Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — المعارج 70:23 – نوح 71:28

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. المعارج 70:23
  2. المعارج 70:24
  3. المعارج 70:25
  4. المعارج 70:26
  5. المعارج 70:27
  6. المعارج 70:28
  7. المعارج 70:29
  8. المعارج 70:30
  9. المعارج 70:31
  10. المعارج 70:32
  11. المعارج 70:33
  12. المعارج 70:34
  13. المعارج 70:35
  14. المعارج 70:36
  15. المعارج 70:37
  16. المعارج 70:38
  17. المعارج 70:39
  18. المعارج 70:40
  19. المعارج 70:41
  20. المعارج 70:42
  21. المعارج 70:43
  22. المعارج 70:44
  23. نوح 71:1
  24. نوح 71:2
  25. نوح 71:3
  26. نوح 71:4
  27. نوح 71:5
  28. نوح 71:6
  29. نوح 71:7
  30. نوح 71:8
  31. نوح 71:9
  32. نوح 71:10
  33. نوح 71:11
  34. نوح 71:12
  35. نوح 71:13
  36. نوح 71:14
  37. نوح 71:15
  38. نوح 71:16
  39. نوح 71:17
  40. نوح 71:18
  41. نوح 71:19
  42. نوح 71:20
  43. نوح 71:21
  44. نوح 71:22
  45. نوح 71:23
  46. نوح 71:24
  47. نوح 71:25
  48. نوح 71:26
  49. نوح 71:27
  50. نوح 71:28

المعارج 70:23

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:24

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:25

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:26

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:27

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:28

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:29

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:30

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:31

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:32

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:33

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:34

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:35

﴿إلّا المُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ صفحة ١٧١ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ المُبْتَدَأِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ. فالمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ المُصَلِّينَ المَوْصُوفِينَ بِكَيْتَ وكَيْتَ أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ حَيْثُ وقَعَتْ بَعْدَ (إلّا) المُنْقَطِعَةِ وهي بِمَعْنى (لَكِنَّ) فَلَها حُكْمُ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ اسْمِ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةِ أوْ عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ بَعْدَ (لَكِنَّ) المُخَفَّفَةِ وهو ما حَقَّقَهُ الدَّمامِينِيُّ، وإنْ كانَ ابْنُ هِشامٍ رَأى عَدَّ الجُمْلَةِ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في عِدادِ الجُمَلِ الَّتِي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمُقابَلَةِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ بِأحْوالِ الكافِرِينَ، ووَعْدِهِمْ بِوَعِيدِهِمْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في أمْثالِ هَذِهِ المُقابَلَةِ. وهَذِهِ صِفاتٌ ثَمانٍ هي مِن شِعارِ المُسْلِمِينَ، فَعَدَلَ عَنْ إحْضارِهِمْ بِوَصْفِ المُسْلِمِينَ إلى تَعْدادِ خِصالٍ مِن خِصالِهِمْ إطْنابًا في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ،؛ لِأنَّ مَقامَ الثَّناءِ مَقامُ إطْنابٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّمانِ هي مِن أسْبابِ الكَوْنِ في الجَنّاتِ. وهَذِهِ الصِّفاتُ لا يُشارِكُهُمُ المُشْرِكُونَ في مُعْظَمِها بِالمَرَّةِ، وبَعْضُها قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ المُشْرِكُونَ ولَكِنَّهم لا يُراعُونَهُ حَقَّ مُراعاتِهِ بِاطِّرادٍ، وذَلِكَ حِفْظُ الأماناتِ والعَهْدِ، فالمُشْرِكُ يَحْفَظُ الأمانَةَ والعَهْدَ اتِّقاءَ مَذَمَّةِ الخِيانَةِ والغَدْرِ، ومَعَ أحْلافِهِ دُونَ أعْدائِهِ، والمُشْرِكُ يَشْهَدُ بِالصِّدْقِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى في الكَذِبِ، وإذا خَشِيَ أنْ يُوصَمَ بِالكَذِبِ. وقَدْ غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالمُسْلِمِينَ في عِدَّةِ حَوادِثَ، وغَدَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَوْ عَلِمَ المُشْرِكُ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلى كَذِبِهِ وكانَ لَهُ هَوًى لَمْ يُؤَدِّ الشَّهادَةَ. ولَمّا كانَ وصْفُ (المُصَلِّينَ) غَلَبَ عَلى المُسْلِمِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] الآيَةَ، أتْبَعَ وصْفَ المُصَلِّينَ في الآيَةَ هَذِهِ بِوَصْفِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ أيْ: مُواظِبُونَ عَلى صَلاتِهِمْ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ أدائِها ولا يَتْرُكُونَها. والدَّوامُ عَلى الشَّيْءِ: عَدَمُ تَرْكِهِ، وذَلِكَ في كُلِّ عَمَلٍ بِحَسَبِ ما يُعْتَبَرُ دَوامًا فِيهِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ في مَسْألَةِ إفادَةِ الأمْرِ التَّكْرارَ. صفحة ١٧٢ وفِي إضافَةِ (صَلاةٍ) إلى ضَمِيرِ المُصَلِّينَ تَنْوِيهٌ بِاخْتِصاصِها بِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ لِلْمُسْلِمِينَ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ في قَوْلِهِ (بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرِينَ) . ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ يَدُومُونَ لِقَصْدِ إفادَتِها الثَّباتَ تَقْوِيَةً كَمُفادِ الدَّوامِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ مَعَ الصِّلاتِ المَعْطُوفَةِ عَلى قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِأصْحابِ تِلْكَ الصِّلاتِ. وتَسْمِيَةُ ما يُعْطُونَهُ مِن أمْوالِهِمْ مِنَ الصَّدَقاتِ باسْمِ (حَقٍّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم جَعَلُوا السّائِلَ والمَحْرُومَ كالشُّرَكاءِ لَهم في أمْوالِهِمْ مِن فَرْطِ رَغْبَتِهِمْ مِن مُواساةِ إخْوانِهِمْ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ واجِبَةً ولَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ. ومَعْنى كَوْنِ الحَقِّ مَعْلُومًا أنَّهُ يَعْلَمُهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ويَحْسِبُونَهُ، ويَعْلَمُهُ السّائِلُ والمَحْرُومُ بِما اعْتادَ مِنهم. ومَجِيءُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِإفادَةِ ثَباتِ هَذِهِ الخَصْلَةِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِها مِنهم دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الشُّحِّ في بَعْضِ الأحْيانِ لِما هو مَعْرُوفٌ بَيْنَ غالِبِ النّاسِ مِن مُعاوَدَةِ الشُّحِّ لِلنُّفُوسِ. والسّائِلُ: هو المُسْتَعْطِي، والمَحْرُومُ: الَّذِي لا يَسْألُ النّاسَ تَعَفُّفًا مَعَ احْتِياجِهِ فَلا يَتَفَطَّنُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَيَبْقى كالمَحْرُومِ. وأصْلُ المَحْرُومِ: المَمْنُوعُ مِن مَرْغُوبِهِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الذّارِياتِ في قَوْلِهِ ﴿وفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] . وهَذِهِ الصِّفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُضادَّةُ صِفَةِ الكافِرِينَ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ (﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨]) . والتَّصْدِيقُ بِيَوْمِ الدِّينِ هو الإيمانُ بِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، والدِّينُ: الجَزاءُ. وهَذا الوَصْفُ مُقابِلُ وصْفِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦]) . ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ولَمْ يُتَصَوَّرْ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَفاوُتٌ، أُتِيَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الأصْلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأُوثِرَ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. ووَصْفُهم بِأنَّهم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في حَقِّ الكافِرِينَ (﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] ﴿لِلْكافِرينَ﴾ [المعارج: ٢])؛ لِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ مُسْتَخِفٍّ بِذَلِكَ ومُحِيلِهِ. صفحة ١٧٣ والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ وأخْذُ الحَذَرِ مِنهُ. وصَوْغُ الصِّلَةِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَحْقِيقِ وثَباتِ اتِّصافِهِمْ بِهَذا الإشْفاقِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ، فَمِن شَأْنِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ التَّرَدُّدُ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ: غَيْرُ مَأْمُونٍ لَهم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ الأمْنَ مِنهُ إذْ قالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٨] . ووَصْفُهم بِأنَّهم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في تَهْوِيلِ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] إذْ أخَصُّ الأحِمّاءِ بِالرَّجُلِ زَوْجُهُ، فَقَصَدَ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ هَذا الهَوْلَ خاصٌّ بِهِمْ بِخِلافِ المُسْلِمِينَ فَإنَّهم هم وأزْواجُهم يُحْبَرُونَ لِأنَّهُمُ اتَّقَوُا اللَّهَ في العِفَّةِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ، قالَ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسَ في المُسْلِمِينَ سِفاحٌ ولا زِنًى ولا مُخالَّةٌ ولا بِغاءٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ . والعادِي: المُفْسِدُ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ أفْسَدُوا فاخْتَلَطَتْ أنْسابُهم وتَطَرَّقَتِ الشُّكُوكُ إلى حَصانَةِ نِسائِهِمْ، ودَخَلَتِ الفَوْضى في نُظُمِ عائِلاتِهِمْ، ونَشَأتْ بَيْنَهُمُ الإحَنُ مِنَ الغَيْرَةِ. وذِكْرُ رَعْيِ الأماناتِ والعَهْدِ لِمُناسَبَةِ وصْفِ ما يَوَدُّ الكافِرُ يَوْمَ الجَزاءِ أنْ يَفْتَدِيَهُ مِنَ العَذابِ بِفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فَيَذْهَبُ مِنهُ رَعْيُ العُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الوَفاءُ بِها لِلْقَبِيلَةِ وحَسْبُكَ مِن تَشْوِيهِ حالِهِ أنَّهُ قَدْ نَكَثَ العُهُودَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِ لِقَوْمِهِ مِنَ الدِّفاعِ عَنْ حَقِيقَتِهِمْ بِنَفْسِهِ وكانَ يَفْدِيهِمْ بِنَفْسِهِ، والمُسْلِمُ لَمّا كانَ يَرْعى العَهْدَ بِما يُمْلِيهِ عَلَيْهِ دِينُهُ جازاهُ اللَّهُ بِأنْ دَفَعَ عَنْهُ خِزْيَ ودادَةِ فِدائِهِ نَفْسَهُ بِمَوالِيهِ وأهْلِ عَهْدِهِ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ الصِّلَةِ كالقَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ. والرَّعْيُ: الحِفْظُ والحِراسَةُ. وأصْلُهُ رَعْيُ الغَنَمِ والإبِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ)، بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ. صفحة ١٧٤ وقَوْلُهُ (﴿والَّذِينَ هم بِشَهادَتِهِمْ قائِمُونَ﴾) ذُكِرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ رَعْيِ الأماناتِ إذِ الشَّهادَةُ مِن جُمْلَةِ الأماناتِ؛ لِأنَّ حَقَّ المَشْهُودِ لَهُ ودِيعَةٌ في حِفْظِ الشّاهِدِ فَإذا أدّى شَهادَتَهُ فَكَأنَّهُ أدّى أمانَةً لِصاحِبِ الحَقِّ المَشْهُودِ لَهُ كانَتْ في حِفْظِ الشّاهِدِ. ولِذَلِكَ كانَ أداءُ الشَّهادَةِ - إذا طُولِبَ بِهِ الشّاهِدُ - واجِبًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . والقِيامُ بِالشَّهادَةِ: الِاهْتِمامُ بِها وحِفْظُها إلى أنْ تُؤَدّى، وهَذا قِيامٌ مَجازِيٌّ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وباءُ (بِشَهادَتِهِمْ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: يَقُومُونَ مُصاحِبِينَ لِلشَّهادَةِ، ويَصِيرُ مَعْنى الباءِ في الِاسْتِعارَةِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ. فَذِكْرُ القِيامِ بِالشَّهادَةِ إتْمامٌ لِخِصالِ أهْلِ الإسْلامِ فَلا يَتَطَلَّبُ لَهُ مُقابِلٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ المَذْكُورَةِ فِيما تَقَدَّمَ. والقَوْلُ في اسْمِيَّةِ جُمْلَةِ الصِّلَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ أداءَ الشَّهادَةِ يَشُقُّ عَلى النّاسِ إذْ قَدْ يَكُونُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ قَرِيبًا أوْ صَدِيقًا، وقَدْ تُثِيرُ الشَّهادَةُ عَلى المَرْءِ إحْنَةً مِنهُ وعَداوَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِشَهادَتِهِمْ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّهاداتِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وقَرَأ حَفْصٌ ويَعْقُوبُ (شَهاداتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وذَلِكَ عَلى اعْتِبارِ جَمْعِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِعِنايَتِهِمْ بِالصَّلاةِ مِن أنْ يَعْتَرِيَها شَيْءٌ يُخِلُّ بِكَمالِها،؛ لِأنَّ مادَّةَ المُفاعَلَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ في الحِفْظِ مِثْلَ: عافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُ اللَّهُ، فالمُحافَظَةُ راجِعَةٌ إلى اسْتِكْمالِ أرْكانِ الصَّلاةِ وشُرُوطِها وأوْقاتِها. وإيثارُ الفِعْلِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ ذَلِكَ الحِفاظِ وعَدَمِ التَّهاوُنِ بِهِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ بَلْ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِإعادَةِ ما يُفِيدُ عِنايَتَهم بِالصَّلاةِ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ. وفِي الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ صفحة ١٧٥ الذُّنُوبَ كَحَدِيثِ «ما يُدْرِيكم ما بَلَغَتْ بِهِ صَلاتُهُ» . وقَدْ حَصَلَ بَيْنَ أُخْرى هَذِهِ الصِّلاتِ وبَيْنَ أُولاها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ مَعَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ مِنَ الفِعْلِ المُضارِعِ. ولَمّا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الصِّفاتُ الجَلِيلَةُ أُخْبِرَ عَنْ جَزائِهِمْ عَلَيْها بِأنَّهم مُكَرَّمُونَ في الجَنَّةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإكْرامُ: التَّعْظِيمُ وحُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: هم مَعَ جَزائِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنّاتِ يُكْرَمُونَ بِحُسْنِ اللِّقاءِ والثَّناءِ، قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٣] وقالَ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وقَوْلُهُ (مُكْرَمُونَ) خَبَرًا ثانِيًا.

المعارج 70:36

﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ﴿كَلّا﴾ [المعارج: ٣٩] ) فُرِّعَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ وتَعْجِيبِيٌّ مِن تَجَمُّعِ المُشْرِكِينَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُسْتَهْزِئِينَ بِما يَسْمَعُونَ مِن وعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ووَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ. فُرِّعَ ذَلِكَ عَلى ما أفادَهُ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥] . والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا مَطْمَعَ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ فَلِماذا يُحاوِلُونَ بِتَجَمُّعِهِمْ حَوْلَكَ بِمَلامِحِ اسْتِهْزائِهِمْ ؟ . وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ فالمَقْصُودُ بِهِ إبْلاغُهُ إلَيْهِمْ فِيما يَتْلُو عَلَيْهِمْ صفحة ١٧٦ مِنَ القُرْآنِ فَهو مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ في المَعْنى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْهِيَتُهُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ فَهو لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ في عِلْمِهِ. ومَعْنى فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في حالِ كَوْنِهِمْ عِنْدَكَ، أوْ في حالِ إهْطاعِهِمْ إلَيْكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَرْكِيبُ (ما لَهُ) لا يَخْلُو مِن حالٍ مُفْرَدَةٍ، أوْ جُمْلَةٍ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ تَكُونُ هي مَصَبُّ الِاسْتِفْهامِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ المُتَوَجِّهُ إلَيْها الِاسْتِفْهامُ هُنا الظَّرْفَ، أيْ: قِبَلَكَ فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وصاحِبُ الحالِ هو (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مُهْطِعِينَ) فَيَكُونُ (قِبَلَكَ) ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ (مُهْطِعِينَ) . وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هُما مَثارِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ فَأيُّهُما جُعِلَ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ أُجْرِيَ الآخَرُ المُجْرى اللّائِقَ بِهِ في التَّرْكِيبِ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (الَّذِينَ) مَفْصُولَةً عَنْ مَدْخُولِها وهو رَسْمٌ نادِرٌ. والإهْطاعُ: مَدُّ العُنُقِ عِنْدَ السَّيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨]) في سُورَةِ القَمَرِ. قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وصاحِبُ الكَشّافِ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ كَلامَهُ ويُكَذِّبُونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِالمُؤْمِنِينَ، ويَقُولُونَ: لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم ولَيَكُونَنَّ لَنا فِيها أكْثَرُ مِمّا لَهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقِبَلَ: اسْمٌ بِمَعْنى (عِنْدَ) . وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى مُهْطِعِينَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ في حَضْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ أقْوى لِما فِيهِمْ مِنَ الوَقاحَةِ. ومَوْقِعُ قَوْلِهِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ مِثْلُ مَوْقِعِ قِبَلَكَ ومَوْقِعُ مُهْطِعِينَ. والمَقْصُودُ: كَثْرَةُ الجِهاتِ، أيْ: وارِدِينَ إلَيْكَ. صفحة ١٧٧ والتَّعْرِيفُ في اليَمِينِ والشِّمالِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ أوِ الألِفُ واللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ اليَمِينِ والشِّمالِ: الإحاطَةُ بِالجِهاتِ فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ اليَمِينِ والشِّمالِ، لِأنَّهُما الجِهَتانِ اللَّتانِ يَغْلِبُ حَوْلَهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَطَرِيُّ بْنُ الفُجاءَةِ: فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي يُرِيدُ: مِن كُلِّ جِهَةٍ. و(عِزِينَ) حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وعِزِينَ: جَمَعُ عِزَةٍ، بِتَخْفِيفِ الزّايِ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، اسْمٌ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ. وأصْلُهُ عِزْوَةٌ بِوَزْنِ كِسْوَةٍ، ولَيْسَتْ بِوَزْنِ عِدَةٍ. وجَرى جَمْعُ (عِزَةٍ) عَلى الإلْحاقِ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وهو مِن بابِ سِنَةٍ مِن كُلِّ اسْمٍ ثُلاثِيٍّ حُذِفَتْ لامَهُ وعُوِّضَ عَنْها هاءَ التَّأْنِيثِ ولَمْ يُكْسَرْ مِثْلَ عِضَةٍ (لِلْقِطْعَةِ) . وهَذا التَّرْكِيبُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (جَنَّةَ نَعِيمٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، شُبِّهَ حالُهم في إسْراعِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِحالِ مَن يُظَنُّ بِهِمُ الِاجْتِماعُ لِطَلَبِ الهُدى والتَّحْصِيلِ عَلى المَغْفِرَةِ لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ،؛ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ لا يَلْتَفَّ حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ إلّا طالِبُو الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ. والِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا مُسْتَعْمَلٌ في أصْلِ مَعْناهُ؛ لِأنَّ التَّمْثِيلِيَّةَ تَجْرِي في مَجْمُوعِ الكَلامِ مَعَ بَقاءِ كَلِماتِهِ عَلى حَقائِقِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن حالِ إسْراعِهِمْ ثُمَّ تَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ الآيَةَ،؛ لِأنَّ التِفافَهم حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لِطَلَبِ الهُدى والنَّجاةِ فَشُبِّهَ حالُهم بِحالِ طالِبِي النَّجاةِ والهُدى فَأُورِدَ اسْتِفْهامٌ عَلَيْهِ. وحَكى المُفَسِّرُونَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ: نَحْنُ نَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ المُسْلِمِينَ، فَجازَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارًا لِتَظاهُرِهِمْ بِالطَّمَعِ في الجَنَّةِ بِحَمْلِ اسْتِهْزائِهِمْ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أوْ بِالتَّعْبِيرِ بِفِعْلِ صفحة ١٧٨ يَطْمَعُ عَنِ التَّظاهُرِ بِالطَّمَعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ أيْ: يَتَظاهَرُونَ بِأنَّهم يَحْذَرُونَ. وأُسْنِدَ الطَّمَعُ إلى كُلِّ امْرِئٍ مِنهم دُونَ أنْ يُقالَ: أيَطْمَعُونَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِأنَّها حالُ جَماعَةٍ يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ لِتَساوِيهِمْ، يَرَوْنَ أنْفُسَهم سَواءً في ذَلِكَ، فَفي قَوْلِهِ (كُلُّ امْرِئٍ مِنهم) تَقْوِيَةُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ. ثُمَّ بُنِيَ عَلى التَّهَكُّمِ ما يُبْطِلُ ما فُرِضَ لِحالِهِمْ بِما بُنِيَ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ التَّهَكُّمِيُّ بِكَلِمَةِ الرَّدْعِ وهي (كَلّا) أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ. وذَلِكَ انْتِقالٌ مِنَ المَجازِ إلى الحَقِيقَةِ ومِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ إلى تَوْبِيخِهِمْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ الكَلامَ السّابِقَ لَمْ يَكُنْ تَهَكُّمًا. وهُنا تَمَّ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الجَزاءِ.

المعارج 70:37

﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ﴿كَلّا﴾ [المعارج: ٣٩] ) فُرِّعَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ وتَعْجِيبِيٌّ مِن تَجَمُّعِ المُشْرِكِينَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُسْتَهْزِئِينَ بِما يَسْمَعُونَ مِن وعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ووَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ. فُرِّعَ ذَلِكَ عَلى ما أفادَهُ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥] . والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا مَطْمَعَ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ فَلِماذا يُحاوِلُونَ بِتَجَمُّعِهِمْ حَوْلَكَ بِمَلامِحِ اسْتِهْزائِهِمْ ؟ . وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ فالمَقْصُودُ بِهِ إبْلاغُهُ إلَيْهِمْ فِيما يَتْلُو عَلَيْهِمْ صفحة ١٧٦ مِنَ القُرْآنِ فَهو مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ في المَعْنى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْهِيَتُهُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ فَهو لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ في عِلْمِهِ. ومَعْنى فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في حالِ كَوْنِهِمْ عِنْدَكَ، أوْ في حالِ إهْطاعِهِمْ إلَيْكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَرْكِيبُ (ما لَهُ) لا يَخْلُو مِن حالٍ مُفْرَدَةٍ، أوْ جُمْلَةٍ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ تَكُونُ هي مَصَبُّ الِاسْتِفْهامِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ المُتَوَجِّهُ إلَيْها الِاسْتِفْهامُ هُنا الظَّرْفَ، أيْ: قِبَلَكَ فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وصاحِبُ الحالِ هو (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مُهْطِعِينَ) فَيَكُونُ (قِبَلَكَ) ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ (مُهْطِعِينَ) . وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هُما مَثارِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ فَأيُّهُما جُعِلَ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ أُجْرِيَ الآخَرُ المُجْرى اللّائِقَ بِهِ في التَّرْكِيبِ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (الَّذِينَ) مَفْصُولَةً عَنْ مَدْخُولِها وهو رَسْمٌ نادِرٌ. والإهْطاعُ: مَدُّ العُنُقِ عِنْدَ السَّيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨]) في سُورَةِ القَمَرِ. قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وصاحِبُ الكَشّافِ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ كَلامَهُ ويُكَذِّبُونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِالمُؤْمِنِينَ، ويَقُولُونَ: لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم ولَيَكُونَنَّ لَنا فِيها أكْثَرُ مِمّا لَهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقِبَلَ: اسْمٌ بِمَعْنى (عِنْدَ) . وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى مُهْطِعِينَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ في حَضْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ أقْوى لِما فِيهِمْ مِنَ الوَقاحَةِ. ومَوْقِعُ قَوْلِهِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ مِثْلُ مَوْقِعِ قِبَلَكَ ومَوْقِعُ مُهْطِعِينَ. والمَقْصُودُ: كَثْرَةُ الجِهاتِ، أيْ: وارِدِينَ إلَيْكَ. صفحة ١٧٧ والتَّعْرِيفُ في اليَمِينِ والشِّمالِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ أوِ الألِفُ واللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ اليَمِينِ والشِّمالِ: الإحاطَةُ بِالجِهاتِ فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ اليَمِينِ والشِّمالِ، لِأنَّهُما الجِهَتانِ اللَّتانِ يَغْلِبُ حَوْلَهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَطَرِيُّ بْنُ الفُجاءَةِ: فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي يُرِيدُ: مِن كُلِّ جِهَةٍ. و(عِزِينَ) حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وعِزِينَ: جَمَعُ عِزَةٍ، بِتَخْفِيفِ الزّايِ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، اسْمٌ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ. وأصْلُهُ عِزْوَةٌ بِوَزْنِ كِسْوَةٍ، ولَيْسَتْ بِوَزْنِ عِدَةٍ. وجَرى جَمْعُ (عِزَةٍ) عَلى الإلْحاقِ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وهو مِن بابِ سِنَةٍ مِن كُلِّ اسْمٍ ثُلاثِيٍّ حُذِفَتْ لامَهُ وعُوِّضَ عَنْها هاءَ التَّأْنِيثِ ولَمْ يُكْسَرْ مِثْلَ عِضَةٍ (لِلْقِطْعَةِ) . وهَذا التَّرْكِيبُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (جَنَّةَ نَعِيمٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، شُبِّهَ حالُهم في إسْراعِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِحالِ مَن يُظَنُّ بِهِمُ الِاجْتِماعُ لِطَلَبِ الهُدى والتَّحْصِيلِ عَلى المَغْفِرَةِ لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ،؛ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ لا يَلْتَفَّ حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ إلّا طالِبُو الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ. والِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا مُسْتَعْمَلٌ في أصْلِ مَعْناهُ؛ لِأنَّ التَّمْثِيلِيَّةَ تَجْرِي في مَجْمُوعِ الكَلامِ مَعَ بَقاءِ كَلِماتِهِ عَلى حَقائِقِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن حالِ إسْراعِهِمْ ثُمَّ تَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ الآيَةَ،؛ لِأنَّ التِفافَهم حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لِطَلَبِ الهُدى والنَّجاةِ فَشُبِّهَ حالُهم بِحالِ طالِبِي النَّجاةِ والهُدى فَأُورِدَ اسْتِفْهامٌ عَلَيْهِ. وحَكى المُفَسِّرُونَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ: نَحْنُ نَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ المُسْلِمِينَ، فَجازَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارًا لِتَظاهُرِهِمْ بِالطَّمَعِ في الجَنَّةِ بِحَمْلِ اسْتِهْزائِهِمْ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أوْ بِالتَّعْبِيرِ بِفِعْلِ صفحة ١٧٨ يَطْمَعُ عَنِ التَّظاهُرِ بِالطَّمَعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ أيْ: يَتَظاهَرُونَ بِأنَّهم يَحْذَرُونَ. وأُسْنِدَ الطَّمَعُ إلى كُلِّ امْرِئٍ مِنهم دُونَ أنْ يُقالَ: أيَطْمَعُونَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِأنَّها حالُ جَماعَةٍ يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ لِتَساوِيهِمْ، يَرَوْنَ أنْفُسَهم سَواءً في ذَلِكَ، فَفي قَوْلِهِ (كُلُّ امْرِئٍ مِنهم) تَقْوِيَةُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ. ثُمَّ بُنِيَ عَلى التَّهَكُّمِ ما يُبْطِلُ ما فُرِضَ لِحالِهِمْ بِما بُنِيَ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ التَّهَكُّمِيُّ بِكَلِمَةِ الرَّدْعِ وهي (كَلّا) أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ. وذَلِكَ انْتِقالٌ مِنَ المَجازِ إلى الحَقِيقَةِ ومِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ إلى تَوْبِيخِهِمْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ الكَلامَ السّابِقَ لَمْ يَكُنْ تَهَكُّمًا. وهُنا تَمَّ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الجَزاءِ.

المعارج 70:38

﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ ﴿كَلّا﴾ [المعارج: ٣٩] ) فُرِّعَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ وتَعْجِيبِيٌّ مِن تَجَمُّعِ المُشْرِكِينَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُسْتَهْزِئِينَ بِما يَسْمَعُونَ مِن وعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ووَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابِ جَهَنَّمَ. فُرِّعَ ذَلِكَ عَلى ما أفادَهُ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٥] . والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لا مَطْمَعَ لَهم في دُخُولِ الجَنَّةِ فَلِماذا يُحاوِلُونَ بِتَجَمُّعِهِمْ حَوْلَكَ بِمَلامِحِ اسْتِهْزائِهِمْ ؟ . وهَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ فالمَقْصُودُ بِهِ إبْلاغُهُ إلَيْهِمْ فِيما يَتْلُو عَلَيْهِمْ صفحة ١٧٦ مِنَ القُرْآنِ فَهو مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ في المَعْنى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْهِيَتُهُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ فَهو لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ في عِلْمِهِ. ومَعْنى فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في حالِ كَوْنِهِمْ عِنْدَكَ، أوْ في حالِ إهْطاعِهِمْ إلَيْكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَرْكِيبُ (ما لَهُ) لا يَخْلُو مِن حالٍ مُفْرَدَةٍ، أوْ جُمْلَةٍ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ تَكُونُ هي مَصَبُّ الِاسْتِفْهامِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ المُتَوَجِّهُ إلَيْها الِاسْتِفْهامُ هُنا الظَّرْفَ، أيْ: قِبَلَكَ فَيَكُونُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وصاحِبُ الحالِ هو (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مُهْطِعِينَ) فَيَكُونُ (قِبَلَكَ) ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ (مُهْطِعِينَ) . وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ هُما مَثارِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ فَأيُّهُما جُعِلَ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ أُجْرِيَ الآخَرُ المُجْرى اللّائِقَ بِهِ في التَّرْكِيبِ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (الَّذِينَ) مَفْصُولَةً عَنْ مَدْخُولِها وهو رَسْمٌ نادِرٌ. والإهْطاعُ: مَدُّ العُنُقِ عِنْدَ السَّيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨]) في سُورَةِ القَمَرِ. قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وصاحِبُ الكَشّافِ: كانَ المُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ ويَسْتَمِعُونَ كَلامَهُ ويُكَذِّبُونَهُ ويَسْتَهْزِئُونَ بِالمُؤْمِنِينَ، ويَقُولُونَ: لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهم ولَيَكُونَنَّ لَنا فِيها أكْثَرُ مِمّا لَهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقِبَلَ: اسْمٌ بِمَعْنى (عِنْدَ) . وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى مُهْطِعِينَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن حالِهِمْ في حَضْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ أقْوى لِما فِيهِمْ مِنَ الوَقاحَةِ. ومَوْقِعُ قَوْلِهِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ مِثْلُ مَوْقِعِ قِبَلَكَ ومَوْقِعُ مُهْطِعِينَ. والمَقْصُودُ: كَثْرَةُ الجِهاتِ، أيْ: وارِدِينَ إلَيْكَ. صفحة ١٧٧ والتَّعْرِيفُ في اليَمِينِ والشِّمالِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ أوِ الألِفُ واللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ اليَمِينِ والشِّمالِ: الإحاطَةُ بِالجِهاتِ فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ اليَمِينِ والشِّمالِ، لِأنَّهُما الجِهَتانِ اللَّتانِ يَغْلِبُ حَوْلَهُما، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَطَرِيُّ بْنُ الفُجاءَةِ: فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي يُرِيدُ: مِن كُلِّ جِهَةٍ. و(عِزِينَ) حالٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا. وعِزِينَ: جَمَعُ عِزَةٍ، بِتَخْفِيفِ الزّايِ، وهي الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ، اسْمٌ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ. وأصْلُهُ عِزْوَةٌ بِوَزْنِ كِسْوَةٍ، ولَيْسَتْ بِوَزْنِ عِدَةٍ. وجَرى جَمْعُ (عِزَةٍ) عَلى الإلْحاقِ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وهو مِن بابِ سِنَةٍ مِن كُلِّ اسْمٍ ثُلاثِيٍّ حُذِفَتْ لامَهُ وعُوِّضَ عَنْها هاءَ التَّأْنِيثِ ولَمْ يُكْسَرْ مِثْلَ عِضَةٍ (لِلْقِطْعَةِ) . وهَذا التَّرْكِيبُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ (جَنَّةَ نَعِيمٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، شُبِّهَ حالُهم في إسْراعِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِحالِ مَن يُظَنُّ بِهِمُ الِاجْتِماعُ لِطَلَبِ الهُدى والتَّحْصِيلِ عَلى المَغْفِرَةِ لِيَدْخُلُوا الجَنَّةَ،؛ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ لا يَلْتَفَّ حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ إلّا طالِبُو الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ. والِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا مُسْتَعْمَلٌ في أصْلِ مَعْناهُ؛ لِأنَّ التَّمْثِيلِيَّةَ تَجْرِي في مَجْمُوعِ الكَلامِ مَعَ بَقاءِ كَلِماتِهِ عَلى حَقائِقِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن حالِ إسْراعِهِمْ ثُمَّ تَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ عَنْ جُمْلَةِ ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ الآيَةَ،؛ لِأنَّ التِفافَهم حَوْلَ النَّبِيءِ ﷺ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لِطَلَبِ الهُدى والنَّجاةِ فَشُبِّهَ حالُهم بِحالِ طالِبِي النَّجاةِ والهُدى فَأُورِدَ اسْتِفْهامٌ عَلَيْهِ. وحَكى المُفَسِّرُونَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا مُسْتَهْزِئِينَ: نَحْنُ نَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ المُسْلِمِينَ، فَجازَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارًا لِتَظاهُرِهِمْ بِالطَّمَعِ في الجَنَّةِ بِحَمْلِ اسْتِهْزائِهِمْ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أوْ بِالتَّعْبِيرِ بِفِعْلِ صفحة ١٧٨ يَطْمَعُ عَنِ التَّظاهُرِ بِالطَّمَعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ أيْ: يَتَظاهَرُونَ بِأنَّهم يَحْذَرُونَ. وأُسْنِدَ الطَّمَعُ إلى كُلِّ امْرِئٍ مِنهم دُونَ أنْ يُقالَ: أيَطْمَعُونَ أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِأنَّها حالُ جَماعَةٍ يُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ لِتَساوِيهِمْ، يَرَوْنَ أنْفُسَهم سَواءً في ذَلِكَ، فَفي قَوْلِهِ (كُلُّ امْرِئٍ مِنهم) تَقْوِيَةُ التَّهَكُّمِ بِهِمْ. ثُمَّ بُنِيَ عَلى التَّهَكُّمِ ما يُبْطِلُ ما فُرِضَ لِحالِهِمْ بِما بُنِيَ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ التَّهَكُّمِيُّ بِكَلِمَةِ الرَّدْعِ وهي (كَلّا) أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ. وذَلِكَ انْتِقالٌ مِنَ المَجازِ إلى الحَقِيقَةِ ومِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ إلى تَوْبِيخِهِمْ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ الكَلامَ السّابِقَ لَمْ يَكُنْ تَهَكُّمًا. وهُنا تَمَّ الكَلامُ عَلى إثْباتِ الجَزاءِ.

