُ بِسِرٍّ فَكَأنَّهُ
صفحة ٣٥٢
أنْهاهُ إلَيْهِ، ويُقالُ: أسَرَّ لَهُ إذا أسَرَّ أمْرًا لِأجْلِهِ، وذَلِكَ في إضْمارِ الشَّرِّ غالِبًا وأسَرَّ بِكَذا، أيْ أخْبَرَ بِخَبَرٍ سِرٍّ، إذا وضَعَ شَيْئًا خَفِيًّا. وفي المَثَلِ: (يُسِرُّ حَسْوًا في ارْتِغاءِ) .
و(﴿بَعْضِ أزْواجِهِ﴾) هي حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِها تَرَفُّعًا عَنْ أنْ يَكُونَ القَصْدُ مَعْرِفَةَ الأعْيانِ وإنَّما المُرادُ العِلْمُ بِمَغْزى القِصَّةِ وما فِيها مِمّا يُجْتَنَبُ مِثْلُهُ أوْ يُقْتَدى بِهِ. وكَذَلِكَ طَيُّ تَعْيِينِ المُنَبَّأةِ بِالحَدِيثِ وهي عائِشَةُ.
وذُكِرَتْ حَفْصَةُ بِعُنْوانِ أزْواجِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ النَّبِيءَ ﷺ وضَعَ سِرَّهُ في مَوْضِعِهِ لِأنَّ أوْلى النّاسِ بِمَعْرِفَةِ سِرِّ الرَّجُلِ زَوْجُهُ. وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَلامِها عَلى إفْشاءِ سِرِّهِ لِأنَّ واجِبَ المَرْأةِ أنْ تَحْفَظَ سِرَّ زَوْجِها إذا أمَرَها بِحِفْظِهِ أوْ كانَ مِثْلُهُ مِمّا يُحِبُّ حِفْظَهُ.
وهَذا المَعْنى الأوَّلُ مِنَ المَعانِي التَّهْذِيبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا.
ونَبَّأ: بِالتَّضْعِيفِ مُرادِفُ أنْبَأ بِالهَمْزِ ومَعْناهُما: أخْبَرَ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُهُ (﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾) .
وقَدْ قِيلَ: السِّرُّ أمانَةٌ، أيْ وإفْشاؤُهُ خِيانَةٌ.
وفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ مِن آدابِهِمُ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ «قالَتِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: جارِيَةُ أبِي زَرْعٍ فَما جارِيَةُ أبِي زَرْعٍ لا تَبُثُّ حَدِيثَنا تَبْثِيثًا ولا تَنْفِثُ مِيرَثَنا تَنْفِيثًا» .
وكَلامُ الحُكَماءِ والشُّعَراءِ في السِّرِّ وحِفْظِهِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. وهو المَعْنى الثّانِي مِنَ المَعانِي التَّهْذِيبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها.
ومَعْنى (﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾) أطْلَعَهُ عَلَيْهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى التَّغَلُّبِ.
اسْتُعِيرَ الإظْهارُ إلى الإطْلاعِ لِأنَّ إطْلاعَ اللَّهِ نَبِيئَهُ ﷺ عَلى السِّرِّ الَّذِي بَيْنَ حَفْصَةَ وعائِشَةَ كانَ غَلَبَةً لَهُ عَلَيْهِما فِيما دَبَّرَتاهُ فَشُبِّهَتِ الحالَةُ الخاصَّةُ مِن تَآمُرِ حَفْصَةَ وعائِشَةَ عَلى مَعْرِفَةِ سِرِّ النَّبِيءِ ﷺ ومِن عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِحالِ مَن يُغالِبُ
صفحة ٣٥٣
غَيْرَهُ فَيَغْلِبُهُ الغَيْرُ ويَكْشِفُ أمْرَهُ. فالإظْهارُ هُنا مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الِانْتِصارِ. ولَيْسَ هو مِنَ الظُّهُورِ ضِدَّ الخَفاءِ، لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) .
وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الإنْباءِ المَأْخُوذِ مِن (نَبَّأتْ بِهِ) أوْ عَلى الحَدِيثِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (نَبَّأتْ بِهِ) تَقْدِيرُهُ: أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى إفْشائِهِ.
وهَذا تَنْبِيهٌ إلى عِنايَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ ﷺ وانْتِصارِهِ لَهُ لِأنَّ إطْلاعَهُ عَلى ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ مِمّا يُهِمُّهُ عِنايَةٌ ونُصْحٌ لَهُ.
وهَذا حاصِلُ المَعْنى الثّالِثِ مِنَ المَعانِي الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها الآياتُ وذَكَرْناها آنِفًا.
ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ بَعْضَ ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وأعْرَضَ عَنْ تَعْرِيفِها بِبَعْضِهِ. والحَدِيثُ يَحْتَوِي عَلى أشْياءَ: اخْتِلاءُ النَّبِيءِ بِسُرِّيَّتِهِ مارِيَةَ، وتَحْرِيمُها عَلى نَفْسِهِ، وتَناوُلُهُ العَسَلَ في بَيْتِ زَيْنَبَ، وتَحْرِيمُهُ العَوْدَةَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، ورُبَّما قَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ كَلامٌ في وصْفِ عُثُورِ حَفْصَةِ عَلى ذَلِكَ بَغْتَةً، أوْ في التَّطاوُلِ بِأنَّها اسْتَطاعَتْ أنْ تُرِيحَهُنَّ مِن مَيْلِهِ إلى مارِيَةَ. وإنَّما عَرَّفَها النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ لِيُوقِفُها عَلى مُخالَفَتِها واجِبَ الأدَبِ مِن حَفْظِ سِرِّ زَوْجِها.
وهَذا هو المَعْنى الرّابِعُ مِنَ المَعانِي الَّتِي سَبَقَتْ إشارَتِي إلَيْها.
وإعْراضُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَعْرِيفِ زَوْجِهِ بِبَعْضِ الحَدِيثِ الَّذِي أفْشَتْهُ مِن كَرَمِ خُلُقِهِ ﷺ في مُعاتَبَةِ المُفْشِيَةِ وتَأْدِيبِها إذْ يَحْصُلُ المَقْصُودُ بِأنْ يُعْلِمَ بَعْضَ ما أفْشَتْهُ فَتُوقِنَ أنَّ اللَّهَ يَغارُ عَلَيْهِ.
قالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، وقالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، وما زادَ عَلى المَقْصُودِ بِقَلْبِ العِتابِ مِن عِتابٍ إلى تَقْرِيعٍ.
وهَذا المَعْنى الخامِسُ مِن مَقاصِدِ ذِكْرِ هَذا الحَدِيثِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.
وقَوْلُها (﴿مَن أنْبَأكَ هَذا﴾) يَدُلُّ عَلى ثِقَتِها بِأنَّ عائِشَةَ لا تُفْشِي سِرَّها وعَلِمَتْ أنَّهُ لا قِبَلَ لِلرَّسُولَ ﷺ بِعِلْمِ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ عائِشَةَ أوْ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ فَرامَتِ التَّحَقُّقَ مِن أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ.
صفحة ٣٥٤
والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ لِلتَّعْجِيبِ مِن عِلْمِهِ بِذَلِكَ.
وفِي هَذا كِفايَةٌ مِن تَيَقُّظِها بِأنَّ إفْشاءَها سِرَّ زَوْجِها زَلَّةٌ خُلُقِيَّةٌ عَظِيمَةٌ حَجَبَها عَنْ مُراعاتِها شِدَّةُ الصَّفاءِ لِعائِشَةَ وفَرْطُ إعْجابِها بِتَحْرِيمِ مارِيَةَ لِأجْلِها، فَلَمْ تَتَمالَكْ عَنْ أنْ تُبَشِّرَ بِهِ خَلِيلَتَها ونَصِيرَتَها ولَوْ تَذَكَّرَتْ لَتَبَيَّنَ لَها أنَّ مُقْتَضى كَتْمِ سِرِّ زَوْجِها أقْوى مِن مُقْتَضى إعْلامِها خَلِيلَتَها فَإنَّ أواصِرَ الزَّوْجِيَّةِ أقْوى مِن أواصِرَ الخُلَّةِ وواجِبُ الإخْلاصِ لِرَسُولِ اللَّهِ أعْلى مِن فَضِيلَةِ الإخْلاصِ لِلْخَلائِلَ.
وهَذا هو الأدَبُ السّادِسُ مِن مَعانِي الآدابِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها القِصَّةُ وأجْمَلْنا ذِكْرَها آنِفًا.
وإيثارُ وصْفَيِّ (﴿العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾) هُنا دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِما فِيهِما مِنَ التَّذْكِيرِ بِما يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ مِن إحاطَةِ اللَّهِ تَعالى عِلْمًا وخَبَرًا بِكُلِّ شَيْءٍ.
والعَلِيمُ: القَوِيُّ العِلْمِ وهو في أسْمائِهِ تَعالى دالٌّ عَلى أكْمَلِ العِلْمِ، أيِ العِلْمِ المُحِيطِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
والخَبِيرُ: أخَصُّ مِنَ العَلِيمِ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن خَبِيرِ الشَّيْءِ إذا أحاطَ بِمَعانِيهِ ودَخائِلِهِ ولِذَلِكَ يُقالُ: خَبَرْتُهُ، أيْ بَلَوْتُهُ وتَطَلَّعْتُ بَواطِنَ أمْرِهِ، قالَ ابْنُ بُرُجّانَ بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ وبِجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ في شَرْحِ الأسْماءِ: الفَرْقُ بَيْنَ الخُبْرِ والعِلْمِ وسائِرِ الأشْياءِ الدّالَّةِ عَلى صِفَةِ العِلْمِ أنْ تَتَعَرَّفَ حُصُولَ الفائِدَةِ مِن وجْهٍ، وأضِفْ ذَلِكَ إلى تِلْكَ الصِّفَةِ وسَمِّ الفائِدَةَ بِذَلِكَ الوَجْهِ الَّذِي عَنْهُ حَصَلَتْ فَمَتى حَصَلَتْ مِن مَوْضِعِ الحُضُورِ سُمِّيَتْ مُشاهَدَةً والمُتَّصِفُ بِها هو الشّاهِدُ والشَّهِيدُ. وكَذَلِكَ إنْ حَصَلْتَ مِن وجْهِ سَمْعٍ أوْ بَصَرٍ فالمُتَّصِفُ بِها سَمِيعٌ وبَصِيرٌ. وكَذَلِكَ إنْ حَصَلَتْ مِن عِلْمٍ أوْ عَلامَةٍ فَهو العِلْمُ والمُتَّصِفُ بِهِ العالِمُ والعَلِيمُ، وإنْ حَصَلَتْ عَنِ اسْتِكْشافِ ظاهِرِ المَخْبُورِ عَنْ باطِنِهِ بِبَلْوى أوِ امْتِحانٍ أوْ تَجْرِبَةٍ أوْ تَبْلِيغٍ فَهو الخَبَرُ. والمُسَمّى بِهِ الخَبِيرُ اهـ. وقالَ الغَزالِيُّ في المَقْصِدِ الأسْنى: العِلْمُ إذا أُضِيفَ إلى الخَفايا الباطِنَةِ سُمِّيَ خِبْرَةً وسُمِّيَ صاحِبُها خَبِيرًا اهـ.
فَيَتَّضِحُ أنَّ اتِّباعَ وصْفِ (العَلِيمِ) بِوَصْفِ الخَبِيرِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ عَلِمَ دَخِيلَةَ المُخاطَبَةِ وما قَصَدَتْهُ مِن إفْشاءِ السِّرِّ لِلْأُخْرى.
صفحة ٣٥٥
وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا الجَوابِ تَعْلِيمُها بِأنَّ اللَّهَ يُطْلِعُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما غابَ إنْ شاءَ قالَ تَعالى (﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧]) وتَنْبِيهًا عَلى ما أبْطَنَتْهُ مِنَ الأمْرِ.
وهُوَ الأدَبُ السّابِعُ مَعَ آدابِ هَذِهِ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّ نَبَّأ وأنْبَأ مُتَرادِفانِ وهُما بِمَعْنى أخْبَرَ وأنَّ حَقَّهُما التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأجْلِ ما فِيهِما مِن هَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ أوْ تَضْعِيفٍ. وإنْ كانَ لَمْ يُسْمَعْ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ لَهُما وهو مِمّا أُمِيتَ في كَلامِهِمُ اسْتِغْناءً بِفِعْلِ عَلِمَ. والأكْثَرُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِحَرْفِ جَرٍّ نَحْوَ: نَبَّأتُ بِهِ. وقَدْ يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ فَيُعَدَّيانِ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِ هُنا (﴿مَن أنْبَأكَ هَذا﴾) أيْ بِهَذا، وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
نُبِّئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بِالجَوِّ أصْبَحَتْ كِرامًا مَوالِيها لِآمًا ما صَمِيمُها
حَمَلَهُ سِيبَوَيْهِ عَلى حَذْفِ الحَرْفِ.
وقَدْ يُضَمَّنانِ مَعْنى: اعْلَمْ، فَيُعَدَّيانِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
نَبِئْتُ زُرْعَةَ والسَّفاهَةُ كاسْمِها ∗∗∗ يُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ
ولِكَثْرَةِ هَذا الِاسْتِعْمالِ ظُنَّ أنَّهُ مَعْنًى لَهُما وأُغْفِلَ التَّضْمِينُ فَنُسِبَ إلْحاقُهُما بِ (اعْلَمْ) إلى سِيبَوَيْهِ والفارِسِيِّ والجُرْجانِيِّ وألْحَقَ الفَرّاءُ خَبَّرَ وأخْبَرَ، وألْحَقَ الكُوفِيُّونَ حَدَّثَ.
قالَ زَكَرِيّاءُ الأنْصارِيُّ: لَمْ تُسْمَعْ تَعْدِيَتُها إلى ثَلاثَةٍ في كَلامِ العَرَبِ إلّا إذا كانَتْ مَبْنِيَّةً إلى المَجْهُولِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ عَرَّفَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ (عَرَفَ) بِتَخْفِيفِ الرّاءِ، أيْ عَلِمَ بَعْضَهُ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ، أيْ جازى عَنْ بَعْضِهِ الَّتِي أفْشَتْهُ بِاللَّوْمِ أوْ بِالطَّلاقِ عَلى رِوايَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ولَمْ يَصِحَّ وقَدْ يُكَنّى عَنِ التَّوَعُّدِ بِفِعْلِ العِلْمِ ونَحْوِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]) . وقَوْلُ العَرَبِ لِلْمُسِيءِ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ هَذا. وقَوْلُكَ: لَقَدْ عَرَفْتُ ما صَنَعْتَ.
التحريم 66:4
صفحة ٣٥٦
﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وإنْ تَظّاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ .
التِفاتٌ مِن ذِكْرِ القِصَّتَيْنِ إلى مَوْعِظَةِ مَن تَعَلَّقَتْ بِهِما فَهو اسْتِئْنافُ خِطابٍ وجَّهَهُ اللَّهُ إلى حَفْصَةَ وعائِشَةَ لِأنَّ إنْباءَ النَّبِيءِ ﷺ بِعِلْمِهِ بِما أفْشَتْهُ القَصْدُ مِنهُ المَوْعِظَةُ والتَّحْذِيرُ والإرْشادُ إلى رَأْبِ ما انْثَلَمَ مِن واجِبِها نَحْوَ زَوْجِها. وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ إثْمًا لِأنَّهَ إضاعَةٌ لِحُقُوقِ الزَّوْجِ وخاصَّةٌ بِإفْشاءِ سِرِّهِ ذَكَّرَها بِواجِبِ التَّوْبَةِ مِنهُ.
وخِطابُ التَّثْنِيَةِ عائِدٌ إلى المُنَبِّئَةِ والمُنَبَّأةِ فَأمّا المُنَبِّئَةُ فَمَعادُها مَذْكُورٌ في الكَلامِ بِقَوْلِهِ (﴿إلى بَعْضِ أزْواجِهِ﴾ [التحريم: ٣]) .
وأمّا المُنَبَّأةُ فَمَعادُها ضِمْنِيٌّ لِأنَّ فِعْلَ (نَبَّأتْ) يَقْتَضِيهِ فَأمّا المُنَبِّئَةُ فَأمْرُها بِالتَّوْبَةِ ظاهِرٌ. وأمّا المُذاعُ إلَيْها فَلِأنَّها شَرِيكَةٌ لَها في تَلَقِّي الخَبَرِ السِّرِّ ولِأنَّ المُذِيعَةَ ما أذاعَتْ بِهِ إلَيْها إلّا لِعِلْمِها بِأنَّها تَرْغَبُ في تَطَلُّعٍ مِثْلِ ذَلِكَ فَهاتانِ مَوْعِظَتانِ لِمُذِيعِ السِّرِّ ومُشارَكَةِ المُذاعِ إلَيْهِ في ذَلِكَ وكانَ عَلَيْها أنْ تَنْهاها عَنْ ذَلِكَ أوْ أنْ تُخْبِرَ زَوْجَها بِما أذاعَتْهُ عَنْهُ ضُرَّتُها.
وصَغَتْ: مالَتْ، أيْ مالَتْ إلى الخَيْرِ وحَقِّ المُعاشَرَةِ مَعَ الزَّوْجِ، ومِنهُ سُمِّيَ سَماعُ الكَلامِ إصْغاءً لِأنَّ المُسْتَمِعُ يَمِيلُ سَمْعُهُ إلى مَن يُكَلِّمُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣]) في سُورَةِ الأنْعامِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ فِيما فَعَلَتاهُ انْحِرافًا عَنْ أدَبِ المُعاشَرَةِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ وأنْ عَلَيْهِما أنْ تَتُوبا مِمّا صَنَعَتاهُ لِيَقَعَ بِذَلِكَ صَلاحُ ما فَسَدَ مِن قُلُوبِهِما.
وهَذانِ الأدَبانِ الثّامِنُ والتّاسِعُ مِنَ الآدابِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ الآياتُ.
والتَّوْبَةُ: النَّدَمُ عَلى الذَّنْبِ، والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلَيْهِ وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلَيْها في هَذِهِ السُّورَةِ.
وإذْ كانَ المُخاطَبُ مُثَنّى كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ في قُلُوبٍ مُسْتَعْمَلَةً في الِاثْنَيْنِ طَلَبًا لِخِفَّةِ اللَّفْظِ عِنْدَ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُثَنّى كَراهِيَةَ اجْتِماعِ مُثَنَّيَيْنِ فَإنَّ صِيغَةَ التَّثْنِيَةِ ثَقِيلَةٌ لِقَلَّةِ دَوَرانِها في الكَلامِ. فَلَمّا أُمِنَ اللَّبْسُ ساغَ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ عَنِ التَّثْنِيَةِ.
صفحة ٣٥٧
وهَذا اسْتِعْمالٌ لِلْعَرَبِ غَيْرُ جارٍ عَلى القِياسِ. وذَلِكَ في كُلِّ اسْمٍ مُثَنّى أُضِيفَ إلى اسْمٍ مُثَنّى فَإنَّ المُضافَ يَصِيرُ جَمْعًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلُ خِطامِ المُجاشِعِيِّ:
ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ
وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ العَرَبِ وأفْصَحُهُ في ذَلِكَ أنْ يُعَبِّرُوا بِلَفْظِ الجَمْعِ مُضافًا إلى اسْمِ المُثَنّى لِأنَّ صِيغَةَ الجَمْعِ قَدْ تُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ في الكَلامِ فَهُما يَتَعاوَرانِ. ويَقِلُّ أنْ يُؤْتى بِلَفْظِ المُفْرَدِ مُضافًا إلى الِاسْمِ المُثَنّى. وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: هو مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ.
وذَكَرَ لَهُ أبُو حَيّانَ شاهِدًا قَوْلَ الشّاعِرِ:
حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي ∗∗∗ سَقاكِ مِنَ الغُرِّ الغَوادِي مَطِيرُها
وفِي التَّسْهِيلِ تَرْجِيحُ التَّعْبِيرِ عَنِ المُثَنّى المُضافِ إلى مُثَنّى بِاسْمٍ مُفْرَدٍ، عَلى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِلَفْظِ المُثَنّى. وقالَأبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ إنَّ ابْنَ مالِكٍ غَلَطَ في ذَلِكَ. قُلْتُ: وزَعْمَ الجاحِظُ في كِتابِ البَيانِ والتَّبْيِينِ، أنَّ قَوْلَ القائِلِ اشْتَرِ رَأْسَ كَبْشَيْنِ يُرِيدُ رَأْسَيْ كَبْشَيْنِ خَطَأٌ. قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ اهـ. وذَلِكَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ عُصْفُورٍ بِأنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ المُضافِ المُثَنّى بِلَفْظِ الإفْرادِ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، أيْ فَلا يُصارُ إلَيْهِ. وقَيَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ هَذا التَّعْبِيرَ بِقَيْدِ أنْ لا يَكُونَ اللَّفْظانِ مُتَّصِلَيْنِ. فَقالَ: ويُجْعَلُ الِاثْنانِ عَلى لَفْظِ جَمْعٍ إذا كانا مُتَّصِلَيْنِ كَقَوْلِهِ (﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾) ولَمْ يَقُولُوا في المُنْفَصِلَيْنِ: أفَراسُهُما ولا غِلْمانُهُما. وقَدْ جاءَ وضَعا رِحالَهُما. فَخالَفَ إطْلاقَ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وطَرِيقَةُ صاحِبِ المُفَصَّلِ أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ (﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾) هو ضِدُّ ﴿إنْ تَتُوبا﴾ ) أيْ وإنْ تُصِرّا عَلى العَوْدِ إلى تَألُّبِكُما عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ إلَخْ.
والمُظاهَرَةُ: التَّعاوُنُ، يُقالُ: ظاهَرَهُ، أيْ أيَّدَهُ وأعانَهُ. قالَ تَعالى (﴿ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا﴾ [التوبة: ٤]) في سُورَةِ (بَراءَةٌ) . ولَعَلَّ أفْعالَ المُظاهِرِ ووَصْفَ ظَهِيرٍ كُلَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ، وهو الظَّهْرُ لِأنَّ المُعِينَ والمُؤَيِّدَ كَأنَّهُ يَشُدُّ ظَهْرَ مَن يُعِينُهُ ولِذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ لِهَذِهِ الأفْعالِ الفَرْعِيَّةِ والأوْصافِ المُتَفَرِّعَةِ عَنْها فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. وقَرِيبٌ مِن هَذا فِعْلُ عَضَدَ لِأنَّهم قالُوا: شَدَّ عَضُدَهُ.
صفحة ٣٥٨
وأصْلُ (﴿تَظاهَرا﴾) تَتَظاهَرا فَقُلِبَتِ التّاءُ ظاءً لِقُرْبِ مَخْرَجَيْها وأُدْغِمَتْ في ظاءِ الكَلِمَةِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ تَظاهَرا بِتَخْفِيفِ الظّاءِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ.
وصالِحُ: مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ مَعْنى الفَرِيقِ الصّالِحِ أوِ الجِنْسِ الصّالِحِ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ﴾ [الحديد: ٢٦]) . والمُرادُ بِ (﴿صالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾) المُؤْمِنُونَ الخالِصُونَ مِنَ النِّفاقِ والتَّرَدُّدِ.
وجُمْلَةُ (﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾) قائِمَةٌ مِن مَقامِ جَوابِ الشَّرْطِ مَعْنى لِأنَّها تُفِيدُ مَعْنى يَتَوَلّى جَزاءَكُما عَلى المُظاهَرَةِ عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ مَوْلاهُ. وفي هَذا الحَذْفِ مَجالٌ تَذْهَبُ فِيهِ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مِنَ التَّهْوِيلِ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ (﴿هُوَ مَوْلاهُ﴾) يُفِيدُ القَصْرَ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الشَّرْطِ، أيْ إنْ تَظاهَرَتُما مُتَناصِرَتَيْنِ عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو ناصِرُهُ لا أنْتُما، أيْ وبَطُلَ نَصْرُكُما الَّذِي هو واجِبُكُما إذْ أخْلَلْتُما بِهِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ. وفي هَذا تَعْرِيفٌ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرٌ رَسُولَهُ ﷺ لِئَلّا يَقَعَ أحَدٌ مِن بَعْدِ في مَحْلُولَةِ التَّقْصِيرِ مِن نَصْرِهِ.
فَهَذا المَعْنى العاشِرُ مِن مَعانِي المَوْعِظَةِ والتَّأْدِيبِ الَّتِي في هَذِهِ الآياتِ.
وعَطْفُ (﴿وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾) في هَذا المَعْنى تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ رَسُولِ الوَحْيِ مِنَ المَلائِكَةِ وشَأْنِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُما تَكُونانِ (عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ هَذا الشَّرْطِ مِن غَيْرِ الصّالِحِينَ) .
وهَذانِ التَّنْوِيهانِ هُما المَعْنَيانِ الحادِيَ عَشَرَ والثّانِيَ عَشَرَ مِنَ المَعانِي الَّتِي سَبَقَتْ إشارَتِي إلَيْها.
وقَوْلُهُ (﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾) عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والمَقْصُودُ مِنهُ تَعْظِيمُ هَذا النَّصْرِ بِوَفْرَةِ النّاصِرِينَ تَنْوِيهًا بِمَحَبَّةِ أهْلِ السَّماءِ لِلنَّبِيءِ ﷺ وحُسْنِ ذِكْرِهِ بَيْنَهم فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُزِيدُ نَصْرَ اللَّهِ إيّاهُ شَأْنًا.
وفِي الحَدِيثِ ( «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ إنِّي قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنادِي جِبْرِيلُ في أهْلِ السَّماءِ إنَّ اللَّهَ قَدْ أحَبَّ فُلانًا فَأحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في أهْلِ الأرْضِ» .
صفحة ٣٥٩
فالمُرادُ بِأهْلِ الأرْضِ فِيهِ المُؤْمِنُونَ الصّالِحُونَ مِنهم لِأنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ يُحِبُّهُ لِصَلاحِهِ والصّالِحُ لا يُحِبُّهُ أهْلُ الفَسادِ والضَّلالِ. فَهَذِهِ الآيَةُ تَفْسِيرُها ذَلِكَ الحَدِيثُ.
وهَذا المَعْنى الثّالِثَ عَشَرَ مِن مَعانِي التَّعْلِيمِ الَّتِي حَوَتْها الآياتُ.
وقَوْلُهُ (بَعْدَ ذَلِكَ) اسْمُ الإشارَةِ فِيهِ لِلْمَذْكُورِ، أيْ بَعْدَ نَصْرِ اللَّهِ وجِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ.
وكَلِمَةُ (بَعْدَ) هُنا بِمَعْنى مَعَ فالبَعْدِيَّةُ هُنا بَعْدِيَّةٌ في الذِّكْرِ كَقَوْلِهِ (﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]) .
وفائِدَةُ ذِكْرِ المَلائِكَةِ بَعْدَ ذِكْرِ تَأْيِيدِ اللَّهِ وجِبْرِيلَ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ أنَّ المَذْكُورِينَ قَبْلَهم ظاهِرٌ آثارُ تَأْيِيدِهِمْ بِوَحْيِ اللَّهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ ونَصْرُهُ إيّاهُ بِواسِطَةِ المُؤْمِنِينَ فَنَبَّهَ اللَّهُ المَرْأتَيْنِ عَلى تَأْيِيدٍ آخَرَ غَيْرِ ظاهِرَةٍ آثارُهُ وهو تَأْيِيدُ المَلائِكَةِ بِالنَّصْرِ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرُ النَّصْرِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ في السَّماواتِ، فَلا يَتَوَهَّمُ أحَدٌ أنَّ هَذا يَقْتَضِي تَفْضِيلَ نُصْرَةِ المَلائِكَةِ عَلى نُصْرَةِ جِبْرِيلَ بَلْهَ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
و(ظَهِيرٌ) وصْفٌ بِمَعْنى المُظاهِرِ، أيِ المُؤَيِّدِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ مِثْلَ حَكِيمٍ بِمَعْنى مُحْكِمٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ (﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾)، وفَعِيلٌ الَّذِي لَيْسَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أصْلُهُ أنْ يُطابِقَ مَوْصُوفَهُ في الإيرادِ وغَيْرِهِ فَإنْ كانَ هُنا خَبَرًا عَنِ المَلائِكَةِ كَما هو الظّاهِرُ كانَ إفْرادُهُ عَلى تَأْوِيلِ جَمْعِ المَلائِكَةِ بِمَعْنى الفَوْجِ المُظاهِرِ أوْ هو مِن إجْراءِ فَعِيلٍ الَّذِي بِمَعْنى فاعِلٍ مَجْرى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦])، وقَوْلِهِ (﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥]) وقَوْلِهِ (﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩])، وإنْ كانَ خَبَرًا عَنْ جِبْرِيلَ كانَ ﴿صالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ﴾ عَطْفًا عَلى جِبْرِيلَ وكانَ قَوْلُهُ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ.
وفِي الجَمْعِ بَيْنَ (﴿أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣]) وبَيْنَ (﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾) وبَيْنَ (ظَهِيرٌ) تَجْنِيساتٌ.
التحريم 66:5
﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ .
صفحة ٣٦٠
لَيْسَ هَذا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ (﴿وإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤]) بَلْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُدِلَ بِهِ إلى تَذْكِيرِ جَمِيعِ أزْواجِهِ بِالحَذَرِ مِن أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ عَنْ تَحَمُّلِ أمْثالِ هَذا الصَّنِيعِ فَيُفارِقَهُنَّ لِتُقْلِعَ المُتَلَبِّسَةُ وتُحَذَّرَ غَيْرُها مِن مِثْلِ فِعْلِها.
فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا عُقِّبَتْ بِها جُمْلَةُ (﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]) الَّتِي أفادَتِ التَّحْذِيرَ مِن عِقابٍ في الآخِرَةِ إنْ لَمْ تَتُوبا مِمّا جَرى مِنهُما في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أفادَ هَذا الإيماءُ إلى التَّحْذِيرِ مِن عُقُوبَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لَهُنَّ يَأْمُرُ اللَّهُ فِيها نَبِيئَهُ ﷺ وهي عُقُوبَةُ الطَّلاقِ عَلَيْهِ ما يَحْصُلُ مِنَ المُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ إنْ لَمْ تَتُوبا، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ.
وفِي قَوْلِهِ (﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾) إيجازٌ بِحَذْفِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إبْدالُهُنَّ مِن تَقْدِيرِ إنْ فارَقَكُنَّ. فالتَّقْدِيرُ: عَسى أنْ يُطَلِّقَكُنَّ هو وإنَّما يُطَلِّقُ بِإذْنِ رَبِّهِ أنْ يُبْدِلَهُ رَبُّهُ بِأزْواجٍ خَيْرٍ مِنكُنَّ.
وفِي هَذا ما يُشِيرُ إلى المَعْنى الرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ مِن مَعانِي المَوْعِظَةِ والإرْشادِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا.
و(عَسى) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْقِيقِ وإيثارُها هُنا لِأنَّ هَذا التَّبْدِيلَ مُجَرَّدُ فَرْضٍ ولَيْسَ بِالواقِعِ لِأنَّهُنَّ لا يُظَنُّ بِهِنَّ عَدَمَ الإرْعُواءِ عَمّا حُذِّرْنَ مِنهُ، وفي قَوْلِهِ (﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾) تَذْكِيرٌ لَهُنَّ بِأنَّهُنَّ ما اكْتَسَبْنَ التَّفْضِيلَ عَلى النِّساءِ إلّا مِن فَضْلِ زَوْجِهِنَّ عِنْدَ اللَّهِ وإجْراءُ الأوْصافِ المُفَصَّلَةِ بَعْدَ الوَصْفِ المُجْمَلِ وهو (﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ أُصُولَ التَّفْضِيلِ مَوْجُودَةٌ فِيهِنَّ فَيَكُونُ لِلّائِي يَتَزَوَّجُهُنَّ النَّبِيءُ ﷺ فَضْلٌ عَلى بَقِيَّةِ النِّساءِ بِأنَّهُنَّ صِرْنَ أزْواجًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ (﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾) نَزَلَتْ مُوافِقَةً لِقَوْلِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِثْلَ هَذا اللَّفْظِ وهَذا مِنَ القُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ وِفاقًا لِقَوْلِ عُمَرَ أوْ رَأْيِهِ تَنْوِيهًا بِفَضْلِهِ. وقَدْ ورَدَتْ في حَدِيثٍ في الصَّحِيحَيْنِ واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ عَنْ عُمَرَ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ (﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥])، وقُلْتُ: يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ. وبَلَغَنِي مُعاتَبَةُ النَّبِيءِ بَعْضَ نِسائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ: إنِ انْتَهَيْتُنَّ أوْ لِيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ
صفحة ٣٦١
رَسُولَهُ خَيْرًا مِنكُنَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ﴾) الآيَةَ.
وهِيَ مَوْعِظَةٌ بِأنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ بِطَلاقِهِنَّ وأنَّهُ تَصِيرُ لَهُ أزْواجٌ خَيْرٌ مِنهُنَّ.
وهَذا إشارَةٌ إلى المَعْنى السّادِسَ عَشَرَ مِن مَواعِظِ هَذِهِ الآيِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿أنْ يُبْدِلَهُ﴾) بِتَشْدِيدِ الدّالِّ مُضارِعِ بَدَّلَ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِتَخْفِيفٍ مُضارِعِ أبْدَلَ.
والمُسْلِماتُ: المُتَّصِفاتُ بِالإسْلامِ. والمُؤْمِناتُ: المُصَدِّقاتُ في نُفُوسِهِنَّ. والقانِتاتُ: القائِماتُ بِالطّاعَةِ أحْسَنَ قِيامٍ. وتَقَدَّمَ القُنُوتُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ (﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١]) في سُورَةِ الأحْزابِ.
وفِي هَذا الوَصْفِ إشْعارٌ بِأنَّهُنَّ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ ورَسُولِهِ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِما وقَعَ مِن تَقْصِيرِ إحْداهُنَّ في ذَلِكَ فَعاتَبَها اللَّهُ وأيْقَظَها لِلتَّوْبَةِ.
والتّائِباتُ: المُقْلِعاتُ عَنِ الذَّنْبِ إذا وقَعْنَ فِيهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِإعادَةِ التَّحْرِيضِ عَلى التَّوْبَةِ مِن ذَنْبِهِما الَّتِي أُمِرَتا بِها بِقَوْلِهِ (﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]) .
والعابِداتُ: المُقْبِلاتُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ وهَذِهِ الصِّفاتُ تُفِيدُ الإشارَةَ إلى فَضْلِ هَذِهِ التَّقْوى وهو المَعْنى السّابِعَ عَشَرَ مِن مَعانِي العِبْرَةِ في هَذِهِ الآياتِ.
والسّائِحاتُ: المُهاجِراتُ وإنَّما ذُكِرَ هَذا الوَصْفُ لِتَنْبِيهِهِنَّ عَلى أنَّهُنَّ إنْ كُنَّ يَمْتُنَّ بِالهِجْرَةِ فَإنَّ المُهاجِراتِ غَيْرَهُنَّ كَثِيرٌ، والمُهاجِراتُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِنَّ، وهَذِهِ الصِّفَةُ تُشِيرُ إلى المَعْنى الثّامِنَ عَشَرَ مِن مَعانِي الِاعْتِبارِ في هَذِهِ الآيِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ انْتَصَبَتْ عَلى أنَّها نُعُوتٌ لِ (أزْواجًا)، ولَمْ يُعْطَفْ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِالواوِ، لِأجْلِ التَّنْصِيصِ عَلى ثُبُوتِ جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفاتِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ولَوْ عُطِفَتْ بِالواوِ لِاحْتِمَلِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّقْسِيمِ، أيْ تَقْسِيمِ الأزْواجِ إلى مَن يَثْبُتُ لَهُنَّ بَعْضُ تِلْكَ الصِّفاتِ دُونَ بَعْضٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَتْ إفادَةُ ثُبُوتِ إحْدى صِفَتَيْنِ دُونَ أُخْرى مِنَ النَّعْتَيْنِ الواقِعَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ عُطِفَ بِالواوِ قَوْلُهُ
صفحة ٣٦٢
(وأبْكارًا) لِأنَّ الثَّيِّباتِ لا يُوصَفْنَ بِأبْكارٍ. والأبْكارُ لا يُوصَفْنَ بِالثَّيِّباتِ. قُلْتُ وفي قَوْلِهِ تَعالى (مُسْلِماتٍ)، إلى قَوْلِهِ (سائِحاتٍ) مُحَسِّنُ الكَلامِ المُتَّزِنِ إذْ يَلْتَئِمُ مِن ذَلِكَ بَيْتٌ مِن بَحْرِ الرَّمَلِ التّامِّ: فاعِلَتُنْ فاعِلَتُنْ فاعِلَتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلاتُنْ فاعِلَتُنْ.
