Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الطارق 86:1 – الغاشية 88:26

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الطارق 86:1
  2. الطارق 86:2
  3. الطارق 86:3
  4. الطارق 86:4
  5. الطارق 86:5
  6. الطارق 86:6
  7. الطارق 86:7
  8. الطارق 86:8
  9. الطارق 86:9
  10. الطارق 86:10
  11. الطارق 86:11
  12. الطارق 86:12
  13. الطارق 86:13
  14. الطارق 86:14
  15. الطارق 86:15
  16. الطارق 86:16
  17. الطارق 86:17
  18. الأعلى 87:1
  19. الأعلى 87:2
  20. الأعلى 87:3
  21. الأعلى 87:4
  22. الأعلى 87:5
  23. الأعلى 87:6
  24. الأعلى 87:7
  25. الأعلى 87:8
  26. الأعلى 87:9
  27. الأعلى 87:10
  28. الأعلى 87:11
  29. الأعلى 87:12
  30. الأعلى 87:13
  31. الأعلى 87:14
  32. الأعلى 87:15
  33. الأعلى 87:16
  34. الأعلى 87:17
  35. الأعلى 87:18
  36. الأعلى 87:19
  37. الغاشية 88:1
  38. الغاشية 88:2
  39. الغاشية 88:3
  40. الغاشية 88:4
  41. الغاشية 88:5
  42. الغاشية 88:6
  43. الغاشية 88:7
  44. الغاشية 88:8
  45. الغاشية 88:9
  46. الغاشية 88:10
  47. الغاشية 88:11
  48. الغاشية 88:12
  49. الغاشية 88:13
  50. الغاشية 88:14
  51. الغاشية 88:15
  52. الغاشية 88:16
  53. الغاشية 88:17
  54. الغاشية 88:18
  55. الغاشية 88:19
  56. الغاشية 88:20
  57. الغاشية 88:21
  58. الغاشية 88:22
  59. الغاشية 88:23
  60. الغاشية 88:24
  61. الغاشية 88:25
  62. الغاشية 88:26

الطارق 86:1

﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ . افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالقَسَمِ تَحْقِيقٌ لِما يُقْسِمُ عَلَيْهِ وتَشْوِيقٌ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في سَوابِقِها. ووَقَعَ القَسَمُ بِمَخْلُوقَيْنِ عَظِيمَيْنِ فِيهِما دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ خالِقِهِما هُما: السَّماءُ، والنُّجُومُ، أوْ نَجْمٌ مِنها عَظِيمٌ مِنها مَعْرُوفٌ، أوْ ما يَبْدُو انْقِضاضُهُ مِنَ الشُّهُبِ كَما سَيَأْتِي. والطّارِقُ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّرُوقِ، وهو المَجِيءُ لَيْلًا؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ أنَّ النّازِلَ بِالحَيِّ لَيْلًا يَطْرُقُ شَيْئًا مِن حَجَرٍ أوْ وتِدٍ إشْعارًا لِرَبِّ البَيْتِ أنَّ نَزِيلًا نَزَلَ بِهِ؛ لِأنَّ نُزُولَهُ يَقْضِي بِأنْ يُضَيِّفُوهُ، فَأطْلَقَ الطُّرُوقَ عَلى النُّزُولِ لَيْلًا مَجازًا مُرْسَلًا، فَغَلَبَ الطُّرُوقُ عَلى القُدُومِ لَيْلًا. وأُبْهِمَ المَوْصُوفُ بِالطّارِقِ ابْتِداءً، ثُمَّ زِيدَ إبْهامًا مَشُوبًا بِتَعْظِيمِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ بِأنَّهُ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ لِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ مَزِيدُ تَقَرُّرٍ لِلْمُرادِ بِالمُقْسَمِ بِهِ وهو أنَّهُ مِن جِنْسِ النُّجُومِ شُبِّهَ طُلُوعُ النَّجْمِ لَيْلًا بِطُرُوقِ المُسافِرِ الطّارِقِ بَيْتًا بِجامِعِ كَوْنِهِ ظُهُورًا في اللَّيْلِ. و(ما أدْراكَ) اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في تَعْظِيمِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٢٥٩ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] في سُورَةِ الشُّورى، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وتَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ: ما يُدْرِيكَ، وما أدْراكَ. وقَوْلُهُ: النَّجْمُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو، أيِ: الطّارِقُ النَّجْمُ الثّاقِبُ. والثَّقْبُ: خَرْقُ شَيْءٍ مُلْتَئِمٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ النُّورِ في خِلالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، شَبَّهَ النَّجْمَ بِمِسْمارٍ أوْ نَحْوِهِ، وظُهُورَ ضَوْئِهِ بِظُهُورِ ما يَبْدُو مِنَ المِسْمارِ مِن خِلالِ الجِسْمِ الَّذِي يَثْقُبُهُ مِثْلَ لَوْحٍ أوْ ثَوْبٍ. وأحْسَبُ أنَّ اسْتِعارَةَ الثَّقْبِ لِبُرُوزِ شُعاعِ النَّجْمِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ ولَمْ يَرِدْ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ، وقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] في سُورَةِ الصّافّاتِ، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: والعَرَبُ تَقُولُ: اثْقُبْ نارَكَ، أيْ: أضِئْها، وساقَ بَيْتًا شاهِدًا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ. والتَّعْرِيفُ في النَّجْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أقُولُ والنَّجْمُ قَدْ مالَتْ أواخِرُهُ البَيْتَ فَيَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ النُّجُومِ اسْتِغْراقًا حَقِيقِيًّا وكُلُّها ثاقِبٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والنُّجُومُ، إلّا أنَّ صِيغَةَ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: الثّاقِبُ ظاهِرٌ في إرادَةِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ النُّجُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى نَجْمٍ مَعْرُوفٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّجْمِ غالِبًا، أيْ: والنَّجْمُ الَّذِي هو طارِقٌ. ويُناسِبُ أنْ يَكُونَ نَجْمًا يَطْلُعُ في أوائِلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وهي الوَقْتُ المَعْهُودُ لِطُرُوقِ الطّارِقِينَ مِنَ السّائِرِينَ، ولَعَلَّ الطّارِقَ هو النَّجْمُ الَّذِي يُسَمّى الشّاهِدُ، وهو نَجْمٌ يَظْهَرُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وبِهِ سُمِّيَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ صَلاةَ الشّاهِدِ. رَوى النَّسائِيُّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ أيْ: صَلاةُ العَصْرِ فُرِضَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها إلى قَوْلِهِ: ولا صَلاةَ بَعْدَها حَتّى يَطْلُعَ الشّاهِدُ» . وقِيلَ: أُرِيدَ بِـ الطّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أنَّ النَّجْمَ الطّارِقَ هو كَوْكَبُ زُحَلَ؛ لِأنَّهُ مُبْرَزٌ عَلى الكَواكِبِ بِقُوَّةِ شُعاعِهِ. وعَنْهُ: أنَّهُ الثُّرَيّا؛ صفحة ٢٦٠ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ عَلَيْها النَّجْمَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ نُجُومُ بُرْجِ الجَدْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ النَّجْمَ كانَ مَعْهُودًا عِنْدَ العَرَبِ، واشْتُهِرَ في ذَلِكَ في نَجْمِ الثُّرَيّا. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالطّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ، أيْ لِأنَّ الشِّهابَ يَنْقَضُّ فَيَلُوحُ كَأنَّهُ يَجْرِي في السَّماءِ كَما يَسِيرُ السّائِرُ الَّذِي أدْرَكَهُ اللَّيْلُ. فالتَّعْرِيفُ في لَفْظِ النَّجْمِ لِلِاسْتِغْراقِ، وخُصَّ عُمُومُهُ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الطّارِقِ أيْ أنَّ الشِّهابَ عِنْدَ انْقِضاضِهِ يُرى سائِرًا بِسُرْعَةٍ ثُمَّ يَغِيبُ عَنِ النَّظَرِ فَيَلُوحُ كَأنَّهُ اسْتَقَرَّ، فَأشْبَهَ إسْراعَ السّائِرِ لَيْلًا لِيَبْلُغَ إلى أحْياءِ المَعْمُورَةِ، فَإذا بَلَغَها وقَفَ سَيْرُهُ. وجَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ جُعِلَ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً رَمْزِيَّةً عَنِ المَقْصُودِ. وهو إثْباتُ البَعْثِ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى إثْباتِهِ، فَإنَّ إقامَةَ الحافِظِ تَسْتَلْزِمُ شَيْئًا يَحْفَظُهُ وهو الأعْمالُ خَيْرُها وشَرُّها، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إرادَةَ المُحاسَبَةِ عَلَيْها والجَزاءَ بِما تَقْتَضِيهِ جَزاءً مُؤَخَّرًا بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا لِئَلّا تَذْهَبَ أعْمالُ العامِلِينَ سُدًى، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ الجَزاءَ مُؤَخَّرٌ إلى ما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، إذِ المُشاهَدُ تَخَلُّفُ الجَزاءِ في هَذِهِ الحَياةِ بِكَثْرَةٍ، فَلَوْ أُهْمِلَ الجَزاءُ لَكانَ إهْمالُهُ مُنافِيًا لِحِكْمَةِ الإلَهِ الحَكِيمِ مُبْدِعِ هَذا الكَوْنِ كَما قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا الجَزاءُ المُؤَخَّرُ يَسْتَلْزِمُ إعادَةَ حَياةٍ لِلذَّواتِ الصّادِرَةِ مِنها الأعْمالُ. فَهَذِهِ لَوازِمُ أرْبَعَةٌ بِها كانَتِ الكِنايَةُ تَلْوِيحِيَّةً رَمْزِيَّةً. وقَدْ حَصَلَ مَعَ هَذا الِاسْتِدْلالِ إفادَةُ أنَّ عَلى الأنْفُسِ حَفَظَةً فَهو إدْماجٌ. والحافِظُ: هو الَّذِي يَحْفَظُ أمْرًا ولا يُهْمِلُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَما) بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. فَعَلى قِراءَةِ تَخْفِيفِ المِيمِ تَكُونُ إنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ ولَما مُرَكَّبَةً مِنَ اللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ ومَعَها ما الزّائِدَةُ بَعْدَ اللّامِ لِلتَّأْكِيدِ وأصْلُ الكَلامِ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ. صفحة ٢٦١ وعَلى قِراءَةِ تَشْدِيدِ المِيمِ تَكُونُ إنْ نافِيَةً ولَمّا حَرْفٌ بِمَعْنى إلّا فَإنَّ لَمّا تَرِدُ بِمَعْنى إلّا في النَّفْيِ وفي القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا أيْ: إلّا فَعَلْتَ، عَلى تَقْدِيرِ: ما أسْألُكَ إلّا فِعْلَ كَذا فَآلَتْ إلى النَّفْيِ وكُلٌّ مِن إنِ المُخَفَّفَةِ وإنِ النّافِيَةِ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ. وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الجَوابُ زِيادَةً عَلى إفادَتِهِ تَحْقِيقَ الجَزاءِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ اعْتِقادَهم وأفْعالَهم وأنَّهُ سَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.