المعارج 70:39

﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلِانْتِقالِ مِن إثْباتِ الجَزاءِ إلى الِاحْتِجاجِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمُ الباعِثَةِ عَلى إنْكارِهِ، وهو الإنْكارُ الَّذِي ذُكِرَ إجْمالًا بِقَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا (إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا) فاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّشْأةِ الأُولى كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فالخَبَرُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ. فَهَذا مِن تَمامِ الخِطابِ المُوَجَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ إلى أسْماعِ المُشْرِكِينَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. والمَعْنى: أنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ حَتّى صارَتْ إنْسانًا عاقِلًا مُناظِرًا فَكَذَلِكَ نُعِيدُ خَلْقَهُ بِكَيْفِيَّةٍ لا يَعْلَمُونَها. فَماصَدَقَ (ما يَعْلَمُونَ) هو ما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن أنَّهُ كُوِّنَ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن نُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ، ولَكِنَّهم عَلِمُوا هَذِهِ النَّشْأةَ الأُولى فَألْهاهُمُ التَّعَوُّدُ بِها عَنِ التَّدَبُّرِ في دَلالَتِها عَلى إمْكانِ إعادَةِ المُكَوَّنِ مِنها بِتَكْوِينٍ آخَرَ. صفحة ١٧٩ وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: إنّا خَلَقْناهم مِن نُطْفَةٍ، كَما قالَ في آياتٍ أُخْرى ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] وقالَ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وغَيْرُها مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ، عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ في قَوْلِهِ مِمّا يَعْلَمُونَ تَوْجِيهًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ جادَلُوا وعانَدُوا، وعِلْمُ ما جادَلُوا فِيهِ قائِمٌ بِأنْفُسِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] . وكانَ في قَوْلِهِ تَعالى مِمّا يَعْلَمُونَ إيماءٌ إلى أنَّهم يُخْلَقُونَ الخَلْقَ الثّانِيَ مِمّا لا يَعْلَمُونَ كَما قالَ في الآيَةَ الأُخْرى ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] وقالَ (ونُنْشِئُكم فِيما لا تَعْلَمُونَ) فَكانَ في الخَلْقِ الأوَّلِ سِرٌّ لا يَعْلَمُونَهُ. ومَجِيءُ إنّا خَلَقْناهم مُوَكَّدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِهِمْ فِيما صَدَرَ مِنهم مِنَ الشُّبْهَةِ الباطِلَةِ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُونَ أنَّهم خُلِقُوا مِن نُطْفَةٍ وكانُوا مَعْدُومِينَ، فَكَيْفَ أحالُوا إعادَةَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ عَدِمَ بَعْضُ أجْزائِها وبَقِيَ بَعْضُها، ثُمَّ أتْبَعَ هَذِهِ الكِنايَةَ عَنْ إمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: فَإنّا لَقادِرُونَ الآيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفاءِ وما عَطَفَتْهُ. والقَسَمُ بِاللَّهِ بِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ المَشارِقَ والمَغارِبَ مَعْناهُ: رُبُوبِيَّتُهُ العالَمَ كُلَّهُ؛ لِأنَّ العالَمَ مُنْحَصِرٌ في جِهاتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها. وجَمْعُ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَطالِعِ الشَّمْسِ ومَغارِبِها في فُصُولِ السَّنَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مَظْهَرٌ عَجِيبٌ مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ دالٌّ عَلى الحَرَكاتِ الحافَّةِ بِالشَّمْسِ الَّتِي هي مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرُ في القُرْآنِ قَسَمٌ بِجِهَةٍ غَيْرِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ دُونَ الشَّمالِ والجَنُوبِ مَعَ أنَّ الشَّمالَ والجَنُوبَ جِهَتانِ مَشْهُورَتانِ عِنْدَ العَرَبِ. أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى سُنَّةِ أقْسامِ القُرْآنِ. وفِي إيثارِ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِالقَسَمِ بِرَبِّها رَعْيٌ لِمُناسَبَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها لِتَمْثِيلِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ. صفحة ١٨٠ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ مَعَ لا أُقْسِمُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ، وقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ. وقَوْلُهُ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أوَّلَهُما وهو المُناسِبُ لِلسِّياقِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى أنْ نُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنهم، أيْ: نُبَدِّلُ ذَواتَهم خَلْقًا خَيْرًا مِن خَلْقِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ اليَوْمَ. والخَيْرِيَّةُ في الإتْقانِ والسُّرْعَةِ ونَحْوِهِما وإنَّما كانَ خَلْقًا أُتْقِنَ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ خَلْقٌ مُناسِبٌ لِعالَمِ الخُلُودِ، وكانَ الخَلْقُ الأوَّلُ مُناسِبًا لِعالَمِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نُبَدِّلَ مُضَمَّنًا مَعْنى: نُعَوِّضُ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ نُبَدِّلَ ضَمِيرًا مِثْلَ ضَمِيرِ (مِنهم) أيْ: نُبَدِّلُهم والمَفْعُولُ الثّانِي خَيْرًا مِنهم. و(مِن) تَفْضِيلِيَّةٌ، أيْ: خَيْرًا في الخِلْقَةِ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ زَمانَيِ الخَلْقِ الأوَّلِ والخَلْقِ الثّانِي، أوِ اخْتِلافِ عالَمَيْهِما. والمَعْنى الثّانِي: أنْ نُبَدِّلَ هَؤُلاءِ بِخَيْرٍ مِنهم، أيْ: بِأُمَّةٍ خَيْرٍ مِنهم، والخَيْرِيَّةُ في الإيمانِ، فَيَكُونُ نُبَدِّلَ عَلى أصْلِ مَعْناهُ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا مِثْلَ ما في المَعْنى الأوَّلِ، ويَكُونُ خَيْرًا مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ البَدَلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، ويَكُونُ هَذا تَهْدِيدًا لَهم بِأنْ سَيَسْتَأْصِلُهم ويَأْتِي بِقَوْمٍ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى (﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]) وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . وفِي هَذا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَذْكِيرٌ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِحالِهِمْ. وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، والمَسْبُوقُ مُسْتَعارٌ لِلْمَغْلُوبِ عَنْ أمْرِهِ، شُبِّهَ بِالمَسْبُوقِ في الحَلْبَةِ، أوْ بِالمَسْبُوقِ في السَّيْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] ﴿أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]، ومِنهُ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءِ الفَقْعَسِيِّ: كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ يُرِيدُ: كَأنَّكَ لَمْ تُغْلَبْ إذا تَدارَكْتَ أمْرَكَ وأدْرَكْتَ طِلْبَتَكَ. صفحة ١٨١ و(عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مَسْبُوقِينَ)، أيْ: ما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بِأمْثالِكم كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم.

المعارج 70:40

﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلِانْتِقالِ مِن إثْباتِ الجَزاءِ إلى الِاحْتِجاجِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمُ الباعِثَةِ عَلى إنْكارِهِ، وهو الإنْكارُ الَّذِي ذُكِرَ إجْمالًا بِقَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا (إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا) فاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّشْأةِ الأُولى كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فالخَبَرُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ. فَهَذا مِن تَمامِ الخِطابِ المُوَجَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ إلى أسْماعِ المُشْرِكِينَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. والمَعْنى: أنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ حَتّى صارَتْ إنْسانًا عاقِلًا مُناظِرًا فَكَذَلِكَ نُعِيدُ خَلْقَهُ بِكَيْفِيَّةٍ لا يَعْلَمُونَها. فَماصَدَقَ (ما يَعْلَمُونَ) هو ما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن أنَّهُ كُوِّنَ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن نُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ، ولَكِنَّهم عَلِمُوا هَذِهِ النَّشْأةَ الأُولى فَألْهاهُمُ التَّعَوُّدُ بِها عَنِ التَّدَبُّرِ في دَلالَتِها عَلى إمْكانِ إعادَةِ المُكَوَّنِ مِنها بِتَكْوِينٍ آخَرَ. صفحة ١٧٩ وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: إنّا خَلَقْناهم مِن نُطْفَةٍ، كَما قالَ في آياتٍ أُخْرى ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] وقالَ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وغَيْرُها مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ، عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ في قَوْلِهِ مِمّا يَعْلَمُونَ تَوْجِيهًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ جادَلُوا وعانَدُوا، وعِلْمُ ما جادَلُوا فِيهِ قائِمٌ بِأنْفُسِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] . وكانَ في قَوْلِهِ تَعالى مِمّا يَعْلَمُونَ إيماءٌ إلى أنَّهم يُخْلَقُونَ الخَلْقَ الثّانِيَ مِمّا لا يَعْلَمُونَ كَما قالَ في الآيَةَ الأُخْرى ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] وقالَ (ونُنْشِئُكم فِيما لا تَعْلَمُونَ) فَكانَ في الخَلْقِ الأوَّلِ سِرٌّ لا يَعْلَمُونَهُ. ومَجِيءُ إنّا خَلَقْناهم مُوَكَّدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِهِمْ فِيما صَدَرَ مِنهم مِنَ الشُّبْهَةِ الباطِلَةِ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُونَ أنَّهم خُلِقُوا مِن نُطْفَةٍ وكانُوا مَعْدُومِينَ، فَكَيْفَ أحالُوا إعادَةَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ عَدِمَ بَعْضُ أجْزائِها وبَقِيَ بَعْضُها، ثُمَّ أتْبَعَ هَذِهِ الكِنايَةَ عَنْ إمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: فَإنّا لَقادِرُونَ الآيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفاءِ وما عَطَفَتْهُ. والقَسَمُ بِاللَّهِ بِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ المَشارِقَ والمَغارِبَ مَعْناهُ: رُبُوبِيَّتُهُ العالَمَ كُلَّهُ؛ لِأنَّ العالَمَ مُنْحَصِرٌ في جِهاتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها. وجَمْعُ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَطالِعِ الشَّمْسِ ومَغارِبِها في فُصُولِ السَّنَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مَظْهَرٌ عَجِيبٌ مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ دالٌّ عَلى الحَرَكاتِ الحافَّةِ بِالشَّمْسِ الَّتِي هي مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرُ في القُرْآنِ قَسَمٌ بِجِهَةٍ غَيْرِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ دُونَ الشَّمالِ والجَنُوبِ مَعَ أنَّ الشَّمالَ والجَنُوبَ جِهَتانِ مَشْهُورَتانِ عِنْدَ العَرَبِ. أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى سُنَّةِ أقْسامِ القُرْآنِ. وفِي إيثارِ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِالقَسَمِ بِرَبِّها رَعْيٌ لِمُناسَبَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها لِتَمْثِيلِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ. صفحة ١٨٠ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ مَعَ لا أُقْسِمُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ، وقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ. وقَوْلُهُ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أوَّلَهُما وهو المُناسِبُ لِلسِّياقِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى أنْ نُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنهم، أيْ: نُبَدِّلُ ذَواتَهم خَلْقًا خَيْرًا مِن خَلْقِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ اليَوْمَ. والخَيْرِيَّةُ في الإتْقانِ والسُّرْعَةِ ونَحْوِهِما وإنَّما كانَ خَلْقًا أُتْقِنَ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ خَلْقٌ مُناسِبٌ لِعالَمِ الخُلُودِ، وكانَ الخَلْقُ الأوَّلُ مُناسِبًا لِعالَمِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نُبَدِّلَ مُضَمَّنًا مَعْنى: نُعَوِّضُ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ نُبَدِّلَ ضَمِيرًا مِثْلَ ضَمِيرِ (مِنهم) أيْ: نُبَدِّلُهم والمَفْعُولُ الثّانِي خَيْرًا مِنهم. و(مِن) تَفْضِيلِيَّةٌ، أيْ: خَيْرًا في الخِلْقَةِ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ زَمانَيِ الخَلْقِ الأوَّلِ والخَلْقِ الثّانِي، أوِ اخْتِلافِ عالَمَيْهِما. والمَعْنى الثّانِي: أنْ نُبَدِّلَ هَؤُلاءِ بِخَيْرٍ مِنهم، أيْ: بِأُمَّةٍ خَيْرٍ مِنهم، والخَيْرِيَّةُ في الإيمانِ، فَيَكُونُ نُبَدِّلَ عَلى أصْلِ مَعْناهُ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا مِثْلَ ما في المَعْنى الأوَّلِ، ويَكُونُ خَيْرًا مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ البَدَلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، ويَكُونُ هَذا تَهْدِيدًا لَهم بِأنْ سَيَسْتَأْصِلُهم ويَأْتِي بِقَوْمٍ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى (﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]) وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . وفِي هَذا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَذْكِيرٌ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِحالِهِمْ. وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، والمَسْبُوقُ مُسْتَعارٌ لِلْمَغْلُوبِ عَنْ أمْرِهِ، شُبِّهَ بِالمَسْبُوقِ في الحَلْبَةِ، أوْ بِالمَسْبُوقِ في السَّيْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] ﴿أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]، ومِنهُ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءِ الفَقْعَسِيِّ: كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ يُرِيدُ: كَأنَّكَ لَمْ تُغْلَبْ إذا تَدارَكْتَ أمْرَكَ وأدْرَكْتَ طِلْبَتَكَ. صفحة ١٨١ و(عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مَسْبُوقِينَ)، أيْ: ما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بِأمْثالِكم كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم.

المعارج 70:41

﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلِانْتِقالِ مِن إثْباتِ الجَزاءِ إلى الِاحْتِجاجِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمُ الباعِثَةِ عَلى إنْكارِهِ، وهو الإنْكارُ الَّذِي ذُكِرَ إجْمالًا بِقَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا (إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا) فاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّشْأةِ الأُولى كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فالخَبَرُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ. فَهَذا مِن تَمامِ الخِطابِ المُوَجَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ إلى أسْماعِ المُشْرِكِينَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. والمَعْنى: أنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ حَتّى صارَتْ إنْسانًا عاقِلًا مُناظِرًا فَكَذَلِكَ نُعِيدُ خَلْقَهُ بِكَيْفِيَّةٍ لا يَعْلَمُونَها. فَماصَدَقَ (ما يَعْلَمُونَ) هو ما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن أنَّهُ كُوِّنَ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن نُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ، ولَكِنَّهم عَلِمُوا هَذِهِ النَّشْأةَ الأُولى فَألْهاهُمُ التَّعَوُّدُ بِها عَنِ التَّدَبُّرِ في دَلالَتِها عَلى إمْكانِ إعادَةِ المُكَوَّنِ مِنها بِتَكْوِينٍ آخَرَ. صفحة ١٧٩ وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: إنّا خَلَقْناهم مِن نُطْفَةٍ، كَما قالَ في آياتٍ أُخْرى ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] وقالَ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وغَيْرُها مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ، عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ في قَوْلِهِ مِمّا يَعْلَمُونَ تَوْجِيهًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ جادَلُوا وعانَدُوا، وعِلْمُ ما جادَلُوا فِيهِ قائِمٌ بِأنْفُسِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] . وكانَ في قَوْلِهِ تَعالى مِمّا يَعْلَمُونَ إيماءٌ إلى أنَّهم يُخْلَقُونَ الخَلْقَ الثّانِيَ مِمّا لا يَعْلَمُونَ كَما قالَ في الآيَةَ الأُخْرى ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] وقالَ (ونُنْشِئُكم فِيما لا تَعْلَمُونَ) فَكانَ في الخَلْقِ الأوَّلِ سِرٌّ لا يَعْلَمُونَهُ. ومَجِيءُ إنّا خَلَقْناهم مُوَكَّدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِهِمْ فِيما صَدَرَ مِنهم مِنَ الشُّبْهَةِ الباطِلَةِ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُونَ أنَّهم خُلِقُوا مِن نُطْفَةٍ وكانُوا مَعْدُومِينَ، فَكَيْفَ أحالُوا إعادَةَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ عَدِمَ بَعْضُ أجْزائِها وبَقِيَ بَعْضُها، ثُمَّ أتْبَعَ هَذِهِ الكِنايَةَ عَنْ إمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: فَإنّا لَقادِرُونَ الآيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفاءِ وما عَطَفَتْهُ. والقَسَمُ بِاللَّهِ بِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ المَشارِقَ والمَغارِبَ مَعْناهُ: رُبُوبِيَّتُهُ العالَمَ كُلَّهُ؛ لِأنَّ العالَمَ مُنْحَصِرٌ في جِهاتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها. وجَمْعُ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَطالِعِ الشَّمْسِ ومَغارِبِها في فُصُولِ السَّنَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مَظْهَرٌ عَجِيبٌ مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ دالٌّ عَلى الحَرَكاتِ الحافَّةِ بِالشَّمْسِ الَّتِي هي مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرُ في القُرْآنِ قَسَمٌ بِجِهَةٍ غَيْرِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ دُونَ الشَّمالِ والجَنُوبِ مَعَ أنَّ الشَّمالَ والجَنُوبَ جِهَتانِ مَشْهُورَتانِ عِنْدَ العَرَبِ. أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى سُنَّةِ أقْسامِ القُرْآنِ. وفِي إيثارِ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِالقَسَمِ بِرَبِّها رَعْيٌ لِمُناسَبَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها لِتَمْثِيلِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ. صفحة ١٨٠ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ مَعَ لا أُقْسِمُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ، وقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ. وقَوْلُهُ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أوَّلَهُما وهو المُناسِبُ لِلسِّياقِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى أنْ نُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنهم، أيْ: نُبَدِّلُ ذَواتَهم خَلْقًا خَيْرًا مِن خَلْقِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ اليَوْمَ. والخَيْرِيَّةُ في الإتْقانِ والسُّرْعَةِ ونَحْوِهِما وإنَّما كانَ خَلْقًا أُتْقِنَ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ خَلْقٌ مُناسِبٌ لِعالَمِ الخُلُودِ، وكانَ الخَلْقُ الأوَّلُ مُناسِبًا لِعالَمِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نُبَدِّلَ مُضَمَّنًا مَعْنى: نُعَوِّضُ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ نُبَدِّلَ ضَمِيرًا مِثْلَ ضَمِيرِ (مِنهم) أيْ: نُبَدِّلُهم والمَفْعُولُ الثّانِي خَيْرًا مِنهم. و(مِن) تَفْضِيلِيَّةٌ، أيْ: خَيْرًا في الخِلْقَةِ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ زَمانَيِ الخَلْقِ الأوَّلِ والخَلْقِ الثّانِي، أوِ اخْتِلافِ عالَمَيْهِما. والمَعْنى الثّانِي: أنْ نُبَدِّلَ هَؤُلاءِ بِخَيْرٍ مِنهم، أيْ: بِأُمَّةٍ خَيْرٍ مِنهم، والخَيْرِيَّةُ في الإيمانِ، فَيَكُونُ نُبَدِّلَ عَلى أصْلِ مَعْناهُ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا مِثْلَ ما في المَعْنى الأوَّلِ، ويَكُونُ خَيْرًا مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ البَدَلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، ويَكُونُ هَذا تَهْدِيدًا لَهم بِأنْ سَيَسْتَأْصِلُهم ويَأْتِي بِقَوْمٍ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى (﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]) وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . وفِي هَذا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَذْكِيرٌ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِحالِهِمْ. وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، والمَسْبُوقُ مُسْتَعارٌ لِلْمَغْلُوبِ عَنْ أمْرِهِ، شُبِّهَ بِالمَسْبُوقِ في الحَلْبَةِ، أوْ بِالمَسْبُوقِ في السَّيْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] ﴿أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]، ومِنهُ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءِ الفَقْعَسِيِّ: كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ يُرِيدُ: كَأنَّكَ لَمْ تُغْلَبْ إذا تَدارَكْتَ أمْرَكَ وأدْرَكْتَ طِلْبَتَكَ. صفحة ١٨١ و(عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مَسْبُوقِينَ)، أيْ: ما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بِأمْثالِكم كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم.

المعارج 70:42

﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نَصْبٍ يُوفِضُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦] مِن إرادَتِهِمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وقَوْلِهِمْ: إنَّنا نَدْخُلُ الجَنَّةَ، الِاسْتِهْزاءَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيءِ ﷺ . وبَعْدَ إبْطالِهِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا فُرِّعَ عَنْ ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ بِتَرْكِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم لَمْ يُجْدِ فِيهِمُ الهَدْيُ والِاسْتِدْلالُ وأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ والمُناواةِ. ومَعْنى الأمْرِ بِالتَّرْكِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم أنَّهُ أمْرٌ بِتَرْكِ ما أهَمَّ النَّبِيءَ ﷺ مِن عِنادِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ الحُجَجِ عَلى إثْباتِ البَعْثِ ولَمّا كانَ أكْبَرُ أسْبابِ إعْراضِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ هو خَوْضَهم ولَعِبَهم كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإعْراضِ بِقَوْلِهِ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا. فَجُمْلَةُ يَخُوضُوا وجُمْلَةُ ويَلْعَبُوا حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم. وتِلْكَ الحالُ قَيْدٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم. والتَّقْدِيرُ: فَذَرْ خَوْضَهم ولَعِبَهم ولا تَحْزَنْ لِعِنادِهِمْ وإصْرارِهِمْ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (ذَرْ) إلى ضَمِيرِ هم مِن قَبِيلِ تَوَجُّهِ الفِعْلِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ تُوَجُّهِهِ إلى بَعْضِ أحْوالِها الَّتِي لَها اخْتِصاصٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم أكْلُها، وقَوْلِهِ ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] أيْ: أنْ تَجْمَعُوهُما مَعًا في عِصْمَةِ نِكاحٍ، والِاعْتِمادُ في هَذا عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ كَما في الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] في سُورَةِ الطُّورِ، أوْ عَلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا في هَذِهِ الآيَةَ، فَقَدْ يَكُونُ المُقَدَّرُ مُخْتَلِفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى صفحة ١٨٢ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] إذِ التَّقْدِيرُ: فاجْتَنِبُوا شُرْبَ الخَمْرِ والتَّقامُرَ بِالمَيْسِرِ وعِبادَةَ الأنْصابِ والِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو المُعَنْوَنُ في أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى الأعْيانِ، أوْ إسْنادِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ إلى الأعْيانِ، ولِوُضُوحِ دَلالَةِ ذَلِكَ عَلى المُرادِ لَمْ يَعُدُّهُ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُصُولِ مِن قَبِيلِ المُجْمَلِ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ. وقَدْ يُتَوَسَّلُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّرْكِ إلى الكِنايَةِ عَنِ التَّحْقِيرِ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ كَقَوْلِ كَبْشَةَ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ تُلْهَبُ أخاها عَمْرًا لِلْأخْذِ بِثَأْرِ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وكانَ قَدْ قُتِلَ: ودَعْ عَنْكَ عَمْرًا إنَّ عَمْرًا مُسالِمُ وهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرٍ لِمَطْعَمِ وما في هَذِهِ الآيَةَ مِن ذَلِكَ الأُسْلُوبِ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِهِمْ فَإنَّهم دُونَ أنْ تَصْرِفَ هِمَّتَكَ في شَأْنِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] . وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فَذَرْهم لا عَلاقَةَ لَهُ بِحُكْمِ القِتالِ، ولا هو مِنَ المُوادَعَةِ ولا هو مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والخَوْضُ: الكَلامُ الكَثِيرُ، والمُرادُ خَوْضُهم في القُرْآنِ وشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. واللَّعِبُ: الهَزْلُ والهُزْءُ وهو لَعِبُهم في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ وخُرُوجِهِمْ عَنْ حُدُودِ التَّعَقُّلِ والجِدِّ في الأمْرِ لِاسْتِطارَةِ رُشْدِهِمْ حَسَدًا وغَيْظًا وحُنْقًا. وجَزْمُ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا في جَوابِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في ارْتِباطِ خَوْضِهِمْ ولَعِبِهِمْ بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ، إذْ مُقْتَضى جَزْمِهِ في الجَوابِ أنْ يُقَدَّرَ: أنْ تَذَرَهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا، أيْ: يَسْتَمِرُّوا في خَوْضِهِمْ ولَعِبِهِمْ وذَلِكَ لا يَضِيرُكَ، ومِثْلُ هَذا الجَزْمِ كَثِيرٌ نَحْوَ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] ونَحْوَ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ والنَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُ أمْثالَهُ مَجْزُومًا بِلامِ الأمْرِ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ مَقُولُ القَوْلِ وهو يُفِيدُ نُكْتَةَ المُبالَغَةِ. صفحة ١٨٣ و(حَتّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ذَرْهم لِما فِيهِ مِن مَعْنى أمْهِلْهم وانْتَظِرْهم، فَإنَّ اليَوْمَ الَّذِي وُعِدُوهُ هو يَوْمُ النُّشُورِ حِينَ يُجازَوْنَ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَلا يَكُونُ غايَةً لِـ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا والغايَةُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ تَرْكِهِمْ. وإضافَةُ (يَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ هم لِأدْنى مُلابَسَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا بِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ مِنَ المُلاقاةِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ ألِفٍ مِنَ اللِّقاءِ. واللِّقاءُ: مُجازٌ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ: فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هو مَجازٌ مِن جِهَتَيْنِ؛ لِأنَّ اليَوْمَ لا يَلْقى ولا يُلْقى. وعَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ هو مَجازٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ اللِّقاءَ إنَّما يَقَعُ بَيْنَ الذَّواتِ. و﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَهم) لَيْسَ ظَرْفًا. والخُرُوجُ: بُرُوزُ أجْسادِهِمْ مِنَ الأرْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والأجْداثُ: جَمَعُ جَدَثٍ، بِفَتْحَتَيْنِ، وهو القَبْرُ، والقَبْرُ: حَفِيرٌ يُجْعَلُ لِمُواراةِ المَيِّتِ. وضَمِيرُ (يَخْرُجُونَ) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المُخْبَرِ عَنْهم بِالأخْبارِ السّابِقَةِ. وجَمِيعُهم قَدْ دُفِنُوا في قُبُورٍ أوْ وُضِعُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ. والنَّصْبُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ: الصَّنَمُ، ويُقالُ: نُصُبٌ بِضَمَّتَيْنِ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ نُصُبًا أنَّهُ يُنْصَبُ لِلْعِبادَةِ، قالَ الأعْشى: وذا النُّصُبَ المَنصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ∗∗∗ ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا و(يُوفِضُونَ) مُضارِعُ أوْفَضَ، إذا أسْرَعَ وعَدا في سَيْرِهِ، أيْ: كَأنَّهم ذاهِبُونَ إلى صَنَمٍ، شُبِّهَ إسْراعُهم يَوْمَ القِيامَةِ إلى الحَشْرِ بِإسْراعِهِمْ في الدُّنْيا إلى الأصْنامِ لِزِيارَتِها؛ لِأنَّ لِهَذا الإسْراعِ اخْتِصاصًا بِهِمْ، وفي هَذا التَّشْبِيهِ إدْماجٌ لِتَفْظِيعِ حالِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ وإيماءٌ إلى أنَّ إسْراعَهم يَوْمَ القِيامَةِ إسْراعُ دَعٍّ ودَفْعٍ، جَزاءً عَلى إسْراعِهِمْ لِلْأصْنامِ. صفحة ١٨٤ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَصْبٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ. وخُشُوعُ الأبْصارِ اسْتِعارَةٌ لِلنَّظَرِ إلى أسْفَلَ مِنَ الذُّلِّ، كَما قالَ تَعالى (﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]) وقالَ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] . وأصْلُ الخُشُوعِ: ظُهُورُ الطّاعَةِ أوِ المَخافَةِ عَلى الإنْسانِ. والرَّهَقُ: الغَشَيانُ، أيْ: التَّغْطِيَةُ بِساتِرٍ، وهو اسْتِعارَةٌ هُنا؛ لِأنَّ الذِّلَّةَ لا تَغْشى. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ في أوَّلِ أغْراضِها مِن قَوْلِهِ (﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]) إلى قَوْلِهِ (﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ﴾ [المعارج: ٤]) الآياتِ، وهي مُفِيدَةٌ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ جُمْلَةِ ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ . وفِيها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. * * * صفحة ١٨٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ نُوحٍ بِهَذا الِاسْمِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وتَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ بِتَرْجَمَةِ (سُورَةِ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح: ١]) . ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ الشّائِعَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يُتَرْجِمْ لَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. وعُدَّتِ الثّالِثَةَ والسَّبْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ أرْبَعِينَ آيَةً مِن سُورَةِ النَّحْلِ وقَبْلَ سُورَةِ الطُّورِ. وعَدَّ العادُّونَ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ آيَها ثَلاثِينَ آيَةً، وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ والشّامِ تِسْعًا وعِشْرِينَ آيَةً، وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ ثَمانٍ وعِشْرِينَ آيَةً. * * * أغْراضُها أعْظَمُ مَقاصِدِ السُّورَةِ ضَرْبُ المَثَلِ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْمِ نُوحٍ وهم أوَّلُ المُشْرِكِينَ صفحة ١٨٦ الَّذِينَ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عِقابٌ في الدُّنْيا، وهو أعْظَمُ عِقابٍ أعْنِي الطُّوفانَ. وفي ذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ بِحالِهِمْ. وفِيها تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ مِن دَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنْذارِهِ قَوْمَهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ واسْتِدْلالِهِ لَهم بِبَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وتَذْكِيرِهِمْ بِيَوْمِ البَعْثِ. وتَصْمِيمُ قَوْمِهِ عَلى عِصْيانِهِ وعَلى تَصَلُّبِهِمْ في شِرْكِهِمْ. وتَسْمِيَةُ الأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. ودَعْوَةُ نُوحٍ عَلى قَوْمِهِ بِالِاسْتِئْصالِ. وأشارَتْ إلى الطُّوفانِ. ودُعاءُ نُوحٍ بِالمَغْفِرَةِ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وبِالتَّبارِ لِلْكافِرِينَ كُلِّهِمْ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ إدْماجُ وعْدِ المُطِيعِينَ بِسَعَةِ الأرْزاقِ وإكْثارِ النَّسْلِ ونَعِيمِ الجَنَّةِ.