ووَجْهُ هَذا التَّفْصِيلِ في الزَّوْجاتِ المُقَدَّراتِ لِأنَّ كِلْتا الصِّفَتَيْنِ مَحاسِنُها عِنْدَ الرِّجالِ؛ فالثَّيِّبُ أرْعى لِواجِباتِ الزَّوْجِ وأمْيَلُ مَعَ أهْوائِهِ وأقْوَمُ عَلى بَيْتِهِ وأحْسَنُ لِعابًا وأبْهى زِينَةً وأحْلى غَنْجًا.
والبِكْرُ أشَدُّ حَياءً وأكْثَرَ غِرارَةً ودَلّا وفي ذَلِكَ مَجْلَبَةٌ لِلنَّفْسِ، والبِكْرُ لا تَعْرِفُ رَجُلًا قَبْلَ زَوْجِها فَفي نُفُوسِ الرِّجالِ خَلْقٌ مِنَ التَّنافُسِ في المَرْأةِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ إلَيْها غَيْرُهم.
فَما اعْتَزَّتْ واحِدَةٌ مِن أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ بِمَزِيَّةٍ إلّا وقَدْ أنْبَأها اللَّهُ بِأنْ سَيُبْدِلَهُ خَيْرًا مِنها في تِلْكَ المَزِيَّةِ أيْضًا.
وهَذا هو المَعْنى التّاسِعَ عَشَرَ مِن مَعانِيَ المَوْعِظَةِ والتَّأْدِيبِ في هَذِهِ الآياتِ.
وتَقْدِيمُ وصْفِ ثَيِّباتٍ لِأنَّ أكْثَرَ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا تَزَوَّجْهُنَّ كُنَّ ثَيِّباتٍ. ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ المَلامَ الأشَدَّ مُوَجَّهٌ إلى حَفْصَةَ قَبْلَ عائِشَةَ وكانَتْ حَفْصَةُ مِمَّنْ تَزَوَّجَهُنَّ ثَيِّباتٍ وعائِشَةُ هي الَّتِي تَزَوَّجَها بِكْرًا. وهَذا التَّعْرِيضُ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ التَّأْدِيبِ كَما قِيلَ الحُرُّ تَكْفِيهِ الإشارَةُ.
وهَذا هو المَعْنى العِشْرُونَ مِن مَغْزى آدابِ هَذِهِ الآياتِ.
ومِن غَرائِبِ المَسائِلِ الأدَبِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾) زَعَمَها ابْنُ خالَوِيهِ واوًا لَها اسْتِعْمالٌ خاصٌّ ولَقَّبَها بِواوِ الثَّمانِيَةِ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ وتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَ النُّونِ وتَبِعَهُ جَماعَةٌ ذَكَرُوا مِنهُمُ الحَرِيرِيُّ والثَّعْلَبِيُّ
صفحة ٣٦٣
النَّيْسابُورِيُّ المُفَسِّرُ والقاضِي الفاضِلُ. أنَّهُمُ اسْتَخْرَجُوا مِنَ القُرْآنِ أنَّ ما فِيهِ مَعْنى عَدَدِ ثَمانِيَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوٌ ويَظْهَرُ مِنَ الأمْثِلَةِ الَّتِي مَثَّلُوا بِها أنَّهم يَعْتَبِرُونَ ما دَلَّ عَلى أمْرٍ مَعْدُودٍ بِعَدَدٍ كَما فِيهِ، سَواءً كانَ وصْفًا مُشْتَقًّا مِن عَدَدِ ثَمانِيَةٍ أوْ كانَ ذاتًا ثامِنَةً أوْ كانَ يَشْتَمِلُ عَلى ثَمانِيَةٍ، سَواءً كانَ مُفْرَدًا أوْ كانَ جُمْلَةً. فَقَدْ مَثَّلُوا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ (بَراءَةٌ) (﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]) . قالُوا لَمْ يُعْطَفِ الصِّفاتُ المَسْرُودَةُ بِالواوِ إلّا عِنْدَ البُلُوغِ إلى الصِّفَةِ الثّامِنَةِ وهي النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ. وجَعَلُوا مِن هَذا القَبِيلِ آيَةَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ إذْ لَمْ يُعْطَفْ مِنَ الصِّفاتِ المَبْدُوءَةِ بِقَوْلِهِ مُسَلِماتٍ إلّا الثّامِنَةُ وهي (وأبْكارًا) ومَثَّلُوا لِما فِيهِ بِوَصْفٍ ثامِنٍ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]) في سُورَةِ الكَهْفِ. فَلَمْ يُعْطَفْ (رابِعُهم) ولا (سادِسُهم) وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها وصْفُ الثّامِنِ بِواوِ عَطْفِ الجُمَلِ. ومَثَّلُوا لِما فِيهِ كَلِمَةُ ثَمانِيَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]) في سُورَةِ الحاقَّةِ. ومَثَّلُوا لِما يَشْتَمِلُ عَلى ثَمانِيَةِ أسْماءٍ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الزُّمَرِ (﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣])، قالُوا جاءَتْ جُمْلَةُ (وفُتِحَتْ) هَذِهِ بِالواوِ ولَمْ تَجِئْ أُخْتُها المَذْكُورَةُ قَبْلَها وهي (﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١]) . لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ.
وتَرَدَّدَتْ كَلِماتُهم في أنَّ هَذِهِ الواوَ مِن صِنْفِ الواوِ العاطِفَةِ يَمْتازُ عَنِ الصِّنْفِ الآخَرِ يَلْزَمُ ذِكْرُهُ إذا كانَ في المَعْطُوفِ مَعْنى الثّامِنِ أوْ مِن صَنْفِ الواوِ الزّائِدَةِ.
وذَكَرَ الدَّمامِينِيُّ في الحَواشِيَ الهِنْدِيَّةِ عَلى المُغْنِي أنَّهُ رَأى في تَفْسِيرِ العِمادِ الكِنْدِيِّ قاضِي الإسْكَنْدَرِيَّةِ المُتَوَفّى في نَحْوِ عِشْرِينَ وسَبْعِمِائَةٍ نِسْبَةَ القَوْلِ بِإثْباتِ واوِ الثَّمانِيَةِ إلى عَبْدِ اللَّهِ الكَفِيفِ المالِقِيِّ النَّحْوِيِّ الغِرْناطِيِّ مِن عُلَماءِ غِرْناطَةَ في مُدَّةِ الأمِيرِ ابْنِ حَبُوسَ بِمُوَحَدَةٍ بَعْدَ الحاءِ المُهْمَلَةِ وهو بادِيسُ بْنُ حَبُوسَ صاحِبُ غِرْناطَةَ سَنَةَ ٤٢٠ .
وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأنِفِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى نُزُولِ سُورَةِ الكَهْفِ أنَّهُ أفْرَدَ الكَلامَ عَلى الواوِ الَّتِي يُسَمِّيها بَعْضُ النّاسِ واوَ الثَّمانِيَةِ بابًا طَوِيلًا ولَمْ يُبْدِ رَأْيَهُ في إثْباتِها ولَمْ أقِفْ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي أفْرَدَ فِيهِ الكَلامَ عَلَيْها. ويَظْهَرُ أنَّهُ غَيْرُ مُوافِقٍ عَلى
صفحة ٣٦٤
إثْباتِ هَذا الِاسْتِعْمالِ لَها. ومِن عَجَبِ الصُّدَفِ ما اتَّفَقَ في هَذِهِ الآياتِ الأرْبَعِ مِن مُثِيرِ شُبْهَةٍ لِلَّذِينَ أثْبَتُوا هَذا المَعْنى في مَعانِي الواوِ. ومِن غَرِيبِ الفِطْنَةِ تَنَبُّهُ الَّذِي أنْبَأ بِهَذا.
وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ أنَّ شَيْخَهُ ابْنُ الحاجِبِ ذَكَرَ لَهُ أنَّ القاضِي الفاضِلَ عَبْدَ الرَّحِيمِ البَيْسانِيَّ الكاتِبَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ تَعالى (وأبْكارًا) وهي الواوُ الَّتِي سَمّاها بَعْضُ ضَعَفَةِ النُّحاةِ واوَ الثَّمانِيَةِ. وكانَ الفاضِلُ يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْراجِها زائِدَةً عَلى المَواضِعِ الثَّلاثَةِ المَشْهُورَةِ إلى أنْ ذَكَرَهُ يَوْمًا بِحَضِيرَةِ أبِي الجُودِ النَّحْوِيِّ المُقْرِي، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ واهِمٌ في عَدِّها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وأحالَ البَيانَ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في دُعاءِ اللُّزُومِ إلى الإتْيانِ بِالواوِ هُنا لِامْتِناعِ اجْتِماعِ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ. فَأنْصَفَهُ الفاضِلُ وقالَ: أرْشَدْتَنا يا أبا الجُودِ.
قُلْتُ: وأرى أنَّ القاضِيَ الفاضِلَ تَعَجَّلَ التَّسْلِيمَ لِأبِي الجُودِ إذْ كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنّا لَمْ نَلْتَزِمْ أنْ يَكُونَ المَعْدُودُ الثّامِنُ مُسْتَقِلًّا أوْ قَسِيمًا لِغَيْرِهِ وإنَّما تَتَبَّعْنا ما فِيهِ إشْعارٌ بِعَدَدِ ثَمانِيَةٍ.
ونَقَلَ الطِّيبِيُّ والقَزْوِينِيُّ في حاشِيَتِي الكَشّافِ أنَّهُ رَوى عَنْ صاحِبِ الكَشّافِ أنَّهُ قالَ: الواوُ تَدْخُلُ في الثّامِنِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢])، وقَوْلِهِ (﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]) ويُسَمُّونَهُ واوَ الثَّمانِيَةِ وهي كَذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ. قالَ الرّاوِي عَنْهُ وقَدْ قالَ لَنا عِنْدَ قِراءَةِ هَذا المَوْضِعِ: أنْسَيْتُمْ واوَ الثَّمانِيَةِ عِنْدَ جَوابِي هَذا (أيْ يَلُومُهم عَلى إهْمالِهِمْ ذَلِكَ المَعْنى في تِلْكَ الآيَةِ) أيْ هو جَوابٌ حَسَنٌ وذَلِكَ خَطَأٌ مَحْضٌ لا يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ اهـ.
قُلْتُ: وهَذا يُخالِفُ صَرِيحَ كَلامِهِ في الكَشّافِ فَلَعَلَّ الرّاوِيَ لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَ مُرادِ صاحِبِ الكَشّافِ، أوْ لَعَلَّ صاحِبَ الكَشّافِ لَمْ يَرَ مُنافاةً بَيْنَ لُزُومِ ذِكْرِ الواوَيْنِ اقْتِضاءَ المَقامِ ذِكْرُها بِأنَّ المَعْطُوفَ بِها ثامِنٌ في الذِّكْرِ فَإنَّ النُّكَتَ لا تَتَزاحَمُ فَتَأمَّلْ بِتَدْقِيقٍ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى واوِ الثَّمانِيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]) الآيَةُ في سُورَةِ (بَراءَةٌ) . وعِنْدَ قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]) في سُورَةِ الكَهْفِ، وتَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الزُّمَرِ وفي سُورَةِ الحاقَّةِ.
التحريم 66:6
صفحة ٣٦٥
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ .
كانَتْ مَوْعِظَةُ نِساءِ النَّبِيءِ ﷺ مُناسِبَةً لِتَنْبِيهِ المُؤْمِنِينَ لِعَدَمِ الغَفْلَةِ عَنْ مَوْعِظَةِ أنْفُسِهِمْ ومَوْعِظَةِ أهْلِيهِمْ وأنْ لا يَصُدَّهُمُ اسْتِبْقاءُ الوِدِّ بَيْنَهم عَنْ إسْداءِ النُّصْحِ لَهم وإنْ كانَ في ذَلِكَ بَعْضُ الأذى.
وهَذا نِداءٌ ثانٍ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ بَعْدَ اسْتِيفاءِ المَقْصُودِ مِنَ النِّداءِ الأوَّلِ نِداءِ النَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]) .
وُجِّهَ الخِطابُ إلى المُؤْمِنِينَ لِيَأْتَنِسُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ في مَوْعِظَةِ أهْلِيهِمْ.
وعَبَّرَ عَنِ المَوْعِظَةِ والتَّحْذِيرِ بِالوِقايَةِ مِنَ النّارِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِأنَّ المَوْعِظَةَ سَبَبٌ في تَجَنُّبِ ما يُفْضِي إلى عَذابِ النّارِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ المَوْعِظَةِ بِالوِقايَةِ مِنَ النّارِ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ في المَوْعِظَةِ.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّعْظِيمِ وأُجْرِيَ عَلَيْها وُصْفٌ بِجُمْلَةِ (﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾) زِيادَةً في التَّحْذِيرِ لِئَلّا يَكُونُوا مِن وقُودِ النّارِ. وتَذْكِيرًا بِحالِ المُشْرِكِينَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]) في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وتَفْظِيعًا لِلنّارِ إذْ يَكُونُ الحَجَرُ عِوَضًا لَها عَنِ الحَطَبِ.
ووُصِفَتِ النّارُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) وبِما تَقَدَّمَهُما مَعًا مِن قَوْلِهِ (﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]) في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والحِجارَةُ: جَمْعُ الحَجَرِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ فَإنَّ قِياسَهُ أحْجارٌ فَجَمَعُوهُ عَلى حِجارٍ بِوَزْنِ فِعالٍ وألْحَقُوا بِهِ هاءَ التَّأْنِيثِ كَما قالُوا: بِكارَةٌ جَمْعُ بَكْرٍ، ومِهارَةٌ جَمْعُ مُهْرٍ.
وزِيدَ في تَهْوِيلِ النّارِ بِأنَّ عَلَيْها مَلائِكَةً غِلاظًا شِدادًا وجُمْلَةُ (﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾) إلى آخِرِها صِفَةٌ ثانِيَةٌ.
صفحة ٣٦٦
ومَعْنى عَلَيْها أنَّهم مُوَكَّلُونَ بِها. فالِاسْتِعْلاءُ المُفادُ مَن حَرْفِ (عَلى) مُسْتَعارٌ لِلتَّمْكِنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]) . وفي الحَدِيثِ («فَلَمْ يَكُنْ عَلى بابِهِ بَوّابُونَ» ) .
و(غِلاظٌ) جَمْعُ غَلِيظٍ وهو المُتَّصِفُ بِالغِلْظَةِ. وهي صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وفِعْلُها مِثْلُ كَرُمَ. وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِقَساوَةِ المُعامَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) أيْ لَوْ كُنْتَ قاسِيًا لَما عاشَرُوكَ.
وشِدادٌ: جَمْعُ شَدِيدٍ. والشِّدَّةُ بِكَسْرِ الشِّينِ حَقِيقَتُها قُوَّةُ العَمَلِ المُؤْذِي، والمَوْصُوفُ بِها شَدِيدٌ. والمَعْنى: أنَّهم أقْوِياءُ في مُعامَلَةِ أهْلِ النّارِ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِهِمْ: يُقالُ: اشْتَدَّ فُلانٌ عَلى فُلانٍ، أيْ أساءَ مُعامَلَتَهُ، ويُقالُ: اشْتَدَّتِ الحَرْبُ، واشْتَدَّتِ البَأْساءُ. والشِّدَّةُ مِن أسْماءِ البُؤْسِ والجُوعِ والقَحْطِ.
وجُمْلَةُ (﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾) ثَناءٌ عَلَيْهِمْ أُعْقِبَ بِهِ وصْفُهم بِأنَّهم غِلاظٌ شِدادٌ تَعْدِيلًا لِما تَقْتَضِيانِهِ مِن كَراهِيَةِ نُفُوسِ النّاسِ إيّاهم، وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِالغِلْظَةِ والشَّدَّةِ في تَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ.
وأمّا قَوْلُهُ (﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾) فَهو تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ (﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾) دَعا إلَيْهِ مَقامُ الإطْنابِ في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، مَعَ ما في هَذا التَّصْرِيحِ مِنِ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ البَدِيعَةِ في امْتِثالِهِمْ لِما يُؤْمَرُونَ بِهِ. وقَدْ عُطِفَ هَذا التَّأْكِيدُ عَطْفًا يَقْتَضِي المُغايَرَةَ تَنْوِيهًا بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ لِأنَّ فِعْلَ المَأْمُورِ أوْضَحُ في الطّاعَةِ مِن عَدَمِ العِصْيانِ واعْتِبارٌ لِمُغايَرَةِ المَعْنَيَيْنِ وإنْ كانَ قالَهُما واحِدٌ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَرْجِعَ (﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾) أنَّهم لا يَعْصُونَ فِيما يُكَلَّفُونَ بِهِ مِن أعْمالِهِمُ الخاصَّةِ بِهِمْ ومَرْجِعُ (﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾) إلى ما كُلِّفُوا بِعَمَلِهِ في العُصاةِ في جَهَنَّمَ.
التحريم 66:7
﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
هُوَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عَلى النّارِ. وذِكْرُ هَذِهِ المَقالَةِ هُنا اسْتِطْرادٌ يُفِيدُ التَّنْفِيرَ مِن جَهَنَّمَ بِأنَّها دارُ أهْلِ الكُفْرِ كَما قالَ تَعالى (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤])،
صفحة ٣٦٧
وإلّا فَإنَّ سِياقَ الآيَةِ تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المُوبِقاتِ في النّارِ.
ومَعْنى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾) مُماثِلُ (﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾)، وأفادَتْ (إنَّما) قَصْرَ الجَزاءِ عَلى مُماثَلَةِ العَمَلِ المُجْزى عَلَيْهِ قَصْرَ قَلْبٍ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَنِ اعْتَذَرَ وطَلَبَ أنْ يَكُونَ جَزاؤُهُ أهْوَنَ مِمّا شاهَدَهُ.
والِاعْتِذارُ: (افْتِعالٌ) مُشْتَقٌّ مِنَ العُذْرِ. ومادَّةُ الِافْتِعالِ فِيهِ دالَّةٌ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ مِثْلَ الِاكْتِسابِ والِاخْتِلاقِ، والعُذْرُ: الحُجَّةُ الَّتِي تُبْرِئُ صاحِبَها مِن تَبِعَةِ عَمَلٍ ما. ولَيْسَ لِمادَّةِ الِاعْتِذارِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ دالٌّ عَلى إيجادِ العُذْرِ وإنَّما المَوْجُودُ عَذَرَ بِمَعْنى قَبِلَ العُذْرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ [التوبة: ٩٠]) في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
التحريم 66:8
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ .
أُعِيدَ خِطابُ المُؤْمِنِينَ وأُعِيدَ نِداؤُهم وهو نِداءٌ ثالِثٌ في هَذِهِ السُّورَةِ. والَّذِي قَبْلَهُ نِداءٌ لِلْواعِظِينَ. وهَذا نِداءٌ لِلْمَوْعُوظِينَ وهَذا الأُسْلُوبُ مِن أسالِيبِ الإعْراضِ المُهْتَمِّ بِها.
أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ إذا تَلَبَّسُوا بِها لِأنَّ ذَلِكَ مِن إصْلاحِ أنْفُسِهِمْ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِأنْ يُجَنِّبُوا أنْفُسَهم وأهْلِيَهم ما يَزُجُّ بِهِمْ في عَذابِ النّارِ، لِأنَّ اتِّقاءَ النّارِ يَتَحَقَّقُ بِاجْتِنابِ ما يَرْمِي بِهِمْ فِيها، وقَدْ يُذْهَلُونَ عَمّا فَرَطَ مِن سَيِّئاتِهِمْ فَهُدُوا إلى سَبِيلِ التَّوْبَةِ الَّتِي يَمْحُونَ بِها ما فَرَطَ مِن سَيِّئاتِهِمْ.
وهَذا ناظِرٌ إلى ما ذُكِرَ مِن مَوْعِظَةِ امْرَأتَيِ النَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ (﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]) .
والتَّوْبَةُ: العَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى العِصْيانِ مَعَ النَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ فِيما مَضى. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]) في
صفحة ٣٦٨
سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي مَواضِعَ أُخْرى وخاصَّةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]) في سُورَةِ النِّساءِ. وتَعْدِيَتُها بِحَرْفِ (إلى) لِأنَّها في مَعْنى الرُّجُوعِ لِأنَّ تابَ أخُو ثابَ.
والنَّصُوحُ: ذُو النُّصْحِ.
والنُّصْحُ: الإخْلاصُ في العَمَلِ. والقَوْلُ، أيِ الصِّدْقُ في إرادَةِ النَّفْعِ بِذَلِكَ. ووَصْفُ التَّوْبَةِ بِالنَّصُوحِ مَجازٌ جُعِلَتِ التَّوْبَةُ الَّتِي لا تَرَدُّدُ فِيها ولا تُخالِطُها نِيَّةُ العَوْدَةِ إلى العَمَلِ المَتُوبِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ النّاصِحِ لِغَيْرِهِ فَفي نَصُوحٍ اسْتِعارَةٌ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ إذْ لَيْسَ المُرادُ نَصُوحًا صاحِبُها.
وإنَّما لَمْ تَلْحَقْ وصْفَ (نَصُوحٍ) هاءُ التَّأْنِيثِ المُناسِبَةِ لِتَأْنِيثِ المَوْصُوفِ بِهِ لِأنَّ فَعُولًا بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَصُوحًا) بِفَتْحِ النُّونِ عَلى مَعْنى الوَصْفِ كَما عَلِمْتَ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ نَصَحَ مِثْلَ: القُعُودِ مِن قَعَدَ. وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ الضَّمَّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ والقِراءَةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
ومِن شُرُوطِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ مِمّا وقَعَ التَّفْرِيطُ فِيهِ مِثْلَ المَظالِمِ لِلْقادِرِ عَلى رَدِّها. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَجْمَعُ التَّوْبَةَ سِتَّةُ أشْياءَ: النَّدامَةُ عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ، وإعادَةُ الفَرائِضِ. ورَدُّ المَظالِمِ، واسْتِحْلالُ الخُصُومِ، وأنْ تُذِيبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعاتِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي.
وتَقُومُ مَقامَ رَدِّ المَظالِمِ اسْتِحْلالُ المَظْلُومِ حَتّى يَعْفُوَ عَنْهُ.
ومِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَمْكِينُ التّائِبِ مِن نَفْسِهِ أنْ يُنَفَّذَ عَلَيْها الحُدُودُ كالقَوْدِ والضَّرْبِ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: هَذا التَّمْكِينُ واجِبٌ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ لِأنَّ التّائِبَ إذا نَدِمَ ونَوى أنْ لا يَعُودَ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ وكانَ مَنعُهُ مِن تَمْكِينِ نَفْسِهِ مَعْصِيَةً مُتَجَدِّدَةً تَسْتَدْعِي تَوْبَةً.
وهُوَ كَلامٌ وجِيهٌ إذِ التَّمْكِينُ مِن تَنْفِيذِ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى النُّفُوسِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً فَلَها عُذْرٌ في الإحْجامِ عَنِ التَّمْكِينِ مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
وتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِن ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ خِلافًا لِأبِي هاشِمٍ الجُبّائِيِّ المُعْتَزِلِيِّ، وذَلِكَ فِيما عَدا التَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ.
وأمّا التَّوْبَةُ مِنَ الكُفْرِ بِالإيمانِ فَصَحِيحَةٌ في غُفْرانِ إثْمِ الكُفْرِ ولَوْ بَقِيَ مُتَلَبِّسًا بِبَعْضِ الكَبائِرِ بِإجْماعِ عُلَماءِ الإسْلامِ.
والذُّنُوبُ الَّتِي تَجِبُ مِنها التَّوْبَةُ هي الكَبائِرُ ابْتِداءً، وكَذَلِكَ الصَّغائِرُ وتَمْيِيزُ الكَبائِرِ مِنَ الصَّغائِرِ مَسْألَةٌ أُخْرى مَحَلُّها أُصُولُ الدِّينِ وأُصُولُ الفِقْهِ والفِقْهُ.
إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلى المُسْلِمِينَ فَغَفَرَ الصَّغائِرَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ، أُخِذَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]) وقَدْ مَضى القَوْلُ فِيهِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ.
ولَوْ عادَ التّائِبُ إلى بَعْضِ الذُّنُوبِ أوْ جَمِيعِها ما عَدا الكُفْرَ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَماءُ الأُمَّةِ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ أنَّ التَّوْبَةَ تَنْتَقِضُ بِالعَوْدَةِ إلى بَعْضِ الذُّنُوبِ في خُصُوصِ الذَّنْبِ المَعُودِ إلَيْهِ ولا تَنْتَقِضُ فِيما سِواهُ. وأنَّ العَوْدَ مَعْصِيَةٌ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنها. وقالَ المُعْتَزِلَةُ، تَنْتَقِضُ بِالعَوْدَةِ إلى بَعْضِ الذُّنُوبِ فَتَعُودُ إلَيْهِ ذُنُوبُهُ ووافَقَهُمُ الباقِلّانِيُّ.
ولَيْسَ في أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ما يَشْهَدُ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ.
والرَّجاءُ المُسْتَفادُ مِن فِعْلِ (عَسى) مُسْتَعْمَلٌ في الوَعْدِ الصّادِرِ عَنِ المُتَفَضِّلِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ وذَلِكَ التّائِبُ لا حَقَّ لَهُ في أنْ يُعْفى عَنْهُ ما اقْتَرَفَهُ لِأنَّ العِصْيانَ قَدْ حَصَلَ وإنَّما التَّوْبَةُ عَزْمٌ عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلى الذَّنْبِ ولَكِنْ ما لِصاحِبِها مِنَ النَّدَمِ والخَوْفِ الَّذِي بَعَثَ عَلى العَزْمِ دَلَّ عَلى زَكاءِ النَّفْسِ فَجَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ أنْ يَمْحُوَ عَنْهُ ما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ تُفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ فَذَلِكَ مَعْنى الرَّجاءِ المُسْتَفادِ مِن (عَسى) .
وقَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ بِالإيمانِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا لِكَثْرَةِ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، واخْتَلَفُوا في تَعَيُّنِ قَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ: قَبُولُها مَرْجُوٌّ غَيْرُ مَقْطُوعٍ ومِمَّنْ قالَ بِهِ الباقِلّانِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ. وعَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ سَمْعًا والمُعْتَزِلَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ عَقْلًا.
وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ: غُفْرانُها، وهو مُبالَغَةٌ في كَفَرَ المُخَفَّفِ المُتَعَدِّي الَّذِي هو مُشْتَقٌّ مِنَ الكَفْرِ بِفَتْحِ الكافِ، أيِ السَّتْرِ.
* * *
صفحة ٣٧٠
﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيءَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
(يَوْمَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (يُدْخِلَكم جَنّاتٍ) وهو تَعْلِيقٌ تَخَلَّصَ إلى الثَّناءِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ. وهو يَوْمُ القِيامَةِ وهَذا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ خِزْيِ اللَّهِ عَنْهم تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَهُ يُخْزِيهِمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ وذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالتَّعْرِيضِ.
والخِزْيُ: هو عَذابُ النّارِ، وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ (﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى أنَّ انْتِفاءَ الخِزْيِ يَوْمَئِذٍ يَسْتَلْزِمُ الكَرامَةَ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]) .
وفِي صِلَةِ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥]) إيذانٌ بِأنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ الخِزْيِ عَنْهم هو إيمانُهم.
ومَعِيَّةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ صُحْبَتُهُمُ النَّبِيءَ ﷺ .
و(مَعَ) يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنَ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مَعَ الشَّيْءِ في انْتِفاءِ خِزْيِ اللَّهِ عَنْهم فَيَكُونُ عُمُومُ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الَّذِينَ يَتَحَقَّقُ فِيهِمْ خِزْيُ الكُفْرِ وهُمُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا وماتُوا عَلى الكُفْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ .
ويَجُوزُ تَعَلُّقُ (مَعَ) بِفِعْلِ (آمَنُوا) أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وصَحِبُوهُ، فَيَكُونُ مُرادًا بِهِ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ولَمْ يَرْتَدُّوا بَعْدَهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُؤْذِنَةً بِفَضِيلَةٍ لِلصَّحابَةِ.
وضَمِيرُ (نُورُهم) عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.
وإضافَةُ (نُورُ) إلى ضَمِيرِ (هم) مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إخْبارٌ عَنْهم بِنُورٍ لَهم لَيْسَتْ إضافَةَ تَعْرِيفٍ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعْرِيفَ النُّورِ وتَعْيِينَهُ ولَكِنَّ الإضافَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ هُنا في لازِمِ
صفحة ٣٧١
مَعْناها وهو اخْتِصاصُ النُّورِ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُهُ النّاسُ مِن بَيْنِ الأنْوارِ يَوْمَئِذٍ.
وُسَعْيُ النُّورِ: امْتِدادُهُ وانْتِشارُهُ. شُبِّهَ ذَلِكَ بِاشْتِدادِ مَشْيِ الماشِي وذَلِكَ أنَّهُ يَحِفُّ بِهِمْ حَيْثُما انْتَقَلُوا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ كَما تُنْشَرُ الأعْلامُ بَيْنَ يَدَيِ الأمِيرِ والقائِدِ وكَما تُساقُ الجِيادُ بَيْنَ يَدَيِ الخَلِيفَةِ.
وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ الجِهاتِ الأمامُ واليَمِينُ لِأنَّ النُّورَ إذا كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ تَمَتَّعُوا بِمُشاهَدَتِهِ وشَعَرُوا بِأنَّهُ كَرامَةٌ لَهم ولِأنَّ الأيْدِيَ هي الَّتِي تُمْسَكُ بِها الأُمُورُ النَّفِيسَةُ وبِها بايَعُوا النَّبِيءَ ﷺ عَلى الإيمانِ والنَّصْرِ. وهَذا النُّورُ نُورٌ حَقِيقِيٌّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى عَنْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَدِيدِ وما ذَكَرْناهُ هُنا أوْسَعُ.
وجُمْلَةُ (﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾) إلى آخِرِها حالٌ مِن ضَمِيرِ (نُورُهم)، وظاهِرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقارَنَةً، أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ودُعاؤُهم طَلَبٌ لِلزِّيادَةِ مِن ذَلِكَ النُّورِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ) عائِدًا إلى جَمِيعِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، أوْ يَقُولُ ذَلِكَ مَن كانَ نُورُهُ أقَلَّ مِن نُورِ غَيْرِهِ مِمَّنْ هو أفْضَلُ مِنهُ يَوْمَئِذٍ فَيَكُونُ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ) عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ عَلى طَوائِفِ الَّذِينَ آمَنُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وإتْمامُ النُّورِ إدامَتُهُ أوِ الزِّيادَةُ مِنهُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا وكَذَلِكَ الدُّعاءُ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لَهم هو لِطَلَبِ دَوامِ المَغْفِرَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ أدَبٌ مَعَ اللَّهِ وتَواضُعٌ لَهُ مِثْلَ ما قِيلَ في اسْتِغْفارِ النَّبِيءِ ﷺ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً.
ويَظْهَرُ بِذَلِكَ وجْهُ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِمْ (﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾) المُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ الدُّعاءِ كِنايَةً عَنْ رَجاءِ إجابَتِهِ لَهم.
التحريم 66:9
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
لَما أبْلَغَ الكُفّارَ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ تَصْرِيحًا بِقَوْلِهِ (﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ [التحريم: ٧])
صفحة ٣٧٢
وتَعْرِيضًا بِقَوْلِهِ (﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيءَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨])، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِمَسْمَعٍ مِنهم بِأنْ يُجاهِدَهم ويُجاهِدَ المُسْتَتِرِينَ لِكُفْرِهِمْ بِظاهِرِ الإيمانِ نِفاقًا، حَتّى إذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمُ المَوْعِظَةُ بِعِقابِ الآخِرَةِ يَخْشَوْنَ أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَذابَ السَّيْفِ في العاجِلَةِ فَيُقْلِعُوا عَنِ الكُفْرِ فَيُصْلِحُ نُفُوسَهم وإنَّما أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ تَألَّبُوا مَعَ المُنافِقِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ فاتَّخَذُوهم عُيُونًا لَهم وأيَدِيَ يَدُسُّونَ بِها الأذى لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ.
فَهَذا نِداءٌ ثانٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ يَأْمُرُهُ بِإقامَةِ صَلاحِ عُمُومِ الأُمَّةِ بِتَطْهِيرِها مِنَ الخُبَثاءِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِإفاقَةِ مَن عَلَيْهِما الغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ مِن واجِبِ حُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَ الزَّوْجِ.
وجِهادُ الكُفْرِ ظاهِرٌ، وأمّا عَطْفُ (المُنافِقِينَ) عَلى (الكُفّارَ) المَفْعُولِ لِ (جاهِدِ) فَيَقْتَضِي أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُورٌ بِجِهادِ المُنافِقِينَ وكانَ حالُ المُنافِقِينَ مُلْتَبِسًا إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ مُعْلِنًا بِالكُفْرِ ولا شُهِدَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِذَلِكَ ولَمْ يُعَيِّنِ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ مُنافِقًا يُوقِنُ بِنِفاقِهِ وكُفْرِهِ أوْ أطْلَعَهُ إطْلاعًا خاصًّا ولَمْ يَأْمُرْهُ بِإعْلانِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ كَما يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن أخْبارٍ كَثِيرَةٍ في الآثارِ.
فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلَ عَطْفِ (المُنافِقِينَ) عَلى (الكُفّارَ) إمّا بِأنْ يَكُونَ فِعْلُ (جاهِدِ) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ وهُما الجِهادُ بِالسَّيْفِ والجِهادُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ والتَّعْرِيضُ لِلْمُنافِقِ بِنِفاقِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الجِهادُ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ ﷺ («رَجِعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» )، وقَوْلِهِ لِلَّذِي سَألَهُ الجِهادَ فَقالَ لَهُ: «ألَكَ أبَوانِ ؟ قالَ: نَعَمْ: قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ» .
وعِنْدِي أنَّ الأقْرَبَ في تَأْوِيلِ هَذا العَطْفِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إلْقاءَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُنافِقِينَ لِيَشْعُرُوا بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِالمِرْصادِ مِنهم فَلَوْ بَدَتْ مِن أحَدِهِمْ بادِرَةٌ يُعْلَمُ مِنها نِفاقُهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الكافِرِ في الجِهادِ بِالقَتْلِ والأسْرِ فَيَحْذَرُوا ويَكُفُّوا عَنِ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ خَشْيَةَ الِافْتِضاحِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]) .
صفحة ٣٧٣
والغِلْظَةُ: حَقِيقَتُها صَلابَةُ الشَّيْءِ وهي مُسْتَعارَةٌ هُنا لِلْمُعامَلَةِ بِالشِّدَّةِ بِدُونِ عَفْوٍ ولا تَسامُحٍ، أيْ كُنْ غَلِيظًا، أيْ شَدِيدًا في إقامَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أمْثالَهم. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]) في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وقَوْلِهِ (﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والمَأْوى: المَسْكَنُ، وهو مَفْعَلٌ مِن أوى إذا رَجَعَ لِأنَّ الإنْسانَ يَرْجِعُ إلى مَسْكَنِهِ.
التحريم 66:10
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ .
أعْقَبَتْ جُمْلَةَ (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩])، الآيَةُ المَقْصُودُ مِنها تَهْدِيدُهم بِعَذابِ السَّيْفِ في الدُّنْيا وإنْذارُهم بِعَذابِ الآخِرَةِ وما قارَنَ ذَلِكَ مِن مُقابَلَةِ حالِهِمْ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، بِأنْ ضَرَبَ مَثَلَيْنِ لِلْفَرِيقَيْنِ بِنَظِيرَيْنِ في حالَيْهِما لَتَزْدادَ المَوْعِظَةُ وُضُوحًا ويَزْدادَ التَّنْوِيهُ بِالمُؤْمِنِينَ اسْتِنارَةً. وقَدْ تَقَدَّمَتْ فائِدَةُ ذِكْرِ الأمْثالِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وضَرْبُ المَثَلِ: إلْقاؤُهُ وإيضاحُهُ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وهَذا المَثَلُ لا يَخْلُو مِن تَعْرِيضٍ بِحَثِّ زَوْجَيِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى طاعَتِهِ وبِأنَّ رِضا اللَّهِ تَعالى يَتْبَعُ رِضا رُسُلِهِ. فَقَدْ كانَ الحَدِيثُ عَنْ زَوْجَتِي النَّبِيءِ ﷺ قَرِيبًا وكانَ عَمَلُهُما ما فِيهِ بارِقَةً مِن مُخالَفَةٍ، وكانَ في المَثَلَيْنِ ما فِيهِ إشْعارٌ بِالحالَيْنِ.
وتَعْدِيَةُ (ضَرَبَ) بِاللّامِ الدّالِّ عَلى العِلَّةِ تُفِيدُ أنَّ إلْقاءَ المَثَلِ لِأجْلِ مَدْخُولِ اللّامِ. فَمَعْنى: (﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أنَّهُ ألْقى هَذا التَّنْظِيرَ لِأجْلِهِمْ، أيِ اعْتِبارِهِمْ بِهِمْ وقِياسِ حالِهِمْ عَلى حالِ المُمَثَّلِ بِهِ، فَإذا قِيلَ: ضَرَبَ لِفُلانٍ مَثَلًا، كانَ المَعْنى: أنَّهُ قَصَدَهُ بِهِ وأعْلَمَهُ إيّاهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨])
صفحة ٣٧٤
(﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]) . ونَحْوِ ذَلِكَ وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِاللّامِ عَلى المَفْعُولَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِإيقاظِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
فَمَعْنى (﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾)، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ حالَةَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ عِظَةً وتَنْبِيهًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ لِيُذَكِرَهم بِأنَّ اللَّهَ لا يَصْرِفُهُ عَنْ وعِيدِهِ صارِفٌ فَلا يَحْسَبُوا أنَّ لَهم شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ، ولا أنَّ مَكانَهم مِن جِوارِ بَيْتِهِ وعِمارَةِ مَسْجِدِهِ وسِقايَةِ حَجِيجِهِ تَصْرِفُ غَضَبَ اللَّهِ عَنْهم، فَإنْ هم أقْلَعُوا عَنْ هَذا الحُسْبانِ أقْبَلُوا عَلى التَّدَبُّرِ في النَّجاةِ مِن وعِيدِهِ بِالنَّظَرِ في دَلائِلِ دَعْوَةِ القُرْآنِ وصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فَلَوْ كانَ صارِفٌ يَصْرِفُ اللَّهَ عَنْ غَضَبِهِ لَكانَ أوْلى الأشْياءِ بِذَلِكَ مَكانَةَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ مِن زَوْجَيْهِما رَسُولَيْ رَبِّ العالَمِينَ.
ومُناسِبَةُ ضَرْبِ المَثَلِ بِامْرَأةِ لُوطٍ دُونَ غَيْرِها مِن قُرابَةِ الأنْبِياءِ نَحْوَ أبِي إبْراهِيمَ وابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ ذِكْرَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ لَمْ يَتَقَدَّمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أبِي إبْراهِيمَ وابْنُ نُوحٍ، لِتَكُونَ في ذِكْرِهِما فائِدَةٌ مُسْتَجَدَّةٌ، ولِيَكُونَ في ذِكْرِهِما عَقِبَ ما سَبَقَ مِن تَمالُؤِ أُمَّيِ المُؤْمِنِينَ عَلى زَوْجِها ﷺ تَعْرِيضٌ لَطِيفٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن خاطِرِ الِاعْتِزازِ بِغِناءِ الصِّلَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْهُما في الوَفاءِ بِحَقِّ ما يَجِبُ مِنَ الإخْلاصِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِيَكُونَ الشَّبَهُ في التَّمْثِيلِ أقْوى. فَعَنْ مُقاتِلٍ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِعائِشَةَ وحَفْصَةَ لا تَكُونا بِمَنزِلَةِ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ في المَعْصِيَةِ وكُونا بِمَنزِلَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ. ووَضَّحَهُ في الكَشّافِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّعْرِيضِ. ومَنَعَهُ الفَخْرُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: في المَثَلَيْنِ عِبْرَةٌ لِزَوْجاتِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ تَقَدَّمَ عِتابُهُنَّ. وفي هَذا بُعْدٌ لِأنَّ النَّصَّ أنَّهُ لِلْكُفّارِ يُبْعِدُ هَذا اهـ.
ويَدْفَعُ اسْتِبْعادَهُ أنَّ دَلالَةَ التَّعْرِيضِ لا تُنافِي اللَّفْظَ الصَّرِيحَ، ومِن لَطائِفِ التَّقَيُّدِ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ هو ضَرْبُ المَثَلِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ مِنَ الِاحْتِراسِ مِن أنْ تَحْمِلَ التَّمْثِيلَ عَلى المُشابَهَةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، والِاحْتِراسُ بِكَثْرَةِ التَّشْبِيهاتِ ومِنهُ تَجْرِيدُ الِاسْتِعارَةِ.
وقِصَّةُ امْرَأةِ نُوحٍ لَمْ تَذْكُرْ في القُرْآنِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها خانَتْ زَوْجَها بَعْدَ الطُّوفانِ وأنَّ نُوحًا لَمْ يَعْلَمْ بِخَوْنِها لِأنَّ اللَّهَ سَمّى عَمَلَها خِيانَةً.
وقَدْ ورَدَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ ذِكْرُ امْرَأةِ نُوحٍ مَعَ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ
صفحة ٣٧٥
وذِكْرُ خُرُوجِها مِنَ السَّفِينَةِ بَعْدَ الطُّوفانِ ثُمَّ طُوِيَ ذِكْرُها لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ بَرَكَتَهُ نُوحًا وبَنِيهِ ومِيثاقَهُ مَعَهم فَلَمْ تُذْكَرْ مَعَهم زَوْجُهُ. فَلَعَلَّها كَفَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أوْ لَعَلَّ نُوحًا تَزَوَّجَ امْرَأةً أُخْرى بَعْدَ الطُّوفانِ لَمْ تُذْكَرْ في التَّوْراةِ.
ووَصَفَ اللَّهُ فِعْلَ امْرَأةِ نُوحٍ بِخِيانَةِ زَوْجِها، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي خِيانَةٌ في الدِّينِ، أيْ كانَتْ كافِرَةً مُسِرَّةً الكُفْرَ، فَلَعَلَّ الكُفْرَ حَدَثَ مَرَّةً أُخْرى في قَوْمِ نُوحٍ بَعْدَ الطُّوفانِ ولَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ.
وأمّا حَدِيثُ امْرَأةِ لُوطٍ في القُرْآنِ مَرّاتٍ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ ويُقالُ: فُلانَةٌ كانَتْ تَحْتَ فُلانٍ، أيْ كانَتْ زَوْجًا لَهُ.
والتَّحْتِيَّةُ هُنا مَجازٌ في مَعْنى الصِّيانَةِ والعِصْمَةِ ومِنهُ قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ في المُوَطَّأِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أُمِّ حَرامِ بِنْتِ مِلْحانَ وكانَتْ أُمُّ حَرامٍ تَحْتَ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ.
ومِن بَدائِعِ الأجْوِبَةِ أنَّ أحَدَ الأُمَراءِ مِنَ الشِّيعَةِ سَألَ أحَدَ عُلَماءِ السُّنَّةِ: مَن أفْضَلُ النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأجابَهُ: (الَّذِي كانَتِ ابْنَتُهُ تَحْتَهُ) فَظَنَّ أنَّهُ فَضَّلَ عَلِيًّا إذْ فَهِمَ أنَّ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ (ابْنَةُ) ضَمِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ (تَحْتَ) ضَمِيرُ اسْمِ المَوْصُولِ، وإنَّما أرادَ السُّنِّيُّ العَكْسَ بِأنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (ابْنَتُهُ) ضَمِيرَ المَوْصُولِ، (تَحْتَهُ) ضَمِيرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَلِكَ هو أبُو بَكْرٍ.
وقَدْ ظَهَرَ أنَّ المُرادَ بِالعَبْدَيْنِ نُوحٌ ولُوطٌ وإنَّما خُصّا بِوَصْفِ (عَبْدَيْنِ صالِحَيْنِ) مَعَ أنَّ وصْفَ النُّبُوَّةِ مِن وصْفِ الصَّلاحِ تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الصَّلاحِ وإيماءً إلى أنَّ النُّبُوَّةَ صَلاحٌ لِيَعْظُمَ شَأْنُ الصّالِحِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] . ولِتَكُونَ المَوْعِظَةُ سارِيَةً إلى نِساءِ المُسْلِمِينَ في مُعامَلَتِهِنَّ أزْواجَهُنَّ فَإنَّ وصْفَ النُّبُوَّةِ قَدِ انْتَهى بِالنَّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَهْوِيلِ الأذى لِعَبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ وعِنايَةِ رَبِّهِمْ بِهِمْ ومُدافَعَتِهِ عَنْهم.
والخِيانَةُ والخَوْنُ ضِدُّ الأمانَةِ وضِدُّ الوَفاءِ، وذَلِكَ تَفْرِيطُ المَرْءِ ما اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ وما
صفحة ٣٧٦
عُهِدَ بِهِ إلَيْهِ. وقَدْ جَمَعَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] .
وانْتَصَبَ (شَيْئًا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِ (يُغْنِيا) لِأنَّ المَعْنى شَيْئًا مِنَ الغِنى، وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّحْقِيرِ، أيْ أقَلَّ غِنًى وأجْحَفَهُ بَلْهَ الغِنى المُهِمِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٩]) في سُورَةِ الجاثِيَةِ.
وزِيادَةُ (﴿مَعَ الدّاخِلِينَ﴾) لِإفادَةِ مُساواتِها في العَذابِ لِغَيْرِهِما مِنَ الكَفَرَةِ الخَوَنَةِ. وذَلِكَ تَأْيِيسٌ لَها مِن أنْ يَنْتَفِعا مِن حُظْوَةِ زَوْجِيهِما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] .
التحريم 66:11
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
لَمّا ضُرِبَ المَثَلُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أُعْقِبَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا لِتَحْصُلَ المُقابَلَةُ فَيَتَّضِحَ مَقْصُودُ المَثَلَيْنِ مَعًا، وجَرَيا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إتْباعِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ.
وجُعِلَ المَثَلُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِحالِ امْرَأتَيْنِ لِتَحْصُلَ المُقابَلَةُ لِلْمَثَلَيْنِ السّابِقَيْنِ، فَهَذا مِن مُراعاةِ النَّظِيرِ في المَثَلَيْنِ.
وجاءَ أحَدُ المَثَلَيْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا لِإخْلاصِ الإيمانِ. والمَثَلُ الثّانِي لِشِّدَّةِ التَّقْوى.
فَكانَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ مَثَلًا لِمَتانَةِ المُؤْمِنِينَ ومَرْيَمُ مَثَلًا لِلْقانِتِينَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تَبَرَّءُوا مِن ذَوِي قَرابَتِهِمُ الَّذِينَ بَقَوْا عَلى الكُفْرِ بِمَكَّةَ.
وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ هي امْرَأةُ فِرْعَوْنَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ مُوسى وهو مُنْفَطِحُ الثّالِثُ ولَيْسَتِ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ الَّتِي تَبَنَّتْ مُوسى حِينَ التَقَطَتْهُ مِنَ اليَمِّ، لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ رَعَمْسِيسَ الثّانِي وكانَ بَيْنَ الزَّمَنَيْنِ ثَمانُونَ سَنَةً. ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهم عِلْمٌ بِدِينٍ قَبْلَ أنْ يُرْسَلَ إلَيْهِمْ مُوسى.
صفحة ٣٧٧
ولَعَلَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ كانَتْ مِن بَناتِ إسْرائِيلَ تَزَوَّجَها فِرْعَوْنُ فَكانَتْ مُؤْمِنَةً بِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ حَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها عَمَّةُ مُوسى أوْ تَكُونُ هَداها اللَّهُ إلى الإيمانِ كَما هَدى الرَّجُلَ المُؤْمِنَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ غافِرٍ. وسَمّاها النَّبِيءُ ﷺ آسِيَةَ في قَوْلِهِ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» رَواهُ البُخارِيُّ.
وأرادَتْ بِعَمَلِ فِرْعَوْنَ ظُلْمَهُ، أيْ نَجِّنِي مِن تَبِعَةِ أعْمالِهِ فَيَكُونُ مَعْنى نَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ مِن صُحْبَتِهِ طَلَبَتْ لِنَفْسِها فَرَجًا وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ.
ومَعْنى (قالَتْ) أنَّها أعْلَنَتْ بِهِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ اطَّلَعَ عَلَيْها وأعْلَنَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ وأمَرَ بِتَعْذِيبِها فَماتَتْ في تَعْذِيبِهِ ولَمْ تَحُسَّ ألَمًا.
والقَوْمُ الظّالِمُونَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ. وظُلْمُهم: إشْراكُهم بِاللهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَها ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ صَدُّوها عَنِ الإيمانِ بِهِ وزَيَّنُوا لَها أنَّها إنْ آمَنَتْ بِمُوسى تُضَيِّعْ مُلْكًا عَظِيمًا وقَصْرًا فَخِيمًا أوْ أنَّ فِرْعَوْنَ وعَظَها بِأنَّها إنْ أصَرَّتْ عَلى ذَلِكَ تُقْتَلْ، فَلا يَكُونُ مَدْفَنُها الهَرَمَ الَّذِي بَناهُ فِرْعَوْنُ لِنَفْسِهِ لِدَفْنِهِ في بادِئِ المُلُوكِ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما رَواهُ المُفَسِّرُونَ أنَّ بَيْتَها في الجَنَّةِ مِن دُرَّةٍ واحِدَةٍ فَتَكُونُ مُشابِهَةَ الهَرَمِ الَّذِي كانَ مُعَدًّا لِحَفْظِ جُثَّتِها بَعْدَ مَوْتِها وزَوْجِها. فَقَوْلُها ذَلِكَ كَقَوْلِ السَّحَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا جَوابًا عَنْ تَهْدِيدِ فِرْعَوْنَ (﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ [طه: ٧٢]) الآيَةَ في سُورَةِ طَهَ.
التحريم 66:12
﴿ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكِتابِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى (﴿اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١])، أيْ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ، فَضَرَبَ مَثَلَيْنِ في الشَّرِّ ومَثَلَيْنِ في الخَيْرِ.
ومَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَسَبِها وكَرامَتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وغَيْرِها،
صفحة ٣٧٨
وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ اسْمَها في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ وقالَ ابْنُ التِّلْمِسانِيِّ في شَرْحِ الشِّفاءِ لِعِياضٍ: لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ امْرَأةً في القُرْآنِ بِاسْمِها إلّا مَرْيَمَ عَلى أنَّها أمَةُ اللَّهِ إبْطالًا لِعَقائِدِ النَّصارى.
والإحْصانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ حَصِينًا، أيْ لا يُسْلَكُ إلَيْهِ. ومَعْناهُ: مَنَعَتْ فَرْجَها عَنِ الرِّجالِ.
وتَفْرِيعُ (﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾) تَفْرِيعُ العَطِيَّةِ عَلى العَمَلِ لِأجْلِهِ. أيْ جَزَيْناها عَلى إحْصانِ فَرْجِها، أيْ بِأنْ كَوَّنَ اللَّهُ فِيهِ نَبِيئًا بِصِفَةٍ خارِقَةِ لِلْعادَةِ فَخَلَّدَ بِذَلِكَ ذِكْرَها في الصّالِحاتِ.
والنَّفْخُ: مُسْتَعارٌ لِسُرْعَةِ إبْداعِ الحَياةِ في المُكَوَّنِ في رَحِمِها. وإضافَةُ الرُّوحِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِأنَّ تَكْوِينَ المَخْلُوقِ الحَيِّ في رَحِمِها كانَ دُونَ الأسْبابِ المُعْتادَةِ، أوْ أُرِيدَ بِالرُّوحِ المَلَكُ الَّذِي يُؤْمَرُ بِنَفْخِ الأرْواحِ في الأجِنَّةِ، فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١]) في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وتَصْدِيقُها: يَقِينُها بِأنَّ ما أبْلَغَ إلَيْها المَلَكُ مِن إرادَةِ اللَّهِ حَمَلَها.
وكَلِماتِ رَبِّها: هي الكَلِماتُ الَّتِي ألْقاها إلَيْها بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(كِتابِهِ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الإنْجِيلَ الَّذِي جاءَ بِهِ ابْنُها عِيسى وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا في زَمَنِ عِيسى فَقَدْ كَتَبَهُ الحَوارِيُّونَ في حَياةِ مَرْيَمَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِ (كِتابِهِ)، أرادَهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ أنْ تَحْمِلَ مِن دُونِ مَسِّ رَجُلٍ إيّاها مِن بابِ وكانَ كِتابًا مَفْعُولًا.
والقانِتُ: المُتَمَحِّضُ لِلطّاعَةِ.
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ و(مِن) لِلِابْتِداءِ.
والمُرادُ بِالقانِتِينَ: المُكْثِرُونَ مِنَ العِبادَةِ. والمَعْنى أنَّها كانَتْ سَلِيلَةَ قَوْمٍ صالِحِينَ، أيْ فَجاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ أُصُولِها في الخَيْرِ والعَفافِ.
وهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّيُّ إلّا وشِيجَهُ
صفحة ٣٧٩
وهَذا إيماءٌ إلى تَبْرِئَتِها مِمّا رَماها بِهِ القَوْمُ البُهْتُ.
وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] .
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أيْ هي بَعْضُ مَن قَنَتَ لِلَّهِ. وغَلَبَتْ صِيغَةُ جَمْعِ الذُّكُورِ ولَمْ يَقُلْ: مِنَ القانِتاتِ، جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ وهو تَخْرِيجُ الكَلامِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ. وهَذِهِ الآيَةُ مِثالٌ في عِلْمِ المَعانِي.
ونُكْتَتُهُ هُنا الإشارَةُ إلى أنَّها في عِدادِ أهْلِ الإكْثارِ مِنَ العِبادَةِ وأنَّ شَأْنَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ لِلرِّجالِ لِأنَّ نِساءَ بَنِي إسْرائِيلَ كُنَّ مَعْفَياتٍ مِن عِباداتٍ كَثِيرَةٍ.
ووَصْفُ مَرْيَمَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِأنَّها عُرِفَتْ بِتِلْكَ الصِّلَةِ مِن قَصَّتِها المَعْرُوفَةِ مِن تَكَرُّرِ ذِكْرِها فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
وفِي ذِكْرِ (القانِتِينَ) إيماءٌ إلى ما أوْصى اللَّهُ بِهِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]) الآيَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (وكِتابِهِ) . وقَرَأهُ حَفْصٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (وكُتُبِهِ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ، أيْ آمَنَتْ بِالكُتُبِ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَ عِيسى وهي التَّوْراةُ والزَّبُورُ وكُتُبُ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والإنْجِيلُ إنْ كانَ قَدْ كَتَبَهُ الحَوارِيُّونَ في حَياتِها.
* * *
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُلْكِ
سَمّاها النَّبِيءُ ﷺ (سُورَةَ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١]) في حَدِيثٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أنَّ سُورَةً مِنَ القُرْآنِ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتّى غَفَرَتْ لَهُ وهي (سُورَةُ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك»: ١]) قالَ التِّرْمِذِيُّ هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
فَهَذا تَسْمِيَةٌ لِلسُّورَةِ بِأوَّلِ جُمْلَةٍ وقَعَتْ فِيها فَتَكُونُ تَسْمِيَةً بِجُمْلَةٍ كَما سُمِّيَ ثابِتُ بْنُ جابِرٍ تَأبَّطَ شَرًّا. ولَفْظُ سُورَةٍ مُضافٌ إلى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ.
وسُمِّيَتْ أيْضًا (تَبارَكَ المُلْكُ) بِمَجْمُوعِ الكَلِمَتَيْنِ في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وبِسَمْعٍ مِنهُ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ لَهُ: ضَرَبْتُ خِبائِي عَلى قَبْرٍ وأنا لا أحْسَبُ أنَّهُ قَبْرٌ فَإذا فِيهِ إنْسانٌ - أيْ دَفِينٌ فِيهِ - يَقْرَأُ سُورَةَ (تَبارَكَ المُلْكُ) حَتّى خَتَمَها فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هي المانِعَةُ هي المُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِن عَذابِ القَبْرِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ فَيَكُونُ اسْمُ السُّورَةِ مَجْمُوعَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ عَدِّ الكَلِماتِ في اللَّفْظِ دُونَ إضافَةِ إحْداهُما إلى
صفحة ٦
الأُخْرى مِثْلَ تَسْمِيَةِ لامِ ألِفٍ. ونَظِيرُهُ أسْماءُ السُّوَرِ بِالأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوَّلِها عَلى بَعْضِ الأقْوالِ في المُرادِ مِنها وعَلَيْهِ فَيُحْكى لَفْظُ تَبارَكَ بِصِيغَةِ الماضِي ويُحْكى لَفْظُ المُلْكُ مَرْفُوعًا كَما هو في الآيَةِ، فَيَكُونُ لَفْظُ سُورَةٍ مُضافًا مِن إضافَةِ المُسَمّى إلى الِاسْمِ. لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْرِيفُ السُّورَةِ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ عَلى حِكايَةِ اللَّفْظَيْنِ الواقِعَيْنِ في أوَّلِها مَعَ اخْتِصارِ ما بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ وذَلِكَ قَصْدًا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما وبَيْنَ تَبارَكَ الفُرْقانِ. كَما قالُوا:عُبَيْدُ اللَّهِ الرُّقَيّاتِ، بِإضافَةِ مَجْمُوعِ عُبَيْدِ اللَّهِ إلى الرُّقَيّاتِ تَمْيِيزًا لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ العامِرِيِّ الشّاعِرِ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُشْبِهُ اسْمُهُ اسْمَهُ مِثْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أوْ لِمُجَرَّدِ اشْتِهارِهِ بِالتَّشْبِيهِ في نِساءٍ كانَ اسْمُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ رُقَيَّةَ وهُنَّ ثَلاثٌ. ولِذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ تَبارَكَ في هَذا المُرَكَّبِ مَفْتُوحَ الآخِرِ. ولَفْظُ المُلْكُ مَضْمُومُ الكافِ. وكَذَلِكَ وقَعَ ضَبْطُهُ في نُسْخَةِ جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وكِلْتاهُما حَرَكَةُ حِكايَةٍ.
والشّائِعُ في كُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي أكْثَرِ المَصاحِفِ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ سُورَةَ المُلْكِ وكَذَلِكَ تَرْجَمَها التِّرْمِذِيُّ: بابُ ما جاءَ في فَضْلِ سُورَةِ المُلْكِ. وكَذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا نُسَمِّيها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ المانِعَةَ، أيْ أخْذًا مِن وصْفِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاها بِأنَّها المانِعَةُ المُنْجِيَةُ كَما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ المَذْكُورِ آنِفًا ولَيْسَ بِالصَّرِيحِ في التَّسْمِيَةِ.
وفِي الإتْقانِ عَنْ تارِيخِ ابْنِ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عليه وسلم - سَمّاها المُنْجِيَةَ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن وصْفِهِ إيِّاَهاَ بِالمُنْجِيَةِ في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ ولَيْسَ أيْضًا بِالصَّرِيحِ في أنَّهُ اسْمٌ.
وفِي الإتْقانِ عَنْ كِتابِ جَمالِ القُرّاءِ تُسَمّى أيْضًا الواقِيَةَ، وتُسَمّى المَنّاعَةَ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ.
صفحة ٧
وذَكَرَ الفَخْرُ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يُسَمِّيها المُجادَلَةَ لِأنَّها تُجادِلُ عَنْ قارِئِها عِنْدَ سُؤالِ المَلَكَيْنِ ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِ الفَخْرِ.
فَهَذِهِ ثَمانِيَةُ أسْماءٍ سُمِّيَتْ بِها هَذِهِ السُّورَةُ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ: بِاتِفّاقِ الجَمِيعِ.
وفِي الإتْقانِ أخْرَجَ جُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ تَبارَكَ المُلْكُ في أهْلِ مَكَّةَ إلّا ثَلاثَ آياتٍ اهـ. فَيُحْتَمَلُ أنَّ الضَّحّاكَ عَنى اسْتِثْناءَ ثَلاثِ آياتٍ نَزَلَتْ في المَدِينَةِ. وهَذا الِاحْتِمالُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ إخْراجُ صاحِبِ الإتْقانِ هَذا النَّقْلَ في عِدادِ السُّوَرِ المُخْتَلَفِ في بَعْضِ آياتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّ ثَلاثَ آياتٍ مِنها غَيْرُ مُخاطَبٍ بِها أهْلُ مَكَّةَ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فَهو لَمْ يُعَيِّنْ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ ولَيْسَ في آياتِ السُّورَةِ ثَلاثُ آياتٍ لا تَتَعَلَّقُ بِالمُشْرِكِينَ خاصَّةً بَلْ نَجِدُ الخَمْسَ الآياتِ الأوائِلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَصْدُ مِنها الفَرِيقَيْنِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] .
وقالَ في الإتْقانِ أيْضًا: فِيها قَوْلٌ غَرِيبٌ لَمْ يَعْزُهُ أنَّ جَمِيعَ السُّورَةِ مَدَنِيٌّ.
وهِيَ السّادِسَةُ والسَّبْعُونَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ وقَبْلَ سُورَةِ الحاقَّةِ.
وآيُها في عَدِّ أهْلِ الحِجازِ إحْدى وثَلاثُونَ وفي عَدِّ غَيْرِهِمْ ثَلاثُونَ.
أغْراضُ السُّورَةِ والأغْراضُ الَّتِي في هَذِهِ السُّورَةِ جارِيَةٌ عَلى سُنَنِ الأغْراضِ في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ. ابْتَدَأتْ بِتَعْرِيفِ المُؤْمِنِينَ مَعانِيَ مِنَ العِلْمِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وتَفَرُّدَهُ بِالمُلْكِ الحَقِّ؛ والنَّظَرَ في إتْقانِ صُنْعِهِ الدّالِّ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ فَبِذَلِكَ يَكُونُ في تِلْكَ الآياتِ حَظٌّ لِعِظَةِ المُشْرِكِيَن.
صفحة ٨
ومِن ذَلِكَ التَّذْكِيرُ بِأنَّهُ أقامَ نِظامَ المَوْتِ والحَياةِ لِتَظْهَرَ في الحالَيْنِ مَجارِي أعْمالِ العِبادِ في مَيادِينِ السَّبَقِ إلى أحْسَنِ الأعْمالِ ونَتائِجِ مَجارِيها. وأنَّهُ الَّذِي يُجازِي عَلَيْها.
وانْفِرادُهُ بِخَلْقِ العَوالِمِ خَلْقًا بالِغًا غايَةَ الإتْقانِ فِيما تُرادُ لَهُ.
وأتْبَعَهُ بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ وبِالإرْشادِ إلى دَلائِلِهِ الإجْمالِيَّةِ وتِلْكَ دَلائِلُ عَلى انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ.
مُتَخَلِّصًا مِن ذَلِكَ إلى تَحْذِيرِ النّاسِ مِن كَيْدِ الشَّياطِينِ، والِارْتِباقِ مَعَهم في رِبْقَةِ عَذابِ جَهَنَّمَ وأنَّ في اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ نَجاةً مِن ذَلِكَ وفي تَكْذِيبِهِ الخُسْرانَ، وتَنْبِيهُ المُعانِدِينَ لِلرَّسُولِ ﷺ إلى عِلْمِ اللَّهِ بِما يَحُوكُونَهُ لِلرَّسُولِ ظاهِرًا وخُفْيَةً بِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِمَخْلُوقاتِهِ.
والتَّذْكِيرُ بِمِنَّةِ خَلْقِ العالَمِ الأرْضِيِّ، ودِقَّةِ نِظامِهِ، ومُلاءَمَتِهِ لِحَياةِ النّاسِ، وفِيها سَعْيُهم ومِنها رِزْقُهم.
والمَوْعِظَةُ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إفْسادِ ذَلِكَ النِّظامِ فَيُصْبِحُ النّاسُ في كَرْبٍ وعَناءٍ يَتَذَكَّرُوا قِيمَةَ النِّعَمِ بِتَصَوُّرِ زَوالِها.
وضَرَبَ لَهم مَثَلًا في لُطْفِهِ تَعالى بِهِمْ بِلُطْفِهِ بِالطَّيْرِ في طَيَرانِها.
وأيْأسَهم مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى نُصْرَةِ الأصْنامِ أوْ عَلى أنْ تَرْزُقَهم رِزْقًا.
وفَظَّعَ لَهم حالَةَ الضَّلالِ الَّتِي ورَّطُوا أنْفُسَهم فِيها.
ثُمَّ وبَّخَ المُشْرِكِينَ عَلى كُفْرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى وعَلى وقاحَتِهِمْ في الِاسْتِخْفافِ بِوَعِيدِهِ وأنَّهُ وشِيكُ الوُقُوعِ بِهِمْ.
ووَبَّخَهم عَلى اسْتِعْجالِهِمْ مَوْتَ النَّبِيءِ ﷺ لِيَسْتَرِيحُوا مِن دَعْوَتِهِ.
وأوْعَدَهم بِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ ضَلالَهم حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ، وأنْذَرَهم بِما قَدْ يَحِلُّ بِهِمْ مِن قَحْطٍ وغَيْرِهِ.
الملك 67:1
صفحة ٩
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِما يَدُلُّ عَلى مُنْتَهى كَمالِ اللَّهِ تَعالى افْتِتاحًا يُؤْذِنُ بِأنَّ ما حَوَتْهُ يَحُومُ حَوْلَ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ النَّقْصِ الَّذِي افْتَراهُ المُشْرِكُونَ لَمّا نَسَبُوا إلَيْهِ شُرَكاءَ في الرُّبُوبِيَّةِ والتَّصَرُّفِ مَعَهُ والتَّعْطِيلِ لِبَعْضِ مُرادِهِ.
فَفِي هَذا الاِفْتِتاحِ بَراعَةُ الاِسْتِهْلالِ كَما تَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ الفُرْقانِ.
وفِعْلُ تَبارَكَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في وفْرَةِ الخَيْرِ، وهو في مَقامِ الثَّناءِ يَقْتَضِي العُمُومَ بِالقَرِينَةِ، أيْ يُفِيدُ أنَّ كُلَّ وفْرَةٍ مِنَ الكَمالِ ثابِتَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ نَوْعٌ مِنها عَنْ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ تَعالى.
وصِيغَةُ (تَفاعَلَ) إذا أُسْنِدَتْ إلى واحِدٍ تَدُلُّ عَلى تَكَلُّفِ فِعْلِ ما اشْتُقَّتْ مِنهُ نَحْوُ: تَطاوَلَ وتَغابَنَ، وتَرِدُ كِنايَةً عَنْ قُوَّةِ الفِعْلِ وشِدَّتِهِ مِثْلُ: تَواصَلَ الحَبْلُ.
وهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ البَرَكَةِ، وهي زِيادَةُ الخَيْرِ ووَفْرَتُهُ، وتَقَدَّمَتِ البَرَكَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ.
وتَقَدَّمَ (تَبارَكَ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في أوَّلِ الأعْرافِ.
وهَذا الكَلامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ، أثْناهُ عَلى نَفْسِهِ، وتَعْلِيمًا لِلنّاسِ كَيْفَ يُثْنُونَ عَلى اللَّهِ ويَحْمَدُونَهُ كَما في ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]: إمّا عَلى وجْهِ الكِنايَةِ بِالجُمْلَةِ عَنْ إنْشاءِ الثَّناءِ، وإمّا بِاسْتِعْمالِ الصِّيغَةِ المُشْتَرِكَةِ بَيْنَ الإخْبارِ والإنْشاءِ في مَعْنَيَيْها، ولَوْ صِيغَ بِغَيْرِ هَذا الأُسْلُوبِ لَما احْتَمَلَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] .
وجُعِلَ المُسْنَدُ إلَيْهِ اسْمًا مَوْصُولًا لِلْإيذانِ بِأنَّ مَعْنى الصِّلَةِ، مِمّا اشْتُهِرَ بِهِ كَما هو غالِبُ أحْوالِ المَوْصُولِ فَصارَتِ الصِّلَةُ مُغْنِيَةً عَنِ الاِسْمِ العَلَمِ لِاسْتِوائِهِما في الاِخْتِصاصِ بِهِ؛ إذْ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الاِخْتِصاصَ بِالمُلْكِ الكامِلِ المُطْلَقِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ.
صفحة ١٠
وذِكْرُ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ هُنا نَظِيرُ ذِكْرِ مِثْلِهِ عَقِبَ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٢] .
والباءُ في بِيَدِهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى في، مِثْلُ الباءِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الأمْكِنَةِ نَحْوُ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
بِسِقْطِ اللِّوى، فالظَّرْفِيَّةُ هُنا مَجازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى إحاطَةِ قُدْرَتِهِ بِحَقِيقَةِ المُلْكِ، المُلْكُ عَلى هَذا اسْمٌ لِلْحالَةِ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها مَلِكًا.
والتَّعْرِيفُ في المُلْكُ عَلى هَذا الوَجْهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ الَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ أفْرادِ الجِنْسِ، وهو الاسْتِغْراقُ فَما يُوجَدُ مِن أفْرادِهِ فَرْدٌ إلّا وهو مِمّا في قُدْرَةِ اللَّهِ فَهو يُعْطِيهِ وهو يَمْنَعُهُ.
واليَدُ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتِعارَةٌ لِلْقُدْرَةِ والتَّصَرُّفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقَوْلِ العَرَبِ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ يَدانِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، ويَكُونُ المُلْكُ اسْمًا فَيَأْتِي في مَعْناهُ ما قُرِّرَ في الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ وهو بِيَدِهِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ الاِخْتِصاصِ، أيِ المُلْكُ بِيَدِهِ لا بَيْدِ غَيْرِهِ.
وهُوَ قَصْرٌ ادِّعائِيٌ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الاِعْتِدادِ بِمُلْكِ غَيْرِهِ، ولا بِما يَتَراءى مِن إعْطاءِ الخُلَفاءِ والمُلُوكِ الأصْقاعَ لِلْأُمَراءِ والسَّلاطِينِ ووُلاةِ العَهْدِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُلْكٌ غَيْرُ تامٍّ؛ لِأنَّهُ لا يَعُمُّ المَمْلُوكاتِ كُلَّها، ولِأنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ، ومُلْكُ اللَّهِ هو المُلْكُ الحَقِيقِيُّ، قالَ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [طه: ١١٤] .
فالنّاسُ يَتَوَهَّمُونَ أمْثالَ ذَلِكَ مُلْكًا ولَيْسَ كَما يَتَوَهَّمُونَ.
واليَدُ: تَمْثِيلٌ بِأنْ شُبِّهَتِ الهَيْئَةُ المَعْقُولَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ التَّصَرُّفِ المُطْلَقِ في المُمْكِناتِ المَوْجُودَةِ والمَعْدُومَةِ بِالإمْدادِ والتَّغْيِيرِ والإعْدامِ والإيجادِ؛ بِهَيْئَةِ إمْساكِ اليَدِ بِالشَّيْءِ المَمْلُوكِ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ في المُرَكَّباتِ.
