Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الجن 72:1 – المزمل 73:20
المحتويات
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:3
- الجن 72:4
- الجن 72:5
- الجن 72:6
- الجن 72:7
- الجن 72:8
- الجن 72:9
- الجن 72:10
- الجن 72:11
- الجن 72:12
- الجن 72:13
- الجن 72:14
- الجن 72:15
- الجن 72:16
- الجن 72:17
- الجن 72:18
- الجن 72:19
- الجن 72:20
- الجن 72:21
- الجن 72:22
- الجن 72:23
- الجن 72:24
- الجن 72:25
- الجن 72:26
- الجن 72:27
- الجن 72:28
- المزمل 73:1
- المزمل 73:2
- المزمل 73:3
- المزمل 73:4
- المزمل 73:5
- المزمل 73:6
- المزمل 73:7
- المزمل 73:8
- المزمل 73:9
- المزمل 73:10
- المزمل 73:11
- المزمل 73:12
- المزمل 73:13
- المزمل 73:14
- المزمل 73:15
- المزمل 73:16
- المزمل 73:17
- المزمل 73:18
- المزمل 73:19
- المزمل 73:20
الجن 72:1
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾
صفحة ٢١٨
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ يُشِيرُ إلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ حَدَثٌ غَرِيبٌ وخاصَّةً بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم مَظِنَّةُ التَّكْذِيبِ بِهِ كَما يَقْتَضِيِهِ قَوْلُهُ ﴿كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ [الجن: ٧] حَسْبَما يَأْتِي.
أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُعْلِمَ المُسْلِمِينَ وغَيْرَهم بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ وُقُوعَ حَدَثٍ عَظِيمٍ في دَعْوَتِهِ، أقامَهُ اللَّهُ تَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ وتَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ وهو أنْ سَخَّرَ بَعْضًا مِنَ النَّوْعِ المُسَمّى جِنًّا لِاسْتِماعِ القُرْآنِ وألْهَمَهم أوْ عَلَّمَهم فَهْمَ ما سَمِعُوهُ، واهْتِداءَهم إلى مِقْدارِ إرْشادِهِ إلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ وتَنْزِيِهِ اللَّهِ والإيمانِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ فَكانَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ في أُصُولِها بالِغَةً إلى عالَمٍ مِنَ العَوالِمِ المُغَيَّبَةِ لا عَلاقَةَ لِمَوْجُوداتِهِ بِالتَّكالِيفِ ولا بِالعَقائِدِ بَلْ هو عالَمٌ مَجْبُولٌ أهْلُهُ عَلى ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَعْدُو أحَدُهم في مُدَّةِ الدُّنْيا جِبِلَّتَهُ فَيَكُونُ عَلى مِعْيارِها مَصِيرُهُ الأبَدِيُّ في الحَياةِ الآخِرَةِ ولِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ بِشَرائِعَ.
وقَدْ كَشَفَ اللَّهُ لِهَذا الفَرِيقِ مِنهم حَقائِقَ مِن عَقِيدَةِ الإسْلامِ وهَدْيِهِ فَفَهِمُوهُ.
هَذا العالَمُ هو عالَمُ الجِنِّ وهو بِحَسَبِ ما يُسْتَخْلَصُ مِن ظَواهِرِ القُرْآنِ ومِن صِحاحِ الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ وحَسَنِها نَوْعٌ مِنَ المُجَرَّداتِ أعْنِي المَوْجُوداتِ اللَّطِيفَةَ غَيْرَ الكَثِيفَةِ، الخَفِيَّةَ عَنْ حاسَّةِ البَصَرِ والسَّمْعِ، مُنْتَشِرَةٌ في أمْكِنَةٍ مَجْهُولَةٍ لَيْسَتْ عَلى سَطْحِ الأرْضِ ولا في السَّماواتِ بَلْ هي في أجْواءٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ وهي مِن مَقُولَةِ الجَوْهَرِ مِنَ الجَواهِرِ المُجَرَّداتِ أيْ: لَيْسَتْ أجْسامًا ولا جُسْمانِيّاتٍ بَلْ هي مَوْجُوداتٌ رُوحانِيَّةٌ مَخْلُوقَةٌ مِن عُنْصُرٍ نارِيٍّ ولَها حَياةٌ وإرادَةٌ وإدْراكٌ خاصٌّ بِها لا يُدْرى مَداهُ. وهَذِهِ المُجَرَّداتُ النّارِيَّةُ جِنْسٌ مِن أجْناسِ الجَواهِرِ تَحْتَوِي عَلى الجِنِّ وعَلى الشَّياطِينِ فَهُما نَوْعانِ لِجِنْسِ المُجَرَّداتِ النّارِيَّةِ لَها إدْراكاتٌ خاصَّةٌ وتَصَرُّفاتٌ مَحْدُودَةٌ وهي مُغَيَّبَةٌ عَنِ الأنْظارِ مُلْحَقَةٌ بِعالَمِ الغَيْبِ لا تَراها الأبْصارُ ولا تُدْرِكُها أسْماعُ النّاسِ إلّا إذا أوْصَلَ اللَّهُ الشُّعُورَ بِحَرَكاتِها وإراداتِها إلى البَشَرِ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ خَرْقًا لِلْعادَةِ لِأمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ وأرادَهُ.
وبِتَعاضُدِ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتَناصُرِها وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها لا يَعْدُو أنَّهُ ظَنِّيُّ الدَّلالَةِ وهي ظَواهِرُ القُرْآنِ، أوْ ظَنِّيُّ المَتْنِ والدَّلالَةِ وهي الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، حَصَلَ ما يَقْتَضِي الِاعْتِقادَ بِوُجُودِ مَوْجُوداتٍ خَفِيَّةٍ تُسَمّى الجِنَّ فَتُفَسَّرُ بِذَلِكَ مَعانِي آياتٍ مِنَ القُرْآنِ وأخْبارٍ مِنَ السُّنَّةِ.
صفحة ٢١٩
ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَدْخُلُ في أُصُولِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ ولِذَلِكَ لَمْ نُكَفِّرْ مُنْكِرِي وُجُودِ مَوْجُوداتٍ مُعَيَّنَةٍ مِن هَذا النَّوْعِ إذْ لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَتُها بِأدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ، بِخِلافِ حالِ مَن يَقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الجِنِّ لَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِآياتِ ذِكْرِهِ.
وأمّا ما يُرْوى في الكُتُبِ مِن أخْبارٍ جُزْئِيَّةٍ في ظُهُورِهِمْ لِلنّاسِ وإتْيانِهِمْ بِأعْمالٍ عَجِيبَةٍ فَذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ الخَيالِيَّةِ.
وإنّا لَمْ نَلْقَ أحَدًا مِن أثْباتِ العُلَماءِ الَّذِينَ لَقِيناهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ رَأى أشْكالَهم أوْ آثارَهم وما نَجِدُ تِلْكَ القِصَصَ إلّا عَلى ألْسِنَةِ الَّذِينَ يُسْرِعُونَ إلى التَّصْدِيقِ بِالأخْبارِ أوْ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ التَّخَيُّلاتُ.
وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لا يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ ولَكِنَّهُ مِمّا يُضْرَبُ لَهُ مَثْلُ قَوْلِ المَعَرِّيِّ:
ومِثْلُكِ مَن تَخَيَّلَ ثُمَّ خالا
فَظُهُورُ الجِنِّ لِلنَّبِيءِ ﷺ تاراتٍ كَما في حَدِيثِ الجِنِّيِّ الَّذِي تَفَلَّتَ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ هو مِن مُعْجِزاتِهِ مِثْلَ رُؤْيَتِهِ المَلائِكَةَ ورُؤْيَتِهِ الجَنَّةَ والنّارَ في حائِطِ القِبْلَةِ وظُهُورِ الشَّيْطانِ لِأبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ زَكاةِ الفِطْرِ.
وقَدْ مَضى ذِكْرُ الجِنِّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والَّذِينَ أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِخَبَرِ الجِنِّ: هم جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يُبَلِّغُهُمُ القُرْآنَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ أرادَ اللَّهُ إبْلاغَهم هَذا الخَبَرَ لِما لَهُ مِن دَلالَةٍ عَلى شَرَفِ هَذا الدِّينِ وشَرَفِ كِتابِهِ وشَرَفِ مَن جاءَ بِهِ، وفِيهِ إدْخالُ مَسَرَّةٍ عَلى المُسْلِمِينَ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانَ الجِنُّ قَدْ أدْرَكُوا شَرَفَ القُرْآنِ وفَهِمُوا مَقاصِدَهُ وهم لا يَعْرِفُونَ لُغَتَهُ ولا يُدْرِكُونَ بَلاغَتَهُ فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ، والَّذِينَ جاءَ بِلِسانِهِمْ وأدْرَكُوا خَصائِصَ بَلاغَتِهِ أنْكَرُوهُ وأعْرَضُوا عَنْهُ.
وفِي الإخْبارِ عَنْ اسْتِماعِ الجِنِّ لِلْقُرْآنِ بِأنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّهُ ما عَلِمَ بِذَلِكَ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ إيّاهُ بِوُقُوعِ هَذا الِاسْتِماعِ، فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ بِحُضُورِ الجِنِّ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وأمّا آيَةُ الأحْقافِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]
صفحة ٢٢٠
الآياتِ، فَتَذْكِيرٌ بِما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ هي إشارَةٌ إلى قِصَّةٍ أُخْرى رَواها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وهي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في أحادِيثِ القِراءَةِ في الصَّلَواتِ ولا عَلاقَةَ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ في مَوْضِعِ نائِبِ فاعِلِ (أُوحِيَ) أيْ: أُوحِيَ إلَيَّ اسْتِماعُ نَفَرٍ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ المُوحى بِحَرْفِ (أنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِغَرابَتِهِ.
وضَمِيرُ (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ وفي ذَلِكَ زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِالخَبَرِ المُوحى بِهِ.
ومَفْعُولُ اسْتَمَعَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾، أيْ: اسْتَمَعَ القُرْآنَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ.
والنَّفَرُ: الجَماعَةُ مِن واحِدٍ إلى عَشَرَةٍ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ لِجَماعَةٍ مِنَ البَشَرِ فَأُطْلِقَ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الجِنِّ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ إذْ لَيْسَ في اللُّغَةِ لَفْظٌ آخَرُ كَما أُطْلِقَ رِجالٌ في قَوْلِهِ ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] عَلى شُخُوصِ الجِنِّ. وقَوْلُهم ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ قالُوهُ لِبَعْضٍ مِنهم لَمْ يَحْضُرْ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ ألْهَمَهُمُ اللَّهُ أنْ يُنْذِرُوهم ويُرْشِدُوهم إلى الصَّلاحِ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأحْقافِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآياتِ.
ومَعْنى القَوْلِ هُنا: إبْلاغُ مُرادِهِمْ إلى مَن يُرِيدُونَ أنْ يُبَلِّغُوهُ إلَيْهِمْ مِن نَوْعِهِمْ بِالكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَتَفاهَمُونَ بِها، إذْ لَيْسَ لِلْجِنِّ ألْفاظٌ تَجْرِي عَلى الألْسُنِ، فِيما يَظْهَرُ فالقَوْلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّعْبِيرِ عَمّا في النَّفْسِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لِهَذا الدِّينِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ دُعاةً مِنَ الثَّقَلَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا نَفْسِيًّا، أيْ: خَواطِرَ جالَتْ في مُدْرَكاتِهِمْ جَوَلانَ القَوْلِ الَّذِي يَنْبَعِثُ عَنْ إرادَةِ صاحِبِ الإدْراكِ بِهِ إبْلاغَ مُدْرَكاتِهِ لِغَيْرِهِ، فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقَوْلِ كَما في بَيْتِ النّابِغَةِ يَتَحَدَّثُ عَنْ كَلْبِ صَيْدٍ:
قالَتْ لَهُ النَّفْسُ إنِّي لا أرى طَمَعًا ∗∗∗ وإنَّ مَوْلاكَ لَمْ يَسْلَمْ ولَمْ يَصِدِ
صفحة ٢٢١
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] .
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (أنَّ)؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا بِهِ فَرِيقًا مِنهم يَشُكُّونَ في وُقُوعِهِ فَأتَوْا في كَلامِهِمْ بِما يُفِيدُ تَحْقِيقَ ما قالُوهُ وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْ مِثْلِهِ في العَرَبِيَّةِ بِحَرْفِ (إنَّ) .
ووَصْفُ القُرْآنِ بِالعَجَبِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ المَعْنى، أيْ: يَعْجَبُ مِنهُ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ بَدِيعٌ فائِقٌ في مُفادِهِ.
وقَدْ حَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ بِمَزايا القُرْآنِ بِانْكِشافٍ وهَبَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ. قالَ المازِرِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: لا بُدَّ لِمَن آمَنَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ أنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الإعْجازِ وشُرُوطَ المُعْجِزَةِ. وبَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ العِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ الجِنُّ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ أوْ عَلِمُوا مِن كُتُبِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ ما دَلَّهم عَلى أنَّهُ هو النَّبِيءُ الأُمِّيُّ الصّادِقُ المُبَشَّرُ بِهِ. اهـ. وأنا أقُولُ حَصَلَ لِلْجِنِّ عِلْمٌ جَدِيدٌ بِذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ لِأدِلَّةٍ كانُوا لا يَشْعُرُونَ بِها إذْ لَمْ يَكُونُوا مُطالَبِينَ بِمَعْرِفَتِها، وأنَّ فَهْمَهم لِلْقُرْآنِ مِن قَبِيلِ الإلْهامِ خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهِمْ عَلى وجْهِ خَرْقِ العادَةِ كَرامَةً لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْقُرْآنِ.
والإيمانُ بِالقُرْآنِ يَقْتَضِي الإيمانَ بِمَن جاءَ بِهِ وبِمَن أنْزَلَهُ ولِذَلِكَ قالُوا ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ .
وقَدْ حَصَلَ لِهَؤُلاءِ النَّفَرِ مِنَ الجِنِّ شَرَفُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ وصِدْقِ القُرْآنِ وما احْتَوى عَلَيْهِ ما سَمِعُوهُ مِنهُ فَصارُوا مِن خِيرَةِ المَخْلُوقاتِ، وأُكْرِمُوا بِالفَوْزِ في الحَياةِ الآخِرَةِ فَلَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ ذَرَأ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
ومُتَعَلِّقُ (اسْتَمَعَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ .
والرُّشْدُ: بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، أوْ يُقالُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ هو الخَيْرُ والصَّوابُ والهُدى. واتَّفَقَتِ القِراءاتُ العَشْرُ عَلى قِراءَتِهِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.
وقَوْلُهم ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾، أيْ: يَنْتَفِي ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ ولِذَلِكَ أكَّدُوا نَفْيَ الإشْراكِ بِحَرْفِ التَّأْبِيدِ فَكَما أُكِّدَ خَبَرُهم عَنِ القُرْآنِ والثَّناءِ عَلَيْهِ بِـ (إنَّ) أُكِّدَ خَبَرُهم عَنْ إقْلاعِهِمْ عَنِ الإشْراكِ بِـ (لَنْ) .
الجن 72:2
﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾
صفحة ٢١٨
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ يُشِيرُ إلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ حَدَثٌ غَرِيبٌ وخاصَّةً بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم مَظِنَّةُ التَّكْذِيبِ بِهِ كَما يَقْتَضِيِهِ قَوْلُهُ ﴿كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ [الجن: ٧] حَسْبَما يَأْتِي.
أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يُعْلِمَ المُسْلِمِينَ وغَيْرَهم بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ وُقُوعَ حَدَثٍ عَظِيمٍ في دَعْوَتِهِ، أقامَهُ اللَّهُ تَكْرِيمًا لِنَبِيِّهِ وتَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ وهو أنْ سَخَّرَ بَعْضًا مِنَ النَّوْعِ المُسَمّى جِنًّا لِاسْتِماعِ القُرْآنِ وألْهَمَهم أوْ عَلَّمَهم فَهْمَ ما سَمِعُوهُ، واهْتِداءَهم إلى مِقْدارِ إرْشادِهِ إلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ وتَنْزِيِهِ اللَّهِ والإيمانِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ فَكانَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ في أُصُولِها بالِغَةً إلى عالَمٍ مِنَ العَوالِمِ المُغَيَّبَةِ لا عَلاقَةَ لِمَوْجُوداتِهِ بِالتَّكالِيفِ ولا بِالعَقائِدِ بَلْ هو عالَمٌ مَجْبُولٌ أهْلُهُ عَلى ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَعْدُو أحَدُهم في مُدَّةِ الدُّنْيا جِبِلَّتَهُ فَيَكُونُ عَلى مِعْيارِها مَصِيرُهُ الأبَدِيُّ في الحَياةِ الآخِرَةِ ولِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ بِشَرائِعَ.
وقَدْ كَشَفَ اللَّهُ لِهَذا الفَرِيقِ مِنهم حَقائِقَ مِن عَقِيدَةِ الإسْلامِ وهَدْيِهِ فَفَهِمُوهُ.
هَذا العالَمُ هو عالَمُ الجِنِّ وهو بِحَسَبِ ما يُسْتَخْلَصُ مِن ظَواهِرِ القُرْآنِ ومِن صِحاحِ الأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ وحَسَنِها نَوْعٌ مِنَ المُجَرَّداتِ أعْنِي المَوْجُوداتِ اللَّطِيفَةَ غَيْرَ الكَثِيفَةِ، الخَفِيَّةَ عَنْ حاسَّةِ البَصَرِ والسَّمْعِ، مُنْتَشِرَةٌ في أمْكِنَةٍ مَجْهُولَةٍ لَيْسَتْ عَلى سَطْحِ الأرْضِ ولا في السَّماواتِ بَلْ هي في أجْواءٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ وهي مِن مَقُولَةِ الجَوْهَرِ مِنَ الجَواهِرِ المُجَرَّداتِ أيْ: لَيْسَتْ أجْسامًا ولا جُسْمانِيّاتٍ بَلْ هي مَوْجُوداتٌ رُوحانِيَّةٌ مَخْلُوقَةٌ مِن عُنْصُرٍ نارِيٍّ ولَها حَياةٌ وإرادَةٌ وإدْراكٌ خاصٌّ بِها لا يُدْرى مَداهُ. وهَذِهِ المُجَرَّداتُ النّارِيَّةُ جِنْسٌ مِن أجْناسِ الجَواهِرِ تَحْتَوِي عَلى الجِنِّ وعَلى الشَّياطِينِ فَهُما نَوْعانِ لِجِنْسِ المُجَرَّداتِ النّارِيَّةِ لَها إدْراكاتٌ خاصَّةٌ وتَصَرُّفاتٌ مَحْدُودَةٌ وهي مُغَيَّبَةٌ عَنِ الأنْظارِ مُلْحَقَةٌ بِعالَمِ الغَيْبِ لا تَراها الأبْصارُ ولا تُدْرِكُها أسْماعُ النّاسِ إلّا إذا أوْصَلَ اللَّهُ الشُّعُورَ بِحَرَكاتِها وإراداتِها إلى البَشَرِ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ خَرْقًا لِلْعادَةِ لِأمْرٍ قَضاهُ اللَّهُ وأرادَهُ.
وبِتَعاضُدِ هَذِهِ الدَّلائِلِ وتَناصُرِها وإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها لا يَعْدُو أنَّهُ ظَنِّيُّ الدَّلالَةِ وهي ظَواهِرُ القُرْآنِ، أوْ ظَنِّيُّ المَتْنِ والدَّلالَةِ وهي الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، حَصَلَ ما يَقْتَضِي الِاعْتِقادَ بِوُجُودِ مَوْجُوداتٍ خَفِيَّةٍ تُسَمّى الجِنَّ فَتُفَسَّرُ بِذَلِكَ مَعانِي آياتٍ مِنَ القُرْآنِ وأخْبارٍ مِنَ السُّنَّةِ.
صفحة ٢١٩
ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَدْخُلُ في أُصُولِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ ولِذَلِكَ لَمْ نُكَفِّرْ مُنْكِرِي وُجُودِ مَوْجُوداتٍ مُعَيَّنَةٍ مِن هَذا النَّوْعِ إذْ لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَتُها بِأدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ، بِخِلافِ حالِ مَن يَقُولُ: إنَّ ذِكْرَ الجِنِّ لَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِآياتِ ذِكْرِهِ.
وأمّا ما يُرْوى في الكُتُبِ مِن أخْبارٍ جُزْئِيَّةٍ في ظُهُورِهِمْ لِلنّاسِ وإتْيانِهِمْ بِأعْمالٍ عَجِيبَةٍ فَذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ الخَيالِيَّةِ.
وإنّا لَمْ نَلْقَ أحَدًا مِن أثْباتِ العُلَماءِ الَّذِينَ لَقِيناهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ رَأى أشْكالَهم أوْ آثارَهم وما نَجِدُ تِلْكَ القِصَصَ إلّا عَلى ألْسِنَةِ الَّذِينَ يُسْرِعُونَ إلى التَّصْدِيقِ بِالأخْبارِ أوْ تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ التَّخَيُّلاتُ.
وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن لا يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ ولَكِنَّهُ مِمّا يُضْرَبُ لَهُ مَثْلُ قَوْلِ المَعَرِّيِّ:
ومِثْلُكِ مَن تَخَيَّلَ ثُمَّ خالا
فَظُهُورُ الجِنِّ لِلنَّبِيءِ ﷺ تاراتٍ كَما في حَدِيثِ الجِنِّيِّ الَّذِي تَفَلَّتَ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلاتَهُ هو مِن مُعْجِزاتِهِ مِثْلَ رُؤْيَتِهِ المَلائِكَةَ ورُؤْيَتِهِ الجَنَّةَ والنّارَ في حائِطِ القِبْلَةِ وظُهُورِ الشَّيْطانِ لِأبِي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِ زَكاةِ الفِطْرِ.
وقَدْ مَضى ذِكْرُ الجِنِّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والَّذِينَ أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِخَبَرِ الجِنِّ: هم جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يُبَلِّغُهُمُ القُرْآنَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ أرادَ اللَّهُ إبْلاغَهم هَذا الخَبَرَ لِما لَهُ مِن دَلالَةٍ عَلى شَرَفِ هَذا الدِّينِ وشَرَفِ كِتابِهِ وشَرَفِ مَن جاءَ بِهِ، وفِيهِ إدْخالُ مَسَرَّةٍ عَلى المُسْلِمِينَ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ كانَ الجِنُّ قَدْ أدْرَكُوا شَرَفَ القُرْآنِ وفَهِمُوا مَقاصِدَهُ وهم لا يَعْرِفُونَ لُغَتَهُ ولا يُدْرِكُونَ بَلاغَتَهُ فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ، والَّذِينَ جاءَ بِلِسانِهِمْ وأدْرَكُوا خَصائِصَ بَلاغَتِهِ أنْكَرُوهُ وأعْرَضُوا عَنْهُ.
وفِي الإخْبارِ عَنْ اسْتِماعِ الجِنِّ لِلْقُرْآنِ بِأنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّهُ ما عَلِمَ بِذَلِكَ إلّا بِإخْبارِ اللَّهِ إيّاهُ بِوُقُوعِ هَذا الِاسْتِماعِ، فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَعْلَمْ بِحُضُورِ الجِنِّ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وأمّا آيَةُ الأحْقافِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]
صفحة ٢٢٠
الآياتِ، فَتَذْكِيرٌ بِما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ هي إشارَةٌ إلى قِصَّةٍ أُخْرى رَواها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وهي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في أحادِيثِ القِراءَةِ في الصَّلَواتِ ولا عَلاقَةَ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ في مَوْضِعِ نائِبِ فاعِلِ (أُوحِيَ) أيْ: أُوحِيَ إلَيَّ اسْتِماعُ نَفَرٍ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ المُوحى بِحَرْفِ (أنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِغَرابَتِهِ.
وضَمِيرُ (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ وفي ذَلِكَ زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِالخَبَرِ المُوحى بِهِ.
ومَفْعُولُ اسْتَمَعَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا﴾، أيْ: اسْتَمَعَ القُرْآنَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ.
والنَّفَرُ: الجَماعَةُ مِن واحِدٍ إلى عَشَرَةٍ وأصْلُهُ في اللُّغَةِ لِجَماعَةٍ مِنَ البَشَرِ فَأُطْلِقَ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الجِنِّ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ إذْ لَيْسَ في اللُّغَةِ لَفْظٌ آخَرُ كَما أُطْلِقَ رِجالٌ في قَوْلِهِ ﴿يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ٦] عَلى شُخُوصِ الجِنِّ. وقَوْلُهم ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ قالُوهُ لِبَعْضٍ مِنهم لَمْ يَحْضُرْ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ ألْهَمَهُمُ اللَّهُ أنْ يُنْذِرُوهم ويُرْشِدُوهم إلى الصَّلاحِ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأحْقافِ ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآياتِ.
ومَعْنى القَوْلِ هُنا: إبْلاغُ مُرادِهِمْ إلى مَن يُرِيدُونَ أنْ يُبَلِّغُوهُ إلَيْهِمْ مِن نَوْعِهِمْ بِالكَيْفِيَّةِ الَّتِي يَتَفاهَمُونَ بِها، إذْ لَيْسَ لِلْجِنِّ ألْفاظٌ تَجْرِي عَلى الألْسُنِ، فِيما يَظْهَرُ فالقَوْلُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّعْبِيرِ عَمّا في النَّفْسِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] فَيَكُونُ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لِهَذا الدِّينِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ دُعاةً مِنَ الثَّقَلَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا نَفْسِيًّا، أيْ: خَواطِرَ جالَتْ في مُدْرَكاتِهِمْ جَوَلانَ القَوْلِ الَّذِي يَنْبَعِثُ عَنْ إرادَةِ صاحِبِ الإدْراكِ بِهِ إبْلاغَ مُدْرَكاتِهِ لِغَيْرِهِ، فَإنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقَوْلِ كَما في بَيْتِ النّابِغَةِ يَتَحَدَّثُ عَنْ كَلْبِ صَيْدٍ:
قالَتْ لَهُ النَّفْسُ إنِّي لا أرى طَمَعًا ∗∗∗ وإنَّ مَوْلاكَ لَمْ يَسْلَمْ ولَمْ يَصِدِ
صفحة ٢٢١
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] .
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (أنَّ)؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا بِهِ فَرِيقًا مِنهم يَشُكُّونَ في وُقُوعِهِ فَأتَوْا في كَلامِهِمْ بِما يُفِيدُ تَحْقِيقَ ما قالُوهُ وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْ مِثْلِهِ في العَرَبِيَّةِ بِحَرْفِ (إنَّ) .
ووَصْفُ القُرْآنِ بِالعَجَبِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ المَعْنى، أيْ: يَعْجَبُ مِنهُ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ بَدِيعٌ فائِقٌ في مُفادِهِ.
وقَدْ حَصَلَ لَهُمُ العِلْمُ بِمَزايا القُرْآنِ بِانْكِشافٍ وهَبَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ. قالَ المازِرِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: لا بُدَّ لِمَن آمَنَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ أنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ الإعْجازِ وشُرُوطَ المُعْجِزَةِ. وبَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ العِلْمُ بِصِدْقِ الرَّسُولِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ الجِنُّ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ أوْ عَلِمُوا مِن كُتُبِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمَةِ ما دَلَّهم عَلى أنَّهُ هو النَّبِيءُ الأُمِّيُّ الصّادِقُ المُبَشَّرُ بِهِ. اهـ. وأنا أقُولُ حَصَلَ لِلْجِنِّ عِلْمٌ جَدِيدٌ بِذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ لِأدِلَّةٍ كانُوا لا يَشْعُرُونَ بِها إذْ لَمْ يَكُونُوا مُطالَبِينَ بِمَعْرِفَتِها، وأنَّ فَهْمَهم لِلْقُرْآنِ مِن قَبِيلِ الإلْهامِ خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهِمْ عَلى وجْهِ خَرْقِ العادَةِ كَرامَةً لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْقُرْآنِ.
والإيمانُ بِالقُرْآنِ يَقْتَضِي الإيمانَ بِمَن جاءَ بِهِ وبِمَن أنْزَلَهُ ولِذَلِكَ قالُوا ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ .
وقَدْ حَصَلَ لِهَؤُلاءِ النَّفَرِ مِنَ الجِنِّ شَرَفُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ وصِدْقِ القُرْآنِ وما احْتَوى عَلَيْهِ ما سَمِعُوهُ مِنهُ فَصارُوا مِن خِيرَةِ المَخْلُوقاتِ، وأُكْرِمُوا بِالفَوْزِ في الحَياةِ الآخِرَةِ فَلَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ ذَرَأ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
ومُتَعَلِّقُ (اسْتَمَعَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ .
والرُّشْدُ: بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، أوْ يُقالُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ هو الخَيْرُ والصَّوابُ والهُدى. واتَّفَقَتِ القِراءاتُ العَشْرُ عَلى قِراءَتِهِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.
وقَوْلُهم ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾، أيْ: يَنْتَفِي ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ ولِذَلِكَ أكَّدُوا نَفْيَ الإشْراكِ بِحَرْفِ التَّأْبِيدِ فَكَما أُكِّدَ خَبَرُهم عَنِ القُرْآنِ والثَّناءِ عَلَيْهِ بِـ (إنَّ) أُكِّدَ خَبَرُهم عَنْ إقْلاعِهِمْ عَنِ الإشْراكِ بِـ (لَنْ) .
الجن 72:3
صفحة ٢٢٢
﴿وإنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾
هَذا مَحْكِيٌّ عَنْ كَلامِ الجِنِّ، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّهُ) عَلى اعْتِبارِهِ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] إذْ يَجِبُ كَسْرُ هَمْزَةِ (إنَّ) إذا حُكِيَتْ بِالقَوْلِ.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] أيْ: وآمَنّا بِأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا. وعَدَمُ إعادَةِ الجارِّ مَعَ المَعْطُوفِ عَلى المَجْرُورِ بِالحَرْفِ مُسْتَعْمَلٌ، وجَوَّزَهُ الكُوفِيُّونَ، عَلى أنَّ حَرْفَ الجَرِّ كَثِيرٌ حَذْفُهُ مَعَ (أنَّ) فَلا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في حَذْفِهِ هُنا عَلى التَّأْوِيلِ.
قالَ في الكَشّافِ: (﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ [الجن: ١]) بِالفَتْحِ،؛ لِأنَّهُ فاعِلُ (أُوحِيَ) - أيْ: نائِبُ الفاعِلِ - (﴿وإنّا سَمِعْنا﴾ [الجن: ١]) بِالكَسْرِ،؛ لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْكِيٌّ بَعْدَ القَوْلِ ثُمَّ تُحْمَلُ عَلَيْهِما البَواقِي فَما كانَ مِنَ الوَحْيِ فُتِحَ، وما كانَ مِن قَوْلِ الجِنِّ كُسِرَ، وكُلُّهُنَّ مِن قَوْلِهِمْ إلّا الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ﴿وأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩] ومَن فَتَحَ كُلَّهُنَّ فَعَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ في ﴿آمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣] كَأنَّهُ قِيلَ: صَدَّقْناهُ وصَدَّقْنا أنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا، وأنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا، وكَذَلِكَ البَواقِي اهـ.
والتَّعالِي: شِدَّةُ العُلُوِّ، جُعِلَ شَدِيدَ العُلُوِّ كالمُتَكَلِّفِ العُلُوِّ لِخُرُوجِ عُلُوِّهُ عَنْ غالِبِ ما تَعارَفَهُ النّاسُ فَأشْبَهَ التَّكَلُّفَ.
والجَدُّ، بِفَتْحِ الجِيمِ: العَظَمَةُ والجَلالُ، وهَذا تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾؛ لِأنَّ اتِّخاذَ الصّاحِبَةِ لِلِافْتِقارِ إلَيْها لِأُنْسِها وعَوْنِها والِالتِذاذِ بِصُحْبَتِها، وكُلُّ ذَلِكَ مِن آثارِ الِاحْتِياجِ، واللَّهُ تَعالى الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وتَعالى جَدُّهُ بِغِناهُ المُطْلَقِ، والوَلَدُ يُرْغَبُ فِيهِ لِلِاسْتِعانَةِ والأُنْسِ بِهِ، مَعَ ما يَقْتَضِيهِ مِنِ انْفِصالِهِ مِن أجْزاءِ والِدَيْهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الِافْتِقارِ والِانْتِقاصِ.
وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ شَأْنٍ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً﴾ إلى آخِرِها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ .
صفحة ٢٢٣
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) سَواءٌ كانَتْ مَكْسُورَةً أوْ مَفْتُوحَةً؛ لِأنَّهُ مَسُوقٌ إلى فَرِيقٍ يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ مِنَ الجِنِّ.
والِاقْتِصارُ في بَيانِ تَعالِي جَدِّ اللَّهِ عَلى انْتِفاءِ الصّاحِبَةِ عَنْهُ والوَلَدِ يُنْبِئُ بِأنَّهُ كانَ شائِعًا في عِلْمِ الجِنِّ ما كانَ يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، وما اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ إلّا ناشِئٌ عَنْ تَلْقِينِ الشَّيْطانِ وهو مِنَ الجِنِّ، ولِأنَّ ذَلِكَ مِمّا سَمِعُوهُ مِنَ القُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَهُ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وإعادَةُ (لا) النّافِيَةِ مَعَ المَعْطُوفِ لِلتَّأْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَعْطُوفَ مَنفِيٌّ بِاسْتِقْلالِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ نَفْيِ المَجْمُوعِ.
وضَمِيرُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ (رَبِّنا) عائِدٌ إلى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ مَعَ تَشْرِيكِ غَيْرِهِ، فَعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مِن كَلامِ الجِنِّ فَهو قَوْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَنْ نَفْسِهِ ومَن مَعَهُ مِن بَقِيَّةِ النَّفَرِ.
الجن 72:4
﴿وإنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلى اللَّهِ شَطَطًا﴾
قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرَةِ هَمْزَةِ (وإنَّهُ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣] فَقَدْ يَكُونُ إيمانُهم بِتَعالِي اللَّهِ عَنْ أنْ يَتَّخِذَ صاحِبَةً ووَلَدًا ناشِئًا عَلى ما سَمِعُوهُ مِنَ القُرْآنِ وقَدْ يَكُونُ ناشِئًا عَلى إدْراكِهِمْ ذَلِكَ بِأدِلَّةٍ نَظَرِيَّةٍ.
والسَّفِيهُ: هُنا جِنْسٌ، وقِيلَ: أرادُوا بِهِ إبْلِيسَ، أيْ: كانَ يُلَقِّنُهم صِفاتِ اللَّهِ بِما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ، أيْ: كانُوا يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ شَطَطًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِتَسْفِيهِهِمْ في ذَلِكَ.
والشَّطَطُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ وما يَخْرُجُ عَنِ العَدْلِ والصَّوابِ، وتَقَدَّمُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] في سُورَةِ (ص) . والمُرادُ بِالشَّطَطِ إثْباتُ ما نَفاهُ قَوْلُهُ ﴿ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] وقَوْلُهُ ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣] . وضَمِيرُ (وإنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ.
والقَوْلُ فِيهِ وفي التَّأْكِيدِ بِـ (إنَّ)، مَكْسُورَةً أوْ مَفْتُوحَةً، كالقَوْلِ في قَوْلِهِ (﴿وإنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣]) إلَخْ.
الجن 72:5
صفحة ٢٢٤
﴿وإنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾
قَرَأ هَمْزَةَ (إنَّ) بِالكَسْرِ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ، وقَرَأها بِالفَتْحِ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ.
فَعَلى قِراءَةِ كَسْرِ (إنَّ) هو مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ، ومَعْناهُ الِاعْتِذارُ عَمّا اقْتَضاهُ قَوْلُهم ﴿فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] مِن كَوْنِهِمْ كانُوا مُشْرِكِينَ لِجَهْلِهِمْ وأخْذِهِمْ قَوْلَ سُفَهائِهِمْ يَحْسَبُونَهم لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ.
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) لِقَصْدِ تَحْقِيقِ عُذْرِهِمْ فِيما سَلَفَ مِنَ الإشْراكِ، وتَأْكِيدِ المَظْنُونِ بِـ (لَنْ) المُفِيدَةِ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ يُفِيدُ أنَّهم كانُوا مُتَوَغِّلِينَ في حُسْنِ ظَنِّهِمْ بِمَن ضَلَّلُوهم ويَدُلُّ عَلى أنَّ الظَّنَّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ وهو يَقِينٌ مُخْطِئٌ.
وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ هو عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] فالمَعْنى: وآمَنّا فَإنَّما ظَنَنّا ذَلِكَ فَأخْطَأْنا في ظَنِّنا.
وفِي هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ إلى خَطَرِ التَّقْلِيدِ في العَقِيدَةِ، وأنَّها لا يَجُوزُ فِيها الأخْذُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالمُقَلَّدِ، بِفَتْحِ اللّامِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ النَّظَرُ واتِّهامُ رَأْيِ المُقَلَّدِ حَتّى يَنْهَضَ دَلِيلُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَقُولُ) بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الواوِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ القافِ، والواوُ مُشَدَّدَةٌ، مِنَ التَّقَوُّلِ وهو نِسْبَةُ كَلامٍ إلى مَن لَمْ يَقُلْهُ وهو في مَعْنى الكَذِبِ، وأصْلُهُ تَتَقَوَّلُ بِتاءَيْنِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ (كَذِبًا) مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا لِفِعْلِ (تَقَوَّلَ)؛ لِأنَّهُ مُرادِفُهُ.
الجن 72:6
﴿وإنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ هَمْزَةَ (وإنَّهُ) بِالكَسْرِ. وقَرَأها ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وأبُو
صفحة ٢٢٥
جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ، والمَقْصُودُ مِنهُ هو قَوْلُهُ ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ وأمّا قَوْلُهُ ﴿كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ﴾ إلَخْ، فَهو تَمْهِيدٌ لِما بَعْدَهُ.
وإطْلاقُ الرِّجالِ عَلى الجِنِّ عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ والمُشاكَلَةِ لِوُقُوعِهِ مَعَ رِجالٍ مِنَ الإنْسِ فَإنَّ الرَّجُلَ اسْمٌ لِلذَّكَرِ البالِغِ مِن بَنِي آدَمَ.
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) مَكْسُورَةً أوْ مَفْتُوحَةً راجِعٌ إلى ما تَفَرَّعَ عَلى خَبَرِها مِن قَوْلِهِمْ ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ .
والعَوْذُ: الِالتِجاءُ إلى ما يُنْجِي مِن شَيْءٍ يَضُرُّ، قالَ تَعالى ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، فَإذا حُمِلَ العَوْذَ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ المَعْنى أنَّهُ كانَ رِجالٌ يَلْتَجِئُونَ إلى الجِنِّ لِيَدْفَعَ الجِنُّ عَنْهم بَعْضَ الأضْرارِ فَوَقَعَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِما كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ في الجاهِلِيَّةِ إذا سارَ أحَدُهم في مَكانٍ قَفْرٍ ووَحْشٍ أوْ تَعَزَّبَ في الرَّعْيِ كانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّ الجِنَّ تَسْكُنُ القَفْرَ ويَخافُونَ تَعَرُّضَ الجِنِّ والغِيلانِ لَهم وعَبَثَها بِهِمْ في اللَّيْلِ فَكانَ الخائِفُ يَصِيحُ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا عَزِيزَ هَذا الوادِي إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ السُّفَهاءِ الَّذِينَ في طاعَتِكَ، فَيَخالُ أنَّ الجِنِّيَّ الَّذِي بِالوادِي يَمْنَعُهُ، قالُوا: وأوَّلُ مَن سَنَّ ذَلِكَ لَهم قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ ثُمَّ بَنُو حَنِيفَةَ ثُمَّ فَشا ذَلِكَ في العَرَبِ وهي أوْهامٌ وتَخَيُّلاتٌ.
وزَعَمَ أهْلُ هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ أنَّ الجِنَّ كانُوا يَحْتَقِرُونَ الإنْسَ بِهَذا الخَوْفِ فَكانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهم والتَّخَيُّلِ إلَيْهِمْ فَيَزْدادُونَ بِذَلِكَ مَخافَةً.
والرَّهَقُ: الذُّلُّ.
والَّذِي أخْتارُهُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ العَوْذَ هُنا هو الِالتِجاءُ إلى الشَّيْءِ والِالتِفافُ حَوْلَهُ. وأنَّ المُرادَ أنَّهُ كانَ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الجِنَّ اتِّقاءَ شَرِّها. ومَعْنى ﴿فَزادُوهم رَهَقًا﴾ فَزادَتْهم عِبادَتُهم إيّاهم ضَلالًا. والرَّهَقُ: يُطْلَقُ عَلى الإثْمِ.
الجن 72:7
﴿وإنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ووافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (وإنَّهم) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى اعْتِبارِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ [الجن: ٣]) .
صفحة ٢٢٦
والمَعْنى: أنَّ رِجالًا مِنَ الإنْسِ ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يَبْعَثُ أحَدًا، أوْ وأنّا آمَنّا بِأنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ إلَخْ، أيْ: آمَنّا بِأنَّهم أخْطَأُوا في ظَنِّهِمْ.
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) المَكْسُورَةِ أوِ المَفْتُوحَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِغايَتِهِ. والبَعْثُ يَحْتَمِلُ بَعْثَ الرُّسُلِ ويَحْتَمِلُ بَعْثَ الأمْواتِ لِلْحَشْرِ، أيْ: حَصَلَ لَهم مِثْلَما حَصَلَ لَكم مِن إنْكارِ إرْسالِ الرُّسُلِ.
والإخْبارُ عَنْ هَذا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ تَجاوَزَ عالَمَ الإنْسِ إلى عالَمِ الجِنِّ.
وجُمْلَةُ ﴿كَما ظَنَنْتُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ظَنُّوا ومَعْمُولِهِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَوْلِ المَحْكِيِّ يَقُولُ الجِنُّ بَعْضُهم لِبَعْضٍ يُشَبِّهُونَ كُفّارَهم بِكُفّارِ الإنْسِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى المُخاطَبِ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِي أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم، وهَذا الوَجْهُ يَتَعَيَّنُ إذا جَعَلْنا القَوْلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقالُوا إنّا سَمِعْنا﴾ [الجن: ١] عِبارَةً عَمّا جالَ في نُفُوسِهِمْ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ هُنالِكَ.
و(أنْ) مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ لَنْ يَبْعَثَ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أحَدًا﴾ خَبَرُهُ. والتَّعْبِيرُ بِحَرْفِ تَأْبِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كانُوا غَيْرَ مُتَرَدِّدِينَ في إحالَةِ وُقُوعِ البَعْثِ.
الجن 72:8
﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ ووافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ فَيَكُونُ مِن عَطْفِهِ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ هو قَوْلُهُ ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ .
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) في قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾) لِغَرابَةِ الخَبَرِ بِاعْتِبارِ ما يَلِيهِ مِن قَوْلِهِ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلَخْ.
صفحة ٢٢٧
واللَّمْسُ: حَقِيقَتُهُ الجَسُّ بِاليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى اخْتِبارِ أمْرٍ؛ لِأنَّ إحْساسَ اليَدِ أقْوى إحْساسٍ، فَشُبِّهَ بِهِ الِاخْتِبارُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ كَما أُطْلِقَ مُرادِفُهُ وهو المَسُّ عَلى الِاخْتِبارِ في قَوْلِ يَزِيدَ بْنِ الحَكَمِ الكِلابِيِّ:
مَسَسْنا مِنَ الآباءِ شَيْئًا فَكُلُّنا إلى نَسَبٍ في قَوْمِهِ غَيْرِ واضِعِ
أيْ: اخْتَبَرْنا نَسَبَ آبائِنا وآبائِكم فَكُنّا جَمِيعًا كِرامَ الآباءِ.
ومُلِئَتْ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى كَثُرَ فِيها. وحَقِيقَةُ المَلْءِ غَمْرُ فَراغِ المَكانِ أوِ الإناءِ بِما يَحُلُّ فِيهِ، فَأُطْلِقَ هُنا عَلى كَثْرَةِ الشُّهُبِ والحُرّاسِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.
والحَرَسُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْحُرّاسِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ مِثْلَ خَدَمٍ، وإنَّما يُعْرَفُ الواحِدُ مِنهُ بِالحَرَسِيِّ. ووُصِفَ بِشَدِيدٍ، وهو مُفْرَدٌ نَظَرًا إلى لَفْظِ حَرَسٍ كَما يُقالُ: السَّلَفُ الصّالِحُ، ولَوْ نُظِرَ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الآحادِ لَجازَ أنْ يُقالَ: شِدادٌ. والطَّوائِفُ مِنَ الحَرَسِ أحْراسٌ.
والشُّهُبُ: جَمْعُ شِهابٍ، وهو القِطْعَةُ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنْ بَعْضِ النُّجُومِ فَتَسْقُطُ في الجَوِّ أوْ في الأرْضِ أوِ البَحْرِ وتَكُونُ مُضاءَةً عِنْدَ انْفِصالِها ثُمَّ يَزُولُ ضَوْءُها بِبُعْدِها عَنْ مُقابَلَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ وتُسَمّى الواحِدُ مِنها عِنْدَ عُلَماءِ الهَيْئَةِ نَيْزَكًا بِاسْمِ الرُّمْحِ القَصِيرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في أوَّلِ سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَعْنى: إنَّنا اخْتَبَرْنا حالَ السَّماءِ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ فَوَجَدْناها كَثِيرَةَ الحُرّاسِ مِنَ المَلائِكَةِ، وكَثِيرَةَ الشُّهُبِ لِلرَّجْمِ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ الشُّهُبَ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ بَعْثِ النَّبِيءِ ﷺ كَما ظَنَّهُ الجاحِظُ، فَإنَّ العَرَبَ ذَكَرُوا تَساقُطَ الشُّهُبِ في بَعْضِ شِعْرِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ كَما قالَ في الكَشّافِ وذَكَرَ شَواهِدَهُ مِنَ الشِّعْرِ الجاهِلِيِّ.
نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنها أنَّ الشُّهُبَ تَكاثَرَتْ في مُدَّةِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ حِفْظًا لِلْقُرْآنِ مِن دَسائِسِ الشَّياطِينِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾) وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.
وهَذا الكَلامُ تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِمْ بَعْدَهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلى آخِرِهِ، إذِ المَقْصُودُ أنْ يُخْبِرُوا مَن لا خَبَرَ عِنْدَهُ مِن نَوْعِهِمْ بِأنَّهم قَدْ تَبَيَّنُوا سَبَبَ شِدَّةِ حِراسَةِ السَّماءِ وكَثْرَةِ الشُّهُبِ فَإنَّ المُخْبَرِينَ - بِفَتْحِ الباءِ - يُشاهِدُونَهُ.
صفحة ٢٢٨
وقَوْلُهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلَخْ، قَرَأهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ الَّذِينَ قَرَءُوا بِالكَسْرِ قَوْلَهُ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾) وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ وهَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾) . وإنَّما أُعِيدَ مَعَهُ كَلِمَةُ (وإنّا) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَبَرَ الَّذِي تَضَمَّنُهُ هو المَقْصُودُ وأنَّ ما قَبْلَهُ كالتَّوْطِئَةِ لَهُ، فَإعادَةُ (وإنّا) تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ.
وحَقِيقَةُ القُعُودِ الجُلُوسُ وهو ضِدُّ القِيامِ، أيْ: هو جَعْلُ النِّصْفِ الأسْفَلِ مُباشِرًا لِلْأرْضِ مُسْتَقِرًّا عَلَيْها وانْتِصابُ النِّصْفِ الأعْلى. وهو هُنا مَجازٌ في مُلازَمَةِ المَكانِ زَمَنًا طَوِيلًا؛ لِأنَّ مُلازَمَةَ المَكانِ مِن لَوازِمِ القُعُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .
والمَقاعِدُ: جَمْعُ مَقْعَدٍ، وهو مَفْعَلٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ القُعُودُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى مَكانِ المُلازَمَةِ فَإنَّ القُعُودَ يُطْلَقُ عَلى مُلازَمَةِ الحُصُولِ، كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا
واللّامُ في قَوْلِهِ (لِلسَّمْعِ) لامُ العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ السَّمْعِ، أيْ: لِأنْ نَسْمَعَ ما يَجْرِي في العالَمِ العُلْوِيِّ مِن تَصارِيفِ المَلائِكَةِ بِالتَّكْوِينِ والتَّصْرِيفِ، ولَعَلَّ الجِنَّ مُنْساقُونَ إلى ذَلِكَ بِالجِبِلَّةِ، كَما تَنْساقُ الشَّياطِينُ إلى الوَسْوَسَةِ، وضَمِيرُ (مِنها) لِلسَّماءِ.
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: مِن ساحاتِها وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَقْعُدُ)، ولَيْسَ المَجْرُورُ حالًا مِن (مَقاعِدَ) مُقَدَّمًا عَلى صاحِبِهِ؛ لِأنَّ السِّياقَ في الكَلامِ عَلى حالِهِمْ في السَّماءِ فالعِنايَةُ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القُعُودِ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُ كَعْبٍ:
يَمْشِي القُرادُ عَلَيْها ثُمَّ يُزْلِقُهُ ∗∗∗ مِنها لَبانٌ وأقْرَبُ زَهالِيلُ
فَقَوْلُهُ (مِنها) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (يُزْلِقُهُ) ولَيْسَ حالًا مِن (لَبانٍ) .
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرى عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ مَبْحَثٌ في مَباحِثِ فَصاحَةِ الكَلِماتِ نَسَبَهُ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ إلى ابْنِ سِنانٍ الخَفاجِيِّ فَقالَ: إنَّهُ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ ما مَعَهُ قَرِينُهُ فَأوْجَبَ قُبْحَهُ كَقَوْلِ الرَّضِيِّ في رِثاءِ الصّابِي:
أعْزِزْ عَلَيَّ بِأنْ أراكَ وقَدْ خَلا ∗∗∗ عَنْ جانِبَيْكَ مَقاعِدُ العُوّادِ
فَإنَّ إيرادَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أيْ: (مَقاعِدَ) في هَذا المَوْضِعِ صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ يُوافِقُ ما
صفحة ٢٢٩
يُكْرَهُ ذِكْرُهُ لا سِيَّما وقَدْ أضافَهُ إلى مَن يُحْتَمَلُ إضافَتُهُ - أيْ: ما يُكْرَهُ - إلَيْهِ وهُمُ العُوّادُ. ولَوِ انْفَرَدَ لَكانَ الأمْرُ فِيهِ سَهْلًا. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ المَعِيبَةُ في شِعْرِ الرَّضِيِّ قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ فَجاءَتْ حَسَنَةً مَرْضِيَّةً في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وقَوْلِهِ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾، ألا تَرى أنَّها في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ غَيْرُ مُضافَةٍ إلى مَن تَقْبُحُ إضافَتُها إلَيْهِ، ولَوْ قالَ الشّاعِرُ بَدَلًا مِن مَقاعِدِ العُوّادِ مَقاعِدَ الزِّيارَةِ لَزالَتْ تِلْكَ الهُجْنَةُ اهـ. وأقُولُ: إنَّ لِمُصْطَلَحاتِ النّاسِ في اسْتِعْمالِ الكَلِماتِ أثَرًا في وقْعِ الكَلِماتِ عِنْدَ الأفْهامِ.
والفاءُ الَّتِي فُرِّعَتْ ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كُنّا)، وتَرَتَّبَ الشَّرْطُ وجَزاؤُهُ عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُهُ: كُنّا نَقْعُدُ مِنها - أيْ: مِنَ السَّماءِ - مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَنَسْتَمِعُ أشْياءَ، فَمَن يَسْتَمِعُ الآنَ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ السَّماعِ.
وكَلِمَةُ (الآنَ) مُقابِلُ كَلِمَةِ (كُنّا)، أيْ: كانَ ذَلِكَ ثُمَّ انْقَضى.
وجِيءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ في التَّفْرِيعِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَحْذِيرُ إخْوانِهِمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلِاسْتِماعِ؛ لِأنَّ المُسْتَمِعَ يَتَعَرَّضُ لِأذى الشُّهُبِ.
والجِنُّ لا تَنْكُفُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم مُنْساقُونَ إلَيْهِ بِالطَّبْعِ مَعَ ما يَنالُهم مِن أذى الرَّجْمِ والِاحْتِراقِ، شَأْنَ انْسِياقِ المَخْلُوقاتِ إلى ما خُلِقَتْ لَهُ مِثْلَ تَهافُتِ الفَراشِ عَلى النّارِ، لِاحْتِمالِ ضَعْفِ القُوَّةِ المُفَكِّرَةِ في الجِنِّ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَيْها الشَّهْوَةُ، ونَحْنُ نَرى البَشَرَ يَقْتَحِمُونَ الأخْطارَ والمَهالِكَ تَبَعًا لِلْهَوى مِثْلَ مُغامَراتِ الهُواةِ في البِحارِ والجِبالِ والثُّلُوجِ.
ووُقُوعُ شِهابًا في سِياقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ العُمُومَ؛ لِأنَّ سِياقَ الشَّرْطِ بِمَنزِلَةِ سِياقِ النَّفْيِ في إفادَةِ عُمُومِ النَّكِرَةِ.
والرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعِ راصِدٍ، وهو الحافِظُ لِلشَّيْءِ وهو وصْفٌ لِـ (شِهابًا)، أيْ: شُهُبًا راصِدَةً، ووَصْفُها بِالرَّصَدِ اسْتِعارَةٌ شُبِّهَتْ بِالحُرّاسِ الرّاصِدِينَ. وهَذا إشارَةٌ إلى انْقِراضِ الكِهانَةِ إذِ الكاهِنُ يَتَلَقّى مِنَ الجِنِّيِّ أنْباءً مُجْمَلَةً بِما يَتَلَقَّفُهُ الجِنِّيُّ مِن خَبَرِ الغَيْبِ تَلَقُّفَ اخْتِطافٍ ناقِصًا فَيُكْمِلُهُ الكاهِنُ بِحَدْسِهِ بِما يُناسِبُ مَجارِيَ أحْوالِ قَوْمِهِ وبَلَدِهِ. وفي الحَدِيثِ ”فَيَزِيدُ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ مِائَةَ كِذْبَةٍ“ .
صفحة ٢٣٠
وأمّا اتِّصالُ نُفُوسِ الكُهّانِ بِالنُّفُوسِ الشَّيْطانِيَّةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَناسُبٍ بَيْنَ النُّفُوسِ، ومُعْظَمُهُ أوْهامٌ «. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» .
أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ - أيْ: وحْيَ اللَّهِ إلى المَلائِكَةِ بِتَصارِيفِ الأُمُورِ - فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِعُوا، فَقالُوا: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ حَدَثَ، فَضَرَبُوا في الأرْضِ يَتَحَسَّسُونَ السَّبَبَ فَلَمّا وجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ قائِمًا يُصَلِّي بِمَكَّةَ قالُوا: هَذا الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ فَقالُوا لِقَوْمِهِمْ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] الآيَةَ، وأنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١] وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ اهـ.
ولَعَلَّ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِ رَجْمِ الجِنِّ بِالشُّهُبِ كانَ بِطَرِيقَةِ تَصْرِيفِ الوَحْيِ إلى المَلائِكَةِ في مَجارٍ تَمُرُّ عَلى مَواقِعِ انْقِضاضِ الشُّهُبِ حَتّى إذا اتَّصَلَتْ قُوى الوَحْيِ بِمَوْقِعِ أحَدِ الشُّهُبِ انْفَصَلَ الشِّهابُ بِقُوَّةِ ما يَغُطُّهُ مِنَ الوَحْيِ فَسَقَطَ مَعَ مَجْرى الوَحْيِ لِيَحْرُسَهُ مِنِ اقْتِرابِ المُسْتَرِقِ حَتّى يَبْلُغَ إلى المَلَكِ المُوحى إلَيْهِ فَلا يَجِدُ في طَرِيقِهِ قُوَّةً شَيْطانِيَّةً أوْ جِنِّيَّةً إلّا أحْرَقَها وبَخَّرَها فَهَلَكَتْ أوِ اسْتُطِيرَتْ، وبِذَلِكَ بَطَلَتِ الكِهانَةُ وكانَ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
الجن 72:9
﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ ووافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ فَيَكُونُ مِن عَطْفِهِ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ هو قَوْلُهُ ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ .
والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) في قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾) لِغَرابَةِ الخَبَرِ بِاعْتِبارِ ما يَلِيهِ مِن قَوْلِهِ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلَخْ.
صفحة ٢٢٧
واللَّمْسُ: حَقِيقَتُهُ الجَسُّ بِاليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى اخْتِبارِ أمْرٍ؛ لِأنَّ إحْساسَ اليَدِ أقْوى إحْساسٍ، فَشُبِّهَ بِهِ الِاخْتِبارُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ كَما أُطْلِقَ مُرادِفُهُ وهو المَسُّ عَلى الِاخْتِبارِ في قَوْلِ يَزِيدَ بْنِ الحَكَمِ الكِلابِيِّ:
مَسَسْنا مِنَ الآباءِ شَيْئًا فَكُلُّنا إلى نَسَبٍ في قَوْمِهِ غَيْرِ واضِعِ
أيْ: اخْتَبَرْنا نَسَبَ آبائِنا وآبائِكم فَكُنّا جَمِيعًا كِرامَ الآباءِ.
ومُلِئَتْ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى كَثُرَ فِيها. وحَقِيقَةُ المَلْءِ غَمْرُ فَراغِ المَكانِ أوِ الإناءِ بِما يَحُلُّ فِيهِ، فَأُطْلِقَ هُنا عَلى كَثْرَةِ الشُّهُبِ والحُرّاسِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.
والحَرَسُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْحُرّاسِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ مِثْلَ خَدَمٍ، وإنَّما يُعْرَفُ الواحِدُ مِنهُ بِالحَرَسِيِّ. ووُصِفَ بِشَدِيدٍ، وهو مُفْرَدٌ نَظَرًا إلى لَفْظِ حَرَسٍ كَما يُقالُ: السَّلَفُ الصّالِحُ، ولَوْ نُظِرَ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الآحادِ لَجازَ أنْ يُقالَ: شِدادٌ. والطَّوائِفُ مِنَ الحَرَسِ أحْراسٌ.
والشُّهُبُ: جَمْعُ شِهابٍ، وهو القِطْعَةُ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنْ بَعْضِ النُّجُومِ فَتَسْقُطُ في الجَوِّ أوْ في الأرْضِ أوِ البَحْرِ وتَكُونُ مُضاءَةً عِنْدَ انْفِصالِها ثُمَّ يَزُولُ ضَوْءُها بِبُعْدِها عَنْ مُقابَلَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ وتُسَمّى الواحِدُ مِنها عِنْدَ عُلَماءِ الهَيْئَةِ نَيْزَكًا بِاسْمِ الرُّمْحِ القَصِيرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في أوَّلِ سُورَةِ الصّافّاتِ.
والمَعْنى: إنَّنا اخْتَبَرْنا حالَ السَّماءِ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ فَوَجَدْناها كَثِيرَةَ الحُرّاسِ مِنَ المَلائِكَةِ، وكَثِيرَةَ الشُّهُبِ لِلرَّجْمِ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ الشُّهُبَ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ بَعْثِ النَّبِيءِ ﷺ كَما ظَنَّهُ الجاحِظُ، فَإنَّ العَرَبَ ذَكَرُوا تَساقُطَ الشُّهُبِ في بَعْضِ شِعْرِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ كَما قالَ في الكَشّافِ وذَكَرَ شَواهِدَهُ مِنَ الشِّعْرِ الجاهِلِيِّ.
نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنها أنَّ الشُّهُبَ تَكاثَرَتْ في مُدَّةِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ حِفْظًا لِلْقُرْآنِ مِن دَسائِسِ الشَّياطِينِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾) وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.
وهَذا الكَلامُ تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِمْ بَعْدَهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلى آخِرِهِ، إذِ المَقْصُودُ أنْ يُخْبِرُوا مَن لا خَبَرَ عِنْدَهُ مِن نَوْعِهِمْ بِأنَّهم قَدْ تَبَيَّنُوا سَبَبَ شِدَّةِ حِراسَةِ السَّماءِ وكَثْرَةِ الشُّهُبِ فَإنَّ المُخْبَرِينَ - بِفَتْحِ الباءِ - يُشاهِدُونَهُ.
صفحة ٢٢٨
وقَوْلُهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلَخْ، قَرَأهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ الَّذِينَ قَرَءُوا بِالكَسْرِ قَوْلَهُ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾) وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ وهَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾) . وإنَّما أُعِيدَ مَعَهُ كَلِمَةُ (وإنّا) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَبَرَ الَّذِي تَضَمَّنُهُ هو المَقْصُودُ وأنَّ ما قَبْلَهُ كالتَّوْطِئَةِ لَهُ، فَإعادَةُ (وإنّا) تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ.
وحَقِيقَةُ القُعُودِ الجُلُوسُ وهو ضِدُّ القِيامِ، أيْ: هو جَعْلُ النِّصْفِ الأسْفَلِ مُباشِرًا لِلْأرْضِ مُسْتَقِرًّا عَلَيْها وانْتِصابُ النِّصْفِ الأعْلى. وهو هُنا مَجازٌ في مُلازَمَةِ المَكانِ زَمَنًا طَوِيلًا؛ لِأنَّ مُلازَمَةَ المَكانِ مِن لَوازِمِ القُعُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .
والمَقاعِدُ: جَمْعُ مَقْعَدٍ، وهو مَفْعَلٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ القُعُودُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى مَكانِ المُلازَمَةِ فَإنَّ القُعُودَ يُطْلَقُ عَلى مُلازَمَةِ الحُصُولِ، كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا
واللّامُ في قَوْلِهِ (لِلسَّمْعِ) لامُ العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ السَّمْعِ، أيْ: لِأنْ نَسْمَعَ ما يَجْرِي في العالَمِ العُلْوِيِّ مِن تَصارِيفِ المَلائِكَةِ بِالتَّكْوِينِ والتَّصْرِيفِ، ولَعَلَّ الجِنَّ مُنْساقُونَ إلى ذَلِكَ بِالجِبِلَّةِ، كَما تَنْساقُ الشَّياطِينُ إلى الوَسْوَسَةِ، وضَمِيرُ (مِنها) لِلسَّماءِ.
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: مِن ساحاتِها وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَقْعُدُ)، ولَيْسَ المَجْرُورُ حالًا مِن (مَقاعِدَ) مُقَدَّمًا عَلى صاحِبِهِ؛ لِأنَّ السِّياقَ في الكَلامِ عَلى حالِهِمْ في السَّماءِ فالعِنايَةُ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القُعُودِ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُ كَعْبٍ:
يَمْشِي القُرادُ عَلَيْها ثُمَّ يُزْلِقُهُ ∗∗∗ مِنها لَبانٌ وأقْرَبُ زَهالِيلُ
فَقَوْلُهُ (مِنها) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (يُزْلِقُهُ) ولَيْسَ حالًا مِن (لَبانٍ) .
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرى عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ مَبْحَثٌ في مَباحِثِ فَصاحَةِ الكَلِماتِ نَسَبَهُ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ إلى ابْنِ سِنانٍ الخَفاجِيِّ فَقالَ: إنَّهُ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ ما مَعَهُ قَرِينُهُ فَأوْجَبَ قُبْحَهُ كَقَوْلِ الرَّضِيِّ في رِثاءِ الصّابِي:
أعْزِزْ عَلَيَّ بِأنْ أراكَ وقَدْ خَلا ∗∗∗ عَنْ جانِبَيْكَ مَقاعِدُ العُوّادِ
فَإنَّ إيرادَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أيْ: (مَقاعِدَ) في هَذا المَوْضِعِ صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ يُوافِقُ ما
صفحة ٢٢٩
يُكْرَهُ ذِكْرُهُ لا سِيَّما وقَدْ أضافَهُ إلى مَن يُحْتَمَلُ إضافَتُهُ - أيْ: ما يُكْرَهُ - إلَيْهِ وهُمُ العُوّادُ. ولَوِ انْفَرَدَ لَكانَ الأمْرُ فِيهِ سَهْلًا. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ المَعِيبَةُ في شِعْرِ الرَّضِيِّ قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ فَجاءَتْ حَسَنَةً مَرْضِيَّةً في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وقَوْلِهِ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾، ألا تَرى أنَّها في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ غَيْرُ مُضافَةٍ إلى مَن تَقْبُحُ إضافَتُها إلَيْهِ، ولَوْ قالَ الشّاعِرُ بَدَلًا مِن مَقاعِدِ العُوّادِ مَقاعِدَ الزِّيارَةِ لَزالَتْ تِلْكَ الهُجْنَةُ اهـ. وأقُولُ: إنَّ لِمُصْطَلَحاتِ النّاسِ في اسْتِعْمالِ الكَلِماتِ أثَرًا في وقْعِ الكَلِماتِ عِنْدَ الأفْهامِ.
والفاءُ الَّتِي فُرِّعَتْ ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كُنّا)، وتَرَتَّبَ الشَّرْطُ وجَزاؤُهُ عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُهُ: كُنّا نَقْعُدُ مِنها - أيْ: مِنَ السَّماءِ - مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَنَسْتَمِعُ أشْياءَ، فَمَن يَسْتَمِعُ الآنَ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ السَّماعِ.
وكَلِمَةُ (الآنَ) مُقابِلُ كَلِمَةِ (كُنّا)، أيْ: كانَ ذَلِكَ ثُمَّ انْقَضى.
وجِيءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ في التَّفْرِيعِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَحْذِيرُ إخْوانِهِمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلِاسْتِماعِ؛ لِأنَّ المُسْتَمِعَ يَتَعَرَّضُ لِأذى الشُّهُبِ.
والجِنُّ لا تَنْكُفُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم مُنْساقُونَ إلَيْهِ بِالطَّبْعِ مَعَ ما يَنالُهم مِن أذى الرَّجْمِ والِاحْتِراقِ، شَأْنَ انْسِياقِ المَخْلُوقاتِ إلى ما خُلِقَتْ لَهُ مِثْلَ تَهافُتِ الفَراشِ عَلى النّارِ، لِاحْتِمالِ ضَعْفِ القُوَّةِ المُفَكِّرَةِ في الجِنِّ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَيْها الشَّهْوَةُ، ونَحْنُ نَرى البَشَرَ يَقْتَحِمُونَ الأخْطارَ والمَهالِكَ تَبَعًا لِلْهَوى مِثْلَ مُغامَراتِ الهُواةِ في البِحارِ والجِبالِ والثُّلُوجِ.
ووُقُوعُ شِهابًا في سِياقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ العُمُومَ؛ لِأنَّ سِياقَ الشَّرْطِ بِمَنزِلَةِ سِياقِ النَّفْيِ في إفادَةِ عُمُومِ النَّكِرَةِ.
والرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعِ راصِدٍ، وهو الحافِظُ لِلشَّيْءِ وهو وصْفٌ لِـ (شِهابًا)، أيْ: شُهُبًا راصِدَةً، ووَصْفُها بِالرَّصَدِ اسْتِعارَةٌ شُبِّهَتْ بِالحُرّاسِ الرّاصِدِينَ. وهَذا إشارَةٌ إلى انْقِراضِ الكِهانَةِ إذِ الكاهِنُ يَتَلَقّى مِنَ الجِنِّيِّ أنْباءً مُجْمَلَةً بِما يَتَلَقَّفُهُ الجِنِّيُّ مِن خَبَرِ الغَيْبِ تَلَقُّفَ اخْتِطافٍ ناقِصًا فَيُكْمِلُهُ الكاهِنُ بِحَدْسِهِ بِما يُناسِبُ مَجارِيَ أحْوالِ قَوْمِهِ وبَلَدِهِ. وفي الحَدِيثِ ”فَيَزِيدُ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ مِائَةَ كِذْبَةٍ“ .
صفحة ٢٣٠
وأمّا اتِّصالُ نُفُوسِ الكُهّانِ بِالنُّفُوسِ الشَّيْطانِيَّةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَناسُبٍ بَيْنَ النُّفُوسِ، ومُعْظَمُهُ أوْهامٌ «. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» .
أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ - أيْ: وحْيَ اللَّهِ إلى المَلائِكَةِ بِتَصارِيفِ الأُمُورِ - فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِعُوا، فَقالُوا: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ حَدَثَ، فَضَرَبُوا في الأرْضِ يَتَحَسَّسُونَ السَّبَبَ فَلَمّا وجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ قائِمًا يُصَلِّي بِمَكَّةَ قالُوا: هَذا الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ فَقالُوا لِقَوْمِهِمْ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] الآيَةَ، وأنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١] وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ اهـ.
ولَعَلَّ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِ رَجْمِ الجِنِّ بِالشُّهُبِ كانَ بِطَرِيقَةِ تَصْرِيفِ الوَحْيِ إلى المَلائِكَةِ في مَجارٍ تَمُرُّ عَلى مَواقِعِ انْقِضاضِ الشُّهُبِ حَتّى إذا اتَّصَلَتْ قُوى الوَحْيِ بِمَوْقِعِ أحَدِ الشُّهُبِ انْفَصَلَ الشِّهابُ بِقُوَّةِ ما يَغُطُّهُ مِنَ الوَحْيِ فَسَقَطَ مَعَ مَجْرى الوَحْيِ لِيَحْرُسَهُ مِنِ اقْتِرابِ المُسْتَرِقِ حَتّى يَبْلُغَ إلى المَلَكِ المُوحى إلَيْهِ فَلا يَجِدُ في طَرِيقِهِ قُوَّةً شَيْطانِيَّةً أوْ جِنِّيَّةً إلّا أحْرَقَها وبَخَّرَها فَهَلَكَتْ أوِ اسْتُطِيرَتْ، وبِذَلِكَ بَطَلَتِ الكِهانَةُ وكانَ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
الجن 72:10
﴿وإنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾
قَرَأهُ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو ظاهِرُ المَعْنى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ كَما تَقَدَّمَ فَيَكُونُ المَعْنى: وآمَنّا بِأنّا انْتَفى عِلْمُنا بِما يُرادُ بِالَّذِينَ في الأرْضِ، أيْ: النّاسِ، أيْ:؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَرِقُونَ عِلْمَ ذَلِكَ فَلَمّا حُرِسَتِ السَّماءُ انْقَطَعَ عِلْمُهم بِذَلِكَ. هَذا تَوْجِيهُ القِراءَةِ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنّا) ومُحاوَلَةُ غَيْرِ هَذا تَكَلُّفٌ.
وهَذِهِ نَتِيجَةٌ ناتِجَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩]) إلَخْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ السَّمْعَ كانَ لِمَعْرِفَةِ ما يَجْرِي بِهِ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ ومِمّا يُخْبِرُهم بِهِ مِمّا يُرِيدُ إعْلامَهم بِهِ فَكانُوا عَلى عِلْمٍ مِن بَعْضِ ما يَتَلَقَّفُونَهُ فَلَمّا مُنِعُوا السَّمْعَ صارُوا لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَأخْبَرُوا إخْوانَهم بِهَذا عَساهم أنْ يَعْتَبِرُوا بِأسْبابِ هَذا التَّغَيُّرِ
صفحة ٢٣١
فَيُؤْمِنُوا بِالوَحْيِ الَّذِي حَرَسَهُ اللَّهُ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ قَبْلَ الَّذِي يُوحى بِهِ إلَيْهِ والَّذِي يَحْمِلُهُ إلَيْهِ.
فَحاصِلُ المَعْنى: إنّا الآنَ لا نَدْرِي ماذا أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ بَعْدَ أنْ كُنّا نَتَجَسَّسُ الخَبَرَ في السَّماءِ.
وهَذا تَمْهِيدٌ لِما سَيَقُولُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ [الجن: ١١]) ثُمَّ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ [الجن: ١٢]) ثُمَّ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣]) إلى قَوْلِهِ ﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] .
ومَفْعُولُ (نَدْرِي) هو ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ وهو الَّذِي عَلَّقَ فِعْلَ (نَدْرِي) عَنِ العَمَلِ. والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ وعادَةُ المُعْرِبِينَ لِمِثْلِهِ أنْ يُقَدِّرُوا مَفْعُولًا يُسْتَخْلَصُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَقْدِيرُهُ: لا نَدْرِي جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، وذَلِكَ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ. هَذا هو تَفْسِيرُ الآيَةَ عَلى المَعْنى الأكْمَلِ وهي مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .
ولَيْسَ المُرادُ مِنها فِيما نَرى أنَّهم يَنْفُونَ أنْ يَعْلَمُوا ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذِهِ الشُّهُبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهم آمَنُوا بِالقُرْآنِ إذْ قالُوا (﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١]) وقَوْلُهم ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] فَذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهم يَدْرُونَ أنَّ اللَّهَ أرادَ بِمَن في الأرْضِ خَيْرًا بِهَذا الدِّينِ وبِصَرْفِ الجِنِّ عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ.
وتَكْرِيرُ (إنَّ) واسْمِها لِلتَّأْكِيدِ لِكَوْنِ هَذا الخَبَرِ مُعَرَّضًا لِشَكِّ السّامِعِينَ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ لَمْ يَخْتَبِرُوا حِراسَةَ السَّماءِ.
والرَّشَدُ: إصابَةُ المَقْصُودِ النّافِعِ وهو وسِيلَةٌ لِلْخَيْرِ، فَلِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ مُقابِلًا لِلشَّرِّ وأُسْنِدَ فِعْلُ إرادَةِ الشَّرِّ إلى المَجْهُولِ ولَمْ يُسْنَدْ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ مُقابِلَهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾، جَرْيًا عَلى واجِبِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في تَحاشِي إسْنادِ الشَّرِّ إلَيْهِ.
الجن 72:11
﴿وإنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾
صفحة ٢٣٢
قَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها وهو مِن قَوْلِ الجِنِّ.
وقِراءَةُ فَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ، أيْ: آمَنّا بِأنّا مِنّا الصّالِحُونَ، أيْ: أيْقَنّا بِذَلِكَ وكُنّا في جَهالَةٍ عَنْ ذَلِكَ.
ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ آثارُ التَّوْفِيقِ فَعَلِمُوا أنَّهم أصْبَحُوا فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ صالِحُونَ وفَرِيقٌ لَيْسُوا بِصالِحِينَ، وهم يَعْنُونَ بِالصّالِحِينَ أنْفُسَهم وبِمَن دُونَ الصَّلاحِ بَقِيَّةُ نَوْعِهِمْ، فَلَمّا قامُوا مَقامَ دَعْوَةِ إخْوانِهِمْ إلى اتِّباعِ طَرِيقِ الخَيْرِ لَمْ يُصارِحُوهم بِنِسْبَتِهِمْ إلى الإفْسادِ بَلْ أُلْهِمُوا وقالُوا مِنّا الصّالِحُونَ، ثُمَّ تَلَطَّفُوا فَقالُوا: ومِنّا دُونَ ذَلِكَ، الصّادِقُ بِمَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ في الشَّرِّ والفَسادِ لِيَتَطَلَّبَ المُخاطَبُونَ دَلائِلَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، عَلى أنَّهم تَرَكُوا لَهُمُ احْتِمالَ أنْ يُعْنى بِالصّالِحِينَ الكامِلُونَ في الصَّلاحِ، فَيَكُونُ المَعْنِيُّ بِمَن دُونَ ذَلِكَ مَن هم دُونَ مَرْتَبَةِ الكَمالِ في الصَّلاحِ، وهَذا مِن بَلِيغِ العِباراتِ في الدَّعْوَةِ والإرْشادِ إلى الخَيْرِ.
ودُونَ: اسْمٌ بِمَعْنى (تَحْتَ)، وهو ضِدُّ فَوْقَ، ولِذَلِكَ كَثُرَ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ، أيْ: في مَكانٍ مُنْحَطٍّ عَنِ الصّالِحِينَ.
والتَّقْدِيرُ: ومِنّا فَرِيقٌ في مَرْتَبَةٍ دُونَهم.
وظَرْفِيَّةُ (دُونَ) مَجازِيَّةٌ. ووَقَعَ الظَّرْفُ هُنا ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَرِيقٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ويَطَّرِدُ حَذْفُ المَوْصُوفِ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ (مِن) مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وكانَتِ الصِّفَةُ ظَرْفًا كَما هُنا، أوْ جُمْلَةً كَقَوْلِ العَرَبِ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ.
وقَوْلُهُ ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، شَبَّهَ تَخالُفَ الأحْوالِ والعَقائِدِ بِالطَّرائِقِ تُفْضِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها إلى مَكانٍ لا تُفْضِي إلَيْهِ الأُخْرى.
وطَرائِقُ: جَمْعُ طَرِيقَةٍ، والطَّرِيقَةُ هي الطَّرِيقُ، ولَعَلَّها تَخْتَصُّ بِالطَّرِيقِ الواسِعِ الواضِحِ؛ لِأنَّ التّاءَ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ دارٍ ودارَةٍ، ومِثْلَ مَقامٍ ومَقامَةٍ، ولِذَلِكَ شُبِّهَ بِها أفْلاكُ الكَواكِبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ووُصِفَتْ بِالمُثْلى في قَوْلِهِ ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] .
ووَصْفُ طَرائِقَ بِـ (قِدَدًا)، وهو اسْمُ جَمْعِ قِدَّةٍ بِكَسْرِ القافِ وتَشْدِيدِ
صفحة ٢٣٣
الدّالِ، والقِدَّةُ: القِطْعَةُ مِن جِلْدٍ ونَحْوِهِ المَقْطُوعَةُ طُولًا كالسَّيْرِ، شُبِّهَتِ الطَّرائِقُ في كَثْرَتِها بِالقِدَدِ المُقْتَطَعَةِ مِنَ الجِلْدِ يَقْطَعُها صانِعُ حِبالِ القِدِّ كانُوا يُقَيِّدُونَ بِها الأسْرى.
والمَعْنى: أنَّهم يَدْعُونَ إخْوَتَهم إلى وحْدَةِ الِاعْتِقادِ بِاقْتِفاءِ هُدى الإسْلامِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِذَمِّ الِاخْتِلافِ بَيْنَ القَوْمِ وأنَّ عَلى القَوْمِ أنْ يَتَّحِدُّوا ويَتَطَلَّبُوا الحَقَّ لِيَكُونَ اتِّحادُهم عَلى الحَقِّ.
ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ فائِدَةَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، والتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ.
الجن 72:12
﴿وإنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (وإنّا) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] . والتَّقْدِيرُ: وآمَنّا بِأنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ. وذِكْرُ فِعْلِ (ظَنَنّا) تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِفِعْلِ (آمَنّا) المُقَدَّرِ بِحَرْفِ العَطْفِ،؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقِينٌ وأُطْلِقَ الظَّنُّ هُنا عَلى اليَقِينِ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ.
لَمّا كانَ شَأْنُ الصَّلاحِ أنْ يَكُونَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وشَأْنُ ضِدِّهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] أعْقَبُوا لِتَعْرِيضِ الإقْلاعِ عَنْ ضِدِّ الصَّلاحِ بِما يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لِغَيْرِ الصّالِحِينَ عِقابًا فَأيْقَنُوا أنَّ عِقابَ اللَّهِ لا يُفْلِتُ مِن أحَدٍ اسْتَحَقَّهُ. وقَدَّمُوهُ عَلى الأمْرِ بِالإيمانِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وإنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ [الجن: ١٣]) الآيَةَ،؛ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، والتَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقَدِ اسْتَفادُوا عِلْمَ ذَلِكَ مِمّا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، إذْ لَمْ يَكُونُوا مُخاطَبِينَ بِتَعْلِيمٍ في أُصُولِ العَقائِدِ، فَلَمّا ألْهَمَهُمُ اللَّهُ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ وعَلِمُوا أُصُولَ العَقائِدِ حَذَّرُوا إخْوانَهُمُ اعْتِقادَ الشِّرْكِ، ووَصْفَ اللَّهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِقادَ الباطِلَ لا يُقِرُّهُ الإدْراكُ المُسْتَقِيمُ بَعْدَ تَنْبِيهِهِ لِبُطْلانِهِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَذا النَّفَرَ مِنَ الجِنِّ نَذِيرًا لِإخْوانِهِمْ ومُرْشِدًا إلى الحَقِّ الَّذِي أرْشَدَهم إلَيْهِ القُرْآنُ، وهَذا لا يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ بِشَرائِعِ الإسْلامِ.
صفحة ٢٣٤
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآيَةَ، فَقَدْ أشارَ إلى أنَّ عِقابَهم عَلى الكُفْرِ والإشْراكِ، أوْ أُرِيدَ بِالجِنِّ الشَّياطِينُ فَإنَّ الشَّياطِينَ مِن جِنْسِ الجِنِّ.
والإعْجازُ: جَعْلُ الغَيْرِ عاجِزًا، أيْ: غَيْرَ قادِرٍ عَنْ أمْرٍ بِذِكْرٍ مَعَ ما يَدُلُّ عَلى العَجْزِ وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإفْلاتِ والنَّجاةِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:
ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
أيْ: لا تَفُوتُنِي ولا تَخْرُجُ عَنْ مُكْنَتِي.
وذِكْرُ في الأرْضِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِالهَرَبِ في قَوْلِهِ ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ الهَرَبُ مِنَ الرَّجْمِ بِالشُّهُبِ، أيْ: لا تَطْمَعُوا أنْ تَسْتَرِقُوا السَّمْعَ فَإنَّ رَجْمَ الشُّهُبِ في السَّماءِ لا يُخْطِئُكم، فابْتَدَأُوا الإنْذارَ مِن عَذابِ الدُّنْيا اسْتِنْزالًا لِقَوْمِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (نُعْجِزَ) الأوَّلُ بِمَعْنى مُغالِبٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] أيْ: لا يَغْلِبُونَ قُدْرَتَنا، ويَكُونُ في الأرْضِ مَقْصُودًا بِهِ تَعْمِيمُ الأمْكِنَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]، أيْ: في مَكانٍ كُنْتُمْ. والمُرادُ: أنّا لا نَغْلِبُ اللَّهَ بِالقُوَّةِ. ويَكُونُ (نُعْجِزَ) الثّانِي بِمَعْنى الإفْلاتِ، ولِذَلِكَ بُيِّنَ بِـ هَرَبًا، والهَرَبُ مَجازٌ في الِانْفِلاتِ مِمّا أرادَ اللَّهُ إلْحاقَهُ بِهِمْ مِنَ الرَّجْمِ والِاحْتِراقِ.
والظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في اليَقِينِ بِقَرِينَةِ تَأْكِيدِ المَظْنُونِ بِحَرْفِ (لَنْ) الدّالِّ عَلى تَأْبِيدِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ.
الجن 72:13
﴿وإنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] .
والمَقْصُودُ بِالعَطْفِ قَوْلُهُ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾، وأمّا جُمْلَةُ ﴿لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ﴾ فَتَوْطِئَةٌ لِذَلِكَ.
صفحة ٢٣٥
بَعْدَ أنْ ذَكَّرُوا قَوْمَهم بِعَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا أوِ اطْمَأنُّوا بِتَذَكُّرِ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، عادُوا إلى تَرْغِيبِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، وتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الكُفْرِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ. وأُرِيدَ بِالهُدى القُرْآنُ إذْ هو المَسْمُوعُ لَهم ووَصَفُوهُ بِالهُدى لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهُ هادٍ.
ومَعْنى ﴿يُؤْمِن بِرَبِّهِ﴾، أيْ: بِوُجُودِهِ وانْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إحْضارُ اسْمِهِ بِعُنْوانِ الرَّبِّ إذِ الرَّبُّ هو الخالِقُ فَما لا يَخْلُقُ لا يُعْبَدُ.
وجُمْلَةُ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنِ الجِنِّ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ مُوَجَّهًا لِلْمُشْرِكِينَ، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.
والبَخْسُ: الغَبْنُ في الأجْرِ ونَحْوِهِ.
والرَّهَقُ: الإهانَةُ، أيْ: لا يَخْشى أنْ يُبْخَسَ في الجَزاءِ عَلى إيمانِهِ ولا أنْ يُهانَ. وفُهِمَ مِنهُ أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ يُهانُ بِالعَذابِ. والخِلافُ في كَسْرِ هَمْزَةِ (إنّا) وفَتْحِها كالخِلافِ في الَّتِي قَبْلَها.
وجُمْلَةُ ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ جَوابٌ لِشَرْطِ (مَن) جُعِلَتْ بِصُورَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَقُرِنَتْ بِالفاءِ مَعَ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ فِعْلٌ، وشَأْنُ جَوابِ الشَّرْطِ أنْ لا يَقْتَرِنَ بِالفاءِ إلّا إذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ فِعْلَ الشَّرْطِ فَكانَ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ مُشِيرًا إلى إرادَةِ جَعْلِهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِحَيْثُ تَكُونُ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً، والِاسْمِيَّةُ تَقْتَرِنُ بِالفاءِ إذا وقَعَتْ جَوابَ شَرْطٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ هُنا: فَهو لا يَخافُ، لِيَكُونَ دالًّا عَلى تَحْقِيقِ سَلامَتِهِ مِن خَوْفِ البَخْسِ والرَّهَقِ، ولِيَدُلَّ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَتَقْدِيرُ المُسْنَدِ إلَيْهِ قَبْلَ الخَبَرِ الفِعْلِيِّ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ تارَّةً والتَّقَوِّيَ أُخْرى وقَدْ يَجْتَمِعانِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] . واجْتَمَعا هُنا كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: فَكانَ دالًّا عَلى تَحْقِيقِ أنَّ المُؤْمِنَ ناجٍ لا مَحالَةَ وأنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ. وكَلامُ الكَشّافِ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ مَزِيَّةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وهو يَقْتَضِي تَوْجِيهَ العُدُولِ عَنْ جَزْمِ الفِعْلِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
وقَدْ نَقُولُ: إنَّ العُدُولَ عَنْ تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِنَ الفاءِ وعَنْ جَزْمِهِ لِدَفْعِ إيهامِ أنْ تَكُونَ (لا) ناهِيَةً، فَهَذا العُدُولُ صَراحَةٌ في إرادَةِ الوَعْدِ دُونَ احْتِمالِ إرادَةِ النَّهْيِ.
وفِي شَرْحِ الدَّمامِينِيِّ عَلى التَّسْهِيلِ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ فِعْلًا مَنفِيًّا
صفحة ٢٣٦
بِـ (لا) يَجُوزُ الِاقْتِرانُ بِالفاءِ وتَرْكُهُ. ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، وكَلامُ الكَشّافِ يَقْتَضِي أنَّ الِاقْتِرانَ بِالفاءِ واجِبٌ إلّا إذا قُصِدَتْ مَزِيَّةٌ أُخْرى.
الجن 72:14
﴿وإنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها وهو مِن قَوْلِ الجِنِّ، وهو عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ. والمَقْصُودُ بِالعَطْفِ قَوْلُهُ ﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ أيْ: أصْبَحْنا بَعْدَ سَماعِ القُرْآنِ مِنّا المُسْلِمُونَ، أيْ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِمّا يَلِيقُ بِحالِهِمْ ومِنّا القاسِطُونَ، أيْ: الكافِرُونَ المُعْرِضُونَ وهَذا تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِمْ (﴿وإنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١])؛ لِأنَّ فِيهِ تَصْرِيحًا بِأنَّ دُونَ ذَلِكَ هو ضِدُّ الصَّلاحِ.
والظّاهِرُ أنَّ مِن مُنْتَهى ما حُكِيَ عَنِ الجِنِّ مِنَ المُدْرَكاتِ الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِالقَوْلِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
الجن 72:15
﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا خارِجٌ عَنِ الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنِ الجِنِّ، وأنَّهُ كَلامٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِمَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ النّاسِ فَهو في مَعْنى التَّذْيِيلِ. وإنَّما قُرِنَ بِالفاءِ لِتَفْرِيعِهِ عَلى القِصَّةِ لِاسْتِخْلاصِ العِبْرَةِ مِنها، فالتَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ كَلامٍ عَلى كَلامٍ، ولَيْسَ تَفْرِيعَ مَعْنى الكَلامِ عَلى مَعْنى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ.
والتَّحَرِّي: طَلَبُ الحَرا، بِفَتْحَتَيْنِ مَقْصُورًا واوِيًّا، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ، يُقالُ: بِالحَرِيِّ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وأحْرى أنْ تَفْعَلَ.
والرَّشَدُ: الهُدى والصَّوابُ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ.
والمَعْنى: أنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدْ تَوَخّى سَبَبَ النَّجاةِ وما يَحْصُلُ بِهِ الثَّوابُ؛ لِأنَّ الرَّشَدَ سَبَبُ ذَلِكَ.
والقاسِطُ: اسْمُ فاعِلِ (قَسَطَ) مِن بابِ ضَرَبَ، قَسْطًا، بِفَتْحِ القافِ وقُسُوطًا بِضَمِّها، أيْ: جارٍ فَهو كالظُّلْمِ يُرادُ بِهِ ظُلْمُ المَرْءِ نَفْسَهُ بِالإشْراكِ. وفي الكَشّافِ:
صفحة ٢٣٧
أنَّ الحَجّاجَ قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ أرادَ قَتْلَهُ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَقالَ القَوْمُ: ما أحْسَنَ ما قالَ - حَسِبُوا أنَّهُ وصَفَهُ بِالقِسْطِ بِكَسْرِ القافِ والعَدْلِ - فَقالَ الحَجّاجُ: يا جَهَلَةُ: إنَّهُ سَمّانِي ظالِمًا مُشْرِكًا، وتَلا لَهم قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] اهـ.
وشَبَّهَ حُلُولَ الكافِرِينَ في جَهَنَّمَ بِحُلُولِ الحَطَبِ في النّارِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ والتَّحْقِيرِ، أيْ: هم لِجَهْلِهِمْ كالحَطَبِ الَّذِي لا يَعْقِلُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
وإقْحامُ فِعْلِ (كانُوا) لِتَحْقِيقِ مَصِيرِهِمْ إلى النّارِ حَتّى كَأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ مِن زَمَنٍ مَضى.
الجن 72:16
﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾
اتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى فَتْحِ هَمْزَةِ ﴿أنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾، فَجُمْلَةُ ﴿أنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، والواوُ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، فَمَضْمُونُها شَأْنٌ ثانٍ مِمّا أُوحِيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَهُ لِلنّاسِ. والتَّقْدِيرُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَوِ اسْتَقامَ القاسِطُونَ فَأسْلَمُوا لَما أصابَهُمُ اللَّهُ بِإمْساكِ الغَيْثِ.
