Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — المطففين 83:1 – المطففين 83:36
المحتويات
- المطففين 83:1
- المطففين 83:2
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:9
- المطففين 83:10
- المطففين 83:11
- المطففين 83:12
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:18
- المطففين 83:19
- المطففين 83:20
- المطففين 83:21
- المطففين 83:22
- المطففين 83:23
- المطففين 83:24
- المطففين 83:25
- المطففين 83:26
- المطففين 83:27
- المطففين 83:28
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:32
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:35
- المطففين 83:36
المطففين 83:1
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ افْتِتاحُ السُّورَةِ بِاسْمِ الوَيْلِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى وعِيدٍ بِلَفْظِ ويْلٍ مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . وقَدْ أخَذَ أبُو بَكْرِ بْنُ الخازِنِ مِن عَكْسِهِ قَوْلَهُ في طالِعِ قَصِيدَةٍ بِتَهْنِئَتِهِ بِمَوْلُودٍ:
بُشْرى فَقَدْ أنْجَزَ الإقْبالُ ما وعَدا
والتَّطْفِيفُ: النَّقْصُ عَنْ حَقِّ المِقْدارِ في المَوْزُونِ أوِ المَكِيلِ، وهو مَصْدَرُ طَفَّفَ إذْ بَلَغَ الطُّفافَةَ. والطُّفافُ بِضَمِّ الطّاءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ ما قَصُرَ عَنْ مَلْءِ الإناءِ مِن شَرابٍ أوْ طَعامٍ، ويُقالُ: الطَفُّ بِفَتْحِ الطّاءِ دُونَ هاءِ تَأْنِيثٍ، وتُطْلَقُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ عَلى ما تَجاوَزَ حَرْفَ المِكْيالِ مِمّا يُمْلَأُ بِهِ، وإنَّما يَكُونُ شَيْئًا قَلِيلًا زائِدًا عَلى ما مَلَأ الإناءَ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَتْ طُفافَةً، أيْ: قَلِيلُ زِيادَةٍ.
ولا نَعْرِفُ لَهُ فِعْلًا مُجَرَّدًا إذْ لَمْ يُنْقَلْ إلّا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ، وفِعْلُهُ: طَفَّفَ، كَأنَّهم راعَوْا في صِيغَةِ التَّفْعِيلِ مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ؛ لِأنَّ المُطَفِّفَ يُحاوِلُ أنْ يَنْقُصَ الكَيْلَ دُونَ أنْ يَشْعُرَ بِهِ المُكْتالُ، ويُقابِلُهُ الوَفاءُ.
و(ويْلٌ) كَلِمَةُ دُعاءٍ بِسُوءِ الحالِ، وهي في القُرْآنِ وعِيدٌ بِالعِقابِ وتَقْرِيعٌ، والوَيْلُ: اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ لِعَدَمِ وُجُودِ فِعْلٍ لَهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهُوَ مِن عَمَلِ المُتَصَدِّينَ لِلتَّجْرِ يَغْتَنِمُونَ حاجَةَ النّاسِ إلى الِابْتِياعِ مِنهم وإلى البَيْعِ لَهم؛ لِأنَّ التُّجّارَ هم أصْحابُ رُءُوسِ الأمْوالِ وبِيَدِهِمُ المَكايِيلُ والمَوازِينُ، وكانَ
صفحة ١٩٠
أهْلُ مَكَّةَ تُجّارًا، وكانَ في يَثْرِبَ تُجارٌ أيْضًا وفِيهِمُ اليَهُودُ مِثْلُ: أبِي رافِعٍ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ تاجِرَيْ أهْلِ الحِجازِ، وكانَتْ تِجارَتُهم في التَّمْرِ والحُبُوبِ، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَتَعامَلُونَ بِالوَزْنِ؛ لِأنَّهم يَتَّجِرُونَ في أصْنافِ السِّلَعِ ويَزِنُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وأهْلُ يَثْرِبَ يَتَعامَلُونَ بِالكَيْلِ.
والآيَةُ تُؤْذِنُ بِأنَّ التَّطْفِيفَ كانَ مُتَفَشِّيًا في المَدِينَةِ في أوَّلِ مُدَّةِ الهِجْرَةِ، واخْتِلاطُ المُسْلِمِينَ بِالمُنافِقِينَ يُسَبِّبُ ذَلِكَ.
واجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ أهْلَ يَثْرِبَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وكانَ مِمَّنِ اشْتُهِرَ بِالتَّطْفِيفِ في المَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ واسْمُهُ عَمْرٌو، كانَ لَهُ صاعانِ يَأْخُذُ بِأحَدِهِما ويُعْطِي بِالآخَرِ.
فَجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ إدْماجٌ، مَسُوقَةٌ لِكَشْفِ عادَةٍ ذَمِيمَةٍ فِيهِمْ هي الحِرْصُ عَلى تَوْفِيرِ مِقْدارِ ما يَبْتاعُونَهُ بِدُونِ حَقٍّ لَهم فِيهِ، والمَقْصُودُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها وهي جُمْلَةُ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ فَهم مَذْمُومُونَ بِمَجْمُوعِ ضِمْنِ الجُمْلَتَيْنِ.
والِاكْتِيالُ: افْتِعالٌ مِنَ الكَيْلِ، وهو يُسْتَعْمَلُ في تَسَلُّمِ ما يُكالُ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ أفْعالِ: ابْتاعَ، وارْتَهَنَ، واشْتَرى، في مَعْنى أخْذِ المَبِيعِ، وأخْذِ الشَّيْءِ المَرْهُونِ وأخْذِ السِّلْعَةِ المُشْتَراةِ، فَهو مُطاوِعُ كالَ، كَما أنَّ ابْتاعَ مُطاوِعُ باعَ، وارْتَهَنَ مُطاوِعُ رَهَنَ، واشْتَرى مُطاوِعُ شَرى، قالَ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ [يوسف: ٦٣] أيْ: نَأْخُذْ طَعامًا مَكِيلًا، ثُمَّ تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ.
وحَقُّ فِعْلِ اكْتالَ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو المَكِيلُ، فَيُقالُ: اكْتالَ فُلانٌ طَعامًا مِثْلُ ابْتاعَ، ويُعَدّى إلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِحَرْفِ الجَرِّ مِثْلَ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ فَيُقالُ: اكْتالَ طَعامًا مِن فُلانٍ، وإنَّما عُدِّيَ في الآيَةِ بِحَرْفِ عَلى لِتَضْمِينِ اكْتالُوا مَعْنى التَّحامُلِ، أيْ: إلْقاءُ المَشَقَّةِ عَلى الغَيْرِ وظُلْمُهُ، ذَلِكَ أنَّ شَأْنَ التّاجِرِ وخُلُقَهُ أنْ يَتَطَلَّبَ تَوْفِيرَ الرِّبْحِ وأنَّهُ مَظِنَّةُ السَّعَةِ ووُجُودُ المالِ بِيَدِهِ فَهو
صفحة ١٩١
يَسْتَعْمِلُ حاجَةَ مَن يَأْتِيهِ بِالسِّلْعَةِ، وعَنِ الفَرّاءِ مِن وعَلى يَتَعاقَبانِ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَإذا قالَ اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ: اكْتَلْتُ مِنكَ فَكَقَوْلِهِ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ.
فَمَعْنى ﴿اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ اشْتَرَوْا مِنَ النّاسِ ما يُباعُ بِالكَيْلِ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ في فِعْلِ اكْتالُوا أيِ: اكْتالُوا مَكِيلًا، ومَعْنى كالُوهم باعُوا لِلنّاسِ مَكِيلًا فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ.
فالواوانِ مِن ﴿كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ عائِدانِ إلى اسْمِ المَوْصُولِ والضَّمِيرانِ المُنْفَصِلانِ عائِدانِ إلى النّاسِ.
وتَعْدِيَةُ كالُوا، ووَزَنُوا إلى الضَّمِيرَيْنِ عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ. وأصْلُهُ: كالُوا لَهم ووَزَنُوا لَهم، كَما حُذِفَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أيْ: تَسْتَرْضِعُوا لِأوْلادِكم، وقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: ”الحَرِيصُ يَصِيدُكَ لا الجَوادُ“ أيِ: الحَرِيصُ يَصِيدُ لَكَ. وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: نَصَحْتُكَ وشَكَرْتُكَ، أصْلُهُما نَصَحْتُ لَكَ وشَكَرْتُ لَكَ؛ لِأنَّ فِعْلَ كالَ وفِعْلَ وزَنَ لا يَتَعَدَّيانِ بِأنْفُسِهِما إلّا إلى الشَّيْءِ المَكِيلِ أوِ المَوْزُونِ يُقالُ: كالَ لَهُ طَعامًا ووَزَنَ لَهُ فِضَّةً، ولِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ عَلى اللِّسانِ خَفَّفُوهُ فَقالُوا: كالَهُ ووَزَنَهُ طَعامًا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ.
قالَ الفَرّاءُ: هو مِن كَلامِ أهْلِ الحِجازِ ومَن جاوَرَهم مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: يَكِيلُنا، يَعْنِي: ويَقُولُونَ أيْضًا: كالَ لَهُ ووَزَنَ لَهُ. وهو يُرِيدُ أنَّ غَيْرَ أهْلِ الحِجازِ وقَيْسٍ لا يَقُولُونَ: كالَ لَهُ ووَزَنَ لَهُ، ولا يَقُولُونَ إلّا: كالَهُ ووَزَنَهُ، فَيَكُونُ فِعْلُ كالَ عِنْدَهم مِثْلُ باعَ.
والِاقْتِصارُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: وإذا اتَّزَنُوا كَما قالَ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ اكْتِفاءٌ بِذِكْرِ الوَزْنِ في الثّانِي تَجَنُّبًا لِفِعْلِ اتَّزَنُوا لِقِلَّةِ دَوَرانِهِ في الكَلامِ فَكانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ. ولِنُكْتَةٍ أُخْرى وهي أنَّ المُطَفِّفِينَ هم أهْلُ التَّجْرِ وهم يَأْخُذُونَ السِّلَعَ مِنَ الجالِبِينَ في الغالِبِ بِالكَيْلِ؛ لِأنَّ الجالِبِينَ يَجْلِبُونَ التَّمْرَ والحِنْطَةَ ونَحْوَهُما مِمّا يُكالُ ويَدْفَعُونَ لَهُمُ الأثْمانَ عَيْنًا بِما يُوزَنُ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مَسْكُوكَيْنِ أوْ غَيْرَ مَسْكُوكَيْنِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ في ابْتِياعِهِمْ مِنَ الجالِبِينَ عَلى
صفحة ١٩٢
الِاكْتِيالِ نَظَرًا إلى الغالِبِ، وذَكَرَ في بَيْعِهِمْ لِلْمُبْتاعِينَ الكَيْلَ والوَزْنَ لِأنَّهم يَبِيعُونَ الأشْياءَ كَيْلًا ويَقْبِضُونَ الأثْمانَ وزْنًا، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ التَّطْفِيفَ مِن عَمَلِ تُجّارِهِمْ.
و(يَسْتَوْفُونَ) جَوابُ إذا والِاسْتِيفاءُ أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ مِثْلَ: اسْتَجابَ.
ومَعْنى يُخْسِرُونَ يُوقِعُونَ الَّذِينَ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم في الخَسارَةِ، والخَسارَةُ النَّقْصُ مِنَ المالِ في التَّبايُعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّساهُلِ في التَّطْفِيفِ إذْ وجَدُوهُ فاشِيًا في المَدِينَةِ في أوَّلِ هِجْرَتِهِمْ وذَمٌّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ.
وحَسْبُهم أنَّ التَّطْفِيفَ يَجْمَعُ ظُلْمًا واخْتِلاسًا ولُؤْمًا، والعَرَبُ كانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِلالِ مُتَفَرِّقَةً ويَتَبَرَّئُونَ مِنها، ثُمَّ يَأْتُونَها مُجْتَمِعَةً، وناهِيكَ بِذَلِكَ أفَنًا.
المطففين 83:2
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ افْتِتاحُ السُّورَةِ بِاسْمِ الوَيْلِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى وعِيدٍ بِلَفْظِ ويْلٍ مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . وقَدْ أخَذَ أبُو بَكْرِ بْنُ الخازِنِ مِن عَكْسِهِ قَوْلَهُ في طالِعِ قَصِيدَةٍ بِتَهْنِئَتِهِ بِمَوْلُودٍ:
بُشْرى فَقَدْ أنْجَزَ الإقْبالُ ما وعَدا
والتَّطْفِيفُ: النَّقْصُ عَنْ حَقِّ المِقْدارِ في المَوْزُونِ أوِ المَكِيلِ، وهو مَصْدَرُ طَفَّفَ إذْ بَلَغَ الطُّفافَةَ. والطُّفافُ بِضَمِّ الطّاءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ ما قَصُرَ عَنْ مَلْءِ الإناءِ مِن شَرابٍ أوْ طَعامٍ، ويُقالُ: الطَفُّ بِفَتْحِ الطّاءِ دُونَ هاءِ تَأْنِيثٍ، وتُطْلَقُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ عَلى ما تَجاوَزَ حَرْفَ المِكْيالِ مِمّا يُمْلَأُ بِهِ، وإنَّما يَكُونُ شَيْئًا قَلِيلًا زائِدًا عَلى ما مَلَأ الإناءَ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَتْ طُفافَةً، أيْ: قَلِيلُ زِيادَةٍ.
ولا نَعْرِفُ لَهُ فِعْلًا مُجَرَّدًا إذْ لَمْ يُنْقَلْ إلّا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ، وفِعْلُهُ: طَفَّفَ، كَأنَّهم راعَوْا في صِيغَةِ التَّفْعِيلِ مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ؛ لِأنَّ المُطَفِّفَ يُحاوِلُ أنْ يَنْقُصَ الكَيْلَ دُونَ أنْ يَشْعُرَ بِهِ المُكْتالُ، ويُقابِلُهُ الوَفاءُ.
و(ويْلٌ) كَلِمَةُ دُعاءٍ بِسُوءِ الحالِ، وهي في القُرْآنِ وعِيدٌ بِالعِقابِ وتَقْرِيعٌ، والوَيْلُ: اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ لِعَدَمِ وُجُودِ فِعْلٍ لَهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهُوَ مِن عَمَلِ المُتَصَدِّينَ لِلتَّجْرِ يَغْتَنِمُونَ حاجَةَ النّاسِ إلى الِابْتِياعِ مِنهم وإلى البَيْعِ لَهم؛ لِأنَّ التُّجّارَ هم أصْحابُ رُءُوسِ الأمْوالِ وبِيَدِهِمُ المَكايِيلُ والمَوازِينُ، وكانَ
صفحة ١٩٠
أهْلُ مَكَّةَ تُجّارًا، وكانَ في يَثْرِبَ تُجارٌ أيْضًا وفِيهِمُ اليَهُودُ مِثْلُ: أبِي رافِعٍ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ تاجِرَيْ أهْلِ الحِجازِ، وكانَتْ تِجارَتُهم في التَّمْرِ والحُبُوبِ، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَتَعامَلُونَ بِالوَزْنِ؛ لِأنَّهم يَتَّجِرُونَ في أصْنافِ السِّلَعِ ويَزِنُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وأهْلُ يَثْرِبَ يَتَعامَلُونَ بِالكَيْلِ.
والآيَةُ تُؤْذِنُ بِأنَّ التَّطْفِيفَ كانَ مُتَفَشِّيًا في المَدِينَةِ في أوَّلِ مُدَّةِ الهِجْرَةِ، واخْتِلاطُ المُسْلِمِينَ بِالمُنافِقِينَ يُسَبِّبُ ذَلِكَ.
واجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ أهْلَ يَثْرِبَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وكانَ مِمَّنِ اشْتُهِرَ بِالتَّطْفِيفِ في المَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ واسْمُهُ عَمْرٌو، كانَ لَهُ صاعانِ يَأْخُذُ بِأحَدِهِما ويُعْطِي بِالآخَرِ.
فَجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ إدْماجٌ، مَسُوقَةٌ لِكَشْفِ عادَةٍ ذَمِيمَةٍ فِيهِمْ هي الحِرْصُ عَلى تَوْفِيرِ مِقْدارِ ما يَبْتاعُونَهُ بِدُونِ حَقٍّ لَهم فِيهِ، والمَقْصُودُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها وهي جُمْلَةُ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ فَهم مَذْمُومُونَ بِمَجْمُوعِ ضِمْنِ الجُمْلَتَيْنِ.
والِاكْتِيالُ: افْتِعالٌ مِنَ الكَيْلِ، وهو يُسْتَعْمَلُ في تَسَلُّمِ ما يُكالُ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ أفْعالِ: ابْتاعَ، وارْتَهَنَ، واشْتَرى، في مَعْنى أخْذِ المَبِيعِ، وأخْذِ الشَّيْءِ المَرْهُونِ وأخْذِ السِّلْعَةِ المُشْتَراةِ، فَهو مُطاوِعُ كالَ، كَما أنَّ ابْتاعَ مُطاوِعُ باعَ، وارْتَهَنَ مُطاوِعُ رَهَنَ، واشْتَرى مُطاوِعُ شَرى، قالَ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ [يوسف: ٦٣] أيْ: نَأْخُذْ طَعامًا مَكِيلًا، ثُمَّ تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ.
وحَقُّ فِعْلِ اكْتالَ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو المَكِيلُ، فَيُقالُ: اكْتالَ فُلانٌ طَعامًا مِثْلُ ابْتاعَ، ويُعَدّى إلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِحَرْفِ الجَرِّ مِثْلَ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ فَيُقالُ: اكْتالَ طَعامًا مِن فُلانٍ، وإنَّما عُدِّيَ في الآيَةِ بِحَرْفِ عَلى لِتَضْمِينِ اكْتالُوا مَعْنى التَّحامُلِ، أيْ: إلْقاءُ المَشَقَّةِ عَلى الغَيْرِ وظُلْمُهُ، ذَلِكَ أنَّ شَأْنَ التّاجِرِ وخُلُقَهُ أنْ يَتَطَلَّبَ تَوْفِيرَ الرِّبْحِ وأنَّهُ مَظِنَّةُ السَّعَةِ ووُجُودُ المالِ بِيَدِهِ فَهو
صفحة ١٩١
يَسْتَعْمِلُ حاجَةَ مَن يَأْتِيهِ بِالسِّلْعَةِ، وعَنِ الفَرّاءِ مِن وعَلى يَتَعاقَبانِ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَإذا قالَ اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ: اكْتَلْتُ مِنكَ فَكَقَوْلِهِ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ.
فَمَعْنى ﴿اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ اشْتَرَوْا مِنَ النّاسِ ما يُباعُ بِالكَيْلِ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ في فِعْلِ اكْتالُوا أيِ: اكْتالُوا مَكِيلًا، ومَعْنى كالُوهم باعُوا لِلنّاسِ مَكِيلًا فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ.
فالواوانِ مِن ﴿كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ عائِدانِ إلى اسْمِ المَوْصُولِ والضَّمِيرانِ المُنْفَصِلانِ عائِدانِ إلى النّاسِ.
وتَعْدِيَةُ كالُوا، ووَزَنُوا إلى الضَّمِيرَيْنِ عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ. وأصْلُهُ: كالُوا لَهم ووَزَنُوا لَهم، كَما حُذِفَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أيْ: تَسْتَرْضِعُوا لِأوْلادِكم، وقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: ”الحَرِيصُ يَصِيدُكَ لا الجَوادُ“ أيِ: الحَرِيصُ يَصِيدُ لَكَ. وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: نَصَحْتُكَ وشَكَرْتُكَ، أصْلُهُما نَصَحْتُ لَكَ وشَكَرْتُ لَكَ؛ لِأنَّ فِعْلَ كالَ وفِعْلَ وزَنَ لا يَتَعَدَّيانِ بِأنْفُسِهِما إلّا إلى الشَّيْءِ المَكِيلِ أوِ المَوْزُونِ يُقالُ: كالَ لَهُ طَعامًا ووَزَنَ لَهُ فِضَّةً، ولِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ عَلى اللِّسانِ خَفَّفُوهُ فَقالُوا: كالَهُ ووَزَنَهُ طَعامًا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ.
قالَ الفَرّاءُ: هو مِن كَلامِ أهْلِ الحِجازِ ومَن جاوَرَهم مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: يَكِيلُنا، يَعْنِي: ويَقُولُونَ أيْضًا: كالَ لَهُ ووَزَنَ لَهُ. وهو يُرِيدُ أنَّ غَيْرَ أهْلِ الحِجازِ وقَيْسٍ لا يَقُولُونَ: كالَ لَهُ ووَزَنَ لَهُ، ولا يَقُولُونَ إلّا: كالَهُ ووَزَنَهُ، فَيَكُونُ فِعْلُ كالَ عِنْدَهم مِثْلُ باعَ.
والِاقْتِصارُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: وإذا اتَّزَنُوا كَما قالَ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ اكْتِفاءٌ بِذِكْرِ الوَزْنِ في الثّانِي تَجَنُّبًا لِفِعْلِ اتَّزَنُوا لِقِلَّةِ دَوَرانِهِ في الكَلامِ فَكانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ. ولِنُكْتَةٍ أُخْرى وهي أنَّ المُطَفِّفِينَ هم أهْلُ التَّجْرِ وهم يَأْخُذُونَ السِّلَعَ مِنَ الجالِبِينَ في الغالِبِ بِالكَيْلِ؛ لِأنَّ الجالِبِينَ يَجْلِبُونَ التَّمْرَ والحِنْطَةَ ونَحْوَهُما مِمّا يُكالُ ويَدْفَعُونَ لَهُمُ الأثْمانَ عَيْنًا بِما يُوزَنُ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مَسْكُوكَيْنِ أوْ غَيْرَ مَسْكُوكَيْنِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ في ابْتِياعِهِمْ مِنَ الجالِبِينَ عَلى
صفحة ١٩٢
الِاكْتِيالِ نَظَرًا إلى الغالِبِ، وذَكَرَ في بَيْعِهِمْ لِلْمُبْتاعِينَ الكَيْلَ والوَزْنَ لِأنَّهم يَبِيعُونَ الأشْياءَ كَيْلًا ويَقْبِضُونَ الأثْمانَ وزْنًا، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ التَّطْفِيفَ مِن عَمَلِ تُجّارِهِمْ.
و(يَسْتَوْفُونَ) جَوابُ إذا والِاسْتِيفاءُ أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ مِثْلَ: اسْتَجابَ.
ومَعْنى يُخْسِرُونَ يُوقِعُونَ الَّذِينَ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم في الخَسارَةِ، والخَسارَةُ النَّقْصُ مِنَ المالِ في التَّبايُعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّساهُلِ في التَّطْفِيفِ إذْ وجَدُوهُ فاشِيًا في المَدِينَةِ في أوَّلِ هِجْرَتِهِمْ وذَمٌّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ.
وحَسْبُهم أنَّ التَّطْفِيفَ يَجْمَعُ ظُلْمًا واخْتِلاسًا ولُؤْمًا، والعَرَبُ كانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِلالِ مُتَفَرِّقَةً ويَتَبَرَّئُونَ مِنها، ثُمَّ يَأْتُونَها مُجْتَمِعَةً، وناهِيكَ بِذَلِكَ أفَنًا.
المطففين 83:3
﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ افْتِتاحُ السُّورَةِ بِاسْمِ الوَيْلِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى وعِيدٍ بِلَفْظِ ويْلٍ مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . وقَدْ أخَذَ أبُو بَكْرِ بْنُ الخازِنِ مِن عَكْسِهِ قَوْلَهُ في طالِعِ قَصِيدَةٍ بِتَهْنِئَتِهِ بِمَوْلُودٍ:
بُشْرى فَقَدْ أنْجَزَ الإقْبالُ ما وعَدا
والتَّطْفِيفُ: النَّقْصُ عَنْ حَقِّ المِقْدارِ في المَوْزُونِ أوِ المَكِيلِ، وهو مَصْدَرُ طَفَّفَ إذْ بَلَغَ الطُّفافَةَ. والطُّفافُ بِضَمِّ الطّاءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ ما قَصُرَ عَنْ مَلْءِ الإناءِ مِن شَرابٍ أوْ طَعامٍ، ويُقالُ: الطَفُّ بِفَتْحِ الطّاءِ دُونَ هاءِ تَأْنِيثٍ، وتُطْلَقُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ عَلى ما تَجاوَزَ حَرْفَ المِكْيالِ مِمّا يُمْلَأُ بِهِ، وإنَّما يَكُونُ شَيْئًا قَلِيلًا زائِدًا عَلى ما مَلَأ الإناءَ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَتْ طُفافَةً، أيْ: قَلِيلُ زِيادَةٍ.
ولا نَعْرِفُ لَهُ فِعْلًا مُجَرَّدًا إذْ لَمْ يُنْقَلْ إلّا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ، وفِعْلُهُ: طَفَّفَ، كَأنَّهم راعَوْا في صِيغَةِ التَّفْعِيلِ مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ؛ لِأنَّ المُطَفِّفَ يُحاوِلُ أنْ يَنْقُصَ الكَيْلَ دُونَ أنْ يَشْعُرَ بِهِ المُكْتالُ، ويُقابِلُهُ الوَفاءُ.
و(ويْلٌ) كَلِمَةُ دُعاءٍ بِسُوءِ الحالِ، وهي في القُرْآنِ وعِيدٌ بِالعِقابِ وتَقْرِيعٌ، والوَيْلُ: اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ لِعَدَمِ وُجُودِ فِعْلٍ لَهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهُوَ مِن عَمَلِ المُتَصَدِّينَ لِلتَّجْرِ يَغْتَنِمُونَ حاجَةَ النّاسِ إلى الِابْتِياعِ مِنهم وإلى البَيْعِ لَهم؛ لِأنَّ التُّجّارَ هم أصْحابُ رُءُوسِ الأمْوالِ وبِيَدِهِمُ المَكايِيلُ والمَوازِينُ، وكانَ
صفحة ١٩٠
أهْلُ مَكَّةَ تُجّارًا، وكانَ في يَثْرِبَ تُجارٌ أيْضًا وفِيهِمُ اليَهُودُ مِثْلُ: أبِي رافِعٍ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ تاجِرَيْ أهْلِ الحِجازِ، وكانَتْ تِجارَتُهم في التَّمْرِ والحُبُوبِ، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَتَعامَلُونَ بِالوَزْنِ؛ لِأنَّهم يَتَّجِرُونَ في أصْنافِ السِّلَعِ ويَزِنُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وأهْلُ يَثْرِبَ يَتَعامَلُونَ بِالكَيْلِ.
والآيَةُ تُؤْذِنُ بِأنَّ التَّطْفِيفَ كانَ مُتَفَشِّيًا في المَدِينَةِ في أوَّلِ مُدَّةِ الهِجْرَةِ، واخْتِلاطُ المُسْلِمِينَ بِالمُنافِقِينَ يُسَبِّبُ ذَلِكَ.
واجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ أهْلَ يَثْرِبَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وكانَ مِمَّنِ اشْتُهِرَ بِالتَّطْفِيفِ في المَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ واسْمُهُ عَمْرٌو، كانَ لَهُ صاعانِ يَأْخُذُ بِأحَدِهِما ويُعْطِي بِالآخَرِ.
فَجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ إدْماجٌ، مَسُوقَةٌ لِكَشْفِ عادَةٍ ذَمِيمَةٍ فِيهِمْ هي الحِرْصُ عَلى تَوْفِيرِ مِقْدارِ ما يَبْتاعُونَهُ بِدُونِ حَقٍّ لَهم فِيهِ، والمَقْصُودُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها وهي جُمْلَةُ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ فَهم مَذْمُومُونَ بِمَجْمُوعِ ضِمْنِ الجُمْلَتَيْنِ.
والِاكْتِيالُ: افْتِعالٌ مِنَ الكَيْلِ، وهو يُسْتَعْمَلُ في تَسَلُّمِ ما يُكالُ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ أفْعالِ: ابْتاعَ، وارْتَهَنَ، واشْتَرى، في مَعْنى أخْذِ المَبِيعِ، وأخْذِ الشَّيْءِ المَرْهُونِ وأخْذِ السِّلْعَةِ المُشْتَراةِ، فَهو مُطاوِعُ كالَ، كَما أنَّ ابْتاعَ مُطاوِعُ باعَ، وارْتَهَنَ مُطاوِعُ رَهَنَ، واشْتَرى مُطاوِعُ شَرى، قالَ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ [يوسف: ٦٣] أيْ: نَأْخُذْ طَعامًا مَكِيلًا، ثُمَّ تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ.
وحَقُّ فِعْلِ اكْتالَ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو المَكِيلُ، فَيُقالُ: اكْتالَ فُلانٌ طَعامًا مِثْلُ ابْتاعَ، ويُعَدّى إلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِحَرْفِ الجَرِّ مِثْلَ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ فَيُقالُ: اكْتالَ طَعامًا مِن فُلانٍ، وإنَّما عُدِّيَ في الآيَةِ بِحَرْفِ عَلى لِتَضْمِينِ اكْتالُوا مَعْنى التَّحامُلِ، أيْ: إلْقاءُ المَشَقَّةِ عَلى الغَيْرِ وظُلْمُهُ، ذَلِكَ أنَّ شَأْنَ التّاجِرِ وخُلُقَهُ أنْ يَتَطَلَّبَ تَوْفِيرَ الرِّبْحِ وأنَّهُ مَظِنَّةُ السَّعَةِ ووُجُودُ المالِ بِيَدِهِ فَهو
صفحة ١٩١
يَسْتَعْمِلُ حاجَةَ مَن يَأْتِيهِ بِالسِّلْعَةِ، وعَنِ الفَرّاءِ مِن وعَلى يَتَعاقَبانِ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَإذا قالَ اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ: اكْتَلْتُ مِنكَ فَكَقَوْلِهِ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ.
فَمَعْنى ﴿اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ اشْتَرَوْا مِنَ النّاسِ ما يُباعُ بِالكَيْلِ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ في فِعْلِ اكْتالُوا أيِ: اكْتالُوا مَكِيلًا، ومَعْنى كالُوهم باعُوا لِلنّاسِ مَكِيلًا فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ.
فالواوانِ مِن ﴿كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ عائِدانِ إلى اسْمِ المَوْصُولِ والضَّمِيرانِ المُنْفَصِلانِ عائِدانِ إلى النّاسِ.
وتَعْدِيَةُ كالُوا، ووَزَنُوا إلى الضَّمِيرَيْنِ عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ. وأصْلُهُ: كالُوا لَهم ووَزَنُوا لَهم، كَما حُذِفَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أيْ: تَسْتَرْضِعُوا لِأوْلادِكم، وقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: ”الحَرِيصُ يَصِيدُكَ لا الجَوادُ“ أيِ: الحَرِيصُ يَصِيدُ لَكَ. وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: نَصَحْتُكَ وشَكَرْتُكَ، أصْلُهُما نَصَحْتُ لَكَ وشَكَرْتُ لَكَ؛ لِأنَّ فِعْلَ كالَ وفِعْلَ وزَنَ لا يَتَعَدَّيانِ بِأنْفُسِهِما إلّا إلى الشَّيْءِ المَكِيلِ أوِ المَوْزُونِ يُقالُ: كالَ لَهُ طَعامًا ووَزَنَ لَهُ فِضَّةً، ولِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ عَلى اللِّسانِ خَفَّفُوهُ فَقالُوا: كالَهُ ووَزَنَهُ طَعامًا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ.
قالَ الفَرّاءُ: هو مِن كَلامِ أهْلِ الحِجازِ ومَن جاوَرَهم مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: يَكِيلُنا، يَعْنِي: ويَقُولُونَ أيْضًا: كالَ لَهُ ووَزَنَ لَهُ. وهو يُرِيدُ أنَّ غَيْرَ أهْلِ الحِجازِ وقَيْسٍ لا يَقُولُونَ: كالَ لَهُ ووَزَنَ لَهُ، ولا يَقُولُونَ إلّا: كالَهُ ووَزَنَهُ، فَيَكُونُ فِعْلُ كالَ عِنْدَهم مِثْلُ باعَ.
والِاقْتِصارُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: وإذا اتَّزَنُوا كَما قالَ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ اكْتِفاءٌ بِذِكْرِ الوَزْنِ في الثّانِي تَجَنُّبًا لِفِعْلِ اتَّزَنُوا لِقِلَّةِ دَوَرانِهِ في الكَلامِ فَكانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ. ولِنُكْتَةٍ أُخْرى وهي أنَّ المُطَفِّفِينَ هم أهْلُ التَّجْرِ وهم يَأْخُذُونَ السِّلَعَ مِنَ الجالِبِينَ في الغالِبِ بِالكَيْلِ؛ لِأنَّ الجالِبِينَ يَجْلِبُونَ التَّمْرَ والحِنْطَةَ ونَحْوَهُما مِمّا يُكالُ ويَدْفَعُونَ لَهُمُ الأثْمانَ عَيْنًا بِما يُوزَنُ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مَسْكُوكَيْنِ أوْ غَيْرَ مَسْكُوكَيْنِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ في ابْتِياعِهِمْ مِنَ الجالِبِينَ عَلى
صفحة ١٩٢
الِاكْتِيالِ نَظَرًا إلى الغالِبِ، وذَكَرَ في بَيْعِهِمْ لِلْمُبْتاعِينَ الكَيْلَ والوَزْنَ لِأنَّهم يَبِيعُونَ الأشْياءَ كَيْلًا ويَقْبِضُونَ الأثْمانَ وزْنًا، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ التَّطْفِيفَ مِن عَمَلِ تُجّارِهِمْ.
و(يَسْتَوْفُونَ) جَوابُ إذا والِاسْتِيفاءُ أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ مِثْلَ: اسْتَجابَ.
ومَعْنى يُخْسِرُونَ يُوقِعُونَ الَّذِينَ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم في الخَسارَةِ، والخَسارَةُ النَّقْصُ مِنَ المالِ في التَّبايُعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّساهُلِ في التَّطْفِيفِ إذْ وجَدُوهُ فاشِيًا في المَدِينَةِ في أوَّلِ هِجْرَتِهِمْ وذَمٌّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ.
وحَسْبُهم أنَّ التَّطْفِيفَ يَجْمَعُ ظُلْمًا واخْتِلاسًا ولُؤْمًا، والعَرَبُ كانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِلالِ مُتَفَرِّقَةً ويَتَبَرَّئُونَ مِنها، ثُمَّ يَأْتُونَها مُجْتَمِعَةً، وناهِيكَ بِذَلِكَ أفَنًا.
المطففين 83:4
﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ والتَّقْرِيعِ لَهم بِالوَيْلِ عَلى التَّطْفِيفِ وما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حُقُوقِ المُبْتاعِينَ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِيِّ بِحَيْثُ يَسْألُ السّائِلُ عَنْ عِلْمِهِمْ بِالبَعْثِ، وهَذا يَرْجِعُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ. ويَرْجِعُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ إلى إنْكارِ ما سِيقَ هَذا لِأجْلِهِ وهو فِعْلُ التَّطْفِيفِ. فَأمّا المُسْلِمُونَ الخُلَّصُ فَلا شَكَّ أنَّهُمُ انْتَهَوْا عَنِ التَّطْفِيفِ بِخِلافِ المُنافِقِينَ.
والظَّنُّ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ وهو اعْتِقادُ وُقُوعِ شَيْءٍ اعْتِقادًا راجِحًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] .
وفِي العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ لِقَصْدِ
صفحة ١٩٣
تَمْيِيزِهِمْ وتَشْهِيرِ ذِكْرِهِمْ في مَقامِ الذَّمِّ، ولِأنَّ الإشارَةَ إلَيْهِمْ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِـ المُطَفِّفِينَ تُؤْذِنُ بِأنَّ الوَصْفَ مَلْحُوظٌ في الإشارَةِ فَيُؤْذِنُ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِ الإنْكارِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لامُ التَّوْقِيتِ مِثْلُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
وفائِدَةُ لامِ التَّوْقِيتِ إدْماجُ الرَّدِّ عَلى شُبْهَتِهِمُ الحامِلَةِ لَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ بَعْثٌ لَبُعِثَتْ أمْواتُ القُرُونِ الغابِرَةِ، فَأوْمَأ قَوْلُهُ: لِيَوْمٍ أنَّ لِلْبَعْثِ وقْتًا مُعَيَّنًا يَقَعُ عِنْدَهُ لا قَبْلَهُ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِـ عَظِيمٍ بِاعْتِبارِ عَظَمَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، فَهو وصْفٌ مَجازِيٌّ عَقْلِيٌّ.
و﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمٍ عَظِيمٍ بَدَلًا مُطابِقًا وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِناءٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] في سُورَةِ الِانْفِطارِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ذَلِكَ بِالفَتْحِ.
ومَعْنى ﴿يَقُومُ النّاسُ﴾ أنَّهم يَكُونُونَ قِيامًا، فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.
واللّامُ في ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِلْأجْلِ، أيْ: لِأجْلِ رُبُوبِيَّةٍ وتَلَقِّي حُكْمِهِ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّ العالَمِينَ لِاسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ بِأنَّهُ مالِكٌ أصْنافَ المَخْلُوقاتِ.
