Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — القلم 68:1 – القلم 68:52

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. القلم 68:1
  2. القلم 68:2
  3. القلم 68:3
  4. القلم 68:4
  5. القلم 68:5
  6. القلم 68:6
  7. القلم 68:7
  8. القلم 68:8
  9. القلم 68:9
  10. القلم 68:10
  11. القلم 68:11
  12. القلم 68:12
  13. القلم 68:13
  14. القلم 68:14
  15. القلم 68:15
  16. القلم 68:16
  17. القلم 68:17
  18. القلم 68:18
  19. القلم 68:19
  20. القلم 68:20
  21. القلم 68:21
  22. القلم 68:22
  23. القلم 68:23
  24. القلم 68:24
  25. القلم 68:25
  26. القلم 68:26
  27. القلم 68:27
  28. القلم 68:28
  29. القلم 68:29
  30. القلم 68:30
  31. القلم 68:31
  32. القلم 68:32
  33. القلم 68:33
  34. القلم 68:34
  35. القلم 68:35
  36. القلم 68:36
  37. القلم 68:37
  38. القلم 68:38
  39. القلم 68:39
  40. القلم 68:40
  41. القلم 68:41
  42. القلم 68:42
  43. القلم 68:43
  44. القلم 68:44
  45. القلم 68:45
  46. القلم 68:46
  47. القلم 68:47
  48. القلم 68:48
  49. القلم 68:49
  50. القلم 68:50
  51. القلم 68:51
  52. القلم 68:52

القلم 68:1

﴿ن﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِأحَدِ حُرُوفِ الهِجاءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِها مِن فَواتِحِ السُّوَرِ ذَواتِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المُبَيَّنَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مُفْتَتَحَةً بِحَرْفٍ مَقْطَعٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ. ورَسَمُوا حَرْفَ (ن) بِصُورَتِهِ الَّتِي يُرْسَمُ بِها في الخَطِّ وهي مُسَمّى اسْمِهِ الَّذِي هو (نُونٌ) (بِنُونٍ بَعْدَها واوٍ ثُمَّ نُونٍ) وكانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ الحُرُوفُ الثَّلاثَةُ؛ لِأنَّ الكِتابَةَ تَبَعٌ لِلنُّطْقِ والمَنطُوقِ بِهِ وهو اسْمُ الحَرْفِ لا ذاتُهُ؛ لِأنَّكَ إذا أرَدْتَ كِتابَةَ سَيْفٍ مَثَلًا فَإنَّما تَرْسُمُ سِينًا، وياءً، وفاءً، ولا تَرْسُمُ صُورَةَ سَيْفٍ. وإنَّما يُقْرَأُ بِاسْمِ الحِرَفِ لا بِهِجائِهِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. ويُنْطَقُ بِاسْمِ نُونٍ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ الكَلِماتِ قَبْلَ دُخُولِ العَوامِلِ عَلَيْها. وكَذَلِكَ قُرِئَ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ. * * * صفحة ٦٠ ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ يَجْرِي القَسَمُ هُنا عَلى سُنَنِ الأقْسامِ الصّادِرَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنْ تَكُونَ بِأشْياءٍ مُعَظَّمَةٍ دالَّةٍ عَلى آثارِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى. والقَلَمُ المُقْسَمُ بِهِ قِيلَ هو ما يُكَنّى عَنْهُ بِالقَلَمِ مِن تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالمَوْجُوداتِ الكائِنَةِ والَّتِي سَتَكُونُ، أوْ هو كائِنٌ غَيْبِيٌّ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةٍ: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . قُلْتُ: وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ في الظّاهِرِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حالُ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِينَ بِالخِطابِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُوا إلّا القَلَمَ الَّذِي هو آلَةُ الكِتابَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ مِنَ العَرَبِ. ومِن فَوائِدَ هَذا القَسَمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ كِتابُ الإسْلامِ، وأنَّهُ سَيَكُونُ مَكْتُوبًا مَقْرُوءًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِكِتابَةِ ما يُوحى بِهِ إلَيْهِ. وتَعْرِيفُ (القَلَمِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فالقَسَمُ بِالقَلَمِ لِشَرَفِهِ بِأنَّهُ يُكْتَبُ بِهِ القُرْآنُ وكُتِبَتْ بِهِ الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ وتُكْتَبُ بِهِ كُتُبُ التَّرْبِيَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ والعُلُومِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لَهُ حَظُّ شَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا يُرَجِّحُهُ أنَّ اللَّهَ نَوَّهُ بِالقَلَمِ في أوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . و(﴿ما يَسْطُرُونَ﴾) هي السُّطُورُ المَكْتُوبَةُ بِالقَلَمِ و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أيْ وما يَكْتُبُونَهُ مِنَ الصُّحُفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. والمَعْنى: وسَطْرِهِمُ الكِتابَةَ سُطُورًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُ بِها كُتّابُ الوَحْيِ القُرْآنَ، (﴿وما يَسْطُرُونَ﴾) قَسَمًا بِكِتابَتِهِمْ، فَيَكُونُ قَسَمًا بِالقُرْآنِ عَلى أنَّ القُرْآنَ ما هو بِكَلامِ مَجْنُونٍ صفحة ٦١ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ: وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ. . . البَيْتَ. ويَسْطُرُونَ: مُضارِعُ سَطَرَ، يُقالُ: سَطَرَ مِن بابِ نَصَرَ، إذا كَتَبَ كَلِماتٍ عِدَّةٍ تَحْصُلُ مِنها صُفُوفٌ مِنَ الكِتابَةِ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّطْرِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّ صُفُوفَ الكِتابَةِ تَبْدُو كَأنَّها قِطَعٌ. وضَمِيرُ (يَسْطُرُونَ) راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ وهو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ القَلَمِ يُنْبِئُ بِكَتَبَةٍ يَكْتُبُونَ بِهِ فَكانَ لَفْظُ القَسَمِ مُتَعَلِّقًا بِآلَةِ الكِتابَةِ والكِتابَةِ، والمَقْصُودُ: المَكْتُوبُ في إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ. فَهو بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ السّاطِرِينَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والمَسْطُورِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] . ومَن فَسَّرَ (القَلَمِ) بِمَعْنى تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما سَيَكُونُ جَعَلَ ضَمِيرَ (يَسْطُرُونَ) راجِعًا إلى المَلائِكَةِ فَيَكُونُ السَّطْرُ رَمْزًا لِتَنْفِيذِ المَلائِكَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِتَنْفِيذِهِ حِينَ تَلَقِّي ذَلِكَ، أيْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهِ أوْ لِإبْلاغِهِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ ولا النُّقْصانَ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ الضَّبْطُ بِضَبْطِ الكاتِبِ ما يُرِيدُ إبْلاغَهُ بِدُونِ تَغْيِيرٍ. وأُوثِرَ القَسَمُ بِالقَلَمِ والكِتابَةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ باعِثَ الطّاعِنِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ واللّامِزِينَ لَهُ بِالجُنُونِ، إنَّما هو ما أتاهم بِهِ مِنَ الكِتابِ. والمُقْسَمُ عَلَيْهِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مَجْنُونًا والخِطابُ لَهُ بِهَذا تَسْلِيَةً لَهُ لِئَلّا يُحْزِنَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ: هو مَجْنُونٌ، وذَلِكَ ما شافَهُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ وحَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] . وهَكَذا كُلُّ ما ورَدَ فِيهِ نَفْيُ صِفَةِ الجُنُونِ عَنْهُ فَإنَّما هو رَدٌّ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . وقَدْ زَلَّ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ زَلَّةً لا تَلِيقُ بِعِلْمِهِ. والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ إثْباتُ ما قَصَدَ المُشْرِكُونَ نَفْيَهُ وهو أنْ يَكُونَ صفحة ٦٢ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ لِأنَّهم لَمّا نَفَوْا عَنْهُ صِفَةَ الرِّسالَةِ وضَعُوا مَوْضِعَها صِفَةَ الجُنُونِ، فَإذا نُفِيَ ما زَعَمُوهُ فَقَدْ ثَبَتَ ما ادَّعاهُ. وقَدْ أُجِيبَ قَوْلُهم وتَأْكِيدُهم ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) ولامِ الابْتِداءِ إذْ قالُوا ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] بِمُؤَكِّداتٍ أقْوى مِمّا في كَلامِهِمْ إذْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ وجِيءَ بَعْدَ النَّفْيِ بِالباءِ الَّتِي تُزادُ بَعْدَ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ، وبِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مَنفِيَّةً لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ، أيْ تَحَقُّقِهِ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ. وقَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ جَعَلَهُ في الكَشّافِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في (مَجْنُونٍ) المَنفِيِّ. والتَّقْدِيرُ: انْتَفى وصْفُ المَجْنُونِ بِنِعْمَةِ رَبِّكِ عَلَيْكَ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ إنْعامِ اللَّهِ إذْ بَرَّأكَ مِنَ النَّقائِصِ. والَّذِي أرى أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً، وأنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ وتَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في تَعَلُّقِ الباءِ في قَوْلِهِ (بِاسْمِ اللَّهِ) وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمالُهم كَقَوْلِ الحَماسِيِّ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللَّهَبِيِّ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُـونَـا وذَهَبَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ أنَّ (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ حَرْفُ (ما) النّافِيَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ وقَدَّرَهُ: انْتَفى أنْ تَكُونَ مَجْنُونًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (مَجْنُونٍ) إذْ لَوْ عُلِّقَ بِهِ لَأوْهَمَ نَفْيَ جُنُونٍ خاصٍّ وهو الجُنُونُ الَّذِي يَكُونُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ. واسْتَحْسَنَ هَذا ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ الثّالِثِ لَوْلا أنَّهُ مُخالِفٌ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالحَرْفِ ولَمْ يُخالِفْهم في ذَلِكَ إلّا أبُو عَلِيٍّ وأبُو الفَتْحِ في خُصُوصِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ والظَّرْفِ بِمَعْنى الحَرْفِ النّائِبِ عَنْ فِعْلٍ مِثْلُ حَرْفِ النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا لَزَيْدٍ يُرِيدُ في الاسْتِغاثَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] في سُورَةِ الطُّورِ. ولَمّا ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَدَفَعَ بُهْتانَ أعْدائِهِ أعْقَبَهُ بِإكْرامِهِ بِأجْرٍ عَظِيمٍ عَلى ما لَقِيَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِلامِ الابْتِداءِ وبِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ وهو في قَوْلِهِ لَكَ. صفحة ٦٣ وهَذا الأجْرُ هو ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ وعِنايَةُ اللَّهِ بِهِ ونَصْرُهُ في الدُّنْيا. و(مَمْنُونٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن مَنِّ المُعْطِي عَلى المُعْطى إذا عَدَّ عَلَيْهِ عَطاءَهُ وذَكَرَهُ لَهُ، أوِ افْتَخَرَ عَلَيْهِ بِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسُوءُ المُعْطى، قالَ النّابِغَةُ: عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبٍ أيْ لَيْسَ فِيها أذًى، والمَنُّ مِنَ الأذى قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وقَدِ انْتَزَعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ أوْ غَيْرُهُ في قَوْلِهِ: أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ قَبْلَهُ: سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ومُرادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ المَعْرُوفُ بِالأشْدَقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَمْنُونٍ) مُشْتَقًّا مِن قَوْلِهِمْ: مَنَّ الحَبْلَ، إذا قَطَعَهُ، أيْ أجْرًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْكَ، وهو الثَّوابُ المُتَزايِدُ كُلَّ يَوْمٍ، أوْ أجْرًا أبَدِيًّا في الآخِرَةِ، ولِهَذا كانَ لِإيثارِ كَلِمَةِ (مَمْنُونٍ) هُنا مِنَ الإيجازِ بِجَمْعِ مَعْنَيَيْنِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] في سُورَةِ هُودٍ؛ لِأنَّ ما هُنا تَكْرِمَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْدَ أنْ آنَسَ نَفْسَ رَسُولِهِ ﷺ بِالوَعْدِ عادَ إلى تَسْفِيهِ قَوْلِ الأعْداءِ فَحَقَّقَ أنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِخُلُقٍ عَظِيمٍ وذَلِكَ ضِدُّ الجُنُونِ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ مِثْلُ ما في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ. والخُلُقُ: طِباعُ النَّفْسِ، وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى طِباعِ الخَيْرِ إذا لَمْ تُتْبَعْ بِنَعْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والعَظِيمُ: الرَّفِيعُ القَدْرِ وهو مُسْتَعارٌ مِن ضَخامَةِ الجِسْمِ، وشاعَتْ هَذِهِ الاسْتِعارَةُ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ. و(عَلى) لِلْاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] . صفحة ٦٤ وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها «سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» أيْ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن إيقاعِ الفَضائِلِ والمَكارِمِ والنَّهْيِ عَنْ أضْدادِها. والخُلُقُ العَظِيمُ: هو الخُلُقُ الأكْرَمُ في نَوْعِ الأخْلاقِ وهو البالِغُ أشَدَّ الكَمالِ المَحْمُودِ في طَبْعِ الإنْسانِ لِاجْتِماعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ في النَّبِيءِ ﷺ فَهو حَسَنٌ مُعامَلَتِهِ النّاسَ إلى اخْتِلافِ الأحْوالِ المُقْتَضِيَةِ لِحُسْنِ المُعامَلَةِ، فالخُلُقُ العَظِيمُ أرْفَعُ مِن مُطْلَقِ الخُلُقِ الحَسَنِ. ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ألَسْتَ تَقْرَأُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآياتِ العَشْرَ. وعَنْ عَلِيٍّ الخُلُقُ العَظِيمُ: هو أدَبُ القُرْآنِ ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ ما وصَفَ بِهِ القُرْآنُ مَحامِدَ الأخْلاقِ وما وُصِفَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ القُرْآنِ. وما أخَذَ بِهِ مِنَ الأدَبِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ غَيْرَ القُرْآنِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، فَجَعَلَ أصْلَ شَرِيعَتِهِ إكْمالَ ما يَحْتاجُهُ البَشَرُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ في نُفُوسِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ أكْبَرُ مَظْهَرٍ لِما في شَرْعِهِ قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها﴾ [الجاثية: ١٨] وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] . فَكَما جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِحَمْلِ النّاسِ عَلى التَّخَلُّقِ بِالخُلُقِ العَظِيمِ بِمُنْتَهى الاسْتِطاعَةِ. وبِهَذا يَزْدادُ وُضُوحًا مَعْنى التَّمَكُّنِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ الاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ الخُلُقُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، ومُتَمَكِّنٌ مِنهُ في دَعْوَتِهِ الدِّينِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ جُماعَ الخُلُقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أعْلى الخُلُقِ الحَسَنِ هو التَّدَيُّنُ، ومَعْرِفَةُ الحَقائِقِ، وحِلْمُ النَّفْسِ، والعَدْلُ، والصَّبْرُ عَلى المَتاعِبِ، والاعْتِرافُ لِلْمُحْسِنِ، والتَّواضُعُ، والزُّهْدُ، والعِفَّةُ، والعَفْوُ، والجُمُودُ، والحَياءُ، والشَّجاعَةُ، وحُسْنُ الصَّمْتِ، والتَّؤُدَةُ، والوَقارُ، والرَّحْمَةُ، وحُسْنُ المُعامَلَةِ والمُعاشَرَةِ. والأخْلاقُ كامِنَةٌ في النَّفْسِ ومَظاهِرُها تَصَرُّفاتُ صاحِبِها في كَلامِهِ، وطَلاقَةِ صفحة ٦٥ وجْهِهِ، وثَباتِهِ، وحُكْمِهِ، وحَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ، وطَعامِهِ وشَرابِهِ، وتَأْدِيبِ أهْلِهِ، ومَن لِنَظِرِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ والسُّمْعَةِ. وأمّا مَظاهِرُها في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفي ذَلِكَ كُلِّهِ وفي سِياسِيَّتِهِ أُمَّتِهِ، وفِيما خُصَّ بِهِ مِن فَصاحَةِ كَلامِهِ وجَوامِعِ كَلِمِهِ.

القلم 68:2

﴿ن﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِأحَدِ حُرُوفِ الهِجاءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِها مِن فَواتِحِ السُّوَرِ ذَواتِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المُبَيَّنَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مُفْتَتَحَةً بِحَرْفٍ مَقْطَعٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ. ورَسَمُوا حَرْفَ (ن) بِصُورَتِهِ الَّتِي يُرْسَمُ بِها في الخَطِّ وهي مُسَمّى اسْمِهِ الَّذِي هو (نُونٌ) (بِنُونٍ بَعْدَها واوٍ ثُمَّ نُونٍ) وكانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ الحُرُوفُ الثَّلاثَةُ؛ لِأنَّ الكِتابَةَ تَبَعٌ لِلنُّطْقِ والمَنطُوقِ بِهِ وهو اسْمُ الحَرْفِ لا ذاتُهُ؛ لِأنَّكَ إذا أرَدْتَ كِتابَةَ سَيْفٍ مَثَلًا فَإنَّما تَرْسُمُ سِينًا، وياءً، وفاءً، ولا تَرْسُمُ صُورَةَ سَيْفٍ. وإنَّما يُقْرَأُ بِاسْمِ الحِرَفِ لا بِهِجائِهِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. ويُنْطَقُ بِاسْمِ نُونٍ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ الكَلِماتِ قَبْلَ دُخُولِ العَوامِلِ عَلَيْها. وكَذَلِكَ قُرِئَ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ. * * * صفحة ٦٠ ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ يَجْرِي القَسَمُ هُنا عَلى سُنَنِ الأقْسامِ الصّادِرَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنْ تَكُونَ بِأشْياءٍ مُعَظَّمَةٍ دالَّةٍ عَلى آثارِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى. والقَلَمُ المُقْسَمُ بِهِ قِيلَ هو ما يُكَنّى عَنْهُ بِالقَلَمِ مِن تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالمَوْجُوداتِ الكائِنَةِ والَّتِي سَتَكُونُ، أوْ هو كائِنٌ غَيْبِيٌّ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةٍ: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . قُلْتُ: وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ في الظّاهِرِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حالُ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِينَ بِالخِطابِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُوا إلّا القَلَمَ الَّذِي هو آلَةُ الكِتابَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ مِنَ العَرَبِ. ومِن فَوائِدَ هَذا القَسَمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ كِتابُ الإسْلامِ، وأنَّهُ سَيَكُونُ مَكْتُوبًا مَقْرُوءًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِكِتابَةِ ما يُوحى بِهِ إلَيْهِ. وتَعْرِيفُ (القَلَمِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فالقَسَمُ بِالقَلَمِ لِشَرَفِهِ بِأنَّهُ يُكْتَبُ بِهِ القُرْآنُ وكُتِبَتْ بِهِ الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ وتُكْتَبُ بِهِ كُتُبُ التَّرْبِيَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ والعُلُومِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لَهُ حَظُّ شَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا يُرَجِّحُهُ أنَّ اللَّهَ نَوَّهُ بِالقَلَمِ في أوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . و(﴿ما يَسْطُرُونَ﴾) هي السُّطُورُ المَكْتُوبَةُ بِالقَلَمِ و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أيْ وما يَكْتُبُونَهُ مِنَ الصُّحُفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. والمَعْنى: وسَطْرِهِمُ الكِتابَةَ سُطُورًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُ بِها كُتّابُ الوَحْيِ القُرْآنَ، (﴿وما يَسْطُرُونَ﴾) قَسَمًا بِكِتابَتِهِمْ، فَيَكُونُ قَسَمًا بِالقُرْآنِ عَلى أنَّ القُرْآنَ ما هو بِكَلامِ مَجْنُونٍ صفحة ٦١ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ: وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ. . . البَيْتَ. ويَسْطُرُونَ: مُضارِعُ سَطَرَ، يُقالُ: سَطَرَ مِن بابِ نَصَرَ، إذا كَتَبَ كَلِماتٍ عِدَّةٍ تَحْصُلُ مِنها صُفُوفٌ مِنَ الكِتابَةِ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّطْرِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّ صُفُوفَ الكِتابَةِ تَبْدُو كَأنَّها قِطَعٌ. وضَمِيرُ (يَسْطُرُونَ) راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ وهو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ القَلَمِ يُنْبِئُ بِكَتَبَةٍ يَكْتُبُونَ بِهِ فَكانَ لَفْظُ القَسَمِ مُتَعَلِّقًا بِآلَةِ الكِتابَةِ والكِتابَةِ، والمَقْصُودُ: المَكْتُوبُ في إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ. فَهو بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ السّاطِرِينَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والمَسْطُورِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] . ومَن فَسَّرَ (القَلَمِ) بِمَعْنى تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما سَيَكُونُ جَعَلَ ضَمِيرَ (يَسْطُرُونَ) راجِعًا إلى المَلائِكَةِ فَيَكُونُ السَّطْرُ رَمْزًا لِتَنْفِيذِ المَلائِكَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِتَنْفِيذِهِ حِينَ تَلَقِّي ذَلِكَ، أيْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهِ أوْ لِإبْلاغِهِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ ولا النُّقْصانَ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ الضَّبْطُ بِضَبْطِ الكاتِبِ ما يُرِيدُ إبْلاغَهُ بِدُونِ تَغْيِيرٍ. وأُوثِرَ القَسَمُ بِالقَلَمِ والكِتابَةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ باعِثَ الطّاعِنِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ واللّامِزِينَ لَهُ بِالجُنُونِ، إنَّما هو ما أتاهم بِهِ مِنَ الكِتابِ. والمُقْسَمُ عَلَيْهِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مَجْنُونًا والخِطابُ لَهُ بِهَذا تَسْلِيَةً لَهُ لِئَلّا يُحْزِنَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ: هو مَجْنُونٌ، وذَلِكَ ما شافَهُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ وحَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] . وهَكَذا كُلُّ ما ورَدَ فِيهِ نَفْيُ صِفَةِ الجُنُونِ عَنْهُ فَإنَّما هو رَدٌّ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . وقَدْ زَلَّ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ زَلَّةً لا تَلِيقُ بِعِلْمِهِ. والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ إثْباتُ ما قَصَدَ المُشْرِكُونَ نَفْيَهُ وهو أنْ يَكُونَ صفحة ٦٢ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ لِأنَّهم لَمّا نَفَوْا عَنْهُ صِفَةَ الرِّسالَةِ وضَعُوا مَوْضِعَها صِفَةَ الجُنُونِ، فَإذا نُفِيَ ما زَعَمُوهُ فَقَدْ ثَبَتَ ما ادَّعاهُ. وقَدْ أُجِيبَ قَوْلُهم وتَأْكِيدُهم ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) ولامِ الابْتِداءِ إذْ قالُوا ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] بِمُؤَكِّداتٍ أقْوى مِمّا في كَلامِهِمْ إذْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ وجِيءَ بَعْدَ النَّفْيِ بِالباءِ الَّتِي تُزادُ بَعْدَ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ، وبِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مَنفِيَّةً لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ، أيْ تَحَقُّقِهِ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ. وقَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ جَعَلَهُ في الكَشّافِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في (مَجْنُونٍ) المَنفِيِّ. والتَّقْدِيرُ: انْتَفى وصْفُ المَجْنُونِ بِنِعْمَةِ رَبِّكِ عَلَيْكَ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ إنْعامِ اللَّهِ إذْ بَرَّأكَ مِنَ النَّقائِصِ. والَّذِي أرى أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً، وأنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ وتَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في تَعَلُّقِ الباءِ في قَوْلِهِ (بِاسْمِ اللَّهِ) وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمالُهم كَقَوْلِ الحَماسِيِّ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللَّهَبِيِّ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُـونَـا وذَهَبَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ أنَّ (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ حَرْفُ (ما) النّافِيَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ وقَدَّرَهُ: انْتَفى أنْ تَكُونَ مَجْنُونًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (مَجْنُونٍ) إذْ لَوْ عُلِّقَ بِهِ لَأوْهَمَ نَفْيَ جُنُونٍ خاصٍّ وهو الجُنُونُ الَّذِي يَكُونُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ. واسْتَحْسَنَ هَذا ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ الثّالِثِ لَوْلا أنَّهُ مُخالِفٌ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالحَرْفِ ولَمْ يُخالِفْهم في ذَلِكَ إلّا أبُو عَلِيٍّ وأبُو الفَتْحِ في خُصُوصِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ والظَّرْفِ بِمَعْنى الحَرْفِ النّائِبِ عَنْ فِعْلٍ مِثْلُ حَرْفِ النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا لَزَيْدٍ يُرِيدُ في الاسْتِغاثَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] في سُورَةِ الطُّورِ. ولَمّا ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَدَفَعَ بُهْتانَ أعْدائِهِ أعْقَبَهُ بِإكْرامِهِ بِأجْرٍ عَظِيمٍ عَلى ما لَقِيَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِلامِ الابْتِداءِ وبِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ وهو في قَوْلِهِ لَكَ. صفحة ٦٣ وهَذا الأجْرُ هو ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ وعِنايَةُ اللَّهِ بِهِ ونَصْرُهُ في الدُّنْيا. و(مَمْنُونٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن مَنِّ المُعْطِي عَلى المُعْطى إذا عَدَّ عَلَيْهِ عَطاءَهُ وذَكَرَهُ لَهُ، أوِ افْتَخَرَ عَلَيْهِ بِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسُوءُ المُعْطى، قالَ النّابِغَةُ: عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبٍ أيْ لَيْسَ فِيها أذًى، والمَنُّ مِنَ الأذى قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وقَدِ انْتَزَعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ أوْ غَيْرُهُ في قَوْلِهِ: أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ قَبْلَهُ: سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ومُرادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ المَعْرُوفُ بِالأشْدَقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَمْنُونٍ) مُشْتَقًّا مِن قَوْلِهِمْ: مَنَّ الحَبْلَ، إذا قَطَعَهُ، أيْ أجْرًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْكَ، وهو الثَّوابُ المُتَزايِدُ كُلَّ يَوْمٍ، أوْ أجْرًا أبَدِيًّا في الآخِرَةِ، ولِهَذا كانَ لِإيثارِ كَلِمَةِ (مَمْنُونٍ) هُنا مِنَ الإيجازِ بِجَمْعِ مَعْنَيَيْنِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] في سُورَةِ هُودٍ؛ لِأنَّ ما هُنا تَكْرِمَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْدَ أنْ آنَسَ نَفْسَ رَسُولِهِ ﷺ بِالوَعْدِ عادَ إلى تَسْفِيهِ قَوْلِ الأعْداءِ فَحَقَّقَ أنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِخُلُقٍ عَظِيمٍ وذَلِكَ ضِدُّ الجُنُونِ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ مِثْلُ ما في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ. والخُلُقُ: طِباعُ النَّفْسِ، وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى طِباعِ الخَيْرِ إذا لَمْ تُتْبَعْ بِنَعْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والعَظِيمُ: الرَّفِيعُ القَدْرِ وهو مُسْتَعارٌ مِن ضَخامَةِ الجِسْمِ، وشاعَتْ هَذِهِ الاسْتِعارَةُ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ. و(عَلى) لِلْاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] . صفحة ٦٤ وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها «سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» أيْ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن إيقاعِ الفَضائِلِ والمَكارِمِ والنَّهْيِ عَنْ أضْدادِها. والخُلُقُ العَظِيمُ: هو الخُلُقُ الأكْرَمُ في نَوْعِ الأخْلاقِ وهو البالِغُ أشَدَّ الكَمالِ المَحْمُودِ في طَبْعِ الإنْسانِ لِاجْتِماعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ في النَّبِيءِ ﷺ فَهو حَسَنٌ مُعامَلَتِهِ النّاسَ إلى اخْتِلافِ الأحْوالِ المُقْتَضِيَةِ لِحُسْنِ المُعامَلَةِ، فالخُلُقُ العَظِيمُ أرْفَعُ مِن مُطْلَقِ الخُلُقِ الحَسَنِ. ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ألَسْتَ تَقْرَأُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآياتِ العَشْرَ. وعَنْ عَلِيٍّ الخُلُقُ العَظِيمُ: هو أدَبُ القُرْآنِ ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ ما وصَفَ بِهِ القُرْآنُ مَحامِدَ الأخْلاقِ وما وُصِفَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ القُرْآنِ. وما أخَذَ بِهِ مِنَ الأدَبِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ غَيْرَ القُرْآنِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، فَجَعَلَ أصْلَ شَرِيعَتِهِ إكْمالَ ما يَحْتاجُهُ البَشَرُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ في نُفُوسِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ أكْبَرُ مَظْهَرٍ لِما في شَرْعِهِ قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها﴾ [الجاثية: ١٨] وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] . فَكَما جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِحَمْلِ النّاسِ عَلى التَّخَلُّقِ بِالخُلُقِ العَظِيمِ بِمُنْتَهى الاسْتِطاعَةِ. وبِهَذا يَزْدادُ وُضُوحًا مَعْنى التَّمَكُّنِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ الاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ الخُلُقُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، ومُتَمَكِّنٌ مِنهُ في دَعْوَتِهِ الدِّينِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ جُماعَ الخُلُقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أعْلى الخُلُقِ الحَسَنِ هو التَّدَيُّنُ، ومَعْرِفَةُ الحَقائِقِ، وحِلْمُ النَّفْسِ، والعَدْلُ، والصَّبْرُ عَلى المَتاعِبِ، والاعْتِرافُ لِلْمُحْسِنِ، والتَّواضُعُ، والزُّهْدُ، والعِفَّةُ، والعَفْوُ، والجُمُودُ، والحَياءُ، والشَّجاعَةُ، وحُسْنُ الصَّمْتِ، والتَّؤُدَةُ، والوَقارُ، والرَّحْمَةُ، وحُسْنُ المُعامَلَةِ والمُعاشَرَةِ. والأخْلاقُ كامِنَةٌ في النَّفْسِ ومَظاهِرُها تَصَرُّفاتُ صاحِبِها في كَلامِهِ، وطَلاقَةِ صفحة ٦٥ وجْهِهِ، وثَباتِهِ، وحُكْمِهِ، وحَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ، وطَعامِهِ وشَرابِهِ، وتَأْدِيبِ أهْلِهِ، ومَن لِنَظِرِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ والسُّمْعَةِ. وأمّا مَظاهِرُها في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفي ذَلِكَ كُلِّهِ وفي سِياسِيَّتِهِ أُمَّتِهِ، وفِيما خُصَّ بِهِ مِن فَصاحَةِ كَلامِهِ وجَوامِعِ كَلِمِهِ.

القلم 68:3

﴿ن﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِأحَدِ حُرُوفِ الهِجاءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِها مِن فَواتِحِ السُّوَرِ ذَواتِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المُبَيَّنَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مُفْتَتَحَةً بِحَرْفٍ مَقْطَعٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ. ورَسَمُوا حَرْفَ (ن) بِصُورَتِهِ الَّتِي يُرْسَمُ بِها في الخَطِّ وهي مُسَمّى اسْمِهِ الَّذِي هو (نُونٌ) (بِنُونٍ بَعْدَها واوٍ ثُمَّ نُونٍ) وكانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ الحُرُوفُ الثَّلاثَةُ؛ لِأنَّ الكِتابَةَ تَبَعٌ لِلنُّطْقِ والمَنطُوقِ بِهِ وهو اسْمُ الحَرْفِ لا ذاتُهُ؛ لِأنَّكَ إذا أرَدْتَ كِتابَةَ سَيْفٍ مَثَلًا فَإنَّما تَرْسُمُ سِينًا، وياءً، وفاءً، ولا تَرْسُمُ صُورَةَ سَيْفٍ. وإنَّما يُقْرَأُ بِاسْمِ الحِرَفِ لا بِهِجائِهِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. ويُنْطَقُ بِاسْمِ نُونٍ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ الكَلِماتِ قَبْلَ دُخُولِ العَوامِلِ عَلَيْها. وكَذَلِكَ قُرِئَ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ. * * * صفحة ٦٠ ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ يَجْرِي القَسَمُ هُنا عَلى سُنَنِ الأقْسامِ الصّادِرَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنْ تَكُونَ بِأشْياءٍ مُعَظَّمَةٍ دالَّةٍ عَلى آثارِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى. والقَلَمُ المُقْسَمُ بِهِ قِيلَ هو ما يُكَنّى عَنْهُ بِالقَلَمِ مِن تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالمَوْجُوداتِ الكائِنَةِ والَّتِي سَتَكُونُ، أوْ هو كائِنٌ غَيْبِيٌّ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةٍ: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . قُلْتُ: وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ في الظّاهِرِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حالُ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِينَ بِالخِطابِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُوا إلّا القَلَمَ الَّذِي هو آلَةُ الكِتابَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ مِنَ العَرَبِ. ومِن فَوائِدَ هَذا القَسَمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ كِتابُ الإسْلامِ، وأنَّهُ سَيَكُونُ مَكْتُوبًا مَقْرُوءًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِكِتابَةِ ما يُوحى بِهِ إلَيْهِ. وتَعْرِيفُ (القَلَمِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فالقَسَمُ بِالقَلَمِ لِشَرَفِهِ بِأنَّهُ يُكْتَبُ بِهِ القُرْآنُ وكُتِبَتْ بِهِ الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ وتُكْتَبُ بِهِ كُتُبُ التَّرْبِيَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ والعُلُومِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لَهُ حَظُّ شَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا يُرَجِّحُهُ أنَّ اللَّهَ نَوَّهُ بِالقَلَمِ في أوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . و(﴿ما يَسْطُرُونَ﴾) هي السُّطُورُ المَكْتُوبَةُ بِالقَلَمِ و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أيْ وما يَكْتُبُونَهُ مِنَ الصُّحُفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. والمَعْنى: وسَطْرِهِمُ الكِتابَةَ سُطُورًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُ بِها كُتّابُ الوَحْيِ القُرْآنَ، (﴿وما يَسْطُرُونَ﴾) قَسَمًا بِكِتابَتِهِمْ، فَيَكُونُ قَسَمًا بِالقُرْآنِ عَلى أنَّ القُرْآنَ ما هو بِكَلامِ مَجْنُونٍ صفحة ٦١ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ: وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ. . . البَيْتَ. ويَسْطُرُونَ: مُضارِعُ سَطَرَ، يُقالُ: سَطَرَ مِن بابِ نَصَرَ، إذا كَتَبَ كَلِماتٍ عِدَّةٍ تَحْصُلُ مِنها صُفُوفٌ مِنَ الكِتابَةِ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّطْرِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّ صُفُوفَ الكِتابَةِ تَبْدُو كَأنَّها قِطَعٌ. وضَمِيرُ (يَسْطُرُونَ) راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ وهو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ القَلَمِ يُنْبِئُ بِكَتَبَةٍ يَكْتُبُونَ بِهِ فَكانَ لَفْظُ القَسَمِ مُتَعَلِّقًا بِآلَةِ الكِتابَةِ والكِتابَةِ، والمَقْصُودُ: المَكْتُوبُ في إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ. فَهو بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ السّاطِرِينَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والمَسْطُورِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] . ومَن فَسَّرَ (القَلَمِ) بِمَعْنى تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما سَيَكُونُ جَعَلَ ضَمِيرَ (يَسْطُرُونَ) راجِعًا إلى المَلائِكَةِ فَيَكُونُ السَّطْرُ رَمْزًا لِتَنْفِيذِ المَلائِكَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِتَنْفِيذِهِ حِينَ تَلَقِّي ذَلِكَ، أيْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهِ أوْ لِإبْلاغِهِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ ولا النُّقْصانَ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ الضَّبْطُ بِضَبْطِ الكاتِبِ ما يُرِيدُ إبْلاغَهُ بِدُونِ تَغْيِيرٍ. وأُوثِرَ القَسَمُ بِالقَلَمِ والكِتابَةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ باعِثَ الطّاعِنِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ واللّامِزِينَ لَهُ بِالجُنُونِ، إنَّما هو ما أتاهم بِهِ مِنَ الكِتابِ. والمُقْسَمُ عَلَيْهِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مَجْنُونًا والخِطابُ لَهُ بِهَذا تَسْلِيَةً لَهُ لِئَلّا يُحْزِنَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ: هو مَجْنُونٌ، وذَلِكَ ما شافَهُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ وحَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] . وهَكَذا كُلُّ ما ورَدَ فِيهِ نَفْيُ صِفَةِ الجُنُونِ عَنْهُ فَإنَّما هو رَدٌّ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . وقَدْ زَلَّ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ زَلَّةً لا تَلِيقُ بِعِلْمِهِ. والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ إثْباتُ ما قَصَدَ المُشْرِكُونَ نَفْيَهُ وهو أنْ يَكُونَ صفحة ٦٢ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ لِأنَّهم لَمّا نَفَوْا عَنْهُ صِفَةَ الرِّسالَةِ وضَعُوا مَوْضِعَها صِفَةَ الجُنُونِ، فَإذا نُفِيَ ما زَعَمُوهُ فَقَدْ ثَبَتَ ما ادَّعاهُ. وقَدْ أُجِيبَ قَوْلُهم وتَأْكِيدُهم ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) ولامِ الابْتِداءِ إذْ قالُوا ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] بِمُؤَكِّداتٍ أقْوى مِمّا في كَلامِهِمْ إذْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ وجِيءَ بَعْدَ النَّفْيِ بِالباءِ الَّتِي تُزادُ بَعْدَ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ، وبِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مَنفِيَّةً لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ، أيْ تَحَقُّقِهِ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ. وقَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ جَعَلَهُ في الكَشّافِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في (مَجْنُونٍ) المَنفِيِّ. والتَّقْدِيرُ: انْتَفى وصْفُ المَجْنُونِ بِنِعْمَةِ رَبِّكِ عَلَيْكَ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ إنْعامِ اللَّهِ إذْ بَرَّأكَ مِنَ النَّقائِصِ. والَّذِي أرى أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً، وأنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ وتَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في تَعَلُّقِ الباءِ في قَوْلِهِ (بِاسْمِ اللَّهِ) وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمالُهم كَقَوْلِ الحَماسِيِّ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللَّهَبِيِّ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُـونَـا وذَهَبَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ أنَّ (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ حَرْفُ (ما) النّافِيَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ وقَدَّرَهُ: انْتَفى أنْ تَكُونَ مَجْنُونًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (مَجْنُونٍ) إذْ لَوْ عُلِّقَ بِهِ لَأوْهَمَ نَفْيَ جُنُونٍ خاصٍّ وهو الجُنُونُ الَّذِي يَكُونُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ. واسْتَحْسَنَ هَذا ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ الثّالِثِ لَوْلا أنَّهُ مُخالِفٌ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالحَرْفِ ولَمْ يُخالِفْهم في ذَلِكَ إلّا أبُو عَلِيٍّ وأبُو الفَتْحِ في خُصُوصِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ والظَّرْفِ بِمَعْنى الحَرْفِ النّائِبِ عَنْ فِعْلٍ مِثْلُ حَرْفِ النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا لَزَيْدٍ يُرِيدُ في الاسْتِغاثَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] في سُورَةِ الطُّورِ. ولَمّا ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَدَفَعَ بُهْتانَ أعْدائِهِ أعْقَبَهُ بِإكْرامِهِ بِأجْرٍ عَظِيمٍ عَلى ما لَقِيَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِلامِ الابْتِداءِ وبِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ وهو في قَوْلِهِ لَكَ. صفحة ٦٣ وهَذا الأجْرُ هو ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ وعِنايَةُ اللَّهِ بِهِ ونَصْرُهُ في الدُّنْيا. و(مَمْنُونٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن مَنِّ المُعْطِي عَلى المُعْطى إذا عَدَّ عَلَيْهِ عَطاءَهُ وذَكَرَهُ لَهُ، أوِ افْتَخَرَ عَلَيْهِ بِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسُوءُ المُعْطى، قالَ النّابِغَةُ: عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبٍ أيْ لَيْسَ فِيها أذًى، والمَنُّ مِنَ الأذى قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وقَدِ انْتَزَعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ أوْ غَيْرُهُ في قَوْلِهِ: أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ قَبْلَهُ: سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ومُرادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ المَعْرُوفُ بِالأشْدَقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَمْنُونٍ) مُشْتَقًّا مِن قَوْلِهِمْ: مَنَّ الحَبْلَ، إذا قَطَعَهُ، أيْ أجْرًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْكَ، وهو الثَّوابُ المُتَزايِدُ كُلَّ يَوْمٍ، أوْ أجْرًا أبَدِيًّا في الآخِرَةِ، ولِهَذا كانَ لِإيثارِ كَلِمَةِ (مَمْنُونٍ) هُنا مِنَ الإيجازِ بِجَمْعِ مَعْنَيَيْنِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] في سُورَةِ هُودٍ؛ لِأنَّ ما هُنا تَكْرِمَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْدَ أنْ آنَسَ نَفْسَ رَسُولِهِ ﷺ بِالوَعْدِ عادَ إلى تَسْفِيهِ قَوْلِ الأعْداءِ فَحَقَّقَ أنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِخُلُقٍ عَظِيمٍ وذَلِكَ ضِدُّ الجُنُونِ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ مِثْلُ ما في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ. والخُلُقُ: طِباعُ النَّفْسِ، وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى طِباعِ الخَيْرِ إذا لَمْ تُتْبَعْ بِنَعْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والعَظِيمُ: الرَّفِيعُ القَدْرِ وهو مُسْتَعارٌ مِن ضَخامَةِ الجِسْمِ، وشاعَتْ هَذِهِ الاسْتِعارَةُ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ. و(عَلى) لِلْاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] . صفحة ٦٤ وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها «سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» أيْ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن إيقاعِ الفَضائِلِ والمَكارِمِ والنَّهْيِ عَنْ أضْدادِها. والخُلُقُ العَظِيمُ: هو الخُلُقُ الأكْرَمُ في نَوْعِ الأخْلاقِ وهو البالِغُ أشَدَّ الكَمالِ المَحْمُودِ في طَبْعِ الإنْسانِ لِاجْتِماعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ في النَّبِيءِ ﷺ فَهو حَسَنٌ مُعامَلَتِهِ النّاسَ إلى اخْتِلافِ الأحْوالِ المُقْتَضِيَةِ لِحُسْنِ المُعامَلَةِ، فالخُلُقُ العَظِيمُ أرْفَعُ مِن مُطْلَقِ الخُلُقِ الحَسَنِ. ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ألَسْتَ تَقْرَأُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآياتِ العَشْرَ. وعَنْ عَلِيٍّ الخُلُقُ العَظِيمُ: هو أدَبُ القُرْآنِ ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ ما وصَفَ بِهِ القُرْآنُ مَحامِدَ الأخْلاقِ وما وُصِفَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ القُرْآنِ. وما أخَذَ بِهِ مِنَ الأدَبِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ غَيْرَ القُرْآنِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، فَجَعَلَ أصْلَ شَرِيعَتِهِ إكْمالَ ما يَحْتاجُهُ البَشَرُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ في نُفُوسِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ أكْبَرُ مَظْهَرٍ لِما في شَرْعِهِ قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها﴾ [الجاثية: ١٨] وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] . فَكَما جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِحَمْلِ النّاسِ عَلى التَّخَلُّقِ بِالخُلُقِ العَظِيمِ بِمُنْتَهى الاسْتِطاعَةِ. وبِهَذا يَزْدادُ وُضُوحًا مَعْنى التَّمَكُّنِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ الاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ الخُلُقُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، ومُتَمَكِّنٌ مِنهُ في دَعْوَتِهِ الدِّينِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ جُماعَ الخُلُقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أعْلى الخُلُقِ الحَسَنِ هو التَّدَيُّنُ، ومَعْرِفَةُ الحَقائِقِ، وحِلْمُ النَّفْسِ، والعَدْلُ، والصَّبْرُ عَلى المَتاعِبِ، والاعْتِرافُ لِلْمُحْسِنِ، والتَّواضُعُ، والزُّهْدُ، والعِفَّةُ، والعَفْوُ، والجُمُودُ، والحَياءُ، والشَّجاعَةُ، وحُسْنُ الصَّمْتِ، والتَّؤُدَةُ، والوَقارُ، والرَّحْمَةُ، وحُسْنُ المُعامَلَةِ والمُعاشَرَةِ. والأخْلاقُ كامِنَةٌ في النَّفْسِ ومَظاهِرُها تَصَرُّفاتُ صاحِبِها في كَلامِهِ، وطَلاقَةِ صفحة ٦٥ وجْهِهِ، وثَباتِهِ، وحُكْمِهِ، وحَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ، وطَعامِهِ وشَرابِهِ، وتَأْدِيبِ أهْلِهِ، ومَن لِنَظِرِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ والسُّمْعَةِ. وأمّا مَظاهِرُها في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفي ذَلِكَ كُلِّهِ وفي سِياسِيَّتِهِ أُمَّتِهِ، وفِيما خُصَّ بِهِ مِن فَصاحَةِ كَلامِهِ وجَوامِعِ كَلِمِهِ.