الطارق 86:2

﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ . افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالقَسَمِ تَحْقِيقٌ لِما يُقْسِمُ عَلَيْهِ وتَشْوِيقٌ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في سَوابِقِها. ووَقَعَ القَسَمُ بِمَخْلُوقَيْنِ عَظِيمَيْنِ فِيهِما دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ خالِقِهِما هُما: السَّماءُ، والنُّجُومُ، أوْ نَجْمٌ مِنها عَظِيمٌ مِنها مَعْرُوفٌ، أوْ ما يَبْدُو انْقِضاضُهُ مِنَ الشُّهُبِ كَما سَيَأْتِي. والطّارِقُ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّرُوقِ، وهو المَجِيءُ لَيْلًا؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ أنَّ النّازِلَ بِالحَيِّ لَيْلًا يَطْرُقُ شَيْئًا مِن حَجَرٍ أوْ وتِدٍ إشْعارًا لِرَبِّ البَيْتِ أنَّ نَزِيلًا نَزَلَ بِهِ؛ لِأنَّ نُزُولَهُ يَقْضِي بِأنْ يُضَيِّفُوهُ، فَأطْلَقَ الطُّرُوقَ عَلى النُّزُولِ لَيْلًا مَجازًا مُرْسَلًا، فَغَلَبَ الطُّرُوقُ عَلى القُدُومِ لَيْلًا. وأُبْهِمَ المَوْصُوفُ بِالطّارِقِ ابْتِداءً، ثُمَّ زِيدَ إبْهامًا مَشُوبًا بِتَعْظِيمِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ بِأنَّهُ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ لِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ مَزِيدُ تَقَرُّرٍ لِلْمُرادِ بِالمُقْسَمِ بِهِ وهو أنَّهُ مِن جِنْسِ النُّجُومِ شُبِّهَ طُلُوعُ النَّجْمِ لَيْلًا بِطُرُوقِ المُسافِرِ الطّارِقِ بَيْتًا بِجامِعِ كَوْنِهِ ظُهُورًا في اللَّيْلِ. و(ما أدْراكَ) اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في تَعْظِيمِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٢٥٩ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] في سُورَةِ الشُّورى، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وتَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ: ما يُدْرِيكَ، وما أدْراكَ. وقَوْلُهُ: النَّجْمُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو، أيِ: الطّارِقُ النَّجْمُ الثّاقِبُ. والثَّقْبُ: خَرْقُ شَيْءٍ مُلْتَئِمٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ النُّورِ في خِلالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، شَبَّهَ النَّجْمَ بِمِسْمارٍ أوْ نَحْوِهِ، وظُهُورَ ضَوْئِهِ بِظُهُورِ ما يَبْدُو مِنَ المِسْمارِ مِن خِلالِ الجِسْمِ الَّذِي يَثْقُبُهُ مِثْلَ لَوْحٍ أوْ ثَوْبٍ. وأحْسَبُ أنَّ اسْتِعارَةَ الثَّقْبِ لِبُرُوزِ شُعاعِ النَّجْمِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ ولَمْ يَرِدْ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ، وقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] في سُورَةِ الصّافّاتِ، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: والعَرَبُ تَقُولُ: اثْقُبْ نارَكَ، أيْ: أضِئْها، وساقَ بَيْتًا شاهِدًا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ. والتَّعْرِيفُ في النَّجْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أقُولُ والنَّجْمُ قَدْ مالَتْ أواخِرُهُ البَيْتَ فَيَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ النُّجُومِ اسْتِغْراقًا حَقِيقِيًّا وكُلُّها ثاقِبٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والنُّجُومُ، إلّا أنَّ صِيغَةَ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: الثّاقِبُ ظاهِرٌ في إرادَةِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ النُّجُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى نَجْمٍ مَعْرُوفٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّجْمِ غالِبًا، أيْ: والنَّجْمُ الَّذِي هو طارِقٌ. ويُناسِبُ أنْ يَكُونَ نَجْمًا يَطْلُعُ في أوائِلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وهي الوَقْتُ المَعْهُودُ لِطُرُوقِ الطّارِقِينَ مِنَ السّائِرِينَ، ولَعَلَّ الطّارِقَ هو النَّجْمُ الَّذِي يُسَمّى الشّاهِدُ، وهو نَجْمٌ يَظْهَرُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وبِهِ سُمِّيَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ صَلاةَ الشّاهِدِ. رَوى النَّسائِيُّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ أيْ: صَلاةُ العَصْرِ فُرِضَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها إلى قَوْلِهِ: ولا صَلاةَ بَعْدَها حَتّى يَطْلُعَ الشّاهِدُ» . وقِيلَ: أُرِيدَ بِـ الطّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أنَّ النَّجْمَ الطّارِقَ هو كَوْكَبُ زُحَلَ؛ لِأنَّهُ مُبْرَزٌ عَلى الكَواكِبِ بِقُوَّةِ شُعاعِهِ. وعَنْهُ: أنَّهُ الثُّرَيّا؛ صفحة ٢٦٠ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ عَلَيْها النَّجْمَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ نُجُومُ بُرْجِ الجَدْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ النَّجْمَ كانَ مَعْهُودًا عِنْدَ العَرَبِ، واشْتُهِرَ في ذَلِكَ في نَجْمِ الثُّرَيّا. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالطّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ، أيْ لِأنَّ الشِّهابَ يَنْقَضُّ فَيَلُوحُ كَأنَّهُ يَجْرِي في السَّماءِ كَما يَسِيرُ السّائِرُ الَّذِي أدْرَكَهُ اللَّيْلُ. فالتَّعْرِيفُ في لَفْظِ النَّجْمِ لِلِاسْتِغْراقِ، وخُصَّ عُمُومُهُ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الطّارِقِ أيْ أنَّ الشِّهابَ عِنْدَ انْقِضاضِهِ يُرى سائِرًا بِسُرْعَةٍ ثُمَّ يَغِيبُ عَنِ النَّظَرِ فَيَلُوحُ كَأنَّهُ اسْتَقَرَّ، فَأشْبَهَ إسْراعَ السّائِرِ لَيْلًا لِيَبْلُغَ إلى أحْياءِ المَعْمُورَةِ، فَإذا بَلَغَها وقَفَ سَيْرُهُ. وجَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ جُعِلَ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً رَمْزِيَّةً عَنِ المَقْصُودِ. وهو إثْباتُ البَعْثِ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى إثْباتِهِ، فَإنَّ إقامَةَ الحافِظِ تَسْتَلْزِمُ شَيْئًا يَحْفَظُهُ وهو الأعْمالُ خَيْرُها وشَرُّها، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إرادَةَ المُحاسَبَةِ عَلَيْها والجَزاءَ بِما تَقْتَضِيهِ جَزاءً مُؤَخَّرًا بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا لِئَلّا تَذْهَبَ أعْمالُ العامِلِينَ سُدًى، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ الجَزاءَ مُؤَخَّرٌ إلى ما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، إذِ المُشاهَدُ تَخَلُّفُ الجَزاءِ في هَذِهِ الحَياةِ بِكَثْرَةٍ، فَلَوْ أُهْمِلَ الجَزاءُ لَكانَ إهْمالُهُ مُنافِيًا لِحِكْمَةِ الإلَهِ الحَكِيمِ مُبْدِعِ هَذا الكَوْنِ كَما قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا الجَزاءُ المُؤَخَّرُ يَسْتَلْزِمُ إعادَةَ حَياةٍ لِلذَّواتِ الصّادِرَةِ مِنها الأعْمالُ. فَهَذِهِ لَوازِمُ أرْبَعَةٌ بِها كانَتِ الكِنايَةُ تَلْوِيحِيَّةً رَمْزِيَّةً. وقَدْ حَصَلَ مَعَ هَذا الِاسْتِدْلالِ إفادَةُ أنَّ عَلى الأنْفُسِ حَفَظَةً فَهو إدْماجٌ. والحافِظُ: هو الَّذِي يَحْفَظُ أمْرًا ولا يُهْمِلُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَما) بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. فَعَلى قِراءَةِ تَخْفِيفِ المِيمِ تَكُونُ إنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ ولَما مُرَكَّبَةً مِنَ اللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ ومَعَها ما الزّائِدَةُ بَعْدَ اللّامِ لِلتَّأْكِيدِ وأصْلُ الكَلامِ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ. صفحة ٢٦١ وعَلى قِراءَةِ تَشْدِيدِ المِيمِ تَكُونُ إنْ نافِيَةً ولَمّا حَرْفٌ بِمَعْنى إلّا فَإنَّ لَمّا تَرِدُ بِمَعْنى إلّا في النَّفْيِ وفي القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا أيْ: إلّا فَعَلْتَ، عَلى تَقْدِيرِ: ما أسْألُكَ إلّا فِعْلَ كَذا فَآلَتْ إلى النَّفْيِ وكُلٌّ مِن إنِ المُخَفَّفَةِ وإنِ النّافِيَةِ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ. وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الجَوابُ زِيادَةً عَلى إفادَتِهِ تَحْقِيقَ الجَزاءِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ اعْتِقادَهم وأفْعالَهم وأنَّهُ سَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.

الطارق 86:3

﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ . افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالقَسَمِ تَحْقِيقٌ لِما يُقْسِمُ عَلَيْهِ وتَشْوِيقٌ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في سَوابِقِها. ووَقَعَ القَسَمُ بِمَخْلُوقَيْنِ عَظِيمَيْنِ فِيهِما دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ خالِقِهِما هُما: السَّماءُ، والنُّجُومُ، أوْ نَجْمٌ مِنها عَظِيمٌ مِنها مَعْرُوفٌ، أوْ ما يَبْدُو انْقِضاضُهُ مِنَ الشُّهُبِ كَما سَيَأْتِي. والطّارِقُ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّرُوقِ، وهو المَجِيءُ لَيْلًا؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ أنَّ النّازِلَ بِالحَيِّ لَيْلًا يَطْرُقُ شَيْئًا مِن حَجَرٍ أوْ وتِدٍ إشْعارًا لِرَبِّ البَيْتِ أنَّ نَزِيلًا نَزَلَ بِهِ؛ لِأنَّ نُزُولَهُ يَقْضِي بِأنْ يُضَيِّفُوهُ، فَأطْلَقَ الطُّرُوقَ عَلى النُّزُولِ لَيْلًا مَجازًا مُرْسَلًا، فَغَلَبَ الطُّرُوقُ عَلى القُدُومِ لَيْلًا. وأُبْهِمَ المَوْصُوفُ بِالطّارِقِ ابْتِداءً، ثُمَّ زِيدَ إبْهامًا مَشُوبًا بِتَعْظِيمِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ بِأنَّهُ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ لِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ مَزِيدُ تَقَرُّرٍ لِلْمُرادِ بِالمُقْسَمِ بِهِ وهو أنَّهُ مِن جِنْسِ النُّجُومِ شُبِّهَ طُلُوعُ النَّجْمِ لَيْلًا بِطُرُوقِ المُسافِرِ الطّارِقِ بَيْتًا بِجامِعِ كَوْنِهِ ظُهُورًا في اللَّيْلِ. و(ما أدْراكَ) اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في تَعْظِيمِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٢٥٩ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] في سُورَةِ الشُّورى، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وتَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ: ما يُدْرِيكَ، وما أدْراكَ. وقَوْلُهُ: النَّجْمُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو، أيِ: الطّارِقُ النَّجْمُ الثّاقِبُ. والثَّقْبُ: خَرْقُ شَيْءٍ مُلْتَئِمٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ النُّورِ في خِلالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، شَبَّهَ النَّجْمَ بِمِسْمارٍ أوْ نَحْوِهِ، وظُهُورَ ضَوْئِهِ بِظُهُورِ ما يَبْدُو مِنَ المِسْمارِ مِن خِلالِ الجِسْمِ الَّذِي يَثْقُبُهُ مِثْلَ لَوْحٍ أوْ ثَوْبٍ. وأحْسَبُ أنَّ اسْتِعارَةَ الثَّقْبِ لِبُرُوزِ شُعاعِ النَّجْمِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ ولَمْ يَرِدْ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ، وقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] في سُورَةِ الصّافّاتِ، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: والعَرَبُ تَقُولُ: اثْقُبْ نارَكَ، أيْ: أضِئْها، وساقَ بَيْتًا شاهِدًا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ. والتَّعْرِيفُ في النَّجْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أقُولُ والنَّجْمُ قَدْ مالَتْ أواخِرُهُ البَيْتَ فَيَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ النُّجُومِ اسْتِغْراقًا حَقِيقِيًّا وكُلُّها ثاقِبٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والنُّجُومُ، إلّا أنَّ صِيغَةَ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: الثّاقِبُ ظاهِرٌ في إرادَةِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ النُّجُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى نَجْمٍ مَعْرُوفٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّجْمِ غالِبًا، أيْ: والنَّجْمُ الَّذِي هو طارِقٌ. ويُناسِبُ أنْ يَكُونَ نَجْمًا يَطْلُعُ في أوائِلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وهي الوَقْتُ المَعْهُودُ لِطُرُوقِ الطّارِقِينَ مِنَ السّائِرِينَ، ولَعَلَّ الطّارِقَ هو النَّجْمُ الَّذِي يُسَمّى الشّاهِدُ، وهو نَجْمٌ يَظْهَرُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وبِهِ سُمِّيَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ صَلاةَ الشّاهِدِ. رَوى النَّسائِيُّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ أيْ: صَلاةُ العَصْرِ فُرِضَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها إلى قَوْلِهِ: ولا صَلاةَ بَعْدَها حَتّى يَطْلُعَ الشّاهِدُ» . وقِيلَ: أُرِيدَ بِـ الطّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أنَّ النَّجْمَ الطّارِقَ هو كَوْكَبُ زُحَلَ؛ لِأنَّهُ مُبْرَزٌ عَلى الكَواكِبِ بِقُوَّةِ شُعاعِهِ. وعَنْهُ: أنَّهُ الثُّرَيّا؛ صفحة ٢٦٠ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ عَلَيْها النَّجْمَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ نُجُومُ بُرْجِ الجَدْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ النَّجْمَ كانَ مَعْهُودًا عِنْدَ العَرَبِ، واشْتُهِرَ في ذَلِكَ في نَجْمِ الثُّرَيّا. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالطّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ، أيْ لِأنَّ الشِّهابَ يَنْقَضُّ فَيَلُوحُ كَأنَّهُ يَجْرِي في السَّماءِ كَما يَسِيرُ السّائِرُ الَّذِي أدْرَكَهُ اللَّيْلُ. فالتَّعْرِيفُ في لَفْظِ النَّجْمِ لِلِاسْتِغْراقِ، وخُصَّ عُمُومُهُ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الطّارِقِ أيْ أنَّ الشِّهابَ عِنْدَ انْقِضاضِهِ يُرى سائِرًا بِسُرْعَةٍ ثُمَّ يَغِيبُ عَنِ النَّظَرِ فَيَلُوحُ كَأنَّهُ اسْتَقَرَّ، فَأشْبَهَ إسْراعَ السّائِرِ لَيْلًا لِيَبْلُغَ إلى أحْياءِ المَعْمُورَةِ، فَإذا بَلَغَها وقَفَ سَيْرُهُ. وجَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ جُعِلَ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً رَمْزِيَّةً عَنِ المَقْصُودِ. وهو إثْباتُ البَعْثِ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى إثْباتِهِ، فَإنَّ إقامَةَ الحافِظِ تَسْتَلْزِمُ شَيْئًا يَحْفَظُهُ وهو الأعْمالُ خَيْرُها وشَرُّها، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إرادَةَ المُحاسَبَةِ عَلَيْها والجَزاءَ بِما تَقْتَضِيهِ جَزاءً مُؤَخَّرًا بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا لِئَلّا تَذْهَبَ أعْمالُ العامِلِينَ سُدًى، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ الجَزاءَ مُؤَخَّرٌ إلى ما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، إذِ المُشاهَدُ تَخَلُّفُ الجَزاءِ في هَذِهِ الحَياةِ بِكَثْرَةٍ، فَلَوْ أُهْمِلَ الجَزاءُ لَكانَ إهْمالُهُ مُنافِيًا لِحِكْمَةِ الإلَهِ الحَكِيمِ مُبْدِعِ هَذا الكَوْنِ كَما قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا الجَزاءُ المُؤَخَّرُ يَسْتَلْزِمُ إعادَةَ حَياةٍ لِلذَّواتِ الصّادِرَةِ مِنها الأعْمالُ. فَهَذِهِ لَوازِمُ أرْبَعَةٌ بِها كانَتِ الكِنايَةُ تَلْوِيحِيَّةً رَمْزِيَّةً. وقَدْ حَصَلَ مَعَ هَذا الِاسْتِدْلالِ إفادَةُ أنَّ عَلى الأنْفُسِ حَفَظَةً فَهو إدْماجٌ. والحافِظُ: هو الَّذِي يَحْفَظُ أمْرًا ولا يُهْمِلُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَما) بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. فَعَلى قِراءَةِ تَخْفِيفِ المِيمِ تَكُونُ إنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ ولَما مُرَكَّبَةً مِنَ اللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ ومَعَها ما الزّائِدَةُ بَعْدَ اللّامِ لِلتَّأْكِيدِ وأصْلُ الكَلامِ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ. صفحة ٢٦١ وعَلى قِراءَةِ تَشْدِيدِ المِيمِ تَكُونُ إنْ نافِيَةً ولَمّا حَرْفٌ بِمَعْنى إلّا فَإنَّ لَمّا تَرِدُ بِمَعْنى إلّا في النَّفْيِ وفي القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا أيْ: إلّا فَعَلْتَ، عَلى تَقْدِيرِ: ما أسْألُكَ إلّا فِعْلَ كَذا فَآلَتْ إلى النَّفْيِ وكُلٌّ مِن إنِ المُخَفَّفَةِ وإنِ النّافِيَةِ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ. وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الجَوابُ زِيادَةً عَلى إفادَتِهِ تَحْقِيقَ الجَزاءِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ اعْتِقادَهم وأفْعالَهم وأنَّهُ سَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.