المعارج 70:43

﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نَصْبٍ يُوفِضُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦] مِن إرادَتِهِمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وقَوْلِهِمْ: إنَّنا نَدْخُلُ الجَنَّةَ، الِاسْتِهْزاءَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيءِ ﷺ . وبَعْدَ إبْطالِهِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا فُرِّعَ عَنْ ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ بِتَرْكِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم لَمْ يُجْدِ فِيهِمُ الهَدْيُ والِاسْتِدْلالُ وأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ والمُناواةِ. ومَعْنى الأمْرِ بِالتَّرْكِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم أنَّهُ أمْرٌ بِتَرْكِ ما أهَمَّ النَّبِيءَ ﷺ مِن عِنادِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ الحُجَجِ عَلى إثْباتِ البَعْثِ ولَمّا كانَ أكْبَرُ أسْبابِ إعْراضِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ هو خَوْضَهم ولَعِبَهم كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإعْراضِ بِقَوْلِهِ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا. فَجُمْلَةُ يَخُوضُوا وجُمْلَةُ ويَلْعَبُوا حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم. وتِلْكَ الحالُ قَيْدٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم. والتَّقْدِيرُ: فَذَرْ خَوْضَهم ولَعِبَهم ولا تَحْزَنْ لِعِنادِهِمْ وإصْرارِهِمْ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (ذَرْ) إلى ضَمِيرِ هم مِن قَبِيلِ تَوَجُّهِ الفِعْلِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ تُوَجُّهِهِ إلى بَعْضِ أحْوالِها الَّتِي لَها اخْتِصاصٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم أكْلُها، وقَوْلِهِ ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] أيْ: أنْ تَجْمَعُوهُما مَعًا في عِصْمَةِ نِكاحٍ، والِاعْتِمادُ في هَذا عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ كَما في الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] في سُورَةِ الطُّورِ، أوْ عَلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا في هَذِهِ الآيَةَ، فَقَدْ يَكُونُ المُقَدَّرُ مُخْتَلِفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى صفحة ١٨٢ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] إذِ التَّقْدِيرُ: فاجْتَنِبُوا شُرْبَ الخَمْرِ والتَّقامُرَ بِالمَيْسِرِ وعِبادَةَ الأنْصابِ والِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو المُعَنْوَنُ في أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى الأعْيانِ، أوْ إسْنادِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ إلى الأعْيانِ، ولِوُضُوحِ دَلالَةِ ذَلِكَ عَلى المُرادِ لَمْ يَعُدُّهُ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُصُولِ مِن قَبِيلِ المُجْمَلِ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ. وقَدْ يُتَوَسَّلُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّرْكِ إلى الكِنايَةِ عَنِ التَّحْقِيرِ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ كَقَوْلِ كَبْشَةَ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ تُلْهَبُ أخاها عَمْرًا لِلْأخْذِ بِثَأْرِ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وكانَ قَدْ قُتِلَ: ودَعْ عَنْكَ عَمْرًا إنَّ عَمْرًا مُسالِمُ وهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرٍ لِمَطْعَمِ وما في هَذِهِ الآيَةَ مِن ذَلِكَ الأُسْلُوبِ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِهِمْ فَإنَّهم دُونَ أنْ تَصْرِفَ هِمَّتَكَ في شَأْنِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] . وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فَذَرْهم لا عَلاقَةَ لَهُ بِحُكْمِ القِتالِ، ولا هو مِنَ المُوادَعَةِ ولا هو مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والخَوْضُ: الكَلامُ الكَثِيرُ، والمُرادُ خَوْضُهم في القُرْآنِ وشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. واللَّعِبُ: الهَزْلُ والهُزْءُ وهو لَعِبُهم في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ وخُرُوجِهِمْ عَنْ حُدُودِ التَّعَقُّلِ والجِدِّ في الأمْرِ لِاسْتِطارَةِ رُشْدِهِمْ حَسَدًا وغَيْظًا وحُنْقًا. وجَزْمُ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا في جَوابِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في ارْتِباطِ خَوْضِهِمْ ولَعِبِهِمْ بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ، إذْ مُقْتَضى جَزْمِهِ في الجَوابِ أنْ يُقَدَّرَ: أنْ تَذَرَهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا، أيْ: يَسْتَمِرُّوا في خَوْضِهِمْ ولَعِبِهِمْ وذَلِكَ لا يَضِيرُكَ، ومِثْلُ هَذا الجَزْمِ كَثِيرٌ نَحْوَ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] ونَحْوَ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ والنَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُ أمْثالَهُ مَجْزُومًا بِلامِ الأمْرِ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ مَقُولُ القَوْلِ وهو يُفِيدُ نُكْتَةَ المُبالَغَةِ. صفحة ١٨٣ و(حَتّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ذَرْهم لِما فِيهِ مِن مَعْنى أمْهِلْهم وانْتَظِرْهم، فَإنَّ اليَوْمَ الَّذِي وُعِدُوهُ هو يَوْمُ النُّشُورِ حِينَ يُجازَوْنَ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَلا يَكُونُ غايَةً لِـ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا والغايَةُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ تَرْكِهِمْ. وإضافَةُ (يَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ هم لِأدْنى مُلابَسَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا بِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ مِنَ المُلاقاةِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ ألِفٍ مِنَ اللِّقاءِ. واللِّقاءُ: مُجازٌ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ: فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هو مَجازٌ مِن جِهَتَيْنِ؛ لِأنَّ اليَوْمَ لا يَلْقى ولا يُلْقى. وعَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ هو مَجازٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ اللِّقاءَ إنَّما يَقَعُ بَيْنَ الذَّواتِ. و﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَهم) لَيْسَ ظَرْفًا. والخُرُوجُ: بُرُوزُ أجْسادِهِمْ مِنَ الأرْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والأجْداثُ: جَمَعُ جَدَثٍ، بِفَتْحَتَيْنِ، وهو القَبْرُ، والقَبْرُ: حَفِيرٌ يُجْعَلُ لِمُواراةِ المَيِّتِ. وضَمِيرُ (يَخْرُجُونَ) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المُخْبَرِ عَنْهم بِالأخْبارِ السّابِقَةِ. وجَمِيعُهم قَدْ دُفِنُوا في قُبُورٍ أوْ وُضِعُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ. والنَّصْبُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ: الصَّنَمُ، ويُقالُ: نُصُبٌ بِضَمَّتَيْنِ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ نُصُبًا أنَّهُ يُنْصَبُ لِلْعِبادَةِ، قالَ الأعْشى: وذا النُّصُبَ المَنصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ∗∗∗ ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا و(يُوفِضُونَ) مُضارِعُ أوْفَضَ، إذا أسْرَعَ وعَدا في سَيْرِهِ، أيْ: كَأنَّهم ذاهِبُونَ إلى صَنَمٍ، شُبِّهَ إسْراعُهم يَوْمَ القِيامَةِ إلى الحَشْرِ بِإسْراعِهِمْ في الدُّنْيا إلى الأصْنامِ لِزِيارَتِها؛ لِأنَّ لِهَذا الإسْراعِ اخْتِصاصًا بِهِمْ، وفي هَذا التَّشْبِيهِ إدْماجٌ لِتَفْظِيعِ حالِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ وإيماءٌ إلى أنَّ إسْراعَهم يَوْمَ القِيامَةِ إسْراعُ دَعٍّ ودَفْعٍ، جَزاءً عَلى إسْراعِهِمْ لِلْأصْنامِ. صفحة ١٨٤ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَصْبٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ. وخُشُوعُ الأبْصارِ اسْتِعارَةٌ لِلنَّظَرِ إلى أسْفَلَ مِنَ الذُّلِّ، كَما قالَ تَعالى (﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]) وقالَ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] . وأصْلُ الخُشُوعِ: ظُهُورُ الطّاعَةِ أوِ المَخافَةِ عَلى الإنْسانِ. والرَّهَقُ: الغَشَيانُ، أيْ: التَّغْطِيَةُ بِساتِرٍ، وهو اسْتِعارَةٌ هُنا؛ لِأنَّ الذِّلَّةَ لا تَغْشى. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ في أوَّلِ أغْراضِها مِن قَوْلِهِ (﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]) إلى قَوْلِهِ (﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ﴾ [المعارج: ٤]) الآياتِ، وهي مُفِيدَةٌ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ جُمْلَةِ ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ . وفِيها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. * * * صفحة ١٨٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ نُوحٍ بِهَذا الِاسْمِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وتَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ بِتَرْجَمَةِ (سُورَةِ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح: ١]) . ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ الشّائِعَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يُتَرْجِمْ لَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. وعُدَّتِ الثّالِثَةَ والسَّبْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ أرْبَعِينَ آيَةً مِن سُورَةِ النَّحْلِ وقَبْلَ سُورَةِ الطُّورِ. وعَدَّ العادُّونَ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ آيَها ثَلاثِينَ آيَةً، وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ والشّامِ تِسْعًا وعِشْرِينَ آيَةً، وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ ثَمانٍ وعِشْرِينَ آيَةً. * * * أغْراضُها أعْظَمُ مَقاصِدِ السُّورَةِ ضَرْبُ المَثَلِ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْمِ نُوحٍ وهم أوَّلُ المُشْرِكِينَ صفحة ١٨٦ الَّذِينَ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عِقابٌ في الدُّنْيا، وهو أعْظَمُ عِقابٍ أعْنِي الطُّوفانَ. وفي ذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ بِحالِهِمْ. وفِيها تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ مِن دَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنْذارِهِ قَوْمَهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ واسْتِدْلالِهِ لَهم بِبَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وتَذْكِيرِهِمْ بِيَوْمِ البَعْثِ. وتَصْمِيمُ قَوْمِهِ عَلى عِصْيانِهِ وعَلى تَصَلُّبِهِمْ في شِرْكِهِمْ. وتَسْمِيَةُ الأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. ودَعْوَةُ نُوحٍ عَلى قَوْمِهِ بِالِاسْتِئْصالِ. وأشارَتْ إلى الطُّوفانِ. ودُعاءُ نُوحٍ بِالمَغْفِرَةِ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وبِالتَّبارِ لِلْكافِرِينَ كُلِّهِمْ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ إدْماجُ وعْدِ المُطِيعِينَ بِسَعَةِ الأرْزاقِ وإكْثارِ النَّسْلِ ونَعِيمِ الجَنَّةِ.

المعارج 70:44

﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نَصْبٍ يُوفِضُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦] مِن إرادَتِهِمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وقَوْلِهِمْ: إنَّنا نَدْخُلُ الجَنَّةَ، الِاسْتِهْزاءَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيءِ ﷺ . وبَعْدَ إبْطالِهِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا فُرِّعَ عَنْ ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ بِتَرْكِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم لَمْ يُجْدِ فِيهِمُ الهَدْيُ والِاسْتِدْلالُ وأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ والمُناواةِ. ومَعْنى الأمْرِ بِالتَّرْكِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم أنَّهُ أمْرٌ بِتَرْكِ ما أهَمَّ النَّبِيءَ ﷺ مِن عِنادِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ الحُجَجِ عَلى إثْباتِ البَعْثِ ولَمّا كانَ أكْبَرُ أسْبابِ إعْراضِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ هو خَوْضَهم ولَعِبَهم كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإعْراضِ بِقَوْلِهِ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا. فَجُمْلَةُ يَخُوضُوا وجُمْلَةُ ويَلْعَبُوا حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم. وتِلْكَ الحالُ قَيْدٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم. والتَّقْدِيرُ: فَذَرْ خَوْضَهم ولَعِبَهم ولا تَحْزَنْ لِعِنادِهِمْ وإصْرارِهِمْ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (ذَرْ) إلى ضَمِيرِ هم مِن قَبِيلِ تَوَجُّهِ الفِعْلِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ تُوَجُّهِهِ إلى بَعْضِ أحْوالِها الَّتِي لَها اخْتِصاصٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم أكْلُها، وقَوْلِهِ ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] أيْ: أنْ تَجْمَعُوهُما مَعًا في عِصْمَةِ نِكاحٍ، والِاعْتِمادُ في هَذا عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ كَما في الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] في سُورَةِ الطُّورِ، أوْ عَلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا في هَذِهِ الآيَةَ، فَقَدْ يَكُونُ المُقَدَّرُ مُخْتَلِفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى صفحة ١٨٢ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] إذِ التَّقْدِيرُ: فاجْتَنِبُوا شُرْبَ الخَمْرِ والتَّقامُرَ بِالمَيْسِرِ وعِبادَةَ الأنْصابِ والِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو المُعَنْوَنُ في أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى الأعْيانِ، أوْ إسْنادِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ إلى الأعْيانِ، ولِوُضُوحِ دَلالَةِ ذَلِكَ عَلى المُرادِ لَمْ يَعُدُّهُ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُصُولِ مِن قَبِيلِ المُجْمَلِ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ. وقَدْ يُتَوَسَّلُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّرْكِ إلى الكِنايَةِ عَنِ التَّحْقِيرِ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ كَقَوْلِ كَبْشَةَ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ تُلْهَبُ أخاها عَمْرًا لِلْأخْذِ بِثَأْرِ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وكانَ قَدْ قُتِلَ: ودَعْ عَنْكَ عَمْرًا إنَّ عَمْرًا مُسالِمُ وهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرٍ لِمَطْعَمِ وما في هَذِهِ الآيَةَ مِن ذَلِكَ الأُسْلُوبِ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِهِمْ فَإنَّهم دُونَ أنْ تَصْرِفَ هِمَّتَكَ في شَأْنِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] . وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فَذَرْهم لا عَلاقَةَ لَهُ بِحُكْمِ القِتالِ، ولا هو مِنَ المُوادَعَةِ ولا هو مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. والخَوْضُ: الكَلامُ الكَثِيرُ، والمُرادُ خَوْضُهم في القُرْآنِ وشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ. واللَّعِبُ: الهَزْلُ والهُزْءُ وهو لَعِبُهم في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ وخُرُوجِهِمْ عَنْ حُدُودِ التَّعَقُّلِ والجِدِّ في الأمْرِ لِاسْتِطارَةِ رُشْدِهِمْ حَسَدًا وغَيْظًا وحُنْقًا. وجَزْمُ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا في جَوابِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في ارْتِباطِ خَوْضِهِمْ ولَعِبِهِمْ بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ، إذْ مُقْتَضى جَزْمِهِ في الجَوابِ أنْ يُقَدَّرَ: أنْ تَذَرَهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا، أيْ: يَسْتَمِرُّوا في خَوْضِهِمْ ولَعِبِهِمْ وذَلِكَ لا يَضِيرُكَ، ومِثْلُ هَذا الجَزْمِ كَثِيرٌ نَحْوَ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] ونَحْوَ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ والنَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُ أمْثالَهُ مَجْزُومًا بِلامِ الأمْرِ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ مَقُولُ القَوْلِ وهو يُفِيدُ نُكْتَةَ المُبالَغَةِ. صفحة ١٨٣ و(حَتّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ذَرْهم لِما فِيهِ مِن مَعْنى أمْهِلْهم وانْتَظِرْهم، فَإنَّ اليَوْمَ الَّذِي وُعِدُوهُ هو يَوْمُ النُّشُورِ حِينَ يُجازَوْنَ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَلا يَكُونُ غايَةً لِـ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا والغايَةُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ تَرْكِهِمْ. وإضافَةُ (يَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ هم لِأدْنى مُلابَسَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا بِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ مِنَ المُلاقاةِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ ألِفٍ مِنَ اللِّقاءِ. واللِّقاءُ: مُجازٌ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ: فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هو مَجازٌ مِن جِهَتَيْنِ؛ لِأنَّ اليَوْمَ لا يَلْقى ولا يُلْقى. وعَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ هو مَجازٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ اللِّقاءَ إنَّما يَقَعُ بَيْنَ الذَّواتِ. و﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَهم) لَيْسَ ظَرْفًا. والخُرُوجُ: بُرُوزُ أجْسادِهِمْ مِنَ الأرْضِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والأجْداثُ: جَمَعُ جَدَثٍ، بِفَتْحَتَيْنِ، وهو القَبْرُ، والقَبْرُ: حَفِيرٌ يُجْعَلُ لِمُواراةِ المَيِّتِ. وضَمِيرُ (يَخْرُجُونَ) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المُخْبَرِ عَنْهم بِالأخْبارِ السّابِقَةِ. وجَمِيعُهم قَدْ دُفِنُوا في قُبُورٍ أوْ وُضِعُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ. والنَّصْبُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ: الصَّنَمُ، ويُقالُ: نُصُبٌ بِضَمَّتَيْنِ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ نُصُبًا أنَّهُ يُنْصَبُ لِلْعِبادَةِ، قالَ الأعْشى: وذا النُّصُبَ المَنصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ∗∗∗ ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا و(يُوفِضُونَ) مُضارِعُ أوْفَضَ، إذا أسْرَعَ وعَدا في سَيْرِهِ، أيْ: كَأنَّهم ذاهِبُونَ إلى صَنَمٍ، شُبِّهَ إسْراعُهم يَوْمَ القِيامَةِ إلى الحَشْرِ بِإسْراعِهِمْ في الدُّنْيا إلى الأصْنامِ لِزِيارَتِها؛ لِأنَّ لِهَذا الإسْراعِ اخْتِصاصًا بِهِمْ، وفي هَذا التَّشْبِيهِ إدْماجٌ لِتَفْظِيعِ حالِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ وإيماءٌ إلى أنَّ إسْراعَهم يَوْمَ القِيامَةِ إسْراعُ دَعٍّ ودَفْعٍ، جَزاءً عَلى إسْراعِهِمْ لِلْأصْنامِ. صفحة ١٨٤ وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَصْبٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ. وخُشُوعُ الأبْصارِ اسْتِعارَةٌ لِلنَّظَرِ إلى أسْفَلَ مِنَ الذُّلِّ، كَما قالَ تَعالى (﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]) وقالَ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] . وأصْلُ الخُشُوعِ: ظُهُورُ الطّاعَةِ أوِ المَخافَةِ عَلى الإنْسانِ. والرَّهَقُ: الغَشَيانُ، أيْ: التَّغْطِيَةُ بِساتِرٍ، وهو اسْتِعارَةٌ هُنا؛ لِأنَّ الذِّلَّةَ لا تَغْشى. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ في أوَّلِ أغْراضِها مِن قَوْلِهِ (﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]) إلى قَوْلِهِ (﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ﴾ [المعارج: ٤]) الآياتِ، وهي مُفِيدَةٌ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ جُمْلَةِ ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ . وفِيها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. * * * صفحة ١٨٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ نُوحٍ بِهَذا الِاسْمِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وتَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ بِتَرْجَمَةِ (سُورَةِ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح: ١]) . ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ الشّائِعَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يُتَرْجِمْ لَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. وعُدَّتِ الثّالِثَةَ والسَّبْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ أرْبَعِينَ آيَةً مِن سُورَةِ النَّحْلِ وقَبْلَ سُورَةِ الطُّورِ. وعَدَّ العادُّونَ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ آيَها ثَلاثِينَ آيَةً، وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ والشّامِ تِسْعًا وعِشْرِينَ آيَةً، وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ ثَمانٍ وعِشْرِينَ آيَةً. * * * أغْراضُها أعْظَمُ مَقاصِدِ السُّورَةِ ضَرْبُ المَثَلِ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْمِ نُوحٍ وهم أوَّلُ المُشْرِكِينَ صفحة ١٨٦ الَّذِينَ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عِقابٌ في الدُّنْيا، وهو أعْظَمُ عِقابٍ أعْنِي الطُّوفانَ. وفي ذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ بِحالِهِمْ. وفِيها تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ مِن دَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنْذارِهِ قَوْمَهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ واسْتِدْلالِهِ لَهم بِبَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وتَذْكِيرِهِمْ بِيَوْمِ البَعْثِ. وتَصْمِيمُ قَوْمِهِ عَلى عِصْيانِهِ وعَلى تَصَلُّبِهِمْ في شِرْكِهِمْ. وتَسْمِيَةُ الأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها. ودَعْوَةُ نُوحٍ عَلى قَوْمِهِ بِالِاسْتِئْصالِ. وأشارَتْ إلى الطُّوفانِ. ودُعاءُ نُوحٍ بِالمَغْفِرَةِ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وبِالتَّبارِ لِلْكافِرِينَ كُلِّهِمْ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ إدْماجُ وعْدِ المُطِيعِينَ بِسَعَةِ الأرْزاقِ وإكْثارِ النَّسْلِ ونَعِيمِ الجَنَّةِ.

نوح 71:1

﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ افْتِتاحُ الكَلامِ بِالتَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ إذْ لَيْسَ المَقامُ لِرَدِّ إنْكارِ مُنْكِرٍ، ولا دَفْعِ شَكٍّ عَنْ مُتَرَدِّدٍ في هَذا الكَلامِ. وكَثِيرًا ما يَفْتَتِحُ بُلَغاءُ العَرَبِ أوَّلَ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِهَذا الغَرَضِ ورُبَّما جَعَلُوا (إنَّ) داخِلَةً عَلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] أنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ الآيَةَ. وذِكْرُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَضى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ أنَّ هَذا الِاسْمَ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، وأنَّهُ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِن مادَّةِ النَّوْحِ. و﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ إلى آخِرِهِ هو مَضْمُونُ ما أُرْسِلَ بِهِ نُوحٌ إلى قَوْمِهِ، فَـ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِأنَّها وقَعَتْ بَعْدَ أرْسَلْنا. وفِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أنَّهُ يُخَوِّفُهم غَضَبَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ إذْ عَبَدُوا الأصْنامَ ولَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ ولَمْ يُطِيعُوا ما جاءَهم بِهِ رَسُولُهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُنْذِرَهم عَذابًا يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ لِيَكُونَ إنْذارُهُ مُقَدَّمًا عَلى حُلُولِ العَذابِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ أُمِرَ صفحة ١٨٧ بِأنْ يُعْلِمَهم بِهَذا العَذابِ، وأنَّ اللَّهَ وقَّتَهُ بِمُدَّةِ بَقائِهِمْ بَعْدَ الشِّرْكِ بَعْدَ إبْلاغِ نُوحٍ إلَيْهِمْ ما أُرْسِلَ بِهِ في مُدَّةٍ يَقَعُ الإبْلاغُ في مِثْلِها، فَحَذْفُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ أنْذِرْ لِدَلالَةِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣] . وحَرْفُ (مِن) زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ، فَهي قَبْلِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وتَأْكِيدُها بِاعْتِبارِ تَحْقِيقِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (قَبْلِ) . وقَوْمُ نُوحٍ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ كانُوا عامِرِينَ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ، إذْ لا يُوجَدُ غَيْرُهم عَلى الأرْضِ كَما هو ظاهِرُ حَدِيثِ الشَّفاعَةِ وذَلِكَ صَرِيحُ ما في التَّوْراةِ. والقَوْمُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ يَجْمَعُهم مَوْطِنٌ واحِدٌ أوْ نَسَبٌ واحِدٌ بِرِجالِهِمْ ونِسائِهِمْ وأطْفالِهِمْ. وإضافَةُ (قَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ (نُوحٍ)؛ لِأنَّهُ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَلَهم مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِهِ، ولِأنَّهُ واحِدٌ مِنهم وهم بَيْنَ أبْناءٍ لَهُ وأنْسِباءَ فَإضافَتُهم إلى ضَمِيرِهِ تَعْرِيفٌ لَهم إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْمٌ خاصٌّ مِن أسْماءِ الأُمَمِ الواقِعَةِ مِن بَعْدُ. وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ لَهُ: أنْذِرِ النّاسَ إلى قَوْلِهِ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ إلْهابًا لِنَفْسِ نُوحٍ لِيَكُونَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى ما فِيهِ نَجاتُهم مِنَ العَذابِ، فَإنَّ فِيهِمْ أبْناءَهُ وقَرابَتَهُ وأحِبَّتَهُ، وهم عَدَدٌ تَكَوَّنَ بِالتَّوالُدِ في بَنِي آدَمَ في مُدَّةِ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِن حُلُولِ جِنْسِ الإنْسانِ عَلى الأرْضِ. ولَعَلَّ عَدَدَهم يَوْمَ أُرْسِلَ نُوحٍ إلَيْهِمْ لا يَتَجاوَزُ بِضْعَةَ آلافٍ.

نوح 71:2

﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] لِأنَّها في مَعْنى البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] لِدَلالَتِها عَلى أنَّهُ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم، وإنَّما أُدْمِجَ فِيهِ فِعْلُ قَوْلِ نُوحٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ فَقالَ، تَنْبِيهًا عَلى مُبادَرَةِ نُوحٍ لِإنْذارِ قَوْمِهِ في حِينِ بُلُوغِ الوَحْيِ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ. صفحة ١٨٨ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ ماذا فَعَلَ نُوحٌ حِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، وهُما مُتَقارِبانِ. وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ قَوْمَهَ بِالنِّداءِ لِطَلَبِ إقْبالِ أذْهانِهِمْ، ونِداؤُهم بِعُنْوانِ: أنَّهم قَوْمُهُ، تَمْهِيدٌ لِقَبُولِ نُصْحِهِ إذْ لا يُرِيدُ الرَّجُلُ لِقَوْمِهِ إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ. وتَصْدِيرُ دَعْوَتِهِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ يَتَرَدَّدُونَ في الخَبَرِ. والنَّذِيرُ: المُنْذِرُ غَيْرُ جارٍ عَلى القِياسِ، وهو مِثْلُ بَشِيرٍ، ومِثْلُ حَكِيمٍ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، وألِيمٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُسْمِعٍ، في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعِدِ يكَرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] . وحَذْفُ مُتَعَلِّقَ نَذِيرٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنِّي لَكم نَذِيرٌ بِعَذابٍ ألِيمٍ إنْ لَمْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولَمْ تَتَّقُوهُ ولَمْ تُطِيعُونِي. والمُبِينُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أبانَ المُتَعَدِّي الَّذِي مُجَرَّدُهُ بانَ، أيْ: مُوَضِّحٌ أوْ مِن أبانَ القاصِرِ، الَّذِي هو مُرادِفُ بانَ المُجَرَّدِ، أيْ: نَذِيرٌ واضِحٌ لَكم أنِّي نَذِيرٌ، لِأنِّي لا أجْتَنِي مِن دَعْوَتِكم فائِدَةً مِن مَتاعِ الدُّنْيا وإنَّما فائِدَةُ ذَلِكَ لَكم، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١١٠] . وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى عامِلِهِ وهو نَذِيرٌ لِلِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ مِن كَوْنِ النِّذارَةُ لِفائِدَتِهِمْ لا لِفائِدَتِهِ. فَجَمَعَ في صَدْرِ دَعْوَتِهِ خَمْسَةَ مُؤَكِّداتٍ، وهي: النِّداءُ، وجَعْلُ المُنادى لَفْظَ يا (قَوْمِ) المُضافَ إلى ضَمِيرِهِ، وافْتِتاحُ كَلامِهِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، واجْتِلابُ لامِ التَّعْلِيلِ، وتَقْدِيمُ مَجْرُورِها. و(أنْ) في (أنِ اعْبُدُوا) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ وصْفَ (نَذِيرٌ) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ونَسُوها بِالتَّمَحُّضِ لِأصْنامِهِمْ، وكانَ قَوْمُ نُوحٍ مُشْرِكِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] . وبِذَلِكَ كانَ تَمْثِيلُ حالِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِحالِ قَوْمِ نُوحٍ تَمْثِيلًا تامًّا. صفحة ١٨٩ واتِّقاءُ اللَّهِ اتِّقاءُ غَضَبِهِ، فَهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ. والمُرادُ: حالٌ مِن أحْوالِ الذّاتِ مِن بابِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ: أكْلُها، أيْ: بِأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بِهِ. وطاعَتُهم لِنُوحٍ هي امْتِثالُهم لِما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وقَدْ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ في شَرِيعَةِ نُوحٍ إلّا الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ فَلَيْسَ في شَرِيعَتِهِ أعْمالٌ تُطْلَبُ الطّاعَةُ فِيها لَكِنْ لَمْ تَخْلُ شَرِيعَةٌ إلَهِيَّةٌ مِن تَحْرِيمِ الفَواحِشِ مِثْلَ قَتْلِ الأنْفُسِ وسَلْبِ الأمْوالِ، فَقَوْلُهُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] يَنْصَرِفُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ إلى ذُنُوبِ الإشْراكِ اعْتِقادًا وسُجُودًا. وجَزْمُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] في جَوابِ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، أيْ: إنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ يَغْفِرِ اللَّهُ لَكم مِن ذُنُوبِكم. وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ. وحَرْفُ (مِن) زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، وهَذا مِن زِيادَةِ (مِن) في الإيجابِ عَلى رَأْيِ كَثِيرٍ مِن أيِمَّةِ النَّحْوِ مِثْلَ الأخْفَشِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وابْنِ جِنِّي مِنَ البَصْرِيِّينَ وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ وجَمِيعُ نُحاةِ الكُوفَةِ. فَيُفِيدُ أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ في شَرِيعَةِ نُوحٍ مِثْلَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، عِنْدَ مَن أثْبَتَ ذَلِكَ وهو اخْتِيارُ التَّفْتَزانِيِّ، أيْ: يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم، أيْ: ذُنُوبَ الإشْراكِ وما مَعَهُ، فَيَكُونُ الإيمانُ في شَرْعِ نُوحٍ لا يَقْتَضِي مَغْفِرَةَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ السّابِقَةِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ تَماثُلُ الشَّرائِعِ في جَمِيعِ الأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ، ومَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ مِن تَفارِيعِ الدِّينِ ولَيْسَتْ مِن أُصُولِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى التَّبْعِيضِ: مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ السّابِقَةِ دُونَ ما يُذْنِبُونَ مِن بَعْدُ. وهَذا يَتِمُّ ويَحْسُنُ إذا قَدَّرْنا أنَّ شَرِيعَةَ نُوحٍ تَشْتَمِلُ عَلى أوامِرَ ومَنهِيّاتٍ عَمَلِيَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ اقْتِصادًا في الكَلامِ بِالقَدْرِ المُحَقَّقِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] فَهو وعْدٌ بِخَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ يَسْتَوِي النّاسُ في رَغْبَتِهِ، وهو طُولُ البَقاءِ فَإنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ؛ لِأنَّ في جِبِلَّةِ الإنْسانِ حُبُّ البَقاءِ في الحَياةِ عَلى ما في الحَياةِ مِن عَوارِضَ ومُكَدِّراتٍ. وهَذا نامُوسٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في جِبِلَّةِ الإنْسانِ لِتَجْرِيَ أعْمالُ النّاسِ عَلى ما يُعِينُ عَلى حِفْظِ النَّوْعِ. قالَ المَعَرِّيُّ: وكُلٌّ يُرِيدُ العَيْشَ والعَيْشُ حَتْفُهُ ∗∗∗ ويَسْتَعْذِبُ اللَّذّاتِ وهْيَ سِمامُ والتَّأْخِيرُ: ضِدُّ التَّعْجِيلِ، وقَدْ أُطْلِقَ التَّأْخِيرُ عَلى التَّمْدِيدِ والتَّوْسِيعِ مِن أجْلِ الشَّيْءِ. صفحة ١٩٠ وقَدْ أشْعَرَ وعْدُهُ إيّاهم بِالتَّأْخِيرِ أنَّهُ تَأْخِيرُ مَجْمُوعِهِمْ، أيْ: مَجْمُوعُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ جُعِلَ جَزاءً لِكُلِّ مَن عَبَدَ اللَّهَ مِنهم واتَّقاهُ وأطاعَ الرَّسُولَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أنْذَرَهم في خِلالِ ذَلِكَ بِاسْتِئْصالِ القَوْمِ كُلِّهِمْ، وأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِذَلِكَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وكَما يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] أيْ: سَخِرُوا مِنَ الأمْرِ الَّذِي يَصْنَعُ الفُلْكَ لِلْوِقايَةِ مِنهُ. وهو أمْرُ الطُّوفانِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّأْخِيرَ المُرادَ هُنا هو عَدَمُ اسْتِئْصالِهِمْ. والمَعْنى: ويُؤَخَّرُ القَوْمُ كُلُّهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو آجالُ إشْخاصِهِمْ وهي مُتَفاوِتَةٌ. والأجَلُ المُسَمّى: هو الأجَلُ المُعَيَّنُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ عِنْدَ خِلْقَةِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم، فالتَّنْوِينُ في (أجَلٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيِ: الجِنْسِ، وهو صادِقٌ عَلى آجالٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِعَدَدِ أصْحابِها كَما قالَ تَعالى ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [الحج: ٥] ومَعْنى مُسَمًّى أنَّهُ مُحَدَّدٌ مُعَيَّنٌ وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. فالأجَلُ المُسَمّى: هو عُمُرُ كُلِّ واحِدٍ المُعَيَّنُ لَهُ في ساعَةِ خَلْقِهِ المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ ”«أنَّ المَلَكَ يُؤْمَرُ بِكَتْبِ أجَلِ المَخْلُوقِ عِنْدَما يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» “ واسْتُعِيرَتِ التَّسْمِيَةُ لِلتَّعْيِينِ لِشَبَهِ عَدَمِ الِاخْتِلاطِ بَيْنَ أصْحابِ الآجالِ. والمَعْنى: ويُؤَخِّرُكم فَلا يُعَجِّلُ بِإهْلاكِكم جَمِيعًا فَيُؤَخِّرُ كُلَّ أحَدٍ إلى أجْلِهِ المُعَيَّنِ لَهُ عَلى تَفاوُتِ آجالِهِمْ. فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ نَظِيرُ مَعْنى آيَةِ سُورَةِ هُودٍ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] وهي عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