القلم 68:4

﴿ن﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِأحَدِ حُرُوفِ الهِجاءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِها مِن فَواتِحِ السُّوَرِ ذَواتِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المُبَيَّنَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مُفْتَتَحَةً بِحَرْفٍ مَقْطَعٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ. ورَسَمُوا حَرْفَ (ن) بِصُورَتِهِ الَّتِي يُرْسَمُ بِها في الخَطِّ وهي مُسَمّى اسْمِهِ الَّذِي هو (نُونٌ) (بِنُونٍ بَعْدَها واوٍ ثُمَّ نُونٍ) وكانَ القِياسُ أنْ تُكْتَبَ الحُرُوفُ الثَّلاثَةُ؛ لِأنَّ الكِتابَةَ تَبَعٌ لِلنُّطْقِ والمَنطُوقِ بِهِ وهو اسْمُ الحَرْفِ لا ذاتُهُ؛ لِأنَّكَ إذا أرَدْتَ كِتابَةَ سَيْفٍ مَثَلًا فَإنَّما تَرْسُمُ سِينًا، وياءً، وفاءً، ولا تَرْسُمُ صُورَةَ سَيْفٍ. وإنَّما يُقْرَأُ بِاسْمِ الحِرَفِ لا بِهِجائِهِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. ويُنْطَقُ بِاسْمِ نُونٍ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ الكَلِماتِ قَبْلَ دُخُولِ العَوامِلِ عَلَيْها. وكَذَلِكَ قُرِئَ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ. * * * صفحة ٦٠ ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ يَجْرِي القَسَمُ هُنا عَلى سُنَنِ الأقْسامِ الصّادِرَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى أنْ تَكُونَ بِأشْياءٍ مُعَظَّمَةٍ دالَّةٍ عَلى آثارِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى. والقَلَمُ المُقْسَمُ بِهِ قِيلَ هو ما يُكَنّى عَنْهُ بِالقَلَمِ مِن تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالمَوْجُوداتِ الكائِنَةِ والَّتِي سَتَكُونُ، أوْ هو كائِنٌ غَيْبِيٌّ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةٍ: أنَّهُ القَلَمُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . قُلْتُ: وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿وما يَسْطُرُونَ﴾ في الظّاهِرِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حالُ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِينَ بِالخِطابِ الَّذِينَ لا يَعْرِفُوا إلّا القَلَمَ الَّذِي هو آلَةُ الكِتابَةِ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ مِنَ العَرَبِ. ومِن فَوائِدَ هَذا القَسَمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ كِتابُ الإسْلامِ، وأنَّهُ سَيَكُونُ مَكْتُوبًا مَقْرُوءًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ولِهَذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِكِتابَةِ ما يُوحى بِهِ إلَيْهِ. وتَعْرِيفُ (القَلَمِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فالقَسَمُ بِالقَلَمِ لِشَرَفِهِ بِأنَّهُ يُكْتَبُ بِهِ القُرْآنُ وكُتِبَتْ بِهِ الكُتُبُ المُقَدَّسَةُ وتُكْتَبُ بِهِ كُتُبُ التَّرْبِيَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ والعُلُومِ وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لَهُ حَظُّ شَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا يُرَجِّحُهُ أنَّ اللَّهَ نَوَّهُ بِالقَلَمِ في أوَّلِ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] . و(﴿ما يَسْطُرُونَ﴾) هي السُّطُورُ المَكْتُوبَةُ بِالقَلَمِ و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، أيْ وما يَكْتُبُونَهُ مِنَ الصُّحُفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. والمَعْنى: وسَطْرِهِمُ الكِتابَةَ سُطُورًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُ بِها كُتّابُ الوَحْيِ القُرْآنَ، (﴿وما يَسْطُرُونَ﴾) قَسَمًا بِكِتابَتِهِمْ، فَيَكُونُ قَسَمًا بِالقُرْآنِ عَلى أنَّ القُرْآنَ ما هو بِكَلامِ مَجْنُونٍ صفحة ٦١ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وتَنْظِيرُهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ: وثَناياكِ إنَّها إغْرِيضٌ. . . البَيْتَ. ويَسْطُرُونَ: مُضارِعُ سَطَرَ، يُقالُ: سَطَرَ مِن بابِ نَصَرَ، إذا كَتَبَ كَلِماتٍ عِدَّةٍ تَحْصُلُ مِنها صُفُوفٌ مِنَ الكِتابَةِ. وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّطْرِ وهو القَطْعُ؛ لِأنَّ صُفُوفَ الكِتابَةِ تَبْدُو كَأنَّها قِطَعٌ. وضَمِيرُ (يَسْطُرُونَ) راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ وهو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ ذِكْرَ القَلَمِ يُنْبِئُ بِكَتَبَةٍ يَكْتُبُونَ بِهِ فَكانَ لَفْظُ القَسَمِ مُتَعَلِّقًا بِآلَةِ الكِتابَةِ والكِتابَةِ، والمَقْصُودُ: المَكْتُوبُ في إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ. فَهو بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ السّاطِرِينَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والمَسْطُورِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢] ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣] . ومَن فَسَّرَ (القَلَمِ) بِمَعْنى تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما سَيَكُونُ جَعَلَ ضَمِيرَ (يَسْطُرُونَ) راجِعًا إلى المَلائِكَةِ فَيَكُونُ السَّطْرُ رَمْزًا لِتَنْفِيذِ المَلائِكَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِتَنْفِيذِهِ حِينَ تَلَقِّي ذَلِكَ، أيْ يَكْتُبُونَ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ بِهِ أوْ لِإبْلاغِهِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ عَلى وجْهٍ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ ولا النُّقْصانَ، فَشُبِّهَ ذَلِكَ الضَّبْطُ بِضَبْطِ الكاتِبِ ما يُرِيدُ إبْلاغَهُ بِدُونِ تَغْيِيرٍ. وأُوثِرَ القَسَمُ بِالقَلَمِ والكِتابَةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ باعِثَ الطّاعِنِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ واللّامِزِينَ لَهُ بِالجُنُونِ، إنَّما هو ما أتاهم بِهِ مِنَ الكِتابِ. والمُقْسَمُ عَلَيْهِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ مَجْنُونًا والخِطابُ لَهُ بِهَذا تَسْلِيَةً لَهُ لِئَلّا يُحْزِنَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ: هو مَجْنُونٌ، وذَلِكَ ما شافَهُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ وحَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] . وهَكَذا كُلُّ ما ورَدَ فِيهِ نَفْيُ صِفَةِ الجُنُونِ عَنْهُ فَإنَّما هو رَدٌّ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . وقَدْ زَلَّ فِيهِ صاحِبُ الكَشّافِ زَلَّةً لا تَلِيقُ بِعِلْمِهِ. والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ إثْباتُ ما قَصَدَ المُشْرِكُونَ نَفْيَهُ وهو أنْ يَكُونَ صفحة ٦٢ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ لِأنَّهم لَمّا نَفَوْا عَنْهُ صِفَةَ الرِّسالَةِ وضَعُوا مَوْضِعَها صِفَةَ الجُنُونِ، فَإذا نُفِيَ ما زَعَمُوهُ فَقَدْ ثَبَتَ ما ادَّعاهُ. وقَدْ أُجِيبَ قَوْلُهم وتَأْكِيدُهم ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) ولامِ الابْتِداءِ إذْ قالُوا ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] بِمُؤَكِّداتٍ أقْوى مِمّا في كَلامِهِمْ إذْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ وجِيءَ بَعْدَ النَّفْيِ بِالباءِ الَّتِي تُزادُ بَعْدَ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ، وبِالجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مَنفِيَّةً لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ، أيْ تَحَقُّقِهِ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ. وقَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ جَعَلَهُ في الكَشّافِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في (مَجْنُونٍ) المَنفِيِّ. والتَّقْدِيرُ: انْتَفى وصْفُ المَجْنُونِ بِنِعْمَةِ رَبِّكِ عَلَيْكَ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ إنْعامِ اللَّهِ إذْ بَرَّأكَ مِنَ النَّقائِصِ. والَّذِي أرى أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً، وأنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ وتَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في تَعَلُّقِ الباءِ في قَوْلِهِ (بِاسْمِ اللَّهِ) وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِعْمالُهم كَقَوْلِ الحَماسِيِّ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللَّهَبِيِّ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُـونَـا وذَهَبَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ أنَّ (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِما يَتَضَمَّنُهُ حَرْفُ (ما) النّافِيَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ وقَدَّرَهُ: انْتَفى أنْ تَكُونَ مَجْنُونًا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ. ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ (مَجْنُونٍ) إذْ لَوْ عُلِّقَ بِهِ لَأوْهَمَ نَفْيَ جُنُونٍ خاصٍّ وهو الجُنُونُ الَّذِي يَكُونُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ. واسْتَحْسَنَ هَذا ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ الثّالِثِ لَوْلا أنَّهُ مُخالِفٌ لِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالحَرْفِ ولَمْ يُخالِفْهم في ذَلِكَ إلّا أبُو عَلِيٍّ وأبُو الفَتْحِ في خُصُوصِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ والظَّرْفِ بِمَعْنى الحَرْفِ النّائِبِ عَنْ فِعْلٍ مِثْلُ حَرْفِ النِّداءِ في قَوْلِكَ: يا لَزَيْدٍ يُرِيدُ في الاسْتِغاثَةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] في سُورَةِ الطُّورِ. ولَمّا ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَدَفَعَ بُهْتانَ أعْدائِهِ أعْقَبَهُ بِإكْرامِهِ بِأجْرٍ عَظِيمٍ عَلى ما لَقِيَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ بِقَرِينَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِلامِ الابْتِداءِ وبِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ وهو في قَوْلِهِ لَكَ. صفحة ٦٣ وهَذا الأجْرُ هو ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ وعِنايَةُ اللَّهِ بِهِ ونَصْرُهُ في الدُّنْيا. و(مَمْنُونٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن مَنِّ المُعْطِي عَلى المُعْطى إذا عَدَّ عَلَيْهِ عَطاءَهُ وذَكَرَهُ لَهُ، أوِ افْتَخَرَ عَلَيْهِ بِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسُوءُ المُعْطى، قالَ النّابِغَةُ: عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبٍ أيْ لَيْسَ فِيها أذًى، والمَنُّ مِنَ الأذى قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وقَدِ انْتَزَعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ أوْ غَيْرُهُ في قَوْلِهِ: أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ قَبْلَهُ: سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ومُرادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ المَعْرُوفُ بِالأشْدَقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَمْنُونٍ) مُشْتَقًّا مِن قَوْلِهِمْ: مَنَّ الحَبْلَ، إذا قَطَعَهُ، أيْ أجْرًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ عَنْكَ، وهو الثَّوابُ المُتَزايِدُ كُلَّ يَوْمٍ، أوْ أجْرًا أبَدِيًّا في الآخِرَةِ، ولِهَذا كانَ لِإيثارِ كَلِمَةِ (مَمْنُونٍ) هُنا مِنَ الإيجازِ بِجَمْعِ مَعْنَيَيْنِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] في سُورَةِ هُودٍ؛ لِأنَّ ما هُنا تَكْرِمَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . وبَعْدَ أنْ آنَسَ نَفْسَ رَسُولِهِ ﷺ بِالوَعْدِ عادَ إلى تَسْفِيهِ قَوْلِ الأعْداءِ فَحَقَّقَ أنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِخُلُقٍ عَظِيمٍ وذَلِكَ ضِدُّ الجُنُونِ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِثَلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ مِثْلُ ما في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ. والخُلُقُ: طِباعُ النَّفْسِ، وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى طِباعِ الخَيْرِ إذا لَمْ تُتْبَعْ بِنَعْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والعَظِيمُ: الرَّفِيعُ القَدْرِ وهو مُسْتَعارٌ مِن ضَخامَةِ الجِسْمِ، وشاعَتْ هَذِهِ الاسْتِعارَةُ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ. و(عَلى) لِلْاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] . صفحة ٦٤ وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ أنَّها «سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» أيْ ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن إيقاعِ الفَضائِلِ والمَكارِمِ والنَّهْيِ عَنْ أضْدادِها. والخُلُقُ العَظِيمُ: هو الخُلُقُ الأكْرَمُ في نَوْعِ الأخْلاقِ وهو البالِغُ أشَدَّ الكَمالِ المَحْمُودِ في طَبْعِ الإنْسانِ لِاجْتِماعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ في النَّبِيءِ ﷺ فَهو حَسَنٌ مُعامَلَتِهِ النّاسَ إلى اخْتِلافِ الأحْوالِ المُقْتَضِيَةِ لِحُسْنِ المُعامَلَةِ، فالخُلُقُ العَظِيمُ أرْفَعُ مِن مُطْلَقِ الخُلُقِ الحَسَنِ. ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، ألَسْتَ تَقْرَأُ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآياتِ العَشْرَ. وعَنْ عَلِيٍّ الخُلُقُ العَظِيمُ: هو أدَبُ القُرْآنِ ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّ ما وصَفَ بِهِ القُرْآنُ مَحامِدَ الأخْلاقِ وما وُصِفَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ القُرْآنِ. وما أخَذَ بِهِ مِنَ الأدَبِ بِطَرِيقِ الوَحْيِ غَيْرَ القُرْآنِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، فَجَعَلَ أصْلَ شَرِيعَتِهِ إكْمالَ ما يَحْتاجُهُ البَشَرُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ في نُفُوسِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ أكْبَرُ مَظْهَرٍ لِما في شَرْعِهِ قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها﴾ [الجاثية: ١٨] وأمَرَهُ أنْ يَقُولَ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] . فَكَما جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ لِحَمْلِ النّاسِ عَلى التَّخَلُّقِ بِالخُلُقِ العَظِيمِ بِمُنْتَهى الاسْتِطاعَةِ. وبِهَذا يَزْدادُ وُضُوحًا مَعْنى التَّمَكُّنِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ الاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ الخُلُقُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، ومُتَمَكِّنٌ مِنهُ في دَعْوَتِهِ الدِّينِيَّةِ. واعْلَمْ أنَّ جُماعَ الخُلُقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أعْلى الخُلُقِ الحَسَنِ هو التَّدَيُّنُ، ومَعْرِفَةُ الحَقائِقِ، وحِلْمُ النَّفْسِ، والعَدْلُ، والصَّبْرُ عَلى المَتاعِبِ، والاعْتِرافُ لِلْمُحْسِنِ، والتَّواضُعُ، والزُّهْدُ، والعِفَّةُ، والعَفْوُ، والجُمُودُ، والحَياءُ، والشَّجاعَةُ، وحُسْنُ الصَّمْتِ، والتَّؤُدَةُ، والوَقارُ، والرَّحْمَةُ، وحُسْنُ المُعامَلَةِ والمُعاشَرَةِ. والأخْلاقُ كامِنَةٌ في النَّفْسِ ومَظاهِرُها تَصَرُّفاتُ صاحِبِها في كَلامِهِ، وطَلاقَةِ صفحة ٦٥ وجْهِهِ، وثَباتِهِ، وحُكْمِهِ، وحَرَكَتِهِ وسُكُونِهِ، وطَعامِهِ وشَرابِهِ، وتَأْدِيبِ أهْلِهِ، ومَن لِنَظِرِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن حُرْمَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ والسُّمْعَةِ. وأمّا مَظاهِرُها في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفي ذَلِكَ كُلِّهِ وفي سِياسِيَّتِهِ أُمَّتِهِ، وفِيما خُصَّ بِهِ مِن فَصاحَةِ كَلامِهِ وجَوامِعِ كَلِمِهِ.

القلم 68:5

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] بِاعْتِبارِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] مِن إبْطالِ مَقالَةٍ قِيلَتْ في شَأْنِهِ قالَها أعْداؤُهُ في الدِّينِ، ابْتَدَأ بِإبْطالِ بُهْتانِهِمْ، وفَرَّعَ عَلَيْهِ أنَّهم إذا نَظَرُوا الدَّلائِلَ وتَوَسَّمُوا الشَّمائِلَ عَلِمُوا أيَّ الفَرِيقَيْنِ المَفْتُونَ. أهم مَفْتُونُونَ بِالانْصِرافِ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ، أمْ هو بِاخْتِلالِ العَقْلِ كَما اخْتَلَقُوا ؟ والمَقْصُودُ هو ما في قَوْلِهِ (ويُبْصِرُونَ) ولَكِنْ أُدْمِجَ فِيهِ قَوْلُهُ (فَسَتُبْصِرُ) لِيَتَأتّى بِذِكْرِ الجانِبَيْنِ إيقاعُ كَلامٍ مُنْصِفٍ (أيْ داعٍ إلى الإنْصافِ) عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] لِأنَّ القُرْآنَ يَبْلُغُ مَسامِعَهم ويُتْلى عَلَيْهِمْ. وفِعْلا (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾)، بِمَعْنى البَصَرِ الحِسِّيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْناهُ فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ، فَجَعَلَهُ مِثْلَ اسْتِعْمالِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ في مَعْنى الظَّنِّ، فَلَعَلَّهُ أرادَ تَفْسِيرَ حاصِلِ المَعْنى إذْ قَدْ قِيلَ إنَّ الفِعْلَ المُشْتَقَّ مِن (أبْصَرَ) لا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الظَّنِّ والاعْتِقادُ عِنْدَ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ خِلافًا لِهِشامٍ كَذا في التَّسْهِيلِ، فالمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ رَأْيَ العَيْنِ أيَّكُمُ المَفْتُونُ، فَإذا كانَ بِمَعْنى العِلْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ رَأى ذَلِكَ. فالسِّينُ في قَوْلِهِ (فَسَتُبْصِرُ) لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَسَيَرَوْنَ ذَلِكَ، أيْ يَعْلَمُونَ آثارَ فُتُونِهِمْ وذَلِكَ فِيما يَرَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ. وإنْ كانَ بِمَعْنى البَصَرِ الحِسِّيِّ فالسِّينُ والتّاءُ في كِلا الفِعْلَيْنِ لِلْاسْتِقْبالِ. وضَمِيرُ (يُبْصِرُونَ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ السّامِعِ وهُمُ المُشْرِكُونَ القائِلُونَ: هو مَجْنُونٌ. صفحة ٦٦ و(أيِّ) اسْمٌ مُبْهَمٌ يَتَعَرَّفُ بِما يُضافُ هو إلَيْهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَدْلُولَ (أيِّ) فَرْدٌ أوْ طائِفَةٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ مُشارِكٍ في طائِفَتِهِ مِن جَنْسٍ أوْ وصْفٍ بِمُمَيِّيزٍ واقِعِيٍّ أوْ جَعْلِيٍّ. فَهَذا مَدْلُولُ (أيِّ) في جَمِيعِ مَواقِعِهِ. ولَهُ مَواقِعُ كَثِيرَةٌ في الكَلامِ، فَقَدْ يُشْرِبُ (أيِّ) مَعْنى المَوْصُولِ، ومَعْنى الشَّرْطِ، ومَعْنى الاسْتِفْهامِ، ومَعْنى التَّنْوِيهِ بِكامِلٍ، ومَعْنى المُعَرَّفِ بِ (ألْ) إذا وصَلَ بِنِدائِهِ. وهو في جَمِيعِ ذَلِكَ يُفِيدُ شَيْئًا مُتَمَيِّزًا عَمّا يُشارِكُهُ في طائِفَتِهِ المَدْلُولَةِ بِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ مَعْناهُ: أيُّ رَجُلٍ، أوْ أيُّ فَرِيقٍ مِنكُمُ المَفْتُونُ، فَ (أيِّ) في مَوْقِعِهِ هُنا اسْمٌ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لِ (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ تَعَلُّقَ المَجْرُورِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ (أيِّ) في الاسْتِفْهامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. المَفْتُونُ: اسْمُ مَفْعُولٍ وهو الَّذِي أصابَتْهُ فِتْنَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الجُنُونُ فَإنَّ الجُنُونَ يُعَدُّ في كَلامِ العَرَبِ مِن قَبِيلِ الفِتْنَةِ ”يَقُولُونَ لِلْمَجْنُونِ فَتَنَتْهُ الجِنُّ“ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما يَصْدُقُ عَلى المُضْطَرِبِ في أمْرِهِ المَفْتُونِ في عَقْلِهِ حَيْرَةً وتَقَلْقُلًا، بِإيثارِ هَذا اللَّفْظِ، دُونَ لَفْظِ المَجْنُونِ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ أوِ التَّوْرِيَةِ لِيَصِحَّ فَرْضُهُ لِلْجانِبَيْنِ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ المُشْرِكِينَ بِمَنزِلَةِ المَجانِينِ الَّذِينَ يَنْدَفِعُونَ إلى مُقاوَمَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِدُونِ تَبَصُّرٍ يَكُنْ في فِتْنَةِ اضْطِرابِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِما الَّذِينَ أغْرَوُا العامَّةَ بِالطَّعْنِ في النَّبِيءِ ﷺ بِأقْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ. والباءُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، والأصْلُ: أيِّيكُمُ المَفْتُونُ، فَهي كالباءِ في قَوْلِهِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. والمَعْنى: في أيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكم يُوجَدُ المَجْنُونُ، أيْ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وغَيْرِهِما مِن مُدَبِّرِي السُّوءِ عَلى دَهْماءَ قُرَيْشٍ بِهَذِهِ الأقْوالِ الشَّبِيهَةِ بِأقْوالِ المَجانِينِ ذَلِكَ أنَّهم وصَفُوا رَجُلًا مَعْرُوفًا بَيْنَ العُقَلاءِ مَذْكُورًا بِرَجاحَةِ العَقْلِ والأمانَةِ في الجاهِلِيَّةِ فَوَصَفُوهُ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ فَكانُوا كَمَن زَعَمَ أنَّ النَّهارَ لَيْلٌ ومَن وصَفَ اليَوْمَ الشَّدِيدَ البَرْدِ بِالحَرارَةِ، فَهَذا شُبِّهَ بِالمَجْنُونِ ولِذَلِكَ يُجْعَلُ (المَفْتُونُ) في الآيَةِ وصْفًا ادِّعائِيًّا عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَما صفحة ٦٧ جَعَلَ المُتَنَبِّي القَوْمَ الَّذِينَ تَرَكُوا نَزِيلَهم يَرْحَلُ عَنْهم مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى إمْساكِهِ راحِلِينَ عَنْ نَزِيلِهِمْ في قَوْلِهِ: إذا تَرَحَّلَتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَرُوا أنْ لا تُفارِقَهم فالرّاحِلُونَ هُمُو ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (المَفْتُونُ) مَصْدَرًا عَلى وزْنِ المَفْعُولِ مِثْلُ المَعْقُولِ بِمَعْنى العَقْلِ والمَجْلُودِ بِمَعْنى الجَلْدِ، والمَيْسُورِ لِلْيُسْرِ، والمَعْسُورِ لِضِدِّهِ، وفي المَثَلِ ”خُذْ مِن مَيْسُورِهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ“ . والباءُ عَلى هَذا لِلْمُلابَسَةِ في مَحَلِّ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلى (المَفْتُونِ) وهو مُبْتَدَأٌ. يُضَمَّنُ فِعْلُ (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾) مَعْنى: تُوقِنُ ويُوقِنُونَ، عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِفِعْلِ الإبْصارِ عَنِ التَّحَقُّقِ؛ لِأنَّ أقْوى طُرُقِ الحِسِّ حاسَّةُ البَصَرِ ويَكُونُ الإتْيانُ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى هَذا التَّضْمِينِ. والمَعْنى: فَسَتَعْلَمُ يَقِينًا ويَعْلَمُونَ يَقِينًا بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ، فالباءُ عَلى أصْلِها مِنَ التَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ) .

القلم 68:6

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] بِاعْتِبارِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] مِن إبْطالِ مَقالَةٍ قِيلَتْ في شَأْنِهِ قالَها أعْداؤُهُ في الدِّينِ، ابْتَدَأ بِإبْطالِ بُهْتانِهِمْ، وفَرَّعَ عَلَيْهِ أنَّهم إذا نَظَرُوا الدَّلائِلَ وتَوَسَّمُوا الشَّمائِلَ عَلِمُوا أيَّ الفَرِيقَيْنِ المَفْتُونَ. أهم مَفْتُونُونَ بِالانْصِرافِ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ، أمْ هو بِاخْتِلالِ العَقْلِ كَما اخْتَلَقُوا ؟ والمَقْصُودُ هو ما في قَوْلِهِ (ويُبْصِرُونَ) ولَكِنْ أُدْمِجَ فِيهِ قَوْلُهُ (فَسَتُبْصِرُ) لِيَتَأتّى بِذِكْرِ الجانِبَيْنِ إيقاعُ كَلامٍ مُنْصِفٍ (أيْ داعٍ إلى الإنْصافِ) عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] لِأنَّ القُرْآنَ يَبْلُغُ مَسامِعَهم ويُتْلى عَلَيْهِمْ. وفِعْلا (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾)، بِمَعْنى البَصَرِ الحِسِّيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْناهُ فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ، فَجَعَلَهُ مِثْلَ اسْتِعْمالِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ في مَعْنى الظَّنِّ، فَلَعَلَّهُ أرادَ تَفْسِيرَ حاصِلِ المَعْنى إذْ قَدْ قِيلَ إنَّ الفِعْلَ المُشْتَقَّ مِن (أبْصَرَ) لا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الظَّنِّ والاعْتِقادُ عِنْدَ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ خِلافًا لِهِشامٍ كَذا في التَّسْهِيلِ، فالمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ رَأْيَ العَيْنِ أيَّكُمُ المَفْتُونُ، فَإذا كانَ بِمَعْنى العِلْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ رَأى ذَلِكَ. فالسِّينُ في قَوْلِهِ (فَسَتُبْصِرُ) لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَسَيَرَوْنَ ذَلِكَ، أيْ يَعْلَمُونَ آثارَ فُتُونِهِمْ وذَلِكَ فِيما يَرَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ. وإنْ كانَ بِمَعْنى البَصَرِ الحِسِّيِّ فالسِّينُ والتّاءُ في كِلا الفِعْلَيْنِ لِلْاسْتِقْبالِ. وضَمِيرُ (يُبْصِرُونَ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ السّامِعِ وهُمُ المُشْرِكُونَ القائِلُونَ: هو مَجْنُونٌ. صفحة ٦٦ و(أيِّ) اسْمٌ مُبْهَمٌ يَتَعَرَّفُ بِما يُضافُ هو إلَيْهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَدْلُولَ (أيِّ) فَرْدٌ أوْ طائِفَةٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ مُشارِكٍ في طائِفَتِهِ مِن جَنْسٍ أوْ وصْفٍ بِمُمَيِّيزٍ واقِعِيٍّ أوْ جَعْلِيٍّ. فَهَذا مَدْلُولُ (أيِّ) في جَمِيعِ مَواقِعِهِ. ولَهُ مَواقِعُ كَثِيرَةٌ في الكَلامِ، فَقَدْ يُشْرِبُ (أيِّ) مَعْنى المَوْصُولِ، ومَعْنى الشَّرْطِ، ومَعْنى الاسْتِفْهامِ، ومَعْنى التَّنْوِيهِ بِكامِلٍ، ومَعْنى المُعَرَّفِ بِ (ألْ) إذا وصَلَ بِنِدائِهِ. وهو في جَمِيعِ ذَلِكَ يُفِيدُ شَيْئًا مُتَمَيِّزًا عَمّا يُشارِكُهُ في طائِفَتِهِ المَدْلُولَةِ بِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ مَعْناهُ: أيُّ رَجُلٍ، أوْ أيُّ فَرِيقٍ مِنكُمُ المَفْتُونُ، فَ (أيِّ) في مَوْقِعِهِ هُنا اسْمٌ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لِ (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ تَعَلُّقَ المَجْرُورِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ (أيِّ) في الاسْتِفْهامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. المَفْتُونُ: اسْمُ مَفْعُولٍ وهو الَّذِي أصابَتْهُ فِتْنَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الجُنُونُ فَإنَّ الجُنُونَ يُعَدُّ في كَلامِ العَرَبِ مِن قَبِيلِ الفِتْنَةِ ”يَقُولُونَ لِلْمَجْنُونِ فَتَنَتْهُ الجِنُّ“ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما يَصْدُقُ عَلى المُضْطَرِبِ في أمْرِهِ المَفْتُونِ في عَقْلِهِ حَيْرَةً وتَقَلْقُلًا، بِإيثارِ هَذا اللَّفْظِ، دُونَ لَفْظِ المَجْنُونِ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ أوِ التَّوْرِيَةِ لِيَصِحَّ فَرْضُهُ لِلْجانِبَيْنِ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ المُشْرِكِينَ بِمَنزِلَةِ المَجانِينِ الَّذِينَ يَنْدَفِعُونَ إلى مُقاوَمَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِدُونِ تَبَصُّرٍ يَكُنْ في فِتْنَةِ اضْطِرابِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِما الَّذِينَ أغْرَوُا العامَّةَ بِالطَّعْنِ في النَّبِيءِ ﷺ بِأقْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ. والباءُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، والأصْلُ: أيِّيكُمُ المَفْتُونُ، فَهي كالباءِ في قَوْلِهِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. والمَعْنى: في أيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكم يُوجَدُ المَجْنُونُ، أيْ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وغَيْرِهِما مِن مُدَبِّرِي السُّوءِ عَلى دَهْماءَ قُرَيْشٍ بِهَذِهِ الأقْوالِ الشَّبِيهَةِ بِأقْوالِ المَجانِينِ ذَلِكَ أنَّهم وصَفُوا رَجُلًا مَعْرُوفًا بَيْنَ العُقَلاءِ مَذْكُورًا بِرَجاحَةِ العَقْلِ والأمانَةِ في الجاهِلِيَّةِ فَوَصَفُوهُ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ فَكانُوا كَمَن زَعَمَ أنَّ النَّهارَ لَيْلٌ ومَن وصَفَ اليَوْمَ الشَّدِيدَ البَرْدِ بِالحَرارَةِ، فَهَذا شُبِّهَ بِالمَجْنُونِ ولِذَلِكَ يُجْعَلُ (المَفْتُونُ) في الآيَةِ وصْفًا ادِّعائِيًّا عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَما صفحة ٦٧ جَعَلَ المُتَنَبِّي القَوْمَ الَّذِينَ تَرَكُوا نَزِيلَهم يَرْحَلُ عَنْهم مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى إمْساكِهِ راحِلِينَ عَنْ نَزِيلِهِمْ في قَوْلِهِ: إذا تَرَحَّلَتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَرُوا أنْ لا تُفارِقَهم فالرّاحِلُونَ هُمُو ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (المَفْتُونُ) مَصْدَرًا عَلى وزْنِ المَفْعُولِ مِثْلُ المَعْقُولِ بِمَعْنى العَقْلِ والمَجْلُودِ بِمَعْنى الجَلْدِ، والمَيْسُورِ لِلْيُسْرِ، والمَعْسُورِ لِضِدِّهِ، وفي المَثَلِ ”خُذْ مِن مَيْسُورِهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ“ . والباءُ عَلى هَذا لِلْمُلابَسَةِ في مَحَلِّ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلى (المَفْتُونِ) وهو مُبْتَدَأٌ. يُضَمَّنُ فِعْلُ (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾) مَعْنى: تُوقِنُ ويُوقِنُونَ، عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِفِعْلِ الإبْصارِ عَنِ التَّحَقُّقِ؛ لِأنَّ أقْوى طُرُقِ الحِسِّ حاسَّةُ البَصَرِ ويَكُونُ الإتْيانُ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى هَذا التَّضْمِينِ. والمَعْنى: فَسَتَعْلَمُ يَقِينًا ويَعْلَمُونَ يَقِينًا بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ، فالباءُ عَلى أصْلِها مِنَ التَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ) .

القلم 68:7

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهْوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ الجانِبَ المَفْتُونَ هو الجانِبُ القائِلُ لَهُ (﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) وأنَّ ضِدَّهُ بِضِدِّهِ هو الرّاجِعُ العَقْلُ أيِ الَّذِي أخْبَرَكَ بِما كَنّى عَنْهُ قَوْلَهُ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] مِن أنَّهُمُ المَجانِينُ هو الأعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، وهو الَّذِي أنْبَأكَ بِأنْ سَيَتَّضِحُ الحَقُّ لِأبْصارِهِمْ فَتَعَيَّنَ أنَّ المَفْتُونَ هو الفَرِيقُ الَّذِينَ وسَمُوا النَّبِيءَ ﷺ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] إذْ هُمُ الضّالُّونَ عَنْ سَبِيلِ رَبِّ النَّبِيءِ ﷺ لا مَحالَةَ، ويَنْتَظِمُ بِالتَّدَرُّجِ مَن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أقْيِسَةُ مُساواةٍ مُنْدَرِجٌ بَعْضُها في بَعْضٍ تَقْتَضِي مُساواةَ حَقِيقَةِ مَن ضَلَّ عَنْ سُبُلِ رَبِّ النَّبِيءِ ﷺ بِحَقِيقَةِ المَفْتُونِ. ومُساواةَ حَقِيقَةِ المَفْتُونِ بِحَقِيقَةِ المَجْنُونِ، فَتُنْتِجُ أنَّ فَرِيقَ المُشْرِكِينَ هُمُ المُتَّصِفُونَ بِالجُنُونِ بِقاعِدَةِ قِياسِ المُساواةِ أنَّ مُساوِيَ المُساوِي لِشَيْءٍ مُساوٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ. صفحة ٦٨ وهَذا الانْتِقالُ تَضَمَّنَ وعْدًا ووَعِيدًا، بِإضافَةِ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ ومُقابَلَةِ مَن ضَلَّ عَنْهُ بِالمُهْتَدِينَ. وعُمُومُ مَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وعُمُومُ المُهْتَدِينَ يَجْعَلُ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعَ كَوْنِها كالدَّلِيلِ هي أيْضًا مِنَ التَّذْيِيلِ. وهُوَ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] .