الطارق 86:4

﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ . افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالقَسَمِ تَحْقِيقٌ لِما يُقْسِمُ عَلَيْهِ وتَشْوِيقٌ إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في سَوابِقِها. ووَقَعَ القَسَمُ بِمَخْلُوقَيْنِ عَظِيمَيْنِ فِيهِما دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ خالِقِهِما هُما: السَّماءُ، والنُّجُومُ، أوْ نَجْمٌ مِنها عَظِيمٌ مِنها مَعْرُوفٌ، أوْ ما يَبْدُو انْقِضاضُهُ مِنَ الشُّهُبِ كَما سَيَأْتِي. والطّارِقُ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّرُوقِ، وهو المَجِيءُ لَيْلًا؛ لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ أنَّ النّازِلَ بِالحَيِّ لَيْلًا يَطْرُقُ شَيْئًا مِن حَجَرٍ أوْ وتِدٍ إشْعارًا لِرَبِّ البَيْتِ أنَّ نَزِيلًا نَزَلَ بِهِ؛ لِأنَّ نُزُولَهُ يَقْضِي بِأنْ يُضَيِّفُوهُ، فَأطْلَقَ الطُّرُوقَ عَلى النُّزُولِ لَيْلًا مَجازًا مُرْسَلًا، فَغَلَبَ الطُّرُوقُ عَلى القُدُومِ لَيْلًا. وأُبْهِمَ المَوْصُوفُ بِالطّارِقِ ابْتِداءً، ثُمَّ زِيدَ إبْهامًا مَشُوبًا بِتَعْظِيمِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ بِأنَّهُ ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ لِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ مَزِيدُ تَقَرُّرٍ لِلْمُرادِ بِالمُقْسَمِ بِهِ وهو أنَّهُ مِن جِنْسِ النُّجُومِ شُبِّهَ طُلُوعُ النَّجْمِ لَيْلًا بِطُرُوقِ المُسافِرِ الطّارِقِ بَيْتًا بِجامِعِ كَوْنِهِ ظُهُورًا في اللَّيْلِ. و(ما أدْراكَ) اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في تَعْظِيمِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٢٥٩ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] في سُورَةِ الشُّورى، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وتَقَدَّمَ الفَرْقُ بَيْنَ: ما يُدْرِيكَ، وما أدْراكَ. وقَوْلُهُ: النَّجْمُ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو، أيِ: الطّارِقُ النَّجْمُ الثّاقِبُ. والثَّقْبُ: خَرْقُ شَيْءٍ مُلْتَئِمٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِظُهُورِ النُّورِ في خِلالِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، شَبَّهَ النَّجْمَ بِمِسْمارٍ أوْ نَحْوِهِ، وظُهُورَ ضَوْئِهِ بِظُهُورِ ما يَبْدُو مِنَ المِسْمارِ مِن خِلالِ الجِسْمِ الَّذِي يَثْقُبُهُ مِثْلَ لَوْحٍ أوْ ثَوْبٍ. وأحْسَبُ أنَّ اسْتِعارَةَ الثَّقْبِ لِبُرُوزِ شُعاعِ النَّجْمِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ ولَمْ يَرِدْ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ، وقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] في سُورَةِ الصّافّاتِ، ووَقَعَ في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: والعَرَبُ تَقُولُ: اثْقُبْ نارَكَ، أيْ: أضِئْها، وساقَ بَيْتًا شاهِدًا عَلى ذَلِكَ ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ. والتَّعْرِيفُ في النَّجْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أقُولُ والنَّجْمُ قَدْ مالَتْ أواخِرُهُ البَيْتَ فَيَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ النُّجُومِ اسْتِغْراقًا حَقِيقِيًّا وكُلُّها ثاقِبٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: والنُّجُومُ، إلّا أنَّ صِيغَةَ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: الثّاقِبُ ظاهِرٌ في إرادَةِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنَ النُّجُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إشارَةً إلى نَجْمٍ مَعْرُوفٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّجْمِ غالِبًا، أيْ: والنَّجْمُ الَّذِي هو طارِقٌ. ويُناسِبُ أنْ يَكُونَ نَجْمًا يَطْلُعُ في أوائِلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وهي الوَقْتُ المَعْهُودُ لِطُرُوقِ الطّارِقِينَ مِنَ السّائِرِينَ، ولَعَلَّ الطّارِقَ هو النَّجْمُ الَّذِي يُسَمّى الشّاهِدُ، وهو نَجْمٌ يَظْهَرُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وبِهِ سُمِّيَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ صَلاةَ الشّاهِدِ. رَوى النَّسائِيُّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ أيْ: صَلاةُ العَصْرِ فُرِضَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها إلى قَوْلِهِ: ولا صَلاةَ بَعْدَها حَتّى يَطْلُعَ الشّاهِدُ» . وقِيلَ: أُرِيدَ بِـ الطّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ: أنَّ النَّجْمَ الطّارِقَ هو كَوْكَبُ زُحَلَ؛ لِأنَّهُ مُبْرَزٌ عَلى الكَواكِبِ بِقُوَّةِ شُعاعِهِ. وعَنْهُ: أنَّهُ الثُّرَيّا؛ صفحة ٢٦٠ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ عَلَيْها النَّجْمَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ نُجُومُ بُرْجِ الجَدْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ النَّجْمَ كانَ مَعْهُودًا عِنْدَ العَرَبِ، واشْتُهِرَ في ذَلِكَ في نَجْمِ الثُّرَيّا. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالطّارِقِ نَوْعُ الشُّهُبِ، أيْ لِأنَّ الشِّهابَ يَنْقَضُّ فَيَلُوحُ كَأنَّهُ يَجْرِي في السَّماءِ كَما يَسِيرُ السّائِرُ الَّذِي أدْرَكَهُ اللَّيْلُ. فالتَّعْرِيفُ في لَفْظِ النَّجْمِ لِلِاسْتِغْراقِ، وخُصَّ عُمُومُهُ بِوُقُوعِهِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الطّارِقِ أيْ أنَّ الشِّهابَ عِنْدَ انْقِضاضِهِ يُرى سائِرًا بِسُرْعَةٍ ثُمَّ يَغِيبُ عَنِ النَّظَرِ فَيَلُوحُ كَأنَّهُ اسْتَقَرَّ، فَأشْبَهَ إسْراعَ السّائِرِ لَيْلًا لِيَبْلُغَ إلى أحْياءِ المَعْمُورَةِ، فَإذا بَلَغَها وقَفَ سَيْرُهُ. وجَوابُ القَسَمِ هو قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ جُعِلَ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً رَمْزِيَّةً عَنِ المَقْصُودِ. وهو إثْباتُ البَعْثِ فَهو كالدَّلِيلِ عَلى إثْباتِهِ، فَإنَّ إقامَةَ الحافِظِ تَسْتَلْزِمُ شَيْئًا يَحْفَظُهُ وهو الأعْمالُ خَيْرُها وشَرُّها، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إرادَةَ المُحاسَبَةِ عَلَيْها والجَزاءَ بِما تَقْتَضِيهِ جَزاءً مُؤَخَّرًا بَعْدَ الحَياةِ الدُّنْيا لِئَلّا تَذْهَبَ أعْمالُ العامِلِينَ سُدًى، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ الجَزاءَ مُؤَخَّرٌ إلى ما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، إذِ المُشاهَدُ تَخَلُّفُ الجَزاءِ في هَذِهِ الحَياةِ بِكَثْرَةٍ، فَلَوْ أُهْمِلَ الجَزاءُ لَكانَ إهْمالُهُ مُنافِيًا لِحِكْمَةِ الإلَهِ الحَكِيمِ مُبْدِعِ هَذا الكَوْنِ كَما قالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وهَذا الجَزاءُ المُؤَخَّرُ يَسْتَلْزِمُ إعادَةَ حَياةٍ لِلذَّواتِ الصّادِرَةِ مِنها الأعْمالُ. فَهَذِهِ لَوازِمُ أرْبَعَةٌ بِها كانَتِ الكِنايَةُ تَلْوِيحِيَّةً رَمْزِيَّةً. وقَدْ حَصَلَ مَعَ هَذا الِاسْتِدْلالِ إفادَةُ أنَّ عَلى الأنْفُسِ حَفَظَةً فَهو إدْماجٌ. والحافِظُ: هو الَّذِي يَحْفَظُ أمْرًا ولا يُهْمِلُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَما) بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِتَشْدِيدِ المِيمِ. فَعَلى قِراءَةِ تَخْفِيفِ المِيمِ تَكُونُ إنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ ولَما مُرَكَّبَةً مِنَ اللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَ إنِ النّافِيَةِ وإنِ المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ ومَعَها ما الزّائِدَةُ بَعْدَ اللّامِ لِلتَّأْكِيدِ وأصْلُ الكَلامِ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ. صفحة ٢٦١ وعَلى قِراءَةِ تَشْدِيدِ المِيمِ تَكُونُ إنْ نافِيَةً ولَمّا حَرْفٌ بِمَعْنى إلّا فَإنَّ لَمّا تَرِدُ بِمَعْنى إلّا في النَّفْيِ وفي القَسَمِ، تَقُولُ: سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا أيْ: إلّا فَعَلْتَ، عَلى تَقْدِيرِ: ما أسْألُكَ إلّا فِعْلَ كَذا فَآلَتْ إلى النَّفْيِ وكُلٌّ مِن إنِ المُخَفَّفَةِ وإنِ النّافِيَةِ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ. وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الجَوابُ زِيادَةً عَلى إفادَتِهِ تَحْقِيقَ الجَزاءِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ اعْتِقادَهم وأفْعالَهم وأنَّهُ سَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.