واللّامُ في العالَمِينَ لِلِاسْتِغْراقِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
قالَ في الكَشّافِ: ”وفي هَذا الإنْكارِ، والتَّعْجِيبِ، وكَلِمَةِ الظَّنِّ، ووَصْفِ اليَوْمِ بِالعَظِيمِ، وقِيامِ النّاسِ فِيهِ لِلَّهِ خاضِعِينَ، ووَصْفِ ذاتِهِ بِـ رَبِّ العالَمِينَ، بَيانٌ بَلِيغٌ لِعَظِيمِ الذَّنْبِ وتَفاقُمِ الإثْمِ في التَّطْفِيفِ وفِيما كانَ مِثْلُ حالِهِ مِنَ الحَيْفِ وتَرْكِ القِيامِ بِالقِسْطِ والعَمَلِ عَلى السَّوِيَّةِ“ اهـ.
ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى التَّطْفِيفِ احْتِقارُهم أهْلَ الجَلْبِ مِن أهْلِ البَوادِي فَلا
صفحة ١٩٤
يُقِيمُونَ لَهم ما هو شِعارُ العَدْلِ والمُساواةِ، كانَ التَّطْفِيفُ لِذَلِكَ مُنْبِئًا عَنْ إثْمِ احْتِقارِ الحُقُوقِ، وذَلِكَ قَدْ صارَ خُلُقًا لَهم حَتّى تَخَلَّقُوا بِمُكابَرَةِ دُعاةِ الحَقِّ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا التَّنْوِيهِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ شُعَيْبٍ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٢] .
المطففين 83:5
﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ والتَّقْرِيعِ لَهم بِالوَيْلِ عَلى التَّطْفِيفِ وما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حُقُوقِ المُبْتاعِينَ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِيِّ بِحَيْثُ يَسْألُ السّائِلُ عَنْ عِلْمِهِمْ بِالبَعْثِ، وهَذا يَرْجِعُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ. ويَرْجِعُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ إلى إنْكارِ ما سِيقَ هَذا لِأجْلِهِ وهو فِعْلُ التَّطْفِيفِ. فَأمّا المُسْلِمُونَ الخُلَّصُ فَلا شَكَّ أنَّهُمُ انْتَهَوْا عَنِ التَّطْفِيفِ بِخِلافِ المُنافِقِينَ.
والظَّنُّ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ وهو اعْتِقادُ وُقُوعِ شَيْءٍ اعْتِقادًا راجِحًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] .
وفِي العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ لِقَصْدِ
صفحة ١٩٣
تَمْيِيزِهِمْ وتَشْهِيرِ ذِكْرِهِمْ في مَقامِ الذَّمِّ، ولِأنَّ الإشارَةَ إلَيْهِمْ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِـ المُطَفِّفِينَ تُؤْذِنُ بِأنَّ الوَصْفَ مَلْحُوظٌ في الإشارَةِ فَيُؤْذِنُ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِ الإنْكارِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لامُ التَّوْقِيتِ مِثْلُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
وفائِدَةُ لامِ التَّوْقِيتِ إدْماجُ الرَّدِّ عَلى شُبْهَتِهِمُ الحامِلَةِ لَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ بَعْثٌ لَبُعِثَتْ أمْواتُ القُرُونِ الغابِرَةِ، فَأوْمَأ قَوْلُهُ: لِيَوْمٍ أنَّ لِلْبَعْثِ وقْتًا مُعَيَّنًا يَقَعُ عِنْدَهُ لا قَبْلَهُ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِـ عَظِيمٍ بِاعْتِبارِ عَظَمَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، فَهو وصْفٌ مَجازِيٌّ عَقْلِيٌّ.
و﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمٍ عَظِيمٍ بَدَلًا مُطابِقًا وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِناءٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] في سُورَةِ الِانْفِطارِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ذَلِكَ بِالفَتْحِ.
ومَعْنى ﴿يَقُومُ النّاسُ﴾ أنَّهم يَكُونُونَ قِيامًا، فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.
واللّامُ في ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِلْأجْلِ، أيْ: لِأجْلِ رُبُوبِيَّةٍ وتَلَقِّي حُكْمِهِ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّ العالَمِينَ لِاسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ بِأنَّهُ مالِكٌ أصْنافَ المَخْلُوقاتِ.
واللّامُ في العالَمِينَ لِلِاسْتِغْراقِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
قالَ في الكَشّافِ: ”وفي هَذا الإنْكارِ، والتَّعْجِيبِ، وكَلِمَةِ الظَّنِّ، ووَصْفِ اليَوْمِ بِالعَظِيمِ، وقِيامِ النّاسِ فِيهِ لِلَّهِ خاضِعِينَ، ووَصْفِ ذاتِهِ بِـ رَبِّ العالَمِينَ، بَيانٌ بَلِيغٌ لِعَظِيمِ الذَّنْبِ وتَفاقُمِ الإثْمِ في التَّطْفِيفِ وفِيما كانَ مِثْلُ حالِهِ مِنَ الحَيْفِ وتَرْكِ القِيامِ بِالقِسْطِ والعَمَلِ عَلى السَّوِيَّةِ“ اهـ.
ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى التَّطْفِيفِ احْتِقارُهم أهْلَ الجَلْبِ مِن أهْلِ البَوادِي فَلا
صفحة ١٩٤
يُقِيمُونَ لَهم ما هو شِعارُ العَدْلِ والمُساواةِ، كانَ التَّطْفِيفُ لِذَلِكَ مُنْبِئًا عَنْ إثْمِ احْتِقارِ الحُقُوقِ، وذَلِكَ قَدْ صارَ خُلُقًا لَهم حَتّى تَخَلَّقُوا بِمُكابَرَةِ دُعاةِ الحَقِّ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا التَّنْوِيهِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ شُعَيْبٍ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٢] .
المطففين 83:6
﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ والتَّقْرِيعِ لَهم بِالوَيْلِ عَلى التَّطْفِيفِ وما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حُقُوقِ المُبْتاعِينَ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِيِّ بِحَيْثُ يَسْألُ السّائِلُ عَنْ عِلْمِهِمْ بِالبَعْثِ، وهَذا يَرْجِعُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ. ويَرْجِعُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ إلى إنْكارِ ما سِيقَ هَذا لِأجْلِهِ وهو فِعْلُ التَّطْفِيفِ. فَأمّا المُسْلِمُونَ الخُلَّصُ فَلا شَكَّ أنَّهُمُ انْتَهَوْا عَنِ التَّطْفِيفِ بِخِلافِ المُنافِقِينَ.
والظَّنُّ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ وهو اعْتِقادُ وُقُوعِ شَيْءٍ اعْتِقادًا راجِحًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] .
وفِي العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ لِقَصْدِ
صفحة ١٩٣
تَمْيِيزِهِمْ وتَشْهِيرِ ذِكْرِهِمْ في مَقامِ الذَّمِّ، ولِأنَّ الإشارَةَ إلَيْهِمْ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِـ المُطَفِّفِينَ تُؤْذِنُ بِأنَّ الوَصْفَ مَلْحُوظٌ في الإشارَةِ فَيُؤْذِنُ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِ الإنْكارِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لامُ التَّوْقِيتِ مِثْلُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
وفائِدَةُ لامِ التَّوْقِيتِ إدْماجُ الرَّدِّ عَلى شُبْهَتِهِمُ الحامِلَةِ لَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ بَعْثٌ لَبُعِثَتْ أمْواتُ القُرُونِ الغابِرَةِ، فَأوْمَأ قَوْلُهُ: لِيَوْمٍ أنَّ لِلْبَعْثِ وقْتًا مُعَيَّنًا يَقَعُ عِنْدَهُ لا قَبْلَهُ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِـ عَظِيمٍ بِاعْتِبارِ عَظَمَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، فَهو وصْفٌ مَجازِيٌّ عَقْلِيٌّ.
و﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمٍ عَظِيمٍ بَدَلًا مُطابِقًا وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِناءٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] في سُورَةِ الِانْفِطارِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ذَلِكَ بِالفَتْحِ.
ومَعْنى ﴿يَقُومُ النّاسُ﴾ أنَّهم يَكُونُونَ قِيامًا، فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.
واللّامُ في ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِلْأجْلِ، أيْ: لِأجْلِ رُبُوبِيَّةٍ وتَلَقِّي حُكْمِهِ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّ العالَمِينَ لِاسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ بِأنَّهُ مالِكٌ أصْنافَ المَخْلُوقاتِ.
واللّامُ في العالَمِينَ لِلِاسْتِغْراقِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
قالَ في الكَشّافِ: ”وفي هَذا الإنْكارِ، والتَّعْجِيبِ، وكَلِمَةِ الظَّنِّ، ووَصْفِ اليَوْمِ بِالعَظِيمِ، وقِيامِ النّاسِ فِيهِ لِلَّهِ خاضِعِينَ، ووَصْفِ ذاتِهِ بِـ رَبِّ العالَمِينَ، بَيانٌ بَلِيغٌ لِعَظِيمِ الذَّنْبِ وتَفاقُمِ الإثْمِ في التَّطْفِيفِ وفِيما كانَ مِثْلُ حالِهِ مِنَ الحَيْفِ وتَرْكِ القِيامِ بِالقِسْطِ والعَمَلِ عَلى السَّوِيَّةِ“ اهـ.
ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى التَّطْفِيفِ احْتِقارُهم أهْلَ الجَلْبِ مِن أهْلِ البَوادِي فَلا
صفحة ١٩٤
يُقِيمُونَ لَهم ما هو شِعارُ العَدْلِ والمُساواةِ، كانَ التَّطْفِيفُ لِذَلِكَ مُنْبِئًا عَنْ إثْمِ احْتِقارِ الحُقُوقِ، وذَلِكَ قَدْ صارَ خُلُقًا لَهم حَتّى تَخَلَّقُوا بِمُكابَرَةِ دُعاةِ الحَقِّ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا التَّنْوِيهِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ شُعَيْبٍ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٢] .
المطففين 83:7
﴿كَلّا﴾
إبْطالٌ ورَدْعٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] مِنَ التَّعْجِيبِ مِن فِعْلِهِمُ التَّطْفِيفَ، والمَعْنى: كَلّا بَلْ هم مَبْعُوثُونَ لِذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ ولِتَلَقِّي قَضاءِ رَبِّ العالَمِينَ فَهي جَوابٌ عَمّا تَقَدَّمَ.
* * *
﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ. وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُطَفِّفِينَ بِأنْ يَكُونَ عَمَلُهم مُوجِبًا كَتْبَهُ في كِتابِ الفُجّارِ.
و(الفُجّارُ) غَلَبَ عَلى المُشْرِكِينَ ومَن عَسى أنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالتَّطْفِيفِ بَعْدَ سَماعِ النَّهْيِ عَنْهُ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِي رُبَّما كانَ بَعْضُهم يَفْعَلُهُ في الجاهِلِيَّةِ.
والتَّعْرِيفُ في الفُجّارِ لِلْجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقَ، أيْ: جَمِيعُ المُشْرِكِينَ فَيَعُمُّ المُطَفِّفِينَ وغَيْرَ المُطَفِّفِينَ، فَوَصْفُ الفُجّارِ هَنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] .
وشُمُولُ عُمُومِ الفُجّارِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ المُطَفِّفِينَ مِنهم وغَيْرَ المُطَفِّفِينَ يُعْنى بِهِ أنَّ المُطَفِّفِينَ مِنهم والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا العُمُومِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا الوَصْفِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ عَقِبَ كَلِمَةِ الرَّدْعِ عَنْ أعْمالِ المُطَفِّفِينَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الوَعِيدَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ.
و(الكِتابُ) المَكْتُوبُ، أيِ: الصَّحِيفَةُ وهو هُنا يَحْتَمِلُ شَيْئًا تُحْصى فِيهِ
صفحة ١٩٥
الأعْمالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ إحْصاءِ أعْمالِهِمْ وتَوْقِيفِهِمْ عَلَيْها، وكَذَلِكَ يَجْرِي عَلى الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وتَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و(سِجِّينٌ) حُرُوفُ مادَّتِهِ مِن حُرُوفِ العَرَبِيَّةِ، وصِيغَتُهُ مِنَ الصِّيَغِ العَرَبِيَّةِ، فَهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ مُعَرَّبٌ فَقَدْ أغْرَبَ. رُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ: أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلُوا سِجِّينَ عِوَضًا عَنْ سِلْتِينَ، وسِلْتِينَ كَلِمَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ.
ونُونُ سِجِّينٍ أصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ مُبْدَلَةً عَنِ اللّامِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ عَلى أقْوالٍ أشْهَرُها وأُولاها أنَّهُ عَلَمٌ لِوادٍ في جَهَنَّمَ، صِيَغَ بِزِنَةِ فَعِيلٍ مِن مادَّةِ السَّجْنِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: المَلِكِ الضِّلِّيلِ، ورَجُلٌ سِكِّيرٌ، وطَعامٌ حَرِّيفٌ شَدِيدُ الحَرافَةِ، وهي لَذْعُ اللِّسانِ سُمِّيَ ذَلِكَ المَكانُ سِجِّينًا لِأنَّهُ أشَدُّ الحَبْسِ لِمَن فِيهِ فَلا يُفارِقُهُ، وهَذا الِاسْمُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ لا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ مِن قَبْلُ ولَكِنَّ مادَّتَهُ وصِيغَتَهُ مَوْضُوعَتانِ في العَرَبِيَّةِ وضْعًا نَوْعِيًّا. وقَدْ سَمِعَ العَرَبُ هَذا الِاسْمَ ولَمْ يَطْعَنُوا في عَرَبِيَّتِهِ.
ومَحْمَلُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِ الظَّرْفِيَّةِ كانَ المَعْنى أنَّ كُتُبَ أعْمالِ الفُجّارِ مُودَعَةٌ في مَكانٍ اسْمُهُ سِجِّينٌ أوْ وصْفُهُ سِجِّينٌ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِتَحْقِيرِهِ، أيْ: تَحْقِيرُ ما احْتَوى عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمُ المَكْتُوبَةِ فِيهِ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ورَوى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدِهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لِاشْتِمالِ سَنَدِهِ عَلى مَجاهِيلَ.
وإنْ حُمِلَتِ الظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: لَفي سِجِّينٍ عَلى غَيْرِ ظاهِرِها، فَجُعِلَ كِتابُ الفُجّارِ مَظْرُوفًا في سِجِّينٍ مَجازٌ عَنْ جَعْلِ الأعْمالِ المُحْصاةِ فِيهِ في سِجِّينٍ، وذَلِكَ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ كَوْنِ الفُجّارِ في سِجِّينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وهو تَهْوِيلٌ لِأمْرِ السَّجِينِ تَهْوِيلَ تَفْظِيعٍ لِحالِ الواقِعِينَ فِيهِ وتَقَدَّمَ ﴿ما أدْراكَ﴾ [الإنفطار: ١٨] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ يَعُودُ إلى ﴿كِتابَ الفُجّارِ﴾ . والتَّقْدِيرُ: هو أيْ: كِتابُ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، هَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي
صفحة ١٩٦
اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ العَرَبِ إذا تَحَدَّثُوا عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أرادُوا الإخْبارَ عَنْهُ بِخَبَرٍ جَدِيدٍ.
والمَرْقُومُ: المَكْتُوبُ كِتابَةً بَيِّنَةً تُشْبِهُ الرَّقْمَ في الثَّوْبِ المَنسُوجِ.
وهَذا الوَصْفُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ ما يُفِيدُهُ لَفْظُ كِتابٍ سَواءٌ كانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا.
المطففين 83:8
﴿كَلّا﴾
إبْطالٌ ورَدْعٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] مِنَ التَّعْجِيبِ مِن فِعْلِهِمُ التَّطْفِيفَ، والمَعْنى: كَلّا بَلْ هم مَبْعُوثُونَ لِذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ ولِتَلَقِّي قَضاءِ رَبِّ العالَمِينَ فَهي جَوابٌ عَمّا تَقَدَّمَ.
* * *
﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ. وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُطَفِّفِينَ بِأنْ يَكُونَ عَمَلُهم مُوجِبًا كَتْبَهُ في كِتابِ الفُجّارِ.
و(الفُجّارُ) غَلَبَ عَلى المُشْرِكِينَ ومَن عَسى أنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالتَّطْفِيفِ بَعْدَ سَماعِ النَّهْيِ عَنْهُ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِي رُبَّما كانَ بَعْضُهم يَفْعَلُهُ في الجاهِلِيَّةِ.
والتَّعْرِيفُ في الفُجّارِ لِلْجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقَ، أيْ: جَمِيعُ المُشْرِكِينَ فَيَعُمُّ المُطَفِّفِينَ وغَيْرَ المُطَفِّفِينَ، فَوَصْفُ الفُجّارِ هَنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] .
وشُمُولُ عُمُومِ الفُجّارِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ المُطَفِّفِينَ مِنهم وغَيْرَ المُطَفِّفِينَ يُعْنى بِهِ أنَّ المُطَفِّفِينَ مِنهم والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا العُمُومِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا الوَصْفِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ عَقِبَ كَلِمَةِ الرَّدْعِ عَنْ أعْمالِ المُطَفِّفِينَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الوَعِيدَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ.
و(الكِتابُ) المَكْتُوبُ، أيِ: الصَّحِيفَةُ وهو هُنا يَحْتَمِلُ شَيْئًا تُحْصى فِيهِ
صفحة ١٩٥
الأعْمالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ إحْصاءِ أعْمالِهِمْ وتَوْقِيفِهِمْ عَلَيْها، وكَذَلِكَ يَجْرِي عَلى الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وتَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و(سِجِّينٌ) حُرُوفُ مادَّتِهِ مِن حُرُوفِ العَرَبِيَّةِ، وصِيغَتُهُ مِنَ الصِّيَغِ العَرَبِيَّةِ، فَهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ مُعَرَّبٌ فَقَدْ أغْرَبَ. رُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ: أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلُوا سِجِّينَ عِوَضًا عَنْ سِلْتِينَ، وسِلْتِينَ كَلِمَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ.
ونُونُ سِجِّينٍ أصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ مُبْدَلَةً عَنِ اللّامِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ عَلى أقْوالٍ أشْهَرُها وأُولاها أنَّهُ عَلَمٌ لِوادٍ في جَهَنَّمَ، صِيَغَ بِزِنَةِ فَعِيلٍ مِن مادَّةِ السَّجْنِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: المَلِكِ الضِّلِّيلِ، ورَجُلٌ سِكِّيرٌ، وطَعامٌ حَرِّيفٌ شَدِيدُ الحَرافَةِ، وهي لَذْعُ اللِّسانِ سُمِّيَ ذَلِكَ المَكانُ سِجِّينًا لِأنَّهُ أشَدُّ الحَبْسِ لِمَن فِيهِ فَلا يُفارِقُهُ، وهَذا الِاسْمُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ لا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ مِن قَبْلُ ولَكِنَّ مادَّتَهُ وصِيغَتَهُ مَوْضُوعَتانِ في العَرَبِيَّةِ وضْعًا نَوْعِيًّا. وقَدْ سَمِعَ العَرَبُ هَذا الِاسْمَ ولَمْ يَطْعَنُوا في عَرَبِيَّتِهِ.
ومَحْمَلُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِ الظَّرْفِيَّةِ كانَ المَعْنى أنَّ كُتُبَ أعْمالِ الفُجّارِ مُودَعَةٌ في مَكانٍ اسْمُهُ سِجِّينٌ أوْ وصْفُهُ سِجِّينٌ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِتَحْقِيرِهِ، أيْ: تَحْقِيرُ ما احْتَوى عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمُ المَكْتُوبَةِ فِيهِ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ورَوى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدِهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لِاشْتِمالِ سَنَدِهِ عَلى مَجاهِيلَ.
وإنْ حُمِلَتِ الظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: لَفي سِجِّينٍ عَلى غَيْرِ ظاهِرِها، فَجُعِلَ كِتابُ الفُجّارِ مَظْرُوفًا في سِجِّينٍ مَجازٌ عَنْ جَعْلِ الأعْمالِ المُحْصاةِ فِيهِ في سِجِّينٍ، وذَلِكَ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ كَوْنِ الفُجّارِ في سِجِّينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وهو تَهْوِيلٌ لِأمْرِ السَّجِينِ تَهْوِيلَ تَفْظِيعٍ لِحالِ الواقِعِينَ فِيهِ وتَقَدَّمَ ﴿ما أدْراكَ﴾ [الإنفطار: ١٨] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ يَعُودُ إلى ﴿كِتابَ الفُجّارِ﴾ . والتَّقْدِيرُ: هو أيْ: كِتابُ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، هَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي
صفحة ١٩٦
اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ العَرَبِ إذا تَحَدَّثُوا عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أرادُوا الإخْبارَ عَنْهُ بِخَبَرٍ جَدِيدٍ.
والمَرْقُومُ: المَكْتُوبُ كِتابَةً بَيِّنَةً تُشْبِهُ الرَّقْمَ في الثَّوْبِ المَنسُوجِ.
وهَذا الوَصْفُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ ما يُفِيدُهُ لَفْظُ كِتابٍ سَواءٌ كانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا.
المطففين 83:9
﴿كَلّا﴾
إبْطالٌ ورَدْعٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] مِنَ التَّعْجِيبِ مِن فِعْلِهِمُ التَّطْفِيفَ، والمَعْنى: كَلّا بَلْ هم مَبْعُوثُونَ لِذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ ولِتَلَقِّي قَضاءِ رَبِّ العالَمِينَ فَهي جَوابٌ عَمّا تَقَدَّمَ.
* * *
﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ. وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُطَفِّفِينَ بِأنْ يَكُونَ عَمَلُهم مُوجِبًا كَتْبَهُ في كِتابِ الفُجّارِ.
و(الفُجّارُ) غَلَبَ عَلى المُشْرِكِينَ ومَن عَسى أنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالتَّطْفِيفِ بَعْدَ سَماعِ النَّهْيِ عَنْهُ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِي رُبَّما كانَ بَعْضُهم يَفْعَلُهُ في الجاهِلِيَّةِ.
والتَّعْرِيفُ في الفُجّارِ لِلْجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقَ، أيْ: جَمِيعُ المُشْرِكِينَ فَيَعُمُّ المُطَفِّفِينَ وغَيْرَ المُطَفِّفِينَ، فَوَصْفُ الفُجّارِ هَنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] .
وشُمُولُ عُمُومِ الفُجّارِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ المُطَفِّفِينَ مِنهم وغَيْرَ المُطَفِّفِينَ يُعْنى بِهِ أنَّ المُطَفِّفِينَ مِنهم والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا العُمُومِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا الوَصْفِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ عَقِبَ كَلِمَةِ الرَّدْعِ عَنْ أعْمالِ المُطَفِّفِينَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الوَعِيدَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ.
و(الكِتابُ) المَكْتُوبُ، أيِ: الصَّحِيفَةُ وهو هُنا يَحْتَمِلُ شَيْئًا تُحْصى فِيهِ
صفحة ١٩٥
الأعْمالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ إحْصاءِ أعْمالِهِمْ وتَوْقِيفِهِمْ عَلَيْها، وكَذَلِكَ يَجْرِي عَلى الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وتَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و(سِجِّينٌ) حُرُوفُ مادَّتِهِ مِن حُرُوفِ العَرَبِيَّةِ، وصِيغَتُهُ مِنَ الصِّيَغِ العَرَبِيَّةِ، فَهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ مُعَرَّبٌ فَقَدْ أغْرَبَ. رُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ: أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلُوا سِجِّينَ عِوَضًا عَنْ سِلْتِينَ، وسِلْتِينَ كَلِمَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ.
ونُونُ سِجِّينٍ أصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ مُبْدَلَةً عَنِ اللّامِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ عَلى أقْوالٍ أشْهَرُها وأُولاها أنَّهُ عَلَمٌ لِوادٍ في جَهَنَّمَ، صِيَغَ بِزِنَةِ فَعِيلٍ مِن مادَّةِ السَّجْنِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: المَلِكِ الضِّلِّيلِ، ورَجُلٌ سِكِّيرٌ، وطَعامٌ حَرِّيفٌ شَدِيدُ الحَرافَةِ، وهي لَذْعُ اللِّسانِ سُمِّيَ ذَلِكَ المَكانُ سِجِّينًا لِأنَّهُ أشَدُّ الحَبْسِ لِمَن فِيهِ فَلا يُفارِقُهُ، وهَذا الِاسْمُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ لا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ مِن قَبْلُ ولَكِنَّ مادَّتَهُ وصِيغَتَهُ مَوْضُوعَتانِ في العَرَبِيَّةِ وضْعًا نَوْعِيًّا. وقَدْ سَمِعَ العَرَبُ هَذا الِاسْمَ ولَمْ يَطْعَنُوا في عَرَبِيَّتِهِ.
ومَحْمَلُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِ الظَّرْفِيَّةِ كانَ المَعْنى أنَّ كُتُبَ أعْمالِ الفُجّارِ مُودَعَةٌ في مَكانٍ اسْمُهُ سِجِّينٌ أوْ وصْفُهُ سِجِّينٌ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِتَحْقِيرِهِ، أيْ: تَحْقِيرُ ما احْتَوى عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمُ المَكْتُوبَةِ فِيهِ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ورَوى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدِهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لِاشْتِمالِ سَنَدِهِ عَلى مَجاهِيلَ.
وإنْ حُمِلَتِ الظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: لَفي سِجِّينٍ عَلى غَيْرِ ظاهِرِها، فَجُعِلَ كِتابُ الفُجّارِ مَظْرُوفًا في سِجِّينٍ مَجازٌ عَنْ جَعْلِ الأعْمالِ المُحْصاةِ فِيهِ في سِجِّينٍ، وذَلِكَ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ كَوْنِ الفُجّارِ في سِجِّينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وهو تَهْوِيلٌ لِأمْرِ السَّجِينِ تَهْوِيلَ تَفْظِيعٍ لِحالِ الواقِعِينَ فِيهِ وتَقَدَّمَ ﴿ما أدْراكَ﴾ [الإنفطار: ١٨] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ يَعُودُ إلى ﴿كِتابَ الفُجّارِ﴾ . والتَّقْدِيرُ: هو أيْ: كِتابُ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، هَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي
صفحة ١٩٦
اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ العَرَبِ إذا تَحَدَّثُوا عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أرادُوا الإخْبارَ عَنْهُ بِخَبَرٍ جَدِيدٍ.
والمَرْقُومُ: المَكْتُوبُ كِتابَةً بَيِّنَةً تُشْبِهُ الرَّقْمَ في الثَّوْبِ المَنسُوجِ.
وهَذا الوَصْفُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ ما يُفِيدُهُ لَفْظُ كِتابٍ سَواءٌ كانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا.
المطففين 83:10
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤] فَإنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَئِذٍ يُفِيدُ تَنْوِينُهُ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً جُعِلَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها تَقْدِيرُها: يَوْمَ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ويْلٌ فِيهِ لِلْمُكَذِّبِينَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً وبَيْنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ والمُطَفِّفِينَ عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ، فَمِنَ المُكَذِّبِينَ مَن هم مُطَفِّفُونَ، ومِنَ المُطَفِّفِينَ مُسْلِمُونَ وأهْلُ كِتابٍ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ إدْماجًا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ.
وقَدْ ذُكِرَ المُكَذِّبُونَ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ: لِلْمُكَذِّبِينَ ثُمَّ أُعِيدَ مُفَصَّلًا بِبَيانِ مُتَعَلِّقِ التَّكْذِيبِ، وهو ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ تَكْذِيبِهِمْ أذْهانَ السّامِعِينَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ، فالصِّفَةُ هُنا لِلتَّهْدِيدِ وتَحْذِيرِ المُطَفِّفِينَ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَسْتَخِفُّوا بِالتَّطْفِيفِ فَيَكُونُوا بِمَنزِلَةِ المُكَذِّبِينَ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِـ يَوْمِ الدِّينِ التَّكْذِيبُ بِوُقُوعِهِ.
فالتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ هو مَنشَأُ الإقْدامِ عَلى السَّيِّئاتِ والجَرائِمِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
صفحة ١٩٧
أيْ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ جَهْلٌ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِمْ إذِ الحِكْمَةُ مِن خَلْقِ النّاسِ تَقْتَضِي تَحْسِينَ أعْمالِهِمْ وحِفْظَ نِظامِهِمْ. فَلِذَلِكَ جاءَتْهُمُ الشَّرائِعُ آمِرَةً بِالصَّلاحِ وناهِيَةً عَنِ الفَسادِ. ورَتَّبَ لَهُمُ الجَزاءَ عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، وعَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ بِالعَذابِ والإهانَةِ. كُلٌّ عَلى حَسَبِ عَمَلِهِ: فَلَوْ أهْمَلَ الخالِقُ تَقْوِيمَ مَخْلُوقاتِهِ وأهْمَلَ جَزاءَ الصّالِحِينَ والمُفْسِدِينَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن حِكْمَةِ الخَلْقِ قالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] .
وقَدْ ذُكِرَ لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ وهي: مُعْتَدٍ، أثِيمٍ، يَقُولُ إنَّ الآياتِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
والِاعْتِداءُ: الظُّلْمُ، والمُعْتَدِي: المُشْرِكُ والكافِرُ بِما جاءَهُ مِنَ الشَّرائِعِ لِأنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلى اللَّهِ بِالإشْراكِ، وعَلى رُسُلِهِ بِالتَّكْذِيبِ، واعْتَدَوْا عَلى دَلائِلِ الحَقِّ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيها أوْ لَمْ يَعْمَلُوا بِها.
والأثِيمُ: مُبالَغَةٌ في الآثِمِ، أيْ: كَثِيرُ الإثْمِ.
وصِيغَةُ القَصْرِ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ تُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ عَلى المُعْتَدِينَ الآثِمِينَ الزّاعِمِينَ القُرْآنَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.
فَهُوَ قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ يَوْمَ الدِّينِ لا يُكَذِّبُ بِهِ إلّا غَيْرُ المُتَدَيِّنِينَ المُشْرِكُونَ والوَثَنِيُّونَ وأضْرابُهم مِمَّنْ جَمَعَ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ، وأعْظَمُها التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ والصّابِئَةَ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الشِّرْكِ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ مِثْلَ أصْحابِ دِيانَةِ القِبْطِ.
فالَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ هم مُشْرِكُو العَرَبِ ومَن شابَهَهم مِثْلُ الدَّهْرِيِّينَ، فَإنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الصِّفَتانِ الأُولى والثّانِيَةُ وهي الِاعْتِداءُ والإثْمُ وهو ظاهِرٌ، وأمّا زَعْمُ القُرْآنِ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهو مَقالَةُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً وأمّا غَيْرُهم مِمَّنْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهم هَذا القَوْلُ فَهم مُتَهَيِّئُونَ؛ لِأنْ يَقُولُوهُ، أوْ يَقُولُوا ما يُساوِيهِ، أوْ يَئُولُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنهم لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَكَذَّبَ بِهِ
صفحة ١٩٨
تَكْذِيبًا يُساوِي اعْتِقادَ أنَّهُ مِن وضْعِ البَشَرِ، فَهَؤُلاءِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا القُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ فَظَنُّهم في القُرْآنِ يُساوِي ظَنَّ المُشْرِكِينَ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَقُولُهُ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ القَصْرَ ادِّعائِيًّا ولا تَلْتَفِتَ إلى تَنْزِيلِ مَن لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في القُرْآنِ، ومَعْنى الِادِّعاءِ أنَّ مَن لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمُ القَوْلُ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ قَدْ جُعِلَ تَكْذِيبُهم بِيَوْمِ الدِّينِ كَلا تَكْذِيبٍ مُبالَغَةً في إبْطالِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ.
وجُمْلَةُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ صِفَةٌ لِمُعْتَدٍ أوْ حالٌ مِنهُ.
والآياتُ هُنا القُرْآنُ وأجْزاؤُهُ لِأنَّها الَّتِي تُتْلى وتُقْرَأُ.
والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي القِصَّةُ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ القِصَّةُ المُخْتَرَعَةُ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وكانَ المُشْرِكُونَ يُنَظِّرُونَ قِصَصَ القُرْآنِ بِقِصَّةِ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ، عِنْدَ الفُرْسِ، ولَعَلَّ الكَلِمَةَ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ، وتُقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمُرادُ بِالأوَّلِينَ الأُمَمُ السّابِقَةُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُطْلَقُ عَلى السّابِقِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ أوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ثانٍ بَعْدَهُ وإنْ كانَ هو قَدْ سَبَقَتْهُ أجْيالٌ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَصِفُونَ القُرْآنَ بِذَلِكَ لِما سَمِعُوا فِيهِ مِنَ القِصَصِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ مَساقَ المَوْعِظَةِ والِاعْتِبارِ، فَحَسِبُوها مِن قِصَصِ الأسْمارِ. واقْتَصَرُوا عَلى ذَلِكَ دُونَ ما في أكْثَرِ القُرْآنِ مِنَ الحَقائِقِ العالِيَةِ والحِكْمَةِ. بُهْتانًا مِنهم.
ومِمَّنْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ قَدْ كَتَبَ قِصَّةَ رُسْتُمَ وقِصَّةَ إسْفِنْدِيارَ وجَدَها في الحِيرَةِ، فَكانَ يُحَدِّثُ بِها في مَكَّةَ ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، فَإنَّما يُحَدِّثُكم بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ.
ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ خُصُوصَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ظاهِرٌ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ.
المطففين 83:11
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤] فَإنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَئِذٍ يُفِيدُ تَنْوِينُهُ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً جُعِلَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها تَقْدِيرُها: يَوْمَ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ويْلٌ فِيهِ لِلْمُكَذِّبِينَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً وبَيْنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ والمُطَفِّفِينَ عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ، فَمِنَ المُكَذِّبِينَ مَن هم مُطَفِّفُونَ، ومِنَ المُطَفِّفِينَ مُسْلِمُونَ وأهْلُ كِتابٍ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ إدْماجًا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ.
وقَدْ ذُكِرَ المُكَذِّبُونَ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ: لِلْمُكَذِّبِينَ ثُمَّ أُعِيدَ مُفَصَّلًا بِبَيانِ مُتَعَلِّقِ التَّكْذِيبِ، وهو ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ تَكْذِيبِهِمْ أذْهانَ السّامِعِينَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ، فالصِّفَةُ هُنا لِلتَّهْدِيدِ وتَحْذِيرِ المُطَفِّفِينَ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَسْتَخِفُّوا بِالتَّطْفِيفِ فَيَكُونُوا بِمَنزِلَةِ المُكَذِّبِينَ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِـ يَوْمِ الدِّينِ التَّكْذِيبُ بِوُقُوعِهِ.
فالتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ هو مَنشَأُ الإقْدامِ عَلى السَّيِّئاتِ والجَرائِمِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
صفحة ١٩٧
أيْ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ جَهْلٌ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِمْ إذِ الحِكْمَةُ مِن خَلْقِ النّاسِ تَقْتَضِي تَحْسِينَ أعْمالِهِمْ وحِفْظَ نِظامِهِمْ. فَلِذَلِكَ جاءَتْهُمُ الشَّرائِعُ آمِرَةً بِالصَّلاحِ وناهِيَةً عَنِ الفَسادِ. ورَتَّبَ لَهُمُ الجَزاءَ عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، وعَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ بِالعَذابِ والإهانَةِ. كُلٌّ عَلى حَسَبِ عَمَلِهِ: فَلَوْ أهْمَلَ الخالِقُ تَقْوِيمَ مَخْلُوقاتِهِ وأهْمَلَ جَزاءَ الصّالِحِينَ والمُفْسِدِينَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن حِكْمَةِ الخَلْقِ قالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] .
وقَدْ ذُكِرَ لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ وهي: مُعْتَدٍ، أثِيمٍ، يَقُولُ إنَّ الآياتِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
والِاعْتِداءُ: الظُّلْمُ، والمُعْتَدِي: المُشْرِكُ والكافِرُ بِما جاءَهُ مِنَ الشَّرائِعِ لِأنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلى اللَّهِ بِالإشْراكِ، وعَلى رُسُلِهِ بِالتَّكْذِيبِ، واعْتَدَوْا عَلى دَلائِلِ الحَقِّ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيها أوْ لَمْ يَعْمَلُوا بِها.
والأثِيمُ: مُبالَغَةٌ في الآثِمِ، أيْ: كَثِيرُ الإثْمِ.
وصِيغَةُ القَصْرِ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ تُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ عَلى المُعْتَدِينَ الآثِمِينَ الزّاعِمِينَ القُرْآنَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.
فَهُوَ قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ يَوْمَ الدِّينِ لا يُكَذِّبُ بِهِ إلّا غَيْرُ المُتَدَيِّنِينَ المُشْرِكُونَ والوَثَنِيُّونَ وأضْرابُهم مِمَّنْ جَمَعَ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ، وأعْظَمُها التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ والصّابِئَةَ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الشِّرْكِ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ مِثْلَ أصْحابِ دِيانَةِ القِبْطِ.
فالَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ هم مُشْرِكُو العَرَبِ ومَن شابَهَهم مِثْلُ الدَّهْرِيِّينَ، فَإنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الصِّفَتانِ الأُولى والثّانِيَةُ وهي الِاعْتِداءُ والإثْمُ وهو ظاهِرٌ، وأمّا زَعْمُ القُرْآنِ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهو مَقالَةُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً وأمّا غَيْرُهم مِمَّنْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهم هَذا القَوْلُ فَهم مُتَهَيِّئُونَ؛ لِأنْ يَقُولُوهُ، أوْ يَقُولُوا ما يُساوِيهِ، أوْ يَئُولُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنهم لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَكَذَّبَ بِهِ
صفحة ١٩٨
تَكْذِيبًا يُساوِي اعْتِقادَ أنَّهُ مِن وضْعِ البَشَرِ، فَهَؤُلاءِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا القُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ فَظَنُّهم في القُرْآنِ يُساوِي ظَنَّ المُشْرِكِينَ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَقُولُهُ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ القَصْرَ ادِّعائِيًّا ولا تَلْتَفِتَ إلى تَنْزِيلِ مَن لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في القُرْآنِ، ومَعْنى الِادِّعاءِ أنَّ مَن لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمُ القَوْلُ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ قَدْ جُعِلَ تَكْذِيبُهم بِيَوْمِ الدِّينِ كَلا تَكْذِيبٍ مُبالَغَةً في إبْطالِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ.
وجُمْلَةُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ صِفَةٌ لِمُعْتَدٍ أوْ حالٌ مِنهُ.
والآياتُ هُنا القُرْآنُ وأجْزاؤُهُ لِأنَّها الَّتِي تُتْلى وتُقْرَأُ.
والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي القِصَّةُ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ القِصَّةُ المُخْتَرَعَةُ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وكانَ المُشْرِكُونَ يُنَظِّرُونَ قِصَصَ القُرْآنِ بِقِصَّةِ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ، عِنْدَ الفُرْسِ، ولَعَلَّ الكَلِمَةَ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ، وتُقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمُرادُ بِالأوَّلِينَ الأُمَمُ السّابِقَةُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُطْلَقُ عَلى السّابِقِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ أوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ثانٍ بَعْدَهُ وإنْ كانَ هو قَدْ سَبَقَتْهُ أجْيالٌ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَصِفُونَ القُرْآنَ بِذَلِكَ لِما سَمِعُوا فِيهِ مِنَ القِصَصِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ مَساقَ المَوْعِظَةِ والِاعْتِبارِ، فَحَسِبُوها مِن قِصَصِ الأسْمارِ. واقْتَصَرُوا عَلى ذَلِكَ دُونَ ما في أكْثَرِ القُرْآنِ مِنَ الحَقائِقِ العالِيَةِ والحِكْمَةِ. بُهْتانًا مِنهم.
ومِمَّنْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ قَدْ كَتَبَ قِصَّةَ رُسْتُمَ وقِصَّةَ إسْفِنْدِيارَ وجَدَها في الحِيرَةِ، فَكانَ يُحَدِّثُ بِها في مَكَّةَ ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، فَإنَّما يُحَدِّثُكم بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ.
ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ خُصُوصَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ظاهِرٌ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ.
المطففين 83:12
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤] فَإنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَئِذٍ يُفِيدُ تَنْوِينُهُ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً جُعِلَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها تَقْدِيرُها: يَوْمَ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ويْلٌ فِيهِ لِلْمُكَذِّبِينَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً وبَيْنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ والمُطَفِّفِينَ عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ، فَمِنَ المُكَذِّبِينَ مَن هم مُطَفِّفُونَ، ومِنَ المُطَفِّفِينَ مُسْلِمُونَ وأهْلُ كِتابٍ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ إدْماجًا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ.
وقَدْ ذُكِرَ المُكَذِّبُونَ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ: لِلْمُكَذِّبِينَ ثُمَّ أُعِيدَ مُفَصَّلًا بِبَيانِ مُتَعَلِّقِ التَّكْذِيبِ، وهو ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ تَكْذِيبِهِمْ أذْهانَ السّامِعِينَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ، فالصِّفَةُ هُنا لِلتَّهْدِيدِ وتَحْذِيرِ المُطَفِّفِينَ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَسْتَخِفُّوا بِالتَّطْفِيفِ فَيَكُونُوا بِمَنزِلَةِ المُكَذِّبِينَ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِـ يَوْمِ الدِّينِ التَّكْذِيبُ بِوُقُوعِهِ.
فالتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ هو مَنشَأُ الإقْدامِ عَلى السَّيِّئاتِ والجَرائِمِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
صفحة ١٩٧
أيْ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ جَهْلٌ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِمْ إذِ الحِكْمَةُ مِن خَلْقِ النّاسِ تَقْتَضِي تَحْسِينَ أعْمالِهِمْ وحِفْظَ نِظامِهِمْ. فَلِذَلِكَ جاءَتْهُمُ الشَّرائِعُ آمِرَةً بِالصَّلاحِ وناهِيَةً عَنِ الفَسادِ. ورَتَّبَ لَهُمُ الجَزاءَ عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، وعَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ بِالعَذابِ والإهانَةِ. كُلٌّ عَلى حَسَبِ عَمَلِهِ: فَلَوْ أهْمَلَ الخالِقُ تَقْوِيمَ مَخْلُوقاتِهِ وأهْمَلَ جَزاءَ الصّالِحِينَ والمُفْسِدِينَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن حِكْمَةِ الخَلْقِ قالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] .
وقَدْ ذُكِرَ لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ وهي: مُعْتَدٍ، أثِيمٍ، يَقُولُ إنَّ الآياتِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
والِاعْتِداءُ: الظُّلْمُ، والمُعْتَدِي: المُشْرِكُ والكافِرُ بِما جاءَهُ مِنَ الشَّرائِعِ لِأنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلى اللَّهِ بِالإشْراكِ، وعَلى رُسُلِهِ بِالتَّكْذِيبِ، واعْتَدَوْا عَلى دَلائِلِ الحَقِّ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيها أوْ لَمْ يَعْمَلُوا بِها.
والأثِيمُ: مُبالَغَةٌ في الآثِمِ، أيْ: كَثِيرُ الإثْمِ.
وصِيغَةُ القَصْرِ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ تُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ عَلى المُعْتَدِينَ الآثِمِينَ الزّاعِمِينَ القُرْآنَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.
فَهُوَ قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ يَوْمَ الدِّينِ لا يُكَذِّبُ بِهِ إلّا غَيْرُ المُتَدَيِّنِينَ المُشْرِكُونَ والوَثَنِيُّونَ وأضْرابُهم مِمَّنْ جَمَعَ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ، وأعْظَمُها التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ والصّابِئَةَ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الشِّرْكِ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ مِثْلَ أصْحابِ دِيانَةِ القِبْطِ.
فالَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ هم مُشْرِكُو العَرَبِ ومَن شابَهَهم مِثْلُ الدَّهْرِيِّينَ، فَإنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الصِّفَتانِ الأُولى والثّانِيَةُ وهي الِاعْتِداءُ والإثْمُ وهو ظاهِرٌ، وأمّا زَعْمُ القُرْآنِ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهو مَقالَةُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً وأمّا غَيْرُهم مِمَّنْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهم هَذا القَوْلُ فَهم مُتَهَيِّئُونَ؛ لِأنْ يَقُولُوهُ، أوْ يَقُولُوا ما يُساوِيهِ، أوْ يَئُولُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنهم لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَكَذَّبَ بِهِ
صفحة ١٩٨
تَكْذِيبًا يُساوِي اعْتِقادَ أنَّهُ مِن وضْعِ البَشَرِ، فَهَؤُلاءِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا القُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ فَظَنُّهم في القُرْآنِ يُساوِي ظَنَّ المُشْرِكِينَ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَقُولُهُ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ القَصْرَ ادِّعائِيًّا ولا تَلْتَفِتَ إلى تَنْزِيلِ مَن لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في القُرْآنِ، ومَعْنى الِادِّعاءِ أنَّ مَن لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمُ القَوْلُ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ قَدْ جُعِلَ تَكْذِيبُهم بِيَوْمِ الدِّينِ كَلا تَكْذِيبٍ مُبالَغَةً في إبْطالِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ.
وجُمْلَةُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ صِفَةٌ لِمُعْتَدٍ أوْ حالٌ مِنهُ.
والآياتُ هُنا القُرْآنُ وأجْزاؤُهُ لِأنَّها الَّتِي تُتْلى وتُقْرَأُ.
والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي القِصَّةُ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ القِصَّةُ المُخْتَرَعَةُ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وكانَ المُشْرِكُونَ يُنَظِّرُونَ قِصَصَ القُرْآنِ بِقِصَّةِ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ، عِنْدَ الفُرْسِ، ولَعَلَّ الكَلِمَةَ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ، وتُقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمُرادُ بِالأوَّلِينَ الأُمَمُ السّابِقَةُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُطْلَقُ عَلى السّابِقِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ أوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ثانٍ بَعْدَهُ وإنْ كانَ هو قَدْ سَبَقَتْهُ أجْيالٌ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَصِفُونَ القُرْآنَ بِذَلِكَ لِما سَمِعُوا فِيهِ مِنَ القِصَصِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ مَساقَ المَوْعِظَةِ والِاعْتِبارِ، فَحَسِبُوها مِن قِصَصِ الأسْمارِ. واقْتَصَرُوا عَلى ذَلِكَ دُونَ ما في أكْثَرِ القُرْآنِ مِنَ الحَقائِقِ العالِيَةِ والحِكْمَةِ. بُهْتانًا مِنهم.
ومِمَّنْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ قَدْ كَتَبَ قِصَّةَ رُسْتُمَ وقِصَّةَ إسْفِنْدِيارَ وجَدَها في الحِيرَةِ، فَكانَ يُحَدِّثُ بِها في مَكَّةَ ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، فَإنَّما يُحَدِّثُكم بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ.
ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ خُصُوصَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ظاهِرٌ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ.
المطففين 83:13
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤] فَإنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَئِذٍ يُفِيدُ تَنْوِينُهُ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً جُعِلَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها تَقْدِيرُها: يَوْمَ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ويْلٌ فِيهِ لِلْمُكَذِّبِينَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً وبَيْنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ والمُطَفِّفِينَ عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ، فَمِنَ المُكَذِّبِينَ مَن هم مُطَفِّفُونَ، ومِنَ المُطَفِّفِينَ مُسْلِمُونَ وأهْلُ كِتابٍ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ إدْماجًا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ.
وقَدْ ذُكِرَ المُكَذِّبُونَ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ: لِلْمُكَذِّبِينَ ثُمَّ أُعِيدَ مُفَصَّلًا بِبَيانِ مُتَعَلِّقِ التَّكْذِيبِ، وهو ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ تَكْذِيبِهِمْ أذْهانَ السّامِعِينَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ، فالصِّفَةُ هُنا لِلتَّهْدِيدِ وتَحْذِيرِ المُطَفِّفِينَ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَسْتَخِفُّوا بِالتَّطْفِيفِ فَيَكُونُوا بِمَنزِلَةِ المُكَذِّبِينَ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.
ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِـ يَوْمِ الدِّينِ التَّكْذِيبُ بِوُقُوعِهِ.
فالتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ هو مَنشَأُ الإقْدامِ عَلى السَّيِّئاتِ والجَرائِمِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
صفحة ١٩٧
أيْ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ جَهْلٌ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِمْ إذِ الحِكْمَةُ مِن خَلْقِ النّاسِ تَقْتَضِي تَحْسِينَ أعْمالِهِمْ وحِفْظَ نِظامِهِمْ. فَلِذَلِكَ جاءَتْهُمُ الشَّرائِعُ آمِرَةً بِالصَّلاحِ وناهِيَةً عَنِ الفَسادِ. ورَتَّبَ لَهُمُ الجَزاءَ عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، وعَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ بِالعَذابِ والإهانَةِ. كُلٌّ عَلى حَسَبِ عَمَلِهِ: فَلَوْ أهْمَلَ الخالِقُ تَقْوِيمَ مَخْلُوقاتِهِ وأهْمَلَ جَزاءَ الصّالِحِينَ والمُفْسِدِينَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن حِكْمَةِ الخَلْقِ قالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] .
وقَدْ ذُكِرَ لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ وهي: مُعْتَدٍ، أثِيمٍ، يَقُولُ إنَّ الآياتِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.
والِاعْتِداءُ: الظُّلْمُ، والمُعْتَدِي: المُشْرِكُ والكافِرُ بِما جاءَهُ مِنَ الشَّرائِعِ لِأنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلى اللَّهِ بِالإشْراكِ، وعَلى رُسُلِهِ بِالتَّكْذِيبِ، واعْتَدَوْا عَلى دَلائِلِ الحَقِّ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيها أوْ لَمْ يَعْمَلُوا بِها.
والأثِيمُ: مُبالَغَةٌ في الآثِمِ، أيْ: كَثِيرُ الإثْمِ.
وصِيغَةُ القَصْرِ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ تُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ عَلى المُعْتَدِينَ الآثِمِينَ الزّاعِمِينَ القُرْآنَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.
فَهُوَ قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ يَوْمَ الدِّينِ لا يُكَذِّبُ بِهِ إلّا غَيْرُ المُتَدَيِّنِينَ المُشْرِكُونَ والوَثَنِيُّونَ وأضْرابُهم مِمَّنْ جَمَعَ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ، وأعْظَمُها التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ والصّابِئَةَ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الشِّرْكِ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ مِثْلَ أصْحابِ دِيانَةِ القِبْطِ.
فالَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ هم مُشْرِكُو العَرَبِ ومَن شابَهَهم مِثْلُ الدَّهْرِيِّينَ، فَإنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الصِّفَتانِ الأُولى والثّانِيَةُ وهي الِاعْتِداءُ والإثْمُ وهو ظاهِرٌ، وأمّا زَعْمُ القُرْآنِ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهو مَقالَةُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً وأمّا غَيْرُهم مِمَّنْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهم هَذا القَوْلُ فَهم مُتَهَيِّئُونَ؛ لِأنْ يَقُولُوهُ، أوْ يَقُولُوا ما يُساوِيهِ، أوْ يَئُولُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنهم لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَكَذَّبَ بِهِ
صفحة ١٩٨
تَكْذِيبًا يُساوِي اعْتِقادَ أنَّهُ مِن وضْعِ البَشَرِ، فَهَؤُلاءِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا القُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ فَظَنُّهم في القُرْآنِ يُساوِي ظَنَّ المُشْرِكِينَ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَقُولُهُ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ القَصْرَ ادِّعائِيًّا ولا تَلْتَفِتَ إلى تَنْزِيلِ مَن لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في القُرْآنِ، ومَعْنى الِادِّعاءِ أنَّ مَن لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمُ القَوْلُ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ قَدْ جُعِلَ تَكْذِيبُهم بِيَوْمِ الدِّينِ كَلا تَكْذِيبٍ مُبالَغَةً في إبْطالِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ.
وجُمْلَةُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ صِفَةٌ لِمُعْتَدٍ أوْ حالٌ مِنهُ.
والآياتُ هُنا القُرْآنُ وأجْزاؤُهُ لِأنَّها الَّتِي تُتْلى وتُقْرَأُ.
والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي القِصَّةُ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ القِصَّةُ المُخْتَرَعَةُ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وكانَ المُشْرِكُونَ يُنَظِّرُونَ قِصَصَ القُرْآنِ بِقِصَّةِ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ، عِنْدَ الفُرْسِ، ولَعَلَّ الكَلِمَةَ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ، وتُقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمُرادُ بِالأوَّلِينَ الأُمَمُ السّابِقَةُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُطْلَقُ عَلى السّابِقِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ أوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ثانٍ بَعْدَهُ وإنْ كانَ هو قَدْ سَبَقَتْهُ أجْيالٌ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَصِفُونَ القُرْآنَ بِذَلِكَ لِما سَمِعُوا فِيهِ مِنَ القِصَصِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ مَساقَ المَوْعِظَةِ والِاعْتِبارِ، فَحَسِبُوها مِن قِصَصِ الأسْمارِ. واقْتَصَرُوا عَلى ذَلِكَ دُونَ ما في أكْثَرِ القُرْآنِ مِنَ الحَقائِقِ العالِيَةِ والحِكْمَةِ. بُهْتانًا مِنهم.
ومِمَّنْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ قَدْ كَتَبَ قِصَّةَ رُسْتُمَ وقِصَّةَ إسْفِنْدِيارَ وجَدَها في الحِيرَةِ، فَكانَ يُحَدِّثُ بِها في مَكَّةَ ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، فَإنَّما يُحَدِّثُكم بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ.
ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ خُصُوصَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ظاهِرٌ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ.
المطففين 83:14
﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا﴾ [المطففين: ١٥] .
اعْتِراضٌ بِالرَّدْعِ وبَيانٌ لَهُ؛ لِأنَّ كَلّا رَدْعٌ لِقَوْلِهِمْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيْ أنَّ قَوْلَهم
صفحة ١٩٩
باطِلٌ. وحَرْفُ بَلْ لِلْإبْطالِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونٍ كَلّا وبَيانًا وكَشْفًا لِما حَمَلَهم عَلى أنْ يَقُولُوا في القُرْآنِ ما قالُوا وأنَّهُ ما أعْمى بَصائِرَهم مِنَ الرَّيْنِ.
والرَّيْنُ: الصَّدَأُ الَّذِي يَعْلُو حَدِيدَ السَّيْفِ والمِرْآةِ، ويُقالُ في مَصْدَرِ الرَّيْنِ الرّانُ مِثْلَ العَيْبِ والعابِ، والذَّيْمِ والذّامِ.
وأصْلُ فِعْلِهِ أنْ يُسْنَدَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي أصابَهُ الرَّيْنُ، فَيُقالُ: رانَ السَّيْفُ ورانَ الثَّوْبُ، إذا أصابَهُ الرَّيْنُ، أيْ: صارَ ذا رَيْنٍ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّغْطِئَةِ أُطْلِقَ عَلى التَّغْطِيَةِ، فَجاءَ مِنهُ فِعْلُ رانَ بِمَعْنى غَشِيَ، فَقالُوا: رانَ النُّعاسُ عَلى فُلانٍ، ورانَتِ الخَمْرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ هو مِن بابِ رانَ الرَّيْنُ عَلى السَّيْفِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ هَذا الفِعْلَ صارَ النّاسُ يَقُولُونَ: رِينَ عَلى قَلْبِ فُلانٍ وفُلانٌ مَرِينٌ عَلى قَلْبِهِ.
والمَعْنى: غَطَّتْ عَلى قُلُوبِهِمْ أعْمالُهم أنْ يَدْخُلَها فَهْمُ القُرْآنِ، والبَوْنُ الشّاسِعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أساطِيرِ الأوَّلِينَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ بَعْدَ قَلْبِها راءً لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْها.
وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالوَقْفِ عَلى لامِ بَلْ والِابْتِداءِ بِكَلِمَةِ رانَ تَجَنُّبًا لِلْإدْغامِ.
وقَرَأهُ حَفْصٌ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ عَلى لامِ بَلْ لِيُبَيِّنَ أنَّها لامٌ. قالَ في اللِّسانِ: إظْهارُ اللّامِ لُغَةً لِأهْلِ الحِجازِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: هُما حَسَنانِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الإدْغامُ أرْجَحُ.
والقُلُوبُ العُقُولُ ومَحالُّ الإدْراكِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومِن كَلامِ رُعاةِ الأعْرابِ يُخاطِبُونَ إبِلَهم في زَمَنِ شِدَّةِ البَرْدِ إذا أوْرَدُوها الماءَ فاشْمَأزَّتْ مِنهُ لِبَرْدِهِ ”بَرِّدِيهِ تَجِدِيهِ سَخِينًا“ أيْ: بَلْ رُدِّيهِ وذَلِكَ مِنَ المُلَحِ الشَّبِيهَةِ بِالمُعاياةِ إذْ في ظاهِرِهِ طَلَبُ تَبْرِيدِهِ وأنَّهُ بِالتَّبْرِيدِ يُوجَدُ سَخِينًا.
و﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما عَمِلُوهُ سالِفًا مِن سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ وجِماحِهِمْ عَنْ
صفحة ٢٠٠
التَّدَبُّرِ في الآياتِ حَتّى صارَ الإعْراضُ والعِنادُ خُلُقًا مُتَأصِّلًا فِيهِمْ فَلا تَفْهَمُ عُقُولُهم دَلالَةَ الأدِلَّةِ عَلى مَدْلُولاتِها.
رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ العَبْدَ إذا أخْطَأ خَطِيئَةً نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإذا هو نَزَعَ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ وتابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإنَّ عادَ زِيِدَ فِيها حَتّى تَعْلُوَ عَلى قَلْبِهِ، وهو الرّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»﴾ . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ومَجِيءُ يَكْسِبُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ دُونَ الماضِي لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ الكَسْبِ وتَعَدُّدِهِ في الماضِي.
وفِي ذِكْرِ فِعْلِ كانُوا دُونَ أنْ يُقالَ: ما يَكْسِبُونَ، إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ: ما كَسَبُوهُ في أعْمارِهِمْ مِنَ الإشْراكِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، فَإنَّهم وإنْ لَمْ يَكُونُوا مَناطَ تَكْلِيفٍ أيّامَئِذٍ. فَهم مُخالِفُونَ لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرائِعُ السّالِفَةُ وتَواتَرَ وشاعَ في الأُمَمِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ عَلى قَوْلِ الأشْعَرِيِّ وأهْلِ السُّنَّةِ في تَوْجِيهِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ الفَتْرَةِ بِذَنْبِ الإشْراكِ بِاللَّهِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ مُخالِفُونَ لِمُقْتَضى دَلالَةِ العَقْلِ الواضِحَةِ عَلى قَوْلِ الماتْرِيدِيِّ والمُعْتَزِلَةِ ولَحِقَ بِذَلِكَ ما اكْتَسَبُوهُ مِن وقْتِ مَجِيءِ الإسْلامِ إلى أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَهي مُدَّةٌ لَيْسَتْ بِالقَصِيرَةِ.
وكَلّا الثّانِيَةُ تَأْكِيدٌ لِـ كَلّا الأُولى زِيادَةً في الرَّدْعِ لِيَصِيرَ تَوْبِيخًا.
المطففين 83:15
﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها ابْتِدائِيَّةٌ وقَدِ اشْتَمَلَتِ الجُمْلَةُ ومَعْطُوفاها عَلى أنْواعٍ ثَلاثَةٍ مِنَ الوَيْلِ وهي الإهانَةُ، والعَذابُ، والتَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ.
فَأمّا الإهانَةُ فَحَجْبُهم عَنْ رَبِّهِمْ، والحَجْبُ هو السَّتْرُ، ويُسْتَعْمَلُ في المَنعِ مِنَ
صفحة ٢٠١
الحُضُورِ لَدى المَلِكِ ولَدى سَيِّدِ القَوْمِ قالَ الشّاعِرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ وهو مِن شَواهِدِ الكَشّافِ:
إذا اعْتَرَوْا بابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِـبُـوا والنّاسُ مِن بَيْنِ مَرْجُوبٍ ومَحْجُوبِ
وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادٌ هُنا؛ لِأنَّ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ لا يَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَراهُ أهْلُ الإيمانِ.
ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في حِكايَةِ أحْوالِ الأبْرارِ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] وكَذَلِكَ أيْضًا لا يَدْخُلُونَ حَضْرَةَ القُدُسِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ولِيَكُونَ الكَلامُ مُفِيدًا لِلْمَعْنَيَيْنِ قِيلَ ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ، أوْ عَنْ وجْهِ رَبِّهِمْ كَما قالَ في آيَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] .
وأمّا العَذابُ فَهو ما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ .
وقَدْ عُطِفَتْ جُمْلَتُهُ بِحَرْفِ ثُمَّ الدّالَّةِ في عَطْفِها الجُمَلَ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ وهو ارْتِقاءٌ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ وعِيدٌ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ وذَلِكَ أشَدُّ مِن خِزْيِ الإهانَةِ.
وصالُوا جَمْعُ صالٍ وهو الَّذِي مَسَّهُ حَرُّ النّارِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الِانْفِطارِ.
والمَعْنى: أنَّهم سَيُصْلَوْنَ عَذابَ الجَحِيمِ.
وأمّا التَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ التَّخْفِيفِ فَهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَعَطْفُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ ثُمَّ اقْتَضى تَراخِيَ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: بُعْدُ دَرَجَتِهِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.
واقْتَضى اسْمُ الإشارَةِ أنَّهم صارُوا إلى العَذابِ، والإخْبارُ عَنِ العَذابِ بِأنَّهُ الَّذِي كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ يُفِيدُ أنَّهُ العَذابُ الَّذِي تَكَرَّرَ وعِيدُهم بِهِ وهم يُكَذِّبُونَهُ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ وهو دَرَجَةٌ أشَدُّ في الوَعِيدِ، وبِذَلِكَ كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها.
أوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إشارَةً إلى جَوابِ مالِكٍ
صفحة ٢٠٢
خازِنِ جَهَنَّمَ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] فَطُوِيَ سُؤالُهم واقْتُصِرَ عَلى جَوابِ مالِكٍ خازِنِ جَهَنَّمَ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ عَطْفِ جُمْلَةِ هَذا المَقالِ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي.
وبُنِيَ فِعْلُ يُقالُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِمَعْرِفَةِ القائِلِ والمَقْصِدِ هو القَوْلُ.
وتَقْدِيمُ بِهِ عَلى تُكَذِّبُونَ لِلِاهْتِمامِ بِمَعادِ الضَّمِيرِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ تُكَذِّبُونَ إلى تَفْرِقَةٍ بَيْنَ تَعْدِيَتِهِ إلى الشَّخْصِ الكاذِبِ فَيُعَدّى بِنَفْسِهِ وبَيْنَ تَعْدِيَتِهِ إلى الخَبَرِ المُكَذَّبِ فَيُعَدّى بِالباءِ، ولَعَلَّ أصْلَها باءُ السَّبَبِيَّةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: كَذَّبَ بِسَبَبِهِ مَن أخْبَرَهُ بِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ رُسُلَ اللَّهِ في الدُّنْيا.
المطففين 83:16
﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها ابْتِدائِيَّةٌ وقَدِ اشْتَمَلَتِ الجُمْلَةُ ومَعْطُوفاها عَلى أنْواعٍ ثَلاثَةٍ مِنَ الوَيْلِ وهي الإهانَةُ، والعَذابُ، والتَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ.
فَأمّا الإهانَةُ فَحَجْبُهم عَنْ رَبِّهِمْ، والحَجْبُ هو السَّتْرُ، ويُسْتَعْمَلُ في المَنعِ مِنَ
صفحة ٢٠١
الحُضُورِ لَدى المَلِكِ ولَدى سَيِّدِ القَوْمِ قالَ الشّاعِرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ وهو مِن شَواهِدِ الكَشّافِ:
إذا اعْتَرَوْا بابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِـبُـوا والنّاسُ مِن بَيْنِ مَرْجُوبٍ ومَحْجُوبِ
وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادٌ هُنا؛ لِأنَّ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ لا يَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَراهُ أهْلُ الإيمانِ.
ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في حِكايَةِ أحْوالِ الأبْرارِ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] وكَذَلِكَ أيْضًا لا يَدْخُلُونَ حَضْرَةَ القُدُسِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ولِيَكُونَ الكَلامُ مُفِيدًا لِلْمَعْنَيَيْنِ قِيلَ ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ، أوْ عَنْ وجْهِ رَبِّهِمْ كَما قالَ في آيَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] .
وأمّا العَذابُ فَهو ما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ .
وقَدْ عُطِفَتْ جُمْلَتُهُ بِحَرْفِ ثُمَّ الدّالَّةِ في عَطْفِها الجُمَلَ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ وهو ارْتِقاءٌ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ وعِيدٌ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ وذَلِكَ أشَدُّ مِن خِزْيِ الإهانَةِ.
وصالُوا جَمْعُ صالٍ وهو الَّذِي مَسَّهُ حَرُّ النّارِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الِانْفِطارِ.
والمَعْنى: أنَّهم سَيُصْلَوْنَ عَذابَ الجَحِيمِ.
وأمّا التَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ التَّخْفِيفِ فَهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَعَطْفُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ ثُمَّ اقْتَضى تَراخِيَ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: بُعْدُ دَرَجَتِهِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.
واقْتَضى اسْمُ الإشارَةِ أنَّهم صارُوا إلى العَذابِ، والإخْبارُ عَنِ العَذابِ بِأنَّهُ الَّذِي كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ يُفِيدُ أنَّهُ العَذابُ الَّذِي تَكَرَّرَ وعِيدُهم بِهِ وهم يُكَذِّبُونَهُ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ وهو دَرَجَةٌ أشَدُّ في الوَعِيدِ، وبِذَلِكَ كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها.
أوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إشارَةً إلى جَوابِ مالِكٍ
صفحة ٢٠٢
خازِنِ جَهَنَّمَ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] فَطُوِيَ سُؤالُهم واقْتُصِرَ عَلى جَوابِ مالِكٍ خازِنِ جَهَنَّمَ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ عَطْفِ جُمْلَةِ هَذا المَقالِ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي.
وبُنِيَ فِعْلُ يُقالُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِمَعْرِفَةِ القائِلِ والمَقْصِدِ هو القَوْلُ.
وتَقْدِيمُ بِهِ عَلى تُكَذِّبُونَ لِلِاهْتِمامِ بِمَعادِ الضَّمِيرِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ تُكَذِّبُونَ إلى تَفْرِقَةٍ بَيْنَ تَعْدِيَتِهِ إلى الشَّخْصِ الكاذِبِ فَيُعَدّى بِنَفْسِهِ وبَيْنَ تَعْدِيَتِهِ إلى الخَبَرِ المُكَذَّبِ فَيُعَدّى بِالباءِ، ولَعَلَّ أصْلَها باءُ السَّبَبِيَّةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: كَذَّبَ بِسَبَبِهِ مَن أخْبَرَهُ بِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ رُسُلَ اللَّهِ في الدُّنْيا.
المطففين 83:17
﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها ابْتِدائِيَّةٌ وقَدِ اشْتَمَلَتِ الجُمْلَةُ ومَعْطُوفاها عَلى أنْواعٍ ثَلاثَةٍ مِنَ الوَيْلِ وهي الإهانَةُ، والعَذابُ، والتَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ.
فَأمّا الإهانَةُ فَحَجْبُهم عَنْ رَبِّهِمْ، والحَجْبُ هو السَّتْرُ، ويُسْتَعْمَلُ في المَنعِ مِنَ
صفحة ٢٠١
الحُضُورِ لَدى المَلِكِ ولَدى سَيِّدِ القَوْمِ قالَ الشّاعِرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ وهو مِن شَواهِدِ الكَشّافِ:
إذا اعْتَرَوْا بابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِـبُـوا والنّاسُ مِن بَيْنِ مَرْجُوبٍ ومَحْجُوبِ
وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادٌ هُنا؛ لِأنَّ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ لا يَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَراهُ أهْلُ الإيمانِ.
ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في حِكايَةِ أحْوالِ الأبْرارِ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] وكَذَلِكَ أيْضًا لا يَدْخُلُونَ حَضْرَةَ القُدُسِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ولِيَكُونَ الكَلامُ مُفِيدًا لِلْمَعْنَيَيْنِ قِيلَ ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ، أوْ عَنْ وجْهِ رَبِّهِمْ كَما قالَ في آيَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] .
وأمّا العَذابُ فَهو ما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ .
وقَدْ عُطِفَتْ جُمْلَتُهُ بِحَرْفِ ثُمَّ الدّالَّةِ في عَطْفِها الجُمَلَ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ وهو ارْتِقاءٌ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ وعِيدٌ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ وذَلِكَ أشَدُّ مِن خِزْيِ الإهانَةِ.
وصالُوا جَمْعُ صالٍ وهو الَّذِي مَسَّهُ حَرُّ النّارِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الِانْفِطارِ.
والمَعْنى: أنَّهم سَيُصْلَوْنَ عَذابَ الجَحِيمِ.
وأمّا التَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ التَّخْفِيفِ فَهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَعَطْفُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ ثُمَّ اقْتَضى تَراخِيَ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: بُعْدُ دَرَجَتِهِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.
واقْتَضى اسْمُ الإشارَةِ أنَّهم صارُوا إلى العَذابِ، والإخْبارُ عَنِ العَذابِ بِأنَّهُ الَّذِي كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ يُفِيدُ أنَّهُ العَذابُ الَّذِي تَكَرَّرَ وعِيدُهم بِهِ وهم يُكَذِّبُونَهُ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ وهو دَرَجَةٌ أشَدُّ في الوَعِيدِ، وبِذَلِكَ كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها.
أوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إشارَةً إلى جَوابِ مالِكٍ
صفحة ٢٠٢
خازِنِ جَهَنَّمَ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] فَطُوِيَ سُؤالُهم واقْتُصِرَ عَلى جَوابِ مالِكٍ خازِنِ جَهَنَّمَ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ عَطْفِ جُمْلَةِ هَذا المَقالِ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي.
وبُنِيَ فِعْلُ يُقالُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِمَعْرِفَةِ القائِلِ والمَقْصِدِ هو القَوْلُ.
وتَقْدِيمُ بِهِ عَلى تُكَذِّبُونَ لِلِاهْتِمامِ بِمَعادِ الضَّمِيرِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ تُكَذِّبُونَ إلى تَفْرِقَةٍ بَيْنَ تَعْدِيَتِهِ إلى الشَّخْصِ الكاذِبِ فَيُعَدّى بِنَفْسِهِ وبَيْنَ تَعْدِيَتِهِ إلى الخَبَرِ المُكَذَّبِ فَيُعَدّى بِالباءِ، ولَعَلَّ أصْلَها باءُ السَّبَبِيَّةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: كَذَّبَ بِسَبَبِهِ مَن أخْبَرَهُ بِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ رُسُلَ اللَّهِ في الدُّنْيا.
المطففين 83:18
﴿كَلّا﴾ .
رَدْعٌ وإبْطالٌ لِما تَضْمَنُهُ ما يُقالُ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ كَلّا مِمّا قِيلَ لَهم مَعَ جُمْلَةِ ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] رَدْعًا لَهم فَهي مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ في القُرْآنِ إبْطالًا لِتَكْذِيبِهِمُ المَذْكُورِ.
* * *
﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الحِكايَةِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ [المطففين: ١٧] إلَخْ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِحَذافِرِها تُشْبِهُ جُمْلَةَ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] إلَخْ أُسْلُوبًا ومُقابَلَةً. فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ
صفحة ٢٠٣
مَضْمُونُها قَسِيمًا لِمَضْمُونِ شَبِيهِها فَتَحْصُلُ مُقابَلَةُ وعِيدِ الفُجّارِ بِوَعْدِ الأبْرارِ، ومِن عادَةِ القُرْآنِ تَعْقِيبُ الإنْذارِ بِالتَّبْشِيرِ والعَكْسُ؛ لِأنَّ النّاسَ راهِبٌ وراغِبٌ فالتَّعَرُّضُ لِنَعِيمِ الأبْرارِ إدْماجٌ اقْتَضَتْهُ المُناسَبَةُ وإنْ كانَ المَقامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ مَقامَ إنْذارٍ.
ويَكُونُ المُتَكَلِّمُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ واحِدًا وجَّهَ كَلامَهُ لِلْفُجّارِ الَّذِينَ لا يَظُنُّونَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ، وأعْقَبَهُ بِتَوْجِيهِ كَلامٍ لِلْأبْرارِ الَّذِينَ هم بِضِدِّ ذَلِكَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآياتُ مُعْتَرِضَةً مُتَّصِلَةً بِحَرْفِ الرَّدْعِ عَلى أوْضَحِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ فِيهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ في ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَتَكُونُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ المَذْكُورِ مُتَّصِلَةً بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وبِحَرْفِ الإبْطالِ عَلى أنْ يَكُونَ القائِلُونَ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، أعْقَبُوا تَوْبِيخَهم بِوَصْفِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ تَنْدِيمًا لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى ما أفاتُوهُ مِنَ الخَيْرِ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ، وهو الَّذِي يَعْمَلُ البِرَّ، وتَقَدَّمَ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
والقَوْلُ في الكِتابِ ومَظْرُوفِيَّتِهِ في عِلِّيِّينَ، كالقَوْلِ في ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] .
وعِلِّيُّونَ: جَمْعُ عِلِّيٍّ، وعِلِّيٌّ عَلى وزْنِ فِعِّيلٍ مِنَ العُلُوِّ، وهو زِنَةُ مُبالِغَةٍ في الوَصْفِ جاءَ عَلى صُورَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي أُلْحِقَتْ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ عِلِّيِّينَ لا واحِدَ لَهُ. يُرِيدُ: أنَّ عِلِّيِّينَ لَيْسَ جَمْعَ (عِلِّيٍّ) ولَكِنَّهُ عَلَمٌ عَلى مَكانِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ إذْ لَمْ يُسْمَعْ عَنِ العَرَبِ (عِلِّيٌّ)، وإنَّما قالُوا: عِلِّيَّةٌ لِلْغُرْفَةِ، وعِلِّيُّونَ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِمَحَلَّةِ الأبْرارِ.