القلم 68:8

﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [القلم: ٧] إلى آخِرِها، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن أنَّهُ عَلى هُدى، وأنَّ الجانِبَ الآخَرَ في ضَلالِ السَّبِيلِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي المُشادَّةَ مَعَهم، وأنْ لا يَلِينَ لَهم في شَيْءٍ، فَإنَّ أذاهم إيّاهُ آلَ إلى مُحارَبَةِ الحَقِّ والهُدى، وتَصَلُّبٍ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلا يَسْتَأْهِلُونَ بِهِ لِينًا ولَكِنْ يَسْتَأْهِلُونَ إغْلاظًا. رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والحَسَنِ بِألْفاظٍ مُتَقارِبَةٍ تَحُومُ حَوْلَ أنَّ المُشْرِكِينَ ودُّوا أنْ يُمْسِكَ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مُجاهَرَتِهِمْ بِالتَّضْلِيلِ والتَّحْقِيرِ فَيُمْسِكُوا عَنْ أذاهُ، ويُصانِعَ بَعْضُهم بَعْضًا فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ إجابَتِهِمْ لِما ودُّوا. ومَعْنى ودُّوا: أحَبُّوا. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ودُّوا ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ (﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾) . ووَرَدَ في كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ تَقَدَّمُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِمِثْلِ هَذا العَرْضِ ووَسَّطُوا في ذَلِكَ عَمَّهُ أبا طالِبٍ وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ. فَيَنْتَظِمُ في هَذا أنَّ قَوْلَهُ (﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾) نَهْيٌ عَنْ إجابَتِهِمْ إلى شَيْءٍ عَرَضُوهُ عَلَيْهِ عِنْدَما قَرَّعَهم بِأوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وبِخاصَّةٍ مِن وقْعِ مَعْنى التَّعْرِيضِ البَدِيعِ المَمْزُوجِ بِالوَعِيدِ بِسُوءِ المُسْتَقْبَلِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] إلى قَوْلِهِ المُهْتَدِينَ فَلَعَلَّهم تَحَدَّثُوا أوْ أوْعَزُوا إلى مَن يُخْبِرُ الرَّسُولَ ﷺ أوْ صارَحُوهُ بِأنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ ساءَهُ قَوْلُهم فِيهِ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] فَقَدْ صفحة ٦٩ ساءَهم مِنهُ تَحْقِيرُهم بِصِفاتِ الذَّمِّ وتَحْقِيرُ أصْنامِهِمْ وآبائِهِمْ مِن جانِبِ الكُفْرِ، فَإنْ أمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ أمْسَكُوا عَنْ أذاهُ وكانَ الحالُ صُلْحًا بَيْنَهم، ويَتْرُكُ كُلُّ فَرِيقٍ فَرِيقًا وما عَبَدَهُ. والطّاعَةُ: قَبُولُ ما يُبْتَغى عَمَلُهُ، ووُقُوعُ فِعْلِ تُطِعْ في حَيِّزِ النَّهْيِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ جِنْسِ الطّاعَةِ لَهم فَيَعُمُّ كُلَّ إجابَةٍ لِطَلَبٍ مِنهم، فالطّاعَةُ مُرادٌ بِها المُصالَحَةُ والمُلايَنَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، أيْ لا تَلِنْ لَهم. واخْتِيرَ تَعْرِيفُهم بِوَصْفِ المُكَذِّبِينَ دُونَ غَيْرِهِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَوْصُولِ في الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ، وهو حُكْمُ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِمْ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ طاعَتِهِمْ لِأنَّهم كَذَّبُوا رِسالَتَهُ. ومِن هُنا يَتَّضِحُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ بَيانٌ لِمُتَعَلَّقِ الطّاعَةِ المَنهِيِّ عَنْها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ. وفِعْلُ (تُدْهِنُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الإدْهانِ وهو المُلايَنَةُ والمُصانَعَةُ، وحَقِيقَةُ هَذا الفِعْلِ أنْ يُجْعَلَ لِشَيْءٍ دُهْنًا إمّا لِتَلْيِينِهِ وإمّا لِتَلْوِينِهِ، ومِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ تَفَرَّعَتْ مَعانِي الإدْهانِ كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، أيْ ودُّوا مِنكَ أنْ تُدْهِنَ لَهم فَيُدْهِنُوا لَكَ، أيْ لَوْ تُواجِهُهم بِحُسْنِ المُعامَلَةِ فَيُواجِهُونَكَ بِمِثْلِها. والفاءُ في (فَيُدْهِنُونَ) لِلْعَطْفِ، والتَّسَبُّبِ عَنْ جُمْلَةِ (لَوْ تُدْهِنُ) جَوابًا لِمَعْنى التَّمَنِّي المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفِعْلِ (ودُّوا) بَلْ قُصِدَ بَيانُ سَبَبِ وِدادَتِهِمْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبِ الفِعْلُ بَعْدَ الفاءِ بِإضْمارِ (أنْ) لِأنَّ فاءَ المُتَسَبِّبِ كافِيَةٌ في إفادَةِ ذَلِكَ، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَهم يُدْهِنُونَ. وسَلَكَ هَذا الأُسْلُوبَ لِيَكُونَ الاسْمُ المُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ فَيُفِيدُ مَعْنى الاخْتِصاصِ، أيْ فالإدْهانُ مِنهم لا مِنكَ، أيْ فاتْرُكِ الإدْهانَ لَهم ولا تَتَخَلَّقْ أنْتَ بِهِ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الاسْتِعْمالِ إذا أُرِيدَ بِالتَّرَتُّباتِ أنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقُ جَوابٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣]، أيْ فَهو لا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا. وحَرْفُ (لَوْ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شَرْطِيًّا ويَكُونَ فِعْلُ (تُدْهِنُ) شَرْطًا، وأنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَوْ تُدْهِنُ لَحَصَلَ لَهم ما يَوَدُّونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ صفحة ٧٠ يَكُونَ (لَوْ) حَرْفًا مَصْدَرِيًّا عَلى رَأْيِ طائِفَةٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، أنَّ (لَوْ) يَأْتِي حَرْفًا مَصْدَرِيًّا مِثْلُ (أنْ) فَقَدْ قالَ بِذَلِكَ الفَرّاءُ والفارِسِيُّ والتِّبْرِيزِيُّ وابْنُ مالِكٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ودُّوا إدْهانَكَ. ومَفْعُولُ (ودُّوا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ (لَوْ تُدْهِنُ)، أوْ هو المَصْدَرُ بِناءً عَلى أنْ لَوْ تَقَعُ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ يُفِيدُ مَوْقِعُ الفاءِ تَعْلِيلًا لِمَوَدَّتِهِمْ مِنهُ أنْ يُدْهِنَ، أيْ ودُّوا ذَلِكَ مِنكَ لِأنَّهم مُدْهِنُونَ، وصاحِبُ النِّيَّةِ السَّيِّئَةِ يَوَدُّ أنْ يَكُونَ النّاسُ مِثْلَهُ.

القلم 68:9

﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿ودُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [القلم: ٧] إلى آخِرِها، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن أنَّهُ عَلى هُدى، وأنَّ الجانِبَ الآخَرَ في ضَلالِ السَّبِيلِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي المُشادَّةَ مَعَهم، وأنْ لا يَلِينَ لَهم في شَيْءٍ، فَإنَّ أذاهم إيّاهُ آلَ إلى مُحارَبَةِ الحَقِّ والهُدى، وتَصَلُّبٍ فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلا يَسْتَأْهِلُونَ بِهِ لِينًا ولَكِنْ يَسْتَأْهِلُونَ إغْلاظًا. رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والحَسَنِ بِألْفاظٍ مُتَقارِبَةٍ تَحُومُ حَوْلَ أنَّ المُشْرِكِينَ ودُّوا أنْ يُمْسِكَ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مُجاهَرَتِهِمْ بِالتَّضْلِيلِ والتَّحْقِيرِ فَيُمْسِكُوا عَنْ أذاهُ، ويُصانِعَ بَعْضُهم بَعْضًا فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ إجابَتِهِمْ لِما ودُّوا. ومَعْنى ودُّوا: أحَبُّوا. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم ودُّوا ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ (﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾) . ووَرَدَ في كُتُبِ السِّيرَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ تَقَدَّمُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِمِثْلِ هَذا العَرْضِ ووَسَّطُوا في ذَلِكَ عَمَّهُ أبا طالِبٍ وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ. فَيَنْتَظِمُ في هَذا أنَّ قَوْلَهُ (﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾) نَهْيٌ عَنْ إجابَتِهِمْ إلى شَيْءٍ عَرَضُوهُ عَلَيْهِ عِنْدَما قَرَّعَهم بِأوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وبِخاصَّةٍ مِن وقْعِ مَعْنى التَّعْرِيضِ البَدِيعِ المَمْزُوجِ بِالوَعِيدِ بِسُوءِ المُسْتَقْبَلِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] إلى قَوْلِهِ المُهْتَدِينَ فَلَعَلَّهم تَحَدَّثُوا أوْ أوْعَزُوا إلى مَن يُخْبِرُ الرَّسُولَ ﷺ أوْ صارَحُوهُ بِأنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ إنْ ساءَهُ قَوْلُهم فِيهِ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: ٥١] فَقَدْ صفحة ٦٩ ساءَهم مِنهُ تَحْقِيرُهم بِصِفاتِ الذَّمِّ وتَحْقِيرُ أصْنامِهِمْ وآبائِهِمْ مِن جانِبِ الكُفْرِ، فَإنْ أمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ أمْسَكُوا عَنْ أذاهُ وكانَ الحالُ صُلْحًا بَيْنَهم، ويَتْرُكُ كُلُّ فَرِيقٍ فَرِيقًا وما عَبَدَهُ. والطّاعَةُ: قَبُولُ ما يُبْتَغى عَمَلُهُ، ووُقُوعُ فِعْلِ تُطِعْ في حَيِّزِ النَّهْيِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ جِنْسِ الطّاعَةِ لَهم فَيَعُمُّ كُلَّ إجابَةٍ لِطَلَبٍ مِنهم، فالطّاعَةُ مُرادٌ بِها المُصالَحَةُ والمُلايَنَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، أيْ لا تَلِنْ لَهم. واخْتِيرَ تَعْرِيفُهم بِوَصْفِ المُكَذِّبِينَ دُونَ غَيْرِهِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَوْصُولِ في الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الحُكْمِ، وهو حُكْمُ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِمْ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ طاعَتِهِمْ لِأنَّهم كَذَّبُوا رِسالَتَهُ. ومِن هُنا يَتَّضِحُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ بَيانٌ لِمُتَعَلَّقِ الطّاعَةِ المَنهِيِّ عَنْها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ. وفِعْلُ (تُدْهِنُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الإدْهانِ وهو المُلايَنَةُ والمُصانَعَةُ، وحَقِيقَةُ هَذا الفِعْلِ أنْ يُجْعَلَ لِشَيْءٍ دُهْنًا إمّا لِتَلْيِينِهِ وإمّا لِتَلْوِينِهِ، ومِن هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ تَفَرَّعَتْ مَعانِي الإدْهانِ كَما أشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ، أيْ ودُّوا مِنكَ أنْ تُدْهِنَ لَهم فَيُدْهِنُوا لَكَ، أيْ لَوْ تُواجِهُهم بِحُسْنِ المُعامَلَةِ فَيُواجِهُونَكَ بِمِثْلِها. والفاءُ في (فَيُدْهِنُونَ) لِلْعَطْفِ، والتَّسَبُّبِ عَنْ جُمْلَةِ (لَوْ تُدْهِنُ) جَوابًا لِمَعْنى التَّمَنِّي المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفِعْلِ (ودُّوا) بَلْ قُصِدَ بَيانُ سَبَبِ وِدادَتِهِمْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبِ الفِعْلُ بَعْدَ الفاءِ بِإضْمارِ (أنْ) لِأنَّ فاءَ المُتَسَبِّبِ كافِيَةٌ في إفادَةِ ذَلِكَ، فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَهم يُدْهِنُونَ. وسَلَكَ هَذا الأُسْلُوبَ لِيَكُونَ الاسْمُ المُقَدَّرُ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ فَيُفِيدُ مَعْنى الاخْتِصاصِ، أيْ فالإدْهانُ مِنهم لا مِنكَ، أيْ فاتْرُكِ الإدْهانَ لَهم ولا تَتَخَلَّقْ أنْتَ بِهِ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الاسْتِعْمالِ إذا أُرِيدَ بِالتَّرَتُّباتِ أنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقُ جَوابٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣]، أيْ فَهو لا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا. وحَرْفُ (لَوْ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ شَرْطِيًّا ويَكُونَ فِعْلُ (تُدْهِنُ) شَرْطًا، وأنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَوْ تُدْهِنُ لَحَصَلَ لَهم ما يَوَدُّونَ. ويُحْتَمَلُ أنْ صفحة ٧٠ يَكُونَ (لَوْ) حَرْفًا مَصْدَرِيًّا عَلى رَأْيِ طائِفَةٍ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، أنَّ (لَوْ) يَأْتِي حَرْفًا مَصْدَرِيًّا مِثْلُ (أنْ) فَقَدْ قالَ بِذَلِكَ الفَرّاءُ والفارِسِيُّ والتِّبْرِيزِيُّ وابْنُ مالِكٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ودُّوا إدْهانَكَ. ومَفْعُولُ (ودُّوا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ (لَوْ تُدْهِنُ)، أوْ هو المَصْدَرُ بِناءً عَلى أنْ لَوْ تَقَعُ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ يُفِيدُ مَوْقِعُ الفاءِ تَعْلِيلًا لِمَوَدَّتِهِمْ مِنهُ أنْ يُدْهِنَ، أيْ ودُّوا ذَلِكَ مِنكَ لِأنَّهم مُدْهِنُونَ، وصاحِبُ النِّيَّةِ السَّيِّئَةِ يَوَدُّ أنْ يَكُونَ النّاسُ مِثْلَهُ.

القلم 68:10

﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ﴾ إعادَةُ فِعْلِ النَّهْيِ عَنِ الطّاعَةِ لِمَن هَذِهِ صِفاتِهِمْ لِلْاهْتِمامِ بِهَذا الأدَبِ فَلَمْ يَكْتَفِ بِدُخُولِ أصْحابِ هَذِهِ الأوْصافِ في عُمُومِ المُكَذِّبِينَ، ولا بِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ بِمُجَرَّدِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ بِأنْ يُقالَ: ولا كُلَّ حَلّافٍ، بَلْ جِيءَ في جانِبِهِمْ بِصِيغَةِ نَهْيٍ أُخْرى مُماثِلَةٍ لِلْأُولى. ولِيُفِيدَ تَسْلِيطَ الوَعِيدِ الخاصِّ وهو في مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] عَلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ الخاصَّةِ زِيادَةً عَلى وعِيدِ المُكَذِّبِينَ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ هَمّامٍ الشَّيْبانِيِّ: أيا ابْنَ زَيّابَةَ إنْ تَلْقَـنِـي لا تَلْقَنِي في النَّعَمِ العازِبِ وتَلْقَنِي يَشْتَدُّ بِـي أجْـرَدٌ ∗∗∗ مُسْتَقْدِمُ البِرْكَةِ كالرّاكِبِ فَلَمْ يَكْتَفِ بِعَطْفٍ: بِ (بَلْ) أوْ (لَكِنْ) بِأنْ يَقُولَ: بَلْ تَلْقَنِي يَشْتَدُّ بِي أجْرَدٌ، أوْ لَكِنْ تَلْقَنِي يَشْتَدُّ بِي أجْرَدُ، وعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأعادَ فِعْلَ (تَلْقَنِي) . وكَلِمَةُ (كُلَّ) مَوْضُوعَةٌ لِإفادَةِ الشُّمُولِ والإحاطَةِ لِأفْرادِ الاسْمِ الَّذِي تُضافُ هي إلَيْهِ، فَهي هُنا تُفِيدُ النَّهْيَ العامَّ عَنْ طاعَةِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها (كُلَّ) بِالمُباشِرَةِ وبِالنُّعُوتِ. وقَدْ وقَعَتْ كَلِمَةُ (كُلَّ) مَعْمُولَةٌ لِلْفِعْلِ الدّاخِلَةِ عَلَيْهِ أداةُ النَّهْيِ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ النَّهْيَ مُنْصَبٌّ إلى طاعَةِ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ بِحَيْثُ لَوْ أطاعَ بَعْضَ أصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ لَمْ يَكُنْ مُخالِفًا لِلنَّهْيِ؛ إذْ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِالبالِ ولا يَجْرِي عَلى صفحة ٧١ أسالِيبِ الاسْتِعْمالِ، بَلِ المُرادُ النَّهْيُ عَنْ طاعَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِخَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ بَلْهَ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ عِدَّةٌ مِنها. وفِي هَذا ما يُبْطِلُ ما أصَّلَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ في دَلائِلَ الإعْجازِ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ أنْ تَقَعَ (كُلُّ) في حَيِّزِ النَّفْيِ، أيْ أوِ النَّهْيِ فَتُفِيدُ ثُبُوتَ الفِعْلِ أوِ الوَصْفِ لِبَعْضٍ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلُّ) إنْ كانَتْ (كُلُّ) مُسْنَدًا إلَيْها، أوْ تُفِيدُ تَعَلُّقَ الفِعْلِ أوِ الوَصْفِ بِبَعْضِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (كَلٌّ) إنْ كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْمَنفِيِّ أوِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وبَيْنَ أنْ تَقَعَ (كُلٌّ) في غَيْرِ حَيِّزِ النَّفْيِ، وجَعَلَ رَفْعَ لَفْظِ (كُلُّهُ) في قَوْلِ أبِي النَّجْمِ: قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْـنَـعِ مُتَعَيِّنًا؛ لِأنَّهُ لَوْ نَصَبَهُ لَأفادَ تَنَصُّلَهُ مِن أنْ يَكُونَ صَنَعَ مَجْمُوعَ ما ادَّعَتْهُ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيُصَدَّقُ بِأنَّهُ صَنَعَ بَعْضَ تِلْكَ الذُّنُوبِ وهو لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِإبْطالِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ في المُطَوَّلِ، واسْتَشْهَدَ لِلْإبْطالِ بُقُولِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقَوْلِهِ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ . وأُجْرِيَتْ عَلى المَنهِيِّ عَنِ الإطاعَةِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ؛ لِأنَّ أصْحابَها لَيْسُوا أهْلًا لِأنْ يُطاعُوا؛ إذْ لا ثِقَةَ بِهِمْ ولا يَأْمُرُونَ إلّا بِسُوءٍ. قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ المُرادُ بِالحَلّافِ المَهِينِ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ بَعْضُهم: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وقالَ آخَرُونَ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: المُرادُ أبُو جَهْلٍ، وإنَّما عَنَوْا أنَّ المُرادَ التَّعْرِيضُ بِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ، وإلّا فَإنَّ لَفْظَ (كَلَّ) المُفِيدَ لِلْعُمُومِ لا يَسْمَحُ بِأنْ يُرادَ النَّهْيُ عَنْ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، وأمّا هَؤُلاءِ فَلَعَلَّ أرْبَعَتَهُمُ اشْتَرَكُوا في مُعْظَمِ هَذِهِ الأوْصافِ فَهم مِمَّنْ أُرِيدُ بِالنَّهْيِ عَنْ إطاعَتِهِ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِن أمْثالِهِمْ. ولَيْسَ المُرادُ مَن جَمَعَ هَذِهِ الخِلالَ بَلْ مَن كانَتْ لَهُ واحِدَةٌ مِنها، والصِّفَةُ الكَبِيرَةُ مِنها هي التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ الَّذِي خُتِمَ بِها قَوْلُهُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥]، لَكِنَّ الَّذِي قالَ في القُرْآنِ (إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ) هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَهو الَّذِي اخْتَلَقَ هَذا البُهْتانَ في قِصَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَلَمّا تَلَقَّفَ الآخَرُونَ مِنهُ هَذا البُهْتانَ وأُعْجِبُوا بِهِ أخَذُوا يَقُولُونَهُ فَكانَ جَمِيعُهم مِمَّنْ يَقُولُهُ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هَذا القَوْلَ في آيَةِ ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٥] . صفحة ٧٢ وذُكِرَتْ عَشْرُ خِلالٍ مِن مَذامِّهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِها: الأُولى حَلّافٌ، والحَلّافُ: المُكْثِرُ مِنَ الأيْمانِ عَلى وُعُودِهِ وأخْبارِهِ، وأحْسَبُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ المُبالاةِ بِالكَذِبِ وبِالأيْمانِ الفاجِرَةِ فَجُعِلَتْ صِيغَةُ المُبالَغَةِ كِنايَةً عَنْ تَعَمُّدِ الحِنْثِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ ذَمُّهُ بِهَذِهِ المَثابَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ (مُهِينٍ) قَيْدًا لِ (حَلّافٍ) عَلى جَعْلِ النَّهْيِ عَنْ طاعَةِ صاحِبِ الوَصْفِ مُجْتَمَعَيْنِ. * * * ﴿مَهِينٍ﴾ هَذِهِ خَصْلَةٌ ثانِيَةٌ ولَيْسَتْ قَيْدًا لِصِفَةِ حَلّافٍ. والمَهِينُ: بِفَتْحِ المِيمِ، فَعِيلٌ مِن مَهُنَ بِمَعْنى حَقُرَ وذَلَّ، فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وفِعْلُهُ مَهُنَ بِضَمِّ الهاءِ، ومِيمُهُ أصْلِيَّةٌ وياؤُهُ زائِدَةٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ لا تُطِعِ الفاجِرَ الحَقِيرَ. وقَدْ يَكُونُ (مَهِينٍ) هُنا بِمَعْنى ضَعِيفِ الرَّأْيِ والتَّمْيِيزِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المَهانَةِ. و(مَهِينٍ): نَعَتٌ لِ (حَلّافٍ)، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الصِّفاتِ إلى (زَنِيمٍ) فَهو نَعْتٌ مُسْتَقِلٌّ. وبَعْضُهم جَعَلَهُ قَيْدًا لِ (حَلّافٍ) وفَسَّرَ المَهِينَ بِالكَذّابِ أيْ في حَلِفِهِ.

القلم 68:11

﴿هَمّازٍ﴾ الهَمّازُ كَثِيرُ الهَمْزِ. وأصْلُ الهَمْزِ: الطَّعْنُ بِعُودٍ أوْ يَدٍ، وأُطْلِقَ عَلى الأذى بِالقَوْلِ في الغَيْبَةِ عَلى وجْهِ الاسْتِعارَةِ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] . وصِيغَةُ المُبالَغَةِ راجِعَةٌ إلى قُوَّةِ الصِّفَةِ، فَإذا كانَ أذًى شَدِيدًا فَصاحِبُهُ هَمّازٌ، وإذا تَكَرَّرَ الأذى فَصاحَبُهُ هَمّازٌ. * * * ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ المَشّاءُ بِالنَّمِيمِ: الَّذِي يَنِمُّ بَيْنَ النّاسِ، ووَصْفُهُ بِالمَشّاءِ لِلْمُبالَغَةِ. والقَوْلُ في هَذِهِ المُبالَغَةِ مِثْلُ القَوْلِ في (هَمّازٍ) وهَذِهِ رابِعَةُ المَذامِّ. صفحة ٧٣ والمَشْيُ: اسْتِعارَةٌ لِتَشْوِيهِ حالِهِ بِأنَّهُ يَتَجَشَّمُ المَشَقَّةَ لِأجْلِ النَّمِيمَةِ مِثْلُ ذِكْرِ السَّعْيِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] . ذَلِكَ أنَّ أسْماءَ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ أشَدُّ وقْعًا في تَصَوُّرِ السّامِعِ مِن أسْماءِ المَعْقُولاتِ، فَذِكْرُ المَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ فِيهِ تَصْوِيرٌ لِحالِ النَّمّامِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: قُطِعَ رَأْسُهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ مِن قَوْلِكَ: قُتِلَ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ مِثْلُهُ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «وأمّا الآخَرُ فَكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» . والنَّمِيمُ: اسْمٌ مُرادِفٌ لِلنَّمِيمَةِ، وقِيلَ: النَّمِيمُ جَمْعُ نَمِيمَةٍ، أيِ اسْمُ جَمْعٍ لِنَمِيمَةٍ، إذا أُرِيدَ بِها الواحِدَةُ وصَيْرُورَتُها اسْمًا.

القلم 68:12

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ هَذِهِ مَذَمَّةٌ خامِسَةٌ. مَنّاعٍ: شَدِيدُ المَنعِ. والخَيْرُ: المالُ، أيْ شَحِيحٌ، والخَيْرُ مِن أسْماءِ المالِ قالَ تَعالى ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وقالَ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَدْ رُوعِيَ تَماثُلُ الصِّيغَةِ في هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ وهي ”حَلّافٍ، هَمّازٍ، مَشّاءٍ، مَنّاعٍ“ وهو ضَرْبٌ مِن مُحَسِّنِ المُوازَنَةِ. والمُرادُ بِمَنعِ الخَيْرِ: مَنعُهُ عَمَّنْ أسْلَمَ مِن ذَوِيِهِمْ وأقارِبِهِمْ، يَقُولُ الواحِدُ مِنهم لِمَن أسْلَمَ مِن أهْلِهِ أوْ مَوالِيهِ: مَن دَخَلَ مِنكم في دِينِ مُحَمَّدٍ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، وهَذِهِ شَنْشَنَةٌ عُرِفُوا بِها مِن بَعْدُ، قالَ اللَّهُ تَعالى في شَأْنِ المُنافِقِينَ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . وأيْضًا فَمِن مَنعِ الخَيْرِ ما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُعْطُونَ العَطاءَ لِلْفَخْرِ والسُّمْعَةِ فَلا يُعْطُونَ الضُّعَفاءَ وإنَّما يُعْطُونَ في المَجامِعِ والقَبائِلِ قالَ تَعالى ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] . قِيلَ: كانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يُنْفِقُ في الحَجِّ في كُلِّ حَجَّةٍ عِشْرِينَ ألْفًا يُطْعِمُ أهْلَ مِنى، ولا يُعْطِي المِسْكِينَ دِرْهَمًا واحِدًا. * * * ﴿مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ هُما مَذَمَّتانِ سادِسَةٌ وسابِعَةٌ قَرَنَ بَيْنَهُما لِمُناسَبَةِ الخُصُوصِ والعُمُومِ. والاعْتِداءُ: مُبالَغَةٌ في العُدْوانِ فالافْتِعالُ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الشِّدَّةِ. صفحة ٧٤ والأثِيمُ: كَثِيرُ الإثْمِ وهو فَعِيلٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] . والمُرادُ بِالإثْمِ هُنا ما يُعَدُّ خَطِيئَةً وفَسادًا عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ والمُرُوءَةِ وفي الأدْيانِ المَعْرُوفَةِ. قالَ أبُو حَيّانِ: وجاءَتْ هَذِهِ الصِّفاتُ صِفاتِ مُبالَغَةً ونُوسِبَ فِيها فَجاءَ (حَلّافٍ) وبَعْدَهُ (مَهِينٍ)؛ لِأنَّ النُّونَ فِيها تَواخٍ مَعَ المِيمِ، أيْ مِيمُ (أثِيمٍ)، ثُمَّ جاءَ (﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ﴾ [القلم: ١١]) بِصِفَتَيِ المُبالَغَةِ، ثُمَّ جاءَ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ صِفاتِ مُبالَغَةً اهـ. يُرِيدُ أنَّ الافْتِعالَ في مُعْتَدٍ لِلْمُبالَغَةِ.

القلم 68:13

﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ثامِنَةٌ وتاسِعَةٌ. والعُتُلُّ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ اسْمٌ ولَيْسَ بِوَصْفٍ لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى صِفَةٍ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَتْلِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهو الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ قالَ تَعالى ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ولَمْ يُسْمَعْ (عاتِلٌ) . ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَبِيلِ الأسْماءِ دُونَ الأوْصافِ مُرَكَّبٌ مِن وصْفَيْنِ في أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ أوْ مِن مُرَكَّبِ أوْصافٍ في حالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وفُسِّرَ العُتُلُّ بِالشَّدِيدِ الخِلْقَةُ الرَّحِيبُ الجَوْفِ، وبِالأكُولِ الشَّرُوبِ، وبِالغَشُومِ الظَّلُومِ، وبِالكَثِيرِ اللَّحْمِ المُخْتالِ. رَوى الماوْرُدِيُّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ هَذا التَّفْسِيرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ بِسَنَدٍ غَيْرِ قَوِيٍّ، وهو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ إتْباعٌ لِصِفَةِ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ يَمْنَعُ السّائِلَ ويَدْفَعُهُ ويُغْلِظُ لَهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] . ومَعْنى ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ عِلاوَةً عَلى ما عُدِّدَ لَهُ مِنَ الأوْصافِ هو سَيِّئُ الخِلْقَةِ سَيِّئُ المُعامَلَةِ، فالبَعْدِيَّةُ هُنا بَعْدِيَّةٌ في الارْتِقاءِ في دَرَجاتِ التَّوْصِيفِ المَذْكُورِ، فَمُفادُها مُفادُ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ. وعَلى تَفْسِيرِ العُتُلِّ بِالشَّدِيدِ الخِلْقَةِ والرَّحِيبِ الجَوْفِ يَكُونُ وجْهُ ذِكْرِهِ أنَّ قَباحَةَ صفحة ٧٥ ذاتِهِ مُكَمِّلَةٌ لِمَعائِبِهِ؛ لِأنَّ العَيْبَ المُشاهَدَ أجْلَبُ إلى الاشْمِئْزازِ وأوْغَلُ في النُّفْرَةِ مِن صاحِبِهِ. ومَوْقِعُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ، والظَّرْفُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو بَعْدَ ذَلِكَ. ويَجُوزُ اتِّصالُ (بَعْدَ ذَلِكَ) بِقَوْلِهِ (زَنِيمٍ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (زَنِيمٍ) . والزَّنِيمُ: اللَّصِيقُ وهو مَن يَكُونُ دَعِيًّا في قَوْمِهِ لَيْسَ مِن صَرِيحِ نَسَبِهِمْ: إمّا بِمَغْمَزٍ في نَسَبِهِ، وإمّا بِكَوْنِهِ حَلِيفًا في قَوْمٍ أوْ مَوْلى، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ بِالتَّحْرِيكِ وهي قِطْعَةٌ مِن أُذُنِ البَعِيرِ لا تُنْزَعُ بَلْ تَبْقى مُعَلَّقَةً بِالأُذُنِ عَلامَةً عَلى كَرَمِ البَعِيرِ. والزَّنَمَتانِ بِضْعَتانِ في رِقابِ المَعْزِ. قِيلَ أُرِيدَ بِالزَّنِيمِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لِأنَّهُ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ أُرِيدَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ لِأنَّهُ كانَ مِن ثَقِيفٍ فَحالَفَ قُرَيْشًا وحَلَّ بَيْنَهم، وأيًّا ما كانَ المُرادُ بِهِ فَإنَّ المُرادَ بِهِ خاصٌّ فَدُخُولُهُ في المَعْطُوفِ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلَّ) إنَّما هو عَلى فَرْضِ وُجُودِ أمْثالِ هَذا الخاصِّ، وهو ضَرْبٌ مِنَ الرَّمْزِ كَما يُقالُ: ما بالُ أقْوامٍ يَعْمَلُونَ كَذا، ويُرادُ واحِدٌ مُعَيَّنٌ. قالَ الخَطِيمُ التَّمِيمِيُّ جاهِلِيُّ، أوْ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: زَنِـيمٌ تَـداعَـاهُ الـرِّجَـالُ زِيادَةً كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ ويُطْلَقُ الزَّنِيمُ عَلى مَن في نَسَبِهِ غَضاضَةٌ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانِ في هِجاءِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، قَبْلَ إسْلامِ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ أُمُّهُ مَوْلاةً خِلافًا لِسائِرِ بَنِي هاشِمٍ إذْ كانَتْ أُمَّهاتُهم مِن صَرِيحِ نَسَبِ قَوْمِهِنَّ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِـي آلِ هَـاشِـمٍ ∗∗∗ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ وإنَّ سَنامَ المَجْدِ مِـنْ آلِ هَـاشِـمٍ ∗∗∗ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ ووالِدُكَ العَـبْـدُ يُرِيدُ جَدَّهُ أبا أُمِّهِ وهو مُوهِبٌ غُلامُ عَبْدِ مُنافٍ وكانَتْ أُمُّ أبِي سُفْيانَ سُمَيَّةَ بِنْتَ مُوهِبٍ هَذا. والقَوْلُ في هَذا الإطْلاقِ والمُرادِ بِهِ مُماثِلٌ لِلْقَوْلِ في الإطْلاقِ الَّذِي قَبِلَهُ.

القلم 68:14

﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ثامِنَةٌ وتاسِعَةٌ. والعُتُلُّ: بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ اللّامِ اسْمٌ ولَيْسَ بِوَصْفٍ لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى صِفَةٍ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَتْلِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهو الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ قالَ تَعالى ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧] ولَمْ يُسْمَعْ (عاتِلٌ) . ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَبِيلِ الأسْماءِ دُونَ الأوْصافِ مُرَكَّبٌ مِن وصْفَيْنِ في أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ أوْ مِن مُرَكَّبِ أوْصافٍ في حالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وفُسِّرَ العُتُلُّ بِالشَّدِيدِ الخِلْقَةُ الرَّحِيبُ الجَوْفِ، وبِالأكُولِ الشَّرُوبِ، وبِالغَشُومِ الظَّلُومِ، وبِالكَثِيرِ اللَّحْمِ المُخْتالِ. رَوى الماوْرُدِيُّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ هَذا التَّفْسِيرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، يَزِيدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ بِسَنَدٍ غَيْرِ قَوِيٍّ، وهو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ إتْباعٌ لِصِفَةِ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم: ١٢] أيْ يَمْنَعُ السّائِلَ ويَدْفَعُهُ ويُغْلِظُ لَهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] . ومَعْنى ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ عِلاوَةً عَلى ما عُدِّدَ لَهُ مِنَ الأوْصافِ هو سَيِّئُ الخِلْقَةِ سَيِّئُ المُعامَلَةِ، فالبَعْدِيَّةُ هُنا بَعْدِيَّةٌ في الارْتِقاءِ في دَرَجاتِ التَّوْصِيفِ المَذْكُورِ، فَمُفادُها مُفادُ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ. وعَلى تَفْسِيرِ العُتُلِّ بِالشَّدِيدِ الخِلْقَةِ والرَّحِيبِ الجَوْفِ يَكُونُ وجْهُ ذِكْرِهِ أنَّ قَباحَةَ صفحة ٧٥ ذاتِهِ مُكَمِّلَةٌ لِمَعائِبِهِ؛ لِأنَّ العَيْبَ المُشاهَدَ أجْلَبُ إلى الاشْمِئْزازِ وأوْغَلُ في النُّفْرَةِ مِن صاحِبِهِ. ومَوْقِعُ (بَعْدَ ذَلِكَ) مَوْقِعُ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ، والظَّرْفُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو بَعْدَ ذَلِكَ. ويَجُوزُ اتِّصالُ (بَعْدَ ذَلِكَ) بِقَوْلِهِ (زَنِيمٍ) عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (زَنِيمٍ) . والزَّنِيمُ: اللَّصِيقُ وهو مَن يَكُونُ دَعِيًّا في قَوْمِهِ لَيْسَ مِن صَرِيحِ نَسَبِهِمْ: إمّا بِمَغْمَزٍ في نَسَبِهِ، وإمّا بِكَوْنِهِ حَلِيفًا في قَوْمٍ أوْ مَوْلى، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ بِالتَّحْرِيكِ وهي قِطْعَةٌ مِن أُذُنِ البَعِيرِ لا تُنْزَعُ بَلْ تَبْقى مُعَلَّقَةً بِالأُذُنِ عَلامَةً عَلى كَرَمِ البَعِيرِ. والزَّنَمَتانِ بِضْعَتانِ في رِقابِ المَعْزِ. قِيلَ أُرِيدَ بِالزَّنِيمِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ لِأنَّهُ ادَّعاهُ أبُوهُ بَعْدَ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً مِن مَوْلِدِهِ. وقِيلَ أُرِيدَ الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ لِأنَّهُ كانَ مِن ثَقِيفٍ فَحالَفَ قُرَيْشًا وحَلَّ بَيْنَهم، وأيًّا ما كانَ المُرادُ بِهِ فَإنَّ المُرادَ بِهِ خاصٌّ فَدُخُولُهُ في المَعْطُوفِ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلَّ) إنَّما هو عَلى فَرْضِ وُجُودِ أمْثالِ هَذا الخاصِّ، وهو ضَرْبٌ مِنَ الرَّمْزِ كَما يُقالُ: ما بالُ أقْوامٍ يَعْمَلُونَ كَذا، ويُرادُ واحِدٌ مُعَيَّنٌ. قالَ الخَطِيمُ التَّمِيمِيُّ جاهِلِيُّ، أوْ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: زَنِـيمٌ تَـداعَـاهُ الـرِّجَـالُ زِيادَةً كَما زِيدَ في عَرْضِ الأدِيمِ الأكارِعُ ويُطْلَقُ الزَّنِيمُ عَلى مَن في نَسَبِهِ غَضاضَةٌ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانِ في هِجاءِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، قَبْلَ إسْلامِ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ أُمُّهُ مَوْلاةً خِلافًا لِسائِرِ بَنِي هاشِمٍ إذْ كانَتْ أُمَّهاتُهم مِن صَرِيحِ نَسَبِ قَوْمِهِنَّ: وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ فِـي آلِ هَـاشِـمٍ ∗∗∗ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ وإنَّ سَنامَ المَجْدِ مِـنْ آلِ هَـاشِـمٍ ∗∗∗ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ ووالِدُكَ العَـبْـدُ يُرِيدُ جَدَّهُ أبا أُمِّهِ وهو مُوهِبٌ غُلامُ عَبْدِ مُنافٍ وكانَتْ أُمُّ أبِي سُفْيانَ سُمَيَّةَ بِنْتَ مُوهِبٍ هَذا. والقَوْلُ في هَذا الإطْلاقِ والمُرادِ بِهِ مُماثِلٌ لِلْقَوْلِ في الإطْلاقِ الَّذِي قَبِلَهُ.

القلم 68:15

﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ صفحة ٧٦ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] بِفِعْلِ (قالَ) بِتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ (أنْ)، وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الفِعْلِ ظَرْفٌ هو ﴿إذا تُتْلى﴾ ومَجْرُورٌ هو ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ﴾ [القلم: ١٤]، ولا بِدْعَ في ذَلِكَ ولَيْسَتْ (إذا) بِشَرْطِيَّةٍ هُنا فَلا يَهُولَنَّكَ قَوْلُهم: إنَّ (ما) بَعْدَ الشَّرْطِ لا يُعْمَلُ فِيما قَبِلَهُ، عَلى أنَّها لَوْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً لَما امْتَنَعَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في المَجْرُوراتِ ما لا يَتَوَسَّعُونَ في غَيْرِها وهَذا مَجْرُورٌ بِاللّامِ المَحْذُوفَةِ. والمُرادُ: كُلُّ مَن كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ مِن كُبَراءِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] . وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إذْ هو الَّذِي اخْتَلَقَ أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . وكانَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ ذا سَعَةٍ مِنَ المالِ كَثِيرُ الأبْناءِ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] ﴿وبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] . والوَجْهُ أنْ لا يَخْتَصَّ هَذا الوَصْفُ بِهِ. وأنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا بِهِ. والأساطِيرُ: جَمَعُ أُسْطُورَةٍ وهي القِصَّةُ، والأُسْطُورَةُ كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في الأنْعامِ وقَوْلُهُ ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ. وخُتِمَتِ الأوْصافُ المُحَذَّرُ عَنْ إطاعَةِ أصْحابِها بِوَصْفِ التَّكْذِيبِ لِيُرْجَعَ إلى صِفَةِ التَّكْذِيبِ الَّتِي انْتُقِلَ الأُسْلُوبُ مِنها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ﴾ [القلم: ١٤] بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرَ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ فَهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ ألِفًا لِلتَّخْفِيفِ.