نوح 71:3

﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] لِأنَّها في مَعْنى البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] لِدَلالَتِها عَلى أنَّهُ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَهُ لَهم، وإنَّما أُدْمِجَ فِيهِ فِعْلُ قَوْلِ نُوحٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَقُولَ فَقالَ، تَنْبِيهًا عَلى مُبادَرَةِ نُوحٍ لِإنْذارِ قَوْمِهِ في حِينِ بُلُوغِ الوَحْيِ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ. صفحة ١٨٨ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ ماذا فَعَلَ نُوحٌ حِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، وهُما مُتَقارِبانِ. وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ قَوْمَهَ بِالنِّداءِ لِطَلَبِ إقْبالِ أذْهانِهِمْ، ونِداؤُهم بِعُنْوانِ: أنَّهم قَوْمُهُ، تَمْهِيدٌ لِقَبُولِ نُصْحِهِ إذْ لا يُرِيدُ الرَّجُلُ لِقَوْمِهِ إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ. وتَصْدِيرُ دَعْوَتِهِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ يَتَرَدَّدُونَ في الخَبَرِ. والنَّذِيرُ: المُنْذِرُ غَيْرُ جارٍ عَلى القِياسِ، وهو مِثْلُ بَشِيرٍ، ومِثْلُ حَكِيمٍ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، وألِيمٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ، وسَمِيعٌ بِمَعْنى مُسْمِعٍ، في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعِدِ يكَرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] . وحَذْفُ مُتَعَلِّقَ نَذِيرٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنِّي لَكم نَذِيرٌ بِعَذابٍ ألِيمٍ إنْ لَمْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولَمْ تَتَّقُوهُ ولَمْ تُطِيعُونِي. والمُبِينُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أبانَ المُتَعَدِّي الَّذِي مُجَرَّدُهُ بانَ، أيْ: مُوَضِّحٌ أوْ مِن أبانَ القاصِرِ، الَّذِي هو مُرادِفُ بانَ المُجَرَّدِ، أيْ: نَذِيرٌ واضِحٌ لَكم أنِّي نَذِيرٌ، لِأنِّي لا أجْتَنِي مِن دَعْوَتِكم فائِدَةً مِن مَتاعِ الدُّنْيا وإنَّما فائِدَةُ ذَلِكَ لَكم، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١١٠] . وتَقْدِيمُ (لَكم) عَلى عامِلِهِ وهو نَذِيرٌ لِلِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ مِن كَوْنِ النِّذارَةُ لِفائِدَتِهِمْ لا لِفائِدَتِهِ. فَجَمَعَ في صَدْرِ دَعْوَتِهِ خَمْسَةَ مُؤَكِّداتٍ، وهي: النِّداءُ، وجَعْلُ المُنادى لَفْظَ يا (قَوْمِ) المُضافَ إلى ضَمِيرِهِ، وافْتِتاحُ كَلامِهِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، واجْتِلابُ لامِ التَّعْلِيلِ، وتَقْدِيمُ مَجْرُورِها. و(أنْ) في (أنِ اعْبُدُوا) تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ وصْفَ (نَذِيرٌ) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْها ونَسُوها بِالتَّمَحُّضِ لِأصْنامِهِمْ، وكانَ قَوْمُ نُوحٍ مُشْرِكِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] . وبِذَلِكَ كانَ تَمْثِيلُ حالِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِحالِ قَوْمِ نُوحٍ تَمْثِيلًا تامًّا. صفحة ١٨٩ واتِّقاءُ اللَّهِ اتِّقاءُ غَضَبِهِ، فَهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ. والمُرادُ: حالٌ مِن أحْوالِ الذّاتِ مِن بابِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ: أكْلُها، أيْ: بِأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ بِهِ. وطاعَتُهم لِنُوحٍ هي امْتِثالُهم لِما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وقَدْ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمْ يَكُنْ في شَرِيعَةِ نُوحٍ إلّا الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ فَلَيْسَ في شَرِيعَتِهِ أعْمالٌ تُطْلَبُ الطّاعَةُ فِيها لَكِنْ لَمْ تَخْلُ شَرِيعَةٌ إلَهِيَّةٌ مِن تَحْرِيمِ الفَواحِشِ مِثْلَ قَتْلِ الأنْفُسِ وسَلْبِ الأمْوالِ، فَقَوْلُهُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] يَنْصَرِفُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ إلى ذُنُوبِ الإشْراكِ اعْتِقادًا وسُجُودًا. وجَزْمُ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] في جَوابِ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾، أيْ: إنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ يَغْفِرِ اللَّهُ لَكم مِن ذُنُوبِكم. وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ. وحَرْفُ (مِن) زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، وهَذا مِن زِيادَةِ (مِن) في الإيجابِ عَلى رَأْيِ كَثِيرٍ مِن أيِمَّةِ النَّحْوِ مِثْلَ الأخْفَشِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وابْنِ جِنِّي مِنَ البَصْرِيِّينَ وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ وجَمِيعُ نُحاةِ الكُوفَةِ. فَيُفِيدُ أنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ في شَرِيعَةِ نُوحٍ مِثْلَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، عِنْدَ مَن أثْبَتَ ذَلِكَ وهو اخْتِيارُ التَّفْتَزانِيِّ، أيْ: يَغْفِرْ لَكم بَعْضَ ذُنُوبِكم، أيْ: ذُنُوبَ الإشْراكِ وما مَعَهُ، فَيَكُونُ الإيمانُ في شَرْعِ نُوحٍ لا يَقْتَضِي مَغْفِرَةَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ السّابِقَةِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ تَماثُلُ الشَّرائِعِ في جَمِيعِ الأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ، ومَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ مِن تَفارِيعِ الدِّينِ ولَيْسَتْ مِن أُصُولِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى التَّبْعِيضِ: مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ السّابِقَةِ دُونَ ما يُذْنِبُونَ مِن بَعْدُ. وهَذا يَتِمُّ ويَحْسُنُ إذا قَدَّرْنا أنَّ شَرِيعَةَ نُوحٍ تَشْتَمِلُ عَلى أوامِرَ ومَنهِيّاتٍ عَمَلِيَّةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ اقْتِصادًا في الكَلامِ بِالقَدْرِ المُحَقَّقِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] فَهو وعْدٌ بِخَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ يَسْتَوِي النّاسُ في رَغْبَتِهِ، وهو طُولُ البَقاءِ فَإنَّهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ؛ لِأنَّ في جِبِلَّةِ الإنْسانِ حُبُّ البَقاءِ في الحَياةِ عَلى ما في الحَياةِ مِن عَوارِضَ ومُكَدِّراتٍ. وهَذا نامُوسٌ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في جِبِلَّةِ الإنْسانِ لِتَجْرِيَ أعْمالُ النّاسِ عَلى ما يُعِينُ عَلى حِفْظِ النَّوْعِ. قالَ المَعَرِّيُّ: وكُلٌّ يُرِيدُ العَيْشَ والعَيْشُ حَتْفُهُ ∗∗∗ ويَسْتَعْذِبُ اللَّذّاتِ وهْيَ سِمامُ والتَّأْخِيرُ: ضِدُّ التَّعْجِيلِ، وقَدْ أُطْلِقَ التَّأْخِيرُ عَلى التَّمْدِيدِ والتَّوْسِيعِ مِن أجْلِ الشَّيْءِ. صفحة ١٩٠ وقَدْ أشْعَرَ وعْدُهُ إيّاهم بِالتَّأْخِيرِ أنَّهُ تَأْخِيرُ مَجْمُوعِهِمْ، أيْ: مَجْمُوعُ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ جُعِلَ جَزاءً لِكُلِّ مَن عَبَدَ اللَّهَ مِنهم واتَّقاهُ وأطاعَ الرَّسُولَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ أنْذَرَهم في خِلالِ ذَلِكَ بِاسْتِئْصالِ القَوْمِ كُلِّهِمْ، وأنَّهم كانُوا عَلى عِلْمٍ بِذَلِكَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وكَما يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] أيْ: سَخِرُوا مِنَ الأمْرِ الَّذِي يَصْنَعُ الفُلْكَ لِلْوِقايَةِ مِنهُ. وهو أمْرُ الطُّوفانِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّأْخِيرَ المُرادَ هُنا هو عَدَمُ اسْتِئْصالِهِمْ. والمَعْنى: ويُؤَخَّرُ القَوْمُ كُلُّهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو آجالُ إشْخاصِهِمْ وهي مُتَفاوِتَةٌ. والأجَلُ المُسَمّى: هو الأجَلُ المُعَيَّنُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ عِنْدَ خِلْقَةِ كُلِّ أحَدٍ مِنهم، فالتَّنْوِينُ في (أجَلٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيِ: الجِنْسِ، وهو صادِقٌ عَلى آجالٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِعَدَدِ أصْحابِها كَما قالَ تَعالى ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [الحج: ٥] ومَعْنى مُسَمًّى أنَّهُ مُحَدَّدٌ مُعَيَّنٌ وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. فالأجَلُ المُسَمّى: هو عُمُرُ كُلِّ واحِدٍ المُعَيَّنُ لَهُ في ساعَةِ خَلْقِهِ المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ ”«أنَّ المَلَكَ يُؤْمَرُ بِكَتْبِ أجَلِ المَخْلُوقِ عِنْدَما يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» “ واسْتُعِيرَتِ التَّسْمِيَةُ لِلتَّعْيِينِ لِشَبَهِ عَدَمِ الِاخْتِلاطِ بَيْنَ أصْحابِ الآجالِ. والمَعْنى: ويُؤَخِّرُكم فَلا يُعَجِّلُ بِإهْلاكِكم جَمِيعًا فَيُؤَخِّرُ كُلَّ أحَدٍ إلى أجْلِهِ المُعَيَّنِ لَهُ عَلى تَفاوُتِ آجالِهِمْ. فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ نَظِيرُ مَعْنى آيَةِ سُورَةِ هُودٍ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣] وهي عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

نوح 71:4

﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾، أيْ: تَعْلِيلًا لِلرَّبْطِ الَّذِي بَيْنَ الأمْرِ وجَزائِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [نوح: ٣] إلى قَوْلِهِ ويُؤَخِّرْكم إلَخْ؛ لِأنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الأمْرِ وجَوابِهِ يُعْطِي بِمَفْهُومِهِ مَعْنى: إنْ لا تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تَتَّقُوهُ ولا تُطِيعُونِي لا يَغْفِرْ لَكم ولا يُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَعُلِّلَ هَذا صفحة ١٩١ الرَّبْطُ والتَّلازُمُ بَيْنَ هَذا الشَّرْطِ المُقَدَّرِ وبَيْنَ جَزائِهِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾، أيْ: أنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِحُلُولِ العَذابِ بِكم إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ ولَمْ تُطِيعُونِ إذا جاءَ إبّانُهُ بِاسْتِمْرارِكم عَلى الشِّرْكِ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ساعَتَئِذٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]، فَيَكُونُ هَذا حَثًّا عَلى التَّعْجِيلِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ. فالأجَلُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ غَيْرُ الأجَلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ويُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَهُ عَقِبَهُ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ المُقْتَضِي أنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ المُتَعَلِّقَةَ بِآجالِ الأُمَمِ المُعَيَّنَةِ لِاسْتِئْصالِهِمْ، وأمّا عَدَمُ تَأْخِيرِ آجالِ الأعْمارِ عِنْدَ حُلُولِها فَمَعْلُومٌ لِلنّاسِ مَشْهُورٌ في كَلامِ الأوَّلِينَ. وفي إضافَةِ (أجَلَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ الأجَلُ المُعْتادُ بَلْ هو أجَلٌ عَيَّنَهُ اللَّهُ لِلْقَوْمِ إنْذارًا لَهم لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَحْدِيدِ غايَةِ تَأْخِيرِهِمْ إلى أجَلٍ مُسَمًّى أيْ: دُونَ تَأْخِيرِهِمْ تَأْخِيرًا مُسْتَمِرًّا فَيَسْألُ السّامِعُ في نَفْسِهِ عَنْ عِلَّةِ تَنْهِيَةِ تَأْخِيرِهِمْ بِأجَلٍ آخَرَ فَيَكُونُ أجَلُ اللَّهِ غَيْرُ الأجَلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ . ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِكِلا الأجَلَيْنِ: الأجَلُ المُفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] فَإنَّ لَفْظَ ”قَبْلِ“ يُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ غَيْرِ بَعِيدٍ فَلَهُ أجَلٌ مُبْهَمٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، والأجَلُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فَيَكُونُ أجَلُ اللَّهِ صادِقًا عَلى الأجَلِ المُسَمّى وهو أجَلُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ القَوْمِ. وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ إضافَةُ كَشْفٍ، أيِ: الأجَلُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ لِكُلِّ أحَدٍ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَعارُضُ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ إمّا لِاخْتِلافِ المُرادِ بِلَفْظَيِ (الأجَلِ) في قَوْلِهِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾، وإمّا لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيِ التَّأْخِيرِ في قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ فانْفَكَّتْ جِهَةُ التَّعارُضِ. صفحة ١٩٢ أمّا مَسْألَةُ تَأْخِيرِ الآجالِ والزِّيادَةِ في الأعْمارِ والنَّقْصِ مِنها وتَوْحِيدِ الأجَلِ عِنْدَنا واضْطِرابِ أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ في هَلْ لِلْإنْسانِ أجَلٌ واحِدٌ أوْ أجَلانِ ؟ فَتِلْكَ قَضِيَّةٌ أُخْرى تَرْتَبِطُ بِأصْلَيْنِ: أصْلِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِما سَيَكُونُ، وأصْلِ تَقْدِيرِ اللَّهِ لِلْأسْبابِ وتَرَتُّبِ مُسَبَّباتُها عَلَيْها. فَأمّا ما في عِلْمِ اللَّهِ فَلا يَتَغَيَّرُ قالَ تَعالى ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] أيْ: في عِلْمِ اللَّهِ، والنّاسُ لا يَطَّلِعُونَ عَلى ما في عِلْمِ اللَّهِ. وأمّا وُجُودُ الأسْبابِ كُلِّها كَأسْبابِ الحَياةِ، وتَرَتُّبِ مُسَبَّباتِها عَلَيْها فَيَتَغَيَّرُ بِإيجادِ اللَّهِ مُغَيِّراتٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةٌ إكْرامًا لِبَعْضِ عِبادِهِ أوْ إهانَةً لِبَعْضٍ آخَرَ. وفي الحَدِيثِ ”«صَدَقَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ تَزِيدُ في العُمُرِ» “ وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ مَقْبُولٌ. وعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ في عُمُرِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولْيَصِلْ رَحِمَهُ» وسَنَدُهُ جَيِّدٌ، فَآجالُ الأعْمارِ المُحَدَّدَةِ بِالزَّمانِ أوْ بِمِقْدارِ قُوَّةِ الأعْضاءِ وتَناسُبِ حَرَكَتِها قابِلَةٌ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وآجالُ العُقُوباتِ الإلَهِيَّةِ المُحَدَّدَةِ بِحُصُولِ الأعْمالِ المُعاقَبِ عَلَيْها بِوَقْتٍ قَصِيرٍ أوْ فِيهِ مُهْلَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلتَّأْخِيرِ وهي ماصْدَقَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] عَلى أظْهَرِ التَّأْوِيلاتِ فِيهِ وما في عِلْمِ اللَّهِ مِن ذَلِكَ لا يُخالِفُ ما يَحْصُلُ في الخارِجِ. فالَّذِي رَغَّبَ نُوحٌ قَوْمَهُ فِيهِ هو سَبَبُ تَأْخِيرِ آجالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَلَوْ فَعَلُوهُ تَأخَّرَتْ آجالُهم وبِتَأْخِيرِها يَتَبَيَّنُ أنْ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَعْمَلُونَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ نُوحٌ وأنَّ آجالَهم تَطُولُ، وإذْ لَمْ يَفْعَلُوهُ فَقَدْ كَشَفَ لِلنّاسِ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ وأنَّ اللَّهَ قاطِعُ آجالِهِمْ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءُ ﷺ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ إلى ما خُلِقَ لَهُ» وقَدِ اسْتَعْصى فَهْمُ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَخَلَطُوا بَيْنَ ما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ اللَّهِ وما أظْهَرَهُ قَدَرُ اللَّهَ في الخارِجِ الوُجُودِيِّ. وفِي إقْحامِ فِعْلِ (كُنْتُمْ) قَبْلَ (تَعْلَمُونَ) إيذانٌ بِأنَّ عَمَلَهم بِذَلِكَ المُنْتَفِي لِوُقُوعِهِ شَرْطًا لِحَرْفِ (لَوْ) مُحَقَّقٌ انْتِفاؤُهُ كَما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢] في سُورَةِ يُونُسَ. صفحة ١٩٣ وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: لَأيْقَنْتُمْ أنَّهُ لا يُؤَخَّرُ.

نوح 71:5

( ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِيَ إلّا فِرارًا﴾ . جُرِّدَ فِعْلُ (قالَ) هُنا مِنَ العاطِفِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ جَوابِ نُوحٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] عُومِلَ مُعامَلَةَ الجَوابِ الَّذِي يُتَلَقّى بِهِ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، تَنْبِيهًا عَلى مُبادَرَةِ نُوحٍ بِإبْلاغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِ وتَمامِ حِرْصِهِ في ذَلِكَ كَما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿لَيْلًا ونَهارًا﴾ وحُصُولِ يَأْسِهِ مِنهم، فَجَعَلَ مُراجَعَتَهُ رَبَّهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ مُسْتَفادَةٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لَيْلًا ونَهارًا﴾ بِمَنزِلَةِ المُراجَعَةِ في المَقامِ الواحِدِ بَيْنَ المُتَحاوِرِينَ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ قالَ رَبِّ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ ماذا أجابَ قَوْمُ نُوحٍ دَعْوَتَهُ، فَكانَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ ما يَتَرَقَّبُهُ السّامِعُ مَعَ زِيادَةِ مُراجَعَةِ نُوحٍ رَبَّهُ تَعالى. وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الشِّكايَةُ والتَّمْهِيدُ لِطَلَبِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ بِهِ عالِمٌ بِمَدْلُولِ الخَبَرِ. وذَلِكَ ما سَيُفْضِي إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] الآياتِ. وفائِدَةُ حِكايَةِ ما ناجى بِهِ نُوحٌ رَبَّهُ إظْهارُ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ، وانْتِصارُ اللَّهِ لَهُ، والإتْيانُ عَلى مُهِمّاتٍ مِنَ العِبْرَةِ بِقِصَّتِهِ، بِتَلْوِينٍ لِحِكايَةِ أقْوالِهِ وأقْوالِ قَوْمِهِ وقَوْلِ اللَّهِ لَهُ. وتِلْكَ ثَمانِ مَقالاتٍ هي: ١ - ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] إلَخْ. ٢ - ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] إلَخْ. ٣ - ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلَخْ. ٤ - ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح: ١٠] إلَخْ. ٥ - ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] إلَخْ. صفحة ١٩٤ ٦ - ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ [نوح: ٢٤] إلَخْ. ٧ - ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] إلَخْ. ٨ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [نوح: ٢٨] إلَخْ. وجَعَلَ دَعْوَتَهُ مَظْرُوفَةً في زَمَنَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ الهَوادَةِ في حِرْصِهِ عَلى إرْشادِهِمْ، وأنَّهُ يَتَرَصَّدُ الوَقْتَ الَّذِي يَتَوَسَّمُ أنَّهم فِيهِ أقْرَبُ إلى فَهْمِ دَعْوَتِهِ مِنهم في غَيْرِهِ، مِن أوْقاتِ النَّشاطِ وهي أوْقاتُ النَّهارِ، ومِن أوْقاتِ الهَدُوِّ وراحَةِ البالِ وهي أوْقاتُ اللَّيْلِ. ومَعْنى (﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾) أنَّ دُعائِي لَهم بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وبِطاعَتِهِمْ لِي لَمْ يَزِدْهم ما دَعَوْتُهم إلَيْهِ إلّا بُعْدًا مِنهُ، فالفِرارُ مُسْتَعارٌ لِقُوَّةِ الإعْراضِ، أيْ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إيّاهم قُرْبًا مِمّا أدْعُوهم إلَيْهِ. واسْتِثْناءُ الفِرارِ مِن عُمُومِ الزِّياداتِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. والتَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي قُرْبًا مِنَ الهُدى لَكِنْ زادَهم فِرارًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] . وإسْنادُ زِيادَةِ الفِرارِ إلى الدُّعاءِ مَجازٌ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ إيّاهم كانَ سَبَبًا في تَزايُدِ إعْراضِهِمْ وقُوَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِشِرْكِهِمْ. وهَذا مِنَ الأُسْلُوبِ المُسَمّى في عِلْمِ البَدِيعِ تَأْكِيدُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، أوْ تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، وهو هُنا تَأْكِيدُ إعْراضِهِمُ المُشَبَّهِ بِالِابْتِعادِ بِصُورَةٍ تُشْبِهُ ضِدَّ الإعْراضِ. ولَمّا كانَ فِرارُهم مِنَ التَّوْحِيدِ ثابِتًا لَهم مِن قَبْلُ كانَ قَوْلُهُ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ. وتَصْدِيرُ كَلامِ نُوحٍ بِالتَّأْكِيدِ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

نوح 71:6

( ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِيَ إلّا فِرارًا﴾ . جُرِّدَ فِعْلُ (قالَ) هُنا مِنَ العاطِفِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ جَوابِ نُوحٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] عُومِلَ مُعامَلَةَ الجَوابِ الَّذِي يُتَلَقّى بِهِ الأمْرُ عَلى الفَوْرِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، تَنْبِيهًا عَلى مُبادَرَةِ نُوحٍ بِإبْلاغِ الرِّسالَةِ إلى قَوْمِهِ وتَمامِ حِرْصِهِ في ذَلِكَ كَما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿لَيْلًا ونَهارًا﴾ وحُصُولِ يَأْسِهِ مِنهم، فَجَعَلَ مُراجَعَتَهُ رَبَّهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ مُسْتَفادَةٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لَيْلًا ونَهارًا﴾ بِمَنزِلَةِ المُراجَعَةِ في المَقامِ الواحِدِ بَيْنَ المُتَحاوِرِينَ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ قالَ رَبِّ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ ماذا أجابَ قَوْمُ نُوحٍ دَعْوَتَهُ، فَكانَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ ما يَتَرَقَّبُهُ السّامِعُ مَعَ زِيادَةِ مُراجَعَةِ نُوحٍ رَبَّهُ تَعالى. وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الشِّكايَةُ والتَّمْهِيدُ لِطَلَبِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ بِهِ عالِمٌ بِمَدْلُولِ الخَبَرِ. وذَلِكَ ما سَيُفْضِي إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] الآياتِ. وفائِدَةُ حِكايَةِ ما ناجى بِهِ نُوحٌ رَبَّهُ إظْهارُ تَوَكُّلِهِ عَلى اللَّهِ، وانْتِصارُ اللَّهِ لَهُ، والإتْيانُ عَلى مُهِمّاتٍ مِنَ العِبْرَةِ بِقِصَّتِهِ، بِتَلْوِينٍ لِحِكايَةِ أقْوالِهِ وأقْوالِ قَوْمِهِ وقَوْلِ اللَّهِ لَهُ. وتِلْكَ ثَمانِ مَقالاتٍ هي: ١ - ﴿أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] إلَخْ. ٢ - ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] إلَخْ. ٣ - ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلَخْ. ٤ - ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح: ١٠] إلَخْ. ٥ - ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] إلَخْ. صفحة ١٩٤ ٦ - ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ [نوح: ٢٤] إلَخْ. ٧ - ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] إلَخْ. ٨ - ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [نوح: ٢٨] إلَخْ. وجَعَلَ دَعْوَتَهُ مَظْرُوفَةً في زَمَنَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِلدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ الهَوادَةِ في حِرْصِهِ عَلى إرْشادِهِمْ، وأنَّهُ يَتَرَصَّدُ الوَقْتَ الَّذِي يَتَوَسَّمُ أنَّهم فِيهِ أقْرَبُ إلى فَهْمِ دَعْوَتِهِ مِنهم في غَيْرِهِ، مِن أوْقاتِ النَّشاطِ وهي أوْقاتُ النَّهارِ، ومِن أوْقاتِ الهَدُوِّ وراحَةِ البالِ وهي أوْقاتُ اللَّيْلِ. ومَعْنى (﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾) أنَّ دُعائِي لَهم بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وبِطاعَتِهِمْ لِي لَمْ يَزِدْهم ما دَعَوْتُهم إلَيْهِ إلّا بُعْدًا مِنهُ، فالفِرارُ مُسْتَعارٌ لِقُوَّةِ الإعْراضِ، أيْ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إيّاهم قُرْبًا مِمّا أدْعُوهم إلَيْهِ. واسْتِثْناءُ الفِرارِ مِن عُمُومِ الزِّياداتِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. والتَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي قُرْبًا مِنَ الهُدى لَكِنْ زادَهم فِرارًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] . وإسْنادُ زِيادَةِ الفِرارِ إلى الدُّعاءِ مَجازٌ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ إيّاهم كانَ سَبَبًا في تَزايُدِ إعْراضِهِمْ وقُوَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِشِرْكِهِمْ. وهَذا مِنَ الأُسْلُوبِ المُسَمّى في عِلْمِ البَدِيعِ تَأْكِيدُ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، أوْ تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، وهو هُنا تَأْكِيدُ إعْراضِهِمُ المُشَبَّهِ بِالِابْتِعادِ بِصُورَةٍ تُشْبِهُ ضِدَّ الإعْراضِ. ولَمّا كانَ فِرارُهم مِنَ التَّوْحِيدِ ثابِتًا لَهم مِن قَبْلُ كانَ قَوْلُهُ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ. وتَصْدِيرُ كَلامِ نُوحٍ بِالتَّأْكِيدِ لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

نوح 71:7

﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ صفحة ١٩٥ (كُلَّما) مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ كَلِمَةِ (كُلَّ) وهي اسْمٌ يَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ أفْرادِ ما تُضافُ هي إلَيْهِ، وكَلِمَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ وهي حَرْفٌ يُفِيدُ أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ. وقَدْ يُرادُ بِذَلِكَ المَصْدَرِ زَمانُ حُصُولِهِ فَيَقُولُونَ (ما) ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ لِأنَّها نائِبَةٌ عَنِ اسْمِ الزَّمانِ. والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يُظْهِرُوا مَخِيلَةً مِنَ الإصْغاءِ إلى دَعْوَتِهِ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الإعْراضِ والصُّدُودِ عَنْ دَعْوَتِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِكَلِمَةِ (كُلَّما) الدّالَّةِ عَلى شُمُولِ كُلِّ دَعْوَةٍ مِن دَعَواتِهِ مُقْتَرِنَةً بِدَلائِلِ الصَّدِّ عَنْها، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما أضاءَ لَهم مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] . وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ دَعَوْتُهم لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [نوح: ٣] . والتَّقْدِيرُ: كُلَّما دَعَوْتُهم إلى عِبادَتِكَ وتَقْواكَ وطاعَتِي فِيما أمَرْتُهم بِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِتَغْفِرَ) لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ: دَعَوْتُهم بِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ فَهو سَبَبُ المَغْفِرَةِ، فالدَّعْوَةُ إلَيْهِ مُعَلَّلَةٌ بِالغُفْرانِ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ بِفِعْلِ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهُمْ﴾ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ. وجُمْلَةُ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهُمْ﴾ خَبَرُ (إنَّ)، والرّابِطُ ضَمِيرُ (دَعَوْتُهم) . وجَعْلُ الأصابِعِ في الآذانِ يَمْنَعُ بُلُوغَ أصْواتِ الكَلامِ إلى المَسامِعِ. وأُطْلِقَ اسْمُ الأصابِعِ عَلى الأنامِلِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ البَعْضِيَّةِ فَإنَّ الَّذِي يُجْعَلُ في الأُذُنِ الأنْمُلَةُ لا الأُصْبُعُ كُلُّهُ فَعَبَّرَ عَنِ الأنامِلِ بِالأصابِعِ لِلْمُبالَغَةِ في إرادَةِ سَدِّ المَسامِعِ بِحَيْثُ لَوْ أمْكَنَ لَأدْخَلُوا الأصابِعَ كُلَّها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. واسْتِغْشاءُ الثِّيابِ: جَعْلُها غِشاءً، أيْ: غِطاءً عَلى أعْيُنِهِمْ، تَعْضِيدًا لِسَدِّ آذانِهِمْ بِالأصابِعِ لِئَلّا يَسْمَعُوا كَلامَهُ ولا يَنْظُرُوا إشاراتِهِ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ الغِشاءُ عَلى غِطاءِ العَيْنَيْنِ، قالَ تَعالى ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] . والسِّينُ والتّاءُ في اسْتَغْشَوْا لِلْمُبالَغَةِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الأصابِعِ في الآذانِ واسْتِغْشاءُ الثِّيابِ هُنا حَقِيقَةً بِأنْ صفحة ١٩٦ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عاداتِ قَوْمِ نُوحٍ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يُظْهِرَ كَراهِيَةً لِكَلامِ مَن يَتَكَلَّمُ مَعَهُ أنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ ويَجْعَلَ مِن ثَوْبِهِ ساتِرًا لِعَيْنَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في الإعْراضِ عَنْ قَبُولِ كَلامِهِ ورُؤْيَةِ مَقامِهِ بِحالِ مَن يَسُكُّ سَمْعَهُ بِأنْمُلَتَيْهِ ويَحْجُبُ عَيْنَيْهِ بِطَرْفِ ثَوْبِهِ. وجُعِلَتِ الدَّعْوَةُ مُعَلَّلَةً بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهم لِأنَّها دَعْوَةٌ إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ وطاعَةُ أمْرِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ. وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وتَعَجُّبٌ مِن خَلْقِهِمْ إذْ يُعْرِضُونَ عَنِ الدَّعْوَةِ لِما فِيهِ نَفْعُهم فَكانَ مُقْتَضى الرَّشادِ أنْ يَسْمَعُوها ويَتَدَبَّرُوها. والإصْرارُ: تَحْقِيقُ العَزْمِ عَلى فِعْلٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّرِّ وهو الشَّدُّ عَلى شَيْءٍ والعَقْدُ عَلَيْهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ أصَرُّوا لِظُهُورِهِ، أيْ: أصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ. واسْتَكْبَرُوا مُبالَغَةٌ في تَكَبَّرُوا، أيْ: جَعَلُوا أنْفُسَهم أكْبَرَ مِن أنْ يَأْتَمِرُوا لِواحِدٍ مِنهم (قالُوا ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِئَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧]) . وتَأْكِيدُ اسْتَكْبَرُوا بِمَفْعُولِهِ المُطْلَقِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الِاسْتِكْبارِ. وتَنْوِينُ اسْتِكْبارًا لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: اسْتِكْبارًا شَدِيدًا لا يَفَلُّهُ حَدُّ الدَّعْوَةِ.