و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجِيءَ بِـ (أنْ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها مَعْمُولٌ لِفِعْلِ أُوحِيَ فَهو في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُهُ ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ إلى آخِرِ الجُمْلَةِ. وسَبْكُ الكَلامِ: أُوحِيَ إلَيَّ إسْقاءُ اللَّهِ إيّاهم ماءً في فَرْضِ اسْتِقامَتِهِمْ.
وضَمِيرُ اسْتَقامُوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى القاسِطِينَ بِدُونِ اعْتِبارِ القَيْدِ بِأنَّهم مِنَ الجِنِّ وهو مِن عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى اللَّفْظِ مُجَرَّدًا عَنْ ماصَدَقَهُ كَقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ.
صفحة ٢٣٨
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ ولَكِنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنَ المَقامِ إذِ السُّورَةُ مَسُوقَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِنادِ المُشْرِكِينَ وطَعْنِهِمْ في القُرْآنِ، فَضَمِيرُ اسْتَقامُوا عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الَّتِي في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ أسْماءُ الإشارَةِ كَما تَنَبَّهْنا إلَيْهِ ونَبَّهْنا عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ أنْ يُعادَ عَلى القاسِطِينَ مِنَ الجِنِّ إذْ لا عَلاقَةَ لِلْجِنِّ بِشُرْبِ الماءِ.
والِاسْتِقامَةُ عَلى الطَّرِيقَةِ: اسْتِقامَةُ السَّيْرِ في الطَّرِيقِ، وهي السَّيْرُ عَلى بَصِيرٍ بِالطَّرِيقِ دُونَ اعْوِجاجٍ ولا اغْتِرارٍ بِبُنَيّاتِ الطَّرِيقِ.
والطَّرِيقَةُ: الطَّرِيقُ، ولَعَلَّها خاصَّةٌ بِالطَّرِيقِ الواسِعِ الواضِحِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] .
والِاسْتِقامَةُ عَلى الطَّرِيقَةِ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ المُتَّصِفِ بِالسُّلُوكِ الصّالِحِ والِاعْتِقادِ الحَقِّ بِهَيْئَةِ السّائِرِ سَيْرًا مُسْتَقِيمًا عَلى طَرِيقَةٍ، ولِذَلِكَ فالتَّعْرِيفُ في الطَّرِيقَةِ لِلْجِنْسِ لا لِلْعَهْدِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: وعْدٌ بِجَزاءٍ عَلى الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ جَزاءً حَسَنًا في الدُّنْيا يَكُونُ عُنْوانًا عَلى رِضى اللَّهِ تَعالى وبِشارَةً بِثَوابِ الآخِرَةِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
وفِي هَذا إنْذارٌ بِأنَّهُ يُوشِكُ أنْ يُمْسِكَ عَنْهُمُ المَطَرَ فَيَقَعُوا في القَحْطِ والجُوعِ وهو ما حَدَثَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ ودُعائِهِ عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَإنَّهُ دَعا بِذَلِكَ في المَدِينَةِ في القُنُوتِ كَما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الدُّخانِ. وقَدْ كانُوا يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في بُحْبُوحَةٍ مِنَ العَيْشِ وفي نَخِيلٍ وجَنّاتٍ، فَكانَ جَعْلُ تَرَتُّبِ الإسْقاءِ عَلى الِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقَةِ كَما اقْتَضاهُ الشَّرْطُ بِحَرْفِ (لَوْ) مُشِيرًا إلى أنَّ المُرادَ: لَأدَمْنا عَلَيْهِمُ الإسْقاءَ بِالماءِ الغَدَقِ، وإلى أنَّهم لَيْسُوا بِسالِكِينَ سَبِيلَ الِاسْتِقامَةِ فَيُوشِكُ أنْ يُمْسِكَ عَنْهُمُ الرَّيَّ، فَفي هَذا إنْذارٌ بِأنَّهم إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى اعْوِجاجِ الطَّرِيقَةِ أُمْسِكَ عَنْهُمُ الماءُ. وبِذَلِكَ يَتَناسَبُ التَّعْلِيلُ بِالإفْتانِ في قَوْلِهِ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ مَعَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ إذْ يَكُونُ تَعْلِيلًا لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى إدامَةِ الإسْقاءِ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإسْقاءِ المَوْجُودِ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢٣٩
الآيَةِ ولَيْسَ تَعْلِيلًا لِلْإسْقاءِ المَفْرُوضِ في جَوابِ (لَوْ) لَأنَّ جَوابَ (لَوْ) مُنْتَفٍ فَلا يَصْلُحُ لَأنْ يُعَلَّلَ بِهِ، وإنَّما هم مَفْتُونُونَ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُوقِظَ قُلُوبَهم بِأنَّ اسْتِمْرارَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِتْنَةٌ لَهم فَلا تَغُرَّنَّهم. فَلامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ماءً غَدَقًا﴾ وهو الماءُ الجارِي لَهم في العُيُونِ ومِنَ السَّماءِ تَحْتَ جَنّاتِهِمْ وفي زُرُوعِهِمْ، فَهي حالٌ مُقارَنَةٌ.
وبِهَذا التَّفْسِيرِ تَزُولُ الحَيْرَةُ في اسْتِخْلاصِ مَعْنى الآيَةِ وتَعْلِيلِها.
والغَدَقُ: بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الدّالِ الماءُ الغَزِيرُ الكَثِيرُ.
وجُمْلَةُ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ إدْماجٌ فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ إلَخْ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ إلَخْ.
ثُمَّ أُكِّدَتِ الكِنايَةُ عَنِ الإنْذارِ المَأْخُوذَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهُمْ﴾ الآيَةَ، بِصَرِيحِ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ (﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾)، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا انْقَلَبَ حالُهم إلى العَذابِ فَسَلَكْنا بِهِمْ مَسالِكَ العَذابِ.
والسَّلْكُ: حَقِيقَتُهُ الإدْخالُ، وفِعْلُهُ قاصِرٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: سَلَكَهُ فَسَلَكَ، قالَ الأعْشى:
كَما سَلَكَ السِّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ
أيْ: أدْخَلَ المِسْمارَ في البابِ نَجّارٌ.
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] في سُورَةِ الحِجْرِ.
واسْتُعْمِلَ السَّلْكُ هُنا في مَعْنى شِدَّةِ وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ وهي اسْتِعارَةٌ عَزِيزَةٌ. والمَعْنى: نُعَذِّبُهُ عَذابًا لا مَصْرِفَ عَنْهُ.
وانْتَصَبَ عَذابًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، وهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ إذا حَلَّ بِهِ يُحِيطُ بِهِ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ:
صفحة ٢٤٠
عَنْ ذِكْرِنا، أوْ عَنْ ذِكْرِي، لِاقْتِضاءِ الحالِ الإيماءَ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ فَإنَّ المُعْرِضَ عَنْ رَبِّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وأنْشَأهُ ودَبَّرَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُسْلَكَ عَذابًا صَعَدًا.
والصَّعَدُ: الشّاقُّ الغالِبُ، وكَأنَّهُ جاءَ مِن مَصْدَرِ صَعِدَ كَفَرِحَ إذا عَلا وارْتَفَعَ، أيْ: صَعِدَ عَلى مَفْعُولِهِ وغَلَبَهُ، كَما يُقالُ: عَلاهُ بِمَعْنى تَمَكَّنَ مِنهُ، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ [الدخان: ١٩] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَسْلُكْهُ) بِنُونِ العَظَمَةِ فَفِيهِ التِفاتٌ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”يَسْلُكُهُ“ بِياءِ الغائِبِ، فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ يَعُودُ إلى رَبِّهِ.
الجن 72:17
﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾
اتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى فَتْحِ هَمْزَةِ ﴿أنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾، فَجُمْلَةُ ﴿أنْ لَوِ اسْتَقامُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، والواوُ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، فَمَضْمُونُها شَأْنٌ ثانٍ مِمّا أُوحِيَ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَهُ لِلنّاسِ. والتَّقْدِيرُ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَوِ اسْتَقامَ القاسِطُونَ فَأسْلَمُوا لَما أصابَهُمُ اللَّهُ بِإمْساكِ الغَيْثِ.
و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وجِيءَ بِـ (أنْ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها مَعْمُولٌ لِفِعْلِ أُوحِيَ فَهو في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، واسْمُها مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُهُ ﴿لَوِ اسْتَقامُوا﴾ إلى آخِرِ الجُمْلَةِ. وسَبْكُ الكَلامِ: أُوحِيَ إلَيَّ إسْقاءُ اللَّهِ إيّاهم ماءً في فَرْضِ اسْتِقامَتِهِمْ.
وضَمِيرُ اسْتَقامُوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى القاسِطِينَ بِدُونِ اعْتِبارِ القَيْدِ بِأنَّهم مِنَ الجِنِّ وهو مِن عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى اللَّفْظِ مُجَرَّدًا عَنْ ماصَدَقَهُ كَقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ: نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ.
صفحة ٢٣٨
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ ولَكِنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنَ المَقامِ إذِ السُّورَةُ مَسُوقَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِنادِ المُشْرِكِينَ وطَعْنِهِمْ في القُرْآنِ، فَضَمِيرُ اسْتَقامُوا عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الَّتِي في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ أسْماءُ الإشارَةِ كَما تَنَبَّهْنا إلَيْهِ ونَبَّهْنا عَلَيْهِ، ولا يُناسِبُ أنْ يُعادَ عَلى القاسِطِينَ مِنَ الجِنِّ إذْ لا عَلاقَةَ لِلْجِنِّ بِشُرْبِ الماءِ.
والِاسْتِقامَةُ عَلى الطَّرِيقَةِ: اسْتِقامَةُ السَّيْرِ في الطَّرِيقِ، وهي السَّيْرُ عَلى بَصِيرٍ بِالطَّرِيقِ دُونَ اعْوِجاجٍ ولا اغْتِرارٍ بِبُنَيّاتِ الطَّرِيقِ.
والطَّرِيقَةُ: الطَّرِيقُ، ولَعَلَّها خاصَّةٌ بِالطَّرِيقِ الواسِعِ الواضِحِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] .
والِاسْتِقامَةُ عَلى الطَّرِيقَةِ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ المُتَّصِفِ بِالسُّلُوكِ الصّالِحِ والِاعْتِقادِ الحَقِّ بِهَيْئَةِ السّائِرِ سَيْرًا مُسْتَقِيمًا عَلى طَرِيقَةٍ، ولِذَلِكَ فالتَّعْرِيفُ في الطَّرِيقَةِ لِلْجِنْسِ لا لِلْعَهْدِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾: وعْدٌ بِجَزاءٍ عَلى الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ جَزاءً حَسَنًا في الدُّنْيا يَكُونُ عُنْوانًا عَلى رِضى اللَّهِ تَعالى وبِشارَةً بِثَوابِ الآخِرَةِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
وفِي هَذا إنْذارٌ بِأنَّهُ يُوشِكُ أنْ يُمْسِكَ عَنْهُمُ المَطَرَ فَيَقَعُوا في القَحْطِ والجُوعِ وهو ما حَدَثَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ ودُعائِهِ عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَإنَّهُ دَعا بِذَلِكَ في المَدِينَةِ في القُنُوتِ كَما في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الدُّخانِ. وقَدْ كانُوا يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في بُحْبُوحَةٍ مِنَ العَيْشِ وفي نَخِيلٍ وجَنّاتٍ، فَكانَ جَعْلُ تَرَتُّبِ الإسْقاءِ عَلى الِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقَةِ كَما اقْتَضاهُ الشَّرْطُ بِحَرْفِ (لَوْ) مُشِيرًا إلى أنَّ المُرادَ: لَأدَمْنا عَلَيْهِمُ الإسْقاءَ بِالماءِ الغَدَقِ، وإلى أنَّهم لَيْسُوا بِسالِكِينَ سَبِيلَ الِاسْتِقامَةِ فَيُوشِكُ أنْ يُمْسِكَ عَنْهُمُ الرَّيَّ، فَفي هَذا إنْذارٌ بِأنَّهم إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى اعْوِجاجِ الطَّرِيقَةِ أُمْسِكَ عَنْهُمُ الماءُ. وبِذَلِكَ يَتَناسَبُ التَّعْلِيلُ بِالإفْتانِ في قَوْلِهِ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ مَعَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ إذْ يَكُونُ تَعْلِيلًا لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى إدامَةِ الإسْقاءِ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْإسْقاءِ المَوْجُودِ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢٣٩
الآيَةِ ولَيْسَ تَعْلِيلًا لِلْإسْقاءِ المَفْرُوضِ في جَوابِ (لَوْ) لَأنَّ جَوابَ (لَوْ) مُنْتَفٍ فَلا يَصْلُحُ لَأنْ يُعَلَّلَ بِهِ، وإنَّما هم مَفْتُونُونَ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُوقِظَ قُلُوبَهم بِأنَّ اسْتِمْرارَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِتْنَةٌ لَهم فَلا تَغُرَّنَّهم. فَلامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ماءً غَدَقًا﴾ وهو الماءُ الجارِي لَهم في العُيُونِ ومِنَ السَّماءِ تَحْتَ جَنّاتِهِمْ وفي زُرُوعِهِمْ، فَهي حالٌ مُقارَنَةٌ.
وبِهَذا التَّفْسِيرِ تَزُولُ الحَيْرَةُ في اسْتِخْلاصِ مَعْنى الآيَةِ وتَعْلِيلِها.
والغَدَقُ: بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الدّالِ الماءُ الغَزِيرُ الكَثِيرُ.
وجُمْلَةُ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ إدْماجٌ فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ إلَخْ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ إلَخْ.
ثُمَّ أُكِّدَتِ الكِنايَةُ عَنِ الإنْذارِ المَأْخُوذَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهُمْ﴾ الآيَةَ، بِصَرِيحِ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ (﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾)، أيْ: فَإنْ أعْرَضُوا انْقَلَبَ حالُهم إلى العَذابِ فَسَلَكْنا بِهِمْ مَسالِكَ العَذابِ.
والسَّلْكُ: حَقِيقَتُهُ الإدْخالُ، وفِعْلُهُ قاصِرٌ ومُتَعَدٍّ، يُقالُ: سَلَكَهُ فَسَلَكَ، قالَ الأعْشى:
كَما سَلَكَ السِّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ
أيْ: أدْخَلَ المِسْمارَ في البابِ نَجّارٌ.
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] في سُورَةِ الحِجْرِ.
واسْتُعْمِلَ السَّلْكُ هُنا في مَعْنى شِدَّةِ وُقُوعِ الفِعْلِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ وهي اسْتِعارَةٌ عَزِيزَةٌ. والمَعْنى: نُعَذِّبُهُ عَذابًا لا مَصْرِفَ عَنْهُ.
وانْتَصَبَ عَذابًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، وهي ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ إذا حَلَّ بِهِ يُحِيطُ بِهِ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ:
صفحة ٢٤٠
عَنْ ذِكْرِنا، أوْ عَنْ ذِكْرِي، لِاقْتِضاءِ الحالِ الإيماءَ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ فَإنَّ المُعْرِضَ عَنْ رَبِّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وأنْشَأهُ ودَبَّرَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُسْلَكَ عَذابًا صَعَدًا.
والصَّعَدُ: الشّاقُّ الغالِبُ، وكَأنَّهُ جاءَ مِن مَصْدَرِ صَعِدَ كَفَرِحَ إذا عَلا وارْتَفَعَ، أيْ: صَعِدَ عَلى مَفْعُولِهِ وغَلَبَهُ، كَما يُقالُ: عَلاهُ بِمَعْنى تَمَكَّنَ مِنهُ، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ [الدخان: ١٩] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَسْلُكْهُ) بِنُونِ العَظَمَةِ فَفِيهِ التِفاتٌ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”يَسْلُكُهُ“ بِياءِ الغائِبِ، فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ يَعُودُ إلى رَبِّهِ.
الجن 72:18
﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ اتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى فَتْحِ الهَمْزَةِ في ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى مَرْفُوعِ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١]، ومَضْمُونُها مِمّا أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ. والمَعْنى: قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مَعَ (أنْ) واسْمِها وخَبَرِها نائِبُ فاعِلِ (أُوحِيَ) .
والتَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إلَيَّ اخْتِصاصُ المَساجِدِ بِاللَّهِ، أيْ: بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ بِناءَها إنَّما كانَ لِيُعْبَدَ اللَّهُ فِيها، وهي مَعالِمُ التَّوْحِيدِ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلَ سِيبَوَيْهُ الآيَةَ وتَبِعَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ.
وذَهَبَ الخَلِيلُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ لامِ جَرٍّ قَبْلَ (أنَّ)، فالمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. والتَّقْدِيرُ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِلَّهِ لِلِاسْتِحْقاقِ، أيْ: اللَّهُ مُسْتَحِقُّها دُونَ الأصْنامِ والأوْثانِ فَمَن وضَعَ الأصْنامَ في مَساجِدِ اللَّهِ فَقَدِ اعْتَدى عَلى اللَّهِ.
والمَقْصُودُ هُنا هو المَسْجِدُ الحَرامِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا وضَعُوا فِيهِ الأصْنامَ وجَعَلُوا الصَّنَمَ (هُبَلَ) عَلى سَطْحِ الكَعْبَةِ، قالَ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها﴾ [البقرة: ١١٤] يَعْنِي بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ.
وهَذا تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى اعْتِدائِهِمْ عَلى حَقِّ اللَّهِ وتَصَرُّفِهِمْ فِيما لَيْسَ لَهم أنْ
صفحة ٢٤١
يُغَيِّرُوهُ قالَ تَعالى ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وإنَّما عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي آيَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] بِلَفْظِ (مَساجِدَ) لِيَدْخُلَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ مَعَهم في هَذا الوَعِيدِ مِمَّنْ شاكَلَهم مِمَّنْ غَيَّرُوا المَساجِدَ، أوْ لِتَعْظِيمِ المَسْجِدِ الحَرامِ. كَما جَمَعَ (رُسُلِي) في قَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [سبإ: ٤٥]، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (كَذَّبُوا) عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبإ: ٤٣] في قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبإ: ٤٣] أيْ: كَذَّبُوا رَسُولِي.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧] يُرِيدُ نُوحًا، وهو أوَّلُ رَسُولٍ، فَهو المَقْصُودُ بِالجَمْعِ.
وفُرِّعَ عَلى اخْتِصاصِ كَوْنِ المَساجِدِ بِاللَّهِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا، وهَذا إلْزامٌ لَهم بِالتَّوْحِيدِ بِطَرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجِبِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم أهْلُ بَيْتِ اللَّهِ فَعِبادَتُهم غَيْرَ اللَّهِ مُنافِيَةٌ لِزَعْمِهِمْ ذَلِكَ.
الجن 72:19
﴿وإنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾
قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأهُ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ في رِواياتِهِمُ المَشْهُورَةِ بِالفَتْحِ.
ومَآلُ القِراءَتَيْنِ سَواءٌ في كَوْنِ هَذا خارِجًا عَمّا صَدَرَ عَنِ الجِنِّ وفي كَوْنِهِ مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ.
فَكَسْرُ الهَمْزَةِ عَلى عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١]، والتَّقْدِيرُ: وقُلْ إنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ،؛ لِأنَّ هَمْزَةَ (إنَّ) إذا وقَعَتْ في مَحْكِيٍّ بِالقَوْلِ تُكْسَرُ، ولا يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ مِن حِكايَةِ مَقالَةِ الجِنِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدِ انْقَضى وتَباعَدَ ونُقِلَ الكَلامُ إلى أغْراضٍ أُخْرى ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] .
وأمّا الفَتْحُ فَعَلى اعْتِبارِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجن: ١]، أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، أيْ: أوْحى اللَّهُ إلَيَّ اقْتِرابَ المُشْرِكِينَ مِن أنْ يَكُونُوا لِبَدًا عَلى عَبْدِ اللَّهِ لَمّا قامَ يَدْعُو رَبَّهُ.
صفحة ٢٤٢
وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ وجُمْلَةُ ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها خَبَرُهُ.
وضَمِيرُ ﴿كادُوا يَكُونُونَ﴾ عائِدانِ إلى المُشْرِكِينَ المُنْبِئِ عَنْهُمُ المَقامُ غَيْبَةً وخِطابًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] .
و(عَبْدُ اللَّهِ) هو مُحَمَّدٌ ﷺ وُضِعُ الِاسْمُ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وأنَّهُ لَمّا قُمْتَ تَدْعُو اللَّهَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْكَ، أوْ لَمّا قُمْتُ أدْعُو اللَّهَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيَّ. ولَكِنْ عُدِلَ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِقَصْدِ تَكْرِيمِ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ (عَبْدِ اللَّهِ) لِما في هَذِهِ الإضافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ مَعَ وصْفِ (عَبْدٍ) كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
و(لِبَدًا)، بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ اسْمُ جَمْعِ: لِبْدَةٍ، وهي ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ لِبْدَةُ الأسَدِ لِلشَّعْرِ المُتَراكِمِ في رَقَبَتِهِ.
والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ: كادَ المُشْرِكُونَ يَكُونُونَ مِثْلَ اللِّبَدِ مُتَراصِّينَ مُقْتَرِبِينَ مِنهُ يَسْتَمِعُونَ قِراءَتَهُ ودَعْوَتَهُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. وهو التِفافُ غَيْظٍ وغَضَبٍ وهَمٍّ بِالأذى كَما يُقالُ: تَألَّبُوا عَلَيْهِ.
ومَعْنى قامَ: اجْتَهَدَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ النّابِغَةُ:
بِأنَّ حِصْنًا وحَيًّا مِن بَنِي أسَدٍ قامُوا فَقالُوا حِمانا غَيْرُ مَقْرُوبِ
وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ إعْلانُهُ بِالدَّعْوَةِ وظُهُورُ دَعْوَتِهِ، قالَ جَزْءُ بْنُ كُلَيْبٍ الفَقْعَسِيُّ:
فَلا تَبْغِيَنَّها يا ابْنَ كُوزٍ فَإنَّهُ ∗∗∗ غَذا النّاسُ مُذْ قامَ النَّبِيءُ الجَوارِيا
أيْ: قامَ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ بَيانُهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾، فَهم لَمّا لَمْ يَعْتادُوا دُعاءَ غَيْرِ الأصْنامِ تَجَمَّعُوا لِهَذا الحَدَثِ العَظِيمِ عَلَيْهِمْ وهو دُعاءُ مُحَمَّدٍ ﷺ اللَّهَ تَعالى.
صفحة ٢٤٣
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَدْعُوهُ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (قالَ) بِصِيغَةِ المُضِيِّ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (قُلْ) بِدُونِ ألِفٍ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا. والتَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ إلى آخِرِهِ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي، فَهو مِن تَمامِ ما أُوحِيَ بِهِ إلَيْهِ.
و﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ يُفِيدُ قَصْرًا، أيْ: لا أدْعُو غَيْرَهُ، أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ دُونَهُ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ تَأْكِيدًا لِمَفْهُومِ القَصْرِ، وأصْلُهُ أنْ لا يُعْطَفَ، فَعَطْفُهُ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيكِ لِلْعِنايَةِ بِاسْتِقْلالِهِ بِالإبْلاغِ.
الجن 72:20
﴿وإنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾
قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأهُ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ في رِواياتِهِمُ المَشْهُورَةِ بِالفَتْحِ.
ومَآلُ القِراءَتَيْنِ سَواءٌ في كَوْنِ هَذا خارِجًا عَمّا صَدَرَ عَنِ الجِنِّ وفي كَوْنِهِ مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ.
فَكَسْرُ الهَمْزَةِ عَلى عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١]، والتَّقْدِيرُ: وقُلْ إنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ،؛ لِأنَّ هَمْزَةَ (إنَّ) إذا وقَعَتْ في مَحْكِيٍّ بِالقَوْلِ تُكْسَرُ، ولا يَلِيقُ أنْ يُجْعَلَ مِن حِكايَةِ مَقالَةِ الجِنِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدِ انْقَضى وتَباعَدَ ونُقِلَ الكَلامُ إلى أغْراضٍ أُخْرى ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] .
وأمّا الفَتْحُ فَعَلى اعْتِبارِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجن: ١]، أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ، أيْ: أوْحى اللَّهُ إلَيَّ اقْتِرابَ المُشْرِكِينَ مِن أنْ يَكُونُوا لِبَدًا عَلى عَبْدِ اللَّهِ لَمّا قامَ يَدْعُو رَبَّهُ.
صفحة ٢٤٢
وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ وجُمْلَةُ ﴿لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها خَبَرُهُ.
وضَمِيرُ ﴿كادُوا يَكُونُونَ﴾ عائِدانِ إلى المُشْرِكِينَ المُنْبِئِ عَنْهُمُ المَقامُ غَيْبَةً وخِطابًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] .
و(عَبْدُ اللَّهِ) هو مُحَمَّدٌ ﷺ وُضِعُ الِاسْمُ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وأنَّهُ لَمّا قُمْتَ تَدْعُو اللَّهَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْكَ، أوْ لَمّا قُمْتُ أدْعُو اللَّهَ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيَّ. ولَكِنْ عُدِلَ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِقَصْدِ تَكْرِيمِ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ (عَبْدِ اللَّهِ) لِما في هَذِهِ الإضافَةِ مِنَ التَّشْرِيفِ مَعَ وصْفِ (عَبْدٍ) كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
و(لِبَدًا)، بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ اسْمُ جَمْعِ: لِبْدَةٍ، وهي ما تَلَبَّدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ومِنهُ لِبْدَةُ الأسَدِ لِلشَّعْرِ المُتَراكِمِ في رَقَبَتِهِ.
والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ: كادَ المُشْرِكُونَ يَكُونُونَ مِثْلَ اللِّبَدِ مُتَراصِّينَ مُقْتَرِبِينَ مِنهُ يَسْتَمِعُونَ قِراءَتَهُ ودَعْوَتَهُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ. وهو التِفافُ غَيْظٍ وغَضَبٍ وهَمٍّ بِالأذى كَما يُقالُ: تَألَّبُوا عَلَيْهِ.
ومَعْنى قامَ: اجْتَهَدَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ النّابِغَةُ:
بِأنَّ حِصْنًا وحَيًّا مِن بَنِي أسَدٍ قامُوا فَقالُوا حِمانا غَيْرُ مَقْرُوبِ
وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ إعْلانُهُ بِالدَّعْوَةِ وظُهُورُ دَعْوَتِهِ، قالَ جَزْءُ بْنُ كُلَيْبٍ الفَقْعَسِيُّ:
فَلا تَبْغِيَنَّها يا ابْنَ كُوزٍ فَإنَّهُ ∗∗∗ غَذا النّاسُ مُذْ قامَ النَّبِيءُ الجَوارِيا
أيْ: قامَ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ بَيانُهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾، فَهم لَمّا لَمْ يَعْتادُوا دُعاءَ غَيْرِ الأصْنامِ تَجَمَّعُوا لِهَذا الحَدَثِ العَظِيمِ عَلَيْهِمْ وهو دُعاءُ مُحَمَّدٍ ﷺ اللَّهَ تَعالى.
صفحة ٢٤٣
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَدْعُوهُ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (قالَ) بِصِيغَةِ المُضِيِّ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (قُلْ) بِدُونِ ألِفٍ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا. والتَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ إلى آخِرِهِ قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي، فَهو مِن تَمامِ ما أُوحِيَ بِهِ إلَيْهِ.
و﴿إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ يُفِيدُ قَصْرًا، أيْ: لا أدْعُو غَيْرَهُ، أيْ: لا أعْبُدُ غَيْرَهُ دُونَهُ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ تَأْكِيدًا لِمَفْهُومِ القَصْرِ، وأصْلُهُ أنْ لا يُعْطَفَ، فَعَطْفُهُ لِمُجَرَّدِ التَّشْرِيكِ لِلْعِنايَةِ بِاسْتِقْلالِهِ بِالإبْلاغِ.
الجن 72:21
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ ما أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ إلى تَوْجِيهِ خِطابٍ مُسْتَأْنَفٍ إلَيْهِ، فَبَعْدَ أنْ حُكِيَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مِمّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّئُونِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ مِنِ اتِّباعِ مُتابِعِينَ وإعْراضِ مُعْرِضِينَ، انْتَقَلَ إلى تَلْقِينِهِ ما يَرُدُّ عَلى الَّذِينَ أظْهَرُوا لَهُ العِنادَ والتَّوَرُّكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ﴾) إلَخْ، تَكْرِيرًا لِجُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ [الجن: ٢٠] عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ وعاصِمٍ وأبِي جَعْفَرٍ.
والضُّرُّ: إشارَةٌ إلى ما يَتَوَرَّكُونَ بِهِ مِن طَلَبِ إنْجازِ ما يَتَوَعَّدُهم بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا رَشَدًا﴾ تَتْمِيمٌ.
وفِي الكَلامِ احْتِباكٌ؛ لِأنَّ الضُّرَّ يُقابِلُهُ النَّفْعُ، والرَّشَدُ يُقابِلُهُ الضَّلالُ، فالتَّقْدِيرُ: لا أمْلِكُ لَكم ضُرًّا ولا نَفْعًا ولا ضَلالًا ولا رَشَدًا.
والرَّشَدُ، بِفَتْحَتَيْنِ: مَصْدَرُ رَشَدَ، والرُّشْدُ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ: الِاسْمُ، وهو مَعْرِفَةُ الصَّوابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في قَوْلِهِ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] .
صفحة ٢٤٤
وتَرْكِيبُ لا أمْلِكُ لَكم مَعْناهُ: لا أقْدِرُ قُدْرَةً لِأجْلِكم عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، وتَقَدَّمَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَتا ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ إلى مُلْتَحَدًا، مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ المُسْتَثْنى مِنهُ والمُسْتَثْنى، وهو اعْتِراضُ رُدٍّ لِما يُحاوِلُونَهُ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ ما يُؤْذِيهِمْ فَلا يَذْكُرُ القُرْآنُ إبْطالَ مُعْتَقَدِهِمْ وتَحْقِيرَ أصْنامِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] .
والمُلْتَحَدُ: اسْمُ مَكانِ الِالتِحادِ، والِالتِحادُ: المُبالَغَةُ في اللَّحْدِ، وهو العُدُولُ إلى مَكانٍ غَيْرِ الَّذِي هو فِيهِ، والأكْثَرُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ عَلى اللَّجَأِ، أيْ: العِياذُ بِمَكانٍ يَعْصِمُهُ. والمَعْنى: لَنْ أجِدَ مَكانًا يَعْصِمُنِي.
و(مِن دُونِهِ) حالٌ مِن مُلْتَحَدًا أيْ: مُلْتَحَدًا كائِنًا مَن دُونِ اللَّهِ، أيْ: بَعِيدًا عَنِ اللَّهِ غَيْرَ داخِلٍ مِن مَلَكُوتِهِ، فَإنَّ المُلْتَحَدَ مَكانٌ، فَلَمّا وُصِفَ بِأنَّهُ مَن دُونِ اللَّهِ كانَ المَعْنى أنَّهُ مَكانٌ مِن غَيْرِ الأمْكِنَةِ الَّتِي في مُلْكِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، ولِهَذا جاءَ لِنَفْيِ وِجْدانِهِ حَرْفُ (لَنْ) الدّالُّ عَلى تَأْبِيدِ النَّفْيِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن دُونِهِ) مَزِيدَةٌ جارَّةٌ لِلظَّرْفِ وهو (دُونَ) .
وقَوْلُهُ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن (ضَرًّا) و(رَشَدًا)، ولَيْسَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الضَّرَّ والرَّشَدَ المَنفِيَّيْنِ في قَوْلِهِ ﴿لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ هُما الضَّرُّ والرَّشَدُ الواقِعانِ في النَّفْسِ بِالإلْجاءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن مُلْتَحَدًا، أيْ: بِتَأْوِيلِ (مُلْتَحَدًا) بِمَعْنى: مَخْلَصٍ أوْ مَأْمَنٍ.
وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أُسْلُوبِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرِ بَلَغَ، أيْ: أوْصَلَ الحَدِيثَ أوِ الكَلامَ، ويُطْلَقُ عَلى الكَلامِ المُبَلَّغِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] .
صفحة ٢٤٥
و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ صِفَةُ (بَلاغًا)، أيْ: بَلاغًا كائِنًا مِن جانِبِ اللَّهِ، أيْ: إلّا كَلامًا أُبَلِّغُهُ مِنَ القُرْآنِ المُوحى مِنَ اللَّهِ.
ورِسالاتُهُ: جَمْعُ رِسالَةٍ: وهي ما يُرْسَلُ مِن كَلامٍ أوْ كِتابٍ فالرِّسالاتُ بَلاغٌ خاصٌّ بِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فالمُرادُ مِنها هُنا تَبْلِيغُ القُرْآنِ.
﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] إلى هُنا كَلامًا مُتَضَمِّنًا أنَّهم أشْرَكُوا وعانَدُوا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما تَوَهَّمُوهُ تَعْجِيزًا لَهُ مِن ضُرُوبِ الِاقْتِراحِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ بِأنَّهم إنْ دامُوا عَلى عِصْيانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ سَيَلْقَوْنَ نارَ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي اللَّهَ ورَسُولَهُ كانَتْ لَهُ نارُ جَهَنَّمَ.
و(مَن) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
الجن 72:22
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ ما أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ إلى تَوْجِيهِ خِطابٍ مُسْتَأْنَفٍ إلَيْهِ، فَبَعْدَ أنْ حُكِيَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مِمّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّئُونِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ مِنِ اتِّباعِ مُتابِعِينَ وإعْراضِ مُعْرِضِينَ، انْتَقَلَ إلى تَلْقِينِهِ ما يَرُدُّ عَلى الَّذِينَ أظْهَرُوا لَهُ العِنادَ والتَّوَرُّكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ﴾) إلَخْ، تَكْرِيرًا لِجُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ [الجن: ٢٠] عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ وعاصِمٍ وأبِي جَعْفَرٍ.
والضُّرُّ: إشارَةٌ إلى ما يَتَوَرَّكُونَ بِهِ مِن طَلَبِ إنْجازِ ما يَتَوَعَّدُهم بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا رَشَدًا﴾ تَتْمِيمٌ.
وفِي الكَلامِ احْتِباكٌ؛ لِأنَّ الضُّرَّ يُقابِلُهُ النَّفْعُ، والرَّشَدُ يُقابِلُهُ الضَّلالُ، فالتَّقْدِيرُ: لا أمْلِكُ لَكم ضُرًّا ولا نَفْعًا ولا ضَلالًا ولا رَشَدًا.
والرَّشَدُ، بِفَتْحَتَيْنِ: مَصْدَرُ رَشَدَ، والرُّشْدُ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ: الِاسْمُ، وهو مَعْرِفَةُ الصَّوابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في قَوْلِهِ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] .
صفحة ٢٤٤
وتَرْكِيبُ لا أمْلِكُ لَكم مَعْناهُ: لا أقْدِرُ قُدْرَةً لِأجْلِكم عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، وتَقَدَّمَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَتا ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ إلى مُلْتَحَدًا، مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ المُسْتَثْنى مِنهُ والمُسْتَثْنى، وهو اعْتِراضُ رُدٍّ لِما يُحاوِلُونَهُ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ ما يُؤْذِيهِمْ فَلا يَذْكُرُ القُرْآنُ إبْطالَ مُعْتَقَدِهِمْ وتَحْقِيرَ أصْنامِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] .
والمُلْتَحَدُ: اسْمُ مَكانِ الِالتِحادِ، والِالتِحادُ: المُبالَغَةُ في اللَّحْدِ، وهو العُدُولُ إلى مَكانٍ غَيْرِ الَّذِي هو فِيهِ، والأكْثَرُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ عَلى اللَّجَأِ، أيْ: العِياذُ بِمَكانٍ يَعْصِمُهُ. والمَعْنى: لَنْ أجِدَ مَكانًا يَعْصِمُنِي.
و(مِن دُونِهِ) حالٌ مِن مُلْتَحَدًا أيْ: مُلْتَحَدًا كائِنًا مَن دُونِ اللَّهِ، أيْ: بَعِيدًا عَنِ اللَّهِ غَيْرَ داخِلٍ مِن مَلَكُوتِهِ، فَإنَّ المُلْتَحَدَ مَكانٌ، فَلَمّا وُصِفَ بِأنَّهُ مَن دُونِ اللَّهِ كانَ المَعْنى أنَّهُ مَكانٌ مِن غَيْرِ الأمْكِنَةِ الَّتِي في مُلْكِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، ولِهَذا جاءَ لِنَفْيِ وِجْدانِهِ حَرْفُ (لَنْ) الدّالُّ عَلى تَأْبِيدِ النَّفْيِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن دُونِهِ) مَزِيدَةٌ جارَّةٌ لِلظَّرْفِ وهو (دُونَ) .
وقَوْلُهُ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن (ضَرًّا) و(رَشَدًا)، ولَيْسَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الضَّرَّ والرَّشَدَ المَنفِيَّيْنِ في قَوْلِهِ ﴿لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ هُما الضَّرُّ والرَّشَدُ الواقِعانِ في النَّفْسِ بِالإلْجاءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن مُلْتَحَدًا، أيْ: بِتَأْوِيلِ (مُلْتَحَدًا) بِمَعْنى: مَخْلَصٍ أوْ مَأْمَنٍ.
وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أُسْلُوبِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرِ بَلَغَ، أيْ: أوْصَلَ الحَدِيثَ أوِ الكَلامَ، ويُطْلَقُ عَلى الكَلامِ المُبَلَّغِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] .
صفحة ٢٤٥
و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ صِفَةُ (بَلاغًا)، أيْ: بَلاغًا كائِنًا مِن جانِبِ اللَّهِ، أيْ: إلّا كَلامًا أُبَلِّغُهُ مِنَ القُرْآنِ المُوحى مِنَ اللَّهِ.
ورِسالاتُهُ: جَمْعُ رِسالَةٍ: وهي ما يُرْسَلُ مِن كَلامٍ أوْ كِتابٍ فالرِّسالاتُ بَلاغٌ خاصٌّ بِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فالمُرادُ مِنها هُنا تَبْلِيغُ القُرْآنِ.
﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] إلى هُنا كَلامًا مُتَضَمِّنًا أنَّهم أشْرَكُوا وعانَدُوا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما تَوَهَّمُوهُ تَعْجِيزًا لَهُ مِن ضُرُوبِ الِاقْتِراحِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ بِأنَّهم إنْ دامُوا عَلى عِصْيانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ سَيَلْقَوْنَ نارَ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي اللَّهَ ورَسُولَهُ كانَتْ لَهُ نارُ جَهَنَّمَ.
و(مَن) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
الجن 72:23
﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ ما أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ إلى تَوْجِيهِ خِطابٍ مُسْتَأْنَفٍ إلَيْهِ، فَبَعْدَ أنْ حُكِيَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما أوْحى اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مِمّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّئُونِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ مِنِ اتِّباعِ مُتابِعِينَ وإعْراضِ مُعْرِضِينَ، انْتَقَلَ إلى تَلْقِينِهِ ما يَرُدُّ عَلى الَّذِينَ أظْهَرُوا لَهُ العِنادَ والتَّوَرُّكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ﴾) إلَخْ، تَكْرِيرًا لِجُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أدْعُو رَبِّي﴾ [الجن: ٢٠] عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ وعاصِمٍ وأبِي جَعْفَرٍ.
والضُّرُّ: إشارَةٌ إلى ما يَتَوَرَّكُونَ بِهِ مِن طَلَبِ إنْجازِ ما يَتَوَعَّدُهم بِهِ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا رَشَدًا﴾ تَتْمِيمٌ.
وفِي الكَلامِ احْتِباكٌ؛ لِأنَّ الضُّرَّ يُقابِلُهُ النَّفْعُ، والرَّشَدُ يُقابِلُهُ الضَّلالُ، فالتَّقْدِيرُ: لا أمْلِكُ لَكم ضُرًّا ولا نَفْعًا ولا ضَلالًا ولا رَشَدًا.
والرَّشَدُ، بِفَتْحَتَيْنِ: مَصْدَرُ رَشَدَ، والرُّشْدُ، بِضَمٍّ فَسُكُونٍ: الِاسْمُ، وهو مَعْرِفَةُ الصَّوابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في قَوْلِهِ ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] .
صفحة ٢٤٤
وتَرْكِيبُ لا أمْلِكُ لَكم مَعْناهُ: لا أقْدِرُ قُدْرَةً لِأجْلِكم عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ، وتَقَدَّمَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَتا ﴿قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي﴾ إلى مُلْتَحَدًا، مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ المُسْتَثْنى مِنهُ والمُسْتَثْنى، وهو اعْتِراضُ رُدٍّ لِما يُحاوِلُونَهُ مِنهُ أنْ يَتْرُكَ ما يُؤْذِيهِمْ فَلا يَذْكُرُ القُرْآنُ إبْطالَ مُعْتَقَدِهِمْ وتَحْقِيرَ أصْنامِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥] .
والمُلْتَحَدُ: اسْمُ مَكانِ الِالتِحادِ، والِالتِحادُ: المُبالَغَةُ في اللَّحْدِ، وهو العُدُولُ إلى مَكانٍ غَيْرِ الَّذِي هو فِيهِ، والأكْثَرُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ عَلى اللَّجَأِ، أيْ: العِياذُ بِمَكانٍ يَعْصِمُهُ. والمَعْنى: لَنْ أجِدَ مَكانًا يَعْصِمُنِي.
و(مِن دُونِهِ) حالٌ مِن مُلْتَحَدًا أيْ: مُلْتَحَدًا كائِنًا مَن دُونِ اللَّهِ، أيْ: بَعِيدًا عَنِ اللَّهِ غَيْرَ داخِلٍ مِن مَلَكُوتِهِ، فَإنَّ المُلْتَحَدَ مَكانٌ، فَلَمّا وُصِفَ بِأنَّهُ مَن دُونِ اللَّهِ كانَ المَعْنى أنَّهُ مَكانٌ مِن غَيْرِ الأمْكِنَةِ الَّتِي في مُلْكِ اللَّهِ، وذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، ولِهَذا جاءَ لِنَفْيِ وِجْدانِهِ حَرْفُ (لَنْ) الدّالُّ عَلى تَأْبِيدِ النَّفْيِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن دُونِهِ) مَزِيدَةٌ جارَّةٌ لِلظَّرْفِ وهو (دُونَ) .
وقَوْلُهُ ﴿إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن (ضَرًّا) و(رَشَدًا)، ولَيْسَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الضَّرَّ والرَّشَدَ المَنفِيَّيْنِ في قَوْلِهِ ﴿لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ هُما الضَّرُّ والرَّشَدُ الواقِعانِ في النَّفْسِ بِالإلْجاءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ اسْتِثْناءً مِن مُلْتَحَدًا، أيْ: بِتَأْوِيلِ (مُلْتَحَدًا) بِمَعْنى: مَخْلَصٍ أوْ مَأْمَنٍ.
وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِن أُسْلُوبِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ.
والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرِ بَلَغَ، أيْ: أوْصَلَ الحَدِيثَ أوِ الكَلامَ، ويُطْلَقُ عَلى الكَلامِ المُبَلَّغِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] .
صفحة ٢٤٥
و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ صِفَةُ (بَلاغًا)، أيْ: بَلاغًا كائِنًا مِن جانِبِ اللَّهِ، أيْ: إلّا كَلامًا أُبَلِّغُهُ مِنَ القُرْآنِ المُوحى مِنَ اللَّهِ.
ورِسالاتُهُ: جَمْعُ رِسالَةٍ: وهي ما يُرْسَلُ مِن كَلامٍ أوْ كِتابٍ فالرِّسالاتُ بَلاغٌ خاصٌّ بِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فالمُرادُ مِنها هُنا تَبْلِيغُ القُرْآنِ.
﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿قالَ إنَّما أدْعُو رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] إلى هُنا كَلامًا مُتَضَمِّنًا أنَّهم أشْرَكُوا وعانَدُوا الرَّسُولَ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ ما تَوَهَّمُوهُ تَعْجِيزًا لَهُ مِن ضُرُوبِ الِاقْتِراحِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَهْدِيدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ بِأنَّهم إنْ دامُوا عَلى عِصْيانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ سَيَلْقَوْنَ نارَ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن يَعْصِي اللَّهَ ورَسُولَهُ كانَتْ لَهُ نارُ جَهَنَّمَ.
و(مَن) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ .
الجن 72:24
﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا وأقَلُّ عَدَدًا﴾ كانُوا إذا سَمِعُوا آياتِ الوَعْدِ بِنَصْرِ الرَّسُولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وآياتِ الوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالِانْهِزامِ وعَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ الدُّنْيا اسْتَسْخَرُوا مِن ذَلِكَ وقالُوا: وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، ويَقُولُونَ: مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، ويَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وقالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ، فَهم مَغْرُورُونَ بِالِاسْتِدْراجِ والإمْهالِ فَلِذَلِكَ عَقَّبَ وعِيدَهم بِالغايَةِ المُفادَةِ مِن (حَتّى)، فالغايَةُ هُنا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن سُخْرِيَةِ الكُفّارِ مِنَ الوَعِيدِ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ في العَدَدِ والعُدَدِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم لا يَزالُونَ يَحْسَبُونَ أنَّهم غالِبُونَ فائِزُونَ حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ تَحَقَّقُوا إخْفاقَ آمالِهِمْ.