القلم 68:16

﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ الَّتِي وُصِفُوا بِها أنْ يَسْألَ السّامِعُ: ما جَزاءُ أصْحابِ هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ اللَّهِ عَلى ما أتَوْهُ مِنَ القَبائِحِ والاجْتِراءِ عَلى رَبِّهِمْ. وضَمِيرُ المُفْرَدِ الغائِبِ في قَوْلِهِ سَنَسِمُهُ عائِدٌ إلى كُلِّ حَلّافٍ بِاعْتِبارِ صفحة ٧٧ لَفْظِهِ وإنْ كانَ مَعْناهُ الجَماعاتِ فَإفْرادُ ضَمِيرِهِ كَإفْرادِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلَّ) مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي جاءَتْ بِحالَةِ الإفْرادِ. والمَعْنى: سَنَسِمُ كُلَّ هَؤُلاءِ عَلى الخَراطِيمِ، وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمُعَيَّنٍ بِصِفَةِ قَوْلِهِ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] وبِأنَّهُ ذُو مالٍ وبَنِينَ. والخُرْطُومُ: أُرِيدَ بِهِ الأنْفُ. والظّاهِرُ أنَّ حَقِيقَةَ الخُرْطُومِ الأنْفُ المُسْتَطِيلُ كَأنْفِ الفِيلِ والخِنْزِيرِ ونَحْوِهِما مِن كُلِّ أنْفٍ مُسْتَطِيلٍ. وقَدْ خَلَطَ أصْحابُ اللُّغَةِ في ذِكْرِ مَعانِيهِ خَلْطًا لَمْ تَتَبَيَّنْ مِنهُ حَقِيقَتُهُ مِن مَجازِهِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الأساسِ مَعانِيَهُ المَجازِيَّةَ ولَمْ يَذْكُرْ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ، وانْبَهَمَ كَلامُهُ في الكَشّافِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ فِيهِ: وفي لَفْظِ الخُرْطُومِ اسْتِخْفافٌ وإهانَةٌ، يَقْتَضِي أنَّ إطْلاقَهُ عَلى أنْفِ الإنْسانِ مَجازٌ مُرْسَلٌ. وجَزَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ حَقِيقَةَ الخُرْطُومِ مَخْطِمُ السَّبُعِ، أيْ أنْفٌ، مِثْلُ الأسَدِ، فَإطْلاقُ الخُرْطُومِ عَلى أنْفِ الإنْسانِ هُنا اسْتِعارَةٌ كَإطْلاقِ المِشْفَرِ وهو شَفَةُ البَعِيرِ عَلى شَفَةِ الإنْسانِ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: فَلَوْ كُنْتَ ضَبِّيًّا عَرَفْتَ قَرابَتِي ولَكِنَّ زِنْجِيٌّ غَلِيظُ المَشافِرِ وكَإطْلاقِ الجَحْفَلَةِ عَلى شَفَةِ الإنْسانِ وهي لِلْخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ في قَوْلِ النّابِغَةِ يَهْجُو لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ: ألا مَن مُبْلِغٌ عَنِّي لَبِـيدًا ∗∗∗ أبا الوَرْداءِ جَحْفَلَةَ الأتانِ والوَسْمُ لِلْإبِلِ ونَحْوِها، جَعْلُ سِمَةٍ لَها أنَّها مِن مَمْلُوكاتِ القَبِيلَةِ أوِ المالِكِ المُعَيَّنِ. فالمَعْنى: سَنُعامِلُهُ مُعامَلَةً يُعْرَفُ بِها أنَّهُ عَبَدُنا وأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ مِنّا شَيْئًا. فالوَسْمُ: تَمْثِيلٌ تَتْبَعُهُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنهُ وإظْهارِ عَجْزِهِ. وأصْلُ (نَسِمُهُ) نُوسِمُهُ مِثْلُ: يَعِدُ ويَصِلُ. وذِكْرُ الخُرْطُومِ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ التَّشْوِيهِ والإهانَةِ فَإنَّ الوَسْمَ يَقْتَضِي التَّمَكُّنَ وكَوْنَهُ في الوَجْهِ إذْلالًا وإهانَةً، وكَوْنَهُ عَلى الأنْفِ أشَدَّ إذْلالًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ الأنْفِ بِالخُرْطُومِ صفحة ٧٨ تَشْوِيهٌ، والضَّرْبُ والوَسْمُ ونَحْوُهُما عَلى الأنْفِ كِنايَةٌ عَنْ قُوَّةِ التَّمَكُّنِ وتَمامِ الغَلَبَةِ وعَجْزِ صاحِبِ الأنْفِ عَنِ المُقاوَمَةِ؛ لِأنَّ الأنْفَ أبْرَزُ ما في الوَجْهِ وهو مَجْرى النَفَسِ، ولِذَلِكَ غَلَبَ ذِكْرُ الأنْفِ في التَّعْبِيرِ عَنْ إظْهارِ العِزَّةِ في قَوْلِهِمْ: شَمَخَ بِأنْفِهِ، وهو أشَمُّ الأنْفِ، وهم شُمُّ العَرانِينِ. وعَبَّرَ عَنْ ظُهُورِ الذِّلَّةِ والاسْتِكانَةِ بِكَسْرِ الأنْفِ، وجَدْعِهِ، ووُقُوعِهِ في التُّرابِ في قَوْلِهِمْ: رَغِمَ أنْفُهُ، وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ، قالَ جَرِيرُ: لَمّا وضَعْتُ عَلى الفَرَزْدَقِ مِيسَمِي ∗∗∗ وعَلى البَعِيثِ جَدَعْتُ أنْفَ الأخْطَلِ ومُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَعْنِيَّ بِهَذا الوَعِيدِ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٌ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قَوْلُهُ (﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾) هو ما ابْتَلاهُ اللَّهُ بِهِ في نَفْسِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ مِن سُوءٍ وذُلٍّ وصَغارٍ. يُرِيدُ: ما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ إلى فَتْحِمَكَّةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْنى (﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾) سَنَخْطِمُهُ بِالسَّيْفِ قالَ: وقَدْ خُطِمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمْ يَزَلْ مَخْطُومًا إلى أنْ ماتَ، ولَمْ يُعَيِّنِ ابْنُ عَبّاسٍ مَن هو. وقَدْ كانُوا إذا ضَرَبُوا بِالسُّيُوفِ قَصَدُوا الوُجُوهَ والرُّءُوسَ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لَمّا بَلَّغَهُ قَوْلُ أبِي حُذَيْفَةَ لَئِنْ لَقِيَتُ العَبّاسَ لَأُلَجِّمَنَّهُ السَّيْفَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ «يا أبا حَفْصٍ أيُضْرَبُ وجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ» ؟ . وقِيلَ هَذا وعِيدٌ بِتَشْوِيهِ أنْفِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وجُعِلَ تَشْوِيهُهُ يَوْمَئِذٍ في أنْفِهِ لِأنَّهُ إنَّما بالَغَ في عَداوَةِ الرَّسُولِ والطَّعْنِ في الدِّينِ بِسَبَبِ الأنَفَةِ والكِبْرِياءِ، وقَدْ كانَ الأنْفُ مَظْهَرَ الكِبْرِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ الكِبْرُ أنَفَةً اشْتِقاقًا مِنِ اسْمِ الأنْفِ فَجُعِلَتْ شَوْهَتُهُ في مَظْهَرِ آثارِ كِبْرِيائِهِ.

القلم 68:17

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:18

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:19

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:20

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:21

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:22

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:23

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:24

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:25

﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحَبَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ ﴿ولا يَسْتَثْنُونَ﴾ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ ﴿أنُ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ صفحة ٧٩ ضَمِيرُ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم يَعُودُ إلى المُكَذِّبِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا دَعَتْ إلَيْهِ مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] فَإنَّ الازْدِهاءَ والغُرُورَ بِسَعَةِ الرِّزْقِ المُفْضِيَيْنِ إلى الاسْتِخْفافِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ وإهْمالِ النَّظَرِ في كُنْهِها ودَلائِلِها قَدْ أوْقَعا مِن قَدِيمِ الزَّمانِ أصْحابَهُما في بَطَرِ النِّعْمَةِ وإهْمالِ الشُّكْرِ فَجَرَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَواقِبِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ مَثَلًا بِحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ لَعَلَّهم يَسْتَفِيقُونَ مِن غَفْلَتِهِمْ وغُرُورِهِمْ. كَما ضَرَبَ المَثَلَ بِقَرِيبٍ مِنهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وضَرَبَ مَثَلًا بِقارُونَ في سُورَةِ القَصَصِ. والبَلْوى حَقِيقَتُها: الاخْتِبارُ وهي هُنا تَمْثِيلٌ بِحالِ المُبْتَلى في إرْخاءِ الحَبَلِ لَهُ بِالنِّعْمَةِ لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ، فالبَلْوى المَذْكُورَةُ هُنا بَلْوى بِالخَيْرِ فَإنَّ اللَّهَ أمَدَّ أهْلَ مَكَّةَ بِنِعْمَةِ الأمْنِ، ونِعْمَةِ الرِّزْقِ، وجَعَلَ الرِّزْقَ يَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، ويَسَّرَ لَهم سُبُلَ التِّجارَةِ في الآفاقِ بِنِعْمَةِ الإيلافِ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ، فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ النِّعْمَةَ بِإرْسالِ رَسُولٍ مِنهم لِيُكْمِلَ لَهم صَلاحَ أحْوالِهِمْ ويَهْدِيَهم إلى ما فِيهِ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَدَعاهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ أعْرَضُوا وطَغَوْا ولَمْ يَتَوَجَّهُوا إلى النَّظَرِ في النِّعَمِ السّالِفَةِ ولا في النِّعْمَةِ الكامِلَةِ الَّتِي أكْمَلَتْ لَهُمُ النِّعَمِ. ووَجْهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أصْحابِ الجَنَّةِ المَذْكُورَةِ هُنا هو الإعْراضُ عَنْ طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَتِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ أصْحابَ الجَنَّةِ مِنَ البُؤْسِ بَعْدَ النَّعِيمِ والقَحْطِ بَعْدَ الخِصْبِ، وإنِ اخْتَلَفَ السَّبَبُ في نَوْعِهِ فَقَدِ اتَّحَدَ جِنْسُهُ. وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ إذْ أخَذَهُمُ اللَّهُ بِسَبْعِ سِنِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. وهَذِهِ القِصَّةُ المَضْرُوبِ بِها المَثَلُ قِصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهم وهي أنَّهُ كانَتْ بِبَلَدٍ يُقالُ لَهُ: ضَرَوانُ (بِضادٍ مُعْجَمَةٍ وراءٍ وواوٍ مَفْتُوحاتٍ وألِفٍ ونُونٍ) مِن بِلادِ اليَمَنِ بِقُرْبِ صفحة ٨٠ صَنْعاءَ. وقِيلَ: ضَرَوانُ اسْمُ هَذِهِ الجَنَّةِ، وكانَتْ جَنَّةً عَظِيمَةً غَرَسَها رَجُلٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ والإيمانِ مِن أهْلِ الكِتابِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ولَمْ يُبَيِّنْ مِن أيِّ أهْلِ الكِتابِ هو: أمِنَ اليَهُودِ أمْ مِنَ النَّصارى ؟ فَقِيلَ: كانَ يَهُودِيًّا، أيْ لِأنَّ أهْلَ اليَمَنِ كانُوا تَدَيَّنُوا بِاليَهُودِيَّةِ في عَهْدِ بِلْقِيسَ كَما قِيلَ أوْ بَعْدَها بِهِجْرَةِ بَعْضِ جُنُودِ سُلَيْمانَ، وكانَتْ زَكاةُ الثِّمارِ مِن شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كَما في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: كانَ أصْحابُ هَذِهِ الجَنَّةِ بَعْدَ عِيسى بِقَلِيلٍ، أيْ قَبْلَ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في اليَمَنِ لِأنَّها ما دَخَلَتِ اليَمَنَ إلّا بَعْدَ دُخُولِ الأحْباشِ إلى اليَمَنِ في قِصَّةِ القُلَّيْسِ وكانَ ذَلِكَ زَمانَ عامِ الفِيلِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: كانُوا مِنَ الحَبَشَةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ جَنَّةٌ وجَعَلَ في ثَمَرِها حَقًّا لِلْمَساكِينِ وكانَ يُدْخِلُ مَعَهُ المَساكِينَ لِيَأْخُذُوا مِن ثَمارِها فَكانَ يَعِيشُ مِنها اليَتامى والأرامِلُ والمَساكِينُ وكانَ لَهُ ثَلاثَةُ بَنِينَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ صاحِبُ الجَنَّةِ وصارَتْ لِأوْلادِهِ أصْبَحُوا ذَوِي ثَرْوَةٍ، وكانُوا أشِحَّةً أوْ كانَ بَعْضُهم شَحِيحًا وبَعْضُهم دُونَهُ فَتَمالَئُوا عَلى حِرْمانِ اليَتامى والمَساكِينِ والأرامِلِ وقالُوا: لَنَغْدُوَنَّ إلى الجَنَّةِ في سُدْفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ انْبِلاجِ الصَّباحِ مِثْلُ وقْتِ خُرُوجِ النّاسِ إلى جَنّاتِهِمْ لِلْجِذاذِ فَلَنَجُذُّنَّها قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المَساكِينُ. فَبَيَّتُوا ذَلِكَ وأقْسَمُوا أيْمانًا عَلى ذَلِكَ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم بِتَنْفِيذِ ما تَداعَوْا إلَيْهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَهم كانَ مُتَرَدِّدًا في مُوافَقَتِهِمْ عَلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ وأنَّهم ألْجَمُوهُ بِالقَسَمِ وهَذا الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، قِيلَ: كانَ يَقُولُ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا عَنْ خُبْثِ نِيَّتِكم مِن مَنعِ المَساكِينِ، وذَكَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ فَغَلَبُوهُ ومَضَوْا إلى ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم أقْسَمُوا عَلى أنْ يَفْعَلُوا وأقْسَمُوا عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ مَعَهم ذَلِكَ فَأقْسَمَ مَعَهم أوْ وافَقَهم عَلى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ، ولِهَذا الاعْتِبارِ أُسْنِدَ القَسَمُ إلى جَمِيعِ أصْحابِ الجَنَّةِ. فَلَمّا جاءُوا جَنَّتَهم وجَدُوها مُسْوَّدَةً قَدْ أصابَها ما يُشَبِّهُ الاحْتِراقَ فَلَمّا رَأوْها بِتِلْكَ الحالَةِ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ أصابَهم دُونَ غَيْرِهِمْ لِعَزْمِهِمْ عَلى قَطْعِ ما كانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الضُّعَفاءُ مِن قَوْمِهِمْ وأنابُوا إلى اللَّهِ رَجاءَ أنْ يُعْطِيَهم خَيْرًا مِنها. قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ مِن أعْنابٍ. والصَّرْمُ: قَطْعُ الثَّمَرَةِ وجِذاذُها. صفحة ٨١ ومَعْنى (مُصْبِحِينَ) داخِلِينَ في الصَّباحِ أيْ في أوائِلِ الفَجْرِ. ومَعْنى ﴿لا يَسْتَثْنُونَ﴾ أنَّهم لا يَسْتَثْنُونَ مِنَ الثَّمَرَةِ شَيْئًا لِلْمَساكِينِ، أيْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّ جَمِيعَ الثَّمَرِ ولا يَتْرُكُونَ مِنهُ شَيْئًا. وهَذا التَّعْمِيمُ مُسْتَفادٌ مِمّا في الصَّرْمِ مِن مَعْنى الخَزْنِ والانْتِفاعِ بِالثَّمَرَةِ وإلّا فَإنَّ الصَّرْمَ لا يُنافِي إعْطاءَ شَيْءٍ مِنَ المَجْذُوذِ لِمَن يُرِيدُونَ. وأُجْمِلُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى ما هو مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ مِن تَفْصِيلِ هَذِهِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إيجازِ حِكايَةِ القَصَصِ بِالاقْتِصارِ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها. وقِيلَ مَعْناهُ: لا يَسْتَثْنُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْناءٌ أنَّ أصْلَ صِيغَتِهِ فِيها حَرْفُ الاسْتِثْناءِ وهو (إلّا)، فَإذا اقْتَصَرَ أحَدٌ عَلى (إنْ شاءَ اللَّهُ) دُونَ حَرْفِ الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ اسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ الشَّرْطُ يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى الاسْتِثْناءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْتِثْناءٌ نَظَرًا إلى المَعْنى وإلى مادَةِ اشْتِقاقِ الاسْتِثْناءِ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ولا يَسْتَثْنُونَ مِن قَبِيلِ الإدْماجِ، أيْ لِمَبْلَغِ غُرُورِهِمْ بِقُوَّةِ أنْفُسِهِمْ صارُوا إذا عَزَمُوا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ لا يَتَوَقَّعُونَ لَهُ عائِقًا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لْاسْتِحْضارِ حالَتِهِمُ العَجِيبَةِ مِن بُخْلِهِمْ عَلى الفُقَراءِ والأيْتامِ. وعَلى الرِّواياتِ كُلِّها يُعْلَمُ أنَّ أهْلَ هَذِهِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُونُوا كُفّارًا، فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ المَضْرُوبِ لَهم هَذا المَثَلُ هو بَطَرُ النِّعْمَةِ والاغْتِرارِ بِالقُوَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾، الطَّوافُ: المَشِيُ حَوْلَ شَيْءٍ مِن كُلِّ جَوانِبِهِ يُقالُ: طافَ بِالكَعْبَةِ، وأُرِيدُ بِهِ هُنا تَمْثِيلَ حالَةِ الإصابَةِ لِشَيْءٍ كُلِّهِ بِحالِ مَن يَطُوفُ بِمَكانٍ، قالَ تَعالى ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآيَةَ. وعُدِّيَ (طافَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَسَلَّطَ أوْ نَزَلَ. ولَمْ يُعَيِّنْ جِنْسَ الطّائِفِ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن جِنْسِ ما يُصِيبُ الجَنّاتِ مِنَ الهَلاكِ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في الحاصِلِ بِهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ (طافَ) إلى طائِفٍ بِمَنزِلَةِ إسْنادِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَطِيفَ عَلَيْها وهم صفحة ٨٢ نائِمُونَ. وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّ الطّائِفَ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ، يَعْنِي ومِنهُ سُمِّيَ الخَيالُ الَّذِي يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ طَيْفًا. قِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الطّائِفَةِ وهي الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ. وفي هَذا نَظَرٌ. فَقَوْلُهُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ تَقْيِيدٌ لِوَقْتِ الطّائِفِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمَعْنى طائِفٍ عَلى تَفْسِيرِ الفَرّاءِ، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ. وتَنْوِينُ طائِفٍ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ أمْرٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ فَهو طائِفُ سُوءٍ، قِيلَ: أصابَها عُنُقٌ مِن نارٍ فاحْتَرَقَتْ. و﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ جائِيًا مِن قِبَلِ رَبِّكَ، فَ (مِن) لِلْابْتِداءِ يَعْنِي أنَّهُ عَذابٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِقابًا لَهم عَلى عَدَمِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وعُجِّلَ العِقابُ لَهم قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِمَنعِ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّ عَزْمَهم عَلى المَنعِ وتَقاسُمَهم عَلَيْهِ حَقَّقَ أنَّهم مانِعُونَ صَدَقاتِهِمْ فَكانُوا مانِعِينَ، ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ لِلَّذِينِ لا يُواسُونَ بِأمْوالِهِمْ. وإذْ كانَ عِقابُ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ دُنْيَوِيًّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ مَنَعُوا صَدَقَةً واجِبَةً. والصَّرِيمُ قِيلَ: هو اللَّيْلُ، والصَّرِيمُ مِن أسْماءِ اللَّيْلِ ومِن أسْماءِ النَّهارِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنِ الآخَرِ كَما سُمِّيَ كُلٌّ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَلْوًا فَيُقالُ: المَلَوانِ، وعَلى هَذا فَفي الجَمْعِ بَيْنَ (أصْبَحَتْ) و(الصَّرِيمِ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرَّمادُ الأسْوَدُ بِلُغَةِ جَذِيمَةَ أوْ خُزَيْمَةَ. وقِيلَ: الصَّرِيمُ اسْمُ رَمْلَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِاليَمَنِ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وإيثارُ كَلِمَةِ الصَّرِيمِ هُنا لِكَثْرَةِ مَعانِيها وصَلاحِيَّةِ جَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي لِأنْ تُرادَ في الآيَةِ. وبَيْنَ يَصْرِمُنَّها والصَّرِيمِ الجِناسُ. وفاءُ (فَتَنادَوْا) لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾، أيْ فَلَمّا أصْبَحُوا تَنادَوْا لِإنْجازِ ما بَيَّتُوا عَلَيْهِ أمْرَهم. صفحة ٨٣ والتَّنادِي: أنْ يُنادِيَ بَعْضُهم بَعْضًا وهو مُشْعِرٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الغُدُوِّ إلى جَنَّتِهِمْ مُبَكِّرِينَ. والغُدُوُّ: الخُرُوجُ ومُغادَرَةُ المَكانِ في غَدْوَةِ النَّهارِ، أيْ أوَّلِهِ. ولَيْسَ قَوْلُهم ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ بِشَرْطِ تَعْلِيقٍ ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في الاسْتِبْطاءِ فَكَأنَّهم لِإبْطاءِ بَعْضِهِمْ في الغُدُوِّ قَدْ عَدَلَ عَنِ الجَذاذِ ذَلِكَ اليَوْمَ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِلْحَجّاجِ عِنْدَ زَوالِ عَرَفَةَ يُحَرِّضُهُ عَلى التَّهْجِيرِ بِالرَّواحِ إلى المَوْقِفِ ”الرَّواحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ“ ونَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الكَلامِ. و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ الوُصُولِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: اُغْدُوا تَكُونُوا عَلى حَرْثِكم، أيْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ فِعْلُ الغُدُوِّ مَعْنى الإقْبالِ كَما يُقالُ: يُغْدى عَلَيْهِ بِالجَفْنَةِ ويُراحُ، قالَ الطِّيبِيُّ: ومِثْلُهُ قِيلَ في حَقِّ المُطَّلِبِ تَغْدُو دِرَّتُهُ (الَّتِي يَضْرِبُ بِها) عَلى السُّفَهاءِ، وجَفْنَتُهُ عَلى الحُلَماءِ. والحَرْثُ: شَقُّ الأرْضِ بِحَدِيدَةٍ ونَحْوِها لِيُوضِعَ فِيها الزَّرِيعَةَ أوِ الشَّجَرَ ولِيُزالَ مِنها العُشْبُ. ويُطْلَقُ الحَرْثُ عَلى الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم يَتَعاهَدُونَها بِالحَرْثِ لِإصْلاحِ شَجَرِها، وهو المُرادُ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والتَّخافُتُ: تَفاعُلُ مِن خَفَتَ إذا أسَّرَ الكَلامَ. و﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (يَتَخافَتُونَ)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّخافُتَ في مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وتَأْكِيدُ فِعْلِ النَّهْيِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ما تَقاسَمُوا عَلَيْهِ. وأُسْنِدَ إلى (مِسْكِينٌ) فَعْلُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والمُرادُ نَهْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ دُخُولِ المِسْكِينِ إلى جَنَّتِهِمْ، أيْ لا يَتْرُكُ أحَدٌ مِسْكِينًا يَدْخُلُها. وهَذا مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ وهو كَثِيرٌ في اسْتِعْمالِ النَّهْيِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ)، أيِ انْطَلَقُوا في حالِ كَوْنِهِمْ غادِينَ قادِرِينَ عَلى حَرْدٍ. وذُكِرَ فِعْلُ (غَدَوْا) في جُمْلَةِ الحالِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ الغُدُوِّ النَّحْسِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وباتَ وباتَتْ لَـهُ لَـيْلَةٌ كَلَيْلَةِ ذِي العائِرِ الأرْمَدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَطاوَلَ لَيْلُكَ بِالأثْمُـدِ ∗∗∗ وباتَ الخَلِيُّ ولَمْ تَرْقُدْ يُخاطِبُ نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةٍ فِيها التِفاتٌ أوِ التِفاتانِ. والحَرْدُ: يُطْلَقُ عَلى المَنعِ وعَلى القَصْدِ القَوِيِّ، أيِ السُّرْعَةِ وعَلى الغَضَبِ. وفِي إيثارِ كَلِمَةِ (حَرْدٍ) في الآيَةِ نُكْتَةٌ مِن نُكَتِ الإعْجازِ المُتَعَلِّقِ بِشَرَفِ اللَّفْظِ ورَشاقَتِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى، ومِن جِهَةِ تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، أيْ بِأنْ يَتَعَلَّقَ (عَلى حَرْدٍ) بِ (قادِرِينَ)، أوْ بِقَوْلِهِ (غَدَوْا)، فَإذا عَلَّقَ بِ (قادِرِينَ)، فَتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ يُفِيدُ تَخْصِيصًا، أيْ قادِرِينَ عَلى المَنعِ، أيْ مَنعِ الخَيْرِ أوْ مَنعِ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ عَلى النَّفْعِ. والتَّعْبِيرُ بِقادِرِينَ عَلى حَرْدٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وغَدَوْا حادِرِينَ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّ شَأْنَ فِعْلِ القُدْرَةِ أنْ يُذْكَرَ في الأفْعالِ الَّتِي يَشُقُّ عَلى النّاسِ إتْيانُها قالَ تَعالى ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَقَوْلُهُ ﴿عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ عَلى هَذا الاحْتِمالِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ إلّا الحِرْمانَ أوْ لا يَقْدِرُ إلّا عَلى الخَيْبَةِ. وإذا حُمِلَ الحَرْدُ عَلى مَعْنى السُّرْعَةِ والقَصْدِ كانَ عَلى حَرْدٍ مُتَعَلِّقًا بِ (غَدَوْا) مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الغُدُوِّ، أيْ غَدَوْا غُدُوَّ سُرْعَةٍ واعْتِناءٍ، فَتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ، والمَعْنى: غُدُوًّا بِسُرْعَةٍ ونَشاطٍ، ويَكُونُ قادِرِينَ حالًا مِن ضَمِيرِ (غَدَوْا) حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم قادِرُونَ عَلى تَحْقِيقِ ما أرادُوا. وفِي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم خابُوا، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ [القلم: ٢٦]، وقَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ﴾ . صفحة ٨٥ وإذا أُرِيدَ بِالحَرْدِ الغَضَبُ والحَنَقُ فَإنَّهُ يُقالُ: حَرَدٌ بِالتَّحْرِيكِ وحَرْدٌ بِسُكُونِ الرّاءِ ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِ (قادِرِينَ) وتَقْدِيمُهُ لِلْحَصْرِ، أيْ غَدَوْا لا قُدْرَةَ لَهم إلّا عَلى الحَنَقِ والغَضَبِ عَلى المَساكِينِ لِأنَّهم يَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِمْ جَنَّتَهم كُلَّ يَوْمٍ فَتَحَيَّلُوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْكِيرِ إلى جِذاذِها، أيْ لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى الغَضَبِ والحَنَقِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ما أرادُوهُ مِنِ اجْتِناءِ ثَمَرِ الجَنَّةِ. وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ (حَرْدٍ) اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، أيْ جَنَّتُهم. وأحْسَبُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ مُلَفَّقٌ وكَأنَّ صاحِبَهُ تَصَيَّدَهُ مِن فِعْلَيْ (اغْدُوا) و(غَدَوْا) .

القلم 68:26

﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسْبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيِ اسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ورَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى بَطَرِهِمْ وإهْمالِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم أُخِذُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ومِن حِكَمِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيِّ ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ . وأفادَتْ (لَمّا) اقْتِرانَ جَوابِها بِشَرْطِها بِالفَوْرِ والبَداهَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّعْرِيضُ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَكُونَ حالُهم في تَدارُكِ أمْرَهِمْ وسُرْعَةِ إنابَتِهِمْ كَحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ إذْ بادَرُوا بِالنَّدَمِ وسَألُوا اللَّهَ عِوَضَ خَيْرٍ. وإسْنادُ هَذِهِ المَقالَةِ إلى ضَمِيرِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] يَقْتَضِي أنَّهم قالُوهُ جَمِيعًا، أيِ اتَّفَقُوا عَلى إدْراكِ سَبَبِ ما أصابَهم. ومَعْنى ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ أيْ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، أيْ كانُوا غَيْرَ مُهْتَدِينَ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ما أصابَهم عِقابًا عَلى إهْمالِ الشُّكْرِ فالضَّلالُ مَجازٌ. صفحة ٨٦ وأكَّدُوا الكَلامَ لِتَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّهم ضالُّونَ طَرِيقَ الخَيْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالغَفْلَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، فَفِيهِ إيذانٌ بِالتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ. و﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إضْرابٌ لِلْانْتِقالِ إلى ما هو أهَمُّ بِالنَّظَرِ لِحالِ تَبْيِينِهِمْ إذْ بَيَّتُوا حِرْمانَ المَساكِينَ مِن فُضُولِ ثَمَرَتِهِمْ فَكانُوا هُمُ المَحْرُومِينَ مِن جَمِيعِ الثِّمارِ، فالحِرْمانُ الأعْظَمُ قَدِ اخْتُصَّ بِهِمْ إذْ لَيْسَ حِرْمانُ المَساكِينِ بِشَيْءٍ في جانِبِ حِرْمانِهِمْ. والكَلامُ يُفِيدُ ذَلِكَ إمّا بِطْرِيقِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِأنَّ أُتِيَ بِهِ ضَمِيرًا بارِزًا مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا في اسْمِ المَفْعُولِ مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ سَماعِ مُتَحَمَّلِهِ. فَلَمّا أُبْرِزَ الضَّمِيرُ وقُدِّمَ كانَ تَقْدِيمُهُ مُؤَذِّنًا بِمَعْنى الاخْتِصاصِ، أيِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى القَرائِنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ حَقِيقِيًّا، أيْ ضَلالُ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ قالُوا إنّا أخْطَأْنا الطَّرِيقَ في السَّيْرِ إلى جَنَّتِنا؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم شاهَدُوا جَنَّةً أُخْرى غَيْرَ جَنَّتِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها، قالُوا ذَلِكَ تَحَيُّرًا في أمْرِهِمْ. ويَكُونُ الإضْرابُ إبْطالِيًّا، أيْ أبْطَلُوا أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وأثْبَتُوا أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن خَيْرِ جَنَّتِهِمْ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّها هي جَنَّتُهم ولَكِنَّها هَلَكَتْ فَحُرِمُوا خَيْراتِها بِأنْ أتْلَفَها اللَّهُ. و(أوْسَطُهم) أفْضَلُهم وأقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وهو أحَدُ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ. والوَسَطُ: يُطْلَقُ عَلى الأخِيرِ الأفْضَلِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ويُقالُ هو مِن سِطَةِ قَوْمِهِ، وأعْطِنِي مِن سِطَةِ مالِكِ. وحُكِيَ هَذا القَوْلُ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ في مَجْرى المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالَهُ لَهم عَلى وجْهِ تَوْقِيفِهِمْ عَلى تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وخَطَلِ رَأْيِهِمْ. والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. والمُرادُ بِ (تُسَبِّحُونَ) تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في شَأْنِ إعْطاءِ زَكاةِ ثِمارِهِمْ. وكانَ جَوابُهم يَتَضَمَّنُ إقْرارًا بِأنَّهُ وعَظَهم فَعَصَوْهُ ودَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ صفحة ٨٧ نَدَمِهِمْ عَلى عَدَمِ الأخْذِ بِنَصِيحَتِهِ فَقالُوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أرادُوا إجابَةَ تَقْرِيرِهِ بِإقْرارِ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في إعْطاءِ حَقِّ المَساكِينِ فَإنَّ مِن أصُولِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، واعْتِرافُهم بِظُلْمِ المَساكِينِ مِن أُصُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنَدُّمِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدِّمَةُ الاسْتِغْفارِ مِنَ الذَّنْبِ قالَ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] . وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قَرارٌ بِالذَّنْبِ، والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ الإقْرارِ والاهْتِمامِ بِهِ. ويُفِيدُ حَرْفُ (إنَّ) مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ظالِمِينَ) لِيَعُمَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم بِما جَرُّوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن سَلْبِ النِّعْمَةِ، وظُلْمِ المَساكِينِ بِمَنعِهِمْ مِن حَقِّهِمْ في المالِ. وجَرَتْ حِكايَةُ جَوابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ فَلَمْ تُعْطَفْ وهي الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُبِّهْنا عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا اسْتَقَرَّ حالُهم عَلى المُشارَكَةِ في مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم أخَذَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا عَلى ما فَرَطَ مِن فِعْلِهِمْ، كُلٌّ يَلُومُ غَيْرَهُ بِما كانَ قَدْ تَلَبَّسَ بِهِ في هَذا الشَّأْنِ مِنِ ابْتِكارِ فِكْرَةِ مَنعِ المَساكِينَ ما كانَ حَقًّا لَهم مِن حَياةِ الأبِ، ومِنَ المُمالاةِ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الاقْتِناعِ بِتَصْمِيمِ البَقِيَّةِ، ومِن تَنْفِيذِ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ العَزْمِ الذَّمِيمِ، فَصَوَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ هَذِهِ الحالَةَ والتَّقاذُفَ الواقِعَ بَيْنَهم بِهَذا الإجْمالِ البالِغِ غايَةَ الإيجازِ، ألا تَرى أنَّ إقْبالَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُصَوِّرُ حالَةٍ تُشْبِهُ المُهاجَمَةَ والتَّقْرِيعَ، وأنَّ صِيغَةَ التَّلاوُمِ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلَّقِ التَّلاوُمِ تُصَوِّرُ في ذِهْنِ السّامِعِ صُوَرًا مِن لَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. وقَدْ تَلَقّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَوْمَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِإحْقاقِ نَفْسِهِ بِالمَلامَةِ وإشْراكِ بَقِيَّتِهِمْ فِيها فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِهِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ. فَجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (يَتَلاوَمُونَ) أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا الكَلامِ فَتَكُونُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ والإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ، مَعَ التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ بِما أفادَهُ (يا ويْلَنا) . وذَلِكَ كَلامٌ جامِعٌ لِلْمَلامَةِ كُلِّها ولَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ. صفحة ٨٨ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ لَوْمِهِ غَيْرِهِ، فَكَما أجْمَعُوا عَلى لَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى إجابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ المَلامِ فَقالَ كُلُّ مَلُومٍ لِلائِمِهِ (﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾) إلَخْ جَوابًا بِتَقْرِيرِ مَلامِهِ والاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ ورَجاءِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ وتَعْوِيضِهِمْ عَنْ جَنَّتِهِمْ خَيْرًا مِنها إذْ قَبِلَ تَوْبَتَهم وجَعَلَ لَهم ثَوابَ الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ العَطْفِ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ جَرى في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. والإقْبالُ: حَقِيقَةُ المَجِيءِ إلى الغَيْرِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القُبُلِ وهو ما يَبْدُو مِنَ الإنْسانِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ ضِدَّ الإدْبارِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ العِنايَةِ بِاللَّوْمِ. واللَّوْمُ: إنْكارٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ وهو دُونَ التَّوْبِيخِ وفَوْقَ العِتابِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المُتَعارَفِ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ والمَعْنى: إنّا كُنّا طاغِينَ عَلى حُدُودِ اللَّهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَنْ نَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ رَجاءَهم مِنَ اللَّهِ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلا يُؤاخِذُهم بِذَنْبِهِمْ في الآخِرَةِ ولا في الدُّنْيا فَيَمْحُو عِقابَهُ في الدُّنْيا مَحْوًا كامِلًا بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَنَّتِهِمُ الَّتِي قُدِّرَ إتْلافُها بِجَنَّةٍ أُخْرى خَيْرًا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ الرَّجاءِ، أيْ هو رَجاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلى رَغْبَةٍ إلَيْهِ بِالقَبُولِ والاسْتِجابَةِ. والتَّأْكِيدُ في (إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ) لِلْاهْتِمامِ بِهَذا التَّوَجُّهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإطْنابِ في قَوْلِهِمْ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ تَلْقِينُ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهم هَذا المَثَلُ بِأنَّ في مُكْنَتِهِمُ الإنابَةَ إلى اللَّهِ بِنَبْذِ الكُفْرانِ لِنِعْمَتِهِ إذْ أشْرَكُوا بِهِ مَن لا إنْعامَ لَهم عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَّلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، ذاتَ عِنَبٍ يُحْمَلُ العُنْقُودُ الواحِدُ مِنهُ عَلى بَغْلٍ. صفحة ٨٩ وعَنْ أبِي خالِدٍ اليَمانِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلَتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يُبَدِّلَنا) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ. قالَ ابْنُ الفَرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن تَعْمَّدَ إلى نَقْصِ النِّصابِ قَبْلَ الحَوْلِ قَصْدًا لِلْفِرارِ مِنَ الزَّكاةِ أوْ خالَطَ غَيْرَهُ، أوْ فارَقَهُ بَعْدَ الخِلْطَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ الزَّكاةَ عَنْهُ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ. ووَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ قَصَدُوا بِجَذِّ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ.

القلم 68:27

﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسْبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيِ اسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ورَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى بَطَرِهِمْ وإهْمالِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم أُخِذُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ومِن حِكَمِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيِّ ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ . وأفادَتْ (لَمّا) اقْتِرانَ جَوابِها بِشَرْطِها بِالفَوْرِ والبَداهَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّعْرِيضُ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَكُونَ حالُهم في تَدارُكِ أمْرَهِمْ وسُرْعَةِ إنابَتِهِمْ كَحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ إذْ بادَرُوا بِالنَّدَمِ وسَألُوا اللَّهَ عِوَضَ خَيْرٍ. وإسْنادُ هَذِهِ المَقالَةِ إلى ضَمِيرِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] يَقْتَضِي أنَّهم قالُوهُ جَمِيعًا، أيِ اتَّفَقُوا عَلى إدْراكِ سَبَبِ ما أصابَهم. ومَعْنى ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ أيْ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، أيْ كانُوا غَيْرَ مُهْتَدِينَ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ما أصابَهم عِقابًا عَلى إهْمالِ الشُّكْرِ فالضَّلالُ مَجازٌ. صفحة ٨٦ وأكَّدُوا الكَلامَ لِتَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّهم ضالُّونَ طَرِيقَ الخَيْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالغَفْلَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، فَفِيهِ إيذانٌ بِالتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ. و﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إضْرابٌ لِلْانْتِقالِ إلى ما هو أهَمُّ بِالنَّظَرِ لِحالِ تَبْيِينِهِمْ إذْ بَيَّتُوا حِرْمانَ المَساكِينَ مِن فُضُولِ ثَمَرَتِهِمْ فَكانُوا هُمُ المَحْرُومِينَ مِن جَمِيعِ الثِّمارِ، فالحِرْمانُ الأعْظَمُ قَدِ اخْتُصَّ بِهِمْ إذْ لَيْسَ حِرْمانُ المَساكِينِ بِشَيْءٍ في جانِبِ حِرْمانِهِمْ. والكَلامُ يُفِيدُ ذَلِكَ إمّا بِطْرِيقِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِأنَّ أُتِيَ بِهِ ضَمِيرًا بارِزًا مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا في اسْمِ المَفْعُولِ مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ سَماعِ مُتَحَمَّلِهِ. فَلَمّا أُبْرِزَ الضَّمِيرُ وقُدِّمَ كانَ تَقْدِيمُهُ مُؤَذِّنًا بِمَعْنى الاخْتِصاصِ، أيِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى القَرائِنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ حَقِيقِيًّا، أيْ ضَلالُ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ قالُوا إنّا أخْطَأْنا الطَّرِيقَ في السَّيْرِ إلى جَنَّتِنا؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم شاهَدُوا جَنَّةً أُخْرى غَيْرَ جَنَّتِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها، قالُوا ذَلِكَ تَحَيُّرًا في أمْرِهِمْ. ويَكُونُ الإضْرابُ إبْطالِيًّا، أيْ أبْطَلُوا أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وأثْبَتُوا أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن خَيْرِ جَنَّتِهِمْ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّها هي جَنَّتُهم ولَكِنَّها هَلَكَتْ فَحُرِمُوا خَيْراتِها بِأنْ أتْلَفَها اللَّهُ. و(أوْسَطُهم) أفْضَلُهم وأقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وهو أحَدُ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ. والوَسَطُ: يُطْلَقُ عَلى الأخِيرِ الأفْضَلِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ويُقالُ هو مِن سِطَةِ قَوْمِهِ، وأعْطِنِي مِن سِطَةِ مالِكِ. وحُكِيَ هَذا القَوْلُ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ في مَجْرى المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالَهُ لَهم عَلى وجْهِ تَوْقِيفِهِمْ عَلى تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وخَطَلِ رَأْيِهِمْ. والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. والمُرادُ بِ (تُسَبِّحُونَ) تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في شَأْنِ إعْطاءِ زَكاةِ ثِمارِهِمْ. وكانَ جَوابُهم يَتَضَمَّنُ إقْرارًا بِأنَّهُ وعَظَهم فَعَصَوْهُ ودَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ صفحة ٨٧ نَدَمِهِمْ عَلى عَدَمِ الأخْذِ بِنَصِيحَتِهِ فَقالُوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أرادُوا إجابَةَ تَقْرِيرِهِ بِإقْرارِ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في إعْطاءِ حَقِّ المَساكِينِ فَإنَّ مِن أصُولِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، واعْتِرافُهم بِظُلْمِ المَساكِينِ مِن أُصُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنَدُّمِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدِّمَةُ الاسْتِغْفارِ مِنَ الذَّنْبِ قالَ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] . وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قَرارٌ بِالذَّنْبِ، والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ الإقْرارِ والاهْتِمامِ بِهِ. ويُفِيدُ حَرْفُ (إنَّ) مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ظالِمِينَ) لِيَعُمَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم بِما جَرُّوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن سَلْبِ النِّعْمَةِ، وظُلْمِ المَساكِينِ بِمَنعِهِمْ مِن حَقِّهِمْ في المالِ. وجَرَتْ حِكايَةُ جَوابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ فَلَمْ تُعْطَفْ وهي الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُبِّهْنا عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا اسْتَقَرَّ حالُهم عَلى المُشارَكَةِ في مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم أخَذَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا عَلى ما فَرَطَ مِن فِعْلِهِمْ، كُلٌّ يَلُومُ غَيْرَهُ بِما كانَ قَدْ تَلَبَّسَ بِهِ في هَذا الشَّأْنِ مِنِ ابْتِكارِ فِكْرَةِ مَنعِ المَساكِينَ ما كانَ حَقًّا لَهم مِن حَياةِ الأبِ، ومِنَ المُمالاةِ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الاقْتِناعِ بِتَصْمِيمِ البَقِيَّةِ، ومِن تَنْفِيذِ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ العَزْمِ الذَّمِيمِ، فَصَوَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ هَذِهِ الحالَةَ والتَّقاذُفَ الواقِعَ بَيْنَهم بِهَذا الإجْمالِ البالِغِ غايَةَ الإيجازِ، ألا تَرى أنَّ إقْبالَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُصَوِّرُ حالَةٍ تُشْبِهُ المُهاجَمَةَ والتَّقْرِيعَ، وأنَّ صِيغَةَ التَّلاوُمِ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلَّقِ التَّلاوُمِ تُصَوِّرُ في ذِهْنِ السّامِعِ صُوَرًا مِن لَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. وقَدْ تَلَقّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَوْمَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِإحْقاقِ نَفْسِهِ بِالمَلامَةِ وإشْراكِ بَقِيَّتِهِمْ فِيها فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِهِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ. فَجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (يَتَلاوَمُونَ) أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا الكَلامِ فَتَكُونُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ والإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ، مَعَ التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ بِما أفادَهُ (يا ويْلَنا) . وذَلِكَ كَلامٌ جامِعٌ لِلْمَلامَةِ كُلِّها ولَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ. صفحة ٨٨ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ لَوْمِهِ غَيْرِهِ، فَكَما أجْمَعُوا عَلى لَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى إجابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ المَلامِ فَقالَ كُلُّ مَلُومٍ لِلائِمِهِ (﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾) إلَخْ جَوابًا بِتَقْرِيرِ مَلامِهِ والاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ ورَجاءِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ وتَعْوِيضِهِمْ عَنْ جَنَّتِهِمْ خَيْرًا مِنها إذْ قَبِلَ تَوْبَتَهم وجَعَلَ لَهم ثَوابَ الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ العَطْفِ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ جَرى في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. والإقْبالُ: حَقِيقَةُ المَجِيءِ إلى الغَيْرِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القُبُلِ وهو ما يَبْدُو مِنَ الإنْسانِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ ضِدَّ الإدْبارِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ العِنايَةِ بِاللَّوْمِ. واللَّوْمُ: إنْكارٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ وهو دُونَ التَّوْبِيخِ وفَوْقَ العِتابِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المُتَعارَفِ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ والمَعْنى: إنّا كُنّا طاغِينَ عَلى حُدُودِ اللَّهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَنْ نَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ رَجاءَهم مِنَ اللَّهِ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلا يُؤاخِذُهم بِذَنْبِهِمْ في الآخِرَةِ ولا في الدُّنْيا فَيَمْحُو عِقابَهُ في الدُّنْيا مَحْوًا كامِلًا بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَنَّتِهِمُ الَّتِي قُدِّرَ إتْلافُها بِجَنَّةٍ أُخْرى خَيْرًا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ الرَّجاءِ، أيْ هو رَجاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلى رَغْبَةٍ إلَيْهِ بِالقَبُولِ والاسْتِجابَةِ. والتَّأْكِيدُ في (إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ) لِلْاهْتِمامِ بِهَذا التَّوَجُّهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإطْنابِ في قَوْلِهِمْ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ تَلْقِينُ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهم هَذا المَثَلُ بِأنَّ في مُكْنَتِهِمُ الإنابَةَ إلى اللَّهِ بِنَبْذِ الكُفْرانِ لِنِعْمَتِهِ إذْ أشْرَكُوا بِهِ مَن لا إنْعامَ لَهم عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَّلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، ذاتَ عِنَبٍ يُحْمَلُ العُنْقُودُ الواحِدُ مِنهُ عَلى بَغْلٍ. صفحة ٨٩ وعَنْ أبِي خالِدٍ اليَمانِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلَتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يُبَدِّلَنا) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ. قالَ ابْنُ الفَرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن تَعْمَّدَ إلى نَقْصِ النِّصابِ قَبْلَ الحَوْلِ قَصْدًا لِلْفِرارِ مِنَ الزَّكاةِ أوْ خالَطَ غَيْرَهُ، أوْ فارَقَهُ بَعْدَ الخِلْطَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ الزَّكاةَ عَنْهُ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ. ووَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ قَصَدُوا بِجَذِّ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ.