نوح 71:8

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّيَ أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ ارْتَقى في شَكْواهُ واعْتِذارِهِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ كانَتْ مُخْتَلِفَةَ الحالاتِ في القَوْلِ مِن جَهْرٍ وإسْرارٍ، فَعَطْفُ الكَلامِ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي تُفِيدُ في عَطْفِها الجُمَلَ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ صفحة ١٩٧ المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها،؛ لِأنَّ اخْتِلافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ألْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِن أوْقاتِ إلْقائِها؛ لِأنَّ الحالَةَ أشَدُّ مُلابَسَةً بِصاحِبِها مِن مُلابَسَةِ زَمانِهِ. فَذَكَرَ أنَّهُ دَعاهم جِهارًا، أيْ: عَلَنًا. وجِهارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وهو هُنا وصْفٌ لِمَصْدَرِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَةً جِهارًا. وارْتَقى فَذَكَرَ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ أقْوى في الدَّعْوَةِ وأغْلَظُ مِن إفْرادِ إحْداهُما. فَقَوْلُهُ ﴿أعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ تَوَخّى ما يَظُنُّهُ أوْغَلَ إلى قُلُوبِهِمْ مِن صِفاتِ الدَّعْوَةِ فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الجَهْرُ أجْدى مِثْلَ مَجامِعِ العامَّةِ، وأسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهم مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ في التَّصَدِّي لِسَماعِ دَعْوَتِهِ وبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾، وقَوْلِهِ ﴿أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ مُوَزَّعَةً عَلى مُخْتَلَفِ النّاسِ. وانْتَصَبَ جِهارًا بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ. وانْتَصَبَ إسْرارًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: إسْرارًا خَفِيًّا. ووَجْهُ تَوْكِيدِ الإسْرارِ أنَّ إسْرارَ الدَّعْوَةِ كانَ في حالِ دَعْوَتِهِ سادَتَهم وقادَتَهم؛ لِأنَّهم يَمْتَعِضُونَ مِن إعْلانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِن أتْباعِهِمْ. وفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ فَقالَ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ لَهم لَيْلًا ونَهارًا وجِهارًا وإسْرارًا. ومَعْنى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، آمِنُوا إيمانًا يَكُونُ اسْتِغْفارًا لِذَنْبِكم فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكم. وعَلَّلَ ذَلِكَ لَهم بِأنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالغُفْرانِ صِفَةً ثابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِها لِعِبادِهِ المُسْتَغْفِرِينَ، فَأفادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إنَّ) وأفادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ (كانَ) . وأفادَ كَمالَ غُفْرانِهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفّارًا. صفحة ١٩٨ وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ ورُتِّبَ عَلَيْهِ وعْدٌ بِخَيْرِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ جَوابِ الأمْرِ، وهو ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وكانُوا أهْلَ فِلاحَةٍ فَوَعَدَهم بِنُزُولِ المَطَرِ الَّذِي بِهِ السَّلامَةُ مِنَ القَحْطِ وبِالزِّيادَةِ في الأمْوالِ. والسَّماءُ: هُنا المَطَرُ، ومِن أسْماءِ المَطَرِ السَّماءُ. وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: أنَّهُ قالَ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، الحَدِيثَ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا والمِدْرارُ: الكَثِيرَةُ الدَّرِّ والدُّرُورِ، وهو السَّيَلانُ، يُقالُ: دَرَّتِ السَّماءُ بِالمَطَرِ، وسَماءٌ مِدْرارٌ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنْ يَتْبَعَ بَعْضُ الأمْطارِ بَعْضًا. ومِدْرارٌ، زِنَةُ مُبالَغَةٍ، وهَذا الوَزْنُ لا تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ إلّا نادِرًا كَما في قَوْلِ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَةَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقُ التّاءُ هُنا مَعَ أنَّ اسْمَ السَّماءِ مُؤَنَّثٌ. والإرْسالُ: مُسْتَعارٌ لِلْإيصالِ والإعْطاءِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ إيصالٌ مِن عُلُوٍّ كَقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] . وأمْوالٌ: جَمْعُ مالٍ وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَكْسَبٍ يَبْذُلُهُ المَرْءُ في اقْتِناءِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِالجَنّاتِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ النَّخِيلَ والأعْنابَ،؛ لِأنَّ الجَنّاتِ تَحْتاجُ إلى السَّقْيِ. وإعادَةُ فِعْلِ (يَجْعَلْ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ لِلتَّوْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ قِوامُ الجَنّاتِ وتَسْقِي المَزارِعَ والأنْعامَ. صفحة ١٩٩ وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنْ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ الصّالِحِينَ بِطِيبِ العَيْشِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقالَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .

نوح 71:9

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّيَ أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ ارْتَقى في شَكْواهُ واعْتِذارِهِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ كانَتْ مُخْتَلِفَةَ الحالاتِ في القَوْلِ مِن جَهْرٍ وإسْرارٍ، فَعَطْفُ الكَلامِ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي تُفِيدُ في عَطْفِها الجُمَلَ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ صفحة ١٩٧ المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها،؛ لِأنَّ اخْتِلافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ألْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِن أوْقاتِ إلْقائِها؛ لِأنَّ الحالَةَ أشَدُّ مُلابَسَةً بِصاحِبِها مِن مُلابَسَةِ زَمانِهِ. فَذَكَرَ أنَّهُ دَعاهم جِهارًا، أيْ: عَلَنًا. وجِهارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وهو هُنا وصْفٌ لِمَصْدَرِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَةً جِهارًا. وارْتَقى فَذَكَرَ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ أقْوى في الدَّعْوَةِ وأغْلَظُ مِن إفْرادِ إحْداهُما. فَقَوْلُهُ ﴿أعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ تَوَخّى ما يَظُنُّهُ أوْغَلَ إلى قُلُوبِهِمْ مِن صِفاتِ الدَّعْوَةِ فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الجَهْرُ أجْدى مِثْلَ مَجامِعِ العامَّةِ، وأسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهم مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ في التَّصَدِّي لِسَماعِ دَعْوَتِهِ وبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾، وقَوْلِهِ ﴿أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ مُوَزَّعَةً عَلى مُخْتَلَفِ النّاسِ. وانْتَصَبَ جِهارًا بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ. وانْتَصَبَ إسْرارًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: إسْرارًا خَفِيًّا. ووَجْهُ تَوْكِيدِ الإسْرارِ أنَّ إسْرارَ الدَّعْوَةِ كانَ في حالِ دَعْوَتِهِ سادَتَهم وقادَتَهم؛ لِأنَّهم يَمْتَعِضُونَ مِن إعْلانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِن أتْباعِهِمْ. وفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ فَقالَ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ لَهم لَيْلًا ونَهارًا وجِهارًا وإسْرارًا. ومَعْنى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، آمِنُوا إيمانًا يَكُونُ اسْتِغْفارًا لِذَنْبِكم فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكم. وعَلَّلَ ذَلِكَ لَهم بِأنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالغُفْرانِ صِفَةً ثابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِها لِعِبادِهِ المُسْتَغْفِرِينَ، فَأفادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إنَّ) وأفادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ (كانَ) . وأفادَ كَمالَ غُفْرانِهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفّارًا. صفحة ١٩٨ وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ ورُتِّبَ عَلَيْهِ وعْدٌ بِخَيْرِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ جَوابِ الأمْرِ، وهو ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وكانُوا أهْلَ فِلاحَةٍ فَوَعَدَهم بِنُزُولِ المَطَرِ الَّذِي بِهِ السَّلامَةُ مِنَ القَحْطِ وبِالزِّيادَةِ في الأمْوالِ. والسَّماءُ: هُنا المَطَرُ، ومِن أسْماءِ المَطَرِ السَّماءُ. وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: أنَّهُ قالَ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، الحَدِيثَ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا والمِدْرارُ: الكَثِيرَةُ الدَّرِّ والدُّرُورِ، وهو السَّيَلانُ، يُقالُ: دَرَّتِ السَّماءُ بِالمَطَرِ، وسَماءٌ مِدْرارٌ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنْ يَتْبَعَ بَعْضُ الأمْطارِ بَعْضًا. ومِدْرارٌ، زِنَةُ مُبالَغَةٍ، وهَذا الوَزْنُ لا تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ إلّا نادِرًا كَما في قَوْلِ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَةَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقُ التّاءُ هُنا مَعَ أنَّ اسْمَ السَّماءِ مُؤَنَّثٌ. والإرْسالُ: مُسْتَعارٌ لِلْإيصالِ والإعْطاءِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ إيصالٌ مِن عُلُوٍّ كَقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] . وأمْوالٌ: جَمْعُ مالٍ وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَكْسَبٍ يَبْذُلُهُ المَرْءُ في اقْتِناءِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِالجَنّاتِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ النَّخِيلَ والأعْنابَ،؛ لِأنَّ الجَنّاتِ تَحْتاجُ إلى السَّقْيِ. وإعادَةُ فِعْلِ (يَجْعَلْ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ لِلتَّوْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ قِوامُ الجَنّاتِ وتَسْقِي المَزارِعَ والأنْعامَ. صفحة ١٩٩ وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنْ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ الصّالِحِينَ بِطِيبِ العَيْشِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقالَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .

نوح 71:10

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّيَ أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ ارْتَقى في شَكْواهُ واعْتِذارِهِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ كانَتْ مُخْتَلِفَةَ الحالاتِ في القَوْلِ مِن جَهْرٍ وإسْرارٍ، فَعَطْفُ الكَلامِ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي تُفِيدُ في عَطْفِها الجُمَلَ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ صفحة ١٩٧ المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها،؛ لِأنَّ اخْتِلافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ألْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِن أوْقاتِ إلْقائِها؛ لِأنَّ الحالَةَ أشَدُّ مُلابَسَةً بِصاحِبِها مِن مُلابَسَةِ زَمانِهِ. فَذَكَرَ أنَّهُ دَعاهم جِهارًا، أيْ: عَلَنًا. وجِهارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وهو هُنا وصْفٌ لِمَصْدَرِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَةً جِهارًا. وارْتَقى فَذَكَرَ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ أقْوى في الدَّعْوَةِ وأغْلَظُ مِن إفْرادِ إحْداهُما. فَقَوْلُهُ ﴿أعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ تَوَخّى ما يَظُنُّهُ أوْغَلَ إلى قُلُوبِهِمْ مِن صِفاتِ الدَّعْوَةِ فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الجَهْرُ أجْدى مِثْلَ مَجامِعِ العامَّةِ، وأسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهم مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ في التَّصَدِّي لِسَماعِ دَعْوَتِهِ وبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾، وقَوْلِهِ ﴿أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ مُوَزَّعَةً عَلى مُخْتَلَفِ النّاسِ. وانْتَصَبَ جِهارًا بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ. وانْتَصَبَ إسْرارًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: إسْرارًا خَفِيًّا. ووَجْهُ تَوْكِيدِ الإسْرارِ أنَّ إسْرارَ الدَّعْوَةِ كانَ في حالِ دَعْوَتِهِ سادَتَهم وقادَتَهم؛ لِأنَّهم يَمْتَعِضُونَ مِن إعْلانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِن أتْباعِهِمْ. وفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ فَقالَ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ لَهم لَيْلًا ونَهارًا وجِهارًا وإسْرارًا. ومَعْنى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، آمِنُوا إيمانًا يَكُونُ اسْتِغْفارًا لِذَنْبِكم فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكم. وعَلَّلَ ذَلِكَ لَهم بِأنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالغُفْرانِ صِفَةً ثابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِها لِعِبادِهِ المُسْتَغْفِرِينَ، فَأفادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إنَّ) وأفادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ (كانَ) . وأفادَ كَمالَ غُفْرانِهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفّارًا. صفحة ١٩٨ وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ ورُتِّبَ عَلَيْهِ وعْدٌ بِخَيْرِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ جَوابِ الأمْرِ، وهو ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وكانُوا أهْلَ فِلاحَةٍ فَوَعَدَهم بِنُزُولِ المَطَرِ الَّذِي بِهِ السَّلامَةُ مِنَ القَحْطِ وبِالزِّيادَةِ في الأمْوالِ. والسَّماءُ: هُنا المَطَرُ، ومِن أسْماءِ المَطَرِ السَّماءُ. وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: أنَّهُ قالَ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، الحَدِيثَ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا والمِدْرارُ: الكَثِيرَةُ الدَّرِّ والدُّرُورِ، وهو السَّيَلانُ، يُقالُ: دَرَّتِ السَّماءُ بِالمَطَرِ، وسَماءٌ مِدْرارٌ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنْ يَتْبَعَ بَعْضُ الأمْطارِ بَعْضًا. ومِدْرارٌ، زِنَةُ مُبالَغَةٍ، وهَذا الوَزْنُ لا تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ إلّا نادِرًا كَما في قَوْلِ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَةَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقُ التّاءُ هُنا مَعَ أنَّ اسْمَ السَّماءِ مُؤَنَّثٌ. والإرْسالُ: مُسْتَعارٌ لِلْإيصالِ والإعْطاءِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ إيصالٌ مِن عُلُوٍّ كَقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] . وأمْوالٌ: جَمْعُ مالٍ وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَكْسَبٍ يَبْذُلُهُ المَرْءُ في اقْتِناءِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِالجَنّاتِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ النَّخِيلَ والأعْنابَ،؛ لِأنَّ الجَنّاتِ تَحْتاجُ إلى السَّقْيِ. وإعادَةُ فِعْلِ (يَجْعَلْ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ لِلتَّوْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ قِوامُ الجَنّاتِ وتَسْقِي المَزارِعَ والأنْعامَ. صفحة ١٩٩ وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنْ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ الصّالِحِينَ بِطِيبِ العَيْشِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقالَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .

نوح 71:11

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّيَ أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ ارْتَقى في شَكْواهُ واعْتِذارِهِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ كانَتْ مُخْتَلِفَةَ الحالاتِ في القَوْلِ مِن جَهْرٍ وإسْرارٍ، فَعَطْفُ الكَلامِ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي تُفِيدُ في عَطْفِها الجُمَلَ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ صفحة ١٩٧ المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها،؛ لِأنَّ اخْتِلافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ألْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِن أوْقاتِ إلْقائِها؛ لِأنَّ الحالَةَ أشَدُّ مُلابَسَةً بِصاحِبِها مِن مُلابَسَةِ زَمانِهِ. فَذَكَرَ أنَّهُ دَعاهم جِهارًا، أيْ: عَلَنًا. وجِهارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وهو هُنا وصْفٌ لِمَصْدَرِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَةً جِهارًا. وارْتَقى فَذَكَرَ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ أقْوى في الدَّعْوَةِ وأغْلَظُ مِن إفْرادِ إحْداهُما. فَقَوْلُهُ ﴿أعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ تَوَخّى ما يَظُنُّهُ أوْغَلَ إلى قُلُوبِهِمْ مِن صِفاتِ الدَّعْوَةِ فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الجَهْرُ أجْدى مِثْلَ مَجامِعِ العامَّةِ، وأسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهم مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ في التَّصَدِّي لِسَماعِ دَعْوَتِهِ وبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾، وقَوْلِهِ ﴿أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ مُوَزَّعَةً عَلى مُخْتَلَفِ النّاسِ. وانْتَصَبَ جِهارًا بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ. وانْتَصَبَ إسْرارًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: إسْرارًا خَفِيًّا. ووَجْهُ تَوْكِيدِ الإسْرارِ أنَّ إسْرارَ الدَّعْوَةِ كانَ في حالِ دَعْوَتِهِ سادَتَهم وقادَتَهم؛ لِأنَّهم يَمْتَعِضُونَ مِن إعْلانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِن أتْباعِهِمْ. وفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ فَقالَ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ لَهم لَيْلًا ونَهارًا وجِهارًا وإسْرارًا. ومَعْنى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، آمِنُوا إيمانًا يَكُونُ اسْتِغْفارًا لِذَنْبِكم فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكم. وعَلَّلَ ذَلِكَ لَهم بِأنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالغُفْرانِ صِفَةً ثابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِها لِعِبادِهِ المُسْتَغْفِرِينَ، فَأفادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إنَّ) وأفادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ (كانَ) . وأفادَ كَمالَ غُفْرانِهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفّارًا. صفحة ١٩٨ وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ ورُتِّبَ عَلَيْهِ وعْدٌ بِخَيْرِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ جَوابِ الأمْرِ، وهو ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وكانُوا أهْلَ فِلاحَةٍ فَوَعَدَهم بِنُزُولِ المَطَرِ الَّذِي بِهِ السَّلامَةُ مِنَ القَحْطِ وبِالزِّيادَةِ في الأمْوالِ. والسَّماءُ: هُنا المَطَرُ، ومِن أسْماءِ المَطَرِ السَّماءُ. وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: أنَّهُ قالَ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، الحَدِيثَ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا والمِدْرارُ: الكَثِيرَةُ الدَّرِّ والدُّرُورِ، وهو السَّيَلانُ، يُقالُ: دَرَّتِ السَّماءُ بِالمَطَرِ، وسَماءٌ مِدْرارٌ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنْ يَتْبَعَ بَعْضُ الأمْطارِ بَعْضًا. ومِدْرارٌ، زِنَةُ مُبالَغَةٍ، وهَذا الوَزْنُ لا تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ إلّا نادِرًا كَما في قَوْلِ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَةَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقُ التّاءُ هُنا مَعَ أنَّ اسْمَ السَّماءِ مُؤَنَّثٌ. والإرْسالُ: مُسْتَعارٌ لِلْإيصالِ والإعْطاءِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ إيصالٌ مِن عُلُوٍّ كَقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] . وأمْوالٌ: جَمْعُ مالٍ وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَكْسَبٍ يَبْذُلُهُ المَرْءُ في اقْتِناءِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِالجَنّاتِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ النَّخِيلَ والأعْنابَ،؛ لِأنَّ الجَنّاتِ تَحْتاجُ إلى السَّقْيِ. وإعادَةُ فِعْلِ (يَجْعَلْ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ لِلتَّوْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ قِوامُ الجَنّاتِ وتَسْقِي المَزارِعَ والأنْعامَ. صفحة ١٩٩ وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنْ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ الصّالِحِينَ بِطِيبِ العَيْشِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقالَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .

نوح 71:12

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّيَ أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ ارْتَقى في شَكْواهُ واعْتِذارِهِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ كانَتْ مُخْتَلِفَةَ الحالاتِ في القَوْلِ مِن جَهْرٍ وإسْرارٍ، فَعَطْفُ الكَلامِ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي تُفِيدُ في عَطْفِها الجُمَلَ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ صفحة ١٩٧ المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها،؛ لِأنَّ اخْتِلافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ألْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِن أوْقاتِ إلْقائِها؛ لِأنَّ الحالَةَ أشَدُّ مُلابَسَةً بِصاحِبِها مِن مُلابَسَةِ زَمانِهِ. فَذَكَرَ أنَّهُ دَعاهم جِهارًا، أيْ: عَلَنًا. وجِهارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وهو هُنا وصْفٌ لِمَصْدَرِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَةً جِهارًا. وارْتَقى فَذَكَرَ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ أقْوى في الدَّعْوَةِ وأغْلَظُ مِن إفْرادِ إحْداهُما. فَقَوْلُهُ ﴿أعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ . والمَعْنى: أنَّهُ تَوَخّى ما يَظُنُّهُ أوْغَلَ إلى قُلُوبِهِمْ مِن صِفاتِ الدَّعْوَةِ فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الجَهْرُ أجْدى مِثْلَ مَجامِعِ العامَّةِ، وأسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهم مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ في التَّصَدِّي لِسَماعِ دَعْوَتِهِ وبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾، وقَوْلِهِ ﴿أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ مُوَزَّعَةً عَلى مُخْتَلَفِ النّاسِ. وانْتَصَبَ جِهارًا بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ. وانْتَصَبَ إسْرارًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: إسْرارًا خَفِيًّا. ووَجْهُ تَوْكِيدِ الإسْرارِ أنَّ إسْرارَ الدَّعْوَةِ كانَ في حالِ دَعْوَتِهِ سادَتَهم وقادَتَهم؛ لِأنَّهم يَمْتَعِضُونَ مِن إعْلانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِن أتْباعِهِمْ. وفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ فَقالَ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ لَهم لَيْلًا ونَهارًا وجِهارًا وإسْرارًا. ومَعْنى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، آمِنُوا إيمانًا يَكُونُ اسْتِغْفارًا لِذَنْبِكم فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكم. وعَلَّلَ ذَلِكَ لَهم بِأنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالغُفْرانِ صِفَةً ثابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِها لِعِبادِهِ المُسْتَغْفِرِينَ، فَأفادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إنَّ) وأفادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ (كانَ) . وأفادَ كَمالَ غُفْرانِهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفّارًا. صفحة ١٩٨ وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ ورُتِّبَ عَلَيْهِ وعْدٌ بِخَيْرِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ جَوابِ الأمْرِ، وهو ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وكانُوا أهْلَ فِلاحَةٍ فَوَعَدَهم بِنُزُولِ المَطَرِ الَّذِي بِهِ السَّلامَةُ مِنَ القَحْطِ وبِالزِّيادَةِ في الأمْوالِ. والسَّماءُ: هُنا المَطَرُ، ومِن أسْماءِ المَطَرِ السَّماءُ. وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: أنَّهُ قالَ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، الحَدِيثَ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا والمِدْرارُ: الكَثِيرَةُ الدَّرِّ والدُّرُورِ، وهو السَّيَلانُ، يُقالُ: دَرَّتِ السَّماءُ بِالمَطَرِ، وسَماءٌ مِدْرارٌ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنْ يَتْبَعَ بَعْضُ الأمْطارِ بَعْضًا. ومِدْرارٌ، زِنَةُ مُبالَغَةٍ، وهَذا الوَزْنُ لا تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ إلّا نادِرًا كَما في قَوْلِ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَةَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقُ التّاءُ هُنا مَعَ أنَّ اسْمَ السَّماءِ مُؤَنَّثٌ. والإرْسالُ: مُسْتَعارٌ لِلْإيصالِ والإعْطاءِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ إيصالٌ مِن عُلُوٍّ كَقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] . وأمْوالٌ: جَمْعُ مالٍ وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَكْسَبٍ يَبْذُلُهُ المَرْءُ في اقْتِناءِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِالجَنّاتِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ النَّخِيلَ والأعْنابَ،؛ لِأنَّ الجَنّاتِ تَحْتاجُ إلى السَّقْيِ. وإعادَةُ فِعْلِ (يَجْعَلْ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ لِلتَّوْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ قِوامُ الجَنّاتِ وتَسْقِي المَزارِعَ والأنْعامَ. صفحة ١٩٩ وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنْ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ الصّالِحِينَ بِطِيبِ العَيْشِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقالَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .

نوح 71:13

﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ بَدَّلَ خِطابَهُ مَعَ قَوْمِهِ مِن طَرِيقَةِ النُّصْحِ والأمْرِ إلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ . وهُوَ اسْتِفْهامٌ صُورَتُهُ صُورَةُ السُّؤالِ عَنْ أمْرٍ ثَبَتَ لَهم في حالِ انْتِفاءِ رَجائِهِمْ تَوْقِيرَ اللَّهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ لا شَيْءَ يَثْبُتُ لَهم صارِفٌ عَنْ تَوْقِيرِ اللَّهِ فَلا عُذْرَ لَكم في عَدَمِ تَوْقِيرِهِ. وجُمْلَةُ ﴿لا تَرْجُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وكَلِمَةُ (ما لَكَ) ونَحْوُها تُلازِمُها حالٌ بَعْدَها نَحْوَ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] . وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ وفي تَعَلُّقِ مَعْمُولاتِهِ بِعَوامِلِهِ عَلى أقْوالٍ: بَعْضُها يَرْجِعُ إلى إبْقاءِ مَعْنى الرَّجاءِ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ وهو تَرَقُّبُ الأمْرِ، وكَذَلِكَ مَعْنى الوَقارِ عَلى المُتَعارَفِ وهو العَظَمَةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْإجْلالِ، وبَعْضُها يَرْجِعُ إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الرَّجاءِ، وبَعْضُها إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الوَقارِ، ويَتَرَكَّبُ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ ومِنَ التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ في كِلَيْهِما، أوْ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ في أحَدِهِما مَعَ إبْقاءِ الآخَرِ عَلى ظاهِرِ مَعْناهُ. فَعَلى حَمْلِ الرَّجاءِ عَلى المَعْنى المُتَعارَفِ الظّاهِرِ وحَمْلِ الوَقارِ كَذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وابْنُ كَيْسانَ: ما لَكم لا تَرْجُونَ ثَوابًا مِنَ اللَّهِ ولا تَخافُونَ عِقابًا، أيْ: فَتَعْبُدُوهُ راجِينَ أنْ يُثِيبَكم عَلى عِبادَتِكم وتَوْقِيرِكم إيّاهُ. وهَذا التَّفْسِيرُ يَنْحُو إلى أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اكْتِفاءٌ، أيْ: ولا تَخافُونَ صفحة ٢٠٠ عِقابًا. وإنَّ نُكْتَةَ الِاكْتِفاءِ بِالتَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ رَجاءِ الثَّوابِ: أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَهُ أهْلُ الرَّشادِ والتَّقْوى. وإلى هَذا المَعْنى قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إذْ صَدَّرَ بِقَوْلِهِ: ما لَكم لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمُلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاكم في دارِ الثَّوابِ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنْ حَثِّهِمْ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ رَجاءَ ثَوابِهِ وخَوْفَ عِقابِهِ؛ لِأنَّ مَن رَجا تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاهُ آمَنَ بِهِ وعَبَدَهُ وعَمِلَ الصّالِحاتِ. وعَلى تَأْوِيلِ مَعْنى الرَّجاءِ قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿لا تَرْجُونَ﴾ لا تُبالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. قالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةٌ حِجازِيَّةٌ لِمُضَرَ وهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَقُولُونَ: لَمْ أرْجُ أيْ: لَمْ أُبالِ، وقالَ الوالِبِيُّ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَعْنى ﴿لا تَرْجُونَ﴾ لا تَعْلَمُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: لا تَرَوْنَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ عَنْها نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، فَأجابَهُ أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلُ أيْ: لَمْ يَخَفْ لَسْعَها واسْتَمَرَّ عَلى اشْتِيارِ العَسَلِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُوضَعُ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ مَعَ الرَّجاءِ طَرَفًا مِنَ الخَوْفِ مِنَ النّاسِ ومِن ثَمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْفُ بِمَعْنى العِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآيَةَ. والمَعْنى: لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ بِالعُقُوبَةِ. وعَلى تَأْوِيلِ الوَقارِ قالَ قَتادَةُ: الوَقارُ: العاقِبَةُ، أيْ: ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ عاقِبَةً، أيْ: عاقِبَةَ الإيمانِ، أيْ: أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنِ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِاللَّهِ، وجَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ الوَقارَ بِمَعْنى الثَّباتِ، قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: اثْبُتْنَ، ومَعْناهُ: ما لَكم لا تُثْبِتُونَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ. وتَتَرَكَّبُ مِن هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ مَعانٍ أُخْرى مِن كَوْنِ الوَقارِ مُسْنَدًا في التَّقْرِيرِ إلى فاعِلِهِ أوْ إلى مَفْعُولِهِ، وهي لا تَخْفى. وأمّا قَوْلُهُ (لِلَّهِ) فالأظْهَرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَرْجُونَ)، ويَجُوزُ في بَعْضِ التَّأْوِيلاتِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (وقارًا): إمّا تَعَلُّقَ فاعِلِ المَصْدَرِ بِمَصْدَرِهِ فَتَكُونُ اللّامُ صفحة ٢٠١ فِي قَوْلِهِ (لِلَّهِ) لِشِبْهِ المِلْكِ، أيْ: الوَقارَ الَّذِي هو تَصَرُّفُ اللَّهِ في خَلْقِهِ إنْ شاءَ أنْ يُوَقِّرَكم، أيْ: يُكْرِمَكم بِالنَّعِيمِ، وإمّا تَعَلُّقَ مَفْعُولِ المَصْدَرِ، أيْ: أنْ تُوَقِّرُوا اللَّهَ وتَخْشَوْهُ ولا تَتَهاوَنُوا بِشَأْنِهِ تَهاوُنَ مَن لا يَخافُهُ فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّقْوِيَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَكم) أوْ ضَمِيرِ تَرْجُونَ، أيْ: في حالِ تَحَقُّقِكم أنَّهُ خَلَقَكم أطْوارًا. فَأمّا أنَّهُ خَلَقَهم فَمُوجِبٌ لِلِاعْتِرافِ بِعَظَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ مُكَوِّنُهم وصانِعُهم فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرافُ بِجَلالِهِ. وأمّا كَوْنُ خَلْقِهِمْ أطْوارًا فَلِأنَّ الأطْوارَ الَّتِي يَعْلَمُونَها دالَّةٌ عَلى رِفْقِهِ بِهِمْ في ذَلِكَ التَّطَوُّرِ، فَذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِكُفْرِهِمُ النِّعْمَةَ، ولِأنَّ الأطْوارَ دالَّةٌ عَلى حِكْمَةِ الخالِقِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَإنَّ تَطَوُّرَ الخَلْقِ مِن طَوْرِ النُّطْفَةِ إلى طَوْرِ الجَنِينِ إلى طَوْرِ خُرُوجِهِ طِفْلًا إلى طَوْرِ الصِّبا إلى طَوْرِ بُلُوغِ الأشُدِّ إلى طَوْرِ الشَّيْخُوخَةِ وطُرُوِّ المَوْتِ عَلى الحَياةِ وطَوْرِ البِلى عَلى الأجْسادِ بَعْدَ المَوْتِ، كُلُّ ذَلِكَ والذّاتُ واحِدَةٌ، فَهو دَلِيلٌ عَلى تَمَكُّنِ الخالِقِ مِن كَيْفِيّاتِ الخَلْقِ والتَّبْدِيلِ في الأطْوارِ، وهم يُدْرِكُونَ ذَلِكَ بِأدْنى التِفاتِ الذِّهْنِ، فَكانُوا مَحْقُوقِينَ بِأنْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى مَعْرِفَةِ عَظَمَةِ اللَّهِ وتَوَقُّعِ عِقابِهِ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ قائِمَةٌ بِأنْفُسِهِمْ، وهَلِ التَّصَرُّفُ فِيهِمْ بِالعِقابِ والإثابَةِ إلّا دُونَ التَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالكَوْنِ والفَسادِ. والأطْوارُ: جَمْعُ طَوْرٍ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والطَّوْرُ: التّارَةُ، وهي المَرَّةُ مِنَ الأفْعالِ أوْ مِنَ الزَّمانِ، فَأُرِيدَ مِنَ الأطْوارِ هُنا ما يَحْصُلُ في المَرّاتِ والأزْمانِ مِن أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ،؛ لِأنَّهُ لا يُقْصَدُ مِن تَعَدُّدِ المَرّاتِ والأزْمانِ إلّا تَعَدُّدُ ما يَحْصُلُ فِيها، فَهو تَعَدُّدٌ بِالنَّوْعِ لا بِالتَّكْرارِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: فَإنْ أفاقَ لَقَدْ طالَتْ عَمايَتُهُ ∗∗∗ والمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْرًا بَعْدَ أطْوارِ وانْتَصَبَ أطْوارًا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: تَطَوُّرِ خَلْقِهِمْ؛ لِأنَّ أطْوارًا صارَ في تَأْوِيلِ أحْوالًا في أطْوارٍ.