و(حَتّى) هُنا ابْتِدائِيَّةٌ وكُلَّما دَخَلَتْ (حَتّى) في جُمْلَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِـ (إذا) فَـ (حَتّى)
صفحة ٢٤٦
لِلِابْتِداءِ وما بَعْدَها جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. وذَهَبَ الأخْفَشُ وابْنُ مالِكٍ إلى أنَّ (حَتّى) في مِثْلِهِ جارَّةٌ وأنَّ (إذا) في مَحَلِّ جَرٍّ ولَيْسَ بِبَعِيدٍ.
واعْلَمْ أنَّ ”حَتّى“ لا يُفارِقُها مَعْنى الغايَةِ كَيْفَما كانَ عَمَلُ ”حَتّى“ .
و(إذا) اسْمُ زَمانٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي في جَوابِهِ وهو فَسَيَعْلَمُونَ.
وعَلى رَأْيِ الأخْفَشِ وابْنِ مالِكٍ (إذا) في مَحَلِّ جَرٍّ بِـ (حَتّى) . واقْتِرانُ جُمْلَةِ سَيَعْلَمُونَ بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ (إذا) ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ، واقْتِرانُ الجَوابِ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ يَصْرِفُ الفِعْلَ الماضِيَ بَعْدَ (إذا) إلى زَمَنِ الِاسْتِقْبالِ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها (إذا) فِعْلًا ماضِيًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
وفِعْلُ (سَيَعْلَمُونَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في التَّعْلِيقِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يَكُونُ كِنايَةً عَنِ الغَرابَةِ بِحَيْثُ يَسْألُ النّاسُ عَنْ تَعْيِينِ الشَّيْءِ بَعْدَ البَحْثِ عَنْهُ.
وضَعْفُ النّاصِرِ وهَنٌ لَهم مِن جِهَةِ وهَنِ أنْصارِهِمْ، وقِلَّةُ العَدَدِ وهَنٌ لَهم مِن جانِبِ أنْفُسِهِمْ، وهَذا وعِيدٌ لَهم بِخَيْبَةِ غُرُورِهِمْ بِالأمْنِ مِن غَلَبِ المُسْلِمِينَ في الدُّنْيا فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. وقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا.
الجن 72:25
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيَ أمَدًا﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] كانَ المُشْرِكُونَ يُكْثِرُونَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَتى هَذا الوَعْدُ، وعَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها، وتَكَرَّرَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا﴾ [الجن: ٢٤] الآيَةَ، عَلِمَ أنَّهم سَيُعِيدُونَ ما اعْتادُوا قَوْلَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْ وقْتِ حُلُولِ الوَعِيدِ فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُعِيدَ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ مِن جَوابِهِ.
صفحة ٢٤٧
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِأنْ يَقُولَهُ جَوابٌ لِسُؤالِهِمُ المُقَدَّرِ.
والأمَدُ: الغايَةُ وأصْلُهُ في الأمْكِنَةِ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرٍ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ وجَعَلَ أمَدَها ثَنِيَّةَ الوَداعِ» أيْ: غايَةَ المُسابَقَةِ. ويُسْتَعارُ الأمَدُ لِمُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنَةٍ قالَ تَعالى ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] وهو كَذَلِكَ هُنا. ومُقابَلَتُهُ بِـ (قَرِيبٍ) يُفِيدُ أنَّ المَعْنى أمْ يَجْعَلُ لَهُ أمَدًا بَعِيدًا.
وجُمْلَةُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةَ.
وعالِمُ الغَيْبِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ رَبِّي. وهَذا الحَذْفُ مِن قَبِيلِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَذْفًا اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ إذا كانَ الكَلامُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى ذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وصِفاتِهِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، إذا اسْتَتَرَ وخَفِيَ عَنِ الأنْظارِ، وتَعْرِيفُهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
وإضافَةُ صِفَةِ عالِمٍ إلى الغَيْبِ تُفِيدُ العِلْمَ بِكُلِّ الحَقائِقِ المُغَيَّبَةِ سَواءٌ كانَتْ ماهِيّاتٍ أوْ أفْرادًا فَيَشْمَلُ المَعْنى المَصْدَرِيَّ لِلْغَيْبِ مِثْلَ عِلْمِ اللَّهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، ويَشْمَلُ الأُمُورَ الغائِبَةَ بِذاتِها مِثْلَ المَلائِكَةِ والجِنِّ. ويَشْمَلُ الذَّواتِ المُغَيَّبَةِ عَنْ عِلْمِ النّاسِ مِثْلَ الوَقائِعِ المُسْتَقْبَلَةِ الَّتِي يُخْبَرُ عَنْها أوِ الَّتِي لا يُخْبَرُ عَنْها، فَإيثارُ المَصْدَرِ هُنا؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ لِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ مَعَ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُقَدَّرِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ لا أنا.
وفُرِّعَ عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ جُمْلَةُ ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ، والحُكْمُ المُفَرَّعِ إتْمامٌ لِلتَّعْلِيلِ وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِ عَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى غَيْبِهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾: لا يُطْلِعُ ولا يُنْبِئُ بِهِ، وهو أقْوى مِن
صفحة ٢٤٨
(يَطَّلِعُ)؛ لِأنَّ (يُظْهِرُ) جاءَ مِنَ الظُّهُورِ وهو المُشاهَدَةُ، ولِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُطْلِعُ، عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) .
ووُقُوعُ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ، وكَذَلِكَ وُقُوعُ مَفْعُولِهِ وهو نَكِرَةٌ في حَيِّزِهِ يُفِيدُ العُمُومَ.
وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] فَهو اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ.
واسْتُثْنِيَ مِن هَذا النَّفْيِ مَنِ ارْتَضاهُ لِيُطْلِعَهُ عَلى بَعْضِ الغَيْبِ، أيْ: عَلى غَيْبٍ أرادَ إظْهارَهُ مِنَ الوَحْيِ فَإنَّهُ مِن غَيْبِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ ما أرادَ اللَّهُ أنْ يُؤَيِّدَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِن إخْبارٍ بِما سَيَحْدُثُ، أوْ إطْلاعٍ عَلى ضَمائِرِ بَعْضِ النّاسِ.
فَقَوْلُهُ ارْتَضى: مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ (أحَدًا) . والتَّقْدِيرُ: إلّا أحَدًا ارْتَضاهُ، أيْ: اخْتارَهُ لِلِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغَيْبِ لِحِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ تَعالى.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الخَبَرِ، أيْ: يُطْلِعُ اللَّهُ بَعْضَ رُسُلِهِ لِأجْلِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ الرِّسالَةِ إلى النّاسِ، فَيُعْلَمُ مِن هَذا الإيمانِ أنَّ الغَيْبَ الَّذِي يُطْلِعُ اللَّهُ عَلَيْهِ الرُّسُلَ هو مِن نَوْعِ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالرِّسالَةِ، وهو غَيْبٌ ما أرادَ اللَّهُ إبْلاغَهُ إلى الخَلْقِ أنْ يَعْتَقِدُوهُ أوْ يَفْعَلُوهُ، وما لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، أوْ أُمُورِ الدُّنْيا، وما يُؤَيِّدُ بِهِ الرُّسُلَ عَنِ الإخْبارِ بِأُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢] .
والمُرادُ بِهَذا الإطْلاعُ المُحَقَّقُ المُفِيدُ عِلْمًا كَعِلْمِ المُشاهَدَةِ. فَلا تَشْمَلُ الآيَةُ ما قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الصّالِحِينَ مِن شَرْحِ صَدْرٍ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ، فَفي الحَدِيثِ («الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ، أوْ بِالإلْهامِ» ) قالَ النَّبِيءُ ﷺ «قَدْ كانَ يَكُونُ في الأُمَمِ قَبْلَكم مُحَدَّثُونَ فَإنْ يَكُنْ في أُمَّتِي مِنهم أحَدٌ فَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ مِنهم» رَواهُ مُسْلِمٌ. قالَ مُسْلِمٌ: قالَ ابْنُ وهْبٍ: تَفْسِيرُ (مُحَدَّثُونَ): مُلْهَمُونَ.
وقَدْ قالَ مالِكٌ في الرُّؤْيا الحَسَنَةِ: إنَّها تَسُرُّ ولا تَغُرُّ، يُرِيدُ لِأنَّها قَدْ يَقَعُ الخَطَأُ في تَأْوِيلِها.
صفحة ٢٤٩
و﴿مِن رَسُولٍ﴾ بَيانٌ لِإبْهامِ (مَن) المَوْصُولَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّ ماصَدَقَ (مَن) جَماعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ، أيْ: إلّا الرُّسُلَ الَّذِينَ ارْتَضاهم، أيْ: اصْطَفاهم.
وشَمَلَ (رَسُولٍ) كُلَّ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَشْمَلُ المَلائِكَةَ المُرْسَلِينَ إلى الرُّسُلِ بِإبْلاغِ وحْيٍ إلَيْهِمْ مِثْلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وشَمَلَ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ المُرْسَلِينَ إلى النّاسِ بِإبْلاغِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِن شَرِيعَةٍ أوْ غَيْرِها مِمّا بِهِ صَلاحُهم.
وهُنا أرْبَعَةُ ضَمائِرِ غَيْبَةٍ:
الأوَّلُ ضَمِيرُ (فَإنَّهُ) وهو عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (يَسْلُكُ) وهو لا مَحالَةَ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى كَما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (فَإنَّهُ) .
والثّالِثُ والرّابِعُ ضَمِيرا ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، وهُما عائِدانِ إلى (رَسُولٍ) أيْ: فَإنَّ اللَّهَ يَسْلُكُ، أيْ: يُرْسِلُ لِلرَّسُولِ رَصَدًا مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا، أيْ: مَلائِكَةٌ يَحْفَظُونَ الرَّسُولَ ﷺ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ ما يَخْلِطُ عَلَيْهِ ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن غَيْبِهِ.
والسَّلْكُ حَقِيقَتُهُ: الإدْخالُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وأُطْلِقَ السَّلْكُ عَلى الإيصالِ المُباشِرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالدُّخُولِ في الشَّيْءِ بِحَيْثُ لا مَصْرِفَ لَهُ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ (﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]) أيْ: يُرْسِلُ إلَيْهِ مَلائِكَةً مُتَّجِهِينَ إلَيْهِ لا يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ حَتّى يَبْلُغَ إلَيْهِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ، كَأنَّهم شُبِّهَ اتِّصالُهم بِهِ وحِراسَتُهم إيّاهُ بِشَيْءٍ داخِلٍ في أجْزاءِ جِسْمٍ. وهَذا مِن جُمْلَةِ الحِفْظِ الَّذِي حَفِظَ اللَّهُ بِهِ ذِكْرَهُ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
والمُرادُ بِـ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ الكِنايَةُ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، ومِن تِلْكَ الكِنايَةِ يَنْتَقِلُ إلى كِنايَةٍ أُخْرى عَنِ السَّلامَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّحْرِيفِ.
صفحة ٢٥٠
والرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] . وانْتَصَبَ (رَصَدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ (يَسْلُكُ) .
ويَتَعَلَّقُ (لِيَعْلَمَ) بِقَوْلِهِ (يَسْلُكُ)، أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ لِيُبَلِّغَ الغَيْبَ إلى الرَّسُولِ كَما أرْسَلَ إلَيْهِ لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِمّا يَلْبِسُ عَلَيْهِ الوَحْيَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ أنَّ الرُّسُلَ أبْلَغُوا ما أُوحِيَ إلَيْهِمْ كَما بَعَثَهُ مِن دُونِ تَغْيِيرٍ، فَلَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ الوَحْيَ مُفَرَّعًا ومُسَبَّبًا عَنْ تَبْلِيغِ الوَحْيِ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، جُعِلَ المُسَبَّبَ عِلَّةً وأُقِيمَ مَقامَ السَّبَبِ إيجازًا في الكَلامِ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى وفْقِ ما وقَعَ، وهَذا كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ:
وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها
أيْ: لِيَظْهَرَ مَن هو شُجاعٌ ومَن هو جَبانٌ فَأعْلَمُ ذَلِكَ. وهَذِهِ العِلَّةُ هي المَقْصِدُ الأهَمُّ مِنِ اطِّلاعِ مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ عَلى الغَيْبِ، وذِكْرُ هَذِهِ العِلَّةِ لا يَقْتَضِي انْحِصارَ عِلَلِ الِاطِّلاعِ فِيها.
وجِيءَ بِضَمِيرِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ مُراعاةً لِلَفْظِ (رَسُولٍ)، ثُمَّ جِيءَ لَهُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨] مُراعاةً لِمَعْنى رَسُولٍ وهو الجِنْسُ، أيْ: الرُّسُلُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى السّابِقِ آنِفًا ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
والمُرادُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ اللَّهِ وأدَّوُا الأمانَةَ عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزاؤُهُمُ الجَزِيلُ.
وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] أنَّ الغَيْبَ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةَ هو الغَيْبُ المُتَعَلِّقُ بِالشَّرِيعَةِ وأُصُولِها مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ،؛ لِأنَّ الكَلامَ المُسْتَثْنى مِنهُ هو نَفْيُ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِقُرْبِ ما يُوعَدُونَ بِهِ أوْ بَعْدَهُ، وذَلِكَ مِن عَلائِقِ الجَزاءِ والبَعْثِ.
ويَلْحَقُ بِهِ ما يُوحى بِهِ إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا رُسُلًا؛ لِأنَّ ما يُوحى إلَيْهِمْ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لِشَرْعٍ سابِقٍ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ والحَوارِيِّينَ أوْ أنْ يَكُونَ لِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ مِثْلَ آدَمَ وأيُّوبَ.
واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِمُقْتَضٍ أنْ يُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى جَمِيعُ نَقائِضِ
صفحة ٢٥١
أحْوالِ الحُكْمِ الَّذِي لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، بَلْ قُصارى ما يَقْتَضِيهِ أنَّهُ كالنَّقْضِ في المُناظَرَةِ يَحْصُلُ بِإثْباتٍ جُزْئِيٍّ مِن جُزْئِيّاتِ ما نَفاهُ الكَلامُ المَنقُوصُ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ بِمُقْتَضٍ أنَّ الرَّسُولَ يَطَّلِعُ عَلى جَمِيعِ غَيْبِ اللَّهِ، وقَدْ بُيِّنَ النَّوْعُ المُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] .
وقَرَأ رُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨] نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ، والفاعِلُ المَحْذُوفُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا.
الجن 72:26
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيَ أمَدًا﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] كانَ المُشْرِكُونَ يُكْثِرُونَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَتى هَذا الوَعْدُ، وعَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها، وتَكَرَّرَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا﴾ [الجن: ٢٤] الآيَةَ، عَلِمَ أنَّهم سَيُعِيدُونَ ما اعْتادُوا قَوْلَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْ وقْتِ حُلُولِ الوَعِيدِ فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُعِيدَ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ مِن جَوابِهِ.
صفحة ٢٤٧
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِأنْ يَقُولَهُ جَوابٌ لِسُؤالِهِمُ المُقَدَّرِ.
والأمَدُ: الغايَةُ وأصْلُهُ في الأمْكِنَةِ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرٍ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ وجَعَلَ أمَدَها ثَنِيَّةَ الوَداعِ» أيْ: غايَةَ المُسابَقَةِ. ويُسْتَعارُ الأمَدُ لِمُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنَةٍ قالَ تَعالى ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] وهو كَذَلِكَ هُنا. ومُقابَلَتُهُ بِـ (قَرِيبٍ) يُفِيدُ أنَّ المَعْنى أمْ يَجْعَلُ لَهُ أمَدًا بَعِيدًا.
وجُمْلَةُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةَ.
وعالِمُ الغَيْبِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ رَبِّي. وهَذا الحَذْفُ مِن قَبِيلِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَذْفًا اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ إذا كانَ الكَلامُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى ذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وصِفاتِهِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، إذا اسْتَتَرَ وخَفِيَ عَنِ الأنْظارِ، وتَعْرِيفُهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
وإضافَةُ صِفَةِ عالِمٍ إلى الغَيْبِ تُفِيدُ العِلْمَ بِكُلِّ الحَقائِقِ المُغَيَّبَةِ سَواءٌ كانَتْ ماهِيّاتٍ أوْ أفْرادًا فَيَشْمَلُ المَعْنى المَصْدَرِيَّ لِلْغَيْبِ مِثْلَ عِلْمِ اللَّهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، ويَشْمَلُ الأُمُورَ الغائِبَةَ بِذاتِها مِثْلَ المَلائِكَةِ والجِنِّ. ويَشْمَلُ الذَّواتِ المُغَيَّبَةِ عَنْ عِلْمِ النّاسِ مِثْلَ الوَقائِعِ المُسْتَقْبَلَةِ الَّتِي يُخْبَرُ عَنْها أوِ الَّتِي لا يُخْبَرُ عَنْها، فَإيثارُ المَصْدَرِ هُنا؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ لِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ مَعَ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُقَدَّرِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ لا أنا.
وفُرِّعَ عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ جُمْلَةُ ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ، والحُكْمُ المُفَرَّعِ إتْمامٌ لِلتَّعْلِيلِ وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِ عَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى غَيْبِهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾: لا يُطْلِعُ ولا يُنْبِئُ بِهِ، وهو أقْوى مِن
صفحة ٢٤٨
(يَطَّلِعُ)؛ لِأنَّ (يُظْهِرُ) جاءَ مِنَ الظُّهُورِ وهو المُشاهَدَةُ، ولِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُطْلِعُ، عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) .
ووُقُوعُ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ، وكَذَلِكَ وُقُوعُ مَفْعُولِهِ وهو نَكِرَةٌ في حَيِّزِهِ يُفِيدُ العُمُومَ.
وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] فَهو اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ.
واسْتُثْنِيَ مِن هَذا النَّفْيِ مَنِ ارْتَضاهُ لِيُطْلِعَهُ عَلى بَعْضِ الغَيْبِ، أيْ: عَلى غَيْبٍ أرادَ إظْهارَهُ مِنَ الوَحْيِ فَإنَّهُ مِن غَيْبِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ ما أرادَ اللَّهُ أنْ يُؤَيِّدَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِن إخْبارٍ بِما سَيَحْدُثُ، أوْ إطْلاعٍ عَلى ضَمائِرِ بَعْضِ النّاسِ.
فَقَوْلُهُ ارْتَضى: مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ (أحَدًا) . والتَّقْدِيرُ: إلّا أحَدًا ارْتَضاهُ، أيْ: اخْتارَهُ لِلِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغَيْبِ لِحِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ تَعالى.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الخَبَرِ، أيْ: يُطْلِعُ اللَّهُ بَعْضَ رُسُلِهِ لِأجْلِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ الرِّسالَةِ إلى النّاسِ، فَيُعْلَمُ مِن هَذا الإيمانِ أنَّ الغَيْبَ الَّذِي يُطْلِعُ اللَّهُ عَلَيْهِ الرُّسُلَ هو مِن نَوْعِ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالرِّسالَةِ، وهو غَيْبٌ ما أرادَ اللَّهُ إبْلاغَهُ إلى الخَلْقِ أنْ يَعْتَقِدُوهُ أوْ يَفْعَلُوهُ، وما لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، أوْ أُمُورِ الدُّنْيا، وما يُؤَيِّدُ بِهِ الرُّسُلَ عَنِ الإخْبارِ بِأُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢] .
والمُرادُ بِهَذا الإطْلاعُ المُحَقَّقُ المُفِيدُ عِلْمًا كَعِلْمِ المُشاهَدَةِ. فَلا تَشْمَلُ الآيَةُ ما قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الصّالِحِينَ مِن شَرْحِ صَدْرٍ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ، فَفي الحَدِيثِ («الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ، أوْ بِالإلْهامِ» ) قالَ النَّبِيءُ ﷺ «قَدْ كانَ يَكُونُ في الأُمَمِ قَبْلَكم مُحَدَّثُونَ فَإنْ يَكُنْ في أُمَّتِي مِنهم أحَدٌ فَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ مِنهم» رَواهُ مُسْلِمٌ. قالَ مُسْلِمٌ: قالَ ابْنُ وهْبٍ: تَفْسِيرُ (مُحَدَّثُونَ): مُلْهَمُونَ.
وقَدْ قالَ مالِكٌ في الرُّؤْيا الحَسَنَةِ: إنَّها تَسُرُّ ولا تَغُرُّ، يُرِيدُ لِأنَّها قَدْ يَقَعُ الخَطَأُ في تَأْوِيلِها.
صفحة ٢٤٩
و﴿مِن رَسُولٍ﴾ بَيانٌ لِإبْهامِ (مَن) المَوْصُولَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّ ماصَدَقَ (مَن) جَماعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ، أيْ: إلّا الرُّسُلَ الَّذِينَ ارْتَضاهم، أيْ: اصْطَفاهم.
وشَمَلَ (رَسُولٍ) كُلَّ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَشْمَلُ المَلائِكَةَ المُرْسَلِينَ إلى الرُّسُلِ بِإبْلاغِ وحْيٍ إلَيْهِمْ مِثْلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وشَمَلَ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ المُرْسَلِينَ إلى النّاسِ بِإبْلاغِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِن شَرِيعَةٍ أوْ غَيْرِها مِمّا بِهِ صَلاحُهم.
وهُنا أرْبَعَةُ ضَمائِرِ غَيْبَةٍ:
الأوَّلُ ضَمِيرُ (فَإنَّهُ) وهو عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (يَسْلُكُ) وهو لا مَحالَةَ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى كَما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (فَإنَّهُ) .
والثّالِثُ والرّابِعُ ضَمِيرا ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، وهُما عائِدانِ إلى (رَسُولٍ) أيْ: فَإنَّ اللَّهَ يَسْلُكُ، أيْ: يُرْسِلُ لِلرَّسُولِ رَصَدًا مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا، أيْ: مَلائِكَةٌ يَحْفَظُونَ الرَّسُولَ ﷺ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ ما يَخْلِطُ عَلَيْهِ ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن غَيْبِهِ.
والسَّلْكُ حَقِيقَتُهُ: الإدْخالُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وأُطْلِقَ السَّلْكُ عَلى الإيصالِ المُباشِرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالدُّخُولِ في الشَّيْءِ بِحَيْثُ لا مَصْرِفَ لَهُ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ (﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]) أيْ: يُرْسِلُ إلَيْهِ مَلائِكَةً مُتَّجِهِينَ إلَيْهِ لا يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ حَتّى يَبْلُغَ إلَيْهِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ، كَأنَّهم شُبِّهَ اتِّصالُهم بِهِ وحِراسَتُهم إيّاهُ بِشَيْءٍ داخِلٍ في أجْزاءِ جِسْمٍ. وهَذا مِن جُمْلَةِ الحِفْظِ الَّذِي حَفِظَ اللَّهُ بِهِ ذِكْرَهُ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
والمُرادُ بِـ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ الكِنايَةُ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، ومِن تِلْكَ الكِنايَةِ يَنْتَقِلُ إلى كِنايَةٍ أُخْرى عَنِ السَّلامَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّحْرِيفِ.
صفحة ٢٥٠
والرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] . وانْتَصَبَ (رَصَدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ (يَسْلُكُ) .
ويَتَعَلَّقُ (لِيَعْلَمَ) بِقَوْلِهِ (يَسْلُكُ)، أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ لِيُبَلِّغَ الغَيْبَ إلى الرَّسُولِ كَما أرْسَلَ إلَيْهِ لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِمّا يَلْبِسُ عَلَيْهِ الوَحْيَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ أنَّ الرُّسُلَ أبْلَغُوا ما أُوحِيَ إلَيْهِمْ كَما بَعَثَهُ مِن دُونِ تَغْيِيرٍ، فَلَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ الوَحْيَ مُفَرَّعًا ومُسَبَّبًا عَنْ تَبْلِيغِ الوَحْيِ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، جُعِلَ المُسَبَّبَ عِلَّةً وأُقِيمَ مَقامَ السَّبَبِ إيجازًا في الكَلامِ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى وفْقِ ما وقَعَ، وهَذا كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ:
وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها
أيْ: لِيَظْهَرَ مَن هو شُجاعٌ ومَن هو جَبانٌ فَأعْلَمُ ذَلِكَ. وهَذِهِ العِلَّةُ هي المَقْصِدُ الأهَمُّ مِنِ اطِّلاعِ مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ عَلى الغَيْبِ، وذِكْرُ هَذِهِ العِلَّةِ لا يَقْتَضِي انْحِصارَ عِلَلِ الِاطِّلاعِ فِيها.
وجِيءَ بِضَمِيرِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ مُراعاةً لِلَفْظِ (رَسُولٍ)، ثُمَّ جِيءَ لَهُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨] مُراعاةً لِمَعْنى رَسُولٍ وهو الجِنْسُ، أيْ: الرُّسُلُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى السّابِقِ آنِفًا ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
والمُرادُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ اللَّهِ وأدَّوُا الأمانَةَ عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزاؤُهُمُ الجَزِيلُ.
وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] أنَّ الغَيْبَ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةَ هو الغَيْبُ المُتَعَلِّقُ بِالشَّرِيعَةِ وأُصُولِها مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ،؛ لِأنَّ الكَلامَ المُسْتَثْنى مِنهُ هو نَفْيُ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِقُرْبِ ما يُوعَدُونَ بِهِ أوْ بَعْدَهُ، وذَلِكَ مِن عَلائِقِ الجَزاءِ والبَعْثِ.
ويَلْحَقُ بِهِ ما يُوحى بِهِ إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا رُسُلًا؛ لِأنَّ ما يُوحى إلَيْهِمْ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لِشَرْعٍ سابِقٍ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ والحَوارِيِّينَ أوْ أنْ يَكُونَ لِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ مِثْلَ آدَمَ وأيُّوبَ.
واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِمُقْتَضٍ أنْ يُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى جَمِيعُ نَقائِضِ
صفحة ٢٥١
أحْوالِ الحُكْمِ الَّذِي لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، بَلْ قُصارى ما يَقْتَضِيهِ أنَّهُ كالنَّقْضِ في المُناظَرَةِ يَحْصُلُ بِإثْباتٍ جُزْئِيٍّ مِن جُزْئِيّاتِ ما نَفاهُ الكَلامُ المَنقُوصُ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ بِمُقْتَضٍ أنَّ الرَّسُولَ يَطَّلِعُ عَلى جَمِيعِ غَيْبِ اللَّهِ، وقَدْ بُيِّنَ النَّوْعُ المُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] .
وقَرَأ رُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨] نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ، والفاعِلُ المَحْذُوفُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا.
الجن 72:27
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيَ أمَدًا﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] كانَ المُشْرِكُونَ يُكْثِرُونَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَتى هَذا الوَعْدُ، وعَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها، وتَكَرَّرَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا﴾ [الجن: ٢٤] الآيَةَ، عَلِمَ أنَّهم سَيُعِيدُونَ ما اعْتادُوا قَوْلَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْ وقْتِ حُلُولِ الوَعِيدِ فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُعِيدَ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ مِن جَوابِهِ.
صفحة ٢٤٧
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِأنْ يَقُولَهُ جَوابٌ لِسُؤالِهِمُ المُقَدَّرِ.
والأمَدُ: الغايَةُ وأصْلُهُ في الأمْكِنَةِ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرٍ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ وجَعَلَ أمَدَها ثَنِيَّةَ الوَداعِ» أيْ: غايَةَ المُسابَقَةِ. ويُسْتَعارُ الأمَدُ لِمُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنَةٍ قالَ تَعالى ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] وهو كَذَلِكَ هُنا. ومُقابَلَتُهُ بِـ (قَرِيبٍ) يُفِيدُ أنَّ المَعْنى أمْ يَجْعَلُ لَهُ أمَدًا بَعِيدًا.
وجُمْلَةُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةَ.
وعالِمُ الغَيْبِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ رَبِّي. وهَذا الحَذْفُ مِن قَبِيلِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَذْفًا اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ إذا كانَ الكَلامُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى ذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وصِفاتِهِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، إذا اسْتَتَرَ وخَفِيَ عَنِ الأنْظارِ، وتَعْرِيفُهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
وإضافَةُ صِفَةِ عالِمٍ إلى الغَيْبِ تُفِيدُ العِلْمَ بِكُلِّ الحَقائِقِ المُغَيَّبَةِ سَواءٌ كانَتْ ماهِيّاتٍ أوْ أفْرادًا فَيَشْمَلُ المَعْنى المَصْدَرِيَّ لِلْغَيْبِ مِثْلَ عِلْمِ اللَّهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، ويَشْمَلُ الأُمُورَ الغائِبَةَ بِذاتِها مِثْلَ المَلائِكَةِ والجِنِّ. ويَشْمَلُ الذَّواتِ المُغَيَّبَةِ عَنْ عِلْمِ النّاسِ مِثْلَ الوَقائِعِ المُسْتَقْبَلَةِ الَّتِي يُخْبَرُ عَنْها أوِ الَّتِي لا يُخْبَرُ عَنْها، فَإيثارُ المَصْدَرِ هُنا؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ لِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ مَعَ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُقَدَّرِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ لا أنا.
وفُرِّعَ عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ جُمْلَةُ ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ، والحُكْمُ المُفَرَّعِ إتْمامٌ لِلتَّعْلِيلِ وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِ عَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى غَيْبِهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾: لا يُطْلِعُ ولا يُنْبِئُ بِهِ، وهو أقْوى مِن
صفحة ٢٤٨
(يَطَّلِعُ)؛ لِأنَّ (يُظْهِرُ) جاءَ مِنَ الظُّهُورِ وهو المُشاهَدَةُ، ولِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُطْلِعُ، عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) .
ووُقُوعُ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ، وكَذَلِكَ وُقُوعُ مَفْعُولِهِ وهو نَكِرَةٌ في حَيِّزِهِ يُفِيدُ العُمُومَ.
وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] فَهو اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ.
واسْتُثْنِيَ مِن هَذا النَّفْيِ مَنِ ارْتَضاهُ لِيُطْلِعَهُ عَلى بَعْضِ الغَيْبِ، أيْ: عَلى غَيْبٍ أرادَ إظْهارَهُ مِنَ الوَحْيِ فَإنَّهُ مِن غَيْبِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ ما أرادَ اللَّهُ أنْ يُؤَيِّدَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِن إخْبارٍ بِما سَيَحْدُثُ، أوْ إطْلاعٍ عَلى ضَمائِرِ بَعْضِ النّاسِ.
فَقَوْلُهُ ارْتَضى: مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ (أحَدًا) . والتَّقْدِيرُ: إلّا أحَدًا ارْتَضاهُ، أيْ: اخْتارَهُ لِلِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغَيْبِ لِحِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ تَعالى.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الخَبَرِ، أيْ: يُطْلِعُ اللَّهُ بَعْضَ رُسُلِهِ لِأجْلِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ الرِّسالَةِ إلى النّاسِ، فَيُعْلَمُ مِن هَذا الإيمانِ أنَّ الغَيْبَ الَّذِي يُطْلِعُ اللَّهُ عَلَيْهِ الرُّسُلَ هو مِن نَوْعِ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالرِّسالَةِ، وهو غَيْبٌ ما أرادَ اللَّهُ إبْلاغَهُ إلى الخَلْقِ أنْ يَعْتَقِدُوهُ أوْ يَفْعَلُوهُ، وما لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، أوْ أُمُورِ الدُّنْيا، وما يُؤَيِّدُ بِهِ الرُّسُلَ عَنِ الإخْبارِ بِأُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢] .
والمُرادُ بِهَذا الإطْلاعُ المُحَقَّقُ المُفِيدُ عِلْمًا كَعِلْمِ المُشاهَدَةِ. فَلا تَشْمَلُ الآيَةُ ما قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الصّالِحِينَ مِن شَرْحِ صَدْرٍ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ، فَفي الحَدِيثِ («الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ، أوْ بِالإلْهامِ» ) قالَ النَّبِيءُ ﷺ «قَدْ كانَ يَكُونُ في الأُمَمِ قَبْلَكم مُحَدَّثُونَ فَإنْ يَكُنْ في أُمَّتِي مِنهم أحَدٌ فَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ مِنهم» رَواهُ مُسْلِمٌ. قالَ مُسْلِمٌ: قالَ ابْنُ وهْبٍ: تَفْسِيرُ (مُحَدَّثُونَ): مُلْهَمُونَ.
وقَدْ قالَ مالِكٌ في الرُّؤْيا الحَسَنَةِ: إنَّها تَسُرُّ ولا تَغُرُّ، يُرِيدُ لِأنَّها قَدْ يَقَعُ الخَطَأُ في تَأْوِيلِها.
صفحة ٢٤٩
و﴿مِن رَسُولٍ﴾ بَيانٌ لِإبْهامِ (مَن) المَوْصُولَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّ ماصَدَقَ (مَن) جَماعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ، أيْ: إلّا الرُّسُلَ الَّذِينَ ارْتَضاهم، أيْ: اصْطَفاهم.
وشَمَلَ (رَسُولٍ) كُلَّ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَشْمَلُ المَلائِكَةَ المُرْسَلِينَ إلى الرُّسُلِ بِإبْلاغِ وحْيٍ إلَيْهِمْ مِثْلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وشَمَلَ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ المُرْسَلِينَ إلى النّاسِ بِإبْلاغِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِن شَرِيعَةٍ أوْ غَيْرِها مِمّا بِهِ صَلاحُهم.
وهُنا أرْبَعَةُ ضَمائِرِ غَيْبَةٍ:
الأوَّلُ ضَمِيرُ (فَإنَّهُ) وهو عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (يَسْلُكُ) وهو لا مَحالَةَ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى كَما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (فَإنَّهُ) .
والثّالِثُ والرّابِعُ ضَمِيرا ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، وهُما عائِدانِ إلى (رَسُولٍ) أيْ: فَإنَّ اللَّهَ يَسْلُكُ، أيْ: يُرْسِلُ لِلرَّسُولِ رَصَدًا مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا، أيْ: مَلائِكَةٌ يَحْفَظُونَ الرَّسُولَ ﷺ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ ما يَخْلِطُ عَلَيْهِ ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن غَيْبِهِ.
والسَّلْكُ حَقِيقَتُهُ: الإدْخالُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وأُطْلِقَ السَّلْكُ عَلى الإيصالِ المُباشِرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالدُّخُولِ في الشَّيْءِ بِحَيْثُ لا مَصْرِفَ لَهُ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ (﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]) أيْ: يُرْسِلُ إلَيْهِ مَلائِكَةً مُتَّجِهِينَ إلَيْهِ لا يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ حَتّى يَبْلُغَ إلَيْهِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ، كَأنَّهم شُبِّهَ اتِّصالُهم بِهِ وحِراسَتُهم إيّاهُ بِشَيْءٍ داخِلٍ في أجْزاءِ جِسْمٍ. وهَذا مِن جُمْلَةِ الحِفْظِ الَّذِي حَفِظَ اللَّهُ بِهِ ذِكْرَهُ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
والمُرادُ بِـ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ الكِنايَةُ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، ومِن تِلْكَ الكِنايَةِ يَنْتَقِلُ إلى كِنايَةٍ أُخْرى عَنِ السَّلامَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّحْرِيفِ.
صفحة ٢٥٠
والرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] . وانْتَصَبَ (رَصَدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ (يَسْلُكُ) .
ويَتَعَلَّقُ (لِيَعْلَمَ) بِقَوْلِهِ (يَسْلُكُ)، أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ لِيُبَلِّغَ الغَيْبَ إلى الرَّسُولِ كَما أرْسَلَ إلَيْهِ لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِمّا يَلْبِسُ عَلَيْهِ الوَحْيَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ أنَّ الرُّسُلَ أبْلَغُوا ما أُوحِيَ إلَيْهِمْ كَما بَعَثَهُ مِن دُونِ تَغْيِيرٍ، فَلَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ الوَحْيَ مُفَرَّعًا ومُسَبَّبًا عَنْ تَبْلِيغِ الوَحْيِ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، جُعِلَ المُسَبَّبَ عِلَّةً وأُقِيمَ مَقامَ السَّبَبِ إيجازًا في الكَلامِ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى وفْقِ ما وقَعَ، وهَذا كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ:
وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها
أيْ: لِيَظْهَرَ مَن هو شُجاعٌ ومَن هو جَبانٌ فَأعْلَمُ ذَلِكَ. وهَذِهِ العِلَّةُ هي المَقْصِدُ الأهَمُّ مِنِ اطِّلاعِ مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ عَلى الغَيْبِ، وذِكْرُ هَذِهِ العِلَّةِ لا يَقْتَضِي انْحِصارَ عِلَلِ الِاطِّلاعِ فِيها.
وجِيءَ بِضَمِيرِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ مُراعاةً لِلَفْظِ (رَسُولٍ)، ثُمَّ جِيءَ لَهُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨] مُراعاةً لِمَعْنى رَسُولٍ وهو الجِنْسُ، أيْ: الرُّسُلُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى السّابِقِ آنِفًا ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
والمُرادُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ اللَّهِ وأدَّوُا الأمانَةَ عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزاؤُهُمُ الجَزِيلُ.
وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] أنَّ الغَيْبَ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةَ هو الغَيْبُ المُتَعَلِّقُ بِالشَّرِيعَةِ وأُصُولِها مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ،؛ لِأنَّ الكَلامَ المُسْتَثْنى مِنهُ هو نَفْيُ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِقُرْبِ ما يُوعَدُونَ بِهِ أوْ بَعْدَهُ، وذَلِكَ مِن عَلائِقِ الجَزاءِ والبَعْثِ.
ويَلْحَقُ بِهِ ما يُوحى بِهِ إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا رُسُلًا؛ لِأنَّ ما يُوحى إلَيْهِمْ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لِشَرْعٍ سابِقٍ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ والحَوارِيِّينَ أوْ أنْ يَكُونَ لِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ مِثْلَ آدَمَ وأيُّوبَ.
واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِمُقْتَضٍ أنْ يُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى جَمِيعُ نَقائِضِ
صفحة ٢٥١
أحْوالِ الحُكْمِ الَّذِي لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، بَلْ قُصارى ما يَقْتَضِيهِ أنَّهُ كالنَّقْضِ في المُناظَرَةِ يَحْصُلُ بِإثْباتٍ جُزْئِيٍّ مِن جُزْئِيّاتِ ما نَفاهُ الكَلامُ المَنقُوصُ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ بِمُقْتَضٍ أنَّ الرَّسُولَ يَطَّلِعُ عَلى جَمِيعِ غَيْبِ اللَّهِ، وقَدْ بُيِّنَ النَّوْعُ المُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] .
وقَرَأ رُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨] نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ، والفاعِلُ المَحْذُوفُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا.
الجن 72:28
﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ الواوُ واوُ الحالِ أوِ اعْتِراضِيَّةٌ؛ لِأنَّ مَضْمُونَها تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾، أيْ: أحاطَ بِجَمِيعِ ما لَدى الرُّسُلِ مِن تَبْلِيغٍ وغَيْرِهِ، وأحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا عَدا ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ ما قَبْلَهُ بِعِلْمِهِ بِتَبْلِيغِهِمْ ما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ تَعْمِيمٌ أشْمَلُ بَعْدَ تَعْمِيمٍ ما.
وعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالإحْصاءِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِعِلْمِ الأشْياءِ بِمَعْرِفَةِ الأعْدادِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ الأعْدادِ أقْوى، وقَوْلُهُ (عَدَدًا) تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ.
والعَدَدُ: بِالفَكِّ اسْمٌ لِمَعْدُودٍ، وبِالإدْغامِ مَصْدَرُ عَدَّ، فالمَعْنى هُنا: وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ مَعْدُودًا، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَدَّهم عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] . وفَرَّقَ العَرَبُ بَيْنَ المَصْدَرِ والمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ أوْغَلُ في الِاسْمِيَّةِ مِنَ المَصْدَرِ فَهو أبْعَدُ عَنِ الإدْغامِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الإدْغامِ لِلْأفْعالِ.
* * *
صفحة ٢٥٢
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
لَيْسَ لِهَذِهِ السُّورَةِ إلّا اسْمُ (سُورَةِ المُزَّمِّلِ) عُرِفَتْ بِالإضافَةِ لِهَذا اللَّفْظِ الواقِعِ في أوَّلِها، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ حِكايَةُ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مَوْصُوفًا بِالحالِ الَّذِي نُودِيَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] .
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي في قَوْلِ الجُمْهُورِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى نَهايَةِ السُّورَةِ فَذَلِكَ مَدَنِيٌّ. وحَكى القُرْطُبِيُّ مِثْلَ هَذا عَنِ الثَّعْلَبِيِّ.
وقالَ في الإتْقانِ: إنَّ اسْتِثْناءَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ يَرُدُّهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ، وذَلِكَ حِينَ فُرِضَ قِيامُ اللَّيْلِ في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ اهـ.
صفحة ٢٥٣
يَعْنِي وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَكَّةَ، أيْ: فَتَكُونُ السُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةً فَتَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] أُمِرَ بِهِ في مَكَّةَ.
والرِّواياتُ تَظاهَرَتْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ مَفْصُولًا عَنْ نُزُولِ ما قَبْلَهُ بِمُدَّةٍ مُخْتَلَفٍ في قَدْرِها، فَقالَتْ عائِشَةُ: نَزَلَ بَعْدَ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ. ومِثْلُهُ رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَ صَدْرُ السُّورَةِ بِمَكَّةَ ونَزَلَ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِها بِالمَدِينَةِ، أيْ: بَعْدَ نُزُولِ أوَّلِها بِسِنِينَ.
فالظّاهِرُ أنَّ الأصَحَّ أنَّ نُزُولَ (إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ) إلى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إنْباءً بِمُغَيَّبٍ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ.
ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ يا أيُّها المُزَّمِّلُ، مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى هَذا الحالِ عَشْرَ سِنِينَ يَقُومُ اللَّيْلَ كَما أمَرَهُ اللَّهُ، وكانَتْ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ يَقُومُونَ مَعَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] اهـ، أيْ: نَزَلَتِ الآياتُ الأخِيرَةُ في المَدِينَةِ بِناءً عَلى أنَّ مُقامَ النَّبِيءِ ﷺ بِمَكَّةَ كانَ عَشْرَ سِنِينَ، وهو قَوْلٌ جَمٌّ غَفِيرٌ.
والرِّواياتُ عَنْ عائِشَةَ مُضْطَرِبَةٌ بَعْضُها يَقْتَضِي أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ وأنَّ صَدْرَها نَزَلَ قَبْلَ آخِرِها بِسَنَةٍ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلاةِ وهو ما رَواهُ الحاكِمُ في نَقْلِ صاحِبِ الإتْقانِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ، وبَعْضُ الرِّواياتِ يَقُولُ فِيها: إنَّها كانَتْ تَفْرِشُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرًا فَصَلّى عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ فَتَسامَعَ النّاسُ فاجْتَمَعُوا فَخَرَجَ مُغْضَبًا وخَشِيَ أنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِمْ قِيامُ اللَّيْلِ ونَزَلَ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] فَكُتِبَتْ عَلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ الفَرِيضَةِ ومَكَثُوا عَلى ذَلِكَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ وضَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، فَأنْزَلَ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، فَرَدَّهم إلى الفَرِيضَةِ ووَضَعَ عَنْهُمُ النّافِلَةَ. وهَذا ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدَيْنِ إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ، وهو يَقْتَضِي أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَبْنِ بِعائِشَةَ إلّا في المَدِينَةِ، ولِأنَّ قَوْلَها ”فَخَرَجَ مُغْضَبًا“ يَقْتَضِي أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْتِهِ المُفْضِي إلى مَسْجِدِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أخْبارٌ تُثْبِتُ قِيامَ اللَّيْلِ في مَسْجِدِهِ.
صفحة ٢٥٤
ولَعَلَّ سَبَبَ هَذا الِاضْطِرابِ اخْتِلاطٌ في الرِّوايَةِ بَيْنَ فَرْضِ قِيامِ اللَّيْلِ وبَيْنَ التَّرْغِيبِ فِيهِ.
ونَسَبَ القُرْطُبِيُّ إلى تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ قالَ: قالَ النَّخَعِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] كانَ النَّبِيءُ ﷺ مُتَزَمِّلًا بِقَطِيفَةِ عائِشَةَ، وهي مِرْطٌ نِصْفُهُ عَلَيْها وهي نائِمَةٌ ونِصْفُهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وهو يُصَلِّي اهـ، وإنَّما بَنى النَّبِيءُ ﷺ بِعائِشَةَ في المَدِينَةِ، فالَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ لا مَحالَةَ كَما سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ سِنِينَ مِن نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ ناسِخًا لِوُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ وأنَّهُ ناسِخٌ لِوُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وأنَّ ما رَوَوْهُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ أوَّلَ ما فُرِضَ قِيامُ اللَّيْلِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلاةِ غَرِيبٌ.
وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ الماوَرْدِيِّ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إنَّ آيَتَيْنِ، وهُما ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ.