القلم 68:28

﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسْبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيِ اسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ورَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى بَطَرِهِمْ وإهْمالِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم أُخِذُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ومِن حِكَمِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيِّ ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ . وأفادَتْ (لَمّا) اقْتِرانَ جَوابِها بِشَرْطِها بِالفَوْرِ والبَداهَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّعْرِيضُ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَكُونَ حالُهم في تَدارُكِ أمْرَهِمْ وسُرْعَةِ إنابَتِهِمْ كَحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ إذْ بادَرُوا بِالنَّدَمِ وسَألُوا اللَّهَ عِوَضَ خَيْرٍ. وإسْنادُ هَذِهِ المَقالَةِ إلى ضَمِيرِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] يَقْتَضِي أنَّهم قالُوهُ جَمِيعًا، أيِ اتَّفَقُوا عَلى إدْراكِ سَبَبِ ما أصابَهم. ومَعْنى ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ أيْ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، أيْ كانُوا غَيْرَ مُهْتَدِينَ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ما أصابَهم عِقابًا عَلى إهْمالِ الشُّكْرِ فالضَّلالُ مَجازٌ. صفحة ٨٦ وأكَّدُوا الكَلامَ لِتَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّهم ضالُّونَ طَرِيقَ الخَيْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالغَفْلَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، فَفِيهِ إيذانٌ بِالتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ. و﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إضْرابٌ لِلْانْتِقالِ إلى ما هو أهَمُّ بِالنَّظَرِ لِحالِ تَبْيِينِهِمْ إذْ بَيَّتُوا حِرْمانَ المَساكِينَ مِن فُضُولِ ثَمَرَتِهِمْ فَكانُوا هُمُ المَحْرُومِينَ مِن جَمِيعِ الثِّمارِ، فالحِرْمانُ الأعْظَمُ قَدِ اخْتُصَّ بِهِمْ إذْ لَيْسَ حِرْمانُ المَساكِينِ بِشَيْءٍ في جانِبِ حِرْمانِهِمْ. والكَلامُ يُفِيدُ ذَلِكَ إمّا بِطْرِيقِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِأنَّ أُتِيَ بِهِ ضَمِيرًا بارِزًا مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا في اسْمِ المَفْعُولِ مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ سَماعِ مُتَحَمَّلِهِ. فَلَمّا أُبْرِزَ الضَّمِيرُ وقُدِّمَ كانَ تَقْدِيمُهُ مُؤَذِّنًا بِمَعْنى الاخْتِصاصِ، أيِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى القَرائِنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ حَقِيقِيًّا، أيْ ضَلالُ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ قالُوا إنّا أخْطَأْنا الطَّرِيقَ في السَّيْرِ إلى جَنَّتِنا؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم شاهَدُوا جَنَّةً أُخْرى غَيْرَ جَنَّتِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها، قالُوا ذَلِكَ تَحَيُّرًا في أمْرِهِمْ. ويَكُونُ الإضْرابُ إبْطالِيًّا، أيْ أبْطَلُوا أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وأثْبَتُوا أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن خَيْرِ جَنَّتِهِمْ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّها هي جَنَّتُهم ولَكِنَّها هَلَكَتْ فَحُرِمُوا خَيْراتِها بِأنْ أتْلَفَها اللَّهُ. و(أوْسَطُهم) أفْضَلُهم وأقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وهو أحَدُ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ. والوَسَطُ: يُطْلَقُ عَلى الأخِيرِ الأفْضَلِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ويُقالُ هو مِن سِطَةِ قَوْمِهِ، وأعْطِنِي مِن سِطَةِ مالِكِ. وحُكِيَ هَذا القَوْلُ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ في مَجْرى المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالَهُ لَهم عَلى وجْهِ تَوْقِيفِهِمْ عَلى تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وخَطَلِ رَأْيِهِمْ. والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. والمُرادُ بِ (تُسَبِّحُونَ) تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في شَأْنِ إعْطاءِ زَكاةِ ثِمارِهِمْ. وكانَ جَوابُهم يَتَضَمَّنُ إقْرارًا بِأنَّهُ وعَظَهم فَعَصَوْهُ ودَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ صفحة ٨٧ نَدَمِهِمْ عَلى عَدَمِ الأخْذِ بِنَصِيحَتِهِ فَقالُوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أرادُوا إجابَةَ تَقْرِيرِهِ بِإقْرارِ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في إعْطاءِ حَقِّ المَساكِينِ فَإنَّ مِن أصُولِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، واعْتِرافُهم بِظُلْمِ المَساكِينِ مِن أُصُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنَدُّمِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدِّمَةُ الاسْتِغْفارِ مِنَ الذَّنْبِ قالَ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] . وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قَرارٌ بِالذَّنْبِ، والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ الإقْرارِ والاهْتِمامِ بِهِ. ويُفِيدُ حَرْفُ (إنَّ) مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ظالِمِينَ) لِيَعُمَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم بِما جَرُّوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن سَلْبِ النِّعْمَةِ، وظُلْمِ المَساكِينِ بِمَنعِهِمْ مِن حَقِّهِمْ في المالِ. وجَرَتْ حِكايَةُ جَوابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ فَلَمْ تُعْطَفْ وهي الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُبِّهْنا عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا اسْتَقَرَّ حالُهم عَلى المُشارَكَةِ في مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم أخَذَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا عَلى ما فَرَطَ مِن فِعْلِهِمْ، كُلٌّ يَلُومُ غَيْرَهُ بِما كانَ قَدْ تَلَبَّسَ بِهِ في هَذا الشَّأْنِ مِنِ ابْتِكارِ فِكْرَةِ مَنعِ المَساكِينَ ما كانَ حَقًّا لَهم مِن حَياةِ الأبِ، ومِنَ المُمالاةِ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الاقْتِناعِ بِتَصْمِيمِ البَقِيَّةِ، ومِن تَنْفِيذِ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ العَزْمِ الذَّمِيمِ، فَصَوَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ هَذِهِ الحالَةَ والتَّقاذُفَ الواقِعَ بَيْنَهم بِهَذا الإجْمالِ البالِغِ غايَةَ الإيجازِ، ألا تَرى أنَّ إقْبالَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُصَوِّرُ حالَةٍ تُشْبِهُ المُهاجَمَةَ والتَّقْرِيعَ، وأنَّ صِيغَةَ التَّلاوُمِ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلَّقِ التَّلاوُمِ تُصَوِّرُ في ذِهْنِ السّامِعِ صُوَرًا مِن لَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. وقَدْ تَلَقّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَوْمَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِإحْقاقِ نَفْسِهِ بِالمَلامَةِ وإشْراكِ بَقِيَّتِهِمْ فِيها فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِهِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ. فَجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (يَتَلاوَمُونَ) أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا الكَلامِ فَتَكُونُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ والإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ، مَعَ التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ بِما أفادَهُ (يا ويْلَنا) . وذَلِكَ كَلامٌ جامِعٌ لِلْمَلامَةِ كُلِّها ولَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ. صفحة ٨٨ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ لَوْمِهِ غَيْرِهِ، فَكَما أجْمَعُوا عَلى لَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى إجابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ المَلامِ فَقالَ كُلُّ مَلُومٍ لِلائِمِهِ (﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾) إلَخْ جَوابًا بِتَقْرِيرِ مَلامِهِ والاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ ورَجاءِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ وتَعْوِيضِهِمْ عَنْ جَنَّتِهِمْ خَيْرًا مِنها إذْ قَبِلَ تَوْبَتَهم وجَعَلَ لَهم ثَوابَ الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ العَطْفِ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ جَرى في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. والإقْبالُ: حَقِيقَةُ المَجِيءِ إلى الغَيْرِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القُبُلِ وهو ما يَبْدُو مِنَ الإنْسانِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ ضِدَّ الإدْبارِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ العِنايَةِ بِاللَّوْمِ. واللَّوْمُ: إنْكارٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ وهو دُونَ التَّوْبِيخِ وفَوْقَ العِتابِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المُتَعارَفِ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ والمَعْنى: إنّا كُنّا طاغِينَ عَلى حُدُودِ اللَّهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَنْ نَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ رَجاءَهم مِنَ اللَّهِ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلا يُؤاخِذُهم بِذَنْبِهِمْ في الآخِرَةِ ولا في الدُّنْيا فَيَمْحُو عِقابَهُ في الدُّنْيا مَحْوًا كامِلًا بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَنَّتِهِمُ الَّتِي قُدِّرَ إتْلافُها بِجَنَّةٍ أُخْرى خَيْرًا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ الرَّجاءِ، أيْ هو رَجاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلى رَغْبَةٍ إلَيْهِ بِالقَبُولِ والاسْتِجابَةِ. والتَّأْكِيدُ في (إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ) لِلْاهْتِمامِ بِهَذا التَّوَجُّهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإطْنابِ في قَوْلِهِمْ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ تَلْقِينُ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهم هَذا المَثَلُ بِأنَّ في مُكْنَتِهِمُ الإنابَةَ إلى اللَّهِ بِنَبْذِ الكُفْرانِ لِنِعْمَتِهِ إذْ أشْرَكُوا بِهِ مَن لا إنْعامَ لَهم عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَّلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، ذاتَ عِنَبٍ يُحْمَلُ العُنْقُودُ الواحِدُ مِنهُ عَلى بَغْلٍ. صفحة ٨٩ وعَنْ أبِي خالِدٍ اليَمانِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلَتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يُبَدِّلَنا) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ. قالَ ابْنُ الفَرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن تَعْمَّدَ إلى نَقْصِ النِّصابِ قَبْلَ الحَوْلِ قَصْدًا لِلْفِرارِ مِنَ الزَّكاةِ أوْ خالَطَ غَيْرَهُ، أوْ فارَقَهُ بَعْدَ الخِلْطَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ الزَّكاةَ عَنْهُ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ. ووَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ قَصَدُوا بِجَذِّ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ.

القلم 68:29

﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسْبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيِ اسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ورَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى بَطَرِهِمْ وإهْمالِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم أُخِذُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ومِن حِكَمِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيِّ ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ . وأفادَتْ (لَمّا) اقْتِرانَ جَوابِها بِشَرْطِها بِالفَوْرِ والبَداهَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّعْرِيضُ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَكُونَ حالُهم في تَدارُكِ أمْرَهِمْ وسُرْعَةِ إنابَتِهِمْ كَحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ إذْ بادَرُوا بِالنَّدَمِ وسَألُوا اللَّهَ عِوَضَ خَيْرٍ. وإسْنادُ هَذِهِ المَقالَةِ إلى ضَمِيرِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] يَقْتَضِي أنَّهم قالُوهُ جَمِيعًا، أيِ اتَّفَقُوا عَلى إدْراكِ سَبَبِ ما أصابَهم. ومَعْنى ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ أيْ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، أيْ كانُوا غَيْرَ مُهْتَدِينَ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ما أصابَهم عِقابًا عَلى إهْمالِ الشُّكْرِ فالضَّلالُ مَجازٌ. صفحة ٨٦ وأكَّدُوا الكَلامَ لِتَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّهم ضالُّونَ طَرِيقَ الخَيْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالغَفْلَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، فَفِيهِ إيذانٌ بِالتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ. و﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إضْرابٌ لِلْانْتِقالِ إلى ما هو أهَمُّ بِالنَّظَرِ لِحالِ تَبْيِينِهِمْ إذْ بَيَّتُوا حِرْمانَ المَساكِينَ مِن فُضُولِ ثَمَرَتِهِمْ فَكانُوا هُمُ المَحْرُومِينَ مِن جَمِيعِ الثِّمارِ، فالحِرْمانُ الأعْظَمُ قَدِ اخْتُصَّ بِهِمْ إذْ لَيْسَ حِرْمانُ المَساكِينِ بِشَيْءٍ في جانِبِ حِرْمانِهِمْ. والكَلامُ يُفِيدُ ذَلِكَ إمّا بِطْرِيقِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِأنَّ أُتِيَ بِهِ ضَمِيرًا بارِزًا مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا في اسْمِ المَفْعُولِ مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ سَماعِ مُتَحَمَّلِهِ. فَلَمّا أُبْرِزَ الضَّمِيرُ وقُدِّمَ كانَ تَقْدِيمُهُ مُؤَذِّنًا بِمَعْنى الاخْتِصاصِ، أيِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى القَرائِنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ حَقِيقِيًّا، أيْ ضَلالُ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ قالُوا إنّا أخْطَأْنا الطَّرِيقَ في السَّيْرِ إلى جَنَّتِنا؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم شاهَدُوا جَنَّةً أُخْرى غَيْرَ جَنَّتِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها، قالُوا ذَلِكَ تَحَيُّرًا في أمْرِهِمْ. ويَكُونُ الإضْرابُ إبْطالِيًّا، أيْ أبْطَلُوا أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وأثْبَتُوا أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن خَيْرِ جَنَّتِهِمْ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّها هي جَنَّتُهم ولَكِنَّها هَلَكَتْ فَحُرِمُوا خَيْراتِها بِأنْ أتْلَفَها اللَّهُ. و(أوْسَطُهم) أفْضَلُهم وأقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وهو أحَدُ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ. والوَسَطُ: يُطْلَقُ عَلى الأخِيرِ الأفْضَلِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ويُقالُ هو مِن سِطَةِ قَوْمِهِ، وأعْطِنِي مِن سِطَةِ مالِكِ. وحُكِيَ هَذا القَوْلُ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ في مَجْرى المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالَهُ لَهم عَلى وجْهِ تَوْقِيفِهِمْ عَلى تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وخَطَلِ رَأْيِهِمْ. والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. والمُرادُ بِ (تُسَبِّحُونَ) تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في شَأْنِ إعْطاءِ زَكاةِ ثِمارِهِمْ. وكانَ جَوابُهم يَتَضَمَّنُ إقْرارًا بِأنَّهُ وعَظَهم فَعَصَوْهُ ودَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ صفحة ٨٧ نَدَمِهِمْ عَلى عَدَمِ الأخْذِ بِنَصِيحَتِهِ فَقالُوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أرادُوا إجابَةَ تَقْرِيرِهِ بِإقْرارِ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في إعْطاءِ حَقِّ المَساكِينِ فَإنَّ مِن أصُولِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، واعْتِرافُهم بِظُلْمِ المَساكِينِ مِن أُصُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنَدُّمِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدِّمَةُ الاسْتِغْفارِ مِنَ الذَّنْبِ قالَ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] . وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قَرارٌ بِالذَّنْبِ، والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ الإقْرارِ والاهْتِمامِ بِهِ. ويُفِيدُ حَرْفُ (إنَّ) مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ظالِمِينَ) لِيَعُمَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم بِما جَرُّوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن سَلْبِ النِّعْمَةِ، وظُلْمِ المَساكِينِ بِمَنعِهِمْ مِن حَقِّهِمْ في المالِ. وجَرَتْ حِكايَةُ جَوابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ فَلَمْ تُعْطَفْ وهي الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُبِّهْنا عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا اسْتَقَرَّ حالُهم عَلى المُشارَكَةِ في مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم أخَذَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا عَلى ما فَرَطَ مِن فِعْلِهِمْ، كُلٌّ يَلُومُ غَيْرَهُ بِما كانَ قَدْ تَلَبَّسَ بِهِ في هَذا الشَّأْنِ مِنِ ابْتِكارِ فِكْرَةِ مَنعِ المَساكِينَ ما كانَ حَقًّا لَهم مِن حَياةِ الأبِ، ومِنَ المُمالاةِ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الاقْتِناعِ بِتَصْمِيمِ البَقِيَّةِ، ومِن تَنْفِيذِ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ العَزْمِ الذَّمِيمِ، فَصَوَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ هَذِهِ الحالَةَ والتَّقاذُفَ الواقِعَ بَيْنَهم بِهَذا الإجْمالِ البالِغِ غايَةَ الإيجازِ، ألا تَرى أنَّ إقْبالَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُصَوِّرُ حالَةٍ تُشْبِهُ المُهاجَمَةَ والتَّقْرِيعَ، وأنَّ صِيغَةَ التَّلاوُمِ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلَّقِ التَّلاوُمِ تُصَوِّرُ في ذِهْنِ السّامِعِ صُوَرًا مِن لَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. وقَدْ تَلَقّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَوْمَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِإحْقاقِ نَفْسِهِ بِالمَلامَةِ وإشْراكِ بَقِيَّتِهِمْ فِيها فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِهِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ. فَجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (يَتَلاوَمُونَ) أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا الكَلامِ فَتَكُونُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ والإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ، مَعَ التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ بِما أفادَهُ (يا ويْلَنا) . وذَلِكَ كَلامٌ جامِعٌ لِلْمَلامَةِ كُلِّها ولَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ. صفحة ٨٨ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ لَوْمِهِ غَيْرِهِ، فَكَما أجْمَعُوا عَلى لَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى إجابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ المَلامِ فَقالَ كُلُّ مَلُومٍ لِلائِمِهِ (﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾) إلَخْ جَوابًا بِتَقْرِيرِ مَلامِهِ والاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ ورَجاءِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ وتَعْوِيضِهِمْ عَنْ جَنَّتِهِمْ خَيْرًا مِنها إذْ قَبِلَ تَوْبَتَهم وجَعَلَ لَهم ثَوابَ الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ العَطْفِ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ جَرى في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. والإقْبالُ: حَقِيقَةُ المَجِيءِ إلى الغَيْرِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القُبُلِ وهو ما يَبْدُو مِنَ الإنْسانِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ ضِدَّ الإدْبارِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ العِنايَةِ بِاللَّوْمِ. واللَّوْمُ: إنْكارٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ وهو دُونَ التَّوْبِيخِ وفَوْقَ العِتابِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المُتَعارَفِ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ والمَعْنى: إنّا كُنّا طاغِينَ عَلى حُدُودِ اللَّهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَنْ نَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ رَجاءَهم مِنَ اللَّهِ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلا يُؤاخِذُهم بِذَنْبِهِمْ في الآخِرَةِ ولا في الدُّنْيا فَيَمْحُو عِقابَهُ في الدُّنْيا مَحْوًا كامِلًا بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَنَّتِهِمُ الَّتِي قُدِّرَ إتْلافُها بِجَنَّةٍ أُخْرى خَيْرًا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ الرَّجاءِ، أيْ هو رَجاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلى رَغْبَةٍ إلَيْهِ بِالقَبُولِ والاسْتِجابَةِ. والتَّأْكِيدُ في (إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ) لِلْاهْتِمامِ بِهَذا التَّوَجُّهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإطْنابِ في قَوْلِهِمْ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ تَلْقِينُ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهم هَذا المَثَلُ بِأنَّ في مُكْنَتِهِمُ الإنابَةَ إلى اللَّهِ بِنَبْذِ الكُفْرانِ لِنِعْمَتِهِ إذْ أشْرَكُوا بِهِ مَن لا إنْعامَ لَهم عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَّلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، ذاتَ عِنَبٍ يُحْمَلُ العُنْقُودُ الواحِدُ مِنهُ عَلى بَغْلٍ. صفحة ٨٩ وعَنْ أبِي خالِدٍ اليَمانِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلَتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يُبَدِّلَنا) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ. قالَ ابْنُ الفَرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن تَعْمَّدَ إلى نَقْصِ النِّصابِ قَبْلَ الحَوْلِ قَصْدًا لِلْفِرارِ مِنَ الزَّكاةِ أوْ خالَطَ غَيْرَهُ، أوْ فارَقَهُ بَعْدَ الخِلْطَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ الزَّكاةَ عَنْهُ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ. ووَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ قَصَدُوا بِجَذِّ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ.

القلم 68:30

﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسْبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيِ اسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ورَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى بَطَرِهِمْ وإهْمالِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم أُخِذُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ومِن حِكَمِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيِّ ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ . وأفادَتْ (لَمّا) اقْتِرانَ جَوابِها بِشَرْطِها بِالفَوْرِ والبَداهَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّعْرِيضُ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَكُونَ حالُهم في تَدارُكِ أمْرَهِمْ وسُرْعَةِ إنابَتِهِمْ كَحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ إذْ بادَرُوا بِالنَّدَمِ وسَألُوا اللَّهَ عِوَضَ خَيْرٍ. وإسْنادُ هَذِهِ المَقالَةِ إلى ضَمِيرِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] يَقْتَضِي أنَّهم قالُوهُ جَمِيعًا، أيِ اتَّفَقُوا عَلى إدْراكِ سَبَبِ ما أصابَهم. ومَعْنى ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ أيْ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، أيْ كانُوا غَيْرَ مُهْتَدِينَ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ما أصابَهم عِقابًا عَلى إهْمالِ الشُّكْرِ فالضَّلالُ مَجازٌ. صفحة ٨٦ وأكَّدُوا الكَلامَ لِتَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّهم ضالُّونَ طَرِيقَ الخَيْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالغَفْلَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، فَفِيهِ إيذانٌ بِالتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ. و﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إضْرابٌ لِلْانْتِقالِ إلى ما هو أهَمُّ بِالنَّظَرِ لِحالِ تَبْيِينِهِمْ إذْ بَيَّتُوا حِرْمانَ المَساكِينَ مِن فُضُولِ ثَمَرَتِهِمْ فَكانُوا هُمُ المَحْرُومِينَ مِن جَمِيعِ الثِّمارِ، فالحِرْمانُ الأعْظَمُ قَدِ اخْتُصَّ بِهِمْ إذْ لَيْسَ حِرْمانُ المَساكِينِ بِشَيْءٍ في جانِبِ حِرْمانِهِمْ. والكَلامُ يُفِيدُ ذَلِكَ إمّا بِطْرِيقِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِأنَّ أُتِيَ بِهِ ضَمِيرًا بارِزًا مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا في اسْمِ المَفْعُولِ مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ سَماعِ مُتَحَمَّلِهِ. فَلَمّا أُبْرِزَ الضَّمِيرُ وقُدِّمَ كانَ تَقْدِيمُهُ مُؤَذِّنًا بِمَعْنى الاخْتِصاصِ، أيِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى القَرائِنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ حَقِيقِيًّا، أيْ ضَلالُ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ قالُوا إنّا أخْطَأْنا الطَّرِيقَ في السَّيْرِ إلى جَنَّتِنا؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم شاهَدُوا جَنَّةً أُخْرى غَيْرَ جَنَّتِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها، قالُوا ذَلِكَ تَحَيُّرًا في أمْرِهِمْ. ويَكُونُ الإضْرابُ إبْطالِيًّا، أيْ أبْطَلُوا أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وأثْبَتُوا أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن خَيْرِ جَنَّتِهِمْ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّها هي جَنَّتُهم ولَكِنَّها هَلَكَتْ فَحُرِمُوا خَيْراتِها بِأنْ أتْلَفَها اللَّهُ. و(أوْسَطُهم) أفْضَلُهم وأقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وهو أحَدُ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ. والوَسَطُ: يُطْلَقُ عَلى الأخِيرِ الأفْضَلِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ويُقالُ هو مِن سِطَةِ قَوْمِهِ، وأعْطِنِي مِن سِطَةِ مالِكِ. وحُكِيَ هَذا القَوْلُ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ في مَجْرى المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالَهُ لَهم عَلى وجْهِ تَوْقِيفِهِمْ عَلى تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وخَطَلِ رَأْيِهِمْ. والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. والمُرادُ بِ (تُسَبِّحُونَ) تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في شَأْنِ إعْطاءِ زَكاةِ ثِمارِهِمْ. وكانَ جَوابُهم يَتَضَمَّنُ إقْرارًا بِأنَّهُ وعَظَهم فَعَصَوْهُ ودَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ صفحة ٨٧ نَدَمِهِمْ عَلى عَدَمِ الأخْذِ بِنَصِيحَتِهِ فَقالُوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أرادُوا إجابَةَ تَقْرِيرِهِ بِإقْرارِ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في إعْطاءِ حَقِّ المَساكِينِ فَإنَّ مِن أصُولِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، واعْتِرافُهم بِظُلْمِ المَساكِينِ مِن أُصُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنَدُّمِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدِّمَةُ الاسْتِغْفارِ مِنَ الذَّنْبِ قالَ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] . وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قَرارٌ بِالذَّنْبِ، والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ الإقْرارِ والاهْتِمامِ بِهِ. ويُفِيدُ حَرْفُ (إنَّ) مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ظالِمِينَ) لِيَعُمَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم بِما جَرُّوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن سَلْبِ النِّعْمَةِ، وظُلْمِ المَساكِينِ بِمَنعِهِمْ مِن حَقِّهِمْ في المالِ. وجَرَتْ حِكايَةُ جَوابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ فَلَمْ تُعْطَفْ وهي الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُبِّهْنا عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا اسْتَقَرَّ حالُهم عَلى المُشارَكَةِ في مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم أخَذَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا عَلى ما فَرَطَ مِن فِعْلِهِمْ، كُلٌّ يَلُومُ غَيْرَهُ بِما كانَ قَدْ تَلَبَّسَ بِهِ في هَذا الشَّأْنِ مِنِ ابْتِكارِ فِكْرَةِ مَنعِ المَساكِينَ ما كانَ حَقًّا لَهم مِن حَياةِ الأبِ، ومِنَ المُمالاةِ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الاقْتِناعِ بِتَصْمِيمِ البَقِيَّةِ، ومِن تَنْفِيذِ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ العَزْمِ الذَّمِيمِ، فَصَوَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ هَذِهِ الحالَةَ والتَّقاذُفَ الواقِعَ بَيْنَهم بِهَذا الإجْمالِ البالِغِ غايَةَ الإيجازِ، ألا تَرى أنَّ إقْبالَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُصَوِّرُ حالَةٍ تُشْبِهُ المُهاجَمَةَ والتَّقْرِيعَ، وأنَّ صِيغَةَ التَّلاوُمِ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلَّقِ التَّلاوُمِ تُصَوِّرُ في ذِهْنِ السّامِعِ صُوَرًا مِن لَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. وقَدْ تَلَقّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَوْمَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِإحْقاقِ نَفْسِهِ بِالمَلامَةِ وإشْراكِ بَقِيَّتِهِمْ فِيها فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِهِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ. فَجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (يَتَلاوَمُونَ) أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا الكَلامِ فَتَكُونُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ والإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ، مَعَ التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ بِما أفادَهُ (يا ويْلَنا) . وذَلِكَ كَلامٌ جامِعٌ لِلْمَلامَةِ كُلِّها ولَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ. صفحة ٨٨ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ لَوْمِهِ غَيْرِهِ، فَكَما أجْمَعُوا عَلى لَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى إجابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ المَلامِ فَقالَ كُلُّ مَلُومٍ لِلائِمِهِ (﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾) إلَخْ جَوابًا بِتَقْرِيرِ مَلامِهِ والاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ ورَجاءِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ وتَعْوِيضِهِمْ عَنْ جَنَّتِهِمْ خَيْرًا مِنها إذْ قَبِلَ تَوْبَتَهم وجَعَلَ لَهم ثَوابَ الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ العَطْفِ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ جَرى في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. والإقْبالُ: حَقِيقَةُ المَجِيءِ إلى الغَيْرِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القُبُلِ وهو ما يَبْدُو مِنَ الإنْسانِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ ضِدَّ الإدْبارِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ العِنايَةِ بِاللَّوْمِ. واللَّوْمُ: إنْكارٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ وهو دُونَ التَّوْبِيخِ وفَوْقَ العِتابِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المُتَعارَفِ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ والمَعْنى: إنّا كُنّا طاغِينَ عَلى حُدُودِ اللَّهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَنْ نَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ رَجاءَهم مِنَ اللَّهِ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلا يُؤاخِذُهم بِذَنْبِهِمْ في الآخِرَةِ ولا في الدُّنْيا فَيَمْحُو عِقابَهُ في الدُّنْيا مَحْوًا كامِلًا بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَنَّتِهِمُ الَّتِي قُدِّرَ إتْلافُها بِجَنَّةٍ أُخْرى خَيْرًا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ الرَّجاءِ، أيْ هو رَجاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلى رَغْبَةٍ إلَيْهِ بِالقَبُولِ والاسْتِجابَةِ. والتَّأْكِيدُ في (إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ) لِلْاهْتِمامِ بِهَذا التَّوَجُّهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإطْنابِ في قَوْلِهِمْ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ تَلْقِينُ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهم هَذا المَثَلُ بِأنَّ في مُكْنَتِهِمُ الإنابَةَ إلى اللَّهِ بِنَبْذِ الكُفْرانِ لِنِعْمَتِهِ إذْ أشْرَكُوا بِهِ مَن لا إنْعامَ لَهم عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَّلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، ذاتَ عِنَبٍ يُحْمَلُ العُنْقُودُ الواحِدُ مِنهُ عَلى بَغْلٍ. صفحة ٨٩ وعَنْ أبِي خالِدٍ اليَمانِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلَتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يُبَدِّلَنا) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ. قالَ ابْنُ الفَرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن تَعْمَّدَ إلى نَقْصِ النِّصابِ قَبْلَ الحَوْلِ قَصْدًا لِلْفِرارِ مِنَ الزَّكاةِ أوْ خالَطَ غَيْرَهُ، أوْ فارَقَهُ بَعْدَ الخِلْطَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ الزَّكاةَ عَنْهُ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ. ووَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ قَصَدُوا بِجَذِّ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ.

القلم 68:31

﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسْبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيِ اسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ورَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى بَطَرِهِمْ وإهْمالِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم أُخِذُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ومِن حِكَمِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيِّ ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ . وأفادَتْ (لَمّا) اقْتِرانَ جَوابِها بِشَرْطِها بِالفَوْرِ والبَداهَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّعْرِيضُ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَكُونَ حالُهم في تَدارُكِ أمْرَهِمْ وسُرْعَةِ إنابَتِهِمْ كَحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ إذْ بادَرُوا بِالنَّدَمِ وسَألُوا اللَّهَ عِوَضَ خَيْرٍ. وإسْنادُ هَذِهِ المَقالَةِ إلى ضَمِيرِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] يَقْتَضِي أنَّهم قالُوهُ جَمِيعًا، أيِ اتَّفَقُوا عَلى إدْراكِ سَبَبِ ما أصابَهم. ومَعْنى ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ أيْ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، أيْ كانُوا غَيْرَ مُهْتَدِينَ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ما أصابَهم عِقابًا عَلى إهْمالِ الشُّكْرِ فالضَّلالُ مَجازٌ. صفحة ٨٦ وأكَّدُوا الكَلامَ لِتَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّهم ضالُّونَ طَرِيقَ الخَيْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالغَفْلَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، فَفِيهِ إيذانٌ بِالتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ. و﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إضْرابٌ لِلْانْتِقالِ إلى ما هو أهَمُّ بِالنَّظَرِ لِحالِ تَبْيِينِهِمْ إذْ بَيَّتُوا حِرْمانَ المَساكِينَ مِن فُضُولِ ثَمَرَتِهِمْ فَكانُوا هُمُ المَحْرُومِينَ مِن جَمِيعِ الثِّمارِ، فالحِرْمانُ الأعْظَمُ قَدِ اخْتُصَّ بِهِمْ إذْ لَيْسَ حِرْمانُ المَساكِينِ بِشَيْءٍ في جانِبِ حِرْمانِهِمْ. والكَلامُ يُفِيدُ ذَلِكَ إمّا بِطْرِيقِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِأنَّ أُتِيَ بِهِ ضَمِيرًا بارِزًا مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا في اسْمِ المَفْعُولِ مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ سَماعِ مُتَحَمَّلِهِ. فَلَمّا أُبْرِزَ الضَّمِيرُ وقُدِّمَ كانَ تَقْدِيمُهُ مُؤَذِّنًا بِمَعْنى الاخْتِصاصِ، أيِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى القَرائِنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ حَقِيقِيًّا، أيْ ضَلالُ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ قالُوا إنّا أخْطَأْنا الطَّرِيقَ في السَّيْرِ إلى جَنَّتِنا؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم شاهَدُوا جَنَّةً أُخْرى غَيْرَ جَنَّتِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها، قالُوا ذَلِكَ تَحَيُّرًا في أمْرِهِمْ. ويَكُونُ الإضْرابُ إبْطالِيًّا، أيْ أبْطَلُوا أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وأثْبَتُوا أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن خَيْرِ جَنَّتِهِمْ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّها هي جَنَّتُهم ولَكِنَّها هَلَكَتْ فَحُرِمُوا خَيْراتِها بِأنْ أتْلَفَها اللَّهُ. و(أوْسَطُهم) أفْضَلُهم وأقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وهو أحَدُ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ. والوَسَطُ: يُطْلَقُ عَلى الأخِيرِ الأفْضَلِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ويُقالُ هو مِن سِطَةِ قَوْمِهِ، وأعْطِنِي مِن سِطَةِ مالِكِ. وحُكِيَ هَذا القَوْلُ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ في مَجْرى المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالَهُ لَهم عَلى وجْهِ تَوْقِيفِهِمْ عَلى تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وخَطَلِ رَأْيِهِمْ. والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. والمُرادُ بِ (تُسَبِّحُونَ) تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في شَأْنِ إعْطاءِ زَكاةِ ثِمارِهِمْ. وكانَ جَوابُهم يَتَضَمَّنُ إقْرارًا بِأنَّهُ وعَظَهم فَعَصَوْهُ ودَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ صفحة ٨٧ نَدَمِهِمْ عَلى عَدَمِ الأخْذِ بِنَصِيحَتِهِ فَقالُوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أرادُوا إجابَةَ تَقْرِيرِهِ بِإقْرارِ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في إعْطاءِ حَقِّ المَساكِينِ فَإنَّ مِن أصُولِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، واعْتِرافُهم بِظُلْمِ المَساكِينِ مِن أُصُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنَدُّمِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدِّمَةُ الاسْتِغْفارِ مِنَ الذَّنْبِ قالَ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] . وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قَرارٌ بِالذَّنْبِ، والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ الإقْرارِ والاهْتِمامِ بِهِ. ويُفِيدُ حَرْفُ (إنَّ) مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ظالِمِينَ) لِيَعُمَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم بِما جَرُّوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن سَلْبِ النِّعْمَةِ، وظُلْمِ المَساكِينِ بِمَنعِهِمْ مِن حَقِّهِمْ في المالِ. وجَرَتْ حِكايَةُ جَوابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ فَلَمْ تُعْطَفْ وهي الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُبِّهْنا عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا اسْتَقَرَّ حالُهم عَلى المُشارَكَةِ في مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم أخَذَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا عَلى ما فَرَطَ مِن فِعْلِهِمْ، كُلٌّ يَلُومُ غَيْرَهُ بِما كانَ قَدْ تَلَبَّسَ بِهِ في هَذا الشَّأْنِ مِنِ ابْتِكارِ فِكْرَةِ مَنعِ المَساكِينَ ما كانَ حَقًّا لَهم مِن حَياةِ الأبِ، ومِنَ المُمالاةِ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الاقْتِناعِ بِتَصْمِيمِ البَقِيَّةِ، ومِن تَنْفِيذِ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ العَزْمِ الذَّمِيمِ، فَصَوَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ هَذِهِ الحالَةَ والتَّقاذُفَ الواقِعَ بَيْنَهم بِهَذا الإجْمالِ البالِغِ غايَةَ الإيجازِ، ألا تَرى أنَّ إقْبالَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُصَوِّرُ حالَةٍ تُشْبِهُ المُهاجَمَةَ والتَّقْرِيعَ، وأنَّ صِيغَةَ التَّلاوُمِ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلَّقِ التَّلاوُمِ تُصَوِّرُ في ذِهْنِ السّامِعِ صُوَرًا مِن لَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. وقَدْ تَلَقّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَوْمَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِإحْقاقِ نَفْسِهِ بِالمَلامَةِ وإشْراكِ بَقِيَّتِهِمْ فِيها فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِهِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ. فَجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (يَتَلاوَمُونَ) أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا الكَلامِ فَتَكُونُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ والإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ، مَعَ التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ بِما أفادَهُ (يا ويْلَنا) . وذَلِكَ كَلامٌ جامِعٌ لِلْمَلامَةِ كُلِّها ولَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ. صفحة ٨٨ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ لَوْمِهِ غَيْرِهِ، فَكَما أجْمَعُوا عَلى لَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى إجابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ المَلامِ فَقالَ كُلُّ مَلُومٍ لِلائِمِهِ (﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾) إلَخْ جَوابًا بِتَقْرِيرِ مَلامِهِ والاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ ورَجاءِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ وتَعْوِيضِهِمْ عَنْ جَنَّتِهِمْ خَيْرًا مِنها إذْ قَبِلَ تَوْبَتَهم وجَعَلَ لَهم ثَوابَ الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ العَطْفِ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ جَرى في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. والإقْبالُ: حَقِيقَةُ المَجِيءِ إلى الغَيْرِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القُبُلِ وهو ما يَبْدُو مِنَ الإنْسانِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ ضِدَّ الإدْبارِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ العِنايَةِ بِاللَّوْمِ. واللَّوْمُ: إنْكارٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ وهو دُونَ التَّوْبِيخِ وفَوْقَ العِتابِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المُتَعارَفِ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ والمَعْنى: إنّا كُنّا طاغِينَ عَلى حُدُودِ اللَّهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَنْ نَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ رَجاءَهم مِنَ اللَّهِ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلا يُؤاخِذُهم بِذَنْبِهِمْ في الآخِرَةِ ولا في الدُّنْيا فَيَمْحُو عِقابَهُ في الدُّنْيا مَحْوًا كامِلًا بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَنَّتِهِمُ الَّتِي قُدِّرَ إتْلافُها بِجَنَّةٍ أُخْرى خَيْرًا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ الرَّجاءِ، أيْ هو رَجاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلى رَغْبَةٍ إلَيْهِ بِالقَبُولِ والاسْتِجابَةِ. والتَّأْكِيدُ في (إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ) لِلْاهْتِمامِ بِهَذا التَّوَجُّهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإطْنابِ في قَوْلِهِمْ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ تَلْقِينُ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهم هَذا المَثَلُ بِأنَّ في مُكْنَتِهِمُ الإنابَةَ إلى اللَّهِ بِنَبْذِ الكُفْرانِ لِنِعْمَتِهِ إذْ أشْرَكُوا بِهِ مَن لا إنْعامَ لَهم عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَّلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، ذاتَ عِنَبٍ يُحْمَلُ العُنْقُودُ الواحِدُ مِنهُ عَلى بَغْلٍ. صفحة ٨٩ وعَنْ أبِي خالِدٍ اليَمانِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلَتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يُبَدِّلَنا) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ. قالَ ابْنُ الفَرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن تَعْمَّدَ إلى نَقْصِ النِّصابِ قَبْلَ الحَوْلِ قَصْدًا لِلْفِرارِ مِنَ الزَّكاةِ أوْ خالَطَ غَيْرَهُ، أوْ فارَقَهُ بَعْدَ الخِلْطَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ الزَّكاةَ عَنْهُ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ. ووَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ قَصَدُوا بِجَذِّ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ.