نوح 71:14

﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ بَدَّلَ خِطابَهُ مَعَ قَوْمِهِ مِن طَرِيقَةِ النُّصْحِ والأمْرِ إلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ . وهُوَ اسْتِفْهامٌ صُورَتُهُ صُورَةُ السُّؤالِ عَنْ أمْرٍ ثَبَتَ لَهم في حالِ انْتِفاءِ رَجائِهِمْ تَوْقِيرَ اللَّهِ. والمَقْصُودُ أنَّهُ لا شَيْءَ يَثْبُتُ لَهم صارِفٌ عَنْ تَوْقِيرِ اللَّهِ فَلا عُذْرَ لَكم في عَدَمِ تَوْقِيرِهِ. وجُمْلَةُ ﴿لا تَرْجُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وكَلِمَةُ (ما لَكَ) ونَحْوُها تُلازِمُها حالٌ بَعْدَها نَحْوَ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] . وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ وفي تَعَلُّقِ مَعْمُولاتِهِ بِعَوامِلِهِ عَلى أقْوالٍ: بَعْضُها يَرْجِعُ إلى إبْقاءِ مَعْنى الرَّجاءِ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ وهو تَرَقُّبُ الأمْرِ، وكَذَلِكَ مَعْنى الوَقارِ عَلى المُتَعارَفِ وهو العَظَمَةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْإجْلالِ، وبَعْضُها يَرْجِعُ إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الرَّجاءِ، وبَعْضُها إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الوَقارِ، ويَتَرَكَّبُ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ ومِنَ التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ في كِلَيْهِما، أوْ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ في أحَدِهِما مَعَ إبْقاءِ الآخَرِ عَلى ظاهِرِ مَعْناهُ. فَعَلى حَمْلِ الرَّجاءِ عَلى المَعْنى المُتَعارَفِ الظّاهِرِ وحَمْلِ الوَقارِ كَذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وابْنُ كَيْسانَ: ما لَكم لا تَرْجُونَ ثَوابًا مِنَ اللَّهِ ولا تَخافُونَ عِقابًا، أيْ: فَتَعْبُدُوهُ راجِينَ أنْ يُثِيبَكم عَلى عِبادَتِكم وتَوْقِيرِكم إيّاهُ. وهَذا التَّفْسِيرُ يَنْحُو إلى أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اكْتِفاءٌ، أيْ: ولا تَخافُونَ صفحة ٢٠٠ عِقابًا. وإنَّ نُكْتَةَ الِاكْتِفاءِ بِالتَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ رَجاءِ الثَّوابِ: أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَهُ أهْلُ الرَّشادِ والتَّقْوى. وإلى هَذا المَعْنى قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إذْ صَدَّرَ بِقَوْلِهِ: ما لَكم لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمُلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاكم في دارِ الثَّوابِ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنْ حَثِّهِمْ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ رَجاءَ ثَوابِهِ وخَوْفَ عِقابِهِ؛ لِأنَّ مَن رَجا تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاهُ آمَنَ بِهِ وعَبَدَهُ وعَمِلَ الصّالِحاتِ. وعَلى تَأْوِيلِ مَعْنى الرَّجاءِ قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿لا تَرْجُونَ﴾ لا تُبالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. قالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةٌ حِجازِيَّةٌ لِمُضَرَ وهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَقُولُونَ: لَمْ أرْجُ أيْ: لَمْ أُبالِ، وقالَ الوالِبِيُّ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَعْنى ﴿لا تَرْجُونَ﴾ لا تَعْلَمُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: لا تَرَوْنَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ عَنْها نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، فَأجابَهُ أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ: إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلُ أيْ: لَمْ يَخَفْ لَسْعَها واسْتَمَرَّ عَلى اشْتِيارِ العَسَلِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُوضَعُ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ مَعَ الرَّجاءِ طَرَفًا مِنَ الخَوْفِ مِنَ النّاسِ ومِن ثَمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْفُ بِمَعْنى العِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآيَةَ. والمَعْنى: لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ بِالعُقُوبَةِ. وعَلى تَأْوِيلِ الوَقارِ قالَ قَتادَةُ: الوَقارُ: العاقِبَةُ، أيْ: ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ عاقِبَةً، أيْ: عاقِبَةَ الإيمانِ، أيْ: أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنِ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِاللَّهِ، وجَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ الوَقارَ بِمَعْنى الثَّباتِ، قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: اثْبُتْنَ، ومَعْناهُ: ما لَكم لا تُثْبِتُونَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ. وتَتَرَكَّبُ مِن هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ مَعانٍ أُخْرى مِن كَوْنِ الوَقارِ مُسْنَدًا في التَّقْرِيرِ إلى فاعِلِهِ أوْ إلى مَفْعُولِهِ، وهي لا تَخْفى. وأمّا قَوْلُهُ (لِلَّهِ) فالأظْهَرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَرْجُونَ)، ويَجُوزُ في بَعْضِ التَّأْوِيلاتِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (وقارًا): إمّا تَعَلُّقَ فاعِلِ المَصْدَرِ بِمَصْدَرِهِ فَتَكُونُ اللّامُ صفحة ٢٠١ فِي قَوْلِهِ (لِلَّهِ) لِشِبْهِ المِلْكِ، أيْ: الوَقارَ الَّذِي هو تَصَرُّفُ اللَّهِ في خَلْقِهِ إنْ شاءَ أنْ يُوَقِّرَكم، أيْ: يُكْرِمَكم بِالنَّعِيمِ، وإمّا تَعَلُّقَ مَفْعُولِ المَصْدَرِ، أيْ: أنْ تُوَقِّرُوا اللَّهَ وتَخْشَوْهُ ولا تَتَهاوَنُوا بِشَأْنِهِ تَهاوُنَ مَن لا يَخافُهُ فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّقْوِيَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَكم) أوْ ضَمِيرِ تَرْجُونَ، أيْ: في حالِ تَحَقُّقِكم أنَّهُ خَلَقَكم أطْوارًا. فَأمّا أنَّهُ خَلَقَهم فَمُوجِبٌ لِلِاعْتِرافِ بِعَظَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ مُكَوِّنُهم وصانِعُهم فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرافُ بِجَلالِهِ. وأمّا كَوْنُ خَلْقِهِمْ أطْوارًا فَلِأنَّ الأطْوارَ الَّتِي يَعْلَمُونَها دالَّةٌ عَلى رِفْقِهِ بِهِمْ في ذَلِكَ التَّطَوُّرِ، فَذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِكُفْرِهِمُ النِّعْمَةَ، ولِأنَّ الأطْوارَ دالَّةٌ عَلى حِكْمَةِ الخالِقِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَإنَّ تَطَوُّرَ الخَلْقِ مِن طَوْرِ النُّطْفَةِ إلى طَوْرِ الجَنِينِ إلى طَوْرِ خُرُوجِهِ طِفْلًا إلى طَوْرِ الصِّبا إلى طَوْرِ بُلُوغِ الأشُدِّ إلى طَوْرِ الشَّيْخُوخَةِ وطُرُوِّ المَوْتِ عَلى الحَياةِ وطَوْرِ البِلى عَلى الأجْسادِ بَعْدَ المَوْتِ، كُلُّ ذَلِكَ والذّاتُ واحِدَةٌ، فَهو دَلِيلٌ عَلى تَمَكُّنِ الخالِقِ مِن كَيْفِيّاتِ الخَلْقِ والتَّبْدِيلِ في الأطْوارِ، وهم يُدْرِكُونَ ذَلِكَ بِأدْنى التِفاتِ الذِّهْنِ، فَكانُوا مَحْقُوقِينَ بِأنْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى مَعْرِفَةِ عَظَمَةِ اللَّهِ وتَوَقُّعِ عِقابِهِ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ قائِمَةٌ بِأنْفُسِهِمْ، وهَلِ التَّصَرُّفُ فِيهِمْ بِالعِقابِ والإثابَةِ إلّا دُونَ التَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالكَوْنِ والفَسادِ. والأطْوارُ: جَمْعُ طَوْرٍ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والطَّوْرُ: التّارَةُ، وهي المَرَّةُ مِنَ الأفْعالِ أوْ مِنَ الزَّمانِ، فَأُرِيدَ مِنَ الأطْوارِ هُنا ما يَحْصُلُ في المَرّاتِ والأزْمانِ مِن أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ،؛ لِأنَّهُ لا يُقْصَدُ مِن تَعَدُّدِ المَرّاتِ والأزْمانِ إلّا تَعَدُّدُ ما يَحْصُلُ فِيها، فَهو تَعَدُّدٌ بِالنَّوْعِ لا بِالتَّكْرارِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: فَإنْ أفاقَ لَقَدْ طالَتْ عَمايَتُهُ ∗∗∗ والمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْرًا بَعْدَ أطْوارِ وانْتَصَبَ أطْوارًا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: تَطَوُّرِ خَلْقِهِمْ؛ لِأنَّ أطْوارًا صارَ في تَأْوِيلِ أحْوالًا في أطْوارٍ.

نوح 71:15

صفحة ٢٠٢ ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ إنْ كانَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ كَما جَرى عَلَيْهِ كَلامُ المُفَسِّرِينَ، كانَ تَخَلُّصًا مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّعْرِيضِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِآثارِ وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ، مِمّا في أنْفُسِهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ، إلى ما في العالَمِ مِنها، لِما عَلِمْتَ مِن إيذانِ قَوْلِهِ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٤] مِن تَذْكِيرٍ بِالنِّعْمَةِ وإقامَةٍ لِلْحُجَّةِ، فَتَخَلَّصَ مِنهُ لِذِكْرِ حُجَّةٍ أُخْرى فَكانَ قَدْ نَبَّهَهم عَلى النَّظَرِ في أنْفُسِهِمْ أوَّلًا لِأنَّها أقْرَبُ ما يُحِسُّونَهُ ويَشْعُرُونَ بِهِ ثُمَّ عَلى النَّظَرِ في العالَمِ وما سُوِّيَ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الشّاهِدَةِ عَلى الخالِقِ العَلِيمِ القَدِيرِ. وإنْ كانَ مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى لِلْأُمَّةِ وهو ما يَسْمَحُ بِهِ سِياقُ السُّورَةِ مِنَ الِاعْتِبارِ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُساوِيَةِ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ كانَ هَذا الكَلامُ اعْتِراضًا لِلْمُناسَبَةِ. والهَمْزَةُ في (ألَمْ تَرَوْا) لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ مُكَنًّى بِهِ عَنِ الإنْكارِ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِدَلائِلَ ما يَرَوْنَهُ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَرْئِيُّ مِن ذَلِكَ. وانْتَصَبَ (كَيْفَ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ تَرَوْا، فَـ (كَيْفَ) هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ مُتَمَحِّضَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَيْفِيَّةِ، أيِ: الحالَةِ. والمَعْنى: ألَسْتُمْ تَرَوْنَ هَيْئَةَ وحالَةَ خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ. والسَّماواتُ: هُنا هي مَداراتٌ بِمَعْنى الكَواكِبِ فَإنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مَدارًا قَدْ يَكُونُ هو سَماءَهُ. وقَوْلُهُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ (سَبْعَ) مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، أوْ مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ بِأنْ يَكُونُوا عَلِمُوا ذَلِكَ مِن قَبْلُ؛ فَيَكُونُ مِمّا شَمِلَهُ فِعْلُ (ألَمْ تَرَوْا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ، ولَعَلَّهم كانُوا سَلَفًا لِلْكَلْدانِيِّينَ في ذَلِكَ. و(طِباقًا): بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّها مُنْفَصِلٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وأنْ بَعْضَها أعْلى مِن بَعْضٍ، سَواءٌ كانَتْ مُتَماسَّةً أوْ كانَ بَيْنَها ما يُسَمّى بِالخَلاءِ. صفحة ٢٠٣ وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ صالِحٌ لِاعْتِبارِ القَمَرِ مِنَ السَّماواتِ، أيْ: الكَواكِبُ عَلى الِاصْطِلاحِ القَدِيمِ المَبْنِيِّ عَلى المُشاهَدَةِ،؛ لِأنَّ ظَرْفِيَّةَ (في) تَكُونُ لِوُقُوعِ المَحْوِيِّ في حاوِيَةٍ مِثْلَ الوِعاءِ، وتَكُونُ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بَيْنَ جَماعَتِهِ، كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ ”«وتَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها» “، وقَوْلُ النُّمَيْرِيِّ: تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نُعْمانَ أنْ مَشَتْ بِهِ زَيْنَبُ في نِسْوَةٍ خَفِراتِ والقَمَرُ كائِنٌ في السَّماءِ المُماسَّةِ لِلْأرْضِ وهي المُسَمّاةُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ بِأبْعادِها. وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ هو بِتَقْدِيرِ: وجَعَلَ الشَّمْسَ فِيهِنَّ سِراجًا، والشَّمْسُ مِنَ الكَواكِبِ. والإخْبارُ عَنِ القَمَرِ بِأنَّهُ نُورٌ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالإنارَةِ بِمَنزِلَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. والقَمَرُ يُنِيرُ ضَوْءُهُ الأرْضَ إنارَةً مُفِيدَةً بِخِلافِ غَيْرِهِ مِن نُجُومِ اللَّيْلِ فَإنَّ إنارَتَها لا تُجْدِي البَشَرَ. والسِّراجُ: المِصْباحُ الزّاهِرُ نُورُهُ الَّذِي يُوقَدُ بِفَتِيلَةٍ في الزَّيْتِ يُضِيءُ التِهابُها المُعَدَّلُ بِمِقْدارِ بَقاءِ مادَّةِ الزَّيْتِ تَغْمُرُها. والإخْبارُ عَنِ الشَّمْسِ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو تَشْبِيهٌ، والقَصْدُ مِنهُ تَقْرِيبُ المُشَبَّهِ مِن إدْراكِ السّامِعِ، فَإنَّ السِّراجَ كانَ أقْصى ما يُسْتَضاءُ بِهِ في اللَّيْلِ وقَلَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَتَّخِذُهُ وإنَّما كانُوا يَرَوْنَهُ في أدْيِرَةِ الرُّهْبانِ أوْ قُصُورِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحَ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ الذَّبالَ بِالسَّلِيطِ المُفَتَّلِ ووَصَفُوا قَصْرَ غُمْدانَ بِالإضاءَةِ عَلى الطَّرِيقِ لَيْلًا. ولَمْ يُخْبَرْ عَنِ الشَّمْسِ بِالضِّياءِ كَما في آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥]، والمَعْنى واحِدٌ وهو الإضاءَةُ، فَلَعَلَّ إيثارَ السِّراجِ هُنا لِمُقارَبَةِ تَعْبِيرِ نُوحٍ في لُغَتِهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ،؛ لِأنَّ الفَواصِلَ الَّتِي قَبْلَها جاءَتْ عَلى حُرُوفٍ صَحِيحَةٍ ولَوْ قِيلَ: ضِياءٌ، لَصارَتِ الفاصِلَةُ هَمْزَةً والهَمْزَةُ قَرِيبَةٌ مِن حُرُوفِ العِلَّةِ فَيَثْقُلُ الوَقْفُ عَلَيْها. صفحة ٢٠٤ وفِي جَعْلِ القَمَرِ نُورًا إيماءٌ إلى أنَّ ضَوْءَ القَمَرِ لَيْسَ مِن ذاتِهِ فَإنَّ القَمَرَ مُظْلِمٌ وإنَّما يَسْتَضِيءُ بِانْعِكاسِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلى ما يَسْتَقْبِلُها مِن وجْهِهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالِ مِن تَبَعُّضٍ وتَمامٍ وهو أثَرُ ظُهُورِهِ هِلالًا ثُمَّ اتِّساعُ اسْتِنارَتِهِ إلى أنْ يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ ارْتِجاعُ ذَلِكَ، وفي تِلْكَ الأحْوالِ يُضِيءُ عَلى الأرْضِ إلى أنْ يَكُونَ المَحاقُ. وبِعَكْسِ ذَلِكَ جُعِلَتِ الشَّمْسُ سِراجًا لِأنَّها مُلْتَهِبَةٌ وأنْوارُها ذاتِيَّةٌ فِيها صادِرَةٌ عَنْها إلى الأرْضِ وإلى القَمَرِ مِثْلَ أنْوارِ السِّراجِ تَمْلَأُ البَيْتَ وتَلْمَعُ أوانِي الفِضَّةِ ونَحْوِها مِمّا في البَيْتِ مِنَ الأشْياءِ المُقابِلَةِ. وقَدِ اجْتَمَعَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ اسْتِدْلالٌ وامْتِنانٌ.

نوح 71:16

صفحة ٢٠٢ ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ إنْ كانَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ كَما جَرى عَلَيْهِ كَلامُ المُفَسِّرِينَ، كانَ تَخَلُّصًا مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّعْرِيضِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِآثارِ وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ، مِمّا في أنْفُسِهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ، إلى ما في العالَمِ مِنها، لِما عَلِمْتَ مِن إيذانِ قَوْلِهِ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٤] مِن تَذْكِيرٍ بِالنِّعْمَةِ وإقامَةٍ لِلْحُجَّةِ، فَتَخَلَّصَ مِنهُ لِذِكْرِ حُجَّةٍ أُخْرى فَكانَ قَدْ نَبَّهَهم عَلى النَّظَرِ في أنْفُسِهِمْ أوَّلًا لِأنَّها أقْرَبُ ما يُحِسُّونَهُ ويَشْعُرُونَ بِهِ ثُمَّ عَلى النَّظَرِ في العالَمِ وما سُوِّيَ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الشّاهِدَةِ عَلى الخالِقِ العَلِيمِ القَدِيرِ. وإنْ كانَ مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى لِلْأُمَّةِ وهو ما يَسْمَحُ بِهِ سِياقُ السُّورَةِ مِنَ الِاعْتِبارِ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُساوِيَةِ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ كانَ هَذا الكَلامُ اعْتِراضًا لِلْمُناسَبَةِ. والهَمْزَةُ في (ألَمْ تَرَوْا) لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ مُكَنًّى بِهِ عَنِ الإنْكارِ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِدَلائِلَ ما يَرَوْنَهُ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَرْئِيُّ مِن ذَلِكَ. وانْتَصَبَ (كَيْفَ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ تَرَوْا، فَـ (كَيْفَ) هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ مُتَمَحِّضَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَيْفِيَّةِ، أيِ: الحالَةِ. والمَعْنى: ألَسْتُمْ تَرَوْنَ هَيْئَةَ وحالَةَ خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ. والسَّماواتُ: هُنا هي مَداراتٌ بِمَعْنى الكَواكِبِ فَإنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مَدارًا قَدْ يَكُونُ هو سَماءَهُ. وقَوْلُهُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ (سَبْعَ) مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، أوْ مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ بِأنْ يَكُونُوا عَلِمُوا ذَلِكَ مِن قَبْلُ؛ فَيَكُونُ مِمّا شَمِلَهُ فِعْلُ (ألَمْ تَرَوْا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ، ولَعَلَّهم كانُوا سَلَفًا لِلْكَلْدانِيِّينَ في ذَلِكَ. و(طِباقًا): بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّها مُنْفَصِلٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وأنْ بَعْضَها أعْلى مِن بَعْضٍ، سَواءٌ كانَتْ مُتَماسَّةً أوْ كانَ بَيْنَها ما يُسَمّى بِالخَلاءِ. صفحة ٢٠٣ وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ صالِحٌ لِاعْتِبارِ القَمَرِ مِنَ السَّماواتِ، أيْ: الكَواكِبُ عَلى الِاصْطِلاحِ القَدِيمِ المَبْنِيِّ عَلى المُشاهَدَةِ،؛ لِأنَّ ظَرْفِيَّةَ (في) تَكُونُ لِوُقُوعِ المَحْوِيِّ في حاوِيَةٍ مِثْلَ الوِعاءِ، وتَكُونُ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بَيْنَ جَماعَتِهِ، كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ ”«وتَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها» “، وقَوْلُ النُّمَيْرِيِّ: تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نُعْمانَ أنْ مَشَتْ بِهِ زَيْنَبُ في نِسْوَةٍ خَفِراتِ والقَمَرُ كائِنٌ في السَّماءِ المُماسَّةِ لِلْأرْضِ وهي المُسَمّاةُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ بِأبْعادِها. وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ هو بِتَقْدِيرِ: وجَعَلَ الشَّمْسَ فِيهِنَّ سِراجًا، والشَّمْسُ مِنَ الكَواكِبِ. والإخْبارُ عَنِ القَمَرِ بِأنَّهُ نُورٌ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالإنارَةِ بِمَنزِلَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. والقَمَرُ يُنِيرُ ضَوْءُهُ الأرْضَ إنارَةً مُفِيدَةً بِخِلافِ غَيْرِهِ مِن نُجُومِ اللَّيْلِ فَإنَّ إنارَتَها لا تُجْدِي البَشَرَ. والسِّراجُ: المِصْباحُ الزّاهِرُ نُورُهُ الَّذِي يُوقَدُ بِفَتِيلَةٍ في الزَّيْتِ يُضِيءُ التِهابُها المُعَدَّلُ بِمِقْدارِ بَقاءِ مادَّةِ الزَّيْتِ تَغْمُرُها. والإخْبارُ عَنِ الشَّمْسِ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو تَشْبِيهٌ، والقَصْدُ مِنهُ تَقْرِيبُ المُشَبَّهِ مِن إدْراكِ السّامِعِ، فَإنَّ السِّراجَ كانَ أقْصى ما يُسْتَضاءُ بِهِ في اللَّيْلِ وقَلَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَتَّخِذُهُ وإنَّما كانُوا يَرَوْنَهُ في أدْيِرَةِ الرُّهْبانِ أوْ قُصُورِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحَ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ الذَّبالَ بِالسَّلِيطِ المُفَتَّلِ ووَصَفُوا قَصْرَ غُمْدانَ بِالإضاءَةِ عَلى الطَّرِيقِ لَيْلًا. ولَمْ يُخْبَرْ عَنِ الشَّمْسِ بِالضِّياءِ كَما في آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥]، والمَعْنى واحِدٌ وهو الإضاءَةُ، فَلَعَلَّ إيثارَ السِّراجِ هُنا لِمُقارَبَةِ تَعْبِيرِ نُوحٍ في لُغَتِهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ،؛ لِأنَّ الفَواصِلَ الَّتِي قَبْلَها جاءَتْ عَلى حُرُوفٍ صَحِيحَةٍ ولَوْ قِيلَ: ضِياءٌ، لَصارَتِ الفاصِلَةُ هَمْزَةً والهَمْزَةُ قَرِيبَةٌ مِن حُرُوفِ العِلَّةِ فَيَثْقُلُ الوَقْفُ عَلَيْها. صفحة ٢٠٤ وفِي جَعْلِ القَمَرِ نُورًا إيماءٌ إلى أنَّ ضَوْءَ القَمَرِ لَيْسَ مِن ذاتِهِ فَإنَّ القَمَرَ مُظْلِمٌ وإنَّما يَسْتَضِيءُ بِانْعِكاسِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلى ما يَسْتَقْبِلُها مِن وجْهِهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالِ مِن تَبَعُّضٍ وتَمامٍ وهو أثَرُ ظُهُورِهِ هِلالًا ثُمَّ اتِّساعُ اسْتِنارَتِهِ إلى أنْ يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ ارْتِجاعُ ذَلِكَ، وفي تِلْكَ الأحْوالِ يُضِيءُ عَلى الأرْضِ إلى أنْ يَكُونَ المَحاقُ. وبِعَكْسِ ذَلِكَ جُعِلَتِ الشَّمْسُ سِراجًا لِأنَّها مُلْتَهِبَةٌ وأنْوارُها ذاتِيَّةٌ فِيها صادِرَةٌ عَنْها إلى الأرْضِ وإلى القَمَرِ مِثْلَ أنْوارِ السِّراجِ تَمْلَأُ البَيْتَ وتَلْمَعُ أوانِي الفِضَّةِ ونَحْوِها مِمّا في البَيْتِ مِنَ الأشْياءِ المُقابِلَةِ. وقَدِ اجْتَمَعَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ اسْتِدْلالٌ وامْتِنانٌ.

نوح 71:17

﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ أنْشَأ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِ السَّماواتِ حُضُورَ الأرْضِ في الخَيالِ فَأعْقَبَ نُوحٌ بِهِ دَلِيلَهُ السّابِقَ، اسْتِدْلالًا بِأعْجَبِ ما يَرَوْنَهُ مِن أحْوالِ ما عَلى الأرْضِ وهو حالُ المَوْتِ والإقْبارِ، ومَهَّدَ لِذَلِكَ ما يَتَقَدَّمُهُ مِن إنْشاءِ النّاسِ. وأدْمَجَ في ذَلِكَ تَعْلِيمَهم بِأنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِن عَناصِرِ الأرْضِ مِثْلَ النَّباتِ وإعْلامَهم بِأنَّ بَعْدَ المَوْتِ حَياةً أُخْرى. وأُطْلِقَ عَلى مَعْنى: أنْشَأكم، فِعْلُ أنْبَتَكم لِلْمُشابَهَةِ بَيْنَ إنْشاءِ الإنْسانِ وإنْباتِ النَّباتِ مِن حَيْثُ إنَّ كِلَيْهِما تَكْوِينٌ كَما قالَ تَعالى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، أيْ: أنْشَأها وكَما يَقُولُونَ: زَرَعَكَ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، ويَزِيدُ وجْهَ الشَّبَهِ هُنا قُرْبًا مِن حَيْثُ إنَّ إنْشاءَ الإنْسانِ مُرَكَّبٌ مِن عَناصِرِ الأرْضِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْبَتَ أصْلَكم، أيْ: آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، قالَ تَعالى ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] . ونَباتًا: اسْمٌ مِن أنْبَتَ، عُومِلَ مُعامَلَةَ المَصْدَرِ فَوَقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ (أنْبَتَكم) لِلتَّوْكِيدِ، ولَمْ يَجْرِ عَلى قِياسِ فِعْلِهِ فَيُقالُ: إنْباتًا،؛ لِأنَّ نَباتًا أخَفُّ فَلَمّا تَسَنّى الإتْيانُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَصِيحٌ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إلى الثَّقِيلِ كَمالًا في الفَصاحَةِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ (إخْراجًا) فَإنَّهُ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إلى: خُرُوجًا، لِعَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِألْفاظِ صفحة ٢٠٥ الفَواصِلِ قَبْلَهُ المَبْنِيَّةِ عَلى ألِفٍ مِثْلِ ألِفِ التَّأْسِيسِ فَكَما تُعَدُّ مُخالَفَتُها في القافِيَةِ عَيْبًا كَذَلِكَ تُعَدُّ المُحافَظَةُ عَلَيْها في الأسْجاعِ والفَواصِلِ كَمالًا. وقَدْ أُدْمِجَ الإنْذارُ بِالبَعْثِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ، ولِكَوْنِهِ أهَمَّ رُتْبَةٍ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأصْلِ الإنْشاءِ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ هو فِعْلُ ويُخْرِجُكم، وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ﴾ فَهو تَمْهِيدٌ لَهُ. وأكَّدَ (يُخْرِجُكم) بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِرَدِّ إنْكارِهِمُ البَعْثَ.

نوح 71:18

﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ أنْشَأ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِ السَّماواتِ حُضُورَ الأرْضِ في الخَيالِ فَأعْقَبَ نُوحٌ بِهِ دَلِيلَهُ السّابِقَ، اسْتِدْلالًا بِأعْجَبِ ما يَرَوْنَهُ مِن أحْوالِ ما عَلى الأرْضِ وهو حالُ المَوْتِ والإقْبارِ، ومَهَّدَ لِذَلِكَ ما يَتَقَدَّمُهُ مِن إنْشاءِ النّاسِ. وأدْمَجَ في ذَلِكَ تَعْلِيمَهم بِأنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِن عَناصِرِ الأرْضِ مِثْلَ النَّباتِ وإعْلامَهم بِأنَّ بَعْدَ المَوْتِ حَياةً أُخْرى. وأُطْلِقَ عَلى مَعْنى: أنْشَأكم، فِعْلُ أنْبَتَكم لِلْمُشابَهَةِ بَيْنَ إنْشاءِ الإنْسانِ وإنْباتِ النَّباتِ مِن حَيْثُ إنَّ كِلَيْهِما تَكْوِينٌ كَما قالَ تَعالى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، أيْ: أنْشَأها وكَما يَقُولُونَ: زَرَعَكَ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، ويَزِيدُ وجْهَ الشَّبَهِ هُنا قُرْبًا مِن حَيْثُ إنَّ إنْشاءَ الإنْسانِ مُرَكَّبٌ مِن عَناصِرِ الأرْضِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْبَتَ أصْلَكم، أيْ: آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، قالَ تَعالى ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] . ونَباتًا: اسْمٌ مِن أنْبَتَ، عُومِلَ مُعامَلَةَ المَصْدَرِ فَوَقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ (أنْبَتَكم) لِلتَّوْكِيدِ، ولَمْ يَجْرِ عَلى قِياسِ فِعْلِهِ فَيُقالُ: إنْباتًا،؛ لِأنَّ نَباتًا أخَفُّ فَلَمّا تَسَنّى الإتْيانُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَصِيحٌ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إلى الثَّقِيلِ كَمالًا في الفَصاحَةِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ (إخْراجًا) فَإنَّهُ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إلى: خُرُوجًا، لِعَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِألْفاظِ صفحة ٢٠٥ الفَواصِلِ قَبْلَهُ المَبْنِيَّةِ عَلى ألِفٍ مِثْلِ ألِفِ التَّأْسِيسِ فَكَما تُعَدُّ مُخالَفَتُها في القافِيَةِ عَيْبًا كَذَلِكَ تُعَدُّ المُحافَظَةُ عَلَيْها في الأسْجاعِ والفَواصِلِ كَمالًا. وقَدْ أُدْمِجَ الإنْذارُ بِالبَعْثِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ، ولِكَوْنِهِ أهَمَّ رُتْبَةٍ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأصْلِ الإنْشاءِ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ هو فِعْلُ ويُخْرِجُكم، وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ﴾ فَهو تَمْهِيدٌ لَهُ. وأكَّدَ (يُخْرِجُكم) بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِرَدِّ إنْكارِهِمُ البَعْثَ.

نوح 71:19

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ وامْتِنانٌ، ولِذَلِكَ عُلِّقَ بِفِعْلِ (جَعَلَ) مَجْرُورٌ بِلامِ التَّعْلِيلِ وهو (لَكم) أيْ: لِأجْلِكم. والبِساطُ: ما يُفْرَشُ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ والجُلُوسِ مِن ثَوْبٍ أوْ زُرْبِيَّةٍ، فالإخْبارُ عَنِ الأرْضِ بِبِساطٍ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ: كالبِساطِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ تَناسُبُ سَطْحِ الأرْضِ في تَعادُلِ أجْزائِهِ بِحَيْثُ لا يُوجِعُ أرْجُلَ الماشِينَ ولا يُقِضُّ جُنُوبَ المُضْطَجِعِينَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ حَجْمَ الأرْضِ كالبِساطِ؛ لِأنَّ حَجْمَ الأرْضِ كُرَوِيٌّ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالعِلَّةِ الباعِثَةِ في قَوْلِهِ (لَكم)، والعِلَّةِ الغائِبَةِ في قَوْلِهِ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا﴾ وحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ العِلَّتَيْنِ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي تَحْصُلُ لِلنّاسِ مِن تَسْوِيَةِ سَطْحِ الأرْضِ مِثْلَ الحَرْثِ والزَّرْعِ، وإلى نِعَمِهِ خاصَّةً وهي السَّيْرُ في الأرْضِ وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أهَمُّ لِاشْتِراكِ كُلِّ النّاسِ في الِاسْتِفادَةِ مِنها. والسُّبُلُ: جَمْعُ سَبِيلٍ وهو الطَّرِيقُ، أيْ: لِتَتَّخِذُوا لِأنْفُسِكم سُبُلًا مِنَ الأرْضِ تَهْتَدُونَ بِها في أسْفارِكم. والفِجاجُ: جَمْعُ فَجٍّ، والفَجُّ: الطَّرِيقُ الواسِعُ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الطَّرِيقِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أوْسَعَ مِنَ الطَّرِيقِ المُعْتادِ.

نوح 71:20

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ وامْتِنانٌ، ولِذَلِكَ عُلِّقَ بِفِعْلِ (جَعَلَ) مَجْرُورٌ بِلامِ التَّعْلِيلِ وهو (لَكم) أيْ: لِأجْلِكم. والبِساطُ: ما يُفْرَشُ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ والجُلُوسِ مِن ثَوْبٍ أوْ زُرْبِيَّةٍ، فالإخْبارُ عَنِ الأرْضِ بِبِساطٍ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ: كالبِساطِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ تَناسُبُ سَطْحِ الأرْضِ في تَعادُلِ أجْزائِهِ بِحَيْثُ لا يُوجِعُ أرْجُلَ الماشِينَ ولا يُقِضُّ جُنُوبَ المُضْطَجِعِينَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ حَجْمَ الأرْضِ كالبِساطِ؛ لِأنَّ حَجْمَ الأرْضِ كُرَوِيٌّ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالعِلَّةِ الباعِثَةِ في قَوْلِهِ (لَكم)، والعِلَّةِ الغائِبَةِ في قَوْلِهِ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا﴾ وحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ العِلَّتَيْنِ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي تَحْصُلُ لِلنّاسِ مِن تَسْوِيَةِ سَطْحِ الأرْضِ مِثْلَ الحَرْثِ والزَّرْعِ، وإلى نِعَمِهِ خاصَّةً وهي السَّيْرُ في الأرْضِ وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أهَمُّ لِاشْتِراكِ كُلِّ النّاسِ في الِاسْتِفادَةِ مِنها. والسُّبُلُ: جَمْعُ سَبِيلٍ وهو الطَّرِيقُ، أيْ: لِتَتَّخِذُوا لِأنْفُسِكم سُبُلًا مِنَ الأرْضِ تَهْتَدُونَ بِها في أسْفارِكم. والفِجاجُ: جَمْعُ فَجٍّ، والفَجُّ: الطَّرِيقُ الواسِعُ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الطَّرِيقِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أوْسَعَ مِنَ الطَّرِيقِ المُعْتادِ.