صفحة ١١
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والمُلْكُ بِضَمِّ المِيمِ: اسْمٌ لِأكْمَلِ أحْوالِ المِلْكِ بِكَسْرِ المِيمِ، والمِلْكُ بِالكَسْرِ جِنْسٌ لِلْمُلْكِ بِالضَّمِّ، وفُسِّرَ المُلْكُ المَضْمُومُ بِضَبْطِ الشَّيْءِ المُتَصَرَّفِ فِيهِ بِالحُكْمِ، وهو تَفْسِيرٌ قاصِرٌ. وأرى أنْ يُفَسَّرَ بِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ ووَطَنِهِمْ تَصَرُّفًا كامِلًا بِتَدْبِيرٍ ورِعايَةٍ، فَكُلُّ مُلْكٍ بِالضَّمِّ مِلْكٌ بِالكَسْرِ، ولَيْسَ كُلُّ مِلْكٍ مُلْكًا.
وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] في الفاتِحَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٢٤٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ الَّتِي هي صِلَةُ المَوْصُولِ وهي تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِتَكْمِيلِ المَقْصُودِ مِنَ الصِّلَةِ؛ إذْ أفادَتِ الصِّلَةُ عُمُومَ تَصَرُّفِهِ في المَوْجُوداتِ، وأفادَتْ هَذِهِ عُمُومَ تَصَرُّفِهِ في المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ بِالإعْدامِ لِلْمَوْجُوداتِ والإيجادِ لِلْمَعْدُوماتِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مُفِيدًا مَعْنًى آخَرَ غَيْرَ ما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ تَفادِيًا مِن أنْ يَكُونَ مَعْناهُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى بِيَدِهِ المُلْكُ، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتْمِيمًا لِلصِّلَةِ. وفي مَعْنى صِلَةٍ ثانِيَةٍ ثُمَّ عُطِفَتْ ولَمْ يُكَرَّرْ فِيها اسْمٌ مَوْصُولٌ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ﴾ [الملك: ٢] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [الملك: ٣] .
وشَيْءٍ: ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ. وهَذا هو الإطْلاقُ الأصْلِيُّ في اللُّغَةِ. وقَدْ يُطْلَقُ (الشَّيْءُ) عَلى خُصُوصِ المَوْجُودِ بِحَسَبِ دَلالَةِ القَرائِنِ والمَقاماتِ. وأمّا التِزامُ الأشاعِرَةِ: أنَّ الشَّيْءَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَوْجُودِ فَهو التِزامُ ما لا يَلْزَمُ، دَعا إلَيْهِ سَدُّ بابِ الحِجاجِ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الوُجُودَ عَيْنُ المَوْجُودِ أوْ زائِدٌ عَلى المَوْجُودِ، فَتَفَرَّعَتْ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ: أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ عِنْدَ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ وأنَّ الشَّيْءَ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَوْجُودِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ وهي مَسْألَةٌ لا طائِلَ تَحْتَها، والخِلافُ فِيها لَفْظِيٌّ، والحَقُّ أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الاِصْطِلاحِ في مَسائِلِ عِلْمِ الكَلامِ لا عَلى تَحْقِيقِ المَعْنى في اللُّغَةِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِما فِيهِ مِنَ التَّعْمِيمِ، ولِإبْطالِ دَعْوى المُشْرِكِينَ نِسْبَتَهُمُ الإلَهِيَّةِ لِأصْنامِهِمْ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ لا تَقْدِرُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ.
الملك 67:2
صفحة ١٢
﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهْوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ صِفَةٌ لِـ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] فَلَمّا شَمِلَ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] تَعَلُّقَ القُدْرَةِ بِالمَوْجُودِ والمَعْدُومِ أُتْبِعَ بِوَصْفِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ الَّذِي مِنهُ خَلْقُ المَخْلُوقاتِ وأعْراضِها؛ لِأنَّ الخَلْقَ أعْظَمُ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ لِدَلالَتِهِ عَلى صِفَةِ القُدْرَةِ وعَلى صِفَةِ العِلْمِ.
وأُوثِرَ بِالذِّكْرِ مِنَ المَخْلُوقاتِ المَوْتُ والحَياةُ لِأنَّهُما أعْظَمُ العَوارِضِ لِجِنْسِ الحَيَوانِ الَّذِي هو أعْجَبُ المَوْجُودِ عَلى الأرْضِ والَّذِي الإنْسانُ نَوْعٌ مِنهُ، وهو المَقْصُودُ بِالمُخاطَبَةِ بِالشَّرائِعِ والمَواعِظِ، فالإماتَةُ تَصَرُّفٌ في المَوْجُودِ بِإعْدادِهِ لِلْفَناءِ، والإحْياءُ تَصَرُّفٌ في المَعْدُومِ بِإيجادِهِ ثُمَّ إعْطائِهِ الحَياةَ لِيَسْتَكْمِلَ وُجُودَ نَوْعِهِ.
فَلَيْسَ ذِكْرُ خَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ تَفْصِيلًا لِمَعْنى المُلْكِ بَلْ هو وصْفٌ مُسْتَقِلٌّ.
والاِقْتِصارُ عَلى خَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ لِأنَّهُما حالَتانِ هُما مَظْهَرا تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ في الذّاتِ والعَرَضِ؛ لِأنَّ المَوْتَ والحَياةَ عَرَضانِ والإنْسانُ مَعْرُوضٌ لَهُما.
والعَرَضُ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ فَلَمّا ذُكِرَ خَلْقُ العَرَضِ عُلِمَ مِن ذِكْرِهِ خَلْقُ مَعْرُوضِهِ بِدَلالَةِ الاِقْتِضاءِ.
وأُوثِرَ ذِكْرُ المَوْتِ والحَياةِ لِما يَدُلّانِ عَلَيْهِ مِنَ العِبْرَةِ بِتَداوُلِ العَرَضَيْنِ المُتَضادَّيْنِ عَلى مَعْرُوضٍ واحِدٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ صُنْعِ الصّانِعِ، فالمَوْتُ والحَياةُ عَرَضانِ يَعْرِضانِ لِلْمَوْجُودِ مِنَ الحَيَوانِ، والمَوْتُ يُعِدُّ المَوْجُودَ لِلْفَناءِ، والحَياةُ تُعِدُّ المَوْجُودَ لِلْعَمَلِ لِلْبَقاءِ مُدَّةً. وهُما عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ الأعْراضِ المُخْتَصَّةِ بِالحَيِّ، وعِنْدَ الحُكَماءِ مِن مَقُولَةِ الكَيْفِ ومِن قِسْمِ الكَيْفِيّاتِ النَّفْسانِيَّةِ مِنهُ.
فالحَياةُ: قُوَّةٌ تَتْبَعُ اعْتِدالَ المِزاجِ النَّوْعِيِّ لِتَفِيضَ مِنها سائِرُ القُوى.
والمَوْتُ: كَيْفِيَّةٌ عَدَمِيَّةٌ هو عَدَمُ الحَياةِ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يُوصَفَ بِالحَياةِ أوِ المَوْتِ، أيْ زَوالِ الحَياةِ عَنِ الحَيِّ، فَبَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ تَقابُلُ العَدَمِ والمَلَكَةِ.
ومَعْنى خَلْقِ الحَياةِ: خَلْقُ الحَيِّ؛ لِأنَّ قِوامَ الحَيِّ هو الحَياةُ، فَفي خَلْقِهِ خَلْقُ ما
صفحة ١٣
بِهِ قِوامُهُ، وأمّا مَعْنى خَلْقِ المَوْتِ فَإيجادُ أسْبابِهِ وإلّا فَإنَّ المَوْتَ عَدَمٌ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الخَلْقُ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ عَرَضًا لِلْمَخْلُوقِ عَبَّرَ عَنْ حُصُولِهِ بِالخَلْقِ تَبَعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
وأيْضًا لِأنَّ المَوْتَ تَصَرُّفٌ في المَوْجُودِ القادِرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ما يَكْرَهُهُ. والمَوْتُ مَكْرُوهٌ لِكُلِّ حَيٍّ فَكانَتِ الإماتَةُ مَظْهَرًا عَظِيمًا مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ فِيها تَجَلِّي وصْفِ القاهِرِ.
فَأمّا الإحْياءُ فَهو مِن مَظاهِرِ وصْفِ القادِرِ ولَكِنْ مَعَ وصْفِهِ المُنْعِمِ.
فَمَعْنى القُدْرَةِ في الإماتَةِ أظْهَرُ وأقْوى؛ لِأنَّ القَهْرَ ضَرْبٌ مِنَ القُدْرَةِ.
ومَعْنى القُدْرَةِ في الإحْياءِ خَفِيٌّ بِسَبَبِ أمْرَيْنِ: بِدِقَّةِ الصُّنْعِ وذَلِكَ مِن آثارِ صِفَةِ العِلْمِ، وبِنِعْمَةِ كَمالِ الجِنْسِ وذَلِكَ مِن آثارِ صِفَةِ الإنْعامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي ذِكْرِهِما تَخَلُّصٌ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما مِنَ الآثارِ الَّتِي أعْظَمُها العَمَلُ في الحَياةِ والجَزاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، وذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ فَإنَّ مَعْنى الابْتِلاءِ مُشْعِرٌ بِتَرَتُّبِ أثَرٍ لَهُ وهو الجَزاءُ عَلى العَمَلِ لِلتَّذْكِيرِ بِحِكْمَةِ جَعْلِ هَذَيْنِ النّامُوسَيْنِ البَدِيعَيْنِ في الحَيَوانِ لِتَظْهَرَ حِكْمَةُ خَلْقِ الإنْسانِ ويُفْضِيا بِهِ إلى الوُجُودِ الخالِدِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] .
وهَذا التَّعْلِيلُ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ.
وفِيهِ اسْتِدْلالٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِدَلالَةٍ في أنْفُسِهِمْ قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
والمَعْنى: أنَّهُ خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَكُونَ مِنكم أحْياءٌ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ والسَّيِّئاتِ، ثُمَّ أمْواتًا يَخْلُصُونَ إلى يَوْمِ الجَزاءِ فَيُجْزَوْنَ عَلى أعْمالِهِمْ بِما يُناسِبُها.
فالتَّعْرِيفُ في (المَوْتَ) و(الحَياةَ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وفي الكَلامِ تَقْدِيرُ: هو الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِتَحْيَوْا فَيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا، وتَمُوتُوا فَتُجْزَوْا عَلى حَسَبِ تِلْكَ البَلْوى، ولِكَوْنِ هَذا هو المَقْصُودُ الأهَمُّ مِن هَذا الكَلامِ قَدَّمَ المَوْتَ عَلى الحَياةِ.
صفحة ١٤
وجُمْلَةُ (لِيَبْلُوَكم) إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَوْصُولَيْنِ.
واللّامُ في (لِيَبْلُوَكم) لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ في خَلْقِ المَوْتِ والحَياةِ حِكْمَةُ أنْ يَبْلُوَكم. إلَخْ.
وتَعْلِيلُ فِعْلٍ بِعِلَّةٍ لا يَقْتَضِي انْحِصارُ عِلَلِهِ في العِلَّةِ المَذْكُورَةِ فَإنَّ الفِعْلَ الواحِدَ تَكُونُ لَهُ عِلَلٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَيُذْكَرُ مِنها ما يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ تَعْلِيلٌ لِفِعْلِ (خَلَقَ) بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ عَلى مَفْعُولِهِ، وهو (والحَياةَ) لِأنَّ حَياةَ الإنْسانِ حَياةٌ خاصَّةٌ تُصَحِّحُ لِلْمَوْصُوفِ بِمَن قامَتْ بِهِ الإدْراكَ الخاصَّ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ إلى العَمَلِ بِاخْتِيارِهِ، وذَلِكَ العَمَلُ هو الَّذِي يُوصَفُ بِالحُسْنِ والقُبْحِ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ بِالمَنطُوقِ والمَفْهُومِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ أيْ وأيُّكم أقْبَحُ عَمَلًا.
ولِذَلِكَ فَذِكْرُ خَلْقِ المَوْتِ إتْمامٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ الإلَهِيِّ وهو المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ، وذِكْرُ خَلْقِ الحَياةِ إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ، وهو مِن أغْراضِ السُّورَةِ.
ولا أشُكُّ في أنَّ بِناءَ هَذا العالَمِ عَلى نامُوسِ المَوْتِ والحَياةِ لَهُ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ يَعْسُرُ عَلى الأفْهامِ الاطِّلاعُ عَلَيْها.
والبَلْوى: الاخْتِبارُ وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ أيْ لِيُعْلَمَ عِلْمُ ظُهُورٍ أوْ مُسْتَعارَةٌ لِإظْهارِ الأمْرِ الخَفِيِّ، فَجُعِلَ إظْهارُ الشَّيْءِ الخَفِيِّ شَبِيهًا بِالاخْتِبارِ.
وجُمْلَةُ (﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾) مُرْتَبِطَةٌ بِ (يَبْلُوَكم) .
و(أيُّ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ، ورَفْعُهُ يُعَيِّنُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وأنَّهُ غَيْرُ مَعْمُولٍ لِلَفْظٍ قَبْلَهُ فَوَجَبَ بَيانُ مَوْقِعَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما قَوْلُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ أوَّلِ سُورَةِ هُودَ أنَّ جُمْلَةَ الاسْتِفْهامِ سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي، وأنَّ فِعْلَ (يَبْلُوَكم) المُضَمَّنِ مَعْنى (يَعْلَمُكم) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ الثّانِي، ولَيْسَ وُجُودُ المَفْعُولِ الأوَّلِ مانِعًا مِن تَعْلِيقِ الفِعْلِ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ الثّانِي وإنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا في الكَلامِ.
والوَجْهُ الثّانِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ واقِعَةً في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي (لِيَبْلُوَكم) أيْ تُؤَوَّلُ الجُمْلَةُ بِمَعْنى مُفْرَدٍ تَقْدِيرُهُ: لِيُعْلِمَكم أهَذا الفَرِيقُ أحْسَنُ عَمَلًا أمِ الفَرِيقُ الآخَرُ.
صفحة ١٥
وهَذا مُخْتارُ صاحِبِ الكَشّافِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. ومَبْناهُ عَلى أنَّ تَعْلِيقَ أفْعالِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ لا يَسْتَقِيمُ إلّا إذا لَمْ يُذْكَرْ لِلْفِعْلِ مَفْعُولٌ، فَإذا ذُكِرَ مَفْعُولٌ لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ الفِعْلِ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي، وحاصِلُهُ: أنَّ التَّقْدِيرَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ يُقالُ في حَقِّهِمْ (أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا) عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] أيْ لِنَنْزِعَنَّ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ: أيُّهم أشَدُّ.
وجَوَّزَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِيُعْلَمَ جَوابُ سُؤالِ سائِلٍ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا.
قُلْتُ: ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ (﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾) مُسْتَأْنَفَةً وتَجْعَلَ الوَقْفَ عَلى قَوْلِهِ (لِيَبْلُوَكم) ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّحْضِيضِ عَلى حُسْنِ العَمَلِ كَما هو في قَوْلِ طَرَفَةَ:
إذا القَوْمُ قالُوا مَن فَتًى خِلْتُ أنَّنِي عُنِيتُ فَلَمْ أكْسُلْ ولَمْ أتَـبَـلَّـدْ
فَجَعَلَ الاسْتِفْهامَ تَحْضِيضًا.
و(أحْسَنُ) تَفْضِيلٌ، أيْ أحْسَنُ عَمَلًا مِن غَيْرِهِ، فالأعْمالُ الحَسَنَةُ مُتَفاوِتَةٌ في الحُسْنِ إلى أدْناها، فَأمّا الأعْمالُ السَّيِّئَةُ فَإنَّها مَفْهُومَةٌ بِدَلالَةِ الفَحْوى؛ لِأنَّ البَلْوى في أحْسَنِ الأعْمالِ تَقْتَضِي البَلْوى في السَّيِّئاتِ بِالأوْلى؛ لِأنَّ إحْصاءَها والإحاطَةَ بِها أوْلى في الجَزاءِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الاجْتِراءِ عَلى الشّارِعِ، ومِنَ الفَسادِ في النَّفْسِ، وفي نِظامِ العالَمِ، وذَلِكَ أوْلى بِالعِقابِ عَلَيْهِ فَفي قَوْلِهِ ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ إيجازٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾) إشارَةٌ إلى صِفاتِهِ تَعالى تَقْتَضِي تَعَلُّقًا بِمُتَعَلَّقاتِها؛ لِئَلّا تَكُونَ مُعَطَّلَةً في بَعْضِ الأحْوالِ والأزْمانِ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى نَقائِضِها. فَأمّا العَزِيزُ فَهو الغالِبُ الَّذِي لا يَعْجَزُ عَنْ شَيْءٍ، وذِكْرُهُ مُناسِبٌ لِلْجَزاءِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ (﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ لِيَجْزِيَكم جَزاءَ العَزِيزِ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ الجَزاءُ عَلى المُخالَفاتِ والنُّكُولِ عَنِ الطّاعَةِ. وهَذا حَظُّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ شَمِلَهم ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ (لِيَبْلُوَكم) .
صفحة ١٦
وأمّا الغَفُورُ فَهو الَّذِي يُكْرِمُ أوْلِياءَهُ ويَصْفَحُ عَنْ فَلَتاتِهِمْ فَهو مُناسِبٌ لِلْجَزاءِ عَلى الطّاعاتِ وكِنايَةٌ عَنْهُ، قالَ تَعالى ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢] فَهو إشارَةٌ إلى حَظِّ أهْلِ الصَّلاحِ مِنَ المُخاطَبِينَ.
الملك 67:3
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهْوَ حَسِيرٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، أُعْقِبَ التَّذْكِيرُ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ بِخَلْقِ الإنْسانِ وأهَمِّ أعْراضِهِ بِذِكْرِ خَلْقِ أعْظَمِ المَوْجُوداتِ غَيْرِ الإنْسانِ وهي السَّماواتُ، ومُفِيدَةٌ وصْفًا مِن عَظِيمِ صِفاتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ ولِذَلِكَ أُعِيدَ فِيها اسْمُ المَوْصُولِ لِتَكُونَ الجُمَلُ الثَّلاثُ جارِيَةً عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ.
والسَّماواتُ تَكَرَّرَ ذِكْرُها في القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها الكَواكِبُ الَّتِي هي مَجْمُوعُ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ ما عَدا الأرْضَ. كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّها هي المُشاهَدَةُ بِأعْيُنِ المُخاطَبِينَ، فالِاسْتِدْلالُ بِها اسْتِدْلالٌ بِالمَحْسُوسِ.
والطِّباقُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ وُصِفَتْ بِهِ السَّماواتُ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ شَدِيدَةُ المُطابَقَةِ، أيْ مُناسِبَةٌ بَعْضُها لِبَعْضٍ في النِّظامِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ طِباقًا جَمْعَ طَبَقٍ، والطَّبَقُ المُساوِي في حالَةٍ ما، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: ”وافَقَ شَنٌّ طَبَقَهُ“ .
والمَعْنى: أنَّها مُرْتَفِعٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ في الفَضاءِ السَّحِيقِ، أوِ المَعْنى: أنَّها مُتَماثِلَةٌ في بَعْضِ الصِّفاتِ مِثْلُ التَّكْوِيرِ والتَّحَرُّكِ المُنْتَظِمِ في أنْفُسِها وفي تَحَرُّكِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلى تَحَرُّكِ بَقِيَّتِها بِحَيْثُ لا تَرْتَطِمُ ولا يَتَداخَلُ سَيْرُها.
ولَيْسَ في قَوْلِهِ طِباقًا ما يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَها مَظْرُوفٌ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن مُفادِ مادَّةِ الطِّباقِ ”فَلا تَكُنْ طَباقاءَ“ .
صفحة ١٧
وجاءَتْ جُمْلَةُ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ .
فَإنَّ نَفْيَ التَّفاوُتِ يُحَقِّقُ مَعْنى التَّطابُقِ، أيِ التَّماثُلِ. والمَعْنى: ما تَرى في خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ تَفاوُتًا. وأصْلُ الكَلامِ: ما تَرى فِيهِنَّ ولا في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ، فَعَبَّرَ بِخَلْقِ الرَّحْمَنِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾)؛ لِأنَّ انْتِفاءَ التَّفاوُتِ عَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ مُتَحَقِّقٌ في خَلْقِ السَّماواتِ وغَيْرِها، أيْ كانَتِ السَّماواتُ طِباقًا؛ لِأنَّها مِن خَلْقِ الرَّحْمَنِ، ولَيْسَ فِيما خَلَقَ الرَّحْمَنُ مِن تَفاوَتٍ، ومِن ذَلِكَ نِظامُ السَّماواتِ.
والتَّفاوُتُ بِوَزْنِ التَّفاعُلِ: شِدَّةُ الفَوْتِ، والفَوْتُ: البُعْدُ، ولَيْسَتْ صِيغَةُ التَّفاعُلِ فِيهِ لِحُصُولِ فِعْلٍ مِن جانِبَيْنِ، ولَكِنَّها مُفِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ.
ويُقالُ: تَفَوَّتَ الأمْرُ أيْضًا، وقِيلَ: إنْ تَفَوَّتَ، بِمَعْنى حَصَلَ فِيهِ عَيْبٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن تَفاوُتٍ﴾، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (مِن تَفَوُّتٍ) بِتَشْدِيدِ الواوِ دُونَ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، وهي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ كَما هو كَثِيرٌ في رَسْمِ الفَتَحاتِ المُشْبَعَةِ.
وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّخالُفِ وانْعِدامِ التَّناسُقِ؛ لِأنَّ عَدَمَ المُناسَبَةِ يُشَبِّهُ البُعْدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا تَرى أيُّها الرّائِي تَفاوُتًا.
والمَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِأهْلِ الشِّرْكِ، إذْ أضاعُوا النَّظَرَ والاسْتِدْلالَ بِما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِما تُشاهِدُهُ أبْصارُهم مِن نِظامِ الكَواكِبِ، وذَلِكَ مُمْكِنٌ لِكُلِّ مَن يُبْصِرُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] فَكَأنَّهُ قالَ: ما تَرَوْنَ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، ويُرادُ مِنهُ السَّماواتُ، والمَعْنى: ما تَرى في السَّماواتِ مِن تَفاوُتٍ، فَيَكُونُ العُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ لِتَتَأتّى الإضافَةُ إلى اسْمِهِ (الرَّحْمانِ) المُشْعِرِ بِأنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ فِيها رَحْمَةٌ بِالنّاسِ كَما سَيَأْتِي.
صفحة ١٨
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خَلْقِ) مَصْدَرًا فَيَشْمَلُ خَلْقَ السَّماواتِ وخَلْقَ غَيْرِها فَإنَّ صُنْعَ اللَّهِ رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لَوِ اسْتَقامُوا كَما صَنَعَ لَهم وأوْصاهم، فَتُفِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفادَ التَّذْيِيلِ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى وجْهِ الاعْتِراضِ، ولا يَكُونُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ.
والتَّعْبِيرُ بِوَصْفِ (الرَّحْمانِ) دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذا النِّظامَ مِمّا اقْتَضَتْهُ رَحْمَتُهُ بِالنّاسِ لِتَجْرِيَ أُمُورُهم عَلى حالَةٍ تُلائِمُ نِظامَ عَيْشِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِيما خَلَقَ اللَّهُ تَفاوُتٌ لَكانَ ذَلِكَ التَّفاوُتُ سَبَبًا لِاخْتِلالِ النِّظامِ فَيَتَعَرَّضُ النّاسُ بِذَلِكَ لِأهْوالٍ ومَشاقٍّ، قالَ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وقالَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] .
وأيْضًا في ذَلِكَ الوَصْفِ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ أنْكَرُوا اسْمَهُ تَعالى (الرَّحْمانِ) ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] .
وفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ إلْخَ. والتَّفْرِيعُ لِلتَّسَبُّبِ، أيِ انْتِفاءُ رُؤْيَةِ التَّفاوُتِ، جُعِلَ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالنَّظَرِ لِيَكُونَ نَفْيُ التَّفاوُتِ مَعْلُومًا عَنْ يَقِينٍ دُونَ تَقْلِيدٍ لِلْمُخْبِرِ.
ورَجْعُ البَصَرِ: تَكْرِيرُهُ، والرَّجْعُ: العَوْدُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُجاءُ مِنهُ، وفِعْلُ: رَجَعَ يَكُونُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ بِمَعْنى: أرْجَعَ، فارْجِعْ هُنا فِعْلُ أمْرٍ مِن رَجَّعَ المُتَعَدِّي.
والرَّجْعُ يَقْتَضِي سَبْقَ حُلُولٍ بِالمَوْضِعِ، فالمَعْنى: أعِدِ النَّظَرَ، وهو النَّظَرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ أعِدْ رُؤْيَةَ السَّماواتِ وأنَّها لا تَفاوُتَ فِيها إعادَةَ تَحْقِيقٍ وتَبَصُّرٍ، كَما يُقالُ: أعِدْ نَظَرًا.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾) وقَوْلِهِ ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ إلْخَ. خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإرْشادِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى الوُجُوبِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنَّ النَّظَرَ في أدِلَّةِ الصِّفاتِ واجِبٌ لِمَن عُرِضَ لَهُ داعٍ إلى الِاسْتِدْلالِ.
صفحة ١٩
والبَصَرُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. والمُرادُ بِهِ البَصَرُ المَصْحُوبُ بِالتَّفَكُّرِ والاعْتِبارِ بِدَلالَةِ المَوْجُوداتِ عَلى مُوجِدِها.
وهَذا يَتَّصِلُ بِمَسْألَةِ إيمانِ المُقَلِّدِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الرِّوايَةِ عَنِ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ.
والاسْتِفْهامُ في ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ تَقْرِيرِيٌّ ووَقَعَ بِ (هَلْ)؛ لِأنَّ هَلْ تُفِيدُ تَأْكِيدَ الِاسْتِفْهامَ؛ إذْ هي بِمَعْنى (قَدْ) في الاسْتِفْهامِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ وحَثٌّ عَلى التَّبَصُّرِ والتَّأمُّلِ، أيْ لا تَقْنَعْ بِنَظْرَةٍ ونَظْرَتَيْنِ، فَتَقُولُ: لَمْ أجِدْ فُطُورًا، بَلْ كَرِّرِ النَّظَرَ وعاوِدْهُ باحِثًا عَنْ مُصادَفَةِ فُطُورٍ لَعَلَّكَ تَجِدُهُ.
والفُطُورُ: جَمْعُ فَطْرٍ بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الطّاءِ، وهو الشَّقُّ والصَّدْعُ، أيْ لا يَسَعُكَ إلّا أنْ تَعْتَرِفَ بِانْتِفاءِ الفُطُورِ في نِظامِ السَّماواتِ فَتَراها مُلْتَئِمَةً مَحْبُوكَةً لا تَرى في خِلالِها انْشِقاقًا، ولِذَلِكَ كانَ انْفِطارُ السَّماءِ وانْشِقاقُها عَلامَةً عَلى انْقِراضِ هَذا العالَمِ ونِظامِهِ الشَّمْسِيِّ، قالَ تَعالى ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩] وقالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] .
وعَطْفُ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ دالٌّ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُ (ثُمَّ) في عَطْفِ الجُمَلِ، فَإنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِ (ثُمَّ) هُنا أهَمُّ وأدْخَلُ في الغَرَضِ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ لِأنَّ إعادَةَ النَّظَرِ تَزِيدُ العِلْمَ بِانْتِفاءِ التَّفاوُتِ في الخَلْقِ رُسُوخًا ويَقِينًا.
و(كَرَّتَيْنِ) تَثْنِيَةُ كَرَّةٍ. وهي المَرَّةُ، وعَبَّرَ عَنْها هُنا بِالكَرَّةِ مُشْتَقَّةً مِنَ الكَرِّ، وهو العَوْدُ؛ لِأنَّها عَوْدٌ إلى شَيْءٍ بَعْدَ الانْفِصالِ عَنْهُ كَكَرَّةِ المُقاتِلِ يَحْمِلُ عَلى العَدْوِ بَعْدَ أنْ يَفِرَّ فِرارًا مَصْنُوعًا. وإيثارُ لَفْظِ كَرَّتَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ مُرادَفِهِ نَحْوِ مَرَّتَيْنِ وتارَتَيْنِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ كَرَّةَ لَمْ يَغْلِبْ إطْلاقَها عَلى عَدَدِ الاثْنَيْنِ، فَكانَ إيثارُها في مَقامٍ لا يُرادُ فِيهِ اثْنَيْنِ أظْهَرَ في أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ
صفحة ٢٠
دُونَ عَدَدِ اثْنَيْنِ أوْ زَوْجٍ، وهَذا مِن خَصائِصِ الإعْجازِ، ألا تَرى أنَّ مَقامَ إرادَةِ عَدَدِ الزَّوْجِ كانَ مُقْتَضِيًا تَثْنِيَةَ مَرَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لِأنَّهُ أظْهَرُ في إرادَةِ العَدَدِ؛ إذْ لَفْظُ مَرَّةٍ أكْثَرُ تَداوُلًا.
وتَثْنِيَةُ (كَرَّتَيْنِ) لَيْسَ المُرادُ بِها عَدَدَ الاثْنَيْنِ الَّذِي هو ضِعْفُ الواحِدِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِخُصُوصِ هَذا العَدَدِ، وإنَّما التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ كِنايَةً عَنْ مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ فَإنَّ مِنِ اسْتِعْمالاتِ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في الكَلامِ أنْ يُرادَ بِها التَّكْرِيرُ وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِمْ: ( لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، يُرِيدُونَ تَلْبِيّاتٍ كَثِيرَةً وإسْعادًا كَثِيرًا، وقَوْلُهم: دَوالَيِكَ، ومِنهُ المَثَلُ: دُهْدُرَّيْنِ، سَعْدُ القَيْنِ، الدُّهْدُرُّ: الباطِلُ، أيْ: باطِلًا عَلى باطِلٍ، أيْ أتَيْتَ يا سَعْدُ القَيْنِ دُهْدُرَّيْنِ، وهو تَثْنِيَةُ دُهْدُرٍّ الدّالُ مُهْمَلَةٌ في أوَّلِهِ مَضْمُومَةٌ فَهاءٌ ساكِنَةٌ فَدالٌ مُهْمَلَةٌ مَضْمُومَةٌ فَراءٌ مُشَدَّدَةٌ. وأصْلُهُ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ نَقَلَها العَرَبُ وجَعَلُوها بِمَعْنى الباطِلِ. وسَبَبُ النَّقْلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وتَثْنِيَتُهُ مُكَنًّى بِها عَنْ مُضاعَفَةِ الباطِلِ، وكانُوا يَقُولُونَ هَذا المَثَلَ عِنْدَ تَكْذِيبِ الرَّجُلِ صاحِبَهُ، وأمّا سَعْدُ القَيْنِ فَهو اسْمُ رَجُلٍ كانَ قَيْنًا، وكانَ يَمُرُّ عَلى الأحْياءِ لِصَقْلِ سُيُوفَهم وإصْلاحِ أسْلِحَتَهم، فَكانَ يُشِيعُ أنَّهُ راحِلٌ غَدًا لِيُسْرِعَ أهْلُ الحَيِّ بِجَلْبِ ما يَحْتاجُ لِلْإصْلاحِ، فَإذا أتَوْهُ بِها أقامَ ولَمْ يَرْحَلْ، فَضُرِبَ بِهِ المَثَلُ في الكَذِبِ فَكانَ هَذا المَثَلُ جامِعًا لِمَثَلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُسْتَقْصى، والمَيْدانِيُّ في مَجْمَعِ الأمْثالِ وأطالَ.
وأصْلُ اسْتِعْمالِ التَّثْنِيَةَ في مَعْنى التَّكْرِيرِ أنَّهُمُ اخْتَصَرُوا بِالتَّثْنِيَةِ تَعْدادَ ذِكْرِ الاسْمِ تَعْدادًا مُشِيرًا إلى التَّكْثِيرِ.
وقَرِيبٌ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم: وقَعَ كَذا غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مَرّاتٍ عَدِيدَةٍ.
فَمَعْنى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ عاوِدِ التَّأمُّلَ في خَلْقِ السَّماواتِ وغَيْرِها غَيْرَ مَرَّةٍ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ يُقالُ: انْقَلَبَ إلى أهْلِهِ، أيْ رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ قالَ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] وإيثارُ فِعْلُ (يَنْقَلِبْ) هُنا دُونَ: يَرْجِعُ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِفِعْلِ (ارْجِعِ) المَذْكُورِ قَبْلَهُ. وهَذا مِن خَصائِصِ الإعْجازِ، نَظِيرُ إيثارِ كَلِمَةَ كَرَّتَيْنِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا.
والخاسِئُ: الخائِبُ، أيِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ ما يَطْلُبُهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
والحَسِيرُ: الكَلِيلُ، وهو كَلَلٌ ناشِئٌ عَنْ قُوَّةِ التَّأمُّلِ والتَّحْدِيقِ مَعَ التَّكْرِيرِ، أيْ يَرْجِعُ البَصَرُ غَيْرَ واجِدٍ ما أُغْرِيَ بِالحِرْصِ عَلى رُؤْيَتِهِ بَعْدَ أنْ أدامَ التَّأمُّلَ والفَحْصَ حَتّى عَيِيَ وكَّلَ، أيْ لا تَجِدْ بَعْدَ اللَّأْيِ فُطُورًا في خَلْقِ اللَّهِ.
الملك 67:4
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهْوَ حَسِيرٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، أُعْقِبَ التَّذْكِيرُ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ بِخَلْقِ الإنْسانِ وأهَمِّ أعْراضِهِ بِذِكْرِ خَلْقِ أعْظَمِ المَوْجُوداتِ غَيْرِ الإنْسانِ وهي السَّماواتُ، ومُفِيدَةٌ وصْفًا مِن عَظِيمِ صِفاتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ ولِذَلِكَ أُعِيدَ فِيها اسْمُ المَوْصُولِ لِتَكُونَ الجُمَلُ الثَّلاثُ جارِيَةً عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ.
والسَّماواتُ تَكَرَّرَ ذِكْرُها في القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها الكَواكِبُ الَّتِي هي مَجْمُوعُ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ ما عَدا الأرْضَ. كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّها هي المُشاهَدَةُ بِأعْيُنِ المُخاطَبِينَ، فالِاسْتِدْلالُ بِها اسْتِدْلالٌ بِالمَحْسُوسِ.
والطِّباقُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ وُصِفَتْ بِهِ السَّماواتُ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ شَدِيدَةُ المُطابَقَةِ، أيْ مُناسِبَةٌ بَعْضُها لِبَعْضٍ في النِّظامِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ طِباقًا جَمْعَ طَبَقٍ، والطَّبَقُ المُساوِي في حالَةٍ ما، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: ”وافَقَ شَنٌّ طَبَقَهُ“ .
والمَعْنى: أنَّها مُرْتَفِعٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ في الفَضاءِ السَّحِيقِ، أوِ المَعْنى: أنَّها مُتَماثِلَةٌ في بَعْضِ الصِّفاتِ مِثْلُ التَّكْوِيرِ والتَّحَرُّكِ المُنْتَظِمِ في أنْفُسِها وفي تَحَرُّكِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلى تَحَرُّكِ بَقِيَّتِها بِحَيْثُ لا تَرْتَطِمُ ولا يَتَداخَلُ سَيْرُها.
ولَيْسَ في قَوْلِهِ طِباقًا ما يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَها مَظْرُوفٌ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن مُفادِ مادَّةِ الطِّباقِ ”فَلا تَكُنْ طَباقاءَ“ .
صفحة ١٧
وجاءَتْ جُمْلَةُ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ .
فَإنَّ نَفْيَ التَّفاوُتِ يُحَقِّقُ مَعْنى التَّطابُقِ، أيِ التَّماثُلِ. والمَعْنى: ما تَرى في خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ تَفاوُتًا. وأصْلُ الكَلامِ: ما تَرى فِيهِنَّ ولا في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ، فَعَبَّرَ بِخَلْقِ الرَّحْمَنِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾)؛ لِأنَّ انْتِفاءَ التَّفاوُتِ عَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ مُتَحَقِّقٌ في خَلْقِ السَّماواتِ وغَيْرِها، أيْ كانَتِ السَّماواتُ طِباقًا؛ لِأنَّها مِن خَلْقِ الرَّحْمَنِ، ولَيْسَ فِيما خَلَقَ الرَّحْمَنُ مِن تَفاوَتٍ، ومِن ذَلِكَ نِظامُ السَّماواتِ.
والتَّفاوُتُ بِوَزْنِ التَّفاعُلِ: شِدَّةُ الفَوْتِ، والفَوْتُ: البُعْدُ، ولَيْسَتْ صِيغَةُ التَّفاعُلِ فِيهِ لِحُصُولِ فِعْلٍ مِن جانِبَيْنِ، ولَكِنَّها مُفِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ.
ويُقالُ: تَفَوَّتَ الأمْرُ أيْضًا، وقِيلَ: إنْ تَفَوَّتَ، بِمَعْنى حَصَلَ فِيهِ عَيْبٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن تَفاوُتٍ﴾، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (مِن تَفَوُّتٍ) بِتَشْدِيدِ الواوِ دُونَ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، وهي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ كَما هو كَثِيرٌ في رَسْمِ الفَتَحاتِ المُشْبَعَةِ.
وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّخالُفِ وانْعِدامِ التَّناسُقِ؛ لِأنَّ عَدَمَ المُناسَبَةِ يُشَبِّهُ البُعْدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا تَرى أيُّها الرّائِي تَفاوُتًا.
والمَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِأهْلِ الشِّرْكِ، إذْ أضاعُوا النَّظَرَ والاسْتِدْلالَ بِما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِما تُشاهِدُهُ أبْصارُهم مِن نِظامِ الكَواكِبِ، وذَلِكَ مُمْكِنٌ لِكُلِّ مَن يُبْصِرُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] فَكَأنَّهُ قالَ: ما تَرَوْنَ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، ويُرادُ مِنهُ السَّماواتُ، والمَعْنى: ما تَرى في السَّماواتِ مِن تَفاوُتٍ، فَيَكُونُ العُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ لِتَتَأتّى الإضافَةُ إلى اسْمِهِ (الرَّحْمانِ) المُشْعِرِ بِأنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ فِيها رَحْمَةٌ بِالنّاسِ كَما سَيَأْتِي.
صفحة ١٨
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خَلْقِ) مَصْدَرًا فَيَشْمَلُ خَلْقَ السَّماواتِ وخَلْقَ غَيْرِها فَإنَّ صُنْعَ اللَّهِ رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لَوِ اسْتَقامُوا كَما صَنَعَ لَهم وأوْصاهم، فَتُفِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفادَ التَّذْيِيلِ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى وجْهِ الاعْتِراضِ، ولا يَكُونُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ.
والتَّعْبِيرُ بِوَصْفِ (الرَّحْمانِ) دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذا النِّظامَ مِمّا اقْتَضَتْهُ رَحْمَتُهُ بِالنّاسِ لِتَجْرِيَ أُمُورُهم عَلى حالَةٍ تُلائِمُ نِظامَ عَيْشِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِيما خَلَقَ اللَّهُ تَفاوُتٌ لَكانَ ذَلِكَ التَّفاوُتُ سَبَبًا لِاخْتِلالِ النِّظامِ فَيَتَعَرَّضُ النّاسُ بِذَلِكَ لِأهْوالٍ ومَشاقٍّ، قالَ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وقالَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] .
وأيْضًا في ذَلِكَ الوَصْفِ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ أنْكَرُوا اسْمَهُ تَعالى (الرَّحْمانِ) ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] .
وفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ إلْخَ. والتَّفْرِيعُ لِلتَّسَبُّبِ، أيِ انْتِفاءُ رُؤْيَةِ التَّفاوُتِ، جُعِلَ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالنَّظَرِ لِيَكُونَ نَفْيُ التَّفاوُتِ مَعْلُومًا عَنْ يَقِينٍ دُونَ تَقْلِيدٍ لِلْمُخْبِرِ.
ورَجْعُ البَصَرِ: تَكْرِيرُهُ، والرَّجْعُ: العَوْدُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُجاءُ مِنهُ، وفِعْلُ: رَجَعَ يَكُونُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ بِمَعْنى: أرْجَعَ، فارْجِعْ هُنا فِعْلُ أمْرٍ مِن رَجَّعَ المُتَعَدِّي.
والرَّجْعُ يَقْتَضِي سَبْقَ حُلُولٍ بِالمَوْضِعِ، فالمَعْنى: أعِدِ النَّظَرَ، وهو النَّظَرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ أعِدْ رُؤْيَةَ السَّماواتِ وأنَّها لا تَفاوُتَ فِيها إعادَةَ تَحْقِيقٍ وتَبَصُّرٍ، كَما يُقالُ: أعِدْ نَظَرًا.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾) وقَوْلِهِ ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ إلْخَ. خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإرْشادِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى الوُجُوبِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنَّ النَّظَرَ في أدِلَّةِ الصِّفاتِ واجِبٌ لِمَن عُرِضَ لَهُ داعٍ إلى الِاسْتِدْلالِ.
صفحة ١٩
والبَصَرُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. والمُرادُ بِهِ البَصَرُ المَصْحُوبُ بِالتَّفَكُّرِ والاعْتِبارِ بِدَلالَةِ المَوْجُوداتِ عَلى مُوجِدِها.
وهَذا يَتَّصِلُ بِمَسْألَةِ إيمانِ المُقَلِّدِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الرِّوايَةِ عَنِ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ.
والاسْتِفْهامُ في ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ تَقْرِيرِيٌّ ووَقَعَ بِ (هَلْ)؛ لِأنَّ هَلْ تُفِيدُ تَأْكِيدَ الِاسْتِفْهامَ؛ إذْ هي بِمَعْنى (قَدْ) في الاسْتِفْهامِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ وحَثٌّ عَلى التَّبَصُّرِ والتَّأمُّلِ، أيْ لا تَقْنَعْ بِنَظْرَةٍ ونَظْرَتَيْنِ، فَتَقُولُ: لَمْ أجِدْ فُطُورًا، بَلْ كَرِّرِ النَّظَرَ وعاوِدْهُ باحِثًا عَنْ مُصادَفَةِ فُطُورٍ لَعَلَّكَ تَجِدُهُ.
والفُطُورُ: جَمْعُ فَطْرٍ بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الطّاءِ، وهو الشَّقُّ والصَّدْعُ، أيْ لا يَسَعُكَ إلّا أنْ تَعْتَرِفَ بِانْتِفاءِ الفُطُورِ في نِظامِ السَّماواتِ فَتَراها مُلْتَئِمَةً مَحْبُوكَةً لا تَرى في خِلالِها انْشِقاقًا، ولِذَلِكَ كانَ انْفِطارُ السَّماءِ وانْشِقاقُها عَلامَةً عَلى انْقِراضِ هَذا العالَمِ ونِظامِهِ الشَّمْسِيِّ، قالَ تَعالى ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩] وقالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] .
وعَطْفُ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ دالٌّ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُ (ثُمَّ) في عَطْفِ الجُمَلِ، فَإنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِ (ثُمَّ) هُنا أهَمُّ وأدْخَلُ في الغَرَضِ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ لِأنَّ إعادَةَ النَّظَرِ تَزِيدُ العِلْمَ بِانْتِفاءِ التَّفاوُتِ في الخَلْقِ رُسُوخًا ويَقِينًا.
و(كَرَّتَيْنِ) تَثْنِيَةُ كَرَّةٍ. وهي المَرَّةُ، وعَبَّرَ عَنْها هُنا بِالكَرَّةِ مُشْتَقَّةً مِنَ الكَرِّ، وهو العَوْدُ؛ لِأنَّها عَوْدٌ إلى شَيْءٍ بَعْدَ الانْفِصالِ عَنْهُ كَكَرَّةِ المُقاتِلِ يَحْمِلُ عَلى العَدْوِ بَعْدَ أنْ يَفِرَّ فِرارًا مَصْنُوعًا. وإيثارُ لَفْظِ كَرَّتَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ مُرادَفِهِ نَحْوِ مَرَّتَيْنِ وتارَتَيْنِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ كَرَّةَ لَمْ يَغْلِبْ إطْلاقَها عَلى عَدَدِ الاثْنَيْنِ، فَكانَ إيثارُها في مَقامٍ لا يُرادُ فِيهِ اثْنَيْنِ أظْهَرَ في أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ
صفحة ٢٠
دُونَ عَدَدِ اثْنَيْنِ أوْ زَوْجٍ، وهَذا مِن خَصائِصِ الإعْجازِ، ألا تَرى أنَّ مَقامَ إرادَةِ عَدَدِ الزَّوْجِ كانَ مُقْتَضِيًا تَثْنِيَةَ مَرَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لِأنَّهُ أظْهَرُ في إرادَةِ العَدَدِ؛ إذْ لَفْظُ مَرَّةٍ أكْثَرُ تَداوُلًا.
وتَثْنِيَةُ (كَرَّتَيْنِ) لَيْسَ المُرادُ بِها عَدَدَ الاثْنَيْنِ الَّذِي هو ضِعْفُ الواحِدِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِخُصُوصِ هَذا العَدَدِ، وإنَّما التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ كِنايَةً عَنْ مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ فَإنَّ مِنِ اسْتِعْمالاتِ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في الكَلامِ أنْ يُرادَ بِها التَّكْرِيرُ وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِمْ: ( لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، يُرِيدُونَ تَلْبِيّاتٍ كَثِيرَةً وإسْعادًا كَثِيرًا، وقَوْلُهم: دَوالَيِكَ، ومِنهُ المَثَلُ: دُهْدُرَّيْنِ، سَعْدُ القَيْنِ، الدُّهْدُرُّ: الباطِلُ، أيْ: باطِلًا عَلى باطِلٍ، أيْ أتَيْتَ يا سَعْدُ القَيْنِ دُهْدُرَّيْنِ، وهو تَثْنِيَةُ دُهْدُرٍّ الدّالُ مُهْمَلَةٌ في أوَّلِهِ مَضْمُومَةٌ فَهاءٌ ساكِنَةٌ فَدالٌ مُهْمَلَةٌ مَضْمُومَةٌ فَراءٌ مُشَدَّدَةٌ. وأصْلُهُ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ نَقَلَها العَرَبُ وجَعَلُوها بِمَعْنى الباطِلِ. وسَبَبُ النَّقْلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وتَثْنِيَتُهُ مُكَنًّى بِها عَنْ مُضاعَفَةِ الباطِلِ، وكانُوا يَقُولُونَ هَذا المَثَلَ عِنْدَ تَكْذِيبِ الرَّجُلِ صاحِبَهُ، وأمّا سَعْدُ القَيْنِ فَهو اسْمُ رَجُلٍ كانَ قَيْنًا، وكانَ يَمُرُّ عَلى الأحْياءِ لِصَقْلِ سُيُوفَهم وإصْلاحِ أسْلِحَتَهم، فَكانَ يُشِيعُ أنَّهُ راحِلٌ غَدًا لِيُسْرِعَ أهْلُ الحَيِّ بِجَلْبِ ما يَحْتاجُ لِلْإصْلاحِ، فَإذا أتَوْهُ بِها أقامَ ولَمْ يَرْحَلْ، فَضُرِبَ بِهِ المَثَلُ في الكَذِبِ فَكانَ هَذا المَثَلُ جامِعًا لِمَثَلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُسْتَقْصى، والمَيْدانِيُّ في مَجْمَعِ الأمْثالِ وأطالَ.
وأصْلُ اسْتِعْمالِ التَّثْنِيَةَ في مَعْنى التَّكْرِيرِ أنَّهُمُ اخْتَصَرُوا بِالتَّثْنِيَةِ تَعْدادَ ذِكْرِ الاسْمِ تَعْدادًا مُشِيرًا إلى التَّكْثِيرِ.
وقَرِيبٌ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم: وقَعَ كَذا غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مَرّاتٍ عَدِيدَةٍ.
فَمَعْنى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ عاوِدِ التَّأمُّلَ في خَلْقِ السَّماواتِ وغَيْرِها غَيْرَ مَرَّةٍ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ يُقالُ: انْقَلَبَ إلى أهْلِهِ، أيْ رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ قالَ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] وإيثارُ فِعْلُ (يَنْقَلِبْ) هُنا دُونَ: يَرْجِعُ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِفِعْلِ (ارْجِعِ) المَذْكُورِ قَبْلَهُ. وهَذا مِن خَصائِصِ الإعْجازِ، نَظِيرُ إيثارِ كَلِمَةَ كَرَّتَيْنِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا.
والخاسِئُ: الخائِبُ، أيِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ ما يَطْلُبُهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
والحَسِيرُ: الكَلِيلُ، وهو كَلَلٌ ناشِئٌ عَنْ قُوَّةِ التَّأمُّلِ والتَّحْدِيقِ مَعَ التَّكْرِيرِ، أيْ يَرْجِعُ البَصَرُ غَيْرَ واجِدٍ ما أُغْرِيَ بِالحِرْصِ عَلى رُؤْيَتِهِ بَعْدَ أنْ أدامَ التَّأمُّلَ والفَحْصَ حَتّى عَيِيَ وكَّلَ، أيْ لا تَجِدْ بَعْدَ اللَّأْيِ فُطُورًا في خَلْقِ اللَّهِ.
الملك 67:5
﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾
صفحة ٢١
انْتَقَلَ مِن دَلائِلَ انْتِفاءِ الخَلَلِ عَنْ خِلْقَةِ السَّماواتِ، إلى بَيانِ ما في إحْدى السَّماواتِ مِن إتْقانِ الصُّنْعِ، فَهو مِمّا شَمِلَهُ عُمُومُ الإتْقانِ في خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ، وذِكْرُهُ مِن ذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ كَذِكْرِ المِثالِ بَعْدَ القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، فَدَقائِقُ السَّماءِ الدُّنْيا أوْضَحُ دَلالَةً عَلى إتْقانِ الصُّنْعِ؛ لِكَوْنِها نُصْبَ أعْيُنِ المُخاطَبِينَ؛ ولِأنَّ مِن بَعْضِها يَحْصُلُ تَخَلُّصٌ إلى التَّحْذِيرِ مِن حِيَلِ الشَّياطِينِ وسُوءِ عَواقِبِ أتْباعِهِمْ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (قَدْ) لِأنَّهُ إلى أنَّهُ نَتِيجَةُ الاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُؤَكَّدِ بِ (هَلْ) أُخْتُ (قَدْ) في الاسْتِفْهامِ.
والكَلامُ عَلى السَّماءِ الدُّنْيا، ولِماذا وُصِفَتْ بِالدُّنْيا، وعَنِ الكَواكِبِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الصّافّاتِ.
وسُمِّيَتِ النُّجُومُ هُنا مَصابِيحَ عَلى التَّشْبِيهِ في حُسْنِ المَنظَرِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.
وذِكْرُ التَّزْيِينِ إدْماجٌ لِلْامْتِنانِ في أثْناءِ الاسْتِدْلالِ، أيْ زَيَّنّاها لَكم مِثْلُ الامْتِنانِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والمَقْصِدُ: التَّخَلُّصُ إلى ذِكْرِ رَجْمِ الشَّياطِينَ لِيَتَخَلَّصَ مِنهُ إلى وعِيدِهِمْ ووَعِيدِ مُتَّبِعِيهِمْ.
وعَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِ (مَصابِيحَ) بِاللّامِ إلى تَنْكِيرِهِ لِما يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ مِنَ التَّعْظِيمِ.
والرُّجُومُ: جَمْعُ رَجْمٍ وهو اسْمٌ لِما يُرْجَمُ بِهِ، أيْ ما يَرْمِي بِهِ الرّامِي مِن حَجَرٍ ونَحْوِهِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مِثْلُ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] .
والَّذِي جُعِلَ رُجُومًا لِلشَّياطِينِ هو بَعْضُ النُّجُومِ الَّتِي تَبْدُو مُضِيئَةً ثُمَّ تَلُوحُ مُنْقَضَّةً، وتُسَمّى الشُّهُبُ ومَضى القَوْلُ عَلَيْها في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وضَمِيرُ الغائِبَةِ في (جَعَلْناها) المُتَبادَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى المَصابِيحِ، أيْ أنَّ المَصابِيحَ رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ.
ومَعْنى جَعْلِ المَصابِيحِ رُجُومًا جارٍ عَلى طَرِيقَةِ إسْنادِ عَمَلِ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى جَمِيعِهِ مِثْلُ إسْنادِ الأعْمالِ إلى القَبائِلِ؛ لِأنَّ العامِلِينَ مِن أفْرادِ القَبِيلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٢٢
﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وقَوْلِ العَرَبِ: قَتَلَتْ هُذَيْلٌ رَضِيعَ بَنِي لَيْثٍ تَمّامَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في (جَعَلْناها) عائِدًا إلى ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ عَلى تَقْدِيرِ: وجَعَلْنا مِنها رُجُومًا إمّا عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ. وإمّا عَلى تَنْزِيلِ المَكانِ الَّذِي صَدَرَ مِنهُ الرُّجُومُ مَنزِلَةَ نَفْسِ الرُّجُومِ فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَكِنَّها عَلى جَعْلِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ راجِعًا إلى القَرْيَةِ وإنْ لَمْ تُذْكَرْ في تِلْكَ الآيَةِ ولَكِنَّها ذُكِرَتْ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقِصَّتُها هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] فالتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْنا مِنها، أيْ مِنَ القَرْيَةِ نَكالًا، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهم ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] .
والشَّياطِينُ هي الَّتِي تَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَتَطْرُدُها الشُّهُبُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وأصْلُ (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا أيْ هَيَّأْنا، قُلِبَتِ الدّالُ الأُولى تاءً لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَتَأْتَّيَ الإدْغامُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ.
والسَّعِيرُ: اسْمٌ صِيغَ عَلى مِثالِ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن: سَعَّرَ النّارَ، إذا أوْقَدَها وهو لَهَبُ النّارِ، أيْ أعْدَدْنا لِلشَّياطِينِ عَذابَ طَبَقَةٍ أشَدُّ طَبَقاتِ النّارِ حَرارَةً وتَوَقُّدًا فَإنَّ جَهَنَّمَ طَبَقاتٍ.
وكانَ السَّعِيرُ عَذابًا لِشَياطِينِ الجِنِّ مَعَ كَوْنِهِمْ مِن عُنْصُرِ النّارِ؛ لِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ أشَدُّ مِن نارِ طَبْعِهِمْ، فَإذا أصابَتْهم صارَتْ لَهم عَذابًا.
وتَسْمِيَةُ عَذابِهِمُ السَّعِيرَ دُونَ النّارِ، أوْ جَهَنَّمَ مُرادٌ لِهَذا المَعْنى ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في عَذابِ الجِنِّ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبإ: ١٢] وقالَ ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] يَعْنِي الشَّيْطانَ.
ومَعْنى الإعْدادِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ إعْدادُ تَقْدِيرٍ وإيجادٍ فَلا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ مَخْلُوقَةً قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ إعْدادُ اسْتِعْمالٍ، فَتَكُونُ جَهَنَّمُ مَخْلُوقَةً حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢٣
الآيَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في أنَّ النّارَ مَوْجُودَةٌ أوْ تُوجَدُ يَوْمَ الجَزاءِ؛ إذْ لا دَلِيلَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ، وإنَّما دَعاهم إلى فَرْضِ هَذِهِ المَسْألَةِ تَأْوِيلُ بَعْضِ الآياتِ والأحادِيثِ.
الملك 67:6
﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ هَذا تَتْمِيمٌ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ العَذابَ أُعِدَّ لِلشَّياطِينِ خاصَّةً، والمَعْنى: ولِجَمِيعِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ عَذابُ جَهَنَّمَ فالمُرادُ عامَّةُ المُشْرِكِينَ ولِأجْلِ ما في الجُمْلَةِ مِن زِيادَةِ الفائِدَةِ غايَرَتِ الجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَها فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِهِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ والمُبادَرَةِ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ حالٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ لِإنْشاءِ الذَّمِّ وحُذِفَ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ لِدَلالَةِ ما قَبْلَ (بِئْسَ) عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وبِئْسَ المَصِيرُ عَذابُ جَهَنَّمَ.
والمَعْنى: بِئْسَتْ جَهَنَّمُ مَصِيرًا لِلَّذِينِ كَفَرُوا.
الملك 67:7
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهْيَ تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ ذَمِّ مَصِيرِهِمْ في جَهَنَّمَ، أيْ مِن جُمْلَةِ مَذامِّ مَصِيرِهِمْ مَذَمَّةَ ما يَسْمَعُونَهُ فِيها مِن أصْواتٍ مُؤْلِمَةٍ مُخِيفَةٍ.
و(إذا) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (سَمِعُوا) يَدُلُّ عَلى الاقْتِرانِ بَيْنَ زَمَنِ الإلْقاءِ وزَمَنِ سَماعِ الشَّهِيقِ.
والشَّهِيقُ: تَرَدُّدُ الأنْفاسِ في الصَّدْرِ لا تَسْتَطِيعُ الصُّعُودَ لِبُكاءٍ ونَحْوِهِ أُطْلِقَ عَلى صَوْتِ التِهابِ نارِ جَهَنَّمَ الشَّهِيقُ تَفْظِيعًا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَمِعُوا لَها﴾ يَقْتَضِي أنَّ الشَّهِيقَ شَهِيقُها؛ لِأنَّ أصْلَ اللّامِ أنْ تَكُونَ لِشِبْهِ المِلْكِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (فِيها) وتَفُورُ: تَغْلِي وتَرْتَفِعُ ألْسِنَةُ لَهِيبِها.
صفحة ٢٤
والغَيْظُ أشَدُّ الغَضَبِ. وقَوْلُهُ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ (وهي) مَثَّلَتْ حالَةَ فَوَرانِها وتَصاعُدِ ألْسِنَةِ لَهِيبِها ورَطْمِها ما فِيها والتِهامِ مَن يُلْقَوْنَ إلَيْها، بِحالِ مُغْتاظٍ شَدِيدِ الغَيْظِ لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمّا غاظَهُ إلّا سَلَّطَ عَلَيْهِ ما يَسْتَطِيعُ مِنَ الأضْرارِ.
واسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مَعَ مُرادِفاتِهِ كَقَوْلِهِمْ: يَكادُ فُلانُ يَتَمَيَّزُ غَيْظًا ويَتَقَصَّفُ غَضَبًا، أيْ يَكادُ تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُهُ فَيَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وهَذا مِنَ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَةِ وقَدْ وضَّحْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ونَظِيرُ هَذِهِ الاسْتِعارَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] في سُورَةِ الكَهْفِ إذْ مُثِّلَ الجِدارُ بِشَخْصٍ لَهُ إرادَةٌ.
و(تَمَيَّزُ) أصْلُهُ تَتَمَيَّزُ، أيْ تَنْفَصِلُ، أيْ تَتَجَزَّأُ أجْزاءً تَخْيِيلًا لِشِدَّةِ الاضْطِرابِ بِأنَّ أجْزاءَها قارَبَتْ أنْ تَتَقَطَّعَ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: غَضِبَ فُلانٌ فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ.
الملك 67:8
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ أُتْبِعَ وصْفُ ما يَجِدُهُ أهْلُ النّارِ عِنْدَ إلْقائِهِمْ فِيها مِن فَظائِعَ أهْوالِها بِوَصْفِ ما يَتَلَقّاهم بِهِ خَزَنَةُ النّارِ.
فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أثارَهُ وصْفُ النّارِ عِنْدَ إلْقاءِ أهْلِ النّارِ فِيها إذْ يَتَساءَلُ السّامِعُ عَنْ سَبَبِ وُقُوعِ أهْلِ النّارِ فِيها فَجاءَ بَيانُهُ بِأنَّهُ تَكْذِيبُهم رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، مَعَ ما انْضَمَّ إلى ذَلِكَ مِن وصْفِ نَدامَةِ أهْلِ النّارِ عَلى ما فَرُطَ مِنهم مِن تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ، وعَلى إهْمالِهِمُ النَّظَرَ في دَعْوَةِ الرُّسُلِ والتَّدَبُّرِ فِيما جاءَهم بِهِ.
و(كُلَّما) مُرَكَّبٌ مِن (كُلَّ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الشُّمُولِ ومِن (ما) الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَرْفٌ يُؤَوَّلُ مَعَ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ بِمَصْدَرِهِ.
والتَّقْدِيرُ: في كُلِّ وقْتِ إلْقاءِ فَوْجٍ يَسْألُهم خَزَنَتُها الفَوْجَ.
صفحة ٢٥
وبِاتِّصالِ (كُلَّ) بِحَرْفِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ اكْتَسَبَ التَّرْكِيبُ مَعْنى الشَّرْطِ وشابَهَ أدَواتَ الشَّرْطِ في الاحْتِياجِ إلى جُمْلَتَيْنِ مُرَتَّبَةٌ إحْداهُما عَلى الأُخْرى.
وجِيءَ بِفِعْلَيْ (أُلْقِيَ) و(سَألَهم) ماضِيَيْنِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَقَعُ الفِعْلُ بَعْدُ (كُلَّما) أنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ بِأنَّها لَمّا شابَهَتِ الشَّرْطَ اسْتَوى الماضِي والمُضارِعُ مَعَها لِظُهُورِ أنَّهُ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ فَأُوثِرَ فِعْلُ المُضِيِّ؛ لِأنَّهُ أخَفُّ.
والفَوْجُ: الجَماعَةُ أيْ جَماعَةٌ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الخُلُودُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [النمل: ٨٣] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وجِيءَ بِالضَّمائِرِ العائِدَةِ إلى الفَوْجِ ضَمائِرُ جَمْعٍ في قَوْلِهِ (سَألَهم) إلَخْ. لِتَأْوِيلِ الفَوْجِ بِجَماعَةِ أفْرادِهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
وخَزَنَةُ النّارِ: المَلائِكَةُ المُوكَّلُ إلَيْهِمْ أمْرُ جَهَنَّمَ وهو جَمْعُ خازِنٍ لِلْمُوَكَّلِ بِالحِفْظِ، وأصْلُ الخازِنِ: الَّذِي يُخَزِّنُ شَيْئًا، أيْ يَحْفَظُهُ في مَكانٍ حَصِينٍ، فَإطْلاقُهُ عَلى المُوَكَّلِينَ مَجازٌ مُرْسَلٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ سَألَهم كَقَوْلِهِ ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] .
والاسْتِفْهامُ في ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ لِيَزِيدَهم حَسْرَةً.
والنَّذِيرُ: المُنْذِرُ، أيْ رَسُولٌ مُنْذِرٌ بِعِقابِ اللَّهِ وهو مَصُوغٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما صِيغَ بِمَعْنى المُسْمِعُ السَّمِيعُ في قَوْلِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبِ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ
.
والمُرادُ أفْواجُ أهْلِ النّارِ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ الَّتِي أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ إلَخْ بِمَعْنى التَّذْيِيلِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ اعْتِراضًا يُشِيرُ إلى أنَّ الفَوْجَ قاطَعَ كَلامَ الخَزَنَةِ بِتَعْجِيلِ الاعْتِرافِ بِما وبَّخُوهم عَلَيْهِ وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّها اعْتِراضٌ، ولِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ
صفحة ٢٦
جَوابُهم جَوابَ المُتَحَسِّرِ المُتَنَدِّمِ، فابْتَدَءُوا الجَوابَ دُفْعَةً بِحَرْفِ بَلى المُفِيدُ نَقِيضَ النَّفْيِ في الاسْتِفْهامِ فَهو مُفِيدٌ مَعْنى: جاءَنا نَذِيرٌ. ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ بَلى، وهو مِن تَكْرِيرِ الكَلامِ عِنْدَ التَّحَسُّرِ، مَعَ زِيادَةِ التَّحْقِيقِ بِ (قَدْ) وذَلِكَ التَّأْكِيدُ هو مَناطُ النَّدامَةِ والاعْتِرافِ بِالخَطَإ
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ الأظْهَرُ أنَّها بَقِيَّةُ كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ ما سَبَقَها مِن كَلامِهِمُ اعْتِراضُ جَوابِ الفَوْجِ المُوَجَّهِ إلَيْهِمُ الاسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِيُّ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، ويُؤَيِّدُ هَذا إعادَةُ فِعْلِ القَوْلِ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ الفَوْجِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ [الملك: ١٠] إلَخْ، لِانْقِطاعِهِ بِالاعْتِراضِ الواقِعِ خِلالَ حِكايَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ كُلِّ فَوْجٍ لِنَذِيرِهِمْ. وأُتِيَ بِضَمِيرِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ رَسُولًا واحِدًا في الغالِبِ بِاسْتِثْناءِ مُوسى وهارُونَ وبِاسْتِثْناءِ رُسُلِ أصْحابِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ يس، أمّا عَلى اعْتِبارِ الحِكايَةِ بِالمَعْنى بِأنْ جُمِعَ كَلامُ جَمِيعِ الأفْواجِ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ فَجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ والمُرادُ التَّوْزِيعُ عَلى الأفْواجِ، أيْ قالَ جَمِيعُ الأفْواجِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾)، عَلى طَرِيقَةِ المِثالِ المَشْهُورِ ”رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم“، وأمّا عَلى إرادَةِ شُمُولِ الضَّمِيرِ لِلنَّذِيرِ وأتْباعِهِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما جاءَ بِهِ.
وعُمُومُ (شَيْءٍ) في قَوْلِهِ ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ والمُرادُ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ التَّنْزِيلِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُحِيلُونَ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ وحْيًا عَلى بَشَرٍ، وهَذِهِ شَنْشَنَةُ أهْلِ الكُفْرِ قالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] قَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ الأنْعامِ.
ووَصْفُ الضَّلالِ بِ (كَبِيرٍ) مَعْناهُ شَدِيدٌ بالِغٌ غايَةَ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ جِنْسُهُ حَتّى كَأنَّهُ جِسْمٌ كَبِيرٌ.
ومَعْنى القَصْرِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ والاسْتِثْناءِ في (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾) قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ ما حالُكُمُ الَّتِي أنْتُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِها إلّا الضَّلالُ، ولَيْسَ الوَحْيُ الإلَهِيُّ والهُدى كَما تَزْعُمُونَ.
صفحة ٢٧
والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ لِتَشْبِيهِهِمْ تَمَحُّضَهم لِلضَّلالِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
الملك 67:9
﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ أُتْبِعَ وصْفُ ما يَجِدُهُ أهْلُ النّارِ عِنْدَ إلْقائِهِمْ فِيها مِن فَظائِعَ أهْوالِها بِوَصْفِ ما يَتَلَقّاهم بِهِ خَزَنَةُ النّارِ.
فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أثارَهُ وصْفُ النّارِ عِنْدَ إلْقاءِ أهْلِ النّارِ فِيها إذْ يَتَساءَلُ السّامِعُ عَنْ سَبَبِ وُقُوعِ أهْلِ النّارِ فِيها فَجاءَ بَيانُهُ بِأنَّهُ تَكْذِيبُهم رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، مَعَ ما انْضَمَّ إلى ذَلِكَ مِن وصْفِ نَدامَةِ أهْلِ النّارِ عَلى ما فَرُطَ مِنهم مِن تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ، وعَلى إهْمالِهِمُ النَّظَرَ في دَعْوَةِ الرُّسُلِ والتَّدَبُّرِ فِيما جاءَهم بِهِ.
و(كُلَّما) مُرَكَّبٌ مِن (كُلَّ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الشُّمُولِ ومِن (ما) الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَرْفٌ يُؤَوَّلُ مَعَ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ بِمَصْدَرِهِ.
والتَّقْدِيرُ: في كُلِّ وقْتِ إلْقاءِ فَوْجٍ يَسْألُهم خَزَنَتُها الفَوْجَ.
صفحة ٢٥
وبِاتِّصالِ (كُلَّ) بِحَرْفِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ اكْتَسَبَ التَّرْكِيبُ مَعْنى الشَّرْطِ وشابَهَ أدَواتَ الشَّرْطِ في الاحْتِياجِ إلى جُمْلَتَيْنِ مُرَتَّبَةٌ إحْداهُما عَلى الأُخْرى.
وجِيءَ بِفِعْلَيْ (أُلْقِيَ) و(سَألَهم) ماضِيَيْنِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَقَعُ الفِعْلُ بَعْدُ (كُلَّما) أنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ بِأنَّها لَمّا شابَهَتِ الشَّرْطَ اسْتَوى الماضِي والمُضارِعُ مَعَها لِظُهُورِ أنَّهُ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ فَأُوثِرَ فِعْلُ المُضِيِّ؛ لِأنَّهُ أخَفُّ.
والفَوْجُ: الجَماعَةُ أيْ جَماعَةٌ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الخُلُودُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [النمل: ٨٣] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وجِيءَ بِالضَّمائِرِ العائِدَةِ إلى الفَوْجِ ضَمائِرُ جَمْعٍ في قَوْلِهِ (سَألَهم) إلَخْ. لِتَأْوِيلِ الفَوْجِ بِجَماعَةِ أفْرادِهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
وخَزَنَةُ النّارِ: المَلائِكَةُ المُوكَّلُ إلَيْهِمْ أمْرُ جَهَنَّمَ وهو جَمْعُ خازِنٍ لِلْمُوَكَّلِ بِالحِفْظِ، وأصْلُ الخازِنِ: الَّذِي يُخَزِّنُ شَيْئًا، أيْ يَحْفَظُهُ في مَكانٍ حَصِينٍ، فَإطْلاقُهُ عَلى المُوَكَّلِينَ مَجازٌ مُرْسَلٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ سَألَهم كَقَوْلِهِ ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] .
والاسْتِفْهامُ في ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ لِيَزِيدَهم حَسْرَةً.
والنَّذِيرُ: المُنْذِرُ، أيْ رَسُولٌ مُنْذِرٌ بِعِقابِ اللَّهِ وهو مَصُوغٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما صِيغَ بِمَعْنى المُسْمِعُ السَّمِيعُ في قَوْلِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبِ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ
.
والمُرادُ أفْواجُ أهْلِ النّارِ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ الَّتِي أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ إلَخْ بِمَعْنى التَّذْيِيلِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ اعْتِراضًا يُشِيرُ إلى أنَّ الفَوْجَ قاطَعَ كَلامَ الخَزَنَةِ بِتَعْجِيلِ الاعْتِرافِ بِما وبَّخُوهم عَلَيْهِ وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.
وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّها اعْتِراضٌ، ولِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ
صفحة ٢٦
جَوابُهم جَوابَ المُتَحَسِّرِ المُتَنَدِّمِ، فابْتَدَءُوا الجَوابَ دُفْعَةً بِحَرْفِ بَلى المُفِيدُ نَقِيضَ النَّفْيِ في الاسْتِفْهامِ فَهو مُفِيدٌ مَعْنى: جاءَنا نَذِيرٌ. ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ بَلى، وهو مِن تَكْرِيرِ الكَلامِ عِنْدَ التَّحَسُّرِ، مَعَ زِيادَةِ التَّحْقِيقِ بِ (قَدْ) وذَلِكَ التَّأْكِيدُ هو مَناطُ النَّدامَةِ والاعْتِرافِ بِالخَطَإ
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ الأظْهَرُ أنَّها بَقِيَّةُ كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ ما سَبَقَها مِن كَلامِهِمُ اعْتِراضُ جَوابِ الفَوْجِ المُوَجَّهِ إلَيْهِمُ الاسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِيُّ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، ويُؤَيِّدُ هَذا إعادَةُ فِعْلِ القَوْلِ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ الفَوْجِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ [الملك: ١٠] إلَخْ، لِانْقِطاعِهِ بِالاعْتِراضِ الواقِعِ خِلالَ حِكايَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ كُلِّ فَوْجٍ لِنَذِيرِهِمْ. وأُتِيَ بِضَمِيرِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ رَسُولًا واحِدًا في الغالِبِ بِاسْتِثْناءِ مُوسى وهارُونَ وبِاسْتِثْناءِ رُسُلِ أصْحابِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ يس، أمّا عَلى اعْتِبارِ الحِكايَةِ بِالمَعْنى بِأنْ جُمِعَ كَلامُ جَمِيعِ الأفْواجِ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ فَجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ والمُرادُ التَّوْزِيعُ عَلى الأفْواجِ، أيْ قالَ جَمِيعُ الأفْواجِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾)، عَلى طَرِيقَةِ المِثالِ المَشْهُورِ ”رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم“، وأمّا عَلى إرادَةِ شُمُولِ الضَّمِيرِ لِلنَّذِيرِ وأتْباعِهِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما جاءَ بِهِ.