واخْتُلِفَ في عَدِّ هَذِهِ السُّورَةِ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، والأصَحُّ الَّذِي تَضافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ سُورَةُ العَلَقِ واخْتُلِفَ فِيما نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ العَلَقِ، فَقِيلَ: سُورَةُ (ن والقَلَمِ)، وقِيلَ نَزَلَ بَعْدَ العَلَقِ سُورَةُ المُدَّثِّرِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ الأرْجَحُ ثُمَّ قِيلَ نَزَلَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ بَعْدَ القَلَمِ فَتَكُونُ ثالِثَةً. وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُدَّثِّرَ هي الثّانِيَةُ. يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ القَلَمُ ثالِثَةً والمُزَّمِّلُ رابِعَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المُزَّمِّلُ هي الثّالِثَةَ والقَلَمُ رابِعَةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُدَّثِّرَ نَزَلَتْ قَبْلَ المُزَّمِّلِ، وهو ظاهِرُ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ في بَدْءِ الوَحْيِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]) .
والأصَحُّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]) ما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]) الآيَةَ.
وعُدَّتْ آيُها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ ثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً، وفي عَدِّ أهْلِ البِصْرَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، وفي عَدِّ مَن عَداهم عِشْرُونَ.
* * *
أغْراضُها
الإشْعارُ بِمُلاطَفَةِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ بِنِدائِهِ بِوَصْفِهِ بِصِفَةِ تَزَمُّلِهِ.
صفحة ٢٥٥
واشْتَمَلَتْ عَلى الأمْرِ بِقِيامِ النَّبِيءِ ﷺ غالِبَ اللَّيْلِ، والثَّناءِ عَلى طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَمَلُوا أنْفُسَهم عَلى قِيامِ اللَّيْلِ.
وعَلى تَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ بِتَحَمُّلِ إبْلاغِ الوَحْيِ.
والأمْرِ بِإدامَةِ إقامَةِ الصَّلاةِ وأداءِ الزَّكاةِ وإعْطاءِ الصَّدَقاتِ.
وأمْرِهِ بِالتَّمَحُّضِ لِلْقِيامِ بِما أمَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ وبِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
وأمْرِهِ بِالإعْراضِ عَنْ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ.
وتَكَفُّلِ اللَّهِ لَهُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وأنَّ جَزاءَهم بِيَدِ اللَّهِ.
والوَعِيدِ لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ.
ووَعْظِهِمْ مِمّا حَلَّ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ لَمّا كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.
وذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ ووَصْفِ أهْوالِهِ.
ونَسْخِ قِيامِ مُعْظَمِ اللَّيْلِ بِالِاكْتِفاءِ بِقِيامِ بَعْضِهِ رَعْيًا لِلْأعْذارِ المُلازِمَةِ.
والوَعْدِ بِالجَزاءِ العَظِيمِ عَلى أفْعالِ الخَيْراتِ.
والمُبادَرَةِ بِالتَّوْبَةِ، وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أدَبُ قِراءَةِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ.
وأنَّ أعْمالَ النَّهارِ لا يُغْنِي عَنْها قِيامُ اللَّيْلِ.
وفِي هَذِهِ السُّورَةِ مَواضِعُ عَوِيصَةٌ وأسالِيبُ غامِضَةٌ فَعَلَيْكَ تَدَبُّرَها.
المزمل 73:1
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوُ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] افْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ إذا كانَ المُخاطَبُ واحِدًا ولَمْ يَكُنْ بَعِيدًا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِ مِن كَلامٍ.
والأصْلُ في النِّداءِ أنْ يَكُونَ بِاسْمِ المُنادى العَلَمِ إذا كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ فَلا يُعْدَلُ مِنَ الِاسْم العَلَمِ إلى غَيْرِهِ مِن وصْفٍ أوْ إضافَةٍ إلّا لِغَرَضٍ يَقْصِدُهُ البُلَغاءُ مِن تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ نَحْوَ (يا أيُّها النَّبِيءُ)، أوْ تَلَطُّفٍ وتَقَرُّبٍ نَحْوَ: يا بُنَيَّ ويا أبَتِ، أوْ قَصْدِ تَهَكُّمٍ نَحْوَ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإذا نُودِيَ
صفحة ٢٥٦
المُنادى بِوَصْفِ هَيْئَتِهِ مِن لِبْسَةٍ أوْ جِلْسَةٍ أوْ ضِجْعَةٍ كانَ المَقْصُودُ في الغالِبِ التَّلَطُّفَ بِهِ والتَّحَبُّبَ إلَيْهِ ولِهَيْئَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وقَدْ وجَدَهُ مُضْطَجِعًا في المَسْجِدِ وقَدْ عَلَقَ تُرابُ المَسْجِدِ بِجَنْبِهِ «قُمْ أبا تُرابٍ» وقَوْلُهُ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ يَوْمَ الخَنْدَقِ «قُمْ يا نَوْمانُ» وقَوْلُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ الدَّوْسِيِّ وقَدْ رَآهُ حامِلًا هِرَّةً صَغِيرَةً في كُمِّهِ (يا أبا هُرَيْرَةَ) .
فَنِداءُ النَّبِيءِ بِـ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾) نِداءُ تَلَطُّفٍ وارْتِفاقٍ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]) .
والمُزَّمِّلُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن تَزَمَّلَ، إذا تَلَفَّفَ بِثَوْبِهِ كالمَقْرُورِ، أوْ مُرِيدِ النَّوْمِ، وهو مِثْلُ التَّدَثُّرِ في مَآلِ المَعْنى، وإنْ كانَ بَيْنَهُما اخْتِلافٌ في أصْلِ الِاشْتِقاقِ، فالتَّزَمُّلُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى التَّلَفُّفِ، والتَّدَثُّرُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى اتِّخاذِ الدِّثارِ لِلتَّدَفُّؤِ. وأصْلُ التَّزَمُّلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّمْلِ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهو الإخْفاءُ، ولا يُعْرَفُ لِـ (تَزَمَّلَ) فِعْلٌ مُجَرَّدٌ في مَعْناهُ فَهو مِنَ التَّفَعُّلِ الَّذِي تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى التَّكَلُّفِ لِلْفِعْلِ، وأُرِيدَ في إطْلاقِهِ مَعْنى شِدَّةِ التَّلَبُّسِ، وكَثُرَ مِثْلُ هَذا في الِاشْتِمالِ عَلى اللِّباسِ، فَمِنهُ التَّزَمُّلُ ومِنهُ التَّعَمُّمُ والتَّأزُّرُ والتَّقَمُّصُ، ورُبَّما صاغُوا لَهُ صِيغَةَ الِافْتِعالِ مِثْلَ: ارْتَدى وائْتَزَرَ.
وأصْلُ المُزَّمِّلِ: المُتَزَمِّلُ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ بَعْدَ قَلْبِها زايًا لِتَقارُبِهِما.
وهَذا التَّزَمُّلُ الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ قالَ الزُّهْرِيُّ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ التَّزَمُّلُ الَّذِي جَرى في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ ”«زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» “ حِينَ نَزَلَ مِن غارِ حِراءَ بَعْدَ أنْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الآياتِ، كَما في حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ في كِتابِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ في ذَلِكَ الحَدِيثِ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ حِينَئِذٍ، وعَلَيْهِ فَهو حَقِيقَةٌ.
وقِيلَ هو ما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ فَقالُوا: سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النّاسُ عَنْهُ - أيْ: صِفُوهُ وصْفًا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ النّاسُ - فَقالُوا: كاهِنٌ، وقالُوا: مَجْنُونٌ، وقالُوا: ساحِرٌ، فَصَدَرَ المُشْرِكُونَ عَلى وصْفِهِ بِـ (ساحِرٍ) فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَحَزِنَ وتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾) (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر»: ١]) .
وسَيَأْتِي في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها رُؤْيَتُهُ المَلَكَ جالِسًا عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ
صفحة ٢٥٧
السَّماءِ والأرْضِ فَرَجَعَ إلى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤادُهُ فَقالَ ”دَثِّرُونِي“ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ سَبَبَ نِدائِهِ بِـ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ كانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”زَمِّلُونِي“ فَذَلِكَ عِنْدَما اغْتَمَّ مِن وصْفِ المُشْرِكِينَ إيّاهُ بِالجُنُونِ وأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ سَبَبِ نِدائِهِ بِـ (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]) في سُورَةِ المُدَّثِّرِ.
وقِيلَ: هو تَزَمُّلٌ لِلِاسْتِعْدادِ لِلصَّلاةِ فَنُودِيَ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنِ الضَّحّاكِ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
ومَحْمَلُها عَلى أنَّ التَّزَمُّلَ حَقِيقَةٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ زَمَّلْتُ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ، يُرِيدُ أمْرَ النُّبُوءَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] تَحْرِيضًا عَلى اسْتِفْراغِ جُهْدِهِ في القِيامِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ في جَمِيعِ الأزْمانِ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ إلّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ وهو ما يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِنَ الهُجُوعِ فِيهِ. ومَحْمَلُ التَّزَمُّلِ عِنْدَهُ عَلى المَجازِ.
فَإذا كانَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ قَدْ أُنْزِلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنِ ابْتَدَأ رَسُولَهُ بِالوَحْيِ بِصَدْرِ سُورَةِ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ سُورَةَ القَلَمِ لِدَحْضِ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ فِيهِ الَّتِي دَبَّرَها الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ مَجْنُونٌ.
أنْزَلَ عَلَيْهِ التَّلَطُّفَ بِهِ عَلى تَزَمُّلِهِ بِثِيابِهِ لِما اعْتَراهُ مِنَ الحُزْنِ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْهُ بِقِيامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ فَلَمّا رَأى المَلَكَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِحِراءَ تَدَثَّرَ مِن شِدَّةِ وقْعِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] .
فَنِداءُ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ المُزَّمِّلِ بِاعْتِبارِ حالَتِهِ وقْتَ نِدائِهِ ولَيْسَ المُزَّمِّلُ مَعْدُودًا مِن أسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ، قالَ السُّهَيْلِيُّ: ولَمْ يُعْرَفْ بِهِ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى عَدِّهِ مِن أسْمائِهِ.
وفِعْلُ (قُمْ) مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ؛ لِأنَّ القِيامَ مُرادٌ بِهِ الصَّلاةُ، فَهَذا القِيامُ مُغايِرٌ لِلْقِيامِ المَأْمُورِ بِهِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ بِقَوْلِهِ (﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]) فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى الشُّرُوعِ كَما يَأْتِي هُنالِكَ.
واللَّيْلُ: زَمَنُ الظُّلْمَةِ مِن بَعْدِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ. وانْتَصَبَ اللَّيْلُ عَلى
صفحة ٢٥٨
الظَّرْفِيَّةِ فاقْتَضى الأمْرُ بِالصَّلاةِ في جَمِيعِ وقْتِ اللَّيْلِ، ويُعْلَمُ اسْتِثْناءُ أوْقاتِ قَضاءِ الضَّرُوراتِ مِن إغْفاءٍ بِالنَّوْمِ ونَحْوِهِ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ.
وقِيامُ اللَّيْلِ لَقَبٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لِلصَّلاةِ فِيهِ ما عَدا صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ ورَواتِبِهِما.
وأمْرُ الرَّسُولِ بِقِيامِ اللَّيْلِ أمْرُ إيجابٍ وهو خاصٌّ بِهِ؛ لِأنَّ الخِطابَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ وحْدَهُ مِثْلَ السُّوَرِ الَّتِي سَبَقَتْ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا قِيامُ اللَّيْلِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُمُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِالرَّسُولِ ﷺ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، قالَ الجُمْهُورُ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ في أوْقاتِ النَّهارِ واللَّيْلِ ولَعَلَّ حِكْمَةَ هَذا القِيامِ الَّذِي فُرِضَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في صَدْرِ رِسالَتِهِ هو أنْ تَزْدادَ بِهِ سَرِيرَتُهُ زَكاءً يُقَوِّي اسْتِعْدادَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ حَتّى لا يُحْرِجَهُ الوَحْيُ كَما ضَغَطَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ «فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ قالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» الحَدِيثَ، ويَدُلُّ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] .
وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قُبَيْلَ بَعْثَتِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالَّذِي ألْهَمَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ يَجْدُرُ بِأنْ يَأْمُرَهُ بِهِ بَعْدَ أنْ أوْحى إلَيْهِ فَلا يَبْقى فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ لِعِبادَةٍ، ولِهَذا نُرَجِّحُ أنَّ قِيامَ اللَّيْلِ فُرِضَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلَيْهِ وعَلى الأُمَّةِ.
وقَدِ اسْتَمَرَّ وُجُوبُ قِيامِ اللَّيْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ بِكَثْرَةِ الإقْبالِ عَلى مُناجاةِ رَبِّهِ في وقْتِ فَراغِهِ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ وتَدْبِيرِ شُئُونِ المُسْلِمِينَ وهو وقْتُ اللَّيْلِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، أيْ: زِيادَةَ قُرْبٍ لَكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. فَكانَ هَذا حُكْمًا خاصًّا بِالنَّبِيءِ ﷺ، وقَدْ ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ في بابِ خَصائِصِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلى غَيْرِهِ ولَمْ تُفْرَضْ عَلى المُسْلِمِينَ صَلاةٌ قَبْلَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وإنَّما كانَ المُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِفِعْلِ النَّبِيءِ ﷺ وهو يُقِرُّهم عَلى ذَلِكَ فَكانُوا يَرَوْنَهُ لِزامًا عَلَيْهِمْ، وقَدْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، وسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ
صفحة ٢٥٩
قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقامَ النَّبِيءُ وأصْحابُهُ، عَلى أنَّهُ لا خِلافَ في رَفْعِ فَرْضِ القِيامِ عَنِ المُسْلِمِينَ. وتَقَرَّرَ أنَّهُ مَندُوبٌ فِيهِ. واخْتُلِفَ في اسْتِمْرارِ وُجُوبِهِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولا طائِلَ وراءَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ أوْ عَدَمِهِ.
وقَوْلُهُ إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهُ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ إيجابُ القِيامِ عَلَيْهِ بِأوْقاتِ اللَّيْلِ كُلِّها.
و(نِصْفَهُ) بَدَلٌ مِن (قَلِيلًا) بَدَلًا مُطابِقًا وهو تَبْيِينٌ لِإجْمالِ (قَلِيلًا) فَجَعَلَ القَلِيلَ هُنا النِّصْفَ أوْ أقَلَّ مِنهُ بِقَلِيلٍ.
وفائِدَةُ هَذا الإجْمالِ الإيماءُ إلى أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ القِيامُ أكْثَرَ مِن مُدَّةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وأنَّ جَعْلَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ رَحْمَةٌ ورُخْصَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ أيْ: انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا، فَيَكُونُ زَمَنُ قِيامِ اللَّيْلِ أقَلَّ مِن نِصْفِهِ، وهو حِينَئِذٍ قَلِيلٌ فَهو رُخْصَةٌ في الرُّخْصَةِ.
وقالَ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] وهو عَوْدٌ إلى التَّرْغِيبِ في أنْ تَكُونَ مُدَّةُ القِيامِ أكْثَرَ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ (وزِدْ عَلَيْهِ) بِمِثْلِ ما قَيَّدَ بِهِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ لِتَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى النِّصْفِ مُتَّسِعَةً، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أخَذَ بِالعَزِيمَةِ فَقامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، وقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ فَقالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» .
والتَّخْيِيرُ المُسْتَفادُ مِن حَرْفِ (أوْ) مَنظُورٌ فِيهِ إلى تَفاوُتِ اللَّيالِي بِالطُّولِ والقِصَرِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ ارْتِباطًا بِسَعَةِ النَّهارِ لِلْعَمَلِ ولِأخْذِ الحَظِّ الفائِتِ مِنَ النَّوْمِ.
وبَعْدُ، فَذَلِكَ تَوْسِيعٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِرَفْعِ حَرَجِ تَحْدِيدِهِ لِزَمَنِ القِيامِ، فَسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ التَّقْرِيبِ.
وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ اللَّيْلَ اسْمَ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ اللَّيالِي، وأنَّ المَعْنى: إلّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيالِي، وهي اللَّيالِي الَّتِي يَكُونُ فِيها عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِن قِيامِها، أيْ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيالِي بِاعْتِبارِ جُزْئِيّاتِها لا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ، ثُمَّ قالَ (نِصْفَهُ) إلى آخِرِهِ.
وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالصَّلاةِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ النَّوْمِ عادَةً، فَأمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِالقِيامِ فِيهِ زِيادَةٌ في إشْغالِ أوْقاتِهِ بِالإقْبالِ عَلى مُناجاةِ اللَّهِ، ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ سُكُونِ
صفحة ٢٦٠
الأصْواتِ واشْتِغالِ النّاسِ، فَتَكُونُ نَفْسُ القائِمِ فِيهِ أقْوى اسْتِعْدادًا لِتَلَقِّي الفَيْضِ الرَّبّانِيِّ.
المزمل 73:2
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوُ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] افْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ إذا كانَ المُخاطَبُ واحِدًا ولَمْ يَكُنْ بَعِيدًا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِ مِن كَلامٍ.
والأصْلُ في النِّداءِ أنْ يَكُونَ بِاسْمِ المُنادى العَلَمِ إذا كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ فَلا يُعْدَلُ مِنَ الِاسْم العَلَمِ إلى غَيْرِهِ مِن وصْفٍ أوْ إضافَةٍ إلّا لِغَرَضٍ يَقْصِدُهُ البُلَغاءُ مِن تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ نَحْوَ (يا أيُّها النَّبِيءُ)، أوْ تَلَطُّفٍ وتَقَرُّبٍ نَحْوَ: يا بُنَيَّ ويا أبَتِ، أوْ قَصْدِ تَهَكُّمٍ نَحْوَ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإذا نُودِيَ
صفحة ٢٥٦
المُنادى بِوَصْفِ هَيْئَتِهِ مِن لِبْسَةٍ أوْ جِلْسَةٍ أوْ ضِجْعَةٍ كانَ المَقْصُودُ في الغالِبِ التَّلَطُّفَ بِهِ والتَّحَبُّبَ إلَيْهِ ولِهَيْئَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وقَدْ وجَدَهُ مُضْطَجِعًا في المَسْجِدِ وقَدْ عَلَقَ تُرابُ المَسْجِدِ بِجَنْبِهِ «قُمْ أبا تُرابٍ» وقَوْلُهُ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ يَوْمَ الخَنْدَقِ «قُمْ يا نَوْمانُ» وقَوْلُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ الدَّوْسِيِّ وقَدْ رَآهُ حامِلًا هِرَّةً صَغِيرَةً في كُمِّهِ (يا أبا هُرَيْرَةَ) .
فَنِداءُ النَّبِيءِ بِـ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾) نِداءُ تَلَطُّفٍ وارْتِفاقٍ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]) .
والمُزَّمِّلُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن تَزَمَّلَ، إذا تَلَفَّفَ بِثَوْبِهِ كالمَقْرُورِ، أوْ مُرِيدِ النَّوْمِ، وهو مِثْلُ التَّدَثُّرِ في مَآلِ المَعْنى، وإنْ كانَ بَيْنَهُما اخْتِلافٌ في أصْلِ الِاشْتِقاقِ، فالتَّزَمُّلُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى التَّلَفُّفِ، والتَّدَثُّرُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى اتِّخاذِ الدِّثارِ لِلتَّدَفُّؤِ. وأصْلُ التَّزَمُّلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّمْلِ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهو الإخْفاءُ، ولا يُعْرَفُ لِـ (تَزَمَّلَ) فِعْلٌ مُجَرَّدٌ في مَعْناهُ فَهو مِنَ التَّفَعُّلِ الَّذِي تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى التَّكَلُّفِ لِلْفِعْلِ، وأُرِيدَ في إطْلاقِهِ مَعْنى شِدَّةِ التَّلَبُّسِ، وكَثُرَ مِثْلُ هَذا في الِاشْتِمالِ عَلى اللِّباسِ، فَمِنهُ التَّزَمُّلُ ومِنهُ التَّعَمُّمُ والتَّأزُّرُ والتَّقَمُّصُ، ورُبَّما صاغُوا لَهُ صِيغَةَ الِافْتِعالِ مِثْلَ: ارْتَدى وائْتَزَرَ.
وأصْلُ المُزَّمِّلِ: المُتَزَمِّلُ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ بَعْدَ قَلْبِها زايًا لِتَقارُبِهِما.
وهَذا التَّزَمُّلُ الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ قالَ الزُّهْرِيُّ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ التَّزَمُّلُ الَّذِي جَرى في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ ”«زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» “ حِينَ نَزَلَ مِن غارِ حِراءَ بَعْدَ أنْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الآياتِ، كَما في حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ في كِتابِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ في ذَلِكَ الحَدِيثِ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ حِينَئِذٍ، وعَلَيْهِ فَهو حَقِيقَةٌ.
وقِيلَ هو ما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ فَقالُوا: سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النّاسُ عَنْهُ - أيْ: صِفُوهُ وصْفًا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ النّاسُ - فَقالُوا: كاهِنٌ، وقالُوا: مَجْنُونٌ، وقالُوا: ساحِرٌ، فَصَدَرَ المُشْرِكُونَ عَلى وصْفِهِ بِـ (ساحِرٍ) فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَحَزِنَ وتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾) (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر»: ١]) .
وسَيَأْتِي في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها رُؤْيَتُهُ المَلَكَ جالِسًا عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ
صفحة ٢٥٧
السَّماءِ والأرْضِ فَرَجَعَ إلى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤادُهُ فَقالَ ”دَثِّرُونِي“ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ سَبَبَ نِدائِهِ بِـ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ كانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”زَمِّلُونِي“ فَذَلِكَ عِنْدَما اغْتَمَّ مِن وصْفِ المُشْرِكِينَ إيّاهُ بِالجُنُونِ وأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ سَبَبِ نِدائِهِ بِـ (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]) في سُورَةِ المُدَّثِّرِ.
وقِيلَ: هو تَزَمُّلٌ لِلِاسْتِعْدادِ لِلصَّلاةِ فَنُودِيَ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنِ الضَّحّاكِ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
ومَحْمَلُها عَلى أنَّ التَّزَمُّلَ حَقِيقَةٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ زَمَّلْتُ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ، يُرِيدُ أمْرَ النُّبُوءَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] تَحْرِيضًا عَلى اسْتِفْراغِ جُهْدِهِ في القِيامِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ في جَمِيعِ الأزْمانِ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ إلّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ وهو ما يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِنَ الهُجُوعِ فِيهِ. ومَحْمَلُ التَّزَمُّلِ عِنْدَهُ عَلى المَجازِ.
فَإذا كانَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ قَدْ أُنْزِلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنِ ابْتَدَأ رَسُولَهُ بِالوَحْيِ بِصَدْرِ سُورَةِ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ سُورَةَ القَلَمِ لِدَحْضِ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ فِيهِ الَّتِي دَبَّرَها الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ مَجْنُونٌ.
أنْزَلَ عَلَيْهِ التَّلَطُّفَ بِهِ عَلى تَزَمُّلِهِ بِثِيابِهِ لِما اعْتَراهُ مِنَ الحُزْنِ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْهُ بِقِيامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ فَلَمّا رَأى المَلَكَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِحِراءَ تَدَثَّرَ مِن شِدَّةِ وقْعِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] .
فَنِداءُ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ المُزَّمِّلِ بِاعْتِبارِ حالَتِهِ وقْتَ نِدائِهِ ولَيْسَ المُزَّمِّلُ مَعْدُودًا مِن أسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ، قالَ السُّهَيْلِيُّ: ولَمْ يُعْرَفْ بِهِ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى عَدِّهِ مِن أسْمائِهِ.
وفِعْلُ (قُمْ) مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ؛ لِأنَّ القِيامَ مُرادٌ بِهِ الصَّلاةُ، فَهَذا القِيامُ مُغايِرٌ لِلْقِيامِ المَأْمُورِ بِهِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ بِقَوْلِهِ (﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]) فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى الشُّرُوعِ كَما يَأْتِي هُنالِكَ.
واللَّيْلُ: زَمَنُ الظُّلْمَةِ مِن بَعْدِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ. وانْتَصَبَ اللَّيْلُ عَلى
صفحة ٢٥٨
الظَّرْفِيَّةِ فاقْتَضى الأمْرُ بِالصَّلاةِ في جَمِيعِ وقْتِ اللَّيْلِ، ويُعْلَمُ اسْتِثْناءُ أوْقاتِ قَضاءِ الضَّرُوراتِ مِن إغْفاءٍ بِالنَّوْمِ ونَحْوِهِ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ.
وقِيامُ اللَّيْلِ لَقَبٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لِلصَّلاةِ فِيهِ ما عَدا صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ ورَواتِبِهِما.
وأمْرُ الرَّسُولِ بِقِيامِ اللَّيْلِ أمْرُ إيجابٍ وهو خاصٌّ بِهِ؛ لِأنَّ الخِطابَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ وحْدَهُ مِثْلَ السُّوَرِ الَّتِي سَبَقَتْ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا قِيامُ اللَّيْلِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُمُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِالرَّسُولِ ﷺ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، قالَ الجُمْهُورُ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ في أوْقاتِ النَّهارِ واللَّيْلِ ولَعَلَّ حِكْمَةَ هَذا القِيامِ الَّذِي فُرِضَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في صَدْرِ رِسالَتِهِ هو أنْ تَزْدادَ بِهِ سَرِيرَتُهُ زَكاءً يُقَوِّي اسْتِعْدادَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ حَتّى لا يُحْرِجَهُ الوَحْيُ كَما ضَغَطَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ «فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ قالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» الحَدِيثَ، ويَدُلُّ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] .
وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قُبَيْلَ بَعْثَتِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالَّذِي ألْهَمَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ يَجْدُرُ بِأنْ يَأْمُرَهُ بِهِ بَعْدَ أنْ أوْحى إلَيْهِ فَلا يَبْقى فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ لِعِبادَةٍ، ولِهَذا نُرَجِّحُ أنَّ قِيامَ اللَّيْلِ فُرِضَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلَيْهِ وعَلى الأُمَّةِ.
وقَدِ اسْتَمَرَّ وُجُوبُ قِيامِ اللَّيْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ بِكَثْرَةِ الإقْبالِ عَلى مُناجاةِ رَبِّهِ في وقْتِ فَراغِهِ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ وتَدْبِيرِ شُئُونِ المُسْلِمِينَ وهو وقْتُ اللَّيْلِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، أيْ: زِيادَةَ قُرْبٍ لَكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. فَكانَ هَذا حُكْمًا خاصًّا بِالنَّبِيءِ ﷺ، وقَدْ ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ في بابِ خَصائِصِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلى غَيْرِهِ ولَمْ تُفْرَضْ عَلى المُسْلِمِينَ صَلاةٌ قَبْلَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وإنَّما كانَ المُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِفِعْلِ النَّبِيءِ ﷺ وهو يُقِرُّهم عَلى ذَلِكَ فَكانُوا يَرَوْنَهُ لِزامًا عَلَيْهِمْ، وقَدْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، وسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ
صفحة ٢٥٩
قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقامَ النَّبِيءُ وأصْحابُهُ، عَلى أنَّهُ لا خِلافَ في رَفْعِ فَرْضِ القِيامِ عَنِ المُسْلِمِينَ. وتَقَرَّرَ أنَّهُ مَندُوبٌ فِيهِ. واخْتُلِفَ في اسْتِمْرارِ وُجُوبِهِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولا طائِلَ وراءَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ أوْ عَدَمِهِ.
وقَوْلُهُ إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهُ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ إيجابُ القِيامِ عَلَيْهِ بِأوْقاتِ اللَّيْلِ كُلِّها.
و(نِصْفَهُ) بَدَلٌ مِن (قَلِيلًا) بَدَلًا مُطابِقًا وهو تَبْيِينٌ لِإجْمالِ (قَلِيلًا) فَجَعَلَ القَلِيلَ هُنا النِّصْفَ أوْ أقَلَّ مِنهُ بِقَلِيلٍ.
وفائِدَةُ هَذا الإجْمالِ الإيماءُ إلى أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ القِيامُ أكْثَرَ مِن مُدَّةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وأنَّ جَعْلَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ رَحْمَةٌ ورُخْصَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ أيْ: انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا، فَيَكُونُ زَمَنُ قِيامِ اللَّيْلِ أقَلَّ مِن نِصْفِهِ، وهو حِينَئِذٍ قَلِيلٌ فَهو رُخْصَةٌ في الرُّخْصَةِ.
وقالَ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] وهو عَوْدٌ إلى التَّرْغِيبِ في أنْ تَكُونَ مُدَّةُ القِيامِ أكْثَرَ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ (وزِدْ عَلَيْهِ) بِمِثْلِ ما قَيَّدَ بِهِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ لِتَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى النِّصْفِ مُتَّسِعَةً، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أخَذَ بِالعَزِيمَةِ فَقامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، وقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ فَقالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» .
والتَّخْيِيرُ المُسْتَفادُ مِن حَرْفِ (أوْ) مَنظُورٌ فِيهِ إلى تَفاوُتِ اللَّيالِي بِالطُّولِ والقِصَرِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ ارْتِباطًا بِسَعَةِ النَّهارِ لِلْعَمَلِ ولِأخْذِ الحَظِّ الفائِتِ مِنَ النَّوْمِ.
وبَعْدُ، فَذَلِكَ تَوْسِيعٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِرَفْعِ حَرَجِ تَحْدِيدِهِ لِزَمَنِ القِيامِ، فَسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ التَّقْرِيبِ.
وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ اللَّيْلَ اسْمَ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ اللَّيالِي، وأنَّ المَعْنى: إلّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيالِي، وهي اللَّيالِي الَّتِي يَكُونُ فِيها عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِن قِيامِها، أيْ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيالِي بِاعْتِبارِ جُزْئِيّاتِها لا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ، ثُمَّ قالَ (نِصْفَهُ) إلى آخِرِهِ.
وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالصَّلاةِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ النَّوْمِ عادَةً، فَأمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِالقِيامِ فِيهِ زِيادَةٌ في إشْغالِ أوْقاتِهِ بِالإقْبالِ عَلى مُناجاةِ اللَّهِ، ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ سُكُونِ
صفحة ٢٦٠
الأصْواتِ واشْتِغالِ النّاسِ، فَتَكُونُ نَفْسُ القائِمِ فِيهِ أقْوى اسْتِعْدادًا لِتَلَقِّي الفَيْضِ الرَّبّانِيِّ.
المزمل 73:3
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوُ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] افْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ إذا كانَ المُخاطَبُ واحِدًا ولَمْ يَكُنْ بَعِيدًا يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِما سَيُلْقى إلى المُخاطَبِ مِن كَلامٍ.
والأصْلُ في النِّداءِ أنْ يَكُونَ بِاسْمِ المُنادى العَلَمِ إذا كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ فَلا يُعْدَلُ مِنَ الِاسْم العَلَمِ إلى غَيْرِهِ مِن وصْفٍ أوْ إضافَةٍ إلّا لِغَرَضٍ يَقْصِدُهُ البُلَغاءُ مِن تَعْظِيمٍ وتَكْرِيمٍ نَحْوَ (يا أيُّها النَّبِيءُ)، أوْ تَلَطُّفٍ وتَقَرُّبٍ نَحْوَ: يا بُنَيَّ ويا أبَتِ، أوْ قَصْدِ تَهَكُّمٍ نَحْوَ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] فَإذا نُودِيَ
صفحة ٢٥٦
المُنادى بِوَصْفِ هَيْئَتِهِ مِن لِبْسَةٍ أوْ جِلْسَةٍ أوْ ضِجْعَةٍ كانَ المَقْصُودُ في الغالِبِ التَّلَطُّفَ بِهِ والتَّحَبُّبَ إلَيْهِ ولِهَيْئَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وقَدْ وجَدَهُ مُضْطَجِعًا في المَسْجِدِ وقَدْ عَلَقَ تُرابُ المَسْجِدِ بِجَنْبِهِ «قُمْ أبا تُرابٍ» وقَوْلُهُ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ يَوْمَ الخَنْدَقِ «قُمْ يا نَوْمانُ» وقَوْلُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ الدَّوْسِيِّ وقَدْ رَآهُ حامِلًا هِرَّةً صَغِيرَةً في كُمِّهِ (يا أبا هُرَيْرَةَ) .
فَنِداءُ النَّبِيءِ بِـ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾) نِداءُ تَلَطُّفٍ وارْتِفاقٍ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]) .
والمُزَّمِّلُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن تَزَمَّلَ، إذا تَلَفَّفَ بِثَوْبِهِ كالمَقْرُورِ، أوْ مُرِيدِ النَّوْمِ، وهو مِثْلُ التَّدَثُّرِ في مَآلِ المَعْنى، وإنْ كانَ بَيْنَهُما اخْتِلافٌ في أصْلِ الِاشْتِقاقِ، فالتَّزَمُّلُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى التَّلَفُّفِ، والتَّدَثُّرُ مُشْتَقٌّ مِن مَعْنى اتِّخاذِ الدِّثارِ لِلتَّدَفُّؤِ. وأصْلُ التَّزَمُّلِ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّمْلِ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وهو الإخْفاءُ، ولا يُعْرَفُ لِـ (تَزَمَّلَ) فِعْلٌ مُجَرَّدٌ في مَعْناهُ فَهو مِنَ التَّفَعُّلِ الَّذِي تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى التَّكَلُّفِ لِلْفِعْلِ، وأُرِيدَ في إطْلاقِهِ مَعْنى شِدَّةِ التَّلَبُّسِ، وكَثُرَ مِثْلُ هَذا في الِاشْتِمالِ عَلى اللِّباسِ، فَمِنهُ التَّزَمُّلُ ومِنهُ التَّعَمُّمُ والتَّأزُّرُ والتَّقَمُّصُ، ورُبَّما صاغُوا لَهُ صِيغَةَ الِافْتِعالِ مِثْلَ: ارْتَدى وائْتَزَرَ.
وأصْلُ المُزَّمِّلِ: المُتَزَمِّلُ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ بَعْدَ قَلْبِها زايًا لِتَقارُبِهِما.
وهَذا التَّزَمُّلُ الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ قالَ الزُّهْرِيُّ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ التَّزَمُّلُ الَّذِي جَرى في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ ”«زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» “ حِينَ نَزَلَ مِن غارِ حِراءَ بَعْدَ أنْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الآياتِ، كَما في حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ في كِتابِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ في ذَلِكَ الحَدِيثِ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ حِينَئِذٍ، وعَلَيْهِ فَهو حَقِيقَةٌ.
وقِيلَ هو ما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ فَقالُوا: سَمُّوا هَذا الرَّجُلَ اسْمًا تَصْدُرُ النّاسُ عَنْهُ - أيْ: صِفُوهُ وصْفًا تَتَّفِقُ عَلَيْهِ النّاسُ - فَقالُوا: كاهِنٌ، وقالُوا: مَجْنُونٌ، وقالُوا: ساحِرٌ، فَصَدَرَ المُشْرِكُونَ عَلى وصْفِهِ بِـ (ساحِرٍ) فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَحَزِنَ وتَزَمَّلَ في ثِيابِهِ وتَدَثَّرَ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾) (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر»: ١]) .
وسَيَأْتِي في سُورَةِ المُدَّثِّرِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها رُؤْيَتُهُ المَلَكَ جالِسًا عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ
صفحة ٢٥٧
السَّماءِ والأرْضِ فَرَجَعَ إلى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤادُهُ فَقالَ ”دَثِّرُونِي“ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ سَبَبَ نِدائِهِ بِـ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ كانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”زَمِّلُونِي“ فَذَلِكَ عِنْدَما اغْتَمَّ مِن وصْفِ المُشْرِكِينَ إيّاهُ بِالجُنُونِ وأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ سَبَبِ نِدائِهِ بِـ (﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]) في سُورَةِ المُدَّثِّرِ.
وقِيلَ: هو تَزَمُّلٌ لِلِاسْتِعْدادِ لِلصَّلاةِ فَنُودِيَ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنِ الضَّحّاكِ وهي أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
ومَحْمَلُها عَلى أنَّ التَّزَمُّلَ حَقِيقَةٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ زَمَّلْتُ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ، يُرِيدُ أمْرَ النُّبُوءَةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] تَحْرِيضًا عَلى اسْتِفْراغِ جُهْدِهِ في القِيامِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ في جَمِيعِ الأزْمانِ مِن لَيْلٍ ونَهارٍ إلّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ وهو ما يُضْطَرُّ إلَيْهِ مِنَ الهُجُوعِ فِيهِ. ومَحْمَلُ التَّزَمُّلِ عِنْدَهُ عَلى المَجازِ.
فَإذا كانَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ قَدْ أُنْزِلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنِ ابْتَدَأ رَسُولَهُ بِالوَحْيِ بِصَدْرِ سُورَةِ (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ سُورَةَ القَلَمِ لِدَحْضِ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ فِيهِ الَّتِي دَبَّرَها الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ مَجْنُونٌ.
أنْزَلَ عَلَيْهِ التَّلَطُّفَ بِهِ عَلى تَزَمُّلِهِ بِثِيابِهِ لِما اعْتَراهُ مِنَ الحُزْنِ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْهُ بِقِيامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ فَلَمّا رَأى المَلَكَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِحِراءَ تَدَثَّرَ مِن شِدَّةِ وقْعِ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ فَأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] .
فَنِداءُ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ المُزَّمِّلِ بِاعْتِبارِ حالَتِهِ وقْتَ نِدائِهِ ولَيْسَ المُزَّمِّلُ مَعْدُودًا مِن أسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ، قالَ السُّهَيْلِيُّ: ولَمْ يُعْرَفْ بِهِ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى عَدِّهِ مِن أسْمائِهِ.
وفِعْلُ (قُمْ) مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ؛ لِأنَّ القِيامَ مُرادٌ بِهِ الصَّلاةُ، فَهَذا القِيامُ مُغايِرٌ لِلْقِيامِ المَأْمُورِ بِهِ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ بِقَوْلِهِ (﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]) فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى الشُّرُوعِ كَما يَأْتِي هُنالِكَ.
واللَّيْلُ: زَمَنُ الظُّلْمَةِ مِن بَعْدِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ. وانْتَصَبَ اللَّيْلُ عَلى
صفحة ٢٥٨
الظَّرْفِيَّةِ فاقْتَضى الأمْرُ بِالصَّلاةِ في جَمِيعِ وقْتِ اللَّيْلِ، ويُعْلَمُ اسْتِثْناءُ أوْقاتِ قَضاءِ الضَّرُوراتِ مِن إغْفاءٍ بِالنَّوْمِ ونَحْوِهِ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ.
وقِيامُ اللَّيْلِ لَقَبٌ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لِلصَّلاةِ فِيهِ ما عَدا صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ ورَواتِبِهِما.
وأمْرُ الرَّسُولِ بِقِيامِ اللَّيْلِ أمْرُ إيجابٍ وهو خاصٌّ بِهِ؛ لِأنَّ الخِطابَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ وحْدَهُ مِثْلَ السُّوَرِ الَّتِي سَبَقَتْ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا قِيامُ اللَّيْلِ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُمُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِالرَّسُولِ ﷺ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] الآياتِ، قالَ الجُمْهُورُ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ في أوْقاتِ النَّهارِ واللَّيْلِ ولَعَلَّ حِكْمَةَ هَذا القِيامِ الَّذِي فُرِضَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ في صَدْرِ رِسالَتِهِ هو أنْ تَزْدادَ بِهِ سَرِيرَتُهُ زَكاءً يُقَوِّي اسْتِعْدادَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ حَتّى لا يُحْرِجَهُ الوَحْيُ كَما ضَغَطَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ «فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ قالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» الحَدِيثَ، ويَدُلُّ لِهَذِهِ الحِكْمَةِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] .
وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ قُبَيْلَ بَعْثَتِهِ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فالَّذِي ألْهَمَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُوحِيَ إلَيْهِ يَجْدُرُ بِأنْ يَأْمُرَهُ بِهِ بَعْدَ أنْ أوْحى إلَيْهِ فَلا يَبْقى فَتْرَةً مِنَ الزَّمَنِ غَيْرَ مُتَعَبِّدٍ لِعِبادَةٍ، ولِهَذا نُرَجِّحُ أنَّ قِيامَ اللَّيْلِ فُرِضَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلَيْهِ وعَلى الأُمَّةِ.
وقَدِ اسْتَمَرَّ وُجُوبُ قِيامِ اللَّيْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ بِكَثْرَةِ الإقْبالِ عَلى مُناجاةِ رَبِّهِ في وقْتِ فَراغِهِ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ وتَدْبِيرِ شُئُونِ المُسْلِمِينَ وهو وقْتُ اللَّيْلِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، أيْ: زِيادَةَ قُرْبٍ لَكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. فَكانَ هَذا حُكْمًا خاصًّا بِالنَّبِيءِ ﷺ، وقَدْ ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ في بابِ خَصائِصِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلى غَيْرِهِ ولَمْ تُفْرَضْ عَلى المُسْلِمِينَ صَلاةٌ قَبْلَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وإنَّما كانَ المُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِفِعْلِ النَّبِيءِ ﷺ وهو يُقِرُّهم عَلى ذَلِكَ فَكانُوا يَرَوْنَهُ لِزامًا عَلَيْهِمْ، وقَدْ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، وسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ
صفحة ٢٥٩
قِيامَ اللَّيْلِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقامَ النَّبِيءُ وأصْحابُهُ، عَلى أنَّهُ لا خِلافَ في رَفْعِ فَرْضِ القِيامِ عَنِ المُسْلِمِينَ. وتَقَرَّرَ أنَّهُ مَندُوبٌ فِيهِ. واخْتُلِفَ في اسْتِمْرارِ وُجُوبِهِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولا طائِلَ وراءَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ أوْ عَدَمِهِ.
وقَوْلُهُ إلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيْلِ أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهُ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ إيجابُ القِيامِ عَلَيْهِ بِأوْقاتِ اللَّيْلِ كُلِّها.
و(نِصْفَهُ) بَدَلٌ مِن (قَلِيلًا) بَدَلًا مُطابِقًا وهو تَبْيِينٌ لِإجْمالِ (قَلِيلًا) فَجَعَلَ القَلِيلَ هُنا النِّصْفَ أوْ أقَلَّ مِنهُ بِقَلِيلٍ.
وفائِدَةُ هَذا الإجْمالِ الإيماءُ إلى أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ القِيامُ أكْثَرَ مِن مُدَّةِ نِصْفِ اللَّيْلِ وأنَّ جَعْلَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ رَحْمَةٌ ورُخْصَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ أيْ: انْقُصْ مِنَ النِّصْفِ قَلِيلًا، فَيَكُونُ زَمَنُ قِيامِ اللَّيْلِ أقَلَّ مِن نِصْفِهِ، وهو حِينَئِذٍ قَلِيلٌ فَهو رُخْصَةٌ في الرُّخْصَةِ.
وقالَ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] وهو عَوْدٌ إلى التَّرْغِيبِ في أنْ تَكُونَ مُدَّةُ القِيامِ أكْثَرَ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ (وزِدْ عَلَيْهِ) بِمِثْلِ ما قَيَّدَ بِهِ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ﴾ لِتَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى النِّصْفِ مُتَّسِعَةً، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أخَذَ بِالعَزِيمَةِ فَقامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، وقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ فَقالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» .
والتَّخْيِيرُ المُسْتَفادُ مِن حَرْفِ (أوْ) مَنظُورٌ فِيهِ إلى تَفاوُتِ اللَّيالِي بِالطُّولِ والقِصَرِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ ارْتِباطًا بِسَعَةِ النَّهارِ لِلْعَمَلِ ولِأخْذِ الحَظِّ الفائِتِ مِنَ النَّوْمِ.
وبَعْدُ، فَذَلِكَ تَوْسِيعٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِرَفْعِ حَرَجِ تَحْدِيدِهِ لِزَمَنِ القِيامِ، فَسُلِكَ بِهِ مَسْلَكَ التَّقْرِيبِ.
وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ اللَّيْلَ اسْمَ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ اللَّيالِي، وأنَّ المَعْنى: إلّا قَلِيلًا مِنَ اللَّيالِي، وهي اللَّيالِي الَّتِي يَكُونُ فِيها عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِن قِيامِها، أيْ: هو اسْتِثْناءٌ مِنَ اللَّيالِي بِاعْتِبارِ جُزْئِيّاتِها لا بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ، ثُمَّ قالَ (نِصْفَهُ) إلى آخِرِهِ.
وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالصَّلاةِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ النَّوْمِ عادَةً، فَأمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِالقِيامِ فِيهِ زِيادَةٌ في إشْغالِ أوْقاتِهِ بِالإقْبالِ عَلى مُناجاةِ اللَّهِ، ولِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ سُكُونِ
صفحة ٢٦٠
الأصْواتِ واشْتِغالِ النّاسِ، فَتَكُونُ نَفْسُ القائِمِ فِيهِ أقْوى اسْتِعْدادًا لِتَلَقِّي الفَيْضِ الرَّبّانِيِّ.
المزمل 73:4
﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقِيامِ اللَّيْلِ، أيْ: رَتِّلْ قِراءَتَكَ في القِيامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أمْرًا مُسْتَقِلًّا بِكَيْفِيَّةِ قِراءَةِ القُرْآنِ جَرى ذِكْرُهُ بِمُناسَبَةِ الأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ القِراءَةَ في الصَّلاةِ تَدْخُلُ في ذَلِكَ. وقَدْ كانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ في أوَّلِ العَهْدِ بِنُزُولِ القُرْآنِ فَكانَ جُمْلَةُ القُرْآنِ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ سُورَتَيْنِ أوْ ثَلاثِ سُوَرٍ بِناءً عَلى أصَحِّ الأقْوالِ في أنَّ هَذا المِقْدارَ مِنَ السُّورَةِ مَكِّيٌّ، وفي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ السُّوَرِ، وهَذا مِمّا أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] أيْ: سَنُوحِي إلَيْكَ قُرْآنًا.
فَأمَرَ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ بِمَهَلٍ وتَبْيِينٍ.
والتَّرْتِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُرَتَّلًا، أيْ: مُفَرَّقًا، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ، وهو المُفَلَّجُ الأسْنانِ، أيْ: المُفَرَّقُ بَيْنَ أسْنانِهِ تَفْرِيقًا قَلِيلًا بِحَيْثُ لا تَكُونُ النَّواجِذُ مُتَلاصِقَةً. وأُرِيدَ بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ تَرْتِيلُ قِراءَتِهِ، أيْ: التَّمَهُّلُ في النُّطْقِ بِحُرُوفِ القُرْآنِ حَتّى تَخْرُجَ مِنَ الفَمِ واضِحَةً مَعَ إشْباعِ الحَرَكاتِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الإشْباعَ. ووَصَفَتْ عائِشَةُ التَّرْتِيلَ فَقالَتْ: لَوْ أرادَ السّامِعُ أنَّ يَعُدَّ حُرُوفَهُ لَعَدَّها لا كَسَرْدِكم هَذا.
وفائِدَةُ هَذا أنْ يَرْسَخَ حِفْظَهُ ويَتَلَقّاهُ السّامِعُونَ فَيَعْلَقَ بِحَوافِظِهِمْ، ويَتَدَبَّرَ قارِئُهُ وسامِعُهُ مَعانِيَهُ كَيْ لا يَسْبِقَ لَفْظُ اللِّسانِ عَمَلَ الفَهْمِ. قالَ قائِلٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قَرَأْتُ المُفَصَّلَ في لَيْلَةٍ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذا كَهَذِّ الشِّعْرِ؛؛ لِأنَّهم كانُوا إذا أنْشَدُوا القَصِيدَةَ أسْرَعُوا لِيَظْهَرَ مِيزانُ بَحْرِها، وتَتَعاقَبَ قَوافِيها عَلى الأسْماعِ. والهَذُّ: إسْراعُ القَطْعِ.
وأُكِّدَ هَذا الأمْرُ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ صِفَةِ التَّرْتِيلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أوُ انْقُصْ) بِضَمِّ الواوِ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ عِنْدَ سُقُوطِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، حَرَّكُوا الواوَ بِضَمَّةٍ لِمُناسَبَةِ ضَمَّةِ قافِ (انْقُصْ) بَعْدَها. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ بِكَسْرِ الواوِ عَلى الأصْلِ في التَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
صفحة ٢٦١
ووَقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ﴾ إذا شَبَّعَتْ فَتْحَةَ نُونِ القُرْآنِ مُحَسِّنَ الِاتِّزانِ بِأنْ يَكُونَ مِصْراعًا مِن بَحْرِ الكامِلِ أحَذَّ دَخَلَهُ الإضْمارُ مَرَّتَيْنِ.
المزمل 73:5
﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ (قُمِ اللَّيْلَ) وجُمْلَةِ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا﴾ [المزمل: ٦]، وهو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِحِكْمَةِ الأمْرِ بِقِيامِ اللَّيْلِ بِأنَّها تَهْيِئَةُ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ لِيَحْمِلَ شِدَّةَ الوَحْيِ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يَسَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، فَتِلْكَ مُناسَبَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ جُمْلَةِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] فَهَذا إشْعارٌ بِأنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ في أوَّلِ عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ بِنُزُولِ القُرْآنِ فَلَمّا قالَ لَهُ ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] أعْقَبَ بِبَيانِ عِلَّةِ الأمْرِ بِتَرْتِيلِ القُرْآنِ.
والقَوْلُ الثَّقِيلُ: هو القُرْآنُ وإلْقاؤُهُ عَلَيْهِ: إبْلاغُهُ لَهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ بِواسِطَةِ المَلَكِ.
وحَقِيقَةُ الإلْقاءِ: رَمْيُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ وطَرْحِهِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَقى، أيْ: مَطْرُوحٌ، اسْتُعِيرَ الإلْقاءُ لِلْإبْلاغِ دُفْعَةً عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ.
والثِّقَلُ المَوْصُوفُ بِهِ القَوْلُ ثِقَلٌ مَجازِيٌّ لا مَحالَةَ، مُسْتَعارٌ لِصُعُوبَةِ حِفْظِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَعانٍ لَيْسَتْ مِن مُعْتادِ ما يَجُولُ في مَدارِكِ قَوْمِهِ فَيَكُونُ حِفْظُ ذَلِكَ القَوْلِ عَسِيرًا عَلى الرَّسُولِ الأُمِّيِّ تَنُوءُ الطّاقَةُ عَنْ تَلَقِّيهِ.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أنَّ ثِقَلَهُ مُتَعَلِّقٌ ابْتِداءً بِالرَّسُولِ ﷺ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾ وهو ثِقَلٌ مَجازِيٌّ في جَمِيعِ اعْتِباراتِهِ وهو ثَقِيلٌ صَعْبٌ تَلَقِّيهِ مِمَّنْ أنْزَلَ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ثَقُلَ عَلَيْهِ وتَرَبَّدَ لَهُ جِلْدُهُ، أيْ: تَغَيَّرَ بِمِثْلِ القُشَعْرِيرَةِ، وقالَتْ عائِشَةُ: رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبِينَهُ لِيَرْفَضُّ عَرَقًا.
ويُسْتَعارُ ثِقَلُ القَوْلِ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَعانٍ وافِرَةٍ يَحْتاجُ العِلْمُ بِها لِدِقَّةِ النَّظَرِ وذَلِكَ بِكَمالِ هَدْيِهِ ووَفْرَةِ مَعانِيهِ. قالَ الفَرّاءُ ثَقِيلًا لَيْسَ بِالكَلامِ السَّفْسافِ. وحَسْبُكَ أنَّهُ حَوى مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ ما لا يَفِي العَقْلُ بِالإحاطَةِ بِهِ فَكَمْ غاصَتْ فِيهِ أفْهامُ
صفحة ٢٦٢
العُلَماءِ مِن فُقَهاءَ ومُتَكَلِّمِينَ وبُلَغاءَ ولُغَوِيِّينَ وحُكَماءَ فَشابَهَ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ في أنَّهُ لا يَقْوى الواحِدُ عَلى الِاسْتِقْلالِ بِمَعانِيهِ.
وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وإشْعارِ الرَّسُولِ ﷺ بِتَأْكِيدِ قُرْبِهِ واسْتِمْرارِهِ، لِيَكُونَ وُرُودُهُ أسْهَلَ عَلَيْهِ مِن وُرُودِ الأمْرِ المُفاجِئِ.
المزمل 73:6
﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْصِيصِ زَمَنِ اللَّيْلِ بِالقِيامِ فِيهِ فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ (﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢])، أيْ: قُمِ اللَّيْلَ؛ لِأنَّ ناشِئَتَهُ أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا.
والمَعْنى: أنَّ في قِيامِ اللَّيْلِ تَزْكِيَةً وتَصْفِيَةً لِسِرِّكَ وارْتِقاءً بِكَ إلى المَراقِي المَلَكِيَّةِ.
و(ناشِئَةَ): وصْفٌ مِنَ النَّشْءِ وهو الحُدُوثُ. وقَدْ جَرى هَذا الوَصْفُ هُنا عَلى غَيْرِ مَوْصُوفٍ، وأُضِيفَ إلى اللَّيْلِ إضافَةً عَلى مَعْنى في مِثْلِ (مَكْرُ اللَّيْلِ)، وجُعِلَ مِن أقْوَمِ القِيلِ، فَعُلِمَ أنَّ فِيهِ قَوْلًا وقَدْ سَبَقَهُ الأمْرُ بِقِيامِ اللَّيْلِ وتَرْتِيلِ القُرْآنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ مَوْصُوفَهُ المَحْذُوفَ هو صَلاةٌ، أيِ: الصَّلاةُ النّاشِئَةُ في اللَّيْلِ، فَإنَّ الصَّلاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أفْعالٍ وأقْوالٍ وهي قِيامٌ.
ووَصْفُ الصَّلاةِ بِالنّاشِئَةِ لِأنَّها أنْشَأها المُصَلِّي فَنَشَأتْ بَعْدَ هَدْأةِ اللَّيْلِ فَأشْبَهَتِ السَّحابَةَ الَّتِي تَتَنَشَّأُ مِنَ الأُفُقِ بَعْدَ صَحْوٍ، وإذا كانَتِ الصَّلاةُ بَعْدَ نَوْمٍ فَمَعْنى النَّشْءِ فِيها أقْوى، ولِذَلِكَ فَسَّرَتْها عائِشَةُ بِالقِيامِ بَعْدَ النَّوْمِ. وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿ناشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ بِصَلاةِ اللَّيْلِ كُلِّها. واخْتارَهُ مالِكٌ. وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: أنَّها ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ أصْلَ هَذا مُعَرَّبٌ عَنِ الحَبَشَةِ، وقَدْ عَدَّها السُّبْكِيُّ في مَنظُومَتِهِ في مُعَرَّباتِ القُرْآنِ.
وإيثارُ لَفْظِ (ناشِئَةَ) في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِن نَحْوِ: قِيامٍ، أوْ تَهَجُّدٍ، لِأجْلِ ما يَحْتَمِلُهُ مِن هَذِهِ المَعانِي لِيَأْخُذَ النّاسُ فِيهِ بِالِاجْتِهادِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ (وطْئًا) بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطّاءِ بَعْدَها هَمْزَةٌ، والوَطْءُ: أصْلُهُ وضْعُ الرِّجْلِ عَلى الأرْضِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِمَعْنًى يُناسِبُ أنْ يَكُونَ شَأْنًا لِلظَّلامِ بِاللَّيْلِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَطْءُ اسْتُعِيرَ لِفِعْلٍ مِن أفْعالِ المُصَلِّي عَلى نَحْوِ إسْنادِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ: واطِئًا أنْتَ، فَهو مُسْتَعارٌ لِتَمَكُّنِ المُصَلِّي مِنَ الصَّلاةِ
صفحة ٢٦٣
فِي اللَّيْلِ بِتَفَرُّغِهِ لَها وهُدُوءِ بالِهِ مِنَ الأشْغالِ النَّهارِيَّةِ تَمُكَّنَ الواطِئِ عَلى الأرْضِ فَهو أمْكَنُ لِلْفِعْلِ. والمَعْنى: أشَدُّ وقْعًا، وبِهَذا فَسَّرَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ وقالَهُ الفَرّاءُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَطْءُ مُسْتَعارًا لِحالَةِ صَلاةِ اللَّيْلِ وأثَرِها في المُصَلِّي، أيْ: أشَدُّ أثَرِ خَيْرٍ في نَفْسِهِ وأرْسَخُ خَيْرًا وثَوابًا، وبِهَذا فَسَّرَهُ قَتادَةُ.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (وِطاءً) بِكَسْرِ الواوِ وفَتْحِ الطّاءِ ومَدِّها مَصْدَرُ (واطَأ) مِن مادَّةِ الفِعالِ. والوِطاءُ: الوِفاقُ والمُلاءَمَةُ، قالَ تَعالى ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] . والمَعْنى: أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ أوْفَقُ بِالمُصَلِّي بَيْنَ اللِّسانِ والقَلْبِ، أيْ: بَيْنَ النُّطْقِ بِالألْفاظِ وتَفَهُّمِ مَعانِيها لِلْهُدُوءِ الَّذِي يَحْصُلُ في اللَّيْلِ وانْقِطاعِ الشَّواغِلِ وبِحاصِلِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ.
وضَمِيرُ (هي) ضَمِيرُ فَصْلٍ، وانْظُرْ ما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] في وُقُوعِ ضَمِيرِ الفَصْلِ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ واسْمِ تَفْضِيلٍ. وضَمِيرُ الفَصْلِ هُنا لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ لا لِلْحَصْرِ.
والأقْوَمُ: الأفْضَلُ في التَّقَوِّي الَّذِي هو عَدَمُ الِاعْوِجاجِ والِالتِواءِ واسْتُعِيرَ (أقْوَمُ) لِلْأفْضَلِ الأنْفَعِ.
وقِيلًا: القَوْلُ، وأُرِيدَ بِهِ قِراءَةُ القُرْآنِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] . فالمَعْنى: أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ أعْوَنُ عَلى تَذَكُّرِ القُرْآنِ والسَّلامَةِ مِن نِسْيانِ بَعْضِ الآياتِ، وأعْوَنُ عَلى المَزِيدِ مِنَ التَّدَبُّرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأقْوَمُ قِيلًا: أدْنى مِن أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْفَظُ لِلْقِراءَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أقْوَمُ قِراءَةً لِفَراغِهِ مِنَ الدُّنْيا.
وانْتَصَبَ (وطْئًا) و(قِيلًا) نِسْبَةَ تَمْيِيزَيْ لِـ (أشَدَّ)، ولِـ (أقْوَمَ) .
المزمل 73:7
﴿إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ فَصْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ دُونَ عَطْفٍ عَلى ما قَبْلِها يَقْتَضِي أنَّ مَضْمُونَها لَيْسَ مِن جِنْسِ حُكْمِ ما قَبْلَها، فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَعْيِينَ صَلاةِ النَّهارِ إذْ لَمْ تَكُنِ الصَّلَواتُ الخَمْسُ قَدْ فُرِضَتْ يَوْمَئِذٍ عَلى المَشْهُورِ، ولَمْ يُفْرَضْ حِينَئِذٍ إلّا قِيامُ اللَّيْلِ.
صفحة ٢٦٤
فالَّذِي يَبْدُو أنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ العِلَّةِ لِشَيْءٍ مِمّا في جُمْلَةِ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] وذَلِكَ دائِرٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِاخْتِيارِ اللَّيْلِ لِفَرْضِ القِيامِ عَلَيْهِ فِيهِ، فَيُفِيدُ تَأْكِيدًا لِلْمُحافَظَةِ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ النَّهارَ لا يُغْنِي غَناءَهُ فَيَتَحَصَّلُ مِنَ المَعْنى: قُمِ اللَّيْلَ؛ لِأنَّ قِيامَهُ أشَدُّ وقْعًا وأرْسَخُ قَوْلًا،؛ لِأنَّ النَّهارَ زَمَنٌ فِيهِ شُغْلٌ عَظِيمٌ لا يَتْرُكُ لَكَ خَلْوَةً بِنَفْسِكَ. وشُغْلُ النَّبِيءِ ﷺ في النَّهارِ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وإبْلاغِ القُرْآنِ وتَعْلِيمِ الدِّينِ ومُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ وافْتِقادِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ، فَعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِالسَّبْحِ الطَّوِيلِ، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ تَلَطُّفًا واعْتِذارًا عَنْ تَكْلِيفِهِ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى أنَّ النَّهارَ ظَرْفٌ واسِعٌ لِإيقاعِ ما عَسى أنْ يُكَلِّفَهُ قِيامُ اللَّيْلِ مِن فُتُورٍ بِالنَّهارِ لِيَنامَ بَعْضَ النَّهارِ ولِيَقُومَ بِمَهامِّهِ فِيهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِما تَضَمَّنُهُ ﴿أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] أيْ: إنْ نَقَصْتَ مِن نِصْفِ اللَّيْلِ شَيْئًا لا يَفُتْكَ ثَوابُ عِلْمِهِ، فَإنَّ لَكَ في النَّهارِ مُتَّسَعًا لِلْقِيامِ والتِّلاوَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] .
وقَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يُصَلِّي في النَّهارِ مِن أوَّلِ البَعْثَةِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الجِنِّ أنَّ اسْتِماعَهُمُ القُرْآنَ كانَ في صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأصْحابِهِ في نَخْلَةَ في طَرِيقِهِمْ إلى عُكاظٍ. ويَظْهَرُ أنْ يَكُونَ كُلُّ هَذا مَقْصُودًا؛ لِأنَّهُ مِمّا تَسْمَحُ بِهِ دَلالَةُ كَلِمَةِ ﴿سَبْحًا طَوِيلًا﴾ وهي مِن بَلِيغِ الإيجازِ.
والسَّبْحُ: أصْلُهُ العَوْمُ، أيْ: السُّلُوكُ بِالجِسْمِ في ماءٍ كَثِيرٍ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلتَّصَرُّفِ السَّهْلِ المُتَّسِعِ الَّذِي يُشْبِهُ حَرَكَةَ السّابِحِ في الماءِ فَإنَّهُ لا يَعْتَرِضُهُ ما يَعُوقُ جَوَلانَهُ عَلى وجْهِ الماءِ ولا إعْياءُ السَّيْرِ في الأرْضِ.
وقَرِيبٌ مِن هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ اسْتِعارَةُ السَّبْحِ لِجَرْيِ الفَرَسِ دُونَ كُلْفَةٍ في وصْفِ امْرِئِ القَيْسِ الخَيْلُ السّابِحاتُ في قَوْلِهِ في مَدْحِ فَرَسِهِ:
مِسَحٍّ إذا ما السّابِحاتُ عَلى الوَنى أثَرْنَ الغُبارَ في الكَدِيدِ المُرَكَّلِ
فَعَبَّرَ عَنِ الجارِياتِ بِالسّابِحاتِ.
صفحة ٢٦٥
وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ السَّبْحَ بِالفَراغِ، أيْ: لِيَنامَ في النَّهارِ، وقالَ ابْنُ وهْبٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: فَراغًا طَوِيلًا لِحَوائِجِكَ فافْرَغْ لِدِينِكَ بِاللَّيْلِ.
والطَّوِيلُ: وصْفٌ مِنَ الطُّولِ، وهو ازْدِيادُ امْتِدادِ القامَةِ أوِ الطَّرِيقِ أوِ الثَّوْبِ عَلى مَقادِيرِ أكْثَرِ أمْثالِهِ. فالطُّولُ مِن صِفاتِ الذَّواتِ، وشاعَ وصْفُ الزَّمانِ بِهِ، يُقالُ: لَيْلٌ طَوِيلٌ، وفي الحَدِيثِ ”«الشِّتاءُ رَبِيعُ المُؤْمِنِ قَصُرَ نَهارُهُ فَصامَهُ وطالَ لَيْلُهُ فَقامَهُ» “ .
أمّا وصْفُ السَّبْحِ بِـ (طَوِيلٍ) في هَذِهِ الآيَةِ فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الطَّوِيلَ هو مَكانُ السَّبْحِ وهو الماءُ المَسْبُوحُ فِيهِ. وبَعْدَ هَذا فَفي قَوْلِهِ (طَوِيلًا) تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ السَّبْحِ لِلْعَمَلِ في النَّهارِ.
المزمل 73:8
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ عُطِفَ عَلى (قُمِ اللَّيْلَ) وقُصِدَ بِإطْلاقِ الأمْرِ عَنْ تَعْيِينِ زَمانٍ إلى إفادَةِ تَعْمِيمِهِ، أيْ: اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في اللَّيْلِ وفي النَّهارِ كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] .
وإقْحامُ كَلِمَةِ (اسْمَ)؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ ذِكْرُ اللِّسانِ، وهو جامِعٌ لِلتَّذَكُّرِ بِالعَقْلِ؛ لِأنَّ الألْفاظَ تَجْرِي عَلى حَسَبِ ما في النَّفْسِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] .
والتَّبَتُّلُ: شِدَّةُ البَتْلِ، وهو مَصْدَرُ تَبَتَّلَ القاصِرُ الَّذِي هو مُطاوِعُ بَتَّلَهُ فَتَبَتَّلَ وهو هُنا لِلْمُطاوَعَةِ المَجازِيَّةِ يُقْصَدُ مِن صِيغَتِها المُبالَغَةُ في حُصُولِ الفِعْلِ حَتّى كَأنَّهُ فَعَلُهُ غَيْرُهُ بِهِ فَطاوَعَهُ، والتَّبَتُّلُ: الِانْقِطاعُ، وهو هُنا انْقِطاعٌ مَجازِيٌّ، أيْ: تَفَرُّغُ البالِ والفِكْرِ إلى ما يُرْضِي اللَّهَ، فَكَأنَّهُ انْقَطَعَ عَنِ النّاسِ وانْحازَ إلى جانِبِ اللَّهِ فَعُدِّيَ بِـ (إلى) الدّالَّةِ عَلى الِانْتِهاءِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
مَنارَةُ مَمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ
والتَّبْتِيلُ: مَصْدَرُ بَتَّلَ المُشَدَّدِ الَّذِي هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلَ التَّقْطِيعِ.
صفحة ٢٦٦
وجِيءَ بِهَذا المَصْدَرِ عِوَضًا عَنِ التَّبَتُّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ حُصُولَ التَّبَتُّلِ، أيِ: الِانْقِطاعِ يَقْتَضِي التَّبْتِيلَ أيِ: القَطْعَ. ولَمّا كانَ التَّبْتِيلُ قائِمًا بِالمُتَبَتِّلِ تَعَيَّنَ أنَّ تَبْتِيلَهُ: قَطْعُهُ نَفْسَهُ عَنْ غَيْرِ مَن تَبَتَّلَ هو إلَيْهِ، فالمَقْطُوعُ عَنْهُ هُنا هو مَن عَدا اللَّهِ تَعالى فالجَمْعُ بَيْنَ (تَبَتَّلَ) و(تَبْتِيلًا) مُشِيرٌ إلى إراضَةِ النَّفْسِ عَلى ذَلِكَ التَّبَتُّلِ. وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ وفاءٌ بِرَعْيِ الفَواصِلِ الَّتِي قَبْلَهُ.
والمُرادُ بِالِانْقِطاعِ المَأْمُورِ بِهِ انْقِطاعٌ خاصٌّ وهو الِانْقِطاعُ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ ومَهامِّ النَّهارِ في نَشْرِ الدَّعْوَةِ ومُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ ولِذَلِكَ قِيلَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ أيْ: إلى اللَّهِ فَكُلُّ عَمَلٍ يَقُومُ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن أعْمالِ الحَياةِ فَهو لِدِينِ اللَّهِ فَإنَّ طَعامَهُ وشَرابَهُ ونَوْمَهُ وشُئُونَهُ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى نَشْرِ دِينِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ مُنْعِشاتُ الرُّوحِ البَرِيئَةِ مِنَ الإثْمِ مِثْلَ الطِّيبِ، وتَزَوُّجِ النِّساءِ، والأُنْسِ إلى أهْلِهِ وأبْنائِهِ وذَوِيهِ، وقَدْ قالَ «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ» .
ولَيْسَ هو التَّبَتُّلَ المُفْضِيَ إلى الرَّهْبانِيَّةِ وهو الإعْراضُ عَنِ النِّساءِ وعَنْ تَدْبِيرِ أُمُورِ الحَياةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُلاقِي صِفَةَ الرِّسالَةِ.
وفِي حَدِيثِ سَعْدٍ في الصَّحِيحِ ”«رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ولَوْ أذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنا» “ يَعْنِي رَدَّ عَلَيْهِ اسْتَشارَتَهُ في الإعْراضِ عَنِ النِّساءِ.
ومِن أكْبَرِ التَّبَتُّلِ إلى اللَّهِ الِانْقِطاعُ عَنِ الإشْراكِ، وهو مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ بِقَوْلِهِ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .
وخُلاصَةُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُورٌ أنْ لا تَخْلُوَ أوْقاتُهُ عَنْ إقْبالٍ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ ومُراقَبَتِهِ والِانْقِطاعِ لِلدَّعْوَةِ لِدِينِ الحَقِّ، وإذْ قَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ مِن قَبْلُ غَيْرَ غافِلٍ عَنْ هَذا الِانْقِطاعِ بِإرْشادٍ مِنَ اللَّهِ كَما ألْهَمَهُ التَّحَنُّثَ في غارِ حِراءَ ثُمَّ بِما أفاضَهُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ والرِّسالَةِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ﴾ مُرادٌ بِهِ الدَّوامُ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ قَدْ كانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيما قَبْلُ فَإنَّ في سُورَةِ القَلَمِ - وقَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ المُزَّمِّلِ - ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١] عَلى أنَّ القُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ أوَّلًا أكْثَرُهُ إرْشادٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ إلى طَرائِقِ دَعْوَةِ الرِّسالَةِ فَلِذَلِكَ كانَ غالِبُ ما في السُّورِ الأُوَلِ مِنهُ مُقْتَصِرًا عَلى سَنِّ التَّكالِيفِ الخاصَّةِ بِالرَّسُولِ ﷺ .
صفحة ٢٦٧
ووَصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ لِمُناسَبَةِ الأمْرِ بِذِكْرِهِ في اللَّيْلِ وذِكْرِهِ في النَّهارِ وهُما وقْتا ابْتِداءِ غِيابِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها، وذَلِكَ يُشْعِرُ بِامْتِدادِ كُلِّ زَمانٍ مِنهُما إلى أنْ يَأْتِيَ ضِدُّهُ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ جِهَتَيِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ فَيَكُونُ لِاسْتِيعابِ جِهاتِ الأرْضِ، أيْ: رَبُّ جَمِيعِ العالَمِ وذَلِكَ يُشْعِرُ بِوَقْتَيِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ.
ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِما وقْتا الشُّرُوقِ والغُرُوبِ أيْ: مَبْدَأ ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ ومُنْتَهاهُما، كَما يُقالُ: سَبِّحُوا اللَّهَ كُلَّ مُشْرِقِ شَمْسٍ، وكَما يُقالُ: صَلاةُ المَغْرِبِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ (رَبُّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ حَذْفًا جَرى عَلى الِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ مِمّا يَسْبِقُ في الكَلامِ حَدِيثٌ عَنْهُ. ثُمَّ أُرِيدَ الإخْبارُ عَنْهُ بِخَبَرٍ جامِعٍ لِصِفاتِهِ، وهو مِن قَبِيلِ النَّعْتِ المَقْطُوعِ المَرْفُوعِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِخَفْضِ (رَبِّ) عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) .
وعُقِّبَ وصْفُ اللَّهِ بِـ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾، بِالإخْبارِ عَنْهُ أوْ بِوَصْفِهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو؛ لِأنَّ تَفَرُّدَهُ بِالإلَهِيَّةِ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِرُبُوبِيَّةِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَلَمّا كانَتْ رُبُوبِيَّتُهُ لِلْعالَمِ لا يُنازِعُ فِيها المُشْرِكُونَ أُعْقِبَتْ بِما يَقْتَضِي إبْطالَ دَعْوى المُشْرِكِينَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ تَعْرِيضًا بِهِمْ في أثْناءِ الكَلامِ وإنْ كانَ الكَلامُ مَسُوقًا إلى النَّبِيءِ ﷺ . ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾، وإذا كانَ الأمْرُ بِاتِّخاذِهِ وكِيلًا مُسَبَّبًا عَنْ كَوْنِهِ لا إلَهَ إلّا هو كانَ ذَلِكَ في قُوَّةِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ وكِيلٍ غَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ بِأهْلٍ لِاتِّخاذِهِ وكِيلًا.
والوَكِيلُ: الَّذِي يُوكَلُ إلَيْهِ الأُمُورُ، أيْ: يُفَوَّضُ إلى تَصَرُّفِهِ، ومِن أهَمِّ التَّفْوِيضِ أمْرُ الِانْتِصارِ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ فِيهِ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَزَمُّلِهِ مِن مَوْجِدَةِ الحُزْنِ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ لا يَعْتَمِدَ إلّا عَلَيْهِ، وهَذا تَكَفُّلٌ بِالنَّصْرِ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] .
المزمل 73:9
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ عُطِفَ عَلى (قُمِ اللَّيْلَ) وقُصِدَ بِإطْلاقِ الأمْرِ عَنْ تَعْيِينِ زَمانٍ إلى إفادَةِ تَعْمِيمِهِ، أيْ: اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في اللَّيْلِ وفي النَّهارِ كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] .
وإقْحامُ كَلِمَةِ (اسْمَ)؛ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ ذِكْرُ اللِّسانِ، وهو جامِعٌ لِلتَّذَكُّرِ بِالعَقْلِ؛ لِأنَّ الألْفاظَ تَجْرِي عَلى حَسَبِ ما في النَّفْسِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] .
والتَّبَتُّلُ: شِدَّةُ البَتْلِ، وهو مَصْدَرُ تَبَتَّلَ القاصِرُ الَّذِي هو مُطاوِعُ بَتَّلَهُ فَتَبَتَّلَ وهو هُنا لِلْمُطاوَعَةِ المَجازِيَّةِ يُقْصَدُ مِن صِيغَتِها المُبالَغَةُ في حُصُولِ الفِعْلِ حَتّى كَأنَّهُ فَعَلُهُ غَيْرُهُ بِهِ فَطاوَعَهُ، والتَّبَتُّلُ: الِانْقِطاعُ، وهو هُنا انْقِطاعٌ مَجازِيٌّ، أيْ: تَفَرُّغُ البالِ والفِكْرِ إلى ما يُرْضِي اللَّهَ، فَكَأنَّهُ انْقَطَعَ عَنِ النّاسِ وانْحازَ إلى جانِبِ اللَّهِ فَعُدِّيَ بِـ (إلى) الدّالَّةِ عَلى الِانْتِهاءِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
مَنارَةُ مَمْسى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ
والتَّبْتِيلُ: مَصْدَرُ بَتَّلَ المُشَدَّدِ الَّذِي هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مِثْلَ التَّقْطِيعِ.
صفحة ٢٦٦
وجِيءَ بِهَذا المَصْدَرِ عِوَضًا عَنِ التَّبَتُّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ حُصُولَ التَّبَتُّلِ، أيِ: الِانْقِطاعِ يَقْتَضِي التَّبْتِيلَ أيِ: القَطْعَ. ولَمّا كانَ التَّبْتِيلُ قائِمًا بِالمُتَبَتِّلِ تَعَيَّنَ أنَّ تَبْتِيلَهُ: قَطْعُهُ نَفْسَهُ عَنْ غَيْرِ مَن تَبَتَّلَ هو إلَيْهِ، فالمَقْطُوعُ عَنْهُ هُنا هو مَن عَدا اللَّهِ تَعالى فالجَمْعُ بَيْنَ (تَبَتَّلَ) و(تَبْتِيلًا) مُشِيرٌ إلى إراضَةِ النَّفْسِ عَلى ذَلِكَ التَّبَتُّلِ. وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ وفاءٌ بِرَعْيِ الفَواصِلِ الَّتِي قَبْلَهُ.
والمُرادُ بِالِانْقِطاعِ المَأْمُورِ بِهِ انْقِطاعٌ خاصٌّ وهو الِانْقِطاعُ عَنِ الأعْمالِ الَّتِي تَمْنَعُهُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ ومَهامِّ النَّهارِ في نَشْرِ الدَّعْوَةِ ومُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ ولِذَلِكَ قِيلَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ أيْ: إلى اللَّهِ فَكُلُّ عَمَلٍ يَقُومُ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن أعْمالِ الحَياةِ فَهو لِدِينِ اللَّهِ فَإنَّ طَعامَهُ وشَرابَهُ ونَوْمَهُ وشُئُونَهُ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى نَشْرِ دِينِ اللَّهِ. وكَذَلِكَ مُنْعِشاتُ الرُّوحِ البَرِيئَةِ مِنَ الإثْمِ مِثْلَ الطِّيبِ، وتَزَوُّجِ النِّساءِ، والأُنْسِ إلى أهْلِهِ وأبْنائِهِ وذَوِيهِ، وقَدْ قالَ «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ» .
ولَيْسَ هو التَّبَتُّلَ المُفْضِيَ إلى الرَّهْبانِيَّةِ وهو الإعْراضُ عَنِ النِّساءِ وعَنْ تَدْبِيرِ أُمُورِ الحَياةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُلاقِي صِفَةَ الرِّسالَةِ.
وفِي حَدِيثِ سَعْدٍ في الصَّحِيحِ ”«رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ولَوْ أذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنا» “ يَعْنِي رَدَّ عَلَيْهِ اسْتَشارَتَهُ في الإعْراضِ عَنِ النِّساءِ.
ومِن أكْبَرِ التَّبَتُّلِ إلى اللَّهِ الِانْقِطاعُ عَنِ الإشْراكِ، وهو مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ بِقَوْلِهِ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .
وخُلاصَةُ المَعْنى: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُورٌ أنْ لا تَخْلُوَ أوْقاتُهُ عَنْ إقْبالٍ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ ومُراقَبَتِهِ والِانْقِطاعِ لِلدَّعْوَةِ لِدِينِ الحَقِّ، وإذْ قَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ مِن قَبْلُ غَيْرَ غافِلٍ عَنْ هَذا الِانْقِطاعِ بِإرْشادٍ مِنَ اللَّهِ كَما ألْهَمَهُ التَّحَنُّثَ في غارِ حِراءَ ثُمَّ بِما أفاضَهُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ والرِّسالَةِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ﴾ مُرادٌ بِهِ الدَّوامُ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ قَدْ كانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيما قَبْلُ فَإنَّ في سُورَةِ القَلَمِ - وقَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ المُزَّمِّلِ - ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم: ٥١] عَلى أنَّ القُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ أوَّلًا أكْثَرُهُ إرْشادٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ إلى طَرائِقِ دَعْوَةِ الرِّسالَةِ فَلِذَلِكَ كانَ غالِبُ ما في السُّورِ الأُوَلِ مِنهُ مُقْتَصِرًا عَلى سَنِّ التَّكالِيفِ الخاصَّةِ بِالرَّسُولِ ﷺ .
صفحة ٢٦٧
ووَصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ لِمُناسَبَةِ الأمْرِ بِذِكْرِهِ في اللَّيْلِ وذِكْرِهِ في النَّهارِ وهُما وقْتا ابْتِداءِ غِيابِ الشَّمْسِ وطُلُوعِها، وذَلِكَ يُشْعِرُ بِامْتِدادِ كُلِّ زَمانٍ مِنهُما إلى أنْ يَأْتِيَ ضِدُّهُ؛ فَيَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ جِهَتَيِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ فَيَكُونُ لِاسْتِيعابِ جِهاتِ الأرْضِ، أيْ: رَبُّ جَمِيعِ العالَمِ وذَلِكَ يُشْعِرُ بِوَقْتَيِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ.
ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِما وقْتا الشُّرُوقِ والغُرُوبِ أيْ: مَبْدَأ ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ ومُنْتَهاهُما، كَما يُقالُ: سَبِّحُوا اللَّهَ كُلَّ مُشْرِقِ شَمْسٍ، وكَما يُقالُ: صَلاةُ المَغْرِبِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ (رَبُّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ حَذْفًا جَرى عَلى الِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ مِمّا يَسْبِقُ في الكَلامِ حَدِيثٌ عَنْهُ. ثُمَّ أُرِيدَ الإخْبارُ عَنْهُ بِخَبَرٍ جامِعٍ لِصِفاتِهِ، وهو مِن قَبِيلِ النَّعْتِ المَقْطُوعِ المَرْفُوعِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِخَفْضِ (رَبِّ) عَلى البَدَلِ مِن (رَبِّكَ) .
وعُقِّبَ وصْفُ اللَّهِ بِـ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾، بِالإخْبارِ عَنْهُ أوْ بِوَصْفِهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو؛ لِأنَّ تَفَرُّدَهُ بِالإلَهِيَّةِ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِرُبُوبِيَّةِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَلَمّا كانَتْ رُبُوبِيَّتُهُ لِلْعالَمِ لا يُنازِعُ فِيها المُشْرِكُونَ أُعْقِبَتْ بِما يَقْتَضِي إبْطالَ دَعْوى المُشْرِكِينَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ تَعْرِيضًا بِهِمْ في أثْناءِ الكَلامِ وإنْ كانَ الكَلامُ مَسُوقًا إلى النَّبِيءِ ﷺ . ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾، وإذا كانَ الأمْرُ بِاتِّخاذِهِ وكِيلًا مُسَبَّبًا عَنْ كَوْنِهِ لا إلَهَ إلّا هو كانَ ذَلِكَ في قُوَّةِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ وكِيلٍ غَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ بِأهْلٍ لِاتِّخاذِهِ وكِيلًا.
والوَكِيلُ: الَّذِي يُوكَلُ إلَيْهِ الأُمُورُ، أيْ: يُفَوَّضُ إلى تَصَرُّفِهِ، ومِن أهَمِّ التَّفْوِيضِ أمْرُ الِانْتِصارِ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ المُشْرِكِينَ فِيهِ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَزَمُّلِهِ مِن مَوْجِدَةِ الحُزْنِ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ لا يَعْتَمِدَ إلّا عَلَيْهِ، وهَذا تَكَفُّلٌ بِالنَّصْرِ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] .
المزمل 73:10
﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾
صفحة ٢٦٨
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، والمُناسَبَةُ أنْ الصَّبْرَ عَلى الأذى يُسْتَعانُ عَلَيْهِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ.
وضَمِيرُ يَقُولُونَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ فَهو مِنَ الضَّمائِرِ الَّتِي اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مُعادِها بِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِلسّامِعِينَ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ومِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦] الآياتِ، مِن سُورَةِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الجن: ١]، ولِأنَّهُ سَيَأْتِي عَقِبَهُ قَوْلُهُ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] فَيُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ.
وقَدْ مَضى في السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المُزَّمِّلِ مَقالاتُ أذًى مِنَ المُشْرِكِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفي سُورَةِ العَلَقِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] . قِيلَ هو أبُو جَهْلٍ تَهَدَّدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَئِنْ صَلّى في المَسْجِدِ الحَرامِ لَيَفْعَلَنَّ ويَفْعَلَنَّ. وفِيها ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] . قِيلَ هو الأخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ تَنَكَّرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ كانَ حَلِيفَهُ، وفي سُورَةِ القَلَمِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ [القلم: ٥] ﴿بِأيِّكُمُ المَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، وقَوْلِهِ ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٥] رَدًّا لِمَقالاتِهِمْ. وفي سُورَةِ المُدَّثِّرِ إنْ كانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ المُزَّمِّلِ ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ فَلِذَلِكَ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ.
والهَجْرُ الجَمِيلُ: هو الحَسَنُ في نَوْعِهِ، فَإنَّ الأحْوالَ والمَعانِيَ مِنها حَسَنٌ ومِنها قَبِيحٌ في نَوْعِهِ، وقَدْ يُقالُ: كَرِيمٌ، وذَمِيمٌ، وخالِصٌ، وكَدِرٌ، ويَعْرِضُ الوَصْفُ لِلنَّوْعِ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مِن عَوارِضَ تُناسِبُ حَقِيقَةَ النَّوْعِ فَإذا جُرِّدَتِ الحَقِيقَةُ عَنِ الأعْراضِ الَّتِي قَدْ تَعْتَلِقُ بِها كانَ نَوْعُها خالِصًا، وإذا أُلْصِقَ بِالحَقِيقَةِ ما لَيْسَ مِن خَصائِصِها كانَ النَّوْعُ مُكَدَّرًا قَبِيحًا، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ (﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨]) في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلُهُ ﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥] في سُورَةِ المَعارِجِ.
فالهَجْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي يَقْتَصِرُ صاحِبُهُ عَلى حَقِيقَةِ الهَجْرِ، وهو تَرْكُ المُخالَطَةِ فَلا يَقْرِنُها بِجَفاءٍ آخَرَ أوْ أذًى، ولَمّا كانَ الهَجْرُ يَنْشَأُ عَنْ بُغْضِ المَهْجُورِ، أوْ كَراهِيَةِ
صفحة ٢٦٩
أعْمالِهِ كانَ مُعَرَّضًا لِأنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ أذًى مِن سَبٍّ أوْ ضَرْبٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهَجْرِ المُشْرِكِينَ هَجْرًا جَمِيلًا، أيْ: أنْ يَهْجُرَهم ولا يَزِيدَ عَلى هَجْرِهِمْ سَبًّا أوِ انْتِقامًا.
وهَذا الهَجْرُ: هو إمْساكُ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ مُكافَأتِهِمْ بِمِثْلِ ما يَقُولُونَهُ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ .
ولَيْسَ مُنْسَحِبًا عَلى الدَّعْوَةِ لِلدِّينِ فَإنَّها مُسْتَمِرَّةٌ ولَكِنَّها تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُنْسَبُ إلى النَّبِيءِ ﷺ .
وقَدِ انْتَزَعَ فَخْرُ الدِّينِ مِن هَذِهِ الآيَةِ مَنزَعًا خُلُقِيًّا بِأنَّ اللَّهَ جَمَعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الإنْسانُ في مُخالَطَةِ النّاسِ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ؛ لِأنَّ المَرْءَ إمّا أنْ يَكُونَ مُخالِطًا فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى أذاهم وإيحاشِهِمْ؛ لِأنَّهُ إنْ أطْمَعَ نَفْسَهُ بِالرّاحَةِ مَعَهم لَمْ يَجِدْها مُسْتَمِرَّةً فَيَقَعُ في الغُمُومِ إنْ لَمْ يَرِضْ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم، وإنْ تَرَكَ المُخالَطَةَ فَذَلِكَ هو الهَجْرُ الجَمِيلُ.
المزمل 73:11
﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] في سُورَةِ القَلَمِ، أيْ: دَعْنِي وإيّاهم، أيْ: لا تَهْتَمَّ بِتَكْذِيبِهِمْ ولا تَشْتَغِلْ بِتَكْرِيرِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ولا تَغْضَبْ ولا تَسُبَّهم فَأنا أكْفِيكَهم.
وانْتَصَبَ المُكَذِّبِينَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، والواوُ واوُ المَعِيَّةِ.
والمُكَذِّبُونَ هم مَن عَناهم بِضَمِيرِ (يَقُولُونَ) (واهْجُرْهم)، وهُمُ المُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإفادَةِ أنَّ التَّكْذِيبَ هو سَبَبُ هَذا التَّهْدِيدِ.
ووَصَفَهم بِـ أُولِي النَّعْمَةِ تَوْبِيخًا لَهم بِأنَّهم كَذَّبُوا لِغُرُورِهِمْ وبَطَرِهِمْ بِسَعَةِ حالِهِمْ، وتَهْدِيدًا لَهم بِأنَّ الَّذِي قالَ ﴿ذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ سَيُزِيلُ عَنْهم ذَلِكَ التَّنَعُّمَ.
وفِي هَذا الوَصْفِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهَكُّمِ؛؛ لِأنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ سَعَةَ العَيْشِ ووَفْرَةَ المالِ
صفحة ٢٧٠
كَمالًا، وكانُوا يُعَيِّرُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالخَصاصَةِ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] الآياتِ، وقالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ [محمد: ١٢] .
والنَّعْمَةُ: هُنا بِفَتْحِ النُّونِ بِاتِّفاقِ القُرّاءِ. وهي اسْمٌ لِلتَّرَفُّهِ، وجَمْعُها أنْعُمٌ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ العَيْنِ.
وأمّا النِّعْمَةُ، بِكَسْرِ النُّونِ، فاسْمٌ لِلْحالَةِ المُلائِمَةِ لِرَغْبَةِ الإنْسانِ مِن عافِيَةٍ وأمْنٍ ورِزْقٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الغائِبِ. وجَمْعُها: نِعَمٌ، بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِ العَيْنِ، وتُجْمَعُ جَمْعَ سَلامَةٍ عَلى نِعَماتٍ بِكَسْرِ النُّونِ وبِفَتْحِ العَيْنِ لِجُمْهُورِ العَرَبِ. وتُكْسَرُ العَيْنُ في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ كَسْرَةَ إتْباعٍ.
والنُّعْمَةُ: بِضَمِّ النُّونِ، اسْمٌ لِلْمَسَرَّةِ فَيَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ عَلى نُعْمٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، ويَجُوزُ أنْ تُجْمَعَ عَلى نُعَمٍ، بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مِثْلَ: غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وهو مُطَّرِدٌ في الوَزْنِ.
وجَعْلُهم ذَوِي النَّعْمَةِ - المَفْتُوحَةِ النُّونِ - لِلْإشارَةِ إلى أنَّ قُصارى حَظِّهِمْ في هَذِهِ الحَياةِ هي النَّعْمَةُ، أيِ: الِانْطِلاقُ في العَيْشِ بِلا ضِيقٍ، والِاسْتِظْلالُ بِالبُيُوتِ والجَنّاتِ، والإقْبالُ عَلى لَذِيذِ الطُّعُومِ ولَذائِذِ الِانْبِساطِ إلى النِّساءِ والخَمْرِ والمَيْسِرِ، وهم مُعْرِضُونَ عَنْ كَمالاتِ النَّفْسِ ولَذَّةِ الِاهْتِداءِ والمَعْرِفَةِ قالَ تَعالى ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] وتَعْرِيفُ النَّعْمَةِ لِلْعَهْدِ.
والتَّمْهِيلُ: الإمْهالُ الشَّدِيدُ، والإمْهالُ: التَّأْجِيلُ وتَأْخِيرُ العُقُوبَةِ، وهو مُتَرَتِّبٌ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾، أيْ: وانْتَظِرْ أنْ نَنْتَصِرَ لَكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
و(قَلِيلًا): وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَمْهِيلًا قَلِيلًا. وانْتَصَبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ.
المزمل 73:12
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾
صفحة ٢٧١
وهَذا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١]، أيْ:؛ لِأنَّ لَدَيْنا ما هو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَدِّكَ عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّعْلِيلُ أفادَ تَهْدِيدَهم بِأنَّ هَذِهِ النِّقَمَ أُعِدَّتْ لَهم لِأنَّها لَمّا كانَتْ مِن خَزائِنِ نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى كانَتْ بِحَيْثُ يَضَعُها اللَّهُ في المَواضِعِ المُسْتَأْهِلَةِ لَها، وهُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَأعَدَّ اللَّهُ لَهم ما يَكُونُ عَلَيْهِمْ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ ضِدًّا لِأُصُولِ النِّعْمَةِ الَّتِي خُوِّلُوها، فَبَطِرُوا بِها وقابَلُوا المُنْعِمَ بِالكُفْرانِ.
فالأنْكالُ مُقابِلُ كُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ الصِّحَّةِ والمَقْدِرَةِ؛ لِأنَّ الأنْكالَ: القُيُودُ. والجَحِيمُ: وهو نارُ جَهَنَّمَ مُقابِلُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن لَذَّةِ الِاسْتِظْلالِ والتَّبَرُّدِ. والطَّعامُ ذُو الغُصَّةِ مُقابِلُ ما كانُوا مُنْهَمِكِينَ فِيهِ مِن أطْعِمَتِهِمُ الهَنِيئَةِ مِنَ الثَّمَراتِ والمَطْبُوخاتِ والصَّيْدِ. والأنْكالُ: جَمْعُ نَكْلٍ، بِفَتْحِ النُّونِ وبِكَسْرِها وبِسُكُونِ الكافِ، وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ.
والغُصَّةُ، بِضَمِّ الغَيْنِ: اسْمٌ لِأثَرِ الغَصِّ في الحَلْقِ وهو تَرَدُّدُ الطَّعامِ والشَّرابِ في الحَلْقِ بِحَيْثُ لا يُسِيغُهُ الحَلْقُ مَن مَرَضٍ أوْ حُزْنٍ وعَبْرَةٍ.
وإضافَةُ الطَّعامِ إلى الغُصَّةِ إضافَةٌ مَجازِيَّةٌ وهي مِنَ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَإنَّ الغُصَّةَ عارِضٌ في الحَلْقِ سَبَبُهُ الطَّعامُ أوِ الشُّرْبُ الَّذِي لا يُسْتَساغُ لِبَشاعَةٍ أوْ يُبُوسَةٍ.
والعَذابُ الألِيمُ: مُقابِلُ ما في النِّعْمَةِ مِن مَلاذِّ البَشَرِ، فَإنَّ الألَمَ ضِدُّ اللَّذَّةِ. وقَدْ عَرَّفَ الحُكَماءُ اللَّذَّةَ بِأنَّها الخَلاصُ مِنَ الألَمِ.
وقَدْ جُمِعَ الأخِيرُ جَمْعَ ما يُضادُّ مَعْنى النَّعْمَةِ (بِالفَتْحِ) .
وتَنْكِيرُ هَذِهِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها، و(لَدى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُونِ العَظَمَةِ. والتَّقْدِيرُ: لَدى خَزائِنِنا، أيْ: خَزائِنِ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا في القُدْرَةِ عَلى إيجادِ ذَلِكَ مَتى أرادَ اللَّهُ.
ويَتَعَلَّقُ (﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾) بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ خَبَرُ (إنَّ) في قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ .
والرَّجْفُ: الزَّلْزَلَةُ والِاضْطِرابُ، والمُرادُ: الرَّجْفُ المُتَكَرِّرُ المُسْتَمِرُّ، وهو الَّذِي يَكُونُ بِهِ انْفِراطُ أجْزاءِ الأرْضِ وانْحِلالُها.
صفحة ٢٧٢
والكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ كالرَّبْوَةِ، أيْ: تَصِيرُ حِجارَةُ الجِبالِ دِقاقًا.
ومَهِيلٌ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن هالَ الشَّيْءَ هَيْلًا، إذا نَثَرَهُ وصَبَّهُ. وأصْلُهُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَنُقِلَتْ إلى السّاكِنِ قَبْلَها فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، ولِأنَّها زائِدَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْها الضَّمَّةُ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (كانَتْ) في قَوْلِهِ ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا﴾، لِلْإشارَةِ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ في الماضِي. ووَجْهُ مُخالَفَتِهِ لِأُسْلُوبِ (تَرْجُفُ) أنَّ صَيْرُورَةَ الجِبالِ كُثُبًا أمْرٌ عَجِيبٌ غَيْرُ مُعْتادٍ، فَلَعَلَّهُ يَسْتَبْعِدُهُ السّامِعُونَ، وأمّا رَجْفُ الأرْضِ فَهو مَعْرُوفٌ، إلّا أنَّ هَذا الرَّجْفَ المَوْعُودَ بِهِ أعْظَمُ ما عُرِفَ جِنْسُهُ.
المزمل 73:13
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾
صفحة ٢٧١
وهَذا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١]، أيْ:؛ لِأنَّ لَدَيْنا ما هو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَدِّكَ عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّعْلِيلُ أفادَ تَهْدِيدَهم بِأنَّ هَذِهِ النِّقَمَ أُعِدَّتْ لَهم لِأنَّها لَمّا كانَتْ مِن خَزائِنِ نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى كانَتْ بِحَيْثُ يَضَعُها اللَّهُ في المَواضِعِ المُسْتَأْهِلَةِ لَها، وهُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَأعَدَّ اللَّهُ لَهم ما يَكُونُ عَلَيْهِمْ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ ضِدًّا لِأُصُولِ النِّعْمَةِ الَّتِي خُوِّلُوها، فَبَطِرُوا بِها وقابَلُوا المُنْعِمَ بِالكُفْرانِ.
فالأنْكالُ مُقابِلُ كُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ الصِّحَّةِ والمَقْدِرَةِ؛ لِأنَّ الأنْكالَ: القُيُودُ. والجَحِيمُ: وهو نارُ جَهَنَّمَ مُقابِلُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن لَذَّةِ الِاسْتِظْلالِ والتَّبَرُّدِ. والطَّعامُ ذُو الغُصَّةِ مُقابِلُ ما كانُوا مُنْهَمِكِينَ فِيهِ مِن أطْعِمَتِهِمُ الهَنِيئَةِ مِنَ الثَّمَراتِ والمَطْبُوخاتِ والصَّيْدِ. والأنْكالُ: جَمْعُ نَكْلٍ، بِفَتْحِ النُّونِ وبِكَسْرِها وبِسُكُونِ الكافِ، وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ.
والغُصَّةُ، بِضَمِّ الغَيْنِ: اسْمٌ لِأثَرِ الغَصِّ في الحَلْقِ وهو تَرَدُّدُ الطَّعامِ والشَّرابِ في الحَلْقِ بِحَيْثُ لا يُسِيغُهُ الحَلْقُ مَن مَرَضٍ أوْ حُزْنٍ وعَبْرَةٍ.
وإضافَةُ الطَّعامِ إلى الغُصَّةِ إضافَةٌ مَجازِيَّةٌ وهي مِنَ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَإنَّ الغُصَّةَ عارِضٌ في الحَلْقِ سَبَبُهُ الطَّعامُ أوِ الشُّرْبُ الَّذِي لا يُسْتَساغُ لِبَشاعَةٍ أوْ يُبُوسَةٍ.
والعَذابُ الألِيمُ: مُقابِلُ ما في النِّعْمَةِ مِن مَلاذِّ البَشَرِ، فَإنَّ الألَمَ ضِدُّ اللَّذَّةِ. وقَدْ عَرَّفَ الحُكَماءُ اللَّذَّةَ بِأنَّها الخَلاصُ مِنَ الألَمِ.
وقَدْ جُمِعَ الأخِيرُ جَمْعَ ما يُضادُّ مَعْنى النَّعْمَةِ (بِالفَتْحِ) .
وتَنْكِيرُ هَذِهِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها، و(لَدى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُونِ العَظَمَةِ. والتَّقْدِيرُ: لَدى خَزائِنِنا، أيْ: خَزائِنِ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا في القُدْرَةِ عَلى إيجادِ ذَلِكَ مَتى أرادَ اللَّهُ.
ويَتَعَلَّقُ (﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾) بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ خَبَرُ (إنَّ) في قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ .
والرَّجْفُ: الزَّلْزَلَةُ والِاضْطِرابُ، والمُرادُ: الرَّجْفُ المُتَكَرِّرُ المُسْتَمِرُّ، وهو الَّذِي يَكُونُ بِهِ انْفِراطُ أجْزاءِ الأرْضِ وانْحِلالُها.
صفحة ٢٧٢
والكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ كالرَّبْوَةِ، أيْ: تَصِيرُ حِجارَةُ الجِبالِ دِقاقًا.
ومَهِيلٌ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن هالَ الشَّيْءَ هَيْلًا، إذا نَثَرَهُ وصَبَّهُ. وأصْلُهُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَنُقِلَتْ إلى السّاكِنِ قَبْلَها فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، ولِأنَّها زائِدَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْها الضَّمَّةُ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (كانَتْ) في قَوْلِهِ ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا﴾، لِلْإشارَةِ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ في الماضِي. ووَجْهُ مُخالَفَتِهِ لِأُسْلُوبِ (تَرْجُفُ) أنَّ صَيْرُورَةَ الجِبالِ كُثُبًا أمْرٌ عَجِيبٌ غَيْرُ مُعْتادٍ، فَلَعَلَّهُ يَسْتَبْعِدُهُ السّامِعُونَ، وأمّا رَجْفُ الأرْضِ فَهو مَعْرُوفٌ، إلّا أنَّ هَذا الرَّجْفَ المَوْعُودَ بِهِ أعْظَمُ ما عُرِفَ جِنْسُهُ.
المزمل 73:14
﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا وجَحِيمًا﴾ ﴿وطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾
صفحة ٢٧١
وهَذا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١]، أيْ:؛ لِأنَّ لَدَيْنا ما هو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِن رَدِّكَ عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّعْلِيلُ أفادَ تَهْدِيدَهم بِأنَّ هَذِهِ النِّقَمَ أُعِدَّتْ لَهم لِأنَّها لَمّا كانَتْ مِن خَزائِنِ نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى كانَتْ بِحَيْثُ يَضَعُها اللَّهُ في المَواضِعِ المُسْتَأْهِلَةِ لَها، وهُمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَأعَدَّ اللَّهُ لَهم ما يَكُونُ عَلَيْهِمْ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ ضِدًّا لِأُصُولِ النِّعْمَةِ الَّتِي خُوِّلُوها، فَبَطِرُوا بِها وقابَلُوا المُنْعِمَ بِالكُفْرانِ.
فالأنْكالُ مُقابِلُ كُفْرانِهِمْ بِنِعْمَةِ الصِّحَّةِ والمَقْدِرَةِ؛ لِأنَّ الأنْكالَ: القُيُودُ. والجَحِيمُ: وهو نارُ جَهَنَّمَ مُقابِلُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن لَذَّةِ الِاسْتِظْلالِ والتَّبَرُّدِ. والطَّعامُ ذُو الغُصَّةِ مُقابِلُ ما كانُوا مُنْهَمِكِينَ فِيهِ مِن أطْعِمَتِهِمُ الهَنِيئَةِ مِنَ الثَّمَراتِ والمَطْبُوخاتِ والصَّيْدِ. والأنْكالُ: جَمْعُ نَكْلٍ، بِفَتْحِ النُّونِ وبِكَسْرِها وبِسُكُونِ الكافِ، وهو القَيْدُ الثَّقِيلُ.
والغُصَّةُ، بِضَمِّ الغَيْنِ: اسْمٌ لِأثَرِ الغَصِّ في الحَلْقِ وهو تَرَدُّدُ الطَّعامِ والشَّرابِ في الحَلْقِ بِحَيْثُ لا يُسِيغُهُ الحَلْقُ مَن مَرَضٍ أوْ حُزْنٍ وعَبْرَةٍ.
وإضافَةُ الطَّعامِ إلى الغُصَّةِ إضافَةٌ مَجازِيَّةٌ وهي مِنَ الإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، فَإنَّ الغُصَّةَ عارِضٌ في الحَلْقِ سَبَبُهُ الطَّعامُ أوِ الشُّرْبُ الَّذِي لا يُسْتَساغُ لِبَشاعَةٍ أوْ يُبُوسَةٍ.
والعَذابُ الألِيمُ: مُقابِلُ ما في النِّعْمَةِ مِن مَلاذِّ البَشَرِ، فَإنَّ الألَمَ ضِدُّ اللَّذَّةِ. وقَدْ عَرَّفَ الحُكَماءُ اللَّذَّةَ بِأنَّها الخَلاصُ مِنَ الألَمِ.
وقَدْ جُمِعَ الأخِيرُ جَمْعَ ما يُضادُّ مَعْنى النَّعْمَةِ (بِالفَتْحِ) .
وتَنْكِيرُ هَذِهِ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ لِقَصْدِ تَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها، و(لَدى) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُقَدَّرُ مُضافٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُونِ العَظَمَةِ. والتَّقْدِيرُ: لَدى خَزائِنِنا، أيْ: خَزائِنِ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا في القُدْرَةِ عَلى إيجادِ ذَلِكَ مَتى أرادَ اللَّهُ.
ويَتَعَلَّقُ (﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾) بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ خَبَرُ (إنَّ) في قَوْلِهِ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالًا﴾ .
والرَّجْفُ: الزَّلْزَلَةُ والِاضْطِرابُ، والمُرادُ: الرَّجْفُ المُتَكَرِّرُ المُسْتَمِرُّ، وهو الَّذِي يَكُونُ بِهِ انْفِراطُ أجْزاءِ الأرْضِ وانْحِلالُها.
صفحة ٢٧٢
والكَثِيبُ: الرَّمْلُ المُجْتَمِعُ كالرَّبْوَةِ، أيْ: تَصِيرُ حِجارَةُ الجِبالِ دِقاقًا.
ومَهِيلٌ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن هالَ الشَّيْءَ هَيْلًا، إذا نَثَرَهُ وصَبَّهُ. وأصْلُهُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَنُقِلَتْ إلى السّاكِنِ قَبْلَها فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، ولِأنَّها زائِدَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْها الضَّمَّةُ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (كانَتْ) في قَوْلِهِ ﴿وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا﴾، لِلْإشارَةِ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ في الماضِي. ووَجْهُ مُخالَفَتِهِ لِأُسْلُوبِ (تَرْجُفُ) أنَّ صَيْرُورَةَ الجِبالِ كُثُبًا أمْرٌ عَجِيبٌ غَيْرُ مُعْتادٍ، فَلَعَلَّهُ يَسْتَبْعِدُهُ السّامِعُونَ، وأمّا رَجْفُ الأرْضِ فَهو مَعْرُوفٌ، إلّا أنَّ هَذا الرَّجْفَ المَوْعُودَ بِهِ أعْظَمُ ما عُرِفَ جِنْسُهُ.
المزمل 73:15
﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ نُقِلَ الكَلامُ إلى مُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ أنْ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى النَّبِيءِ ﷺ .
والمُناسَبَةُ لِذَلِكَ التَّخَلُّصُ إلى وعِيدِهِمْ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ وهَجْرِهِمْ هَجْرًا جَمِيلًا إذْ قالَ لَهُ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] إلى قَوْلِهِ (﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣]) .
فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولا يُعَدُّ هَذا الخِطابُ مِنَ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ الكَلامَ نُقِلَ إلى غَرَضٍ غَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي كانَ قَبْلَهُ.
فالخِطابُ فِيهِ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى كِلا المَذْهَبَيْنِ: مَذْهَبِ الجُمْهُورِ ومَذْهَبِ السَّكّاكِيِّ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أمْثالَهم مِمَّنْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَهو مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وهَذا أوَّلُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ لِلتَّهْدِيدِ بِمَصِيرِ أمْثالِهِمْ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ٢٧٣
واخْتِيرَ لَهم ضَرْبُ المَثَلِ بِفِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -،؛ لِأنَّ الجامِعَ بَيْنَ حالِ أهْلِ مَكَّةَ وحالِ أهْلِ مِصْرَ في سَبَبِ الإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ هو مَجْمُوعُ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وما يَمْلَأُ نُفُوسَهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّعاظُمِ عَلى الرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِزَعْمِهِمْ أنَّ مِثْلَهم لا يُطِيعُ مِثْلَهُ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وقَدْ قالَ أهْلُ مَكَّةَ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] . وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ ضَرْبُ المَثَلِ بِفِرْعَوْنَ لِأبِي جَهْلٍ وهو زَعِيمُ المُناوِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤَلِّبِينَ عَلَيْهِ وأشَدُّ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ كُفْرًا.
وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ)؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ مُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا.
ونَكَّرَ رَسُولًا؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ المَعْنِيَّ بِهِ في هَذا الكَلامِ، ولِأنَّ مَناطَ التَّهْدِيدِ والتَّنْظِيرِ لَيْسَ شَخْصَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو صِفَةُ الإرْسالِ.
وأُدْمِجَ في التَّنْظِيرِ والتَّهْدِيدِ وصْفُ الرَّسُولِ ﷺ بِكَوْنِهِ شاهِدًا عَلَيْهِمْ.
والمُرادُ بِالشَّهادَةِ هُنا: الشَّهادَةُ بِتَبْلِيغِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ النّاسِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ وصْفُ (شاهِدًا) مُوافِقًا لِاسْتِعْمالِ الوَصْفِ بِاسْمِ الفاعِلِ في زَمَنِ الحالِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلَيْكُمُ الآنَ بِمُعاوَدَةِ الدَّعْوَةِ والإبْلاغِ.
وأمّا شَهادَةُ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ فَهي شَهادَةٌ بِصِدْقِ المُسْلِمِينَ في شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ بِأنَّ رُسُلَهم أبْلَغُوا إلَيْهِمْ رِسالاتِ رَبِّهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما ورَدَ تَفْصِيلُ تَفْسِيرِها في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَنْكِيرُ (رَسُولًا) المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِالإرْسالِ لا بِشَخْصِ المُرْسَلِ إذِ التَّشْبِيهُ تَعَلَّقَ بِالإرْسالِ في قَوْلِهِ ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ إذْ تَقْدِيرُهُ كَإرْسالِنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا.
وتَفْرِيعُ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ هو الغَرَضُ مِن هَذا الخَبَرِ وهو التَّهْدِيدُ بِأنْ يَحِلَّ بِالمُخاطِبِينَ لَمّا عَصَوُا الرَّسُولَ ﷺ مِثْلَ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ.
صفحة ٢٧٤
وفِي إظْهارِ اسْمِ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ (﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ﴾) دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِهِ لِلنِّداءِ عَلَيْهِ بِفَظاعَةِ عِصْيانِهِ الرَّسُولَ.
ولَمّا جَرى ذِكْرُ الرَّسُولِ المُرْسَلِ إلى فِرْعَوْنَ أوَّلَ مَرَّةٍ جِيءَ بِهِ في ذِكْرِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ مُعَرَّفًا بِلامِ العَهْدِ وهو العَهْدُ الذِّكْرِيُّ، أيِ: الرَّسُولُ المَذْكُورُ آنِفًا فَإنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ كانَ مَدْلُولُها عَيْنَ الأُولى.
والأخْذُ مُسْتَعْمَلٌ في الإهْلاكِ مَجازًا؛ لِأنَّهُ لَمّا أزالَهم مِنَ الحَياةِ أشْبَهَ فِعْلُهُ أخْذَ الآخِذِ شَيْئًا مِن مَوْضِعِهِ وجَعْلِهِ عِنْدَهُ.
والوَبِيلُ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن وبُلَ المَكانُ، إذا وخِمَ هَواؤُهُ أوْ مَرْعى كَلَئِهِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
إلى كَلَإٍ مُسْتَوْبِلٍ مُتَوَخِّمٍ
وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِسَيِّءِ العاقِبَةِ شَدِيدَ السُّوءِ، وأُرِيدَ بِهِ الغَرَقُ الَّذِي أصابَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ.
المزمل 73:16
﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ نُقِلَ الكَلامُ إلى مُخاطَبَةِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ أنْ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى النَّبِيءِ ﷺ .
والمُناسَبَةُ لِذَلِكَ التَّخَلُّصُ إلى وعِيدِهِمْ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ وهَجْرِهِمْ هَجْرًا جَمِيلًا إذْ قالَ لَهُ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: ١١] إلى قَوْلِهِ (﴿وعَذابًا ألِيمًا﴾ [المزمل: ١٣]) .
فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولا يُعَدُّ هَذا الخِطابُ مِنَ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ الكَلامَ نُقِلَ إلى غَرَضٍ غَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي كانَ قَبْلَهُ.
فالخِطابُ فِيهِ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى كِلا المَذْهَبَيْنِ: مَذْهَبِ الجُمْهُورِ ومَذْهَبِ السَّكّاكِيِّ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أمْثالَهم مِمَّنْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَهو مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وهَذا أوَّلُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ لِلتَّهْدِيدِ بِمَصِيرِ أمْثالِهِمْ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ٢٧٣
واخْتِيرَ لَهم ضَرْبُ المَثَلِ بِفِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -،؛ لِأنَّ الجامِعَ بَيْنَ حالِ أهْلِ مَكَّةَ وحالِ أهْلِ مِصْرَ في سَبَبِ الإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ هو مَجْمُوعُ ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وما يَمْلَأُ نُفُوسَهم مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّعاظُمِ عَلى الرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِزَعْمِهِمْ أنَّ مِثْلَهم لا يُطِيعُ مِثْلَهُ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وقَدْ قالَ أهْلُ مَكَّةَ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهم قالُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] . وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ ضَرْبُ المَثَلِ بِفِرْعَوْنَ لِأبِي جَهْلٍ وهو زَعِيمُ المُناوِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤَلِّبِينَ عَلَيْهِ وأشَدُّ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ كُفْرًا.
وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ)؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ مُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا.
ونَكَّرَ رَسُولًا؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ المَعْنِيَّ بِهِ في هَذا الكَلامِ، ولِأنَّ مَناطَ التَّهْدِيدِ والتَّنْظِيرِ لَيْسَ شَخْصَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو صِفَةُ الإرْسالِ.
وأُدْمِجَ في التَّنْظِيرِ والتَّهْدِيدِ وصْفُ الرَّسُولِ ﷺ بِكَوْنِهِ شاهِدًا عَلَيْهِمْ.
والمُرادُ بِالشَّهادَةِ هُنا: الشَّهادَةُ بِتَبْلِيغِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ النّاسِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ وصْفُ (شاهِدًا) مُوافِقًا لِاسْتِعْمالِ الوَصْفِ بِاسْمِ الفاعِلِ في زَمَنِ الحالِ، أيْ: هو شاهِدٌ عَلَيْكُمُ الآنَ بِمُعاوَدَةِ الدَّعْوَةِ والإبْلاغِ.
وأمّا شَهادَةُ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ القِيامَةِ فَهي شَهادَةٌ بِصِدْقِ المُسْلِمِينَ في شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ بِأنَّ رُسُلَهم أبْلَغُوا إلَيْهِمْ رِسالاتِ رَبِّهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما ورَدَ تَفْصِيلُ تَفْسِيرِها في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَنْكِيرُ (رَسُولًا) المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِالإرْسالِ لا بِشَخْصِ المُرْسَلِ إذِ التَّشْبِيهُ تَعَلَّقَ بِالإرْسالِ في قَوْلِهِ ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ﴾ إذْ تَقْدِيرُهُ كَإرْسالِنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا.
وتَفْرِيعُ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ هو الغَرَضُ مِن هَذا الخَبَرِ وهو التَّهْدِيدُ بِأنْ يَحِلَّ بِالمُخاطِبِينَ لَمّا عَصَوُا الرَّسُولَ ﷺ مِثْلَ ما حَلَّ بِفِرْعَوْنَ.
صفحة ٢٧٤
وفِي إظْهارِ اسْمِ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ (﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ﴾) دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِهِ لِلنِّداءِ عَلَيْهِ بِفَظاعَةِ عِصْيانِهِ الرَّسُولَ.
ولَمّا جَرى ذِكْرُ الرَّسُولِ المُرْسَلِ إلى فِرْعَوْنَ أوَّلَ مَرَّةٍ جِيءَ بِهِ في ذِكْرِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ مُعَرَّفًا بِلامِ العَهْدِ وهو العَهْدُ الذِّكْرِيُّ، أيِ: الرَّسُولُ المَذْكُورُ آنِفًا فَإنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ كانَ مَدْلُولُها عَيْنَ الأُولى.
والأخْذُ مُسْتَعْمَلٌ في الإهْلاكِ مَجازًا؛ لِأنَّهُ لَمّا أزالَهم مِنَ الحَياةِ أشْبَهَ فِعْلُهُ أخْذَ الآخِذِ شَيْئًا مِن مَوْضِعِهِ وجَعْلِهِ عِنْدَهُ.
والوَبِيلُ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن وبُلَ المَكانُ، إذا وخِمَ هَواؤُهُ أوْ مَرْعى كَلَئِهِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
إلى كَلَإٍ مُسْتَوْبِلٍ مُتَوَخِّمٍ
وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِسَيِّءِ العاقِبَةِ شَدِيدَ السُّوءِ، وأُرِيدَ بِهِ الغَرَقُ الَّذِي أصابَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ.
المزمل 73:17
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ الِاسْتِفْهامُ بِـ (كَيْفَ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ والتَّوْبِيخِ وهو مُتَفَرِّعٌ بِالفاءِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الخِطابُ السّابِقُ مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وما أُدْمِجَ فِيهِ مِنَ التَّسْجِيلِ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ شاهِدٌ عَلَيْهِمْ فَلَيْسَ بَعْدَ الشَّهادَةِ إلّا المُؤاخَذَةُ بِما شَهِدَ بِهِ. وقَدِ انْتَقَلَ بِهِمْ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالأخْذِ في الدُّنْيا المُسْتَفادِ مِن تَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى إلى الوَعِيدِ بِعِقابٍ أشَدَّ وهو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ وقَدْ نَشَأ هَذا الِاسْتِفْهامُ عَنِ اعْتِبارِهِمْ أهْلَ اتِّعاظٍ وخَوْفٍ مِنَ الوَعِيدِ بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُثِيرَ فِيهِمْ تَفْكِيرًا مِنَ النَّجاةِ مِنَ الوُقُوعِ فِيما هُدِّدُوا بِهِ، وأنَّهم إنْ كانُوا أهْلَ جَلادَةٍ عَلى تَحَمُّلِ عَذابِ الدُّنْيا فَماذا يَصْنَعُونَ في اتِّقاءِ عَذابِ الآخِرَةِ، فَدَلَّتْ فاءُ التَّفْرِيعِ واسْمُ الِاسْتِفْهامِ عَلى هَذا المَعْنى.
فالمَعْنى: هَبْكم أقْدَمْتُمْ عَلى تَحَمُّلِ عَذابِ الدُّنْيا فَكَيْفَ تَتَّقُونَ عَذابَ الآخِرَةِ،
صفحة ٢٧٥
فَفِعْلُ الشَّرْطِ مِن قَوْلِهِ (﴿إنْ كَفَرْتُمْ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الدَّوامِ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْطُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ مَعْنى الدَّوامِ مِن فِعْلِ (كَفَرْتُمْ) وإلّا فَإنَّ كُفْرَهم حاصِلٌ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
و(يَوْمًا) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (تَتَّقُونَ) . واتِّقاءُ اليَوْمِ اتِّقاءُ ما يَقَعُ فِيهِ مِن عَذابٍ أيْ: عَلى الكُفْرِ.
ووَصْفُ اليَوْمِ بِأنَّهُ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ وصْفٌ لَهُ بِاعْتِبارِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والأحْزانِ،؛ لِأنَّهُ شاعَ أنَّ الهَمَّ مِمّا يُسْرِعُ بِهِ الشَّيْبُ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ هَمِّ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالشِّدَّةِ البالِغَةِ أقْواها أُسْنِدَ إلَيْهِ يَشِيبُ الوِلْدانُ الَّذِينَ شَعْرُهم في أوَّلِ سَوادِهِ. وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَجِيبَةٌ، وهي مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ فِيما أحْسَبُ، لِأنِّي لَمْ أرَ هَذا المَعْنى في كَلامِ العَرَبِ، وأمّا البَيْتُ الَّذِي يُذْكَرُ في شَواهِدِ النَّحْوِ وهو:
إذَنْ واللَّهِ نَرْمِيهم بِحَرْبٍ تُشِيبُ الطِّفْلَ مِن قَبْلِ المَشِيبِ
فَلا ثُبُوتَ لِنِسْبَتِهِ إلى مَن كانُوا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ ولا يُعْرَفُ قائِلُهُ، ونَسَبَهُ بَعْضُ المُؤَلِّفِينَ إلى حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ. وقالَ العَيْنِيُّ: لَمْ أجِدْهُ في دِيوانِهِ. وقَدْ أخَذَ المَعْنى الصَّمَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القُشَيْرِيُّ في قَوْلِهِ:
دَعانِي مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شِيبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدا
وهُوَ مِن شُعَراءِ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ، وإسْنادُ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ إلى اليَوْمِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِمَرْتَبَتَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ زَمَنُ الأهْوالِ الَّتِي تَشِيبُ لِمِثْلِها الأطْفالُ، والأهْوالُ سَبَبٌ لِلشَّيْبِ عُرْفًا.
والشَّيْبُ كِنايَةٌ عَنْ هَذا الهَوْلِ فاجْتَمَعَ في الآيَةِ مَجازانِ عَقْلِيّانِ، وكِنايَةٌ ومُبالَغَةٌ في قَوْلِهِ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ.
والباءُ بِمَعْنى في، وهو ارْتِقاءٌ في وصْفِ اليَوْمِ بِحُدُوثِ الأهْوالِ فِيهِ فَإنَّ انْفِطارَ السَّماءِ أشَدُّ هَوْلًا ورُعْبًا مِمّا كُنِّيَ عَنْهُ بِجُمْلَةِ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ . أيِ: السَّماءُ عَلى عِظَمِها وسُمْكِها تَنْفَطِرُ لِذَلِكَ اليَوْمِ فَما ظَنُّكم بِأنْفُسِكم وأمْثالِكم مِنَ الخَلائِقِ فِيهِ.
صفحة ٢٧٦
والِانْفِطارُ: التَّشَقُّقُ الَّذِي يَحْدُثُ في السَّماءِ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] في سُورَةِ المَعارِجِ.
وذِكْرُ انْفِطارِ السَّماءِ في ذَلِكَ اليَوْمِ زِيادَةٌ في تَهْوِيلِ أحْوالِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ المُهَدَّدِينَ رُعْبًا وإنْ لَمْ يَكُنِ انْفِطارُ السَّماءِ مِن آثارِ أعْمالِهِمْ ولا لَهُ أثَرٌ في زِيادَةِ نَكالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدًا إلى الكُفْرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (كَفَرْتُمْ) .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِانْفِطارِ السَّماءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أيْ: كالمُنْفَطِرِ بِهِ فَيَكُونُ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]) .
ووَصْفُ السَّماءِ بِمُنْفَطِرٍ بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ مَعَ أنَّ السَّماءَ في اللُّغَةِ مِنَ الأسْماءِ المُعْتَبَرَةِ مُؤَنَّثَةً في الشّائِعِ. قالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُذَكَّرُ عَلى التَّأْوِيلِ بِالسَّقْفِ؛ لِأنَّ أصْلَ تَسْمِيَتِها سَماءً عَلى التَّشْبِيهِ بِالسَّقْفِ، أيْ: والسَّقْفُ مُذَكَّرٌ والسَّماءُ مُؤَنَّثٌ. وتَبِعَهُ الجَوْهَرِيُّ وابْنُ بَرِّيٍّ. وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ
وأنْشَدَ ابْنُ بَرِّيٍّ أيْضًا في تَذْكِيرِ السَّماءِ بِمَعْنى السَّقْفِ قَوْلَ الآخَرِ:
وقالَتْ سَماءُ البَيْتِ فَوْقَكَ مُخْلَقٌ ∗∗∗ ولَمّا تَيَسَّرَ اجْتِلاءُ الرَّكائِبِ
ولا نَدْرِي مِقْدارَ صِحَّةِ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ مِنَ العَرَبِيَّةِ عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونانِ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وقِيلَ إذا كانَ الِاسْمُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ جازَ إجْراءُ وصْفِهِ عَلى التَّذْكِيرِ فَلا تَلْحَقُهُ هاءُ التَّأْنِيثِ قِياسًا عَلى الفِعْلِ المُسْنَدِ لِلْمُؤَنَّثِ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ في جَوازِ اقْتِرانِهِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ وتَجْرِيدِهِ مِنها، إجْراءً لِلْوَصْفِ مَجْرى الفِعْلِ وهو وجِيهٌ.
ولَعَلَّ العُدُولَ في الآيَةِ عَنِ الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ في الكَلامِ الفَصِيحِ في إجْراءِ السَّماءِ عَلى التَّأْنِيثِ إلى التَّذْكِيرِ إيثارًا لِتَخْفِيفِ الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ
صفحة ٢٧٧
مُنْفَعِلٍ بِحَرْفَيْ زِيادَةٍ وهُما المِيمُ والنُّونُ كانَتِ الكَلِمَةُ مُعَرَّضَةً لِلثِّقَلِ إذا أُلْحِقَ بِها حَرْفٌ زائِدٌ آخَرُ ثالِثٌ، وهو هاءُ التَّأْنِيثِ فَيَحْصُلُ فِيها ثِقَلٌ يُجَنَّبُهُ الكَلامُ البالِغُ غايَةَ الفَصاحَةِ ألا تَرى أنَّها لَمْ تَجْرِ عَلى التَّذْكِيرِ في قَوْلِهِ ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] إذْ لَيْسَ في الفِعْلِ إلّا حَرْفٌ مَزِيدٌ واحِدٌ وهو النُّونُ إذْ لا اعْتِدادَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِأنَّها ساقِطَةٌ في حالَةِ الوَصْلِ، فَجاءَتْ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ.
وجُمْلَةُ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ (يَوْمًا)، وهَذا الوَصْفُ إدْماجٌ لِلتَّصْرِيحِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ اليَوْمِ بَعْدَ الإنْذارِ بِهِ الَّذِي هو مُقْتَضٍ لِوُقُوعِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ اسْتِقْصاءً في إبْلاغِ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِمْ وفي قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ.
وضَمِيرُ وعْدُهُ عائِدٌ إلى (يَوْمًا) المَوْصُوفِ، وإضافَةُ وعْدٍ إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ عَلى التَّوَسُّعِ، أيِ: الوَعْدُ بِهِ، أيْ: بِوُقُوعِهِ.
المزمل 73:18
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ الِاسْتِفْهامُ بِـ (كَيْفَ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ والتَّوْبِيخِ وهو مُتَفَرِّعٌ بِالفاءِ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الخِطابُ السّابِقُ مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وما أُدْمِجَ فِيهِ مِنَ التَّسْجِيلِ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ شاهِدٌ عَلَيْهِمْ فَلَيْسَ بَعْدَ الشَّهادَةِ إلّا المُؤاخَذَةُ بِما شَهِدَ بِهِ. وقَدِ انْتَقَلَ بِهِمْ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالأخْذِ في الدُّنْيا المُسْتَفادِ مِن تَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى إلى الوَعِيدِ بِعِقابٍ أشَدَّ وهو عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ وقَدْ نَشَأ هَذا الِاسْتِفْهامُ عَنِ اعْتِبارِهِمْ أهْلَ اتِّعاظٍ وخَوْفٍ مِنَ الوَعِيدِ بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُثِيرَ فِيهِمْ تَفْكِيرًا مِنَ النَّجاةِ مِنَ الوُقُوعِ فِيما هُدِّدُوا بِهِ، وأنَّهم إنْ كانُوا أهْلَ جَلادَةٍ عَلى تَحَمُّلِ عَذابِ الدُّنْيا فَماذا يَصْنَعُونَ في اتِّقاءِ عَذابِ الآخِرَةِ، فَدَلَّتْ فاءُ التَّفْرِيعِ واسْمُ الِاسْتِفْهامِ عَلى هَذا المَعْنى.
فالمَعْنى: هَبْكم أقْدَمْتُمْ عَلى تَحَمُّلِ عَذابِ الدُّنْيا فَكَيْفَ تَتَّقُونَ عَذابَ الآخِرَةِ،
صفحة ٢٧٥
فَفِعْلُ الشَّرْطِ مِن قَوْلِهِ (﴿إنْ كَفَرْتُمْ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الدَّوامِ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ ما يَقْتَضِيهِ الشَّرْطُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ مَعْنى الدَّوامِ مِن فِعْلِ (كَفَرْتُمْ) وإلّا فَإنَّ كُفْرَهم حاصِلٌ مِن قَبْلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
و(يَوْمًا) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (تَتَّقُونَ) . واتِّقاءُ اليَوْمِ اتِّقاءُ ما يَقَعُ فِيهِ مِن عَذابٍ أيْ: عَلى الكُفْرِ.
ووَصْفُ اليَوْمِ بِأنَّهُ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ وصْفٌ لَهُ بِاعْتِبارِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والأحْزانِ،؛ لِأنَّهُ شاعَ أنَّ الهَمَّ مِمّا يُسْرِعُ بِهِ الشَّيْبُ، فَلَمّا أُرِيدَ وصْفُ هَمِّ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالشِّدَّةِ البالِغَةِ أقْواها أُسْنِدَ إلَيْهِ يَشِيبُ الوِلْدانُ الَّذِينَ شَعْرُهم في أوَّلِ سَوادِهِ. وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَجِيبَةٌ، وهي مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ فِيما أحْسَبُ، لِأنِّي لَمْ أرَ هَذا المَعْنى في كَلامِ العَرَبِ، وأمّا البَيْتُ الَّذِي يُذْكَرُ في شَواهِدِ النَّحْوِ وهو:
إذَنْ واللَّهِ نَرْمِيهم بِحَرْبٍ تُشِيبُ الطِّفْلَ مِن قَبْلِ المَشِيبِ
فَلا ثُبُوتَ لِنِسْبَتِهِ إلى مَن كانُوا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ ولا يُعْرَفُ قائِلُهُ، ونَسَبَهُ بَعْضُ المُؤَلِّفِينَ إلى حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ. وقالَ العَيْنِيُّ: لَمْ أجِدْهُ في دِيوانِهِ. وقَدْ أخَذَ المَعْنى الصَّمَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القُشَيْرِيُّ في قَوْلِهِ:
دَعانِي مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شِيبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدا
وهُوَ مِن شُعَراءِ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ، وإسْنادُ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ إلى اليَوْمِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِمَرْتَبَتَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ زَمَنُ الأهْوالِ الَّتِي تَشِيبُ لِمِثْلِها الأطْفالُ، والأهْوالُ سَبَبٌ لِلشَّيْبِ عُرْفًا.
والشَّيْبُ كِنايَةٌ عَنْ هَذا الهَوْلِ فاجْتَمَعَ في الآيَةِ مَجازانِ عَقْلِيّانِ، وكِنايَةٌ ومُبالَغَةٌ في قَوْلِهِ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ.
والباءُ بِمَعْنى في، وهو ارْتِقاءٌ في وصْفِ اليَوْمِ بِحُدُوثِ الأهْوالِ فِيهِ فَإنَّ انْفِطارَ السَّماءِ أشَدُّ هَوْلًا ورُعْبًا مِمّا كُنِّيَ عَنْهُ بِجُمْلَةِ ﴿يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ . أيِ: السَّماءُ عَلى عِظَمِها وسُمْكِها تَنْفَطِرُ لِذَلِكَ اليَوْمِ فَما ظَنُّكم بِأنْفُسِكم وأمْثالِكم مِنَ الخَلائِقِ فِيهِ.
صفحة ٢٧٦
والِانْفِطارُ: التَّشَقُّقُ الَّذِي يَحْدُثُ في السَّماءِ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ وصُعُودِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] في سُورَةِ المَعارِجِ.
وذِكْرُ انْفِطارِ السَّماءِ في ذَلِكَ اليَوْمِ زِيادَةٌ في تَهْوِيلِ أحْوالِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ المُهَدَّدِينَ رُعْبًا وإنْ لَمْ يَكُنِ انْفِطارُ السَّماءِ مِن آثارِ أعْمالِهِمْ ولا لَهُ أثَرٌ في زِيادَةِ نَكالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ويَكُونُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدًا إلى الكُفْرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (كَفَرْتُمْ) .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ بِانْفِطارِ السَّماءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أيْ: كالمُنْفَطِرِ بِهِ فَيَكُونُ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]) .
ووَصْفُ السَّماءِ بِمُنْفَطِرٍ بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ مَعَ أنَّ السَّماءَ في اللُّغَةِ مِنَ الأسْماءِ المُعْتَبَرَةِ مُؤَنَّثَةً في الشّائِعِ. قالَ الفَرّاءُ: السَّماءُ تُذَكَّرُ عَلى التَّأْوِيلِ بِالسَّقْفِ؛ لِأنَّ أصْلَ تَسْمِيَتِها سَماءً عَلى التَّشْبِيهِ بِالسَّقْفِ، أيْ: والسَّقْفُ مُذَكَّرٌ والسَّماءُ مُؤَنَّثٌ. وتَبِعَهُ الجَوْهَرِيُّ وابْنُ بَرِّيٍّ. وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
فَلَوْ رَفَعَ السَّماءُ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَّماءِ مَعَ السَّحابِ
وأنْشَدَ ابْنُ بَرِّيٍّ أيْضًا في تَذْكِيرِ السَّماءِ بِمَعْنى السَّقْفِ قَوْلَ الآخَرِ:
وقالَتْ سَماءُ البَيْتِ فَوْقَكَ مُخْلَقٌ ∗∗∗ ولَمّا تَيَسَّرَ اجْتِلاءُ الرَّكائِبِ
ولا نَدْرِي مِقْدارَ صِحَّةِ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ مِنَ العَرَبِيَّةِ عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونانِ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وقِيلَ إذا كانَ الِاسْمُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ جازَ إجْراءُ وصْفِهِ عَلى التَّذْكِيرِ فَلا تَلْحَقُهُ هاءُ التَّأْنِيثِ قِياسًا عَلى الفِعْلِ المُسْنَدِ لِلْمُؤَنَّثِ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ في جَوازِ اقْتِرانِهِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ وتَجْرِيدِهِ مِنها، إجْراءً لِلْوَصْفِ مَجْرى الفِعْلِ وهو وجِيهٌ.
ولَعَلَّ العُدُولَ في الآيَةِ عَنِ الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ في الكَلامِ الفَصِيحِ في إجْراءِ السَّماءِ عَلى التَّأْنِيثِ إلى التَّذْكِيرِ إيثارًا لِتَخْفِيفِ الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ
صفحة ٢٧٧
مُنْفَعِلٍ بِحَرْفَيْ زِيادَةٍ وهُما المِيمُ والنُّونُ كانَتِ الكَلِمَةُ مُعَرَّضَةً لِلثِّقَلِ إذا أُلْحِقَ بِها حَرْفٌ زائِدٌ آخَرُ ثالِثٌ، وهو هاءُ التَّأْنِيثِ فَيَحْصُلُ فِيها ثِقَلٌ يُجَنَّبُهُ الكَلامُ البالِغُ غايَةَ الفَصاحَةِ ألا تَرى أنَّها لَمْ تَجْرِ عَلى التَّذْكِيرِ في قَوْلِهِ ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] إذْ لَيْسَ في الفِعْلِ إلّا حَرْفٌ مَزِيدٌ واحِدٌ وهو النُّونُ إذْ لا اعْتِدادَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِأنَّها ساقِطَةٌ في حالَةِ الوَصْلِ، فَجاءَتْ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ.
وجُمْلَةُ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ (يَوْمًا)، وهَذا الوَصْفُ إدْماجٌ لِلتَّصْرِيحِ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ اليَوْمِ بَعْدَ الإنْذارِ بِهِ الَّذِي هو مُقْتَضٍ لِوُقُوعِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ اسْتِقْصاءً في إبْلاغِ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِمْ وفي قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ.
وضَمِيرُ وعْدُهُ عائِدٌ إلى (يَوْمًا) المَوْصُوفِ، وإضافَةُ وعْدٍ إلَيْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ عَلى التَّوَسُّعِ، أيِ: الوَعْدُ بِهِ، أيْ: بِوُقُوعِهِ.
المزمل 73:19
﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ أيْ: تَذْكِرَةٌ لِمَن يَتَذَكَّرُ فَإنْ كانَ مِن مُنْكِرِي البَعْثِ آمَنَ بِهِ وإنْ كانَ مُؤْمِنًا اسْتِفاقَ مِن بَعْضِ الغَفْلَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْمُؤْمِنِ فاسْتَدْرَكَ ما فاتَهُ، وبِهَذا العُمُومِ الشّامِلِ لِأحْوالِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وأحْوالِ غَيْرِهِمْ كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.
والإشارَةُ بِـ (هَذِهِ) إلى الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥] .
وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ المُواجَهِينَ بِهِ ابْتِداءً هم مُنْكِرُونَ كَوْنَ القُرْآنِ تَذْكِرَةً وهُدًى فَإنَّهم كَذَّبُوا بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ووَسَمُوهُ بِالسِّحْرِ وبِالأساطِيرِ، وذَلِكَ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي أرْشَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الصَّبْرِ عَلَيْها، قالَ تَعالى ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] .
والتَّذْكِرَةُ: اسْمٌ لِمَصْدَرِ الذُّكْرِ، بِضَمِّ الذّالِ، الَّذِي هو خُطُورُ الشَّيْءِ في البالِ، فالتَّذْكِرَةُ: المَوْعِظَةُ،؛ لِأنَّهُ تَذَكُّرُ الغافِلِ عَنْ سُوءِ العَواقِبِ، وهَذا تَنْوِيهٌ بِآياتِ القُرْآنِ وتَجْدِيدٌ لِلتَّحْرِيضِ عَلى التَّدَبُّرِ فِيهِ والتَّفَكُّرِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ.
صفحة ٢٧٨
وفُرِّعَ عَلى هَذا التَّحْرِيضِ التَّعْرِيضِيِّ تَحْرِيضٌ صَرِيحٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَقَدْ تَهَيَّأ لَهُ اتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ بِهَذِهِ التَّذْكِرَةِ فَلَمْ تَبْقَ لِلْمُتَغافِلِ مَعْذِرَةٌ.
والإتْيانُ بِمَوْصُولِ (مَن شاءَ) مِن قَبِيلِ التَّحْرِيضِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذا السَّبِيلَ مُوَصِّلٌ إلى الخَيْرِ فَلا حائِلَ يَحُولُ بَيْنَ طالِبِ الخَيْرِ وبَيْنَ سُلُوكِ هَذا السَّبِيلِ إلّا مَشِيئَتُهُ،؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ. ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . فَلَيْسَ ذَلِكَ إباحَةً لِلْإيمانِ والكُفْرِ ولَكِنَّهُ تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ، وما بَعْدَهُ تَحْذِيرٌ مِنَ الكُفْرِ، أيْ: تَبِعَةُ التَّفْرِيطِ في ذَلِكَ عَلى المُفَرِّطِ. ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَيْسَ مَعْناهُ إباحَةَ الأمْرِ وضِدِّهِ بَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعْدِ والوَعِيدِ.
وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ الَّذِي كانَ بَعْضُ شُيُوخِنا يَحْمِلُها عَلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في تَعْيِينِ السَّبِيلِ فَمُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ عِنْدَهُ أنْ يُبَيِّنَ سَبِيلًا ما مِنَ السُّبُلِ قالَ: وهو حَسَنٌ، فَيَبْقى ظاهِرُ الآيَةِ عَلى حالِهِ مِنَ التَّخْيِيرِ اهـ.
وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا قَرَّرْناهُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ وأنْ لَيْسَ في الآيَةِ شَيْءٌ بِمَعْنى التَّخْيِيرِ.
وفِي قَوْلِهِ (﴿إلى رَبِّهِ﴾) تَمْثِيلٌ لِحالِ طالِبِ الفَوْزِ والهُدى بِحالِ السّائِرِ إلى ناصِرٍ أوْ كَرِيمٍ قَدْ أُرِيَ السَّبِيلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ إلى مَقْصِدِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ ما يَعُوقُهُ عَنْ سُلُوكِهِ.
المزمل 73:20
﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفِهِ وثُلُثِهِ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾
مِن هُنا يَبْتَدِئُ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ بِالمَدِينَةِ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ.
وصَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يُنادِي عَلى أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ وأنَّ طائِفَةً مِن أصْحابِهِ كانُوا يَقُومُونَ عَمَلًا بِالأمْرِ الَّذِي في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] الآيَةَ، فَتَعَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهم جَمِيعًا لِقَوْلِهِ فِيها ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ فَهي ناسِخَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي في أوَّلِ السُّورَةِ.
صفحة ٢٧٩
واخْتَلَفَ السَّلَفُ في وقْتِ نُزُولِها ومَكانِهِ وفي نِسْبَةِ مُقْتَضاها مِن مُقْتَضى الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها. والمَشْهُورُ المَوْثُوقُ بِهِ أنَّ صَدْرَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ.
ولا يُغْتَرُّ بِما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ مِمّا يُوهِمُ أنَّ صَدْرَ السُّورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ في التَّزَمُّلِ بِمِرْطٍ لِعائِشَةَ.
ولا يَنْبَغِي أنْ يُطالَ القَوْلُ في أنَّ القِيامَ الَّذِي شُرِّعَ في صَدْرِ السُّورَةِ كانَ قِيامًا واجِبًا عَلى النَّبِيءِ ﷺ خاصَّةً، وأنَّ قِيامَ مَن قامَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَعَهُ بِمَكَّةَ إنَّما كانَ تَأسِّيًا بِهِ وأقَرَّهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَلَيْهِ ولَكِنْ رَأتْ عائِشَةُ أنَّ فَرْضَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ نَسَخَ وُجُوبَ قِيامِ اللَّيْلِ، وهي تُرِيدُ أنَّ قِيامَ اللَّيْلِ كانَ فَرْضًا عَلى المُسْلِمِينَ، وهو تَأْوِيلٌ، كَما لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في أنَّ أوَّلَ ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلى الأُمَّةِ هو الصَّلَواتُ الخَمْسُ الَّتِي فُرِضَتْ لَيْلَةَ المِعْراجِ وأنَّها لَمْ يَكُنْ قَبْلَها وُجُوبُ صَلاةٍ عَلى الأُمَّةِ ولَوْ كانَ لَجَرى ذِكْرُ تَعْرِيضِهِ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ في حَدِيثِ المِعْراجِ، وأنَّ وُجُوبَ الخَمْسِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِثْلَ وُجُوبِها عَلى المُسْلِمِينَ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: إنَّ قِيامَ اللَّيْلِ لَمْ يَنْسَخْهُ إلّا آيَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ الآيَةَ، ولا أنْ يُخْتَلَفَ في أنَّ فَرْضَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ لَمْ يَنْسَخْ فَرْضَ القِيامِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ سِوى أنَّهُ نَسْخُ اسْتِيعابِ نِصْفِ اللَّيْلِ أوْ دُونَهُ بِقَلِيلٍ فَنَسَخَهُ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ .
وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ لَيْلَةَ باتَ في بَيْتِ خالَتِهِ مَيْمُونَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قالَ فِيهِ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأهْلُهُ حَتّى إذا كانَ نِصْفُ اللَّيْلِ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ وصَفَ وُضُوءَهُ وأنَّهُ صَلّى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ نامَ حَتّى جاءَهُ المُنادِي لِصَلاةِ الصُّبْحِ» . وابْنُ عَبّاسٍ يَوْمَئِذٍ غُلامٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ أوْ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ.
ولَمْ يُنْقَلْ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَقُومُونَ مَعَهُ إلّا حِينَ احْتَجَزَ مَوْضِعًا مِنَ المَسْجِدِ لِقِيامِهِ في لَيالِي رَمَضانَ فَتَسامَعَ أصْحابُهُ بِهِ فَجَعَلُوا يَنْسَلُّونَ إلى المَسْجِدِ لِيُصَلُّوا بِصَلاةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ حَتّى احْتَبَسَ عَنْهم في إحْدى اللَّيالِي وقالَ لَهم «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكم» وذَلِكَ بِالمَدِينَةِ وعائِشَةُ عِنْدَهُ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ.
صفحة ٢٨٠
وهُوَ صَرِيحٌ في أنَّ القِيامَ الَّذِي قامُوهُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ وأنَّهم لَمْ يَدُومُوا عَلَيْهِ وفي أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن قِيامِ اللَّيْلِ بِواجِبٍ عَلى عُمُومِ المُسْلِمِينَ وإلّا لَما كانَ لِخَشْيَةِ أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ مَوْقِعٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضَ قِيامِ اللَّيْلِ كانَ مَفْرُوضًا لَكانَ قِيامُهم مَعَ النَّبِيءِ ﷺ أداءً لِذَلِكَ المَفْرُوضِ، وقَدْ عَضَّدَ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قالَ لِحَفْصَةَ وقَدْ قَصَّتْ عَلَيْهِ رُؤْيا رَآها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرٍ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صالِحٌ لَوْ كانَ يَقُومُ في اللَّيْلِ» .
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِـ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ يُشْعِرُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ لِوَفائِهِ بِحَقِّ القِيامِ الَّذِي أمَرَ بِهِ وأنَّهُ كانَ يَبْسُطُ إلَيْهِ ويَهْتَمُّ بِهِ ثُمَّ يَقْتَصِرُ عَلى القَدْرِ المُعَيَّنِ فِيهِ النِّصْفُ أوْ أنْقَصُ مِنهُ قَلِيلًا أوْ زائِدٌ عَلَيْهِ بَلْ أخَذَ بِالأقْصى وذَلِكَ ما يَقْرُبُ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ كَما هو شَأْنُ أُولِي العَزْمِ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ [القصص: ٢٩] أنَّهُ قَضى أقْصى الأجَلَيْنِ وهو العَشْرُ السِّنُونَ.
وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ» .
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ أرْضى رَبَّهُ بِذَلِكَ وتَوْطِئَةٌ لِلتَّخْفِيفِ الَّذِي سَيُذْكَرُ في قَوْلِهِ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّهُ تَخْفِيفُ رَحْمَةٍ وكَرامَةٍ ولِإفْراغِ بَعْضِ الوَقْتِ مِنَ النَّهارِ لِلْعَمَلِ والجِهادِ.
ولَمْ تَزَلْ تَكْثُرُ بَعْدَ الهِجْرَةِ أشْغالُ النَّبِيءِ ﷺ بِتَدْبِيرِ مَصالِحِ المُسْلِمِينَ وحِمايَةِ المَدِينَةِ وتَجْهِيزِ الجُيُوشِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلَمْ تَبْقَ في نَهارِهِ مِنَ السَّعَةِ ما كانَ لَهُ فِيهِ أيّامَ مُقامِهِ بِمَكَّةَ، فَظَهَرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ في التَّخْفِيفِ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ مِن قِيامِ اللَّيْلِ الواجِبِ مِنهُ والرَّغِيبَةِ.
وفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ إذا آوى إلى مَنزِلِهِ فَقالَ: «كانَ إذا أوى إلى مَنزِلِهِ جَزَّأ دُخُولَهُ ثَلاثَةَ أجْزاءٍ: جُزْءًا لِلَّهِ، وجُزْءًا لِأهْلِهِ، وجُزْءًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جَزَّأ جُزْأهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالخاصَّةِ عَلى العامَّةِ ولا يَدَّخِرُ عَنْهم شَيْئًا فَمِنهم ذُو الحاجَةِ ومِنهم ذُو الحاجَتَيْنِ ومِنهم ذُو الحَوائِجِ فَيَتَشاغَلُ بِهِمْ ويَشْغَلُهم فِيما يُصْلِحُهم والأُمَّةَ مِن مَسْألَتِهِ عَنْهم وإخْبارِهِمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهم» .
صفحة ٢٨١
وإيثارُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (يَعْلَمُ) لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ العِلْمِ وتَجَدُّدِهِ وذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّهُ بِمَحَلِّ الرِّضى مِنهُ.
وفِي ضِدِّهِ قَوْلُهُ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ التَّوْبِيخِ، أيْ: لَمْ يَزَلْ عالِمًا بِذَلِكَ حِينًا فَحِينًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ حِصَّةٌ.
و(أدْنى) أصْلُهُ: أقْرَبُ، مِنَ الدُّنُوِّ، اسْتُعِيرَ لِلْأقَلِّ؛ لِأنَّ المَسافَةَ الَّتِي بَيْنَ الشَّيْءِ والأدْنى مِنهُ قَلِيلَةٌ، وكَذَلِكَ يُسْتَعارُ الأبْعَدُ لِلْأكْثَرِ.
وهُوَ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِفِعْلِ (تَقُومُ)، أيْ: تَقُومُ في زَمانٍ يُقَدَّرُ أقَلَّ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وذَلِكَ ما يَزِيدُ عَلى نِصْفِ اللَّيْلِ وهو ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُلُثَيْ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِسُكُونِ اللّامِ عَلى التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّهُ عَرَضَ لَهُ بَعْضُ الثِّقَلِ بِسَبَبِ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (﴿ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾) بِخَفْضِهِما عَطْفًا عَلى (﴿ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾)، أيْ: أدْنى مِن نِصْفِهِ وأدْنى مِن ثُلُثِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِنَصْبِ (﴿ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ﴾) عَلى أنَّهُما مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ لِـ (تَقُومُ) أيْ: تَقُومُ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ، وتَقُومُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وتَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، بِحَيْثُ لا يَنْقُصُ عَنِ النِّصْفِ وعَنِ الثُّلُثِ. وهَذِهِ أحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ في قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ بِاللَّيْلِ تابِعَةٌ لِاخْتِلافِ أحْوالِ اللَّيالِي والأيّامِ في طُولِ بَعْضِها وقِصَرِ بَعْضٍ، وكُلُّها داخِلَةٌ تَحْتَ التَّخْيِيرِ الَّذِي خَيَّرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] .
وبِهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ تَعْقِيبِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ، وهي جُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَها اللَّهُ كُلَّها وأنْبَأهُ بِها. فَلا يَخْتَلِفُ المَقْصُودُ بِاخْتِلافِ القِراءاتِ. فَمِنَ العُجابِ قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّ النَّصْبَ أشْبَهُ بِالصَّوابِ.
و(طائِفَةٌ) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (إنَّ) بِالرَّفْعِ وهو وجْهٌ جائِزٌ إذا كانَ بَعْدَ ذِكْرِ خَبَرِ (إنَّ)؛ لِأنَّهُ يُقَدَّرُ رَفْعُهُ حِينَئِذٍ عَلى الِاسْتِئْنافِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] . وهو مِنَ اللَّطائِفِ إذا كانَ اتِّصافُ الِاسْمِ والمَعْطُوفِ
صفحة ٢٨٢
بِالخَبَرِ مُخْتَلِفًا فَإنَّ بَيْنَ قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ وقِيامِ الطّائِفَةِ الَّتِي مَعَهُ تَفاوُتًا في الحُكْمِ والمِقْدارِ، وكَذَلِكَ بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وبَراءَةُ رَسُولِهِ. فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَدْعُوهم ويَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ويُعامِلُهم، وأمّا اللَّهُ فَغاضِبٌ عَلَيْهِمْ ولاعِنُهم. وهَذا وجْهُ العُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكم تَقُومُونَ. إلى قَوْلِهِ (﴿أنَّكَ تَقُومُ﴾) ثُمَّ قَوْلُهُ (﴿وطائِفَةٌ﴾) إلَخْ.
ووُصِفَ (طائِفَةٌ) بِأنَّهم ﴿مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، فَإنْ كانَ المُرادُ بِالمَعِيَّةِ المَعِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ، أيِ: المُصاحِبَةَ في عَمَلٍ مِمّا سِيقَ لَهُ الكَلامُ، أيِ المُصاحِبِينَ لَكَ في قِيامِ اللَّيْلِ، لَمْ يَكُنْ في تَفْسِيرِهِ تَعْيِينٌ لِناسٍ بِأعْيانِهِمْ، فَفي حَدِيثِ عائِشَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى ذاتَ لَيْلَةٍ في المَسْجِدِ فَصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ ثُمَّ صَلّى مِنَ القابِلَةِ فَكَثُرَ النّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا أصْبَحَ قالَ: قَدْ رَأيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ ولَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكم إلّا أنِّي خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكم وذَلِكَ في رَمَضانَ» .
وإنْ كانَتِ المَعِيَّةُ مَعِيَّةً مَجازِيَّةً وهي الِانْتِسابُ والصُّحْبَةُ والمُوافَقَةُ فَقَدْ عَدَدْنا مِنهم عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، وسَلْمانَ الفارِسِيَّ وأبا الدَّرْداءِ، وزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، والحَوْلاءَ بِنْتَ تُوَيْتٍ الأسَدِيَّةَ، فَهَؤُلاءِ ورَدَ ذِكْرُهم مُفَرَّقًا في أحادِيثِ التَّهَجُّدِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.
واعْلَمْ أنَّ صَدْرَ هَذِهِ الآيَةِ إيماءٌ إلى الثَّناءِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في وفائِهِ بِقِيامِ اللَّيْلِ حَقَّ الوَفاءِ، وعَلى الطّائِفَةِ الَّذِينَ تابَعُوهُ في ذَلِكَ.
فالخَبَرُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ مُرادٌ بِهِ الكِنايَةُ عَنِ الرِّضى عَنْهم فِيما فَعَلُوا.
والمَقْصُودُ: التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
ولِأجْلِ هَذا الِاعْتِبارِ أُعِيدَ فِعْلُ (عَلِمَ) في جُمْلَةِ ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ إلَخْ ولَمْ يَقُلْ: وأنْ سَيَكُونَ مِنكم مَرْضى، بِالعَطْفِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ وجُمْلَةِ ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ وقَدْ عُلِمَتْ مُناسَبَةُ اعْتِراضِها آنِفًا.
صفحة ٢٨٣
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا عَنْ (أنْ) بَعْدَ الخَبَرِ في قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ إلَخْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما يَنْشَأُ عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ مِن تَرَقُّبِ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ ما مُهِّدَ لَهُ بِتِلْكَ الجُمْلَةِ، فَبَعْدَ أنْ شَكَرَهم عَلى عَمَلِهِمْ خَفَّفَ عَنْهم مِنهُ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (تُحْصُوهُ) عائِدٌ إلى القِيامِ المُسْتَفادِ مِن ﴿أنَّكَ تَقُومُ﴾ .
والإحْصاءُ حَقِيقَتُهُ: مَعْرِفَةُ عَدَدِ شَيْءٍ مَعْدُودٍ، مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الحَصى جَمْعُ حَصاةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا عَدُّوا شَيْئًا كَثِيرًا جَعَلُوا لِكُلِّ واحِدٍ حَصاةً وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإطاقَةِ. شُبِّهَتِ الأفْعالُ الكَثِيرَةُ مِن رُكُوعٍ وسُجُودٍ وقِراءَةٍ في قِيامِ اللَّيْلِ، بِالأشْياءِ المَعْدُودَةِ، وبِهَذا فَسَّرَ الحَسَنُ وسُفْيانُ، ومِنهُ قَوْلُهُ في الحَدِيثِ ”«اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا» “ أيْ: ولَنْ تُطِيقُوا تَمامَ الِاسْتِقامَةِ، أيْ: فَخُذُوا مِنها بِقَدْرِ الطّاقَةِ.
و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ، وقَدْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ (أنْ) وخَبَرِها بِحَرْفِ النَّفْيِ لِكَوْنِ الخَبَرِ فِعْلًا غَيْرَ دُعاءٍ ولا جامِدٍ حَسَبَ المُتَّبَعِ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ.
و(أنْ) وجُمْلَتُها سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (عَلِمَ) إذْ تَقْدِيرُهُ عَلِمَ عَدَمَ إحْصائِكُمُوهُ واقِعًا.
وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ وفِعْلُ (تابَ) مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ المُؤاخَذَةِ قَبْلَ حُصُولِ التَّقْصِيرِ؛ لِأنَّ التَّقْصِيرَ مُتَوَقَّعٌ فَشابَهَ الحاصِلَ فَعَبَّرَ عَنْ عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِما يُتَوَقَّعُ التَّقْصِيرُ فِيهِ بِفِعْلِ (تابَ) المُفِيدِ رَفْعَ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ بَعْدَ حُصُولِهِ.
والوَجْهُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ (تُحْصُوهُ) وما بَعْدَهُ مُوَجَّهًا إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يَقُومُونَ اللَّيْلَ: إمّا عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، وإمّا عَلى طَرِيقَةِ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ بِقَرِينَةِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يُظَنُّ تَعَذُّرُ الإحْصاءِ عَلَيْهِ، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ إلَخْ.
ومَعْنى ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ فَصَلُّوا ما تَيَسَّرَ لَكم، ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ لا تَخْلُو عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ أُتْبِعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ هُنا ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾، أيْ:
صفحة ٢٨٤
صَلُّوا كَقَوْلِهِ تَعالى (وقُرْآنَ الفَجْرِ) أيْ: صَلاةَ الفَجْرِ، وفي الكِنايَةِ عَنِ الصَّلاةِ بِالقُرْآنِ جَمْعٌ بَيْنَ التَّرْغِيبِ في القِيامِ والتَّرْغِيبِ في تِلاوَةِ القُرْآنِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ.
والمُرادُ القُرْآنُ الَّذِي كانَ نَزَلَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ المَدَنِيَّةِ وهو شَيْءٌ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ المَكِّيِّ كُلِّهِ وشَيْءٌ مِنَ المَدَنِيِّ، ولَيْسَ مِثْلَ قَوْلِهِ في صَدْرِ السُّورَةِ ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] كَما عَلِمْتَ هُنالِكَ.
وقَوْلُهُ ﴿ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ أيْ: ما تَيَسَّرَ لَكم مِن صَلاةِ اللَّيْلِ فَلا دَلالَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مِقْدارِ ما يُجْزِئُ مِنَ القِراءَةِ في الصَّلاةِ إذْ لَيْسَ سِياقُها في هَذا المَهِيعِ، ولَئِنْ سَلَّمْنا، فَإنَّ ما تَيَسَّرَ مُجْمَلٌ وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» وأمّا السُّورَةُ مَعَ الفاتِحَةِ فَإنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ في الصَّلاةِ أقَلَّ مِن سُورَةٍ، وهو الواجِبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ فَيُكْرَهُ أنْ يَقْرَأ المُصَلِّي بَعْضَ سُورَةٍ في الفَرِيضَةِ. ويَجُوزُ في القِيامِ بِالقُرْآنِ في اللَّيْلِ وفي قِيامِ رَمَضانَ، وعِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَفي الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَقْرَأُ فَأخَذَتْهُ بُحَّةٌ فَرَكَعَ»، أيْ: في أثْناءِ السُّورَةِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ عَنْهُ: تُجْزِئُ قِراءَةُ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ ولَوْ كانَتْ قَصِيرَةً، ومَثَّلَهُ الحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]) ولا تَتَعَيَّنُ فاتِحَةُ الكِتابِ، وخالَفَهُ صاحِباهُ في الأمْرَيْنِ.
وتَعْيِينُ مَن تَجِبُ عَلَيْهِ القِراءَةُ مِن مُنْفَرِدٍ وإمامٍ ومَأْمُومٍ مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.
وفِعْلُ (تابَ) إذا أُرِيدَ بِهِ قَبُولُ تَوْبَةِ التّائِبِ عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى مِن، وإذا كانَ بِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الذَّنْبِ والنَّدَمِ مِنهُ عُدِّيَ بِما يُناسِبُ.
وقَدْ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَحْدِيدَ مُدَّةِ قِيامِ اللَّيْلِ بِنِصْفِهِ أوْ أزْيَدَ أوْ أقَلَّ ثُلُثِهِ، وأُصْحِبَ التَّحْدِيدُ بِالمِقْدارِ المُتَيَسِّرِ مِن غَيْرِ ضَبْطٍ، أمّا حُكْمُ ذَلِكَ القِيامِ فَهو عَلى ما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.
* * *
صفحة ٢٨٥
﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، وهَذا تَخْفِيفٌ آخَرُ لِأجْلِ أحْوالٍ أُخْرى اقْتَضَتِ التَّخْفِيفَ.
وهَذِهِ حِكْمَةٌ أُخْرى لِنَسْخِ تَحْدِيدِ الوَقْتِ في قِيامِ اللَّيْلِ وهي مُراعاةُ أحْوالٍ طَرَأتْ عَلى المُسْلِمِينَ مِن ضُرُوبِ ما تَدْعُو إلَيْهِ حالَةُ الجَماعَةِ الإسْلامِيَّةِ. وذُكِرَ مِن ذَلِكَ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ هي أُصُولُ الأعْذارِ:
الضَّرْبُ الأوَّلُ: أعْذارُ اخْتِلالِ الصِّحَّةِ وقَدْ شَمَلَها قَوْلُهُ ﴿أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ .
الضَّرْبُ الثّانِي: الأشْغالُ الَّتِي تَدْعُو إلَيْها ضَرُورَةُ العَيْشِ في تِجارَةٍ وصِناعَةٍ وحِراثَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ . وفَضْلُ اللَّهِ هو الرِّزْقُ.
الضَّرْبُ الثّالِثُ: أعْمالٌ لِمَصالِحِ الأُمَّةِ وأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ودَخَلَ في ذَلِكَ حِراسَةُ الثُّغُورِ والرِّباطُ بِها، وتَدْبِيرُ الجُيُوشِ، وما يَرْجِعُ إلى نَشْرِ دَعْوَةِ الإسْلامِ مِن إيفادِ الوُفُودِ وبَعْثِ السُّفَراءِ. وهَذا كُلُّهُ مِن شُئُونِ الأُمَّةِ عَلى الإجْمالِ فَيَدْخُلُ في بَعْضِها النَّبِيءُ ﷺ كَما في القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمَرَضِ، فَفي الحَدِيثِ «اشْتَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أوْ لَيْلَتَيْنِ» .
وإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَفِيها بِشارَةٌ بِأنَّ أمْرَ المُسْلِمِينَ صائِرٌ إلى اسْتِقْلالٍ وقَتَرَةٍ عَلى أعْدائِهِمْ فَيُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وإنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فَهو عُذْرٌ لَهم بِما ابْتَدَءُوا فِيهِ مِنَ السَّرايا والغَزَواتِ.
وقَدْ كانَ بَعْضُ الصَّحابَةِ يَتَأوَّلُ مِن هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةَ التِّجارَةِ والسَّفَرِ لِلتَّجْرِ حَيْثُ سَوّى اللَّهُ بَيْنَ المُجاهِدِينَ والمُكْتَسِبِينَ المالَ الحَلالَ، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ ما ذَكَرَ
صفحة ٢٨٦
هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ لِنَسْخِ تَحْدِيدِ القِيامِ إلّا تَنْوِيهًا بِهِما؛ لِأنَّ في غَيْرِهِما مِنَ الأعْذارِ ما هو أشْبَهُ بِالمَرَضِ، ودَقائِقُ القُرْآنِ ولَطائِفُهُ لا تَنْحَصِرُ.
رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: أيُّما رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا إلى مَدِينَةٍ مِن مَدائِنِ المُسْلِمِينَ مُحْتَسِبًا فَباعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةُ الشُّهَداءِ، وقَرَأ ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ”ما خَلَقَ اللَّهُ مَوْتَةً بَعْدَ المَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي أبْتَغِي مِن فَضْلِ اللَّهِ ضارِبًا في الأرْضِ“ .
فَإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ فَفِيها بِشارَةٌ بِأنَّ أمْرَ المُسْلِمِينِ صائِرٌ إلى قَتَرَةٍ عَلى عَدُوِّهِمْ، وإنْ كانَتْ مَدَنِيَّةً فَهي عُذْرٌ لَهم بِما عَرَضَ لَهم.
ومَعْنى ﴿يَضْرِبُونَ في الأرْضِ﴾ يَسِيرُونَ في الأرْضِ.
وحَقِيقَةُ الضَّرْبِ: قُرْعُ جِسْمٍ بِجِسْمٍ آخَرَ، وسُمِّيَ السَّيْرُ في الأرْضِ ضَرْبًا في الأرْضِ لِتَضْمِينِ فِعْلِ (يَضْرِبُونَ) مَعْنى يَسِيرُونَ فَإنَّ السَّيْرَ ضَرْبٌ لِلْأرْضِ بِالرِّجْلَيْنِ لَكِنَّهُ تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى الضَّرْبِ وأُرِيدَ المَشْيُ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ (في)؛ لِأنَّ الأرْضَ ظَرْفٌ لِلسَّيْرِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] في سُورَةِ النِّساءِ.
والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِ اللَّهِ: طَلَبُ الرِّزْقِ، قالَ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أيْ: التِّجارَةَ في مَدْحِ الحَجِّ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ مُرادٌ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ فِيهِ السَّفَرُ لِلتِّجارَةِ؛ لِأنَّ السَّيْرَ في الأسْفارِ يَكُونُ في اللَّيْلِ كَثِيرًا ويَكُونُ في النَّهارِ فَيَحْتاجُ المُسافِرُ لِلنَّوْمِ في النَّهارِ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ مِثْلُ ما فُرِّعَ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَقالَ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ.
وقَدْ نِيطَ مِقْدارُ القِيامِ بِالتَّيْسِيرِ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ وإنِ اخْتَلَفَتِ الأعْذارُ.
وهَذِهِ الآيَةُ اقْتَضَتْ رَفْعَ وُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ عَنِ المُسْلِمِينَ إنْ كانَ قَدْ وجَبَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلُ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ، أوْ بَيانًا لَمْ يُوجَبْ عَلَيْهِمْ وكانُوا قَدِ التَزَمُوهُ فَبَيَّنَ
صفحة ٢٨٧
لَهم أنَّ ما التَزَمُوهُ مِنَ التَّأسِّي بِالنَّبِيءِ ﷺ في ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ لَهم. وعَلَّلَ عَدَمَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الأُمَّةَ يَكْثُرُ فِيها أصْحابُ الأعْذارِ الَّتِي يَشُقُّ مَعَها قِيامُ اللَّيْلِ فَلَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ واجِبًا عَلَيْهِمْ أوْ رَفَعَ وُجُوبَهُ. ولَوْلا اعْتِبارُ المَظِنَّةِ العامَّةِ لِأُبْقِيَ حُكْمُ القِيامِ ورُخِّصَ لِأصْحابِ العُذْرِ في مُدَّةِ العُذْرِ فَقَطْ فَتَبَيَّنَ أنَّ هَذا تَعْلِيلُ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالمَظِنَّةِ، والحُكْمُ هُنا عَدَمِيٌّ، أيْ: عَدَمُ الإنْجابِ فَهو نَظِيرُ قَصْرِ الصَّلاةِ في السَّفَرِ عَلى قَوْلِ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ: إنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ الصَّلَواتِ في الحَضَرِ وأُبْقِيَتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وعِلَّةُ بَقاءِ الرَّكْعَتَيْنِ هو مَظِنَّةُ المَشَقَّةِ في السَّفَرِ.
وأُوجِبَ التَّرَخُّصُ في قِيامِ اللَّيْلِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا مِن أرْكانِ الإسْلامِ فَلَمْ تَكُنِ المَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ قَوِيَّةً فِيهِ.
وأمّا حُكْمُ القِيامِ فَهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] وما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةُ التَّحْرِيضِ عَلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ. وقَدْ مَضى ذَلِكَ كُلُّهُ. فَهَذِهِ الآيَةُ صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ أصْلًا لِلْتَعْلِيلِ بِالمَظِنَّةِ وصالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ أصْلًا تُقاسُ عَلَيْهِ الرُّخَصُ العامَّةُ الَّتِي تُراعى فِيها مَشَقَّةُ غالِبِ الأُمَّةِ مِثْلَ رُخْصَةِ بَيْعِ السَّلَمِ دُونَ الأحْوالِ الفَرْدِيَّةِ والجُزْئِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ تَذْكِيرٌ بِأنَّ الصَّلَواتِ الواجِبَةَ هي الَّتِي تَحْرِصُونَ عَلى إقامَتِها وعَدَمِ التَّفْرِيطِ فِيها كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] .
وفِي هَذا التَّعْقِيبِ بِعَطْفِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ إيماءٌ إلى أنَّ في الصَّلَواتِ الخَمْسِ ما يَرْفَعُ التَّبِعَةَ عَنِ المُؤْمِنِينَ وأنَّ قِيامَ اللَّيْلِ نافِلَةٌ لَهم وفِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ وقَدْ تَضافَرَتِ الآثارُ عَلى هَذا ما هو في كُتُبِ السُّنَّةِ.
وعَطْفُ ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ تَتْمِيمٌ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّهُ لَمْ يَخْلُ ذِكْرُ الصَّلاةِ مِن قَرْنِ الزَّكاةِ مَعَها حَتّى اسْتَنْبَطَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن ذَلِكَ أنَّ مانِعَ الزَّكاةِ يُقاتَلُ عَلَيْها، فَقالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ.
وإقْراضُ اللَّهِ هو الصَّدَقاتُ غَيْرُ الواجِبَةِ، شُبِّهَ إعْطاءُ الصَّدَقَةِ لِلْفَقِيرِ بِقَرْضٍ يُقْرِضُهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ عَلى الصَّدَقَةِ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ فَشابَهَ حالَ مُعْطِي الصَّدَقَةِ مُسْتَجِيبًا رَغْبَةَ اللَّهِ فِيهِ بِحالِ مَن أقْرَضَ مُسْتَقْرِضًا في أنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ ما أقْرَضَهُ، وذَلِكَ في الثَّوابِ الَّذِي يُعْطاهُ يَوْمَ الجَزاءِ.
صفحة ٢٨٨
ووَصْفُ القَرْضِ بِالحَسَنِ يُفِيدُ الصَّدَقَةَ المُرادَ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى والسّالِمَةَ مِنَ المَنِّ والأذى، والحُسْنُ مُتَفاوِتٌ.
والحَسَنُ في كُلِّ نَوْعٍ هو ما فِيهِ الصِّفاتُ المَحْمُودَةُ في ذَلِكَ النَّوْعِ في بابِهِ، ويُعْرَفُ المَحْمُودُ مِنَ الصَّدَقَةِ مِن طَرِيقِ الشَّرْعِ بِما وصَفَهُ القُرْآنُ في حُسْنِ الصَّدَقاتِ وما ورَدَ في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ مِن ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وفي سُورَةِ التَّغابُنِ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧] .
* * *
﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مَن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، فَإنَّ قَوْلَهُ (﴿مِن خَيْرٍ﴾) يَعُمُّ جَمِيعَ فِعْلِ الخَيْرِ.
وفِي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ. تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: وافْعَلُوا الخَيْرَ وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِنهُ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، فاسْتُغْنِيَ عَنِ المَحْذُوفِ بِذِكْرِ الجَزاءِ عَلى الخَيْرِ.
و(ما) شَرْطِيَّةٌ. ومَعْنى تَقْدِيمِ الخَيْرِ: فِعْلُهُ في الحَياةِ، شُبِّهَ فِعْلُ الخَيْرِ في مُدَّةِ الحَياةِ لِرَجاءِ الِانْتِفاعِ بِثَوابِهِ في الحَياةِ الآخِرَةِ بِتَقْدِيمِ العازِمِ عَلى السَّفَرِ ثَقَلَهُ وأدَواتِهِ وبَعْضَ أهْلِهِ إلى المَحَلِّ الَّذِي يَرُومُ الِانْتِهاءَ إلَيْهِ لِيَجِدَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ وقْتَ وُصُولِهِ.
و(مِن خَيْرٍ) بَيانٌ لِإبْهامِ (ما) الشَّرْطِيَّةِ.
والخَيْرُ: هو ما وصَفَهُ الدِّينُ بِالحُسْنِ ووَعَدَ عَلى فِعْلِهِ بِالثَّوابِ.
ومَعْنى (تَجِدُوهُ) يَجِدُوا جَزاءَهُ وثَوابَهُ، وهو الَّذِي قَصَدَهُ فاعِلُهُ، فَكَأنَّهُ وجَدَ نَفْسَ الَّذِي قَدَّمَهُ، وهَذا اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ عِوَضِ الشَّيْءِ وجَزائِهِ باسْمِ المُعَوَّضِ عَنْهُ والمُجازى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءُ ﷺ في الَّذِي يَكْنِزُ المالَ ولا يُؤَدِّي حَقَّهُ «مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَقُولُ: أنا مالُكَ أنا كَنْزُكَ» .
وضَمِيرُ الغائِبِ في (تَجِدُوهُ) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ (تَجِدُوا) ومَفْعُولُهُ الثّانِي (خَيْرًا) .
صفحة ٢٨٩
والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ الَّذِي بَيْنَهُما ضَمِيرُ فِعْلٍ، وجازَ وُقُوعُهُ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ خِلافًا لِلْمَعْرُوفِ في حَقِيقَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ مِن وُجُوبِ وُقُوعِهِ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ مِن كَذا أشْبَهَ المَعْرِفَةَ في أنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ.
و(خَيْرًا): اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: خَيْرًا مِمّا تُقَدِّمُونَهُ إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّكم تَجِدُونَهُ مِن جِنْسِ الخَيْرِ، بَلِ المُرادُ مُضاعَفَةُ الجَزاءِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٧] وغَيْرُ ذَلِكَ مِن كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ.
وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ هُنا مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ لِتَحْقِيقِهِ.
وعَطْفُ ﴿وأعْظَمَ أجْرًا﴾ عَلى (خَيْرًا) أوْ هو مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ تَأْكِيدُ ضَمِيرِ الفَصْلِ.
وانْتَصَبَ (أجْرًا) عَلى أنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةٍ لِـ (أعْظَمَ)؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الفِعْلِ. فالتَّقْدِيرُ: وأعْظَمَ أجْرَهُ، كَما تَقُولُ: وجَدْتُهُ مُنْبَسِطًا كَفًّا، والمَعْنى: أنَّ أجْرَهُ خَيْرٌ وأعْظَمُ مِمّا قَدَّمْتُمُوهُ.
* * *
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ﴾ إلَخْ، فَيَكُونُ لَها حُكْمُ التَّذْيِيلِ إرْشادًا لِتَدارُكِ ما عَسى أنْ يَعْرِضَ مِنَ التَّفْرِيطِ في بَعْضِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِتَقْدِيمِهِ مِن خَيْرٍ فَإنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ الفَرائِضَ الَّتِي يَقْتَضِي التَّفْرِيطُ في بَعْضِها تَوْبَةً مِنهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ التَّرْخِيصِ في تَرْكِ بَعْضِ القِيامِ إرْشادًا مِنَ اللَّهِ لِما يَسُدُّ مَسَدَّ قِيامِ اللَّيْلِ الَّذِي يُعَرِّضُ تَرْكُهُ بِأنْ يَسْتَغْفِرَ المُسْلِمُ رَبَّهُ إذا انْتَبَهَ مِن أجْزاءِ اللَّيْلِ، وهو مَشْمُولٌ لِقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٢٩٠
﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ» وقالَ «مَن تَعارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ وسُبْحانَ اللَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أوْ دَعا اسْتُجِيبَ لَهُ» .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ، أيْ:؛ لِأنَّ اللَّهَ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ شَدِيدُ الرَّحْمَةِ. والمَقْصُودُ في هَذا التَّعْلِيلِ التَّرْغِيبُ والتَّحْرِيضُ عَلى الِاسْتِغْفارِ بِأنَّهُ مَرْجُوُّ الإجابَةِ. وفي الإتْيانِ بِالوَصْفَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى المُبالَغَةِ في الصِّفَةِ إيماءٌ إلى الوَعْدِ بِالإجابَةِ.
* * *
صفحة ٢٩١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُدَّثِّرِ
تُسَمّى في كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةُ المُدَّثِّرِ) وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ الَّتِي رَأيْناها ومِنها كُتُبٌ في القَيْرَوانَ في القَرْنِ الخامِسِ.
وأُرِيدَ بِالمُدَّثِّرِ النَّبِيءُ ﷺ مَوْصُوفًا بِالحالَةِ الَّتِي نُودِيَ بِها، كَما سُمِّيَتْ بَعْضُ السُّورِ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِيها.
وإمّا تَسْمِيَةٌ بِاللَّفْظِ الَّذِي وقَعَ فِيها، ونَظِيرُهُ ما تَقَدَّمَ في تَسْمِيَةِ (سُورَةُ المُزَّمِّلِ)، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُجادَلَةِ مِنِ احْتِمالِ فَتْحِ الدّالِ أوْ كَسْرِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ حَكى الِاتِّفاقَ عَلى ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ في السُّوَرِ الَّتِي بَعْضُها مَدَنِيٌّ. وذَكَرَ الألُوسِيُّ أنَّ صاحِبَ التَّحْرِيرِ - مُحَمَّدَ بْنَ النَّقِيبِ المَقْدِسِيَّ المُتَوَفّى سَنَةَ ٦٩٨ لَهُ تَفْسِيرٌ - ذَكَرَ قَوْلَ مُقاتِلٍ أوْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً﴾ [المدثر: ٣١] إلَخْ، نَزَلَ بِالمَدِينَةِ اهـ. ولَمْ نَقِفْ عَلى سَنَدِهِ في ذَلِكَ ولا رَأيْنا ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وسَيَأْتِي.
صفحة ٢٩٢
قِيلَ إنَّها ثانِيَةُ السُّوَرِ نُزُولًا وإنَّها لَمْ يَنْزِلْ قَبْلَها إلّا سُورَةُ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) وهو الَّذِي جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ في الصَّحِيحَيْنِ «فِي صِفَةِ بَدْءِ الوَحْيِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] إلى ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] ثُمَّ قالَتْ: ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ» . فَلَمْ تَذْكُرْ نُزُولَ وحْيٍ بَعْدَ آياتِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] .
وكَذَلِكَ حَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِن رِوايَةِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وبِألْفاظٍ يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ. وحاصِلُ ما يَجْتَمِعُ مِن طُرُقِهِ: قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وهو يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ قالَ في حَدِيثِهِ: إنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «فَبَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أمامِي وخَلْفِي وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شَمالِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا المَلَكُ الَّذِي جاءَنِي بِحِراءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فُجِئْتُ مِنهُ رُعْبًا فَأتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي فَدَثَّرُونِي» زادَ غَيْرُ ابْنِ شِهابٍ مِن رِوايَتِهِ «وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا فَدَثَّرُونِي وصَبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا» . قالَ النَّوَوِيُّ: صَبُّ الماءِ لِتَسْكِينِ الفَزَعِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] إلى ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وتَتابَعَ اهـ.
ووَقَعَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ: أنَّها أوَّلُ القُرْآنِ، سُورَةُ المُدَّثِّرِ، وهو الَّذِي يَقُولُ في حَدِيثِهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ وإنَّما تَقَعُ الفَتْرَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَتَقْتَضِي وحْيًا نَزَلَ قَبْلَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ وهو ما بُيِّنَ في حَدِيثِ عائِشَةَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ سُورَةِ المُزَّمِّلِ قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أنَّ سُورَةَ القَلَمِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العَلَقِ وأنَّ سُورَةَ المُزَّمِّلِ ثالِثَةٌ، وأنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ رابِعَةٌ.
وقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ بَعْدَ المُدَّثِّرِ سُورَةُ الفاتِحَةِ. ولا شَكَّ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ نَزَلَتْ قَبْلَ المُزَّمِّلِ وأنَّ عِنادَ المُشْرِكِينَ كانَ قَدْ تَزايَدَ بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ فَكانَ التَّعَرُّضُ لَهم في سُورَةِ المُزَّمِّلِ أوْسَعَ.
وقَدْ وقَعَ في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ كانَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلاةُ.
والصَّلاةُ فُرِضَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ سَواءٌ كانَتْ خَمْسَةً أوْ أقَلَّ، وسَواءٌ كانَتْ واجِبَةً كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِمْ: فُرِضَتْ أمْ كانَتْ مَفْرُوضَةً بِمَعْنى مَشْرُوعَةٍ، وفَتْرَةُ الوَحْيِ
صفحة ٢٩٣
مُخْتَلَفٌ في مُدَّتِها اخْتِلافًا كَثِيرًا فَقِيلَ كانَتْ سَنَتَيْنِ ونِصْفًا، وقِيلَ: أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، والأصَحُّ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا. فَيَظْهَرُ أنَّ المُدَّثِّرَ نَزَلَتْ في السَّنَةِ الأُولى مِنَ البَعْثَةِ وأنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ عَقِبَ ذَلِكَ كَما يُشْعِرُ بِهِ تَرْتِيبُ ابْنِ إسْحاقَ في سَوْقِ حَوادِثِ سِيرَتِهِ.
وعَدَّ أهْلُ المَدِينَةِ في عَدِّهِمُ الأخِيرِ الَّذِي أرْسَوْا عَلَيْهِ، وأهْلُ الشّامِ آيَها خَمْسًا وخَمْسِينَ، وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ والكُوفَةِ وأهْلُ المَدِينَةِ في عَدِّهِمُ الأوَّلِ الَّذِي رَجَعُوا عَنْهُ سِتًّا وخَمْسِينَ.
* * *
أغْراضُها
جاءَ فِيها مِنَ الأغْراضِ تَكْرِيمُ النَّبِيءِ ﷺ والأمْرُ بِإبْلاغِ دَعْوَةِ الرِّسالَةِ.
وإعْلانُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ.
والأمْرُ بِالتَّطَهُّرِ الحِسِّيِّ والمَعْنَوِيِّ.
ونَبْذُ الأصْنامِ.
والإكْثارُ مِنَ الصَّدَقاتِ.
والأمْرُ بِالصَّبْرِ.
وإنْذارُ المُشْرِكِينَ بِهَوْلِ البَعْثِ.
وتَهْدِيدُ مَن تَصَدّى لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ، وزَعَمَ أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ، وكُفْرُ الطّاعِنِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَأقْدَمَ عَلى الطَّعْنِ في آياتِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّها حَقٌّ.
ووَصْفُ أهْوالِ جَهَنَّمَ.
والرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتَخَفُّوا بِها وزَعَمُوا قِلَّةَ عَدَدِ حَفَظَتِها.
وتَحَدِّي أهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم جَهِلُوا عَدَدَ حَفَظَتِها.
وتَأْيِيسُهم مِنَ التَّخَلُّصِ مِنَ العَذابِ.
وتَمْثِيلُ ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا.
ومُقابَلَةُ حالِهِمْ بِحالِ المُؤْمِنِينَ أهْلِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والتَّصْدِيقِ بِيَوْمِ الجَزاءِ.