نوح 71:21

صفحة ٢٠٦ ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ وُدًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥] بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ حِكايَةَ عِصْيانِ قَوْمِهِ إيّاهُ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حِكايَةُ أنَّهُ دَعاهم، فَيَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المَقالَتانِ في وقْتٍ واحِدٍ جاءَ فِيهِ نُوحٌ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ بِالجَوابِ عَنْ أمْرِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] فَتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ (قالَ) مِن قَبِيلِ ذِكْرِ عامِلِ المُبْدَلِ مِنهُ في البَدَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، لِلرَّبْطِ بَيْنَ كَلامَيْهِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المَقالَتانِ في وقْتَيْنِ جَمَعَها القُرْآنُ حِكايَةً لِجَوابَيْهِ لِرَبِّهِ، فَتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ (قالَ) لِما ذَكَرْنا مَعَ الإشارَةِ إلى تَباعُدِ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما سَبَقَها مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥] إلى هُنا مِمّا يُثِيرُ عَجَبًا مِن حالِ قَوْمِهِ المَحْكِيِّ بِحَيْثُ يَتَساءَلُ السّامِعُ عَنْ آخِرِ أمْرِهِمْ، فابْتُدِئَ ذِكْرُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ أنْصارًا. وتَأْخِيرُ هَذا بَعُدَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] ارْتِقاءً في التَّذَمُّرِ مِنهم؛ لِأنَّ هَذا حِكايَةُ حُصُولِ عِصْيانِهِمْ بَعْدَ تَقْدِيمِ المَوْعِظَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] إلى قَوْلِهِ ﴿سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠] . وإظْهارُ اسْمِ (نُوحٍ) مَعَ القَوْلِ الثّانِي دُونَ إضْمارٍ لِبُعْدِ مُعادِ الضَّمِيرِ لَوْ تَحَمَّلَهُ الفِعْلُ، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ قالَ رَبِّ إلَخْ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِما اسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنَ التَّحَسُّرِ والِاسْتِنْصارِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أخَذُوا بِقَوْلِ الَّذِينَ يَصُدُّونَهم عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ، أيْ: اتَّبَعُوا سادَتَهم وقادَتَهم. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالكُبَراءِ ونَحْوِهِ إلى المَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن بَطَرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ. فَقَلَبُوا النِّعْمَةَ عِنْدَهم مُوجِبَ خَسارٍ وضَلالٍ. وأُدْمِجَ في الصِّلَةِ أنَّهم أهْلُ أمْوالٍ وأوْلادٍ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَفاذِ قَوْلِهِمْ في صفحة ٢٠٧ قَوْمِهِمْ وائْتِمارِ القَوْمِ بِأمْرِهِمْ: فَأمْوالُهم إذا أنْفَقُوها لِتَأْلِيفِ أتْباعِهِمْ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وأوْلادُهم أرْهَبُوا بِهِمْ مَن يُقاوِمُهم. والمَعْنى: واتَّبَعُوا أهْلَ الأمْوالِ والأوْلادِ الَّتِي لَمْ تَزِدْهم تِلْكَ الأمْوالُ والأوْلادُ إلّا خَسارًا لِأنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوها في تَأْيِيدِ الكُفْرِ والفَسادِ فَزادَتْهم خَسارًا إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهم أمْوالٌ ولا أوْلادٌ لَكانُوا أقَلَّ ارْتِكابًا لِلْفَسادِ قالَ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] . والخَسارُ: مُسْتَعارٌ لِحُصُولِ الشَّرِّ مِن وسائِلَ شَأْنُها أنْ تَكُونَ سَبَبَ خَيْرٍ كَخَسارَةِ التّاجِرِ مِن حَيْثُ أرادَ الرِّبْحَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ خاسِرِينَ فالَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم يَكُونُونَ مِثْلَهم في الخَسارَةِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم أرْشَدُوهم إلى النَّجاحِ. وماصْدَقَ (مَن) فَرِيقٌ مِنَ القَوْمِ أهْلُ مالٍ وأوْلادٍ ازْدادُوا بِذَلِكَ بَطَرًا دُونَ الشُّكْرِ وهم سادَتُهم، ولِذَلِكَ أُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ومَكَرُوا، وقَوْلُهُ وقالُوا، وقَوْلُهُ ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (ووَلَدُهُ) بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (ووُلْدُهُ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فَأمّا الوَلَدُ، بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ، فاسْمٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ مِنَ الأوْلادِ وعَلى الجَمْعِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، وأمّا وُلْدٌ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، فَقِيلَ: هو لُغَةٌ في ولَدٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ مِثْلَ الفُلْكِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ ولَدٍ مِثْلَ أُسْدٍ جَمْعُ أسَدٍ. والمَكْرُ: إخْفاءُ العَمَلِ أوِ الرَّأْيُ الَّذِي يُرادُ بِهِ ضُرُّ الغَيْرِ، أيْ: مَكَرُوا بِنُوحٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِإضْمارِ الكَيْدِ لَهم حَتّى يَقَعُوا في الضُّرِّ، قِيلَ كانُوا يُدَبِّرُونَ الحِيلَةَ عَلى قَتْلِ نُوحٍ وتَحْرِيشِ النّاسِ عَلى أذاهُ وأذى أتْباعِهِ. وكُبّارًا: مُبالَغَةٌ، أيْ: كَبِيرًا جِدًّا، وهو وارِدٌ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ في ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ مِثْلَ طُوّالٍ، أيْ: طَوِيلٌ جِدًّا، وعُجّابٍ، أيْ: عَجِيبٌ، وحُسّانٍ، وجُمّالٍ، أيْ: جَمِيلٌ، وقُرّاءٍ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، ووُضّاءٍ، أيْ: وضِيءٌ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرٍ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ. (﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا﴾) إلَخْ، أيْ: قالَ بَعْضُهم صفحة ٢٠٨ لِبَعْضٍ: ودٌّ، وسُواعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، ونَسْرٌ، هَذِهِ أصْنامُ قَوْمِ نُوحٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ أسْماءَها غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى اشْتِقاقِ الكَلِماتِ العَرَبِيَّةِ، وفي واوِ (ودٍّ) لُغَتانِ لِلْعَرَبِ مِنهم مَن يَضُمُّ الواوَ، وبِهِ قَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ. ومِنهم مَن يَفْتَحُ الواوَ، وكَذَلِكَ قَرَأ الباقُونَ. ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ودٌّ وسُواعٌ ويَغُوثُ ويَعُوقُ ونَسْرٌ: أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنْ أنْصِبُوا إلى مَجالِسِهِمُ الَّتِي كانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابًا، وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: هي أسْماءُ أبْناءِ خَمْسَةٍ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانُوا عُبّادًا. وعَنِ الماوَرْدِيِّ أنْ (ودًّا) أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ. والآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأنْصابَ عُبِدَتْ قَبْلَ الطُّوفانِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ أُقِيمَتْ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ مِن أوْلادِ آدَمَ، وقالَ بَعْضُهم: كانُوا أصْنامًا بَيْنَ زَمَنِ آدَمَ وزَمَنِ نُوحٍ. ولا يَلْتَئِمُ هَذا مَعَ حُدُوثِ الطُّوفانِ إذْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ جَرَفَها، وخَلَصَ البَشَرُ مِنَ الإشْراكِ بَعْدَ الطُّوفانِ، ومَعَ وُجُودِ هَذِهِ الأسْماءِ في قَبائِلِ العَرَبِ إلى زَمَنِ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَقَدْ كانَ في دَوْمَةِ الجَنْدَلِ - بِلادِ كَلْبٍ - صَنَمٌ اسْمُهُ ودٌّ. قِيلَ كانَ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ وكانَ مِن صُفْرٍ ورَصاصٍ وكانَ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، وكانَ لِهُذَيْلٍ صَنَمٌ اسْمُهُ سُواعٌ، وكانَ لِمُرادٍ وغُطَيْفٍ - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وطاءٍ مُهْمَلَةٍ، بَطْنٍ مِن مُرادٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ سَبَأٍ - صَنَمٌ اسْمُهُ يَغُوثُ، وكانَ أيْضًا لِغَطَفانَ وأخَذَتْهُ ”أنْعُمُ وأعْلى“ وهُما مِن طَيِّءٍ وأهْلُ جَرَشٍ مِن مَذْحِجٍ فَذَهَبُوا بِهِ إلى مُرادٍ فَعَبَدُوهُ، ثُمَّ إنَّ بَنِي ناجِيَةَ رامُوا نَزْعَهُ مِن أعْلى، وأنْعُمَ فَفَرُّوا بِهِ إلى الحُصَيْنِ أخِي بَنِي الحارِثِ مِن خُزاعَةَ. قالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: رَأيْتُ يَغُوثَ مِن رَصاصٍ وكانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى جَمَلٍ أحْرَدَ - بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ: يَخْبِطُ بِيَدَيْهِ إذا مَشى - ويَسِيرُونَ مَعَهُ ولا يُهَيِّجُونَهُ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَبْرُكُ، فَإذا بَرَكَ نَزَلُوا وقالُوا قَدْ رَضِيَ لَكُمُ المَنزِلَ، فَيَضْرِبُونَ عَلَيْهِ بِناءً يَنْزِلُونَ حَوْلَهُ. وكانَ يَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ. وكانَ لِهَمْدانَ صَنَمٌ اسْمُهُ يَعُوقُ وهو عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، وكانَ لِكَهْلانَ مِن سَبَأٍ ثُمَّ تَوارَثَهُ بَنُوهُ حَتّى صارَ إلى هَمْدانَ. صفحة ٢٠٩ وكانَ لِحِمْيَرَ ولِذِي الكُلاعِ مِنهم صَنَمٌ اسْمُهُ نَسْرٌ عَلى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ. وهَذا مَرْوِيٌّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ إلى العَرَبِ اهـ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ انْتَقَلَتْ بِأعْيانِها ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَرَبُ سَمَّوْا عَلَيْها ووَضَعُوا لَها صُوَرًا. ولَقَدِ اضْطَرَّ هَذا بَعْضَ المُفَسِّرِينَ إلى تَأْوِيلِ نَظْمِ الآيَةِ بِأنَّ مُعادَ ضَمِيرِ (قالُوا) إلى مُشْرِكِي العَرَبِ، وأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ في أثْناءِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ بِقَصْدِ التَّنْظِيرِ، أيْ: قالَ العَرَبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ودًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقُ ونَسْرًا كَما قالَ قَوْمُنُوحٍ لِأتْباعِهِمْ ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، ثُمَّ عادَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قَوْمِ نُوحٍ، وهو تَكَلُّفٌ بَيِّنٌ وتَفْكِيكٌ لِأجْزاءِ نَظْمِ الكَلامِ. فالأحْسَنُ ما رَآهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وما نُرِيدُهُ بَيانًا: أنَّ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ قَدْ دُثِرَتْ وغَمَرَها الطُّوفانُ وأنَّ أسْماءَها بَقِيَتْ مَحْفُوظَةً عِنْدَ الَّذِينَ نَجَوْا مَعَ نُوحٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَكانُوا يَذْكُرُونَها ويَعِظُونَ ناشِئَتَهم بِما حَلَّ بِأسْلافِهِمْ مِن جَرّاءِ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، فَبَقِيَتْ تِلْكَ الأسْماءُ يَتَحَدَّثُ بِها العَرَبُ الأقْدَمُونَ في أثاراتِ عِلْمِهِمْ وأخْبارِهِمْ، فَجاءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ الخُزاعِيُّ الَّذِي أعادَ لِلْعَرَبِ عِبادَةَ الأصْنامِ فَسَمّى لَهُمُ الأصْنامَ بِتِلْكَ الأسْماءِ وغَيْرِها فَلا حاجَةَ بِالمُفَسِّرِ إلى التَّطَوُّحِ إلى صِفاتِ الأصْنامِ الَّتِي كانَتْ لَها هَذِهِ الأسْماءُ عِنْدَ العَرَبِ ولا إلى ذِكْرِ تَعْيِينِ القَبائِلِ الَّتِي عَبَدَتْ مُسَمَّياتِ هَذِهِ الأسْماءِ. ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمِ نُوحٍ أصْنامٌ كَثِيرَةٌ جَمَعَها قَوْلُ كُبَرائِهِمْ: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ ثُمَّ خَصُّوا بِالذِّكْرِ أعْظَمَها وهي هَذِهِ الخَمْسَةُ، فَيَكُونُ ذِكْرُها مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ لَهم غَيْرُ تِلْكَ الأصْنامِ الخَمْسَةِ فَيَكُونُ ذِكْرُها مُفَصَّلَةً بَعْدَ الإجْمالِ لِلِاهْتِمامِ بِها ويَكُونُ العَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُرادِفِ. ولِقَصْدِ التَّوْكِيدِ أُعِيدَ فِعْلُ النَّهْيِ ولا تَذَرُنَّ ولَمْ يُسْلَكْ طَرِيقُ الإبْدالِ، والتَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ قَدْ يُقْرَنُ بِالعاطِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] . ونُقِلَ عَنِ الألُوسِيِّ في طُرَّةِ تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ الفِقْرَةُ: قَدْ أخْرَجَ الإفْرِنْجُ في حُدُودِ الألْفِ والمائَتَيْنِ والسِّتِّينَ أصْنامًا وتَماثِيلَ مِن أرْضِ المَوْصِلِ كانَتْ مُنْذُ نَحْوٍ مِن ثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ. وتَكْرِيرُ (لا) النّافِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ﴾ صفحة ٢١٠ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ وعَدَمُ إعادَةِ (لا) مَعَ قَوْلِهِ ﴿ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ جارٍ عَلى أنْ لا يُزادَ في التَّأْكِيدِ عَلى ثَلاثِ مَرّاتٍ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (وُدًّا) بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأها غَيْرُهُما بِفَتْحِ الواوِ، وهو اسْمٌ عَجَمِيٌّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِسانُ العَرَبِ كَيْفَ شاءُوا.

نوح 71:22

صفحة ٢٠٦ ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ وُدًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥] بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ حِكايَةَ عِصْيانِ قَوْمِهِ إيّاهُ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حِكايَةُ أنَّهُ دَعاهم، فَيَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المَقالَتانِ في وقْتٍ واحِدٍ جاءَ فِيهِ نُوحٌ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ بِالجَوابِ عَنْ أمْرِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] فَتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ (قالَ) مِن قَبِيلِ ذِكْرِ عامِلِ المُبْدَلِ مِنهُ في البَدَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، لِلرَّبْطِ بَيْنَ كَلامَيْهِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المَقالَتانِ في وقْتَيْنِ جَمَعَها القُرْآنُ حِكايَةً لِجَوابَيْهِ لِرَبِّهِ، فَتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ (قالَ) لِما ذَكَرْنا مَعَ الإشارَةِ إلى تَباعُدِ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما سَبَقَها مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥] إلى هُنا مِمّا يُثِيرُ عَجَبًا مِن حالِ قَوْمِهِ المَحْكِيِّ بِحَيْثُ يَتَساءَلُ السّامِعُ عَنْ آخِرِ أمْرِهِمْ، فابْتُدِئَ ذِكْرُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ أنْصارًا. وتَأْخِيرُ هَذا بَعُدَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] ارْتِقاءً في التَّذَمُّرِ مِنهم؛ لِأنَّ هَذا حِكايَةُ حُصُولِ عِصْيانِهِمْ بَعْدَ تَقْدِيمِ المَوْعِظَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] إلى قَوْلِهِ ﴿سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠] . وإظْهارُ اسْمِ (نُوحٍ) مَعَ القَوْلِ الثّانِي دُونَ إضْمارٍ لِبُعْدِ مُعادِ الضَّمِيرِ لَوْ تَحَمَّلَهُ الفِعْلُ، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ قالَ رَبِّ إلَخْ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِما اسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنَ التَّحَسُّرِ والِاسْتِنْصارِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أخَذُوا بِقَوْلِ الَّذِينَ يَصُدُّونَهم عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ، أيْ: اتَّبَعُوا سادَتَهم وقادَتَهم. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالكُبَراءِ ونَحْوِهِ إلى المَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن بَطَرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ. فَقَلَبُوا النِّعْمَةَ عِنْدَهم مُوجِبَ خَسارٍ وضَلالٍ. وأُدْمِجَ في الصِّلَةِ أنَّهم أهْلُ أمْوالٍ وأوْلادٍ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَفاذِ قَوْلِهِمْ في صفحة ٢٠٧ قَوْمِهِمْ وائْتِمارِ القَوْمِ بِأمْرِهِمْ: فَأمْوالُهم إذا أنْفَقُوها لِتَأْلِيفِ أتْباعِهِمْ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وأوْلادُهم أرْهَبُوا بِهِمْ مَن يُقاوِمُهم. والمَعْنى: واتَّبَعُوا أهْلَ الأمْوالِ والأوْلادِ الَّتِي لَمْ تَزِدْهم تِلْكَ الأمْوالُ والأوْلادُ إلّا خَسارًا لِأنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوها في تَأْيِيدِ الكُفْرِ والفَسادِ فَزادَتْهم خَسارًا إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهم أمْوالٌ ولا أوْلادٌ لَكانُوا أقَلَّ ارْتِكابًا لِلْفَسادِ قالَ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] . والخَسارُ: مُسْتَعارٌ لِحُصُولِ الشَّرِّ مِن وسائِلَ شَأْنُها أنْ تَكُونَ سَبَبَ خَيْرٍ كَخَسارَةِ التّاجِرِ مِن حَيْثُ أرادَ الرِّبْحَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ خاسِرِينَ فالَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم يَكُونُونَ مِثْلَهم في الخَسارَةِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم أرْشَدُوهم إلى النَّجاحِ. وماصْدَقَ (مَن) فَرِيقٌ مِنَ القَوْمِ أهْلُ مالٍ وأوْلادٍ ازْدادُوا بِذَلِكَ بَطَرًا دُونَ الشُّكْرِ وهم سادَتُهم، ولِذَلِكَ أُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ومَكَرُوا، وقَوْلُهُ وقالُوا، وقَوْلُهُ ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (ووَلَدُهُ) بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (ووُلْدُهُ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فَأمّا الوَلَدُ، بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ، فاسْمٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ مِنَ الأوْلادِ وعَلى الجَمْعِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، وأمّا وُلْدٌ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، فَقِيلَ: هو لُغَةٌ في ولَدٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ مِثْلَ الفُلْكِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ ولَدٍ مِثْلَ أُسْدٍ جَمْعُ أسَدٍ. والمَكْرُ: إخْفاءُ العَمَلِ أوِ الرَّأْيُ الَّذِي يُرادُ بِهِ ضُرُّ الغَيْرِ، أيْ: مَكَرُوا بِنُوحٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِإضْمارِ الكَيْدِ لَهم حَتّى يَقَعُوا في الضُّرِّ، قِيلَ كانُوا يُدَبِّرُونَ الحِيلَةَ عَلى قَتْلِ نُوحٍ وتَحْرِيشِ النّاسِ عَلى أذاهُ وأذى أتْباعِهِ. وكُبّارًا: مُبالَغَةٌ، أيْ: كَبِيرًا جِدًّا، وهو وارِدٌ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ في ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ مِثْلَ طُوّالٍ، أيْ: طَوِيلٌ جِدًّا، وعُجّابٍ، أيْ: عَجِيبٌ، وحُسّانٍ، وجُمّالٍ، أيْ: جَمِيلٌ، وقُرّاءٍ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، ووُضّاءٍ، أيْ: وضِيءٌ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرٍ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ. (﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا﴾) إلَخْ، أيْ: قالَ بَعْضُهم صفحة ٢٠٨ لِبَعْضٍ: ودٌّ، وسُواعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، ونَسْرٌ، هَذِهِ أصْنامُ قَوْمِ نُوحٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ أسْماءَها غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى اشْتِقاقِ الكَلِماتِ العَرَبِيَّةِ، وفي واوِ (ودٍّ) لُغَتانِ لِلْعَرَبِ مِنهم مَن يَضُمُّ الواوَ، وبِهِ قَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ. ومِنهم مَن يَفْتَحُ الواوَ، وكَذَلِكَ قَرَأ الباقُونَ. ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ودٌّ وسُواعٌ ويَغُوثُ ويَعُوقُ ونَسْرٌ: أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنْ أنْصِبُوا إلى مَجالِسِهِمُ الَّتِي كانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابًا، وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: هي أسْماءُ أبْناءِ خَمْسَةٍ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانُوا عُبّادًا. وعَنِ الماوَرْدِيِّ أنْ (ودًّا) أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ. والآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأنْصابَ عُبِدَتْ قَبْلَ الطُّوفانِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ أُقِيمَتْ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ مِن أوْلادِ آدَمَ، وقالَ بَعْضُهم: كانُوا أصْنامًا بَيْنَ زَمَنِ آدَمَ وزَمَنِ نُوحٍ. ولا يَلْتَئِمُ هَذا مَعَ حُدُوثِ الطُّوفانِ إذْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ جَرَفَها، وخَلَصَ البَشَرُ مِنَ الإشْراكِ بَعْدَ الطُّوفانِ، ومَعَ وُجُودِ هَذِهِ الأسْماءِ في قَبائِلِ العَرَبِ إلى زَمَنِ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَقَدْ كانَ في دَوْمَةِ الجَنْدَلِ - بِلادِ كَلْبٍ - صَنَمٌ اسْمُهُ ودٌّ. قِيلَ كانَ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ وكانَ مِن صُفْرٍ ورَصاصٍ وكانَ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، وكانَ لِهُذَيْلٍ صَنَمٌ اسْمُهُ سُواعٌ، وكانَ لِمُرادٍ وغُطَيْفٍ - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وطاءٍ مُهْمَلَةٍ، بَطْنٍ مِن مُرادٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ سَبَأٍ - صَنَمٌ اسْمُهُ يَغُوثُ، وكانَ أيْضًا لِغَطَفانَ وأخَذَتْهُ ”أنْعُمُ وأعْلى“ وهُما مِن طَيِّءٍ وأهْلُ جَرَشٍ مِن مَذْحِجٍ فَذَهَبُوا بِهِ إلى مُرادٍ فَعَبَدُوهُ، ثُمَّ إنَّ بَنِي ناجِيَةَ رامُوا نَزْعَهُ مِن أعْلى، وأنْعُمَ فَفَرُّوا بِهِ إلى الحُصَيْنِ أخِي بَنِي الحارِثِ مِن خُزاعَةَ. قالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: رَأيْتُ يَغُوثَ مِن رَصاصٍ وكانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى جَمَلٍ أحْرَدَ - بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ: يَخْبِطُ بِيَدَيْهِ إذا مَشى - ويَسِيرُونَ مَعَهُ ولا يُهَيِّجُونَهُ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَبْرُكُ، فَإذا بَرَكَ نَزَلُوا وقالُوا قَدْ رَضِيَ لَكُمُ المَنزِلَ، فَيَضْرِبُونَ عَلَيْهِ بِناءً يَنْزِلُونَ حَوْلَهُ. وكانَ يَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ. وكانَ لِهَمْدانَ صَنَمٌ اسْمُهُ يَعُوقُ وهو عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، وكانَ لِكَهْلانَ مِن سَبَأٍ ثُمَّ تَوارَثَهُ بَنُوهُ حَتّى صارَ إلى هَمْدانَ. صفحة ٢٠٩ وكانَ لِحِمْيَرَ ولِذِي الكُلاعِ مِنهم صَنَمٌ اسْمُهُ نَسْرٌ عَلى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ. وهَذا مَرْوِيٌّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ إلى العَرَبِ اهـ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ انْتَقَلَتْ بِأعْيانِها ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَرَبُ سَمَّوْا عَلَيْها ووَضَعُوا لَها صُوَرًا. ولَقَدِ اضْطَرَّ هَذا بَعْضَ المُفَسِّرِينَ إلى تَأْوِيلِ نَظْمِ الآيَةِ بِأنَّ مُعادَ ضَمِيرِ (قالُوا) إلى مُشْرِكِي العَرَبِ، وأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ في أثْناءِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ بِقَصْدِ التَّنْظِيرِ، أيْ: قالَ العَرَبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ودًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقُ ونَسْرًا كَما قالَ قَوْمُنُوحٍ لِأتْباعِهِمْ ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، ثُمَّ عادَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قَوْمِ نُوحٍ، وهو تَكَلُّفٌ بَيِّنٌ وتَفْكِيكٌ لِأجْزاءِ نَظْمِ الكَلامِ. فالأحْسَنُ ما رَآهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وما نُرِيدُهُ بَيانًا: أنَّ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ قَدْ دُثِرَتْ وغَمَرَها الطُّوفانُ وأنَّ أسْماءَها بَقِيَتْ مَحْفُوظَةً عِنْدَ الَّذِينَ نَجَوْا مَعَ نُوحٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَكانُوا يَذْكُرُونَها ويَعِظُونَ ناشِئَتَهم بِما حَلَّ بِأسْلافِهِمْ مِن جَرّاءِ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، فَبَقِيَتْ تِلْكَ الأسْماءُ يَتَحَدَّثُ بِها العَرَبُ الأقْدَمُونَ في أثاراتِ عِلْمِهِمْ وأخْبارِهِمْ، فَجاءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ الخُزاعِيُّ الَّذِي أعادَ لِلْعَرَبِ عِبادَةَ الأصْنامِ فَسَمّى لَهُمُ الأصْنامَ بِتِلْكَ الأسْماءِ وغَيْرِها فَلا حاجَةَ بِالمُفَسِّرِ إلى التَّطَوُّحِ إلى صِفاتِ الأصْنامِ الَّتِي كانَتْ لَها هَذِهِ الأسْماءُ عِنْدَ العَرَبِ ولا إلى ذِكْرِ تَعْيِينِ القَبائِلِ الَّتِي عَبَدَتْ مُسَمَّياتِ هَذِهِ الأسْماءِ. ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمِ نُوحٍ أصْنامٌ كَثِيرَةٌ جَمَعَها قَوْلُ كُبَرائِهِمْ: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ ثُمَّ خَصُّوا بِالذِّكْرِ أعْظَمَها وهي هَذِهِ الخَمْسَةُ، فَيَكُونُ ذِكْرُها مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ لَهم غَيْرُ تِلْكَ الأصْنامِ الخَمْسَةِ فَيَكُونُ ذِكْرُها مُفَصَّلَةً بَعْدَ الإجْمالِ لِلِاهْتِمامِ بِها ويَكُونُ العَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُرادِفِ. ولِقَصْدِ التَّوْكِيدِ أُعِيدَ فِعْلُ النَّهْيِ ولا تَذَرُنَّ ولَمْ يُسْلَكْ طَرِيقُ الإبْدالِ، والتَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ قَدْ يُقْرَنُ بِالعاطِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] . ونُقِلَ عَنِ الألُوسِيِّ في طُرَّةِ تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ الفِقْرَةُ: قَدْ أخْرَجَ الإفْرِنْجُ في حُدُودِ الألْفِ والمائَتَيْنِ والسِّتِّينَ أصْنامًا وتَماثِيلَ مِن أرْضِ المَوْصِلِ كانَتْ مُنْذُ نَحْوٍ مِن ثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ. وتَكْرِيرُ (لا) النّافِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ﴾ صفحة ٢١٠ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ وعَدَمُ إعادَةِ (لا) مَعَ قَوْلِهِ ﴿ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ جارٍ عَلى أنْ لا يُزادَ في التَّأْكِيدِ عَلى ثَلاثِ مَرّاتٍ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (وُدًّا) بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأها غَيْرُهُما بِفَتْحِ الواوِ، وهو اسْمٌ عَجَمِيٌّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِسانُ العَرَبِ كَيْفَ شاءُوا.