القلم 68:32

﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا إنّا لَضالُّونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ ﴿قالَ أوْسَطُهم ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسْبِّحُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ ﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ أيِ اسْتَفاقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ورَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى بَطَرِهِمْ وإهْمالِ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم أُخِذُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . ومِن حِكَمِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيِّ ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ . وأفادَتْ (لَمّا) اقْتِرانَ جَوابِها بِشَرْطِها بِالفَوْرِ والبَداهَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّعْرِيضُ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ يَكُونَ حالُهم في تَدارُكِ أمْرَهِمْ وسُرْعَةِ إنابَتِهِمْ كَحالِ أصْحابِ هَذِهِ الجَنَّةِ إذْ بادَرُوا بِالنَّدَمِ وسَألُوا اللَّهَ عِوَضَ خَيْرٍ. وإسْنادُ هَذِهِ المَقالَةِ إلى ضَمِيرِ ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] يَقْتَضِي أنَّهم قالُوهُ جَمِيعًا، أيِ اتَّفَقُوا عَلى إدْراكِ سَبَبِ ما أصابَهم. ومَعْنى ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أنَّهم عَلِمُوا أنَّهم كانُوا في ضَلالٍ أيْ عَنْ طَرِيقِ الشُّكْرِ، أيْ كانُوا غَيْرَ مُهْتَدِينَ وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ ما أصابَهم عِقابًا عَلى إهْمالِ الشُّكْرِ فالضَّلالُ مَجازٌ. صفحة ٨٦ وأكَّدُوا الكَلامَ لِتَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّهم ضالُّونَ طَرِيقَ الخَيْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالغَفْلَةِ عَنْ ضَلالِهِمْ، فَفِيهِ إيذانٌ بِالتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ. و﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إضْرابٌ لِلْانْتِقالِ إلى ما هو أهَمُّ بِالنَّظَرِ لِحالِ تَبْيِينِهِمْ إذْ بَيَّتُوا حِرْمانَ المَساكِينَ مِن فُضُولِ ثَمَرَتِهِمْ فَكانُوا هُمُ المَحْرُومِينَ مِن جَمِيعِ الثِّمارِ، فالحِرْمانُ الأعْظَمُ قَدِ اخْتُصَّ بِهِمْ إذْ لَيْسَ حِرْمانُ المَساكِينِ بِشَيْءٍ في جانِبِ حِرْمانِهِمْ. والكَلامُ يُفِيدُ ذَلِكَ إمّا بِطْرِيقِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِأنَّ أُتِيَ بِهِ ضَمِيرًا بارِزًا مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُسْتَتِرًا في اسْمِ المَفْعُولِ مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا بَعْدَ سَماعِ مُتَحَمَّلِهِ. فَلَمّا أُبْرِزَ الضَّمِيرُ وقُدِّمَ كانَ تَقْدِيمُهُ مُؤَذِّنًا بِمَعْنى الاخْتِصاصِ، أيِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى القَرائِنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ حَقِيقِيًّا، أيْ ضَلالُ طَرِيقِ الجَنَّةِ، أيْ قالُوا إنّا أخْطَأْنا الطَّرِيقَ في السَّيْرِ إلى جَنَّتِنا؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم شاهَدُوا جَنَّةً أُخْرى غَيْرَ جَنَّتِهِمُ الَّتِي عَهِدُوها، قالُوا ذَلِكَ تَحَيُّرًا في أمْرِهِمْ. ويَكُونُ الإضْرابُ إبْطالِيًّا، أيْ أبْطَلُوا أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا طَرِيقَ جَنَّتِهِمْ، وأثْبَتُوا أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن خَيْرِ جَنَّتِهِمْ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّها هي جَنَّتُهم ولَكِنَّها هَلَكَتْ فَحُرِمُوا خَيْراتِها بِأنْ أتْلَفَها اللَّهُ. و(أوْسَطُهم) أفْضَلُهم وأقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وهو أحَدُ الإخْوَةِ الثَّلاثَةِ. والوَسَطُ: يُطْلَقُ عَلى الأخِيرِ الأفْضَلِ، قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقالَ ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ويُقالُ هو مِن سِطَةِ قَوْمِهِ، وأعْطِنِي مِن سِطَةِ مالِكِ. وحُكِيَ هَذا القَوْلُ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ في مَجْرى المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالَهُ لَهم عَلى وجْهِ تَوْقِيفِهِمْ عَلى تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وخَطَلِ رَأْيِهِمْ. والاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ. والمُرادُ بِ (تُسَبِّحُونَ) تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في شَأْنِ إعْطاءِ زَكاةِ ثِمارِهِمْ. وكانَ جَوابُهم يَتَضَمَّنُ إقْرارًا بِأنَّهُ وعَظَهم فَعَصَوْهُ ودَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالتَّسْبِيحِ حِينَ صفحة ٨٧ نَدَمِهِمْ عَلى عَدَمِ الأخْذِ بِنَصِيحَتِهِ فَقالُوا ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أرادُوا إجابَةَ تَقْرِيرِهِ بِإقْرارِ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ عَنْ أنْ يُعْصى أمْرُهُ في إعْطاءِ حَقِّ المَساكِينِ فَإنَّ مِن أصُولِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ، واعْتِرافُهم بِظُلْمِ المَساكِينِ مِن أُصُولِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنَدُّمِ، والتَّسْبِيحُ مُقَدِّمَةُ الاسْتِغْفارِ مِنَ الذَّنْبِ قالَ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ٣] . وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قَرارٌ بِالذَّنْبِ، والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ الإقْرارِ والاهْتِمامِ بِهِ. ويُفِيدُ حَرْفُ (إنَّ) مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي قَبْلَهُ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (ظالِمِينَ) لِيَعُمَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم بِما جَرُّوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن سَلْبِ النِّعْمَةِ، وظُلْمِ المَساكِينِ بِمَنعِهِمْ مِن حَقِّهِمْ في المالِ. وجَرَتْ حِكايَةُ جَوابِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ فَلَمْ تُعْطَفْ وهي الطَّرِيقَةُ الَّتِي نُبِّهْنا عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا اسْتَقَرَّ حالُهم عَلى المُشارَكَةِ في مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم أخَذَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا عَلى ما فَرَطَ مِن فِعْلِهِمْ، كُلٌّ يَلُومُ غَيْرَهُ بِما كانَ قَدْ تَلَبَّسَ بِهِ في هَذا الشَّأْنِ مِنِ ابْتِكارِ فِكْرَةِ مَنعِ المَساكِينَ ما كانَ حَقًّا لَهم مِن حَياةِ الأبِ، ومِنَ المُمالاةِ عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الاقْتِناعِ بِتَصْمِيمِ البَقِيَّةِ، ومِن تَنْفِيذِ جَمِيعِهِمْ ذَلِكَ العَزْمِ الذَّمِيمِ، فَصَوَّرَ قَوْلُهُ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ هَذِهِ الحالَةَ والتَّقاذُفَ الواقِعَ بَيْنَهم بِهَذا الإجْمالِ البالِغِ غايَةَ الإيجازِ، ألا تَرى أنَّ إقْبالَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ يُصَوِّرُ حالَةٍ تُشْبِهُ المُهاجَمَةَ والتَّقْرِيعَ، وأنَّ صِيغَةَ التَّلاوُمِ مَعَ حَذْفِ مُتَعَلَّقِ التَّلاوُمِ تُصَوِّرُ في ذِهْنِ السّامِعِ صُوَرًا مِن لَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. وقَدْ تَلَقّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَوْمَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِإحْقاقِ نَفْسِهِ بِالمَلامَةِ وإشْراكِ بَقِيَّتِهِمْ فِيها فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِهِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ لِذَلِكَ. فَجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (يَتَلاوَمُونَ) أيْ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا بِهَذا الكَلامِ فَتَكُونُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّقْرِيعِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ والإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ، مَعَ التَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ بِما أفادَهُ (يا ويْلَنا) . وذَلِكَ كَلامٌ جامِعٌ لِلْمَلامَةِ كُلِّها ولَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ لِأنَّها مُبَيِّنَةٌ. صفحة ٨٨ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَوابَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ لَوْمِهِ غَيْرِهِ، فَكَما أجْمَعُوا عَلى لَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى إجابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ المَلامِ فَقالَ كُلُّ مَلُومٍ لِلائِمِهِ (﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾) إلَخْ جَوابًا بِتَقْرِيرِ مَلامِهِ والاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ ورَجاءِ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ وتَعْوِيضِهِمْ عَنْ جَنَّتِهِمْ خَيْرًا مِنها إذْ قَبِلَ تَوْبَتَهم وجَعَلَ لَهم ثَوابَ الدُّنْيا مَعَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ تَرْكُ العَطْفِ؛ لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ جَرى في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. والإقْبالُ: حَقِيقَةُ المَجِيءِ إلى الغَيْرِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ القُبُلِ وهو ما يَبْدُو مِنَ الإنْسانِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ ضِدَّ الإدْبارِ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ العِنايَةِ بِاللَّوْمِ. واللَّوْمُ: إنْكارٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ وهو دُونَ التَّوْبِيخِ وفَوْقَ العِتابِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ المُتَعارَفِ في الكِبَرِ والتَّعاظُمِ والمَعْنى: إنّا كُنّا طاغِينَ عَلى حُدُودِ اللَّهِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَنْ نَدامَتِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ رَجاءَهم مِنَ اللَّهِ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَلا يُؤاخِذُهم بِذَنْبِهِمْ في الآخِرَةِ ولا في الدُّنْيا فَيَمْحُو عِقابَهُ في الدُّنْيا مَحْوًا كامِلًا بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَنَّتِهِمُ الَّتِي قُدِّرَ إتْلافُها بِجَنَّةٍ أُخْرى خَيْرًا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ الرَّجاءِ، أيْ هو رَجاءٌ مُشْتَمِلٌ عَلى رَغْبَةٍ إلَيْهِ بِالقَبُولِ والاسْتِجابَةِ. والتَّأْكِيدُ في (إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ) لِلْاهْتِمامِ بِهَذا التَّوَجُّهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإطْنابِ في قَوْلِهِمْ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ تَلْقِينُ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهم هَذا المَثَلُ بِأنَّ في مُكْنَتِهِمُ الإنابَةَ إلى اللَّهِ بِنَبْذِ الكُفْرانِ لِنِعْمَتِهِ إذْ أشْرَكُوا بِهِ مَن لا إنْعامَ لَهم عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهم أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَّلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، ذاتَ عِنَبٍ يُحْمَلُ العُنْقُودُ الواحِدُ مِنهُ عَلى بَغْلٍ. صفحة ٨٩ وعَنْ أبِي خالِدٍ اليَمانِيِّ أنَّهُ قالَ: دَخَلَتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أنْ يُبْدِلَنا﴾ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يُبَدِّلَنا) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهُما بِمَعْنى واحِدٍ. قالَ ابْنُ الفَرْسِ في أحْكامِ القُرْآنِ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الوَهّابِ عَلى أنَّ مَن تَعْمَّدَ إلى نَقْصِ النِّصابِ قَبْلَ الحَوْلِ قَصْدًا لِلْفِرارِ مِنَ الزَّكاةِ أوْ خالَطَ غَيْرَهُ، أوْ فارَقَهُ بَعْدَ الخِلْطَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْقِطُ الزَّكاةَ عَنْهُ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ. ووَجْهُ الاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ قَصَدُوا بِجَذِّ الثِّمارِ إسْقاطَ حَقِّ المَساكِينِ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِإتْلافِ ثِمارِهِمْ.

القلم 68:33

﴿كَذَلِكَ العَذابُ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ رُجُوعٌ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المَبْدُوءِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] فالكَلامُ فَذْلَكَةٌ وخُلاصَةٌ لِما قَبْلَهُ وهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. والمُشارُ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ مِن تَلَفِ جَنَّتِهِمْ وما أحَسُّوا بِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِها عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وتَنَدُّمِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ المَذْكُورِ يَكُونُ العَذابُ في الدُّنْيا، فَقَوْلُهُ (كَذَلِكَ) مُسْنَدٌ مُقَدَّمٌ و(العَذابُ) مُسْنَدٌ إلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ لِلْاهْتِمامِ بِإحْضارِ صُورَتِهِ في ذِهْنِ السّامِعِ. والتَّعْرِيفُ في (العَذابُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ وفِيهِ تَوْجِيهٌ بِالعَهْدِ الذِّهْنِيُّ، أيْ عَذابُكُمُ المَوْعِدُ مِثْلُ عَذابِ أُولَئِكَ والمُماثَلَةُ في إتْلافِ الأرْزاقِ والإصابَةِ بِقَطْعِ الثَّمَراتِ. ولَيْسَ التَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ مِثْلَ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، ونَحْوِهِ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَلْ ما هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ صفحة ٩٠ المُتَعارَفِ، لِوُجُودِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِهِ العَذابُ وهو كَوْنُ المُشَبَّهِ بِهِ غَيْرِ المُشَبَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] بِخِلافِ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّ المُشَبَّهَ بِهِ هو عَيْنُ المُشْبَّهِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في بُلُوغِ المُشَبَّهِ غايَةَ ما يَكُونُ فِيهِ وجْهُ الشَّبَهِ بِحَيْثُ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ لا يَلْجَأُ إلّا إلى تَشْبِيهِهِ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ أقْصى مَراتِبَ وجْهِ الشَّبَهِ. والمُماثَلَةُ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ مُماثَلَةٌ في النَّوْعِ وإلّا فَإنَّ ما تُوُعِّدُوا بِهِ مِنَ القَحْطِ أشَدُّ مِمّا أصابَ أصْحابَ الجَنَّةِ وأطْوَلُ. وقَوْلُهُ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ عَذابُ الدُّنْيا. وضَمِيرُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ (بَلَوْناهم)، وهُمُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ عَذابَ الآخِرَةِ فَهُدِّدُوا بِعَذابِ الدُّنْيا، ولا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلى ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ بِعَذابِ الآخِرَةِ وشِدَّتِهِ.

القلم 68:34

﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَتِ النَّعِيمِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ مِن شَأْنِ ما ذُكِرَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ لِلْمُجْرِمِينَ أنْ يَنْشَأ عَنْهُ سُؤالٌ في نَفْسِ السّامِعِ بِقَوْلِ: فَما جَزاءُ المُتَّقِينَ ؟ وهو كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أجْزاءِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦] وقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ [القلم: ٣٣] . وقَدْ أشْعَرَ بِتَوَقُّعِ هَذا السُّؤالِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] كَما سَيَأْتِي. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ لِلْاهْتِمامِ بِشَأْنِ المُتَّقِينَ لِيَسْبِقَ ذِكْرُ صِفَتِهِمُ العَظِيمَةِ ذِكْرَ جَزائِها. واللّامُ لِلْاسْتِحْقاقِ. و(عِنْدَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى الكَوْنِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ حَرْفُ الجَرِّ، ولِذَلِكَ قُدِّمَ مُتَعَلَّقُهُ مَعَهُ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِأجْلِ ذَلِكَ الاهْتِمامِ. وقَدْ حَصَلَ مِن تَقْدِيمِ المُسْنَدِ بِما مَعَهُ طُوُلٌ يُثِيرُ تَشْوِيقَ السّامِعِ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ. والعِنْدِيَّةُ هُنا عِنْدِيَّةُ كَرامَةٍ واعْتِناءٍ. صفحة ٩١ وإضافَةُ جَنّاتٍ إلى النَّعِيمِ تُفِيدُ أنَّها عُرِّفَتْ بِهِ فَيُشارُ بِذَلِكَ إلى مُلازَمَةِ النَّعِيمِ لَها؛ لِأنَّ أصْلَ الإضافَةِ أنَّها بِتَقْدِيرِ لامِ الاسْتِحْقاقِ فَ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُفِيدٌ أنَّها اسْتَحَقَّها النَّعِيمُ؛ لِأنَّها لَيْسَ في أحْوالِها إلّا حالَ نَعِيمِ أهْلِها، فَلا يَكُونُ فِيها ما يَكُونُ مِن جَنّاتِ الدُّنْيا مِنَ المَتاعِبِ مِثْلُ الحَرِّ في بَعْضِ الأوْقاتِ أوْ شِدَّةِ البَرْدِ أوْ مِثْلُ الحَشَراتِ والزَّنابِيرِ، أوْ ما يُؤْذِي مِثْلُ شَوْكِ الأزْهارِ والأشْجارِ ورَوَثِ الدَّوابِّ وذَرْقِ الطَّيْرِ.

القلم 68:35

﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فاءُ التَّفْرِيعِ تَقْتَضِي أنَّ هَذا الكَلامَ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُتَّقِينَ جَنّاتِ النَّعِيمِ، ومُقابَلَتِهِ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُصَرَّحٍ فِيهِ بِما يُناسِبُ أنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذا الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ إنْكارٍ مِنَ المُعَرَّضِ بِهِمْ لِيَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ هَذا الاسْتِفْهامُ المُفَرَّعُ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مِن تَوَقُّعٍ أوْ وُقُوعِ سُؤالٍ. والاسْتِفْهامُ وما بَعْدَهُ مِنَ التَّوْبِيخِ، والتَّخْطِئَةِ، والتَّهَكُّمِ عَلى إدْلالِهِمُ الكاذِبِ، مُؤْذِنٌ بِأنَّ ما أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ووُبِّخُوا عَلَيْهِ وسُفِّهُوا عَلى اعْتِقادِهِ كانَ حَدِيثًا قَدْ جَرى في نَوادِيهِمْ أوِ اسْتَسْخَرُوا بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ في مَعْرِضِ جُحُودِ أنْ يَكُونَ بَعْثٌ، وفَرْضِهِمْ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ لا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ مَزْيَةٌ وفَضْلٌ عِنْدَ وُقُوعِهِ. وعَنْ مُقاتِلٍ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤] قالَتْ قُرَيْشٌ: إنْ كانَ ثَمَّةَ جَنَّةِ نَعِيمٍ فَلَنا فِيها مِثْلُ حَظِّنا وحَظِّهِمْ في الدُّنْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: إنّا نُعْطى يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِمّا تُعْطَوْنَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ. والهَمْزَةُ لِلْاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، فُرِّعَ إنْكارُ التَّساوِي بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ عَلى ما سَبَقَ مِنِ اخْتِلافِ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ فالإنْكارُ مُتَسَلِّطٌ عَلى ما دارَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ السّابِقَةِ أوْ عِنْدَ نُزُولِ ما سَبَقَها مِن آيِ القُرْآنِ الَّتِي قابَلَتْ بَيْنَ جَزاءِ المُؤْمِنِينَ وجَزاءِ المُشْرِكِينَ كَما يَقْتَضِيهِ صَرِيحًا قَوْلُهُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] . صفحة ٩٢ وإنْكارُ جَعْلِ الفَرِيقَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ إعْطاءِ المُسْلِمِينَ جَزاءَ الخَيْرِ في الآخِرَةِ وحِرْمانِ المُشْرِكِينَ مِنهُ؛ لِأنَّ نَفْيَ التَّساوِي وارِدٌ في مَعْنى التَّضادِّ في الخَيْرِ والشَّرِّ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ قالَ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، وقالَ ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وقالَ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] وقالَ السَّمَوْألُ أوِ الحارِثِيُّ: سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهم فَلَيْسَ سَواءً عالِـمٌ وجَـهُـولُ وإذا انْتَفى أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ حَظٌّ في جَزاءِ الخَيْرِ انْتَفى ما قالُوهُ مِن أنَّهم أفْضَلُ حَظًّا في الآخِرَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما هو حالُهم في الدُّنْيا بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ. وقَوْلُهُ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ كَلامٌ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ وهُمُ المَقْصُودُ بِـ (المُجْرِمِينَ)، عَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ الإظْهارِ دُونَ ضَمِيرِ الخِطابِ لِما في وصْفِ (المُجْرِمِينَ) مِنَ المُقابَلَةِ لِيَكُونَ في الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى سَبَبِ نَفْيِ المُماثَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ التِفاتًا عَنْ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] وقَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] . وإنَّما تَغَيَّرَ الضَّمِيرُ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ تَبَعًا لِتَغَيُّرِ تَوْجِيهِ الكَلامِ؛ لِأنَّ شَرْطَ الالتِفاتِ أنْ يَتَغَيَّرَ الضَّمِيرُ في سِياقٍ واحِدٍ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِحالَةِ حُكْمِهِمْ، (فَما لَكم) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا أنْ لا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ ثانٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَكم)، أيِ انْتَفى أنْ يَكُونَ لَكم شَيْءٌ في حالِ حُكْمِكم، أيْ فَإنْ ثَبَتَ لَهم كانَ مُنْكَرًا بِاعْتِبارِ حالَةِ حُكْمِهِمْ. والمَعْنى: لا تَحْكُمُونَ أنَّكم مُساوُونَ لِلْمُسْلِمِينَ في جَزاءِ الآخِرَةِ أوْ مُفَضَّلُونَ عَلَيْهِمْ.

القلم 68:36

﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فاءُ التَّفْرِيعِ تَقْتَضِي أنَّ هَذا الكَلامَ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُتَّقِينَ جَنّاتِ النَّعِيمِ، ومُقابَلَتِهِ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُصَرَّحٍ فِيهِ بِما يُناسِبُ أنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذا الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ إنْكارٍ مِنَ المُعَرَّضِ بِهِمْ لِيَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ هَذا الاسْتِفْهامُ المُفَرَّعُ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا مِن تَوَقُّعٍ أوْ وُقُوعِ سُؤالٍ. والاسْتِفْهامُ وما بَعْدَهُ مِنَ التَّوْبِيخِ، والتَّخْطِئَةِ، والتَّهَكُّمِ عَلى إدْلالِهِمُ الكاذِبِ، مُؤْذِنٌ بِأنَّ ما أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ووُبِّخُوا عَلَيْهِ وسُفِّهُوا عَلى اعْتِقادِهِ كانَ حَدِيثًا قَدْ جَرى في نَوادِيهِمْ أوِ اسْتَسْخَرُوا بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ في مَعْرِضِ جُحُودِ أنْ يَكُونَ بَعْثٌ، وفَرْضِهِمْ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ لا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ مَزْيَةٌ وفَضْلٌ عِنْدَ وُقُوعِهِ. وعَنْ مُقاتِلٍ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤] قالَتْ قُرَيْشٌ: إنْ كانَ ثَمَّةَ جَنَّةِ نَعِيمٍ فَلَنا فِيها مِثْلُ حَظِّنا وحَظِّهِمْ في الدُّنْيا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: إنّا نُعْطى يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِمّا تُعْطَوْنَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ. والهَمْزَةُ لِلْاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، فُرِّعَ إنْكارُ التَّساوِي بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ عَلى ما سَبَقَ مِنِ اخْتِلافِ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ فالإنْكارُ مُتَسَلِّطٌ عَلى ما دارَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ السّابِقَةِ أوْ عِنْدَ نُزُولِ ما سَبَقَها مِن آيِ القُرْآنِ الَّتِي قابَلَتْ بَيْنَ جَزاءِ المُؤْمِنِينَ وجَزاءِ المُشْرِكِينَ كَما يَقْتَضِيهِ صَرِيحًا قَوْلُهُ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٩] . صفحة ٩٢ وإنْكارُ جَعْلِ الفَرِيقَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ إعْطاءِ المُسْلِمِينَ جَزاءَ الخَيْرِ في الآخِرَةِ وحِرْمانِ المُشْرِكِينَ مِنهُ؛ لِأنَّ نَفْيَ التَّساوِي وارِدٌ في مَعْنى التَّضادِّ في الخَيْرِ والشَّرِّ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ قالَ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، وقالَ ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وقالَ ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] وقالَ السَّمَوْألُ أوِ الحارِثِيُّ: سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهم فَلَيْسَ سَواءً عالِـمٌ وجَـهُـولُ وإذا انْتَفى أنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ حَظٌّ في جَزاءِ الخَيْرِ انْتَفى ما قالُوهُ مِن أنَّهم أفْضَلُ حَظًّا في الآخِرَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما هو حالُهم في الدُّنْيا بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ. وقَوْلُهُ ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ كَلامٌ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ وهُمُ المَقْصُودُ بِـ (المُجْرِمِينَ)، عَبَّرَ عَنْهم بِطَرِيقِ الإظْهارِ دُونَ ضَمِيرِ الخِطابِ لِما في وصْفِ (المُجْرِمِينَ) مِنَ المُقابَلَةِ لِيَكُونَ في الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى سَبَبِ نَفْيِ المُماثَلَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ التِفاتًا عَنْ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] وقَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] . وإنَّما تَغَيَّرَ الضَّمِيرُ إلى ضَمِيرِ الخِطابِ تَبَعًا لِتَغَيُّرِ تَوْجِيهِ الكَلامِ؛ لِأنَّ شَرْطَ الالتِفاتِ أنْ يَتَغَيَّرَ الضَّمِيرُ في سِياقٍ واحِدٍ. و(ما لَكم) اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِحالَةِ حُكْمِهِمْ، (فَما لَكم) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا أنْ لا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ ثانٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَكم)، أيِ انْتَفى أنْ يَكُونَ لَكم شَيْءٌ في حالِ حُكْمِكم، أيْ فَإنْ ثَبَتَ لَهم كانَ مُنْكَرًا بِاعْتِبارِ حالَةِ حُكْمِهِمْ. والمَعْنى: لا تَحْكُمُونَ أنَّكم مُساوُونَ لِلْمُسْلِمِينَ في جَزاءِ الآخِرَةِ أوْ مُفَضَّلُونَ عَلَيْهِمْ.

القلم 68:37

صفحة ٩٣ ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ إضْرابُ انْتِقالٍ مِن تَوْبِيخٍ إلى احْتِجاجٍ عَلى كَذِبِهِمْ. والاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ مَعَ (أمْ) إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم كِتابٌ إنْكارًا مَبْنِيًّا عَلى الفَرْضِ وإنْ كانُوا لَمْ يَدَّعُوهُ. وحاصِلُ هَذا الانْتِقالِ والانْتِقالاتِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ وهي ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] إلَخْ، ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] إلَخْ أنَّ حُكْمَكم هَذا لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ سَنَدُهُ كِتابًا سَماوِيًّا نَزَلَ مِن لَدُنّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَنَدُهُ عَهْدًا مِنّا بِأنّا نُعْطِيكم ما تَقْتَرِحُونَ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَكم كَفِيلٌ عَلَيْنا، وإمّا أنْ يَكُونَ تَعْوِيلًا عَلى نَصْرِ شُرَكائِكم. وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى المُبْتَدَإ وهو كِتابٌ؛ لِأنَّ المُبْتَدَأ نَكِرَةٌ وتَنْكِيرُهُ مَقْصُودٌ لِلنَّوْعِيَّةِ فَكانَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ لازِمًا. وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلى الحُكْمِ المُفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦]، أيْ كِتابٌ في الحُكْمِ. و(في) لِلتَّعْلِيلِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ كَما تَقُولُ ورَدَ كِتابٌ في الأمْرِ بِكَذا أوْ في النَّهْيِ عَنْ كَذا فَيَكُونُ (فِيهِ) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا صِفَةً لِـ (كِتابٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (كِتابٌ) ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ (تَدْرُسُونَ) . جُعِلَتِ الدِّراسَةُ العَمِيقَةُ بِمَزِيدِ التَّبَصُّرِ في ما يَتَضَمَّنُهُ الكِتابُ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ في الكِتابِ كَما تَقُولُ: لَنا دَرْسٌ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ. وفِي هَذا إدْماجٌ بِالتَّعْرِيضِ بِأنَّهم أُمِّيُّونَ لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ وأنَّهم لَمّا جاءَهم كِتابٌ لِهَدْيِهِمْ وإلْحاقِهِمْ بِالأُمَمِ ذاتِ الكِتابِ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ وكَذَّبُوهُ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقالَ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (تَدْرُسُونَ) عَلى أنَّها صفحة ٩٤ مَحْكِيٌّ لَفْظُها، أيْ تَدْرُسُونَ هَذِهِ العِبارَةَ كَما جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، أيْ تَدْرُسُونَ جُمْلَةَ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ . ويَكُونُ (فِيهِ) تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرِها مِن قَوْلِهِ ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾، قَصَدَ مِن إعادَتِها مَزِيدَ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها كَما أُعِيدَتْ كَلِمَةُ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] وأصْلُهُ: تَتَّخِذُونَ سَكَرًا. و(تَخَيَّرُونَ) أصْلُهُ تَتَخَيَّرُونَ بِتاءَيْنِ، حُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا. والتَّخَيُّرُ: تَكَلُّفُ الخَيْرِ، أيْ تَطَلُّبُ ما هو في أخْيَرِ. والمَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ الكِتابِ لَكم ما تَخْتارُونَ مِن خَيْرِ الجَزاءِ.

القلم 68:38

صفحة ٩٣ ﴿أمْ لَكم كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ إضْرابُ انْتِقالٍ مِن تَوْبِيخٍ إلى احْتِجاجٍ عَلى كَذِبِهِمْ. والاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ مَعَ (أمْ) إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم كِتابٌ إنْكارًا مَبْنِيًّا عَلى الفَرْضِ وإنْ كانُوا لَمْ يَدَّعُوهُ. وحاصِلُ هَذا الانْتِقالِ والانْتِقالاتِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ وهي ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ [القلم: ٣٩] إلَخْ، ﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] إلَخْ أنَّ حُكْمَكم هَذا لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ سَنَدُهُ كِتابًا سَماوِيًّا نَزَلَ مِن لَدُنّا، وإمّا أنْ يَكُونَ سَنَدُهُ عَهْدًا مِنّا بِأنّا نُعْطِيكم ما تَقْتَرِحُونَ، وإمّا أنْ يَكُونَ لَكم كَفِيلٌ عَلَيْنا، وإمّا أنْ يَكُونَ تَعْوِيلًا عَلى نَصْرِ شُرَكائِكم. وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى المُبْتَدَإ وهو كِتابٌ؛ لِأنَّ المُبْتَدَأ نَكِرَةٌ وتَنْكِيرُهُ مَقْصُودٌ لِلنَّوْعِيَّةِ فَكانَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ لازِمًا. وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلى الحُكْمِ المُفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦]، أيْ كِتابٌ في الحُكْمِ. و(في) لِلتَّعْلِيلِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ كَما تَقُولُ ورَدَ كِتابٌ في الأمْرِ بِكَذا أوْ في النَّهْيِ عَنْ كَذا فَيَكُونُ (فِيهِ) ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا صِفَةً لِـ (كِتابٌ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (كِتابٌ) ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ (تَدْرُسُونَ) . جُعِلَتِ الدِّراسَةُ العَمِيقَةُ بِمَزِيدِ التَّبَصُّرِ في ما يَتَضَمَّنُهُ الكِتابُ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ في الكِتابِ كَما تَقُولُ: لَنا دَرْسٌ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ. وفِي هَذا إدْماجٌ بِالتَّعْرِيضِ بِأنَّهم أُمِّيُّونَ لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ وأنَّهم لَمّا جاءَهم كِتابٌ لِهَدْيِهِمْ وإلْحاقِهِمْ بِالأُمَمِ ذاتِ الكِتابِ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ وكَذَّبُوهُ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقالَ ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ (تَدْرُسُونَ) عَلى أنَّها صفحة ٩٤ مَحْكِيٌّ لَفْظُها، أيْ تَدْرُسُونَ هَذِهِ العِبارَةَ كَما جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، أيْ تَدْرُسُونَ جُمْلَةَ ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ . ويَكُونُ (فِيهِ) تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرِها مِن قَوْلِهِ ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾، قَصَدَ مِن إعادَتِها مَزِيدَ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها كَما أُعِيدَتْ كَلِمَةُ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] وأصْلُهُ: تَتَّخِذُونَ سَكَرًا. و(تَخَيَّرُونَ) أصْلُهُ تَتَخَيَّرُونَ بِتاءَيْنِ، حُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا. والتَّخَيُّرُ: تَكَلُّفُ الخَيْرِ، أيْ تَطَلُّبُ ما هو في أخْيَرِ. والمَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ الكِتابِ لَكم ما تَخْتارُونَ مِن خَيْرِ الجَزاءِ.

القلم 68:39

﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ (أمْ) لِلْانْتِقالِ إلى دَلِيلٍ آخَرَ وهو نَفْيُ أنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ زَعْمِهِمْ عَهْدًا أخَذُوهُ عَلى اللَّهِ لِأنْفُسِهِمْ أنْ يُعامِلَهم يَوْمَ القِيامَةِ بِما يَحْكُمُونَ بِهِ لِأنْفُسِهِمْ، فالاسْتِفْهامُ اللّازِمُ تَقْدِيرَهُ بَعْدَ (أمْ) إنْكارِيٌّ و(بالِغَةٌ) مُؤَكَّدَةٌ. وأصْلُ البالِغَةِ: الواصِلَةُ إلى ما يُطْلَبُ بِها، وذَلِكَ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى مُغْلِظَةٍ، شُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ البالِغِ إلى نِهايَةِ سَيْرِهِ. وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] . وقَوْلُهُ (عَلَيْنا) صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (أيْمانٌ) أيْ أقْسَمْناها لَكم لِإثْباتِ حَقِّكم عَلَيْنا. و﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِ (أيْمانٌ)، أيْ أيْمانٌ مُؤَبَّدَةٌ لا تَحِلَّةَ مِنها فَحَصَلَ مِنَ الوَصْفَيْنِ أنَّها عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ ومُسْتَمِرَّةٌ طُولَ الدَّهْرِ، فَلَيْسَ يَوْمُ القِيامَةِ مُنْتَهى الأخْذِ بِتِلْكَ الأيْمانِ بَلْ هو تَنْصِيصٌ عَلى التَّأْيِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] في سُورَةِ الأحْقافِ. ويَتَعَلَّقُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِالاسْتِقْرارِ الَّذِي في الخَبَرِ في قَوْلِهِ ﴿لَكم أيْمانٌ﴾ ولا صفحة ٩٥ يَحْسُنُ تَعَلُّقُهُ بِـ (بالِغَةٌ) تَعَلُّقَ الظَّرْفِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّهُ يُصَيِّرُ (بالِغَةٌ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مَشْهُورٍ قَرِيبٍ مِنَ الحَقِيقَةِ، ومَحْمَلُ (بالِغَةٌ) عَلى الاسْتِعارَةِ الَّتِي ذَكَرْنا أجْزَلُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ بَيانٌ لِ (أيْمانٌ)، أيْ أيْمانٌ بِهَذا اللَّفْظِ. ومَعْنى ما تَحْكُمُونَ تَأْمُرُونَ بِهِ دُونَ مُراجَعَةٍ، يُقالُ: نَزَلُوا عَلى حُكْمِ فُلانٍ، أيْ لَمْ يُعَيِّنُوا طِلْبَةً خاصَّةً ولَكِنَّهم وكَّلُوا تَعْيِينَ حَقِّهِمْ إلى فُلانٍ، قالَ خَطّابٌ أوْ حِطّانُ بْنُ المُعَلّى: أنْزَلَنِيَ الدَّهْرُ عَلى حُكْمِـهِ مِن شامِخٍ عالٍ إلى خَفْضِ أيْ دُونِ اخْتِيارٍ لِي ولا عَمَلٍ عَمِلْتُهُ فَكَأنَّنِي حَكَّمْتُ الدَّهْرَ فَأنْزَلَنِي مِن مَعاقِلِي وتَصَرَّفَ فِيَّ كَما شاءَ. ومِن أقْوالِهِمُ السّائِرَةِ مِسْرى الأمْثالِ ”حُكْمُكَ مُسَمَّطًا“ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ مُشَدَّدَةً أيْ لَكَ حُكْمُكُ نافِذًا لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَثْمَةَ: لَكَ المِرْباعُ مِنها والصَّفَـايا ∗∗∗ وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفُضُولُ

القلم 68:40

﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَنْ جُمْلَةِ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ [القلم: ٣٩]، لِأنَّ الأيْمانَ وهي العُهُودُ تَقْتَضِي الكُفَلاءَ عادَةً، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: واذْكُرُوا حِلْفَ ذِي المَجازِ وما قُدِّمَ فِيهِ العُـهُـودُ وُالـكُـفَـلاءُ فَلَمّا ذُكِرَ إنْكارٌ أنْ يَكُونَ لَهم عُهُودٌ، كُمِّلَ ذَلِكَ بِأنْ يَطْلُبَ مِنهم أنْ يُعَيِّنُوا مَن هُمُ الزُّعَماءُ بِتِلْكَ الأيْمانِ. فالاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ زِيادَةً عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ، وقَدْ جُعِلَ الزَّعِيمُ أحَدًا مِنهم زِيادَةً في التَّهَكُّمِ وهو أنْ جَعَلَ الزَّعِيمَ لَهم واحِدًا مِنهم لِعِزَّتِهِمْ ومُناغاتِهِمْ لِكِبْرِياءِ اللَّهِ تَعالى.

القلم 68:41

﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ صفحة ٩٦ (أمْ) إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ ثالِثٌ إلى إبْطالِ مُسْتَنَدٍ آخَرَ مَفْرُوضٍ لَهم في سَنَدِ قَوْلِهِمْ: إنّا نُعْطى مِثْلَ ما يُعْطى المُسْلِمُونَ أوْ خَيْرًا مِمّا يُعْطَوْنَهُ، وهو أنْ يُفْرَضَ أنَّ أصْنامَهم تَنْصُرُهم وتَجْعَلُ لَهم حَظًّا مِن جَزاءِ الخَيْرِ في الآخِرَةِ. والمَعْنى: بَلْ أثْبَتَتْ لَهم، أيْ لِأجْلِهِمْ ونَفْعِهِمْ شُرَكاءَ، أيْ شُرَكاءَ لَنا في الإلَهِيَّةِ في زَعْمِهِمْ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (شُرَكاءُ) لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهم فَصارَ شُرَكاءُ بِمَنزِلَةِ اللَّقَبِ، أيْ أمْ آلِهَتُهم لَهم فَلْيَأْتُوا بِهِمْ لِيَنْفَعُوهم يَوْمَ القِيامَةِ. واللّامُ في (لَهم) لامُ الأجْلِ، أيْ لِأجْلِهِمْ بِتَقْدِيرٍ مُضافٍ، أيْ لِأجْلِ نَصْرِهِمْ، فاللّامُ كاللّامِ في قَوْلِ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ ”لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم“ . وتَنْكِيرُ (شُرَكاءُ) في حَيِّزِ الاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ يُفِيدُ انْتِفاءَ أنْ يَكُونَ أحَدٌ مِنَ الشُّرَكاءِ، أيِ الأصْنامِ لَهم، أيْ لِنَفْعِهِمْ فَيَعُمُّ أصْنامَ جَمِيعِ قَبائِلِ العَرَبِ المُشْتَرَكِ في عِبادَتِها بَيْنَ القَبائِلِ، والمَخْصُوصَةَ بِبَعْضِ القَبائِلِ. وقَدْ نُقِلَ أُسْلُوبُ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِمُناسَبَةِ وُقُوعِهِ بَعْدَ (﴿سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٤٠])؛ لِأنَّ أخَصَّ النّاسِ بِمَعْرِفَةِ أحَقِّيَّةِ هَذا الإبْطالِ هو النَّبِيءُ ﷺ وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ تَوْجِيهَ هَذا الإبْطالِ إلَيْهِمْ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى نَفْيِ أنْ تَنْفَعَهم آلِهَتُهم، فَتَعَيَّنَ أنَّ أمْرَ (فَلْيَأْتُوا) أمْرُ تَعْجِيزٍ. وإضافَةُ (شُرَكاءُ) إلى ضَمِيرِهِمْ في قَوْلِهِ (﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾) لِإبْطالِ صِفَةِ الشِّرْكَةِ في الإلَهِيَّةِ عَنْهم، أيْ لَيْسُوا شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ إلّا عِنْدَ هَؤُلاءِ فَإنَّ الإلَهِيَّةَ الحَقِّ لا تَكُونُ نِسْبِيَّةً بِالنِّسْبَةِ إلى فَرِيقٍ أوْ قَبِيلَةٍ. ومِثْلُ هَذا الإطْلاقِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] .