وعُمُومُ (شَيْءٍ) في قَوْلِهِ ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ والمُرادُ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ التَّنْزِيلِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُحِيلُونَ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ وحْيًا عَلى بَشَرٍ، وهَذِهِ شَنْشَنَةُ أهْلِ الكُفْرِ قالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] قَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ الأنْعامِ.
ووَصْفُ الضَّلالِ بِ (كَبِيرٍ) مَعْناهُ شَدِيدٌ بالِغٌ غايَةَ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ جِنْسُهُ حَتّى كَأنَّهُ جِسْمٌ كَبِيرٌ.
ومَعْنى القَصْرِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ والاسْتِثْناءِ في (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾) قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ ما حالُكُمُ الَّتِي أنْتُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِها إلّا الضَّلالُ، ولَيْسَ الوَحْيُ الإلَهِيُّ والهُدى كَما تَزْعُمُونَ.
صفحة ٢٧
والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ لِتَشْبِيهِهِمْ تَمَحُّضَهم لِلضَّلالِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
الملك 67:10
﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا كَلامٌ آخَرُ غَيْرَ الَّذِي وقَعَ جَوابًا عَلى سُؤالِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ وإنَّما هَذا قَوْلٌ قالُوهُ في مَجامِعِهِمْ في النّارِ تَحَسُّرًا وتَنَدُّمًا، أيْ وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ في النّارِ فَهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] إلَخْ. لِتَأْكِيدِ الإخْبارِ عَلى حَسَبِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩]) .
وذَكَرُوا ما يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ السَّمْعِ والعَقْلِ عَنْهم في الدُّنْيا، وهم يُرِيدُونَ سَمْعًا خاصًّا وعَقْلًا خاصًّا، فانْتِفاءُ السَّمْعِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ تَلَقِّي دَعْوَةِ الرُّسُلِ مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] وانْتِفاءُ العَقْلِ بِتَرْكِ التَّدَبُّرِ في آياتِ الرُّسُلِ ودَلائِلِ صِدْقِهِمْ فِيما يَدْعُونَ إلَيْهِ.
ولا شَكَّ أنَّ أقَلَّ النّاسِ عَقْلًا المُشْرِكُونَ لِأنَّهم طَرَحُوا ما هو سَبَبُ نَجاتِهِمْ لِغَيْرِ مُعارِضٍ يُعارِضُهُ في دِينِهِمْ؛ إذْ لَيْسَ في دِينِ أهْلِ الشِّرْكِ وعِيدٌ عَلى ما يُخالِفُ الشِّرْكَ مِن مُعْتَقَداتٍ، ولا عَلى ما يُخالِفُ أعْمالَ أهْلِهِ مِنَ الأعْمالِ، فَكانَ حُكْمُ العَقْلِ قاضِيًا بِأنْ يَتَلَقَّوْا ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرُّسُلُ مِنَ الإنْذارِ لِلْامْتِثالِ؛ إذْ لا مُعارِضَ لَهُ في دِينِهِمْ لَوْلا الإلْفُ والتَّكَبُّرُ بِخِلافِ حالِ أهْلِ الأدْيانِ أتْباعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ كانُوا عَلى دِينٍ فَهم يَخْشَوْنَ إنْ أهْمَلُوهُ أنْ لا يُغْنِيَ عَنْهُمُ الدِّينُ الجَدِيدُ شَيْئًا فَكانُوا إلى المَعْذِرَةِ أقْرَبُ لَوْلا أنَّ الأدِلَّةَ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا﴾ [الطور: ٣٢] مِن سُورَةِ الطُّورِ عَنْ كِتابِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ أنَّهُ أخْرَجَ حَدِيثًا ( «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أعْقَلَ فُلانًا النَّصْرانِيَّ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ مَهْ، إنَّ الكافِرَ لا عَقْلَ لَهُ أما سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ»﴾ قالَ وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَزَجَرَهُ النَّبِيءُ ﷺ وقالَ: مَهْ، إنَّ العاقِلَ مَن يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ» ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ فِيما رَأيْتُ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ السُّيُوطِيُّ في التَّفْسِيرِ بِالمَأْثُورِ في سُورَةِ الطُّورِ ولا في سُورَةِ المُلْكِ.
صفحة ٢٨
ويُؤْخَذُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قِوامَ الصَّلاحِ في حُسْنِ التَّلَقِّي وحُسْنِ النَّظَرِ وأنَّ الأثَرَ والنَّظَرَ، أيِ القِياسُ هُما أصْلا الهُدى، ومِنَ العَجِيبِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ لَوْ كُنّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الحَدِيثِ أوْ عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ الرَّأْيِ. ولَمْ أقِفْ عَلى تَعْيِينِ مَن فَسَّرَ الآيَةَ بِهَذا ولا أحْسُبُهُ إلّا مِن قَبِيلِ الاسْتِرْواحِ.
و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ وهو تَقْسِيمٌ بِاعْتِبارِ نَوْعَيِ الأحْوالِ الَّتِي تَقْتَضِي حُسْنَ الاسْتِماعِ تارَةً إذا أُلْقِيَ إلَيْها إرْشادٌ، وحُسْنَ التَّفَهُّمِ والنَّظَرِ تارَةً إذا دُعِيَتْ إلى النَّظَرِ مِن داعٍ غَيْرِ أنْفُسِها، أوْ مِن دَواعِي أنْفُسِها، قالَ تَعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُوا الألْبابِ﴾ [الزمر: ١٨] .
ووَجْهُ تَقْدِيمِ السَّمْعِ عَلى العَقْلِ بِمَنزِلَةِ الكُلِّيِّ والسَّمْعُ بِمَنزِلَةِ الجُزْئِيِّ ورَعْيًا لِلتَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ؛ لِأنَّ سَمْعَ دَعْوَةِ النَّذِيرِ هو أوَّلُ ما يَتَلَقّاهُ المُنْذَرُونَ، ثُمَّ يُعْمِلُونَ عُقُولَهم في التَّدْبِيرِ فِيها.
الملك 67:11
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحَبِ السَّعِيرِ﴾ الفاءُ الأُولى فَصِيحَةٌ، والتَّقْدِيرُ: إذْ قالُوا ذَلِكَ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُمُ اعْتَرَفُوا هُنالِكَ بِذَنْبِهِمْ، أيْ فَهم مَحْقُوقُونَ بِما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ.
والسُّحْقُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مَعْناهُ البُعْدُ، وهو هُنا نائِبٌ عَنِ الإسْحاقِ لِأنَّهُ دُعاءٌ بِالإبْعادِ فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ، أيْ أسْحَقَهُمُ اللَّهُ إسْحاقًا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِن هَذا الدُّعاءِ التَّعَجُّبُ مِن حالِهِمْ كَما يُقالُ: قاتَلَهُ اللَّهُ، ووَيْلٌ لَهُ، في مَقامِ التَّعَجُّبِ.
والفاءُ الثّانِيَةُ لِلتَّسَبُّبِ، أيْ فَهم جَدِيرُونَ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالإبْعادِ أوْ جَدِيرُونَ بِالتَّعَجُّبِ مِن بُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ أوْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يُقالَ لَهم يَوْمَ الحِسابِ عَقِبَ اعْتِرافِهِمْ، تَنْدِيمًا يَزِيدُهم ألَمًا في نُفُوسِهِمْ فَوْقَ ألَمِ الحَرِيقِ في جُلُودِهِمْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (سُحْقًا) لامُ التَّقْوِيَةِ إنْ جُعِلَ (سُحْقًا) دُعاءً عَلَيْهِمْ بِالإبْعادِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ فَرْعٌ في العَمَلِ في الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ التَّبْيِينِ
صفحة ٢٩
لِآياتِهِ، تَعَلُّقُ العامِلِ بِمَعْمُولِهِ كَقَوْلِهِمْ: شُكْرًا لَكَ، فَكُلٌّ مِن (سُحْقًا) واللّامِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ.
و(أصْحابِ السَّعِيرِ) يَعُمُّ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وغَيْرَهم فَكانَ هَذا الدُّعاءُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ تَبَعًا لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَسُحْقًا) بِسُكُونِ الحاءِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الحاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ وذَلِكَ لِاتِّباعِ ضَمَّةِ السِّينِ.
الملك 67:12
﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِراضٌ يُفِيدُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جاءَ عَلى سُنَنِ أسالِيبِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ الرَّهْبَةِ بِالرَّغْبَةِ، فَلَمّا ذَكَرَ ما أُعِدَّ لِلْكافِرِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أعْقَبَهُ بِما أُعِدَّ لِلَّذِينِ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ مِنَ المَغْفِرَةِ والثَّوابِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم يَتَرَقَّبُونَ ما يُمَيِّزُهم عَنْ أحْوالِ المُشْرِكِينَ.
وقَدَّمَ المَغْفِرَةَ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَخْشَوْنَ المُؤاخَذَةَ عَلى ما فَرُطَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ قَبْلَ الإسْلامِ ومِنَ اللَّمَمِ ونَحْوِهِ، ثُمَّ أُعْقِبَتْ بِالبِشارَةِ بِالأجْرِ العَظِيمِ، فَكانَ الكَلامُ جارِيًا عَلى قانُونِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ، أوْ تَقْدِيمِ دَفْعِ الضُّرِّ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ، والوَصْفُ بِالكَبِيرِ بِمَعْنى العَظِيمِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٩] .
وتَنْكِيرُ (مَغْفِرَةٌ) لِلتَّعْظِيمِ بِقَرِينَةِ مُقارَنَتِهِ بِ (﴿أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: ٧]) وبِقَرِينَةِ التَّقْدِيمِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ في جُمْلَةِ (﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾) لِيَتَأتّى تَنْكِيرُ المُبْتَدَإ، ولِإفادَةِ الاهْتِمامِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ وهي نُكَتٌ كَثِيرَةٌ.
الملك 67:13
﴿وأسِرُّواْ قَوْلَكم أوِ اجْهَرُواْ بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ، وهو انْتِقالٌ إلى غَرَضٍ آخَرَ لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ أقْوالِهِمْ في الآخِرَةِ بِذِكْرِ أقْوالِهِمْ في الدُّنْيا وهي الأقْوالُ الَّتِي
صفحة ٣٠
كانَتْ تَصْدُرُ مِنهم بِالنَّيْلِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانَ اللَّهُ يُطْلِعُهُ عَلى أقْوالِهِمْ فَيُخْبِرُهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّكم قُلْتُمْ كَذا وكَذا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أسِرُّواْ قَوْلَكم كَيْ لا يَسْمَعَهُ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وصِيغَةُ الأمْرِ في (أسِرُّواْ) و(اجْهَرُواْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]، وهَذا غالِبُ أحْوالِ صِيغَةِ افْعَلْ إذا جاءَتْ مَعَها (أوْ) عاطِفَةُ نَقِيضِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ عَلى نَقِيضِهِ.
فَنَقُولُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّسْوِيَةِ المُسْتَفادَةِ مِن صِيغَةِ الأمْرِ بِقَرِينَةِ المَقامِ وسَبَبِ النُّزُولِ، أيْ فَسَواءٌ في عِلْمِ اللَّهِ الإسْرارُ والإجْهارُ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِما يَخْتَلِجُ في صُدُورِ النّاسِ بَلْهَ ما يُسِرُّونَ بِهِ مِنَ الكَلامِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِوَصْفِ عَلِيمٍ؛ إذِ العَلِيمُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ وهو القَوِيُّ عِلْمُهُ.
وضَمِيرُ (إنَّهُ) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى المَعْلُومُ مِنَ المَقامِ، ولا مَعادَ في الكَلامِ يَعُودُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ الاسْمَ الَّذِي في جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢] لا يَكُونُ مَعادًا لِكَلامٍ آخَرَ.
و(ذاتِ الصُّدُورِ) ما يَتَرَدَّدُ في النَّفْسِ مِنَ الخَواطِرِ والتَّقادِيرِ والنَّوايا عَلى الأعْمالِ. وهو مُرَكَّبٌ مِن (ذاتِ) الَّتِي هي مُؤَنَّثُ (ذُو) بِمَعْنى صاحِبٍ، والصُّدُورُ بِمَعْنى العُقُولِ وشَأْنُ (ذُو) أنْ يُضافَ إلى ما فِيهِ رِفْعَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بِأنْ يَسْألَ سائِلٌ مِنهم: كَيْفَ يَعْلَمُ ذاتَ الصُّدُورِ ؟ والمَعْرُوفُ أنَّ ما في نَفْسِ المَرْءِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ نَفْسِهِ ؟ فَأُجِيبُواْ بِإنْكارِ انْتِفاءِ عِلْمِهِ تَعالى بِما في الصُّدُورِ، فَإنَّهُ خالِقُ أصْحابِ تِلْكَ الصُّدُورِ، فَكَما خَلَقَهم وخَلَقَ نُفُوسَهم جَعَلَ اتِّصالًا لِتَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِما يَخْتَلِجُ فِيها ولَيْسَ ذَلِكَ بِأعْجَبَ مِن عِلْمِ أصْحابِ الصُّدُورِ بِما يَدُورُ في خَلَدِها، فالإتْيانُ بِ (مَن) المَوْصُولَةِ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ بِالصِّلَةِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) مَفْعُولَ (يَعْلَمُ)، فَيَكُونُ (يَعْلَمُ) و(خَلَقَ) رافِعَيْنِ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾)، فَيَكُونُ (مَن) المَوْصُولَةُ صادِقَةً عَلى المَخْلُوقِينَ وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ؛ لِأنَّهُ ضَمِيرُ نَصْبٍ يَكْثُرُ حَذْفُهُ. والتَّقْدِيرُ: مَن خَلَقَهم.
صفحة ٣١
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) فاعِلَ (يَعْلَمُ) والمُرادُ اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَعْلَمُ) لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ . والتَّقْدِيرُ: ألا يَعْلَمُ خالِقُكم سِرَّكَمْ وجَهْرَكم وهو المَوْصُوفُ بِلَطِيفٍ خَبِيرٍ.
والعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ النّاسِ وأحْوالِهِمْ؛ لِأنَّ الخَلْقَ إيجادٌ وإيجادُ الذَّواتِ عَلى نِظامٍ مَخْصُوصٍ دالٌّ عَلى إرادَةِ ما أُودِعَ فِيهِ مِنَ النِّظامِ وما يَنْشَأُ عَنْ قُوى ذَلِكَ النِّظامِ، فالآيَةُ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ عَلْمِهِ تَعالى ولا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّهُ تَعالى خالِقُ أفْعالِ العِبادِ لِلْانْفِكاكِ الظّاهِرِ بَيْنَ تَعَلُّقِ العِلْمِ وتَعَلُّقِ القُدْرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ الأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ لِتُفِيدَ تَعْلِيمًا لِلنّاسِ بِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِذَواتِ الكائِناتِ وأحْوالِها، فَبَعْدَ أنْ أنْكَرَ ظَنَّهُمُ انْتِفاءً عَلى اللَّهِ بِما يُسِرُّونَ، أعْلَمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ وما هو أخْفى مِنَ الإسْرارِ مِنَ الأحْوالِ.
واللَّطِيفُ: العالِمُ بِخَبايا الأُمُورِ والمُدَبِّرُ لَها بِرِفْقٍ وحِكْمَةٍ.
والخَبِيرُ: العَلِيمُ الَّذِي لا تَعْزُبُ عَنْهُ الحَوادِثُ الخَفِيَّةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُخْبِرَ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا بِحُدُوثِها فَلِذَلِكَ اشْتُقَّ هَذا الوَصْفُ مِن مادَّةِ الخَبَرِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في الأنْعامِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] في سُورَةِ لُقْمانَ.
الملك 67:14
﴿وأسِرُّواْ قَوْلَكم أوِ اجْهَرُواْ بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ، وهو انْتِقالٌ إلى غَرَضٍ آخَرَ لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ أقْوالِهِمْ في الآخِرَةِ بِذِكْرِ أقْوالِهِمْ في الدُّنْيا وهي الأقْوالُ الَّتِي
صفحة ٣٠
كانَتْ تَصْدُرُ مِنهم بِالنَّيْلِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانَ اللَّهُ يُطْلِعُهُ عَلى أقْوالِهِمْ فَيُخْبِرُهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّكم قُلْتُمْ كَذا وكَذا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أسِرُّواْ قَوْلَكم كَيْ لا يَسْمَعَهُ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وصِيغَةُ الأمْرِ في (أسِرُّواْ) و(اجْهَرُواْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]، وهَذا غالِبُ أحْوالِ صِيغَةِ افْعَلْ إذا جاءَتْ مَعَها (أوْ) عاطِفَةُ نَقِيضِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ عَلى نَقِيضِهِ.
فَنَقُولُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّسْوِيَةِ المُسْتَفادَةِ مِن صِيغَةِ الأمْرِ بِقَرِينَةِ المَقامِ وسَبَبِ النُّزُولِ، أيْ فَسَواءٌ في عِلْمِ اللَّهِ الإسْرارُ والإجْهارُ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِما يَخْتَلِجُ في صُدُورِ النّاسِ بَلْهَ ما يُسِرُّونَ بِهِ مِنَ الكَلامِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِوَصْفِ عَلِيمٍ؛ إذِ العَلِيمُ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ وهو القَوِيُّ عِلْمُهُ.
وضَمِيرُ (إنَّهُ) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى المَعْلُومُ مِنَ المَقامِ، ولا مَعادَ في الكَلامِ يَعُودُ إلَيْهِ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ الاسْمَ الَّذِي في جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢] لا يَكُونُ مَعادًا لِكَلامٍ آخَرَ.
و(ذاتِ الصُّدُورِ) ما يَتَرَدَّدُ في النَّفْسِ مِنَ الخَواطِرِ والتَّقادِيرِ والنَّوايا عَلى الأعْمالِ. وهو مُرَكَّبٌ مِن (ذاتِ) الَّتِي هي مُؤَنَّثُ (ذُو) بِمَعْنى صاحِبٍ، والصُّدُورُ بِمَعْنى العُقُولِ وشَأْنُ (ذُو) أنْ يُضافَ إلى ما فِيهِ رِفْعَةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بِأنْ يَسْألَ سائِلٌ مِنهم: كَيْفَ يَعْلَمُ ذاتَ الصُّدُورِ ؟ والمَعْرُوفُ أنَّ ما في نَفْسِ المَرْءِ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ نَفْسِهِ ؟ فَأُجِيبُواْ بِإنْكارِ انْتِفاءِ عِلْمِهِ تَعالى بِما في الصُّدُورِ، فَإنَّهُ خالِقُ أصْحابِ تِلْكَ الصُّدُورِ، فَكَما خَلَقَهم وخَلَقَ نُفُوسَهم جَعَلَ اتِّصالًا لِتَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِما يَخْتَلِجُ فِيها ولَيْسَ ذَلِكَ بِأعْجَبَ مِن عِلْمِ أصْحابِ الصُّدُورِ بِما يَدُورُ في خَلَدِها، فالإتْيانُ بِ (مَن) المَوْصُولَةِ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ بِالصِّلَةِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) مَفْعُولَ (يَعْلَمُ)، فَيَكُونُ (يَعْلَمُ) و(خَلَقَ) رافِعَيْنِ ضَمِيرَيْنِ عائِدَيْنِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾)، فَيَكُونُ (مَن) المَوْصُولَةُ صادِقَةً عَلى المَخْلُوقِينَ وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ؛ لِأنَّهُ ضَمِيرُ نَصْبٍ يَكْثُرُ حَذْفُهُ. والتَّقْدِيرُ: مَن خَلَقَهم.
صفحة ٣١
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن خَلَقَ) فاعِلَ (يَعْلَمُ) والمُرادُ اللَّهُ تَعالى، وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَعْلَمُ) لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ . والتَّقْدِيرُ: ألا يَعْلَمُ خالِقُكم سِرَّكَمْ وجَهْرَكم وهو المَوْصُوفُ بِلَطِيفٍ خَبِيرٍ.
والعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ النّاسِ وأحْوالِهِمْ؛ لِأنَّ الخَلْقَ إيجادٌ وإيجادُ الذَّواتِ عَلى نِظامٍ مَخْصُوصٍ دالٌّ عَلى إرادَةِ ما أُودِعَ فِيهِ مِنَ النِّظامِ وما يَنْشَأُ عَنْ قُوى ذَلِكَ النِّظامِ، فالآيَةُ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ عَلْمِهِ تَعالى ولا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّهُ تَعالى خالِقُ أفْعالِ العِبادِ لِلْانْفِكاكِ الظّاهِرِ بَيْنَ تَعَلُّقِ العِلْمِ وتَعَلُّقِ القُدْرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ الأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ لِتُفِيدَ تَعْلِيمًا لِلنّاسِ بِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِذَواتِ الكائِناتِ وأحْوالِها، فَبَعْدَ أنْ أنْكَرَ ظَنَّهُمُ انْتِفاءً عَلى اللَّهِ بِما يُسِرُّونَ، أعْلَمَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ وما هو أخْفى مِنَ الإسْرارِ مِنَ الأحْوالِ.
واللَّطِيفُ: العالِمُ بِخَبايا الأُمُورِ والمُدَبِّرُ لَها بِرِفْقٍ وحِكْمَةٍ.
والخَبِيرُ: العَلِيمُ الَّذِي لا تَعْزُبُ عَنْهُ الحَوادِثُ الخَفِيَّةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُخْبِرَ النّاسُ بَعْضَهم بَعْضًا بِحُدُوثِها فَلِذَلِكَ اشْتُقَّ هَذا الوَصْفُ مِن مادَّةِ الخَبَرِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في الأنْعامِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] في سُورَةِ لُقْمانَ.
الملك 67:15
﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا فامْشُواْ في مَناكِبِها وكُلُوا مِن رِزْقِهِ وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ اسْتِئْنافٌ فِيهِ عَوْدٌ إلى الاسْتِدْلالِ، وإدْماجٌ لِلْامْتِنانِ، فَإنَّ خَلْقَ الأرْضِ الَّتِي تَحْوِي النّاسَ عَلى وجْهِها أدَلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلِمِهِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ إذْ ما الإنْسانُ إلّا جُزْءٌ مِنَ الأرْضِ أوْ كَجُزْءٍ مِنها قالَ تَعالى ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ [طه: ٥٥]، فَلَمّا ضَرَبَ لَهم بِخَلْقِ أنْفُسِهِمْ دَلِيلًا عَلى عِلْمِهِ الدّالِّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ شَفَعَهُ بِدَلِيلِ خَلْقِ الأرْضِ الَّتِي هم عَلَيْها، مَعَ المِنَّةِ بِأنَّهُ خَلَقَها هَيِّنَةً لَهم صالِحَةً لِلسَّيْرِ فِيها مُخْرِجَةً لِأرْزاقِهِمْ، وذَيَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ النُّشُورَ مِنها وأنَّ النُّشُورَ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ.
والذَّلُولُ مِنَ الدَّوابِّ المُنْقادَةُ المُطاوِعَةُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّلِّ وهو الهَوانُ والانْقِيادُ،
صفحة ٣٢
فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] الآيَةَ، في سُورَةِ البَقَرَةِ، فاسْتُعِيرَ الذَّلُولُ لِلْأرْضِ في تَذْلِيلِ الانْتِفاعِ بِها مَعَ صَلابَةِ خَلْقِها تَشْبِيهًا بِالدّابَّةِ المَسُوسَةِ المُرْتاضَةِ بَعْدَ الصُّعُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ المُصَرَّحَةِ.
والمَناكِبُ: تَخْيِيلٌ لِلْاسْتِعارَةِ لِزِيادَةِ بَيانِ تَسْخِيرِ الأرْضِ لِلنّاسِ فَإنَّ المَنكَبَ هو مُلْتَقى الكَتِفِ مَعَ العَضُدِ، جَعَلَ المَناكِبَ اسْتِعارَةً لِأطْرافِ الأرْضِ أوْ لِسَعَتِها.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الاسْتِعارَةِ الأمْرُ في ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ فَصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الإدامَةِ تَذْكِيرًا بِما سَخَّرَ اللَّهُ لَهم في المَشْيِ في الأرْضِ امْتِنانًا بِذَلِكَ.
ومُناسَبَةُ ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ أنَّ الرِّزْقَ مِنَ الأرْضِ. والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإدامَةِ أيْضًا لِلْامْتِنانِ، وبِذَلِكَ تَمَّتِ اسْتِعارَةُ الذَّلُولَ لِلْأرْضِ؛ لِأنَّ فائِدَةَ تَذْلِيلِ الذَّلُولِ رُكُوبُها والأكْلُ مِنها. فالمَشْيُ عَلى الأرْضِ شَبِيهٌ بِرُكُوبِ الذَّلُولِ، والأكْلُ مِمّا تُنْبِتُهُ الأرْضُ شَبِيهٌ بِأكْلِ الألْبانِ والسَّمْنِ وأكْلِ العُجُولِ والخِرْفانِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وجَمْعُ المَناكِبِ تَجْرِيدٌ لِلْاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الذَّلُولَ لَها مِنكِبانِ والأرْضُ ذاتُ مُتَّسَعاتٍ كَثِيرَةٍ.
وكُلُّ هَذا تَذْكِيرٌ بِشَواهِدِ الرُّبُوبِيَّةِ والإنْعامِ لِيَتَدَبَّرُوا فَيَتْرُكُوا العِنادَ، قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١] .
وأمّا عَطْفُ ﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ فَهو تَتْمِيمٌ وزِيادَةٌ عَبَّرَ استطرون لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الأرْضِ فَإنَّها مَثْوى النّاسِ بَعْدَ المَوْتِ.
والمَعْنى: إلَيْهِ النُّشُورُ مِنها، وذَلِكَ يَقْتَضِي حَذْفًا، أيْ وفِيها تَعُودُونَ.
وتَعْرِيفُ النُّشُورِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَعُمُّ أيْ كُلُّ نُشُورٍ، ومِنهُ نُشُورُ المُخاطَبِينَ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ جُزْأيْ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الأصْنامَ خَلَقَتِ الأرْضَ؛ لِأنَّ اعْتِقادَهم إلَهِيَّتِها يَقْتَضِي إلْزامَهم بِهَذا الظَّنِّ الفاسِدِ وإنْ لَمْ يَقُولُوهُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في جُمْلَةِ (﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾) لِلْاهْتِمامِ.
ومُناسَبَةُ ذِكْرِ النُّشُورِ هو ذِكْرُ خَلْقِ الأرْضِ فَإنَّ البَعْثَ يَكُونُ مِنَ الأرْضِ.
الملك 67:16
صفحة ٣٣
﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ انْتِقالٌ مِنَ الاسْتِدْلالِ إلى التَّخْوِيفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ خالِقُ الأرْضِ ومُذَلِّلُها لِلنّاسِ وتَقَرَّرَ أنَّهم ما رَعَوْا خالِقَها حَقَّ رِعايَتِهِ فَقَدِ اسْتَحَقُّوا غَضَبَهُ وتَسْلِيطَ عِقابِهِ بِأنْ يُصَيِّرَ مَشْيِهِمْ في مَناكِبِ الأرْضِ إلى تَجَلْجُلٍ في طَبَقاتِ الأرْضِ. فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ والاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ.
و(مَن) اسْمٌ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ صادِقٌ عَلى مَوْجُودٍ ذِي إدْراكٍ كائِنٍ في السَّماءِ. وظاهِرُ وُقُوعِ هَذا المَوْصُولِ عَقِبَ جُمَلِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] إلى قَوْلِهِ (﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]) أنَّ الإتْيانَ بِالمَوْصُولِ مِن قَبِيلِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ أأمِنتُمُوهُ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ؛ فَيَتَأتّى أنَّ الإتْيانَ بِالمَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن عَظِيمِ تَصَرُّفِهِ في العالَمِ العُلْوِيِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ القُوى والعَناصِرَ وعَجائِبَ الكائِناتِ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ ﴿مَن في السَّماءِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ الَّذِي يُعْطِي ظاهِرُهُ مَعْنى الحُلُولِ في مَكانٍ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ، ويَجِيءُ فِيهِ ما في أمْثالِهِ مِن طَرِيقَتَيِ التَّفْوِيضِ لِلسَّلَفِ والتَّأْوِيلِ لِلْخَلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.
وقَدْ أوَّلُوهُ بِمَعْنى: مَن في السَّماءِ عَذابُهُ أوْ قُدْرَتُهُ أوْ سُلْطانُهُ عَلى نَحْوِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وأمْثالِهِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِالسَّماءِ؛ لِأنَّ إثْباتَهُ لِلَّهِ تَعالى يَنْفِيهِ عَنْ أصْنامِهِمْ.
ولَكِنَّ هَذا المَوْصُولَ غَيْرُ مَكِينٍ في بابِ المُتَشابِهِ؛ لِأنَّهُ مُجْمَلٌ قابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِما يَحْتَمِلُهُ (مَن) أنْ يَكُونَ ماصْدَقُهُ مَخْلُوقاتٍ ذاتَ إدْراكٍ مَقَرُّها السَّماءُ وهي المَلائِكَةُ فَيَصِحُّ أنْ تَصْدُقَ (مَن) عَلى طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ في السَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِاسْمِ المَوْصُولِ مَلَكٌ واحِدٌ مُعَيَّنٌ وظِيفَتُهُ فِعْلُ هَذا الخَسْفِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَذابِ.
وإسْنادُ فِعْلِ (يَخْسِفَ) إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى واحِدٍ مِنهم حَقِيقَةٌ لِأنَّهُ
صفحة ٣٤
فاعِلُ الخَسْفِ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ المَلائِكَةِ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُوا أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] إلى ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٣٤] .
وإفْرادُ ضَمِيرِ يَخْسِفَ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) إذا أُرِيدَ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مُراعاةٌ لِلَّفْظِ والمَعْنى إذا كانَ ماصَدَقَ (مَن) مَلَكًا واحِدًا.
والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ رَبَّهم كَأنَّهم آمِنُونَ مِن أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ مَلائِكَتَهُ بِأنْ يَخْسِفُوا الأرْضَ بِالمُشْرِكِينَ.
والخَسْفُ: انْقِلابُ ظاهِرِ السَّطْحِ مِن بَعْضِ الأرْضِ باطِنًا وباطِنُهُ ظاهِرًا وهو شِدَّةُ الزِّلْزالِ.
وفِعْلُ خَسَفَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا وهو مِن بابِ ضَرَبَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾ [النحل: ٤٥] سُورَةِ النَّحْلِ.
والباءُ في قَوْلِهِ (بِكُمُ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ يَخْسِفُ الأرْضَ مُصاحِبَةً لِذَواتِكم. وفي الجَمْعِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ﴿أنْ يَخْسِفَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ الخَسْفَ مِن شَأْنِ مَن في السَّماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو مُطَّرِدٌ مَعَ (أنْ)، والخافِضُ المَحْذُوفُ حَرْفُ (مِن) .
وفُرِّعَ عَلى الخَسْفِ المُتَوَقَّعِ المُهَدَّدِ بِهِ أنْ تَمُورَ الأرْضُ تَفْرِيعَ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ؛ لِأنَّ الخَسْفَ يُحْدِثُ المَوْرَ، فَإذا خُسِفَتِ الأرْضُ فاجَأها المَوْرُ لا مَحالَةَ، لَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ جَرى عَلى ما يُناسِبُ جَعْلَ التَّهْدِيدِ بِمَنزِلَةِ حادِثٍ وقَعَ فَلِذَلِكَ جِيءَ بَعْدَهُ بِالحَرْفِ الدّالِّ عَلى المُفاجَأةِ؛ لِأنَّ حَقَّ المُفاجَأةِ أنْ تَكُونَ حاصِلَةً زَمَنَ الحالِ لا الاسْتِقْبالِ كَما في مُغْنِيِ اللَّبِيبِ فَإذا أُرِيدَ تَحْقِيقُ حُصُولِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الواقِعِ في الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، وإذا أُرِيدَ اسْتِحْضارُ حالَةَ فِعْلٍ حَصَلَ فِيما مَضى نُزِّلَ كَذَلِكَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ في الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ [يونس: ٢١] فَكانَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ مُؤْذِنًا بِتَشْبِيهِ حالَةِ الخَسْفِ المُتَوَقَّعِ المُهَدَّدِ بِهِ بِحالَةِ خَسْفٍ حَصَلَ بِجامِعِ التَّحَقُّقِ كَما قالُوا في التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ
صفحة ٣٥
الماضِي، وحُذِفَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها ورُمِزَ إلَيْهِ بِما هو مِن آثارِهِ ويَتَفَرَّعُ عَنْهُ فَكانَ في الكَلامِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ.
والمَوْرُ: الارْتِجاجُ والاضْطِرابُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] في سُورَةِ الطُّورِ.
الملك 67:17
﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أمْ لْإضْرابِ الانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، وهو انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ إلى آخَرَ مِثْلِهِ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الأثَرَيْنِ الصّادِرَيْنِ عَنْ مَفْعُولِ الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اخْتِلافًا يُوجِبُ تَفاوُتًا بَيْنَ كُنْهَيِ الفِعْلَيْنِ وإنْ كانا مُتَّحِدَيْنِ في الغايَةِ، فالاسْتِفْهامُ الأوَّلُ إنْكارٌ عَلى أمْنِهِمُ الَّذِي في السَّماءِ مِن أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا أرْضِيًّا.
والاسْتِفْهامُ الواقِعُ مِن أمْ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْمَنُواْ مِن أنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ حاصِبٌ، وذَلِكَ أمْكَنُ لِمَن في السَّماءِ وأشَدُّ وقْعًا عَلى أهْلِ الأرْضِ. والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ﴿مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَها ما يُغْنِي عَنْهُ.
وتَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ عَلى الاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَتَفْرِيعِ جُمْلَةِ فَإذا هي تَمُورُ أيْ فَحِينَ يُخْسَفُ بِكم أوْ يُرْسَلُ عَلَيْهِمْ حاصِبٌ تَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِي، وحَرْفُ التَّنْفِيسِ حَقُّهُ الدُّخُولُ عَلى الأخْبارِ الَّتِي سَتَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وإرْسالُ الحاصِبِ غَيْرُ مُخْبَرٍ بِحُصُولِهِ وإلّا لَما تَخَلَّفَ لِأنَّ خَبَرَ اللَّهِ لا يَتَخَلَّفُ، وإنَّما هو تَهْدِيدٌ وتَحْذِيرٌ فَإنَّهم رُبَّما آمَنُواْ وأقْلَعُواْ فَسَلِمُواْ مِن إرْسالِ الحاصِبِ عَلَيْهِمْ ولَكِنْ لَمّا أُرِيدَ تَحْقِيقُ هَذا التَّهْدِيدِ شُبِّهَ بِالأمْرِ الَّذِي وقَعَ فَكانَ تَفْرِيعُ صِيغَةِ الإخْبارِ عَلى هَذا مُؤْذِنًا بِتَشْبِيهِ المُهَدَّدِ بِهِ بِالأمْرِ الواقِعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ، وجُمْلَةُ فَسَتَعْلَمُونَ قَرِينَتُها؛ لِأنَّها مِن رَوادِفَ المُشَبَّهِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ.
و﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ اسْتِفْهامٌ مُعَلِّقٌ فِعْلَ (تَعْلَمُونَ) عَنِ العَمَلِ، وهو اسْتِفْهامٌ لِلتَّهْدِيدِ والتَّهْوِيلِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
صفحة ٣٦
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (نَذِيرِي) تَخْفِيفًا ولِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ.
والنَّذِيرُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْذارِ مِثْلُ النَّكِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ.
وقَدَّمَ التَّهْدِيدَ بِالخَسْفِ عَلى التَّهْدِيدِ بِالحاصِبِ لِأنَّ الخَسْفَ مِن أحْوالِ الأرْضِ، والكَلامُ عَلى أحْوالِها أقْرَبُ هُنا فَسَلَكَ شِبْهِ طَرِيقِ النَّشْرِ المَعْكُوسِ؛ ولِأنَّ إرْسالَ الحاصِبِ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى كُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي مِنها رِزْقُهم في الأرْضِ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] فَإنَّ مَنشَأ الأرْزاقِ الأرْضِيَّةِ مِن غُيُوثِ السَّماءِ قالَ تَعالى ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] .
الملك 67:18
﴿ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ بَعْدَ أنْ وجَّهَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الخِطابَ تَذْكِيرًا واسْتِدْلالًا وامْتِنانًا وتَهْدِيدًا وتَهْوِيلًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣] التَفَتَ عَنْ خِطابِهِمْ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِحالَةِ الغَيْبَةِ، تَعْرِيضًا بِالغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِما أتَوْهُ مِن كُلِّ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ، فَكانُوا جَدِيرِينَ بِإبْعادِهِمْ عِزَّ الحُضُورِ لِلْخِطابِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ولَمْ يَقْطَعْ تَوْجِيهِ التَّذْكِيرِ إلَيْهِمْ والوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَدَبَّرُونَ في أنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَّخِرْهم نُصْحًا.
فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ [الملك: ١٧] لِمُناسَبَةٍ أنَّ مِمّا عُوقِبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ مِن خَسْفٍ أوْ إرْسالِ حِجارَةٍ مِنَ السَّماءِ وهم قَوْمُ لُوطٍ، ومِنهم مَن خُسِفَ بِهِمْ مِثْلُ أصْحابِ الرَّسِّ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ لِلْحالِ، أيْ كَيْفَ تَأْمَنُونَ ذَلِكَ عِنْدَما تُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ في حالِ أنَّهُ قَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم فَهَلْ عَلِمْتُمْ ما أصابَهم عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلِ.
ضَرَبَ اللَّهُ لَهم مَثَلًا بِأُمَمٍ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَأصابَهم مِنَ الاسْتِئْصالِ ما قَدْ عَلِمُوا أخْبارَهُ لَعَلَّهم أنْ يَتَّعِظُوا بِقِياسِ التَّمْثِيلِ إنْ كانَتْ عُقُولُهم لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ الانْتِفاعِ بِأقْيِسَةِ الاسْتِنْتاجِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ عَرِفُوا آثارَ عادٍ وثَمُودَ وتَناقَلُوا أخْبارَ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الرَّسِّ وفُرِّعَ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا وتَنْكِيرِيًّا وهو كِنايَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ وأنَّهُ وقَعَ في حالِ فَظاعَةٍ.
صفحة ٣٧
وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِاللّامِ و(قَدْ) لِتَنْزِيلِ المُعَرَّضِ بِهِمْ مَنزِلَةِ مَن يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ عاقَبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ لِغَيْرِ جُرْمٍ أوْ لِجُرْمٍ غَيْرَ التَّكْذِيبِ. فَهو مُفَرَّعٌ عَلى المُؤَكَّدِ، فالمَعْنى: لَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَقَدْ كانَ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ.
ونَكِيرُ: أصْلُهُ نَكِيرِي بِالإضافَةِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ المَحْذُوفَةِ تَخْفِيفًا، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، والمَعْنى: كَيْفَ رَأيْتُمْ أثَرَ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ نَكِيرِي عَلَيْكم صائِرٌ بِكم إلى مِثْلِ ما صارَ بِهِمْ نَكِيرِي عَلَيْهِمْ.
والمُرادُ بِالنَّكِيرِ المُنْظَرُ بِنَكِيرِ اللَّهِ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ما أفادَهُ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ في قَوْلِهِ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] وقَوْلِهِ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ [الملك: ١٧] .
الملك 67:19
﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] اسْتِرْسالًا في الدَّلائِلِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في المَوْجُوداتِ، وقَدِ انْتَقَلَ مِن دَلالَةِ أحْوالِ البَشَرِ وعالَمِهِمْ، إلى دَلالَةِ أعْجَبِ أحْوالِ العَجْماواتِ وهي أحْوالُ الطَّيْرِ في نِظامِ حَرَكاتِها في حالِ طَيَرانِها؛ إذْ لا تَمْشِي عَلى الأرْضِ كَما هو في حَرَكاتِ غَيْرِها عَلى الأرْضِ، فَحالُها أقْوى دَلالَةً عَلى عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ المُنْفَرِدِ بِهِ.
واشْتَمَلَ التَّذْكِيرُ بِعَجِيبِ خَلْقِةِ الطَّيْرَ في طَيَرانِها عَلى ضَرْبٍ مِنَ الإطْنابِ لِأنَّ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ المُسْتَفادَةَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ تُصَوِّرُ صُورَةَ حَرَكاتِ الطَّيَرانِ لِلسّامِعِينَ فَتُنَبِّهُهم لِدَقائِقَ رُبَّما أغْفَلَهم عَنْ تَدْقِيقِ النَّظَرِ فِيها نَشْأتُهم بَيْنَها مِن وقْتِ ذُهُولِ الإدْراكِ في زَمَنِ الصِّبا، فَإنَّ المَرْءَ التُّونِسِيَّ أوِ المَغْرِبِيَّ مَثَلًا إذا سافَرَ إلى بِلادِ الهِنْدِ أوْ إلى بِلادِ السُّودانِ فَرَأى الفِيَلَةَ وهو مُكْتَمِلُ العَقْلِ دَقِيقُ التَّمْيِيزِ أدْرَكَ مِن دَقائِقِ خِلْقَةِ الفِيلِ ما لا يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الهِنْدِ النّاشِئِ بَيْنَ الفِيَلَةِ، وكَمْ غَفَلَ النّاسُ عَنْ دَقائِقَ في المَخْلُوقاتِ مِنَ الحَيَوانِ والجَمادِ ما لَوْ تَتَبَّعُوهُ لَتَجَلّى لَهم مِنها ما يَمْلَأُ وصْفُهُ الصُّحُفَ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، وقالَ ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
صفحة ٣٨
وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ مَن شاهَدَ البَحْرَ وهو كَبِيرٌ، ولَمْ يَكُنْ شاهَدَهُ مِن قَبْلُ، كَيْفَ امْتَلَكَهُ مِنَ العَجَبِ ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِمَّنْ ألِفُوهُ مِعْشارَهُ.
وهَذا الإطْنابُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُخالِفٌ لِما في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ النَّحْلِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] . وذَلِكَ بِحَسَبِ مااقْتَضاهُ اخْتِلافُ المَقامَيْنِ فَسُورَةُ النَّحْلِ رابِعَةٌ قَبْلَ سُورَةِ المُلْكِ، فَلَمّا أوْقَظَتْ عُقُولَهم فِيها لِلنَّظَرِ إلى ما في خِلْقَةِ الطَّيْرِ مِنَ الدَّلائِلِ فَلَمْ يَتَفَطَّنُوا وسُلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَسْلَكُ الإطْنابِ بِزِيادَةِ ذِكْرِ أوْصافٍ ثَلاثَةٍ: فالوَصْفُ الأوَّلُ: ما أفادَهُ قَوْلُهُ فَوْقَهم فَإنَّ جَمِيعَ الدَّوابِّ تَمْشِي عَلى الأرْضِ والطَّيْرَ كَذَلِكَ، فَإذا طارَ الطّائِرُ انْتَقَلَ إلى حالَةٍ عَجِيبَةٍ مُخالِفَةٍ لِبَقِيَّةِ المَخْلُوقاتِ وهي السَّيْرُ في الجَوِّ بِواسِطَةِ تَحْرِيكِ جَناحَيْهِ وذَلِكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا طائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ لِقَصْدِ تَصْوِيرِ تِلْكَ الحالَةِ.
والوَصْفُ الثّانِي: صافّاتٍ وهو وصْفٌ بِوَزْنِ اسْمِ الفاعِلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفِّ، وهو كَوْنُ أشْياءَ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَقارِبَةِ الأمْكِنَةِ وبِاسْتِواءَ، وهو قاصِرٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: صَفُّوا بِمَعْنى اصْطَفُّوا كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المَلائِكَةِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] وقالَ تَعالى في البُدْنِ ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] . ويُقالُ: صَفَّهم إذا جَعَلَهم مُسْتَوِينَ في المَوْقِفِ، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في الجَنائِزِ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَبْرٍ مَنبُوذٍ إلى قَوْلِهِ فَصَفَّنا خَلْفَهُ وكَبَّرَ.
والمُرادُ هُنا أنَّ الطَّيْرَ صافَّةٌ أجْنِحَتِها فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِعِلْمِهِ مِنَ الوَصْفِ الجارِي عَلى الطَّيْرِ إذْ لا تُجْعَلُ الطَّيْرُ أشْياءَ مَصْفُوفَةً إلّا رِيشَ أجْنِحَتِها عِنْدَ الطَّيَرانِ فالطّائِرُ إذا طارَ بَسَطَ جَناحَيْهِ، أيْ مَدَّها فَصَفَّ رِيشَ الجَناحِ فَإذا تَمَدَّدَ الجَناحُ ظَهَرَ رِيشُهُ مُصْطَفًّا فَكانَ ذَلِكَ الاصْطِفافُ مِن أثَرِ فِعْلِ الطَّيْرِ فَوُصِفَتْ بِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] في سُورَةِ النُّورِ. وبَسْطُ الجَناحَيْنِ يُمَكِّنُ الطّائِرَ مِنَ الطَّيَرانِ فَهو كَمَدِ اليَدَيْنِ لِلسّابِحِ في الماءِ.
الوَصْفُ الثّالِثُ: ويَقْبِضْنَ وهو عَطْفٌ عَلى صافّاتٍ مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الاسْمِ الشَّبِيهِ بِالفِعْلِ في الاشْتِقاقِ وإفادَةُ الاتِّصافِ بِحُدُوثِ المَصْدَرِ في فاعِلِهِ، فَلَمْ يَفُتْ بِعَطْفِهِ تَماثُلُ المَعْطُوفَيْنِ في الاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ الَّذِي هو مِن مُحَسِّناتِ الوَصْلِ.
صفحة ٣٩
والقَبْضُ: ضِدُّ البَسْطِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ضِدُّ الصَّفِّ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، إذْ كانَ ذَلِكَ الصَّفُّ صادِقًا عَلى مَعْنى البَسْطِ ومَفْعُولُهُ المَحْذُوفُ هُنا هو عَيْنُ المَحْذُوفِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ قابِضاتِ أجْنِحَتِهِنَّ حِينَ يُدْنِينَها مِن جُنُوبِهِنَّ لِلْازْدِيادِ مِن تَحْرِيكِ الهَواءِ لِلْاسْتِمْرارِ في الطَّيَرانِ.
وأُوثِرَ الفِعْلُ المُضارِعُ في يَقْبِضْنَ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ وهي حالَةُ عَكْسِ بَسْطِ الجَناحَيْنِ إذْ بِذَلِكَ العَكْسِ يَزْدادُ الطَّيَرانُ قُوَّةً امْتِدادَ زَمانٍ.
وجِيءَ في وصْفِ الطَّيْرِ بِ (صافّاتٍ) بِصِيغَةِ الاسْمِ لِأنَّ الصَّفَّ هو أكْثَرُ أحْوالِها عِنْدَ الطَّيَرانِ فَناسَبَهُ الاسْمُ الدّالُّ عَلى الثَّباتِ، وجِيءَ في وصْفِهِنَّ بِالقَبْضِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ ويُجَدِّدْنَ قَبْضَ أجْنِحَتِهِنَّ في خِلالِ الطَّيَرانِ لِلْاسْتِعانَةِ بِقَبْضِ الأجْنِحَةِ عَلى زِيادَةِ التَّحَرُّكِ عِنْدَما يَحْسُسْنَ بِتَغَلُّبِ جاذِبِيَّةِ الأرْضِ عَلى حَرَكاتِ الطَّيَرانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في الجِبالِ والطَّيْرِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ [ص: ١٨] ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] لِأنَّ التَّسْبِيحَ في وقْتَيْنِ والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ دَوْمًا.
وانْتَصَبَ فَوْقَهم عَلى الحالِ مِنَ الطَّيْرِ وكَذَلِكَ انْتَصَبَ صافّاتٍ.
وجُمْلَةُ ويَقْبِضْنَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ لِعَطْفِها عَلى الوَصْفِ الَّذِي هو حالٌ فالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ مُضَمِّنَةٌ مَعْنى النَّظَرِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَتْ إلى المَرْئِيِّ بِ (إلى) .
والاسْتِفْهامُ في أوَلَمْ يَرَوْا إنْكارِيٌّ، نَزَلُواْ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَرَ هاتِهِ الأحْوالَ في الطَّيْرِ لِأنَّهم لَمْ يَعْتَبِرُواْ بِها ولَمْ يَهْتَدُواْ إلى دَلالَتِها عَلى انْفِرادِ خالِقِها بِالإُلُهِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ وما فِيها مِنِ اسْتِفْهامٍ إنْكارٍ، أيْ كانَ حَقُّهم أنْ يَعْلَمُواْ أنَّهُنَّ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إذْ لا مُمْسِكَ لَها تَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] .
وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ الَّذِي أمْسَكَ الطَّيْرَ عَنِ الهُوِيِّ المُفْضِي إلى الهَلاكِ هو الَّذِي أهْلَكَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ فَلَوْ لَمْ يُشْرِكُواْ بِهِ ولَوِ اسْتَعْصَمُواْ بِطاعَتِهِ لَأنْجاهم مِنَ الهَلاكِ كَما أنْجى الطَّيْرَ مِنَ الهُوِيِّ.
ومَعْنى إمْساكِ اللَّهِ إيّاها: حِفْظُها مِنَ السُّقُوطِ عَلى الأرْضِ بِما أوْدَعَ في خِلْقَتِها
صفحة ٤٠
مِنَ الخَصائِصِ في خِفَّةِ عِظامِها وقُوَّةِ حَرَكَةِ الجَوانِحِ وما جَعَلَ لَهُنَّ مِنَ القَوادِمِ، وهي رِيشاتٌ عَشْرٌ هي مَقادِيمُ رِيشِ الجَناحِ، وفي الخَوافِي وهي ما دُونَها مِنَ الجَناحِ إلى مُنْتَهى رِيشِهِ، وما خَلَقَهُ مِن شَكْلِ أجْسادِها المُعِينِ عَلى نُفُوذِها في الهَواءِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِخَلْقِ اللَّهِ إيّاها مانِعًا لَها مِنَ السُّقُوطِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَعالِيقَ يُعَلِّقُها بِها أحَدٌ كَما يُعَلِّقُ المُشَعْوِذُ بَعْضَ الصُّوَرِ بِخُيُوطٍ دَقِيقَةٍ لا تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ.
وإيثارُ اسْمِ الرَّحْمَنِ هُنا دُونَ الاسْمِ العَلَمِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩] لَعَلَّهُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا في خِطابِهِمْ بِطَرِيقَةِ الإطْنابِ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ الآيَةَ.
فَمِن جُمْلَةِ عِنادِهِمْ إنْكارُهُمُ اسْمَ الرَّحْمَنِ فَلَمّا لَمْ يَرْعَوَوْا عَمّا هم عَلَيْهِ ذُكِرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ السُّورَةِ أرْبَعُ مَرّاتٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ﴾ أيْ أمْسَكَهُنَّ الرَّحْمَنُ لِعُمُومِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ولا يُمْسِكُهُنَّ غَيْرُهُ لِقُصُورِ عِلْمِهِمْ أوِ انْتِفائِهِ.
والبَصِيرُ: العَلِيمُ، مُشْتَقٌّ مِنَ البَصِيرَةِ، فَهو هُنا غَيْرُ الوَصْفِ الَّذِي هو مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى في نَحْوِ: السَّمِيعُ البَصِيرُ، وإنَّما هو هُنا مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ بَصِيرٌ بِالأُمُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤]، فَهو خَبَرٌ لا وصْفٌ ولا مُنَزَّلُ مَنزِلَةَ الاسْمِ. وتَقْدِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِإفادَةِ القَصْرِ الإضافِيِّ وهو قَصْرُ قَلَبٍ رَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُونَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ كالَّذِينَ قِيلَ لَهم ﴿وأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣] .
الملك 67:20
﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وهي لِلْاضْطِرابِ الانْتِقالِيِّ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ فَبَعْدَ اسْتِيفاءِ غَرَضِ إثْباتِ الإلِهِيَّةِ الحَقِّ لِلَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ وتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم مُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ، انْتَقَلَ إلى إبْطالِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَوُجِّهَ إلَيْهِمُ اسْتِفْهامٌ
صفحة ٤١
أنْ يَدُلُّواْ عَلى أحَدٍ مِن أصْنامِهِمْ أوْ غَيْرِها يُقالُ فِيهِ هَذا هو الَّذِي يَنْصُرُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَإنَّهم غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ تَعْيِينَ أحَدٍ لِذَلِكَ إلّا إذا سَلَكُواْ طَرِيقَ البُهْتانِ وما هم بِسالِكِيهِ في مِثْلِ هَذا لِافْتِضاحِ أمْرِهِ.
وهَذا الكَلامُ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] الآيَةَ، فَهو مِثْلُهُ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ حُجَجِ الاسْتِدْلالِ.
و(أمْ) المُنْقَطِعَةُ لا يُفارِقُها مَعْنى الاسْتِفْهامِ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مِقْدارًا فَإذا صُرِّحَ بِهِ كَما هُنا فَأوْضَحُ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ الاسْتِفْهامَ يُقَدَّرُ بَعْدَها ولَوْ كانَ يَلِيها اسْتِفْهامٌ مُصَرَّحٌ بِهِ فَيُشْكِلُ اجْتِماعُ اسْتِفْهامَيْنِ.
والاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ عَنِ التَّعْيِينِ فَيُؤَوَّلُ إلى الانْتِفاءِ، والإشارَةُ مُشارٌ بِها إلى مَفْهُومِ جُنْدٍ مَفْرُوضٍ في الأذْهانِ اسْتُحْضِرَ لِلْمُخاطِبِينَ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ حاضِرٌ في الخارِجِ يُشاهِدُهُ المُخاطَبُونَ، فَيَطْلُبُ المُتَكَلِّمُ مِنهم تَعْيِينَ قَبِيلَةٍ بِأنْ يَقُولُواْ: بَنُو فُلانٍ. ولَمّا كانَ الاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أنَّ هَذا الجُنْدَ المَفْرُوضَ غَيْرُ كائِنٍ.
وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ونَحْوُهُ.
و(مَن) في مَوْضِعِ مُبْتَدَإٍ واسْمُ الإشارَةِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَإ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ (أمَّنْ) بِمِيمٍ واحِدَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهُما مِيمُ (أمْ) ومِيمُ (مَن) المُدْغَمَتَيْنِ بِجَعْلِهِما كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ كَما كُتِبَ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] بِمِيمٍ واحِدَةٍ بَعْدَ العَيْنِ، ولا تُقْرَأُ إلّا بِمِيمٍ مُشَدَّدَةٍ؛ إذِ المُعْتَبَرُ في قِراءَةِ القُرْآنِ الرِّوايَةُ دُونَ الكِتابَةِ وإنَّما يُكْتَبُ القُرْآنُ لِلْإعانَةِ عَلى مُراجَعَتِهِ.
و﴿الَّذِي هو جُنْدٌ﴾ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، و(لَكم) صِفَةٌ لِ (جُنْدٌ) و(يَنْصُرُكم) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن جُنْدٌ أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ (جُنْدٌ) .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ مُشارًا بِهِ إلى جَماعَةِ الأصْنامِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمُ المَوْضُوعَةِ في الكَعْبَةِ وحَوْلَها الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ جُنْدًا فَمَن هو حَتّى يَنْصُرَكم مِن دُونِ اللَّهِ.
فَتَكُونُ (مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْقِيرِ مِثْلُ قَوْلِهِ مِن فِرْعَوْنُ في
صفحة ٤٢
قِراءَةِ فَتْحِ مِيمِ (مَن) ورَفْعِ فِرْعَوْنَ، أيْ مَن هَذا الجُنْدُ فَإنَّهُ أحْقَرُ مِن أنْ يُعْرَفَ، واسْمُ الإشارَةِ صِفَةٌ لِاسْمِ الاسْتِفْهامِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ، و﴿الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ﴾ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ. وجُمْلَةُ يَنْصُرُكم خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الاسْتِفْهامِ، أيْ هو أقَلُّ مِن أنْ يَنْصُرَكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثُّبُوتِ؛ لِأنَّ الجُنْدَ يَكُونُواْ عَلى اسْتِعْدادٍ لِلنَّصْرِ إذا دُعِيَ إلَيْهِ سَواءٌ قاتَلَ أمْ لَمْ يُقاتِلْ؛ لِأنَّ النَّصْرَ يَحْتاجُ إلى اسْتِعْدادٍ وتَهَيُّؤٍ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «خَيْرُ النّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنانِ فَرَسِهِ كُلَّما سَمِعَ هَيْعَةً طارَ إلَيْها» أيْ هَيْعَةُ جِهادٍ.
فالمَعْنى: يَنْصُرُكم عِنْدَ احْتِياجِكم إلى نَصْرِهِ، فَهَذا وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ جُمْلَةِ هو جُنْدٌ لَكم وجُمْلَةِ يَنْصُرُكم ولَمْ يَسْتَغْنِ بِالثّانِيَةِ عَنِ الأُولى.
ودُونَ أصْلِهِ ظَرْفٌ لِلْمَكانِ الأسْفَلِ ضِدُّ (فَوْقَ)، ويُطْلَقُ عَلى المُغايِرِ فَيَكُونُ بِمَعْنى غَيْرٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ.
فَقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في يَنْصُرُكم. أيْ حالَةُ كَوْنِ النّاصِرِ مِن جانِبٍ غَيْرَ جانِبِ اللَّهِ، أيْ مَن مُسْتَطِيعٌ غَيْرَ اللَّهِ يَدْفَعُ عَنْكُمُ السُّوءَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ [الأنبياء: ٤٣] فَتَكُونُ (مِن) زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلظَّرْفِ وهي تُزادُ مَعَ الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، ولا تُجَرُّ تِلْكَ الظُّرُوفُ بِغَيْرِ (مِن)، قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الرّابِعَةِ والعِشْرِينَ: ”وما مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لا يُخْفِضُهُ سِوى حَرْفٌ“ وفَسَّرَهُ بِظَرْفِ ”عِنْدَ“ ولا خُصُوصِيَّةَ لِـ ”عِنْدَ“ بَلْ ذَلِكَ في جَمِيعِ الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ.
وتَكْرِيرُ وصْفِ الرَّحْمَنِ عَقِبَ الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا في إيثارِ هَذا الوَصْفِ في الآيَةِ السّابِقَةِ.
وذُيِّلَ هَذا الاعْتِراضُ بِقَوْلِهِ ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾، أيْ ذَلِكَ شَأْنُ الكافِرِينَ كُلِّهِمْ وهم أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ المُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ، أيْ في غُرُورٍ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَوَقُّعِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى، أوْ في غُرُورٍ مِنِ اعْتِمادِهِمْ عَلى الأصْنامِ كَما غَرَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ دِينُهم بِأنَّ الأوْثانَ تَنْفَعُهم وتَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ فَلَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ مِنهم وقْتَ الحاجَةِ فَكَذَلِكَ سَيَقَعُ لِأمْثالِهِمْ قالَ تَعالى ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] وقالَ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] فَتَعْرِيفُ (الكافِرُونَ) لِلْاسْتِغْراقِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ كافِرُونَ مَعْهُودُونَ حَتّى يَكُونَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ.
صفحة ٤٣
والغُرُورُ: ظَنُّ النَّفْسِ وُقُوعِ أمْرٍ نافِعٍ لَها بِمَخائِلِ تَتَوَهُّمِها، وهو بِخِلافِ ذَلِكَ أوْ هو غَيْرُ واقِعٍ.
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في آخِرِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلِهِ ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [فاطر: ٥] في سُورَةِ فاطِرٍ.
والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في شِدَّةِ التَّلَبُّسِ بِالغُرُورِ حَتّى كَأنَّ الغُرُورَ مُحِيطٌ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ.
والمَعْنى: ما الكافِرُونَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الغُرُورِ، وهَذا قَصْرٌ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم في مَأْمَنٍ مِنَ الكَوارِثِ بِحِمايَةِ آلِهَتِهِمْ.
الملك 67:21
﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ انْتِقالٌ آخَرُ، والكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿أمْ مَن هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ﴾ [الملك: ٢٠]، وهَذا الكَلامُ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿وكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ.
والرِّزْقُ: ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ، ويُطْلَقُ عَلى المَطَرِ، وعَلى الطَّعامِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] .
وضَمِيرُ (أمْسَكَ) وضَمِيرُ (رِزْقَهُ) عائِدانِ إلى لَفْظِ (الرَّحْمانِ) الواقِعِ في قَوْلِهِ ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠] .
وجِيءَ بِالصِّلَةِ فِعْلًا مُضارِعًا لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ؛ لِأنَّ الرِّزْقَ يَقْتَضِي التِّكْرارَ؛ إذْ حاجَةُ البَشَرِ إلَيْهِ مُسْتَمِرَّةٌ. وكُتِبَ (أمَّنْ) في المُصْحَفِ بِصُورَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ كَما كُتِبَ نَظِيرَتُها المُتَقَدِّمَةُ آنِفًا.
* * *
﴿بَلْ لَجُّواْ في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنِ الدَّلائِلِ والقَوارِعِ والزَّواجِرِ والعِظاتِ والعِبَرِ المُتَقَدِّمَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] إلى هُنا، فَيَتَّجِهُ لِلسّائِلِ أنْ يَقُولَ: لَعَلَّهم نَفَعَتْ عِنْدَهم الآياتُ والنُّذُرُ، واعْتَبَرُواْ بِالآياتِ والعِبَرِ، فَأُجِيبَ بِإبْطالِ ظَنِّهِ بِأنَّهم لَجُّواْ في عُتُوٍّ ونُفُورٍ.
صفحة ٤٤
و(بَلْ) لِلْاضْرابِ أوِ الإبْطالِ عَمّا تَضْمَّنَهُ الاسْتِفْهامانِ السّابِقانِ أوْ لِلْانْتِقالِ مِن غَرَضِ التَّعْجِيزِ إلى الإخْبارِ عَنْ عِنادِهِمْ.
يُقالُ: لَجَّ في الخُصُومَةِ مِن بابِ سَمَّعَ، أيِ اشْتَدَّ في النِّزاعِ والخِصامِ، أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى العِنادِ يَكْتَنِفُهُمُ العُتُوُّ والنُّفُورُ، أيْ لا يَتْرُكُ مَخْلَصًا لِلْحَقِّ إلَيْهِمْ، فالظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، والعُتُوُّ: التَّكَبُّرُ والطُّغْيانُ.
والنُّفُورُ: هو الاشْمِئْزازُ مِنَ الشَّيْءِ والهُرُوبُ مِنهُ.
والمَعْنى: اشْتَدُّواْ في الخِصامِ مُتَلَبِّسٌ بِالكِبْرِ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ حِرْصًا عَلى بَقاءِ سِيادَتِهِمْ وبِالنُّفُورِ عَنِ الحَقِّ لِكَراهِيَةِ ما يُخالِفُ أهْواءَهم وما ألِفُوهُ مِنَ الباطِلِ.
الملك 67:22
﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ أهْدى أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ أوْ لِرَجُلَيْنِ: كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، لِأنَّهُ جاءَ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِ الكافِرُونَ إلّا في غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١] وما اتَّصَلَ ذَلِكَ بِهِ مِنَ الكَلامِ الَّذِي سِيقَ مَساقَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكُمْ﴾ [الملك: ٢٠] ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ [الملك: ٢١]، وذَلِكَ مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ عَلى اخْتِلافِ مَناحِيهِمْ ولَكِنْ لَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنهم عَلى بَيانِ كَيْفَ يَتَعَيَّنُ التَّمْثِيلُ الأوَّلُ لِلْكافِرِينَ والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى يَظْهَرَ وجْهُ إلْزامِ اللَّهِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم أهْلُ المَثَلِ الأوَّلِ مَثَلِ السَّوْءِ، فَإذا لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ لَمْ يَتَّضِحْ إلْزامُ المُشْرِكِينَ بِأنَّ حالَهم حالُ التَّمْثِيلِ الأوَّلِ، فَيَخالُ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أنَّ خَصْمَهُ هو مَضْرِبُ المَثَلِ السُّوءِ. ويَتَوَهَّمُ أنَّ الكَلامَ ورَدَ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ المُنْصِفِ نَحْوُ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] بِذَلِكَ يَنْبُو عَنْهُ المَقامُ هُنا؛ لِأنَّ الكَلامَ هُنا وارِدٌ في مَقامِ المُحاجَّةِ والاسْتِدْلالِ وهُنالِكَ في مَقامِ المُتارَكَةِ أوِ الاسْتِنْزالِ.
والَّذِي انْقَدَحَ لِي: أنَّ التَّمْثِيلَ جَرى عَلى تَشْبِيهِ حالِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ بِحالَةِ مَشْيِ إنْسانٍ مُخْتَلِفَةٍ وعَلى تَشْبِيهِ الدِّينِ بِالطَّرِيقِ المَسْلُوكَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَلا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِ مَشْيِ المُكِبِّ عَلى وجْهِهِ مَشْيًا عَلى صِراطٍ مُعْوَجٍّ، وتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ في قَوْلِهِ ﴿مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ اسْتِعارَةٌ أُخْرى بِتَشْبِيهِ حالِ السّالِكِ
صفحة ٤٥
صِراطًا مُعْوَجًّا في تَأمُّلِهِ وتَرَسُّمِهِ آثارَ السَّيْرِ في الطَّرِيقِ غَيْرِ المُسْتَقِيمِ خَشْيَةَ أنْ يَضِلَّ فِيهِ، بِحالِ المُكِبِّ عَلى وجْهِهِ يَتَوَسَّمُ حالَ الطَّرِيقِ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ سَوِيًّا المُشْعِرِ بِأنَّ مُكِبًّا أُطْلِقَ عَلى غَيْرِ السَّوِيِّ وهو المُنْحَنِي المُطاطِىءُ يَتَوَسَّمُ الآثارَ اللّائِحَةَ مِن آثارِ السّائِرِينَ لَعَلَّهُ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ المُوَصِّلَةَ إلى المَقْصُودِ.
فالمُشْرِكُ يَتَوَجَّهُ بِعِبادَتِهِ إلى آلِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا يَدْرِي لَعَلَّ بَعْضَها أقْوى مِن بَعْضٍ وأعْطَفَ عَلى بَعْضِ القَبائِلِ مِن بَعْضٍ، فَقَدْ كانَتْ ثَقِيفٌ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ يَعْبُدُونَ مَناةَ ولِكُلِّ قَبِيلَةٍ إلَهٌ أوْ آلِهَةٌ فَتَقَّسَمُوا الحاجاتِ عِنْدَها واسْتَنْصَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِآلِهَتِهِمْ وطَمِعُوا في غَنائِها عَنْهم وهَذِهِ حالَةٌ يَعْرِفُونَها فَلا يَمْتَرُونَ في أنَهم مَضْرَبُ المَثَلِ الأوَّلِ، وكَذَلِكَ حالُ أهْلِ الإشْراكِ في كُلِّ زَمانٍ. ألا تَسْمَعُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] . ويُنَوِّرُ هَذا التَّفْسِيرَ أنَّهُ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]، فَقابَلَ في الآيَةِ الأُولى الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ المُشَبَّهَ بِهِ الإسْلامُ بِالسُّبُلِ المُتَفَرِّقَةِ المُشَبَّهِ بِها تَعْدادُ الأصْنامِ، وجَعَلَ في الآيَةِ الثّانِيَةِ الإسْلامَ مُشَبَّهًا بِالسَّبِيلِ وسالِكُهُ يَدْعُو بِبَصِيرَةٍ ثُمَّ قابَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] .
فالآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى ثَلاثِ اسْتِعاراتٍ تَمْثِيلِيَّةٍ فَقَوْلُهُ ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ تَشْبِيهٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَقَسُّمِ أمْرِهِ بَيْنَ الآلِهَةِ طَلَبًا لِلَّذِي يَنْفَعُهُ مِنها الشّاكِّ في انْتِفاعِهِ بِها، بِحالِ السّائِرِ قاصِدًا أرْضًا مُعَيَّنَةً لَيْسَتْ لَها طَرِيقٌ جادَّةٌ فَهو يَتَتَبَّعُ بِنْياتِ الطَّرِيقِ المُلْتَوِيَةِ وتَلْتَبِسُ عَلَيْهِ ولا يُوقِنُ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُبَلِّغُ إلى مَقْصِدِهِ فَيَبْقى حائِرًا مُتَوَسِّمًا يَتَعَرَّفُ آثارَ أقْدامِ النّاسِ وأخْفافِ الإبِلِ فَيَعْلَمُ بِها أنَّ الطَّرِيقَ مَسْلُوكَةٌ أوْ مَتْرُوكَةٌ.
وفِي ضِمْنِ هَذِهِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَمْثِيلِيَّةٌ أُخْرى مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ﴾ بِتَشْبِيهِ حالِ المُتَحَيِّرِ المُتَطَلَّبِ لِلْآثارِ في الأرْضِ بِحالِ المُكِبِّ عَلى وجْهِهِ في شِدَّةِ اقْتِرابِهِ مِنَ الأرْضِ.
وقَوْلُهُ ﴿مَن يَمْشِي سَوِيًّا﴾ تَشْبِيهٌ لِحالِ الَّذِي آمَنَ بِرَبٍّ واحِدٍ الواثِقُ بِنَصْرِ رَبِّهِ وتَأْيِيدِهِ وبِأنَّهُ مُصادِفٌ لِلْحَقِّ، بِحالِ الماشِي في طَرِيقٍ جادَّةٍ واضِحَةٍ لا يَنْظُرُ إلّا إلى اتِّجاهِ وجْهِهِ فَهو مُسْتَوٍ في سَيْرِهِ.
صفحة ٤٦
وقَدْ حَصَلَ في الآيَةِ إيجازُ حَذْفٍ إذِ اسْتُغْنِيَ عَنْ وصْفِ الطَّرِيقِ بِالالتِواءِ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ لِدَلالَةِ مُقابَلَتِهِ بِالاسْتِقامَةِ في التَّمْثِيلِ الثّانِي.
والفاءُ في صَدْرِ الجُمْلَةِ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ والعِبَرِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ.
والمُكِبُّ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أكَبَّ، إذا صارَ ذا كَبٍّ، فالهَمْزَةُ فِيهِ أصْلُها لِإفادَةِ المَصِيرِ في الشَّيْءِ مِثْلُ هَمْزَةِ: أقْشَعَ السَّحابُ، إذا دَخَلَ في حالَةِ القَشْعِ، ومِنهُ قَوْلُهم: أنْفَضَ القَوْمُ إذا هَلَكَتْ مَواشِيهِمْ، وأرْمَلُواْ إذا فَنِيَ زادُهم، وهي أفْعالٌ قَلِيلَةٌ فِيما جاءَ فِيهِ المُجَرَّدُ مُتَعَدِّيًا والمَهْمُوزُ قاصِرًا.
و(أهْدى) مُشْتَقٌّ مِنَ الهُدى، وهو مَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وجْهِهِ لا شَيْءَ عِنْدَهُ مِنَ الاهْتِداءِ فَهو مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] في قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الأيِمَةِ. ومِثْلُ هَذا لا يَخْلُو مِن تَهَكُّمٍ أوْ تَمْلِيحٍ بِحَسَبِ المَقامِ.