الطارق 86:5

﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ في الخِلْقَةِ الأُولى، عَلى ما أُرِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] مِن لَوازِمَ مَعْناهُ، وهو إثْباتُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ رَأيْتُمُ البَعْثَ مُحالًا فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ لِيَعْلَمَ أنَّ الخَلْقَ الثّانِيَ لَيْسَ بِأبْعَدَ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ. فَهَذِهِ الفاءُ مُفِيدَةٌ مُفادَ فاءِ الفَصِيحَةِ. والنَّظَرُ: نَظَرُ العَقْلِ، وهو التَّفَكُّرُ المُؤَدِّي إلى عِلْمِ شَيْءٍ بِالِاسْتِدْلالِ، فالمَأْمُورُ بِهِ نَظَرُ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ في أدِلَّةِ إثْباتِهِ كَما يَقْتَضِيهِ التَّفْرِيعُ عَلى ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] . و(مِن) مِن قَوْلِهِ: (مِمَّ خُلِقَ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ خُلِقَ. والمَعْنى: فَلْيَتَفَكَّرِ الإنْسانُ في جَوابِ: ما شَيْءٌ خُلِقَ مِنهُ ؟ فَقُدِّمَ المُعَلَّقُ عَلى عامِلِهِ تَبَعًا لِتَقْدِيمٍ ما اتَّصَلَتْ بِهِ مِن مِنِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلَّقَتْ فِعْلَ النَّظَرِ العَقْلِيِّ عَنِ العَمَلِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ إلى ما يَجِبُ عِلْمُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] فالِاسْتِفْهامُ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرَكَّبٌ. وحَذَفَ ألِفَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ وُقُوعِها مَجْرُورَةً. صفحة ٢٦٢ ولِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ أجابَ عَنْهُ المُتَكَلِّمُ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] . والإنْسانُ مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ مُنْكِرِ البَعْثِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا مِن مُقْتَضى التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ: فَلْيَنْظُرْ إلَخْ. ومَعْنى دافِقٍ خارِجٌ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ والأشْهَرُ أنَّهُ يُقالُ عَلى نُطْفَةِ الرَّجُلِ. وصِيغَةُ دافِقٍ اسْمُ فاعِلٍ مِن دَفَقَ القاصِرِ، وهو قَوْلُ فَرِيقٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لا يُسْتَعْمَلُ دَفَقَ قاصِرًا. وجَعَلُوا دافِقًا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ النّادِرِ. وعَنِ الفَرّاءِ: أهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا، إذا كانَ في طَرِيقَةِ النَّعْتِ. وسِيبَوَيْهِ جَعَلَهُ مِن صِيَغِ النَّسَبِ كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ وتامِرٌ، فَفُسِّرَ دافِقٌ: بِذِي دَفْقٍ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ ويَكُونَ دَفَقَ مُطاوِعَ دَفَقَهُ كَما جَعَلَ العَجّاجُ جَبَرَ بِمَعْنى انْجَبَرَ في قَوْلِهِ: قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجُبِرَ وأنَّهُ سَماعِيٌّ. وأطْنَبَ في وصْفِ هَذا الماءِ الدّافِقِ لِإدْماجِ التَّعْلِيمِ والعِبْرَةِ بِدَقائِقَ التَّكْوِينِ لِيَسْتَيْقِظَ الجاهِلُ الكافِرُ ويَزْدادَ المُؤْمِنُ عِلْمًا ويَقِينًا. ووُصِفَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ لِأنَّ النّاسَ لا يَتَفَطَّنُونَ لِذَلِكَ. والخُرُوجُ مُسْتَعْمَلٌ في ابْتِداءِ التَّنَقُّلِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ ولَوْ بِدُونِ بُرُوزٍ، فَإنَّ بُرُوزَ هَذا الماءِ لا يَكُونُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. والصُّلْبُ: العَمُودُ العَظْمِيُّ الكائِنُ في وسَطِ الظَّهْرِ، وهو ذُو الفِقْراتِ. والتَّرائِبُ: جَمْعُ تَرِيبَةٍ، ويُقالُ: تُرِيبٌ. ومُحَرَّرُ أقْوالِ اللُّغَوِيِّينَ فِيها أنَّها عِظامُ الصَّدْرِ الَّتِي بَيْنَ التَّرْقُوَتَيْنِ والثَّدْيَيْنِ، ووَسْمُهُ بِأنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ المَرْأةِ. صفحة ٢٦٣ والتَّرائِبُ تُضافُ إلى الرَّجُلِ وإلى المَرْأةِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ وُقُوعِها في كَلامِهِمْ في أوْصافِ النِّساءِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِمْ إلى وصْفِها في الرِّجالِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو المُتَبادِرُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ يَخْرُجُ حالًا مِن ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ أيْ: يَمُرُّ ذَلِكَ الماءُ بَعْدَ أنْ يُفْرَزَ مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ. وبِهَذا قالَ سُفْيانُ والحَسَنُ، أيْ أنَّ أصْلَ تَكَوُّنِ ذَلِكَ الماءِ وتَنَقُّلِهِ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَمُرُّ بَيْنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ مَمَرٌّ بَيْنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ؛ لِأنَّ الَّذِي بَيْنَهُما هو ما يَحْوِيهِ باطِنُ الصَّدْرِ والضُّلُوعِ مِن قَلْبٍ ورِئَتَيْنِ، فَجُعِلَ الإنْسانُ مَخْلُوقًا مِن ماءِ الرَّجُلِ لِأنَّهُ لا يَتَكَوَّنُ جِسْمُ الإنْسانِ في رَحِمِ المَرْأةِ إلّا بَعْدَ أنْ يُخالِطَها ماءُ الرَّجُلِ، فَإذا اخْتَلَطَ ماءُ الرَّجُلِ بِما يُسَمّى ماءُ المَرْأةِ وهو شَيْءٌ رَطْبٌ كالماءِ يَحْتَوِي عَلى بُوَيْضاتٍ دَقِيقَةٍ يَثْبُتُ مِنها ما يَتَكَوَّنُ مِنهُ الجَنِينُ ويُطْرَحُ ما عَداهُ. وهَذا مُخاطَبَةٌ لِلنّاسِ بِما يَعْرِفُونَ يَوْمَئِذَ بِكَلامٍ مُجْمَلٍ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ بِذِكْرِ التَّرائِبِ؛ لِأنَّ الأشْهُرَ أنَّها لا تُطْلَقُ إلّا عَلى ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ. ولا شَكَّ أنَّ النَّسْلَ يَتَكَوَّنُ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، فَيَتَكَوَّنُ مِن ماءِ الرَّجُلِ وهو سائِلٌ فِيهِ أجْسامٌ صَغِيرَةٌ تُسَمّى في الطِّبِّ الحَيَواناتُ المَنَوِيَّةُ، وهي خُيُوطٌ مُسْتَطِيلَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن طَرَفٍ مُسَطَّحٍ بَيْضَوِيِّ الشَّكْلِ وذَنَبٍ دَقِيقٍ كَخَيْطٍ، وهَذِهِ الخُيُوطُ يَكُونُ مِنها تَلْقِيحُ النَّسْلِ في رَحِمِ المَرْأةِ ومَقَرُّها الأُنْثَيانِ وهُما الخُصْيَتانِ فَيَنْدَفِعُ إلى رَحِمِ المَرْأةِ. ومِن ماءٍ هو لِلْمَرْأةِ كالمَنِيِّ لِلرَّجُلِ ويُسَمّى ماءَ المَرْأةِ، وهو بُوَيْضاتٌ دَقِيقَةٌ كَرَوِيَّةُ الشَّكْلِ تَكُونُ في سائِلٍ مَقَرُّهُ حُوَيْصَلَةٌ مِن حُوَيْصِلاتٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْها مِبْيَضانِ لِلْمَرْأةِ وهُما بِمَنزِلَةِ الأُنْثَيَيْنِ لِلرَّجُلِ فَهُما غُدَّتانِ تَكُونانِ في جانِبَيْ رَحِمِ المَرْأةِ، وكُلُّ مِبْيَضٍ يَشْتَمِلُ عَلى عَدَدٍ مِنَ الحُوَيْصِلاتِ يَتَراوَحُ مِن عَشْرٍ إلى عِشْرِينَ، وخُرُوجُ البَيْضَةِ مِنَ الحُوَيْصَلَةِ يَكُونُ عِنْدَ انْتِهاءِ نُمُوِّ الحُوَيْصِلَةِ، فَإذا انْتَهى صفحة ٢٦٤ نُمُوُّها انْفَجَرَتْ فَخَرَجَتِ البَيْضَةُ في قَناةٍ تَبْلُغُ بِها إلى تَجْوِيفِ الرَّحِمِ، وإنَّما يَتِمُّ بُلُوغُ البَيْضَةِ النُّمُوَّ وخُرُوجُها مِنَ الحُوَيْصَلَةِ في وقْتِ حَيْضِ المَرْأةِ فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ العُلُوقُ إذا باشَرَ الرَّجُلُ المَرْأةَ بِقُرْبِ انْتِهاءِ حَيْضِها. وأصْلُ مادَّةِ كِلا الماءَيْنِ مادَّةٌ دَمَوِيَّةٌ تَنْفَصِلُ عَنِ الدِّماغِ وتَنْزِلُ في عِرْقَيْنِ خَلْفَ الأُذُنَيْنِ، فَأمّا في الرَّجُلِ فَيَتَّصِلُ العِرْقانِ بِالنُّخاعِ وهو الصُّلْبُ، ثُمَّ يَنْتَهِي إلى عِرْقٍ ما يُسَمّى الحَبْلَ المَنَوِيَّ مُؤَلَّفٍ مِن شَرايِينَ وأوْرِدَةٍ وأعْصابٍ ويَنْتَهِي إلى الأُنْثَيَيْنِ وهُما الغُدَّتانِ اللَّتانِ تُفْرِزانِ المَنِيَّ، فَيَتَكَوَّنُ هُنالِكَ بِكَيْفِيَّةٍ دُهْنِيَّةٍ وتَبْقى مُنْتَشِرَةً في الأُنْثَيَيْنِ إلى أنْ تُفْرِزَها الأُنْثَيانِ مادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً وذَلِكَ عِنْدَ دَغْدَغَةِ ولَذْعِ القَضِيبِ المُتَّصِلِ بِالأُنْثَيَيْنِ فَيَنْدَفِقُ في رَحِمِ المَرْأةِ. وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المَرْأةِ فالعِرْقانِ اللَّذانِ خَلْفَ الأُذُنَيْنِ يَمُرّانِ بِأعْلى صَدْرِ المَرْأةِ وهو التَّرائِبُ؛ لِأنَّ فِيهِ الثَّدْيَيْنِ وهُما مِنَ الأعْضاءِ المُتَّصِلَةِ بِالعُرُوقِ الَّتِي يَسِيرُ فِيها دَمُ الحَيْضِ الحامِلُ لِلْبُوَيْضاتِ الَّتِي مِنها النَّسْلُ. والحَيْضُ يَسِيلُ مِن فُوَّهاتِ عُرُوقٍ في الرَّحِمِ، وهي عُرُوقٌ تَنْفَتِحُ عِنْدَ حُلُولِ إبّانِ المَحِيضِ وتَنْقَبِضُ عَقِبَ الطُّهْرِ، والرَّحِمُ يَأْتِيها عَصَبٌ مِنَ الدِّماغِ. وهَذا مِنَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ في القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عِلْمٌ بِهِ لِلَّذِينَ نَزَلَ بَيْنَهم، وهو إشارَةٌ مُجْمَلَةٌ وقَدْ بَيَّنَها حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وعائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ احْتِلامِ المَرْأةِ فَقالَ: تَغْتَسِلُ إذا أبْصَرَتِ الماءَ. فَقِيلَ لَهُ: أتَرى المَرْأةُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: وهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إلّا مِن قِبَلِ ذَلِكَ، إذا عَلا ماءُ المَرْأةِ ماءَ الرَّجُلِ أشْبَهَ الوَلَدُ أخْوالَهُ، وإذا عَلا ماءُ الرَّجُلِ ماءَها أشْبَهَ أعْمامَهُ» .

الطارق 86:6

﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ في الخِلْقَةِ الأُولى، عَلى ما أُرِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] مِن لَوازِمَ مَعْناهُ، وهو إثْباتُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ رَأيْتُمُ البَعْثَ مُحالًا فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ لِيَعْلَمَ أنَّ الخَلْقَ الثّانِيَ لَيْسَ بِأبْعَدَ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ. فَهَذِهِ الفاءُ مُفِيدَةٌ مُفادَ فاءِ الفَصِيحَةِ. والنَّظَرُ: نَظَرُ العَقْلِ، وهو التَّفَكُّرُ المُؤَدِّي إلى عِلْمِ شَيْءٍ بِالِاسْتِدْلالِ، فالمَأْمُورُ بِهِ نَظَرُ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ في أدِلَّةِ إثْباتِهِ كَما يَقْتَضِيهِ التَّفْرِيعُ عَلى ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] . و(مِن) مِن قَوْلِهِ: (مِمَّ خُلِقَ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ خُلِقَ. والمَعْنى: فَلْيَتَفَكَّرِ الإنْسانُ في جَوابِ: ما شَيْءٌ خُلِقَ مِنهُ ؟ فَقُدِّمَ المُعَلَّقُ عَلى عامِلِهِ تَبَعًا لِتَقْدِيمٍ ما اتَّصَلَتْ بِهِ مِن مِنِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلَّقَتْ فِعْلَ النَّظَرِ العَقْلِيِّ عَنِ العَمَلِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ إلى ما يَجِبُ عِلْمُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] فالِاسْتِفْهامُ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرَكَّبٌ. وحَذَفَ ألِفَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ وُقُوعِها مَجْرُورَةً. صفحة ٢٦٢ ولِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ أجابَ عَنْهُ المُتَكَلِّمُ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] . والإنْسانُ مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ مُنْكِرِ البَعْثِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا مِن مُقْتَضى التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ: فَلْيَنْظُرْ إلَخْ. ومَعْنى دافِقٍ خارِجٌ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ والأشْهَرُ أنَّهُ يُقالُ عَلى نُطْفَةِ الرَّجُلِ. وصِيغَةُ دافِقٍ اسْمُ فاعِلٍ مِن دَفَقَ القاصِرِ، وهو قَوْلُ فَرِيقٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لا يُسْتَعْمَلُ دَفَقَ قاصِرًا. وجَعَلُوا دافِقًا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ النّادِرِ. وعَنِ الفَرّاءِ: أهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا، إذا كانَ في طَرِيقَةِ النَّعْتِ. وسِيبَوَيْهِ جَعَلَهُ مِن صِيَغِ النَّسَبِ كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ وتامِرٌ، فَفُسِّرَ دافِقٌ: بِذِي دَفْقٍ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ ويَكُونَ دَفَقَ مُطاوِعَ دَفَقَهُ كَما جَعَلَ العَجّاجُ جَبَرَ بِمَعْنى انْجَبَرَ في قَوْلِهِ: قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجُبِرَ وأنَّهُ سَماعِيٌّ. وأطْنَبَ في وصْفِ هَذا الماءِ الدّافِقِ لِإدْماجِ التَّعْلِيمِ والعِبْرَةِ بِدَقائِقَ التَّكْوِينِ لِيَسْتَيْقِظَ الجاهِلُ الكافِرُ ويَزْدادَ المُؤْمِنُ عِلْمًا ويَقِينًا. ووُصِفَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ لِأنَّ النّاسَ لا يَتَفَطَّنُونَ لِذَلِكَ. والخُرُوجُ مُسْتَعْمَلٌ في ابْتِداءِ التَّنَقُّلِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ ولَوْ بِدُونِ بُرُوزٍ، فَإنَّ بُرُوزَ هَذا الماءِ لا يَكُونُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. والصُّلْبُ: العَمُودُ العَظْمِيُّ الكائِنُ في وسَطِ الظَّهْرِ، وهو ذُو الفِقْراتِ. والتَّرائِبُ: جَمْعُ تَرِيبَةٍ، ويُقالُ: تُرِيبٌ. ومُحَرَّرُ أقْوالِ اللُّغَوِيِّينَ فِيها أنَّها عِظامُ الصَّدْرِ الَّتِي بَيْنَ التَّرْقُوَتَيْنِ والثَّدْيَيْنِ، ووَسْمُهُ بِأنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ المَرْأةِ. صفحة ٢٦٣ والتَّرائِبُ تُضافُ إلى الرَّجُلِ وإلى المَرْأةِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ وُقُوعِها في كَلامِهِمْ في أوْصافِ النِّساءِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِمْ إلى وصْفِها في الرِّجالِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو المُتَبادِرُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ يَخْرُجُ حالًا مِن ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ أيْ: يَمُرُّ ذَلِكَ الماءُ بَعْدَ أنْ يُفْرَزَ مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ. وبِهَذا قالَ سُفْيانُ والحَسَنُ، أيْ أنَّ أصْلَ تَكَوُّنِ ذَلِكَ الماءِ وتَنَقُّلِهِ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَمُرُّ بَيْنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ مَمَرٌّ بَيْنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ؛ لِأنَّ الَّذِي بَيْنَهُما هو ما يَحْوِيهِ باطِنُ الصَّدْرِ والضُّلُوعِ مِن قَلْبٍ ورِئَتَيْنِ، فَجُعِلَ الإنْسانُ مَخْلُوقًا مِن ماءِ الرَّجُلِ لِأنَّهُ لا يَتَكَوَّنُ جِسْمُ الإنْسانِ في رَحِمِ المَرْأةِ إلّا بَعْدَ أنْ يُخالِطَها ماءُ الرَّجُلِ، فَإذا اخْتَلَطَ ماءُ الرَّجُلِ بِما يُسَمّى ماءُ المَرْأةِ وهو شَيْءٌ رَطْبٌ كالماءِ يَحْتَوِي عَلى بُوَيْضاتٍ دَقِيقَةٍ يَثْبُتُ مِنها ما يَتَكَوَّنُ مِنهُ الجَنِينُ ويُطْرَحُ ما عَداهُ. وهَذا مُخاطَبَةٌ لِلنّاسِ بِما يَعْرِفُونَ يَوْمَئِذَ بِكَلامٍ مُجْمَلٍ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ بِذِكْرِ التَّرائِبِ؛ لِأنَّ الأشْهُرَ أنَّها لا تُطْلَقُ إلّا عَلى ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ. ولا شَكَّ أنَّ النَّسْلَ يَتَكَوَّنُ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، فَيَتَكَوَّنُ مِن ماءِ الرَّجُلِ وهو سائِلٌ فِيهِ أجْسامٌ صَغِيرَةٌ تُسَمّى في الطِّبِّ الحَيَواناتُ المَنَوِيَّةُ، وهي خُيُوطٌ مُسْتَطِيلَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن طَرَفٍ مُسَطَّحٍ بَيْضَوِيِّ الشَّكْلِ وذَنَبٍ دَقِيقٍ كَخَيْطٍ، وهَذِهِ الخُيُوطُ يَكُونُ مِنها تَلْقِيحُ النَّسْلِ في رَحِمِ المَرْأةِ ومَقَرُّها الأُنْثَيانِ وهُما الخُصْيَتانِ فَيَنْدَفِعُ إلى رَحِمِ المَرْأةِ. ومِن ماءٍ هو لِلْمَرْأةِ كالمَنِيِّ لِلرَّجُلِ ويُسَمّى ماءَ المَرْأةِ، وهو بُوَيْضاتٌ دَقِيقَةٌ كَرَوِيَّةُ الشَّكْلِ تَكُونُ في سائِلٍ مَقَرُّهُ حُوَيْصَلَةٌ مِن حُوَيْصِلاتٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْها مِبْيَضانِ لِلْمَرْأةِ وهُما بِمَنزِلَةِ الأُنْثَيَيْنِ لِلرَّجُلِ فَهُما غُدَّتانِ تَكُونانِ في جانِبَيْ رَحِمِ المَرْأةِ، وكُلُّ مِبْيَضٍ يَشْتَمِلُ عَلى عَدَدٍ مِنَ الحُوَيْصِلاتِ يَتَراوَحُ مِن عَشْرٍ إلى عِشْرِينَ، وخُرُوجُ البَيْضَةِ مِنَ الحُوَيْصَلَةِ يَكُونُ عِنْدَ انْتِهاءِ نُمُوِّ الحُوَيْصِلَةِ، فَإذا انْتَهى صفحة ٢٦٤ نُمُوُّها انْفَجَرَتْ فَخَرَجَتِ البَيْضَةُ في قَناةٍ تَبْلُغُ بِها إلى تَجْوِيفِ الرَّحِمِ، وإنَّما يَتِمُّ بُلُوغُ البَيْضَةِ النُّمُوَّ وخُرُوجُها مِنَ الحُوَيْصَلَةِ في وقْتِ حَيْضِ المَرْأةِ فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ العُلُوقُ إذا باشَرَ الرَّجُلُ المَرْأةَ بِقُرْبِ انْتِهاءِ حَيْضِها. وأصْلُ مادَّةِ كِلا الماءَيْنِ مادَّةٌ دَمَوِيَّةٌ تَنْفَصِلُ عَنِ الدِّماغِ وتَنْزِلُ في عِرْقَيْنِ خَلْفَ الأُذُنَيْنِ، فَأمّا في الرَّجُلِ فَيَتَّصِلُ العِرْقانِ بِالنُّخاعِ وهو الصُّلْبُ، ثُمَّ يَنْتَهِي إلى عِرْقٍ ما يُسَمّى الحَبْلَ المَنَوِيَّ مُؤَلَّفٍ مِن شَرايِينَ وأوْرِدَةٍ وأعْصابٍ ويَنْتَهِي إلى الأُنْثَيَيْنِ وهُما الغُدَّتانِ اللَّتانِ تُفْرِزانِ المَنِيَّ، فَيَتَكَوَّنُ هُنالِكَ بِكَيْفِيَّةٍ دُهْنِيَّةٍ وتَبْقى مُنْتَشِرَةً في الأُنْثَيَيْنِ إلى أنْ تُفْرِزَها الأُنْثَيانِ مادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً وذَلِكَ عِنْدَ دَغْدَغَةِ ولَذْعِ القَضِيبِ المُتَّصِلِ بِالأُنْثَيَيْنِ فَيَنْدَفِقُ في رَحِمِ المَرْأةِ. وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المَرْأةِ فالعِرْقانِ اللَّذانِ خَلْفَ الأُذُنَيْنِ يَمُرّانِ بِأعْلى صَدْرِ المَرْأةِ وهو التَّرائِبُ؛ لِأنَّ فِيهِ الثَّدْيَيْنِ وهُما مِنَ الأعْضاءِ المُتَّصِلَةِ بِالعُرُوقِ الَّتِي يَسِيرُ فِيها دَمُ الحَيْضِ الحامِلُ لِلْبُوَيْضاتِ الَّتِي مِنها النَّسْلُ. والحَيْضُ يَسِيلُ مِن فُوَّهاتِ عُرُوقٍ في الرَّحِمِ، وهي عُرُوقٌ تَنْفَتِحُ عِنْدَ حُلُولِ إبّانِ المَحِيضِ وتَنْقَبِضُ عَقِبَ الطُّهْرِ، والرَّحِمُ يَأْتِيها عَصَبٌ مِنَ الدِّماغِ. وهَذا مِنَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ في القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عِلْمٌ بِهِ لِلَّذِينَ نَزَلَ بَيْنَهم، وهو إشارَةٌ مُجْمَلَةٌ وقَدْ بَيَّنَها حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وعائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ احْتِلامِ المَرْأةِ فَقالَ: تَغْتَسِلُ إذا أبْصَرَتِ الماءَ. فَقِيلَ لَهُ: أتَرى المَرْأةُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: وهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إلّا مِن قِبَلِ ذَلِكَ، إذا عَلا ماءُ المَرْأةِ ماءَ الرَّجُلِ أشْبَهَ الوَلَدُ أخْوالَهُ، وإذا عَلا ماءُ الرَّجُلِ ماءَها أشْبَهَ أعْمامَهُ» .