القلم 68:42

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصَرُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةً وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ صفحة ٩٧ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ [القلم: ٤١] أيْ فَلْيَأْتُوا بِالمَزْعُومِينَ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ أهْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ إلَخْ لِلتَّذْكِيرِ بِأهْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في تَعَلُّقِ (يَوْمَ) فالمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ. والكَشْفُ عَنْ ساقٍ: مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ والهَوْلِ، وأصْلُهُ أنَّ المَرْءَ إذا هَلَعَ أنْ يُسْرِعَ في المَشْيِ ويُشَمِّرَ ثِيابَهُ فَيَكْشِفَ عَنْ ساقِهِ كَما يُقالُ: شَمِّرْ عَنْ ساعِدِ الجِدِّ، وأيْضًا كانُوا في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ تُشَمِّرُ الحَرائِرُ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ أوْ في العَمَلِ فَتَنْكَشِفُ سُوقُهُنَّ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُنَّ هَوْلُ الأمْرِ عَنِ الاحْتِرازِ مِن إبْداءِ ما لا تُبْدِينَهُ عادَةً، فَيُقالُ: كَشَفَتْ عَنْ ساقِها أوْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها، أوْ أبْدَتْ عَنْ ساقِها. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتُ: كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِراشِ ولَمّا تَشْمَلِ الشّامَ غارَةٌ شَـعْـواءُ تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْـدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ الـعَـذْراءِ وفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ أُحُدٍ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «انْهَزَمَ النّاسُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ولَقَدْ رَأيْتُ عائِشَةَ وأُمَّ سُلَيْمٍ وإنَّهُما لَمُشَمِّرَتانِ أرى خَدَمَ سُوقِهِما تَنْقُلانِ القِرَبَ عَلى مُتُونِهِما ثُمَّ تُفْرِغانِها في أفْواهِ القَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعانِ فَتَمْلَآنِها»، إلَخْ، فَإذا قالُوا: كَشَفَ المَرْءُ عَنْ ساقِهِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ هَوْلٍ أصابَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَشَفَ ساقٍ. وإذا قالُوا: كَشَفَ الأمْرُ عَنْ ساقٍ، فَقَدْ مَثَّلُوهُ بِالمَرْأةِ المُرَوَّعَةِ، وكَذَلِكَ كَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها، كُلُّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ ساقٍ قالَ حاتِمٌ: فَتى الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَـرْبُ شَـمَّـرا وقالَ جَدُّ طَرَفَةٍ مِنَ الحَماسَةِ: كَشَفَتْ لَهم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (يَوْمَ تَكْشِفُ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وبِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى تَقْدِيرِ صفحة ٩٨ تَكْشِفُ الشِّدَّةُ عَنْ ساقِها أوْ تَكْشِفُ القِيامَةُ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. والمَعْنى: يَوْمَ تَبْلُغُ أحْوالُ النّاسِ مُنْتَهى الشِّدَّةِ والرَّوْعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ: عَنْ كَرْبٍ وشِدَّةٍ، وهي أشَدُّ ساعَةٍ في يَوْمِ القِيامَةِ. ورَوى عَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذا، فَقالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أمّا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: صَبْرًا عَنَـاقُ إنَّـهُ لَـشِـرْبَـاقْ قَدْ سَنَّ لِي قَوْمُكِ ضَرْبَ الأعْناقْ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقٍ وقالَ مُجاهِدٌ: يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ: شِدَّةُ الأمْرِ. وجُمْلَةُ (ويُدْعَوْنَ) لَيْسَ عائِدًا إلى المُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إذْ لا يُساعِدُ قَوْلَهُ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا في الدُّنْيا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ. فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ ويُدْعى مَدْعُوُّونَ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ المُسْلِمِينَ ويُمْتَحَنُ النّاسُ بِدُعائِهِمْ إلى السُّجُودِ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ عَنْ غَيْرِهِمْ تَمَيُّزَ تَشْرِيفٍ فَلا يَسْتَطِيعُ المُنافِقُونَ السُّجُودَ فَيُفْتَضَحُ كُفْرُهم. قالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: فَمَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مُخْلِصًا يَخِرُّ ساجِدًا لَهُ ويَبْقى المُنافِقُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ كَأنَّ في ظُهُورِهِمُ السَّفافِيدَ اهـ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ إدْماجًا لِذِكْرِ بَعْضِ ما يَحْصُلُ مِن أحْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ وحَدِيثِ الشَّفاعَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «فَيُكْشَفُ عَنْ ساقٍ فَلا يَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلّا أذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، ولا يَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ رِياءً إلّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً واحِدَةً كُلَّما أرادَ أنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلى قَفاهُ» الحَدِيثَ، فَيَصْلُحُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ. صفحة ٩٩ وقَدِ اتَّبَعَ فَرِيقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الرِّوايَةَ وقالُوا يَكْشِفُ اللَّهُ عَنْ ساقِهِ، أيْ عَنْ مِثْلِ الرِّجْلِ لِيَراها النّاسُ ثُمَّ قالُوا هَذا مِنَ المُتَشابِهِ، عَلى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى (عَنْ ساقٍ) قالَ يَكْشِفُ عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ يَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا. ورُوِيَتْ أخْبارٌ أُخْرى ضَعِيفَةٌ لا جَدْوى في ذِكْرِها. والسُّجُودُ الَّذِي يُدْعَوْنَ إلَيْهِ: سُجُودُ الضَّراعَةِ والخُضُوعِ لِأجْلِ الخَلاصِ مِن أهْوالِ المَوْقِفِ. وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمُ السُّجُودَ لِسَلْبِ اللَّهِ مِنهُمُ الاسْتِطاعَةَ عَلى السُّجُودِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا رَجاءَ لَهم في النَّجاةِ. والَّذِي يَدْعُوهم إلى السُّجُودِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالمَحْشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨]، أوْ يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو نَظِيرُ الدَّعْوَةِ إلى الشَّفاعَةِ في الأثَرِ المَرْوِيِّ ”فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا حَتّى يُرِيحَنا مِن مَوْقِفِنا هَذا“ . وخُشُوعُ الأبْصارِ: هَيْئَةُ النَّظَرِ بِالعَيْنِ بِذِلَّةٍ وخَوْفٍ، اسْتُعِيرَ لَهُ وصْفُ (خاشِعَةً)؛ لِأنَّ الخاشِعَ يَكُونُ مُطَأْطِئًا مُخْتَفِيًا. وتَرْهَقُهم: تَحِلُّ بِهِمْ وتَقْتَرِبُ مِنهم بِحِرْصٍ عَلى التَّمَكُّنِ مِنهم، رَهِقَ مِن بابِ فَرِحَ قالَ تَعالى (تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) . وجُمْلَةُ ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ (يَسْتَطِيعُونَ) . وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَنْها، أيْ كانُوا في الدُّنْيا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ لِلَّهِ وحْدَهُ وهم سالِمُونَ مِن مِثْلِ الحالَةِ الَّتِي هم عَلَيْها في يَوْمِ الحَشْرِ. والواوُ لِلْحالِ ولِلْاعْتِراضِ. وجُمْلَةُ (وهم سالِمُونَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُدْعَوْنَ)، أيْ وهم قادِرُونَ لا عِلَّةَ تَعُوقُهم عَنْهُ في أجْسادِهِمْ. والسَّلامَةُ: انْتِفاءُ العِلَلِ والأمْراضِ بِخِلافِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّهم مُلْجَأُونَ لِعَدَمِ السُّجُودِ.

القلم 68:43

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصَرُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةً وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ صفحة ٩٧ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ﴾ [القلم: ٤١] أيْ فَلْيَأْتُوا بِالمَزْعُومِينَ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ أهْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ إلَخْ لِلتَّذْكِيرِ بِأهْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في تَعَلُّقِ (يَوْمَ) فالمُرادُ بِاليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ. والكَشْفُ عَنْ ساقٍ: مَثَلٌ لِشِدَّةِ الحالِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ والهَوْلِ، وأصْلُهُ أنَّ المَرْءَ إذا هَلَعَ أنْ يُسْرِعَ في المَشْيِ ويُشَمِّرَ ثِيابَهُ فَيَكْشِفَ عَنْ ساقِهِ كَما يُقالُ: شَمِّرْ عَنْ ساعِدِ الجِدِّ، وأيْضًا كانُوا في الرَّوْعِ والهَزِيمَةِ تُشَمِّرُ الحَرائِرُ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ أوْ في العَمَلِ فَتَنْكَشِفُ سُوقُهُنَّ بِحَيْثُ يَشْغَلُهُنَّ هَوْلُ الأمْرِ عَنِ الاحْتِرازِ مِن إبْداءِ ما لا تُبْدِينَهُ عادَةً، فَيُقالُ: كَشَفَتْ عَنْ ساقِها أوْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها، أوْ أبْدَتْ عَنْ ساقِها. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتُ: كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِراشِ ولَمّا تَشْمَلِ الشّامَ غارَةٌ شَـعْـواءُ تُذْهِلُ الشَّيْخَ عَنْ بَنِيهِ وتُبْـدِي ∗∗∗ عَنْ خِدامِ العَقِيلَةِ الـعَـذْراءِ وفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ أُحُدٍ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: «انْهَزَمَ النّاسُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ولَقَدْ رَأيْتُ عائِشَةَ وأُمَّ سُلَيْمٍ وإنَّهُما لَمُشَمِّرَتانِ أرى خَدَمَ سُوقِهِما تَنْقُلانِ القِرَبَ عَلى مُتُونِهِما ثُمَّ تُفْرِغانِها في أفْواهِ القَوْمِ ثُمَّ تَرْجِعانِ فَتَمْلَآنِها»، إلَخْ، فَإذا قالُوا: كَشَفَ المَرْءُ عَنْ ساقِهِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ هَوْلٍ أصابَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ كَشَفَ ساقٍ. وإذا قالُوا: كَشَفَ الأمْرُ عَنْ ساقٍ، فَقَدْ مَثَّلُوهُ بِالمَرْأةِ المُرَوَّعَةِ، وكَذَلِكَ كَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقِها، كُلُّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ ساقٍ قالَ حاتِمٌ: فَتى الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها ∗∗∗ وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَـرْبُ شَـمَّـرا وقالَ جَدُّ طَرَفَةٍ مِنَ الحَماسَةِ: كَشَفَتْ لَهم عَنْ ساقِها ∗∗∗ وبَدا مِنَ الشَّرِّ البَواحُ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (يَوْمَ تَكْشِفُ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وبِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى تَقْدِيرِ صفحة ٩٨ تَكْشِفُ الشِّدَّةُ عَنْ ساقِها أوْ تَكْشِفُ القِيامَةُ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ. والمَعْنى: يَوْمَ تَبْلُغُ أحْوالُ النّاسِ مُنْتَهى الشِّدَّةِ والرَّوْعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ: عَنْ كَرْبٍ وشِدَّةٍ، وهي أشَدُّ ساعَةٍ في يَوْمِ القِيامَةِ. ورَوى عَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذا، فَقالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ، أمّا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ: صَبْرًا عَنَـاقُ إنَّـهُ لَـشِـرْبَـاقْ قَدْ سَنَّ لِي قَوْمُكِ ضَرْبَ الأعْناقْ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقٍ وقالَ مُجاهِدٌ: يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ: شِدَّةُ الأمْرِ. وجُمْلَةُ (ويُدْعَوْنَ) لَيْسَ عائِدًا إلى المُشْرِكِينَ مِثْلُ ضَمِيرِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إذْ لا يُساعِدُ قَوْلَهُ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا في الدُّنْيا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ. فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، أيْ ويُدْعى مَدْعُوُّونَ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ المُسْلِمِينَ ويُمْتَحَنُ النّاسُ بِدُعائِهِمْ إلى السُّجُودِ لِيَتَمَيَّزَ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ عَنْ غَيْرِهِمْ تَمَيُّزَ تَشْرِيفٍ فَلا يَسْتَطِيعُ المُنافِقُونَ السُّجُودَ فَيُفْتَضَحُ كُفْرُهم. قالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ السَّكَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: فَمَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مُخْلِصًا يَخِرُّ ساجِدًا لَهُ ويَبْقى المُنافِقُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ كَأنَّ في ظُهُورِهِمُ السَّفافِيدَ اهـ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ إدْماجًا لِذِكْرِ بَعْضِ ما يَحْصُلُ مِن أحْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ وحَدِيثِ الشَّفاعَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «فَيُكْشَفُ عَنْ ساقٍ فَلا يَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلّا أذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، ولا يَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ رِياءً إلّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً واحِدَةً كُلَّما أرادَ أنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلى قَفاهُ» الحَدِيثَ، فَيَصْلُحُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ. صفحة ٩٩ وقَدِ اتَّبَعَ فَرِيقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الرِّوايَةَ وقالُوا يَكْشِفُ اللَّهُ عَنْ ساقِهِ، أيْ عَنْ مِثْلِ الرِّجْلِ لِيَراها النّاسُ ثُمَّ قالُوا هَذا مِنَ المُتَشابِهِ، عَلى أنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى (عَنْ ساقٍ) قالَ يَكْشِفُ عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ يَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا. ورُوِيَتْ أخْبارٌ أُخْرى ضَعِيفَةٌ لا جَدْوى في ذِكْرِها. والسُّجُودُ الَّذِي يُدْعَوْنَ إلَيْهِ: سُجُودُ الضَّراعَةِ والخُضُوعِ لِأجْلِ الخَلاصِ مِن أهْوالِ المَوْقِفِ. وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمُ السُّجُودَ لِسَلْبِ اللَّهِ مِنهُمُ الاسْتِطاعَةَ عَلى السُّجُودِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا رَجاءَ لَهم في النَّجاةِ. والَّذِي يَدْعُوهم إلى السُّجُودِ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالمَحْشَرِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ [القمر: ٨]، أوْ يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو نَظِيرُ الدَّعْوَةِ إلى الشَّفاعَةِ في الأثَرِ المَرْوِيِّ ”فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا حَتّى يُرِيحَنا مِن مَوْقِفِنا هَذا“ . وخُشُوعُ الأبْصارِ: هَيْئَةُ النَّظَرِ بِالعَيْنِ بِذِلَّةٍ وخَوْفٍ، اسْتُعِيرَ لَهُ وصْفُ (خاشِعَةً)؛ لِأنَّ الخاشِعَ يَكُونُ مُطَأْطِئًا مُخْتَفِيًا. وتَرْهَقُهم: تَحِلُّ بِهِمْ وتَقْتَرِبُ مِنهم بِحِرْصٍ عَلى التَّمَكُّنِ مِنهم، رَهِقَ مِن بابِ فَرِحَ قالَ تَعالى (تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) . وجُمْلَةُ ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ (يَسْتَطِيعُونَ) . وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَنْها، أيْ كانُوا في الدُّنْيا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ لِلَّهِ وحْدَهُ وهم سالِمُونَ مِن مِثْلِ الحالَةِ الَّتِي هم عَلَيْها في يَوْمِ الحَشْرِ. والواوُ لِلْحالِ ولِلْاعْتِراضِ. وجُمْلَةُ (وهم سالِمُونَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُدْعَوْنَ)، أيْ وهم قادِرُونَ لا عِلَّةَ تَعُوقُهم عَنْهُ في أجْسادِهِمْ. والسَّلامَةُ: انْتِفاءُ العِلَلِ والأمْراضِ بِخِلافِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَإنَّهم مُلْجَأُونَ لِعَدَمِ السُّجُودِ.

القلم 68:44

صفحة ١٠٠ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ الَّذِي عَطَفَتْهُ عَلى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ لِكَوْنِ الكَلامِ الأوَّلِ سَبَبًا في ذِكْرِ ما بَعْدَهُ، فَبَعْدَ أنِ اسْتُوفِيَ الغَرَضُ مِن مَوْعِظَتِهِمْ ووَعِيدِهِمْ وتَزْيِيفِ أوْهامِهِمْ أعْقَبَ بِهَذا الاعْتِراضِ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِالانْتِصافِ مِنَ المُكَذِّبِينَ ونَصْرِهِ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ﴾ ونَحْوُهُ يُفِيدُ تَمْثِيلًا لِحالِ مَفْعُولِ (ذَرْ) في تَعَهُّدِهِ بِأنْ يَكْفِيَ مَئُونَةَ شَيْءٍ دُونَ اسْتِعانَةٍ بِصاحِبِ المَئُونَةِ بِحالِ مَن يَرى المُخاطَبَ قَدْ شَرَعَ في الانْتِصارِ لِنَفْسِهِ ورَأى أنَّهُ لا يَبْلُغُ بِذَلِكَ مَبْلَغَ مَفْعُولِ (ذَرْ) لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنَ المُعْتَدى عَلَيْهِ في الانْتِصافِ مِنَ المُعْتَدِي فَيَتَفَرَّغُ لَهُ ولا يَطْلُبُ مِن صاحِبِ الحَقِّ إعانَةً لَهُ عَلى أخْذِ حَقِّهِ، ولِذَلِكَ يُؤْتى بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّرْكِ ويُؤْتى بَعْدَهُ بِمَفْعُولٍ مَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنْفِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]): فِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، أيْ دَعْنِي وإيّاهُ فَسَتَرى ما أصْنَعُ، وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها المُغْتاظُ إذا اشْتَدَّ غَيْظُهُ وغَضَبُهُ وكَرِهَ أنْ يَشْفَعَ لِمَنِ اغْتاظَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى الكَلامِ لا شَفاعَةَ في هَذا الكافِرِ. والواوُ واوُ المَعِيَّةِ، وما بَعْدَها مَفْعُولٌ مَعَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ: اتْرُكْنِي مَعَهم. والحَدِيثُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وتَسْمِيَتُهُ حَدِيثًا لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وما فِيهِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ وأخْبارِ المُغَيَّباتِ، وقَدْ سُمِّيَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] الآيَةَ في سُورَةِ النَّجْمِ، وقَوْلِهِ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] في سُورَةِ الواقِعَةِ. واسْمُ الإشارَةِ عَلى هَذا لِلْإشارَةِ إلى مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ مِمّا سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَدِيثِ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] الآيَةَ. صفحة ١٠١ ويَكُونُ اسْمُ الإشارَةِ إشارَةً إلى ذَلِكَ الكَلامِ والمَعْنى: حَسْبُكَ إيقاعًا بِهِمْ أنْ تَكِلَ أمْرَهم إلَيَّ فَأنا أعْلَمُ كَيْفَ أنْتَصِفُ مِنهم فَلا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِهِمْ وتَوَكَّلْ عَلَيَّ. ويَتَضَمَّنُ هَذا تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ لِأنَّهم يَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ. وهَذا وعْدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِالنَّصْرِ ووَعِيدٌ لَهم بِانْتِقامٍ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعْجِيلٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ. وجُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، بَيانٌ لِمَضْمُونِ ﴿ذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّ الاسْتِدْراجَ والإمْلاءَ يَعْقُبُهُما الانْتِقامُ فَكَأنَّهُ قالَ: سَنَأْخُذُهم بِأعْمالِهِمْ فَلا تَسْتَبْطِئِ الانْتِقامَ فَإنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ ولَكِنْ يُؤَخَّرُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَأْخِيرَهُ. والاسْتِدْراجُ: اسْتِنْزالُ الشَّيْءِ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخْرى في مِثْلِ السُّلَّمِ، وكانَ أصْلُ السِّينِ والتّاءِ فِيهِ لِلطَّلَبِ أيْ مُحاوَلَةُ التَّدَرُّجِ، أيِ التَّنَقُّلِ في الدَّرَجِ، والقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلى إرادَةِ النُّزُولِ إذِ التَّنَقُّلُ في الدَّرَجِ يَكُونُ صُعُودًا ونُزُولًا، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى مُعامَلَةٍ حَسَنَةٍ لِمُسِيءٍ إلى إبّانٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ حُلُولِهِ عِقابُهُ، ومَعْنى ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اسْتِدْراجَهُمُ المُفْضِيَ إلى حُلُولِ العِقابِ بِهِمْ يَأْتِيهِمْ مِن أحْوالٍ وأسْبابٍ لا يَتَفَطَّنُونَ إلى أنَّها مُفْضِيَةٌ بِهِمْ إلى الهَلاكِ، وذَلِكَ أجْلَبُ لِقُوَّةِ حَسْرَتِهِمْ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ، فَ (مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، و(حَيْثُ) لِلْمَكانِ المَجازِيِّ، أيِ الأسْبابِ والأفْعالِ والأحْوالِ الَّتِي يَحْسَبُونَها تَأْتِيهِمْ بِخَيْرٍ فَتَنْكَشِفُ لَهم عَنِ الضُّرِّ. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) ضَمِيرُ مَحْذُوفٍ عائِدٌ إلى (حَيْثُ) . وأُمْلِي: مُضارِعُ أمْلى، مَقْصُورًا بِمَعْنى أمْهَلَ وأخَّرَ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المَلا مَقْصُورًا، وهو الحِينُ والزَّمَنُ، ومِنهُ قِيلَ لِلَّيْلِ والنَّهارِ، المَلَوانِ، فَيَكُونُ أمْلى بِمَعْنى طَوَّلَ في الزَّمانِ، ومَصْدَرُهُ إمْلاءٌ. ولامُ (لَهم) هي اللّامُ المُسَمّاةُ لامَ التَّبْيِينِ، وهي الَّتِي تُبَيِّنُ اتِّصالَ مَدْخُولِها بِعامِلِهِ لِخَفاءٍ فِيهِ، فَإنَّ اشْتِقاقَ فِعْلِ أمْلى مِنَ المَلْوِ وهو الزَّمانُ؛ اشْتِقاقٌ غَيْرُ بَيِّنٍ لِخَفاءِ مَعْنى الحَدَثِ فِيهِ. ونُونُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، والمُرادُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ المُوَكَّلُونَ صفحة ١٠٢ بِتَسْخِيرِ المَوْجُوداتِ ورَبْطِ أحْوالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عَلى وجْهٍ يَتِمُّ بِهِ مُرادُ اللَّهِ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، فالاسْتِدْراجُ تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ لِقُدْرَةِ اللَّهِ فَيَحْصُلُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] الآيَةَ. وأمّا الإمْلاءُ فَهو عِلْمُ اللَّهِ بِتَأْجِيلِ أخْذِهِمْ. وتَعَلُّقُ العِلْمِ يَنْفَرِدُ بِهِ اللَّهُ فَلِذَلِكَ جِيءَ مَعَهُ بِضَمِيرِ المُفْرَدِ. وحَصَلَ في هَذا الاخْتِلافِ تَفَنُّنٌ في الضَّمِيرَيْنِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الأعْرافِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] بِاعْتِبارِ أنَّهُما وعَدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِالنَّصْرِ وتَثْبِيتٌ لَهُ بِأنَّ اسْتِمْرارَ الكافِرِينَ في نِعْمَةٍ إنَّما هو اسْتِدْراجٌ وإمْلاءٌ وضَرْبٌ يُشْبِهُ الكَيْدَ وأنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ فِيهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . ومَوْقِعُ (إنَّ) مَوْقِعُ التَّسَبُّبِ والتَّعْلِيلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وإطْلاقُ الكَيْدِ عَلى إحْسانِ اللَّهِ لِقَوْمٍ مَعَ إرادَةِ إلْحاقِ السُّوءِ بِهِمْ إطْلاقٌ عَلى وجْهِ الاسْتِعارَةِ لِمُشابَهَتِهِ فِعْلَ الكائِدِ مِن حَيْثُ تَعْجِيلُ الإحْسانِ وتَعْقِيبُهُ بِالإساءَةِ.

القلم 68:45

صفحة ١٠٠ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ الَّذِي عَطَفَتْهُ عَلى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ لِكَوْنِ الكَلامِ الأوَّلِ سَبَبًا في ذِكْرِ ما بَعْدَهُ، فَبَعْدَ أنِ اسْتُوفِيَ الغَرَضُ مِن مَوْعِظَتِهِمْ ووَعِيدِهِمْ وتَزْيِيفِ أوْهامِهِمْ أعْقَبَ بِهَذا الاعْتِراضِ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِالانْتِصافِ مِنَ المُكَذِّبِينَ ونَصْرِهِ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ﴾ ونَحْوُهُ يُفِيدُ تَمْثِيلًا لِحالِ مَفْعُولِ (ذَرْ) في تَعَهُّدِهِ بِأنْ يَكْفِيَ مَئُونَةَ شَيْءٍ دُونَ اسْتِعانَةٍ بِصاحِبِ المَئُونَةِ بِحالِ مَن يَرى المُخاطَبَ قَدْ شَرَعَ في الانْتِصارِ لِنَفْسِهِ ورَأى أنَّهُ لا يَبْلُغُ بِذَلِكَ مَبْلَغَ مَفْعُولِ (ذَرْ) لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنَ المُعْتَدى عَلَيْهِ في الانْتِصافِ مِنَ المُعْتَدِي فَيَتَفَرَّغُ لَهُ ولا يَطْلُبُ مِن صاحِبِ الحَقِّ إعانَةً لَهُ عَلى أخْذِ حَقِّهِ، ولِذَلِكَ يُؤْتى بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّرْكِ ويُؤْتى بَعْدَهُ بِمَفْعُولٍ مَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنْفِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]): فِيهِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، أيْ دَعْنِي وإيّاهُ فَسَتَرى ما أصْنَعُ، وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها المُغْتاظُ إذا اشْتَدَّ غَيْظُهُ وغَضَبُهُ وكَرِهَ أنْ يَشْفَعَ لِمَنِ اغْتاظَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى الكَلامِ لا شَفاعَةَ في هَذا الكافِرِ. والواوُ واوُ المَعِيَّةِ، وما بَعْدَها مَفْعُولٌ مَعَهُ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ: اتْرُكْنِي مَعَهم. والحَدِيثُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ، وتَسْمِيَتُهُ حَدِيثًا لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وما فِيهِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ وأخْبارِ المُغَيَّباتِ، وقَدْ سُمِّيَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] الآيَةَ في سُورَةِ النَّجْمِ، وقَوْلِهِ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] في سُورَةِ الواقِعَةِ. واسْمُ الإشارَةِ عَلى هَذا لِلْإشارَةِ إلى مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ مِمّا سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالحَدِيثِ الإخْبارَ عَنِ البَعْثِ وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢] الآيَةَ. صفحة ١٠١ ويَكُونُ اسْمُ الإشارَةِ إشارَةً إلى ذَلِكَ الكَلامِ والمَعْنى: حَسْبُكَ إيقاعًا بِهِمْ أنْ تَكِلَ أمْرَهم إلَيَّ فَأنا أعْلَمُ كَيْفَ أنْتَصِفُ مِنهم فَلا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِهِمْ وتَوَكَّلْ عَلَيَّ. ويَتَضَمَّنُ هَذا تَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ لِأنَّهم يَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ. وهَذا وعْدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِالنَّصْرِ ووَعِيدٌ لَهم بِانْتِقامٍ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ تَعْجِيلٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ. وجُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، بَيانٌ لِمَضْمُونِ ﴿ذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّ الاسْتِدْراجَ والإمْلاءَ يَعْقُبُهُما الانْتِقامُ فَكَأنَّهُ قالَ: سَنَأْخُذُهم بِأعْمالِهِمْ فَلا تَسْتَبْطِئِ الانْتِقامَ فَإنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ ولَكِنْ يُؤَخَّرُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَأْخِيرَهُ. والاسْتِدْراجُ: اسْتِنْزالُ الشَّيْءِ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخْرى في مِثْلِ السُّلَّمِ، وكانَ أصْلُ السِّينِ والتّاءِ فِيهِ لِلطَّلَبِ أيْ مُحاوَلَةُ التَّدَرُّجِ، أيِ التَّنَقُّلِ في الدَّرَجِ، والقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلى إرادَةِ النُّزُولِ إذِ التَّنَقُّلُ في الدَّرَجِ يَكُونُ صُعُودًا ونُزُولًا، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى مُعامَلَةٍ حَسَنَةٍ لِمُسِيءٍ إلى إبّانٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ حُلُولِهِ عِقابُهُ، ومَعْنى ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اسْتِدْراجَهُمُ المُفْضِيَ إلى حُلُولِ العِقابِ بِهِمْ يَأْتِيهِمْ مِن أحْوالٍ وأسْبابٍ لا يَتَفَطَّنُونَ إلى أنَّها مُفْضِيَةٌ بِهِمْ إلى الهَلاكِ، وذَلِكَ أجْلَبُ لِقُوَّةِ حَسْرَتِهِمْ عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ، فَ (مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، و(حَيْثُ) لِلْمَكانِ المَجازِيِّ، أيِ الأسْبابِ والأفْعالِ والأحْوالِ الَّتِي يَحْسَبُونَها تَأْتِيهِمْ بِخَيْرٍ فَتَنْكَشِفُ لَهم عَنِ الضُّرِّ. ومَفْعُولُ (لا يَعْلَمُونَ) ضَمِيرُ مَحْذُوفٍ عائِدٌ إلى (حَيْثُ) . وأُمْلِي: مُضارِعُ أمْلى، مَقْصُورًا بِمَعْنى أمْهَلَ وأخَّرَ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المَلا مَقْصُورًا، وهو الحِينُ والزَّمَنُ، ومِنهُ قِيلَ لِلَّيْلِ والنَّهارِ، المَلَوانِ، فَيَكُونُ أمْلى بِمَعْنى طَوَّلَ في الزَّمانِ، ومَصْدَرُهُ إمْلاءٌ. ولامُ (لَهم) هي اللّامُ المُسَمّاةُ لامَ التَّبْيِينِ، وهي الَّتِي تُبَيِّنُ اتِّصالَ مَدْخُولِها بِعامِلِهِ لِخَفاءٍ فِيهِ، فَإنَّ اشْتِقاقَ فِعْلِ أمْلى مِنَ المَلْوِ وهو الزَّمانُ؛ اشْتِقاقٌ غَيْرُ بَيِّنٍ لِخَفاءِ مَعْنى الحَدَثِ فِيهِ. ونُونُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، والمُرادُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ المُوَكَّلُونَ صفحة ١٠٢ بِتَسْخِيرِ المَوْجُوداتِ ورَبْطِ أحْوالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عَلى وجْهٍ يَتِمُّ بِهِ مُرادُ اللَّهِ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، فالاسْتِدْراجُ تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ لِقُدْرَةِ اللَّهِ فَيَحْصُلُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ [الأنفال: ١٢] الآيَةَ. وأمّا الإمْلاءُ فَهو عِلْمُ اللَّهِ بِتَأْجِيلِ أخْذِهِمْ. وتَعَلُّقُ العِلْمِ يَنْفَرِدُ بِهِ اللَّهُ فَلِذَلِكَ جِيءَ مَعَهُ بِضَمِيرِ المُفْرَدِ. وحَصَلَ في هَذا الاخْتِلافِ تَفَنُّنٌ في الضَّمِيرَيْنِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في الأعْرافِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] بِاعْتِبارِ أنَّهُما وعَدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِالنَّصْرِ وتَثْبِيتٌ لَهُ بِأنَّ اسْتِمْرارَ الكافِرِينَ في نِعْمَةٍ إنَّما هو اسْتِدْراجٌ وإمْلاءٌ وضَرْبٌ يُشْبِهُ الكَيْدَ وأنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ فِيهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . ومَوْقِعُ (إنَّ) مَوْقِعُ التَّسَبُّبِ والتَّعْلِيلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وإطْلاقُ الكَيْدِ عَلى إحْسانِ اللَّهِ لِقَوْمٍ مَعَ إرادَةِ إلْحاقِ السُّوءِ بِهِمْ إطْلاقٌ عَلى وجْهِ الاسْتِعارَةِ لِمُشابَهَتِهِ فِعْلَ الكائِدِ مِن حَيْثُ تَعْجِيلُ الإحْسانِ وتَعْقِيبُهُ بِالإساءَةِ.

القلم 68:46

﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ إضْرابٌ آخَرُ لِلْانْتِقالِ إلى إبْطالٍ آخَرَ مِن إبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ في إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ المُبْتَدِئِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] ﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ [القلم: ٣٧] ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ﴾ [القلم: ٣٩] ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ [القلم: ٤١] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ نَفى أنْ تَكُونَ لَهم حُجَّةٌ تُؤَيِّدُ صَلاحَ حالِهِمْ. أوْ وعْدٌ لَهم بِإعْطاءِ ما يَرْغَبُونَ، أوْ أوْلِياءٌ يَنْصُرُونَهم، عَطَفَ الكَلامَ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ ضُرٌّ في إجابَةِ دَعْوَةِ الإسْلامِ، اسْتِقْصاءً لِقَطْعِ ما يُحْتَمَلُ مِنَ المَعاذِيرِ بِافْتِراضِ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ سَألَهم أجْرًا عَلى هَدْيِهِ إيّاهم فَصَدَّهم عَنْ إجابَتِهِ ثِقَلُ غُرْمِ المالِ عَلى نُفُوسِهِمْ. فالاسْتِفْهامُ الَّذِي تُؤْذِنُ بِهِ (أمْ) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِفَرْضِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا يُخامِرُ نُفُوسَهم فَرْضًا اقْتَضاهُ اسْتِقْراءُ نَواياهم مِن مَواقِعِ الإقْبالِ عَلى دَعْوَةِ الخَيْرِ والرُّشْدِ. صفحة ١٠٣ والمَغْرَمُ: ما يُفْرَضُ عَلى المَرْءِ أداؤُهُ مِن مالِهِ لِغَيْرِ عِوَضٍ ولا جِنايَةٍ. والمُثْقَلُ: الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، وهو هُنا مَجازٌ في الإشْفاقِ. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَلى ذَلِكَ أنَّكَ شَقَقْتَ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ اعْتِذارًا مِنهم عَنْ عَدَمِ قَبُولِ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ. و﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (مُثْقَلُونَ) و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وهو ابْتِداءٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى عامِلِهِ لِلْاهْتِمامِ بِمُوجِبِ المَشَقَّةِ قَبْلَ ذِكْرِها مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

القلم 68:47

﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ إضْرابٌ آخَرُ انْتَقَلَ بِهِ مِن مَدارِجِ إبْطالِ مَعاذِيرَ مَفْرُوضَةٍ لَهم أنْ يَتَمَسَّكُوا بِها تَعِلَّةً لِإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ القُرْآنِ، قَطْعًا لِما عَسى أنْ يَنْتَحِلُوهُ مِنَ المَعاذِيرِ عَلى طَرِيقَةِ الاسْتِقْراءِ ومَنعِ الخُلُوِّ. وقَدْ جاءَتِ الإبْطالاتُ السّالِفَةُ مُتَعَلِّقَةً بِما يُفْرَضُ لَهم مِنَ المَعاذِيرِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ مُسْتَنَداتٍ مِنَ المُشاهَداتِ، وانْتُقِلَ الآنَ إلى إبْطالٍ مِن نَوْعٍ آخَرَ، وهو إبْطالُ حُجَّةٍ مَفْرُوضَةٍ يَسْتَنِدُونَ فِيها إلى عِلْمِ شَيْءٍ مِنَ المَعْلُوماتِ المُغَيَّباتِ عَنِ النّاسِ. وهي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالغَيْبِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَ النّاسِ كُلِّهِمْ أنَّ أُمُورَ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ أوْ مَن أطْلَعَ مِن عِبادِهِ عَلى بَعْضِها. والكَلامُ هُنا عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ أعِنْدَهم عِلْمُ الغَيْبِ ؟ كَما قالَ تَعالى ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] في سُورَةِ النَّجْمِ. فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أنَّهُ حَصَلَ في عِلْمِهِمْ ومُكْنَتِهِمْ، أيْ بِاطِّلاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَيْهِ أوْ بِإبْلاغِ كُبَرائِهِمْ إلَيْهِمْ وتَلَقِّيهِمْ ذَلِكَ مِنهم. وتَقْدِيمُ (عِنْدَهُمُ) عَلى المُبْتَدَإ وهو مَعْرِفَةٌ لِإفادَةِ الاخْتِصاصِ، أيْ صارَ عِلْمُ الغَيْبِ عِنْدَهم لا عِنْدَ اللَّهِ. ومَعْنى يَكْتُبُونَ: يَفْرِضُونَ ويُعَيِّنُونَ كَقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] صفحة ١٠٤ وقَوْلُهُ ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، أيْ فَهم يَفْرِضُونَ لِأنْفُسِهِمْ أنَّ السَّعادَةَ في النُّفُورِ مِن دَعْوَةِ الإسْلامِ ويَفْرِضُونَ ذَلِكَ عَلى الدَّهْماءِ مِن أتْباعِهِمْ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾، بِناءً عَلى أنَّ ما في الغَيْبِ مَفْرُوضٌ كَوْنِهِ شاهِدًا عَلى حُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمُ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.