نوح 71:23

صفحة ٢٠٦ ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ وُدًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥] بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ حِكايَةَ عِصْيانِ قَوْمِهِ إيّاهُ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ حِكايَةُ أنَّهُ دَعاهم، فَيَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المَقالَتانِ في وقْتٍ واحِدٍ جاءَ فِيهِ نُوحٌ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ بِالجَوابِ عَنْ أمْرِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [نوح: ١] فَتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ (قالَ) مِن قَبِيلِ ذِكْرِ عامِلِ المُبْدَلِ مِنهُ في البَدَلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]، لِلرَّبْطِ بَيْنَ كَلامَيْهِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَهُما. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المَقالَتانِ في وقْتَيْنِ جَمَعَها القُرْآنُ حِكايَةً لِجَوابَيْهِ لِرَبِّهِ، فَتَكُونُ إعادَةُ فِعْلِ (قالَ) لِما ذَكَرْنا مَعَ الإشارَةِ إلى تَباعُدِ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما سَبَقَها مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ [نوح: ٥] إلى هُنا مِمّا يُثِيرُ عَجَبًا مِن حالِ قَوْمِهِ المَحْكِيِّ بِحَيْثُ يَتَساءَلُ السّامِعُ عَنْ آخِرِ أمْرِهِمْ، فابْتُدِئَ ذِكْرُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ أنْصارًا. وتَأْخِيرُ هَذا بَعُدَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] ارْتِقاءً في التَّذَمُّرِ مِنهم؛ لِأنَّ هَذا حِكايَةُ حُصُولِ عِصْيانِهِمْ بَعْدَ تَقْدِيمِ المَوْعِظَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] إلى قَوْلِهِ ﴿سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠] . وإظْهارُ اسْمِ (نُوحٍ) مَعَ القَوْلِ الثّانِي دُونَ إضْمارٍ لِبُعْدِ مُعادِ الضَّمِيرِ لَوْ تَحَمَّلَهُ الفِعْلُ، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ قالَ رَبِّ إلَخْ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِما اسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنَ التَّحَسُّرِ والِاسْتِنْصارِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أخَذُوا بِقَوْلِ الَّذِينَ يَصُدُّونَهم عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ، أيْ: اتَّبَعُوا سادَتَهم وقادَتَهم. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالكُبَراءِ ونَحْوِهِ إلى المَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن بَطَرِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ. فَقَلَبُوا النِّعْمَةَ عِنْدَهم مُوجِبَ خَسارٍ وضَلالٍ. وأُدْمِجَ في الصِّلَةِ أنَّهم أهْلُ أمْوالٍ وأوْلادٍ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نَفاذِ قَوْلِهِمْ في صفحة ٢٠٧ قَوْمِهِمْ وائْتِمارِ القَوْمِ بِأمْرِهِمْ: فَأمْوالُهم إذا أنْفَقُوها لِتَأْلِيفِ أتْباعِهِمْ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وأوْلادُهم أرْهَبُوا بِهِمْ مَن يُقاوِمُهم. والمَعْنى: واتَّبَعُوا أهْلَ الأمْوالِ والأوْلادِ الَّتِي لَمْ تَزِدْهم تِلْكَ الأمْوالُ والأوْلادُ إلّا خَسارًا لِأنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوها في تَأْيِيدِ الكُفْرِ والفَسادِ فَزادَتْهم خَسارًا إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهم أمْوالٌ ولا أوْلادٌ لَكانُوا أقَلَّ ارْتِكابًا لِلْفَسادِ قالَ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] . والخَسارُ: مُسْتَعارٌ لِحُصُولِ الشَّرِّ مِن وسائِلَ شَأْنُها أنْ تَكُونَ سَبَبَ خَيْرٍ كَخَسارَةِ التّاجِرِ مِن حَيْثُ أرادَ الرِّبْحَ، فَإذا كانَ هَؤُلاءِ خاسِرِينَ فالَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم يَكُونُونَ مِثْلَهم في الخَسارَةِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم أرْشَدُوهم إلى النَّجاحِ. وماصْدَقَ (مَن) فَرِيقٌ مِنَ القَوْمِ أهْلُ مالٍ وأوْلادٍ ازْدادُوا بِذَلِكَ بَطَرًا دُونَ الشُّكْرِ وهم سادَتُهم، ولِذَلِكَ أُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ومَكَرُوا، وقَوْلُهُ وقالُوا، وقَوْلُهُ ﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] . وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (ووَلَدُهُ) بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (ووُلْدُهُ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ، فَأمّا الوَلَدُ، بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ، فاسْمٌ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ مِنَ الأوْلادِ وعَلى الجَمْعِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، وأمّا وُلْدٌ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، فَقِيلَ: هو لُغَةٌ في ولَدٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ مِثْلَ الفُلْكِ. وقِيلَ: هو جَمْعُ ولَدٍ مِثْلَ أُسْدٍ جَمْعُ أسَدٍ. والمَكْرُ: إخْفاءُ العَمَلِ أوِ الرَّأْيُ الَّذِي يُرادُ بِهِ ضُرُّ الغَيْرِ، أيْ: مَكَرُوا بِنُوحٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِإضْمارِ الكَيْدِ لَهم حَتّى يَقَعُوا في الضُّرِّ، قِيلَ كانُوا يُدَبِّرُونَ الحِيلَةَ عَلى قَتْلِ نُوحٍ وتَحْرِيشِ النّاسِ عَلى أذاهُ وأذى أتْباعِهِ. وكُبّارًا: مُبالَغَةٌ، أيْ: كَبِيرًا جِدًّا، وهو وارِدٌ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ في ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ مِثْلَ طُوّالٍ، أيْ: طَوِيلٌ جِدًّا، وعُجّابٍ، أيْ: عَجِيبٌ، وحُسّانٍ، وجُمّالٍ، أيْ: جَمِيلٌ، وقُرّاءٍ لِكَثِيرِ القِراءَةِ، ووُضّاءٍ، أيْ: وضِيءٌ. قالَ عِيسى بْنُ عُمَرٍ: هي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ. (﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا﴾) إلَخْ، أيْ: قالَ بَعْضُهم صفحة ٢٠٨ لِبَعْضٍ: ودٌّ، وسُواعٌ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، ونَسْرٌ، هَذِهِ أصْنامُ قَوْمِ نُوحٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ أسْماءَها غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى اشْتِقاقِ الكَلِماتِ العَرَبِيَّةِ، وفي واوِ (ودٍّ) لُغَتانِ لِلْعَرَبِ مِنهم مَن يَضُمُّ الواوَ، وبِهِ قَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ. ومِنهم مَن يَفْتَحُ الواوَ، وكَذَلِكَ قَرَأ الباقُونَ. ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ودٌّ وسُواعٌ ويَغُوثُ ويَعُوقُ ونَسْرٌ: أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ فَلَمّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنْ أنْصِبُوا إلى مَجالِسِهِمُ الَّتِي كانُوا يَجْلِسُونَ أنْصابًا، وسَمُّوها بِأسْمائِهِمْ فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتّى إذا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: هي أسْماءُ أبْناءِ خَمْسَةٍ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانُوا عُبّادًا. وعَنِ الماوَرْدِيِّ أنْ (ودًّا) أوَّلُ صَنَمٍ مَعْبُودٍ. والآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأنْصابَ عُبِدَتْ قَبْلَ الطُّوفانِ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الأصْنامَ أُقِيمَتْ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ مِن أوْلادِ آدَمَ، وقالَ بَعْضُهم: كانُوا أصْنامًا بَيْنَ زَمَنِ آدَمَ وزَمَنِ نُوحٍ. ولا يَلْتَئِمُ هَذا مَعَ حُدُوثِ الطُّوفانِ إذْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ جَرَفَها، وخَلَصَ البَشَرُ مِنَ الإشْراكِ بَعْدَ الطُّوفانِ، ومَعَ وُجُودِ هَذِهِ الأسْماءِ في قَبائِلِ العَرَبِ إلى زَمَنِ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَقَدْ كانَ في دَوْمَةِ الجَنْدَلِ - بِلادِ كَلْبٍ - صَنَمٌ اسْمُهُ ودٌّ. قِيلَ كانَ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ وكانَ مِن صُفْرٍ ورَصاصٍ وكانَ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، وكانَ لِهُذَيْلٍ صَنَمٌ اسْمُهُ سُواعٌ، وكانَ لِمُرادٍ وغُطَيْفٍ - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وطاءٍ مُهْمَلَةٍ، بَطْنٍ مِن مُرادٍ بِالجَوْفِ عِنْدَ سَبَأٍ - صَنَمٌ اسْمُهُ يَغُوثُ، وكانَ أيْضًا لِغَطَفانَ وأخَذَتْهُ ”أنْعُمُ وأعْلى“ وهُما مِن طَيِّءٍ وأهْلُ جَرَشٍ مِن مَذْحِجٍ فَذَهَبُوا بِهِ إلى مُرادٍ فَعَبَدُوهُ، ثُمَّ إنَّ بَنِي ناجِيَةَ رامُوا نَزْعَهُ مِن أعْلى، وأنْعُمَ فَفَرُّوا بِهِ إلى الحُصَيْنِ أخِي بَنِي الحارِثِ مِن خُزاعَةَ. قالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ: رَأيْتُ يَغُوثَ مِن رَصاصٍ وكانُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى جَمَلٍ أحْرَدَ - بِالحاءِ المُهْمَلَةِ، أيْ: يَخْبِطُ بِيَدَيْهِ إذا مَشى - ويَسِيرُونَ مَعَهُ ولا يُهَيِّجُونَهُ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَبْرُكُ، فَإذا بَرَكَ نَزَلُوا وقالُوا قَدْ رَضِيَ لَكُمُ المَنزِلَ، فَيَضْرِبُونَ عَلَيْهِ بِناءً يَنْزِلُونَ حَوْلَهُ. وكانَ يَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ. وكانَ لِهَمْدانَ صَنَمٌ اسْمُهُ يَعُوقُ وهو عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، وكانَ لِكَهْلانَ مِن سَبَأٍ ثُمَّ تَوارَثَهُ بَنُوهُ حَتّى صارَ إلى هَمْدانَ. صفحة ٢٠٩ وكانَ لِحِمْيَرَ ولِذِي الكُلاعِ مِنهم صَنَمٌ اسْمُهُ نَسْرٌ عَلى صُورَةِ النَّسْرِ مِنَ الطَّيْرِ. وهَذا مَرْوِيٌّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ: صارَتِ الأوْثانُ الَّتِي كانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ إلى العَرَبِ اهـ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ انْتَقَلَتْ بِأعْيانِها ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَرَبُ سَمَّوْا عَلَيْها ووَضَعُوا لَها صُوَرًا. ولَقَدِ اضْطَرَّ هَذا بَعْضَ المُفَسِّرِينَ إلى تَأْوِيلِ نَظْمِ الآيَةِ بِأنَّ مُعادَ ضَمِيرِ (قالُوا) إلى مُشْرِكِي العَرَبِ، وأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ في أثْناءِ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ بِقَصْدِ التَّنْظِيرِ، أيْ: قالَ العَرَبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكم ودًّا وسُواعًا ويَغُوثَ ويَعُوقُ ونَسْرًا كَما قالَ قَوْمُنُوحٍ لِأتْباعِهِمْ ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾، ثُمَّ عادَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قَوْمِ نُوحٍ، وهو تَكَلُّفٌ بَيِّنٌ وتَفْكِيكٌ لِأجْزاءِ نَظْمِ الكَلامِ. فالأحْسَنُ ما رَآهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وما نُرِيدُهُ بَيانًا: أنَّ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ قَدْ دُثِرَتْ وغَمَرَها الطُّوفانُ وأنَّ أسْماءَها بَقِيَتْ مَحْفُوظَةً عِنْدَ الَّذِينَ نَجَوْا مَعَ نُوحٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَكانُوا يَذْكُرُونَها ويَعِظُونَ ناشِئَتَهم بِما حَلَّ بِأسْلافِهِمْ مِن جَرّاءِ عِبادَةِ تِلْكَ الأصْنامِ، فَبَقِيَتْ تِلْكَ الأسْماءُ يَتَحَدَّثُ بِها العَرَبُ الأقْدَمُونَ في أثاراتِ عِلْمِهِمْ وأخْبارِهِمْ، فَجاءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ الخُزاعِيُّ الَّذِي أعادَ لِلْعَرَبِ عِبادَةَ الأصْنامِ فَسَمّى لَهُمُ الأصْنامَ بِتِلْكَ الأسْماءِ وغَيْرِها فَلا حاجَةَ بِالمُفَسِّرِ إلى التَّطَوُّحِ إلى صِفاتِ الأصْنامِ الَّتِي كانَتْ لَها هَذِهِ الأسْماءُ عِنْدَ العَرَبِ ولا إلى ذِكْرِ تَعْيِينِ القَبائِلِ الَّتِي عَبَدَتْ مُسَمَّياتِ هَذِهِ الأسْماءِ. ثُمَّ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمِ نُوحٍ أصْنامٌ كَثِيرَةٌ جَمَعَها قَوْلُ كُبَرائِهِمْ: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ ثُمَّ خَصُّوا بِالذِّكْرِ أعْظَمَها وهي هَذِهِ الخَمْسَةُ، فَيَكُونُ ذِكْرُها مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] . ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ لَهم غَيْرُ تِلْكَ الأصْنامِ الخَمْسَةِ فَيَكُونُ ذِكْرُها مُفَصَّلَةً بَعْدَ الإجْمالِ لِلِاهْتِمامِ بِها ويَكُونُ العَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُرادِفِ. ولِقَصْدِ التَّوْكِيدِ أُعِيدَ فِعْلُ النَّهْيِ ولا تَذَرُنَّ ولَمْ يُسْلَكْ طَرِيقُ الإبْدالِ، والتَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ قَدْ يُقْرَنُ بِالعاطِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] . ونُقِلَ عَنِ الألُوسِيِّ في طُرَّةِ تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ الفِقْرَةُ: قَدْ أخْرَجَ الإفْرِنْجُ في حُدُودِ الألْفِ والمائَتَيْنِ والسِّتِّينَ أصْنامًا وتَماثِيلَ مِن أرْضِ المَوْصِلِ كانَتْ مُنْذُ نَحْوٍ مِن ثَلاثَةِ آلافِ سَنَةٍ. وتَكْرِيرُ (لا) النّافِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ﴾ صفحة ٢١٠ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ وعَدَمُ إعادَةِ (لا) مَعَ قَوْلِهِ ﴿ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ جارٍ عَلى أنْ لا يُزادَ في التَّأْكِيدِ عَلى ثَلاثِ مَرّاتٍ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (وُدًّا) بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأها غَيْرُهُما بِفَتْحِ الواوِ، وهو اسْمٌ عَجَمِيٌّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِسانُ العَرَبِ كَيْفَ شاءُوا.

نوح 71:24

﴿وقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح: ٢٣]، أيْ: أضَلُّوا بِقَوْلِهِمْ هَذا وبِغَيْرِهِ مِن تَقالِيدِ الشِّرْكِ كَثِيرًا مِنَ الأُمَّةِ بِحَيْثُ ما آمَنَ مَعَ نُوحٍ إلّا قَلِيلٌ. * * * ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتِمَّةَ كَلامِ نُوحٍ مُتَّصِلَةً بِحِكايَةِ كَلامِهِ السّابِقِ، فَتَكُونُ الواوُ عاطِفَةَ جُزْءِ جُمْلَةٍ مَقُولَةٍ لِفِعْلِ (قالَ) عَلى جُزْئِها الَّذِي قَبْلَها عَطْفَ المَفاعِيلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ كَما تَقُولُ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: قِفا نَبْكِ . خَتَمَ نُوحٌ شَكْواهُ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ عَلى الضّالِّينَ - المُتَحَدَّثِ عَنْهم - بِأنْ يَزِيدَهُمُ اللَّهُ ضَلالًا. ولا يُرِيبُكَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ؛ لِأنَّ مَنعَ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ عَلى الإطْلاقِ غَيْرُ وجِيهٍ والقُرْآنُ طافِحٌ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ غَيْرَ مُتَّصِلَةٍ بِحِكايَةِ كَلامِهِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] بَلْ هو حِكايَةُ كَلامٍ آخَرَ لَهُ صَدْرٌ في مَوْقِفٍ آخَرَ فَتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً جُمْلَةَ مَقُولَةِ قَوْلٍ عَلى جُمْلَةِ مَقُولَةِ قَوْلٍ آخَرَ، أيْ: نائِبَةٍ عَنْ فِعْلِ (قالَ) كَما تَقُولُ: قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: قِفا نَبْكِ، و: ألا عِمْ صَباحًا أيُّها الطَّلَلُ البالِي وقَدْ نَحا هَذا المَعْنى مَن يَأْبَوْنَ عَطْفَ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ. والمُرادُ بِـ الظّالِمِينَ: قَوْمُهُ الَّذِينَ عَصَوْهُ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ التَّعْبِيرَ عَنْهم بِالضَّمِيرِ عائِدًا عَلى ”قَوْمِي“ مِن قَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] فَعَدَلَ عَنْ صفحة ٢١١ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الظّالِمِينَ مِنِ اسْتِحْقاقِهِمِ الحِرْمانَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ لِظُلْمِهِمْ، أيْ: إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، فالظُّلْمُ هُنا الشِّرْكُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . والضَّلالُ، مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرائِقِ المَكْرِ الَّذِي خَشِيَ نُوحٌ غائِلَتَهُ في قَوْلِهِ ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ [نوح: ٢٢]، أيْ: حُلْ بَيْنَنا وبَيْنَ مَكْرِهِمْ ولا تَزِدْهم إمْهالًا في طُغْيانِهِمْ عَلَيْنا إلّا أنْ تُضَلِّلَهم عَنْ وسائِلِهِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أوْ أرادَ إبْهامَ طُرُقِ النَّفْعِ عَلَيْهِمْ حَتّى تَنْكَسِرَ شَوْكَتُهم وتَلِينَ شَكِيمَتُهم نَظِيرَ قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] . ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّلالِ الضَّلالَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والتَّوْحِيدِ لِظُهُورِ أنَّهُ يُنافِي دَعْوَةَ نُوحٍ قَوْمَهُ إلى الِاسْتِغْفارِ والإيمانِ بِالبَعْثِ فَكَيْفَ يَسْألُ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهم مِنهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّلالُ أُطْلِقَ عَلى العَذابِ المُسَبَّبِ عَنِ الضَّلالِ، أيْ: في عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ وهو عَذابُ الإهانَةِ والآلامِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً وهي مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنُوحٍ فَتَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً ويُقَدَّرُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ: وقُلْنا لا تَزِدِ الظّالِمِينَ. والمَعْنى: ولا تَزِدْ في دُعائِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَزِيدُهم إلّا ضَلالًا، فالزِّيادَةُ مِنهُ تَزِيدُهم كُفْرًا وعِنادًا. وبِهَذا يَبْقى الضَّلالُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ المَشْهُورِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، فَصِيغَةُ النَّهْيِ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّأْيِيسِ مِن نَفْعِ دَعْوَتِهِ إيّاهم. وأعْلَمَ اللَّهُ نُوحًا أنَّهُ مُهْلِكُهم بِقَوْلِهِ ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] الآيَةَ وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦] ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] . ألا تَرى أنَّ خِتامَ كِلْتا الآيَتَيْنِ مُتَّحِدُ المَعْنى مِن قَوْلِهِ هُنا أُغْرِقُوا وقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] .

نوح 71:25

﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ صفحة ٢١٢ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَقالاتِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَيْسَتْ مِن حِكايَةِ قَوْلِ نُوحٍ فَهي إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهُ قَدَّرَ النَّصْرَ لِنُوحٍ والعِقابَ لِمَن عَصَوْهُ مِن قَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يَسْألَهُ نُوحٌ اسْتِئْصالَهم فَإغْراقُ قَوْمِ نُوحٍ مَعْلُومٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وإنَّما قُصِدَ إعْلامُهُ بِسَبَبِهِ. والغَرَضُ مِنَ الِاعْتِراضِ بِها التَّعْجِيلُ بِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ مِمّا يُماثِلُ ما لاقاهُ نُوحٌ مِن قَوْمِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِجُمْلَةِ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ [نوح: ٢٤] عَلى الوَجْهِ الثّانِي المُتَقَدِّمِ فِيها مِن أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُوَجَّهِ إلى نُوحٍ بِتَقْدِيرِ: وقُلْنا لا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا، وتَكُونُ صِيغَةُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ أُغْرِقُوا مُسْتَعْمَلَةً في تَحَقُّقِ الوَعْدِ لِنُوحٍ بِإغْراقِهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ . وقُدِّمَ ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ عَلى عامِلِهِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ مِن أجْلِ مَجْمُوعِ خَطِيئاتِهِمْ لا لِمُجَرَّدِ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ نُوحٍ الَّتِي سَتُذْكَرُ عَقِبَ هَذا لِيُعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ عِبادَهُ عَلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا وإنَّما تَأخَّرَ عَذابُهم إلى ما بَعْدَ دَعْوَةِ نُوحٍ لِإظْهارِ كَرامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ بَيْنَ قَوْمِهِ ومَسَرَّةً لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ وتَعْجِيلًا لِما يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ. و(مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ، و(ما) مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى التَّعْلِيلِ. وجَمْعُ الخَطِيئاتِ مُرادٌ بِها الإشْراكُ، وتَكْذِيبُ الرَّسُولِ، وأذاهُ، وأذى المُؤْمِنِينَ مَعَهُ، والسُّخْرِيَةُ مِنهُ حِينَ تَوَعَّدَهم بِالطُّوفانِ، وما يَنْطَوِي عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الجَرائِمِ والفَواحِشِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿خَطِيئاتِهِمْ﴾ بِصِيغَةِ جَمْعِ خَطِيئَةٍ بِالهَمْزِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (خَطاياهم) جَمْعُ خَطِيَّةٍ، بِالياءِ المُشَدَّدَةِ مُدْغَمَةً فِيها الياءُ المُنْقَلِبَةُ عَنْ هَمْزَةٍ لِلتَّخْفِيفِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ مُحَسِّنُ الطِّباقِ؛ لِأنَّ بَيْنَ النّارِ والغَرَقِ المُشْعِرِ بِالماءِ تَضادًّا. وتَفْرِيعُ ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ صفحة ٢١٣ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم وتَدْفَعُ عَنْهُمُ الكَوارِثَ، يَعْنِي في الدُّنْيا؛ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، أيْ: كَما لَمْ تَنْصُرِ الأصْنامُ عَبَدَتَها مِن قَوْمِ نُوحٍ كَذَلِكَ لا تَنْصُرُكم أصْنامُكم. وضَمِيرُ يَجِدُوا عائِدٌ إلى الظّالِمِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ [نوح: ٢٤] وكَذَلِكَ ضَمِيرُ (لَهم) . والمَعْنى: فَلَمْ يَجِدُوا لِأنْفُسِهِمْ أنْصارًا دُونَ عَذابِ اللَّهِ.

نوح 71:26

﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] أعْقَبَهُ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ والِاسْتِئْصالِ بِأنْ لا يُبْقِي مِنهم أحَدًا، أيْ: لا تُبْقِ مِنهم أحَدًا عَلى الأرْضِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (قالَ) لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ أقْوالِ نُوحٍ بِجُمْلَةِ ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ [نوح: ٢٥] إلَخْ، أوْ بِها وبِجُمْلَةِ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ [نوح: ٢٤] . وقُرِنَتْ بِواوِ العَطْفِ لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً فَلا تَتْبَعُ جُمْلَةَ ﴿إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ دَعْوَةَ نُوحٍ حَصَلَتْ بَعْدَ شِكايَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] . ودَيّارٌ: اسْمٌ مَخْصُوصٌ بِالوُقُوعِ في النَّفْيِ يَعُمُّ كُلَّ إنْسانٍ، وهو اسْمٌ بِوَزْنِ فَيْعالٍ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الدّارِ فَعَيْنُهُ واوٌ؛ لِأنَّ عَيْنَ دارٍ مُقَدَّرَةٌ واوًا، فَأصْلُ دَيّارٍ: دَيْوارٍ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ واتَّصَلَتا وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ الزّائِدَةِ كَما فُعِلَ بِسَيِّدٍ ومَيِّتٍ. ومَعْنى دَيّارٍ: مَن يَحُلُّ بِدارِ القَوْمِ كِنايَةً عَنْ إنْسانٍ. ونَظِيرُ (دَيّارٍ) في العُمُومِ والوُقُوعِ في النَّفْيِ أسْماءٌ كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ أبْلَغَها ابْنُ السِّكِّيتِ في إصْلاحِ المَنطِقِ إلى خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ، وزادَ كُراعُ النَّمْلِ سَبْعَةً فَبَلَغَتِ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ اسْمًا، وزادَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ سِتَّةً فَصارَتْ ثَمانِيَةً وثَلاثِينَ. ومِن أشْهَرِها: آحَدٌ، ودَيّارٌ، وعَرِّيبٌ وكُلُّها بِمَعْنى الإنْسانِ، ولَفْظُ (بُدَّ) بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ المُهْمَلَةِ وهو المُفارَقَةُ. صفحة ٢١٤ وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ أنْ لا يَتْرُكَ اللَّهُ عَلى الأرْضِ أحَدًا مِنَ الكافِرِينَ يُرِيدُ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يُضِلُّوا بَعْضَ المُؤْمِنِينَ وأنْ يَلِدُوا أبْناءً يَنْشَأُونَ عَلى كُفْرِهِمْ. والأرْضُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ الكُرَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأنْ يُرادَ أرْضٌ مَعْهُودَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ في سُورَةِ يُوسُفَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ البَشَرُ يَوْمَئِذٍ مُنْحَصِرِينَ في قَوْمِ نُوحٍ، ويَجُوزُ خِلافُهُ، وعَلى هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ يَنْشَأُ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الطُّوفانُ قَدْ غَمَرَ جَمِيعَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ طُوفانًا قاصِرًا عَلى ناحِيَةٍ كَبِيرَةٍ مِن عُمُومِ الأرْضِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ [الأعراف: ٦٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وخَبَرُ (إنَّكَ) مَجْمُوعُ الشَّرْطِ مَعَ جَوابِهِ الواقِعِ بَعْدَ (إنَّ)؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مُبْتَدَأٌ وشَرْطٌ رَجَحَ الشَّرْطُ عَلى المُبْتَدَأِ فَأُعْطِيَ الشَّرْطُ الجَوابَ ولَمْ يُعْطَ المُبْتَدَأُ خَبَرًا لِدَلالَةِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ. وعَلِمَ نُوحٌ أنَّهم لا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا بِأنَّ أوْلادَهم يَنْشَأُونَ فِيهِمْ فَيُلَقِّنُونَهم دِينَهم ويَصُدُّونَ نُوحًا عَنْ أنْ يُرْشِدَهم فَحَصَلَ لَهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ بِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ. والمَعْنى: ولا يَلِدُوا إلّا مَن يَصِيرُ فاجِرًا كَفّارًا عِنْدَ بُلُوغِهِ سِنَّ العَقْلِ. والفاجِرُ: المُتَّصِفُ بِالفُجُورِ، وهو العَمَلُ الشَّدِيدُ الفَسادِ. والكُفّارُ: مُبالَغَةٌ في المَوْصُوفِ بِالكُفْرِ، أيْ: إلّا مَن يَجْمَعُ بَيْنَ سُوءِ الفِعْلِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] . وفِي كَلامِ نُوحٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُصْلِحِينَ يَهْتَمُّونَ بِإصْلاحِ جِيلِهِمُ الحاضِرِ ولا يُهْمِلُونَ تَأْسِيسَ أُسُسِ إصْلاحِ الأجْيالِ الآتِيَةِ إذِ الأجْيالُ كُلُّها سَواءٌ في نَظَرِهِمُ الإصْلاحِيِّ. وقَدِ انْتَزَعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] دَلِيلًا عَلى إبْقاءِ أرْضِ سَوادِ العِراقِ غَيْرَ مَقْسُومَةٍ بَيْنَ الجَيْشِ الَّذِي فَتَحَ العِراقَ وجَعَلَها خَراجًا لِأهْلِها قَصْدًا لِدَوامِ الرِّزْقِ مِنها لِمَن سَيَجِيءُ مِنَ المُسْلِمِينَ.

نوح 71:27

﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] أعْقَبَهُ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ والِاسْتِئْصالِ بِأنْ لا يُبْقِي مِنهم أحَدًا، أيْ: لا تُبْقِ مِنهم أحَدًا عَلى الأرْضِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (قالَ) لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَ أقْوالِ نُوحٍ بِجُمْلَةِ ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ [نوح: ٢٥] إلَخْ، أوْ بِها وبِجُمْلَةِ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ [نوح: ٢٤] . وقُرِنَتْ بِواوِ العَطْفِ لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً فَلا تَتْبَعُ جُمْلَةَ ﴿إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ دَعْوَةَ نُوحٍ حَصَلَتْ بَعْدَ شِكايَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] . ودَيّارٌ: اسْمٌ مَخْصُوصٌ بِالوُقُوعِ في النَّفْيِ يَعُمُّ كُلَّ إنْسانٍ، وهو اسْمٌ بِوَزْنِ فَيْعالٍ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الدّارِ فَعَيْنُهُ واوٌ؛ لِأنَّ عَيْنَ دارٍ مُقَدَّرَةٌ واوًا، فَأصْلُ دَيّارٍ: دَيْوارٍ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ واتَّصَلَتا وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ الزّائِدَةِ كَما فُعِلَ بِسَيِّدٍ ومَيِّتٍ. ومَعْنى دَيّارٍ: مَن يَحُلُّ بِدارِ القَوْمِ كِنايَةً عَنْ إنْسانٍ. ونَظِيرُ (دَيّارٍ) في العُمُومِ والوُقُوعِ في النَّفْيِ أسْماءٌ كَثِيرَةٌ في كَلامِ العَرَبِ أبْلَغَها ابْنُ السِّكِّيتِ في إصْلاحِ المَنطِقِ إلى خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ، وزادَ كُراعُ النَّمْلِ سَبْعَةً فَبَلَغَتِ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ اسْمًا، وزادَ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ سِتَّةً فَصارَتْ ثَمانِيَةً وثَلاثِينَ. ومِن أشْهَرِها: آحَدٌ، ودَيّارٌ، وعَرِّيبٌ وكُلُّها بِمَعْنى الإنْسانِ، ولَفْظُ (بُدَّ) بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ المُهْمَلَةِ وهو المُفارَقَةُ. صفحة ٢١٤ وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ أنْ لا يَتْرُكَ اللَّهُ عَلى الأرْضِ أحَدًا مِنَ الكافِرِينَ يُرِيدُ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يُضِلُّوا بَعْضَ المُؤْمِنِينَ وأنْ يَلِدُوا أبْناءً يَنْشَأُونَ عَلى كُفْرِهِمْ. والأرْضُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها جَمِيعُ الكُرَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وأنْ يُرادَ أرْضٌ مَعْهُودَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ في سُورَةِ يُوسُفَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ البَشَرُ يَوْمَئِذٍ مُنْحَصِرِينَ في قَوْمِ نُوحٍ، ويَجُوزُ خِلافُهُ، وعَلى هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ يَنْشَأُ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الطُّوفانُ قَدْ غَمَرَ جَمِيعَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ طُوفانًا قاصِرًا عَلى ناحِيَةٍ كَبِيرَةٍ مِن عُمُومِ الأرْضِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ [الأعراف: ٦٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وخَبَرُ (إنَّكَ) مَجْمُوعُ الشَّرْطِ مَعَ جَوابِهِ الواقِعِ بَعْدَ (إنَّ)؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مُبْتَدَأٌ وشَرْطٌ رَجَحَ الشَّرْطُ عَلى المُبْتَدَأِ فَأُعْطِيَ الشَّرْطُ الجَوابَ ولَمْ يُعْطَ المُبْتَدَأُ خَبَرًا لِدَلالَةِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ. وعَلِمَ نُوحٌ أنَّهم لا يَلِدُونَ إلّا فاجِرًا كَفّارًا بِأنَّ أوْلادَهم يَنْشَأُونَ فِيهِمْ فَيُلَقِّنُونَهم دِينَهم ويَصُدُّونَ نُوحًا عَنْ أنْ يُرْشِدَهم فَحَصَلَ لَهُ عِلْمٌ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ بِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ. والمَعْنى: ولا يَلِدُوا إلّا مَن يَصِيرُ فاجِرًا كَفّارًا عِنْدَ بُلُوغِهِ سِنَّ العَقْلِ. والفاجِرُ: المُتَّصِفُ بِالفُجُورِ، وهو العَمَلُ الشَّدِيدُ الفَسادِ. والكُفّارُ: مُبالَغَةٌ في المَوْصُوفِ بِالكُفْرِ، أيْ: إلّا مَن يَجْمَعُ بَيْنَ سُوءِ الفِعْلِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ، قالَ تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] . وفِي كَلامِ نُوحٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُصْلِحِينَ يَهْتَمُّونَ بِإصْلاحِ جِيلِهِمُ الحاضِرِ ولا يُهْمِلُونَ تَأْسِيسَ أُسُسِ إصْلاحِ الأجْيالِ الآتِيَةِ إذِ الأجْيالُ كُلُّها سَواءٌ في نَظَرِهِمُ الإصْلاحِيِّ. وقَدِ انْتَزَعَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] دَلِيلًا عَلى إبْقاءِ أرْضِ سَوادِ العِراقِ غَيْرَ مَقْسُومَةٍ بَيْنَ الجَيْشِ الَّذِي فَتَحَ العِراقَ وجَعَلَها خَراجًا لِأهْلِها قَصْدًا لِدَوامِ الرِّزْقِ مِنها لِمَن سَيَجِيءُ مِنَ المُسْلِمِينَ.

نوح 71:28

صفحة ٢١٥ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِمَن دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ جَعَلَ الدُّعاءَ لِنَفْسِهِ ووالِدَيْهِ خاتِمَةَ مُناجاتِهِ فابْتَدَأ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بِأقْرَبِ النّاسِ بِهِ وهُما والِداهُ، ثُمَّ عَمَّمَ أهْلَهَ وذَوِيهِ المُؤْمِنِينَ فَدَخَلَ أوْلادُهُ وبَنُوهم والمُؤْمِناتُ مِن أزْواجِهِمْ وعَبَّرَ عَنْهم بِمَن دَخَلَ بَيْتَهَ كِنايَةً عَنْ سُكْناهم مَعَهُ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ دُخُولٌ مَخْصُوصٌ وهو الدُّخُولُ المُتَكَرِّرُ المُلازِمُ. ومِنهُ سُمِّيَتْ بِطانَةُ المَرْءِ دَخِيلَتُهُ ودُخْلَتُهُ، ثُمَّ عَمَّمَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ثُمَّ عادَ بِالدُّعاءِ عَلى الكَفَرَةِ بِأنْ يَحْرِمَهُمُ اللَّهُ النَّجاحَ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالًا﴾ [نوح: ٢٤] . والتَّبارُ: الهَلاكُ والخَسارُ، فَهو تَخْصِيصٌ لِلظّالِمِينَ مِن قَوْمِهِ بِسُؤالِ اسْتِئْصالِهِمْ بَعْدَ أنْ شَمَلَهم وغَيْرَهم بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﴿لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] حِرْصًا عَلى سَلامَةِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ مِن شَوائِبِ المَفاسِدِ وتَطْهِيرِهِ مِنَ العَناصِرِ الخَبِيثَةِ. ووالِداهُ: أبُوهُ وأُمُّهُ، وقَدْ ورَدَ اسْمُ أبِيهِ في التَّوْراةِ ”لَمَكَ“ وأمّا أُمُّهُ فَقَدْ ذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ اسْمَها شَمْخى بِنْتُ آنُوشَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بَيْتِي) بِسُكُونِ ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْرِيكِها. واسْتِثْناءُ ﴿إلّا تَبارًا﴾ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ التَّبارَ لَيْسَ مِنَ الزِّيادَةِ المَدْعُوُّ بِنَفْيِها فَإنَّهُ أرادَ لا تَزِدْهم مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ؛ لِأنَّ في زِيادَةِ ذَلِكَ لَهم قُوَّةً لَهم عَلى أذى المُؤْمِنِينَ. وهَذا كَقَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨] الآيَةَ. وهَذا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] . * * * صفحة ٢١٦ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الجِنِّ سُمِّيَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي المَصاحِفِ الَّتِي رَأيْناها ومِنها الكُوفِيُّ المَكْتُوبُ بِالقَيْرَوانَ في القَرْنِ الخامِسِ ”سُورَةُ الجِنِّ“ وكَذَلِكَ تَرْجَمَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ، وتَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةُ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١]“ . واشْتُهِرَتْ عَلى ألْسِنَةِ المُكَتِّبِينَ والمُتَعَلِّمِينَ في الكَتاتِيبِ القُرْآنِيَّةِ بِاسْمِ ”﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: ١]“ . ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ، ووَجْهُ التَّسْمِيَتَيْنِ ظاهِرٌ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. ويَظْهَرُ أنَّها نَزَلَتْ في حُدُودِ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ البَعْثَةِ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طائِفَةٍ مِن صفحة ٢١٧ أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ بِنَخْلَةَ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ وأنَّهُ اسْتَمَعَ فَرِيقٌ مِنَ الجِنِّ إلى قِراءَتِهِ فَرَجَعُوا إلى طائِفَتِهِمْ فَقالُوا: إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا، وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن»: ١] . وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ كانَ بَعْدَ سَفَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الطّائِفِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِن ثَقِيفٍ، أيْ: وذَلِكَ يَكُونُ في سَنَةِ عَشْرٍ بَعْدَ البَعْثَةِ وسَنَةِ ثَلاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ. وقَدْ عُدَّتِ السُّورَةُ الأرْبَعِينَ في نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ الأعْرافِ وقَبْلَ يس. واتَّفَقَ أهْلُ العَدَدِ عَلى عَدِّ آيِها ثَمانٍ وعِشْرِينَ. * * * أغْراضُها إثْباتُ كَرامَةٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ دَعْوَتَهُ بَلَغَتْ إلى جِنْسِ الجِنِّ وإفْهامِهِمْ فَهْمَ مَعانٍ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي اسْتَمَعُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ وفَهْمَ ما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والهُدى، وعِلْمِهِمْ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ والصّاحِبَةِ والوَلَدِ. وإبْطالُ عِبادَةِ ما يُعْبَدُ مِنَ الجِنِّ. وإبْطالُ الكِهانَةِ وبُلُوغِ عِلْمِ الغَيْبِ إلى غَيْرِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يُطْلِعُهُمُ اللَّهُ عَلى ما يَشاءُ. وإثْباتُ أنَّ لِلَّهِ خَلْقًا يُدْعَوْنَ الجِنَّ وأنَّهم أصْنافٌ مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ بِمَراتِبَ، وتَضْلِيلُ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، والَّذِينَ يَعْبُدُونَ الجِنَّ، والَّذِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ، وأنَّ الجِنَّ لا يُفْلِتُونَ مِن سُلْطانِ اللَّهِ تَعالى. وتَعَجُّبُهم مِنَ الإصابَةِ بِرُجُومِ الشُّهُبِ المانِعَةِ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، وفي المُرادِ مِن هَذا المَنعِ والتَّخَلُّصِ مِن ذَلِكَ إلى ما أوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مَن في شَأْنِ القَحْطِ الَّذِي أصابَ المُشْرِكِينَ لِشِرْكِهِمْ ولِمَنعِهِمْ مَساجِدَ اللَّهِ، وإنْذارِهِمْ بِأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلى تَألُّبِهِمْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ومُحاوَلَتِهِمْ مِنهُ العُدُولَ عَنِ الطَّعْنِ في دِينِهِمْ.