الطارق 86:7

﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالنَّظَرِ في الخِلْقَةِ الأُولى، عَلى ما أُرِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] مِن لَوازِمَ مَعْناهُ، وهو إثْباتُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ رَأيْتُمُ البَعْثَ مُحالًا فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ لِيَعْلَمَ أنَّ الخَلْقَ الثّانِيَ لَيْسَ بِأبْعَدَ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ. فَهَذِهِ الفاءُ مُفِيدَةٌ مُفادَ فاءِ الفَصِيحَةِ. والنَّظَرُ: نَظَرُ العَقْلِ، وهو التَّفَكُّرُ المُؤَدِّي إلى عِلْمِ شَيْءٍ بِالِاسْتِدْلالِ، فالمَأْمُورُ بِهِ نَظَرُ المُنْكِرِ لِلْبَعْثِ في أدِلَّةِ إثْباتِهِ كَما يَقْتَضِيهِ التَّفْرِيعُ عَلى ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] . و(مِن) مِن قَوْلِهِ: (مِمَّ خُلِقَ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ خُلِقَ. والمَعْنى: فَلْيَتَفَكَّرِ الإنْسانُ في جَوابِ: ما شَيْءٌ خُلِقَ مِنهُ ؟ فَقُدِّمَ المُعَلَّقُ عَلى عامِلِهِ تَبَعًا لِتَقْدِيمٍ ما اتَّصَلَتْ بِهِ مِن مِنِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ. وما اسْتِفْهامِيَّةٌ عَلَّقَتْ فِعْلَ النَّظَرِ العَقْلِيِّ عَنِ العَمَلِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ إلى ما يَجِبُ عِلْمُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] فالِاسْتِفْهامُ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرَكَّبٌ. وحَذَفَ ألِفَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ وُقُوعِها مَجْرُورَةً. صفحة ٢٦٢ ولِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ أجابَ عَنْهُ المُتَكَلِّمُ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] . والإنْسانُ مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ مُنْكِرِ البَعْثِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا مِن مُقْتَضى التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ: فَلْيَنْظُرْ إلَخْ. ومَعْنى دافِقٍ خارِجٌ بِقُوَّةٍ وسُرْعَةٍ والأشْهَرُ أنَّهُ يُقالُ عَلى نُطْفَةِ الرَّجُلِ. وصِيغَةُ دافِقٍ اسْمُ فاعِلٍ مِن دَفَقَ القاصِرِ، وهو قَوْلُ فَرِيقٍ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ. وقالَ الجُمْهُورُ: لا يُسْتَعْمَلُ دَفَقَ قاصِرًا. وجَعَلُوا دافِقًا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ النّادِرِ. وعَنِ الفَرّاءِ: أهْلُ الحِجازِ يَجْعَلُونَ المَفْعُولَ فاعِلًا، إذا كانَ في طَرِيقَةِ النَّعْتِ. وسِيبَوَيْهِ جَعَلَهُ مِن صِيَغِ النَّسَبِ كَقَوْلِهِمْ: لابِنٌ وتامِرٌ، فَفُسِّرَ دافِقٌ: بِذِي دَفْقٍ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ ويَكُونَ دَفَقَ مُطاوِعَ دَفَقَهُ كَما جَعَلَ العَجّاجُ جَبَرَ بِمَعْنى انْجَبَرَ في قَوْلِهِ: قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجُبِرَ وأنَّهُ سَماعِيٌّ. وأطْنَبَ في وصْفِ هَذا الماءِ الدّافِقِ لِإدْماجِ التَّعْلِيمِ والعِبْرَةِ بِدَقائِقَ التَّكْوِينِ لِيَسْتَيْقِظَ الجاهِلُ الكافِرُ ويَزْدادَ المُؤْمِنُ عِلْمًا ويَقِينًا. ووُصِفَ أنَّهُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ لِأنَّ النّاسَ لا يَتَفَطَّنُونَ لِذَلِكَ. والخُرُوجُ مُسْتَعْمَلٌ في ابْتِداءِ التَّنَقُّلِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ ولَوْ بِدُونِ بُرُوزٍ، فَإنَّ بُرُوزَ هَذا الماءِ لا يَكُونُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ. والصُّلْبُ: العَمُودُ العَظْمِيُّ الكائِنُ في وسَطِ الظَّهْرِ، وهو ذُو الفِقْراتِ. والتَّرائِبُ: جَمْعُ تَرِيبَةٍ، ويُقالُ: تُرِيبٌ. ومُحَرَّرُ أقْوالِ اللُّغَوِيِّينَ فِيها أنَّها عِظامُ الصَّدْرِ الَّتِي بَيْنَ التَّرْقُوَتَيْنِ والثَّدْيَيْنِ، ووَسْمُهُ بِأنَّهُ مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ المَرْأةِ. صفحة ٢٦٣ والتَّرائِبُ تُضافُ إلى الرَّجُلِ وإلى المَرْأةِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ وُقُوعِها في كَلامِهِمْ في أوْصافِ النِّساءِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِمْ إلى وصْفِها في الرِّجالِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ وهو المُتَبادِرُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ يَخْرُجُ حالًا مِن ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ أيْ: يَمُرُّ ذَلِكَ الماءُ بَعْدَ أنْ يُفْرَزَ مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ. وبِهَذا قالَ سُفْيانُ والحَسَنُ، أيْ أنَّ أصْلَ تَكَوُّنِ ذَلِكَ الماءِ وتَنَقُّلِهِ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يَمُرُّ بَيْنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ مَمَرٌّ بَيْنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ؛ لِأنَّ الَّذِي بَيْنَهُما هو ما يَحْوِيهِ باطِنُ الصَّدْرِ والضُّلُوعِ مِن قَلْبٍ ورِئَتَيْنِ، فَجُعِلَ الإنْسانُ مَخْلُوقًا مِن ماءِ الرَّجُلِ لِأنَّهُ لا يَتَكَوَّنُ جِسْمُ الإنْسانِ في رَحِمِ المَرْأةِ إلّا بَعْدَ أنْ يُخالِطَها ماءُ الرَّجُلِ، فَإذا اخْتَلَطَ ماءُ الرَّجُلِ بِما يُسَمّى ماءُ المَرْأةِ وهو شَيْءٌ رَطْبٌ كالماءِ يَحْتَوِي عَلى بُوَيْضاتٍ دَقِيقَةٍ يَثْبُتُ مِنها ما يَتَكَوَّنُ مِنهُ الجَنِينُ ويُطْرَحُ ما عَداهُ. وهَذا مُخاطَبَةٌ لِلنّاسِ بِما يَعْرِفُونَ يَوْمَئِذَ بِكَلامٍ مُجْمَلٍ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المَرْأةِ بِذِكْرِ التَّرائِبِ؛ لِأنَّ الأشْهُرَ أنَّها لا تُطْلَقُ إلّا عَلى ما بَيْنَ ثَدْيَيِ المَرْأةِ. ولا شَكَّ أنَّ النَّسْلَ يَتَكَوَّنُ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ، فَيَتَكَوَّنُ مِن ماءِ الرَّجُلِ وهو سائِلٌ فِيهِ أجْسامٌ صَغِيرَةٌ تُسَمّى في الطِّبِّ الحَيَواناتُ المَنَوِيَّةُ، وهي خُيُوطٌ مُسْتَطِيلَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِن طَرَفٍ مُسَطَّحٍ بَيْضَوِيِّ الشَّكْلِ وذَنَبٍ دَقِيقٍ كَخَيْطٍ، وهَذِهِ الخُيُوطُ يَكُونُ مِنها تَلْقِيحُ النَّسْلِ في رَحِمِ المَرْأةِ ومَقَرُّها الأُنْثَيانِ وهُما الخُصْيَتانِ فَيَنْدَفِعُ إلى رَحِمِ المَرْأةِ. ومِن ماءٍ هو لِلْمَرْأةِ كالمَنِيِّ لِلرَّجُلِ ويُسَمّى ماءَ المَرْأةِ، وهو بُوَيْضاتٌ دَقِيقَةٌ كَرَوِيَّةُ الشَّكْلِ تَكُونُ في سائِلٍ مَقَرُّهُ حُوَيْصَلَةٌ مِن حُوَيْصِلاتٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْها مِبْيَضانِ لِلْمَرْأةِ وهُما بِمَنزِلَةِ الأُنْثَيَيْنِ لِلرَّجُلِ فَهُما غُدَّتانِ تَكُونانِ في جانِبَيْ رَحِمِ المَرْأةِ، وكُلُّ مِبْيَضٍ يَشْتَمِلُ عَلى عَدَدٍ مِنَ الحُوَيْصِلاتِ يَتَراوَحُ مِن عَشْرٍ إلى عِشْرِينَ، وخُرُوجُ البَيْضَةِ مِنَ الحُوَيْصَلَةِ يَكُونُ عِنْدَ انْتِهاءِ نُمُوِّ الحُوَيْصِلَةِ، فَإذا انْتَهى صفحة ٢٦٤ نُمُوُّها انْفَجَرَتْ فَخَرَجَتِ البَيْضَةُ في قَناةٍ تَبْلُغُ بِها إلى تَجْوِيفِ الرَّحِمِ، وإنَّما يَتِمُّ بُلُوغُ البَيْضَةِ النُّمُوَّ وخُرُوجُها مِنَ الحُوَيْصَلَةِ في وقْتِ حَيْضِ المَرْأةِ فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ العُلُوقُ إذا باشَرَ الرَّجُلُ المَرْأةَ بِقُرْبِ انْتِهاءِ حَيْضِها. وأصْلُ مادَّةِ كِلا الماءَيْنِ مادَّةٌ دَمَوِيَّةٌ تَنْفَصِلُ عَنِ الدِّماغِ وتَنْزِلُ في عِرْقَيْنِ خَلْفَ الأُذُنَيْنِ، فَأمّا في الرَّجُلِ فَيَتَّصِلُ العِرْقانِ بِالنُّخاعِ وهو الصُّلْبُ، ثُمَّ يَنْتَهِي إلى عِرْقٍ ما يُسَمّى الحَبْلَ المَنَوِيَّ مُؤَلَّفٍ مِن شَرايِينَ وأوْرِدَةٍ وأعْصابٍ ويَنْتَهِي إلى الأُنْثَيَيْنِ وهُما الغُدَّتانِ اللَّتانِ تُفْرِزانِ المَنِيَّ، فَيَتَكَوَّنُ هُنالِكَ بِكَيْفِيَّةٍ دُهْنِيَّةٍ وتَبْقى مُنْتَشِرَةً في الأُنْثَيَيْنِ إلى أنْ تُفْرِزَها الأُنْثَيانِ مادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً وذَلِكَ عِنْدَ دَغْدَغَةِ ولَذْعِ القَضِيبِ المُتَّصِلِ بِالأُنْثَيَيْنِ فَيَنْدَفِقُ في رَحِمِ المَرْأةِ. وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى المَرْأةِ فالعِرْقانِ اللَّذانِ خَلْفَ الأُذُنَيْنِ يَمُرّانِ بِأعْلى صَدْرِ المَرْأةِ وهو التَّرائِبُ؛ لِأنَّ فِيهِ الثَّدْيَيْنِ وهُما مِنَ الأعْضاءِ المُتَّصِلَةِ بِالعُرُوقِ الَّتِي يَسِيرُ فِيها دَمُ الحَيْضِ الحامِلُ لِلْبُوَيْضاتِ الَّتِي مِنها النَّسْلُ. والحَيْضُ يَسِيلُ مِن فُوَّهاتِ عُرُوقٍ في الرَّحِمِ، وهي عُرُوقٌ تَنْفَتِحُ عِنْدَ حُلُولِ إبّانِ المَحِيضِ وتَنْقَبِضُ عَقِبَ الطُّهْرِ، والرَّحِمُ يَأْتِيها عَصَبٌ مِنَ الدِّماغِ. وهَذا مِنَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ في القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ عِلْمٌ بِهِ لِلَّذِينَ نَزَلَ بَيْنَهم، وهو إشارَةٌ مُجْمَلَةٌ وقَدْ بَيَّنَها حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وعائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ احْتِلامِ المَرْأةِ فَقالَ: تَغْتَسِلُ إذا أبْصَرَتِ الماءَ. فَقِيلَ لَهُ: أتَرى المَرْأةُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: وهَلْ يَكُونُ الشَّبَهُ إلّا مِن قِبَلِ ذَلِكَ، إذا عَلا ماءُ المَرْأةِ ماءَ الرَّجُلِ أشْبَهَ الوَلَدُ أخْوالَهُ، وإذا عَلا ماءُ الرَّجُلِ ماءَها أشْبَهَ أعْمامَهُ» .