القلم 68:48

﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهْوَ مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهْوَ مَذْمُومٌ﴾ ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ ومَطاعِنِهِمْ في القُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ، وما تَبِعَهُ مِن تَكَفُّلِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِعاقِبَةِ النَّصْرِ، وذَلِكَ أنَّ شِدَّتَهُ عَلى نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِن شَأْنِها أنْ تُدْخِلَ عَلَيْهِ يَأْسًا مِن حُصُولِ رَغْبَتِهِ ونَجاحِ سَعْيِهِ، فَفَرَّعَ عَلَيْهِ تَثْبِيتَهُ وحَثَّهُ عَلى المُصابَرَةِ واسْتِمْرارَهُ عَلى الهَدْيِ. وتَعْرِيفَهُ بِأنَّ ذَلِكَ التَّثْبِيتَ يَرْفَعُ دَرَجَتَهُ في مَقامِ الرِّسالَةِ لِيَكُونَ مِن أُولِي العَزْمِ، فَذَكَّرَهُ بِمَثَلِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذِ اسْتَعْجَلَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَأدَّبَهُ اللَّهُ ثُمَّ اجْتَباهُ وتابَ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ تَذْكِيرًا مُرادًا بِهِ التَّحْذِيرُ. والمُرادُ بِحُكْمِ الرَّبِّ هُنا أمَرُهُ وهو ما حَمَّلَهُ إيّاهُ مِنَ الإرْسالِ والاضْطِلاعِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ. وهَذا الحُكْمُ هو المُسْتَقْرَأُ مِن آياتِ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي أوَّلِها ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] فَهَذا هو الصَّبْرُ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا. ولا جَرَمَ أنَّ الصَّبْرَ لِذَلِكَ يَسْتَدْعِي انْتِظارَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ وعَدَمَ الضَّجَرِ مِن تَأخُّرِهِ إلى أمَدِهِ المُقَدَّرِ في عِلْمِ اللَّهِ. وصاحِبُ الحُوتِ: هو يُونُسُ بْنُ مَتّى، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ (﴿ويُونُسَ﴾ [الأنعام: ٨٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ. والصّاحِبُ: الَّذِي يَصْحَبُ غَيْرَهُ، أيْ يَكُونُ مَعَهُ في بَعْضِ الأحْوالِ أوْ في صفحة ١٠٥ مُعْظَمِها، وإطْلاقُهُ عَلى يُونُسَ لِأنَّ الحُوتَ التَقَمَهُ ثُمَّ قَذَفَهُ فَصارَ (صاحِبُ الحُوتِ) لَقَبًا لَهُ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مَعِيَّةٌ قَوِيَّةٌ. وقَدْ كانَتْ مُؤاخَذَةُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ضَجَرِهِ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وهم أهْلُ نِينَوى كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ. و(إذْ) ظَرْفُ زَمانٍ وهو وجُمْلَتُهُ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرارٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ أيْ في حالَةِ وقْتِ نِدائِهِ رَبَّهُ، فَإنَّهُ ما نادى رَبَّهُ إلّا لِإنْقاذِهِ مِن كَرْبِهِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ مُغاضَبَتِهِ وضَجَرِهِ مِن قَوْمِهِ، أيْ لا يَكُنْ مِنكَ ما يُلْجِئُكَ إلى مِثْلِ نِدائِهِ. والمَكْظُومُ: المَحْبُوسُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ. يُقالُ: كَظَمَ البابَ أغْلَقَهُ، وكَظَمَ النَّهْرَ إذا سَدَّهُ. والمَعْنى: نادى في حالِ حَبْسِهِ في بَطْنِ الحُوتِ. وجِيءَ بِهَذِهِ الحالِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِدَلالَتِها عَلى الثَّباتِ، أيْ هو في حَبْسٍ لا يُرْجى لِمِثْلِهِ سَراحٌ، وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْامْتِنانِ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ. وقَوْلُهُ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ النَّهْيِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى﴾ إلَخْ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّحْذِيرَ مِنَ الوُقُوعِ في كَرْبٍ مِن قَبِيلِ كَرْبِ يُونُسَ ثُمَّ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ انْفِراجُهُ. و(أنْ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِن (أنَّ)، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وجُمْلَةُ ﴿تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ خَبَرُها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ لَوْلا تَدارَكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّهِ. والتَّدارُكُ: تَفاعُلُ مِنَ الدَّرَكِ بِالتَّحْرِيكِ وهو اللَّحاقُ، أيْ أنْ يَلْحَقَ بَعْضُ السّائِرِينَ بَعْضًا وهو يَقْتَضِي تَسابُقَهم وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُبالَغَةِ إدْراكِ نِعْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ. والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والتَّرْكُ. والعَراءُ مَمْدُودًا: الفَضاءُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ولا بِناءَ. والمَعْنى: لَنَبَذَهُ الحُوتُ أوِ البَحْرُ بِالفَضاءِ الخالِي؛ لِأنَّ الحُوتَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُرْضِعُ فِراخَهُ فَهو يَقْتَرِبُ مِنَ السَّواحِلِ الخالِيَةِ المُتَرامِيَةِ الأطْرافِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وفِراخِهِ. صفحة ١٠٦ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِأنْ أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةَ اليَقْطِينِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ فَضْلُ التَّوْبَةِ والضَّراعَةِ إلى اللَّهِ، وأنَّهُ لَوْلا تَوْبَتُهُ وضَراعَتُهُ إلى اللَّهِ وإنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً بَعْدَ نِعْمَةٍ لَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ مَيِّتًا فَأخْرَجَهُ المَوْجُ إلى الشّاطِئِ فَلَكانَ مُثْلَةً لِلنّاظِرِينَ أوْ حَيًّا مَنبُوذًا بِالعَراءِ لا يَجِدُ إسْعافًا، أوْ لَنَجا بَعْدَ لَأْيٍّ واللَّهُ غاضِبٌ عَلَيْهِ فَهو مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ. وهي نِعَمٌ كَثِيرَةٌ عَلَيْهِ إذْ أنْقَذَهُ مِن هَذِهِ الوَرَطاتِ كُلِّها إنْقاذًا خارِقًا لِلْعادَةِ. وهَذا المَعْنى طُوِيَ طَيًّا بَدِيعًا وأُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً بَلِيغَةً بِجُمْلَةِ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ . وطَرِيقَةُ المُفَسِّرِينَ في نَشْرِ هَذا المَطْوِيِّ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وأنَّ تِلْكَ الحالَ قَيْدٌ في جَوابِ (لَوْلا)، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ نَبْذًا ذَمِيمًا، أيْ ولَكِنَّ يُونُسَ نُبِذَ بِالعَراءِ غَيْرَ مَذْمُومٍ. والَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ نَبْذَهُ بِالعَراءِ واقِعٌ فَلا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ لِأنَّ (لَوْلا) تَقْتَضِي امْتِناعًا لِوُجُودٍ، فَلا يَكُونُ جَوابُها واقِعًا فَتَعَيَّنَ اعْتِبارُ تَقْيِيدِ الجَوابِ بِجُمْلَةِ الحالِ، أيِ انْتَفى ذَمُّهُ عِنْدَ نَبْذِهِ بِالعَراءِ. ويَلُوحُ لِي في تَفْصِيلِ النَّظَمِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ جَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مَعَ ما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مِن تَمَكُّنِ الكَظْمِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَتِلْكَ الحالَةُ إذا اسْتَمَرَّتْ لَمْ يَحْصُلْ نَبْذُهُ بِالعَراءِ، ويَكُونُ الشَّرْطُ بِ (لَوْلا) لاحِقًا لِجُمْلَةِ ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾، أيْ لَبَقِيَ مَكْظُومًا، أيْ مَحْبُوسًا في بَطْنِ الحُوتِ أبَدًا وهو مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤]، وتَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإجْمالِ الحاصِلِ مِن مَوْقِعِ (لَوْلا) . واللّامُ فِيها لامُ القَسَمِ لِلتَّحْقِيقِ؛ لِأنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَتَأْكِيدُهُ لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ. والمَعْنى: لَقَدْ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ. والمَذْمُومُ: إمّا بِمَعْنى المُذْنِبِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَقْتَضِي الذَّمَّ في العاجِلِ والعِقابَ في الآجِلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ في آيَةِ الصّافّاتِ صفحة ١٠٧ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] وإمّا بِمَعْنى العَيْبِ وهو كَوْنُهُ عارِيًا جائِعًا فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] فَإنَّ السُّقْمَ عَيْبٌ أيْضًا. وتَنْكِيرُ (نِعْمَةٌ) لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّها نِعْمَةٌ مُضاعَفَةٌ مُكَرَّرَةٌ. وفُرِّعَ عَلى هَذا النَّفْيِ الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ وجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ. والمُرادُ بِ (الصّالِحِينَ) المُفَضَّلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ الصَّلاحَ هو أصْلُ الخَيْرِ ورَفْعُ الدَّرَجاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠] في سُورَةِ التَّحْرِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَدَّ اللَّهُ إلى يُونُسَ الوَحْيَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ.

القلم 68:49

﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهْوَ مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهْوَ مَذْمُومٌ﴾ ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ ومَطاعِنِهِمْ في القُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ، وما تَبِعَهُ مِن تَكَفُّلِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِعاقِبَةِ النَّصْرِ، وذَلِكَ أنَّ شِدَّتَهُ عَلى نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِن شَأْنِها أنْ تُدْخِلَ عَلَيْهِ يَأْسًا مِن حُصُولِ رَغْبَتِهِ ونَجاحِ سَعْيِهِ، فَفَرَّعَ عَلَيْهِ تَثْبِيتَهُ وحَثَّهُ عَلى المُصابَرَةِ واسْتِمْرارَهُ عَلى الهَدْيِ. وتَعْرِيفَهُ بِأنَّ ذَلِكَ التَّثْبِيتَ يَرْفَعُ دَرَجَتَهُ في مَقامِ الرِّسالَةِ لِيَكُونَ مِن أُولِي العَزْمِ، فَذَكَّرَهُ بِمَثَلِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذِ اسْتَعْجَلَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَأدَّبَهُ اللَّهُ ثُمَّ اجْتَباهُ وتابَ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ تَذْكِيرًا مُرادًا بِهِ التَّحْذِيرُ. والمُرادُ بِحُكْمِ الرَّبِّ هُنا أمَرُهُ وهو ما حَمَّلَهُ إيّاهُ مِنَ الإرْسالِ والاضْطِلاعِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ. وهَذا الحُكْمُ هو المُسْتَقْرَأُ مِن آياتِ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي أوَّلِها ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] فَهَذا هو الصَّبْرُ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا. ولا جَرَمَ أنَّ الصَّبْرَ لِذَلِكَ يَسْتَدْعِي انْتِظارَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ وعَدَمَ الضَّجَرِ مِن تَأخُّرِهِ إلى أمَدِهِ المُقَدَّرِ في عِلْمِ اللَّهِ. وصاحِبُ الحُوتِ: هو يُونُسُ بْنُ مَتّى، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ (﴿ويُونُسَ﴾ [الأنعام: ٨٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ. والصّاحِبُ: الَّذِي يَصْحَبُ غَيْرَهُ، أيْ يَكُونُ مَعَهُ في بَعْضِ الأحْوالِ أوْ في صفحة ١٠٥ مُعْظَمِها، وإطْلاقُهُ عَلى يُونُسَ لِأنَّ الحُوتَ التَقَمَهُ ثُمَّ قَذَفَهُ فَصارَ (صاحِبُ الحُوتِ) لَقَبًا لَهُ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مَعِيَّةٌ قَوِيَّةٌ. وقَدْ كانَتْ مُؤاخَذَةُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ضَجَرِهِ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وهم أهْلُ نِينَوى كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ. و(إذْ) ظَرْفُ زَمانٍ وهو وجُمْلَتُهُ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرارٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ أيْ في حالَةِ وقْتِ نِدائِهِ رَبَّهُ، فَإنَّهُ ما نادى رَبَّهُ إلّا لِإنْقاذِهِ مِن كَرْبِهِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ مُغاضَبَتِهِ وضَجَرِهِ مِن قَوْمِهِ، أيْ لا يَكُنْ مِنكَ ما يُلْجِئُكَ إلى مِثْلِ نِدائِهِ. والمَكْظُومُ: المَحْبُوسُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ. يُقالُ: كَظَمَ البابَ أغْلَقَهُ، وكَظَمَ النَّهْرَ إذا سَدَّهُ. والمَعْنى: نادى في حالِ حَبْسِهِ في بَطْنِ الحُوتِ. وجِيءَ بِهَذِهِ الحالِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِدَلالَتِها عَلى الثَّباتِ، أيْ هو في حَبْسٍ لا يُرْجى لِمِثْلِهِ سَراحٌ، وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْامْتِنانِ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ. وقَوْلُهُ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ النَّهْيِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى﴾ إلَخْ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّحْذِيرَ مِنَ الوُقُوعِ في كَرْبٍ مِن قَبِيلِ كَرْبِ يُونُسَ ثُمَّ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ انْفِراجُهُ. و(أنْ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِن (أنَّ)، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وجُمْلَةُ ﴿تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ خَبَرُها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ لَوْلا تَدارَكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّهِ. والتَّدارُكُ: تَفاعُلُ مِنَ الدَّرَكِ بِالتَّحْرِيكِ وهو اللَّحاقُ، أيْ أنْ يَلْحَقَ بَعْضُ السّائِرِينَ بَعْضًا وهو يَقْتَضِي تَسابُقَهم وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُبالَغَةِ إدْراكِ نِعْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ. والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والتَّرْكُ. والعَراءُ مَمْدُودًا: الفَضاءُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ولا بِناءَ. والمَعْنى: لَنَبَذَهُ الحُوتُ أوِ البَحْرُ بِالفَضاءِ الخالِي؛ لِأنَّ الحُوتَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُرْضِعُ فِراخَهُ فَهو يَقْتَرِبُ مِنَ السَّواحِلِ الخالِيَةِ المُتَرامِيَةِ الأطْرافِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وفِراخِهِ. صفحة ١٠٦ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِأنْ أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةَ اليَقْطِينِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ فَضْلُ التَّوْبَةِ والضَّراعَةِ إلى اللَّهِ، وأنَّهُ لَوْلا تَوْبَتُهُ وضَراعَتُهُ إلى اللَّهِ وإنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً بَعْدَ نِعْمَةٍ لَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ مَيِّتًا فَأخْرَجَهُ المَوْجُ إلى الشّاطِئِ فَلَكانَ مُثْلَةً لِلنّاظِرِينَ أوْ حَيًّا مَنبُوذًا بِالعَراءِ لا يَجِدُ إسْعافًا، أوْ لَنَجا بَعْدَ لَأْيٍّ واللَّهُ غاضِبٌ عَلَيْهِ فَهو مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ. وهي نِعَمٌ كَثِيرَةٌ عَلَيْهِ إذْ أنْقَذَهُ مِن هَذِهِ الوَرَطاتِ كُلِّها إنْقاذًا خارِقًا لِلْعادَةِ. وهَذا المَعْنى طُوِيَ طَيًّا بَدِيعًا وأُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً بَلِيغَةً بِجُمْلَةِ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ . وطَرِيقَةُ المُفَسِّرِينَ في نَشْرِ هَذا المَطْوِيِّ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وأنَّ تِلْكَ الحالَ قَيْدٌ في جَوابِ (لَوْلا)، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ نَبْذًا ذَمِيمًا، أيْ ولَكِنَّ يُونُسَ نُبِذَ بِالعَراءِ غَيْرَ مَذْمُومٍ. والَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ نَبْذَهُ بِالعَراءِ واقِعٌ فَلا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ لِأنَّ (لَوْلا) تَقْتَضِي امْتِناعًا لِوُجُودٍ، فَلا يَكُونُ جَوابُها واقِعًا فَتَعَيَّنَ اعْتِبارُ تَقْيِيدِ الجَوابِ بِجُمْلَةِ الحالِ، أيِ انْتَفى ذَمُّهُ عِنْدَ نَبْذِهِ بِالعَراءِ. ويَلُوحُ لِي في تَفْصِيلِ النَّظَمِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ جَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مَعَ ما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مِن تَمَكُّنِ الكَظْمِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَتِلْكَ الحالَةُ إذا اسْتَمَرَّتْ لَمْ يَحْصُلْ نَبْذُهُ بِالعَراءِ، ويَكُونُ الشَّرْطُ بِ (لَوْلا) لاحِقًا لِجُمْلَةِ ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾، أيْ لَبَقِيَ مَكْظُومًا، أيْ مَحْبُوسًا في بَطْنِ الحُوتِ أبَدًا وهو مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤]، وتَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإجْمالِ الحاصِلِ مِن مَوْقِعِ (لَوْلا) . واللّامُ فِيها لامُ القَسَمِ لِلتَّحْقِيقِ؛ لِأنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَتَأْكِيدُهُ لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ. والمَعْنى: لَقَدْ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ. والمَذْمُومُ: إمّا بِمَعْنى المُذْنِبِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَقْتَضِي الذَّمَّ في العاجِلِ والعِقابَ في الآجِلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ في آيَةِ الصّافّاتِ صفحة ١٠٧ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] وإمّا بِمَعْنى العَيْبِ وهو كَوْنُهُ عارِيًا جائِعًا فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] فَإنَّ السُّقْمَ عَيْبٌ أيْضًا. وتَنْكِيرُ (نِعْمَةٌ) لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّها نِعْمَةٌ مُضاعَفَةٌ مُكَرَّرَةٌ. وفُرِّعَ عَلى هَذا النَّفْيِ الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ وجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ. والمُرادُ بِ (الصّالِحِينَ) المُفَضَّلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ الصَّلاحَ هو أصْلُ الخَيْرِ ورَفْعُ الدَّرَجاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠] في سُورَةِ التَّحْرِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَدَّ اللَّهُ إلى يُونُسَ الوَحْيَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ.

القلم 68:50

﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهْوَ مَكْظُومٌ﴾ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهْوَ مَذْمُومٌ﴾ ﴿فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ ومَطاعِنِهِمْ في القُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ، وما تَبِعَهُ مِن تَكَفُّلِ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِعاقِبَةِ النَّصْرِ، وذَلِكَ أنَّ شِدَّتَهُ عَلى نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ مِن شَأْنِها أنْ تُدْخِلَ عَلَيْهِ يَأْسًا مِن حُصُولِ رَغْبَتِهِ ونَجاحِ سَعْيِهِ، فَفَرَّعَ عَلَيْهِ تَثْبِيتَهُ وحَثَّهُ عَلى المُصابَرَةِ واسْتِمْرارَهُ عَلى الهَدْيِ. وتَعْرِيفَهُ بِأنَّ ذَلِكَ التَّثْبِيتَ يَرْفَعُ دَرَجَتَهُ في مَقامِ الرِّسالَةِ لِيَكُونَ مِن أُولِي العَزْمِ، فَذَكَّرَهُ بِمَثَلِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذِ اسْتَعْجَلَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَأدَّبَهُ اللَّهُ ثُمَّ اجْتَباهُ وتابَ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ تَذْكِيرًا مُرادًا بِهِ التَّحْذِيرُ. والمُرادُ بِحُكْمِ الرَّبِّ هُنا أمَرُهُ وهو ما حَمَّلَهُ إيّاهُ مِنَ الإرْسالِ والاضْطِلاعِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ. وهَذا الحُكْمُ هو المُسْتَقْرَأُ مِن آياتِ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي أوَّلِها ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] فَهَذا هو الصَّبْرُ المَأْمُورُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا. ولا جَرَمَ أنَّ الصَّبْرَ لِذَلِكَ يَسْتَدْعِي انْتِظارَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ وعَدَمَ الضَّجَرِ مِن تَأخُّرِهِ إلى أمَدِهِ المُقَدَّرِ في عِلْمِ اللَّهِ. وصاحِبُ الحُوتِ: هو يُونُسُ بْنُ مَتّى، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَوْلِهِ (﴿ويُونُسَ﴾ [الأنعام: ٨٦]) في سُورَةِ الأنْعامِ. والصّاحِبُ: الَّذِي يَصْحَبُ غَيْرَهُ، أيْ يَكُونُ مَعَهُ في بَعْضِ الأحْوالِ أوْ في صفحة ١٠٥ مُعْظَمِها، وإطْلاقُهُ عَلى يُونُسَ لِأنَّ الحُوتَ التَقَمَهُ ثُمَّ قَذَفَهُ فَصارَ (صاحِبُ الحُوتِ) لَقَبًا لَهُ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مَعِيَّةٌ قَوِيَّةٌ. وقَدْ كانَتْ مُؤاخَذَةُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ضَجَرِهِ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وهم أهْلُ نِينَوى كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ. و(إذْ) ظَرْفُ زَمانٍ وهو وجُمْلَتُهُ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِقْرارٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ أيْ في حالَةِ وقْتِ نِدائِهِ رَبَّهُ، فَإنَّهُ ما نادى رَبَّهُ إلّا لِإنْقاذِهِ مِن كَرْبِهِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ بِسَبَبِ مُغاضَبَتِهِ وضَجَرِهِ مِن قَوْمِهِ، أيْ لا يَكُنْ مِنكَ ما يُلْجِئُكَ إلى مِثْلِ نِدائِهِ. والمَكْظُومُ: المَحْبُوسُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ. يُقالُ: كَظَمَ البابَ أغْلَقَهُ، وكَظَمَ النَّهْرَ إذا سَدَّهُ. والمَعْنى: نادى في حالِ حَبْسِهِ في بَطْنِ الحُوتِ. وجِيءَ بِهَذِهِ الحالِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِدَلالَتِها عَلى الثَّباتِ، أيْ هو في حَبْسٍ لا يُرْجى لِمِثْلِهِ سَراحٌ، وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْامْتِنانِ عَلَيْهِ بِالنَّجاةِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ. وقَوْلُهُ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ النَّهْيِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى﴾ إلَخْ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّحْذِيرَ مِنَ الوُقُوعِ في كَرْبٍ مِن قَبِيلِ كَرْبِ يُونُسَ ثُمَّ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ انْفِراجُهُ. و(أنْ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِن (أنَّ)، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وجُمْلَةُ ﴿تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ خَبَرُها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ لَوْلا تَدارَكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّهِ. والتَّدارُكُ: تَفاعُلُ مِنَ الدَّرَكِ بِالتَّحْرِيكِ وهو اللَّحاقُ، أيْ أنْ يَلْحَقَ بَعْضُ السّائِرِينَ بَعْضًا وهو يَقْتَضِي تَسابُقَهم وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُبالَغَةِ إدْراكِ نِعْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ. والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والتَّرْكُ. والعَراءُ مَمْدُودًا: الفَضاءُ مِنَ الأرْضِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ولا بِناءَ. والمَعْنى: لَنَبَذَهُ الحُوتُ أوِ البَحْرُ بِالفَضاءِ الخالِي؛ لِأنَّ الحُوتَ الَّذِي ابْتَلَعَهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يُرْضِعُ فِراخَهُ فَهو يَقْتَرِبُ مِنَ السَّواحِلِ الخالِيَةِ المُتَرامِيَةِ الأطْرافِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ وفِراخِهِ. صفحة ١٠٦ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِأنْ أنْبَتَ عَلَيْهِ شَجَرَةَ اليَقْطِينِ كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ فَضْلُ التَّوْبَةِ والضَّراعَةِ إلى اللَّهِ، وأنَّهُ لَوْلا تَوْبَتُهُ وضَراعَتُهُ إلى اللَّهِ وإنْعامُ اللَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةً بَعْدَ نِعْمَةٍ لَقَذَفَهُ الحُوتُ مِن بَطْنِهِ مَيِّتًا فَأخْرَجَهُ المَوْجُ إلى الشّاطِئِ فَلَكانَ مُثْلَةً لِلنّاظِرِينَ أوْ حَيًّا مَنبُوذًا بِالعَراءِ لا يَجِدُ إسْعافًا، أوْ لَنَجا بَعْدَ لَأْيٍّ واللَّهُ غاضِبٌ عَلَيْهِ فَهو مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ. وهي نِعَمٌ كَثِيرَةٌ عَلَيْهِ إذْ أنْقَذَهُ مِن هَذِهِ الوَرَطاتِ كُلِّها إنْقاذًا خارِقًا لِلْعادَةِ. وهَذا المَعْنى طُوِيَ طَيًّا بَدِيعًا وأُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً بَلِيغَةً بِجُمْلَةِ ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ . وطَرِيقَةُ المُفَسِّرِينَ في نَشْرِ هَذا المَطْوِيِّ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وهُوَ مَذْمُومٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وأنَّ تِلْكَ الحالَ قَيْدٌ في جَوابِ (لَوْلا)، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ نَبْذًا ذَمِيمًا، أيْ ولَكِنَّ يُونُسَ نُبِذَ بِالعَراءِ غَيْرَ مَذْمُومٍ. والَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ نَبْذَهُ بِالعَراءِ واقِعٌ فَلا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ لِأنَّ (لَوْلا) تَقْتَضِي امْتِناعًا لِوُجُودٍ، فَلا يَكُونُ جَوابُها واقِعًا فَتَعَيَّنَ اعْتِبارُ تَقْيِيدِ الجَوابِ بِجُمْلَةِ الحالِ، أيِ انْتَفى ذَمُّهُ عِنْدَ نَبْذِهِ بِالعَراءِ. ويَلُوحُ لِي في تَفْصِيلِ النَّظَمِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ جَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مَعَ ما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ مِن تَمَكُّنِ الكَظْمِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَتِلْكَ الحالَةُ إذا اسْتَمَرَّتْ لَمْ يَحْصُلْ نَبْذُهُ بِالعَراءِ، ويَكُونُ الشَّرْطُ بِ (لَوْلا) لاحِقًا لِجُمْلَةِ ﴿إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ﴾، أيْ لَبَقِيَ مَكْظُومًا، أيْ مَحْبُوسًا في بَطْنِ الحُوتِ أبَدًا وهو مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤]، وتَجْعَلُ جُمْلَةَ ﴿لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإجْمالِ الحاصِلِ مِن مَوْقِعِ (لَوْلا) . واللّامُ فِيها لامُ القَسَمِ لِلتَّحْقِيقِ؛ لِأنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَتَأْكِيدُهُ لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ. والمَعْنى: لَقَدْ نُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ. والمَذْمُومُ: إمّا بِمَعْنى المُذْنِبِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَقْتَضِي الذَّمَّ في العاجِلِ والعِقابَ في الآجِلِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ في آيَةِ الصّافّاتِ صفحة ١٠٧ ﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] وإمّا بِمَعْنى العَيْبِ وهو كَوْنُهُ عارِيًا جائِعًا فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] فَإنَّ السُّقْمَ عَيْبٌ أيْضًا. وتَنْكِيرُ (نِعْمَةٌ) لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّها نِعْمَةٌ مُضاعَفَةٌ مُكَرَّرَةٌ. وفُرِّعَ عَلى هَذا النَّفْيِ الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ اجْتَباهُ وجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ. والمُرادُ بِ (الصّالِحِينَ) المُفَضَّلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ الصَّلاحَ هو أصْلُ الخَيْرِ ورَفْعُ الدَّرَجاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠] في سُورَةِ التَّحْرِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَدَّ اللَّهُ إلى يُونُسَ الوَحْيَ وشَفَّعَهُ في نَفْسِهِ وفي قَوْمِهِ.

القلم 68:51

﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤]، عَرَّفَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بَعْضَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُ المُشْرِكِينَ نَحْوَ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الحِقْدِ والغَيْظِ وإضْمارِ الشَّرِّ عِنْدَما يَسْمَعُونَ القُرْآنَ. والزَّلَقُ: بِفَتْحَتَيْنِ زَلَلُ الرِّجْلِ مِن مُلاسَةِ الأرْضِ مِن طِينِ عَليْها أوْ دُهْنٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. ولَمّا كانَ الزَّلَقُ يُفْضِي إلى السُّقُوطِ غالِبًا أُطْلِقَ الزَّلَقُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ عَلى السُّقُوطِ والانْدِحاضِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾، أيْ يُسْقِطُونَكَ ويَصْرَعُونَكَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنْ يَنْفِذُونَكَ بِنَظَرِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: يُقالُ زَلَقَ السَّهْمُ وزَهَقَ، إذا نَفِذَ، ولَمْ أراهُ لِغَيْرِهِ، قالَ الرّاغِبُ قالَ يُونُسُ: لَمْ يُسْمَعِ الزَّلَقُ والإزْلاقُ إلّا في القُرْآنِ اهـ. صفحة ١٠٨ قُلْتُ: وعَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَقَدْ جَعَلَ الإزْلاقَ بِأبْصارِهِمْ عَلى وجْهِ الاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، شُبِّهَتِ الأبْصارُ بِالسِّهامِ ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِما هو مِن رَوادِفِهِ وهو فِعْلُ (يَزْلِقُونَكَ) . وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] . وقَرَأ نافِعُ وأبُو جَعْفَرٍ (يَزْلِقُونَكَ) بِفَتْحِ المُثَنّاةِ مُضارِعُ زَلَقَ بِفَتْحِ اللّامِ يَزْلَقُ مُتَعَدِّيًا، إذا نَحّاهُ عَنْ مَكانِهِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ المُثَنّاةِ. وجاءَ يَكادُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وجاءَ فِعْلُ (سَمِعُوا) ماضِيًا لِوُقُوعِهِ مَعَ (لَمّا) ولِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنهم ذَلِكَ ولَيْسَ مُجَرَّدَ فَرْضٍ. واللّامُ في ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لامُ الابْتِداءِ الَّتِي تَدْخُلُ كَثِيرًا في خَبَرِ (إنَّ) المَكْسُورَةِ وهي أيْضًا تُفَرِّقُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ. وضَمِيرُ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ بَيْنَهم، فَمَعادُ الضَّمِيرِ كائِنٌ في كَلامِ بَعْضِهِمْ، أوْ لَيْسَ لِلضَّمِيرِ مَعادٌ في كَلامِهِمْ لِأنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلى مَن يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ في غالِبِ مَجالِسِهِمْ. والمَعْنى: يَقُولُونَ ذَلِكَ اعْتِلالًا لِأنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يَجِدُوا في الذِّكْرِ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ مَدْخَلًا لِلطَّعْنِ فِيهِ فانْصَرَفُوا إلى الطَّعْنِ في صاحِبِهِ ﷺ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ لِيَنْتَقِلُوا مِن ذَلِكَ إلى أنَّ الكَلامَ الجارِيَ عَلى لِسانِهِ لا يُوثَقُ بِهِ؛ لِيَصْرِفُوا دَهْماءَهم عَنْ سَماعِهِ، فَلِذَلِكَ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهم (إنَّهُ لِمَجْنُونٌ) بِقَوْلِهِ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، أيْ ما القُرْآنُ إلّا ذِكْرٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ ولَيْسَ بِكَلامِ المَجانِينِ، ويَنْتَقِلُ مِن ذَلِكَ إلى أنَّ النّاطِقَ بِهِ لَيْسَ مِنَ المَجانِينِ في شَيْءٍ. والذِّكْرُ: التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ، والجَزاءُ هو أشْرَفُ أنْواعِ الكَلامِ لِأنَّ فِيهِ صَلاحَ النّاسِ. فَضَمِيرُ (هو) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، وقَرِينَةُ السِّياقِ تُرْجِعُ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن ضَمِيرِيِ الغَيْبَةِ إلى مَعادِهِ، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا أيْ لَأحْرَزَ الكُفّارُ ما جَمَّعَهُ المُسْلِمُونَ. وفِي قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] مُحْسِّنٌ رَدَّ العَجُزَ عَلى الصَّدْرِ. صفحة ١٠٩ وقَوْلُهُ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ لِأنَّهم قالُوهُ في سِياقِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ بَطَلَ أنْ يَكُونَ مُبَلِّغُهُ مَجْنُونًا. وهَذا مِن قَبِيلِ الاحْتِباكِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ وإنَّ القُرْآنَ كَلامُ مَجْنُونٍ، وما القُرْآنُ إلّا ذِكْرٌ وما أنْتَ إلّا مُذَكِّرٌ. * * * صفحة ١١٠ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحاقَّةِ سُمِّيَتْ (سُورَةُ الحاقَّةِ) في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . ورَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «خَرَجْتُ يَوْمًا بِمَكَّةَ أتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إلى المَسْجِدِ الحَرامِ فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الحاقَّةِ فَجَعَلْتُ أعْجَبُ مِن تَأْلِيفِ القُرْآنِ فَقُلْتُ: هَذا واللَّهِ شاعِرٌ - أيْ قُلْتُ في خاطِرِي - فَقَرَأ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] قُلْتُ: كاهِنٌ، فَقَرَأ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] إلى آخَرِ السُّورَةِ، فَوَقَعَ الإسْلامُ في قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ» . وبِاسْمِ (الحاقَّةِ) عُنْوِنَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ. وقالَ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ: إنَّها تُسَمّى أيْضًا ”سُورَةُ السِّلْسِلَةِ“ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] وسَمّاها الجَعْبَرِيُّ في مَنظُومَتِهِ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ ”الواعِيَةَ“ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن وُقُوعِ قَوْلِهِ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] ولَمْ أرَ لَهُ سَلَفًا في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ. صفحة ١١١ ووَجْهُ تَسْمِيَتِها (سُورَةَ الحاقَّةِ) وُقُوعُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في أوَّلِها ولَمْ تَقَعْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. ومُقْتَضى الخَبَرِ المَذْكُورِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ في السَّنَةِ الخامِسَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَإنَّ عُمَرَ أسْلَمَ بَعْدَ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ إلى الحَبَشَةِ، وكانَتْ الهِجْرَةُ إلى الحَبَشَةِ سَنَةَ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ السّابِعَةُ والسَّبْعِينَ في عِدادِ تَرْتِيبِ النُّزُولِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ تَبارَكَ وقَبْلَ سُورَةِ المَعارِجِ. واتَّفَقَ العادُّونَ مِن أهْلِ الأمْصارِ عَلى عَدِّ آيِها إحْدى وخَمْسِينَ آيَةً. * * * أغْراضُها: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى تَهْوِيلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وتَهْدِيدِ المُكَذِّبِينَ بِوُقُوعِهِ. وتَذْكِيرِهِمْ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ بِهِ مِن عَذابٍ في الدُّنْيا ثُمَّ عَذابِ الآخِرَةِ وتَهْدِيدِ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِ اللَّهِ تَعالى بِالأُمَمِ الَّتِي أشْرَكَتْ وكَذَّبَتْ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ نَجّى المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ، وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى البَشَرِ إذْ أبْقى نَوْعَهم بِالإنْجاءِ مِنَ الطُّوفانِ. ووَصْفِ أهْوالٍ مِنَ الجَزاءِ وتَفاوُتِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ فِيهِ، ووَصْفِ فَظاعَةِ حالِ العِقابِ عَلى الكُفْرِ وعَلى نَبْذِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، والتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيهِ الرَّسُولِ ﷺ وعَنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ رَسُولٍ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يُقِرَّ مَن يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ، وتَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ، وإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ الَّذِي في القُرْآنِ.

القلم 68:52

﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤]، عَرَّفَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بَعْضَ ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُ المُشْرِكِينَ نَحْوَ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الحِقْدِ والغَيْظِ وإضْمارِ الشَّرِّ عِنْدَما يَسْمَعُونَ القُرْآنَ. والزَّلَقُ: بِفَتْحَتَيْنِ زَلَلُ الرِّجْلِ مِن مُلاسَةِ الأرْضِ مِن طِينِ عَليْها أوْ دُهْنٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. ولَمّا كانَ الزَّلَقُ يُفْضِي إلى السُّقُوطِ غالِبًا أُطْلِقَ الزَّلَقُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ عَلى السُّقُوطِ والانْدِحاضِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾، أيْ يُسْقِطُونَكَ ويَصْرَعُونَكَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنْ يَنْفِذُونَكَ بِنَظَرِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: يُقالُ زَلَقَ السَّهْمُ وزَهَقَ، إذا نَفِذَ، ولَمْ أراهُ لِغَيْرِهِ، قالَ الرّاغِبُ قالَ يُونُسُ: لَمْ يُسْمَعِ الزَّلَقُ والإزْلاقُ إلّا في القُرْآنِ اهـ. صفحة ١٠٨ قُلْتُ: وعَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فَقَدْ جَعَلَ الإزْلاقَ بِأبْصارِهِمْ عَلى وجْهِ الاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، شُبِّهَتِ الأبْصارُ بِالسِّهامِ ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِما هو مِن رَوادِفِهِ وهو فِعْلُ (يَزْلِقُونَكَ) . وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] . وقَرَأ نافِعُ وأبُو جَعْفَرٍ (يَزْلِقُونَكَ) بِفَتْحِ المُثَنّاةِ مُضارِعُ زَلَقَ بِفَتْحِ اللّامِ يَزْلَقُ مُتَعَدِّيًا، إذا نَحّاهُ عَنْ مَكانِهِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّ المُثَنّاةِ. وجاءَ يَكادُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وجاءَ فِعْلُ (سَمِعُوا) ماضِيًا لِوُقُوعِهِ مَعَ (لَمّا) ولِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنهم ذَلِكَ ولَيْسَ مُجَرَّدَ فَرْضٍ. واللّامُ في ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لامُ الابْتِداءِ الَّتِي تَدْخُلُ كَثِيرًا في خَبَرِ (إنَّ) المَكْسُورَةِ وهي أيْضًا تُفَرِّقُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ. وضَمِيرُ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ بَيْنَهم، فَمَعادُ الضَّمِيرِ كائِنٌ في كَلامِ بَعْضِهِمْ، أوْ لَيْسَ لِلضَّمِيرِ مَعادٌ في كَلامِهِمْ لِأنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلى مَن يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ في غالِبِ مَجالِسِهِمْ. والمَعْنى: يَقُولُونَ ذَلِكَ اعْتِلالًا لِأنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يَجِدُوا في الذِّكْرِ الَّذِي يَسْمَعُونَهُ مَدْخَلًا لِلطَّعْنِ فِيهِ فانْصَرَفُوا إلى الطَّعْنِ في صاحِبِهِ ﷺ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ لِيَنْتَقِلُوا مِن ذَلِكَ إلى أنَّ الكَلامَ الجارِيَ عَلى لِسانِهِ لا يُوثَقُ بِهِ؛ لِيَصْرِفُوا دَهْماءَهم عَنْ سَماعِهِ، فَلِذَلِكَ أبْطَلَ اللَّهُ قَوْلَهم (إنَّهُ لِمَجْنُونٌ) بِقَوْلِهِ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، أيْ ما القُرْآنُ إلّا ذِكْرٌ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ ولَيْسَ بِكَلامِ المَجانِينِ، ويَنْتَقِلُ مِن ذَلِكَ إلى أنَّ النّاطِقَ بِهِ لَيْسَ مِنَ المَجانِينِ في شَيْءٍ. والذِّكْرُ: التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ، والجَزاءُ هو أشْرَفُ أنْواعِ الكَلامِ لِأنَّ فِيهِ صَلاحَ النّاسِ. فَضَمِيرُ (هو) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، وقَرِينَةُ السِّياقِ تُرْجِعُ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن ضَمِيرِيِ الغَيْبَةِ إلى مَعادِهِ، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا أيْ لَأحْرَزَ الكُفّارُ ما جَمَّعَهُ المُسْلِمُونَ. وفِي قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] مُحْسِّنٌ رَدَّ العَجُزَ عَلى الصَّدْرِ. صفحة ١٠٩ وقَوْلُهُ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ لِأنَّهم قالُوهُ في سِياقِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ بَطَلَ أنْ يَكُونَ مُبَلِّغُهُ مَجْنُونًا. وهَذا مِن قَبِيلِ الاحْتِباكِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ وإنَّ القُرْآنَ كَلامُ مَجْنُونٍ، وما القُرْآنُ إلّا ذِكْرٌ وما أنْتَ إلّا مُذَكِّرٌ. * * * صفحة ١١٠ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحاقَّةِ سُمِّيَتْ (سُورَةُ الحاقَّةِ) في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . ورَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «خَرَجْتُ يَوْمًا بِمَكَّةَ أتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إلى المَسْجِدِ الحَرامِ فَوَقَفْتُ خَلْفَهُ فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الحاقَّةِ فَجَعَلْتُ أعْجَبُ مِن تَأْلِيفِ القُرْآنِ فَقُلْتُ: هَذا واللَّهِ شاعِرٌ - أيْ قُلْتُ في خاطِرِي - فَقَرَأ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] قُلْتُ: كاهِنٌ، فَقَرَأ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] إلى آخَرِ السُّورَةِ، فَوَقَعَ الإسْلامُ في قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ» . وبِاسْمِ (الحاقَّةِ) عُنْوِنَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ. وقالَ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ: إنَّها تُسَمّى أيْضًا ”سُورَةُ السِّلْسِلَةِ“ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] وسَمّاها الجَعْبَرِيُّ في مَنظُومَتِهِ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ ”الواعِيَةَ“ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن وُقُوعِ قَوْلِهِ ﴿وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] ولَمْ أرَ لَهُ سَلَفًا في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ. صفحة ١١١ ووَجْهُ تَسْمِيَتِها (سُورَةَ الحاقَّةِ) وُقُوعُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في أوَّلِها ولَمْ تَقَعْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. ومُقْتَضى الخَبَرِ المَذْكُورِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها نَزَلَتْ في السَّنَةِ الخامِسَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَإنَّ عُمَرَ أسْلَمَ بَعْدَ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ إلى الحَبَشَةِ، وكانَتْ الهِجْرَةُ إلى الحَبَشَةِ سَنَةَ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ السّابِعَةُ والسَّبْعِينَ في عِدادِ تَرْتِيبِ النُّزُولِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ تَبارَكَ وقَبْلَ سُورَةِ المَعارِجِ. واتَّفَقَ العادُّونَ مِن أهْلِ الأمْصارِ عَلى عَدِّ آيِها إحْدى وخَمْسِينَ آيَةً. * * * أغْراضُها: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى تَهْوِيلِ يَوْمِ القِيامَةِ. وتَهْدِيدِ المُكَذِّبِينَ بِوُقُوعِهِ. وتَذْكِيرِهِمْ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ بِهِ مِن عَذابٍ في الدُّنْيا ثُمَّ عَذابِ الآخِرَةِ وتَهْدِيدِ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِ اللَّهِ تَعالى بِالأُمَمِ الَّتِي أشْرَكَتْ وكَذَّبَتْ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ نَجّى المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ، وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلى البَشَرِ إذْ أبْقى نَوْعَهم بِالإنْجاءِ مِنَ الطُّوفانِ. ووَصْفِ أهْوالٍ مِنَ الجَزاءِ وتَفاوُتِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ فِيهِ، ووَصْفِ فَظاعَةِ حالِ العِقابِ عَلى الكُفْرِ وعَلى نَبْذِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، والتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ، وتَنْزِيهِ الرَّسُولِ ﷺ وعَنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ رَسُولٍ، وتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يُقِرَّ مَن يَتَقَوَّلُ عَلَيْهِ، وتَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ، وإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ الَّذِي في القُرْآنِ.