واشْتُقَّ هَذا الِاسْمُ مِنَ العُلُوِّ، وهو عُلُوٌّ اعْتِبارِيٌّ، أيْ: رِفْعَةٌ في مَراتِبِ الشَّرَفِ والفَضْلِ، وصِيغَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّ أصْلَ تِلْكَ الصِّيغَةِ أنْ تُجْمَعَ بِها أسْماءُ العُقَلاءِ وصِفاتُهم، فاسْتُكْمِلَ لَهُ صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ الذُّكُورِ إتْمامًا لِشَرَفِ المَعْنى بِاسْتِعارَةِ العُلُوِّ وشَرَفِ النَّوْعِ بِإعْطائِهِ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ.
صفحة ٢٠٤
والقَوْلُ في ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨] المُتَقَدِّمِ.
و﴿يَشْهَدُهُ﴾ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، أيْ: يُعْلَنُ بِهِ عِنْدَ المُقَرَّبِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وهو إعْلانُ تَنْوِيهٍ بِصاحِبِهِ كَما يُعْلَنُ بِأسْماءِ النّابِغِينَ في التَّعْلِيمِ، وأسْماءِ الأبْطالِ في الكَتائِبِ.
المطففين 83:19
﴿كَلّا﴾ .
رَدْعٌ وإبْطالٌ لِما تَضْمَنُهُ ما يُقالُ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ كَلّا مِمّا قِيلَ لَهم مَعَ جُمْلَةِ ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] رَدْعًا لَهم فَهي مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ في القُرْآنِ إبْطالًا لِتَكْذِيبِهِمُ المَذْكُورِ.
* * *
﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الحِكايَةِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ [المطففين: ١٧] إلَخْ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِحَذافِرِها تُشْبِهُ جُمْلَةَ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] إلَخْ أُسْلُوبًا ومُقابَلَةً. فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ
صفحة ٢٠٣
مَضْمُونُها قَسِيمًا لِمَضْمُونِ شَبِيهِها فَتَحْصُلُ مُقابَلَةُ وعِيدِ الفُجّارِ بِوَعْدِ الأبْرارِ، ومِن عادَةِ القُرْآنِ تَعْقِيبُ الإنْذارِ بِالتَّبْشِيرِ والعَكْسُ؛ لِأنَّ النّاسَ راهِبٌ وراغِبٌ فالتَّعَرُّضُ لِنَعِيمِ الأبْرارِ إدْماجٌ اقْتَضَتْهُ المُناسَبَةُ وإنْ كانَ المَقامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ مَقامَ إنْذارٍ.
ويَكُونُ المُتَكَلِّمُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ واحِدًا وجَّهَ كَلامَهُ لِلْفُجّارِ الَّذِينَ لا يَظُنُّونَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ، وأعْقَبَهُ بِتَوْجِيهِ كَلامٍ لِلْأبْرارِ الَّذِينَ هم بِضِدِّ ذَلِكَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآياتُ مُعْتَرِضَةً مُتَّصِلَةً بِحَرْفِ الرَّدْعِ عَلى أوْضَحِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ فِيهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ في ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَتَكُونُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ المَذْكُورِ مُتَّصِلَةً بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وبِحَرْفِ الإبْطالِ عَلى أنْ يَكُونَ القائِلُونَ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، أعْقَبُوا تَوْبِيخَهم بِوَصْفِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ تَنْدِيمًا لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى ما أفاتُوهُ مِنَ الخَيْرِ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ، وهو الَّذِي يَعْمَلُ البِرَّ، وتَقَدَّمَ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
والقَوْلُ في الكِتابِ ومَظْرُوفِيَّتِهِ في عِلِّيِّينَ، كالقَوْلِ في ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] .
وعِلِّيُّونَ: جَمْعُ عِلِّيٍّ، وعِلِّيٌّ عَلى وزْنِ فِعِّيلٍ مِنَ العُلُوِّ، وهو زِنَةُ مُبالِغَةٍ في الوَصْفِ جاءَ عَلى صُورَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي أُلْحِقَتْ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ عِلِّيِّينَ لا واحِدَ لَهُ. يُرِيدُ: أنَّ عِلِّيِّينَ لَيْسَ جَمْعَ (عِلِّيٍّ) ولَكِنَّهُ عَلَمٌ عَلى مَكانِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ إذْ لَمْ يُسْمَعْ عَنِ العَرَبِ (عِلِّيٌّ)، وإنَّما قالُوا: عِلِّيَّةٌ لِلْغُرْفَةِ، وعِلِّيُّونَ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِمَحَلَّةِ الأبْرارِ.
واشْتُقَّ هَذا الِاسْمُ مِنَ العُلُوِّ، وهو عُلُوٌّ اعْتِبارِيٌّ، أيْ: رِفْعَةٌ في مَراتِبِ الشَّرَفِ والفَضْلِ، وصِيغَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّ أصْلَ تِلْكَ الصِّيغَةِ أنْ تُجْمَعَ بِها أسْماءُ العُقَلاءِ وصِفاتُهم، فاسْتُكْمِلَ لَهُ صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ الذُّكُورِ إتْمامًا لِشَرَفِ المَعْنى بِاسْتِعارَةِ العُلُوِّ وشَرَفِ النَّوْعِ بِإعْطائِهِ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ.
صفحة ٢٠٤
والقَوْلُ في ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨] المُتَقَدِّمِ.
و﴿يَشْهَدُهُ﴾ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، أيْ: يُعْلَنُ بِهِ عِنْدَ المُقَرَّبِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وهو إعْلانُ تَنْوِيهٍ بِصاحِبِهِ كَما يُعْلَنُ بِأسْماءِ النّابِغِينَ في التَّعْلِيمِ، وأسْماءِ الأبْطالِ في الكَتائِبِ.
المطففين 83:20
﴿كَلّا﴾ .
رَدْعٌ وإبْطالٌ لِما تَضْمَنُهُ ما يُقالُ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ كَلّا مِمّا قِيلَ لَهم مَعَ جُمْلَةِ ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] رَدْعًا لَهم فَهي مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ في القُرْآنِ إبْطالًا لِتَكْذِيبِهِمُ المَذْكُورِ.
* * *
﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الحِكايَةِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ [المطففين: ١٧] إلَخْ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِحَذافِرِها تُشْبِهُ جُمْلَةَ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] إلَخْ أُسْلُوبًا ومُقابَلَةً. فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ
صفحة ٢٠٣
مَضْمُونُها قَسِيمًا لِمَضْمُونِ شَبِيهِها فَتَحْصُلُ مُقابَلَةُ وعِيدِ الفُجّارِ بِوَعْدِ الأبْرارِ، ومِن عادَةِ القُرْآنِ تَعْقِيبُ الإنْذارِ بِالتَّبْشِيرِ والعَكْسُ؛ لِأنَّ النّاسَ راهِبٌ وراغِبٌ فالتَّعَرُّضُ لِنَعِيمِ الأبْرارِ إدْماجٌ اقْتَضَتْهُ المُناسَبَةُ وإنْ كانَ المَقامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ مَقامَ إنْذارٍ.
ويَكُونُ المُتَكَلِّمُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ واحِدًا وجَّهَ كَلامَهُ لِلْفُجّارِ الَّذِينَ لا يَظُنُّونَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ، وأعْقَبَهُ بِتَوْجِيهِ كَلامٍ لِلْأبْرارِ الَّذِينَ هم بِضِدِّ ذَلِكَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآياتُ مُعْتَرِضَةً مُتَّصِلَةً بِحَرْفِ الرَّدْعِ عَلى أوْضَحِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ فِيهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ في ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَتَكُونُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ المَذْكُورِ مُتَّصِلَةً بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وبِحَرْفِ الإبْطالِ عَلى أنْ يَكُونَ القائِلُونَ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، أعْقَبُوا تَوْبِيخَهم بِوَصْفِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ تَنْدِيمًا لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى ما أفاتُوهُ مِنَ الخَيْرِ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ، وهو الَّذِي يَعْمَلُ البِرَّ، وتَقَدَّمَ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
والقَوْلُ في الكِتابِ ومَظْرُوفِيَّتِهِ في عِلِّيِّينَ، كالقَوْلِ في ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] .
وعِلِّيُّونَ: جَمْعُ عِلِّيٍّ، وعِلِّيٌّ عَلى وزْنِ فِعِّيلٍ مِنَ العُلُوِّ، وهو زِنَةُ مُبالِغَةٍ في الوَصْفِ جاءَ عَلى صُورَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي أُلْحِقَتْ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ عِلِّيِّينَ لا واحِدَ لَهُ. يُرِيدُ: أنَّ عِلِّيِّينَ لَيْسَ جَمْعَ (عِلِّيٍّ) ولَكِنَّهُ عَلَمٌ عَلى مَكانِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ إذْ لَمْ يُسْمَعْ عَنِ العَرَبِ (عِلِّيٌّ)، وإنَّما قالُوا: عِلِّيَّةٌ لِلْغُرْفَةِ، وعِلِّيُّونَ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِمَحَلَّةِ الأبْرارِ.
واشْتُقَّ هَذا الِاسْمُ مِنَ العُلُوِّ، وهو عُلُوٌّ اعْتِبارِيٌّ، أيْ: رِفْعَةٌ في مَراتِبِ الشَّرَفِ والفَضْلِ، وصِيغَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّ أصْلَ تِلْكَ الصِّيغَةِ أنْ تُجْمَعَ بِها أسْماءُ العُقَلاءِ وصِفاتُهم، فاسْتُكْمِلَ لَهُ صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ الذُّكُورِ إتْمامًا لِشَرَفِ المَعْنى بِاسْتِعارَةِ العُلُوِّ وشَرَفِ النَّوْعِ بِإعْطائِهِ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ.
صفحة ٢٠٤
والقَوْلُ في ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨] المُتَقَدِّمِ.
و﴿يَشْهَدُهُ﴾ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، أيْ: يُعْلَنُ بِهِ عِنْدَ المُقَرَّبِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وهو إعْلانُ تَنْوِيهٍ بِصاحِبِهِ كَما يُعْلَنُ بِأسْماءِ النّابِغِينَ في التَّعْلِيمِ، وأسْماءِ الأبْطالِ في الكَتائِبِ.
المطففين 83:21
﴿كَلّا﴾ .
رَدْعٌ وإبْطالٌ لِما تَضْمَنُهُ ما يُقالُ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ كَلّا مِمّا قِيلَ لَهم مَعَ جُمْلَةِ ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] رَدْعًا لَهم فَهي مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ في القُرْآنِ إبْطالًا لِتَكْذِيبِهِمُ المَذْكُورِ.
* * *
﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الحِكايَةِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ [المطففين: ١٧] إلَخْ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِحَذافِرِها تُشْبِهُ جُمْلَةَ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] إلَخْ أُسْلُوبًا ومُقابَلَةً. فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ
صفحة ٢٠٣
مَضْمُونُها قَسِيمًا لِمَضْمُونِ شَبِيهِها فَتَحْصُلُ مُقابَلَةُ وعِيدِ الفُجّارِ بِوَعْدِ الأبْرارِ، ومِن عادَةِ القُرْآنِ تَعْقِيبُ الإنْذارِ بِالتَّبْشِيرِ والعَكْسُ؛ لِأنَّ النّاسَ راهِبٌ وراغِبٌ فالتَّعَرُّضُ لِنَعِيمِ الأبْرارِ إدْماجٌ اقْتَضَتْهُ المُناسَبَةُ وإنْ كانَ المَقامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ مَقامَ إنْذارٍ.
ويَكُونُ المُتَكَلِّمُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ واحِدًا وجَّهَ كَلامَهُ لِلْفُجّارِ الَّذِينَ لا يَظُنُّونَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ، وأعْقَبَهُ بِتَوْجِيهِ كَلامٍ لِلْأبْرارِ الَّذِينَ هم بِضِدِّ ذَلِكَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآياتُ مُعْتَرِضَةً مُتَّصِلَةً بِحَرْفِ الرَّدْعِ عَلى أوْضَحِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ فِيهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ في ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَتَكُونُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ المَذْكُورِ مُتَّصِلَةً بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وبِحَرْفِ الإبْطالِ عَلى أنْ يَكُونَ القائِلُونَ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، أعْقَبُوا تَوْبِيخَهم بِوَصْفِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ تَنْدِيمًا لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى ما أفاتُوهُ مِنَ الخَيْرِ.
والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ، وهو الَّذِي يَعْمَلُ البِرَّ، وتَقَدَّمَ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
والقَوْلُ في الكِتابِ ومَظْرُوفِيَّتِهِ في عِلِّيِّينَ، كالقَوْلِ في ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] .
وعِلِّيُّونَ: جَمْعُ عِلِّيٍّ، وعِلِّيٌّ عَلى وزْنِ فِعِّيلٍ مِنَ العُلُوِّ، وهو زِنَةُ مُبالِغَةٍ في الوَصْفِ جاءَ عَلى صُورَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي أُلْحِقَتْ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ عِلِّيِّينَ لا واحِدَ لَهُ. يُرِيدُ: أنَّ عِلِّيِّينَ لَيْسَ جَمْعَ (عِلِّيٍّ) ولَكِنَّهُ عَلَمٌ عَلى مَكانِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ إذْ لَمْ يُسْمَعْ عَنِ العَرَبِ (عِلِّيٌّ)، وإنَّما قالُوا: عِلِّيَّةٌ لِلْغُرْفَةِ، وعِلِّيُّونَ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِمَحَلَّةِ الأبْرارِ.
واشْتُقَّ هَذا الِاسْمُ مِنَ العُلُوِّ، وهو عُلُوٌّ اعْتِبارِيٌّ، أيْ: رِفْعَةٌ في مَراتِبِ الشَّرَفِ والفَضْلِ، وصِيغَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّ أصْلَ تِلْكَ الصِّيغَةِ أنْ تُجْمَعَ بِها أسْماءُ العُقَلاءِ وصِفاتُهم، فاسْتُكْمِلَ لَهُ صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ الذُّكُورِ إتْمامًا لِشَرَفِ المَعْنى بِاسْتِعارَةِ العُلُوِّ وشَرَفِ النَّوْعِ بِإعْطائِهِ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ.
صفحة ٢٠٤
والقَوْلُ في ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨] المُتَقَدِّمِ.
و﴿يَشْهَدُهُ﴾ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، أيْ: يُعْلَنُ بِهِ عِنْدَ المُقَرَّبِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وهو إعْلانُ تَنْوِيهٍ بِصاحِبِهِ كَما يُعْلَنُ بِأسْماءِ النّابِغِينَ في التَّعْلِيمِ، وأسْماءِ الأبْطالِ في الكَتائِبِ.
المطففين 83:22
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] إلى آخِرِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِها افْتِتاحًا وتَوْصِيفًا وفَصْلًا، وهي مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ البَيانِ أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهم، تَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ في الإيمانِ.
وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يُناكِدُ الوَجْهَ الآخَرَ فِيما قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ.
وذُكِرَ الأبْرارُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ، خِلافًا لِما جاءَ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الأبْرارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الأبْرارِ، أيْ: هم عَلى الأرائِكِ، أيْ: مُتَّكِئُونَ عَلَيْها.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ ووِسادَتِهِ وحَجَلَةٍ مَنصُوبَةٍ عَلَيْهِما، فَلا يُقالُ: أرِيكَةٌ إلّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّها حَبَشِيَّةٌ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] في سُورَةِ الإنْسانِ.
صفحة ٢٠٥
ويَنْظُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأبْرارِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ إمّا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ في ضِدِّهِمْ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ وإمّا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: يَنْظُرُونَ كُلَّ ما يُبْهِجُ نُفُوسَهم ويَسُرُّهم بِقَرِينَةِ مَقاعِدِ الوَعْدِ والتَّكْرِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الخِطابِ ونَصْبِ (نَضْرَةَ) وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. أيْ: تَعْرِفُ يا مَن يَراهم. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ تُعْرَفُ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (نَضْرَةُ) .
ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ جَرَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ في اسْتِعْمالِهِ. وجَرَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِهِ.
والخِطابُ بِمِثْلِهِ في مَقامِ وصْفِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ لَهُ.
والنَّضْرَةُ: البَهْجَةُ والحُسْنُ، وإضافَةُ (نَضْرَةَ) إلى (النَعِيمِ) مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، أيِ: النَّضْرَةُ والبَهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ لِوَجْهِ المَسْرُورِ الرّاضِي إذْ تَبْدُو عَلى وجْهِهِ مَلامِحُ السُّرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثالِثَةٌ مِنهُ. وعَبَّرَ بِـ يُسْقَوْنَ دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهم مَخْلُوقاتٌ لِأجْلِ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّرَفُّهِ ولَذَّةِ الرّاحَةِ.
والرَّحِيقُ: اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ.
والمَخْتُومُ: المَسْدُودُ إناؤُهُ، أيْ: باطِيَتُهُ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن خَتَمَهُ إذا شَدَّ بِصِنْفٍ مِنَ الطِّينِ مَعْرُوفٍ بِالصَّلابَةِ إذا يَبِسَ فَيَعْسُرُ قَلْعُهُ، وإذا قُلِعَ ظَهَرَ أنَّهُ مَقْلُوعٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَتْمِ عَلى الرَّسائِلِ لِئَلّا يَقْرَأ حامِلُها ما فِيها، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن كَرَمِ الكِتابِ خَتْمُهُ ويَجْعَلُونَ عَلامَةً عَلَيْهِ، تُطْبَعُ فِيهِ وهو رَطْبٌ، فَإذا يَبِسَ تَعَذَّرَ فَسْخُها، ويُسَمّى ما تُطْبَعُ بِهِ خاتَمًا بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ، وكانَ المُلُوكُ والأُمَراءُ والسّادَةُ يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ خَواتِيمَ يَضَعُونَها في أحَدِ الخِنْصَرَيْنِ لِيَجِدُوها عِنْدَ إصْدارِ الرَّسائِلِ عَنْهم، قالَ جَرِيرٌ:
صفحة ٢٠٦
يَكْفِي الخَلِيفَةَ أنَّ اللَّهَ سَـرْبَـلَـهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
والخِتامُ بِوَزْنِ كِتابٍ: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الخِتامِ عَلى مَحَلِّ السِّدادِ مِنَ القارُورَةِ أوِ الباطِيَةِ أوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنعِ تَخَلُّلِ الهَواءِ إلَيْها، وذَلِكَ أصْلَحُ لِاخْتِمارِها وزِيادَةِ صَفائِها وحِفْظِ رائِحَتِها. وجُعِلَ خِتامُ خَمْرِ الجَنَّةِ بِعَجِينِ المِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الخَتْمِ.
والمِسْكُ مادَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ ذاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وقُوَّةُ رائِحَتِهِ مُنْذُ العُصُورِ القَدِيمَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَتَكَوَّنُ في غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ في عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الغَزالِ في بِلادِ التِّيبِيتِ مِن أرْضِ الصِّينِ فَتَبْقى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إلى أنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُها طُلّابُها ويَتَّجِرُونَ فِيها، وهي جِلْدَةٌ في شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: فَأْرَةُ المِسْكِ.
وفُسِّرَ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بِأنَّ المَعْنى خِتامُ شُرْبِهِ، أيْ: آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أيْ: طَعْمُ المِسْكِ بِمَعْنى نَكْهَتِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
مِمّا يُعَتِّقُ في الحانُوتِ قاطِفُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومُ
أيْ: يَنْتَهِي بِلَذْعِ الفُلْفُلِ وطَعْمِ الرُّمّانِ.
وجُمْلَةُ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ نَعْتٌ لِـ رَحِيقٍ. أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ الرَّحِيقِ بِأنَّهُ مَخْتُومٌ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ خِتامِها أيُّ شَيْءٍ هو مِن أصْنافِ الخِتامِ؛ لِأنَّ غالِبَ الخِتامِ أنْ يَكُونَ بِطِينٍ أوْ سِدادٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ .
وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ التَّرْكِيبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، وذَلِكَ أنْ نَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَقَوْلُهُ: (وفي ذَلِكَ) هو مَبْدَأُ الجُمْلَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ: وفي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسِ النّاسُ لا في رَحِيقِ الدُّنْيا الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ أهْلُ
صفحة ٢٠٧
البَذَخِ ويَجْلِبُونَهُ مِن أقاصِي البِلادِ ويُنْفِقُونَ فِيهِ الأمْوالَ. ولَمّا كانَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في وُقُوعِ فاءِ الجَوابِ بَعْدَها. والفاءُ إمّا أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمُ الأوْصافَ لِهَذا الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوِ التَّقْدِيرُ: وفي ذَلِكَ فَلْتَتَنافَسُوا فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ هو تَنافُسُ المُخاطَبِينَ، والمُصَرَّحُ بِهِ تَنافُسُ جَمِيعِ المُتَنافِسِينَ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ فاءَ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ ”تَكُونُوا“ و”يُولَّ“، فالتَّقْدِيرُ: إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ. وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلى مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وتَنافَسُوا صِيغَةَ أمْرٍ في ذَلِكَ، فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ فِيهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مُؤَذِنًا بِتَوْكِيدِ فِعْلِ التَّنافُسِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، مَعَ إفادَةِ التَّخَصُّصِ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
والتَّنافُسُ: تَفاعُلٌ مِن نَفِسَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا شَحَّ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَهُ أهْلًا لَهُ وهو مِن قَبِيلِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الرَّفِيعُ في نَوْعِهِ المَرْغُوبُ في تَحْصِيلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأصْلَ في هَذِهِ المادَّةِ هو النَّفْسُ. فالتَّنافُسُ حُصُولُ النَّفاسَةِ بَيْنَ مُتَعَدِّدَةٍ.
ولامُ الأمْرِ في (فَلْيَتَنافَسِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ والحَثِّ.
ومِزاجُهُ: ما يُمْزَجُ بِهِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ مازَجَ بِمَعْنى مَزَجَ، وأُطْلِقَ عَلى المَمْزُوجِ بِهِ فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وكانُوا يَمْزُجُونَ الخَمْرَ لِئَلّا تَغْلِبَهم سَوْرَتُها فَيُسْرِعُ إلَيْهِمْ مَغِيبُ العُقُولِ؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالتِذاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ في العَقْلِ دُونَ أنْ يَغُتَّهُ غَتًّا، فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما تُشْرَبُ الخَمْرُ المُعَتَّقَةُ الخالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالماءِ. قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءٍ مُحْقِبَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ
صفحة ٢٠٨
وقالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيضَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وتَنافُسُهم في الخَمْرِ مَشْهُورٌ مِن عَوائِدِهِمْ وطَفَحَتْ بِهِ أشْعارُهم، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أغْلِي السِّباءَ بِكُلَّ أدْكَنِ عاتِـقٍ ∗∗∗ أوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
وتَسْنِيمٍ عَلَمٌ لَعَيْنٍ في الجَنَّةِ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ إذا جَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنامِ. وُوَجَّهُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بِأنَّ هَذِهِ العَيْنَ تَصُبُّ عَلى جِنانِهِمْ مِن عُلُوٍّ فَكَأنَّها سَنامٌ. وهَذا العَلَمُ عَرَبِيُّ المادَّةِ والصِّيغَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ فَهو مِمّا أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْهُ: هَذا مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ولا أسْماءَها إلّا ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. ولِغَرابَةِ ذَلِكَ احْتِيجَ إلى تَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾، أيْ: حالُ كَوْنِ التَّسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.
والمُقَرَّبُونَ: هُمُ الأبْرارُ، أيْ: فالشّارِبُونَ مِن هَذا الماءِ مُقَرَّبُونَ.
وباءُ ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ إمّا سَبَبِيَّةٌ، وعُدِّيَ فِعْلُ يَشْرَبُ إلى ضَمِيرِ العَيْنِ بِتَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى: يَمْزُجُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أيْ: يَمْزُجُونَ الرَّحِيقَ بِالتَّسْنِيمِ. وإمّا باءُ المُلابَسَةِ وفِعْلُ يَشْرَبُ مُعَدًّى إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وهو الرَّحِيقُ أيْ: يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ مُلابِسِينَ لِلْعَيْنِ، أيْ: مُحِيطِينَ بِها وجالِسِينَ حَوْلَها. أوِ الباءُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ عَدَّهُ الأصْمَعِيُّ والفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ في مَعانِي الباءِ، ويُنْسَبُ إلى الكُوفِيِّينَ. واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَكْثُرُ فِيهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الشُّرْبِ بِالباءِ دُونَ مِن، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مَعْنى المُلابَسَةِ، أوْ كانَتِ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ السَّحابَ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
المطففين 83:23
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] إلى آخِرِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِها افْتِتاحًا وتَوْصِيفًا وفَصْلًا، وهي مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ البَيانِ أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهم، تَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ في الإيمانِ.
وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يُناكِدُ الوَجْهَ الآخَرَ فِيما قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ.
وذُكِرَ الأبْرارُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ، خِلافًا لِما جاءَ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الأبْرارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الأبْرارِ، أيْ: هم عَلى الأرائِكِ، أيْ: مُتَّكِئُونَ عَلَيْها.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ ووِسادَتِهِ وحَجَلَةٍ مَنصُوبَةٍ عَلَيْهِما، فَلا يُقالُ: أرِيكَةٌ إلّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّها حَبَشِيَّةٌ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] في سُورَةِ الإنْسانِ.
صفحة ٢٠٥
ويَنْظُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأبْرارِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ إمّا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ في ضِدِّهِمْ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ وإمّا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: يَنْظُرُونَ كُلَّ ما يُبْهِجُ نُفُوسَهم ويَسُرُّهم بِقَرِينَةِ مَقاعِدِ الوَعْدِ والتَّكْرِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الخِطابِ ونَصْبِ (نَضْرَةَ) وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. أيْ: تَعْرِفُ يا مَن يَراهم. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ تُعْرَفُ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (نَضْرَةُ) .
ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ جَرَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ في اسْتِعْمالِهِ. وجَرَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِهِ.
والخِطابُ بِمِثْلِهِ في مَقامِ وصْفِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ لَهُ.
والنَّضْرَةُ: البَهْجَةُ والحُسْنُ، وإضافَةُ (نَضْرَةَ) إلى (النَعِيمِ) مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، أيِ: النَّضْرَةُ والبَهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ لِوَجْهِ المَسْرُورِ الرّاضِي إذْ تَبْدُو عَلى وجْهِهِ مَلامِحُ السُّرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثالِثَةٌ مِنهُ. وعَبَّرَ بِـ يُسْقَوْنَ دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهم مَخْلُوقاتٌ لِأجْلِ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّرَفُّهِ ولَذَّةِ الرّاحَةِ.
والرَّحِيقُ: اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ.
والمَخْتُومُ: المَسْدُودُ إناؤُهُ، أيْ: باطِيَتُهُ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن خَتَمَهُ إذا شَدَّ بِصِنْفٍ مِنَ الطِّينِ مَعْرُوفٍ بِالصَّلابَةِ إذا يَبِسَ فَيَعْسُرُ قَلْعُهُ، وإذا قُلِعَ ظَهَرَ أنَّهُ مَقْلُوعٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَتْمِ عَلى الرَّسائِلِ لِئَلّا يَقْرَأ حامِلُها ما فِيها، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن كَرَمِ الكِتابِ خَتْمُهُ ويَجْعَلُونَ عَلامَةً عَلَيْهِ، تُطْبَعُ فِيهِ وهو رَطْبٌ، فَإذا يَبِسَ تَعَذَّرَ فَسْخُها، ويُسَمّى ما تُطْبَعُ بِهِ خاتَمًا بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ، وكانَ المُلُوكُ والأُمَراءُ والسّادَةُ يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ خَواتِيمَ يَضَعُونَها في أحَدِ الخِنْصَرَيْنِ لِيَجِدُوها عِنْدَ إصْدارِ الرَّسائِلِ عَنْهم، قالَ جَرِيرٌ:
صفحة ٢٠٦
يَكْفِي الخَلِيفَةَ أنَّ اللَّهَ سَـرْبَـلَـهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
والخِتامُ بِوَزْنِ كِتابٍ: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الخِتامِ عَلى مَحَلِّ السِّدادِ مِنَ القارُورَةِ أوِ الباطِيَةِ أوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنعِ تَخَلُّلِ الهَواءِ إلَيْها، وذَلِكَ أصْلَحُ لِاخْتِمارِها وزِيادَةِ صَفائِها وحِفْظِ رائِحَتِها. وجُعِلَ خِتامُ خَمْرِ الجَنَّةِ بِعَجِينِ المِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الخَتْمِ.
والمِسْكُ مادَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ ذاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وقُوَّةُ رائِحَتِهِ مُنْذُ العُصُورِ القَدِيمَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَتَكَوَّنُ في غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ في عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الغَزالِ في بِلادِ التِّيبِيتِ مِن أرْضِ الصِّينِ فَتَبْقى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إلى أنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُها طُلّابُها ويَتَّجِرُونَ فِيها، وهي جِلْدَةٌ في شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: فَأْرَةُ المِسْكِ.
وفُسِّرَ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بِأنَّ المَعْنى خِتامُ شُرْبِهِ، أيْ: آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أيْ: طَعْمُ المِسْكِ بِمَعْنى نَكْهَتِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
مِمّا يُعَتِّقُ في الحانُوتِ قاطِفُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومُ
أيْ: يَنْتَهِي بِلَذْعِ الفُلْفُلِ وطَعْمِ الرُّمّانِ.
وجُمْلَةُ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ نَعْتٌ لِـ رَحِيقٍ. أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ الرَّحِيقِ بِأنَّهُ مَخْتُومٌ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ خِتامِها أيُّ شَيْءٍ هو مِن أصْنافِ الخِتامِ؛ لِأنَّ غالِبَ الخِتامِ أنْ يَكُونَ بِطِينٍ أوْ سِدادٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ .
وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ التَّرْكِيبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، وذَلِكَ أنْ نَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَقَوْلُهُ: (وفي ذَلِكَ) هو مَبْدَأُ الجُمْلَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ: وفي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسِ النّاسُ لا في رَحِيقِ الدُّنْيا الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ أهْلُ
صفحة ٢٠٧
البَذَخِ ويَجْلِبُونَهُ مِن أقاصِي البِلادِ ويُنْفِقُونَ فِيهِ الأمْوالَ. ولَمّا كانَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في وُقُوعِ فاءِ الجَوابِ بَعْدَها. والفاءُ إمّا أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمُ الأوْصافَ لِهَذا الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوِ التَّقْدِيرُ: وفي ذَلِكَ فَلْتَتَنافَسُوا فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ هو تَنافُسُ المُخاطَبِينَ، والمُصَرَّحُ بِهِ تَنافُسُ جَمِيعِ المُتَنافِسِينَ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ فاءَ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ ”تَكُونُوا“ و”يُولَّ“، فالتَّقْدِيرُ: إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ. وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلى مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وتَنافَسُوا صِيغَةَ أمْرٍ في ذَلِكَ، فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ فِيهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مُؤَذِنًا بِتَوْكِيدِ فِعْلِ التَّنافُسِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، مَعَ إفادَةِ التَّخَصُّصِ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
والتَّنافُسُ: تَفاعُلٌ مِن نَفِسَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا شَحَّ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَهُ أهْلًا لَهُ وهو مِن قَبِيلِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الرَّفِيعُ في نَوْعِهِ المَرْغُوبُ في تَحْصِيلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأصْلَ في هَذِهِ المادَّةِ هو النَّفْسُ. فالتَّنافُسُ حُصُولُ النَّفاسَةِ بَيْنَ مُتَعَدِّدَةٍ.
ولامُ الأمْرِ في (فَلْيَتَنافَسِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ والحَثِّ.
ومِزاجُهُ: ما يُمْزَجُ بِهِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ مازَجَ بِمَعْنى مَزَجَ، وأُطْلِقَ عَلى المَمْزُوجِ بِهِ فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وكانُوا يَمْزُجُونَ الخَمْرَ لِئَلّا تَغْلِبَهم سَوْرَتُها فَيُسْرِعُ إلَيْهِمْ مَغِيبُ العُقُولِ؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالتِذاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ في العَقْلِ دُونَ أنْ يَغُتَّهُ غَتًّا، فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما تُشْرَبُ الخَمْرُ المُعَتَّقَةُ الخالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالماءِ. قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءٍ مُحْقِبَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ
صفحة ٢٠٨
وقالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيضَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وتَنافُسُهم في الخَمْرِ مَشْهُورٌ مِن عَوائِدِهِمْ وطَفَحَتْ بِهِ أشْعارُهم، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أغْلِي السِّباءَ بِكُلَّ أدْكَنِ عاتِـقٍ ∗∗∗ أوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
وتَسْنِيمٍ عَلَمٌ لَعَيْنٍ في الجَنَّةِ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ إذا جَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنامِ. وُوَجَّهُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بِأنَّ هَذِهِ العَيْنَ تَصُبُّ عَلى جِنانِهِمْ مِن عُلُوٍّ فَكَأنَّها سَنامٌ. وهَذا العَلَمُ عَرَبِيُّ المادَّةِ والصِّيغَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ فَهو مِمّا أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْهُ: هَذا مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ولا أسْماءَها إلّا ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. ولِغَرابَةِ ذَلِكَ احْتِيجَ إلى تَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾، أيْ: حالُ كَوْنِ التَّسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.
والمُقَرَّبُونَ: هُمُ الأبْرارُ، أيْ: فالشّارِبُونَ مِن هَذا الماءِ مُقَرَّبُونَ.
وباءُ ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ إمّا سَبَبِيَّةٌ، وعُدِّيَ فِعْلُ يَشْرَبُ إلى ضَمِيرِ العَيْنِ بِتَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى: يَمْزُجُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أيْ: يَمْزُجُونَ الرَّحِيقَ بِالتَّسْنِيمِ. وإمّا باءُ المُلابَسَةِ وفِعْلُ يَشْرَبُ مُعَدًّى إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وهو الرَّحِيقُ أيْ: يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ مُلابِسِينَ لِلْعَيْنِ، أيْ: مُحِيطِينَ بِها وجالِسِينَ حَوْلَها. أوِ الباءُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ عَدَّهُ الأصْمَعِيُّ والفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ في مَعانِي الباءِ، ويُنْسَبُ إلى الكُوفِيِّينَ. واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَكْثُرُ فِيهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الشُّرْبِ بِالباءِ دُونَ مِن، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مَعْنى المُلابَسَةِ، أوْ كانَتِ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ السَّحابَ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
المطففين 83:24
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] إلى آخِرِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِها افْتِتاحًا وتَوْصِيفًا وفَصْلًا، وهي مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ البَيانِ أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهم، تَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ في الإيمانِ.
وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يُناكِدُ الوَجْهَ الآخَرَ فِيما قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ.
وذُكِرَ الأبْرارُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ، خِلافًا لِما جاءَ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الأبْرارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الأبْرارِ، أيْ: هم عَلى الأرائِكِ، أيْ: مُتَّكِئُونَ عَلَيْها.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ ووِسادَتِهِ وحَجَلَةٍ مَنصُوبَةٍ عَلَيْهِما، فَلا يُقالُ: أرِيكَةٌ إلّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّها حَبَشِيَّةٌ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] في سُورَةِ الإنْسانِ.
صفحة ٢٠٥
ويَنْظُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأبْرارِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ إمّا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ في ضِدِّهِمْ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ وإمّا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: يَنْظُرُونَ كُلَّ ما يُبْهِجُ نُفُوسَهم ويَسُرُّهم بِقَرِينَةِ مَقاعِدِ الوَعْدِ والتَّكْرِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الخِطابِ ونَصْبِ (نَضْرَةَ) وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. أيْ: تَعْرِفُ يا مَن يَراهم. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ تُعْرَفُ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (نَضْرَةُ) .
ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ جَرَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ في اسْتِعْمالِهِ. وجَرَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِهِ.
والخِطابُ بِمِثْلِهِ في مَقامِ وصْفِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ لَهُ.
والنَّضْرَةُ: البَهْجَةُ والحُسْنُ، وإضافَةُ (نَضْرَةَ) إلى (النَعِيمِ) مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، أيِ: النَّضْرَةُ والبَهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ لِوَجْهِ المَسْرُورِ الرّاضِي إذْ تَبْدُو عَلى وجْهِهِ مَلامِحُ السُّرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثالِثَةٌ مِنهُ. وعَبَّرَ بِـ يُسْقَوْنَ دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهم مَخْلُوقاتٌ لِأجْلِ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّرَفُّهِ ولَذَّةِ الرّاحَةِ.
والرَّحِيقُ: اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ.
والمَخْتُومُ: المَسْدُودُ إناؤُهُ، أيْ: باطِيَتُهُ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن خَتَمَهُ إذا شَدَّ بِصِنْفٍ مِنَ الطِّينِ مَعْرُوفٍ بِالصَّلابَةِ إذا يَبِسَ فَيَعْسُرُ قَلْعُهُ، وإذا قُلِعَ ظَهَرَ أنَّهُ مَقْلُوعٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَتْمِ عَلى الرَّسائِلِ لِئَلّا يَقْرَأ حامِلُها ما فِيها، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن كَرَمِ الكِتابِ خَتْمُهُ ويَجْعَلُونَ عَلامَةً عَلَيْهِ، تُطْبَعُ فِيهِ وهو رَطْبٌ، فَإذا يَبِسَ تَعَذَّرَ فَسْخُها، ويُسَمّى ما تُطْبَعُ بِهِ خاتَمًا بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ، وكانَ المُلُوكُ والأُمَراءُ والسّادَةُ يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ خَواتِيمَ يَضَعُونَها في أحَدِ الخِنْصَرَيْنِ لِيَجِدُوها عِنْدَ إصْدارِ الرَّسائِلِ عَنْهم، قالَ جَرِيرٌ:
صفحة ٢٠٦
يَكْفِي الخَلِيفَةَ أنَّ اللَّهَ سَـرْبَـلَـهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
والخِتامُ بِوَزْنِ كِتابٍ: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الخِتامِ عَلى مَحَلِّ السِّدادِ مِنَ القارُورَةِ أوِ الباطِيَةِ أوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنعِ تَخَلُّلِ الهَواءِ إلَيْها، وذَلِكَ أصْلَحُ لِاخْتِمارِها وزِيادَةِ صَفائِها وحِفْظِ رائِحَتِها. وجُعِلَ خِتامُ خَمْرِ الجَنَّةِ بِعَجِينِ المِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الخَتْمِ.
والمِسْكُ مادَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ ذاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وقُوَّةُ رائِحَتِهِ مُنْذُ العُصُورِ القَدِيمَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَتَكَوَّنُ في غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ في عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الغَزالِ في بِلادِ التِّيبِيتِ مِن أرْضِ الصِّينِ فَتَبْقى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إلى أنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُها طُلّابُها ويَتَّجِرُونَ فِيها، وهي جِلْدَةٌ في شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: فَأْرَةُ المِسْكِ.
وفُسِّرَ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بِأنَّ المَعْنى خِتامُ شُرْبِهِ، أيْ: آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أيْ: طَعْمُ المِسْكِ بِمَعْنى نَكْهَتِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
مِمّا يُعَتِّقُ في الحانُوتِ قاطِفُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومُ
أيْ: يَنْتَهِي بِلَذْعِ الفُلْفُلِ وطَعْمِ الرُّمّانِ.
وجُمْلَةُ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ نَعْتٌ لِـ رَحِيقٍ. أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ الرَّحِيقِ بِأنَّهُ مَخْتُومٌ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ خِتامِها أيُّ شَيْءٍ هو مِن أصْنافِ الخِتامِ؛ لِأنَّ غالِبَ الخِتامِ أنْ يَكُونَ بِطِينٍ أوْ سِدادٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ .
وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ التَّرْكِيبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، وذَلِكَ أنْ نَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَقَوْلُهُ: (وفي ذَلِكَ) هو مَبْدَأُ الجُمْلَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ: وفي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسِ النّاسُ لا في رَحِيقِ الدُّنْيا الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ أهْلُ
صفحة ٢٠٧
البَذَخِ ويَجْلِبُونَهُ مِن أقاصِي البِلادِ ويُنْفِقُونَ فِيهِ الأمْوالَ. ولَمّا كانَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في وُقُوعِ فاءِ الجَوابِ بَعْدَها. والفاءُ إمّا أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمُ الأوْصافَ لِهَذا الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوِ التَّقْدِيرُ: وفي ذَلِكَ فَلْتَتَنافَسُوا فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ هو تَنافُسُ المُخاطَبِينَ، والمُصَرَّحُ بِهِ تَنافُسُ جَمِيعِ المُتَنافِسِينَ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ فاءَ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ ”تَكُونُوا“ و”يُولَّ“، فالتَّقْدِيرُ: إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ. وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلى مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وتَنافَسُوا صِيغَةَ أمْرٍ في ذَلِكَ، فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ فِيهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مُؤَذِنًا بِتَوْكِيدِ فِعْلِ التَّنافُسِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، مَعَ إفادَةِ التَّخَصُّصِ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
والتَّنافُسُ: تَفاعُلٌ مِن نَفِسَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا شَحَّ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَهُ أهْلًا لَهُ وهو مِن قَبِيلِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الرَّفِيعُ في نَوْعِهِ المَرْغُوبُ في تَحْصِيلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأصْلَ في هَذِهِ المادَّةِ هو النَّفْسُ. فالتَّنافُسُ حُصُولُ النَّفاسَةِ بَيْنَ مُتَعَدِّدَةٍ.
ولامُ الأمْرِ في (فَلْيَتَنافَسِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ والحَثِّ.
ومِزاجُهُ: ما يُمْزَجُ بِهِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ مازَجَ بِمَعْنى مَزَجَ، وأُطْلِقَ عَلى المَمْزُوجِ بِهِ فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وكانُوا يَمْزُجُونَ الخَمْرَ لِئَلّا تَغْلِبَهم سَوْرَتُها فَيُسْرِعُ إلَيْهِمْ مَغِيبُ العُقُولِ؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالتِذاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ في العَقْلِ دُونَ أنْ يَغُتَّهُ غَتًّا، فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما تُشْرَبُ الخَمْرُ المُعَتَّقَةُ الخالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالماءِ. قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءٍ مُحْقِبَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ
صفحة ٢٠٨
وقالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيضَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وتَنافُسُهم في الخَمْرِ مَشْهُورٌ مِن عَوائِدِهِمْ وطَفَحَتْ بِهِ أشْعارُهم، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أغْلِي السِّباءَ بِكُلَّ أدْكَنِ عاتِـقٍ ∗∗∗ أوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
وتَسْنِيمٍ عَلَمٌ لَعَيْنٍ في الجَنَّةِ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ إذا جَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنامِ. وُوَجَّهُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بِأنَّ هَذِهِ العَيْنَ تَصُبُّ عَلى جِنانِهِمْ مِن عُلُوٍّ فَكَأنَّها سَنامٌ. وهَذا العَلَمُ عَرَبِيُّ المادَّةِ والصِّيغَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ فَهو مِمّا أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْهُ: هَذا مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ولا أسْماءَها إلّا ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. ولِغَرابَةِ ذَلِكَ احْتِيجَ إلى تَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾، أيْ: حالُ كَوْنِ التَّسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.
والمُقَرَّبُونَ: هُمُ الأبْرارُ، أيْ: فالشّارِبُونَ مِن هَذا الماءِ مُقَرَّبُونَ.
وباءُ ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ إمّا سَبَبِيَّةٌ، وعُدِّيَ فِعْلُ يَشْرَبُ إلى ضَمِيرِ العَيْنِ بِتَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى: يَمْزُجُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أيْ: يَمْزُجُونَ الرَّحِيقَ بِالتَّسْنِيمِ. وإمّا باءُ المُلابَسَةِ وفِعْلُ يَشْرَبُ مُعَدًّى إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وهو الرَّحِيقُ أيْ: يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ مُلابِسِينَ لِلْعَيْنِ، أيْ: مُحِيطِينَ بِها وجالِسِينَ حَوْلَها. أوِ الباءُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ عَدَّهُ الأصْمَعِيُّ والفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ في مَعانِي الباءِ، ويُنْسَبُ إلى الكُوفِيِّينَ. واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَكْثُرُ فِيهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الشُّرْبِ بِالباءِ دُونَ مِن، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مَعْنى المُلابَسَةِ، أوْ كانَتِ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ السَّحابَ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
المطففين 83:25
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] إلى آخِرِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِها افْتِتاحًا وتَوْصِيفًا وفَصْلًا، وهي مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ البَيانِ أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهم، تَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ في الإيمانِ.
وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يُناكِدُ الوَجْهَ الآخَرَ فِيما قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ.
وذُكِرَ الأبْرارُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ، خِلافًا لِما جاءَ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الأبْرارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الأبْرارِ، أيْ: هم عَلى الأرائِكِ، أيْ: مُتَّكِئُونَ عَلَيْها.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ ووِسادَتِهِ وحَجَلَةٍ مَنصُوبَةٍ عَلَيْهِما، فَلا يُقالُ: أرِيكَةٌ إلّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّها حَبَشِيَّةٌ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] في سُورَةِ الإنْسانِ.
صفحة ٢٠٥
ويَنْظُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأبْرارِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ إمّا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ في ضِدِّهِمْ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ وإمّا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: يَنْظُرُونَ كُلَّ ما يُبْهِجُ نُفُوسَهم ويَسُرُّهم بِقَرِينَةِ مَقاعِدِ الوَعْدِ والتَّكْرِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الخِطابِ ونَصْبِ (نَضْرَةَ) وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. أيْ: تَعْرِفُ يا مَن يَراهم. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ تُعْرَفُ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (نَضْرَةُ) .
ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ جَرَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ في اسْتِعْمالِهِ. وجَرَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِهِ.
والخِطابُ بِمِثْلِهِ في مَقامِ وصْفِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ لَهُ.
والنَّضْرَةُ: البَهْجَةُ والحُسْنُ، وإضافَةُ (نَضْرَةَ) إلى (النَعِيمِ) مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، أيِ: النَّضْرَةُ والبَهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ لِوَجْهِ المَسْرُورِ الرّاضِي إذْ تَبْدُو عَلى وجْهِهِ مَلامِحُ السُّرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثالِثَةٌ مِنهُ. وعَبَّرَ بِـ يُسْقَوْنَ دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهم مَخْلُوقاتٌ لِأجْلِ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّرَفُّهِ ولَذَّةِ الرّاحَةِ.
والرَّحِيقُ: اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ.
والمَخْتُومُ: المَسْدُودُ إناؤُهُ، أيْ: باطِيَتُهُ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن خَتَمَهُ إذا شَدَّ بِصِنْفٍ مِنَ الطِّينِ مَعْرُوفٍ بِالصَّلابَةِ إذا يَبِسَ فَيَعْسُرُ قَلْعُهُ، وإذا قُلِعَ ظَهَرَ أنَّهُ مَقْلُوعٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَتْمِ عَلى الرَّسائِلِ لِئَلّا يَقْرَأ حامِلُها ما فِيها، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن كَرَمِ الكِتابِ خَتْمُهُ ويَجْعَلُونَ عَلامَةً عَلَيْهِ، تُطْبَعُ فِيهِ وهو رَطْبٌ، فَإذا يَبِسَ تَعَذَّرَ فَسْخُها، ويُسَمّى ما تُطْبَعُ بِهِ خاتَمًا بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ، وكانَ المُلُوكُ والأُمَراءُ والسّادَةُ يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ خَواتِيمَ يَضَعُونَها في أحَدِ الخِنْصَرَيْنِ لِيَجِدُوها عِنْدَ إصْدارِ الرَّسائِلِ عَنْهم، قالَ جَرِيرٌ:
صفحة ٢٠٦
يَكْفِي الخَلِيفَةَ أنَّ اللَّهَ سَـرْبَـلَـهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
والخِتامُ بِوَزْنِ كِتابٍ: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الخِتامِ عَلى مَحَلِّ السِّدادِ مِنَ القارُورَةِ أوِ الباطِيَةِ أوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنعِ تَخَلُّلِ الهَواءِ إلَيْها، وذَلِكَ أصْلَحُ لِاخْتِمارِها وزِيادَةِ صَفائِها وحِفْظِ رائِحَتِها. وجُعِلَ خِتامُ خَمْرِ الجَنَّةِ بِعَجِينِ المِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الخَتْمِ.
والمِسْكُ مادَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ ذاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وقُوَّةُ رائِحَتِهِ مُنْذُ العُصُورِ القَدِيمَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَتَكَوَّنُ في غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ في عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الغَزالِ في بِلادِ التِّيبِيتِ مِن أرْضِ الصِّينِ فَتَبْقى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إلى أنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُها طُلّابُها ويَتَّجِرُونَ فِيها، وهي جِلْدَةٌ في شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: فَأْرَةُ المِسْكِ.
وفُسِّرَ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بِأنَّ المَعْنى خِتامُ شُرْبِهِ، أيْ: آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أيْ: طَعْمُ المِسْكِ بِمَعْنى نَكْهَتِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
مِمّا يُعَتِّقُ في الحانُوتِ قاطِفُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومُ
أيْ: يَنْتَهِي بِلَذْعِ الفُلْفُلِ وطَعْمِ الرُّمّانِ.
وجُمْلَةُ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ نَعْتٌ لِـ رَحِيقٍ. أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ الرَّحِيقِ بِأنَّهُ مَخْتُومٌ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ خِتامِها أيُّ شَيْءٍ هو مِن أصْنافِ الخِتامِ؛ لِأنَّ غالِبَ الخِتامِ أنْ يَكُونَ بِطِينٍ أوْ سِدادٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ .
وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ التَّرْكِيبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، وذَلِكَ أنْ نَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَقَوْلُهُ: (وفي ذَلِكَ) هو مَبْدَأُ الجُمْلَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ: وفي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسِ النّاسُ لا في رَحِيقِ الدُّنْيا الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ أهْلُ
صفحة ٢٠٧
البَذَخِ ويَجْلِبُونَهُ مِن أقاصِي البِلادِ ويُنْفِقُونَ فِيهِ الأمْوالَ. ولَمّا كانَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في وُقُوعِ فاءِ الجَوابِ بَعْدَها. والفاءُ إمّا أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمُ الأوْصافَ لِهَذا الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوِ التَّقْدِيرُ: وفي ذَلِكَ فَلْتَتَنافَسُوا فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ هو تَنافُسُ المُخاطَبِينَ، والمُصَرَّحُ بِهِ تَنافُسُ جَمِيعِ المُتَنافِسِينَ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ فاءَ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ ”تَكُونُوا“ و”يُولَّ“، فالتَّقْدِيرُ: إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ. وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلى مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وتَنافَسُوا صِيغَةَ أمْرٍ في ذَلِكَ، فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ فِيهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مُؤَذِنًا بِتَوْكِيدِ فِعْلِ التَّنافُسِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، مَعَ إفادَةِ التَّخَصُّصِ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
والتَّنافُسُ: تَفاعُلٌ مِن نَفِسَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا شَحَّ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَهُ أهْلًا لَهُ وهو مِن قَبِيلِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الرَّفِيعُ في نَوْعِهِ المَرْغُوبُ في تَحْصِيلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأصْلَ في هَذِهِ المادَّةِ هو النَّفْسُ. فالتَّنافُسُ حُصُولُ النَّفاسَةِ بَيْنَ مُتَعَدِّدَةٍ.
ولامُ الأمْرِ في (فَلْيَتَنافَسِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ والحَثِّ.
ومِزاجُهُ: ما يُمْزَجُ بِهِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ مازَجَ بِمَعْنى مَزَجَ، وأُطْلِقَ عَلى المَمْزُوجِ بِهِ فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وكانُوا يَمْزُجُونَ الخَمْرَ لِئَلّا تَغْلِبَهم سَوْرَتُها فَيُسْرِعُ إلَيْهِمْ مَغِيبُ العُقُولِ؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالتِذاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ في العَقْلِ دُونَ أنْ يَغُتَّهُ غَتًّا، فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما تُشْرَبُ الخَمْرُ المُعَتَّقَةُ الخالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالماءِ. قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءٍ مُحْقِبَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ
صفحة ٢٠٨
وقالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيضَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وتَنافُسُهم في الخَمْرِ مَشْهُورٌ مِن عَوائِدِهِمْ وطَفَحَتْ بِهِ أشْعارُهم، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أغْلِي السِّباءَ بِكُلَّ أدْكَنِ عاتِـقٍ ∗∗∗ أوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
وتَسْنِيمٍ عَلَمٌ لَعَيْنٍ في الجَنَّةِ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ إذا جَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنامِ. وُوَجَّهُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بِأنَّ هَذِهِ العَيْنَ تَصُبُّ عَلى جِنانِهِمْ مِن عُلُوٍّ فَكَأنَّها سَنامٌ. وهَذا العَلَمُ عَرَبِيُّ المادَّةِ والصِّيغَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ فَهو مِمّا أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْهُ: هَذا مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ولا أسْماءَها إلّا ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. ولِغَرابَةِ ذَلِكَ احْتِيجَ إلى تَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾، أيْ: حالُ كَوْنِ التَّسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.
والمُقَرَّبُونَ: هُمُ الأبْرارُ، أيْ: فالشّارِبُونَ مِن هَذا الماءِ مُقَرَّبُونَ.
وباءُ ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ إمّا سَبَبِيَّةٌ، وعُدِّيَ فِعْلُ يَشْرَبُ إلى ضَمِيرِ العَيْنِ بِتَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى: يَمْزُجُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أيْ: يَمْزُجُونَ الرَّحِيقَ بِالتَّسْنِيمِ. وإمّا باءُ المُلابَسَةِ وفِعْلُ يَشْرَبُ مُعَدًّى إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وهو الرَّحِيقُ أيْ: يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ مُلابِسِينَ لِلْعَيْنِ، أيْ: مُحِيطِينَ بِها وجالِسِينَ حَوْلَها. أوِ الباءُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ عَدَّهُ الأصْمَعِيُّ والفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ في مَعانِي الباءِ، ويُنْسَبُ إلى الكُوفِيِّينَ. واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَكْثُرُ فِيهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الشُّرْبِ بِالباءِ دُونَ مِن، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مَعْنى المُلابَسَةِ، أوْ كانَتِ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ السَّحابَ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
المطففين 83:26
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] إلى آخِرِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِها افْتِتاحًا وتَوْصِيفًا وفَصْلًا، وهي مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ البَيانِ أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهم، تَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ في الإيمانِ.
وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يُناكِدُ الوَجْهَ الآخَرَ فِيما قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ.
وذُكِرَ الأبْرارُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ، خِلافًا لِما جاءَ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الأبْرارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الأبْرارِ، أيْ: هم عَلى الأرائِكِ، أيْ: مُتَّكِئُونَ عَلَيْها.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ ووِسادَتِهِ وحَجَلَةٍ مَنصُوبَةٍ عَلَيْهِما، فَلا يُقالُ: أرِيكَةٌ إلّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّها حَبَشِيَّةٌ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] في سُورَةِ الإنْسانِ.
صفحة ٢٠٥
ويَنْظُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأبْرارِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ إمّا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ في ضِدِّهِمْ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ وإمّا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: يَنْظُرُونَ كُلَّ ما يُبْهِجُ نُفُوسَهم ويَسُرُّهم بِقَرِينَةِ مَقاعِدِ الوَعْدِ والتَّكْرِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الخِطابِ ونَصْبِ (نَضْرَةَ) وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. أيْ: تَعْرِفُ يا مَن يَراهم. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ تُعْرَفُ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (نَضْرَةُ) .
ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ جَرَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ في اسْتِعْمالِهِ. وجَرَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِهِ.
والخِطابُ بِمِثْلِهِ في مَقامِ وصْفِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ لَهُ.
والنَّضْرَةُ: البَهْجَةُ والحُسْنُ، وإضافَةُ (نَضْرَةَ) إلى (النَعِيمِ) مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، أيِ: النَّضْرَةُ والبَهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ لِوَجْهِ المَسْرُورِ الرّاضِي إذْ تَبْدُو عَلى وجْهِهِ مَلامِحُ السُّرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثالِثَةٌ مِنهُ. وعَبَّرَ بِـ يُسْقَوْنَ دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهم مَخْلُوقاتٌ لِأجْلِ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّرَفُّهِ ولَذَّةِ الرّاحَةِ.
والرَّحِيقُ: اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ.
والمَخْتُومُ: المَسْدُودُ إناؤُهُ، أيْ: باطِيَتُهُ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن خَتَمَهُ إذا شَدَّ بِصِنْفٍ مِنَ الطِّينِ مَعْرُوفٍ بِالصَّلابَةِ إذا يَبِسَ فَيَعْسُرُ قَلْعُهُ، وإذا قُلِعَ ظَهَرَ أنَّهُ مَقْلُوعٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَتْمِ عَلى الرَّسائِلِ لِئَلّا يَقْرَأ حامِلُها ما فِيها، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن كَرَمِ الكِتابِ خَتْمُهُ ويَجْعَلُونَ عَلامَةً عَلَيْهِ، تُطْبَعُ فِيهِ وهو رَطْبٌ، فَإذا يَبِسَ تَعَذَّرَ فَسْخُها، ويُسَمّى ما تُطْبَعُ بِهِ خاتَمًا بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ، وكانَ المُلُوكُ والأُمَراءُ والسّادَةُ يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ خَواتِيمَ يَضَعُونَها في أحَدِ الخِنْصَرَيْنِ لِيَجِدُوها عِنْدَ إصْدارِ الرَّسائِلِ عَنْهم، قالَ جَرِيرٌ:
صفحة ٢٠٦
يَكْفِي الخَلِيفَةَ أنَّ اللَّهَ سَـرْبَـلَـهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
والخِتامُ بِوَزْنِ كِتابٍ: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الخِتامِ عَلى مَحَلِّ السِّدادِ مِنَ القارُورَةِ أوِ الباطِيَةِ أوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنعِ تَخَلُّلِ الهَواءِ إلَيْها، وذَلِكَ أصْلَحُ لِاخْتِمارِها وزِيادَةِ صَفائِها وحِفْظِ رائِحَتِها. وجُعِلَ خِتامُ خَمْرِ الجَنَّةِ بِعَجِينِ المِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الخَتْمِ.
والمِسْكُ مادَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ ذاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وقُوَّةُ رائِحَتِهِ مُنْذُ العُصُورِ القَدِيمَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَتَكَوَّنُ في غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ في عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الغَزالِ في بِلادِ التِّيبِيتِ مِن أرْضِ الصِّينِ فَتَبْقى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إلى أنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُها طُلّابُها ويَتَّجِرُونَ فِيها، وهي جِلْدَةٌ في شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: فَأْرَةُ المِسْكِ.
وفُسِّرَ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بِأنَّ المَعْنى خِتامُ شُرْبِهِ، أيْ: آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أيْ: طَعْمُ المِسْكِ بِمَعْنى نَكْهَتِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
مِمّا يُعَتِّقُ في الحانُوتِ قاطِفُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومُ
أيْ: يَنْتَهِي بِلَذْعِ الفُلْفُلِ وطَعْمِ الرُّمّانِ.
وجُمْلَةُ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ نَعْتٌ لِـ رَحِيقٍ. أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ الرَّحِيقِ بِأنَّهُ مَخْتُومٌ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ خِتامِها أيُّ شَيْءٍ هو مِن أصْنافِ الخِتامِ؛ لِأنَّ غالِبَ الخِتامِ أنْ يَكُونَ بِطِينٍ أوْ سِدادٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ .
وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ التَّرْكِيبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، وذَلِكَ أنْ نَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَقَوْلُهُ: (وفي ذَلِكَ) هو مَبْدَأُ الجُمْلَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ: وفي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسِ النّاسُ لا في رَحِيقِ الدُّنْيا الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ أهْلُ
صفحة ٢٠٧
البَذَخِ ويَجْلِبُونَهُ مِن أقاصِي البِلادِ ويُنْفِقُونَ فِيهِ الأمْوالَ. ولَمّا كانَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في وُقُوعِ فاءِ الجَوابِ بَعْدَها. والفاءُ إمّا أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمُ الأوْصافَ لِهَذا الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوِ التَّقْدِيرُ: وفي ذَلِكَ فَلْتَتَنافَسُوا فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ هو تَنافُسُ المُخاطَبِينَ، والمُصَرَّحُ بِهِ تَنافُسُ جَمِيعِ المُتَنافِسِينَ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ فاءَ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ ”تَكُونُوا“ و”يُولَّ“، فالتَّقْدِيرُ: إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ. وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلى مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وتَنافَسُوا صِيغَةَ أمْرٍ في ذَلِكَ، فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ فِيهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مُؤَذِنًا بِتَوْكِيدِ فِعْلِ التَّنافُسِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، مَعَ إفادَةِ التَّخَصُّصِ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
والتَّنافُسُ: تَفاعُلٌ مِن نَفِسَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا شَحَّ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَهُ أهْلًا لَهُ وهو مِن قَبِيلِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الرَّفِيعُ في نَوْعِهِ المَرْغُوبُ في تَحْصِيلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأصْلَ في هَذِهِ المادَّةِ هو النَّفْسُ. فالتَّنافُسُ حُصُولُ النَّفاسَةِ بَيْنَ مُتَعَدِّدَةٍ.
ولامُ الأمْرِ في (فَلْيَتَنافَسِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ والحَثِّ.
ومِزاجُهُ: ما يُمْزَجُ بِهِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ مازَجَ بِمَعْنى مَزَجَ، وأُطْلِقَ عَلى المَمْزُوجِ بِهِ فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وكانُوا يَمْزُجُونَ الخَمْرَ لِئَلّا تَغْلِبَهم سَوْرَتُها فَيُسْرِعُ إلَيْهِمْ مَغِيبُ العُقُولِ؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالتِذاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ في العَقْلِ دُونَ أنْ يَغُتَّهُ غَتًّا، فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما تُشْرَبُ الخَمْرُ المُعَتَّقَةُ الخالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالماءِ. قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءٍ مُحْقِبَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ
صفحة ٢٠٨
وقالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيضَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وتَنافُسُهم في الخَمْرِ مَشْهُورٌ مِن عَوائِدِهِمْ وطَفَحَتْ بِهِ أشْعارُهم، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أغْلِي السِّباءَ بِكُلَّ أدْكَنِ عاتِـقٍ ∗∗∗ أوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
وتَسْنِيمٍ عَلَمٌ لَعَيْنٍ في الجَنَّةِ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ إذا جَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنامِ. وُوَجَّهُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بِأنَّ هَذِهِ العَيْنَ تَصُبُّ عَلى جِنانِهِمْ مِن عُلُوٍّ فَكَأنَّها سَنامٌ. وهَذا العَلَمُ عَرَبِيُّ المادَّةِ والصِّيغَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ فَهو مِمّا أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْهُ: هَذا مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ولا أسْماءَها إلّا ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. ولِغَرابَةِ ذَلِكَ احْتِيجَ إلى تَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾، أيْ: حالُ كَوْنِ التَّسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.
والمُقَرَّبُونَ: هُمُ الأبْرارُ، أيْ: فالشّارِبُونَ مِن هَذا الماءِ مُقَرَّبُونَ.
وباءُ ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ إمّا سَبَبِيَّةٌ، وعُدِّيَ فِعْلُ يَشْرَبُ إلى ضَمِيرِ العَيْنِ بِتَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى: يَمْزُجُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أيْ: يَمْزُجُونَ الرَّحِيقَ بِالتَّسْنِيمِ. وإمّا باءُ المُلابَسَةِ وفِعْلُ يَشْرَبُ مُعَدًّى إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وهو الرَّحِيقُ أيْ: يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ مُلابِسِينَ لِلْعَيْنِ، أيْ: مُحِيطِينَ بِها وجالِسِينَ حَوْلَها. أوِ الباءُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ عَدَّهُ الأصْمَعِيُّ والفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ في مَعانِي الباءِ، ويُنْسَبُ إلى الكُوفِيِّينَ. واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَكْثُرُ فِيهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الشُّرْبِ بِالباءِ دُونَ مِن، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مَعْنى المُلابَسَةِ، أوْ كانَتِ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ السَّحابَ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
المطففين 83:27
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] إلى آخِرِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِها افْتِتاحًا وتَوْصِيفًا وفَصْلًا، وهي مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ البَيانِ أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهم، تَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ في الإيمانِ.
وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يُناكِدُ الوَجْهَ الآخَرَ فِيما قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ.
وذُكِرَ الأبْرارُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ، خِلافًا لِما جاءَ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الأبْرارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الأبْرارِ، أيْ: هم عَلى الأرائِكِ، أيْ: مُتَّكِئُونَ عَلَيْها.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ ووِسادَتِهِ وحَجَلَةٍ مَنصُوبَةٍ عَلَيْهِما، فَلا يُقالُ: أرِيكَةٌ إلّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّها حَبَشِيَّةٌ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] في سُورَةِ الإنْسانِ.
صفحة ٢٠٥
ويَنْظُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأبْرارِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ إمّا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ في ضِدِّهِمْ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ وإمّا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: يَنْظُرُونَ كُلَّ ما يُبْهِجُ نُفُوسَهم ويَسُرُّهم بِقَرِينَةِ مَقاعِدِ الوَعْدِ والتَّكْرِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الخِطابِ ونَصْبِ (نَضْرَةَ) وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. أيْ: تَعْرِفُ يا مَن يَراهم. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ تُعْرَفُ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (نَضْرَةُ) .
ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ جَرَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ في اسْتِعْمالِهِ. وجَرَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِهِ.
والخِطابُ بِمِثْلِهِ في مَقامِ وصْفِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ لَهُ.
والنَّضْرَةُ: البَهْجَةُ والحُسْنُ، وإضافَةُ (نَضْرَةَ) إلى (النَعِيمِ) مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، أيِ: النَّضْرَةُ والبَهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ لِوَجْهِ المَسْرُورِ الرّاضِي إذْ تَبْدُو عَلى وجْهِهِ مَلامِحُ السُّرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثالِثَةٌ مِنهُ. وعَبَّرَ بِـ يُسْقَوْنَ دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهم مَخْلُوقاتٌ لِأجْلِ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّرَفُّهِ ولَذَّةِ الرّاحَةِ.
والرَّحِيقُ: اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ.
والمَخْتُومُ: المَسْدُودُ إناؤُهُ، أيْ: باطِيَتُهُ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن خَتَمَهُ إذا شَدَّ بِصِنْفٍ مِنَ الطِّينِ مَعْرُوفٍ بِالصَّلابَةِ إذا يَبِسَ فَيَعْسُرُ قَلْعُهُ، وإذا قُلِعَ ظَهَرَ أنَّهُ مَقْلُوعٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَتْمِ عَلى الرَّسائِلِ لِئَلّا يَقْرَأ حامِلُها ما فِيها، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن كَرَمِ الكِتابِ خَتْمُهُ ويَجْعَلُونَ عَلامَةً عَلَيْهِ، تُطْبَعُ فِيهِ وهو رَطْبٌ، فَإذا يَبِسَ تَعَذَّرَ فَسْخُها، ويُسَمّى ما تُطْبَعُ بِهِ خاتَمًا بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ، وكانَ المُلُوكُ والأُمَراءُ والسّادَةُ يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ خَواتِيمَ يَضَعُونَها في أحَدِ الخِنْصَرَيْنِ لِيَجِدُوها عِنْدَ إصْدارِ الرَّسائِلِ عَنْهم، قالَ جَرِيرٌ:
صفحة ٢٠٦
يَكْفِي الخَلِيفَةَ أنَّ اللَّهَ سَـرْبَـلَـهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
والخِتامُ بِوَزْنِ كِتابٍ: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الخِتامِ عَلى مَحَلِّ السِّدادِ مِنَ القارُورَةِ أوِ الباطِيَةِ أوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنعِ تَخَلُّلِ الهَواءِ إلَيْها، وذَلِكَ أصْلَحُ لِاخْتِمارِها وزِيادَةِ صَفائِها وحِفْظِ رائِحَتِها. وجُعِلَ خِتامُ خَمْرِ الجَنَّةِ بِعَجِينِ المِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الخَتْمِ.
والمِسْكُ مادَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ ذاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وقُوَّةُ رائِحَتِهِ مُنْذُ العُصُورِ القَدِيمَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَتَكَوَّنُ في غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ في عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الغَزالِ في بِلادِ التِّيبِيتِ مِن أرْضِ الصِّينِ فَتَبْقى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إلى أنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُها طُلّابُها ويَتَّجِرُونَ فِيها، وهي جِلْدَةٌ في شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: فَأْرَةُ المِسْكِ.
وفُسِّرَ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بِأنَّ المَعْنى خِتامُ شُرْبِهِ، أيْ: آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أيْ: طَعْمُ المِسْكِ بِمَعْنى نَكْهَتِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
مِمّا يُعَتِّقُ في الحانُوتِ قاطِفُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومُ
أيْ: يَنْتَهِي بِلَذْعِ الفُلْفُلِ وطَعْمِ الرُّمّانِ.
وجُمْلَةُ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ نَعْتٌ لِـ رَحِيقٍ. أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ الرَّحِيقِ بِأنَّهُ مَخْتُومٌ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ خِتامِها أيُّ شَيْءٍ هو مِن أصْنافِ الخِتامِ؛ لِأنَّ غالِبَ الخِتامِ أنْ يَكُونَ بِطِينٍ أوْ سِدادٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ .
وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ التَّرْكِيبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، وذَلِكَ أنْ نَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَقَوْلُهُ: (وفي ذَلِكَ) هو مَبْدَأُ الجُمْلَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ: وفي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسِ النّاسُ لا في رَحِيقِ الدُّنْيا الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ أهْلُ
صفحة ٢٠٧
البَذَخِ ويَجْلِبُونَهُ مِن أقاصِي البِلادِ ويُنْفِقُونَ فِيهِ الأمْوالَ. ولَمّا كانَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في وُقُوعِ فاءِ الجَوابِ بَعْدَها. والفاءُ إمّا أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمُ الأوْصافَ لِهَذا الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوِ التَّقْدِيرُ: وفي ذَلِكَ فَلْتَتَنافَسُوا فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ هو تَنافُسُ المُخاطَبِينَ، والمُصَرَّحُ بِهِ تَنافُسُ جَمِيعِ المُتَنافِسِينَ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ فاءَ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ ”تَكُونُوا“ و”يُولَّ“، فالتَّقْدِيرُ: إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ. وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلى مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وتَنافَسُوا صِيغَةَ أمْرٍ في ذَلِكَ، فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ فِيهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مُؤَذِنًا بِتَوْكِيدِ فِعْلِ التَّنافُسِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، مَعَ إفادَةِ التَّخَصُّصِ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
والتَّنافُسُ: تَفاعُلٌ مِن نَفِسَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا شَحَّ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَهُ أهْلًا لَهُ وهو مِن قَبِيلِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الرَّفِيعُ في نَوْعِهِ المَرْغُوبُ في تَحْصِيلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأصْلَ في هَذِهِ المادَّةِ هو النَّفْسُ. فالتَّنافُسُ حُصُولُ النَّفاسَةِ بَيْنَ مُتَعَدِّدَةٍ.
ولامُ الأمْرِ في (فَلْيَتَنافَسِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ والحَثِّ.
ومِزاجُهُ: ما يُمْزَجُ بِهِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ مازَجَ بِمَعْنى مَزَجَ، وأُطْلِقَ عَلى المَمْزُوجِ بِهِ فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وكانُوا يَمْزُجُونَ الخَمْرَ لِئَلّا تَغْلِبَهم سَوْرَتُها فَيُسْرِعُ إلَيْهِمْ مَغِيبُ العُقُولِ؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالتِذاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ في العَقْلِ دُونَ أنْ يَغُتَّهُ غَتًّا، فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما تُشْرَبُ الخَمْرُ المُعَتَّقَةُ الخالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالماءِ. قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءٍ مُحْقِبَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ
صفحة ٢٠٨
وقالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيضَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وتَنافُسُهم في الخَمْرِ مَشْهُورٌ مِن عَوائِدِهِمْ وطَفَحَتْ بِهِ أشْعارُهم، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أغْلِي السِّباءَ بِكُلَّ أدْكَنِ عاتِـقٍ ∗∗∗ أوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
وتَسْنِيمٍ عَلَمٌ لَعَيْنٍ في الجَنَّةِ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ إذا جَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنامِ. وُوَجَّهُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بِأنَّ هَذِهِ العَيْنَ تَصُبُّ عَلى جِنانِهِمْ مِن عُلُوٍّ فَكَأنَّها سَنامٌ. وهَذا العَلَمُ عَرَبِيُّ المادَّةِ والصِّيغَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ فَهو مِمّا أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْهُ: هَذا مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ولا أسْماءَها إلّا ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. ولِغَرابَةِ ذَلِكَ احْتِيجَ إلى تَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾، أيْ: حالُ كَوْنِ التَّسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.
والمُقَرَّبُونَ: هُمُ الأبْرارُ، أيْ: فالشّارِبُونَ مِن هَذا الماءِ مُقَرَّبُونَ.
وباءُ ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ إمّا سَبَبِيَّةٌ، وعُدِّيَ فِعْلُ يَشْرَبُ إلى ضَمِيرِ العَيْنِ بِتَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى: يَمْزُجُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أيْ: يَمْزُجُونَ الرَّحِيقَ بِالتَّسْنِيمِ. وإمّا باءُ المُلابَسَةِ وفِعْلُ يَشْرَبُ مُعَدًّى إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وهو الرَّحِيقُ أيْ: يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ مُلابِسِينَ لِلْعَيْنِ، أيْ: مُحِيطِينَ بِها وجالِسِينَ حَوْلَها. أوِ الباءُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ عَدَّهُ الأصْمَعِيُّ والفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ في مَعانِي الباءِ، ويُنْسَبُ إلى الكُوفِيِّينَ. واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَكْثُرُ فِيهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الشُّرْبِ بِالباءِ دُونَ مِن، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مَعْنى المُلابَسَةِ، أوْ كانَتِ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ السَّحابَ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
المطففين 83:28
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .
مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] إلى آخِرِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِها افْتِتاحًا وتَوْصِيفًا وفَصْلًا، وهي مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ البَيانِ أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهم، تَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ في الإيمانِ.
وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يُناكِدُ الوَجْهَ الآخَرَ فِيما قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ.
وذُكِرَ الأبْرارُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ، خِلافًا لِما جاءَ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الأبْرارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الأبْرارِ، أيْ: هم عَلى الأرائِكِ، أيْ: مُتَّكِئُونَ عَلَيْها.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ ووِسادَتِهِ وحَجَلَةٍ مَنصُوبَةٍ عَلَيْهِما، فَلا يُقالُ: أرِيكَةٌ إلّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّها حَبَشِيَّةٌ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] في سُورَةِ الإنْسانِ.
صفحة ٢٠٥
ويَنْظُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأبْرارِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ إمّا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ في ضِدِّهِمْ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ وإمّا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: يَنْظُرُونَ كُلَّ ما يُبْهِجُ نُفُوسَهم ويَسُرُّهم بِقَرِينَةِ مَقاعِدِ الوَعْدِ والتَّكْرِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الخِطابِ ونَصْبِ (نَضْرَةَ) وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. أيْ: تَعْرِفُ يا مَن يَراهم. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ تُعْرَفُ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (نَضْرَةُ) .
ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ جَرَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ في اسْتِعْمالِهِ. وجَرَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِهِ.
والخِطابُ بِمِثْلِهِ في مَقامِ وصْفِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ لَهُ.
والنَّضْرَةُ: البَهْجَةُ والحُسْنُ، وإضافَةُ (نَضْرَةَ) إلى (النَعِيمِ) مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، أيِ: النَّضْرَةُ والبَهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ لِوَجْهِ المَسْرُورِ الرّاضِي إذْ تَبْدُو عَلى وجْهِهِ مَلامِحُ السُّرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثالِثَةٌ مِنهُ. وعَبَّرَ بِـ يُسْقَوْنَ دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهم مَخْلُوقاتٌ لِأجْلِ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّرَفُّهِ ولَذَّةِ الرّاحَةِ.
والرَّحِيقُ: اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ.
والمَخْتُومُ: المَسْدُودُ إناؤُهُ، أيْ: باطِيَتُهُ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن خَتَمَهُ إذا شَدَّ بِصِنْفٍ مِنَ الطِّينِ مَعْرُوفٍ بِالصَّلابَةِ إذا يَبِسَ فَيَعْسُرُ قَلْعُهُ، وإذا قُلِعَ ظَهَرَ أنَّهُ مَقْلُوعٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَتْمِ عَلى الرَّسائِلِ لِئَلّا يَقْرَأ حامِلُها ما فِيها، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن كَرَمِ الكِتابِ خَتْمُهُ ويَجْعَلُونَ عَلامَةً عَلَيْهِ، تُطْبَعُ فِيهِ وهو رَطْبٌ، فَإذا يَبِسَ تَعَذَّرَ فَسْخُها، ويُسَمّى ما تُطْبَعُ بِهِ خاتَمًا بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ، وكانَ المُلُوكُ والأُمَراءُ والسّادَةُ يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ خَواتِيمَ يَضَعُونَها في أحَدِ الخِنْصَرَيْنِ لِيَجِدُوها عِنْدَ إصْدارِ الرَّسائِلِ عَنْهم، قالَ جَرِيرٌ:
صفحة ٢٠٦
يَكْفِي الخَلِيفَةَ أنَّ اللَّهَ سَـرْبَـلَـهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
والخِتامُ بِوَزْنِ كِتابٍ: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الخِتامِ عَلى مَحَلِّ السِّدادِ مِنَ القارُورَةِ أوِ الباطِيَةِ أوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنعِ تَخَلُّلِ الهَواءِ إلَيْها، وذَلِكَ أصْلَحُ لِاخْتِمارِها وزِيادَةِ صَفائِها وحِفْظِ رائِحَتِها. وجُعِلَ خِتامُ خَمْرِ الجَنَّةِ بِعَجِينِ المِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الخَتْمِ.
والمِسْكُ مادَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ ذاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وقُوَّةُ رائِحَتِهِ مُنْذُ العُصُورِ القَدِيمَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَتَكَوَّنُ في غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ في عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الغَزالِ في بِلادِ التِّيبِيتِ مِن أرْضِ الصِّينِ فَتَبْقى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إلى أنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُها طُلّابُها ويَتَّجِرُونَ فِيها، وهي جِلْدَةٌ في شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: فَأْرَةُ المِسْكِ.
وفُسِّرَ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بِأنَّ المَعْنى خِتامُ شُرْبِهِ، أيْ: آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أيْ: طَعْمُ المِسْكِ بِمَعْنى نَكْهَتِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
مِمّا يُعَتِّقُ في الحانُوتِ قاطِفُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومُ
أيْ: يَنْتَهِي بِلَذْعِ الفُلْفُلِ وطَعْمِ الرُّمّانِ.
وجُمْلَةُ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ نَعْتٌ لِـ رَحِيقٍ. أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ الرَّحِيقِ بِأنَّهُ مَخْتُومٌ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ خِتامِها أيُّ شَيْءٍ هو مِن أصْنافِ الخِتامِ؛ لِأنَّ غالِبَ الخِتامِ أنْ يَكُونَ بِطِينٍ أوْ سِدادٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ .
وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ التَّرْكِيبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، وذَلِكَ أنْ نَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَقَوْلُهُ: (وفي ذَلِكَ) هو مَبْدَأُ الجُمْلَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ: وفي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسِ النّاسُ لا في رَحِيقِ الدُّنْيا الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ أهْلُ
صفحة ٢٠٧
البَذَخِ ويَجْلِبُونَهُ مِن أقاصِي البِلادِ ويُنْفِقُونَ فِيهِ الأمْوالَ. ولَمّا كانَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في وُقُوعِ فاءِ الجَوابِ بَعْدَها. والفاءُ إمّا أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمُ الأوْصافَ لِهَذا الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوِ التَّقْدِيرُ: وفي ذَلِكَ فَلْتَتَنافَسُوا فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ هو تَنافُسُ المُخاطَبِينَ، والمُصَرَّحُ بِهِ تَنافُسُ جَمِيعِ المُتَنافِسِينَ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ فاءَ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ ”تَكُونُوا“ و”يُولَّ“، فالتَّقْدِيرُ: إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ. وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلى مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وتَنافَسُوا صِيغَةَ أمْرٍ في ذَلِكَ، فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ فِيهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مُؤَذِنًا بِتَوْكِيدِ فِعْلِ التَّنافُسِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، مَعَ إفادَةِ التَّخَصُّصِ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .
والتَّنافُسُ: تَفاعُلٌ مِن نَفِسَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا شَحَّ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَهُ أهْلًا لَهُ وهو مِن قَبِيلِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الرَّفِيعُ في نَوْعِهِ المَرْغُوبُ في تَحْصِيلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأصْلَ في هَذِهِ المادَّةِ هو النَّفْسُ. فالتَّنافُسُ حُصُولُ النَّفاسَةِ بَيْنَ مُتَعَدِّدَةٍ.
ولامُ الأمْرِ في (فَلْيَتَنافَسِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ والحَثِّ.
ومِزاجُهُ: ما يُمْزَجُ بِهِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ مازَجَ بِمَعْنى مَزَجَ، وأُطْلِقَ عَلى المَمْزُوجِ بِهِ فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وكانُوا يَمْزُجُونَ الخَمْرَ لِئَلّا تَغْلِبَهم سَوْرَتُها فَيُسْرِعُ إلَيْهِمْ مَغِيبُ العُقُولِ؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالتِذاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ في العَقْلِ دُونَ أنْ يَغُتَّهُ غَتًّا، فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما تُشْرَبُ الخَمْرُ المُعَتَّقَةُ الخالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالماءِ. قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءٍ مُحْقِبَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ
صفحة ٢٠٨
وقالَ حَسّانُ:
يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيضَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ
وتَنافُسُهم في الخَمْرِ مَشْهُورٌ مِن عَوائِدِهِمْ وطَفَحَتْ بِهِ أشْعارُهم، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أغْلِي السِّباءَ بِكُلَّ أدْكَنِ عاتِـقٍ ∗∗∗ أوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها
وتَسْنِيمٍ عَلَمٌ لَعَيْنٍ في الجَنَّةِ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ إذا جَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنامِ. وُوَجَّهُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بِأنَّ هَذِهِ العَيْنَ تَصُبُّ عَلى جِنانِهِمْ مِن عُلُوٍّ فَكَأنَّها سَنامٌ. وهَذا العَلَمُ عَرَبِيُّ المادَّةِ والصِّيغَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ فَهو مِمّا أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْهُ: هَذا مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ولا أسْماءَها إلّا ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. ولِغَرابَةِ ذَلِكَ احْتِيجَ إلى تَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾، أيْ: حالُ كَوْنِ التَّسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.
والمُقَرَّبُونَ: هُمُ الأبْرارُ، أيْ: فالشّارِبُونَ مِن هَذا الماءِ مُقَرَّبُونَ.
وباءُ ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ إمّا سَبَبِيَّةٌ، وعُدِّيَ فِعْلُ يَشْرَبُ إلى ضَمِيرِ العَيْنِ بِتَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى: يَمْزُجُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أيْ: يَمْزُجُونَ الرَّحِيقَ بِالتَّسْنِيمِ. وإمّا باءُ المُلابَسَةِ وفِعْلُ يَشْرَبُ مُعَدًّى إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وهو الرَّحِيقُ أيْ: يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ مُلابِسِينَ لِلْعَيْنِ، أيْ: مُحِيطِينَ بِها وجالِسِينَ حَوْلَها. أوِ الباءُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ عَدَّهُ الأصْمَعِيُّ والفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ في مَعانِي الباءِ، ويُنْسَبُ إلى الكُوفِيِّينَ. واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَكْثُرُ فِيهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الشُّرْبِ بِالباءِ دُونَ مِن، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مَعْنى المُلابَسَةِ، أوْ كانَتِ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ السَّحابَ:
شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ
المطففين 83:29
صفحة ٢٠٩
﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْفُجّارِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] لِأنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حِكايَةَ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ تَعْرِيفُ اليَوْمِ بِاللّامِ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِيانِ أنَّهُ يَوْمٌ حاضِرٌ مُوَقَّتٌ بِهِ الفِعْلُ المُتَعَلِّقُ هو بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَضْحَكُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكُفّارِ وهم عَلى الأرائِكِ هو يَوْمٌ حاضِرٌ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ إيضاحٍ لِهَذا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ حِكايَةُ كَوْنٍ مَضى، وكَذَلِكَ مَعْطُوفاتُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذا مَرُّوا﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾) فَدَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ حِكايَةُ قَوْلٍ يُنادِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حَضْرَةِ القُدُسِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.
فَإذا جَرَيْتَ عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَوْقِعِ جُمَلٍ ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] الآياتِ، مِن أنَّها مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا فَهَذِهِ مُتَّصِلَةٌ بِها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّكم كُنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا تَضْحَكُونَ، وهَكَذا عَلى طَرِيقِ الخِطابِ وإنْ جَرَيْتَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِجَعْلِ تِلْكَ الجُمَلِ اعْتِراضًا، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَبْدَأُ كَلامٍ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] واقِعٌ مَوْقِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] بِاعْتِبارِ ما جاءَ في آخِرِ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إذَنْ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَيْسَ بِالتِفاتٍ.
وقَدِ اتَّضَحَ بِما قَرَّرْناهُ تَناسُبُ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]
صفحة ٢١٠
إلى هُنا مَزِيدَ اتِّضاحٍ، وذَلِكَ مِمّا أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ العِنايَةَ بِتَوْضِيحِهِ، سِوى أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ أوْرَدَ كَلِمَةً مُجْمَلَةً فَقالَ: ”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ“ اهـ.
و(إذا) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلزَّمانِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] .
والمَقْصُودُ في ذِكْرِهِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ، وذَكَرَ حالَ المُسْلِمِينَ عَلى حِدَةٍ، أعْقَبَ بِما فِيهِ صِفَةٌ لِعاقِبَةِ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا لِيَعْلَمُوا جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا.
وإصْدارُ ذَلِكَ المَقالِ يَوْمَ القِيامَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّشْمِيتِ كَما اقْتَضَتْهُ خُلاصَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
والِافْتِتاحُ بِـ ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِصُورَةِ الكَلامِ المُؤَكَّدِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في افْتِتاحِ الكَلامِ المُرادِ إعْلانُهُ لِيَتَوَجَّهَ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ جَمِيعُ السّامِعِينَ إلى اسْتِماعِهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ، والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وخاصَّةً صَنادِيدُهم.
وهم: أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخِبابِ بْنِ الأرَتِّ، وبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وهَذِهِ الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ماأخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو إجْرامٌ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] .
والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجُرْمِ وهو الإثْمُ العَظِيمُ، وأعْظِمْ بِالإجْرامِ الكُفْرُ ويُوذِنُ تَرْكِيبُ كانُوا يَضْحَكُونَ بِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهم في الماضِي، وصَوْغُ يَضْحَكُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَيْدَنٌ لَهم.
صفحة ٢١١
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَضْحَكُونَ إلى الباعِثِ عَلى الضَّحِكِ بِحَرْفِ مَن هو الغالِبُ في تَعْدِيَةِ أفْعالِ هَذِهِ المادَّةِ عَلى أنَّ مِنِ ابْتِدائِيَّةٌ تُشَبِّهُ الحالَةَ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الضَّحِكِ بِمَكانٍ يَصْدُرُ عَنْهُ الضَّحِكُ، ومِثْلُهُ أفْعالُ: سَخِرَ مِنهُ، وعَجِبَ مِنهُ.
ومَعْنى يَضْحَكُونَ مِنهم: يَضْحَكُونَ مِن حالِهِمْ فَكانَ المُشْرِكُونَ لِبَطَرِهِمْ يَهْزَءُونَ بِالمُؤْمِنِينَ ومُعْظَمُهم ضِعافُ أهْلِ مَكَّةَ فَيَضْحَكُونَ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذا يَحْصُلُ في نَوادِيهِمْ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِحالِهِمْ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الضَّحِكِ حالَةً خاصَّةً مِن أحْوالٍ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ ذَلِكَ الحالَةِ نَحْوَ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ الذّاتِ صاحِبَةِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ أجْمَعُ لِلْمَعْرُوفِ مِن أحْوالِها نَحْوَ ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . وقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ الحارِثِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِـيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًّا
والتَّغامُزُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَمْزِ، ويُطْلَقُ عَلى جَسِّ الشَّيْءِ بِاليَدِ جَسًّا مَكِينًا، ومِنهُ غَمْزُ القَناةِ لِتَقْوِيمِها وإزالَةُ كُعُوبِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ: ”«لَقَدْ رَأيْتُنِي ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وأنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْجُدَ غَمْزَ رِجْلِي فَقَبَضْتُهُما» “ .
ويُطْلَقُ الغَمْزُ عَلى تَحْرِيكِ الطَّرْفِ لِقَصْدِ تَنْبِيهِ النّاظِرِ لِما عَسى أنْ يَفُوتَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ في المَقامِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ المَعْنى في الآيَةِ عَلَيْهِ.
وضَمِيرُ مَرُّوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ بِهِمْ عائِدًا إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويَجُوزُ العَكْسُ وأمّا ضَمِيرُ يَتَغامَزُونَ فَمُتَمَحِّضٌ لِلْعَوْدِ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ .
والمَعْنى: وإذا مَرَّ المُؤْمِنُونَ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا وهم في مَجالِسِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ وإذا مَرَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالَّذِينَ آمَنُوا وهم في عَمَلِهِمْ وفي عُسْرِ حالِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِهِمْ، وإنَّما يَتَغامَزُونَ مِن دُونِ إعْلانِ السُّخْرِيَةِ بِهِمُ اتِّقاءً لَتَطاوُلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبِّ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ كانُوا كَثِيرًا بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢١٢
هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ هَذا دَأْبُ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ وهو الَّذِي يُقَرَّعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ. يُقالُ: انْقَلَبَ المُسافِرُ إلى أهْلِهِ وفي دُعاءِ السَّفَرِ أعُوذُ بِكَ مِن كَآبَةِ المُنْقَلَبِ وأصْلُهُ مُسْتَعارٌ مَن قَلْبِ الثَّوْبِ، إذا صَرَفَهُ مِن وجْهِهِ إلى وجْهٍ آخَرَ، يُقالُ: قَلَبَ الشَّيْءَ إذا أرْجَعَهُ.
وأهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وأبْناؤُهُ، وذُكِرَ الأهْلُ هُنا لِأنَّهم يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ بِالحَدِيثِ فَلِذَلِكَ قِيلَ (إلى أهْلِهِمْ) دُونَ: إلى بُيُوتِهِمْ.
والمَعْنى: وإذا رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا إلى بُيُوتِهِمْ وخَلَصُوا مَعَ أهْلِهِمْ تَحَدَّثُوا أحادِيثَ الفُكاهَةِ مَعَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وذَمِّهِمْ.
وتَكْرِيرُ فِعْلِ انْقَلَبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مِنَ النَّسْجِ الجَزْلِ في الكَلامِ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ فَكِهُوا، أوْ وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ كانُوا فاكِهِينَ. وذَلِكَ لِما في إعادَةِ الفِعْلِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما في الفِعْلِ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ اسْتِحْضارُ الحالَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ، أيْ: فَلا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الثّانِي جَوابًا لِلْأوَّلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ [القصص: ٦٣] الثّانِيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] أفادَ الكَلامُ كالَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ وفي سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٢١٣
وفاكِهِينَ اسْمُ فاعِلِ فاكَهَ وهو مِن فَكِهِ مِن بابِ فَرِحَ إذا مَزَحَ وتَحَدَّثَ فَأضْحَكَ، والمَعْنى: فاكِهِينَ في التَّحَدُّثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فاكِهِينَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهِينَ) بِصِيغَةِ الفاعِلِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ الفاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَكِهَ. وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ فارِحٍ فَرِحٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ حَكَتْ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ أجْرَمُوا في المُؤْمِنِينَ إذا شاهَدُوهم، أيْ: يَجْمَعُونَ بَيْنَ الأذى بِالإشاراتِ وبِالهَيْئَةِ وبِسُوءِ القَوْلِ في غَيْبَتِهِمْ وسُوءِ القَوْلِ إعْلانًا بِهِ عَلى مَسامِعِ المُؤْمِنِينَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، أمْ كانَ قَوْلًا يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ كَما يَفْكَهُونَ بِالحَدِيثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ في خَلَواتِهِمْ، وبِذَلِكَ أيْضًا فارَقَ مَضْمُونُ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَعَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عُمُومِ أحْوالِ رُؤْيَتِهِمْ سَواءٌ كانَتْ في حالِ المُرُورِ بِهِمْ أوْ مُشاهَدَةً في مَقَرِّهِمْ.
ومُرادُهم بِالضَّلالِ: فَسادُ الرَّأْيِ. لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ الضَّلالَ الشَّرْعِيَّ، أيْ: هَؤُلاءِ سَيِّئُو الرَّأْيِ إذِ اتَّبَعُوا الإسْلامَ وانْسَلَخُوا عَنْ قَوْمِهِمْ، وفَرَّطُوا في نَعِيمِ الحَياةِ طَمَعًا في نَعِيمٍ بَعْدَ المَوْتِ وأقْبَلُوا عَلى الصَّلاةِ والتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الَّتِي يَراها المُشْرِكُونَ أوْهامًا وعَنَتا؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْدِرَةِ قَدْرِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وما هَمَّهم إلّا التَّلَذُّذَ الجُثْمانِيَّ.
وكَلِمَةُ إذا في جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُوالِي لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ.
ولَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى بَيانِ مُفادِ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ مَعَ ما قَبْلَها. وقالَ المَهايِمِيُّ في تَبْصِرَةِ الرَّحْمَنِ: ”وإذا رَأوْهم يُؤْثِرُونَ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ عَلى الحِسِّيَّةِ“ فَقَدَّرَ مَفْعُولًا مَحْذُوفًا لِفِعْلِ رَأوْهم لِإبْداءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَضْمُونِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ عَدَمَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ ولَقَدْ أحْسَنَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢١٤
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: يَلْمِزُوهم بِالضَّلالِ في حالِ أنَّهم لَمْ يُرْسِلْهم مُرْسَلٌ لِيَكُونُوا مُوَكَّلِينَ بِأعْمالِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ حالَهم كَحالِ المُرْسَلِ ولِذَلِكَ نُفِيَ أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا حافِظِينَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ عَلى أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ، كُلَّما رَأوْهم يُشْبِهُ حالَ المُرْسَلِ لِيَتَتَبَّعَ أحْوالَ أحَدٍ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ الحِرْصُ عَلى التَّبْلِيغِ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُقَيَّضِينَ لِلرِّقابَةِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِناءِ بِصَلاحِهِمْ.
فَمَعْنى الحِفْظِ هُنا الرِّقابَةُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى لِيَتَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى الإرْسالِ والحِفْظِ ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ عَلى فَيَنْتَفِي حالُهُمُ المُمَثَّلُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وبِمَجْرُورِهِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وأفادَتْ فاءُ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا كانَ سَبَبًا في جَزائِهم بِما هو مِن نَوْعِهِ في الآخِرَةِ، إذْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَكانَ جَزاءً وِفاقًا.
وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ في اتِّصالِ نَظْمِهِ بِما قَبْلَهُ غُمُوضٌ. وسَكَتَ عَنْهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَدا ابْنَ عَطِيَّةَ، ذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَ اليَوْمِ بِاللّامِ مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مَنصُوبًا يَقْتَضِي أنَّ اليَوْمَ مُرادٌ بِهِ يَوْمٌ حاضِرٌ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ نَظِيرَ وقْتِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ إذا قالَ: اليَوْمَ يَكُونُ كَذا، يَتَعَيَّنُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ يَوْمِهِ الحاضِرِ، فَلَيْسَ ضَحِكُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الكُفّارِ بِحاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ الجَزاءِ، ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: فاليَوْمَ بِمَعْنى: فَيَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فَيَوْمَئِذٍ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. وابْنُ عَطِيَّةَ اسْتَشْعَرَ إشْكالَها فَقالَ:
صفحة ٢١٥
”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ“ . اهـ.
وهُوَ انْقِداحُ زِنادٍ يَحْتاجُ في تَنَوُّرِهِ إلى أعْوادٍ.
فَإمّا أنْ نَجْعَلَ ما قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا كَما تَقَدَّمَ.
وإمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] . والتَّقْدِيرُ: ويُقالُ لَهُمُ اليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنكم.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فاليَوْمَ يَضْحَكُ الَّذِينَ آمَنُوا، لِإفادَةِ الحَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: زالَ اسْتِهْزاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ فاليَوْمَ المُؤْمِنُونَ يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ دُونَ العَكْسِ.
وتَقْدِيمُ مِنَ الكُفّارِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَضْحُوكِ مِنهم تَعْجِيلًا لِإساءَتِهِمْ عِنْدَ سَماعِ هَذا التَّقْرِيعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم يَضْحَكُونَ، لِما في الوَصْفِ المُظْهَرِ مِنَ الذَّمِّ لِلْكُفّارِ.
ومَفْعُولُ يَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ، أيْ: يُشاهِدُونَ المُشْرِكِينَ في العَذابِ والإهانَةِ.
المطففين 83:30
صفحة ٢٠٩
﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْفُجّارِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] لِأنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حِكايَةَ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ تَعْرِيفُ اليَوْمِ بِاللّامِ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِيانِ أنَّهُ يَوْمٌ حاضِرٌ مُوَقَّتٌ بِهِ الفِعْلُ المُتَعَلِّقُ هو بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَضْحَكُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكُفّارِ وهم عَلى الأرائِكِ هو يَوْمٌ حاضِرٌ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ إيضاحٍ لِهَذا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ حِكايَةُ كَوْنٍ مَضى، وكَذَلِكَ مَعْطُوفاتُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذا مَرُّوا﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾) فَدَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ حِكايَةُ قَوْلٍ يُنادِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حَضْرَةِ القُدُسِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.
فَإذا جَرَيْتَ عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَوْقِعِ جُمَلٍ ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] الآياتِ، مِن أنَّها مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا فَهَذِهِ مُتَّصِلَةٌ بِها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّكم كُنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا تَضْحَكُونَ، وهَكَذا عَلى طَرِيقِ الخِطابِ وإنْ جَرَيْتَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِجَعْلِ تِلْكَ الجُمَلِ اعْتِراضًا، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَبْدَأُ كَلامٍ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] واقِعٌ مَوْقِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] بِاعْتِبارِ ما جاءَ في آخِرِ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إذَنْ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَيْسَ بِالتِفاتٍ.
وقَدِ اتَّضَحَ بِما قَرَّرْناهُ تَناسُبُ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]
صفحة ٢١٠
إلى هُنا مَزِيدَ اتِّضاحٍ، وذَلِكَ مِمّا أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ العِنايَةَ بِتَوْضِيحِهِ، سِوى أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ أوْرَدَ كَلِمَةً مُجْمَلَةً فَقالَ: ”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ“ اهـ.
و(إذا) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلزَّمانِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] .
والمَقْصُودُ في ذِكْرِهِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ، وذَكَرَ حالَ المُسْلِمِينَ عَلى حِدَةٍ، أعْقَبَ بِما فِيهِ صِفَةٌ لِعاقِبَةِ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا لِيَعْلَمُوا جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا.
وإصْدارُ ذَلِكَ المَقالِ يَوْمَ القِيامَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّشْمِيتِ كَما اقْتَضَتْهُ خُلاصَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
والِافْتِتاحُ بِـ ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِصُورَةِ الكَلامِ المُؤَكَّدِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في افْتِتاحِ الكَلامِ المُرادِ إعْلانُهُ لِيَتَوَجَّهَ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ جَمِيعُ السّامِعِينَ إلى اسْتِماعِهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ، والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وخاصَّةً صَنادِيدُهم.
وهم: أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخِبابِ بْنِ الأرَتِّ، وبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وهَذِهِ الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ماأخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو إجْرامٌ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] .
والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجُرْمِ وهو الإثْمُ العَظِيمُ، وأعْظِمْ بِالإجْرامِ الكُفْرُ ويُوذِنُ تَرْكِيبُ كانُوا يَضْحَكُونَ بِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهم في الماضِي، وصَوْغُ يَضْحَكُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَيْدَنٌ لَهم.
صفحة ٢١١
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَضْحَكُونَ إلى الباعِثِ عَلى الضَّحِكِ بِحَرْفِ مَن هو الغالِبُ في تَعْدِيَةِ أفْعالِ هَذِهِ المادَّةِ عَلى أنَّ مِنِ ابْتِدائِيَّةٌ تُشَبِّهُ الحالَةَ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الضَّحِكِ بِمَكانٍ يَصْدُرُ عَنْهُ الضَّحِكُ، ومِثْلُهُ أفْعالُ: سَخِرَ مِنهُ، وعَجِبَ مِنهُ.
ومَعْنى يَضْحَكُونَ مِنهم: يَضْحَكُونَ مِن حالِهِمْ فَكانَ المُشْرِكُونَ لِبَطَرِهِمْ يَهْزَءُونَ بِالمُؤْمِنِينَ ومُعْظَمُهم ضِعافُ أهْلِ مَكَّةَ فَيَضْحَكُونَ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذا يَحْصُلُ في نَوادِيهِمْ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِحالِهِمْ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الضَّحِكِ حالَةً خاصَّةً مِن أحْوالٍ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ ذَلِكَ الحالَةِ نَحْوَ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ الذّاتِ صاحِبَةِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ أجْمَعُ لِلْمَعْرُوفِ مِن أحْوالِها نَحْوَ ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . وقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ الحارِثِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِـيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًّا
والتَّغامُزُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَمْزِ، ويُطْلَقُ عَلى جَسِّ الشَّيْءِ بِاليَدِ جَسًّا مَكِينًا، ومِنهُ غَمْزُ القَناةِ لِتَقْوِيمِها وإزالَةُ كُعُوبِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ: ”«لَقَدْ رَأيْتُنِي ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وأنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْجُدَ غَمْزَ رِجْلِي فَقَبَضْتُهُما» “ .
ويُطْلَقُ الغَمْزُ عَلى تَحْرِيكِ الطَّرْفِ لِقَصْدِ تَنْبِيهِ النّاظِرِ لِما عَسى أنْ يَفُوتَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ في المَقامِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ المَعْنى في الآيَةِ عَلَيْهِ.
وضَمِيرُ مَرُّوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ بِهِمْ عائِدًا إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويَجُوزُ العَكْسُ وأمّا ضَمِيرُ يَتَغامَزُونَ فَمُتَمَحِّضٌ لِلْعَوْدِ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ .
والمَعْنى: وإذا مَرَّ المُؤْمِنُونَ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا وهم في مَجالِسِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ وإذا مَرَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالَّذِينَ آمَنُوا وهم في عَمَلِهِمْ وفي عُسْرِ حالِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِهِمْ، وإنَّما يَتَغامَزُونَ مِن دُونِ إعْلانِ السُّخْرِيَةِ بِهِمُ اتِّقاءً لَتَطاوُلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبِّ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ كانُوا كَثِيرًا بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢١٢
هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ هَذا دَأْبُ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ وهو الَّذِي يُقَرَّعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ. يُقالُ: انْقَلَبَ المُسافِرُ إلى أهْلِهِ وفي دُعاءِ السَّفَرِ أعُوذُ بِكَ مِن كَآبَةِ المُنْقَلَبِ وأصْلُهُ مُسْتَعارٌ مَن قَلْبِ الثَّوْبِ، إذا صَرَفَهُ مِن وجْهِهِ إلى وجْهٍ آخَرَ، يُقالُ: قَلَبَ الشَّيْءَ إذا أرْجَعَهُ.
وأهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وأبْناؤُهُ، وذُكِرَ الأهْلُ هُنا لِأنَّهم يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ بِالحَدِيثِ فَلِذَلِكَ قِيلَ (إلى أهْلِهِمْ) دُونَ: إلى بُيُوتِهِمْ.
والمَعْنى: وإذا رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا إلى بُيُوتِهِمْ وخَلَصُوا مَعَ أهْلِهِمْ تَحَدَّثُوا أحادِيثَ الفُكاهَةِ مَعَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وذَمِّهِمْ.
وتَكْرِيرُ فِعْلِ انْقَلَبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مِنَ النَّسْجِ الجَزْلِ في الكَلامِ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ فَكِهُوا، أوْ وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ كانُوا فاكِهِينَ. وذَلِكَ لِما في إعادَةِ الفِعْلِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما في الفِعْلِ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ اسْتِحْضارُ الحالَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ، أيْ: فَلا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الثّانِي جَوابًا لِلْأوَّلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ [القصص: ٦٣] الثّانِيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] أفادَ الكَلامُ كالَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ وفي سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٢١٣
وفاكِهِينَ اسْمُ فاعِلِ فاكَهَ وهو مِن فَكِهِ مِن بابِ فَرِحَ إذا مَزَحَ وتَحَدَّثَ فَأضْحَكَ، والمَعْنى: فاكِهِينَ في التَّحَدُّثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فاكِهِينَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهِينَ) بِصِيغَةِ الفاعِلِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ الفاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَكِهَ. وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ فارِحٍ فَرِحٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ حَكَتْ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ أجْرَمُوا في المُؤْمِنِينَ إذا شاهَدُوهم، أيْ: يَجْمَعُونَ بَيْنَ الأذى بِالإشاراتِ وبِالهَيْئَةِ وبِسُوءِ القَوْلِ في غَيْبَتِهِمْ وسُوءِ القَوْلِ إعْلانًا بِهِ عَلى مَسامِعِ المُؤْمِنِينَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، أمْ كانَ قَوْلًا يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ كَما يَفْكَهُونَ بِالحَدِيثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ في خَلَواتِهِمْ، وبِذَلِكَ أيْضًا فارَقَ مَضْمُونُ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَعَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عُمُومِ أحْوالِ رُؤْيَتِهِمْ سَواءٌ كانَتْ في حالِ المُرُورِ بِهِمْ أوْ مُشاهَدَةً في مَقَرِّهِمْ.
ومُرادُهم بِالضَّلالِ: فَسادُ الرَّأْيِ. لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ الضَّلالَ الشَّرْعِيَّ، أيْ: هَؤُلاءِ سَيِّئُو الرَّأْيِ إذِ اتَّبَعُوا الإسْلامَ وانْسَلَخُوا عَنْ قَوْمِهِمْ، وفَرَّطُوا في نَعِيمِ الحَياةِ طَمَعًا في نَعِيمٍ بَعْدَ المَوْتِ وأقْبَلُوا عَلى الصَّلاةِ والتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الَّتِي يَراها المُشْرِكُونَ أوْهامًا وعَنَتا؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْدِرَةِ قَدْرِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وما هَمَّهم إلّا التَّلَذُّذَ الجُثْمانِيَّ.
وكَلِمَةُ إذا في جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُوالِي لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ.
ولَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى بَيانِ مُفادِ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ مَعَ ما قَبْلَها. وقالَ المَهايِمِيُّ في تَبْصِرَةِ الرَّحْمَنِ: ”وإذا رَأوْهم يُؤْثِرُونَ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ عَلى الحِسِّيَّةِ“ فَقَدَّرَ مَفْعُولًا مَحْذُوفًا لِفِعْلِ رَأوْهم لِإبْداءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَضْمُونِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ عَدَمَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ ولَقَدْ أحْسَنَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢١٤
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: يَلْمِزُوهم بِالضَّلالِ في حالِ أنَّهم لَمْ يُرْسِلْهم مُرْسَلٌ لِيَكُونُوا مُوَكَّلِينَ بِأعْمالِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ حالَهم كَحالِ المُرْسَلِ ولِذَلِكَ نُفِيَ أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا حافِظِينَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ عَلى أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ، كُلَّما رَأوْهم يُشْبِهُ حالَ المُرْسَلِ لِيَتَتَبَّعَ أحْوالَ أحَدٍ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ الحِرْصُ عَلى التَّبْلِيغِ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُقَيَّضِينَ لِلرِّقابَةِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِناءِ بِصَلاحِهِمْ.
فَمَعْنى الحِفْظِ هُنا الرِّقابَةُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى لِيَتَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى الإرْسالِ والحِفْظِ ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ عَلى فَيَنْتَفِي حالُهُمُ المُمَثَّلُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وبِمَجْرُورِهِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وأفادَتْ فاءُ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا كانَ سَبَبًا في جَزائِهم بِما هو مِن نَوْعِهِ في الآخِرَةِ، إذْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَكانَ جَزاءً وِفاقًا.
وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ في اتِّصالِ نَظْمِهِ بِما قَبْلَهُ غُمُوضٌ. وسَكَتَ عَنْهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَدا ابْنَ عَطِيَّةَ، ذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَ اليَوْمِ بِاللّامِ مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مَنصُوبًا يَقْتَضِي أنَّ اليَوْمَ مُرادٌ بِهِ يَوْمٌ حاضِرٌ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ نَظِيرَ وقْتِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ إذا قالَ: اليَوْمَ يَكُونُ كَذا، يَتَعَيَّنُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ يَوْمِهِ الحاضِرِ، فَلَيْسَ ضَحِكُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الكُفّارِ بِحاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ الجَزاءِ، ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: فاليَوْمَ بِمَعْنى: فَيَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فَيَوْمَئِذٍ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. وابْنُ عَطِيَّةَ اسْتَشْعَرَ إشْكالَها فَقالَ:
صفحة ٢١٥
”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ“ . اهـ.
وهُوَ انْقِداحُ زِنادٍ يَحْتاجُ في تَنَوُّرِهِ إلى أعْوادٍ.
فَإمّا أنْ نَجْعَلَ ما قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا كَما تَقَدَّمَ.
وإمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] . والتَّقْدِيرُ: ويُقالُ لَهُمُ اليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنكم.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فاليَوْمَ يَضْحَكُ الَّذِينَ آمَنُوا، لِإفادَةِ الحَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: زالَ اسْتِهْزاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ فاليَوْمَ المُؤْمِنُونَ يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ دُونَ العَكْسِ.
وتَقْدِيمُ مِنَ الكُفّارِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَضْحُوكِ مِنهم تَعْجِيلًا لِإساءَتِهِمْ عِنْدَ سَماعِ هَذا التَّقْرِيعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم يَضْحَكُونَ، لِما في الوَصْفِ المُظْهَرِ مِنَ الذَّمِّ لِلْكُفّارِ.
ومَفْعُولُ يَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ، أيْ: يُشاهِدُونَ المُشْرِكِينَ في العَذابِ والإهانَةِ.
المطففين 83:31
صفحة ٢٠٩
﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْفُجّارِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] لِأنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حِكايَةَ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ تَعْرِيفُ اليَوْمِ بِاللّامِ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِيانِ أنَّهُ يَوْمٌ حاضِرٌ مُوَقَّتٌ بِهِ الفِعْلُ المُتَعَلِّقُ هو بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَضْحَكُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكُفّارِ وهم عَلى الأرائِكِ هو يَوْمٌ حاضِرٌ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ إيضاحٍ لِهَذا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ حِكايَةُ كَوْنٍ مَضى، وكَذَلِكَ مَعْطُوفاتُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذا مَرُّوا﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾) فَدَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ حِكايَةُ قَوْلٍ يُنادِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حَضْرَةِ القُدُسِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.
فَإذا جَرَيْتَ عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَوْقِعِ جُمَلٍ ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] الآياتِ، مِن أنَّها مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا فَهَذِهِ مُتَّصِلَةٌ بِها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّكم كُنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا تَضْحَكُونَ، وهَكَذا عَلى طَرِيقِ الخِطابِ وإنْ جَرَيْتَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِجَعْلِ تِلْكَ الجُمَلِ اعْتِراضًا، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَبْدَأُ كَلامٍ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] واقِعٌ مَوْقِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] بِاعْتِبارِ ما جاءَ في آخِرِ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إذَنْ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَيْسَ بِالتِفاتٍ.
وقَدِ اتَّضَحَ بِما قَرَّرْناهُ تَناسُبُ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]
صفحة ٢١٠
إلى هُنا مَزِيدَ اتِّضاحٍ، وذَلِكَ مِمّا أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ العِنايَةَ بِتَوْضِيحِهِ، سِوى أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ أوْرَدَ كَلِمَةً مُجْمَلَةً فَقالَ: ”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ“ اهـ.
و(إذا) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلزَّمانِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] .
والمَقْصُودُ في ذِكْرِهِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ، وذَكَرَ حالَ المُسْلِمِينَ عَلى حِدَةٍ، أعْقَبَ بِما فِيهِ صِفَةٌ لِعاقِبَةِ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا لِيَعْلَمُوا جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا.
وإصْدارُ ذَلِكَ المَقالِ يَوْمَ القِيامَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّشْمِيتِ كَما اقْتَضَتْهُ خُلاصَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
والِافْتِتاحُ بِـ ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِصُورَةِ الكَلامِ المُؤَكَّدِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في افْتِتاحِ الكَلامِ المُرادِ إعْلانُهُ لِيَتَوَجَّهَ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ جَمِيعُ السّامِعِينَ إلى اسْتِماعِهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ، والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وخاصَّةً صَنادِيدُهم.
وهم: أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخِبابِ بْنِ الأرَتِّ، وبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وهَذِهِ الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ماأخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو إجْرامٌ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] .
والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجُرْمِ وهو الإثْمُ العَظِيمُ، وأعْظِمْ بِالإجْرامِ الكُفْرُ ويُوذِنُ تَرْكِيبُ كانُوا يَضْحَكُونَ بِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهم في الماضِي، وصَوْغُ يَضْحَكُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَيْدَنٌ لَهم.
صفحة ٢١١
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَضْحَكُونَ إلى الباعِثِ عَلى الضَّحِكِ بِحَرْفِ مَن هو الغالِبُ في تَعْدِيَةِ أفْعالِ هَذِهِ المادَّةِ عَلى أنَّ مِنِ ابْتِدائِيَّةٌ تُشَبِّهُ الحالَةَ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الضَّحِكِ بِمَكانٍ يَصْدُرُ عَنْهُ الضَّحِكُ، ومِثْلُهُ أفْعالُ: سَخِرَ مِنهُ، وعَجِبَ مِنهُ.
ومَعْنى يَضْحَكُونَ مِنهم: يَضْحَكُونَ مِن حالِهِمْ فَكانَ المُشْرِكُونَ لِبَطَرِهِمْ يَهْزَءُونَ بِالمُؤْمِنِينَ ومُعْظَمُهم ضِعافُ أهْلِ مَكَّةَ فَيَضْحَكُونَ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذا يَحْصُلُ في نَوادِيهِمْ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِحالِهِمْ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الضَّحِكِ حالَةً خاصَّةً مِن أحْوالٍ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ ذَلِكَ الحالَةِ نَحْوَ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ الذّاتِ صاحِبَةِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ أجْمَعُ لِلْمَعْرُوفِ مِن أحْوالِها نَحْوَ ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . وقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ الحارِثِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِـيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًّا
والتَّغامُزُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَمْزِ، ويُطْلَقُ عَلى جَسِّ الشَّيْءِ بِاليَدِ جَسًّا مَكِينًا، ومِنهُ غَمْزُ القَناةِ لِتَقْوِيمِها وإزالَةُ كُعُوبِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ: ”«لَقَدْ رَأيْتُنِي ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وأنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْجُدَ غَمْزَ رِجْلِي فَقَبَضْتُهُما» “ .
ويُطْلَقُ الغَمْزُ عَلى تَحْرِيكِ الطَّرْفِ لِقَصْدِ تَنْبِيهِ النّاظِرِ لِما عَسى أنْ يَفُوتَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ في المَقامِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ المَعْنى في الآيَةِ عَلَيْهِ.
وضَمِيرُ مَرُّوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ بِهِمْ عائِدًا إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويَجُوزُ العَكْسُ وأمّا ضَمِيرُ يَتَغامَزُونَ فَمُتَمَحِّضٌ لِلْعَوْدِ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ .
والمَعْنى: وإذا مَرَّ المُؤْمِنُونَ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا وهم في مَجالِسِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ وإذا مَرَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالَّذِينَ آمَنُوا وهم في عَمَلِهِمْ وفي عُسْرِ حالِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِهِمْ، وإنَّما يَتَغامَزُونَ مِن دُونِ إعْلانِ السُّخْرِيَةِ بِهِمُ اتِّقاءً لَتَطاوُلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبِّ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ كانُوا كَثِيرًا بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢١٢
هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ هَذا دَأْبُ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ وهو الَّذِي يُقَرَّعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ. يُقالُ: انْقَلَبَ المُسافِرُ إلى أهْلِهِ وفي دُعاءِ السَّفَرِ أعُوذُ بِكَ مِن كَآبَةِ المُنْقَلَبِ وأصْلُهُ مُسْتَعارٌ مَن قَلْبِ الثَّوْبِ، إذا صَرَفَهُ مِن وجْهِهِ إلى وجْهٍ آخَرَ، يُقالُ: قَلَبَ الشَّيْءَ إذا أرْجَعَهُ.
وأهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وأبْناؤُهُ، وذُكِرَ الأهْلُ هُنا لِأنَّهم يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ بِالحَدِيثِ فَلِذَلِكَ قِيلَ (إلى أهْلِهِمْ) دُونَ: إلى بُيُوتِهِمْ.
والمَعْنى: وإذا رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا إلى بُيُوتِهِمْ وخَلَصُوا مَعَ أهْلِهِمْ تَحَدَّثُوا أحادِيثَ الفُكاهَةِ مَعَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وذَمِّهِمْ.
وتَكْرِيرُ فِعْلِ انْقَلَبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مِنَ النَّسْجِ الجَزْلِ في الكَلامِ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ فَكِهُوا، أوْ وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ كانُوا فاكِهِينَ. وذَلِكَ لِما في إعادَةِ الفِعْلِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما في الفِعْلِ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ اسْتِحْضارُ الحالَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ، أيْ: فَلا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الثّانِي جَوابًا لِلْأوَّلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ [القصص: ٦٣] الثّانِيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] أفادَ الكَلامُ كالَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ وفي سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٢١٣
وفاكِهِينَ اسْمُ فاعِلِ فاكَهَ وهو مِن فَكِهِ مِن بابِ فَرِحَ إذا مَزَحَ وتَحَدَّثَ فَأضْحَكَ، والمَعْنى: فاكِهِينَ في التَّحَدُّثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فاكِهِينَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهِينَ) بِصِيغَةِ الفاعِلِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ الفاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَكِهَ. وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ فارِحٍ فَرِحٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ حَكَتْ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ أجْرَمُوا في المُؤْمِنِينَ إذا شاهَدُوهم، أيْ: يَجْمَعُونَ بَيْنَ الأذى بِالإشاراتِ وبِالهَيْئَةِ وبِسُوءِ القَوْلِ في غَيْبَتِهِمْ وسُوءِ القَوْلِ إعْلانًا بِهِ عَلى مَسامِعِ المُؤْمِنِينَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، أمْ كانَ قَوْلًا يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ كَما يَفْكَهُونَ بِالحَدِيثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ في خَلَواتِهِمْ، وبِذَلِكَ أيْضًا فارَقَ مَضْمُونُ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَعَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عُمُومِ أحْوالِ رُؤْيَتِهِمْ سَواءٌ كانَتْ في حالِ المُرُورِ بِهِمْ أوْ مُشاهَدَةً في مَقَرِّهِمْ.
ومُرادُهم بِالضَّلالِ: فَسادُ الرَّأْيِ. لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ الضَّلالَ الشَّرْعِيَّ، أيْ: هَؤُلاءِ سَيِّئُو الرَّأْيِ إذِ اتَّبَعُوا الإسْلامَ وانْسَلَخُوا عَنْ قَوْمِهِمْ، وفَرَّطُوا في نَعِيمِ الحَياةِ طَمَعًا في نَعِيمٍ بَعْدَ المَوْتِ وأقْبَلُوا عَلى الصَّلاةِ والتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الَّتِي يَراها المُشْرِكُونَ أوْهامًا وعَنَتا؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْدِرَةِ قَدْرِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وما هَمَّهم إلّا التَّلَذُّذَ الجُثْمانِيَّ.
وكَلِمَةُ إذا في جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُوالِي لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ.
ولَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى بَيانِ مُفادِ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ مَعَ ما قَبْلَها. وقالَ المَهايِمِيُّ في تَبْصِرَةِ الرَّحْمَنِ: ”وإذا رَأوْهم يُؤْثِرُونَ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ عَلى الحِسِّيَّةِ“ فَقَدَّرَ مَفْعُولًا مَحْذُوفًا لِفِعْلِ رَأوْهم لِإبْداءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَضْمُونِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ عَدَمَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ ولَقَدْ أحْسَنَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢١٤
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: يَلْمِزُوهم بِالضَّلالِ في حالِ أنَّهم لَمْ يُرْسِلْهم مُرْسَلٌ لِيَكُونُوا مُوَكَّلِينَ بِأعْمالِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ حالَهم كَحالِ المُرْسَلِ ولِذَلِكَ نُفِيَ أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا حافِظِينَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ عَلى أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ، كُلَّما رَأوْهم يُشْبِهُ حالَ المُرْسَلِ لِيَتَتَبَّعَ أحْوالَ أحَدٍ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ الحِرْصُ عَلى التَّبْلِيغِ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُقَيَّضِينَ لِلرِّقابَةِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِناءِ بِصَلاحِهِمْ.
فَمَعْنى الحِفْظِ هُنا الرِّقابَةُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى لِيَتَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى الإرْسالِ والحِفْظِ ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ عَلى فَيَنْتَفِي حالُهُمُ المُمَثَّلُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وبِمَجْرُورِهِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وأفادَتْ فاءُ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا كانَ سَبَبًا في جَزائِهم بِما هو مِن نَوْعِهِ في الآخِرَةِ، إذْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَكانَ جَزاءً وِفاقًا.
وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ في اتِّصالِ نَظْمِهِ بِما قَبْلَهُ غُمُوضٌ. وسَكَتَ عَنْهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَدا ابْنَ عَطِيَّةَ، ذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَ اليَوْمِ بِاللّامِ مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مَنصُوبًا يَقْتَضِي أنَّ اليَوْمَ مُرادٌ بِهِ يَوْمٌ حاضِرٌ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ نَظِيرَ وقْتِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ إذا قالَ: اليَوْمَ يَكُونُ كَذا، يَتَعَيَّنُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ يَوْمِهِ الحاضِرِ، فَلَيْسَ ضَحِكُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الكُفّارِ بِحاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ الجَزاءِ، ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: فاليَوْمَ بِمَعْنى: فَيَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فَيَوْمَئِذٍ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. وابْنُ عَطِيَّةَ اسْتَشْعَرَ إشْكالَها فَقالَ:
صفحة ٢١٥
”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ“ . اهـ.
وهُوَ انْقِداحُ زِنادٍ يَحْتاجُ في تَنَوُّرِهِ إلى أعْوادٍ.
فَإمّا أنْ نَجْعَلَ ما قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا كَما تَقَدَّمَ.
وإمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] . والتَّقْدِيرُ: ويُقالُ لَهُمُ اليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنكم.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فاليَوْمَ يَضْحَكُ الَّذِينَ آمَنُوا، لِإفادَةِ الحَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: زالَ اسْتِهْزاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ فاليَوْمَ المُؤْمِنُونَ يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ دُونَ العَكْسِ.
وتَقْدِيمُ مِنَ الكُفّارِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَضْحُوكِ مِنهم تَعْجِيلًا لِإساءَتِهِمْ عِنْدَ سَماعِ هَذا التَّقْرِيعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم يَضْحَكُونَ، لِما في الوَصْفِ المُظْهَرِ مِنَ الذَّمِّ لِلْكُفّارِ.
ومَفْعُولُ يَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ، أيْ: يُشاهِدُونَ المُشْرِكِينَ في العَذابِ والإهانَةِ.
المطففين 83:32
صفحة ٢٠٩
﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْفُجّارِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] لِأنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حِكايَةَ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ تَعْرِيفُ اليَوْمِ بِاللّامِ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِيانِ أنَّهُ يَوْمٌ حاضِرٌ مُوَقَّتٌ بِهِ الفِعْلُ المُتَعَلِّقُ هو بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَضْحَكُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكُفّارِ وهم عَلى الأرائِكِ هو يَوْمٌ حاضِرٌ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ إيضاحٍ لِهَذا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ حِكايَةُ كَوْنٍ مَضى، وكَذَلِكَ مَعْطُوفاتُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذا مَرُّوا﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾) فَدَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ حِكايَةُ قَوْلٍ يُنادِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حَضْرَةِ القُدُسِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.
فَإذا جَرَيْتَ عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَوْقِعِ جُمَلٍ ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] الآياتِ، مِن أنَّها مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا فَهَذِهِ مُتَّصِلَةٌ بِها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّكم كُنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا تَضْحَكُونَ، وهَكَذا عَلى طَرِيقِ الخِطابِ وإنْ جَرَيْتَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِجَعْلِ تِلْكَ الجُمَلِ اعْتِراضًا، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَبْدَأُ كَلامٍ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] واقِعٌ مَوْقِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] بِاعْتِبارِ ما جاءَ في آخِرِ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إذَنْ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَيْسَ بِالتِفاتٍ.
وقَدِ اتَّضَحَ بِما قَرَّرْناهُ تَناسُبُ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]
صفحة ٢١٠
إلى هُنا مَزِيدَ اتِّضاحٍ، وذَلِكَ مِمّا أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ العِنايَةَ بِتَوْضِيحِهِ، سِوى أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ أوْرَدَ كَلِمَةً مُجْمَلَةً فَقالَ: ”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ“ اهـ.
و(إذا) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلزَّمانِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] .
والمَقْصُودُ في ذِكْرِهِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ، وذَكَرَ حالَ المُسْلِمِينَ عَلى حِدَةٍ، أعْقَبَ بِما فِيهِ صِفَةٌ لِعاقِبَةِ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا لِيَعْلَمُوا جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا.
وإصْدارُ ذَلِكَ المَقالِ يَوْمَ القِيامَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّشْمِيتِ كَما اقْتَضَتْهُ خُلاصَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
والِافْتِتاحُ بِـ ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِصُورَةِ الكَلامِ المُؤَكَّدِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في افْتِتاحِ الكَلامِ المُرادِ إعْلانُهُ لِيَتَوَجَّهَ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ جَمِيعُ السّامِعِينَ إلى اسْتِماعِهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ، والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وخاصَّةً صَنادِيدُهم.
وهم: أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخِبابِ بْنِ الأرَتِّ، وبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وهَذِهِ الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ماأخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو إجْرامٌ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] .
والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجُرْمِ وهو الإثْمُ العَظِيمُ، وأعْظِمْ بِالإجْرامِ الكُفْرُ ويُوذِنُ تَرْكِيبُ كانُوا يَضْحَكُونَ بِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهم في الماضِي، وصَوْغُ يَضْحَكُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَيْدَنٌ لَهم.
صفحة ٢١١
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَضْحَكُونَ إلى الباعِثِ عَلى الضَّحِكِ بِحَرْفِ مَن هو الغالِبُ في تَعْدِيَةِ أفْعالِ هَذِهِ المادَّةِ عَلى أنَّ مِنِ ابْتِدائِيَّةٌ تُشَبِّهُ الحالَةَ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الضَّحِكِ بِمَكانٍ يَصْدُرُ عَنْهُ الضَّحِكُ، ومِثْلُهُ أفْعالُ: سَخِرَ مِنهُ، وعَجِبَ مِنهُ.
ومَعْنى يَضْحَكُونَ مِنهم: يَضْحَكُونَ مِن حالِهِمْ فَكانَ المُشْرِكُونَ لِبَطَرِهِمْ يَهْزَءُونَ بِالمُؤْمِنِينَ ومُعْظَمُهم ضِعافُ أهْلِ مَكَّةَ فَيَضْحَكُونَ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذا يَحْصُلُ في نَوادِيهِمْ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِحالِهِمْ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الضَّحِكِ حالَةً خاصَّةً مِن أحْوالٍ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ ذَلِكَ الحالَةِ نَحْوَ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ الذّاتِ صاحِبَةِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ أجْمَعُ لِلْمَعْرُوفِ مِن أحْوالِها نَحْوَ ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . وقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ الحارِثِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِـيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًّا
والتَّغامُزُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَمْزِ، ويُطْلَقُ عَلى جَسِّ الشَّيْءِ بِاليَدِ جَسًّا مَكِينًا، ومِنهُ غَمْزُ القَناةِ لِتَقْوِيمِها وإزالَةُ كُعُوبِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ: ”«لَقَدْ رَأيْتُنِي ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وأنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْجُدَ غَمْزَ رِجْلِي فَقَبَضْتُهُما» “ .
ويُطْلَقُ الغَمْزُ عَلى تَحْرِيكِ الطَّرْفِ لِقَصْدِ تَنْبِيهِ النّاظِرِ لِما عَسى أنْ يَفُوتَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ في المَقامِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ المَعْنى في الآيَةِ عَلَيْهِ.
وضَمِيرُ مَرُّوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ بِهِمْ عائِدًا إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويَجُوزُ العَكْسُ وأمّا ضَمِيرُ يَتَغامَزُونَ فَمُتَمَحِّضٌ لِلْعَوْدِ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ .
والمَعْنى: وإذا مَرَّ المُؤْمِنُونَ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا وهم في مَجالِسِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ وإذا مَرَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالَّذِينَ آمَنُوا وهم في عَمَلِهِمْ وفي عُسْرِ حالِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِهِمْ، وإنَّما يَتَغامَزُونَ مِن دُونِ إعْلانِ السُّخْرِيَةِ بِهِمُ اتِّقاءً لَتَطاوُلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبِّ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ كانُوا كَثِيرًا بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢١٢
هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ هَذا دَأْبُ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ وهو الَّذِي يُقَرَّعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ. يُقالُ: انْقَلَبَ المُسافِرُ إلى أهْلِهِ وفي دُعاءِ السَّفَرِ أعُوذُ بِكَ مِن كَآبَةِ المُنْقَلَبِ وأصْلُهُ مُسْتَعارٌ مَن قَلْبِ الثَّوْبِ، إذا صَرَفَهُ مِن وجْهِهِ إلى وجْهٍ آخَرَ، يُقالُ: قَلَبَ الشَّيْءَ إذا أرْجَعَهُ.
وأهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وأبْناؤُهُ، وذُكِرَ الأهْلُ هُنا لِأنَّهم يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ بِالحَدِيثِ فَلِذَلِكَ قِيلَ (إلى أهْلِهِمْ) دُونَ: إلى بُيُوتِهِمْ.
والمَعْنى: وإذا رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا إلى بُيُوتِهِمْ وخَلَصُوا مَعَ أهْلِهِمْ تَحَدَّثُوا أحادِيثَ الفُكاهَةِ مَعَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وذَمِّهِمْ.
وتَكْرِيرُ فِعْلِ انْقَلَبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مِنَ النَّسْجِ الجَزْلِ في الكَلامِ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ فَكِهُوا، أوْ وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ كانُوا فاكِهِينَ. وذَلِكَ لِما في إعادَةِ الفِعْلِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما في الفِعْلِ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ اسْتِحْضارُ الحالَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ، أيْ: فَلا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الثّانِي جَوابًا لِلْأوَّلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ [القصص: ٦٣] الثّانِيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] أفادَ الكَلامُ كالَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ وفي سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٢١٣
وفاكِهِينَ اسْمُ فاعِلِ فاكَهَ وهو مِن فَكِهِ مِن بابِ فَرِحَ إذا مَزَحَ وتَحَدَّثَ فَأضْحَكَ، والمَعْنى: فاكِهِينَ في التَّحَدُّثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فاكِهِينَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهِينَ) بِصِيغَةِ الفاعِلِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ الفاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَكِهَ. وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ فارِحٍ فَرِحٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ حَكَتْ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ أجْرَمُوا في المُؤْمِنِينَ إذا شاهَدُوهم، أيْ: يَجْمَعُونَ بَيْنَ الأذى بِالإشاراتِ وبِالهَيْئَةِ وبِسُوءِ القَوْلِ في غَيْبَتِهِمْ وسُوءِ القَوْلِ إعْلانًا بِهِ عَلى مَسامِعِ المُؤْمِنِينَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، أمْ كانَ قَوْلًا يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ كَما يَفْكَهُونَ بِالحَدِيثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ في خَلَواتِهِمْ، وبِذَلِكَ أيْضًا فارَقَ مَضْمُونُ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَعَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عُمُومِ أحْوالِ رُؤْيَتِهِمْ سَواءٌ كانَتْ في حالِ المُرُورِ بِهِمْ أوْ مُشاهَدَةً في مَقَرِّهِمْ.
ومُرادُهم بِالضَّلالِ: فَسادُ الرَّأْيِ. لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ الضَّلالَ الشَّرْعِيَّ، أيْ: هَؤُلاءِ سَيِّئُو الرَّأْيِ إذِ اتَّبَعُوا الإسْلامَ وانْسَلَخُوا عَنْ قَوْمِهِمْ، وفَرَّطُوا في نَعِيمِ الحَياةِ طَمَعًا في نَعِيمٍ بَعْدَ المَوْتِ وأقْبَلُوا عَلى الصَّلاةِ والتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الَّتِي يَراها المُشْرِكُونَ أوْهامًا وعَنَتا؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْدِرَةِ قَدْرِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وما هَمَّهم إلّا التَّلَذُّذَ الجُثْمانِيَّ.
وكَلِمَةُ إذا في جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُوالِي لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ.
ولَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى بَيانِ مُفادِ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ مَعَ ما قَبْلَها. وقالَ المَهايِمِيُّ في تَبْصِرَةِ الرَّحْمَنِ: ”وإذا رَأوْهم يُؤْثِرُونَ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ عَلى الحِسِّيَّةِ“ فَقَدَّرَ مَفْعُولًا مَحْذُوفًا لِفِعْلِ رَأوْهم لِإبْداءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَضْمُونِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ عَدَمَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ ولَقَدْ أحْسَنَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢١٤
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: يَلْمِزُوهم بِالضَّلالِ في حالِ أنَّهم لَمْ يُرْسِلْهم مُرْسَلٌ لِيَكُونُوا مُوَكَّلِينَ بِأعْمالِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ حالَهم كَحالِ المُرْسَلِ ولِذَلِكَ نُفِيَ أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا حافِظِينَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ عَلى أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ، كُلَّما رَأوْهم يُشْبِهُ حالَ المُرْسَلِ لِيَتَتَبَّعَ أحْوالَ أحَدٍ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ الحِرْصُ عَلى التَّبْلِيغِ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُقَيَّضِينَ لِلرِّقابَةِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِناءِ بِصَلاحِهِمْ.
فَمَعْنى الحِفْظِ هُنا الرِّقابَةُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى لِيَتَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى الإرْسالِ والحِفْظِ ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ عَلى فَيَنْتَفِي حالُهُمُ المُمَثَّلُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وبِمَجْرُورِهِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وأفادَتْ فاءُ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا كانَ سَبَبًا في جَزائِهم بِما هو مِن نَوْعِهِ في الآخِرَةِ، إذْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَكانَ جَزاءً وِفاقًا.
وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ في اتِّصالِ نَظْمِهِ بِما قَبْلَهُ غُمُوضٌ. وسَكَتَ عَنْهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَدا ابْنَ عَطِيَّةَ، ذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَ اليَوْمِ بِاللّامِ مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مَنصُوبًا يَقْتَضِي أنَّ اليَوْمَ مُرادٌ بِهِ يَوْمٌ حاضِرٌ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ نَظِيرَ وقْتِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ إذا قالَ: اليَوْمَ يَكُونُ كَذا، يَتَعَيَّنُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ يَوْمِهِ الحاضِرِ، فَلَيْسَ ضَحِكُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الكُفّارِ بِحاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ الجَزاءِ، ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: فاليَوْمَ بِمَعْنى: فَيَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فَيَوْمَئِذٍ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. وابْنُ عَطِيَّةَ اسْتَشْعَرَ إشْكالَها فَقالَ:
صفحة ٢١٥
”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ“ . اهـ.
وهُوَ انْقِداحُ زِنادٍ يَحْتاجُ في تَنَوُّرِهِ إلى أعْوادٍ.
فَإمّا أنْ نَجْعَلَ ما قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا كَما تَقَدَّمَ.
وإمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] . والتَّقْدِيرُ: ويُقالُ لَهُمُ اليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنكم.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فاليَوْمَ يَضْحَكُ الَّذِينَ آمَنُوا، لِإفادَةِ الحَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: زالَ اسْتِهْزاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ فاليَوْمَ المُؤْمِنُونَ يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ دُونَ العَكْسِ.
وتَقْدِيمُ مِنَ الكُفّارِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَضْحُوكِ مِنهم تَعْجِيلًا لِإساءَتِهِمْ عِنْدَ سَماعِ هَذا التَّقْرِيعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم يَضْحَكُونَ، لِما في الوَصْفِ المُظْهَرِ مِنَ الذَّمِّ لِلْكُفّارِ.
ومَفْعُولُ يَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ، أيْ: يُشاهِدُونَ المُشْرِكِينَ في العَذابِ والإهانَةِ.
المطففين 83:33
صفحة ٢٠٩
﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْفُجّارِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] لِأنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حِكايَةَ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ تَعْرِيفُ اليَوْمِ بِاللّامِ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِيانِ أنَّهُ يَوْمٌ حاضِرٌ مُوَقَّتٌ بِهِ الفِعْلُ المُتَعَلِّقُ هو بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَضْحَكُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكُفّارِ وهم عَلى الأرائِكِ هو يَوْمٌ حاضِرٌ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ إيضاحٍ لِهَذا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ حِكايَةُ كَوْنٍ مَضى، وكَذَلِكَ مَعْطُوفاتُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذا مَرُّوا﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾) فَدَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ حِكايَةُ قَوْلٍ يُنادِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حَضْرَةِ القُدُسِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.
فَإذا جَرَيْتَ عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَوْقِعِ جُمَلٍ ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] الآياتِ، مِن أنَّها مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا فَهَذِهِ مُتَّصِلَةٌ بِها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّكم كُنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا تَضْحَكُونَ، وهَكَذا عَلى طَرِيقِ الخِطابِ وإنْ جَرَيْتَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِجَعْلِ تِلْكَ الجُمَلِ اعْتِراضًا، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَبْدَأُ كَلامٍ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] واقِعٌ مَوْقِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] بِاعْتِبارِ ما جاءَ في آخِرِ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إذَنْ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَيْسَ بِالتِفاتٍ.
وقَدِ اتَّضَحَ بِما قَرَّرْناهُ تَناسُبُ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]
صفحة ٢١٠
إلى هُنا مَزِيدَ اتِّضاحٍ، وذَلِكَ مِمّا أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ العِنايَةَ بِتَوْضِيحِهِ، سِوى أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ أوْرَدَ كَلِمَةً مُجْمَلَةً فَقالَ: ”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ“ اهـ.
و(إذا) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلزَّمانِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] .
والمَقْصُودُ في ذِكْرِهِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ، وذَكَرَ حالَ المُسْلِمِينَ عَلى حِدَةٍ، أعْقَبَ بِما فِيهِ صِفَةٌ لِعاقِبَةِ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا لِيَعْلَمُوا جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا.
وإصْدارُ ذَلِكَ المَقالِ يَوْمَ القِيامَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّشْمِيتِ كَما اقْتَضَتْهُ خُلاصَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
والِافْتِتاحُ بِـ ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِصُورَةِ الكَلامِ المُؤَكَّدِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في افْتِتاحِ الكَلامِ المُرادِ إعْلانُهُ لِيَتَوَجَّهَ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ جَمِيعُ السّامِعِينَ إلى اسْتِماعِهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ، والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وخاصَّةً صَنادِيدُهم.
وهم: أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخِبابِ بْنِ الأرَتِّ، وبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وهَذِهِ الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ماأخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو إجْرامٌ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] .
والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجُرْمِ وهو الإثْمُ العَظِيمُ، وأعْظِمْ بِالإجْرامِ الكُفْرُ ويُوذِنُ تَرْكِيبُ كانُوا يَضْحَكُونَ بِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهم في الماضِي، وصَوْغُ يَضْحَكُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَيْدَنٌ لَهم.
صفحة ٢١١
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَضْحَكُونَ إلى الباعِثِ عَلى الضَّحِكِ بِحَرْفِ مَن هو الغالِبُ في تَعْدِيَةِ أفْعالِ هَذِهِ المادَّةِ عَلى أنَّ مِنِ ابْتِدائِيَّةٌ تُشَبِّهُ الحالَةَ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الضَّحِكِ بِمَكانٍ يَصْدُرُ عَنْهُ الضَّحِكُ، ومِثْلُهُ أفْعالُ: سَخِرَ مِنهُ، وعَجِبَ مِنهُ.
ومَعْنى يَضْحَكُونَ مِنهم: يَضْحَكُونَ مِن حالِهِمْ فَكانَ المُشْرِكُونَ لِبَطَرِهِمْ يَهْزَءُونَ بِالمُؤْمِنِينَ ومُعْظَمُهم ضِعافُ أهْلِ مَكَّةَ فَيَضْحَكُونَ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذا يَحْصُلُ في نَوادِيهِمْ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِحالِهِمْ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الضَّحِكِ حالَةً خاصَّةً مِن أحْوالٍ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ ذَلِكَ الحالَةِ نَحْوَ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ الذّاتِ صاحِبَةِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ أجْمَعُ لِلْمَعْرُوفِ مِن أحْوالِها نَحْوَ ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . وقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ الحارِثِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِـيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًّا
والتَّغامُزُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَمْزِ، ويُطْلَقُ عَلى جَسِّ الشَّيْءِ بِاليَدِ جَسًّا مَكِينًا، ومِنهُ غَمْزُ القَناةِ لِتَقْوِيمِها وإزالَةُ كُعُوبِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ: ”«لَقَدْ رَأيْتُنِي ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وأنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْجُدَ غَمْزَ رِجْلِي فَقَبَضْتُهُما» “ .
ويُطْلَقُ الغَمْزُ عَلى تَحْرِيكِ الطَّرْفِ لِقَصْدِ تَنْبِيهِ النّاظِرِ لِما عَسى أنْ يَفُوتَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ في المَقامِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ المَعْنى في الآيَةِ عَلَيْهِ.
وضَمِيرُ مَرُّوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ بِهِمْ عائِدًا إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويَجُوزُ العَكْسُ وأمّا ضَمِيرُ يَتَغامَزُونَ فَمُتَمَحِّضٌ لِلْعَوْدِ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ .
والمَعْنى: وإذا مَرَّ المُؤْمِنُونَ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا وهم في مَجالِسِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ وإذا مَرَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالَّذِينَ آمَنُوا وهم في عَمَلِهِمْ وفي عُسْرِ حالِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِهِمْ، وإنَّما يَتَغامَزُونَ مِن دُونِ إعْلانِ السُّخْرِيَةِ بِهِمُ اتِّقاءً لَتَطاوُلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبِّ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ كانُوا كَثِيرًا بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢١٢
هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ هَذا دَأْبُ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ وهو الَّذِي يُقَرَّعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ. يُقالُ: انْقَلَبَ المُسافِرُ إلى أهْلِهِ وفي دُعاءِ السَّفَرِ أعُوذُ بِكَ مِن كَآبَةِ المُنْقَلَبِ وأصْلُهُ مُسْتَعارٌ مَن قَلْبِ الثَّوْبِ، إذا صَرَفَهُ مِن وجْهِهِ إلى وجْهٍ آخَرَ، يُقالُ: قَلَبَ الشَّيْءَ إذا أرْجَعَهُ.
وأهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وأبْناؤُهُ، وذُكِرَ الأهْلُ هُنا لِأنَّهم يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ بِالحَدِيثِ فَلِذَلِكَ قِيلَ (إلى أهْلِهِمْ) دُونَ: إلى بُيُوتِهِمْ.
والمَعْنى: وإذا رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا إلى بُيُوتِهِمْ وخَلَصُوا مَعَ أهْلِهِمْ تَحَدَّثُوا أحادِيثَ الفُكاهَةِ مَعَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وذَمِّهِمْ.
وتَكْرِيرُ فِعْلِ انْقَلَبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مِنَ النَّسْجِ الجَزْلِ في الكَلامِ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ فَكِهُوا، أوْ وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ كانُوا فاكِهِينَ. وذَلِكَ لِما في إعادَةِ الفِعْلِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما في الفِعْلِ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ اسْتِحْضارُ الحالَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ، أيْ: فَلا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الثّانِي جَوابًا لِلْأوَّلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ [القصص: ٦٣] الثّانِيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] أفادَ الكَلامُ كالَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ وفي سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٢١٣
وفاكِهِينَ اسْمُ فاعِلِ فاكَهَ وهو مِن فَكِهِ مِن بابِ فَرِحَ إذا مَزَحَ وتَحَدَّثَ فَأضْحَكَ، والمَعْنى: فاكِهِينَ في التَّحَدُّثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فاكِهِينَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهِينَ) بِصِيغَةِ الفاعِلِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ الفاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَكِهَ. وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ فارِحٍ فَرِحٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ حَكَتْ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ أجْرَمُوا في المُؤْمِنِينَ إذا شاهَدُوهم، أيْ: يَجْمَعُونَ بَيْنَ الأذى بِالإشاراتِ وبِالهَيْئَةِ وبِسُوءِ القَوْلِ في غَيْبَتِهِمْ وسُوءِ القَوْلِ إعْلانًا بِهِ عَلى مَسامِعِ المُؤْمِنِينَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، أمْ كانَ قَوْلًا يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ كَما يَفْكَهُونَ بِالحَدِيثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ في خَلَواتِهِمْ، وبِذَلِكَ أيْضًا فارَقَ مَضْمُونُ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَعَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عُمُومِ أحْوالِ رُؤْيَتِهِمْ سَواءٌ كانَتْ في حالِ المُرُورِ بِهِمْ أوْ مُشاهَدَةً في مَقَرِّهِمْ.
ومُرادُهم بِالضَّلالِ: فَسادُ الرَّأْيِ. لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ الضَّلالَ الشَّرْعِيَّ، أيْ: هَؤُلاءِ سَيِّئُو الرَّأْيِ إذِ اتَّبَعُوا الإسْلامَ وانْسَلَخُوا عَنْ قَوْمِهِمْ، وفَرَّطُوا في نَعِيمِ الحَياةِ طَمَعًا في نَعِيمٍ بَعْدَ المَوْتِ وأقْبَلُوا عَلى الصَّلاةِ والتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الَّتِي يَراها المُشْرِكُونَ أوْهامًا وعَنَتا؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْدِرَةِ قَدْرِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وما هَمَّهم إلّا التَّلَذُّذَ الجُثْمانِيَّ.
وكَلِمَةُ إذا في جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُوالِي لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ.
ولَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى بَيانِ مُفادِ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ مَعَ ما قَبْلَها. وقالَ المَهايِمِيُّ في تَبْصِرَةِ الرَّحْمَنِ: ”وإذا رَأوْهم يُؤْثِرُونَ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ عَلى الحِسِّيَّةِ“ فَقَدَّرَ مَفْعُولًا مَحْذُوفًا لِفِعْلِ رَأوْهم لِإبْداءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَضْمُونِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ عَدَمَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ ولَقَدْ أحْسَنَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢١٤
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: يَلْمِزُوهم بِالضَّلالِ في حالِ أنَّهم لَمْ يُرْسِلْهم مُرْسَلٌ لِيَكُونُوا مُوَكَّلِينَ بِأعْمالِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ حالَهم كَحالِ المُرْسَلِ ولِذَلِكَ نُفِيَ أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا حافِظِينَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ عَلى أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ، كُلَّما رَأوْهم يُشْبِهُ حالَ المُرْسَلِ لِيَتَتَبَّعَ أحْوالَ أحَدٍ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ الحِرْصُ عَلى التَّبْلِيغِ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُقَيَّضِينَ لِلرِّقابَةِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِناءِ بِصَلاحِهِمْ.
فَمَعْنى الحِفْظِ هُنا الرِّقابَةُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى لِيَتَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى الإرْسالِ والحِفْظِ ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ عَلى فَيَنْتَفِي حالُهُمُ المُمَثَّلُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وبِمَجْرُورِهِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وأفادَتْ فاءُ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا كانَ سَبَبًا في جَزائِهم بِما هو مِن نَوْعِهِ في الآخِرَةِ، إذْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَكانَ جَزاءً وِفاقًا.
وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ في اتِّصالِ نَظْمِهِ بِما قَبْلَهُ غُمُوضٌ. وسَكَتَ عَنْهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَدا ابْنَ عَطِيَّةَ، ذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَ اليَوْمِ بِاللّامِ مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مَنصُوبًا يَقْتَضِي أنَّ اليَوْمَ مُرادٌ بِهِ يَوْمٌ حاضِرٌ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ نَظِيرَ وقْتِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ إذا قالَ: اليَوْمَ يَكُونُ كَذا، يَتَعَيَّنُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ يَوْمِهِ الحاضِرِ، فَلَيْسَ ضَحِكُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الكُفّارِ بِحاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ الجَزاءِ، ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: فاليَوْمَ بِمَعْنى: فَيَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فَيَوْمَئِذٍ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. وابْنُ عَطِيَّةَ اسْتَشْعَرَ إشْكالَها فَقالَ:
صفحة ٢١٥
”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ“ . اهـ.
وهُوَ انْقِداحُ زِنادٍ يَحْتاجُ في تَنَوُّرِهِ إلى أعْوادٍ.
فَإمّا أنْ نَجْعَلَ ما قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا كَما تَقَدَّمَ.
وإمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] . والتَّقْدِيرُ: ويُقالُ لَهُمُ اليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنكم.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فاليَوْمَ يَضْحَكُ الَّذِينَ آمَنُوا، لِإفادَةِ الحَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: زالَ اسْتِهْزاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ فاليَوْمَ المُؤْمِنُونَ يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ دُونَ العَكْسِ.
وتَقْدِيمُ مِنَ الكُفّارِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَضْحُوكِ مِنهم تَعْجِيلًا لِإساءَتِهِمْ عِنْدَ سَماعِ هَذا التَّقْرِيعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم يَضْحَكُونَ، لِما في الوَصْفِ المُظْهَرِ مِنَ الذَّمِّ لِلْكُفّارِ.
ومَفْعُولُ يَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ، أيْ: يُشاهِدُونَ المُشْرِكِينَ في العَذابِ والإهانَةِ.
المطففين 83:34
صفحة ٢٠٩
﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْفُجّارِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] لِأنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حِكايَةَ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ تَعْرِيفُ اليَوْمِ بِاللّامِ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِيانِ أنَّهُ يَوْمٌ حاضِرٌ مُوَقَّتٌ بِهِ الفِعْلُ المُتَعَلِّقُ هو بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَضْحَكُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكُفّارِ وهم عَلى الأرائِكِ هو يَوْمٌ حاضِرٌ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ إيضاحٍ لِهَذا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ حِكايَةُ كَوْنٍ مَضى، وكَذَلِكَ مَعْطُوفاتُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذا مَرُّوا﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾) فَدَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ حِكايَةُ قَوْلٍ يُنادِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حَضْرَةِ القُدُسِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.
فَإذا جَرَيْتَ عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَوْقِعِ جُمَلٍ ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] الآياتِ، مِن أنَّها مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا فَهَذِهِ مُتَّصِلَةٌ بِها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّكم كُنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا تَضْحَكُونَ، وهَكَذا عَلى طَرِيقِ الخِطابِ وإنْ جَرَيْتَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِجَعْلِ تِلْكَ الجُمَلِ اعْتِراضًا، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَبْدَأُ كَلامٍ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] واقِعٌ مَوْقِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] بِاعْتِبارِ ما جاءَ في آخِرِ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إذَنْ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَيْسَ بِالتِفاتٍ.
وقَدِ اتَّضَحَ بِما قَرَّرْناهُ تَناسُبُ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]
صفحة ٢١٠
إلى هُنا مَزِيدَ اتِّضاحٍ، وذَلِكَ مِمّا أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ العِنايَةَ بِتَوْضِيحِهِ، سِوى أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ أوْرَدَ كَلِمَةً مُجْمَلَةً فَقالَ: ”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ“ اهـ.
و(إذا) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلزَّمانِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] .
والمَقْصُودُ في ذِكْرِهِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ، وذَكَرَ حالَ المُسْلِمِينَ عَلى حِدَةٍ، أعْقَبَ بِما فِيهِ صِفَةٌ لِعاقِبَةِ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا لِيَعْلَمُوا جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا.
وإصْدارُ ذَلِكَ المَقالِ يَوْمَ القِيامَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّشْمِيتِ كَما اقْتَضَتْهُ خُلاصَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
والِافْتِتاحُ بِـ ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِصُورَةِ الكَلامِ المُؤَكَّدِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في افْتِتاحِ الكَلامِ المُرادِ إعْلانُهُ لِيَتَوَجَّهَ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ جَمِيعُ السّامِعِينَ إلى اسْتِماعِهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ، والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وخاصَّةً صَنادِيدُهم.
وهم: أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخِبابِ بْنِ الأرَتِّ، وبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وهَذِهِ الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ماأخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو إجْرامٌ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] .
والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجُرْمِ وهو الإثْمُ العَظِيمُ، وأعْظِمْ بِالإجْرامِ الكُفْرُ ويُوذِنُ تَرْكِيبُ كانُوا يَضْحَكُونَ بِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهم في الماضِي، وصَوْغُ يَضْحَكُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَيْدَنٌ لَهم.
صفحة ٢١١
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَضْحَكُونَ إلى الباعِثِ عَلى الضَّحِكِ بِحَرْفِ مَن هو الغالِبُ في تَعْدِيَةِ أفْعالِ هَذِهِ المادَّةِ عَلى أنَّ مِنِ ابْتِدائِيَّةٌ تُشَبِّهُ الحالَةَ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الضَّحِكِ بِمَكانٍ يَصْدُرُ عَنْهُ الضَّحِكُ، ومِثْلُهُ أفْعالُ: سَخِرَ مِنهُ، وعَجِبَ مِنهُ.
ومَعْنى يَضْحَكُونَ مِنهم: يَضْحَكُونَ مِن حالِهِمْ فَكانَ المُشْرِكُونَ لِبَطَرِهِمْ يَهْزَءُونَ بِالمُؤْمِنِينَ ومُعْظَمُهم ضِعافُ أهْلِ مَكَّةَ فَيَضْحَكُونَ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذا يَحْصُلُ في نَوادِيهِمْ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِحالِهِمْ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الضَّحِكِ حالَةً خاصَّةً مِن أحْوالٍ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ ذَلِكَ الحالَةِ نَحْوَ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ الذّاتِ صاحِبَةِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ أجْمَعُ لِلْمَعْرُوفِ مِن أحْوالِها نَحْوَ ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . وقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ الحارِثِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِـيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًّا
والتَّغامُزُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَمْزِ، ويُطْلَقُ عَلى جَسِّ الشَّيْءِ بِاليَدِ جَسًّا مَكِينًا، ومِنهُ غَمْزُ القَناةِ لِتَقْوِيمِها وإزالَةُ كُعُوبِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ: ”«لَقَدْ رَأيْتُنِي ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وأنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْجُدَ غَمْزَ رِجْلِي فَقَبَضْتُهُما» “ .
ويُطْلَقُ الغَمْزُ عَلى تَحْرِيكِ الطَّرْفِ لِقَصْدِ تَنْبِيهِ النّاظِرِ لِما عَسى أنْ يَفُوتَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ في المَقامِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ المَعْنى في الآيَةِ عَلَيْهِ.
وضَمِيرُ مَرُّوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ بِهِمْ عائِدًا إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويَجُوزُ العَكْسُ وأمّا ضَمِيرُ يَتَغامَزُونَ فَمُتَمَحِّضٌ لِلْعَوْدِ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ .
والمَعْنى: وإذا مَرَّ المُؤْمِنُونَ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا وهم في مَجالِسِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ وإذا مَرَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالَّذِينَ آمَنُوا وهم في عَمَلِهِمْ وفي عُسْرِ حالِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِهِمْ، وإنَّما يَتَغامَزُونَ مِن دُونِ إعْلانِ السُّخْرِيَةِ بِهِمُ اتِّقاءً لَتَطاوُلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبِّ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ كانُوا كَثِيرًا بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢١٢
هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ هَذا دَأْبُ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ وهو الَّذِي يُقَرَّعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ. يُقالُ: انْقَلَبَ المُسافِرُ إلى أهْلِهِ وفي دُعاءِ السَّفَرِ أعُوذُ بِكَ مِن كَآبَةِ المُنْقَلَبِ وأصْلُهُ مُسْتَعارٌ مَن قَلْبِ الثَّوْبِ، إذا صَرَفَهُ مِن وجْهِهِ إلى وجْهٍ آخَرَ، يُقالُ: قَلَبَ الشَّيْءَ إذا أرْجَعَهُ.
وأهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وأبْناؤُهُ، وذُكِرَ الأهْلُ هُنا لِأنَّهم يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ بِالحَدِيثِ فَلِذَلِكَ قِيلَ (إلى أهْلِهِمْ) دُونَ: إلى بُيُوتِهِمْ.
والمَعْنى: وإذا رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا إلى بُيُوتِهِمْ وخَلَصُوا مَعَ أهْلِهِمْ تَحَدَّثُوا أحادِيثَ الفُكاهَةِ مَعَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وذَمِّهِمْ.
وتَكْرِيرُ فِعْلِ انْقَلَبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مِنَ النَّسْجِ الجَزْلِ في الكَلامِ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ فَكِهُوا، أوْ وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ كانُوا فاكِهِينَ. وذَلِكَ لِما في إعادَةِ الفِعْلِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما في الفِعْلِ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ اسْتِحْضارُ الحالَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ، أيْ: فَلا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الثّانِي جَوابًا لِلْأوَّلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ [القصص: ٦٣] الثّانِيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] أفادَ الكَلامُ كالَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ وفي سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٢١٣
وفاكِهِينَ اسْمُ فاعِلِ فاكَهَ وهو مِن فَكِهِ مِن بابِ فَرِحَ إذا مَزَحَ وتَحَدَّثَ فَأضْحَكَ، والمَعْنى: فاكِهِينَ في التَّحَدُّثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فاكِهِينَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهِينَ) بِصِيغَةِ الفاعِلِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ الفاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَكِهَ. وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ فارِحٍ فَرِحٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ حَكَتْ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ أجْرَمُوا في المُؤْمِنِينَ إذا شاهَدُوهم، أيْ: يَجْمَعُونَ بَيْنَ الأذى بِالإشاراتِ وبِالهَيْئَةِ وبِسُوءِ القَوْلِ في غَيْبَتِهِمْ وسُوءِ القَوْلِ إعْلانًا بِهِ عَلى مَسامِعِ المُؤْمِنِينَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، أمْ كانَ قَوْلًا يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ كَما يَفْكَهُونَ بِالحَدِيثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ في خَلَواتِهِمْ، وبِذَلِكَ أيْضًا فارَقَ مَضْمُونُ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَعَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عُمُومِ أحْوالِ رُؤْيَتِهِمْ سَواءٌ كانَتْ في حالِ المُرُورِ بِهِمْ أوْ مُشاهَدَةً في مَقَرِّهِمْ.
ومُرادُهم بِالضَّلالِ: فَسادُ الرَّأْيِ. لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ الضَّلالَ الشَّرْعِيَّ، أيْ: هَؤُلاءِ سَيِّئُو الرَّأْيِ إذِ اتَّبَعُوا الإسْلامَ وانْسَلَخُوا عَنْ قَوْمِهِمْ، وفَرَّطُوا في نَعِيمِ الحَياةِ طَمَعًا في نَعِيمٍ بَعْدَ المَوْتِ وأقْبَلُوا عَلى الصَّلاةِ والتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الَّتِي يَراها المُشْرِكُونَ أوْهامًا وعَنَتا؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْدِرَةِ قَدْرِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وما هَمَّهم إلّا التَّلَذُّذَ الجُثْمانِيَّ.
وكَلِمَةُ إذا في جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُوالِي لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ.
ولَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى بَيانِ مُفادِ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ مَعَ ما قَبْلَها. وقالَ المَهايِمِيُّ في تَبْصِرَةِ الرَّحْمَنِ: ”وإذا رَأوْهم يُؤْثِرُونَ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ عَلى الحِسِّيَّةِ“ فَقَدَّرَ مَفْعُولًا مَحْذُوفًا لِفِعْلِ رَأوْهم لِإبْداءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَضْمُونِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ عَدَمَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ ولَقَدْ أحْسَنَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢١٤
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: يَلْمِزُوهم بِالضَّلالِ في حالِ أنَّهم لَمْ يُرْسِلْهم مُرْسَلٌ لِيَكُونُوا مُوَكَّلِينَ بِأعْمالِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ حالَهم كَحالِ المُرْسَلِ ولِذَلِكَ نُفِيَ أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا حافِظِينَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ عَلى أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ، كُلَّما رَأوْهم يُشْبِهُ حالَ المُرْسَلِ لِيَتَتَبَّعَ أحْوالَ أحَدٍ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ الحِرْصُ عَلى التَّبْلِيغِ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُقَيَّضِينَ لِلرِّقابَةِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِناءِ بِصَلاحِهِمْ.
فَمَعْنى الحِفْظِ هُنا الرِّقابَةُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى لِيَتَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى الإرْسالِ والحِفْظِ ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ عَلى فَيَنْتَفِي حالُهُمُ المُمَثَّلُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وبِمَجْرُورِهِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وأفادَتْ فاءُ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا كانَ سَبَبًا في جَزائِهم بِما هو مِن نَوْعِهِ في الآخِرَةِ، إذْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَكانَ جَزاءً وِفاقًا.
وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ في اتِّصالِ نَظْمِهِ بِما قَبْلَهُ غُمُوضٌ. وسَكَتَ عَنْهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَدا ابْنَ عَطِيَّةَ، ذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَ اليَوْمِ بِاللّامِ مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مَنصُوبًا يَقْتَضِي أنَّ اليَوْمَ مُرادٌ بِهِ يَوْمٌ حاضِرٌ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ نَظِيرَ وقْتِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ إذا قالَ: اليَوْمَ يَكُونُ كَذا، يَتَعَيَّنُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ يَوْمِهِ الحاضِرِ، فَلَيْسَ ضَحِكُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الكُفّارِ بِحاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ الجَزاءِ، ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: فاليَوْمَ بِمَعْنى: فَيَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فَيَوْمَئِذٍ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. وابْنُ عَطِيَّةَ اسْتَشْعَرَ إشْكالَها فَقالَ:
صفحة ٢١٥
”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ“ . اهـ.
وهُوَ انْقِداحُ زِنادٍ يَحْتاجُ في تَنَوُّرِهِ إلى أعْوادٍ.
فَإمّا أنْ نَجْعَلَ ما قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا كَما تَقَدَّمَ.
وإمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] . والتَّقْدِيرُ: ويُقالُ لَهُمُ اليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنكم.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فاليَوْمَ يَضْحَكُ الَّذِينَ آمَنُوا، لِإفادَةِ الحَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: زالَ اسْتِهْزاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ فاليَوْمَ المُؤْمِنُونَ يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ دُونَ العَكْسِ.
وتَقْدِيمُ مِنَ الكُفّارِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَضْحُوكِ مِنهم تَعْجِيلًا لِإساءَتِهِمْ عِنْدَ سَماعِ هَذا التَّقْرِيعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم يَضْحَكُونَ، لِما في الوَصْفِ المُظْهَرِ مِنَ الذَّمِّ لِلْكُفّارِ.
ومَفْعُولُ يَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ، أيْ: يُشاهِدُونَ المُشْرِكِينَ في العَذابِ والإهانَةِ.
المطففين 83:35
صفحة ٢٠٩
﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ .
هَذا مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْفُجّارِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] لِأنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حِكايَةَ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذْ تَعْرِيفُ اليَوْمِ بِاللّامِ ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِيانِ أنَّهُ يَوْمٌ حاضِرٌ مُوَقَّتٌ بِهِ الفِعْلُ المُتَعَلِّقُ هو بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اليَوْمَ الَّذِي يَضْحَكُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكُفّارِ وهم عَلى الأرائِكِ هو يَوْمٌ حاضِرٌ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ إيضاحٍ لِهَذا، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّهُ حِكايَةُ كَوْنٍ مَضى، وكَذَلِكَ مَعْطُوفاتُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذا مَرُّوا﴾ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾) فَدَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ حِكايَةُ قَوْلٍ يُنادِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حَضْرَةِ القُدُسِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.
فَإذا جَرَيْتَ عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَوْقِعِ جُمَلٍ ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] الآياتِ، مِن أنَّها مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا فَهَذِهِ مُتَّصِلَةٌ بِها. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ لَهم: إنَّكم كُنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا تَضْحَكُونَ، وهَكَذا عَلى طَرِيقِ الخِطابِ وإنْ جَرَيْتَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِجَعْلِ تِلْكَ الجُمَلِ اعْتِراضًا، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَبْدَأُ كَلامٍ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] واقِعٌ مَوْقِعَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] بِاعْتِبارِ ما جاءَ في آخِرِ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ فالتَّعْبِيرُ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا إذَنْ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ ولَيْسَ بِالتِفاتٍ.
وقَدِ اتَّضَحَ بِما قَرَّرْناهُ تَناسُبُ نَظْمِ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]
صفحة ٢١٠
إلى هُنا مَزِيدَ اتِّضاحٍ، وذَلِكَ مِمّا أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ العِنايَةَ بِتَوْضِيحِهِ، سِوى أنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ أوْرَدَ كَلِمَةً مُجْمَلَةً فَقالَ: ”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ“ اهـ.
و(إذا) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلزَّمانِ الماضِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] .
والمَقْصُودُ في ذِكْرِهِ أنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ، وذَكَرَ حالَ المُسْلِمِينَ عَلى حِدَةٍ، أعْقَبَ بِما فِيهِ صِفَةٌ لِعاقِبَةِ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا لِيَعْلَمُوا جَزاءَ الفَرِيقَيْنِ مَعًا.
وإصْدارُ ذَلِكَ المَقالِ يَوْمَ القِيامَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّشْمِيتِ كَما اقْتَضَتْهُ خُلاصَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
والِافْتِتاحُ بِـ ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ بِصُورَةِ الكَلامِ المُؤَكَّدِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالكَلامِ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في افْتِتاحِ الكَلامِ المُرادِ إعْلانُهُ لِيَتَوَجَّهَ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ جَمِيعُ السّامِعِينَ إلى اسْتِماعِهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ، والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وخاصَّةً صَنادِيدُهم.
وهم: أبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، كانُوا يَضْحَكُونَ مِن عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخِبابِ بْنِ الأرَتِّ، وبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ.
وعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وهَذِهِ الصِّلَةِ ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ماأخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو إجْرامٌ، ولِيَظْهَرَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] .
والإجْرامُ: ارْتِكابُ الجُرْمِ وهو الإثْمُ العَظِيمُ، وأعْظِمْ بِالإجْرامِ الكُفْرُ ويُوذِنُ تَرْكِيبُ كانُوا يَضْحَكُونَ بِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ مُلازِمَةٌ لَهم في الماضِي، وصَوْغُ يَضْحَكُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم وأنَّهُ دَيْدَنٌ لَهم.
صفحة ٢١١
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَضْحَكُونَ إلى الباعِثِ عَلى الضَّحِكِ بِحَرْفِ مَن هو الغالِبُ في تَعْدِيَةِ أفْعالِ هَذِهِ المادَّةِ عَلى أنَّ مِنِ ابْتِدائِيَّةٌ تُشَبِّهُ الحالَةَ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الضَّحِكِ بِمَكانٍ يَصْدُرُ عَنْهُ الضَّحِكُ، ومِثْلُهُ أفْعالُ: سَخِرَ مِنهُ، وعَجِبَ مِنهُ.
ومَعْنى يَضْحَكُونَ مِنهم: يَضْحَكُونَ مِن حالِهِمْ فَكانَ المُشْرِكُونَ لِبَطَرِهِمْ يَهْزَءُونَ بِالمُؤْمِنِينَ ومُعْظَمُهم ضِعافُ أهْلِ مَكَّةَ فَيَضْحَكُونَ مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ هَذا يَحْصُلُ في نَوادِيهِمْ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِحالِهِمْ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ إذا كانَ سَبَبُ الضَّحِكِ حالَةً خاصَّةً مِن أحْوالٍ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ ذَلِكَ الحالَةِ نَحْوَ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩] وإذا كانَ مَجْمُوعُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ كانَ المَجْرُورُ اسْمَ الذّاتِ صاحِبَةِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ أجْمَعُ لِلْمَعْرُوفِ مِن أحْوالِها نَحْوَ ﴿وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] . وقَوْلِ عَبْدِ يَغُوثَ الحارِثِ:
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِـيَّةٌ كَأنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيًّا
والتَّغامُزُ: تَفاعُلٌ مِنَ الغَمْزِ، ويُطْلَقُ عَلى جَسِّ الشَّيْءِ بِاليَدِ جَسًّا مَكِينًا، ومِنهُ غَمْزُ القَناةِ لِتَقْوِيمِها وإزالَةُ كُعُوبِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ: ”«لَقَدْ رَأيْتُنِي ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وأنا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْجُدَ غَمْزَ رِجْلِي فَقَبَضْتُهُما» “ .
ويُطْلَقُ الغَمْزُ عَلى تَحْرِيكِ الطَّرْفِ لِقَصْدِ تَنْبِيهِ النّاظِرِ لِما عَسى أنْ يَفُوتَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ في المَقامِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ المَعْنى في الآيَةِ عَلَيْهِ.
وضَمِيرُ مَرُّوا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ بِهِمْ عائِدًا إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويَجُوزُ العَكْسُ وأمّا ضَمِيرُ يَتَغامَزُونَ فَمُتَمَحِّضٌ لِلْعَوْدِ إلى ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ .
والمَعْنى: وإذا مَرَّ المُؤْمِنُونَ بِالَّذِينَ أجْرَمُوا وهم في مَجالِسِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِ المُؤْمِنِينَ، أوْ وإذا مَرَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا بِالَّذِينَ آمَنُوا وهم في عَمَلِهِمْ وفي عُسْرِ حالِهِمْ يَتَغامَزُ المُجْرِمُونَ حِينَ مُرُورِهِمْ، وإنَّما يَتَغامَزُونَ مِن دُونِ إعْلانِ السُّخْرِيَةِ بِهِمُ اتِّقاءً لَتَطاوُلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبِّ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ كانُوا كَثِيرًا بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ
صفحة ٢١٢
هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ هَذا دَأْبُ المُشْرِكِينَ في مُعامَلَتِهِمْ وهو الَّذِي يُقَرَّعُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ. يُقالُ: انْقَلَبَ المُسافِرُ إلى أهْلِهِ وفي دُعاءِ السَّفَرِ أعُوذُ بِكَ مِن كَآبَةِ المُنْقَلَبِ وأصْلُهُ مُسْتَعارٌ مَن قَلْبِ الثَّوْبِ، إذا صَرَفَهُ مِن وجْهِهِ إلى وجْهٍ آخَرَ، يُقالُ: قَلَبَ الشَّيْءَ إذا أرْجَعَهُ.
وأهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وأبْناؤُهُ، وذُكِرَ الأهْلُ هُنا لِأنَّهم يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ بِالحَدِيثِ فَلِذَلِكَ قِيلَ (إلى أهْلِهِمْ) دُونَ: إلى بُيُوتِهِمْ.
والمَعْنى: وإذا رَجَعَ الَّذِينَ أجْرَمُوا إلى بُيُوتِهِمْ وخَلَصُوا مَعَ أهْلِهِمْ تَحَدَّثُوا أحادِيثَ الفُكاهَةِ مَعَهم بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وذَمِّهِمْ.
وتَكْرِيرُ فِعْلِ انْقَلَبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ مِنَ النَّسْجِ الجَزْلِ في الكَلامِ كانَ يَكْفِي أنْ يَقُولَ: وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ فَكِهُوا، أوْ وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ كانُوا فاكِهِينَ. وذَلِكَ لِما في إعادَةِ الفِعْلِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ لِأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاعْتِناءُ بِهِ، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما في الفِعْلِ مِن إفادَةِ التَّجَدُّدِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ اسْتِحْضارُ الحالَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ
مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ، أيْ: فَلا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ الثّانِي جَوابًا لِلْأوَّلِ، وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ﴿أغْوَيْناهُمْ﴾ [القصص: ٦٣] الثّانِيَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] أفادَ الكَلامُ كالَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرَبْتُهُ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ وفي سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٢١٣
وفاكِهِينَ اسْمُ فاعِلِ فاكَهَ وهو مِن فَكِهِ مِن بابِ فَرِحَ إذا مَزَحَ وتَحَدَّثَ فَأضْحَكَ، والمَعْنى: فاكِهِينَ في التَّحَدُّثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فاكِهِينَ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فاكِهِينَ) بِصِيغَةِ الفاعِلِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ فَكِهِينَ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ الفاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ فَكِهَ. وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ مِثْلَ فارِحٍ فَرِحٍ. وقالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ حَكَتْ ما يَقُولُهُ الَّذِينَ أجْرَمُوا في المُؤْمِنِينَ إذا شاهَدُوهم، أيْ: يَجْمَعُونَ بَيْنَ الأذى بِالإشاراتِ وبِالهَيْئَةِ وبِسُوءِ القَوْلِ في غَيْبَتِهِمْ وسُوءِ القَوْلِ إعْلانًا بِهِ عَلى مَسامِعِ المُؤْمِنِينَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإسْلامِ إلى الكُفْرِ، أمْ كانَ قَوْلًا يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ كَما يَفْكَهُونَ بِالحَدِيثِ عَنِ المُؤْمِنِينَ في خَلَواتِهِمْ، وبِذَلِكَ أيْضًا فارَقَ مَضْمُونُ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَعَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عُمُومِ أحْوالِ رُؤْيَتِهِمْ سَواءٌ كانَتْ في حالِ المُرُورِ بِهِمْ أوْ مُشاهَدَةً في مَقَرِّهِمْ.
ومُرادُهم بِالضَّلالِ: فَسادُ الرَّأْيِ. لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ الضَّلالَ الشَّرْعِيَّ، أيْ: هَؤُلاءِ سَيِّئُو الرَّأْيِ إذِ اتَّبَعُوا الإسْلامَ وانْسَلَخُوا عَنْ قَوْمِهِمْ، وفَرَّطُوا في نَعِيمِ الحَياةِ طَمَعًا في نَعِيمٍ بَعْدَ المَوْتِ وأقْبَلُوا عَلى الصَّلاةِ والتَّخَلُّقِ بِالأخْلاقِ الَّتِي يَراها المُشْرِكُونَ أوْهامًا وعَنَتا؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْدِرَةِ قَدْرِ الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وما هَمَّهم إلّا التَّلَذُّذَ الجُثْمانِيَّ.
وكَلِمَةُ إذا في جُمْلَةٍ مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُوالِي لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ.
ولَمْ يُعَرِّجْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى بَيانِ مُفادِ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ مَعَ ما قَبْلَها. وقالَ المَهايِمِيُّ في تَبْصِرَةِ الرَّحْمَنِ: ”وإذا رَأوْهم يُؤْثِرُونَ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةَ عَلى الحِسِّيَّةِ“ فَقَدَّرَ مَفْعُولًا مَحْذُوفًا لِفِعْلِ رَأوْهم لِإبْداءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ومَضْمُونِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها وقَدْ عَلِمْتَ عَدَمَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ ولَقَدْ أحْسَنَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢١٤
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: يَلْمِزُوهم بِالضَّلالِ في حالِ أنَّهم لَمْ يُرْسِلْهم مُرْسَلٌ لِيَكُونُوا مُوَكَّلِينَ بِأعْمالِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّ حالَهم كَحالِ المُرْسَلِ ولِذَلِكَ نُفِيَ أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا حافِظِينَ عَلَيْهِمْ فَإنَّ شِدَّةَ الحِرْصِ عَلى أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ، كُلَّما رَأوْهم يُشْبِهُ حالَ المُرْسَلِ لِيَتَتَبَّعَ أحْوالَ أحَدٍ ومِن شَأْنِ الرَّسُولِ الحِرْصُ عَلى التَّبْلِيغِ.
والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مُقَيَّضِينَ لِلرِّقابَةِ عَلَيْهِمْ والِاعْتِناءِ بِصَلاحِهِمْ.
فَمَعْنى الحِفْظِ هُنا الرِّقابَةُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى لِيَتَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى الإرْسالِ والحِفْظِ ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ عَلى فَيَنْتَفِي حالُهُمُ المُمَثَّلُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وبِمَجْرُورِهِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وأفادَتْ فاءُ السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِالمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا كانَ سَبَبًا في جَزائِهم بِما هو مِن نَوْعِهِ في الآخِرَةِ، إذْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَكانَ جَزاءً وِفاقًا.
وتَقْدِيمُ اليَوْمِ عَلى يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ يَوْمُ الجَزاءِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ وقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ في اتِّصالِ نَظْمِهِ بِما قَبْلَهُ غُمُوضٌ. وسَكَتَ عَنْهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَدا ابْنَ عَطِيَّةَ، ذَلِكَ أنَّ تَعْرِيفَ اليَوْمِ بِاللّامِ مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مَنصُوبًا يَقْتَضِي أنَّ اليَوْمَ مُرادٌ بِهِ يَوْمٌ حاضِرٌ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ نَظِيرَ وقْتِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ إذا قالَ: اليَوْمَ يَكُونُ كَذا، يَتَعَيَّنُ أنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ يَوْمِهِ الحاضِرِ، فَلَيْسَ ضَحِكُ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الكُفّارِ بِحاصِلٍ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ الجَزاءِ، ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: فاليَوْمَ بِمَعْنى: فَيَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ مُقْتَضى النَّظْمِ أنْ يُقالَ: فَيَوْمَئِذٍ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ. وابْنُ عَطِيَّةَ اسْتَشْعَرَ إشْكالَها فَقالَ:
صفحة ٢١٥
”ولَمّا كانَتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ قَدْ نِيطَتْ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّ الوَيْلَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ساغَ أنْ يَقُولَ فاليَوْمَ عَلى حِكايَةِ ما يُقالُ يَوْمَئِذٍ وما يَكُونُ“ . اهـ.
وهُوَ انْقِداحُ زِنادٍ يَحْتاجُ في تَنَوُّرِهِ إلى أعْوادٍ.
فَإمّا أنْ نَجْعَلَ ما قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] إلى هُنا كَما تَقَدَّمَ.
وإمّا أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] . والتَّقْدِيرُ: ويُقالُ لَهُمُ اليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنكم.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فاليَوْمَ يَضْحَكُ الَّذِينَ آمَنُوا، لِإفادَةِ الحَصْرِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيْ: زالَ اسْتِهْزاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ فاليَوْمَ المُؤْمِنُونَ يَضْحَكُونَ مِنَ الكُفّارِ دُونَ العَكْسِ.
وتَقْدِيمُ مِنَ الكُفّارِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَضْحُوكِ مِنهم تَعْجِيلًا لِإساءَتِهِمْ عِنْدَ سَماعِ هَذا التَّقْرِيعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم يَضْحَكُونَ، لِما في الوَصْفِ المُظْهَرِ مِنَ الذَّمِّ لِلْكُفّارِ.
ومَفْعُولُ يَنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ، أيْ: يُشاهِدُونَ المُشْرِكِينَ في العَذابِ والإهانَةِ.
المطففين 83:36
﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
فَذْلَكَةٌ لِما حُكِيَ مِنِ اعْتِداءِ المُشْرِكِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ، فالمَعْنى فَقَدْ جُوزِيَ الكُفّارُ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ وهَذا مِن تَمامِ النِّداءِ الَّذِي يُعَلَّقُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
والِاسْتِفْهامُ بِـ هَلْ تَقْرِيرِيٌّ وتَعَجُّبٌ مِن عَدَمِ إفْلاتِهِمْ مِنهُ بَعْدَ دُهُورٍ.
صفحة ٢١٦
والِاسْتِفْهامُ مِن قَبِيلِ الطَّلَبِ فَهو مِن أنْواعِ الخِطابِ.
والخِطابُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ مُوَجَّهٌ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، بَلْ إلى كُلِّ مَن يَسْمَعُ ذَلِكَ النِّداءَ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مِن مَقُولِ القَوْلِ المَحْذُوفِ.
وثُوِّبَ أُعْطِيَ الثَّوابَ، يُقالُ: ثَوَّبَهُ كَما يُقالُ: أثابَهُ، إذْ أعْطاهُ ثَوابًا.
والثَّوابُ: هو ما يُجازى بِهِ مِنَ الخَيْرِ عَلى فِعْلٍ مَحْمُودٍ وهو حَقِيقَتُهُ كَما في الصِّحاحِ، وهو ظاهِرُ الأساسِ ولِذَلِكَ فاسْتِعْمالُهُ في جَزاءِ الشَّرِّ هُنا اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ. وهَذا هو التَّحْقِيقُ وهو الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الرّاغِبُ في آخِرِ كَلامِهِ إذْ قالَ: إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في جَزاءِ الخَيْرِ والشَّرِّ. أرادَ إنَّهُ يُسْتَعارُ لِجَزاءِ الشَّرِّ بِكَثْرَةٍ فَلا بُدَّ مِن عَلاقَةٍ وقَرِينَةٍ وهي هُنا قَوْلُهُ: الكُفّارُ وما كانُوا يَفْعَلُونَ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا فَعَجَّلْنا القِرى أنْ تَشْتُمُونا
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكم ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا
ومِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] .
و﴿ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مَوْصُولٌ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (ثُوِّبَ) إذْ هو مِن بابِ أعْطى. ولَيْسَ الجَزاءُ هو ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ، بَلْ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِمُعادَلَتِهِ شِدَّةَ جُرْمِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِثْلَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ السَّبَبِيَّةِ، أيْ: بِما كانُوا يَفْعَلُونَ.
وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ مُحَسِّنُ بَراعَةِ المَقْطَعِ لِأنَّها جامِعٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ.
* * *
صفحة ٢١٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الِانْشِقاقِ
سُمِّيَتْ في زَمَنِ الصَّحابَةِ (سُورَةُ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ) . فَفي المُوَطَّأِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ ”«أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَرَأ بِهِمْ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ فِيها، فَلَمّا انْصَرَفَ أخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيها» “ . فَضَمِيرُ (فِيها) عائِدٌ إلى (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) بِتَأْوِيلِ السُّورَةِ، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وكَذَلِكَ سَمّاها في الإتْقانِ.
سَمّاها المُفَسِّرُونَ وكُتّابُ المَصاحِفِ (سُورَةَ الِانْشِقاقِ) بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما سُمِّيَتِ السُّورَةُ السّابِقَةُ (سُورَةَ التَّطْفِيفِ) و(سُورَةَ انْشَقَّتْ) اخْتِصارًا.
وذَكَرَها الجَعْبَرِيُّ في نَظْمِهِ في تَعْدادِ المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ بِلَفْظِ (كَدْحٍ) فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ عَنى أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ ولَمْ أقِفْ عَلى ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.
ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ ذَواتِ الأكْثَرِ مِنِ اسْمٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وقَدْ عُدَّتِ الثّالِثَةَ والثَمانِينَ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الِانْفِطارِ وقَبْلَ سُورَةِ الرُّومِ.
وعَدَّ آيِها خَمْسًا وعِشْرِينَ أهْلُ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ والكُوفَةِ وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ والشّامِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ.
* * *
ابْتُدِئَتْ بِوَصْفِ أشْراطِ السّاعَةِ وحُلُولِ يَوْمِ البَعْثِ واخْتِلافِ أحْوالِ الخَلْقِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أهْلِ نَعِيمٍ وأهْلِ شَقاءٍ.