الطارق 86:8

﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنِ المَقْصِدِ مِن هَذا الأمْرِ بِالنَّظَرِ في أصْلِ الخِلْقَةِ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ النَّظَرُ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ فَهَذا الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لَهُ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ نَتِيجَةِ الدَّلِيلِ، فَصارَ صفحة ٢٦٥ المَعْنى: إنَّ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن ماءٍ دافِقٍ قادِرٌ عَلى إعادَةِ خَلْقِهِ بِأسْبابٍ أُخْرى، وبِذَلِكَ يَتَقَرَّرُ إمْكانُ إعادَةِ الخَلْقِ ويَزُولُ ما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِنِ اسْتِحالَةِ تِلْكَ الإعادَةِ. وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمَعادٍ، ولَكِنَّ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ في قَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] يُؤْذِنُ بِأنَّ الخالِقَ مَعْرُوفٌ لا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ اسْمِهِ، وأُسْنِدَ الرَّجْعُ إلى ضَمِيرٍ دُونَ سُلُوكِ طَرِيقَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ كَما في قَوْلِهِ: خُلِقَ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إيضاحٍ وتَصْرِيحٍ بِأنَّ اللَّهَ هو فاعِلُ ذَلِكَ. وضَمِيرُ رَجْعِهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَهُ المُتَعَدِّي. ولا يُقالُ في مَصْدَرِ رَجَعَ القاصِرِ إلّا الرُّجُوعُ. و﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ رَجْعِهِ أيْ: يَرْجِعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والسَّرائِرُ: جَمْعُ سَرِيرَةٍ وهي ما يُسِرُّهُ الإنْسانُ ويُخْفِيهِ مِن نَواياهُ وعَقائِدِهِ. وبَلْوُ السَّرائِرِ اخْتِبارُها وتَمْيِيزُ الصّالِحِ مِنها عَنِ الفاسِدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلَيْها والجَزاءِ، وبَلْوُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والأقْوالِ مُسْتَفادٌ بِدَلالَةِ الفَحْوى مِن بَلْوِ السَّرائِرِ. ولَمّا كانَ بَلْوُ السَّرائِرِ مُؤْذِنًا بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَسْتُرُهُ النّاسُ مِنَ الجَرائِمِ وكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ مُشْعِرًا بِالمُؤاخَذَةِ عَلى العَقائِدِ الباطِلَةِ والأعْمالِ الشَّنِيعَةِ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والمَقْصُودُ، المُشْرِكُونَ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُمُ المَسُوقُ لِأجْلِهِمْ هَذا التَّهْدِيدُ، أيْ: فَما لِلْإنْسانِ المُشْرِكِ مِن قُوَّةٍ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ وما لَهُ مِن ناصِرٍ يُدافِعُ عَنْهُ.

الطارق 86:9

﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنِ المَقْصِدِ مِن هَذا الأمْرِ بِالنَّظَرِ في أصْلِ الخِلْقَةِ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ النَّظَرُ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ فَهَذا الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لَهُ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ نَتِيجَةِ الدَّلِيلِ، فَصارَ صفحة ٢٦٥ المَعْنى: إنَّ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن ماءٍ دافِقٍ قادِرٌ عَلى إعادَةِ خَلْقِهِ بِأسْبابٍ أُخْرى، وبِذَلِكَ يَتَقَرَّرُ إمْكانُ إعادَةِ الخَلْقِ ويَزُولُ ما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِنِ اسْتِحالَةِ تِلْكَ الإعادَةِ. وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمَعادٍ، ولَكِنَّ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ في قَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] يُؤْذِنُ بِأنَّ الخالِقَ مَعْرُوفٌ لا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ اسْمِهِ، وأُسْنِدَ الرَّجْعُ إلى ضَمِيرٍ دُونَ سُلُوكِ طَرِيقَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ كَما في قَوْلِهِ: خُلِقَ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إيضاحٍ وتَصْرِيحٍ بِأنَّ اللَّهَ هو فاعِلُ ذَلِكَ. وضَمِيرُ رَجْعِهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَهُ المُتَعَدِّي. ولا يُقالُ في مَصْدَرِ رَجَعَ القاصِرِ إلّا الرُّجُوعُ. و﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ رَجْعِهِ أيْ: يَرْجِعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والسَّرائِرُ: جَمْعُ سَرِيرَةٍ وهي ما يُسِرُّهُ الإنْسانُ ويُخْفِيهِ مِن نَواياهُ وعَقائِدِهِ. وبَلْوُ السَّرائِرِ اخْتِبارُها وتَمْيِيزُ الصّالِحِ مِنها عَنِ الفاسِدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلَيْها والجَزاءِ، وبَلْوُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والأقْوالِ مُسْتَفادٌ بِدَلالَةِ الفَحْوى مِن بَلْوِ السَّرائِرِ. ولَمّا كانَ بَلْوُ السَّرائِرِ مُؤْذِنًا بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَسْتُرُهُ النّاسُ مِنَ الجَرائِمِ وكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ مُشْعِرًا بِالمُؤاخَذَةِ عَلى العَقائِدِ الباطِلَةِ والأعْمالِ الشَّنِيعَةِ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والمَقْصُودُ، المُشْرِكُونَ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُمُ المَسُوقُ لِأجْلِهِمْ هَذا التَّهْدِيدُ، أيْ: فَما لِلْإنْسانِ المُشْرِكِ مِن قُوَّةٍ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ وما لَهُ مِن ناصِرٍ يُدافِعُ عَنْهُ.

الطارق 86:10

﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] لِأنَّ السّامِعَ يَتَساءَلُ عَنِ المَقْصِدِ مِن هَذا الأمْرِ بِالنَّظَرِ في أصْلِ الخِلْقَةِ، وإذْ قَدْ كانَ ذَلِكَ النَّظَرُ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ فَهَذا الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لَهُ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ نَتِيجَةِ الدَّلِيلِ، فَصارَ صفحة ٢٦٥ المَعْنى: إنَّ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن ماءٍ دافِقٍ قادِرٌ عَلى إعادَةِ خَلْقِهِ بِأسْبابٍ أُخْرى، وبِذَلِكَ يَتَقَرَّرُ إمْكانُ إعادَةِ الخَلْقِ ويَزُولُ ما زَعَمَهُ المُشْرِكُونَ مِنِ اسْتِحالَةِ تِلْكَ الإعادَةِ. وضَمِيرُ إنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرٌ لِمَعادٍ، ولَكِنَّ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ في قَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] يُؤْذِنُ بِأنَّ الخالِقَ مَعْرُوفٌ لا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ اسْمِهِ، وأُسْنِدَ الرَّجْعُ إلى ضَمِيرٍ دُونَ سُلُوكِ طَرِيقَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ كَما في قَوْلِهِ: خُلِقَ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إيضاحٍ وتَصْرِيحٍ بِأنَّ اللَّهَ هو فاعِلُ ذَلِكَ. وضَمِيرُ رَجْعِهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَهُ المُتَعَدِّي. ولا يُقالُ في مَصْدَرِ رَجَعَ القاصِرِ إلّا الرُّجُوعُ. و﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ رَجْعِهِ أيْ: يَرْجِعُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والسَّرائِرُ: جَمْعُ سَرِيرَةٍ وهي ما يُسِرُّهُ الإنْسانُ ويُخْفِيهِ مِن نَواياهُ وعَقائِدِهِ. وبَلْوُ السَّرائِرِ اخْتِبارُها وتَمْيِيزُ الصّالِحِ مِنها عَنِ الفاسِدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلَيْها والجَزاءِ، وبَلْوُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والأقْوالِ مُسْتَفادٌ بِدَلالَةِ الفَحْوى مِن بَلْوِ السَّرائِرِ. ولَمّا كانَ بَلْوُ السَّرائِرِ مُؤْذِنًا بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَسْتُرُهُ النّاسُ مِنَ الجَرائِمِ وكانَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ مُشْعِرًا بِالمُؤاخَذَةِ عَلى العَقائِدِ الباطِلَةِ والأعْمالِ الشَّنِيعَةِ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والمَقْصُودُ، المُشْرِكُونَ مِنَ النّاسِ لِأنَّهُمُ المَسُوقُ لِأجْلِهِمْ هَذا التَّهْدِيدُ، أيْ: فَما لِلْإنْسانِ المُشْرِكِ مِن قُوَّةٍ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ وما لَهُ مِن ناصِرٍ يُدافِعُ عَنْهُ.

الطارق 86:11

صفحة ٢٦٦ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ . بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ أعْقَبَ بِتَحْقِيقِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وأنَّ ما فِيهِ قَوْلٌ فَصْلٌ إبْطالًا لِما مُوِّهَ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ أخْبارَهُ غَيْرُ صادِقَةٍ، إذْ قَدْ أخْبَرَهم بِإحْياءِ الرِّمَمِ البالِيَةِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ السُّورَةِ. وافْتَتَحَ الكَلامَ بِالقَسَمِ تَحْقِيقًا لِصِدْقِ القُرْآنِ في الإخْبارِ بِالبَعْثِ في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، ولِذَلِكَ أُعِيدَ القَسَمُ بِـ (السَّماءِ) كَما أقْسَمَ بِها في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَكَرَ مِن أحْوالِ السَّماءِ ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو الغَيْثُ الَّذِي بِهِ صَلاحُ النّاسِ، فَإنَّ إصْلاحَ القُرْآنِ لِلنّاسِ كَإصْلاحِ المَطَرِ. وفي الحَدِيثِ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا» الحَدِيثَ. وفِي اسْمِ الرَّجْعِ مُناسَبَةٌ لِمَعْنى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وفِيهِ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ وفي مُسَمّى الرَّجْعِ وهو المَطَرُ المُعاقِبُ لِمَطَرٍ آخَرَ مُناسَبَةً لِمَعْنى الرَّجْعِ البَعْثِ، فَإنَّ البَعْثَ حَياةٌ مُعاقَبَةٌ بِحَياةٍ سابِقَةٍ. وعُطِفَ الأرْضُ في القَسَمِ؛ لِأنَّ بِذِكْرِ الأرْضِ إتْمامَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُقْسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ كَما عَلِمْتَ مِنَ المَثَلِ الَّذِي في الحَدِيثِ. والصَّدْعُ: الشَّقُّ، وهو المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ: المَصْدُوعِ عَنْهُ، وهو النَّباتُ الَّذِي يُخْرَجُ مِن شُقُوقِ الأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] . ولِأنَّ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ إيماءً إلى دَلِيلٍ آخَرَ مِن دَلائِلَ إحْياءِ النّاسِ لِلْبَعْثِ، فَكانَ في هَذا القَسَمِ دَلِيلانِ. والضَّمِيرُ الواقِعُ اسْمًا لِـ إنَّ عائِدٌ إلى القُرْآنِ وهو مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ. صفحة ٢٦٧ والفَصْلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّفْرِقَةِ، والمُرادُ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أيْ: يُبَيِّنُ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ إنَّهُ لَقَوْلٌ فاصِلٌ. وعَطْفُ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ بَعْدَ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلى المُفَسِّرِ أنْ يَتَبَيَّنَ وجْهَ هَذا العَطْفِ ومُناسَبَتَهُ، والَّذِي أراهُ في ذَلِكَ أنَّهُ أعْقَبَ بِهِ الثَّناءَ عَلى القُرْآنِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ يَهْزِلُ إذْ يُخْبِرُ بِأنَّ المَوْتى سَيَحْيَوْنَ، يُرِيدُونَ تَضْلِيلَ عامَّتِهِمْ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوارِعَ القُرْآنِ وإرْشادَهُ وجَزالَةَ مَعانِيهِ يَخْتَلِقُونَ لَهم تِلْكَ المَعاذِيرَ لِيَصْرِفُوهم عَنْ أنْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ، وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فالهَزْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ هو ضِدُّ الجِدِّ، أعْنِي المَزْحَ واللَّعِبَ، ومِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ إذا ورَدَتْ في الكَلامِ البَلِيغِ لا مَحْمَلَ لَها إلّا إرادَةَ التَّعْرِيضِ وإلّا كانَتْ تَقْصِيرًا في المَدْحِ لا سِيَّما إذا سَبَقَتْها مَحْمَدَةٌ مِنَ المَحامِدِ العَظِيمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ الهَزْلُ عَلى الهَذَيانِ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِالهَذَيانِ.

الطارق 86:12

صفحة ٢٦٦ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ . بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ أعْقَبَ بِتَحْقِيقِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وأنَّ ما فِيهِ قَوْلٌ فَصْلٌ إبْطالًا لِما مُوِّهَ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ أخْبارَهُ غَيْرُ صادِقَةٍ، إذْ قَدْ أخْبَرَهم بِإحْياءِ الرِّمَمِ البالِيَةِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ السُّورَةِ. وافْتَتَحَ الكَلامَ بِالقَسَمِ تَحْقِيقًا لِصِدْقِ القُرْآنِ في الإخْبارِ بِالبَعْثِ في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، ولِذَلِكَ أُعِيدَ القَسَمُ بِـ (السَّماءِ) كَما أقْسَمَ بِها في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَكَرَ مِن أحْوالِ السَّماءِ ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو الغَيْثُ الَّذِي بِهِ صَلاحُ النّاسِ، فَإنَّ إصْلاحَ القُرْآنِ لِلنّاسِ كَإصْلاحِ المَطَرِ. وفي الحَدِيثِ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا» الحَدِيثَ. وفِي اسْمِ الرَّجْعِ مُناسَبَةٌ لِمَعْنى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وفِيهِ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ وفي مُسَمّى الرَّجْعِ وهو المَطَرُ المُعاقِبُ لِمَطَرٍ آخَرَ مُناسَبَةً لِمَعْنى الرَّجْعِ البَعْثِ، فَإنَّ البَعْثَ حَياةٌ مُعاقَبَةٌ بِحَياةٍ سابِقَةٍ. وعُطِفَ الأرْضُ في القَسَمِ؛ لِأنَّ بِذِكْرِ الأرْضِ إتْمامَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُقْسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ كَما عَلِمْتَ مِنَ المَثَلِ الَّذِي في الحَدِيثِ. والصَّدْعُ: الشَّقُّ، وهو المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ: المَصْدُوعِ عَنْهُ، وهو النَّباتُ الَّذِي يُخْرَجُ مِن شُقُوقِ الأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] . ولِأنَّ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ إيماءً إلى دَلِيلٍ آخَرَ مِن دَلائِلَ إحْياءِ النّاسِ لِلْبَعْثِ، فَكانَ في هَذا القَسَمِ دَلِيلانِ. والضَّمِيرُ الواقِعُ اسْمًا لِـ إنَّ عائِدٌ إلى القُرْآنِ وهو مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ. صفحة ٢٦٧ والفَصْلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّفْرِقَةِ، والمُرادُ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أيْ: يُبَيِّنُ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ إنَّهُ لَقَوْلٌ فاصِلٌ. وعَطْفُ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ بَعْدَ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلى المُفَسِّرِ أنْ يَتَبَيَّنَ وجْهَ هَذا العَطْفِ ومُناسَبَتَهُ، والَّذِي أراهُ في ذَلِكَ أنَّهُ أعْقَبَ بِهِ الثَّناءَ عَلى القُرْآنِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ يَهْزِلُ إذْ يُخْبِرُ بِأنَّ المَوْتى سَيَحْيَوْنَ، يُرِيدُونَ تَضْلِيلَ عامَّتِهِمْ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوارِعَ القُرْآنِ وإرْشادَهُ وجَزالَةَ مَعانِيهِ يَخْتَلِقُونَ لَهم تِلْكَ المَعاذِيرَ لِيَصْرِفُوهم عَنْ أنْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ، وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فالهَزْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ هو ضِدُّ الجِدِّ، أعْنِي المَزْحَ واللَّعِبَ، ومِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ إذا ورَدَتْ في الكَلامِ البَلِيغِ لا مَحْمَلَ لَها إلّا إرادَةَ التَّعْرِيضِ وإلّا كانَتْ تَقْصِيرًا في المَدْحِ لا سِيَّما إذا سَبَقَتْها مَحْمَدَةٌ مِنَ المَحامِدِ العَظِيمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ الهَزْلُ عَلى الهَذَيانِ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِالهَذَيانِ.

الطارق 86:13

صفحة ٢٦٦ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ . بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ أعْقَبَ بِتَحْقِيقِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وأنَّ ما فِيهِ قَوْلٌ فَصْلٌ إبْطالًا لِما مُوِّهَ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ أخْبارَهُ غَيْرُ صادِقَةٍ، إذْ قَدْ أخْبَرَهم بِإحْياءِ الرِّمَمِ البالِيَةِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ السُّورَةِ. وافْتَتَحَ الكَلامَ بِالقَسَمِ تَحْقِيقًا لِصِدْقِ القُرْآنِ في الإخْبارِ بِالبَعْثِ في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، ولِذَلِكَ أُعِيدَ القَسَمُ بِـ (السَّماءِ) كَما أقْسَمَ بِها في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَكَرَ مِن أحْوالِ السَّماءِ ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو الغَيْثُ الَّذِي بِهِ صَلاحُ النّاسِ، فَإنَّ إصْلاحَ القُرْآنِ لِلنّاسِ كَإصْلاحِ المَطَرِ. وفي الحَدِيثِ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا» الحَدِيثَ. وفِي اسْمِ الرَّجْعِ مُناسَبَةٌ لِمَعْنى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وفِيهِ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ وفي مُسَمّى الرَّجْعِ وهو المَطَرُ المُعاقِبُ لِمَطَرٍ آخَرَ مُناسَبَةً لِمَعْنى الرَّجْعِ البَعْثِ، فَإنَّ البَعْثَ حَياةٌ مُعاقَبَةٌ بِحَياةٍ سابِقَةٍ. وعُطِفَ الأرْضُ في القَسَمِ؛ لِأنَّ بِذِكْرِ الأرْضِ إتْمامَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُقْسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ كَما عَلِمْتَ مِنَ المَثَلِ الَّذِي في الحَدِيثِ. والصَّدْعُ: الشَّقُّ، وهو المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ: المَصْدُوعِ عَنْهُ، وهو النَّباتُ الَّذِي يُخْرَجُ مِن شُقُوقِ الأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] . ولِأنَّ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ إيماءً إلى دَلِيلٍ آخَرَ مِن دَلائِلَ إحْياءِ النّاسِ لِلْبَعْثِ، فَكانَ في هَذا القَسَمِ دَلِيلانِ. والضَّمِيرُ الواقِعُ اسْمًا لِـ إنَّ عائِدٌ إلى القُرْآنِ وهو مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ. صفحة ٢٦٧ والفَصْلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّفْرِقَةِ، والمُرادُ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أيْ: يُبَيِّنُ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ إنَّهُ لَقَوْلٌ فاصِلٌ. وعَطْفُ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ بَعْدَ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلى المُفَسِّرِ أنْ يَتَبَيَّنَ وجْهَ هَذا العَطْفِ ومُناسَبَتَهُ، والَّذِي أراهُ في ذَلِكَ أنَّهُ أعْقَبَ بِهِ الثَّناءَ عَلى القُرْآنِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ يَهْزِلُ إذْ يُخْبِرُ بِأنَّ المَوْتى سَيَحْيَوْنَ، يُرِيدُونَ تَضْلِيلَ عامَّتِهِمْ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوارِعَ القُرْآنِ وإرْشادَهُ وجَزالَةَ مَعانِيهِ يَخْتَلِقُونَ لَهم تِلْكَ المَعاذِيرَ لِيَصْرِفُوهم عَنْ أنْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ، وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فالهَزْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ هو ضِدُّ الجِدِّ، أعْنِي المَزْحَ واللَّعِبَ، ومِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ إذا ورَدَتْ في الكَلامِ البَلِيغِ لا مَحْمَلَ لَها إلّا إرادَةَ التَّعْرِيضِ وإلّا كانَتْ تَقْصِيرًا في المَدْحِ لا سِيَّما إذا سَبَقَتْها مَحْمَدَةٌ مِنَ المَحامِدِ العَظِيمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ الهَزْلُ عَلى الهَذَيانِ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِالهَذَيانِ.

الطارق 86:14

صفحة ٢٦٦ ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ . بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ أعْقَبَ بِتَحْقِيقِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وأنَّ ما فِيهِ قَوْلٌ فَصْلٌ إبْطالًا لِما مُوِّهَ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ أخْبارَهُ غَيْرُ صادِقَةٍ، إذْ قَدْ أخْبَرَهم بِإحْياءِ الرِّمَمِ البالِيَةِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ السُّورَةِ. وافْتَتَحَ الكَلامَ بِالقَسَمِ تَحْقِيقًا لِصِدْقِ القُرْآنِ في الإخْبارِ بِالبَعْثِ في غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، ولِذَلِكَ أُعِيدَ القَسَمُ بِـ (السَّماءِ) كَما أقْسَمَ بِها في أوَّلِ السُّورَةِ، وذَكَرَ مِن أحْوالِ السَّماءِ ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو الغَيْثُ الَّذِي بِهِ صَلاحُ النّاسِ، فَإنَّ إصْلاحَ القُرْآنِ لِلنّاسِ كَإصْلاحِ المَطَرِ. وفي الحَدِيثِ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا» الحَدِيثَ. وفِي اسْمِ الرَّجْعِ مُناسَبَةٌ لِمَعْنى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وفِيهِ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ وفي مُسَمّى الرَّجْعِ وهو المَطَرُ المُعاقِبُ لِمَطَرٍ آخَرَ مُناسَبَةً لِمَعْنى الرَّجْعِ البَعْثِ، فَإنَّ البَعْثَ حَياةٌ مُعاقَبَةٌ بِحَياةٍ سابِقَةٍ. وعُطِفَ الأرْضُ في القَسَمِ؛ لِأنَّ بِذِكْرِ الأرْضِ إتْمامَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُقْسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ كَما عَلِمْتَ مِنَ المَثَلِ الَّذِي في الحَدِيثِ. والصَّدْعُ: الشَّقُّ، وهو المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ: المَصْدُوعِ عَنْهُ، وهو النَّباتُ الَّذِي يُخْرَجُ مِن شُقُوقِ الأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] ﴿وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ [عبس: ٢٩] . ولِأنَّ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ إيماءً إلى دَلِيلٍ آخَرَ مِن دَلائِلَ إحْياءِ النّاسِ لِلْبَعْثِ، فَكانَ في هَذا القَسَمِ دَلِيلانِ. والضَّمِيرُ الواقِعُ اسْمًا لِـ إنَّ عائِدٌ إلى القُرْآنِ وهو مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ. صفحة ٢٦٧ والفَصْلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّفْرِقَةِ، والمُرادُ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أيْ: يُبَيِّنُ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ، والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ إنَّهُ لَقَوْلٌ فاصِلٌ. وعَطْفُ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ بَعْدَ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ يَتَعَيَّنُ عَلى المُفَسِّرِ أنْ يَتَبَيَّنَ وجْهَ هَذا العَطْفِ ومُناسَبَتَهُ، والَّذِي أراهُ في ذَلِكَ أنَّهُ أعْقَبَ بِهِ الثَّناءَ عَلى القُرْآنِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ يَهْزِلُ إذْ يُخْبِرُ بِأنَّ المَوْتى سَيَحْيَوْنَ، يُرِيدُونَ تَضْلِيلَ عامَّتِهِمْ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوارِعَ القُرْآنِ وإرْشادَهُ وجَزالَةَ مَعانِيهِ يَخْتَلِقُونَ لَهم تِلْكَ المَعاذِيرَ لِيَصْرِفُوهم عَنْ أنْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ، وهو ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فالهَزْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ هو ضِدُّ الجِدِّ، أعْنِي المَزْحَ واللَّعِبَ، ومِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ إذا ورَدَتْ في الكَلامِ البَلِيغِ لا مَحْمَلَ لَها إلّا إرادَةَ التَّعْرِيضِ وإلّا كانَتْ تَقْصِيرًا في المَدْحِ لا سِيَّما إذا سَبَقَتْها مَحْمَدَةٌ مِنَ المَحامِدِ العَظِيمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ الهَزْلُ عَلى الهَذَيانِ قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ أيْ: بِالهَذَيانِ.