والسَّوِيُّ: الشَّدِيدُ الاسْتِواءِ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ قالَ تَعالى ﴿أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] . و(أمْ) في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ حَرْفُ عَطْفٍ وهي (أمْ) المُعادِلَةُ لِهَمْزَةِ الاسْتِفْهامِ. و(مَن) الأُولى والثّانِيَةُ في قَوْلِهِ ﴿أفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا﴾ أوْ قَوْلِهِ أمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا مَوْصُولَتانِ ومَحْمَلَهُما أنَّ المُرادَ مِنهُما فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: أُرِيدَ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ أُرِيدَ بِالأُولى أبُو جَهْلٍ، وبِالثّانِيَةِ النَّبِيءُ ﷺ وأبُو بَكْرٍ أوْ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
الملك 67:23
﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ هَذا انْتِقالٌ مِن تَوْجِيهِ اللَّهِ تَعالى الخِطابَ إلى المُشْرِكِينَ لِلتَّبْصِيرِ بِالحُجَجِ والدَّلائِلِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الوَعِيدِ أوِ التَّهْدِيدِ إلى خِطابِهِمْ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما سَيُذْكَرُ؛ تَفَنُّنًا في البَيانِ وتَنْشِيطًا لِلْأذْهانِ حَتّى كَأنَّ الكَلامَ صَدَرَ مِن قائِلَيْنِ وتَرْفِيعًا لِقَدْرِ نَبِيهِ ﷺ بِإعْطائِهِ حَظًّا مِنَ التَّذْكِيرِ مَعَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] .
صفحة ٤٧
والانْتِقالُ هُنا إلى الاسْتِدْلالِ بِفُرُوعِ المَخْلُوقاتِ بَعْدَ الاسْتِدْلالِ بِأُصُولِها، ومِنَ الاسْتِدْلالِ بِفُرُوعِ أعْراضِ الإنْسانِ بَعْدَ أصْلِها، فَمِنَ الاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والمَوْتِ والحَياةِ، إلى الاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الإنْسانِ ومَدارِكِهِ، وقَدِ أُتْبِعَ الأمْرُ بِالقَوْلِ بِخَمْسَةٍ مِثْلِهِ بِطَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ بِدُونِ عاطِفٍ اهْتِمامًا بِما بَعْدَ كُلِّ أمْرٍ مِن مَقالَةٍ يُبَلِّغُها إلَيْهِمُ الرَّسُولَ ﷺ قالَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ الَخْ.
والضَّمِيرُ هو إلى الرَّحْمَنِ مِن قَوْلِهِ ﴿مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠] .
والإنْشاءُ: الإيجادُ.
وإفْرادُ السَّمْعِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ مُصْدَرٌ، أيْ جَعَلَ لَكم حالَةَ السَّمْعِ، وأمّا الأبْصارُ فَهو جَمْعُ البَصَرِ بِمَعْنى العَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والأفْئِدَةُ القُلُوبُ، والمُرادُ بِها العُقُولُ، وهو إطْلاقٌ شائِعٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ إلى آخِرِهِ قَصْرُ إفْرادٍ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ لِشِرْكِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ الأصْنامَ شارَكَتِ اللَّهَ في الإنْشاءِ وإعْطاءِ الإحْساسِ والإدْراكِ.
و﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ أنْعَمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ في حالِ إهْمالِكم شُكْرَها.
و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ في مَوْضِعِ فاعِلِ (قَلِيلًا) لِاعْتِمادِ (قَلِيلًا) عَلى صاحِبِ حالٍ. و(قَلِيلًا) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.
وقَدِ اسْتُعْمِلَ قَلِيلًا في مَعْنى النَّفْيِ والعَدَمِ. وهَذا الإطْلاقٌ مِن ضُرُوبِ الكِنايَةِ والاقْتِصادِ في الحُكْمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] في البَقَرَةِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] في سُورَةِ النِّساءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: هَذِهِ أرْضٌ قَلَّما تَنْبُتُ.
الملك 67:24
﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
صفحة ٤٨
إعادَةُ فِعْلِ (قُلْ) مِن قَبِيلِ التَّكْرِيرِ المُشْعِرِ بِالاهْتِمامِ بِالغَرَضِ المَسُوقَةِ فِيهِ تِلْكَ الأقْوالِ.
والذَّرْءُ: الإكْثارُ مِنَ المَوْجُودِ، فَهَذا أخَصُّ مِن قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] أيْ هو الَّذِي كَثَرَّكم عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] أيْ أعْمَرَكم إيّاها.
والقَوْلُ في صِيغَةِ القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في قَوْلِهِ (﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣]) الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ أكْثَرَكم في الأرْضِ فَهو يُزِيلُكم بِمَوْتِ الأجْيالِ فَكُنِّيَ عَنِ المَوْتِ بِالحَشْرِ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُواْ أنَّ الحَشْرَ الَّذِي أُنْذِرُواْ بِهِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البَعْثِ والبَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، فالكِنايَةُ عَنِ المَوْتِ بِالحَشْرِ بِمَرْتَبَتَيْنِ مِنَ المُلازَمَةِ، وقَدْ أُدْمِجَ في ذَلِكَ تَذْكِيرُهم بِالمَوْتِ الَّذِي قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ، وإنْذارُهم بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
فَتَقْدِيمُ المَعْمُولِ في (وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ) لِلْاهْتِمامِ والرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولَيْسَ لِلْاخْتِصاصِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُواْ يَدَّعُونَ الحَشْرَ أصْلًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَدَّعُوهُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
الملك 67:25
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما العَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لَمّا لَمْ تَكُنْ لَهم مُعارَضَةٌ لِلْحُجَّةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] إلى ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ [الملك: ٢٤] انْحَصَرَ عِنادُهم في مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] فَإنَّهم قَدْ جَحَدُوا البَعْثَ وأعْلَنُواْ بِجَحْدِهِ وتَعَجَّبُواْ مِن إنْذارِ القُرْآنِ بِهِ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨] وكانُواْ يَقُولُونَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ واسْتَمَرُّواْ عَلى قَوْلِهِ، فَلِذَلِكَ حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرِيرِ.
والوَعْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ مَتى هَذا الوَعْدُ ؟ فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحَشْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (هَذا) ظاهِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ وعْدٌ آخَرَ بِنَصْرِ المُسْلِمِينَ، فالإشارَةُ إلى وعِيدٍ سَمِعُوهُ.
صفحة ٤٩
والاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ لِأنَّ مِن عادَتِهِمْ أنْ يَسْتَهْزِئُواْ بِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] .
وأتَوْا بِلَفْظِ الوَعْدِ اسْتِنْجازًا لَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الوَعْدِ الوَفاءُ.
وضَمِيرُ الخِطابِ في ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ لِأنَّهم يَلْهَجُونَ بِإنْذارِهِمْ بِيَوْمِ الحَشْرِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ سَبَإٍ
وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ سُؤالَهم بِجُمْلَةٍ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ بَلْ عَلى ظاهِرِ الاسْتِفْهامِ عَنْ وقْتِ الوَعْدِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، بِأنَّ وقْتَ هَذا الوَعْدِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ (قُلْ) هُنا أمْرٌ بِقَوْلٍ يَخْتَصُّ بِجَوابِ كَلامِهِمْ وفُصِلَ دُونَ عَطْفٍ يُجْرِيانِ المَقُولَ في سِياقِ المُحاوَرَةِ، ولَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ (قُلْ) بِالفاءِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ أمْثالِهِ الواقِعَةِ في المُجاوَبَةِ والمُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولامُ التَّعْرِيفِ في (العِلْمُ) لِلْعَهْدِ، أيِ العِلْمُ بِوَقْتِ هَذا الوَعْدِ. وهَذِهِ هي اللّامُ الَّتِي تُسَمّى عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ.
﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ ما أنا إلّا نَذِيرٌ بِوُقُوعِ هَذا الوَعْدِ لا أتَجاوَزُ ذَلِكَ إلى كَوْنِي عالِمًا بِوَقْتِهِ.
والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُبَيِّنٌ لِما أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ.
الملك 67:26
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما العَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لَمّا لَمْ تَكُنْ لَهم مُعارَضَةٌ لِلْحُجَّةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] إلى ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ [الملك: ٢٤] انْحَصَرَ عِنادُهم في مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] فَإنَّهم قَدْ جَحَدُوا البَعْثَ وأعْلَنُواْ بِجَحْدِهِ وتَعَجَّبُواْ مِن إنْذارِ القُرْآنِ بِهِ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨] وكانُواْ يَقُولُونَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ واسْتَمَرُّواْ عَلى قَوْلِهِ، فَلِذَلِكَ حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرِيرِ.
والوَعْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ مَتى هَذا الوَعْدُ ؟ فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحَشْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (هَذا) ظاهِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ وعْدٌ آخَرَ بِنَصْرِ المُسْلِمِينَ، فالإشارَةُ إلى وعِيدٍ سَمِعُوهُ.
صفحة ٤٩
والاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ لِأنَّ مِن عادَتِهِمْ أنْ يَسْتَهْزِئُواْ بِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] .
وأتَوْا بِلَفْظِ الوَعْدِ اسْتِنْجازًا لَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الوَعْدِ الوَفاءُ.
وضَمِيرُ الخِطابِ في ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ لِأنَّهم يَلْهَجُونَ بِإنْذارِهِمْ بِيَوْمِ الحَشْرِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ سَبَإٍ
وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ سُؤالَهم بِجُمْلَةٍ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ بَلْ عَلى ظاهِرِ الاسْتِفْهامِ عَنْ وقْتِ الوَعْدِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، بِأنَّ وقْتَ هَذا الوَعْدِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ (قُلْ) هُنا أمْرٌ بِقَوْلٍ يَخْتَصُّ بِجَوابِ كَلامِهِمْ وفُصِلَ دُونَ عَطْفٍ يُجْرِيانِ المَقُولَ في سِياقِ المُحاوَرَةِ، ولَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ (قُلْ) بِالفاءِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ أمْثالِهِ الواقِعَةِ في المُجاوَبَةِ والمُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولامُ التَّعْرِيفِ في (العِلْمُ) لِلْعَهْدِ، أيِ العِلْمُ بِوَقْتِ هَذا الوَعْدِ. وهَذِهِ هي اللّامُ الَّتِي تُسَمّى عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ.
﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ ما أنا إلّا نَذِيرٌ بِوُقُوعِ هَذا الوَعْدِ لا أتَجاوَزُ ذَلِكَ إلى كَوْنِي عالِمًا بِوَقْتِهِ.
والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُبَيِّنٌ لِما أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ.
الملك 67:27
﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (لَمّا) حَرْفُ تَوْقِيتٍ، أيْ سِيئَتْ وُجُوهُهم في وقْتِ رُؤْيَتِهِمُ الوَعْدَ.
والفاءُ فَصِيحَةٌ؛ لِأنَّها اقْتَضَتْ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً تَقْدِيرُها: فَحَلَّ بِهِمُ الوَعْدُ فَلَمّا رَأوْهُ إلَخْ، أيْ رَأوُا المَوْعِدَ بِهِ.
وفُعِلَ (رَأوْهُ) مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ، وجِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِشَبَهِهِ بِالماضِي في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ مِثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] لِأنَّهُ صادِرٌ عَمَّنْ لا إخْلافَ في أخْبارِهِ فَإنَّ
صفحة ٥٠
هَذا الوَعْدَ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَصَلَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ بِمَكَّةَ سَواءٌ أُرِيدَ بِالوَعْدِ الوَعْدُ بِالبَعْثِ كَما هو مُقْتَضى السِّياقِ أمْ أُرِيدَ بِهِ وعْدُ النَّصْرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهم يَقُولُونَهُ في الحالِ وأنَّ الوَعْدَ غَيْرُ حاصِلٍ حِينَ قَوْلِهِمْ لِأنَّهم يَسْألُونَ عَنْهُ بِ (مَتى) .
ونَظِيرُ هَذا الاسْتِعْمالِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] في سُورَةِ النَّحْلِ إذْ جَمَعَ في الآيَتَيْنِ بَيْنَ فِعْلِ (نَبْعَثُ) مُضارِعًا وفِعْلِ (جِئْنا) ماضِيًا.
وأصْلُ المَعْنى: فَإذا يَرَوْنَهُ تُساءُ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَخْ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى صَوْغِ الوَعِيدِ في صُورَةِ الإخْبارِ عَنْ أمْرٍ وقَعَ فَجِيءَ بِالأفْعالِ الماضِيَةِ.
وضَمِيرُ (رَأوْهُ) عائِدٌ إلى الوَعْدِ بِمَعْنى: رَأوُا المَوْعُودَ بِهِ.
والزُّلْفَةُ بِضَمِّ الزّايِ: اسْمُ مَصْدَرِ زَلَفَ إذا قَرُبَ وهو مِن بابِ تَعِبَ. وهَذا إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ رَأوْهُ شَدِيدَ القُرْبِ مِنهم، أيْ أخَذَ يَنالُهم.
و(سِيئَتْ) بُنِيَ لِلنّائِبِ، أيْ ساءَ وُجُوهَهم ذَلِكَ الوَعْدُ بِمَعْنى المَوْعُودِ. وأُسْنِدَ حُصُولُ السُّوءِ إلى الوُجُوهِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَلَحَتْ، أيْ سُوءٍ شَدِيدٍ تَظْهَرُ آثارُ الانْفِعالِ مِنهُ عَلى الوُجُوهِ، كَما أُسْنِدَ الخَوْفُ إلى الأعْيُنِ في قَوْلِ الأعْشى: وأقْدِمُ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ و(قِيلَ) أيْ لَهم.
و(تَدَّعُونَ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ مُضارِعُ ادَّعى. وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥]، أيْ تَدَّعُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ.
و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (تَدَّعُونَ) لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى (تُكَذِّبُونَ) فَإنَّهُ إذا ضُمِّنَ عامِلٌ مَعْنى عامِلٍ آخَرَ يُحْذَفُ مَعْمُولُ العامِلِ المَذْكُورِ ويُذْكَرُ مَعْمُولُ ضِمْنِهِ لِيَدُلَّ المَذْكُورُ عَلى المَحْذُوفِ. وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى العامِلِ لِلْاهْتِمامِ بِإخْطارِهِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. والقائِلُ لَهم
صفحة ٥١
﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ مَلائِكَةُ المَحْشَرِ أوْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، فَعَدَلَ عَنْ تَعْيِينِ القائِلِ، إذِ المَقْصُودُ المَقُولُ دُونَ القائِلِ فَحَذْفُ القائِلِ مِنَ الإيجازِ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ جُزْأيِ الإسْنادِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم مِن شِدَّةِ جُحُودِهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن إذا رَأوُا الوَعْدَ حَسِبُوهُ شَيْئًا آخَرَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ سِيئَتْ بِكَسْرَةِ السِّينِ خالِصَةً. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ونافِعٌ بِإشْمامِ الكَسْرَةِ ضَمَّةً، وهُما لُغَتانِ في فاءِ كُلِّ ثُلاثِيٍّ مُعْتَلِ العَيْنِ إذا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدَّعُونَ) بِفَتْحِ الدّالِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِسُكُونِ الدّالِ مِنَ الدُّعاءِ، أيِ الَّذِي كُنْتُمْ تَدْعُونَ اللَّهَ أنْ يُصِيبَكم بِهِ تَهَكُّمًا وعِنادًا كَما قالُوا ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .
الملك 67:28
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا تَكْرِيرٌ ثانٍ لِفِعْلِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] .
كانَ مِن بَذاءَةِ المُشْرِكِينَ أنْ يَجْهَرُوا بِتَمَنِّي هَلاكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهَلاكِ مَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَدْ حَكى القُرْآنُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]، وكانُوا يَتَآمَرُونَ عَلى قَتْلِهِ، قالَ تَعالى ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُعَرِّفَهم حَقِيقَةً تَدْحَضُ أمانِيِّهِمْ، وهي أنَّ مَوْتَ أحَدٍ أوْ حَياتَهُ لا يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ ما جَرَّهُ إلَيْهِ عَمَلُهُ، وقَدْ جَرَّتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهم غَضَبَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ فَهو نائِلُهم حَيِيَ الرَّسُولُ ﷺ أوْ بادَرَهُ المَنُونُ، قالَ تَعالى ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] وقالَ ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وقالَ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] أيِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى وما يُقارِبُهُ في القُرْآنِ ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ فَإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَـدِ
صفحة ٥٢
فَقَدْ يَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ الآياتِ السّابِقَةِ صادَفَ مَقالَةً مِن مَقالاتِهِمْ هَذِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في أثْنائِها وقَدْ يَكُونُ نُزُولُها لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] بِأنْ قارَنَهُ كَلامٌ بَذِيءٌ، مِثْلُ أنْ يَقُولُوا: أبْعَدَ هَلاكِكَ يَأْتِي الوَعْدُ.
والإهْلاكُ: الإماتَةُ، ومُقابَلَةُ (أهْلَكَنِيَ) بِ (رَحِمْنا) يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ: أوْ رَحِمْنا بِالحَياةِ، فَيُفِيدُ أنَّ الحَياةَ رَحْمَةٌ، وأنَّ تَأْخِيرَ الأجَلَ مِنَ النِّعَمِ، وإنَّما لَمْ يُؤَخِّرِ اللَّهُ أجْلَ نَبِيئَهِ ﷺ مَعَ أنَّهُ أشْرَفُ الرُّسُلِ لِحِكَمٍ أرادَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ («حَياتِي خَيْرٌ لَكم ومَوْتِي خَيْرٌ لَكم» )، ولَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أكْمَلَ الدِّينَ الَّذِي أرادَ إبْلاغَهُ فَكانَ إكْمالُهُ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ مِن سَنَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ مِنَ البَعْثَةِ، وكانَ اسْتِمْرارُ نُزُولِ الوَحْيِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ خِصِّيصِيَّةً خَصَّهُ اللَّهُ بِها مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا أتَمَّ اللَّهُ دِينَهُ رَبا بِرَسُولِهِ ﷺ أنْ يَبْقى غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِنُزُولِ الوَحْيِ فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الِاتِّصالِ بِالرَّفِيقِ الأعْلى مُباشَرَةً بِلا واسِطَةٍ، وقَدْ أشارَتْ إلى هَذا سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مِن قَوْلِهِ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] ولِلَّهِ دَرُّ عَبَدِ بَنِيِ الحَسْحاسِ في عَبْرَتِهِ بِقَوْلِهِ:
رَأيْتُ المَنايا لَمْ يَدَعْنَ مُحَمَّـدًا ∗∗∗ ولا باقِيًا إلّا لَهُ المَوْتُ مُرْصَدًا
وقَدْ عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعالى بِحَياةٍ أعْلى وأجَلَّ، إذْ قالَ ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، وبِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ العاجِلَةِ وهي أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ رُوحَهُ الزَّكِيَّةَ كُلَّما سَلَّمَ عَلَيْهِ أحَدٌ فَيَرُدُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما ثَبَتَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وإنَّما سَمّى الحَياةَ رَحْمَةً لَهُ ولِمَن مَعَهُ؛ لِأنَّ في حَياتِهِ نِعْمَةً لَهُ ولِلنّاسِ ما دامَ اللَّهُ مُقَدِّرًا حَياتَهُ، وحَياةُ المُؤْمِنِ رَحْمَةٌ لِأنَّهُ تَكْثُرُ لَهُ فِيها بَرَكَةُ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
والاسْتِفْهامُ في (أرَأيْتُمْ) إنْكارِيٌّ أنْكَرَ انْدِفاعَهم إلى أُمْنِياتٍ ورَغائِبَ لا يَجْتَنُونَ مِنها نَفْعًا ولَكِنَّها مِمّا تُمْلِيهِ عَلَيْهِمُ النُّفُوسُ الخَبِيثَةُ مِنَ الحِقْدِ والحَسَدِ.
والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وفِعْلُهُا مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ، وهو مُعَلَّقٌ بِالاسْتِفْهامِ الَّذِي هو في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ أنْفُسَكم ناجِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ إنْ هَلَكَتُ وهَلَكَ مَن مَعِي، فَهَلاكُنا لا يَدْفَعُ عَنْكُمُ العَذابَ المُعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
صفحة ٥٣
وأُقْحِمُ الشَّرْطُ بَيْنَ فِعْلِ الرُّؤْيا وما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ﴾ [الملك: ٣٠] رابِطَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ بَعْدَ ما أصْلُهُ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ وهو المَفْعُولانِ المُقَدَّرانِ رَجَحَ جانِبُ الشَّرْطِ.
والمَعِيَّةُ في قَوْلِهِ (﴿ومَن مَعِيَ﴾) مَعِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، وهي المُوافَقَةُ والمُشارَكَةُ في الاعْتِقادِ والدِّينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] الآيَةَ، أيِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨]، كَما أُطْلِقَتِ المُوافِقَةُ عَلى الرَّأْيِ والفَهْمِ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ أنا مَعَ ابْنِ أخِي يَعْنِي مُوافِقٌ لِأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وذَلِكَ حِينَ اخْتَلَفَ أبُو سَلَمَةَ وابْنُ عَبّاسٍ في المُتَوَفّى عَنْها الحامِلِ إذا وضَعَتْ حَمْلَها قَبْلَ مُضِيِّ عِدَّةِ الوَفاةِ.
والاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ إلَخْ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يُجِيرُهم مِنهُ مُجِيرٌ، أيْ أظَنَنْتُمْ أنْ تَجِدُوا مُجِيرًا لَكم إذا هَلَكْنا فَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فَماذا يَنْفَعُكم هَلاكُنا !
والعَذابُ المَذْكُورُ هُنا ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالوَعْدِ في الآيَةِ قَبْلَها.
وتَنْكِيرُ عَذابٍ لِلتَّهْوِيلِ.
والمُرادُ بِ (الكافِرِينَ) جَمِيعُ الكافِرِينَ فَيَشْمَلُ المُخاطَبِينَ.
والكَلامُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، وفِيهِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن يُجِيرُكم مِن عَذابٍ فَإنَّكم كافِرُونَ ولا مُجِيرَ لِلْكافِرِينَ.
وذُكِرَ وصْفُ (الكافِرِينَ) لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ لِأنَّهُ وصْفٌ إذا عَلِقَ بِهِ حُكْمٌ أفادَ تَعْلِيلَ ما مِنهُ اشْتِقاقُ الوَصْفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحَةٍ عَلى ياءِ (أهْلَكَنِيَ)، وقَرَأها حَمْزَةُ بِإسْكانِ الياءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ياءَ (مَعِيَ) بِفَتْحَةٍ. وقَرَأها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيُّ بِسُكُونِ الياءِ.
الملك 67:29
﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾
صفحة ٥٤
هَذا تَكْرِيرٌ ثالِثٌ لِفِعْلِ (قُلْ) مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] الآيَةَ.
وجاءَ هَذا الأمْرُ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ لَهم بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ (﴿أوْ رَحِمَنا﴾ [الملك: ٢٨]) فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ سَوّى بَيْنَ فَرْضِ إهْلاكِ المُسْلِمِينَ وإحْيائِهِمْ في أنَّ أيَّ الحالَيْنِ فُرِضَ لا يُجِيرُهم مَعَهُ أحَدٌ مِنَ العَذابِ، أعْقَبَهُ بِأنَّ المُسْلِمِينَ آمَنُوا بِالرَّحْمانِ، فَهم مَظِنَّةُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِمْ هَذِهِ الصِّفَةُ فَيَرْحَمَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ عِلْمَ اليَقِينِ أيَّ الفَرِيقَيْنِ في ضَلالٍ حِينَ يَرَوْنَ أثَرَ الرَّحْمَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وانْتِفاءَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا وخاصَّةً في الآخِرَةِ.
وضَمِيرُ (هو) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى الواقِعُ في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، أيِ اللَّهُ هو الَّذِي وصْفُهُ (الرَّحْمانُ) فَهو يَرْحَمُنا، وأنَّكم أنْكَرْتُمْ هَذا الاسْمَ فَأنْتُمْ أحْرِياءُ بِأنْ تُحْرَمُوا آثارَ رَحْمَتِهِ. ونَحْنُ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وأنْتُمْ غَرَّكم عِزُّكم وجَعَلْتُمُ الأصْنامَ مُعْتَمَدَكم ووُكَلاءَكم.
وبِهَذِهِ التَّوْطِئَةِ يَقَعُ الإيماءُ إلى الجانِبِ المُهْتَدِي والجانِبِ الضّالِّ مِن قَوْلِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لِأنَّهُ يُظْهِرُ بادِئَ تَأمُّلٍ أنَّ الَّذِينَ في ضَلالٍ مُبِينٍ هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا وصْفَ الرَّحْمَنِ وتَوَكَّلُوا عَلى الأوْثانِ.
و(مَن) مَوْصُولَةٌ، وماصْدَقُ (مَن) فَرِيقٌ مُبْهَمٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ ﴿إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ [الملك: ٢٨] وقَوْلُهُ ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ [الملك: ٢٨]، فَأحَدُ الفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ النَّبِيءِ ﷺ ومَن مَعَهُ، والآخَرُ فَرِيقُ الكافِرِينَ، أيْ فَسَتَعْلَمُونَ اتِّضاحَ الفَرِيقِ الَّذِي هو في ضَلالٍ مُبِينٍ.
وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ (تَوَكَّلْنا) عَلَيْهِ لِإفادَةِ الاخْتِصاصِ، أيْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِمُخالَفَةِ حالِ المُشْرِكِينَ إذْ تَوَكَّلُوا عَلى أصْنامِهِمْ وأشْرَكُوا في التَّوَكُّلِ مَعَ اللَّهِ، أوْ نَسُوا التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ بِاشْتِغالِ فَكْرَتِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى الأصْنامِ.
وإنَّما لَمْ يُقَدَّمْ مَعْمُولُ (آمَنّا) عَلَيْهِ فَلَمْ يَقُلْ: بِهِ آمَنّا، لِمُجَرَّدِ الاهْتِمامِ إلى الإخْبارِ عَنْ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ وصْفِ الآخَرِينَ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الملك: ٢٨] فَإنَّ هَذا جَوابٌ آخَرُ عَلى تَمَنِّيهِمْ لَهُ الهَلاكَ وسُلِكَ بِهِ طَرِيقَ التَّبْكِيتِ، أيْ هو الرَّحْمَنُ يُجِيرُنا مِن سُوءٍ تَرُومُونَهُ لَنا لِأنَّنا آمَنّا بِهِ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ
صفحة ٥٥
كَما كَفَرْتُمْ، فَلَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ في إيرادِهِ نَفْيَ الإشْراكِ وإثْباتَ التَّوْحِيدِ؛ إذِ الكَلامُ في الإهْلاكِ والإنْجاءِ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِ (رَحِمَنا)، فَجِيءَ بِجُمْلَةِ (آمَنّا) عَلى أصْلٍ مُجَرَّدٍ مَعْناها دُونَ قَصْدِ الاخْتِصاصِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي مُنْجِيًا وناصِرًا، والمُشْرِكُونَ مُتَوَكِّلُونَ عَلى أصْنامِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَقِيلَ: نَحْنُ لا نَتَّكِلُ عَلى ما أنْتُمْ مُتَوَكِّلُونَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلى الرَّحْمَنِ وحْدَهُ تَوَكُّلُنا.
وفِعْلُ (فَسَتَعْلَمُونَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِمَجِيءِ الاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَسَتَعْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِمّا أُمِرَ بِقَوْلِهِ الرَّسُولُ ﷺ . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِياءِ الغائِبِ عَلى أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ سَيُعاقِبُهم عِقابَ الضّالِّينَ.
الملك 67:30
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهم يَتَرَقَّبُهم عَذابُ الجُوعِ بِالقَحْطِ والجَفافِ فَإنَّ مَكَّةَ قَلِيلَةُ المِياهِ ولَمْ تَكُنْ بِها عُيُونٌ ولا آبارٌ قَبْلَ زَمْزَمَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ تَعَجُّبِ القافِلَةِ مِن جُرْهُمَ الَّتِي مَرَّتْ بِمَوْضِعِ مَكَّةَ حِينَ أسْكَنَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هاجَرَ بِابْنِهِ إسْماعِيلَ فَفَجَّرَ اللَّهُ لَها زَمْزَمَ ولَمَحَتِ القافِلَةُ الطَّيْرَ تَحُومُ حَوْلَ مَكانِها فَقالُوا: ما عَهِدْنا بِهَذِهِ الأرْضِ ماءً، ثُمَّ حَفَرَ مَيْمُونُ بْنُ خالِدٍ الحَضْرَمِيُّ بِأعْلاها بِئْرًا تُسَمّى بِئْرُ مَيْمُونٍ في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ قُبَيْلَ البَعْثَةِ، وكانَتْ بِها بِئْرٌ أُخْرى تُسَمّى الجَفْرُ بِالجِيمِ لِبَنِيِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةٍ، وبِئْرٍ تُسَمّى الجَمُّ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ وأهْمَلَها القامُوسُ وتاجُهُ، ولَعَلَّ هاتَيْنِ البِئْرَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لَمْ تَكُونا في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ .
فَماءُ هَذِهِ الآبارِ هو الماءُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ بِأنَّهُ يُصْبِحُ غَوْرًا، وهَذا الإنْذارُ نَظِيرُ الواقِعِ في سُورَةِ القَلَمِ ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] .
والغَوْرُ: مَصْدَرُ غارَتِ البِئْرُ، إذا نَزَحَ ماؤُها فَلَمْ تَنَلْهُ الدِّلاءُ.
والمُرادُ: ماءُ البِيرِ كَما في قَوْلِهِ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ [الكهف: ٤١] في ذِكْرِ جَنَّةِ سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ٥٦
وأصْلُ الغَوْرِ: ذَهابُ الماءِ في الأرْضِ، مَصْدَرُ غارَ الماءُ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ. والإخْبارُ بِهِ عَنِ الماءِ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: عَدْلٍ، ورِضًى. والمَعِينُ: الظّاهِرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، والبِئْرُ المَعِينَةُ: القَرِيبَةُ الماءِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ.
والاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَأْتِيكم أحَدٌ بِماءٍ مَعِينٍ: أيْ غَيْرَ اللَّهِ، وأكْتَفِي عَنْ ذِكْرِهِ لِظُهُورِهِ مِن سِياقِ الكَلامِ ومِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠] الآيَتَيْنِ.
وقَدْ أُصِيبُوا بِقَحْطٍ شَدِيدٍ بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وهو المُشارُ إلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ انْحِباسَ المَطَرِ يَتْبَعُهُ غَوْرُ مِياهِ الآبارِ لِأنَّ اسْتِمْدادَها مِنَ الماءِ النّازِلِ عَلى الأرْضِ، قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] وقالَ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾ [البقرة: ٧٤] .
ومِنَ النَّوادِرِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ مَعَ ما نُقِلَ عَنْهُ في بَيانِهِ، قالَ: وعَنْ بَعْضِ الشُطّارِ هو مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّاءَ الطَّبِيبُ كَما بَيَّنَهُ المُصَنِّفُ فِيما نُقِلَ عَنْهُ أنَّها أيْ هَذِهِ الآيَةِ تُلِيَتْ عِنْدَهُ فَقالَ تَجِيءُ بِهِ (أيِ الماءِ) الفُئُوسُ والمَعاوِلُ فَذَهَبَ ماءُ عَيْنَيْهِ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الجُرْأةِ عَلى اللَّهِ وعَلى آياتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ٥٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَلَمِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ ن والقَلَمِ) عَلى حِكايَةِ اللَّفْظَيْنِ الواقِعَيْنِ في أوَّلِها، أيْ سُورَةُ هَذا اللَّفْظِ.
وتَرْجَمَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ سُورَةَ (ن) بِالاقْتِصارِ عَلى الحَرْفِ المُفْرَدِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ مِثْلُ ما سُمِّيَتْ سُورَةُ (ص) وسُورَةُ (ق) .
وفِي بَعْضِ المَصاحِفِ سُمِّيَتْ سُورَةُ القَلَمِ وكَذَلِكَ رَأيْتُ تَسْمِيَتَها في مُصْحَفٍ مَخْطُوطٍ بِالخَطِّ الكُوفِيِّ في القَرْنِ الخامِسِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الماوَرْدِيِّ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: أوَّلُها مَكِّيٌّ، إلى قَوْلِهِ ﴿عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]، ومِن قَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إلى ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] مَدَنِيٌّ، ومِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] مَكِّيٌّ
صفحة ٥٨
ومِن قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] مَدَّنِيٌّ، ومِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [القلم: ٥١] إلى آخِرِ السُّورَةِ مَكِّيٌّ.
وفِي الإتْقانِ عَنِ السَّخاوِيِّ: أنَّ المَدَنِيَّ مِنها مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إلى ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] ومِن قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] فَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [القلم: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] مَدَنِيًّا خِلافًا لِما نَسَبَهُ الماوَرْدِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وهَذِهِ السُّورَةُ عَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ ثانِيَةَ السُّورِ نُزُولًا قالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وبَعْدَها سُورَةُ المُزَّمِّلِ ثُمَّ سُورَةُ المُدَّثِّرِ، والأصَحُّ حَدِيثُ عائِشَةَ «أنَّ أوَّلَ ما أُنْزِلَ سُورَةُ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ» ( .
وما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ يُحْمَلُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: أنَّ مُعْظَمَ السُّورَةِ نَزَلَ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأبِي جَهْلٍ.
واتَّفَقَ العادُّونَ عَلى عَدِّ آيِها ثِنْتَيْنِ وخَمْسِينَ.
* * *
أغْراضُها جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإيماءُ بِالحَرْفِ الَّذِي في أوَّلِها إلى تَحَدِّي المُعانِدِينَ بِالتَّعْجِيزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ سُوَرِ القُرْآنِ وهَذا أوَّلُ التَّحَدِّي الواقِعِ في القُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ في سُورَةِ العَلَقِ ولا في المُزَّمِّلِ ولا في المُدَّثِّرِ إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي ولا تَصْرِيحٌ.
وفِيها إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي بِمُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] .
وابْتُدِئَتْ بِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ تَأْنِيسًا لَهُ وتَسْلِيَةً عَمّا لَقِيَهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ.
وإبْطالُ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ في النَّبِيءِ ﷺ .
وإثْباتُ كَمالاتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهَدْيِهِ وضَلالِ مُعانَدِيهِ وتَثْبِيتِهِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ بِما هو مِن مَظاهِرِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في تَعْلِيمِ الإنْسانِ
صفحة ٥٩
الكِتابَةَ فَتَضَمَّنَ تَشْرِيفَ حُرُوفِ الهِجاءِ والكِتابَةِ والعِلْمِ لِتَهْيِئَةِ الأُمَّةِ لِخَلْعِ دِثارِ الأُمِّيَّةِ عَنْهم وإقْبالِهِمْ عَلى الكِتابَةِ والعِلْمِ لِتَكُونَ الكِتابَةُ والعِلْمُ سَبَبًا لِحِفْظِ القُرْآنِ.
ثُمَّ أنْحى عَلى زُعَماءِ المُشْرِكِينَ مَثْلِ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ بِمَذَمّاتٍ كَثِيرَةٍ وتَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ وبِبَلايا في الدُّنْيا بِأنْ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِمَن غَرَّهم عِزَّهم وثَراؤُهم، فَأزالَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم وأبادَ نِعْمَتَهم.
وقابَلَ ذَلِكَ بِحالِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ وأنَّ اللَّهَ اجْتَباهم بِالإسْلامِ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
ووَعَظَهم بِأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ اسْتِدْراجٌ وإمْلاءٌ جَزاءَ كَيْدِهِمْ. وأنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فِيما قابَلُوا بِهِ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ مِن طُغْيانِهِمْ ولا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في الإنْصاتِ إلَيْها.
وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ في تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ وتَلَقِّي أذى قَوْمِهِ، وأنْ لا يَضْجَرَ في ذَلِكَ ضَجَرًا عاتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .