Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — التكوير 81:14 – الانفطار 82:19
المحتويات
- التكوير 81:14
- التكوير 81:15
- التكوير 81:16
- التكوير 81:17
- التكوير 81:18
- التكوير 81:19
- التكوير 81:20
- التكوير 81:21
- التكوير 81:22
- التكوير 81:23
- التكوير 81:24
- التكوير 81:25
- التكوير 81:26
- التكوير 81:27
- التكوير 81:28
- التكوير 81:29
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:16
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
التكوير 81:14
﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ .
الِافْتِتاحُ بِـ إذا افْتِتاحٌ مُشَوِّقٌ؛ لِأنَّ إذا ظَرْفٌ يَسْتَدْعِي مُتَعَلَّقًا، ولِأنَّهُ أيْضًا شَرْطٌ يُؤْذِنُ بِذِكْرِ جَوابٍ بَعْدَهُ، فَإذا سَمِعَهُ السّامِعُ تَرَقَّبَ ما سَيَأْتِي بَعْدَهُ، فَعِنْدَما يَسْمَعُهُ يَتَمَكَّنُ مِن نَفْسِهِ كَمالَ تَمَكُّنٍ، وخاصَّةً بِالإطْنابِ بِتَكْرِيرِ كَلِمَةِ إذا.
وتَعَدُّدِ الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً، فَإعادَةُ كَلِمَةِ إذا بَعْدَ واوِ العَطْفِ في هَذِهِ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ إطْنابٌ، وهَذا الإطْنابُ اقْتَضاهُ قَصْدُ التَّهْوِيلِ، والتَّهْوِيلُ مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ والتَّكْرِيرِ، كَما في قَصِيدَةِ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ البَكْرِيِّ:
قَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامَةِ مِنِّي
إلَخْ
وفِي إعادَةِ إذا إشارَةٌ إلى أنَّ مَضْمُونَ كُلِّ جُمْلَةٍ مِن هَذِهِ الجُمَلِ الثِّنْتَيْ عَشْرَةَ مُسْتَقِلٌّ بِحُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الجَوابِ عِنْدَ حُصُولِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَفاوُتِ زَمانِ حُصُولِ الشُّرُوطِ، فَإنَّ زَمَنَ سُؤالِ المَوْءُودَةِ ونَشْرِ الصُّحُفِ أقْرَبُ لِعِلْمِ النُّفُوسِ بِما أحْضَرَتْ أقْرَبُ مِن زَمانِ تَكْوِيرِ الشَّمْسِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِمّا يَحْصُلُ قَبْلَ البَعْثِ.
صفحة ١٤١
وقَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ الآياتِ اثْنا عَشَرَ حَدَثًا فَسِتَّةٌ مِنها تَحْصُلُ في آخِرِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وسِتَّةٌ مِنها تَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
وكانَتِ الجُمَلُ الَّتِي جُعِلَتْ شُرُوطًا لِ إذا في هَذِهِ الآيَةِ مُفْتَتَحَةً بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِمُسْنَدٍ فِعْلِيٍّ دُونَ كَوْنِها جُمَلًا فِعْلِيَّةً، ودُونَ تَقْدِيرِ أفْعالٍ مَحْذُوفَةٍ تُفَسِّرُها الأفْعالُ المَذْكُورَةُ وذَلِكَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ نُحاةِ الكُوفَةِ بِجَوازِ وُقُوعِ شَرْطِ (إذا) جُمْلَةً غَيْرَ فِعْلِيَّةٍ وهو الرّاجِحُ؛ لِأنَّ (إذا) غَيْرُ عَرِيقَةٍ في الشَّرْطِ. وهَذا الأُسْلُوبُ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ ما أُسْنِدَتْ إلَيْهِ الأفْعالُ الَّتِي يَغْلِبُ أنْ تَكُونَ شُرُوطًا لِ (إذا)؛ لِأنَّ الِابْتِداءَ بِها أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ والتَّشْوِيقِ ولِيُفِيدَ ذَلِكَ التَّقْدِيمُ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ تَقَوِّيَ الحُكْمِ وتَأْكِيدَهُ في جَمِيعِ تِلْكَ الجُمَلِ رَدًّا عَلى إنْكارِ مُنْكِرِيهِ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ: إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ولَمْ يُقَلْ: إذا كُوِّرَتِ الشَّمْسُ، وهَكَذا نَظائِرُهُ.
وجَوابُ الشُّرُوطِ الِاثْنَيْ عَشَرَ هو قَوْلُهُ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ وتَتَعَلَّقُ بِهِ الظُّرُوفُ المُشْرَبَةُ مَعْنى الشَّرْطِ.
وصِيغَةُ الماضِي في الجُمَلِ الثِّنْتَيْ عَشْرَةَ الوارِدَةِ شُرُوطًا لِ إذا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الشَّرْطِ.
وتَكْوِيرُ الشَّمْسِ: فَسادُ جِرْمِها لِتَداخُلِ ظاهِرِها في باطِنِها بِحَيْثُ يَخْتَلُّ تَرْكِيبُها فَيَخْتَلُّ لِاخْتِلالِهِ نِظامُ سَيْرِها، ومِن قَوْلِهِمْ: كَوَّرَ العِمامَةَ، إذا أدْخَلَ بَعْضَها في بَعْضٍ ولَفَّها، وقَرِيبٌ مِن هَذا الإطْلاقِ إطْلاقُ الطَّيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
وفُسِّرَ كُوِّرَتْ بِمَعْنى غُوِّرَتْ. رَواهُ الطَّبَرَيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وقالَ: هي كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ، وأنَّ أصْلَها بِالفارِسِيَّةِ كُورُ بِكْرْ (بِضَمِّ الكافِ الأُولى وسُكُونِ الرّاءِ الأخِيرَةِ) وعَلى ذَلِكَ عُدَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ مِمّا وقَعَ في القُرْآنِ مِنَ المُعَرَّبِ. وقَدْ عَدَّها ابْنُ السُّبْكِيِّ في نَظْمِهِ الكَلِماتِ المُعَرَّبَةِ في القُرْآنِ.
وإذا زالَ ضَوْءُ الشَّمْسِ انْكَدَرَتِ النُّجُومُ؛ لِأنَّ مُعْظَمَها يَسْتَنِيرُ مِنَ انْعِكاسِ نُورِ الشَّمْسِ عَلَيْها.
والِانْكِدارُ: مُطاوِعُ كَدَّرَهُ المُضاعَفِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أيْ: حَصَلَ لِلنُّجُومِ
صفحة ١٤٢
انْكِدارٌ مِن تَكْدِيرِ الشَّمْسِ لَها حِينَ زالَ عَنْها انْعِكاسُ نُورِها، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ مُطاوِعُ كَدَّرَ دُونَ ذِكْرِ فاعِلِ التَّكْدِيرِ.
والكُدْرَةُ: ضِدُّ الصَّفاءِ، كَتَغَيُّرِ لَوْنِ الماءِ ونَحْوِهِ.
وفُسِّرَ الِانْكِدارُ بِالتَّساقُطِ والِانْقِضاضِ، وأنْشَدُوا قَوْلَ العَجّاجِ يَصِفُ بازِيًا:
أبْصَرَ خِرْبانَ فَضاءً فانْكَدَرْ
ومَعْنى تَساقُطِها تَساقُطُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ واصْطِدامُها بِسَبَبِ اخْتِلالِ نِظامِ الجاذِبِيَّةِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِإمْساكِها إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ.
وتَسْيِيرُ الجِبالِ انْتِقالُها مِن أماكِنِها بِارْتِجاجِ الأرْضِ وزِلْزالِها. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّبَأِ.
والعِشارُ جَمْعُ عُشَراءَ وهي النّاقَةُ الحامِلُ إذا بَلَغَتْ عَشَرَةَ أشْهُرٍ لِحَمْلِها فَقارَبَتْ أنْ تَضَعَ حَمْلَها؛ لِأنَّ النُّوقَ تَحْمِلُ عامًا كامِلًا، والعِشارُ أنْفَسُ مَكاسِبِ العَرَبِ ومَعْنى عُطِّلَتْ تُرِكَتْ لا يُنْتَفَعُ بِها.
والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ النّاسِ أعْمالَهم لِشِدَّةِ الهَوْلِ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ذَلِكَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ في الأرْضِ فَيُناسِبُ ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ العِشارُ مُسْتَعارَةً لِلْأسْحِبَةِ المُحَمَّلَةِ بِالمَطَرِ، شُبِّهَتْ بِالنّاقَةِ العُشَراءِ. وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الِاسْتِعْمالِ، فَهم يُطْلِقُونَ مِثْلَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ لِلسَّحابِ، كَما أطْلَقُوا عَلى السَّحابَةِ اسْمَ بِكْرٍ في قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
فَأطْلَقَ عَلى السَّحابَةِ الكَثِيرَةِ الماءِ اسْمَ البِكْرِ الحُرَّةِ، أيِ: الأصِيلَةِ مِنَ النُّوقِ وهي في حَمْلِها الأوَّلِ.
ومَعْنى تَعْطِيلِ الأسْحِبَةِ أنْ يَعْرِضَ لَها ما يَحْبِسُ مَطَرَها عَنِ النُّزُولِ، أوْ مَعْناهُ أنَّ الأسْحِبَةَ الثِّقالَ لا تَتَجَمَّعُ ولا تَحْمِلُ ماءً، فَمَعْنى تَعْطِيلِها تَكَوُّنُها، فَيَتَوالى القَحْطُ
صفحة ١٤٣
عَلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ النّاسُ والأنْعامُ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَذَلِكَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ العُلْوِيَّةِ فَيُناسِبُ تَكْوِيرَ الشَّمْسِ وانْكِدارَ النُّجُومِ.
والوُحُوشُ: جَمْعُ وحْشٍ وهو الحَيَوانُ البَرِّيُّ غَيْرُ المُتَأنِّسِ بِالنّاسِ.
وحَشْرُها: جَمْعُها في مَكانٍ واحِدٍ، أيْ: مَكانٍ مِنَ الأرْضِ عِنْدَ اقْتِرابِ فَناءِ العالَمِ فَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ حَشْرِها طُوفانًا يَغْمُرُ الأرْضَ مِن فَيَضانِ البِحارِ فَكُلَّما غَمَرَ جُزْءًا مِنَ الأرْضِ فَرَّتْ وُحُوشُهُ حَتّى تَجْتَمِعَ في مَكانٍ واحِدٍ طالِبَةً النَّجاةَ مِنَ الهَلاكِ، ويُشْعِرُ بِهَذا عَطْفُ ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ عَلَيْهِ.
وذُكِرَ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى الوُحُوشِ إيماءً إلى شِدَّةِ الهَوْلِ فالوُحُوشُ الَّتِي مِن طَبْعِها نَفْرَةُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ تَتَجَمَّعُ في مَكانٍ واحِدٍ لا يَعْدُو شَيْءٌ مِنها عَلى الآخَرِ مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ، فَهي ذاهِلَةٌ عَمّا في طَبْعِها مِنَ الِاعْتِداءِ والِافْتِراسِ، ولَيْسَ هَذا الحَشْرَ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ بِهِ لِلْحِسابِ، بَلْ هَذا حَشْرٌ في الدُّنْيا وهو المُناسِبُ لِما عُدَّ مَعَهُ مِنَ الأشْراطِ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وتَسْجِيرُ البِحارِ: فَيَضانُها، قالَ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] في سُورَةِ الطُّورِ. والمُرادُ تَجاوُزُ مِياهِها مُعَدَّلَ سُطُوحِها واخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ وذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلالِ قُوَّةِ كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي كانَتْ ضاغِطَةً عَلَيْها، وقَدْ وقَعَ في آيَةِ سُورَةِ الِانْفِطارِ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] وإذا حَدَثَ ذَلِكَ اخْتَلَطَ ماؤُها بِرَمْلِها فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ.
يُقالُ: سَجَّرَ مُضاعَفًا وسَجَرَ مُخَفَّفًا. وقُرِئَ بِهِما فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ مُشَدَّدًا. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ مُخَفَّفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ الأحْوالِ الحاصِلَةِ في الآخِرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدِ انْتُقِلَ إلى ذِكْرِها لِأنَّها تَحْصُلُ عَقِبَ السِّتَّةِ الَّتِي قَبْلَها وابْتُدِئَ بِأوَّلِها وهو تَزْوِيجُ النُّفُوسِ، والتَّزْوِيجُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَوْجًا لِغَيْرِهِ بَعْدَ أنْ كانَ كِلاهُما فَرْدًا، والتَّزْوِيجُ أيْضًا: جَعْلُ الأشْياءِ أنْواعًا مُتَماثِلَةً قالَ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]؛ لِأنَّ الزَّوْجَ يُطْلَقُ عَلى النَّوْعِ والصِّنْفِ مِنَ الأشْياءِ، والنُّفُوسُ: جَمْعُ نَفْسٍ، والنَّفْسُ يُطْلَقُ عَلى الرُّوحِ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] وقالَ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] .
صفحة ١٤٤
وتُطْلَقُ النَّفْسُ عَلى ذاتِ الإنْسانِ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقالَ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أيْ: فَلْيُسَلِّمِ الدّاخِلُ عَلى أمْثالِهِ مِنَ النّاسِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى النُّفُوسِ هُنا الأرْواحَ، أيْ: تُزَوَّجُ الأرْواحُ بِالأجْسادِ المُخَصَّصَةِ لَها فَيَصِيرُ الرُّوحُ زَوْجًا مَعَ الجَسَدِ بَعْدَ أنْ كانَ فَرْدًا لا جِسْمَ لَهُ في بَرْزَخِ الأرْواحِ، وكانَتِ الأجْسادُ بِدُونِ أرْواحٍ حِينَ يُعادُ خَلْقُها، أيْ: وإذا أُعْطِيَتِ الأرْواحُ لِلْأجْسادِ. وهَذا هو البَعْثُ وهو المَعْنى المُتَبادَرُ أوَّلًا، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وإذا الأشْخاصُ نُوِّعَتْ وصُنِّفَتْ فَجُعِلَتْ أصْنافًا: المُؤْمِنُونَ، والصّالِحُونَ، والكُفّارُ، والفُجّارُ، قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ والسّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧] الآيَةَ.
ولَعَلَّ قَصْدَ إفادَةِ هَذا التَّرْكِيبِ لِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ هو مُقْتَضى العُدُولِ عَنْ ذِكْرِ ما زُوِّجَتِ النُّفُوسُ بِهِ. وأوَّلُ مَنازِلِ البَعْثِ اقْتِرانُ الأرْواحِ بِأجْسادِها، ثُمَّ تَقْسِيمُ النّاسِ إلى مَراتِبِهِمْ لِلْحَشْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ثُمَّ قالَ: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] ثُمَّ قالَ: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] الآيَةَ.
وقَدْ ذَكَرُوا مَعانِيَ أُخْرى لِتَزْوِيجِ النُّفُوسِ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مُناسِبَةٍ لِلسِّياقِ.
وبِمُناسَبَةِ ذِكْرِ تَزْوِيجِ النُّفُوسِ بِالأجْسادِ خُصَّ سُؤالُ المَوْءُودَةِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يُسْألُ عَنْهُ المُجْرِمُونَ يَوْمَ الحِسابِ، ذَلِكَ لِأنَّ إعادَةَ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ كانَ بَعْدَ مُفارَقَتِها بِالمَوْتِ، والمَوْتُ إمّا بِعارِضٍ جَسَدِيٍّ مِنَ انْحِلالٍ أوْ مَرَضٍ، وإمّا بِاعْتِداءٍ عُدْوانِيٍّ مِن قَتْلٍ أوْ قِتالٍ، وكانَ مِن أفْظَعِ الإعْتِداءِ عَلى إزْهاقِ الأرْواحِ مِن أجْسادِها اعْتِداءُ الآباءِ عَلى نُفُوسِ أطْفالِهِمْ بِالوَأْدِ، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ في الفِطْرَةِ حِرْصَ الآباءِ عَلى اسْتِحْياءِ أبْنائِهِمْ وجَعَلَ الأبَوَيْنِ سَبَبَ إيجادِ الأبْناءِ، فالوَأْدُ أفْظَعُ أعْمالِ أهْلِ الشِّرْكِ. وسُؤالُ المَوْءُودَةِ سُؤالٌ تَعْرِيضِيٌّ مُرادٌ مِنهُ تَهْدِيدُ وائِدِها ورُعْبُهُ بِالعَذابِ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ سُؤالَ المَوْءُودَةِ وعُقُوبَةَ مَن وأدَها أوَّلُ ما يُقْضى فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ
صفحة ١٤٥
كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ جَعْلَ هَذا السُّؤالِ وقْتًا تَعْلَمُ عِنْدَهُ كُلُّ نَفْسٍ ما أحْضَرَتْ، فَهو مِن أوَّلِ ما يُعْلَمُ بِهِ حِينَ الجَزاءِ.
والوَأْدُ: دَفْنُ الطِّفْلَةِ وهي حَيَّةٌ: قِيلَ هو مَقْلُوبُ آداهُ، إذا أثْقَلَهُ؛ لِأنَّهُ إثْقالُ الدَّفِينَةِ بِالتُّرابِ. قالَ في الكَشّافِ: كانَ الرَّجُلُ إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَأرادَ أنْ يَسْتَحْيِيَها البَسْها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ تَرْعى لَهُ الإبِلَ والغَنَمَ في البادِيَةِ، وإنْ أرادَ قَتْلَها تَرَكَها حَتّى إذا كانَتْ سُداسِيَّةً يَقُولُ لِأُمِّها طَيِّبِيها وزَيِّنِيها حَتّى أذْهَبَ بِها إلى أحْمائِها وقَدْ حَفَرَ لَها بِئْرًا في الصَّحْراءِ فَيَبْلُغُ بِها البِئْرَ فَيَقُولُ لَها: انْظُرِي فِيها، ثُمَّ يَدْفَعُها مِن خَلْفِها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ حَتّى تَسْتَوِيَ البِئْرُ بِالأرْضِ.
وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا أقْرَبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ، فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْ بِها في الحُفْرَةِ، وإنْ ولَدَتِ ابْنًا حَبَسَتْهُ اهـ.
وكانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِن إغارَةِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ فَيَسْبِي نِساءَهم، ولِخَشْيَةِ الإمْلاقِ في سِنِيِّ الجَدْبِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ يَحْتالُ لِلْكَسْبِ بِالغارَةِ وغَيْرِها والأُنْثى عالَةٌ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] وقالَ: ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨] .
وإذْ قَدْ فَشا فِيهِمْ كَراهِيَةُ وِلادَةِ الأُنْثى فَقَدْ نَما في نُفُوسِهِمْ بُغْضُها فَتَحَرَّكَتْ فِيها الخَواطِرُ الإجْرامِيَّةُ، فالرَّجُلُ يَكْرَهُ أنْ تُولَدَ لَهُ أُنْثى لِذَلِكَ، وامْرَأتُهُ تَكْرَهُ أنْ تُولَدَ لَها أُنْثى خَشْيَةً مِن فِراقِ زَوْجِها إيّاها، وقَدْ يَهْجُرُ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إذا ولَدَتْ أُنْثى.
وقَدْ تَوارَثَتْ هَذا الجَهْلَ أكْثَرُ الأُمَمِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهم فِيهِ، ومِن كَلامِ بَعْضِهِمْ وقَدْ ماتَتِ ابْنَتُهُ: (( نِعْمَ الصِّهْرُ القَبْرُ) ) .
ومِن آثارِ هَذا الشُّعُورِ حِرْمانُ البَناتِ مِن أمْوالِ آبائِهِنَّ بِأنْواعٍ مِنَ الحِيَلِ مِثْلَ وقْفِ أمْوالِهِمْ عَلى الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ، وقَدْ قالَ مالِكٌ: إنَّ ذَلِكَ مِن سُنَّةِ الجاهِلِيَّةِ، ورَأى ذَلِكَ الحُبْسَ باطِلًا، وكانَ كَثِيرٌ مِن أقْرِباءِ المَيِّتِ يُلْجِئُونَ بَناتَهُ إلى إسْقاطِ حَقِّهِنَّ في مِيراثِ أبِيهِنَّ لِإخْوَتِهِنَّ في فَوْرِ الأسَفِ عَلى مَوْتِ أبِيهِنَّ، فَلا
صفحة ١٤٦
يَمْتَنِعْنَ مِن ذَلِكَ، ويَرَيْنَ الِامْتِناعَ مِن ذَلِكَ عارًا عَلَيْهِنَّ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْنَ قَطَعَهُنَّ أقْرِباؤُهُنَّ.
وتُعْرَفُ هَذِهِ المَسْألَةُ في الفِقْهِ بِهِبَةِ بَناتِ القَبائِلِ، وبَعْضُهم يَعُدُّها مِنَ الإكْراهِ.
ولَمْ يَكُنِ الوَأْدُ مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَ جَمِيعِ القَبائِلِ، قِيلَ: أوَّلُ مَن وأدَ البَناتِ مِنَ القَبائِلِ رَبِيعَةُ، وكانَتْ كِنْدَةُ تَئِدُ البَناتِ، وكانَ بَنُو تَمِيمٍ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ووَأدَ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ المِنقَرِيُّ مِن بَنِي تَمِيمٍ ثَمانِيَ بَناتٍ لَهُ قَبْلَ إسْلامِهِ.
ولَمْ يَكُنِ الوَأْدُ في قُرَيْشٍ البَتَّةَ. وكانَ صَعْصَعَةُ بْنُ ناجِيَةَ جَدُّ الفَرَزْدَقِ مِن بَنِي تَمِيمٍ يَفْتَدِي مَن يَعْلَمُ أنَّهُ يُرِيدُ وأْدَ بِنْتِهِ مِن قَوْمِهِ بِناقَتَيْنِ عُشَراوَيْنِ وجَمَلٍ، فَقِيلَ: إنَّهُ افْتَدى ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ مَوْءُودَةً، وقِيلَ: وسَبْعِينَ، وفي الأغانِي: وقِيلَ: أرْبَعَمِائَةٍ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: فَجاءَ الإسْلامُ وقَدْ أحْيا سَبْعِينَ مَوْءُودَةً. ومِثْلُ هَذا في كِتابِ الشُّعَراءِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ، وبَيْنَ العَدَدَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، فَلَعَلَّ في أحَدِهِما تَحْرِيفًا.
وفِي تَوْجِيهِ السُّؤالِ إلى المَوْءُودَةِ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ في ذَلِكَ الحَشْرِ إدْخالُ الرَّوْعِ عَلى مَن وأدَها، وجَعْلُ سُؤالِها عَنْ تَعْيِينِ ذَنْبٍ أوْجَبَ قَتْلَها لِلتَّعْرِيضِ بِالتَّوْبِيخِ والتَّخْطِئَةِ لِلَّذِي وأدَها، ولِيَكُونَ جَوابُها شَهادَةً عَلى مَن وأدَها فَيَكُونَ اسْتِحْقاقُهُ العِقابَ أشَدَّ وأظْهَرَ.
وجُمْلَةُ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ سُئِلَتْ.
و(أيُّ): اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُطْلَبُ بِهِ تَمَيُّزُ شَيْءٍ مِن بَيْنِ أشْياءَ تَشْتَرِكُ مَعَهُ في حالٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ﴾ تَقْرِيرِيٌّ، وإنَّما سُئِلَتْ عَنْ تَعْيِينِ الذَّنْبِ المُوجِبِ قَتْلَها دُونَ أنْ تُسْألَ عَنْ قاتِلِها لِزِيادَةِ التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْ تَعْيِينِ الذَّنْبِ مَعَ تَحَقُّقِ الوائِدِ الَّذِي يَسْمَعُ ذَلِكَ السُّؤالَ أنْ لا ذَنْبَ لَها إشْعارٌ لِلْوائِدِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِيما صَنَعَ بِها.
ويُنْتَزَعُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُئِلَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ الوارِدِ في سِياقِ نَفْيِ ذَنْبٍ عَنِ المَوْءُودَةِ يُوجِبُ قَتْلَها اسْتِدْلالٌ عَلى أنَّ مَن ماتُوا مِن أطْفالِ المُشْرِكِينَ لا يُعْتَبَرُونَ مُشْرِكِينَ مِثْلَ آبائِهِمْ، وأوَّلُ مَن رَأيْتُهُ تَعَرَّضَ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ الزَّمَخْشَرِيُّ في
صفحة ١٤٧
الكَشّافِ، وذَكَرَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اسْتَدَلَّ عَلى هَذا المَعْنى قالَ في الكَشّافِ: ”وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ لا يُعَذَّبُونَ، وإذْ أبْكَتَ اللَّهُ الكافِرَ بِبَراءَةِ المَوْءُودَةِ مِنَ الذَّنْبِ فَما أقْبَحَ بِهِ وهو الَّذِي لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ أنْ يَكِرَّ عَلى هَذا التَّبْكِيتِ فَيَفْعَلَ بِها ما تَنْسى عِنْدَهُ فِعْلَ المُبَكَّتِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ“ . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ اهـ. فَأشارَ إلى ثَلاثَةِ أدِلَّةٍ: أحَدُها: دِلالَةُ الإشارَةِ، أيْ: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّها لا ذَنْبَ لَها، وهَذا اسْتِدْلالٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ المَنفِيَّ وجُودُهُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ المَشُوبِ بِإنْكارٍ إنَّما هو الذَّنْبُ الَّذِي يُخَوِّلُ لِأبِيها وأْدَها لا إثْباتَ حُرْمَتِها وعِصَمِةَ دَمِها فَتِلْكَ قَضِيَّةٌ أُخْرى عَلى تَفْصِيلٍ فِيها.
الثّانِي: قاعِدَةُ إحالَةِ فِعْلِ القَبِيحِ عَلى اللَّهِ تَعالى عَلى قاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وإحالَتِهِمُ الظُّلْمَ عَلى اللَّهِ إذا عَذَّبَ أحَدًا بِدُونِ فِعْلِهِ، وهو أصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الأشاعِرَةِ والمُعْتَزِلَةِ. فَعِنْدَنا أنَّ تَصَرُّفَ اللَّهِ في عَبِيدِهِ لا يُوصَفُ بِالظُّلْمِ خِلافًا لَهم عَلى أنَّ هَذا الدَّلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى أساسِ الدَّلِيلِ الأوَّلِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ سالِمٍ مِنَ النَّقْضِ.
الثّالِثُ: ما نَسَبَهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وهو يُشِيرُ إلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِ إلى عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أطْفالُ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ، فَمَن زَعَمَ أنَّهم في النّارِ فَقَدْ كَذَّبَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ وقَدْ أُجِيبَ عَنِ القَوْلِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الصِّحَّةِ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ مِن أُصُولِ الدِّينِ لا يُكْتَفى فِيها إلّا بِالدَّلِيلِ القاطِعِ.
واعْلَمْ أنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ في حُكْمِ أطْفالِ المُشْرِكِينَ مُتَعارِضَةٌ، فَرَوى البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أوْلادِ أوْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ فَقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» . وهَذا الجَوابُ يَحْتَمِلُ الوَقْفَ عَنِ الجَوابِ، أيِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِحالِهِمْ، كَقَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾ [طه: ٥٢] جَوابًا لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] . ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى: اللَّهُ أعْلَمُ بِحالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم لَوْ كَبَرَ ماذا يَكُونُ عامِلًا مِن كُفْرٍ أوْ إيمانٍ، أيْ: فَيُعامِلُهُ بِما عَلِمَ مِن حالِهِ.
صفحة ١٤٨
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ - بِبَعْضِ اخْتِلافٍ في اللَّفْظِ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» الحَدِيثَ. زادَ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ يَقُولُ - أيْ أبُو هُرَيْرَةَ -: اقْرَؤُوا ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] . فَيَقْتَضِي أنَّهم يُولَدُونَ عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ حَتّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ مِن أبَوَيْهِ أوْ قَرِيبِهِ أوْ قَرِينِهِ ما يُغَيِّرُهُ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا أظْهَرُ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
قالَ المازِرِيُّ في المُعَلِّمِ: فاضْطَرَبَ العُلَماءُ فِيهِمْ. والأحادِيثُ ورَدَتْ ظَواهِرُها مُخْتَلِفَةً واخْتِلافُ هَذِهِ الظَّواهِرِ سَبَبُ اضْطِرابِ العُلَماءِ في ذَلِكَ والقَطْعُ ها هُنا يَبْعُدُ اهـ.
وقَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ: واقْرَؤُوا ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] إلَخْ مِصْباحٌ يُنِيرُ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الأخْبارِ: وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ الرُّؤْيا عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ما هو صَرِيحٌ في ذَلِكَ، إذْ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وأمّا الرَّجُلُ الَّذِي في الرَّوْضَةِ فَإنَّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأمّا الوِلْدانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلى الفِطْرَةِ. قالَ سَمُرَةُ: فَقالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأوْلادُ المُشْرِكِينَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وأوْلادُ المُشْرِكِينَ» .
واخْتَلَفَتْ أقْوالُ العُلَماءِ في أوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ ابْنُ المُبارَكِ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وحَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، والشّافِعِيُّ: هم في مَشِيئَةِ اللَّهِ. والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ والجُمْهُورُ أنَّهم في الجَنَّةِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ. وذَهَبَ الأزارِقَةُ إلى أنَّ أوْلادَ المُشْرِكِينَ تَبَعٌ لِآبائِهِمْ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: سَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ عَنْ حَدِيثِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» فَقالَ: كانَ ذَلِكَ أوَّلَ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ الفَرائِضُ وقَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الجِهادُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: كَأنَّهُ يَعْنِي أنَّهُ لَوْ وُلِدَ عَلى الفِطْرَةِ لَمْ يَرِثاهُ لِأنَّهُ مُسْلِمٌ وهُما كافِرانِ، فَلَمّا فُرِضَتِ الفَرائِضُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ جازَ أنْ يُسَمّى كافِرًا وعُلِمَ أنَّهُ يُولَدُ عَلى دِينِهِما.
وهُنالِكَ أقْوالٌ أُخْرى كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَعْزُوَّةٍ إلى مُعَيَّنٍ ولا مُسْتَنِدَةٍ لِأثَرٍ صَحِيحٍ.
وذَكَرَ المازِرِيُّ أنَّ أطْفالَ الأنْبِياءِ في الجَنَّةِ بِإجْماعٍ، وأنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى أنَّ أطْفالَ بَقِيَّةِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ، وبَعْضُ العُلَماءِ وقَفَ فِيهِمْ، وقالَ النَّوَوِيُّ: أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ مَن ماتَ مِن أطْفالِ المُسْلِمِينَ فَهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ.
صفحة ١٤٩
وقَرَأ الجُمْهُورُ قُتِلَتْ بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الأُولى، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِها، وهي تُفِيدُ مَعْنى أنَّهُ قَتْلٌ شَدِيدٌ فَظِيعٌ.
ونَشْرُ الصُّحُفِ حَقِيقَتُهُ: فَتْحُ طَيّاتِ الصَّحِيفَةِ، أوْ إطْلاقُ التِفافِها لِتُقْرَأ كِتابَتُها وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] في سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والمُرادُ: صُحُفُ الأعْمالِ، وهي إمّا صُحُفٌ حَقِيقِيَّةٌ مُخالِفَةٌ لِلصُّحُفِ المَأْلُوفَةِ، وإمّا مَجازِيَّةٌ أُطْلِقَتْ عَلى أشْياءَ فِيها إحْصاءُ أعْمالِ النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ ﴿نُشِرَتْ﴾ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ لِلتَّكْثِيرِ لِكَثْرَةِ الصُّحُفِ المَنشُورَةِ.
والكَشْطُ: إزالَةُ الإهابِ عَنِ الحَيَوانِ المَيِّتِ وهو أعَمُّ مِنَ السَّلْخِ؛ لِأنَّ السَّلْخَ لا يُقالُ إلّا في إزالَةِ إهابِ البَقَرِ والغَنَمِ دُونَ إزالَةِ إهابِ الإبِلِ، فَإنَّهُ كَشْطٌ ولا يُقالُ سَلْخٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ إزالَةٌ تَقَعُ في يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّها ذُكِرَتْ في أثْناءِ أحْداثِ يَوْمِ القِيامَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ .
فالظّاهِرُ أنَّ السَّماءَ تَبْقى مُنْشَقَّةً مُنْفَطِرَةً تَعْرُجُ المَلائِكَةُ بَيْنَها وبَيْنَ أرْضِ المَحْشَرِ حَتّى يَتِمَّ الحِسابُ، فَإذا قُضِيَ الحِسابُ أُزِيلَتِ السَّماءُ مِن مَكانِها، فالسَّماءُ مَكْشُوطَةٌ والمَكْشُوطُ عَنْهُ هو عالَمُ الخُلُودِ، ويَكُونُ ﴿كُشِطَتْ﴾ اسْتِعارَةً لِلْإزالَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ الأحْداثِ الَّتِي جُعِلَتْ أشْراطًا لِلسّاعَةِ وأُخِّرَ ذِكْرُهُ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ نَشْرِ الصُّحُفِ؛ لِأنَّ الصُّحُفَ تَنْشُرُها المَلائِكَةُ وهم مِن أهْلِ السَّماءِ فَيَكُونُ هَذا الكَشْطُ مِن قَبِيلِ الِانْشِقاقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] والِانْفِطارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] فَيَكُونُ الكَشْطُ لِبَعْضِ أجْزاءِ السَّماءِ والمَكْشُوطُ عَنْهُ بَعْضٍ آخَرَ، فَيَكُونُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ومِن قَبِيلِ الطَّيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] لِأنَّ ظاهِرَهُ اتِّصالُ طَيِّ
صفحة ١٥٠
السَّماءِ بِإعادَةِ الخَلْقِ، وتَصِيرُ الأشْراطُ الَّتِي تَحْصُلُ قَبْلَ البَعْثِ سَبْعَةً والأحْداثُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ البَعْثِ خَمْسَةً.
والجَحِيمُ أصْلُهُ: النّارُ ذاتُ الطَّبَقاتِ مِنَ الوَقُودِ مِن حَطَبٍ ونَحْوِهِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وصارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى جَهَنَّمَ دارِ العَذابِ في الآخِرَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ. وتَسْعِيرُها أوْ إسْعارُها: إيقادُها، أيْ: هُيِّئَتْ لِعَذابِ مَن حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (سُعِّرَتْ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ مُبالَغَةً في الإسْعارِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقُوبِلَتْ بِالجَنَّةِ دارِ النَّعِيمِ، واسْمُ الجَنَّةِ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى دارِ النَّعِيمِ، وأُزْلِفَتْ قُرِّبَتْ، والزُّلْفى: القُرْبُ، أيْ: قُرِّبَتِ الجَنَّةُ مِن أهْلِها، أيْ: جُعِلَتْ بِالقُرْبِ مِن مَحْشَرِهِمْ بِحَيْثُ لا تَعَبَ عَلَيْهِمْ في الوُصُولِ إلَيْها وذَلِكَ كَرامَةً لَهم.
واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمَلِ الثِّنْتَيْ عَشْرَةَ المُفْتَتَحاتِ بِكَلِمَةِ (إذا) مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إلى هُنا، والإخْبارَ عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ مَعَ إمْكانِ أنْ يُقالَ: إذا كُوِّرَتِ الشَّمْسُ وإذا انْكَدَرَتِ النُّجُومُ، وهَكَذا كَما قالَ: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيمَ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِتِلْكَ الأخْبارِ المَجْعُولَةِ عَلاماتٍ لِيَوْمِ البَعْثِ تَوَسُّلًا بِالِاهْتِمامِ بِأشْراطِهِ إلى الِاهْتِمامِ بِهِ وتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
وإنَّ إطالَةَ ذِكْرِ تِلْكَ الجُمَلِ تَشْوِيقٌ لِلْجَوابِ الواقِعِ بَعْدَها بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ يَتَنازَعُ التَّعَلُّقَ بِهِ كَلِماتُ إذا المُتَكَرِّرَةُ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ فَلَمّا بَلَغَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ قالَ: لِهَذا أُجْرِيَتِ القِصَّةُ أيْ: هو جَوابُ القَسَمِ ومَعْنى عَلِمَتْ أنَّها تُعْلَمُ بِما أحْضَرَتْ فَتَعْلَمُهُ.
وقَوْلُهُ: نَفْسٌ نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ مُرادٌ بِها العُمُومُ، أيْ: عَلِمَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما أحْضَرَتْ، واسْتِفادَةُ العُمُومِ مِنَ النَّكِرَةِ في سِياقِ الإثْباتِ تَحْصُلُ مِنَ القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ القَصْدِ إلى واحِدٍ مِنَ الجِنْسِ، والقَرِينَةُ هُنا وُقُوعُ لَفْظِ (نَفْسٌ) في جَوابِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الَّتِي لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ تَكُونَ شُرُوطًا لِشَخْصٍ واحِدٍ، وقَدْ
صفحة ١٥١
قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠] .
والإحْضارُ: جَعْلُ الشَّيْءِ حاضِرًا.
ومَعْنى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ حُصُولُ اليَقِينِ بِما لَمْ يَكُنْ لَها بِهِ عِلْمٌ مِن حَقائِقِ الأعْمالِ الَّتِي كانَ عِلْمُها بِها أشْتاتًا: بَعْضُهُ مَعْلُومٌ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، وبَعْضُهُ مَعْلُومٌ صُورَتُهُ مَجْهُولَةٌ عَواقِبُهُ، وبَعْضُهُ مَغْفُولٌ عَنْهُ. فَنُزِّلَ العِلْمُ الَّذِي كانَ حاصِلًا لِلنّاسِ في الحَياةِ الدُّنْيا مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ، وأثْبَتَ العِلْمُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ عِلْمَ أعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيَعْلَمُ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ عِلْمٌ مِمّا يُحَقِّرُهُ مِن أعْمالِهِ ويَتَذَكَّرُ ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ مِن قَبْلُ، وتَذَكُّرُ المَنسِيِّ والمَغْفُولِ عَنْهُ نَوْعٌ مِنَ العِلْمِ.
وما أحْضَرَتْهُ هو ما أسْلَفَتْهُ مِنَ الأعْمالِ، ولَمّا كانَتِ الأعْمالُ تَظْهَرُ آثارُها مِن ثَوابٍ وعِقابٍ يَوْمَئِذٍ عُبِّرَ عَنْ ظُهُورِ آثارِها بِالإحْضارِ لِشَبَهِهِ بِهِ كَما يُحْضَرُ الزّادُ لِلْمُسافِرِ فَفي فِعْلِ أحْضَرَتِ اسْتِعارَةٌ. ويُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ الإعْدادِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ مَتى السّاعَةُ ؟ ماذا أعْدَدْتَ لَها.
وأُسْنِدَ الإحْضارُ إلى النُّفُوسِ لِأنَّها الفاعِلَةُ لِلْأعْمالِ الَّتِي يَظْهَرُ جَزاؤُها يَوْمَئِذٍ فَهَذا الإسْنادُ مِن إسْنادِ فِعْلِ الشَّيْءِ إلى سَبَبِ فِعْلِهِ، فَحَصَلَ هُنا مَجازانِ: مَجازٌ لُغَوِيٌّ، ومَجازٌ عَقْلِيٌّ، وحَقِيقَتُهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠] .
وجُعِلَتْ مَعْرِفَةُ النُّفُوسِ لِجَزاءِ أعْمالِها حاصِلَةً عِنْدَ حُصُولِ مَجْمُوعِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذُكِرَتْ في الجُمَلِ الثِّنْتَيْ عَشْرَةَ؛ لِأنَّ بَعْضَ الأحْوالِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الشُّرُوطُ مُقارَنٌ لِحُصُولِ عِلْمِ النُّفُوسِ بِأعْمالِها وهي الأحْوالُ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ أخِيرًا، وبَعْضَ الأحْوالِ حاصِلٌ مِن قَبْلُ بِقَلِيلٍ وهي الأحْوالُ السِّتَّةُ المَذْكُورَةُ أوَّلًا، فَنَزَلَ القَرِيبُ مَنزِلَةَ المُقارَنِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ الجَمِيعُ شُرُوطًا لِ إذا.
التكوير 81:15
صفحة ١٥٢
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجِوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابُهُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لِلْإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ هو بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لِما بَعْدَ الفاءِ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ أفادَ تَحْقِيقَ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ وهم قَدْ أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا القُرْآنَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِهِ وذُكِرَ أشْراطُهُ فُرِّعَ عَنْهُ تَصْدِيقُ القُرْآنِ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ وأنَّهُ مُوحًى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فالتَّفْرِيعُ هُنا تَفْرِيعُ مَعْنًى وتَفْرِيعُ ذِكْرٍ مَعًا، وقَدْ جاءَ تَفْرِيعُ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ تَفْرِيعِ ذِكْرِ كَلامٍ عَلى كَلامٍ آخَرَ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
عَقِبَ نَسِيبِ مُعَلَّقَتِهِ الَّذِي لا يَتَفَرَّعُ عَنْ مَعانِيهِ ما بَعْدَ القَسَمِ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إنَّما هو لِلْإقْبالِ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ تَفَوُّقُ التَّفْرِيعِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْرِيعِ بَيْتِ زُهَيْرٍ: ومَعْنى لا أُقْسِمُ: إيقاعُ القَسَمِ، وقَدْ عُدَّتْ (لا) زائِدَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والقَسَمُ مُرادٌ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ وتَحْقِيقُهُ، وأُدْمِجَ فِيهِ أوْصافُ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والخُنَّسِ: جَمْعُ خانِسَةٍ، وهي الَّتِي تَخْنِسُ، أيْ: تَخْتَفِي، يُقالُ: خَنِسَتِ البَقَرَةُ والظَّبْيَةُ، إذا اخْتَفَتْ في الكِناسِ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي الَّتِي تَجْرِي، أيْ: تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا.
والكُنَّسِ: جَمْعُ كانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ الظَّبْيُّ، إذا دَخَلَ كِناسَهُ - بِكَسْرِ الكافِ - وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ لِلْمَبِيتِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ أُرِيدَ بِها صِفاتٌ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَوْصُوفاتِها
صفحة ١٥٣
الكَواكِبُ، وُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ في النَّهارِ مُخْتَفِيَةً عَنِ الأنْظارِ، فَشُبِّهَتْ بِالوَحْشِيَّةِ المُخْتَفِيَةِ في شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فَقِيلَ: الخُنَّسُ وهو مِن بَدِيعِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الخُنُوسَ اخْتِفاءُ الوَحْشِ عَنْ أنْظارِ الصَّيّادِينَ ونَحْوِهِمْ دُونَ السُّكُونِ في كِناسٍ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ لِأنَّها لا تُرى في النَّهارِ لِغَلَبَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى أُفُقِها وهي مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَطالِعِها.
فَشُبِّهَ طُلُوعُ الكَوْكَبِ بِخُرُوجِ الوَحْشِيَّةِ مِن كِناسِها، وشُبِّهَ تَنَقُّلُ مَرْآها لِلنّاظِرِ بِجَرْيِ الوَحْشِيَّةِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن كِناسِها صَباحًا، قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا انْحَسَرَ الظَّلامُ وأسْفَرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرى أزْلامُها
وشُبِّهَ غُرُوبُها بَعْدَ سَيْرِها بِكُنُوسِ الوَحْشِيَّةِ في كِناسِها وهو تَشْبِيهُ بَدِيعٌ، فَكانَ قَوْلُهُ: بِالخُنَّسِ اسْتِعارَةً وكانَ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ تَرْشِيحَيْنِ لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأوْصافِ الثَّلاثِ ما يُشْبِهُ اللُّغْزَ يُحْسَبُ بِهِ أنَّ المَوْصُوفاتِ ظِباءٌ أوْ وُحُوشٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ حَقائِقُها مِن أحْوالِ الوُحُوشِ، والألْغازُ طَرِيقَةٌ مُسْتَمْلَحَةٌ عِنْدَ بُلَغاءِ العَرَبِ وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ:
فَقُلْتُ أعِيرانِي القُدُومَ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أخُطُّ بِها قَبْرًا لِأبْيَضَ ماجِدِ
أرادَ أنَّهُ يَصْنَعُ بِها غِمْدًا لِسَيْفٍ صَقِيلٍ مُهَنَّدٍ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: حَمْلُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى حَقائِقِها المَشْهُورَةِ، وإنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ.
صفحة ١٥٤
والمَعْرُوفُ في أقْسامِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِالأشْياءِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ القَسَمُ بِ اللَّيْلِ عَلى القَسَمِ بِ (الكَواكِبِ) لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن أجَلِّ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذا العالَمِ.
وعَسْعَسَ اللَّيْلُ عَسْعاسًا وعَسْعَسَةً، قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أدْبَرَ ظَلامُهُ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجَزَمَ بِهِ الفَرّاءُ وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ. وقالَ المُبَرِّدُ، والخَلِيلُ: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ، إذا أقْبَلَ ظَلامُهُ، وعَسْعَسَ، إذا أدْبَرَ ظَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ اللَّهُ بِإقْبالِ اللَّيْلِ وإدْبارِهِ مَعًا اهـ.
وبِذَلِكَ يَكُونُ إيثارُ هَذا الفِعْلِ لِإفادَتِهِ كِلا حالَيْنِ صالِحَيْنِ لِلْقَسَمِ بِهِ فِيهِما؛ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ إذْ يَعْقُبُ الظَّلامَ الضِّياءُ، ثُمَّ يَعْقُبُ الضِّياءَ الظَّلامُ، وهَذا إيجازٌ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ القَسَمُ بِالصُّبْحِ حِينَ تَنَفُّسِهِ، أيِ: انْشِقاقِ ضَوْئِهِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذا العالَمِ.
والتَّنَفُّسُ: حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ النَّفَسِ مِنَ الحَيَوانِ، اسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الضِّياءِ مَعَ بَقايا الظَّلامِ عَلى تَشْبِيهِ خُرُوجِ الضِّياءِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، أوْ لِأنَّهُ إذا بَدا الصَّباحُ أقَبَلَ مَعَهُ نَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ كالتَّنَفُّسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الصُّبْحِ بِذِي نَفَسٍ مَعَ تَشْبِيهِ النَّسِيمِ بِالأنْفاسِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ في سِياقِ الإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، فَإنَّهُ مِمّا أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُصِفَ جِبْرِيلُ بِرَسُولٍ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
وإضافَةُ قَوْلُ إلى رَسُولٍ إمّا لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِأنَّ جِبْرِيلَ يُبَلِّغُ ألْفاظَ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَيَحْكِيها كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو قائِلُها، أيْ: صادِرَةٌ مِنهُ ألْفاظُها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْ جِبْرِيلَ بِوَصْفِ رَسُولٍ إيماءٌ إلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ هو رِسالَةٌ مِنَ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِها كَما هي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ آخَرُونَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ في الآيَةِ كُلِّها اهـ. ولَمْ يُعَيِّنِ اسْمَ أحَدٍ مِمَّنْ قالُوا هَذا مِنَ المُفَسِّرِينَ.
واسْتُطْرِدَ في خِلالِ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ الثَّناءُ عَلى المَلَكِ المُرْسَلِ بِهِ تَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ، فَإجْراءُ أوْصافِ الثَّناءِ عَلى رَسُولٍ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ أيْضًا، ولِلْكِنايَةِ عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِ صِدْقٌ؛ لِأنَّ كَمالَ القائِلِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ القَوْلِ.
ووُصِفَ رَسُولٍ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ: كَرِيمٍ وهو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ.
والوَصْفانِ الثّانِي والثّالِثُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ . فالقُوَّةُ حَقِيقَتُها مَقْدِرَةُ الذّاتِ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُقْدَرُ عَلَيْها غالِبًا. ومِن أوْصافِهِ تَعالى (القَوِيُّ)، ومِنها مَقْدِرَةُ الذّاتِ مِن إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أبْناءُ نَوْعِهِ.
وضِدُّها الضَّعْفُ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى ثَباتِ النَّفْسِ عَلى مُرادِها والإقْدامِ ورِباطَةِ الجَأْشِ. قالَ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وقالَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِ ذِي قُوَّةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِدَّةَ المَقْدِرَةِ كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ المَجازِيَّةِ وهي الثَّباتُ في أداءِ ما أُرْسِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]؛ لِأنَّ المُناسِبَ لِلتَّعْلِيمِ هو قُوَّةُ النَّفْسِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصْفُهُ بِ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ يُرادُ بِها المَعْنى المَجازِيُّ وهو الكَرامَةُ والِاسْتِجابَةُ لَهُ.
صفحة ١٥٦
والمَكِينُ: فَعِيلٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ مَكانَةً، إذا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ المَلِكِ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .
وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ بَيْنَ ذِي قُوَّةٍ ومَكِينٍ لِيَتَنازَعَهُ كِلا الوَصْفَيْنِ عَلى وجْهِ الإيجازِ، أيْ: هو ذُو قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَقْدِرَةَ جِبْرِيلَ تُخَوِّلُهُ أنْ يَقُومَ بِعَظِيمِ ما يُوَكِّلُهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلى قُوَّةِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ التَّدْبِيرِ، وهو ذُو مَكانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وزُلْفى.
ووُصِفَ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَعْظِيمٍ وعِنايَةٍ، فَ عِنْدَ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والزُّلْفى.
وعُدِلَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إلى ذِي العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبْرِيلَ لِتَمْثِيلِ حالِ جِبْرِيلَ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ بِحالَةِ الأمِيرِ الماضِي في تَنْفِيذِ أمْرِ المَلِكِ وهو بِمَحَلِّ الكَرامَةِ لَدَيْهِ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَلِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ إذْ كانَ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ أعْظَمِ مَوْجُودٍ شَأْنًا.
الوَصْفُ الرّابِعُ مُطاعٍ أنْ يُطِيعَهُ مَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يُطِيعُ الجَيْشُ قائِدَهم، أوِ النَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ: أيْ: مَأْمُورٌ النّاسُ بِطاعَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ.
وثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو المَكانُ المُجازِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ مُطاعٍ وهو أنْسَبُ لِإجْراءِ الوَصْفِ عَلى جِبْرِيلَ، أيْ: مُطاعٌ في المَلَأِ الأعْلى فِيما يَأْمُرُ بِهِ المَلائِكَةَ والنَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أيْ: مُقَرَّرٌ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُطاعَ فِيما يَأْمُرُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ أمِينٍ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَكانِ، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِهِ ظاهِرٌ أيْضًا، ووَصْفُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرَةٌ أمانَتُهُ في المَلَأِ الأعْلى.
صفحة ١٥٧
والأمِينُ: الَّذِي يَحْفَظُ ما عُهِدَ لَهُ بِهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ دُونَ نَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ، وهو فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ مِن أمِنَهُ عَلى كَذا. وعَلى هَذا يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينٌ، ولا يُقالُ: أمِينَةٌ، وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن: أمُنَ بِضَمِّ المِيمِ إذا صارَتِ الأمانَةُ سَجِيَّتَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ في المَرْأةِ المُشْتَكِيَةِ أضْرارَ زَوْجِها: يُجْعَلانِ عِنْدَ أمِينَةٍ وأمِينٍ.
التكوير 81:16
صفحة ١٥٢
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجِوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابُهُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لِلْإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ هو بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لِما بَعْدَ الفاءِ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ أفادَ تَحْقِيقَ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ وهم قَدْ أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا القُرْآنَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِهِ وذُكِرَ أشْراطُهُ فُرِّعَ عَنْهُ تَصْدِيقُ القُرْآنِ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ وأنَّهُ مُوحًى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فالتَّفْرِيعُ هُنا تَفْرِيعُ مَعْنًى وتَفْرِيعُ ذِكْرٍ مَعًا، وقَدْ جاءَ تَفْرِيعُ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ تَفْرِيعِ ذِكْرِ كَلامٍ عَلى كَلامٍ آخَرَ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
عَقِبَ نَسِيبِ مُعَلَّقَتِهِ الَّذِي لا يَتَفَرَّعُ عَنْ مَعانِيهِ ما بَعْدَ القَسَمِ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إنَّما هو لِلْإقْبالِ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ تَفَوُّقُ التَّفْرِيعِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْرِيعِ بَيْتِ زُهَيْرٍ: ومَعْنى لا أُقْسِمُ: إيقاعُ القَسَمِ، وقَدْ عُدَّتْ (لا) زائِدَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والقَسَمُ مُرادٌ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ وتَحْقِيقُهُ، وأُدْمِجَ فِيهِ أوْصافُ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والخُنَّسِ: جَمْعُ خانِسَةٍ، وهي الَّتِي تَخْنِسُ، أيْ: تَخْتَفِي، يُقالُ: خَنِسَتِ البَقَرَةُ والظَّبْيَةُ، إذا اخْتَفَتْ في الكِناسِ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي الَّتِي تَجْرِي، أيْ: تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا.
والكُنَّسِ: جَمْعُ كانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ الظَّبْيُّ، إذا دَخَلَ كِناسَهُ - بِكَسْرِ الكافِ - وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ لِلْمَبِيتِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ أُرِيدَ بِها صِفاتٌ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَوْصُوفاتِها
صفحة ١٥٣
الكَواكِبُ، وُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ في النَّهارِ مُخْتَفِيَةً عَنِ الأنْظارِ، فَشُبِّهَتْ بِالوَحْشِيَّةِ المُخْتَفِيَةِ في شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فَقِيلَ: الخُنَّسُ وهو مِن بَدِيعِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الخُنُوسَ اخْتِفاءُ الوَحْشِ عَنْ أنْظارِ الصَّيّادِينَ ونَحْوِهِمْ دُونَ السُّكُونِ في كِناسٍ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ لِأنَّها لا تُرى في النَّهارِ لِغَلَبَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى أُفُقِها وهي مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَطالِعِها.
فَشُبِّهَ طُلُوعُ الكَوْكَبِ بِخُرُوجِ الوَحْشِيَّةِ مِن كِناسِها، وشُبِّهَ تَنَقُّلُ مَرْآها لِلنّاظِرِ بِجَرْيِ الوَحْشِيَّةِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن كِناسِها صَباحًا، قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا انْحَسَرَ الظَّلامُ وأسْفَرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرى أزْلامُها
وشُبِّهَ غُرُوبُها بَعْدَ سَيْرِها بِكُنُوسِ الوَحْشِيَّةِ في كِناسِها وهو تَشْبِيهُ بَدِيعٌ، فَكانَ قَوْلُهُ: بِالخُنَّسِ اسْتِعارَةً وكانَ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ تَرْشِيحَيْنِ لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأوْصافِ الثَّلاثِ ما يُشْبِهُ اللُّغْزَ يُحْسَبُ بِهِ أنَّ المَوْصُوفاتِ ظِباءٌ أوْ وُحُوشٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ حَقائِقُها مِن أحْوالِ الوُحُوشِ، والألْغازُ طَرِيقَةٌ مُسْتَمْلَحَةٌ عِنْدَ بُلَغاءِ العَرَبِ وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ:
فَقُلْتُ أعِيرانِي القُدُومَ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أخُطُّ بِها قَبْرًا لِأبْيَضَ ماجِدِ
أرادَ أنَّهُ يَصْنَعُ بِها غِمْدًا لِسَيْفٍ صَقِيلٍ مُهَنَّدٍ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: حَمْلُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى حَقائِقِها المَشْهُورَةِ، وإنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ.
صفحة ١٥٤
والمَعْرُوفُ في أقْسامِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِالأشْياءِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ القَسَمُ بِ اللَّيْلِ عَلى القَسَمِ بِ (الكَواكِبِ) لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن أجَلِّ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذا العالَمِ.
وعَسْعَسَ اللَّيْلُ عَسْعاسًا وعَسْعَسَةً، قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أدْبَرَ ظَلامُهُ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجَزَمَ بِهِ الفَرّاءُ وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ. وقالَ المُبَرِّدُ، والخَلِيلُ: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ، إذا أقْبَلَ ظَلامُهُ، وعَسْعَسَ، إذا أدْبَرَ ظَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ اللَّهُ بِإقْبالِ اللَّيْلِ وإدْبارِهِ مَعًا اهـ.
وبِذَلِكَ يَكُونُ إيثارُ هَذا الفِعْلِ لِإفادَتِهِ كِلا حالَيْنِ صالِحَيْنِ لِلْقَسَمِ بِهِ فِيهِما؛ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ إذْ يَعْقُبُ الظَّلامَ الضِّياءُ، ثُمَّ يَعْقُبُ الضِّياءَ الظَّلامُ، وهَذا إيجازٌ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ القَسَمُ بِالصُّبْحِ حِينَ تَنَفُّسِهِ، أيِ: انْشِقاقِ ضَوْئِهِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذا العالَمِ.
والتَّنَفُّسُ: حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ النَّفَسِ مِنَ الحَيَوانِ، اسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الضِّياءِ مَعَ بَقايا الظَّلامِ عَلى تَشْبِيهِ خُرُوجِ الضِّياءِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، أوْ لِأنَّهُ إذا بَدا الصَّباحُ أقَبَلَ مَعَهُ نَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ كالتَّنَفُّسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الصُّبْحِ بِذِي نَفَسٍ مَعَ تَشْبِيهِ النَّسِيمِ بِالأنْفاسِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ في سِياقِ الإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، فَإنَّهُ مِمّا أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُصِفَ جِبْرِيلُ بِرَسُولٍ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
وإضافَةُ قَوْلُ إلى رَسُولٍ إمّا لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِأنَّ جِبْرِيلَ يُبَلِّغُ ألْفاظَ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَيَحْكِيها كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو قائِلُها، أيْ: صادِرَةٌ مِنهُ ألْفاظُها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْ جِبْرِيلَ بِوَصْفِ رَسُولٍ إيماءٌ إلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ هو رِسالَةٌ مِنَ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِها كَما هي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ آخَرُونَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ في الآيَةِ كُلِّها اهـ. ولَمْ يُعَيِّنِ اسْمَ أحَدٍ مِمَّنْ قالُوا هَذا مِنَ المُفَسِّرِينَ.
واسْتُطْرِدَ في خِلالِ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ الثَّناءُ عَلى المَلَكِ المُرْسَلِ بِهِ تَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ، فَإجْراءُ أوْصافِ الثَّناءِ عَلى رَسُولٍ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ أيْضًا، ولِلْكِنايَةِ عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِ صِدْقٌ؛ لِأنَّ كَمالَ القائِلِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ القَوْلِ.
ووُصِفَ رَسُولٍ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ: كَرِيمٍ وهو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ.
والوَصْفانِ الثّانِي والثّالِثُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ . فالقُوَّةُ حَقِيقَتُها مَقْدِرَةُ الذّاتِ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُقْدَرُ عَلَيْها غالِبًا. ومِن أوْصافِهِ تَعالى (القَوِيُّ)، ومِنها مَقْدِرَةُ الذّاتِ مِن إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أبْناءُ نَوْعِهِ.
وضِدُّها الضَّعْفُ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى ثَباتِ النَّفْسِ عَلى مُرادِها والإقْدامِ ورِباطَةِ الجَأْشِ. قالَ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وقالَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِ ذِي قُوَّةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِدَّةَ المَقْدِرَةِ كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ المَجازِيَّةِ وهي الثَّباتُ في أداءِ ما أُرْسِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]؛ لِأنَّ المُناسِبَ لِلتَّعْلِيمِ هو قُوَّةُ النَّفْسِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصْفُهُ بِ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ يُرادُ بِها المَعْنى المَجازِيُّ وهو الكَرامَةُ والِاسْتِجابَةُ لَهُ.
صفحة ١٥٦
والمَكِينُ: فَعِيلٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ مَكانَةً، إذا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ المَلِكِ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .
وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ بَيْنَ ذِي قُوَّةٍ ومَكِينٍ لِيَتَنازَعَهُ كِلا الوَصْفَيْنِ عَلى وجْهِ الإيجازِ، أيْ: هو ذُو قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَقْدِرَةَ جِبْرِيلَ تُخَوِّلُهُ أنْ يَقُومَ بِعَظِيمِ ما يُوَكِّلُهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلى قُوَّةِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ التَّدْبِيرِ، وهو ذُو مَكانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وزُلْفى.
ووُصِفَ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَعْظِيمٍ وعِنايَةٍ، فَ عِنْدَ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والزُّلْفى.
وعُدِلَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إلى ذِي العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبْرِيلَ لِتَمْثِيلِ حالِ جِبْرِيلَ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ بِحالَةِ الأمِيرِ الماضِي في تَنْفِيذِ أمْرِ المَلِكِ وهو بِمَحَلِّ الكَرامَةِ لَدَيْهِ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَلِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ إذْ كانَ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ أعْظَمِ مَوْجُودٍ شَأْنًا.
الوَصْفُ الرّابِعُ مُطاعٍ أنْ يُطِيعَهُ مَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يُطِيعُ الجَيْشُ قائِدَهم، أوِ النَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ: أيْ: مَأْمُورٌ النّاسُ بِطاعَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ.
وثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو المَكانُ المُجازِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ مُطاعٍ وهو أنْسَبُ لِإجْراءِ الوَصْفِ عَلى جِبْرِيلَ، أيْ: مُطاعٌ في المَلَأِ الأعْلى فِيما يَأْمُرُ بِهِ المَلائِكَةَ والنَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أيْ: مُقَرَّرٌ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُطاعَ فِيما يَأْمُرُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ أمِينٍ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَكانِ، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِهِ ظاهِرٌ أيْضًا، ووَصْفُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرَةٌ أمانَتُهُ في المَلَأِ الأعْلى.
صفحة ١٥٧
والأمِينُ: الَّذِي يَحْفَظُ ما عُهِدَ لَهُ بِهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ دُونَ نَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ، وهو فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ مِن أمِنَهُ عَلى كَذا. وعَلى هَذا يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينٌ، ولا يُقالُ: أمِينَةٌ، وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن: أمُنَ بِضَمِّ المِيمِ إذا صارَتِ الأمانَةُ سَجِيَّتَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ في المَرْأةِ المُشْتَكِيَةِ أضْرارَ زَوْجِها: يُجْعَلانِ عِنْدَ أمِينَةٍ وأمِينٍ.
التكوير 81:17
صفحة ١٥٢
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجِوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابُهُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لِلْإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ هو بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لِما بَعْدَ الفاءِ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ أفادَ تَحْقِيقَ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ وهم قَدْ أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا القُرْآنَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِهِ وذُكِرَ أشْراطُهُ فُرِّعَ عَنْهُ تَصْدِيقُ القُرْآنِ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ وأنَّهُ مُوحًى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فالتَّفْرِيعُ هُنا تَفْرِيعُ مَعْنًى وتَفْرِيعُ ذِكْرٍ مَعًا، وقَدْ جاءَ تَفْرِيعُ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ تَفْرِيعِ ذِكْرِ كَلامٍ عَلى كَلامٍ آخَرَ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
عَقِبَ نَسِيبِ مُعَلَّقَتِهِ الَّذِي لا يَتَفَرَّعُ عَنْ مَعانِيهِ ما بَعْدَ القَسَمِ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إنَّما هو لِلْإقْبالِ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ تَفَوُّقُ التَّفْرِيعِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْرِيعِ بَيْتِ زُهَيْرٍ: ومَعْنى لا أُقْسِمُ: إيقاعُ القَسَمِ، وقَدْ عُدَّتْ (لا) زائِدَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والقَسَمُ مُرادٌ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ وتَحْقِيقُهُ، وأُدْمِجَ فِيهِ أوْصافُ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والخُنَّسِ: جَمْعُ خانِسَةٍ، وهي الَّتِي تَخْنِسُ، أيْ: تَخْتَفِي، يُقالُ: خَنِسَتِ البَقَرَةُ والظَّبْيَةُ، إذا اخْتَفَتْ في الكِناسِ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي الَّتِي تَجْرِي، أيْ: تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا.
والكُنَّسِ: جَمْعُ كانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ الظَّبْيُّ، إذا دَخَلَ كِناسَهُ - بِكَسْرِ الكافِ - وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ لِلْمَبِيتِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ أُرِيدَ بِها صِفاتٌ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَوْصُوفاتِها
صفحة ١٥٣
الكَواكِبُ، وُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ في النَّهارِ مُخْتَفِيَةً عَنِ الأنْظارِ، فَشُبِّهَتْ بِالوَحْشِيَّةِ المُخْتَفِيَةِ في شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فَقِيلَ: الخُنَّسُ وهو مِن بَدِيعِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الخُنُوسَ اخْتِفاءُ الوَحْشِ عَنْ أنْظارِ الصَّيّادِينَ ونَحْوِهِمْ دُونَ السُّكُونِ في كِناسٍ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ لِأنَّها لا تُرى في النَّهارِ لِغَلَبَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى أُفُقِها وهي مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَطالِعِها.
فَشُبِّهَ طُلُوعُ الكَوْكَبِ بِخُرُوجِ الوَحْشِيَّةِ مِن كِناسِها، وشُبِّهَ تَنَقُّلُ مَرْآها لِلنّاظِرِ بِجَرْيِ الوَحْشِيَّةِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن كِناسِها صَباحًا، قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا انْحَسَرَ الظَّلامُ وأسْفَرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرى أزْلامُها
وشُبِّهَ غُرُوبُها بَعْدَ سَيْرِها بِكُنُوسِ الوَحْشِيَّةِ في كِناسِها وهو تَشْبِيهُ بَدِيعٌ، فَكانَ قَوْلُهُ: بِالخُنَّسِ اسْتِعارَةً وكانَ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ تَرْشِيحَيْنِ لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأوْصافِ الثَّلاثِ ما يُشْبِهُ اللُّغْزَ يُحْسَبُ بِهِ أنَّ المَوْصُوفاتِ ظِباءٌ أوْ وُحُوشٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ حَقائِقُها مِن أحْوالِ الوُحُوشِ، والألْغازُ طَرِيقَةٌ مُسْتَمْلَحَةٌ عِنْدَ بُلَغاءِ العَرَبِ وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ:
فَقُلْتُ أعِيرانِي القُدُومَ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أخُطُّ بِها قَبْرًا لِأبْيَضَ ماجِدِ
أرادَ أنَّهُ يَصْنَعُ بِها غِمْدًا لِسَيْفٍ صَقِيلٍ مُهَنَّدٍ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: حَمْلُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى حَقائِقِها المَشْهُورَةِ، وإنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ.
صفحة ١٥٤
والمَعْرُوفُ في أقْسامِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِالأشْياءِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ القَسَمُ بِ اللَّيْلِ عَلى القَسَمِ بِ (الكَواكِبِ) لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن أجَلِّ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذا العالَمِ.
وعَسْعَسَ اللَّيْلُ عَسْعاسًا وعَسْعَسَةً، قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أدْبَرَ ظَلامُهُ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجَزَمَ بِهِ الفَرّاءُ وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ. وقالَ المُبَرِّدُ، والخَلِيلُ: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ، إذا أقْبَلَ ظَلامُهُ، وعَسْعَسَ، إذا أدْبَرَ ظَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ اللَّهُ بِإقْبالِ اللَّيْلِ وإدْبارِهِ مَعًا اهـ.
وبِذَلِكَ يَكُونُ إيثارُ هَذا الفِعْلِ لِإفادَتِهِ كِلا حالَيْنِ صالِحَيْنِ لِلْقَسَمِ بِهِ فِيهِما؛ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ إذْ يَعْقُبُ الظَّلامَ الضِّياءُ، ثُمَّ يَعْقُبُ الضِّياءَ الظَّلامُ، وهَذا إيجازٌ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ القَسَمُ بِالصُّبْحِ حِينَ تَنَفُّسِهِ، أيِ: انْشِقاقِ ضَوْئِهِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذا العالَمِ.
والتَّنَفُّسُ: حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ النَّفَسِ مِنَ الحَيَوانِ، اسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الضِّياءِ مَعَ بَقايا الظَّلامِ عَلى تَشْبِيهِ خُرُوجِ الضِّياءِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، أوْ لِأنَّهُ إذا بَدا الصَّباحُ أقَبَلَ مَعَهُ نَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ كالتَّنَفُّسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الصُّبْحِ بِذِي نَفَسٍ مَعَ تَشْبِيهِ النَّسِيمِ بِالأنْفاسِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ في سِياقِ الإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، فَإنَّهُ مِمّا أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُصِفَ جِبْرِيلُ بِرَسُولٍ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
وإضافَةُ قَوْلُ إلى رَسُولٍ إمّا لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِأنَّ جِبْرِيلَ يُبَلِّغُ ألْفاظَ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَيَحْكِيها كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو قائِلُها، أيْ: صادِرَةٌ مِنهُ ألْفاظُها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْ جِبْرِيلَ بِوَصْفِ رَسُولٍ إيماءٌ إلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ هو رِسالَةٌ مِنَ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِها كَما هي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ آخَرُونَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ في الآيَةِ كُلِّها اهـ. ولَمْ يُعَيِّنِ اسْمَ أحَدٍ مِمَّنْ قالُوا هَذا مِنَ المُفَسِّرِينَ.
واسْتُطْرِدَ في خِلالِ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ الثَّناءُ عَلى المَلَكِ المُرْسَلِ بِهِ تَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ، فَإجْراءُ أوْصافِ الثَّناءِ عَلى رَسُولٍ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ أيْضًا، ولِلْكِنايَةِ عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِ صِدْقٌ؛ لِأنَّ كَمالَ القائِلِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ القَوْلِ.
ووُصِفَ رَسُولٍ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ: كَرِيمٍ وهو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ.
والوَصْفانِ الثّانِي والثّالِثُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ . فالقُوَّةُ حَقِيقَتُها مَقْدِرَةُ الذّاتِ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُقْدَرُ عَلَيْها غالِبًا. ومِن أوْصافِهِ تَعالى (القَوِيُّ)، ومِنها مَقْدِرَةُ الذّاتِ مِن إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أبْناءُ نَوْعِهِ.
وضِدُّها الضَّعْفُ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى ثَباتِ النَّفْسِ عَلى مُرادِها والإقْدامِ ورِباطَةِ الجَأْشِ. قالَ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وقالَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِ ذِي قُوَّةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِدَّةَ المَقْدِرَةِ كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ المَجازِيَّةِ وهي الثَّباتُ في أداءِ ما أُرْسِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]؛ لِأنَّ المُناسِبَ لِلتَّعْلِيمِ هو قُوَّةُ النَّفْسِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصْفُهُ بِ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ يُرادُ بِها المَعْنى المَجازِيُّ وهو الكَرامَةُ والِاسْتِجابَةُ لَهُ.
صفحة ١٥٦
والمَكِينُ: فَعِيلٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ مَكانَةً، إذا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ المَلِكِ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .
وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ بَيْنَ ذِي قُوَّةٍ ومَكِينٍ لِيَتَنازَعَهُ كِلا الوَصْفَيْنِ عَلى وجْهِ الإيجازِ، أيْ: هو ذُو قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَقْدِرَةَ جِبْرِيلَ تُخَوِّلُهُ أنْ يَقُومَ بِعَظِيمِ ما يُوَكِّلُهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلى قُوَّةِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ التَّدْبِيرِ، وهو ذُو مَكانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وزُلْفى.
ووُصِفَ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَعْظِيمٍ وعِنايَةٍ، فَ عِنْدَ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والزُّلْفى.
وعُدِلَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إلى ذِي العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبْرِيلَ لِتَمْثِيلِ حالِ جِبْرِيلَ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ بِحالَةِ الأمِيرِ الماضِي في تَنْفِيذِ أمْرِ المَلِكِ وهو بِمَحَلِّ الكَرامَةِ لَدَيْهِ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَلِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ إذْ كانَ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ أعْظَمِ مَوْجُودٍ شَأْنًا.
الوَصْفُ الرّابِعُ مُطاعٍ أنْ يُطِيعَهُ مَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يُطِيعُ الجَيْشُ قائِدَهم، أوِ النَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ: أيْ: مَأْمُورٌ النّاسُ بِطاعَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ.
وثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو المَكانُ المُجازِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ مُطاعٍ وهو أنْسَبُ لِإجْراءِ الوَصْفِ عَلى جِبْرِيلَ، أيْ: مُطاعٌ في المَلَأِ الأعْلى فِيما يَأْمُرُ بِهِ المَلائِكَةَ والنَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أيْ: مُقَرَّرٌ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُطاعَ فِيما يَأْمُرُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ أمِينٍ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَكانِ، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِهِ ظاهِرٌ أيْضًا، ووَصْفُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرَةٌ أمانَتُهُ في المَلَأِ الأعْلى.
صفحة ١٥٧
والأمِينُ: الَّذِي يَحْفَظُ ما عُهِدَ لَهُ بِهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ دُونَ نَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ، وهو فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ مِن أمِنَهُ عَلى كَذا. وعَلى هَذا يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينٌ، ولا يُقالُ: أمِينَةٌ، وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن: أمُنَ بِضَمِّ المِيمِ إذا صارَتِ الأمانَةُ سَجِيَّتَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ في المَرْأةِ المُشْتَكِيَةِ أضْرارَ زَوْجِها: يُجْعَلانِ عِنْدَ أمِينَةٍ وأمِينٍ.
التكوير 81:18
صفحة ١٥٢
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجِوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابُهُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لِلْإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ هو بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لِما بَعْدَ الفاءِ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ أفادَ تَحْقِيقَ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ وهم قَدْ أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا القُرْآنَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِهِ وذُكِرَ أشْراطُهُ فُرِّعَ عَنْهُ تَصْدِيقُ القُرْآنِ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ وأنَّهُ مُوحًى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فالتَّفْرِيعُ هُنا تَفْرِيعُ مَعْنًى وتَفْرِيعُ ذِكْرٍ مَعًا، وقَدْ جاءَ تَفْرِيعُ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ تَفْرِيعِ ذِكْرِ كَلامٍ عَلى كَلامٍ آخَرَ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
عَقِبَ نَسِيبِ مُعَلَّقَتِهِ الَّذِي لا يَتَفَرَّعُ عَنْ مَعانِيهِ ما بَعْدَ القَسَمِ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إنَّما هو لِلْإقْبالِ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ تَفَوُّقُ التَّفْرِيعِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْرِيعِ بَيْتِ زُهَيْرٍ: ومَعْنى لا أُقْسِمُ: إيقاعُ القَسَمِ، وقَدْ عُدَّتْ (لا) زائِدَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والقَسَمُ مُرادٌ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ وتَحْقِيقُهُ، وأُدْمِجَ فِيهِ أوْصافُ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والخُنَّسِ: جَمْعُ خانِسَةٍ، وهي الَّتِي تَخْنِسُ، أيْ: تَخْتَفِي، يُقالُ: خَنِسَتِ البَقَرَةُ والظَّبْيَةُ، إذا اخْتَفَتْ في الكِناسِ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي الَّتِي تَجْرِي، أيْ: تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا.
والكُنَّسِ: جَمْعُ كانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ الظَّبْيُّ، إذا دَخَلَ كِناسَهُ - بِكَسْرِ الكافِ - وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ لِلْمَبِيتِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ أُرِيدَ بِها صِفاتٌ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَوْصُوفاتِها
صفحة ١٥٣
الكَواكِبُ، وُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ في النَّهارِ مُخْتَفِيَةً عَنِ الأنْظارِ، فَشُبِّهَتْ بِالوَحْشِيَّةِ المُخْتَفِيَةِ في شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فَقِيلَ: الخُنَّسُ وهو مِن بَدِيعِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الخُنُوسَ اخْتِفاءُ الوَحْشِ عَنْ أنْظارِ الصَّيّادِينَ ونَحْوِهِمْ دُونَ السُّكُونِ في كِناسٍ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ لِأنَّها لا تُرى في النَّهارِ لِغَلَبَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى أُفُقِها وهي مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَطالِعِها.
فَشُبِّهَ طُلُوعُ الكَوْكَبِ بِخُرُوجِ الوَحْشِيَّةِ مِن كِناسِها، وشُبِّهَ تَنَقُّلُ مَرْآها لِلنّاظِرِ بِجَرْيِ الوَحْشِيَّةِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن كِناسِها صَباحًا، قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا انْحَسَرَ الظَّلامُ وأسْفَرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرى أزْلامُها
وشُبِّهَ غُرُوبُها بَعْدَ سَيْرِها بِكُنُوسِ الوَحْشِيَّةِ في كِناسِها وهو تَشْبِيهُ بَدِيعٌ، فَكانَ قَوْلُهُ: بِالخُنَّسِ اسْتِعارَةً وكانَ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ تَرْشِيحَيْنِ لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأوْصافِ الثَّلاثِ ما يُشْبِهُ اللُّغْزَ يُحْسَبُ بِهِ أنَّ المَوْصُوفاتِ ظِباءٌ أوْ وُحُوشٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ حَقائِقُها مِن أحْوالِ الوُحُوشِ، والألْغازُ طَرِيقَةٌ مُسْتَمْلَحَةٌ عِنْدَ بُلَغاءِ العَرَبِ وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ:
فَقُلْتُ أعِيرانِي القُدُومَ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أخُطُّ بِها قَبْرًا لِأبْيَضَ ماجِدِ
أرادَ أنَّهُ يَصْنَعُ بِها غِمْدًا لِسَيْفٍ صَقِيلٍ مُهَنَّدٍ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: حَمْلُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى حَقائِقِها المَشْهُورَةِ، وإنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ.
صفحة ١٥٤
والمَعْرُوفُ في أقْسامِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِالأشْياءِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ القَسَمُ بِ اللَّيْلِ عَلى القَسَمِ بِ (الكَواكِبِ) لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن أجَلِّ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذا العالَمِ.
وعَسْعَسَ اللَّيْلُ عَسْعاسًا وعَسْعَسَةً، قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أدْبَرَ ظَلامُهُ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجَزَمَ بِهِ الفَرّاءُ وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ. وقالَ المُبَرِّدُ، والخَلِيلُ: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ، إذا أقْبَلَ ظَلامُهُ، وعَسْعَسَ، إذا أدْبَرَ ظَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ اللَّهُ بِإقْبالِ اللَّيْلِ وإدْبارِهِ مَعًا اهـ.
وبِذَلِكَ يَكُونُ إيثارُ هَذا الفِعْلِ لِإفادَتِهِ كِلا حالَيْنِ صالِحَيْنِ لِلْقَسَمِ بِهِ فِيهِما؛ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ إذْ يَعْقُبُ الظَّلامَ الضِّياءُ، ثُمَّ يَعْقُبُ الضِّياءَ الظَّلامُ، وهَذا إيجازٌ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ القَسَمُ بِالصُّبْحِ حِينَ تَنَفُّسِهِ، أيِ: انْشِقاقِ ضَوْئِهِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذا العالَمِ.
والتَّنَفُّسُ: حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ النَّفَسِ مِنَ الحَيَوانِ، اسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الضِّياءِ مَعَ بَقايا الظَّلامِ عَلى تَشْبِيهِ خُرُوجِ الضِّياءِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، أوْ لِأنَّهُ إذا بَدا الصَّباحُ أقَبَلَ مَعَهُ نَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ كالتَّنَفُّسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الصُّبْحِ بِذِي نَفَسٍ مَعَ تَشْبِيهِ النَّسِيمِ بِالأنْفاسِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ في سِياقِ الإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، فَإنَّهُ مِمّا أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُصِفَ جِبْرِيلُ بِرَسُولٍ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
وإضافَةُ قَوْلُ إلى رَسُولٍ إمّا لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِأنَّ جِبْرِيلَ يُبَلِّغُ ألْفاظَ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَيَحْكِيها كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو قائِلُها، أيْ: صادِرَةٌ مِنهُ ألْفاظُها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْ جِبْرِيلَ بِوَصْفِ رَسُولٍ إيماءٌ إلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ هو رِسالَةٌ مِنَ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِها كَما هي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ آخَرُونَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ في الآيَةِ كُلِّها اهـ. ولَمْ يُعَيِّنِ اسْمَ أحَدٍ مِمَّنْ قالُوا هَذا مِنَ المُفَسِّرِينَ.
واسْتُطْرِدَ في خِلالِ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ الثَّناءُ عَلى المَلَكِ المُرْسَلِ بِهِ تَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ، فَإجْراءُ أوْصافِ الثَّناءِ عَلى رَسُولٍ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ أيْضًا، ولِلْكِنايَةِ عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِ صِدْقٌ؛ لِأنَّ كَمالَ القائِلِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ القَوْلِ.
ووُصِفَ رَسُولٍ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ: كَرِيمٍ وهو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ.
والوَصْفانِ الثّانِي والثّالِثُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ . فالقُوَّةُ حَقِيقَتُها مَقْدِرَةُ الذّاتِ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُقْدَرُ عَلَيْها غالِبًا. ومِن أوْصافِهِ تَعالى (القَوِيُّ)، ومِنها مَقْدِرَةُ الذّاتِ مِن إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أبْناءُ نَوْعِهِ.
وضِدُّها الضَّعْفُ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى ثَباتِ النَّفْسِ عَلى مُرادِها والإقْدامِ ورِباطَةِ الجَأْشِ. قالَ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وقالَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِ ذِي قُوَّةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِدَّةَ المَقْدِرَةِ كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ المَجازِيَّةِ وهي الثَّباتُ في أداءِ ما أُرْسِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]؛ لِأنَّ المُناسِبَ لِلتَّعْلِيمِ هو قُوَّةُ النَّفْسِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصْفُهُ بِ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ يُرادُ بِها المَعْنى المَجازِيُّ وهو الكَرامَةُ والِاسْتِجابَةُ لَهُ.
صفحة ١٥٦
والمَكِينُ: فَعِيلٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ مَكانَةً، إذا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ المَلِكِ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .
وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ بَيْنَ ذِي قُوَّةٍ ومَكِينٍ لِيَتَنازَعَهُ كِلا الوَصْفَيْنِ عَلى وجْهِ الإيجازِ، أيْ: هو ذُو قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَقْدِرَةَ جِبْرِيلَ تُخَوِّلُهُ أنْ يَقُومَ بِعَظِيمِ ما يُوَكِّلُهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلى قُوَّةِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ التَّدْبِيرِ، وهو ذُو مَكانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وزُلْفى.
ووُصِفَ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَعْظِيمٍ وعِنايَةٍ، فَ عِنْدَ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والزُّلْفى.
وعُدِلَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إلى ذِي العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبْرِيلَ لِتَمْثِيلِ حالِ جِبْرِيلَ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ بِحالَةِ الأمِيرِ الماضِي في تَنْفِيذِ أمْرِ المَلِكِ وهو بِمَحَلِّ الكَرامَةِ لَدَيْهِ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَلِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ إذْ كانَ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ أعْظَمِ مَوْجُودٍ شَأْنًا.
الوَصْفُ الرّابِعُ مُطاعٍ أنْ يُطِيعَهُ مَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يُطِيعُ الجَيْشُ قائِدَهم، أوِ النَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ: أيْ: مَأْمُورٌ النّاسُ بِطاعَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ.
وثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو المَكانُ المُجازِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ مُطاعٍ وهو أنْسَبُ لِإجْراءِ الوَصْفِ عَلى جِبْرِيلَ، أيْ: مُطاعٌ في المَلَأِ الأعْلى فِيما يَأْمُرُ بِهِ المَلائِكَةَ والنَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أيْ: مُقَرَّرٌ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُطاعَ فِيما يَأْمُرُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ أمِينٍ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَكانِ، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِهِ ظاهِرٌ أيْضًا، ووَصْفُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرَةٌ أمانَتُهُ في المَلَأِ الأعْلى.
صفحة ١٥٧
والأمِينُ: الَّذِي يَحْفَظُ ما عُهِدَ لَهُ بِهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ دُونَ نَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ، وهو فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ مِن أمِنَهُ عَلى كَذا. وعَلى هَذا يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينٌ، ولا يُقالُ: أمِينَةٌ، وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن: أمُنَ بِضَمِّ المِيمِ إذا صارَتِ الأمانَةُ سَجِيَّتَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ في المَرْأةِ المُشْتَكِيَةِ أضْرارَ زَوْجِها: يُجْعَلانِ عِنْدَ أمِينَةٍ وأمِينٍ.
التكوير 81:19
صفحة ١٥٢
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجِوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابُهُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لِلْإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ هو بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لِما بَعْدَ الفاءِ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ أفادَ تَحْقِيقَ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ وهم قَدْ أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا القُرْآنَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِهِ وذُكِرَ أشْراطُهُ فُرِّعَ عَنْهُ تَصْدِيقُ القُرْآنِ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ وأنَّهُ مُوحًى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فالتَّفْرِيعُ هُنا تَفْرِيعُ مَعْنًى وتَفْرِيعُ ذِكْرٍ مَعًا، وقَدْ جاءَ تَفْرِيعُ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ تَفْرِيعِ ذِكْرِ كَلامٍ عَلى كَلامٍ آخَرَ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
عَقِبَ نَسِيبِ مُعَلَّقَتِهِ الَّذِي لا يَتَفَرَّعُ عَنْ مَعانِيهِ ما بَعْدَ القَسَمِ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إنَّما هو لِلْإقْبالِ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ تَفَوُّقُ التَّفْرِيعِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْرِيعِ بَيْتِ زُهَيْرٍ: ومَعْنى لا أُقْسِمُ: إيقاعُ القَسَمِ، وقَدْ عُدَّتْ (لا) زائِدَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والقَسَمُ مُرادٌ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ وتَحْقِيقُهُ، وأُدْمِجَ فِيهِ أوْصافُ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والخُنَّسِ: جَمْعُ خانِسَةٍ، وهي الَّتِي تَخْنِسُ، أيْ: تَخْتَفِي، يُقالُ: خَنِسَتِ البَقَرَةُ والظَّبْيَةُ، إذا اخْتَفَتْ في الكِناسِ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي الَّتِي تَجْرِي، أيْ: تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا.
والكُنَّسِ: جَمْعُ كانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ الظَّبْيُّ، إذا دَخَلَ كِناسَهُ - بِكَسْرِ الكافِ - وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ لِلْمَبِيتِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ أُرِيدَ بِها صِفاتٌ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَوْصُوفاتِها
صفحة ١٥٣
الكَواكِبُ، وُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ في النَّهارِ مُخْتَفِيَةً عَنِ الأنْظارِ، فَشُبِّهَتْ بِالوَحْشِيَّةِ المُخْتَفِيَةِ في شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فَقِيلَ: الخُنَّسُ وهو مِن بَدِيعِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الخُنُوسَ اخْتِفاءُ الوَحْشِ عَنْ أنْظارِ الصَّيّادِينَ ونَحْوِهِمْ دُونَ السُّكُونِ في كِناسٍ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ لِأنَّها لا تُرى في النَّهارِ لِغَلَبَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى أُفُقِها وهي مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَطالِعِها.
فَشُبِّهَ طُلُوعُ الكَوْكَبِ بِخُرُوجِ الوَحْشِيَّةِ مِن كِناسِها، وشُبِّهَ تَنَقُّلُ مَرْآها لِلنّاظِرِ بِجَرْيِ الوَحْشِيَّةِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن كِناسِها صَباحًا، قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا انْحَسَرَ الظَّلامُ وأسْفَرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرى أزْلامُها
وشُبِّهَ غُرُوبُها بَعْدَ سَيْرِها بِكُنُوسِ الوَحْشِيَّةِ في كِناسِها وهو تَشْبِيهُ بَدِيعٌ، فَكانَ قَوْلُهُ: بِالخُنَّسِ اسْتِعارَةً وكانَ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ تَرْشِيحَيْنِ لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأوْصافِ الثَّلاثِ ما يُشْبِهُ اللُّغْزَ يُحْسَبُ بِهِ أنَّ المَوْصُوفاتِ ظِباءٌ أوْ وُحُوشٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ حَقائِقُها مِن أحْوالِ الوُحُوشِ، والألْغازُ طَرِيقَةٌ مُسْتَمْلَحَةٌ عِنْدَ بُلَغاءِ العَرَبِ وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ:
فَقُلْتُ أعِيرانِي القُدُومَ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أخُطُّ بِها قَبْرًا لِأبْيَضَ ماجِدِ
أرادَ أنَّهُ يَصْنَعُ بِها غِمْدًا لِسَيْفٍ صَقِيلٍ مُهَنَّدٍ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: حَمْلُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى حَقائِقِها المَشْهُورَةِ، وإنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ.
صفحة ١٥٤
والمَعْرُوفُ في أقْسامِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِالأشْياءِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ القَسَمُ بِ اللَّيْلِ عَلى القَسَمِ بِ (الكَواكِبِ) لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن أجَلِّ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذا العالَمِ.
وعَسْعَسَ اللَّيْلُ عَسْعاسًا وعَسْعَسَةً، قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أدْبَرَ ظَلامُهُ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجَزَمَ بِهِ الفَرّاءُ وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ. وقالَ المُبَرِّدُ، والخَلِيلُ: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ، إذا أقْبَلَ ظَلامُهُ، وعَسْعَسَ، إذا أدْبَرَ ظَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ اللَّهُ بِإقْبالِ اللَّيْلِ وإدْبارِهِ مَعًا اهـ.
وبِذَلِكَ يَكُونُ إيثارُ هَذا الفِعْلِ لِإفادَتِهِ كِلا حالَيْنِ صالِحَيْنِ لِلْقَسَمِ بِهِ فِيهِما؛ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ إذْ يَعْقُبُ الظَّلامَ الضِّياءُ، ثُمَّ يَعْقُبُ الضِّياءَ الظَّلامُ، وهَذا إيجازٌ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ القَسَمُ بِالصُّبْحِ حِينَ تَنَفُّسِهِ، أيِ: انْشِقاقِ ضَوْئِهِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذا العالَمِ.
والتَّنَفُّسُ: حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ النَّفَسِ مِنَ الحَيَوانِ، اسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الضِّياءِ مَعَ بَقايا الظَّلامِ عَلى تَشْبِيهِ خُرُوجِ الضِّياءِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، أوْ لِأنَّهُ إذا بَدا الصَّباحُ أقَبَلَ مَعَهُ نَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ كالتَّنَفُّسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الصُّبْحِ بِذِي نَفَسٍ مَعَ تَشْبِيهِ النَّسِيمِ بِالأنْفاسِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ في سِياقِ الإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، فَإنَّهُ مِمّا أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُصِفَ جِبْرِيلُ بِرَسُولٍ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
وإضافَةُ قَوْلُ إلى رَسُولٍ إمّا لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِأنَّ جِبْرِيلَ يُبَلِّغُ ألْفاظَ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَيَحْكِيها كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو قائِلُها، أيْ: صادِرَةٌ مِنهُ ألْفاظُها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْ جِبْرِيلَ بِوَصْفِ رَسُولٍ إيماءٌ إلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ هو رِسالَةٌ مِنَ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِها كَما هي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ آخَرُونَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ في الآيَةِ كُلِّها اهـ. ولَمْ يُعَيِّنِ اسْمَ أحَدٍ مِمَّنْ قالُوا هَذا مِنَ المُفَسِّرِينَ.
واسْتُطْرِدَ في خِلالِ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ الثَّناءُ عَلى المَلَكِ المُرْسَلِ بِهِ تَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ، فَإجْراءُ أوْصافِ الثَّناءِ عَلى رَسُولٍ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ أيْضًا، ولِلْكِنايَةِ عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِ صِدْقٌ؛ لِأنَّ كَمالَ القائِلِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ القَوْلِ.
ووُصِفَ رَسُولٍ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ: كَرِيمٍ وهو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ.
والوَصْفانِ الثّانِي والثّالِثُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ . فالقُوَّةُ حَقِيقَتُها مَقْدِرَةُ الذّاتِ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُقْدَرُ عَلَيْها غالِبًا. ومِن أوْصافِهِ تَعالى (القَوِيُّ)، ومِنها مَقْدِرَةُ الذّاتِ مِن إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أبْناءُ نَوْعِهِ.
وضِدُّها الضَّعْفُ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى ثَباتِ النَّفْسِ عَلى مُرادِها والإقْدامِ ورِباطَةِ الجَأْشِ. قالَ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وقالَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِ ذِي قُوَّةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِدَّةَ المَقْدِرَةِ كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ المَجازِيَّةِ وهي الثَّباتُ في أداءِ ما أُرْسِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]؛ لِأنَّ المُناسِبَ لِلتَّعْلِيمِ هو قُوَّةُ النَّفْسِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصْفُهُ بِ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ يُرادُ بِها المَعْنى المَجازِيُّ وهو الكَرامَةُ والِاسْتِجابَةُ لَهُ.
صفحة ١٥٦
والمَكِينُ: فَعِيلٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ مَكانَةً، إذا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ المَلِكِ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .
وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ بَيْنَ ذِي قُوَّةٍ ومَكِينٍ لِيَتَنازَعَهُ كِلا الوَصْفَيْنِ عَلى وجْهِ الإيجازِ، أيْ: هو ذُو قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَقْدِرَةَ جِبْرِيلَ تُخَوِّلُهُ أنْ يَقُومَ بِعَظِيمِ ما يُوَكِّلُهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلى قُوَّةِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ التَّدْبِيرِ، وهو ذُو مَكانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وزُلْفى.
ووُصِفَ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَعْظِيمٍ وعِنايَةٍ، فَ عِنْدَ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والزُّلْفى.
وعُدِلَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إلى ذِي العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبْرِيلَ لِتَمْثِيلِ حالِ جِبْرِيلَ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ بِحالَةِ الأمِيرِ الماضِي في تَنْفِيذِ أمْرِ المَلِكِ وهو بِمَحَلِّ الكَرامَةِ لَدَيْهِ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَلِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ إذْ كانَ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ أعْظَمِ مَوْجُودٍ شَأْنًا.
الوَصْفُ الرّابِعُ مُطاعٍ أنْ يُطِيعَهُ مَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يُطِيعُ الجَيْشُ قائِدَهم، أوِ النَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ: أيْ: مَأْمُورٌ النّاسُ بِطاعَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ.
وثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو المَكانُ المُجازِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ مُطاعٍ وهو أنْسَبُ لِإجْراءِ الوَصْفِ عَلى جِبْرِيلَ، أيْ: مُطاعٌ في المَلَأِ الأعْلى فِيما يَأْمُرُ بِهِ المَلائِكَةَ والنَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أيْ: مُقَرَّرٌ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُطاعَ فِيما يَأْمُرُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ أمِينٍ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَكانِ، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِهِ ظاهِرٌ أيْضًا، ووَصْفُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرَةٌ أمانَتُهُ في المَلَأِ الأعْلى.
صفحة ١٥٧
والأمِينُ: الَّذِي يَحْفَظُ ما عُهِدَ لَهُ بِهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ دُونَ نَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ، وهو فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ مِن أمِنَهُ عَلى كَذا. وعَلى هَذا يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينٌ، ولا يُقالُ: أمِينَةٌ، وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن: أمُنَ بِضَمِّ المِيمِ إذا صارَتِ الأمانَةُ سَجِيَّتَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ في المَرْأةِ المُشْتَكِيَةِ أضْرارَ زَوْجِها: يُجْعَلانِ عِنْدَ أمِينَةٍ وأمِينٍ.
التكوير 81:20
صفحة ١٥٢
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجِوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابُهُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لِلْإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ هو بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لِما بَعْدَ الفاءِ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ أفادَ تَحْقِيقَ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ وهم قَدْ أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا القُرْآنَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِهِ وذُكِرَ أشْراطُهُ فُرِّعَ عَنْهُ تَصْدِيقُ القُرْآنِ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ وأنَّهُ مُوحًى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فالتَّفْرِيعُ هُنا تَفْرِيعُ مَعْنًى وتَفْرِيعُ ذِكْرٍ مَعًا، وقَدْ جاءَ تَفْرِيعُ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ تَفْرِيعِ ذِكْرِ كَلامٍ عَلى كَلامٍ آخَرَ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
عَقِبَ نَسِيبِ مُعَلَّقَتِهِ الَّذِي لا يَتَفَرَّعُ عَنْ مَعانِيهِ ما بَعْدَ القَسَمِ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إنَّما هو لِلْإقْبالِ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ تَفَوُّقُ التَّفْرِيعِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْرِيعِ بَيْتِ زُهَيْرٍ: ومَعْنى لا أُقْسِمُ: إيقاعُ القَسَمِ، وقَدْ عُدَّتْ (لا) زائِدَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والقَسَمُ مُرادٌ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ وتَحْقِيقُهُ، وأُدْمِجَ فِيهِ أوْصافُ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والخُنَّسِ: جَمْعُ خانِسَةٍ، وهي الَّتِي تَخْنِسُ، أيْ: تَخْتَفِي، يُقالُ: خَنِسَتِ البَقَرَةُ والظَّبْيَةُ، إذا اخْتَفَتْ في الكِناسِ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي الَّتِي تَجْرِي، أيْ: تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا.
والكُنَّسِ: جَمْعُ كانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ الظَّبْيُّ، إذا دَخَلَ كِناسَهُ - بِكَسْرِ الكافِ - وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ لِلْمَبِيتِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ أُرِيدَ بِها صِفاتٌ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَوْصُوفاتِها
صفحة ١٥٣
الكَواكِبُ، وُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ في النَّهارِ مُخْتَفِيَةً عَنِ الأنْظارِ، فَشُبِّهَتْ بِالوَحْشِيَّةِ المُخْتَفِيَةِ في شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فَقِيلَ: الخُنَّسُ وهو مِن بَدِيعِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الخُنُوسَ اخْتِفاءُ الوَحْشِ عَنْ أنْظارِ الصَّيّادِينَ ونَحْوِهِمْ دُونَ السُّكُونِ في كِناسٍ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ لِأنَّها لا تُرى في النَّهارِ لِغَلَبَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى أُفُقِها وهي مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَطالِعِها.
فَشُبِّهَ طُلُوعُ الكَوْكَبِ بِخُرُوجِ الوَحْشِيَّةِ مِن كِناسِها، وشُبِّهَ تَنَقُّلُ مَرْآها لِلنّاظِرِ بِجَرْيِ الوَحْشِيَّةِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن كِناسِها صَباحًا، قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا انْحَسَرَ الظَّلامُ وأسْفَرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرى أزْلامُها
وشُبِّهَ غُرُوبُها بَعْدَ سَيْرِها بِكُنُوسِ الوَحْشِيَّةِ في كِناسِها وهو تَشْبِيهُ بَدِيعٌ، فَكانَ قَوْلُهُ: بِالخُنَّسِ اسْتِعارَةً وكانَ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ تَرْشِيحَيْنِ لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأوْصافِ الثَّلاثِ ما يُشْبِهُ اللُّغْزَ يُحْسَبُ بِهِ أنَّ المَوْصُوفاتِ ظِباءٌ أوْ وُحُوشٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ حَقائِقُها مِن أحْوالِ الوُحُوشِ، والألْغازُ طَرِيقَةٌ مُسْتَمْلَحَةٌ عِنْدَ بُلَغاءِ العَرَبِ وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ:
فَقُلْتُ أعِيرانِي القُدُومَ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أخُطُّ بِها قَبْرًا لِأبْيَضَ ماجِدِ
أرادَ أنَّهُ يَصْنَعُ بِها غِمْدًا لِسَيْفٍ صَقِيلٍ مُهَنَّدٍ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: حَمْلُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى حَقائِقِها المَشْهُورَةِ، وإنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ.
صفحة ١٥٤
والمَعْرُوفُ في أقْسامِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِالأشْياءِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ القَسَمُ بِ اللَّيْلِ عَلى القَسَمِ بِ (الكَواكِبِ) لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن أجَلِّ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذا العالَمِ.
وعَسْعَسَ اللَّيْلُ عَسْعاسًا وعَسْعَسَةً، قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أدْبَرَ ظَلامُهُ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجَزَمَ بِهِ الفَرّاءُ وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ. وقالَ المُبَرِّدُ، والخَلِيلُ: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ، إذا أقْبَلَ ظَلامُهُ، وعَسْعَسَ، إذا أدْبَرَ ظَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ اللَّهُ بِإقْبالِ اللَّيْلِ وإدْبارِهِ مَعًا اهـ.
وبِذَلِكَ يَكُونُ إيثارُ هَذا الفِعْلِ لِإفادَتِهِ كِلا حالَيْنِ صالِحَيْنِ لِلْقَسَمِ بِهِ فِيهِما؛ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ إذْ يَعْقُبُ الظَّلامَ الضِّياءُ، ثُمَّ يَعْقُبُ الضِّياءَ الظَّلامُ، وهَذا إيجازٌ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ القَسَمُ بِالصُّبْحِ حِينَ تَنَفُّسِهِ، أيِ: انْشِقاقِ ضَوْئِهِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذا العالَمِ.
والتَّنَفُّسُ: حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ النَّفَسِ مِنَ الحَيَوانِ، اسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الضِّياءِ مَعَ بَقايا الظَّلامِ عَلى تَشْبِيهِ خُرُوجِ الضِّياءِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، أوْ لِأنَّهُ إذا بَدا الصَّباحُ أقَبَلَ مَعَهُ نَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ كالتَّنَفُّسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الصُّبْحِ بِذِي نَفَسٍ مَعَ تَشْبِيهِ النَّسِيمِ بِالأنْفاسِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ في سِياقِ الإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، فَإنَّهُ مِمّا أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُصِفَ جِبْرِيلُ بِرَسُولٍ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
وإضافَةُ قَوْلُ إلى رَسُولٍ إمّا لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِأنَّ جِبْرِيلَ يُبَلِّغُ ألْفاظَ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَيَحْكِيها كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو قائِلُها، أيْ: صادِرَةٌ مِنهُ ألْفاظُها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْ جِبْرِيلَ بِوَصْفِ رَسُولٍ إيماءٌ إلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ هو رِسالَةٌ مِنَ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِها كَما هي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ آخَرُونَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ في الآيَةِ كُلِّها اهـ. ولَمْ يُعَيِّنِ اسْمَ أحَدٍ مِمَّنْ قالُوا هَذا مِنَ المُفَسِّرِينَ.
واسْتُطْرِدَ في خِلالِ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ الثَّناءُ عَلى المَلَكِ المُرْسَلِ بِهِ تَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ، فَإجْراءُ أوْصافِ الثَّناءِ عَلى رَسُولٍ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ أيْضًا، ولِلْكِنايَةِ عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِ صِدْقٌ؛ لِأنَّ كَمالَ القائِلِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ القَوْلِ.
ووُصِفَ رَسُولٍ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ: كَرِيمٍ وهو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ.
والوَصْفانِ الثّانِي والثّالِثُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ . فالقُوَّةُ حَقِيقَتُها مَقْدِرَةُ الذّاتِ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُقْدَرُ عَلَيْها غالِبًا. ومِن أوْصافِهِ تَعالى (القَوِيُّ)، ومِنها مَقْدِرَةُ الذّاتِ مِن إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أبْناءُ نَوْعِهِ.
وضِدُّها الضَّعْفُ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى ثَباتِ النَّفْسِ عَلى مُرادِها والإقْدامِ ورِباطَةِ الجَأْشِ. قالَ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وقالَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِ ذِي قُوَّةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِدَّةَ المَقْدِرَةِ كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ المَجازِيَّةِ وهي الثَّباتُ في أداءِ ما أُرْسِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]؛ لِأنَّ المُناسِبَ لِلتَّعْلِيمِ هو قُوَّةُ النَّفْسِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصْفُهُ بِ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ يُرادُ بِها المَعْنى المَجازِيُّ وهو الكَرامَةُ والِاسْتِجابَةُ لَهُ.
صفحة ١٥٦
والمَكِينُ: فَعِيلٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ مَكانَةً، إذا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ المَلِكِ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .
وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ بَيْنَ ذِي قُوَّةٍ ومَكِينٍ لِيَتَنازَعَهُ كِلا الوَصْفَيْنِ عَلى وجْهِ الإيجازِ، أيْ: هو ذُو قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَقْدِرَةَ جِبْرِيلَ تُخَوِّلُهُ أنْ يَقُومَ بِعَظِيمِ ما يُوَكِّلُهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلى قُوَّةِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ التَّدْبِيرِ، وهو ذُو مَكانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وزُلْفى.
ووُصِفَ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَعْظِيمٍ وعِنايَةٍ، فَ عِنْدَ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والزُّلْفى.
وعُدِلَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إلى ذِي العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبْرِيلَ لِتَمْثِيلِ حالِ جِبْرِيلَ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ بِحالَةِ الأمِيرِ الماضِي في تَنْفِيذِ أمْرِ المَلِكِ وهو بِمَحَلِّ الكَرامَةِ لَدَيْهِ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَلِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ إذْ كانَ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ أعْظَمِ مَوْجُودٍ شَأْنًا.
الوَصْفُ الرّابِعُ مُطاعٍ أنْ يُطِيعَهُ مَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يُطِيعُ الجَيْشُ قائِدَهم، أوِ النَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ: أيْ: مَأْمُورٌ النّاسُ بِطاعَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ.
وثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو المَكانُ المُجازِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ مُطاعٍ وهو أنْسَبُ لِإجْراءِ الوَصْفِ عَلى جِبْرِيلَ، أيْ: مُطاعٌ في المَلَأِ الأعْلى فِيما يَأْمُرُ بِهِ المَلائِكَةَ والنَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أيْ: مُقَرَّرٌ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُطاعَ فِيما يَأْمُرُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ أمِينٍ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَكانِ، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِهِ ظاهِرٌ أيْضًا، ووَصْفُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرَةٌ أمانَتُهُ في المَلَأِ الأعْلى.
صفحة ١٥٧
والأمِينُ: الَّذِي يَحْفَظُ ما عُهِدَ لَهُ بِهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ دُونَ نَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ، وهو فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ مِن أمِنَهُ عَلى كَذا. وعَلى هَذا يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينٌ، ولا يُقالُ: أمِينَةٌ، وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن: أمُنَ بِضَمِّ المِيمِ إذا صارَتِ الأمانَةُ سَجِيَّتَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ في المَرْأةِ المُشْتَكِيَةِ أضْرارَ زَوْجِها: يُجْعَلانِ عِنْدَ أمِينَةٍ وأمِينٍ.
التكوير 81:21
صفحة ١٥٢
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجِوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابُهُ عَلى الكَلامِ السّابِقِ لِلْإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ هو بِمَنزِلَةِ التَّمْهِيدِ لِما بَعْدَ الفاءِ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ أفادَ تَحْقِيقَ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ وهم قَدْ أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا القُرْآنَ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ الإنْذارِ بِهِ وذُكِرَ أشْراطُهُ فُرِّعَ عَنْهُ تَصْدِيقُ القُرْآنِ الَّذِي أنْذَرَهم بِهِ وأنَّهُ مُوحًى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
فالتَّفْرِيعُ هُنا تَفْرِيعُ مَعْنًى وتَفْرِيعُ ذِكْرٍ مَعًا، وقَدْ جاءَ تَفْرِيعُ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ تَفْرِيعِ ذِكْرِ كَلامٍ عَلى كَلامٍ آخَرَ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَأقْسَمْتُ بِالبَيْتِ الَّذِي طافَ حَوْلَهُ رِجالٌ بَنَوْهُ مِن قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
عَقِبَ نَسِيبِ مُعَلَّقَتِهِ الَّذِي لا يَتَفَرَّعُ عَنْ مَعانِيهِ ما بَعْدَ القَسَمِ، وإنَّما قَصَدَ بِهِ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ إنَّما هو لِلْإقْبالِ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ تَفَوُّقُ التَّفْرِيعِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْرِيعِ بَيْتِ زُهَيْرٍ: ومَعْنى لا أُقْسِمُ: إيقاعُ القَسَمِ، وقَدْ عُدَّتْ (لا) زائِدَةً، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والقَسَمُ مُرادٌ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ وتَحْقِيقُهُ، وأُدْمِجَ فِيهِ أوْصافُ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها لِلدِّلالَةِ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
والخُنَّسِ: جَمْعُ خانِسَةٍ، وهي الَّتِي تَخْنِسُ، أيْ: تَخْتَفِي، يُقالُ: خَنِسَتِ البَقَرَةُ والظَّبْيَةُ، إذا اخْتَفَتْ في الكِناسِ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي الَّتِي تَجْرِي، أيْ: تَسِيرُ سَيْرًا حَثِيثًا.
والكُنَّسِ: جَمْعُ كانِسَةٍ، يُقالُ: كَنَسَ الظَّبْيُّ، إذا دَخَلَ كِناسَهُ - بِكَسْرِ الكافِ - وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ لِلْمَبِيتِ.
وهَذِهِ الصِّفاتُ أُرِيدَ بِها صِفاتٌ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَوْصُوفاتِها
صفحة ١٥٣
الكَواكِبُ، وُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّها تَكُونُ في النَّهارِ مُخْتَفِيَةً عَنِ الأنْظارِ، فَشُبِّهَتْ بِالوَحْشِيَّةِ المُخْتَفِيَةِ في شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فَقِيلَ: الخُنَّسُ وهو مِن بَدِيعِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ الخُنُوسَ اخْتِفاءُ الوَحْشِ عَنْ أنْظارِ الصَّيّادِينَ ونَحْوِهِمْ دُونَ السُّكُونِ في كِناسٍ، وكَذَلِكَ الكَواكِبُ لِأنَّها لا تُرى في النَّهارِ لِغَلَبَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ عَلى أُفُقِها وهي مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَطالِعِها.
فَشُبِّهَ طُلُوعُ الكَوْكَبِ بِخُرُوجِ الوَحْشِيَّةِ مِن كِناسِها، وشُبِّهَ تَنَقُّلُ مَرْآها لِلنّاظِرِ بِجَرْيِ الوَحْشِيَّةِ عِنْدَ خُرُوجِها مِن كِناسِها صَباحًا، قالَ لَبِيدٌ:
حَتّى إذا انْحَسَرَ الظَّلامُ وأسْفَرَتْ بَكَرَتْ تَزِلُّ عَنِ الثَّرى أزْلامُها
وشُبِّهَ غُرُوبُها بَعْدَ سَيْرِها بِكُنُوسِ الوَحْشِيَّةِ في كِناسِها وهو تَشْبِيهُ بَدِيعٌ، فَكانَ قَوْلُهُ: بِالخُنَّسِ اسْتِعارَةً وكانَ ﴿الجَوارِي الكُنَّسِ﴾ تَرْشِيحَيْنِ لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الأوْصافِ الثَّلاثِ ما يُشْبِهُ اللُّغْزَ يُحْسَبُ بِهِ أنَّ المَوْصُوفاتِ ظِباءٌ أوْ وُحُوشٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ حَقائِقُها مِن أحْوالِ الوُحُوشِ، والألْغازُ طَرِيقَةٌ مُسْتَمْلَحَةٌ عِنْدَ بُلَغاءِ العَرَبِ وهي عَزِيزَةٌ في كَلامِهِمْ، قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ وهو مِن شَواهِدِ العَرَبِيَّةِ:
فَقُلْتُ أعِيرانِي القُدُومَ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أخُطُّ بِها قَبْرًا لِأبْيَضَ ماجِدِ
أرادَ أنَّهُ يَصْنَعُ بِها غِمْدًا لِسَيْفٍ صَقِيلٍ مُهَنَّدٍ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ: حَمْلُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى حَقائِقِها المَشْهُورَةِ، وإنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ.
صفحة ١٥٤
والمَعْرُوفُ في أقْسامِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِالأشْياءِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ.
ثُمَّ عُطِفَ القَسَمُ بِ اللَّيْلِ عَلى القَسَمِ بِ (الكَواكِبِ) لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ الكَواكِبِ في اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن أجَلِّ مَظاهِرِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذا العالَمِ.
وعَسْعَسَ اللَّيْلُ عَسْعاسًا وعَسْعَسَةً، قالَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أقْبَلَ بِظَلامِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أدْبَرَ ظَلامُهُ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجَزَمَ بِهِ الفَرّاءُ وحَكى عَلَيْهِ الإجْماعَ. وقالَ المُبَرِّدُ، والخَلِيلُ: هو مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: عَسْعَسَ، إذا أقْبَلَ ظَلامُهُ، وعَسْعَسَ، إذا أدْبَرَ ظَلامُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ اللَّهُ بِإقْبالِ اللَّيْلِ وإدْبارِهِ مَعًا اهـ.
وبِذَلِكَ يَكُونُ إيثارُ هَذا الفِعْلِ لِإفادَتِهِ كِلا حالَيْنِ صالِحَيْنِ لِلْقَسَمِ بِهِ فِيهِما؛ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ إذْ يَعْقُبُ الظَّلامَ الضِّياءُ، ثُمَّ يَعْقُبُ الضِّياءَ الظَّلامُ، وهَذا إيجازٌ.
وعُطِفَ عَلَيْهِ القَسَمُ بِالصُّبْحِ حِينَ تَنَفُّسِهِ، أيِ: انْشِقاقِ ضَوْئِهِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ اللَّيْلِ، ولِأنَّ تَنَفُّسَ الصُّبْحِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذا العالَمِ.
والتَّنَفُّسُ: حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ النَّفَسِ مِنَ الحَيَوانِ، اسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الضِّياءِ مَعَ بَقايا الظَّلامِ عَلى تَشْبِيهِ خُرُوجِ الضِّياءِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ، أوْ لِأنَّهُ إذا بَدا الصَّباحُ أقَبَلَ مَعَهُ نَسِيمٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ كالتَّنَفُّسِ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ الصُّبْحِ بِذِي نَفَسٍ مَعَ تَشْبِيهِ النَّسِيمِ بِالأنْفاسِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ، ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ في سِياقِ الإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، فَإنَّهُ مِمّا أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ لِأجْلِ ذَلِكَ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُصِفَ جِبْرِيلُ بِرَسُولٍ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ.
صفحة ١٥٥
وإضافَةُ قَوْلُ إلى رَسُولٍ إمّا لِأدْنى مُلابَسَةٍ بِأنَّ جِبْرِيلَ يُبَلِّغُ ألْفاظَ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَيَحْكِيها كَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو قائِلُها، أيْ: صادِرَةٌ مِنهُ ألْفاظُها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْ جِبْرِيلَ بِوَصْفِ رَسُولٍ إيماءٌ إلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ هو رِسالَةٌ مِنَ اللَّهِ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِها كَما هي.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَ آخَرُونَ الرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ في الآيَةِ كُلِّها اهـ. ولَمْ يُعَيِّنِ اسْمَ أحَدٍ مِمَّنْ قالُوا هَذا مِنَ المُفَسِّرِينَ.
واسْتُطْرِدَ في خِلالِ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ الثَّناءُ عَلى المَلَكِ المُرْسَلِ بِهِ تَنْوِيهًا بِالقُرْآنِ، فَإجْراءُ أوْصافِ الثَّناءِ عَلى رَسُولٍ لِلتَّنْوِيهِ بِهِ أيْضًا، ولِلْكِنايَةِ عَلى أنَّ ما نَزَلَ بِهِ صِدْقٌ؛ لِأنَّ كَمالَ القائِلِ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ القَوْلِ.
ووُصِفَ رَسُولٍ بِخَمْسَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ: كَرِيمٍ وهو النَّفِيسُ في نَوْعِهِ.
والوَصْفانِ الثّانِي والثّالِثُ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ . فالقُوَّةُ حَقِيقَتُها مَقْدِرَةُ الذّاتِ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُقْدَرُ عَلَيْها غالِبًا. ومِن أوْصافِهِ تَعالى (القَوِيُّ)، ومِنها مَقْدِرَةُ الذّاتِ مِن إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها أبْناءُ نَوْعِهِ.
وضِدُّها الضَّعْفُ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
وتُطْلَقُ القُوَّةُ مَجازًا عَلى ثَباتِ النَّفْسِ عَلى مُرادِها والإقْدامِ ورِباطَةِ الجَأْشِ. قالَ تَعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وقالَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِ ذِي قُوَّةٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِدَّةَ المَقْدِرَةِ كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ المَجازِيَّةِ وهي الثَّباتُ في أداءِ ما أُرْسِلَ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]؛ لِأنَّ المُناسِبَ لِلتَّعْلِيمِ هو قُوَّةُ النَّفْسِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا ﷺ فَوَصْفُهُ بِ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ يُرادُ بِها المَعْنى المَجازِيُّ وهو الكَرامَةُ والِاسْتِجابَةُ لَهُ.
صفحة ١٥٦
والمَكِينُ: فَعِيلٌ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ مَكانَةً، إذا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، قالَ تَعالى في قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ المَلِكِ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] .
وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ بَيْنَ ذِي قُوَّةٍ ومَكِينٍ لِيَتَنازَعَهُ كِلا الوَصْفَيْنِ عَلى وجْهِ الإيجازِ، أيْ: هو ذُو قُوَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَقْدِرَةَ جِبْرِيلَ تُخَوِّلُهُ أنْ يَقُومَ بِعَظِيمِ ما يُوَكِّلُهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَحْتاجُ إلى قُوَّةِ القُدْرَةِ وقُوَّةِ التَّدْبِيرِ، وهو ذُو مَكانَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وزُلْفى.
ووُصِفَ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَعْظِيمٍ وعِنايَةٍ، فَ عِنْدَ لِلْمَكانِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الِاخْتِصاصِ والزُّلْفى.
وعُدِلَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إلى ذِي العَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إلى جِبْرِيلَ لِتَمْثِيلِ حالِ جِبْرِيلَ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ بِحالَةِ الأمِيرِ الماضِي في تَنْفِيذِ أمْرِ المَلِكِ وهو بِمَحَلِّ الكَرامَةِ لَدَيْهِ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَلِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ شَأْنِهِ إذْ كانَ ذا قُوَّةٍ عِنْدَ أعْظَمِ مَوْجُودٍ شَأْنًا.
الوَصْفُ الرّابِعُ مُطاعٍ أنْ يُطِيعَهُ مَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يُطِيعُ الجَيْشُ قائِدَهم، أوِ النَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ: أيْ: مَأْمُورٌ النّاسُ بِطاعَةِ ما يَأْمُرُهم بِهِ.
وثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، والمُشارُ إلَيْهِ هو المَكانُ المُجازِيُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾ فَيَجُوزُ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِ مُطاعٍ وهو أنْسَبُ لِإجْراءِ الوَصْفِ عَلى جِبْرِيلَ، أيْ: مُطاعٌ في المَلَأِ الأعْلى فِيما يَأْمُرُ بِهِ المَلائِكَةَ والنَّبِيءُ ﷺ مُطاعٌ في العالَمِ العُلْوِيِّ، أيْ: مُقَرَّرٌ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُطاعَ فِيما يَأْمُرُ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِ أمِينٍ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ المَكانِ، فَوَصْفُ جِبْرِيلَ بِهِ ظاهِرٌ أيْضًا، ووَصْفُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ لِأنَّهُ مُقَرَّرَةٌ أمانَتُهُ في المَلَأِ الأعْلى.
صفحة ١٥٧
والأمِينُ: الَّذِي يَحْفَظُ ما عُهِدَ لَهُ بِهِ حَتّى يُؤَدِّيَهُ دُونَ نَقْصٍ ولا تَغْيِيرٍ، وهو فَعِيلٌ إمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ مِن أمِنَهُ عَلى كَذا. وعَلى هَذا يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينٌ، ولا يُقالُ: أمِينَةٌ، وإمّا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن: أمُنَ بِضَمِّ المِيمِ إذا صارَتِ الأمانَةُ سَجِيَّتَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: امْرَأةٌ أمِينَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الفُقَهاءِ في المَرْأةِ المُشْتَكِيَةِ أضْرارَ زَوْجِها: يُجْعَلانِ عِنْدَ أمِينَةٍ وأمِينٍ.
التكوير 81:22
﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] فَهو داخِلٌ في خَبَرِ القَسَمِ جَوابًا ثانِيًا عَنِ القَسَمِ، والمَعْنى: وما هو أيِ: القُرْآنُ بِقَوْلِ مَجْنُونٍ كَما تَزْعُمُونَ. فَبَعْدَ أنْ أثْنى اللَّهُ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ قَوْلُ رَسُولٍ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ وكانَ قَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ ثَناءً عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ صادِقٌ فِيما بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أعْقَبَهُ بِإبْطالِ بُهْتانِ المُشْرِكِينَ فِيما اخْتَلَقُوهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن قَوْلِهِمْ مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ وقَوْلِهِمْ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، فَأبْطَلَ قَوْلَهم إبْطالًا مُؤَكَّدًا ومُؤَيَّدًا، فَتَأْكِيدُهُ بِالقَسَمِ وبِزِيادَةِ الباءِ بَعْدَ النَّفْيِ، وتَأْيِيدُهُ بِما أوْمَأ إلَيْهِ وصْفُهُ بِأنَّ الَّذِي بَلَّغَهُ صاحِبُهم، فَإنَّ وصْفَ صاحِبٍ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ خُلُقَهُ وعَقْلَهُ ويَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، إذْ شَأْنُ الصّاحِبِ أنْ لا تَخْفى دَقائِقُ أحْوالِهِ عَلى أصْحابِهِ.
والمَعْنى: نَفْيُ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن وساوِسِ المَجانِينِ، فَسَلامَةُ مُبَلِّغِهِ مِنَ الجُنُونِ تَقْتَضِي سَلامَةَ قَوْلِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ وسْوَسَةً.
ويَجْرِي عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِ رَسُولٍ كَرِيمٍ النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: صاحِبُكم هُنا إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّعْرِيضِ بِأنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم بِصِحَّةِ العَقْلِ وأصالَةِ الرَّأْيِ.
والصّاحِبُ حَقِيقَتُهُ: ذُو الصُّحْبَةِ، وهي المُلازَمَةُ في أحْوالِ التَّجَمُّعِ والِانْفِرادِ لِلْمُؤانَسَةِ والمُوافَقَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلزَّوْجِ: صاحِبَةٌ، ولِلْمُسافِرِ مَعَ غَيْرِهِ صاحِبٌ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
بَكى صاحِبِي لَمّا رَأى الدَّرْبَ دُونَهُ
صفحة ١٥٨
وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] وقالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ والعِشْرِينَ: ”ولا لَكم مِنِّي إلّا صُحْبَةُ السَّفِينَةِ“ .
وقَدْ يَتَوَسَّعُونَ في إطْلاقِهِ عَلى المُخالِطِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ ولَوْ في الشَّرِّ، كَقَوْلِ الحَجّاجِ يُخاطِبُ الخَوارِجَ: ”ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ رُمْتُمُ الغَدْرَ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ“ . وقَوْلِ الفَضْلِ اللَّهَبِيِّ:
كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ ∗∗∗ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُونا
والمَعْنى: أنَّ الَّذِي تُخاصِمُونَهُ وتُكَذِّبُونَهُ وتَصِفُونَهُ بِالجُنُونِ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وأنَّكم مُخالِطُوهُ ومُلازِمُوهُ وتَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ، فَما قَوْلُكم عَلَيْهِ إنَّهُ مَجْنُونٌ إلّا لِقَصْدِ البُهْتانِ وإساءَةِ السُّمْعَةِ.
فَهَذا مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعَ ما قَبْلَها وما بَعْدَها، والقَصْدُ مِن ذَلِكَ إثْباتُ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولا يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّها مَسُوقَةٌ في مَعْرِضِ المُوازَنَةِ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ جِبْرِيلَ ومُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - والشَّهادَةُ لَهُما بِمَزاياهُما حَتّى يُشَمَّ مِن وفْرَةِ الصِّفاتِ المُجْراةِ عَلى جِبْرِيلَ أنَّهُ أفْضَلُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ ولا أنَّ المُبالَغَةَ في أوْصافِ جِبْرِيلَ مَعَ الِاقْتِصادِ في أوْصافِ مُحَمَّدٍ ﷺ تُؤْذِنُ بِتَفْضِيلِ أوَّلِهِما عَلى الثّانِي.
ومِن أسْمَجِ الكَلامِ وأضْعَفِ الِاسْتِدْلالِ قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: ”وناهِيكَ بِهَذا دَلِيلًا عَلى جَلالَةِ مَكانَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُبايَنَةِ مَنزِلَتِهِ لِمَنزِلَةِ أفْضَلِ الإنْسِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا وازَنْتَ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ وقايَسْتَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾“ ا ه.
وكَيْفَ انْصَرَفَ نَظَرُهُ عَنْ سِياقِ الآيَةِ في الرَّدِّ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ في النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَقُولُوا في جِبْرِيلَ شَيْئًا؛ لِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ رامَ أنْ يَنْتَزِعَ مِنَ الآيَةِ دَلِيلًا لِمَذْهَبِ أصْحابِ الِاعْتِزالِ مِن تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وهي مَسْألَةٌ لَها مَجالٌ آخَرُ، عَلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى رَسُولٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] إلى قَوْلِهِ: أمِينٍ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ انْصِرافُها إلى جِبْرِيلَ،
صفحة ١٥٩
فَإنَّها مُحْتَمِلَةُ الِانْصِرافِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ . وقَدْ يَطْغى عَلَيْهِ حُبُّ الِاسْتِدْلالِ لِعَقائِدِ أهْلِ الِاعْتِزالِ طُغْيانًا يَرْمِي بِفَهْمِهِ في مَهاوِي الضَّآلَةِ، وهَلْ يَسْمَحُ بالُ ذِي مُسْكَةٍ مِن عِلْمٍ بِمَجارِي كَلامِ العُقَلاءِ أنْ يَتَصَدّى مُتَصَدٍّ لِبَيانِ فَضْلِ أحَدٍ بِأنْ يَنْفِيَ عَنْهُ أنَّهُ مَجْنُونٌ، وهَذا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَفْسِيرِ ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] بِجِبْرِيلَ، فَأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أوْ هو وجِبْرِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَهَذا مُقْتَلَعٌ مِن جِذْرِهِ.
ولا يَخْفى أنَّ العُدُولَ عَنِ اسْمِ النَّبِيءِ العَلَمِ إلى صاحِبُكم لِما يُؤْذِنُ بِهِ صاحِبُكم مِن كَوْنِهِمْ عَلى عِلْمٍ بِأحْوالِهِ، وأمّا العُدُولُ عَنْ ضَمِيرِهِ إنْ كانَ المُرادُ بِـ رَسُولٍ خُصُوصَ النَّبِيءِ ﷺ فَمِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ وإذا أُرِيدَ بِ رَسُولٍ كِلاهُما فَذِكْرُ صاحِبُكم لِتَخْصِيصِ الكَلامِ بِهِ.
التكوير 81:23
﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] .
والمُناسَبَةُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا إذا بَلَغَهم أنَّ الرَّسُولَ ﷺ يُخْبِرُ أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالوَحْيِ مِن وقْتِ غارِ حِراءٍ فَما بَعْدَهُ اسْتَهْزَؤُوا وقالُوا: إنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَتَراءى لَهُ هو جِنِّيٌّ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ، ثُمَّ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ إنَّما رَأى جِبْرِيلَ القَوِيَّ الأمِينَ. فَضَمِيرُ الرَّفْعِ عائِدٌ إلى صاحِبٍ مِن قَوْلِهِ: وما صاحِبُكم وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى رَسُولٍ كَرِيمٍ وسِياقُ الكَرَمِ يُبَيِّنُ مَعادَ الرّائِي والمَرْئِيِّ.
والأُفُقِ: الفَضاءُ الَّذِي يَبْدُو لِلْعَيْنِ مِنَ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ بَيْنَ طَرَفَيْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ومَغْرِبِها مِن حَيْثُ يَلُوحُ ضَوْءُ الفَجْرِ ويَبْدُو شَفَقُ الغُرُوبِ وهو يَلُوحُ كَأنَّهُ قُبَّةٌ زَرْقاءُ، والمَعْنى رَآهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
والمُبِينِ: وصْفُ الأُفُقِ، أيْ: لِلْأُفُقِ الواضِحِ البَيِّنِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ نَعْتُ الأُفُقِ الَّذِي تَراءى مِنهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيءِ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّهُ أُفُقٌ واضِحٌ بَيِّنٌ لا تَشْتَبِهُ فِيهِ المَرْئِيّاتُ ولا يُتَخَيَّلُ فِيهِ الخَيالُ،
صفحة ١٦٠
وجُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ عَلامَةً عَلى أنَّ المَرْئِيَّ مَلَكٌ ولَيْسَ بِخَيالٍ؛ لِأنَّ الأخْيِلَةَ الَّتِي يَتَخَيَّلُها المَجانِينُ إنَّما يَتَخَيَّلُونَها عَلى الأرْضِ تابِعَةً لَهم عَلى ما تَعَوَّدُوهُ مِن وقْتِ الصِّحَّةِ، وقَدْ وصَفَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المَلَكَ الَّذِي رَآهُ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ بِأنَّهُ عَلى كُرْسِيٍّ جالِسٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولِهَذا تَكَرَّرَ ذِكْرُ ظُهُورِ المَلَكِ بِالأُفُقِ في سُورَةِ النَّجْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] إلى أنْ قالَ: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] الآياتِ، قِيلَ: رَأى النَّبِيءُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِمَكَّةَ مِن جِهَةِ جَبَلِ أجْيادٍ مِن شَرْقِيِّهِ.
التكوير 81:24
﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى صاحِبُكم كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَدَّعُوا أنَّ جِبْرِيلَ ضَنِينٌ عَلى الغَيْبِ، وإنَّما ادَّعَوْا ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ظُلْمًا وزُورًا، ولِقُرْبِ المَعادِ.
والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عِيانِ النّاسِ، أوْ عَنْ عِلْمِهِمْ وهو تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ.
والمُرادُ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ إلّا أنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ بَعْضَ أنْبِيائِهِ، ومِنهُ وحْيُ الشَّرائِعِ، والعِلْمُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى وشُؤُونِهِ، ومُشاهَدَةُ مَلَكِ الوَحْيِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ ﴿بِضَنِينٍ﴾ في مَصاحِفِ الأمْصارِ بِضادٍ ساقِطَةٍ كَما اتَّفَقَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ الطَّبَرِيُّ: هو ما عَلَيْهِ مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ مُتَّفِقَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ قِراءَتُهم بِهِ.
وفِي الكَشّافِ هو في مُصْحَفِ أُبَيٍّ بِالضّادِ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالظّاءِ وقَدِ اخْتَصَرَ الشّاطِبِيُّ في مَنظُومَتِهِ في الرَّسْمِ عَلى رَسْمِهِ بِالضّادِ إذْ قالَ:
والضّادُ في ”بِضَنِينٍ“ تَجْمَعُ البَشَرا
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ، فَقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ
صفحة ١٦١
وخَلَفٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالضّادِ السّاقِطَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن حافَّةِ اللِّسانِ مِمّا يَلِي الأضْراسَ، وهي القِراءَةُ المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ الإمامِ.
وقَرَأهُ الباقُونَ بِالظّاءِ المُشالَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا العُلْيا، وذُكِرَ في الكَشّافِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ بِهِما، وذَلِكَ مِمّا لا يَحْتاجُ إلى التَّنْبِيهِ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ ما كانَتا مُتَواتِرَتَيْنِ إلّا وقَدْ رُوِيَتا عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .
والضّادُ والظّاءُ حَرْفانِ مُخْتَلِفانِ، والكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن أحَدِهِما مُخْتَلِفَةُ المَعانِي غالِبًا إلّا نَحْوَ ”حُضَضٍ“ بِضادَيْنِ ساقِطَتَيْنِ و”حُظَظٍ“ بِظاءَيْنِ مُشالَيْنِ و”حُضَظٍ“ بِضادٍ ساقِطَةٍ بَعْدَها ظاءٌ مُشالَةٌ وثَلاثَتُها بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ ما بَعْدَ الحاءِ. فَقَدْ قالُوا: إنَّها لُغاتٌ في كَلِمَةٍ ذاتِ مَعْنًى واحِدٍ وهو اسْمُ صَمْغٍ يُقالُ لَهُ: خَوْلانُ.
ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِالظّاءِ المُشالَةِ مِن أهْلِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ قَدْ رَوَوْهُ مُتَواتِرًا عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ولِذَلِكَ فَلا يَقْدَحُ في قِراءَتِهِمْ كَوْنُها مُخالِفَةً لِجَمِيعِ نُسَخِ مَصاحِفِ الأمْصارِ؛ لِأنَّ تَواتُرَ القِراءَةِ أقْوى مِن تَواتُرِ الخَطِّ إنِ اعْتُبِرَ لِلْخَطِّ تَواتُرٌ.
وما ذُكِرَ مِن شَرْطِ مُوافَقَةِ القِراءَةِ لِما في مُصْحَفِ عُثْمانَ لِتَكُونَ قِراءَةً صَحِيحَةً تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِلْقِراءاتِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ مُتَواتِرَةً كَما بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
وقَدِ اعْتَذَرَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ اتِّفاقِ مَصاحِفِ الإمامِ عَلى كِتابَتِها بِالضّادِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ الضّادِ والظّاءِ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، بِأنْ قالَ: لَيْسَ هَذا بِخِلافِ الكِتابِ؛ لِأنَّ الضّادَ والظّاءَ لا يَخْتَلِفُ خَطُّهُما في المَصاحِفِ إلّا بِزِيادَةِ رَأْسِ إحْداهُما عَلى رَأْسِ الأُخْرى، فَهَذا قَدْ يَتَشابَهُ ويَتَدانى اهـ.
يُرِيدُ بِهَذا الكَلامِ أنَّ ما رُسِمَ في المُصْحَفِ الإمامِ لَيْسَ مُخالَفَةً مِن كُتّابِ المَصاحِفِ لِلْقِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، أيْ أنَّهم يُراعُونَ اخْتِلافَ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ فَيَكْتُبُونَ بَعْضَ نُسَخِ المَصاحِفِ عَلى اعْتِبارِ اخْتِلافِ القِراءاتِ وهو الغالِبُ. وها هُنا اشْتَبَهَ الرَّسْمُ فَجاءَتِ الظّاءُ دَقِيقَةَ الرَّأْسِ.
ولا أرى لِلِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ حاجَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ القِراءَتانِ مُتَواتِرَتَيْنِ عَنِ
صفحة ١٦٢
النَّبِيءِ ﷺ اعْتَمَدَ كُتّابُ المَصاحِفِ عَلى إحْداهُما وهي الَّتِي قَرَأ بِها جُمْهُورُ الصَّحابَةِ وخاصَّةً عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأوْكَلُوا القِراءَةَ الأُخْرى إلى حِفْظِ القارِئِينَ.
وإذا تَواتَرَتْ قِراءَةُ بِضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ و(بِظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ بِالوَجْهَيْنِ وأنَّهُ أرادَ كِلا المَعْنَيَيْنِ.
فَأمّا مَعْنى ضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ فَهو البَخِيلُ الَّذِي لا يُعْطِي ما عِنْدَهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّنِّ بِالضّادِ مَصْدَرُ ضَنَّ، وإذا بَخِلَ، ومُضارِعُهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: وما صاحِبُكم بِبَخِيلٍ أيْ: بِما يُوحى إلَيْهِ وما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ طَلَبًا لِلِانْتِفاعِ بِما يُخْبِرُ بِهِ بِحَيْثُ لا يُنْبِئُكم عَنْهُ إلّا بِعِوَضٍ تُعْطُونَهُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ كاهِنًا أوْ عَرّافًا يَتَلَقّى الأخْبارَ عَنِ الجِنِّ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَرَدَّدُونَ عَلى الكُهّانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُخْبِرُونَ بِالمُغَيَّباتِ، قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] فَأقامَ لَهُمُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الكُهّانِ وحالِ النَّبِيءِ ﷺ بِالإشارَةِ إلى أنَّ النَّبِيءَ لا يَسْألُهم عِوَضًا عَمّا يُخْبِرُهم بِهِ وأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ عَلى ما يُخْبِرُ بِهِ ما يُسَمُّونَهُ حُلْوانًا، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩] ونَحْوِ ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَنِينٍ مَجازًا مُرْسَلًا في الكِتْمانِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ؛ لِأنَّ الكِتْمانَ بُخْلٌ بِالأمْرِ المَعْلُومِ لِلْكاتِمِ، أيْ: ما هو بِكاتِمٍ الغَيْبَ، أيْ: ما يُوحى إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وقالُوا ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] .
ويَتَعَلَّقُ عَلى الغَيْبِ بِقَوْلِهِ: بِضَنِينٍ.
وحَرْفُ عَلى عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى الباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أيْ: حَقِيقٌ بِي، أوْ لِتَضْمِينِ ضَنِينٍ مَعْنى حَرِيصٍ، والحِرْصُ: شِدَّةُ البُخْلِ وما مُحَمَّدٌ بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، فَما أخْبَرَكم بِهِ فَهو عَيْنُ ما أوْحَيْناهُ إلَيْهِ. وقَدْ يَكُونُ البَخِيلُ عَلى هَذِهِ كِنايَةً عَنْ كاتِمٍ وهو كِنايَةٌ بِمَرْتَبَةٍ أُخْرى
صفحة ١٦٣
عَنْ عَدَمِ التَّغْيِيرِ. والمَعْنى: وما صاحِبُكم بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، أيْ: ما أخْبَرَكم بِهِ فَهو الحَقُّ.
وأمّا مَعْنى (ظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّنِّ بِمَعْنى التُّهْمَةِ، أيْ: مَظْنُونٌ. ويُرادُ إنَّهُ مَظْنُونٌ بِهِ سُوءٌ، أيْ أنْ يَكُونُ كاذِبًا فِيما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغَيْبِ، وكَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِ ظَنِينٍ بِهَذا المَعْنى في الكَلامِ حَتّى صارَ الظَّنُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التُّهْمَةِ فَعُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: ظَنَّ بِهِ سُوءًا، فَيَتَعَدّى إلى مُتَعَلِّقِهِ الأوَّلِ بِحَرْفِ باءِ الجَرِّ فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَذَفُوا الباءَ ووَصَلُوا الفِعْلَ بِالمَجْرُورِ فَصارَ مَفْعُولًا فَقالُوا ظَنَّهُ: بِمَعْنى: اتَّهَمَهُ، يُقالُ: سُرِقَ لِي كَذا وظَنَنْتُ فَلانًا.
وحَرْفُ (عَلى) في هَذا الوَجْهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] أيْ: ما هو بِمُتَّهَمٍ في أمْرِ الغَيْبِ وهو الوَحْيُ أنْ لا يَكُونَ كَما بَلَّغَهُ، أيْ أنَّ ما بَلَّغَهُ هو الغَيْبُ لا رَيْبَ فِيهِ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُمُ: ائْتَمَنَهُ عَلى كَذا.
التكوير 81:25
﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ .
عَطْفٌ عَلى ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩]، وهَذا رُجُوعٌ إلى ما أقْسَمَ عَلَيْهِ مِن أنَّ القُرْآنَ قَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، بَعْدَ أنِ اسْتَطْرَدَ بَيْنَهُما بِتِلْكَ المُسْتَطْرِداتِ الدّالَّةِ عَلى زِيادَةِ كَمالِ هَذا القَوْلِ بِقُدْسِيَّةِ مَصْدَرِهِ ومَكانَةِ حامِلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وصِدْقِ مُتَلَقِّيهِ مِنهُ عَنْ رُؤْيا مُحِقَّةٍ لا تَخَيُّلَ فِيها، فَكانَ التَّخَلُّصُ إلى العُودِ لِتَنْزِيهِ القُرْآنِ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الغَيْبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] .
فَإنَّ القُرْآنَ مِن أمْرِ الغَيْبِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وفِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ عَنْ أُمُورِ الغَيْبِ الجَنَّةِ والنّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الضَّمِيرِ بِالقَوْلِ الَّذِي هو مِن جِنْسِ الكَلامِ إذْ قالَ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ فَكانَ المُخْبَرُ عَنْهُ مِن قَبِيلِ الأقْوالِ لا مَحالَةَ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] .
صفحة ١٦٤
وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ فِيهِ: إنَّهُ كاهِنٌ، فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الكُهّانَ تَأْتِيهِمُ الشَّياطِينُ بِأخْبارِ الغَيْبِ، قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] وقالَ: وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ وقالَ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] وهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الكاهِنَ كانَ يَتَلَقّى عَنْ شَيْطانِهِ ويُسَمُّونَ شَيْطانَهُ رَئِيًا.
وفِي حَدِيثِ فَتْرَةِ الوَحْيِ ونُزُولِ سُورَةِ والضُّحى: أنَّ حَمّالَةَ الحَطَبِ امْرَأةَ أبِي لَهَبٍ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ أرى شَيْطانَكَ قَدْ قَلاكَ.
ورَجِيمٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَرْجُومٌ. والمَرْجُومُ: المُبْعَدُ الَّذِي يَتَباعَدُ النّاسُ مِن شَرِّهِ فَإذا أقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَجَمُوهُ فَهو وصْفٌ كاشِفٌ لِلشَّيْطانِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُتَبَرَّأً مِنهُ.
التكوير 81:26
﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] .
والفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيزِ عَلى الحُجَجِ المُتَقَدِّمَةِ المُثْبِتَةِ أنَّ القُرْآنَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامَ كاهِنٍ وأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِواسِطَةِ المَلَكِ.
وهَذا مِنِ اقْتِرانِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بِالفاءِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] في سُورَةِ عَبَسَ.
وأيْنَ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ المَكانِ. وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَنْ مَكانِ ذَهابِهِمْ، أيْ: طَرِيقِ ضَلالِهِمْ، تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في سُلُوكِ طُرُقِ الباطِلِ بِحالِ مَن ضَلَّ الطَّرِيقَ الجادَّةَ فَيَسْألُهُ السّائِلُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ سُلُوكَهُ، أيِ: اعْدِلْ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ فَإنَّهُ مَضِلَّةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ عَنْ طَلَبِ طَرِيقٍ يَسْلُكُونَهُ إلى مَقْصِدِهِمْ مِنَ الطَّعْنِ في القُرْآنِ.
والمَعْنى: أنَّهُ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْكم طُرُقُ بُهْتانِكم إذِ اتَّضَحَ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ بُطْلانُ
صفحة ١٦٥
ادِّعائِكم أنَّ القُرْآنَ كَلامُ مَجْنُونٍ أوْ كَلامُ كاهِنٍ، فَماذا تَدَّعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ أيْنَ تَذْهَبُونَ قَدْ أُرْسِلَتْ مَثَلًا، ولَعَلَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ وكُنْتُ رَأيْتُ في كَلامِ بَعْضِهِمْ: أيْنَ يَذْهَبُ بِكَ، لِمَن كانَ في خَطَأٍ وعَمايَةٍ.
التكوير 81:27
﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ .
بَعْدَ أنْ أفاقَهم مِن ضَلالَتِهِمْ أرْشَدَهم إلى حَقِيقَةِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ المُؤَكِّدَةِ لِجُمْلَةِ ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ العاطِفِ، ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ يُفِيدُ قَصْرَ القُرْآنِ عَلى صِفَةِ الذِّكْرِ، أيْ: لا غَيْرَ ذَلِكَ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ قُصِدَ مِنهُ إبْطالُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ، أوْ قَوْلَ كاهِنٍ، أوْ قَوْلَ مَجْنُونٍ، فَمِن جُمْلَةِ ما أفادَهُ القَصْرُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، وبِذَلِكَ كانَ فِيهِ تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] .
والذِّكْرُ اسْمٌ يَجْمَعُ مَعانِيَ الدُّعاءِ والوَعْظِ بِحُسْنِ الأعْمالِ والزَّجْرَ عَنِ الباطِلِ وعَنِ الضَّلالِ، أيْ: ما القُرْآنُ إلّا تَذْكِيرٌ لِجَمِيعِ النّاسِ يَنْتَفِعُونَ بِهِ في صَلاحِ اعْتِقادِهِمْ، وطاعَةِ اللَّهِ رَبِّهِمْ، وتَهْذِيبِ أخْلاقِهِمْ، وآدابِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، والمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِهِمْ، ودَوامِ انْتِظامِ جَماعَتِهِمْ، وكَيْفَ يُعامِلُونَ غَيْرَهم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ.
فَـ العالَمِينَ يَعُمُّ كُلَّ البَشَرِ لِأنَّهم مَدْعُوُّونَ لِلِاهْتِداءِ بِهِ ومُسْتَفِيدُونَ مِمّا جاءَ فِيهِ.
فَإنْ قُلْتَ: القُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ وهو أيْضًا مُعْجِزَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَيْفَ قُصِرَ عَلى كَوْنِهِ ذِكْرًا ؟ !
قُلْتُ: القَصْرُ الإضافِيُّ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا تَخْصِيصُ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى صِفَةٍ أُخْرى خاصَّةٍ، عَلى أنَّكَ لَكَ أنْ تَجْعَلَ القَصْرَ حَقِيقِيًّا مُفِيدًا قَصْرَ القُرْآنِ
صفحة ١٦٦
عَلى الذِّكْرِ دُونَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، فَإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ مَقْصُودٌ بِهِ المَوْعِظَةُ والعِبْرَةُ كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ.
وأمّا إعْجازُهُ فَلَهُ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في التَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ إعْجازَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامٍ مِن صُنْعِ البَشَرِ، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ وقَعَ اليَقِينُ بِأنَّهُ حَقٌّ.
وأُبْدِلَ مِن لِلْعالَمِينَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وأُعِيدَ مَعَ البَدَلِ حَرْفُ الجَرِّ العامِلُ مِثْلُهُ في المُبْدَلِ مِنهُ لِتَأْكِيدِ العامِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: مِنكم لِلَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وإذا كانَ القُرْآنُ ذِكْرًا لَهم وهم مِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ كانَ ذِكْرُ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مِن بَقِيَّةِ العالَمِينَ أيْضًا بِحُكْمِ قِياسِ المُساواةِ، فَفي الكَلامِ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
وفائِدَةُ هَذا الإبْدالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ تَذَكَّرُوا بِالقُرْآنِ وهُمُ المُسْلِمُونَ قَدْ شاءُوا الِاسْتِقامَةَ لِأنْفُسِهِمْ فَنَصَحُوا أنْفُسَهم، وهو ثَناءٌ عَلَيْهِمْ.
وفِي مَفْهُومِ الصِّلَةِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَذَكَّرُوا بِالقُرْآنِ ما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّذَكُّرِ بِهِ إلّا أنَّهم لَمْ يَشاءُوا أنْ يَسْتَقِيمُوا، بَلْ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالِاعْوِجاجِ، أيْ: سُوءِ العَمَلِ والِاعْتِقادِ، لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ دَوامَ أُولَئِكَ عَلى الضَّلالِ لَيْسَ لِقُصُورِ القُرْآنِ عَنْ هَدْيِهِمْ بَلْ لِأنَّهم أبَوْا أنْ يَهْتَدُوا بِهِ، إمّا لِلْمُكابَرَةِ فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وإمّا لِلْإعْراضِ عَنْ تَلَقِّيهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
والِاسْتِقامَةُ مُسْتَعارَةٌ لِصَلاحِ العَمَلِ الباطِنِيِّ، وهو الِاعْتِقادُ، والظّاهِرِيِّ وهو الأفْعالُ والأقْوالُ تَشْبِيهًا لِلْعَمَلِ بِخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَشاءُوا أنْ يَسْتَقِيمُوا هُمُ الكافِرُونَ بِالقُرْآنِ وهُمُ المَسُوقُ لَهُمُ الكَلامُ، ويُلْحَقُ بِهِمْ عَلى مَقادِيرَ مُتَفاوِتَةٍ كُلُّ مَن فَرَّطَ في الِاهْتِداءِ بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ ما شاءَ أنْ يَسْتَقِيمَ لِما فَرَّطَ مِنهُ في أحْوالٍ أوْ أزْمانٍ أوْ أمْكِنَةٍ.
صفحة ١٦٧
وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ مِنَ الخَطَأِ أنْ يُوزَنَ حالُ الدِّينِ الإسْلامِيِّ بِمِيزانِ أحْوالِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ أوْ مُعْظَمِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ أهْلِ الأنْظارِ القاصِرَةِ مِنَ الغَرْبِيِّينَ وغَيْرِهِمْ إذْ يَجْعَلُونَ وُجْهَةَ نَظَرِهِمُ التَّأمُّلَ في حالَةِ الأُمَمِ الإسْلامِيَّةِ ويَسْتَخْلِصُونَ مِنِ اسْتِقْرائِها أحْكامًا كُلِّيَّةً يَجْعَلُونَها قَضايا لِفَلْسَفَتِهِمْ في كُنْهِ الدِّيانَةِ الإسْلامِيَّةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ المَشِيئَةِ لِلْإنْسانِ العاقِلِ فِيما يَأْتِي ويَدَعُ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ إذا قالَ: هَذا أمْرٌ قُدِّرَ، وهَذا مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ تِلْكَ كَلِماتٌ يَضَعُونَها في غَيْرِ مَحالِّها، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ، ويَثْبُتُ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أوْ قُدْرَةٌ عَلى اخْتِلافِ التَّعْبِيرِ.
التكوير 81:28
﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ .
بَعْدَ أنْ أفاقَهم مِن ضَلالَتِهِمْ أرْشَدَهم إلى حَقِيقَةِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ المُؤَكِّدَةِ لِجُمْلَةِ ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ العاطِفِ، ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ يُفِيدُ قَصْرَ القُرْآنِ عَلى صِفَةِ الذِّكْرِ، أيْ: لا غَيْرَ ذَلِكَ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ قُصِدَ مِنهُ إبْطالُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ، أوْ قَوْلَ كاهِنٍ، أوْ قَوْلَ مَجْنُونٍ، فَمِن جُمْلَةِ ما أفادَهُ القَصْرُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، وبِذَلِكَ كانَ فِيهِ تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] .
والذِّكْرُ اسْمٌ يَجْمَعُ مَعانِيَ الدُّعاءِ والوَعْظِ بِحُسْنِ الأعْمالِ والزَّجْرَ عَنِ الباطِلِ وعَنِ الضَّلالِ، أيْ: ما القُرْآنُ إلّا تَذْكِيرٌ لِجَمِيعِ النّاسِ يَنْتَفِعُونَ بِهِ في صَلاحِ اعْتِقادِهِمْ، وطاعَةِ اللَّهِ رَبِّهِمْ، وتَهْذِيبِ أخْلاقِهِمْ، وآدابِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، والمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِهِمْ، ودَوامِ انْتِظامِ جَماعَتِهِمْ، وكَيْفَ يُعامِلُونَ غَيْرَهم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ.
فَـ العالَمِينَ يَعُمُّ كُلَّ البَشَرِ لِأنَّهم مَدْعُوُّونَ لِلِاهْتِداءِ بِهِ ومُسْتَفِيدُونَ مِمّا جاءَ فِيهِ.
فَإنْ قُلْتَ: القُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ وهو أيْضًا مُعْجِزَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَيْفَ قُصِرَ عَلى كَوْنِهِ ذِكْرًا ؟ !
قُلْتُ: القَصْرُ الإضافِيُّ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا تَخْصِيصُ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى صِفَةٍ أُخْرى خاصَّةٍ، عَلى أنَّكَ لَكَ أنْ تَجْعَلَ القَصْرَ حَقِيقِيًّا مُفِيدًا قَصْرَ القُرْآنِ
صفحة ١٦٦
عَلى الذِّكْرِ دُونَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، فَإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ مَقْصُودٌ بِهِ المَوْعِظَةُ والعِبْرَةُ كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ.
وأمّا إعْجازُهُ فَلَهُ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في التَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ إعْجازَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامٍ مِن صُنْعِ البَشَرِ، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ وقَعَ اليَقِينُ بِأنَّهُ حَقٌّ.
وأُبْدِلَ مِن لِلْعالَمِينَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وأُعِيدَ مَعَ البَدَلِ حَرْفُ الجَرِّ العامِلُ مِثْلُهُ في المُبْدَلِ مِنهُ لِتَأْكِيدِ العامِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: مِنكم لِلَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وإذا كانَ القُرْآنُ ذِكْرًا لَهم وهم مِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ كانَ ذِكْرُ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مِن بَقِيَّةِ العالَمِينَ أيْضًا بِحُكْمِ قِياسِ المُساواةِ، فَفي الكَلامِ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
وفائِدَةُ هَذا الإبْدالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ تَذَكَّرُوا بِالقُرْآنِ وهُمُ المُسْلِمُونَ قَدْ شاءُوا الِاسْتِقامَةَ لِأنْفُسِهِمْ فَنَصَحُوا أنْفُسَهم، وهو ثَناءٌ عَلَيْهِمْ.
وفِي مَفْهُومِ الصِّلَةِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَذَكَّرُوا بِالقُرْآنِ ما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّذَكُّرِ بِهِ إلّا أنَّهم لَمْ يَشاءُوا أنْ يَسْتَقِيمُوا، بَلْ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالِاعْوِجاجِ، أيْ: سُوءِ العَمَلِ والِاعْتِقادِ، لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ دَوامَ أُولَئِكَ عَلى الضَّلالِ لَيْسَ لِقُصُورِ القُرْآنِ عَنْ هَدْيِهِمْ بَلْ لِأنَّهم أبَوْا أنْ يَهْتَدُوا بِهِ، إمّا لِلْمُكابَرَةِ فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وإمّا لِلْإعْراضِ عَنْ تَلَقِّيهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .
والِاسْتِقامَةُ مُسْتَعارَةٌ لِصَلاحِ العَمَلِ الباطِنِيِّ، وهو الِاعْتِقادُ، والظّاهِرِيِّ وهو الأفْعالُ والأقْوالُ تَشْبِيهًا لِلْعَمَلِ بِخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَشاءُوا أنْ يَسْتَقِيمُوا هُمُ الكافِرُونَ بِالقُرْآنِ وهُمُ المَسُوقُ لَهُمُ الكَلامُ، ويُلْحَقُ بِهِمْ عَلى مَقادِيرَ مُتَفاوِتَةٍ كُلُّ مَن فَرَّطَ في الِاهْتِداءِ بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ ما شاءَ أنْ يَسْتَقِيمَ لِما فَرَّطَ مِنهُ في أحْوالٍ أوْ أزْمانٍ أوْ أمْكِنَةٍ.
صفحة ١٦٧
وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ مِنَ الخَطَأِ أنْ يُوزَنَ حالُ الدِّينِ الإسْلامِيِّ بِمِيزانِ أحْوالِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ أوْ مُعْظَمِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ أهْلِ الأنْظارِ القاصِرَةِ مِنَ الغَرْبِيِّينَ وغَيْرِهِمْ إذْ يَجْعَلُونَ وُجْهَةَ نَظَرِهِمُ التَّأمُّلَ في حالَةِ الأُمَمِ الإسْلامِيَّةِ ويَسْتَخْلِصُونَ مِنِ اسْتِقْرائِها أحْكامًا كُلِّيَّةً يَجْعَلُونَها قَضايا لِفَلْسَفَتِهِمْ في كُنْهِ الدِّيانَةِ الإسْلامِيَّةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ المَشِيئَةِ لِلْإنْسانِ العاقِلِ فِيما يَأْتِي ويَدَعُ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ إذا قالَ: هَذا أمْرٌ قُدِّرَ، وهَذا مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ تِلْكَ كَلِماتٌ يَضَعُونَها في غَيْرِ مَحالِّها، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ، ويَثْبُتُ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أوْ قُدْرَةٌ عَلى اخْتِلافِ التَّعْبِيرِ.
التكوير 81:29
﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا أوِ اعْتِراضًا في آخِرِ الكَلامِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، والمَقْصُودُ التَّكْمِيلُ والِاحْتِراسُ في مَعْنى لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ، أيْ: ولِمَن شاءَ لَهُ ذَلِكَ مِنَ العالَمِينَ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الإنْسانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل: ١٩] ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] .
والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِـ رَبُّ العالَمِينَ وهو مُفِيدٌ التَّعْلِيلَ لِارْتِباطِ مَشِيئَةِ مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ مِنَ العالِمَيْنِ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ؛ ذَلِكَ لِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ فَهو الخالِقُ فِيهِمْ دَواعِيَ المَشِيئَةِ وأسْبابَ حُصُولِها المُتَسَلْسِلَةَ وهو الَّذِي أرْشَدَهم لِلِاسْتِقامَةِ عَلى الحَقِّ، وبِهَذا الوَصْفِ ظَهَرَ مَزِيدُ الِاتِّصالِ بَيْنَ مَشِيئَةِ النّاسِ الِاسْتِقامَةَ بِالقُرْآنِ وبَيْنَ كَوْنِ القُرْآنِ ذِكْرًا لِلْعالَمِينَ.
وأمّا آيَةُ سُورَةِ الإنْسانِ فَقَدْ ذُيِّلَتْ بِـ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] أيْ: فَهو بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ يَنُوطُ مَشِيئَتَهُ لَهم الِاسْتِقامَةَ بِمَواضِعِ صَلاحِيَتِهِمْ لَها فَيُفِيدُ أنَّ مَن لَمْ يَشَأْ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا قَدْ حَرَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن مَشِيئَتِهِ الخَيْرَ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كِنايَةً عَنْ شَقائِهِمْ.
صفحة ١٦٨
وما نافِيَةٌ، والِاسْتِثْناءُ مِن مَصادِرَ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الإنْسانِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ سُورَةِ الإنْسانِ إفْصاحٌ عَنْ شَرَفِ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ بِكَوْنِهِمْ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِمْ إذا شاءَ لَهم الِاسْتِقامَةَ وهَيَّأهم لَها، وهَذِهِ العِنايَةُ بِمَعْنًى عَظِيمٍ تَحَيَّرَ أهْلُ العِلْمِ في الكَشْفِ عَنْهُ، فَمِنهم مَن تَطَوَّحَ بِهِ إلى الجَبْرِ ومِنهم مَنِ ارْتَمى في وهْدَةِ القَدَرِ، ومِنهم مَنِ اعْتَدَلَ فَجَزَمَ بِقُوَّةٍ لِلْعِبادِ حادِثَةٍ يَكُونُ بِها اخْتِيارُهم لِسُلُوكِ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ فَسَمّاها بَعْضُ هَؤُلاءِ قُدْرَةً حادِثَةً وبَعْضُهم سَمّاها كَسْبًا، وحَمَلُوا ما خالَفَ ذَلِكَ مِن ظَواهِرِ الآياتِ والأخْبارِ عَلى مَقامِ تَعْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ التَّأدُّبَ مَعَ جَلالِهِ.
وهَذا أقْصى ما بَلَغَتْ إلَيْهِ الأفْهامُ القَوِيمَةُ في مَجامِلِ مُتَعارِضِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، ومِن ورائِهِ سِلْكٌ دَقِيقٌ يَشُدُّهُ قَدْ تَقْصُرُ عَنْهُ الأفْهامُ.
* * *
صفحة ١٦٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الِانْفِطارِسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ (سُورَةَ الِانْفِطارِ) في المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ.
وفِي حَدِيثٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، و﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق»: ١] . قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقَدْ عَرَّفْتُ ما فِيهِ مِنَ الِاحْتِمالِ في أوَّلِ سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةُ ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]) وبِهَذا الِاسْمِ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ. ولَمْ يَعُدَّها صاحِبُ الإتْقانِ مَعَ السُّورِ ذاتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ وهو الِانْفِطارُ.
ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ وُقُوعُ جُمْلَةِ (﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]) في أوَّلِها فَعُرِفَتْ بِها.
وسُمِّيَتْ في قَلِيلٍ مِنَ التَّفاسِيرِ (سُورَةُ انْفَطَرَتْ)، وقِيلَ: تُسَمّى (سُورَةُ المُنْفَطِرَةِ) أيِ: السَّماءِ المُنْفَطِرَةِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وهِيَ مَعْدُودَةٌ الثّانِيَةَ والثَمانِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النّازِعاتِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِقاقِ.
وعَدَدُ آيِها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً.
* * *
واشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى: إثْباتِ البَعْثِ، وذِكْرِ أهْوالٍ تَتَقَدَّمُهُ.
صفحة ١٧٠
وإيقاظِ المُشْرِكِينَ لِلنَّظَرِ في الأُمُورِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنِ الِاعْتِرافِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ.
والأعْلامِ بِأنَّ الأعْمالَ مُحْصاةٌ، وبَيانِ جَزاءِ الأعْمالِ خَيْرِها وشَرِّها.
وإنْذارِ النّاسِ بِأنْ لا يَحْسَبُوا شَيْئًا يُنْجِيهِمْ مِن جَزاءِ اللَّهِ إيّاهم عَلى سَيِّئِ أعْمالِهِمْ.
الانفطار 82:1
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ .
الِافْتِتاحُ بِـ إذا افْتِتاحٌ مُشَوِّقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَها مِن مُتَعَلِّقِها الَّذِي هو جَوابُ ما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، سِوى أنَّ الجُمَلَ المُتَعاطِفَةَ المُضافَ إلَيْها هي هُنا أقَلُّ مِنَ اللّاتِي في سُورَةِ التَّكْوِيرِ؛ لِأنَّ المَقامَ لَمْ يَقْتَضِ تَطْوِيلَ الإطْنابِ كَما اقْتَضاهُ المَقامُ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وإنْ كانَ في كِلْتَيْهِما مُقْتَضٍ لِلْإطْنابِ لَكِنَّهُ مُتَفاوِتٌ؛ لِأنَّ سُورَةَ التَّكْوِيرِ مِن أوَّلِ السُّوَرِ نُزُولًا كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
وأمّا سُورَةُ الِانْفِطارِ فَبَيْنَها وبَيْنَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ أرْبَعٌ وسَبْعُونَ سُورَةً تَكَرَّرَ في بَعْضِها إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ والإنْذارِ وتَقَرَّرَ عِنْدَ المُخاطَبِينَ فَأغْنى تَطْوِيلُ الإطْنابِ والتَّهْوِيلِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ.
والمُعْرِبُونَ يَقُولُونَ: خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، وهي عِبارَةٌ حَسَنَةٌ جامِعَةٌ.
والقَوْلُ في الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها إذا مِن كَوْنِها جُمَلًا مُفْتَتَحَةً بِمُسْنِدٍ إلَيْهِ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِمَسْنَدٍ فِعْلِيٍّ دُونَ أنْ يُؤْتى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ودُونَ تَقْدِيرِ أفْعالٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ الأسْماءِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ وتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
صفحة ١٧١
وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (إذا) بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ كالقَوْلِ في جُمَلِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] .
وانْفَطَرَتْ: مُطاوِعُ فَطَرَ، إذا جُعِلَ الشَّيْءُ مَفْطُورًا، أيْ: مَشْقُوقًا ذا فُطُورٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ المُلْكِ.
وهَذا الِانْفِطارُ: انْفِراجٌ يَقَعُ فِيما يُسَمّى بِالسَّماءِ، وهو ما يُشْبِهُ القُبَّةَ في نَظَرِ الرّائِي يَراهُ تَسِيرُ فِيهِ الكَواكِبُ في أُسْماتٍ مَضْبُوطَةٍ تُسَمّى بِالأفْلاكِ تُشاهَدُ بِاللَّيْلِ، ويُعْرَفُ سَمْتُها في النَّهارِ، ومُشاهَدَتُها في صُورَةٍ مُتَماثِلَةٍ مَعَ تَعاقُبِ القُرُونِ تَدُلُّ عَلى تَجانُسِ ما هي مُصَوَّرَةٌ مِنهُ فَإذا اخْتَلَّ ذَلِكَ وتَخَلَّلَتْهُ أجْسامٌ أوْ عَناصِرُ غَرِيبَةٌ مِن أصْلِ نِظامِهِ تَفَكَّكَتْ تِلْكَ الطِّباقُ ولاحَ فِيها تَشَقُّقٌ، فَكانَ عَلامَةً عَلى انْحِلالِ النِّظامِ المُتَعَلِّقِ بِها كُلِّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِانْفِطارَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِانْشِقاقِ أيْضًا في سُورَةِ الِانْشِقاقِ وهو حَدَثٌ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وأنَّهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ إفْسادِ النِّظامِ الَّذِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَكاتِ الكَواكِبِ وحَرَكَةَ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِيهِ قَرْنُهُ بِانْتِثارِ الكَواكِبِ وتَفَجُّرِ البِحارِ وتَبَعْثُرِ القُبُورِ.
وأمّا الكَشْطُ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] فَذَلِكَ عَرَضٌ آخَرُ يَعْرِضُ لِلسَّماواتِ يَوْمَ الحَشْرِ فَهو مِن قَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] .
والِانْتِثارُ: مُطاوِعُ النَّثْرِ ضِدَّ الجَمْعِ وضِدَّ الضَّمِّ، فالنَّثْرُ هو رَمْيُ أشْياءَ عَلى الأرْضِ بِتَفَرُّقٍ.
وأمّا التَّفَرُّقُ في الهَواءِ فَإطْلاقُ النَّثْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . فانْتِثارُ الكَواكِبِ مُسْتَعارٌ لِتَفَرُّقِ هَيْئاتِ اجْتِماعِها المَعْرُوفَةِ في مَواقِعِها، أوْ مُسْتَعارٌ لِخُرُوجِها مِن دَوائِرِ أفْلاكِها وسُمُوتِها فَتَبْدُو مُضْطَرِبَةً في الفَضاءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ تَلُوحُ كَأنَّها قارَّةٌ، فانْتِثارُها تَبَدُّدُها وتَفَرُّقُ مُجْتَمَعِها، وذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلالِ قُوَّةِ الجاذِبِيَّةِ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ العالَمِ الشَّمْسِيُّ.
وتَفْجِيرُ البِحارِ انْطِلاقُ مائِها مِن مُسْتَواهُ وفَيَضانُهُ عَلى ما حَوْلَها مِنَ الأرْضِينَ
صفحة ١٧٢
كَما يَتَفَجَّرُ ماءُ العَيْنِ حِينَ حَفْرِها لِفَسادِ كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي هي ضاغِطَةٌ عَلى مِياهِ البِحارِ وبِذَلِكَ التَّفْجِيرِ يَعُمُّ الماءُ عَلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ ما عَلَيْها ويَخْتَلُّ سَطْحُها.
ومَعْنى بُعْثِرَتِ: انْقَلَبَ باطِنُها ظاهِرَها، والبَعْثَرَةُ: الِانْقِلابُ، ويُقالُ: بَعْثَرَ المَتاعَ إذا قَلَبَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ في الكَشّافِ: ”بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِنَ البَعْثِ مِن راءٍ ضُمَّتْ إلَيْهِ“ . وقالَ البَيْضاوِيُّ: ”قِيلَ: إنَّ بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِن بَعَثَ وراءِ الإثارَةِ كَبَسْمَلَ“ اهـ. ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ السُّهَيْلِيِّ. وأنَّ بَعْثَرَ مَنحُوتٌ مِن بَعْثٍ وإثارَةٍ مِثْلَ بَسْمَلَ، وحَوْقَلَ، فَيَكُونُ في بَعْثَرَ مَعْنى فِعْلَيْنِ بَعَثَ وأثارَ، أيْ: أخْرَجَ وقَلَبَ، فَكَأنَّهُ قَلْبٌ لِأجْلِ إخْراجِ ما في المَقْلُوبِ.
والَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أيِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى بَعْثَرَ: قَلَبَ بَعْضَ شَيْءٍ عَلى بَعْضِهِ.
وبُعْثِرَتِ القُبُورُ: حالَةٌ مِن حالاتِ الِانْقِلابِ الأرْضِيِّ والخَسْفِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ حالاتِ الأرْضِ لِما فِيها مِنَ الهَوْلِ بِاسْتِحْضارِ حالَةِ الأرْضِ وقَدْ ألْقَتْ عَلى ظاهِرِها ما كانَ في باطِنِ المَقابِرِ مِن جُثَثٍ كامِلَةٍ ورُفاتٍ، فَإنْ كانَ البَعْثُ عَنْ عَدَمٍ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ أوْ عَنْ تَفْرِيقٍ كَما رَآهُ بَعْضٌ آخَرُ، فَإنَّ بَعْثَ الأجْسادِ الكامِلَةِ يَجُوزُ أنْ يُخْتَصَّ بِالبَعْثِ عَنْ تَفْرِيقٍ ويُخْتَصَّ بَعْثُ الأجْسادِ البالِيَةِ والرِّمَمِ بِالكَوْنِ عَنْ عَدَمٍ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابٌ لِما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ويَتَنازَعُ التَّعَلُّقُ بِهِ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن كَلِماتِ إذا الأرْبَعِ. وهَذا العِلْمُ كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلى ما قَدَّمَتِ النُّفُوسُ وأخَّرَتْ.
وعِلْمُ النُّفُوسِ بِما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمَلُ الشَّرْطِ بِـ (إذا) إذْ لا يَلْزَمُ في رَبْطِ المَشْرُوطِ بِشَرْطِهِ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مُقارِنًا لِحُصُولِ شَرْطِهِ؛ لِأنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أسْبابٌ وأماراتٌ ولَيْسَتْ عِلَلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وصِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ: انْفَطَرَتْ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُسْتَقْبَلِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ في الماضِي.
وإثْباتُ العِلْمِ لِلنّاسِ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الشُّرُوطِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ
صفحة ١٧٣
بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الَّذِي كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و(نَفْسٌ) مُرادٌ بِهِ العُمُومُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و﴿ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾: هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمَتْهُ النَّفْسُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُقَدَّمًا وهو ما عَمِلَتْهُ في أوَّلِ العُمُرِ، والعَمَلُ الَّذِي أخَّرَتْهُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُؤَخَّرًا أيْ: في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، أوِ المُرادُ بِالتَّقْدِيمِ بِالمُبادَرَةِ بِالعَمَلِ، والمُرادُ بِالتَّأْخِيرِ مُقابِلُهُ وهو تَرْكُ العَمَلِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ تَعْمِيمُ التَّوْفِيقِ عَلى جَمِيعِ ما عَمِلَتْهُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] في سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] .
والعِلْمُ يَتَحَقَّقُ بِإدْراكِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ وبِتَذَكُّرِ ما نُسِيَ لِطُولِ المُدَّةِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ. وهَذا وعِيدٌ بِالحِسابِ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ بِالسُّورَةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] ووَعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ومُخْتَلَطٌ لِمَن عَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا.
الانفطار 82:2
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ .
الِافْتِتاحُ بِـ إذا افْتِتاحٌ مُشَوِّقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَها مِن مُتَعَلِّقِها الَّذِي هو جَوابُ ما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، سِوى أنَّ الجُمَلَ المُتَعاطِفَةَ المُضافَ إلَيْها هي هُنا أقَلُّ مِنَ اللّاتِي في سُورَةِ التَّكْوِيرِ؛ لِأنَّ المَقامَ لَمْ يَقْتَضِ تَطْوِيلَ الإطْنابِ كَما اقْتَضاهُ المَقامُ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وإنْ كانَ في كِلْتَيْهِما مُقْتَضٍ لِلْإطْنابِ لَكِنَّهُ مُتَفاوِتٌ؛ لِأنَّ سُورَةَ التَّكْوِيرِ مِن أوَّلِ السُّوَرِ نُزُولًا كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
وأمّا سُورَةُ الِانْفِطارِ فَبَيْنَها وبَيْنَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ أرْبَعٌ وسَبْعُونَ سُورَةً تَكَرَّرَ في بَعْضِها إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ والإنْذارِ وتَقَرَّرَ عِنْدَ المُخاطَبِينَ فَأغْنى تَطْوِيلُ الإطْنابِ والتَّهْوِيلِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ.
والمُعْرِبُونَ يَقُولُونَ: خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، وهي عِبارَةٌ حَسَنَةٌ جامِعَةٌ.
والقَوْلُ في الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها إذا مِن كَوْنِها جُمَلًا مُفْتَتَحَةً بِمُسْنِدٍ إلَيْهِ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِمَسْنَدٍ فِعْلِيٍّ دُونَ أنْ يُؤْتى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ودُونَ تَقْدِيرِ أفْعالٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ الأسْماءِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ وتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
صفحة ١٧١
وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (إذا) بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ كالقَوْلِ في جُمَلِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] .
وانْفَطَرَتْ: مُطاوِعُ فَطَرَ، إذا جُعِلَ الشَّيْءُ مَفْطُورًا، أيْ: مَشْقُوقًا ذا فُطُورٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ المُلْكِ.
وهَذا الِانْفِطارُ: انْفِراجٌ يَقَعُ فِيما يُسَمّى بِالسَّماءِ، وهو ما يُشْبِهُ القُبَّةَ في نَظَرِ الرّائِي يَراهُ تَسِيرُ فِيهِ الكَواكِبُ في أُسْماتٍ مَضْبُوطَةٍ تُسَمّى بِالأفْلاكِ تُشاهَدُ بِاللَّيْلِ، ويُعْرَفُ سَمْتُها في النَّهارِ، ومُشاهَدَتُها في صُورَةٍ مُتَماثِلَةٍ مَعَ تَعاقُبِ القُرُونِ تَدُلُّ عَلى تَجانُسِ ما هي مُصَوَّرَةٌ مِنهُ فَإذا اخْتَلَّ ذَلِكَ وتَخَلَّلَتْهُ أجْسامٌ أوْ عَناصِرُ غَرِيبَةٌ مِن أصْلِ نِظامِهِ تَفَكَّكَتْ تِلْكَ الطِّباقُ ولاحَ فِيها تَشَقُّقٌ، فَكانَ عَلامَةً عَلى انْحِلالِ النِّظامِ المُتَعَلِّقِ بِها كُلِّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِانْفِطارَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِانْشِقاقِ أيْضًا في سُورَةِ الِانْشِقاقِ وهو حَدَثٌ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وأنَّهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ إفْسادِ النِّظامِ الَّذِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَكاتِ الكَواكِبِ وحَرَكَةَ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِيهِ قَرْنُهُ بِانْتِثارِ الكَواكِبِ وتَفَجُّرِ البِحارِ وتَبَعْثُرِ القُبُورِ.
وأمّا الكَشْطُ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] فَذَلِكَ عَرَضٌ آخَرُ يَعْرِضُ لِلسَّماواتِ يَوْمَ الحَشْرِ فَهو مِن قَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] .
والِانْتِثارُ: مُطاوِعُ النَّثْرِ ضِدَّ الجَمْعِ وضِدَّ الضَّمِّ، فالنَّثْرُ هو رَمْيُ أشْياءَ عَلى الأرْضِ بِتَفَرُّقٍ.
وأمّا التَّفَرُّقُ في الهَواءِ فَإطْلاقُ النَّثْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . فانْتِثارُ الكَواكِبِ مُسْتَعارٌ لِتَفَرُّقِ هَيْئاتِ اجْتِماعِها المَعْرُوفَةِ في مَواقِعِها، أوْ مُسْتَعارٌ لِخُرُوجِها مِن دَوائِرِ أفْلاكِها وسُمُوتِها فَتَبْدُو مُضْطَرِبَةً في الفَضاءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ تَلُوحُ كَأنَّها قارَّةٌ، فانْتِثارُها تَبَدُّدُها وتَفَرُّقُ مُجْتَمَعِها، وذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلالِ قُوَّةِ الجاذِبِيَّةِ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ العالَمِ الشَّمْسِيُّ.
وتَفْجِيرُ البِحارِ انْطِلاقُ مائِها مِن مُسْتَواهُ وفَيَضانُهُ عَلى ما حَوْلَها مِنَ الأرْضِينَ
صفحة ١٧٢
كَما يَتَفَجَّرُ ماءُ العَيْنِ حِينَ حَفْرِها لِفَسادِ كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي هي ضاغِطَةٌ عَلى مِياهِ البِحارِ وبِذَلِكَ التَّفْجِيرِ يَعُمُّ الماءُ عَلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ ما عَلَيْها ويَخْتَلُّ سَطْحُها.
ومَعْنى بُعْثِرَتِ: انْقَلَبَ باطِنُها ظاهِرَها، والبَعْثَرَةُ: الِانْقِلابُ، ويُقالُ: بَعْثَرَ المَتاعَ إذا قَلَبَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ في الكَشّافِ: ”بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِنَ البَعْثِ مِن راءٍ ضُمَّتْ إلَيْهِ“ . وقالَ البَيْضاوِيُّ: ”قِيلَ: إنَّ بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِن بَعَثَ وراءِ الإثارَةِ كَبَسْمَلَ“ اهـ. ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ السُّهَيْلِيِّ. وأنَّ بَعْثَرَ مَنحُوتٌ مِن بَعْثٍ وإثارَةٍ مِثْلَ بَسْمَلَ، وحَوْقَلَ، فَيَكُونُ في بَعْثَرَ مَعْنى فِعْلَيْنِ بَعَثَ وأثارَ، أيْ: أخْرَجَ وقَلَبَ، فَكَأنَّهُ قَلْبٌ لِأجْلِ إخْراجِ ما في المَقْلُوبِ.
والَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أيِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى بَعْثَرَ: قَلَبَ بَعْضَ شَيْءٍ عَلى بَعْضِهِ.
وبُعْثِرَتِ القُبُورُ: حالَةٌ مِن حالاتِ الِانْقِلابِ الأرْضِيِّ والخَسْفِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ حالاتِ الأرْضِ لِما فِيها مِنَ الهَوْلِ بِاسْتِحْضارِ حالَةِ الأرْضِ وقَدْ ألْقَتْ عَلى ظاهِرِها ما كانَ في باطِنِ المَقابِرِ مِن جُثَثٍ كامِلَةٍ ورُفاتٍ، فَإنْ كانَ البَعْثُ عَنْ عَدَمٍ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ أوْ عَنْ تَفْرِيقٍ كَما رَآهُ بَعْضٌ آخَرُ، فَإنَّ بَعْثَ الأجْسادِ الكامِلَةِ يَجُوزُ أنْ يُخْتَصَّ بِالبَعْثِ عَنْ تَفْرِيقٍ ويُخْتَصَّ بَعْثُ الأجْسادِ البالِيَةِ والرِّمَمِ بِالكَوْنِ عَنْ عَدَمٍ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابٌ لِما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ويَتَنازَعُ التَّعَلُّقُ بِهِ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن كَلِماتِ إذا الأرْبَعِ. وهَذا العِلْمُ كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلى ما قَدَّمَتِ النُّفُوسُ وأخَّرَتْ.
وعِلْمُ النُّفُوسِ بِما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمَلُ الشَّرْطِ بِـ (إذا) إذْ لا يَلْزَمُ في رَبْطِ المَشْرُوطِ بِشَرْطِهِ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مُقارِنًا لِحُصُولِ شَرْطِهِ؛ لِأنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أسْبابٌ وأماراتٌ ولَيْسَتْ عِلَلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وصِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ: انْفَطَرَتْ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُسْتَقْبَلِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ في الماضِي.
وإثْباتُ العِلْمِ لِلنّاسِ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الشُّرُوطِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ
صفحة ١٧٣
بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الَّذِي كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و(نَفْسٌ) مُرادٌ بِهِ العُمُومُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و﴿ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾: هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمَتْهُ النَّفْسُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُقَدَّمًا وهو ما عَمِلَتْهُ في أوَّلِ العُمُرِ، والعَمَلُ الَّذِي أخَّرَتْهُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُؤَخَّرًا أيْ: في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، أوِ المُرادُ بِالتَّقْدِيمِ بِالمُبادَرَةِ بِالعَمَلِ، والمُرادُ بِالتَّأْخِيرِ مُقابِلُهُ وهو تَرْكُ العَمَلِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ تَعْمِيمُ التَّوْفِيقِ عَلى جَمِيعِ ما عَمِلَتْهُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] في سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] .
والعِلْمُ يَتَحَقَّقُ بِإدْراكِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ وبِتَذَكُّرِ ما نُسِيَ لِطُولِ المُدَّةِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ. وهَذا وعِيدٌ بِالحِسابِ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ بِالسُّورَةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] ووَعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ومُخْتَلَطٌ لِمَن عَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا.
الانفطار 82:3
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ .
الِافْتِتاحُ بِـ إذا افْتِتاحٌ مُشَوِّقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَها مِن مُتَعَلِّقِها الَّذِي هو جَوابُ ما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، سِوى أنَّ الجُمَلَ المُتَعاطِفَةَ المُضافَ إلَيْها هي هُنا أقَلُّ مِنَ اللّاتِي في سُورَةِ التَّكْوِيرِ؛ لِأنَّ المَقامَ لَمْ يَقْتَضِ تَطْوِيلَ الإطْنابِ كَما اقْتَضاهُ المَقامُ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وإنْ كانَ في كِلْتَيْهِما مُقْتَضٍ لِلْإطْنابِ لَكِنَّهُ مُتَفاوِتٌ؛ لِأنَّ سُورَةَ التَّكْوِيرِ مِن أوَّلِ السُّوَرِ نُزُولًا كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
وأمّا سُورَةُ الِانْفِطارِ فَبَيْنَها وبَيْنَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ أرْبَعٌ وسَبْعُونَ سُورَةً تَكَرَّرَ في بَعْضِها إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ والإنْذارِ وتَقَرَّرَ عِنْدَ المُخاطَبِينَ فَأغْنى تَطْوِيلُ الإطْنابِ والتَّهْوِيلِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ.
والمُعْرِبُونَ يَقُولُونَ: خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، وهي عِبارَةٌ حَسَنَةٌ جامِعَةٌ.
والقَوْلُ في الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها إذا مِن كَوْنِها جُمَلًا مُفْتَتَحَةً بِمُسْنِدٍ إلَيْهِ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِمَسْنَدٍ فِعْلِيٍّ دُونَ أنْ يُؤْتى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ودُونَ تَقْدِيرِ أفْعالٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ الأسْماءِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ وتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
صفحة ١٧١
وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (إذا) بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ كالقَوْلِ في جُمَلِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] .
وانْفَطَرَتْ: مُطاوِعُ فَطَرَ، إذا جُعِلَ الشَّيْءُ مَفْطُورًا، أيْ: مَشْقُوقًا ذا فُطُورٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ المُلْكِ.
وهَذا الِانْفِطارُ: انْفِراجٌ يَقَعُ فِيما يُسَمّى بِالسَّماءِ، وهو ما يُشْبِهُ القُبَّةَ في نَظَرِ الرّائِي يَراهُ تَسِيرُ فِيهِ الكَواكِبُ في أُسْماتٍ مَضْبُوطَةٍ تُسَمّى بِالأفْلاكِ تُشاهَدُ بِاللَّيْلِ، ويُعْرَفُ سَمْتُها في النَّهارِ، ومُشاهَدَتُها في صُورَةٍ مُتَماثِلَةٍ مَعَ تَعاقُبِ القُرُونِ تَدُلُّ عَلى تَجانُسِ ما هي مُصَوَّرَةٌ مِنهُ فَإذا اخْتَلَّ ذَلِكَ وتَخَلَّلَتْهُ أجْسامٌ أوْ عَناصِرُ غَرِيبَةٌ مِن أصْلِ نِظامِهِ تَفَكَّكَتْ تِلْكَ الطِّباقُ ولاحَ فِيها تَشَقُّقٌ، فَكانَ عَلامَةً عَلى انْحِلالِ النِّظامِ المُتَعَلِّقِ بِها كُلِّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِانْفِطارَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِانْشِقاقِ أيْضًا في سُورَةِ الِانْشِقاقِ وهو حَدَثٌ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وأنَّهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ إفْسادِ النِّظامِ الَّذِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَكاتِ الكَواكِبِ وحَرَكَةَ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِيهِ قَرْنُهُ بِانْتِثارِ الكَواكِبِ وتَفَجُّرِ البِحارِ وتَبَعْثُرِ القُبُورِ.
وأمّا الكَشْطُ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] فَذَلِكَ عَرَضٌ آخَرُ يَعْرِضُ لِلسَّماواتِ يَوْمَ الحَشْرِ فَهو مِن قَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] .
والِانْتِثارُ: مُطاوِعُ النَّثْرِ ضِدَّ الجَمْعِ وضِدَّ الضَّمِّ، فالنَّثْرُ هو رَمْيُ أشْياءَ عَلى الأرْضِ بِتَفَرُّقٍ.
وأمّا التَّفَرُّقُ في الهَواءِ فَإطْلاقُ النَّثْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . فانْتِثارُ الكَواكِبِ مُسْتَعارٌ لِتَفَرُّقِ هَيْئاتِ اجْتِماعِها المَعْرُوفَةِ في مَواقِعِها، أوْ مُسْتَعارٌ لِخُرُوجِها مِن دَوائِرِ أفْلاكِها وسُمُوتِها فَتَبْدُو مُضْطَرِبَةً في الفَضاءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ تَلُوحُ كَأنَّها قارَّةٌ، فانْتِثارُها تَبَدُّدُها وتَفَرُّقُ مُجْتَمَعِها، وذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلالِ قُوَّةِ الجاذِبِيَّةِ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ العالَمِ الشَّمْسِيُّ.
وتَفْجِيرُ البِحارِ انْطِلاقُ مائِها مِن مُسْتَواهُ وفَيَضانُهُ عَلى ما حَوْلَها مِنَ الأرْضِينَ
صفحة ١٧٢
كَما يَتَفَجَّرُ ماءُ العَيْنِ حِينَ حَفْرِها لِفَسادِ كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي هي ضاغِطَةٌ عَلى مِياهِ البِحارِ وبِذَلِكَ التَّفْجِيرِ يَعُمُّ الماءُ عَلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ ما عَلَيْها ويَخْتَلُّ سَطْحُها.
ومَعْنى بُعْثِرَتِ: انْقَلَبَ باطِنُها ظاهِرَها، والبَعْثَرَةُ: الِانْقِلابُ، ويُقالُ: بَعْثَرَ المَتاعَ إذا قَلَبَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ في الكَشّافِ: ”بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِنَ البَعْثِ مِن راءٍ ضُمَّتْ إلَيْهِ“ . وقالَ البَيْضاوِيُّ: ”قِيلَ: إنَّ بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِن بَعَثَ وراءِ الإثارَةِ كَبَسْمَلَ“ اهـ. ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ السُّهَيْلِيِّ. وأنَّ بَعْثَرَ مَنحُوتٌ مِن بَعْثٍ وإثارَةٍ مِثْلَ بَسْمَلَ، وحَوْقَلَ، فَيَكُونُ في بَعْثَرَ مَعْنى فِعْلَيْنِ بَعَثَ وأثارَ، أيْ: أخْرَجَ وقَلَبَ، فَكَأنَّهُ قَلْبٌ لِأجْلِ إخْراجِ ما في المَقْلُوبِ.
والَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أيِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى بَعْثَرَ: قَلَبَ بَعْضَ شَيْءٍ عَلى بَعْضِهِ.
وبُعْثِرَتِ القُبُورُ: حالَةٌ مِن حالاتِ الِانْقِلابِ الأرْضِيِّ والخَسْفِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ حالاتِ الأرْضِ لِما فِيها مِنَ الهَوْلِ بِاسْتِحْضارِ حالَةِ الأرْضِ وقَدْ ألْقَتْ عَلى ظاهِرِها ما كانَ في باطِنِ المَقابِرِ مِن جُثَثٍ كامِلَةٍ ورُفاتٍ، فَإنْ كانَ البَعْثُ عَنْ عَدَمٍ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ أوْ عَنْ تَفْرِيقٍ كَما رَآهُ بَعْضٌ آخَرُ، فَإنَّ بَعْثَ الأجْسادِ الكامِلَةِ يَجُوزُ أنْ يُخْتَصَّ بِالبَعْثِ عَنْ تَفْرِيقٍ ويُخْتَصَّ بَعْثُ الأجْسادِ البالِيَةِ والرِّمَمِ بِالكَوْنِ عَنْ عَدَمٍ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابٌ لِما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ويَتَنازَعُ التَّعَلُّقُ بِهِ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن كَلِماتِ إذا الأرْبَعِ. وهَذا العِلْمُ كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلى ما قَدَّمَتِ النُّفُوسُ وأخَّرَتْ.
وعِلْمُ النُّفُوسِ بِما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمَلُ الشَّرْطِ بِـ (إذا) إذْ لا يَلْزَمُ في رَبْطِ المَشْرُوطِ بِشَرْطِهِ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مُقارِنًا لِحُصُولِ شَرْطِهِ؛ لِأنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أسْبابٌ وأماراتٌ ولَيْسَتْ عِلَلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وصِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ: انْفَطَرَتْ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُسْتَقْبَلِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ في الماضِي.
وإثْباتُ العِلْمِ لِلنّاسِ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الشُّرُوطِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ
صفحة ١٧٣
بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الَّذِي كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و(نَفْسٌ) مُرادٌ بِهِ العُمُومُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و﴿ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾: هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمَتْهُ النَّفْسُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُقَدَّمًا وهو ما عَمِلَتْهُ في أوَّلِ العُمُرِ، والعَمَلُ الَّذِي أخَّرَتْهُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُؤَخَّرًا أيْ: في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، أوِ المُرادُ بِالتَّقْدِيمِ بِالمُبادَرَةِ بِالعَمَلِ، والمُرادُ بِالتَّأْخِيرِ مُقابِلُهُ وهو تَرْكُ العَمَلِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ تَعْمِيمُ التَّوْفِيقِ عَلى جَمِيعِ ما عَمِلَتْهُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] في سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] .
والعِلْمُ يَتَحَقَّقُ بِإدْراكِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ وبِتَذَكُّرِ ما نُسِيَ لِطُولِ المُدَّةِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ. وهَذا وعِيدٌ بِالحِسابِ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ بِالسُّورَةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] ووَعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ومُخْتَلَطٌ لِمَن عَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا.
الانفطار 82:4
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ .
الِافْتِتاحُ بِـ إذا افْتِتاحٌ مُشَوِّقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَها مِن مُتَعَلِّقِها الَّذِي هو جَوابُ ما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، سِوى أنَّ الجُمَلَ المُتَعاطِفَةَ المُضافَ إلَيْها هي هُنا أقَلُّ مِنَ اللّاتِي في سُورَةِ التَّكْوِيرِ؛ لِأنَّ المَقامَ لَمْ يَقْتَضِ تَطْوِيلَ الإطْنابِ كَما اقْتَضاهُ المَقامُ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وإنْ كانَ في كِلْتَيْهِما مُقْتَضٍ لِلْإطْنابِ لَكِنَّهُ مُتَفاوِتٌ؛ لِأنَّ سُورَةَ التَّكْوِيرِ مِن أوَّلِ السُّوَرِ نُزُولًا كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
وأمّا سُورَةُ الِانْفِطارِ فَبَيْنَها وبَيْنَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ أرْبَعٌ وسَبْعُونَ سُورَةً تَكَرَّرَ في بَعْضِها إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ والإنْذارِ وتَقَرَّرَ عِنْدَ المُخاطَبِينَ فَأغْنى تَطْوِيلُ الإطْنابِ والتَّهْوِيلِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ.
والمُعْرِبُونَ يَقُولُونَ: خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، وهي عِبارَةٌ حَسَنَةٌ جامِعَةٌ.
والقَوْلُ في الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها إذا مِن كَوْنِها جُمَلًا مُفْتَتَحَةً بِمُسْنِدٍ إلَيْهِ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِمَسْنَدٍ فِعْلِيٍّ دُونَ أنْ يُؤْتى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ودُونَ تَقْدِيرِ أفْعالٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ الأسْماءِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ وتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
صفحة ١٧١
وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (إذا) بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ كالقَوْلِ في جُمَلِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] .
وانْفَطَرَتْ: مُطاوِعُ فَطَرَ، إذا جُعِلَ الشَّيْءُ مَفْطُورًا، أيْ: مَشْقُوقًا ذا فُطُورٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ المُلْكِ.
وهَذا الِانْفِطارُ: انْفِراجٌ يَقَعُ فِيما يُسَمّى بِالسَّماءِ، وهو ما يُشْبِهُ القُبَّةَ في نَظَرِ الرّائِي يَراهُ تَسِيرُ فِيهِ الكَواكِبُ في أُسْماتٍ مَضْبُوطَةٍ تُسَمّى بِالأفْلاكِ تُشاهَدُ بِاللَّيْلِ، ويُعْرَفُ سَمْتُها في النَّهارِ، ومُشاهَدَتُها في صُورَةٍ مُتَماثِلَةٍ مَعَ تَعاقُبِ القُرُونِ تَدُلُّ عَلى تَجانُسِ ما هي مُصَوَّرَةٌ مِنهُ فَإذا اخْتَلَّ ذَلِكَ وتَخَلَّلَتْهُ أجْسامٌ أوْ عَناصِرُ غَرِيبَةٌ مِن أصْلِ نِظامِهِ تَفَكَّكَتْ تِلْكَ الطِّباقُ ولاحَ فِيها تَشَقُّقٌ، فَكانَ عَلامَةً عَلى انْحِلالِ النِّظامِ المُتَعَلِّقِ بِها كُلِّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِانْفِطارَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِانْشِقاقِ أيْضًا في سُورَةِ الِانْشِقاقِ وهو حَدَثٌ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وأنَّهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ إفْسادِ النِّظامِ الَّذِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَكاتِ الكَواكِبِ وحَرَكَةَ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِيهِ قَرْنُهُ بِانْتِثارِ الكَواكِبِ وتَفَجُّرِ البِحارِ وتَبَعْثُرِ القُبُورِ.
وأمّا الكَشْطُ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] فَذَلِكَ عَرَضٌ آخَرُ يَعْرِضُ لِلسَّماواتِ يَوْمَ الحَشْرِ فَهو مِن قَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] .
والِانْتِثارُ: مُطاوِعُ النَّثْرِ ضِدَّ الجَمْعِ وضِدَّ الضَّمِّ، فالنَّثْرُ هو رَمْيُ أشْياءَ عَلى الأرْضِ بِتَفَرُّقٍ.
وأمّا التَّفَرُّقُ في الهَواءِ فَإطْلاقُ النَّثْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . فانْتِثارُ الكَواكِبِ مُسْتَعارٌ لِتَفَرُّقِ هَيْئاتِ اجْتِماعِها المَعْرُوفَةِ في مَواقِعِها، أوْ مُسْتَعارٌ لِخُرُوجِها مِن دَوائِرِ أفْلاكِها وسُمُوتِها فَتَبْدُو مُضْطَرِبَةً في الفَضاءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ تَلُوحُ كَأنَّها قارَّةٌ، فانْتِثارُها تَبَدُّدُها وتَفَرُّقُ مُجْتَمَعِها، وذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلالِ قُوَّةِ الجاذِبِيَّةِ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ العالَمِ الشَّمْسِيُّ.
وتَفْجِيرُ البِحارِ انْطِلاقُ مائِها مِن مُسْتَواهُ وفَيَضانُهُ عَلى ما حَوْلَها مِنَ الأرْضِينَ
صفحة ١٧٢
كَما يَتَفَجَّرُ ماءُ العَيْنِ حِينَ حَفْرِها لِفَسادِ كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي هي ضاغِطَةٌ عَلى مِياهِ البِحارِ وبِذَلِكَ التَّفْجِيرِ يَعُمُّ الماءُ عَلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ ما عَلَيْها ويَخْتَلُّ سَطْحُها.
ومَعْنى بُعْثِرَتِ: انْقَلَبَ باطِنُها ظاهِرَها، والبَعْثَرَةُ: الِانْقِلابُ، ويُقالُ: بَعْثَرَ المَتاعَ إذا قَلَبَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ في الكَشّافِ: ”بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِنَ البَعْثِ مِن راءٍ ضُمَّتْ إلَيْهِ“ . وقالَ البَيْضاوِيُّ: ”قِيلَ: إنَّ بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِن بَعَثَ وراءِ الإثارَةِ كَبَسْمَلَ“ اهـ. ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ السُّهَيْلِيِّ. وأنَّ بَعْثَرَ مَنحُوتٌ مِن بَعْثٍ وإثارَةٍ مِثْلَ بَسْمَلَ، وحَوْقَلَ، فَيَكُونُ في بَعْثَرَ مَعْنى فِعْلَيْنِ بَعَثَ وأثارَ، أيْ: أخْرَجَ وقَلَبَ، فَكَأنَّهُ قَلْبٌ لِأجْلِ إخْراجِ ما في المَقْلُوبِ.
والَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أيِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى بَعْثَرَ: قَلَبَ بَعْضَ شَيْءٍ عَلى بَعْضِهِ.
وبُعْثِرَتِ القُبُورُ: حالَةٌ مِن حالاتِ الِانْقِلابِ الأرْضِيِّ والخَسْفِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ حالاتِ الأرْضِ لِما فِيها مِنَ الهَوْلِ بِاسْتِحْضارِ حالَةِ الأرْضِ وقَدْ ألْقَتْ عَلى ظاهِرِها ما كانَ في باطِنِ المَقابِرِ مِن جُثَثٍ كامِلَةٍ ورُفاتٍ، فَإنْ كانَ البَعْثُ عَنْ عَدَمٍ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ أوْ عَنْ تَفْرِيقٍ كَما رَآهُ بَعْضٌ آخَرُ، فَإنَّ بَعْثَ الأجْسادِ الكامِلَةِ يَجُوزُ أنْ يُخْتَصَّ بِالبَعْثِ عَنْ تَفْرِيقٍ ويُخْتَصَّ بَعْثُ الأجْسادِ البالِيَةِ والرِّمَمِ بِالكَوْنِ عَنْ عَدَمٍ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابٌ لِما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ويَتَنازَعُ التَّعَلُّقُ بِهِ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن كَلِماتِ إذا الأرْبَعِ. وهَذا العِلْمُ كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلى ما قَدَّمَتِ النُّفُوسُ وأخَّرَتْ.
وعِلْمُ النُّفُوسِ بِما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمَلُ الشَّرْطِ بِـ (إذا) إذْ لا يَلْزَمُ في رَبْطِ المَشْرُوطِ بِشَرْطِهِ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مُقارِنًا لِحُصُولِ شَرْطِهِ؛ لِأنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أسْبابٌ وأماراتٌ ولَيْسَتْ عِلَلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وصِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ: انْفَطَرَتْ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُسْتَقْبَلِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ في الماضِي.
وإثْباتُ العِلْمِ لِلنّاسِ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الشُّرُوطِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ
صفحة ١٧٣
بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الَّذِي كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و(نَفْسٌ) مُرادٌ بِهِ العُمُومُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و﴿ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾: هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمَتْهُ النَّفْسُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُقَدَّمًا وهو ما عَمِلَتْهُ في أوَّلِ العُمُرِ، والعَمَلُ الَّذِي أخَّرَتْهُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُؤَخَّرًا أيْ: في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، أوِ المُرادُ بِالتَّقْدِيمِ بِالمُبادَرَةِ بِالعَمَلِ، والمُرادُ بِالتَّأْخِيرِ مُقابِلُهُ وهو تَرْكُ العَمَلِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ تَعْمِيمُ التَّوْفِيقِ عَلى جَمِيعِ ما عَمِلَتْهُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] في سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] .
والعِلْمُ يَتَحَقَّقُ بِإدْراكِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ وبِتَذَكُّرِ ما نُسِيَ لِطُولِ المُدَّةِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ. وهَذا وعِيدٌ بِالحِسابِ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ بِالسُّورَةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] ووَعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ومُخْتَلَطٌ لِمَن عَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا.
الانفطار 82:5
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ .
الِافْتِتاحُ بِـ إذا افْتِتاحٌ مُشَوِّقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَها مِن مُتَعَلِّقِها الَّذِي هو جَوابُ ما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، سِوى أنَّ الجُمَلَ المُتَعاطِفَةَ المُضافَ إلَيْها هي هُنا أقَلُّ مِنَ اللّاتِي في سُورَةِ التَّكْوِيرِ؛ لِأنَّ المَقامَ لَمْ يَقْتَضِ تَطْوِيلَ الإطْنابِ كَما اقْتَضاهُ المَقامُ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وإنْ كانَ في كِلْتَيْهِما مُقْتَضٍ لِلْإطْنابِ لَكِنَّهُ مُتَفاوِتٌ؛ لِأنَّ سُورَةَ التَّكْوِيرِ مِن أوَّلِ السُّوَرِ نُزُولًا كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
وأمّا سُورَةُ الِانْفِطارِ فَبَيْنَها وبَيْنَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ أرْبَعٌ وسَبْعُونَ سُورَةً تَكَرَّرَ في بَعْضِها إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ والإنْذارِ وتَقَرَّرَ عِنْدَ المُخاطَبِينَ فَأغْنى تَطْوِيلُ الإطْنابِ والتَّهْوِيلِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ.
والمُعْرِبُونَ يَقُولُونَ: خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، وهي عِبارَةٌ حَسَنَةٌ جامِعَةٌ.
والقَوْلُ في الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها إذا مِن كَوْنِها جُمَلًا مُفْتَتَحَةً بِمُسْنِدٍ إلَيْهِ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِمَسْنَدٍ فِعْلِيٍّ دُونَ أنْ يُؤْتى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ودُونَ تَقْدِيرِ أفْعالٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ الأسْماءِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ وتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
صفحة ١٧١
وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (إذا) بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ كالقَوْلِ في جُمَلِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] .
وانْفَطَرَتْ: مُطاوِعُ فَطَرَ، إذا جُعِلَ الشَّيْءُ مَفْطُورًا، أيْ: مَشْقُوقًا ذا فُطُورٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ المُلْكِ.
وهَذا الِانْفِطارُ: انْفِراجٌ يَقَعُ فِيما يُسَمّى بِالسَّماءِ، وهو ما يُشْبِهُ القُبَّةَ في نَظَرِ الرّائِي يَراهُ تَسِيرُ فِيهِ الكَواكِبُ في أُسْماتٍ مَضْبُوطَةٍ تُسَمّى بِالأفْلاكِ تُشاهَدُ بِاللَّيْلِ، ويُعْرَفُ سَمْتُها في النَّهارِ، ومُشاهَدَتُها في صُورَةٍ مُتَماثِلَةٍ مَعَ تَعاقُبِ القُرُونِ تَدُلُّ عَلى تَجانُسِ ما هي مُصَوَّرَةٌ مِنهُ فَإذا اخْتَلَّ ذَلِكَ وتَخَلَّلَتْهُ أجْسامٌ أوْ عَناصِرُ غَرِيبَةٌ مِن أصْلِ نِظامِهِ تَفَكَّكَتْ تِلْكَ الطِّباقُ ولاحَ فِيها تَشَقُّقٌ، فَكانَ عَلامَةً عَلى انْحِلالِ النِّظامِ المُتَعَلِّقِ بِها كُلِّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِانْفِطارَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِانْشِقاقِ أيْضًا في سُورَةِ الِانْشِقاقِ وهو حَدَثٌ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وأنَّهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ إفْسادِ النِّظامِ الَّذِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَكاتِ الكَواكِبِ وحَرَكَةَ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِيهِ قَرْنُهُ بِانْتِثارِ الكَواكِبِ وتَفَجُّرِ البِحارِ وتَبَعْثُرِ القُبُورِ.
وأمّا الكَشْطُ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] فَذَلِكَ عَرَضٌ آخَرُ يَعْرِضُ لِلسَّماواتِ يَوْمَ الحَشْرِ فَهو مِن قَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] .
والِانْتِثارُ: مُطاوِعُ النَّثْرِ ضِدَّ الجَمْعِ وضِدَّ الضَّمِّ، فالنَّثْرُ هو رَمْيُ أشْياءَ عَلى الأرْضِ بِتَفَرُّقٍ.
وأمّا التَّفَرُّقُ في الهَواءِ فَإطْلاقُ النَّثْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . فانْتِثارُ الكَواكِبِ مُسْتَعارٌ لِتَفَرُّقِ هَيْئاتِ اجْتِماعِها المَعْرُوفَةِ في مَواقِعِها، أوْ مُسْتَعارٌ لِخُرُوجِها مِن دَوائِرِ أفْلاكِها وسُمُوتِها فَتَبْدُو مُضْطَرِبَةً في الفَضاءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ تَلُوحُ كَأنَّها قارَّةٌ، فانْتِثارُها تَبَدُّدُها وتَفَرُّقُ مُجْتَمَعِها، وذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلالِ قُوَّةِ الجاذِبِيَّةِ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ العالَمِ الشَّمْسِيُّ.
وتَفْجِيرُ البِحارِ انْطِلاقُ مائِها مِن مُسْتَواهُ وفَيَضانُهُ عَلى ما حَوْلَها مِنَ الأرْضِينَ
صفحة ١٧٢
كَما يَتَفَجَّرُ ماءُ العَيْنِ حِينَ حَفْرِها لِفَسادِ كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي هي ضاغِطَةٌ عَلى مِياهِ البِحارِ وبِذَلِكَ التَّفْجِيرِ يَعُمُّ الماءُ عَلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ ما عَلَيْها ويَخْتَلُّ سَطْحُها.
ومَعْنى بُعْثِرَتِ: انْقَلَبَ باطِنُها ظاهِرَها، والبَعْثَرَةُ: الِانْقِلابُ، ويُقالُ: بَعْثَرَ المَتاعَ إذا قَلَبَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ في الكَشّافِ: ”بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِنَ البَعْثِ مِن راءٍ ضُمَّتْ إلَيْهِ“ . وقالَ البَيْضاوِيُّ: ”قِيلَ: إنَّ بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِن بَعَثَ وراءِ الإثارَةِ كَبَسْمَلَ“ اهـ. ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ السُّهَيْلِيِّ. وأنَّ بَعْثَرَ مَنحُوتٌ مِن بَعْثٍ وإثارَةٍ مِثْلَ بَسْمَلَ، وحَوْقَلَ، فَيَكُونُ في بَعْثَرَ مَعْنى فِعْلَيْنِ بَعَثَ وأثارَ، أيْ: أخْرَجَ وقَلَبَ، فَكَأنَّهُ قَلْبٌ لِأجْلِ إخْراجِ ما في المَقْلُوبِ.
والَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أيِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى بَعْثَرَ: قَلَبَ بَعْضَ شَيْءٍ عَلى بَعْضِهِ.
وبُعْثِرَتِ القُبُورُ: حالَةٌ مِن حالاتِ الِانْقِلابِ الأرْضِيِّ والخَسْفِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ حالاتِ الأرْضِ لِما فِيها مِنَ الهَوْلِ بِاسْتِحْضارِ حالَةِ الأرْضِ وقَدْ ألْقَتْ عَلى ظاهِرِها ما كانَ في باطِنِ المَقابِرِ مِن جُثَثٍ كامِلَةٍ ورُفاتٍ، فَإنْ كانَ البَعْثُ عَنْ عَدَمٍ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ أوْ عَنْ تَفْرِيقٍ كَما رَآهُ بَعْضٌ آخَرُ، فَإنَّ بَعْثَ الأجْسادِ الكامِلَةِ يَجُوزُ أنْ يُخْتَصَّ بِالبَعْثِ عَنْ تَفْرِيقٍ ويُخْتَصَّ بَعْثُ الأجْسادِ البالِيَةِ والرِّمَمِ بِالكَوْنِ عَنْ عَدَمٍ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابٌ لِما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ويَتَنازَعُ التَّعَلُّقُ بِهِ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن كَلِماتِ إذا الأرْبَعِ. وهَذا العِلْمُ كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلى ما قَدَّمَتِ النُّفُوسُ وأخَّرَتْ.
وعِلْمُ النُّفُوسِ بِما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمَلُ الشَّرْطِ بِـ (إذا) إذْ لا يَلْزَمُ في رَبْطِ المَشْرُوطِ بِشَرْطِهِ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مُقارِنًا لِحُصُولِ شَرْطِهِ؛ لِأنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أسْبابٌ وأماراتٌ ولَيْسَتْ عِلَلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وصِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ: انْفَطَرَتْ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُسْتَقْبَلِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ في الماضِي.
وإثْباتُ العِلْمِ لِلنّاسِ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الشُّرُوطِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ
صفحة ١٧٣
بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الَّذِي كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و(نَفْسٌ) مُرادٌ بِهِ العُمُومُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و﴿ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾: هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمَتْهُ النَّفْسُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُقَدَّمًا وهو ما عَمِلَتْهُ في أوَّلِ العُمُرِ، والعَمَلُ الَّذِي أخَّرَتْهُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُؤَخَّرًا أيْ: في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، أوِ المُرادُ بِالتَّقْدِيمِ بِالمُبادَرَةِ بِالعَمَلِ، والمُرادُ بِالتَّأْخِيرِ مُقابِلُهُ وهو تَرْكُ العَمَلِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ تَعْمِيمُ التَّوْفِيقِ عَلى جَمِيعِ ما عَمِلَتْهُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] في سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] .
والعِلْمُ يَتَحَقَّقُ بِإدْراكِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ وبِتَذَكُّرِ ما نُسِيَ لِطُولِ المُدَّةِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ. وهَذا وعِيدٌ بِالحِسابِ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ بِالسُّورَةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] ووَعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ومُخْتَلَطٌ لِمَن عَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا.
الانفطار 82:6
﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَّلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ بِمَنزِلَةِ المُقَدِّمَةِ لَهُ لِتَهْيِئَةِ السّامِعِ لِتَلَقِّي هَذِهِ المَوْعِظَةِ؛ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِنَ التَّهْوِيلِ والإنْذارِ يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ، إذِ المَوْعِظَةُ تَكُونُ أشَدَّ تَغَلْغُلًا في القَلْبِ حِينَئِدٍ لِما يَشْعُرُ بِهِ السّامِعُ مِنِ انْكِسارِ نَفْسِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ، فَيَزُولُ عَنْهُ طُغْيانُ المُكابَرَةِ والعِنادِ فَخَطَرَ في النُّفُوسِ تَرَقُّبُ شَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
والنِّداءُ لِلتَّنْبِيهِ تَنْبِيهًا يُشْعِرُ بِالِاهْتِمامِ بِالكَلامِ والِاسْتِدْعاءِ لِسَماعِهِ فَلَيْسَ النِّداءُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ مُرادًا بِهِ طَلَبُ إقْبالٍ ولا هو مُوَجَّهٌ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أوْ جَماعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مِثْلُهُ يَجْعَلُهُ المُتَكَلِّمُ مُوَجَّهًا لِكُلِّ مَن يَسْمَعُهُ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ.
فالتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ جُمْهُورُ
صفحة ١٧٤
المُفَسِّرِينَ، أيْ: لَيْسَ المُرادُ إنْسانًا مُعَيَّنًا، وقَرِينَةُ ذَلِكَ سِياقُ الكَلامِ مَعَ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ.
وهَذا العُمُومُ مُرادٌ بِهِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ بِدَلالَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] فالمَعْنى: يا أيُّها الإنْسانُ الَّذِي أنْكَرَ البَعْثَ ولا يَكُونُ مُنْكِرُ البَعْثِ إلّا مُشْرِكًا؛ لِأنَّ إنْكارَ البَعْثِ والشِّرْكَ مُتَلازِمانِ يَوْمَئِذٍ فَهو مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ بِالقَرِينَةِ أوْ مِنَ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ جُمْهُورَ المُخاطَبِينَ في إبْداءِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ هُمُ المُشْرِكُونَ.
وما في قَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي غَرَّ المُشْرِكَ فَحَمَلَهُ عَلى الإشْراكِ بِرَبِّهِ وعَلى إنْكارِ البَعْثِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ: الإنْسانُ هُنا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ أبُو الأشَدِّ بْنُ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ، وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ شَرِيقٍ.
والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ، أيْ: لا مُوجِبَ لِلشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ غُرُورًا غَرَّهُ عَنّا كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الشِّرْكِ لا يَخْطُرُ بِبالِ العاقِلِ إلّا أنْ يَغُرَّهُ بِهِ غارُّهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الغُرُورُ مَوْجُودًا ومُحْتَمَلٌ أنْ لا يَكُونَ غُرُورٌ.
والغُرُورُ: الإطْماعُ بِما يَتَوَهَّمُهُ المَغْرُورُ نَفْعًا وهو ضُرٌّ. وفِعْلُهُ قَدْ يُسْنَدُ إلى اسْمِ ذاتِ المُطْمَعِ حَقِيقَةً مِثْلَ ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ أوْ مَجازًا نَحْوَ ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٣٥] فَإنَّ الحَياةَ زَمانُ الغُرُورِ، وقَدْ يُسْنَدُ إلى اسْمِ مَعْنًى مِنَ المَعانِي حَقِيقَةً نَحْوَ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي
أوْ مَجازًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] .
ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَدْ يُذْكَرُ مَعَ مَفْعُولِهِ اسْمُ ما يَتَعَلَّقُ الغُرُورُ بِشُئُونِهِ فَيَعَدّى إلَيْهِ بِالباءِ، ومَعْنى الباءِ فِيهِ المُلابَسَةُ كَما في قَوْلِهِ: ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ
صفحة ١٧٥
أيْ: لا يَغُرَّنَّكم غُرُورًا مُتَلَبِّسًا بِشَأْنِ اللَّهِ، أيْ: مُصاحِبًا لِشُئُونِ اللَّهِ مُصاحِبَةً مَجازِيَّةً ولَيْسَتْ هي باءَ السَّبَبِيَّةِ كَما يُقالُ: غَرَّهُ بِبَذْلِ المالِ، أوْ غَرَّهُ بِالقَوْلِ. وإذا كانَتِ المُلابَسَةُ لا تُتَصَوَّرُ ماهِيَّتُها مَعَ الذَّواتِ، فَقَدْ تَعَيَّنَ في باءِ المُلابَسَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ ذاتٍ أنْ يَكُونَ مَعَها تَقْدِيرُ شَأْنٍ مِن شُئُونِ الذّاتِ يُفْهَمُ مِنَ المَقامِ، فالمَعْنى هُنا: ما غَرَّكَ بِالإشْراكِ بِرَبِّكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ الآيَةَ فَإنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ يَوْمَئِذٍ لا يَكُونُ إلّا مُشْرِكًا.
وإيثارُ تَعْرِيفِ اللَّهِ بِوَصْفِ رَبِّكَ دُونَ ذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ لِما في مَعْنى الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والإنْشاءِ والرِّفْقِ، فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْإنْسانِ بِمُوجِباتِ اسْتِحْقاقِ الرَّبِّ طاعَةَ مَرْبُوبِهِ فَهو تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ.
وكَذَلِكَ إجْراءُ وصْفِ الكَرِيمِ دُونَ غَيْرِهِ مِن صِفاتِ اللَّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَتِهِ عَلى النّاسِ ولُطْفِهِ بِهِمْ، فَإنَّ الكَرِيمَ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ.
والوَصْفُ الثّالِثُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَةُ ﴿فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ﴾ جامِعٌ لِكَثِيرٍ مِمّا يُؤْذِنُ بِهِ الوَصْفانِ الأوَّلانِ، فَإنَّ الخَلْقَ والتَّسْوِيَةَ والتَّعْدِيلَ وتَحْسِينَ الصُّورَةِ مِنَ الرِّفْقِ بِالمَخْلُوقِ، وهي نِعَمٌ عَلَيْهِ وجَمِيعُ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ عَلى كُفْرانِ نِعْمَتِهِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ.
وذُكِرَ عَنْ صالِحِ بْنِ مِسْمارٍ قالَ: ”بَلَغَنا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: غَرَّهُ جَهْلُهُ“ . ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدًا.
وتَعْدادُ الصِّلاتِ وإنْ كانَ بَعْضُها قَدْ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ البَعْضِ، فَإنَّ التَّسْوِيَةَ حالَةٌ مِن حالاتِ الخَلْقِ، وقَدْ يُغْنِي ذِكْرُها عَنْ ذِكْرِ الخَلْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، ولَكِنْ قُصِدَ إظْهارُ مَراتِبِ النِّعْمَةِ. وهَذا مِنَ الإطْنابِ المَقْصُودِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِكُلِّ صِلَةٍ والتَّوْقِيفُ عَلَيْها بِخُصُوصِها، ومِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ مَقامُ التَّوْبِيخِ.
والخَلْقُ: الإيجادُ عَلى مِقْدارٍ مَقْصُودٍ.
والتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سَوِيًّا، أيْ: قَوِيمًا سَلِيمًا، ومِنَ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ قُواهُ ومَنافِعِهِ الذّاتِيَّةِ مُتَعادِلَةً غَيْرَ مُتَفاوِتَةٍ في آثارِ قِيامِها بِوَظائِفِها بِحَيْثُ إذا اخْتَلَّ بَعْضُها
صفحة ١٧٦
تَطَرَّقَ الخَلَلُ إلى البَقِيَّةِ، فَنَشَأ نَقْصٌ في الإدْراكِ أوِ الإحْساسِ، أوْ نَشَأ انْحِرافُ المِزاجِ أوْ ألَمٌ فِيهِ، فالتَّسْوِيَةُ جامِعَةٌ لِهَذا المَعْنى العَظِيمِ.
والتَّعْدِيلُ: التَّناسُبُ بَيْنَ أجْزاءِ البَدَنِ مِثْلَ تَناسُبِ اليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، وصُورَةِ الوَجْهِ، فَلا تَفاوُتَ بَيْنَ مُتَزاوِجِها، ولا بَشاعَةَ في مَجْمُوعِها. وجَعْلِهِ مُسْتَقِيمَ القامَةِ، فَلَوْ كانَتْ إحْدى اليَدَيْنِ في الجَنْبِ والأُخْرى في الظَّهْرِ لاخْتَلَّ عَمَلُهُما، ولَوْ جَعَلَ العَيْنَيْنِ في الخَلْفِ لانْعَدَمَتْ الِاسْتِفادَةُ مِنَ النَّظَرِ حالَ المَشْيِ، وكَذَلِكَ مَوْضِعُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ مِنَ الحَلْقِ والمَعِدَةِ والكَبِدِ والطِّحالِ والكُلْيَتَيْنِ، ومَوْضِعُ الرِّئَتَيْنِ والقَلْبِ ومَوْضِعُ الدِّماغِ والنُّخاعِ.
وخَلَقَ اللَّهُ جَسَدَ الإنْسانِ مُقَسَّمَةً أعْضاؤُهُ وجَوارِحُهُ عَلى جِهَتَيْنِ لا تَفاوُتَ بَيْنَ جِهَةٍ وأُخْرى مِنهُما، وجَعَلَ في كُلِّ جِهَةٍ مِثْلَما في الأُخْرى مِنَ الأوْرِدَةِ والأعْصابِ والشَّرايِينِ.
وفُرِّعَ فِعْلُ سَوّاكَ عَلى خَلَقَكَ وفِعْلُ عَدَّلَكَ عَلى سَوّاكَ تَفْرِيعًا في الذِّكْرِ نَظَرًا إلى كَوْنِ مَعانِيها مُتَرَتِّبَةً في اعْتِبارِ المُعْتَبِرِ، وإنْ كانَ جَمِيعًا حاصِلًا في وقْتٍ واحِدٍ، إذْ هي أطْوارُ التَّكْوِينِ مِن حِينِ كَوْنِهِ مُضْغَةً إلى تَمامِ خَلْقِهِ فَكانَ لِلْفاءِ في عَطْفِها أحْسَنُ وقْتٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَعَدَّلَكَ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وهُما مُتَقارِبانِ إلّا أنَّ التَّشْدِيدَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في العَدْلِ، أيِ: التَّسْوِيَةِ فَيُفِيدُ إتْقانَ الصُّنْعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْلَ أيِّ أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ تَمْيِيزِ شَيْءٍ عَنْ مُشارِكِيهِ في حالِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] في سُورَةِ عَبَسَ وقَوْلِهِ تَعالى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ.
والِاسْتِفْهامُ بِها كَثِيرًا ما يُرادُ بِها الكِنايَةُ عَنِ التَّعَجُّبِ أوِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ أيٌّ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا بَلَغَ مِنَ الكَمالِ والعَظَمَةِ مَبْلَغًا قَوِيًّا يُتَساءَلُ عَنْهُ ويُسْتَفْهَمُ عَنْ شَأْنِهِ، ومِن هُنا نَشَأ مَعْنى دَلالَةِ أيٍّ عَلى الكَمالِ، وإنَّما
صفحة ١٧٧
تَحْقِيقُهُ أنَّهُ مَعْنًى كِنائِيٌّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ، وإنَّما هي الِاسْتِفْهامِيَّةُ، وأيُّ هَذِهِ تَقَعُ في المَعْنى وصْفًا لِنَكِرَةٍ إمّا نَعْتًا نَحْوَ: هو رَجُلٌ أيُّ رَجُلٍ، وإمّا مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ بِأفْعالِ (خَلَقَكَ، فَسَوّاكَ، فَعَدَّلَكَ) فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (رَكَّبَكَ) فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (فَعَدَّلَكَ) ويَكُونُ قَوْلُهُ: ما شاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ وبَيْنَ (رَكَّبَكَ) .
والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ: في صُورَةٍ أيِّ صُورَةٍ، أيْ: في صُورَةٍ كامِلَةٍ بَدِيعَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ عَدَّلَكَ بِاعْتِبارِ كَوْنِ جُمْلَةِ عَدَّلَكَ مُفَرَّعَةً عَنْ جُمْلَةِ فَسَوّاكَ المُفَرَّعَةِ عَنْ جُمْلَةِ خَلَقَكَ فَبَيانُها بَيانٌ لَهُما.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ: خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَّلَكَ مُلابِسًا صُورَةً عَجِيبَةً فَمَحَلُّ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ مَحَلُّ الحالِ مِن كافِ الخِطابِ وعامِلُ الحالِ عَدَّلَكَ، أوْ رَكَّبَكَ، فَجُعِلَتِ الصُّورَةُ العَجِيبَةُ كالظَّرْفِ لِلْمُصَوَّرِ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِها مِن مَوْصُوفِها.
وما يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ما صَدَقُها تَرْكِيبٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ وشاءَ صِلَةُ ما والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: شاءَهُ. والمَعْنى: رَكَّبَكَ التَّرْكِيبَ الَّذِي شاءَهُ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] .
وعُدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِمَصْدَرِ رَكَّبَكَ إلى إبْهامِهِ بِـ ما المَوْصُولَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْحِيمِ المَوْصُولِ بِما في صِلَتِهِ مِنَ المَشِيئَةِ المُسْنَدَةِ إلى ضَمِيرِ الرَّبِّ الخالِقِ المُبْدِعِ الحَكِيمِ وناهِيكَ بِها.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ شاءَ صِفَةً لِـ صُورَةٍ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والتَّقْدِيرُ: في صُورَةٍ عَظِيمَةٍ شاءَها مَشِيئَةً مُعَيَّنَةً أيْ: عَنْ تَدْبِيرٍ وتَقْدِيرٍ.
الانفطار 82:7
﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَّلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ بِمَنزِلَةِ المُقَدِّمَةِ لَهُ لِتَهْيِئَةِ السّامِعِ لِتَلَقِّي هَذِهِ المَوْعِظَةِ؛ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِنَ التَّهْوِيلِ والإنْذارِ يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ، إذِ المَوْعِظَةُ تَكُونُ أشَدَّ تَغَلْغُلًا في القَلْبِ حِينَئِدٍ لِما يَشْعُرُ بِهِ السّامِعُ مِنِ انْكِسارِ نَفْسِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ، فَيَزُولُ عَنْهُ طُغْيانُ المُكابَرَةِ والعِنادِ فَخَطَرَ في النُّفُوسِ تَرَقُّبُ شَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
والنِّداءُ لِلتَّنْبِيهِ تَنْبِيهًا يُشْعِرُ بِالِاهْتِمامِ بِالكَلامِ والِاسْتِدْعاءِ لِسَماعِهِ فَلَيْسَ النِّداءُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ مُرادًا بِهِ طَلَبُ إقْبالٍ ولا هو مُوَجَّهٌ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أوْ جَماعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مِثْلُهُ يَجْعَلُهُ المُتَكَلِّمُ مُوَجَّهًا لِكُلِّ مَن يَسْمَعُهُ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ.
فالتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ جُمْهُورُ
صفحة ١٧٤
المُفَسِّرِينَ، أيْ: لَيْسَ المُرادُ إنْسانًا مُعَيَّنًا، وقَرِينَةُ ذَلِكَ سِياقُ الكَلامِ مَعَ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ.
وهَذا العُمُومُ مُرادٌ بِهِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ بِدَلالَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] فالمَعْنى: يا أيُّها الإنْسانُ الَّذِي أنْكَرَ البَعْثَ ولا يَكُونُ مُنْكِرُ البَعْثِ إلّا مُشْرِكًا؛ لِأنَّ إنْكارَ البَعْثِ والشِّرْكَ مُتَلازِمانِ يَوْمَئِذٍ فَهو مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ بِالقَرِينَةِ أوْ مِنَ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ جُمْهُورَ المُخاطَبِينَ في إبْداءِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ هُمُ المُشْرِكُونَ.
وما في قَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي غَرَّ المُشْرِكَ فَحَمَلَهُ عَلى الإشْراكِ بِرَبِّهِ وعَلى إنْكارِ البَعْثِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ: الإنْسانُ هُنا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ أبُو الأشَدِّ بْنُ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ، وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ شَرِيقٍ.
والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ، أيْ: لا مُوجِبَ لِلشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ غُرُورًا غَرَّهُ عَنّا كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الشِّرْكِ لا يَخْطُرُ بِبالِ العاقِلِ إلّا أنْ يَغُرَّهُ بِهِ غارُّهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الغُرُورُ مَوْجُودًا ومُحْتَمَلٌ أنْ لا يَكُونَ غُرُورٌ.
والغُرُورُ: الإطْماعُ بِما يَتَوَهَّمُهُ المَغْرُورُ نَفْعًا وهو ضُرٌّ. وفِعْلُهُ قَدْ يُسْنَدُ إلى اسْمِ ذاتِ المُطْمَعِ حَقِيقَةً مِثْلَ ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ أوْ مَجازًا نَحْوَ ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٣٥] فَإنَّ الحَياةَ زَمانُ الغُرُورِ، وقَدْ يُسْنَدُ إلى اسْمِ مَعْنًى مِنَ المَعانِي حَقِيقَةً نَحْوَ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي
أوْ مَجازًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] .
ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَدْ يُذْكَرُ مَعَ مَفْعُولِهِ اسْمُ ما يَتَعَلَّقُ الغُرُورُ بِشُئُونِهِ فَيَعَدّى إلَيْهِ بِالباءِ، ومَعْنى الباءِ فِيهِ المُلابَسَةُ كَما في قَوْلِهِ: ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ
صفحة ١٧٥
أيْ: لا يَغُرَّنَّكم غُرُورًا مُتَلَبِّسًا بِشَأْنِ اللَّهِ، أيْ: مُصاحِبًا لِشُئُونِ اللَّهِ مُصاحِبَةً مَجازِيَّةً ولَيْسَتْ هي باءَ السَّبَبِيَّةِ كَما يُقالُ: غَرَّهُ بِبَذْلِ المالِ، أوْ غَرَّهُ بِالقَوْلِ. وإذا كانَتِ المُلابَسَةُ لا تُتَصَوَّرُ ماهِيَّتُها مَعَ الذَّواتِ، فَقَدْ تَعَيَّنَ في باءِ المُلابَسَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ ذاتٍ أنْ يَكُونَ مَعَها تَقْدِيرُ شَأْنٍ مِن شُئُونِ الذّاتِ يُفْهَمُ مِنَ المَقامِ، فالمَعْنى هُنا: ما غَرَّكَ بِالإشْراكِ بِرَبِّكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ الآيَةَ فَإنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ يَوْمَئِذٍ لا يَكُونُ إلّا مُشْرِكًا.
وإيثارُ تَعْرِيفِ اللَّهِ بِوَصْفِ رَبِّكَ دُونَ ذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ لِما في مَعْنى الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والإنْشاءِ والرِّفْقِ، فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْإنْسانِ بِمُوجِباتِ اسْتِحْقاقِ الرَّبِّ طاعَةَ مَرْبُوبِهِ فَهو تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ.
وكَذَلِكَ إجْراءُ وصْفِ الكَرِيمِ دُونَ غَيْرِهِ مِن صِفاتِ اللَّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَتِهِ عَلى النّاسِ ولُطْفِهِ بِهِمْ، فَإنَّ الكَرِيمَ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ.
والوَصْفُ الثّالِثُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَةُ ﴿فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ﴾ جامِعٌ لِكَثِيرٍ مِمّا يُؤْذِنُ بِهِ الوَصْفانِ الأوَّلانِ، فَإنَّ الخَلْقَ والتَّسْوِيَةَ والتَّعْدِيلَ وتَحْسِينَ الصُّورَةِ مِنَ الرِّفْقِ بِالمَخْلُوقِ، وهي نِعَمٌ عَلَيْهِ وجَمِيعُ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ عَلى كُفْرانِ نِعْمَتِهِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ.
وذُكِرَ عَنْ صالِحِ بْنِ مِسْمارٍ قالَ: ”بَلَغَنا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: غَرَّهُ جَهْلُهُ“ . ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدًا.
وتَعْدادُ الصِّلاتِ وإنْ كانَ بَعْضُها قَدْ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ البَعْضِ، فَإنَّ التَّسْوِيَةَ حالَةٌ مِن حالاتِ الخَلْقِ، وقَدْ يُغْنِي ذِكْرُها عَنْ ذِكْرِ الخَلْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، ولَكِنْ قُصِدَ إظْهارُ مَراتِبِ النِّعْمَةِ. وهَذا مِنَ الإطْنابِ المَقْصُودِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِكُلِّ صِلَةٍ والتَّوْقِيفُ عَلَيْها بِخُصُوصِها، ومِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ مَقامُ التَّوْبِيخِ.
والخَلْقُ: الإيجادُ عَلى مِقْدارٍ مَقْصُودٍ.
والتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سَوِيًّا، أيْ: قَوِيمًا سَلِيمًا، ومِنَ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ قُواهُ ومَنافِعِهِ الذّاتِيَّةِ مُتَعادِلَةً غَيْرَ مُتَفاوِتَةٍ في آثارِ قِيامِها بِوَظائِفِها بِحَيْثُ إذا اخْتَلَّ بَعْضُها
صفحة ١٧٦
تَطَرَّقَ الخَلَلُ إلى البَقِيَّةِ، فَنَشَأ نَقْصٌ في الإدْراكِ أوِ الإحْساسِ، أوْ نَشَأ انْحِرافُ المِزاجِ أوْ ألَمٌ فِيهِ، فالتَّسْوِيَةُ جامِعَةٌ لِهَذا المَعْنى العَظِيمِ.
والتَّعْدِيلُ: التَّناسُبُ بَيْنَ أجْزاءِ البَدَنِ مِثْلَ تَناسُبِ اليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، وصُورَةِ الوَجْهِ، فَلا تَفاوُتَ بَيْنَ مُتَزاوِجِها، ولا بَشاعَةَ في مَجْمُوعِها. وجَعْلِهِ مُسْتَقِيمَ القامَةِ، فَلَوْ كانَتْ إحْدى اليَدَيْنِ في الجَنْبِ والأُخْرى في الظَّهْرِ لاخْتَلَّ عَمَلُهُما، ولَوْ جَعَلَ العَيْنَيْنِ في الخَلْفِ لانْعَدَمَتْ الِاسْتِفادَةُ مِنَ النَّظَرِ حالَ المَشْيِ، وكَذَلِكَ مَوْضِعُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ مِنَ الحَلْقِ والمَعِدَةِ والكَبِدِ والطِّحالِ والكُلْيَتَيْنِ، ومَوْضِعُ الرِّئَتَيْنِ والقَلْبِ ومَوْضِعُ الدِّماغِ والنُّخاعِ.
وخَلَقَ اللَّهُ جَسَدَ الإنْسانِ مُقَسَّمَةً أعْضاؤُهُ وجَوارِحُهُ عَلى جِهَتَيْنِ لا تَفاوُتَ بَيْنَ جِهَةٍ وأُخْرى مِنهُما، وجَعَلَ في كُلِّ جِهَةٍ مِثْلَما في الأُخْرى مِنَ الأوْرِدَةِ والأعْصابِ والشَّرايِينِ.
وفُرِّعَ فِعْلُ سَوّاكَ عَلى خَلَقَكَ وفِعْلُ عَدَّلَكَ عَلى سَوّاكَ تَفْرِيعًا في الذِّكْرِ نَظَرًا إلى كَوْنِ مَعانِيها مُتَرَتِّبَةً في اعْتِبارِ المُعْتَبِرِ، وإنْ كانَ جَمِيعًا حاصِلًا في وقْتٍ واحِدٍ، إذْ هي أطْوارُ التَّكْوِينِ مِن حِينِ كَوْنِهِ مُضْغَةً إلى تَمامِ خَلْقِهِ فَكانَ لِلْفاءِ في عَطْفِها أحْسَنُ وقْتٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَعَدَّلَكَ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وهُما مُتَقارِبانِ إلّا أنَّ التَّشْدِيدَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في العَدْلِ، أيِ: التَّسْوِيَةِ فَيُفِيدُ إتْقانَ الصُّنْعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْلَ أيِّ أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ تَمْيِيزِ شَيْءٍ عَنْ مُشارِكِيهِ في حالِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] في سُورَةِ عَبَسَ وقَوْلِهِ تَعالى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ.
والِاسْتِفْهامُ بِها كَثِيرًا ما يُرادُ بِها الكِنايَةُ عَنِ التَّعَجُّبِ أوِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ أيٌّ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا بَلَغَ مِنَ الكَمالِ والعَظَمَةِ مَبْلَغًا قَوِيًّا يُتَساءَلُ عَنْهُ ويُسْتَفْهَمُ عَنْ شَأْنِهِ، ومِن هُنا نَشَأ مَعْنى دَلالَةِ أيٍّ عَلى الكَمالِ، وإنَّما
صفحة ١٧٧
تَحْقِيقُهُ أنَّهُ مَعْنًى كِنائِيٌّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ، وإنَّما هي الِاسْتِفْهامِيَّةُ، وأيُّ هَذِهِ تَقَعُ في المَعْنى وصْفًا لِنَكِرَةٍ إمّا نَعْتًا نَحْوَ: هو رَجُلٌ أيُّ رَجُلٍ، وإمّا مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ بِأفْعالِ (خَلَقَكَ، فَسَوّاكَ، فَعَدَّلَكَ) فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (رَكَّبَكَ) فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (فَعَدَّلَكَ) ويَكُونُ قَوْلُهُ: ما شاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ وبَيْنَ (رَكَّبَكَ) .
والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ: في صُورَةٍ أيِّ صُورَةٍ، أيْ: في صُورَةٍ كامِلَةٍ بَدِيعَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ عَدَّلَكَ بِاعْتِبارِ كَوْنِ جُمْلَةِ عَدَّلَكَ مُفَرَّعَةً عَنْ جُمْلَةِ فَسَوّاكَ المُفَرَّعَةِ عَنْ جُمْلَةِ خَلَقَكَ فَبَيانُها بَيانٌ لَهُما.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ: خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَّلَكَ مُلابِسًا صُورَةً عَجِيبَةً فَمَحَلُّ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ مَحَلُّ الحالِ مِن كافِ الخِطابِ وعامِلُ الحالِ عَدَّلَكَ، أوْ رَكَّبَكَ، فَجُعِلَتِ الصُّورَةُ العَجِيبَةُ كالظَّرْفِ لِلْمُصَوَّرِ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِها مِن مَوْصُوفِها.
وما يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ما صَدَقُها تَرْكِيبٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ وشاءَ صِلَةُ ما والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: شاءَهُ. والمَعْنى: رَكَّبَكَ التَّرْكِيبَ الَّذِي شاءَهُ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] .
وعُدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِمَصْدَرِ رَكَّبَكَ إلى إبْهامِهِ بِـ ما المَوْصُولَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْحِيمِ المَوْصُولِ بِما في صِلَتِهِ مِنَ المَشِيئَةِ المُسْنَدَةِ إلى ضَمِيرِ الرَّبِّ الخالِقِ المُبْدِعِ الحَكِيمِ وناهِيكَ بِها.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ شاءَ صِفَةً لِـ صُورَةٍ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والتَّقْدِيرُ: في صُورَةٍ عَظِيمَةٍ شاءَها مَشِيئَةً مُعَيَّنَةً أيْ: عَنْ تَدْبِيرٍ وتَقْدِيرٍ.
الانفطار 82:8
﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَّلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ بِمَنزِلَةِ المُقَدِّمَةِ لَهُ لِتَهْيِئَةِ السّامِعِ لِتَلَقِّي هَذِهِ المَوْعِظَةِ؛ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِنَ التَّهْوِيلِ والإنْذارِ يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ، إذِ المَوْعِظَةُ تَكُونُ أشَدَّ تَغَلْغُلًا في القَلْبِ حِينَئِدٍ لِما يَشْعُرُ بِهِ السّامِعُ مِنِ انْكِسارِ نَفْسِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ، فَيَزُولُ عَنْهُ طُغْيانُ المُكابَرَةِ والعِنادِ فَخَطَرَ في النُّفُوسِ تَرَقُّبُ شَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
والنِّداءُ لِلتَّنْبِيهِ تَنْبِيهًا يُشْعِرُ بِالِاهْتِمامِ بِالكَلامِ والِاسْتِدْعاءِ لِسَماعِهِ فَلَيْسَ النِّداءُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ مُرادًا بِهِ طَلَبُ إقْبالٍ ولا هو مُوَجَّهٌ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أوْ جَماعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مِثْلُهُ يَجْعَلُهُ المُتَكَلِّمُ مُوَجَّهًا لِكُلِّ مَن يَسْمَعُهُ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ.
فالتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ جُمْهُورُ
صفحة ١٧٤
المُفَسِّرِينَ، أيْ: لَيْسَ المُرادُ إنْسانًا مُعَيَّنًا، وقَرِينَةُ ذَلِكَ سِياقُ الكَلامِ مَعَ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ.
وهَذا العُمُومُ مُرادٌ بِهِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ بِدَلالَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] فالمَعْنى: يا أيُّها الإنْسانُ الَّذِي أنْكَرَ البَعْثَ ولا يَكُونُ مُنْكِرُ البَعْثِ إلّا مُشْرِكًا؛ لِأنَّ إنْكارَ البَعْثِ والشِّرْكَ مُتَلازِمانِ يَوْمَئِذٍ فَهو مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ بِالقَرِينَةِ أوْ مِنَ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ جُمْهُورَ المُخاطَبِينَ في إبْداءِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ هُمُ المُشْرِكُونَ.
وما في قَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي غَرَّ المُشْرِكَ فَحَمَلَهُ عَلى الإشْراكِ بِرَبِّهِ وعَلى إنْكارِ البَعْثِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ: الإنْسانُ هُنا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ أبُو الأشَدِّ بْنُ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ، وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ شَرِيقٍ.
والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ، أيْ: لا مُوجِبَ لِلشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ غُرُورًا غَرَّهُ عَنّا كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الشِّرْكِ لا يَخْطُرُ بِبالِ العاقِلِ إلّا أنْ يَغُرَّهُ بِهِ غارُّهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الغُرُورُ مَوْجُودًا ومُحْتَمَلٌ أنْ لا يَكُونَ غُرُورٌ.
والغُرُورُ: الإطْماعُ بِما يَتَوَهَّمُهُ المَغْرُورُ نَفْعًا وهو ضُرٌّ. وفِعْلُهُ قَدْ يُسْنَدُ إلى اسْمِ ذاتِ المُطْمَعِ حَقِيقَةً مِثْلَ ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ أوْ مَجازًا نَحْوَ ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٣٥] فَإنَّ الحَياةَ زَمانُ الغُرُورِ، وقَدْ يُسْنَدُ إلى اسْمِ مَعْنًى مِنَ المَعانِي حَقِيقَةً نَحْوَ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي
أوْ مَجازًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] .
ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَدْ يُذْكَرُ مَعَ مَفْعُولِهِ اسْمُ ما يَتَعَلَّقُ الغُرُورُ بِشُئُونِهِ فَيَعَدّى إلَيْهِ بِالباءِ، ومَعْنى الباءِ فِيهِ المُلابَسَةُ كَما في قَوْلِهِ: ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ
صفحة ١٧٥
أيْ: لا يَغُرَّنَّكم غُرُورًا مُتَلَبِّسًا بِشَأْنِ اللَّهِ، أيْ: مُصاحِبًا لِشُئُونِ اللَّهِ مُصاحِبَةً مَجازِيَّةً ولَيْسَتْ هي باءَ السَّبَبِيَّةِ كَما يُقالُ: غَرَّهُ بِبَذْلِ المالِ، أوْ غَرَّهُ بِالقَوْلِ. وإذا كانَتِ المُلابَسَةُ لا تُتَصَوَّرُ ماهِيَّتُها مَعَ الذَّواتِ، فَقَدْ تَعَيَّنَ في باءِ المُلابَسَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ ذاتٍ أنْ يَكُونَ مَعَها تَقْدِيرُ شَأْنٍ مِن شُئُونِ الذّاتِ يُفْهَمُ مِنَ المَقامِ، فالمَعْنى هُنا: ما غَرَّكَ بِالإشْراكِ بِرَبِّكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ الآيَةَ فَإنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ يَوْمَئِذٍ لا يَكُونُ إلّا مُشْرِكًا.
وإيثارُ تَعْرِيفِ اللَّهِ بِوَصْفِ رَبِّكَ دُونَ ذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ لِما في مَعْنى الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والإنْشاءِ والرِّفْقِ، فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْإنْسانِ بِمُوجِباتِ اسْتِحْقاقِ الرَّبِّ طاعَةَ مَرْبُوبِهِ فَهو تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ.
وكَذَلِكَ إجْراءُ وصْفِ الكَرِيمِ دُونَ غَيْرِهِ مِن صِفاتِ اللَّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَتِهِ عَلى النّاسِ ولُطْفِهِ بِهِمْ، فَإنَّ الكَرِيمَ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ.
والوَصْفُ الثّالِثُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَةُ ﴿فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ﴾ جامِعٌ لِكَثِيرٍ مِمّا يُؤْذِنُ بِهِ الوَصْفانِ الأوَّلانِ، فَإنَّ الخَلْقَ والتَّسْوِيَةَ والتَّعْدِيلَ وتَحْسِينَ الصُّورَةِ مِنَ الرِّفْقِ بِالمَخْلُوقِ، وهي نِعَمٌ عَلَيْهِ وجَمِيعُ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ عَلى كُفْرانِ نِعْمَتِهِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ.
وذُكِرَ عَنْ صالِحِ بْنِ مِسْمارٍ قالَ: ”بَلَغَنا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: غَرَّهُ جَهْلُهُ“ . ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدًا.
وتَعْدادُ الصِّلاتِ وإنْ كانَ بَعْضُها قَدْ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ البَعْضِ، فَإنَّ التَّسْوِيَةَ حالَةٌ مِن حالاتِ الخَلْقِ، وقَدْ يُغْنِي ذِكْرُها عَنْ ذِكْرِ الخَلْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، ولَكِنْ قُصِدَ إظْهارُ مَراتِبِ النِّعْمَةِ. وهَذا مِنَ الإطْنابِ المَقْصُودِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِكُلِّ صِلَةٍ والتَّوْقِيفُ عَلَيْها بِخُصُوصِها، ومِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ مَقامُ التَّوْبِيخِ.
والخَلْقُ: الإيجادُ عَلى مِقْدارٍ مَقْصُودٍ.
والتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سَوِيًّا، أيْ: قَوِيمًا سَلِيمًا، ومِنَ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ قُواهُ ومَنافِعِهِ الذّاتِيَّةِ مُتَعادِلَةً غَيْرَ مُتَفاوِتَةٍ في آثارِ قِيامِها بِوَظائِفِها بِحَيْثُ إذا اخْتَلَّ بَعْضُها
صفحة ١٧٦
تَطَرَّقَ الخَلَلُ إلى البَقِيَّةِ، فَنَشَأ نَقْصٌ في الإدْراكِ أوِ الإحْساسِ، أوْ نَشَأ انْحِرافُ المِزاجِ أوْ ألَمٌ فِيهِ، فالتَّسْوِيَةُ جامِعَةٌ لِهَذا المَعْنى العَظِيمِ.
والتَّعْدِيلُ: التَّناسُبُ بَيْنَ أجْزاءِ البَدَنِ مِثْلَ تَناسُبِ اليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، وصُورَةِ الوَجْهِ، فَلا تَفاوُتَ بَيْنَ مُتَزاوِجِها، ولا بَشاعَةَ في مَجْمُوعِها. وجَعْلِهِ مُسْتَقِيمَ القامَةِ، فَلَوْ كانَتْ إحْدى اليَدَيْنِ في الجَنْبِ والأُخْرى في الظَّهْرِ لاخْتَلَّ عَمَلُهُما، ولَوْ جَعَلَ العَيْنَيْنِ في الخَلْفِ لانْعَدَمَتْ الِاسْتِفادَةُ مِنَ النَّظَرِ حالَ المَشْيِ، وكَذَلِكَ مَوْضِعُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ مِنَ الحَلْقِ والمَعِدَةِ والكَبِدِ والطِّحالِ والكُلْيَتَيْنِ، ومَوْضِعُ الرِّئَتَيْنِ والقَلْبِ ومَوْضِعُ الدِّماغِ والنُّخاعِ.
وخَلَقَ اللَّهُ جَسَدَ الإنْسانِ مُقَسَّمَةً أعْضاؤُهُ وجَوارِحُهُ عَلى جِهَتَيْنِ لا تَفاوُتَ بَيْنَ جِهَةٍ وأُخْرى مِنهُما، وجَعَلَ في كُلِّ جِهَةٍ مِثْلَما في الأُخْرى مِنَ الأوْرِدَةِ والأعْصابِ والشَّرايِينِ.
وفُرِّعَ فِعْلُ سَوّاكَ عَلى خَلَقَكَ وفِعْلُ عَدَّلَكَ عَلى سَوّاكَ تَفْرِيعًا في الذِّكْرِ نَظَرًا إلى كَوْنِ مَعانِيها مُتَرَتِّبَةً في اعْتِبارِ المُعْتَبِرِ، وإنْ كانَ جَمِيعًا حاصِلًا في وقْتٍ واحِدٍ، إذْ هي أطْوارُ التَّكْوِينِ مِن حِينِ كَوْنِهِ مُضْغَةً إلى تَمامِ خَلْقِهِ فَكانَ لِلْفاءِ في عَطْفِها أحْسَنُ وقْتٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَعَدَّلَكَ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وهُما مُتَقارِبانِ إلّا أنَّ التَّشْدِيدَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في العَدْلِ، أيِ: التَّسْوِيَةِ فَيُفِيدُ إتْقانَ الصُّنْعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْلَ أيِّ أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ تَمْيِيزِ شَيْءٍ عَنْ مُشارِكِيهِ في حالِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] في سُورَةِ عَبَسَ وقَوْلِهِ تَعالى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ.
والِاسْتِفْهامُ بِها كَثِيرًا ما يُرادُ بِها الكِنايَةُ عَنِ التَّعَجُّبِ أوِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ أيٌّ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا بَلَغَ مِنَ الكَمالِ والعَظَمَةِ مَبْلَغًا قَوِيًّا يُتَساءَلُ عَنْهُ ويُسْتَفْهَمُ عَنْ شَأْنِهِ، ومِن هُنا نَشَأ مَعْنى دَلالَةِ أيٍّ عَلى الكَمالِ، وإنَّما
صفحة ١٧٧
تَحْقِيقُهُ أنَّهُ مَعْنًى كِنائِيٌّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ، وإنَّما هي الِاسْتِفْهامِيَّةُ، وأيُّ هَذِهِ تَقَعُ في المَعْنى وصْفًا لِنَكِرَةٍ إمّا نَعْتًا نَحْوَ: هو رَجُلٌ أيُّ رَجُلٍ، وإمّا مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ بِأفْعالِ (خَلَقَكَ، فَسَوّاكَ، فَعَدَّلَكَ) فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (رَكَّبَكَ) فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (فَعَدَّلَكَ) ويَكُونُ قَوْلُهُ: ما شاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ وبَيْنَ (رَكَّبَكَ) .
والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ: في صُورَةٍ أيِّ صُورَةٍ، أيْ: في صُورَةٍ كامِلَةٍ بَدِيعَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ عَدَّلَكَ بِاعْتِبارِ كَوْنِ جُمْلَةِ عَدَّلَكَ مُفَرَّعَةً عَنْ جُمْلَةِ فَسَوّاكَ المُفَرَّعَةِ عَنْ جُمْلَةِ خَلَقَكَ فَبَيانُها بَيانٌ لَهُما.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ: خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَّلَكَ مُلابِسًا صُورَةً عَجِيبَةً فَمَحَلُّ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ مَحَلُّ الحالِ مِن كافِ الخِطابِ وعامِلُ الحالِ عَدَّلَكَ، أوْ رَكَّبَكَ، فَجُعِلَتِ الصُّورَةُ العَجِيبَةُ كالظَّرْفِ لِلْمُصَوَّرِ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِها مِن مَوْصُوفِها.
وما يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ما صَدَقُها تَرْكِيبٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ وشاءَ صِلَةُ ما والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: شاءَهُ. والمَعْنى: رَكَّبَكَ التَّرْكِيبَ الَّذِي شاءَهُ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] .
وعُدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِمَصْدَرِ رَكَّبَكَ إلى إبْهامِهِ بِـ ما المَوْصُولَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْحِيمِ المَوْصُولِ بِما في صِلَتِهِ مِنَ المَشِيئَةِ المُسْنَدَةِ إلى ضَمِيرِ الرَّبِّ الخالِقِ المُبْدِعِ الحَكِيمِ وناهِيكَ بِها.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ شاءَ صِفَةً لِـ صُورَةٍ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والتَّقْدِيرُ: في صُورَةٍ عَظِيمَةٍ شاءَها مَشِيئَةً مُعَيَّنَةً أيْ: عَنْ تَدْبِيرٍ وتَقْدِيرٍ.
الانفطار 82:9
صفحة ١٧٨
﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ .
كَلّا رَدْعٌ عَمّا هو غُرُورٌ بِاللَّهِ أوْ بِالغُرُورِ مِمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ [الإنفطار: ٦] مِن حُصُولِ ما يَغُرُّ الإنْسانَ بِالشِّرْكِ ومِن إعْراضِهِ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالكُفْرِ، أوْ مِن كَوْنِ حالَةِ المُشْرِكِ كَحالَةِ المَغْرُورِ كَما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهَيْنِ في الإنْكارِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] .
والمَعْنى: إشْراكُكَ بِخالِقِكَ باطِلٌ وهو غُرُورٌ، أوْ كالغُرُورِ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ إضْرابًا انْتِقالِيًّا مِن غَرَضِ التَّوْبِيخِ والزَّجْرِ عَلى الكُفْرِ إلى ذِكْرِ جُرْمٍ فَظِيعٍ آخَرَ، وهو التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ويَشْمَلُهُ التَّوْبِيخُ بِالزَّجْرِ بِسَبَبِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَوْبِيخٍ وزَجْرٍ؛ لِأنَّ بَلْ لا تَخْرُجُ عَنْ مَعْنى العَطْفِ أيِ: العَطْفُ في الغَرَضِ لا في نِسْبَةِ الحُكْمِ. ولِذَلِكَ يَتْبَعُ المَعْطُوفَ بِها المُفْرَدُ في إعْرابِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها تُتْبَعُ في اللَّفْظِ لا في الحُكْمِ، أيْ: هو اتِّباعُ مُناسَبَةٍ في الغَرَضِ لا في اتِّباعٍ في النِّسْبَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلّا إبْطالًا لِوُجُودِ ما يَغُرُّ الإنْسانَ أنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ، أيْ: لا عُذْرَ لِلْإنْسانِ في الإشْراكِ بِاللَّهِ إذْ لا يُوجَدُ ما يَغُرُّهُ بِهِ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ﴾ إضْرابًا إبْطالِيًّا، وما بَعْدَ بَلْ بَيانًا لِما جَرَّأهم عَلى الإشْراكِ، وإنَّهُ لَيْسَ غُرُورًا، إذْ لا شُبْهَةَ لَهم في الإشْراكِ حَتّى تَكُونَ الشُّبْهَةُ كالغُرُورِ، ولَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى الإشْراكِ لِأنَّهم حَبَسُوا أنْفُسَهم في مَأْمَنٍ مِن تَبِعَتِهِ فاخْتارُوا الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ هَوى أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَعْبَئُوا بِأنَّهُ باطِلٌ صُراحٌ فَهم يُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ فَلِذَلِكَ سَبَّبَ تَصْمِيمُ جَمِيعِهِمْ عَلى الشَّكِّ مَعَ تَفاوُتِ مَدارِكِهِمُ الَّتِي لا يَخْفى عَلى بَعْضِها بُطْلانُ كَوْنِ الحِجارَةِ آلِهَةً، ألا تَرى أنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَ العَذابَ إلّا عَذابَ الدُّنْيا ؟ !
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إنْكارَ البَعْثِ هو جِماعُ الإجْرامِ، ونَظِيرُ هَذا الوَجْهِ وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] في سُورَةِ الِانْشِقاقِ.
صفحة ١٧٩
وقَرَأ الجُمْهُورُ تُكَذِّبُونَ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ.
وفِي صِيغَةِ المُضارِعِ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ إفادَةُ أنَّ تَكْذِيبَهم بِالجَزاءِ مُتَجَدِّدٌ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، وهو سَبَبُ اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ.
وفِي المُضارِعِ أيْضًا اسْتِحْضارُ حالَةِ هَذا التَّكْذِيبِ اسْتِحْضارًا يَقْتَضِي التَّعْجِيبَ مِن تَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ مَعَهم مِنَ الدَّلائِلِ ما لَحِقَهُ أنْ يُقْلِعَ تَكْذِيبُهم بِالجَزاءِ.
والدِّينُ: الجَزاءُ.
الانفطار 82:10
﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
وأُكِّدَ الكَلامُ بِحَرْفِ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ إنْكارًا قَوِيًّا.
و﴿لَحافِظِينَ﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَمَلائِكَةٌ حافِظِينَ، أيْ: مُحْصِينَ غَيْرَ مُضَيِّعِينَ لِشَيْءٍ مِن أعْمالِكم.
وجُمِعَ المَلائِكَةُ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ عَلى النّاسِ، وإنَّما لِكُلِّ أحَدٍ مَلَكانِ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظانِ أعْمالَهُ، وهَذا بِصَرِيحِ مَعْناهُ يُفِيدُ أيْضًا كِفايَةً عَنْ وُقُوعِ الجَزاءِ، إذْ لَوْلا الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ لَكانَ الِاعْتِناءُ بِإحْصائِها عَبَثًا.
وأُجْرِيَ عَلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِإحْصاءِ أعْمالِهِمْ أرْبَعَةُ أوْصافٍ هي: الحِفْظُ، والكَرَمُ، والكِتابَةُ، والعِلْمُ بِما يَعْمَلُهُ النّاسُ.
وابْتُدِئَ مِنها بِوَصْفِ الحِفْظِ؛ لِأنَّهُ الغَرَضُ الَّذِي سَبَقَ لِأجْلِهِ الكَلامُ الَّذِي هو إثْباتُ الجَزاءِ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ، ثُمَّ ذُكِرَتْ بَعْدَهُ صِفاتٌ ثَلاثٌ بِها كَمالُ الحِفْظِ والإحْصاءِ، وفِيها تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المَلائِكَةِ الحافِظِينَ.
صفحة ١٨٠
فَأمّا الحِفْظُ: فَهو هُنا بِمَعْنى الرِّعايَةِ والمُراقَبَةِ، وهو بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهو (عَلى) لِتَضَمُّنِهُ مَعْنى المُراقَبَةِ. والحَفِيظُ: الرَّقِيبُ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] .
وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو غَيْرُ اسْتِعْمالِ الحِفْظِ المُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الحِراسَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . فالحِفْظُ بِهَذا الإطْلاقِ جَمَعَ مَعْنى الرِّعايَةِ والقِيامِ عَلى ما يَكُونُ إلى الحَفِيظِ، والأمانَةِ عَلى ما يُوكَلُ إلَيْهِ.
وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ لِتَضَمُّنِهُ مَعْنى الرِّقابَةِ والسُّلْطَةِ.
وأمّا وصْفُ الكَرَمِ فَهو النَّفاسَةُ في النَّوْعِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
فالكَرَمُ صِفَتُهُمُ النَّفْسِيَّةُ الجامِعَةُ لِلْكَمالِ في المُعامَلَةِ وما يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ، وأمّا صِفَةُ الكِتابَةِ فَمُرادٌ بِها ضَبْطُ ما وُكِّلُوا عَلى حِفْظِهِ ضَبْطًا لا يَتَعَرَّضُ لِلنِّسْيانِ ولا لِلْإجْحافِ ولا لِلزِّيادَةِ، فالكِتابَةُ مُسْتَعارَةٌ لِهَذا المَعْنى، عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الكِتابَةِ بِمَعْنى الخَطِّ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لِأُمُورِ الغَيْبِ.
وأمّا صِفَةُ العِلْمِ بِما يَفْعَلُهُ النّاسُ فَهو الإحاطَةُ بِما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ وما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ مِن تَفْكِيرٍ مِمّا يُرادُ بِهِ عَمَلُ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهو الهَمُّ.
وما تَفْعَلُونَ يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ النّاسُ وطَرِيقُ عِلْمِ المَلائِكَةِ بِأعْمالِ النّاسِ مِمّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِذَلِكَ.
ودَخَلَ في ما تَفْعَلُونَ الخَواطِرُ القَلْبِيَّةُ؛ لِأنَّها مِن عَمَلِ القَلْبِ أيِ: العَقْلُ فَإنَّ الإنْسانَ يُعْمِلُ عَقْلَهُ ويَعْزِمُ ويَتَرَدَّدُ، وإنْ لَمْ يَشِعْ في عُرْفِ اللُّغَةِ إطْلاقُ مادَّةِ الفِعْلِ عَلى الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ يُنْتَزَعُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَ هي عِمادُ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ في كُلِّ مَن يَقُومُ بِعَمَلٍ لِلْأُمَّةِ في الإسْلامِ مِنَ الوُلاةِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهم حافِظُونَ لِمَصالِحِ ما اسْتُحْفِظُوا عِلْيَهِ، وأوَّلُ الحِفْظِ الأمانَةُ وعَدَمُ التَّفْرِيطِ، فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِنَ الكَرَمِ وهو زَكاةُ الفِطْرَةِ، أيْ: طَهارَةُ النَّفْسِ.
صفحة ١٨١
ومِنَ الضَّبْطِ فِيما يَجْرِي عَلى يَدَيْهِ بِحَيْثُ لا تَضِيعُ المَصالِحُ العامَّةُ ولا الخاصَّةُ بِأنْ يَكُونَ ما يُصْدِرُهُ مَكْتُوبًا، أوْ كالمَكْتُوبِ مَضْبُوطًا لا يُسْتَطاعُ تَغْيِيرُهُ، ويُمْكِنُ لِكُلِّ مَن يَقُومُ بِذَلِكَ العَمَلِ بَعْدَ القائِمِ بِهِ، أوْ في مَغِيبِهِ أنْ يُعْرَفَ ماذا أُجْرِي فِيهِ مِنَ الإعْمالِ، وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في وضْعِ المَلَفّاتِ لِلنَّوازِلِ والتَّراتِيبِ، ومِنهُ نَشَأتْ دَواوِينُ القُضاةِ، ودَفاتِرُ الشُّهُودِ، والخِطابُ عَلى الرُّسُومِ، وإخْراجُ نُسَخِ الأحْكامِ والأحْباسِ وعُقُودِ النِّكاحِ.
ومِن إحاطَةِ العِلْمِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأحْوالِ الَّتِي تُسْنَدُ إلى المُؤْتَمَنِ عَلَيْها بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ المُغالِطِينَ أنْ يُمَوِّهَ عَلَيْهِ شَيْئًا، أوْ أنْ يَلْبِسَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِحَيْثُ يَنْتَفِي عَنْهُ الغَلَطُ، والخَطَأُ في تَمْيِيزِ الأُمُورِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ، ويَخْتَلِفُ العِلْمُ المَطْلُوبُ بِاخْتِلافِ الأعْمالِ فَيُقَدَّمُ في كُلِّ وِلايَةٍ مَن هو أعْلَمُ بِما تَقْتَضِيهِ وِلايَتُهُ مِنَ الأعْمالِ وما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ المَواهِبِ والدِّرايَةِ، فَلَيْسَ ما يُشْتَرَطُ في القاضِي يُشْتَرَطُ في أمِيرِ الجَيْشِ مَثَلًا، وبِمِقْدارِ التَّفاوُتِ في الخِصالِ الَّتِي تَقْتَضِيها إحْدى الوَلاياتِ يَكُونُ تَرْجِيحُ مَن تُسْنَدُ إلَيْهِ الوَلايَةُ عَلى غَيْرِهِ حِرْصًا عَلى حِفْظِ مَصالِحِ الأُمَّةِ، فَيُقَدَّمُ في كُلِّ وِلايَةٍ مَن هو أقْوى كَفاءَةً لِإتْقانِ أعْمالِها وأشَدُّ اضْطِلاعًا بِمُمارَسَتِها.
الانفطار 82:11
﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
وأُكِّدَ الكَلامُ بِحَرْفِ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ إنْكارًا قَوِيًّا.
و﴿لَحافِظِينَ﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَمَلائِكَةٌ حافِظِينَ، أيْ: مُحْصِينَ غَيْرَ مُضَيِّعِينَ لِشَيْءٍ مِن أعْمالِكم.
وجُمِعَ المَلائِكَةُ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ عَلى النّاسِ، وإنَّما لِكُلِّ أحَدٍ مَلَكانِ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظانِ أعْمالَهُ، وهَذا بِصَرِيحِ مَعْناهُ يُفِيدُ أيْضًا كِفايَةً عَنْ وُقُوعِ الجَزاءِ، إذْ لَوْلا الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ لَكانَ الِاعْتِناءُ بِإحْصائِها عَبَثًا.
وأُجْرِيَ عَلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِإحْصاءِ أعْمالِهِمْ أرْبَعَةُ أوْصافٍ هي: الحِفْظُ، والكَرَمُ، والكِتابَةُ، والعِلْمُ بِما يَعْمَلُهُ النّاسُ.
وابْتُدِئَ مِنها بِوَصْفِ الحِفْظِ؛ لِأنَّهُ الغَرَضُ الَّذِي سَبَقَ لِأجْلِهِ الكَلامُ الَّذِي هو إثْباتُ الجَزاءِ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ، ثُمَّ ذُكِرَتْ بَعْدَهُ صِفاتٌ ثَلاثٌ بِها كَمالُ الحِفْظِ والإحْصاءِ، وفِيها تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المَلائِكَةِ الحافِظِينَ.
صفحة ١٨٠
فَأمّا الحِفْظُ: فَهو هُنا بِمَعْنى الرِّعايَةِ والمُراقَبَةِ، وهو بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهو (عَلى) لِتَضَمُّنِهُ مَعْنى المُراقَبَةِ. والحَفِيظُ: الرَّقِيبُ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] .
وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو غَيْرُ اسْتِعْمالِ الحِفْظِ المُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الحِراسَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . فالحِفْظُ بِهَذا الإطْلاقِ جَمَعَ مَعْنى الرِّعايَةِ والقِيامِ عَلى ما يَكُونُ إلى الحَفِيظِ، والأمانَةِ عَلى ما يُوكَلُ إلَيْهِ.
وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ لِتَضَمُّنِهُ مَعْنى الرِّقابَةِ والسُّلْطَةِ.
وأمّا وصْفُ الكَرَمِ فَهو النَّفاسَةُ في النَّوْعِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
فالكَرَمُ صِفَتُهُمُ النَّفْسِيَّةُ الجامِعَةُ لِلْكَمالِ في المُعامَلَةِ وما يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ، وأمّا صِفَةُ الكِتابَةِ فَمُرادٌ بِها ضَبْطُ ما وُكِّلُوا عَلى حِفْظِهِ ضَبْطًا لا يَتَعَرَّضُ لِلنِّسْيانِ ولا لِلْإجْحافِ ولا لِلزِّيادَةِ، فالكِتابَةُ مُسْتَعارَةٌ لِهَذا المَعْنى، عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الكِتابَةِ بِمَعْنى الخَطِّ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لِأُمُورِ الغَيْبِ.
وأمّا صِفَةُ العِلْمِ بِما يَفْعَلُهُ النّاسُ فَهو الإحاطَةُ بِما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ وما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ مِن تَفْكِيرٍ مِمّا يُرادُ بِهِ عَمَلُ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهو الهَمُّ.
وما تَفْعَلُونَ يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ النّاسُ وطَرِيقُ عِلْمِ المَلائِكَةِ بِأعْمالِ النّاسِ مِمّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِذَلِكَ.
ودَخَلَ في ما تَفْعَلُونَ الخَواطِرُ القَلْبِيَّةُ؛ لِأنَّها مِن عَمَلِ القَلْبِ أيِ: العَقْلُ فَإنَّ الإنْسانَ يُعْمِلُ عَقْلَهُ ويَعْزِمُ ويَتَرَدَّدُ، وإنْ لَمْ يَشِعْ في عُرْفِ اللُّغَةِ إطْلاقُ مادَّةِ الفِعْلِ عَلى الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ يُنْتَزَعُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَ هي عِمادُ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ في كُلِّ مَن يَقُومُ بِعَمَلٍ لِلْأُمَّةِ في الإسْلامِ مِنَ الوُلاةِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهم حافِظُونَ لِمَصالِحِ ما اسْتُحْفِظُوا عِلْيَهِ، وأوَّلُ الحِفْظِ الأمانَةُ وعَدَمُ التَّفْرِيطِ، فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِنَ الكَرَمِ وهو زَكاةُ الفِطْرَةِ، أيْ: طَهارَةُ النَّفْسِ.
صفحة ١٨١
ومِنَ الضَّبْطِ فِيما يَجْرِي عَلى يَدَيْهِ بِحَيْثُ لا تَضِيعُ المَصالِحُ العامَّةُ ولا الخاصَّةُ بِأنْ يَكُونَ ما يُصْدِرُهُ مَكْتُوبًا، أوْ كالمَكْتُوبِ مَضْبُوطًا لا يُسْتَطاعُ تَغْيِيرُهُ، ويُمْكِنُ لِكُلِّ مَن يَقُومُ بِذَلِكَ العَمَلِ بَعْدَ القائِمِ بِهِ، أوْ في مَغِيبِهِ أنْ يُعْرَفَ ماذا أُجْرِي فِيهِ مِنَ الإعْمالِ، وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في وضْعِ المَلَفّاتِ لِلنَّوازِلِ والتَّراتِيبِ، ومِنهُ نَشَأتْ دَواوِينُ القُضاةِ، ودَفاتِرُ الشُّهُودِ، والخِطابُ عَلى الرُّسُومِ، وإخْراجُ نُسَخِ الأحْكامِ والأحْباسِ وعُقُودِ النِّكاحِ.
ومِن إحاطَةِ العِلْمِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأحْوالِ الَّتِي تُسْنَدُ إلى المُؤْتَمَنِ عَلَيْها بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ المُغالِطِينَ أنْ يُمَوِّهَ عَلَيْهِ شَيْئًا، أوْ أنْ يَلْبِسَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِحَيْثُ يَنْتَفِي عَنْهُ الغَلَطُ، والخَطَأُ في تَمْيِيزِ الأُمُورِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ، ويَخْتَلِفُ العِلْمُ المَطْلُوبُ بِاخْتِلافِ الأعْمالِ فَيُقَدَّمُ في كُلِّ وِلايَةٍ مَن هو أعْلَمُ بِما تَقْتَضِيهِ وِلايَتُهُ مِنَ الأعْمالِ وما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ المَواهِبِ والدِّرايَةِ، فَلَيْسَ ما يُشْتَرَطُ في القاضِي يُشْتَرَطُ في أمِيرِ الجَيْشِ مَثَلًا، وبِمِقْدارِ التَّفاوُتِ في الخِصالِ الَّتِي تَقْتَضِيها إحْدى الوَلاياتِ يَكُونُ تَرْجِيحُ مَن تُسْنَدُ إلَيْهِ الوَلايَةُ عَلى غَيْرِهِ حِرْصًا عَلى حِفْظِ مَصالِحِ الأُمَّةِ، فَيُقَدَّمُ في كُلِّ وِلايَةٍ مَن هو أقْوى كَفاءَةً لِإتْقانِ أعْمالِها وأشَدُّ اضْطِلاعًا بِمُمارَسَتِها.
الانفطار 82:12
﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
وأُكِّدَ الكَلامُ بِحَرْفِ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ إنْكارًا قَوِيًّا.
و﴿لَحافِظِينَ﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَمَلائِكَةٌ حافِظِينَ، أيْ: مُحْصِينَ غَيْرَ مُضَيِّعِينَ لِشَيْءٍ مِن أعْمالِكم.
وجُمِعَ المَلائِكَةُ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ عَلى النّاسِ، وإنَّما لِكُلِّ أحَدٍ مَلَكانِ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظانِ أعْمالَهُ، وهَذا بِصَرِيحِ مَعْناهُ يُفِيدُ أيْضًا كِفايَةً عَنْ وُقُوعِ الجَزاءِ، إذْ لَوْلا الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ لَكانَ الِاعْتِناءُ بِإحْصائِها عَبَثًا.
وأُجْرِيَ عَلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِإحْصاءِ أعْمالِهِمْ أرْبَعَةُ أوْصافٍ هي: الحِفْظُ، والكَرَمُ، والكِتابَةُ، والعِلْمُ بِما يَعْمَلُهُ النّاسُ.
وابْتُدِئَ مِنها بِوَصْفِ الحِفْظِ؛ لِأنَّهُ الغَرَضُ الَّذِي سَبَقَ لِأجْلِهِ الكَلامُ الَّذِي هو إثْباتُ الجَزاءِ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ، ثُمَّ ذُكِرَتْ بَعْدَهُ صِفاتٌ ثَلاثٌ بِها كَمالُ الحِفْظِ والإحْصاءِ، وفِيها تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المَلائِكَةِ الحافِظِينَ.
صفحة ١٨٠
فَأمّا الحِفْظُ: فَهو هُنا بِمَعْنى الرِّعايَةِ والمُراقَبَةِ، وهو بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهو (عَلى) لِتَضَمُّنِهُ مَعْنى المُراقَبَةِ. والحَفِيظُ: الرَّقِيبُ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] .
وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو غَيْرُ اسْتِعْمالِ الحِفْظِ المُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الحِراسَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . فالحِفْظُ بِهَذا الإطْلاقِ جَمَعَ مَعْنى الرِّعايَةِ والقِيامِ عَلى ما يَكُونُ إلى الحَفِيظِ، والأمانَةِ عَلى ما يُوكَلُ إلَيْهِ.
وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ لِتَضَمُّنِهُ مَعْنى الرِّقابَةِ والسُّلْطَةِ.
وأمّا وصْفُ الكَرَمِ فَهو النَّفاسَةُ في النَّوْعِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
فالكَرَمُ صِفَتُهُمُ النَّفْسِيَّةُ الجامِعَةُ لِلْكَمالِ في المُعامَلَةِ وما يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ، وأمّا صِفَةُ الكِتابَةِ فَمُرادٌ بِها ضَبْطُ ما وُكِّلُوا عَلى حِفْظِهِ ضَبْطًا لا يَتَعَرَّضُ لِلنِّسْيانِ ولا لِلْإجْحافِ ولا لِلزِّيادَةِ، فالكِتابَةُ مُسْتَعارَةٌ لِهَذا المَعْنى، عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الكِتابَةِ بِمَعْنى الخَطِّ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لِأُمُورِ الغَيْبِ.
وأمّا صِفَةُ العِلْمِ بِما يَفْعَلُهُ النّاسُ فَهو الإحاطَةُ بِما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ وما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ مِن تَفْكِيرٍ مِمّا يُرادُ بِهِ عَمَلُ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهو الهَمُّ.
وما تَفْعَلُونَ يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ النّاسُ وطَرِيقُ عِلْمِ المَلائِكَةِ بِأعْمالِ النّاسِ مِمّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِذَلِكَ.
ودَخَلَ في ما تَفْعَلُونَ الخَواطِرُ القَلْبِيَّةُ؛ لِأنَّها مِن عَمَلِ القَلْبِ أيِ: العَقْلُ فَإنَّ الإنْسانَ يُعْمِلُ عَقْلَهُ ويَعْزِمُ ويَتَرَدَّدُ، وإنْ لَمْ يَشِعْ في عُرْفِ اللُّغَةِ إطْلاقُ مادَّةِ الفِعْلِ عَلى الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ يُنْتَزَعُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَ هي عِمادُ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ في كُلِّ مَن يَقُومُ بِعَمَلٍ لِلْأُمَّةِ في الإسْلامِ مِنَ الوُلاةِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهم حافِظُونَ لِمَصالِحِ ما اسْتُحْفِظُوا عِلْيَهِ، وأوَّلُ الحِفْظِ الأمانَةُ وعَدَمُ التَّفْرِيطِ، فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِنَ الكَرَمِ وهو زَكاةُ الفِطْرَةِ، أيْ: طَهارَةُ النَّفْسِ.
صفحة ١٨١
ومِنَ الضَّبْطِ فِيما يَجْرِي عَلى يَدَيْهِ بِحَيْثُ لا تَضِيعُ المَصالِحُ العامَّةُ ولا الخاصَّةُ بِأنْ يَكُونَ ما يُصْدِرُهُ مَكْتُوبًا، أوْ كالمَكْتُوبِ مَضْبُوطًا لا يُسْتَطاعُ تَغْيِيرُهُ، ويُمْكِنُ لِكُلِّ مَن يَقُومُ بِذَلِكَ العَمَلِ بَعْدَ القائِمِ بِهِ، أوْ في مَغِيبِهِ أنْ يُعْرَفَ ماذا أُجْرِي فِيهِ مِنَ الإعْمالِ، وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في وضْعِ المَلَفّاتِ لِلنَّوازِلِ والتَّراتِيبِ، ومِنهُ نَشَأتْ دَواوِينُ القُضاةِ، ودَفاتِرُ الشُّهُودِ، والخِطابُ عَلى الرُّسُومِ، وإخْراجُ نُسَخِ الأحْكامِ والأحْباسِ وعُقُودِ النِّكاحِ.
ومِن إحاطَةِ العِلْمِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأحْوالِ الَّتِي تُسْنَدُ إلى المُؤْتَمَنِ عَلَيْها بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ المُغالِطِينَ أنْ يُمَوِّهَ عَلَيْهِ شَيْئًا، أوْ أنْ يَلْبِسَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِحَيْثُ يَنْتَفِي عَنْهُ الغَلَطُ، والخَطَأُ في تَمْيِيزِ الأُمُورِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ، ويَخْتَلِفُ العِلْمُ المَطْلُوبُ بِاخْتِلافِ الأعْمالِ فَيُقَدَّمُ في كُلِّ وِلايَةٍ مَن هو أعْلَمُ بِما تَقْتَضِيهِ وِلايَتُهُ مِنَ الأعْمالِ وما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ المَواهِبِ والدِّرايَةِ، فَلَيْسَ ما يُشْتَرَطُ في القاضِي يُشْتَرَطُ في أمِيرِ الجَيْشِ مَثَلًا، وبِمِقْدارِ التَّفاوُتِ في الخِصالِ الَّتِي تَقْتَضِيها إحْدى الوَلاياتِ يَكُونُ تَرْجِيحُ مَن تُسْنَدُ إلَيْهِ الوَلايَةُ عَلى غَيْرِهِ حِرْصًا عَلى حِفْظِ مَصالِحِ الأُمَّةِ، فَيُقَدَّمُ في كُلِّ وِلايَةٍ مَن هو أقْوى كَفاءَةً لِإتْقانِ أعْمالِها وأشَدُّ اضْطِلاعًا بِمُمارَسَتِها.
الانفطار 82:13
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ يَخْطُرُ في نَفْسِ السّامِعِ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ لِتَشَوُّفِ النَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الجَزاءِ ما هو، وإلى مَعْرِفَةِ غايَةِ إقامَةِ المَلائِكَةِ لِإحْصاءِ الأعْمالِ ما هي، فَبُيِّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ الآيَةَ.
وأيْضًا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْسِيمَ أصْحابِ الأعْمالِ فَهي تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ فَصْلِ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.
وجِيءَ بِالكَلامِ مُؤَكَّدًا بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِيُساوِيَ البَيانُ مَبِيِّنَهُ في التَّحْقِيقِ ودَفْعِ الإنْكارِ.
صفحة ١٨٢
وكُرِّرَ التَّأْكِيدُ مَعَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ كَوْنِهِمْ في جَحِيمٍ لا يَطْمَعُوا في مُفارَقَتِهِ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ وهو التَّقِيُّ. وهو فِعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِن بَرَّ يَبَرُّ، ولِفِعْلِ بَرَّ اسْمُ مَصْدَرٍ هو بِرٌّ بِكَسْرِ الباءِ ولا يُعْرَفُ لَهُ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ بِفَتْحِ الباءِ كَأنَّهم أماتُوهُ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالبَرِّ وهو التَّقِيُّ، وإنَّما سُمِّيَ التَّقِيُّ بَرًّا لِأنَّهُ بَرَّ رَبَّهُ، أيْ: صَدَّقَهُ ووَفّى لَهُ بِما عَهِدَ لَهُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى.
والفُجّارُ: جَمْعُ فاجِرٍ، وصِيغَةُ فُعّالٍ تَطَّرِدُ في تَكْسِيرِ فاعِلٍ المُذَكَّرِ الصَّحِيحِ اللّامِ.
والفاجِرُ: المُتَّصِفُ بِالفُجُورِ وهو ضِدُّ البُرُورِ.
والمُرادُ بِالفاجِرِ هُنا: المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَغِيبُونَ عَنِ النّارِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ، ونَحْنُ أهْلَ السُّنَّةِ لا نَعْتَقِدُ الخُلُودَ في النّارِ لِغَيْرِ الكافِرِ. فَأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ فَلا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وإلّا بَطَلَتْ فائِدَةُ الإيمانِ.
والنَّعِيمُ: اسْمُ ما يَنْعَمُ بِهِ الإنْسانُ.
والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: في نَعِيمٍ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ لا يَكُونُ ظَرْفًا حَقِيقَةً، شُبِّهَ دَوامُ التَّنَعُّمِ لَهم بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ.
وأمّا ظَرْفِيَّةُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ فَهي حَقِيقِيَّةٌ.
والجَحِيمُ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ (يَصْلَوْنَها) صِفَةٌ لِـ (جَحِيمٍ)، أوْ حالٌ مِنَ الفُجّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الجَحِيمِ، وصَلْيُ النّارِ: مَسُّ حَرِّها لِلْجِسْمِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ، إذا أحَسَّ بِحَرِّها، وحَقِيقَتُهُ: الإحْساسُ بِحَرِّ النّارِ المُؤْلِمِ، فَإذا أُرِيدَ التَّدَفِّي قِيلَ: اصْطَلى.
ويَوْمَ الدِّينِ ظَرْفٌ لِـ يَصْلَوْنَها وذُكِرَ لِبَيانِ: أنَّهم يَصْلَوْنَها جَزاءً عَنْ فُجُورِهِمْ؛ لِأنَّ الدِّينَ الجَزاءُ ويَوْمَ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
صفحة ١٨٣
وجُمْلَةُ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَصْلَوْنَها) أيْ: يَصْلَوْنَ حَرَّها ولا يُفارِقُونَها، أيْ: وهم خالِدُونَ فِيها.
وجِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: وما يَغِيبُونَ عَنْها، أوْ ما يُفارِقُونَها، لِإفادَةِ الِاسْمِيَّةِ الثَّباتَ سَواءٌ في الإثْباتِ أوِ النَّفْيِ، فالثَّباتُ حالَةٌ لِلنِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ سَواءٌ كانَتْ نِسْبَةَ إثْباتٍ أوْ نِسْبَةَ نَفْيٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وزِيادَةُ الباءِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
وتَقْدِيمُ (عَنْها) عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
الانفطار 82:14
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ يَخْطُرُ في نَفْسِ السّامِعِ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ لِتَشَوُّفِ النَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الجَزاءِ ما هو، وإلى مَعْرِفَةِ غايَةِ إقامَةِ المَلائِكَةِ لِإحْصاءِ الأعْمالِ ما هي، فَبُيِّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ الآيَةَ.
وأيْضًا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْسِيمَ أصْحابِ الأعْمالِ فَهي تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ فَصْلِ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.
وجِيءَ بِالكَلامِ مُؤَكَّدًا بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِيُساوِيَ البَيانُ مَبِيِّنَهُ في التَّحْقِيقِ ودَفْعِ الإنْكارِ.
صفحة ١٨٢
وكُرِّرَ التَّأْكِيدُ مَعَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ كَوْنِهِمْ في جَحِيمٍ لا يَطْمَعُوا في مُفارَقَتِهِ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ وهو التَّقِيُّ. وهو فِعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِن بَرَّ يَبَرُّ، ولِفِعْلِ بَرَّ اسْمُ مَصْدَرٍ هو بِرٌّ بِكَسْرِ الباءِ ولا يُعْرَفُ لَهُ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ بِفَتْحِ الباءِ كَأنَّهم أماتُوهُ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالبَرِّ وهو التَّقِيُّ، وإنَّما سُمِّيَ التَّقِيُّ بَرًّا لِأنَّهُ بَرَّ رَبَّهُ، أيْ: صَدَّقَهُ ووَفّى لَهُ بِما عَهِدَ لَهُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى.
والفُجّارُ: جَمْعُ فاجِرٍ، وصِيغَةُ فُعّالٍ تَطَّرِدُ في تَكْسِيرِ فاعِلٍ المُذَكَّرِ الصَّحِيحِ اللّامِ.
والفاجِرُ: المُتَّصِفُ بِالفُجُورِ وهو ضِدُّ البُرُورِ.
والمُرادُ بِالفاجِرِ هُنا: المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَغِيبُونَ عَنِ النّارِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ، ونَحْنُ أهْلَ السُّنَّةِ لا نَعْتَقِدُ الخُلُودَ في النّارِ لِغَيْرِ الكافِرِ. فَأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ فَلا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وإلّا بَطَلَتْ فائِدَةُ الإيمانِ.
والنَّعِيمُ: اسْمُ ما يَنْعَمُ بِهِ الإنْسانُ.
والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: في نَعِيمٍ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ لا يَكُونُ ظَرْفًا حَقِيقَةً، شُبِّهَ دَوامُ التَّنَعُّمِ لَهم بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ.
وأمّا ظَرْفِيَّةُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ فَهي حَقِيقِيَّةٌ.
والجَحِيمُ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ (يَصْلَوْنَها) صِفَةٌ لِـ (جَحِيمٍ)، أوْ حالٌ مِنَ الفُجّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الجَحِيمِ، وصَلْيُ النّارِ: مَسُّ حَرِّها لِلْجِسْمِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ، إذا أحَسَّ بِحَرِّها، وحَقِيقَتُهُ: الإحْساسُ بِحَرِّ النّارِ المُؤْلِمِ، فَإذا أُرِيدَ التَّدَفِّي قِيلَ: اصْطَلى.
ويَوْمَ الدِّينِ ظَرْفٌ لِـ يَصْلَوْنَها وذُكِرَ لِبَيانِ: أنَّهم يَصْلَوْنَها جَزاءً عَنْ فُجُورِهِمْ؛ لِأنَّ الدِّينَ الجَزاءُ ويَوْمَ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
صفحة ١٨٣
وجُمْلَةُ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَصْلَوْنَها) أيْ: يَصْلَوْنَ حَرَّها ولا يُفارِقُونَها، أيْ: وهم خالِدُونَ فِيها.
وجِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: وما يَغِيبُونَ عَنْها، أوْ ما يُفارِقُونَها، لِإفادَةِ الِاسْمِيَّةِ الثَّباتَ سَواءٌ في الإثْباتِ أوِ النَّفْيِ، فالثَّباتُ حالَةٌ لِلنِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ سَواءٌ كانَتْ نِسْبَةَ إثْباتٍ أوْ نِسْبَةَ نَفْيٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وزِيادَةُ الباءِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
وتَقْدِيمُ (عَنْها) عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
الانفطار 82:15
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ يَخْطُرُ في نَفْسِ السّامِعِ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ لِتَشَوُّفِ النَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الجَزاءِ ما هو، وإلى مَعْرِفَةِ غايَةِ إقامَةِ المَلائِكَةِ لِإحْصاءِ الأعْمالِ ما هي، فَبُيِّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ الآيَةَ.
وأيْضًا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْسِيمَ أصْحابِ الأعْمالِ فَهي تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ فَصْلِ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.
وجِيءَ بِالكَلامِ مُؤَكَّدًا بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِيُساوِيَ البَيانُ مَبِيِّنَهُ في التَّحْقِيقِ ودَفْعِ الإنْكارِ.
صفحة ١٨٢
وكُرِّرَ التَّأْكِيدُ مَعَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ كَوْنِهِمْ في جَحِيمٍ لا يَطْمَعُوا في مُفارَقَتِهِ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ وهو التَّقِيُّ. وهو فِعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِن بَرَّ يَبَرُّ، ولِفِعْلِ بَرَّ اسْمُ مَصْدَرٍ هو بِرٌّ بِكَسْرِ الباءِ ولا يُعْرَفُ لَهُ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ بِفَتْحِ الباءِ كَأنَّهم أماتُوهُ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالبَرِّ وهو التَّقِيُّ، وإنَّما سُمِّيَ التَّقِيُّ بَرًّا لِأنَّهُ بَرَّ رَبَّهُ، أيْ: صَدَّقَهُ ووَفّى لَهُ بِما عَهِدَ لَهُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى.
والفُجّارُ: جَمْعُ فاجِرٍ، وصِيغَةُ فُعّالٍ تَطَّرِدُ في تَكْسِيرِ فاعِلٍ المُذَكَّرِ الصَّحِيحِ اللّامِ.
والفاجِرُ: المُتَّصِفُ بِالفُجُورِ وهو ضِدُّ البُرُورِ.
والمُرادُ بِالفاجِرِ هُنا: المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَغِيبُونَ عَنِ النّارِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ، ونَحْنُ أهْلَ السُّنَّةِ لا نَعْتَقِدُ الخُلُودَ في النّارِ لِغَيْرِ الكافِرِ. فَأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ فَلا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وإلّا بَطَلَتْ فائِدَةُ الإيمانِ.
والنَّعِيمُ: اسْمُ ما يَنْعَمُ بِهِ الإنْسانُ.
والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: في نَعِيمٍ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ لا يَكُونُ ظَرْفًا حَقِيقَةً، شُبِّهَ دَوامُ التَّنَعُّمِ لَهم بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ.
وأمّا ظَرْفِيَّةُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ فَهي حَقِيقِيَّةٌ.
والجَحِيمُ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ (يَصْلَوْنَها) صِفَةٌ لِـ (جَحِيمٍ)، أوْ حالٌ مِنَ الفُجّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الجَحِيمِ، وصَلْيُ النّارِ: مَسُّ حَرِّها لِلْجِسْمِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ، إذا أحَسَّ بِحَرِّها، وحَقِيقَتُهُ: الإحْساسُ بِحَرِّ النّارِ المُؤْلِمِ، فَإذا أُرِيدَ التَّدَفِّي قِيلَ: اصْطَلى.
ويَوْمَ الدِّينِ ظَرْفٌ لِـ يَصْلَوْنَها وذُكِرَ لِبَيانِ: أنَّهم يَصْلَوْنَها جَزاءً عَنْ فُجُورِهِمْ؛ لِأنَّ الدِّينَ الجَزاءُ ويَوْمَ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
صفحة ١٨٣
وجُمْلَةُ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَصْلَوْنَها) أيْ: يَصْلَوْنَ حَرَّها ولا يُفارِقُونَها، أيْ: وهم خالِدُونَ فِيها.
وجِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: وما يَغِيبُونَ عَنْها، أوْ ما يُفارِقُونَها، لِإفادَةِ الِاسْمِيَّةِ الثَّباتَ سَواءٌ في الإثْباتِ أوِ النَّفْيِ، فالثَّباتُ حالَةٌ لِلنِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ سَواءٌ كانَتْ نِسْبَةَ إثْباتٍ أوْ نِسْبَةَ نَفْيٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وزِيادَةُ الباءِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
وتَقْدِيمُ (عَنْها) عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
الانفطار 82:16
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .
فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ يَخْطُرُ في نَفْسِ السّامِعِ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ لِتَشَوُّفِ النَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الجَزاءِ ما هو، وإلى مَعْرِفَةِ غايَةِ إقامَةِ المَلائِكَةِ لِإحْصاءِ الأعْمالِ ما هي، فَبُيِّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ الآيَةَ.
وأيْضًا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْسِيمَ أصْحابِ الأعْمالِ فَهي تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ فَصْلِ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.
وجِيءَ بِالكَلامِ مُؤَكَّدًا بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِيُساوِيَ البَيانُ مَبِيِّنَهُ في التَّحْقِيقِ ودَفْعِ الإنْكارِ.
صفحة ١٨٢
وكُرِّرَ التَّأْكِيدُ مَعَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ كَوْنِهِمْ في جَحِيمٍ لا يَطْمَعُوا في مُفارَقَتِهِ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ وهو التَّقِيُّ. وهو فِعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِن بَرَّ يَبَرُّ، ولِفِعْلِ بَرَّ اسْمُ مَصْدَرٍ هو بِرٌّ بِكَسْرِ الباءِ ولا يُعْرَفُ لَهُ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ بِفَتْحِ الباءِ كَأنَّهم أماتُوهُ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالبَرِّ وهو التَّقِيُّ، وإنَّما سُمِّيَ التَّقِيُّ بَرًّا لِأنَّهُ بَرَّ رَبَّهُ، أيْ: صَدَّقَهُ ووَفّى لَهُ بِما عَهِدَ لَهُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى.
والفُجّارُ: جَمْعُ فاجِرٍ، وصِيغَةُ فُعّالٍ تَطَّرِدُ في تَكْسِيرِ فاعِلٍ المُذَكَّرِ الصَّحِيحِ اللّامِ.
والفاجِرُ: المُتَّصِفُ بِالفُجُورِ وهو ضِدُّ البُرُورِ.
والمُرادُ بِالفاجِرِ هُنا: المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَغِيبُونَ عَنِ النّارِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ، ونَحْنُ أهْلَ السُّنَّةِ لا نَعْتَقِدُ الخُلُودَ في النّارِ لِغَيْرِ الكافِرِ. فَأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ فَلا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وإلّا بَطَلَتْ فائِدَةُ الإيمانِ.
والنَّعِيمُ: اسْمُ ما يَنْعَمُ بِهِ الإنْسانُ.
والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: في نَعِيمٍ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ لا يَكُونُ ظَرْفًا حَقِيقَةً، شُبِّهَ دَوامُ التَّنَعُّمِ لَهم بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ.
وأمّا ظَرْفِيَّةُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ فَهي حَقِيقِيَّةٌ.
والجَحِيمُ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.
وجُمْلَةُ (يَصْلَوْنَها) صِفَةٌ لِـ (جَحِيمٍ)، أوْ حالٌ مِنَ الفُجّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الجَحِيمِ، وصَلْيُ النّارِ: مَسُّ حَرِّها لِلْجِسْمِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ، إذا أحَسَّ بِحَرِّها، وحَقِيقَتُهُ: الإحْساسُ بِحَرِّ النّارِ المُؤْلِمِ، فَإذا أُرِيدَ التَّدَفِّي قِيلَ: اصْطَلى.
ويَوْمَ الدِّينِ ظَرْفٌ لِـ يَصْلَوْنَها وذُكِرَ لِبَيانِ: أنَّهم يَصْلَوْنَها جَزاءً عَنْ فُجُورِهِمْ؛ لِأنَّ الدِّينَ الجَزاءُ ويَوْمَ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.
صفحة ١٨٣
وجُمْلَةُ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَصْلَوْنَها) أيْ: يَصْلَوْنَ حَرَّها ولا يُفارِقُونَها، أيْ: وهم خالِدُونَ فِيها.
وجِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: وما يَغِيبُونَ عَنْها، أوْ ما يُفارِقُونَها، لِإفادَةِ الِاسْمِيَّةِ الثَّباتَ سَواءٌ في الإثْباتِ أوِ النَّفْيِ، فالثَّباتُ حالَةٌ لِلنِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ سَواءٌ كانَتْ نِسْبَةَ إثْباتٍ أوْ نِسْبَةَ نَفْيٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وزِيادَةُ الباءِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
وتَقْدِيمُ (عَنْها) عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
الانفطار 82:17
﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً، والواوُ واوُ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً إذا جُعِلَ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] بَدَلًا مِن يَوْمَ الدِّينِ المَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما سَيَأْتِي.
و﴿ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨]: تَرْكِيبٌ مُرَكَّبٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ وفِعْلِ الدِّرايَةِ المُعَدّى بِالهَمْزَةِ فَصارَ فاعِلُهُ مَفْعُولًا زائِدًا عَلى مَفْعُولَيْ دَرى، وهو مِن قَبِيلِ: أعْلَمُ وأرى، فالكافُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وقَدْ عُلِّقَ عَلى المَفْعُولَيْنِ الآخَرَيْنِ بِـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ الثّانِيَةِ.
والِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ أمْرِ اليَوْمِ وتَهْوِيلِهِ بِحَيْثُ يَسْألُ المُتَكَلِّمُ مَن يَسْمَعُهُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الدِّرايَةُ بِكُنْهِ ذَلِكَ اليَوْمِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ لا تَصِلُ إلى كُنْهِهِ دِرايَةُ دارٍ.
والِاسْتِفْهامُ الثّانِي حَقِيقِيٌّ، أيْ: سُؤالُ سائِلٍ عَنْ حَقِيقَةِ يَوْمِ الدِّينِ كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ هَلْ زِيدٌ قائِمٌ، أيْ: عَلِمْتُ جَوابَ هَذا السُّؤالِ.
ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ فَلا يُغَيَّرُ لَفْظُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] .
الانفطار 82:18
صفحة ١٨٤
﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ .
تَكْرِيرٌ لِلتَّهْوِيلِ تَكْرِيرًا يُؤْذِنُ بِزِيادَتِهِ، أيْ: تَجاوُزُ حَدِّ الوَصْفِ والتَّعْبِيرِ فَهو مِنَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقُرِنَ هَذا بِحَرْفِ ثُمَّ الَّذِي شَأْنُهُ إذا عَطَفَ جُمْلَةً عَلى أُخْرى أنْ يُفِيدَ التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ، أيْ: تَباعُدُ الرُّتْبَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهي في هَذا المَقامِ رُتْبَةُ العَظَمَةِ والتَّهْوِيلِ، فالتَّراخِي فِيها هو الزِّيادَةُ.
الانفطار 82:19
﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ .
فِي هَذا بَيانٌ لِلتَّهْوِيلِ العَظِيمِ المُجْمَلِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] إذِ التَّهْوِيلُ مُشْعِرٌ بِحُصُولِ ما يَخافُهُ المُهَوَّلُ لَهم فَأتْبَعَ ذَلِكَ بِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ مَعَ التَّأْيِيسِ مِن وِجْدانِ نَصِيرٍ أوْ مُعِينٍ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ يَوْمَ فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلًا مُطابِقًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِن يَوْمُ الدِّينِ المَرْفُوعِ بِـ ﴿ما أدْراكَ﴾ [الإنفطار: ١٨] وتُجْعَلُ فَتْحَتُهُ فَتْحَةَ بِناءٍ؛ لِأنَّ اسْمَ الزَّمانِ إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وكانَ فِعْلُها مُعْرَبًا جازَ في اسْمِ الزَّمانِ أنْ يُبْنى عَلى الفَتْحِ وأنْ يُعْرَبَ بِحَسَبِ العَوامِلِ.
ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مُطابِقًا مِن يَوْمَ الدِّينِ المَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥]، ولا يَفُوتُ بَيانُ الإبْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧]؛ لِأنَّ يَوْمُ الدِّينِ المَرْفُوعَ المَذْكُورَ ثانِيًا هو عَيْنُ يَوْمَ الدِّينِ المَنصُوبِ أوَّلًا، فَإذا وقَعَ بَيانٌ لِلْمَذْكُورِ أوَّلًا حَصَلَ بَيانُ المَذْكُورِ ثانِيًا إذْ مَدْلُولُهُما يَوْمٌ مُتَّحِدٌ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ مَرْفُوعَةً، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا أوْ بَيانًا مِن يَوْمُ الدِّينِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] .
ومَعْنى ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾: لا تَقْدِرُ نَفْسٌ عَلى شَيْءٍ لِأجْلِ نَفْسٍ أُخْرى، أيْ: لِنَفْعِها؛ لِأنَّ شَأْنَ لامِ التَّعْلِيلِ أنْ تَدْخُلَ عَلى المُنْتَفِعِ بِالفِعْلِ عَكْسَ (عَلى)، فَإنَّها تَدْخُلُ عَلى المُتَضَرِّرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]،
صفحة ١٨٥
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] في سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ.
وعُمُومُ (نَفْسٍ) الأُولى والثّانِيَةِ في سِياقِ النَّفْيِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ في كُلِّ نَفْسٍ.
و(شَيْئًا) اسْمٌ يَدُلُّ عَلى جِنْسِ المَوْجُودِ، وهو مُتَوَغِّلٌ في الإبْهامِ يُفَسِّرُهُ ما يَقْتَرِنُ بِهِ في الكَلامِ مِن تَمْيِيزٍ أوْ صِفَةٍ أوْ نَحْوِهِما، أوْ مِنَ السِّياقِ، ويُبَيِّنُهُ هُنا ما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ ﴿لا تَمْلِكُ﴾ ولامُ العِلَّةِ، أيْ: شَيْئًا يُغْنِي عَنْها ويَنْفَعُها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] في سُورَةِ يُوسُفَ، فانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ ﴿لا تَمْلِكُ﴾، أيْ: لَيْسَ في قُدْرَتِها شَيْءٌ يَنْفَعُ نَفْسًا أُخْرى.
وهَذا يُفِيدُ تَأْيِيسَ المُشْرِكِينَ مِن أنْ تَنْفَعَهم أصْنامُهم يَوْمَئِذٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤] .
* * *
﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾
وجُمْلَةُ ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ، والتَّعْرِيفُ في الأمْرِ لِلِاسْتِغْراقِ. والأمْرُ هُنا بِمَعْنى: التَّصَرُّفِ والإذْنِ وهو واحِدُ الأوامِرِ، أيْ: لا يَأْمُرُ إلّا اللَّهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ مُرادِفًا لِلشَّيْءِ فَتَغْيِيرُ التَّعْبِيرِ لِلتَّفَنُّنِ.
والتَّعْرِيفُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُسْتَعْمَلِ لِإرادَةِ الِاسْتِغْراقِ، فَيَعُمُّ كُلَّ الأُمُورِ وبِذَلِكَ العُمُومِ كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.
وأفادَتْ لامُ الِاخْتِصاصِ مَعَ عُمُومِ الأمْرِ أنَّهُ لا أمْرَ يَوْمَئِذٍ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَصْدُرُ مِن غَيْرِهِ فِعْلٌ، ولَيْسَ في هَذا التَّرْكِيبِ صِيغَةُ حَصْرٍ، ولَكِنَّهُ آيِلٌ إلى مَعْنى الحَصْرِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: الحَمْدُ لِلَّهِ.
وفِي هَذا الخِتامِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ؛ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ ابْتُدِئْ بِالخَبَرِ عَنْ بَعْضِ أحْوالِ يَوْمِ الجَزاءِ وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِبَعْضِ أحْوالِهِ.
* * *
صفحة ١٨٦
صفحة ١٨٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُطَفِّفِينَ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كُتُبِ السُّنَّةِ وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ، والتِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ والمَصاحِفِ (سُورَةَ المُطَفِّفِينَ) اخْتِصارًا.
ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّورِ ذَواتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ وسَمّاها (سُورَةَ المُطَفِّفِينَ) وفِيهِ نَظَرٌ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً أوْ بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ. فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ: أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الأصَحِّ عَنْهُ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَ: وهي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ وقَتادَةَ: هي مَدَنِيَّةٌ إلّا ثَمانِيَ آياتٍ مِن آخِرِها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ [المطففين: ٢٩] إلى آخِرِها.
وقالَ الكَلْبِيُّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَهي لِذَلِكَ مَكِّيَّةٌ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في المَدَنِيِّ بِما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ عَلى المُخْتارِ مِنَ الأقْوالِ لِأهْلِ عِلْمِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: احْتَجَّ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ بِذِكْرِ الأساطِيرِ فِيها أيْ: قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] . والَّذِي نَخْتارُهُ: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ التَّعْرِيضُ بِمُنْكِرِي البَعْثِ.
ومِنَ اللَّطائِفِ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ؛ لِأنَّ التَّطْفِيفَ كانَ فاشِيًا في البَلَدَيْنِ. وقَدْ حَصَلَ مِنِ اخْتِلافِهِمْ أنَّها: إمّا آخِرُ ما أُنْزِلَ بِمَكَّةَ وإمّا أوَّلُ ما أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ، والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ قَوْلٌ حَسَنٌ.
صفحة ١٨٨
فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيءُ ﷺ المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ» .
وعَنِ القُرَظِيِّ ”كانَ بِالمَدِينَةِ تُجّارٌ يُطَفِّفُونَ الكَيْلَ وكانَتْ بَياعاتُهم كَسَبَةَ القِمارِ والمُلامَسَةَ والمُنابَذَةَ والمُخاصَرَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى السُّوقِ وقَرَأها، وكانَتْ عادَةً فَشَتْ فِيهِمْ مِن زَمَنِ الشِّرْكِ فَلَمْ يَتَفَطَّنْ بَعْضُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لِما فِيهِ مِن أكْلِ مالِ النّاسِ. فَأُرِيدَ إيقاظُهم لِذَلِكَ، فَكانَتْ مُقَدِّمَةً لِإصْلاحِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ مَعَ تَشْنِيعِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ويَثْرِبَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَنُّوا التَّطْفِيفَ“ .
وما أنْسَبَ هَذا المَقْصِدِ بِأنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ لِتَطْهِيرِ المَدِينَةِ مِن فَسادِ المُعامَلاتِ التِّجارِيَّةِ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ لِئَلّا يَشْهَدَ فِيها مُنْكَرًا عامًّا فَإنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ لا يَخْلُو وقْتٌ عَنِ التَّعامُلِ بِهِما في الأسْواقِ وفي المُبادَلاتِ.
وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّادِسَةَ والثَمانِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ وقَبْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَدَدُ آيِها سِتٌّ وثَلاثُونَ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى التَّحْذِيرِ مِنَ التَّطْفِيفِ في الكَيْلِ والوَزْنِ وتَفْظِيعِهِ بِأنَّهُ تَحَيُّلٌ عَلى أكْلِ مالِ النّاسِ في حالِ المُعامَلَةِ أخْذًا وإعْطاءً.
وأنَّ ذَلِكَ مِمّا سَيُحاسَبُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وتَهْوِيلُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ وُقُوفٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لِيَفْصِلَ بَيْنَهم ولِيُجازِيَهم عَلى أعْمالِهِمْ وأنَّ الأعْمالَ مُحْصاةٌ عِنْدَ اللَّهِ.
ووَعِيدُ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الجَزاءِ والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
صفحة ١٨٩
وقُوبِلَ حالُهم بِضِدِّهِ مِن حالِ الأبْرارِ أهْلِ الإيمانِ ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ وإعْلانِ كَرامَتِهِمْ بَيْنَ المَلائِكَةِ والمُقَرَّبِينَ وذِكْرِ صُوَرٍ مِن نَعِيمِهِمْ.
وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى وصْفِ حالِ الفَرِيقَيْنِ في هَذا العالَمِ الزّائِلِ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يَسْخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَلْمِزُونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهم وكَيْفَ انْقَلَبَ الحالُ في العالَمِ الأبَدِيِّ.