الطارق 86:15

﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ يُنْبِئُ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ يَعْجَبُ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ، مَعَ أنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، ويَعْجَبُ مِن مَعاذِيرِهِمُ الباطِلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هو هَزْلٌ أوْ هَذَيانٌ أوْ سِحْرٌ، فَبَيَّنَ لِلسّامِعِ أنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ كَيْدٌ مَقْصُودٌ. فَهم يَتَظاهَرُونَ بِأنَّهم ما يَصْرِفُهم عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ إلّا ما تَحَقَّقُوهُ مِن عَدَمِ صِدْقِهِ، وهو إنَّما يَصْرِفُهم عَنِ الإيمانِ بِهِ الحِفاظُ عَلى سِيادَتِهِمْ فَيُضَلِّلُونَ عامَّتَهم بِتِلْكَ التَّعَلُّلاتِ المُلَفَّقَةِ. والتَّأْكِيدُ بِـ إنَّ لِتَحْقِيقِ هَذا الخَبَرِ لِغَرابَتِهِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ تَتْمِيمٌ وإدْماجٌ وإنْذارٌ لَهم حِينَ يَسْمَعُونَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ مُوَجَّهًا إلى الرَّسُولِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى أقْوالِهِمْ في القُرْآنِ الرّاجِعَةِ إلى تَكْذِيبِ مَن جاءَ بِالقُرْآنِ. أيْ: إنَّما يَدَّعُونَ أنَّهُ هَزْلٌ لِقَصْدِ الكَيْدِ ولَيْسَ لِأنَّهم يَحْسَبُونَكَ كاذِبًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . صفحة ٢٦٨ والضَّمِيرُ الواقِعُ اسْمًا لِـ إنَّ عائِدٌ إلى ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] مِنَ الرَّدِّ عَلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ القُرْآنَ بِعَكْسِ ذَلِكَ، أيْ أنَّ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ يَكِيدُونَ. وجُمْلَةُ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ تَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ووَعْدٌ بِالنَّصْرِ. وكَيْدًا في المَوْضِعَيْنِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ وقُصِدَ مِنهُ مَعَ التَّوْكِيدِ تَنْوِينُ تَنْكِيرِهِ الدّالُّ عَلى التَّعْظِيمِ. والكَيْدُ: إخْفاءُ قَصْدِ الضُّرِّ وإظْهارُ خِلافِهِ، فَكَيْدُهم مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. وأمّا الكَيْدُ المُسْنَدُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ فَهو مُسْتَعْمَلٌ في الإمْهالِ مَعَ إرادَةِ الِانْتِقامِ عِنْدَ وُجُودِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْزالِهِ بِهِمْ وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شُبِّهَتْ هَيْئَةُ إمْهالِهِمْ وتَرْكِهِمْ مَعَ تَقْدِيرِ إنْزالِ العِقابِ بِهِمْ بِهَيْئَةِ الكائِدِ يُخْفِي إنْزالَ ضُرِّهِ ويُظْهِرُ أنَّهُ لا يُرِيدُهُ وحَسَّنَها مُحَسِّنُ المُشاكَلَةِ.

الطارق 86:16

﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ يُنْبِئُ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ يَعْجَبُ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ، مَعَ أنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، ويَعْجَبُ مِن مَعاذِيرِهِمُ الباطِلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هو هَزْلٌ أوْ هَذَيانٌ أوْ سِحْرٌ، فَبَيَّنَ لِلسّامِعِ أنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ كَيْدٌ مَقْصُودٌ. فَهم يَتَظاهَرُونَ بِأنَّهم ما يَصْرِفُهم عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ إلّا ما تَحَقَّقُوهُ مِن عَدَمِ صِدْقِهِ، وهو إنَّما يَصْرِفُهم عَنِ الإيمانِ بِهِ الحِفاظُ عَلى سِيادَتِهِمْ فَيُضَلِّلُونَ عامَّتَهم بِتِلْكَ التَّعَلُّلاتِ المُلَفَّقَةِ. والتَّأْكِيدُ بِـ إنَّ لِتَحْقِيقِ هَذا الخَبَرِ لِغَرابَتِهِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ تَتْمِيمٌ وإدْماجٌ وإنْذارٌ لَهم حِينَ يَسْمَعُونَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ مُوَجَّهًا إلى الرَّسُولِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى أقْوالِهِمْ في القُرْآنِ الرّاجِعَةِ إلى تَكْذِيبِ مَن جاءَ بِالقُرْآنِ. أيْ: إنَّما يَدَّعُونَ أنَّهُ هَزْلٌ لِقَصْدِ الكَيْدِ ولَيْسَ لِأنَّهم يَحْسَبُونَكَ كاذِبًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . صفحة ٢٦٨ والضَّمِيرُ الواقِعُ اسْمًا لِـ إنَّ عائِدٌ إلى ما فُهِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] مِنَ الرَّدِّ عَلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ القُرْآنَ بِعَكْسِ ذَلِكَ، أيْ أنَّ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ يَكِيدُونَ. وجُمْلَةُ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ تَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ووَعْدٌ بِالنَّصْرِ. وكَيْدًا في المَوْضِعَيْنِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ وقُصِدَ مِنهُ مَعَ التَّوْكِيدِ تَنْوِينُ تَنْكِيرِهِ الدّالُّ عَلى التَّعْظِيمِ. والكَيْدُ: إخْفاءُ قَصْدِ الضُّرِّ وإظْهارُ خِلافِهِ، فَكَيْدُهم مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. وأمّا الكَيْدُ المُسْنَدُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ فَهو مُسْتَعْمَلٌ في الإمْهالِ مَعَ إرادَةِ الِانْتِقامِ عِنْدَ وُجُودِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْزالِهِ بِهِمْ وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شُبِّهَتْ هَيْئَةُ إمْهالِهِمْ وتَرْكِهِمْ مَعَ تَقْدِيرِ إنْزالِ العِقابِ بِهِمْ بِهَيْئَةِ الكائِدِ يُخْفِي إنْزالَ ضُرِّهِ ويُظْهِرُ أنَّهُ لا يُرِيدُهُ وحَسَّنَها مُحَسِّنُ المُشاكَلَةِ.

الطارق 86:17

﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالإمْهالِ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] بِما فِيهِ مِن صَرِيحٍ وتَعْرِيضٍ وتَبْيِينٍ ووَعْدٍ بِالنَّصْرِ، أيْ: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهم بِطَلَبِ إنْزالِ العِقابِ فَإنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ. والتَّمْهِيلُ: مَصْدَرُ مَهَلَ بِمَعْنى أمْهَلَ، وهو الإنْظارُ إلى وقْتٍ مُعَيَّنٍ أوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فالجَمْعُ بَيْنَ مَهِّلْ وأمْهِلْهم تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّسْكِينِ، وخُولِفَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ في التَّعْدِيَةِ مَرَّةً بِالتَّضْعِيفِ وأُخْرى بِالهَمْزِ لِتَحْسِينِ التَّكْرِيرِ. والمُرادُ بِـ الكافِرِينَ ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ﴾ [الطارق: ١٥] فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلنِّداءِ عَلَيْهِمْ بِمَذَمَّةِ الكُفْرِ، فَلَيْسَ المُرادُ جَمِيعَ الكافِرِينَ بَلْ أُرِيدَ الكافِرُونَ المَعْهُودُونَ. ورُوَيْدًا تَصْغِيرُ رُودٍ بِضَمِّ الرّاءِ بَعْدَها واوٌ، ولَعَلَّهُ اسْمُ مَصْدَرٍ، وأمّا صفحة ٢٦٩ قِياسُ مَصْدَرِهِ فَهو رَوْدٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الواوِ، وهو المَهْلُ وعَدَمُ العَجَلَةِ وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِ أمْهِلْهم فَقَدْ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ مَرَّتَيْنِ. والمَعْنى: انْتَظِرْ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمُ انْتِظارَ تَرَبُّصٍ واتِّيادٍ فَيَكُونُ رُوَيْدًا كِنايَةً عَنْ تَحَقُّقِ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العِقابِ؛ لِأنَّ المُطْمَئِنَ لِحُصُولِ شَيْءٍ لا يَسْتَعْجِلُ بِهِ. وتَصْغِيرُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقْلِيلِ، أيْ: مُهْلَةٌ غَيْرُ طَوِيلَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رُوَيْدًا هُنا اسْمَ فِعْلٍ لِلْأمْرِ، كَما في قَوْلِهِمْ: رُوَيْدَكَ؛ لِأنَّ اقْتِرانَهُ بِكافِ الخِطابِ إذا أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفِعْلِ لَيْسَ شَرْطًا، ويَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: الكافِرِينَ ورُوَيْدًا كَلامًا مُسْتَقِلًّا، فَلَيْسَ وُجُودُ فِعْلٍ مِن مَعْناهُ قَبْلَهُ بِدَلِيلٍ عَلى أنَّهُ مُرادٌ بِهِ المَصْدَرُ، أيْ: تَصَبَّرْ ولا تَسْتَعْجِلْ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ الوَعْدِ بِأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. * * * صفحة ٢٧٠ صفحة ٢٧١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْلى هَذِهِ السُّورَةُ ورَدَتْ تَسْمِيَتُها في السُّنَّةِ سُورَةُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى) فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قامَ مُعاذٌ فَصَلّى العِشاءَ الآخِرَةَ فَطَوَّلَ، فَشَكاهُ بَعْضُ مَن صَلّى خَلْفَهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ أيْنَ كُنْتَ عَنْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والضُّحى» اهـ. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «ما جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ حَتّى قَرَأْتُ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى» في سُوَرٍ مِثْلِها. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» . وسَمَّتْها عائِشَةُ (سَبِّحْ) . رَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْها: «كانَ النَّبِيءُ يَقْرَأُ في الوِتْرِ في الرَّكْعَةِ الأُولى (سَبِّحِ») الحَدِيثَ. فَهَذا ظاهِرٌ في أنَّها أرادَتِ التَّسْمِيَةَ لِأنَّها لَمْ تَأْتِ بِالجُمْلَةِ القُرْآنِيَّةِ كامِلَةً، وكَذَلِكَ سَمّاها البَيْضاوِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ؛ لِأنَّها اخْتُصَّتْ بِالِافْتِتاحِ بِكَلِمَةِ سَبِّحْ بِصِيغَةِ الأمْرِ. وسَمّاها أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وكُتّابُ المَصاحِفِ (سُورَةُ الأعْلى) لِوُقُوعِ صِفَةِ الأعْلى فِيها دُونَ غَيْرِها. وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ وحَدِيثُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤] نَزَلَ في صَلاةِ العِيدِ وصَدَقَةِ الفِطْرِ، أيْ: فَهُما مَدَنِيَّتانِ فَتَكُونُ السُّورَةُ بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ. وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ. صفحة ٢٧٢ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي يَشْهَدُ لِكَوْنِها مَكِّيَّةً، وحَسْبُكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] . وهِيَ مَعْدُودَةٌ ثامِنَةً في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ وقَبْلَ سُورَةِ اللَّيْلِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ أنَّها سابِعَةٌ، قالُوا: أوَّلُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ثُمَّ ن، ثُمَّ المُزَّمِّلُ، ثُمَّ تَبَّتْ، ثُمَّ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، ثُمَّ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ. وأمّا جابِرُ بْنُ زَيْدٍ فَعَدَّ الفاتِحَةَ بَعْدَ المُدَّثِّرِ، ثُمَّ عَدَّ البَقِيَّةَ، فَهي عِنْدُهُ الثّامِنَةُ، فَهي مِن أوائِلِ السُّورِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] يُنادِي عَلى ذَلِكَ. وعَدَدُ آيِها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً بِاتِّفاقِ أهْلِ العَدَدِ. * * * اشْتَمَلَتْ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى والإشارَةِ إلى وحْدانِيَّتِهِ لِانْفِرادِهِ بِخَلْقِ الإنْسانِ وخَلْقِ ما في الأرْضِ مِمّا فِيهِ بَقاؤُهُ. وعَلى تَأْيِيدِ النَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتِهِ عَلى تَلَقِّي الوَحْيِ. وأنَّ اللَّهَ مُعْطِيهِ شَرِيعَةً سَمْحَةً وكِتابًا يَتَذَكَّرُ بِهِ أهْلُ النُّفُوسَ الزَّكِيَّةِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم، ويُعْرِضُ عَنْهم أهْلُ الشَّقاوَةِ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ولا يَعْبَئُونَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ. وأنَّ ما أُوحِيَ إلَيْهِ يُصَدِّقُهُ ما في كُتُبِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ وذَلِكَ كُلُّهُ تَهْوِينٌ لِما يَلْقاهُ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ.

الأعلى 87:1

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ . الِافْتِتاحُ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يُسَبِّحَ اسْمَ رَبِّهِ بِالقَوْلِ، يُؤْذِنُ بِأنَّهُ سَيُلْقِي إلَيْهِ عَقِبَهُ بِشارَةً وخَيْرًا لَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] الآياتِ كَما سَيَأْتِي فَفِيهِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ. صفحة ٢٧٣ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ، وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تُضافُ لِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ الأفْعالُ المُشْتَقَّةُ مِنهُ لا تَرْفَعُ ولا تَنْصِبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ إلّا ما هو اسْمٌ لِلَّهِ، وكَذَلِكَ أسْماءُ المَصْدَرِ مِنهُ نَحْوُ: سُبْحانَ اللَّهِ. وهو مِنَ المَعانِي الدِّينِيَّةِ، فَأشْبَهَ أنَّهُ مَنقُولٌ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإذْ عُدِّيَ فِعْلُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ هُنا إلى اسْمٍ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَوْلٌ دالٌّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ بِطَرِيقَةِ إجْراءِ الأخْبارِ الطَّيِّبَةِ، أوِ التَّوْصِيفِ بِالأوْصافِ المُقَدَّسَةِ لِإثْباتِها إلى ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ تَعالى مِنَ الأسْماءِ والمَعانِي، ولِما كانَ أقْوالًا كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِاسْمِ اللَّهِ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، فالمَأْمُورُ بِهِ إجْراءُ الأخْبارِ الشَّرِيفَةِ والصِّفاتِ الرَّفِيعَةِ عَلى الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْلامٍ وصِفاتٍ ونَحْوِها، وذَلِكَ آيِلٌ إلى تَنْزِيهِ المُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ. ولِهَذا يَكْثُرُ في القُرْآنِ إناطَةُ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في مَبْحَثِ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ في أوَّلِ هَذا التَّفْسِيرِ. فَتَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ النُّطْقُ بِتَنْزِيهِهِ في الخُوَيِّصَةِ، وبَيْنَ النّاسِ بِذِكْرٍ يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ كالسُّجُودِ والحَمْدِ. ويَشْمَلُ ذَلِكَ اسْتِحْضارَ النّاطِقِ بِألْفاظِ التَّسْبِيحِ مَعانِيَ تِلْكَ الألْفاظِ إذِ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ مَعْناهُ. وبِتَظاهُرِ النُّطْقِ مَعَ اسْتِحْضارِ المَعْنى يَتَكَرَّرُ المَعْنى عَلى ذِهْنِ المُتَكَلِّمِ ويَتَجَدَّدُ ما في نَفْسِهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا تَفَكُّرُ العَبْدِ في عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْدِيدُ تَنْزِيهِهِ في ذِهْنِهِ فَهو تَسْبِيحٌ لِذاتِ اللَّهِ ومُسَمّى اسْمِهِ، ولا يُسَمّى تَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَجْرِي عَلى لَفْظٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَسْبِيحُ ذاتِ اللَّهِ ولَيْسَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ. وهَذا مَلاكُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ تَعَلُّقِ لَفْظِ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ نَحْوَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِدُونِ اسْمٍ نَحْوَ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] ونَحْوَ ﴿ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فَإذا قُلْنا اللَّهُ أحَدٌ أوْ قُلْنا ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ صفحة ٢٧٤ تَعالى، وإذا نَفَيْنا الإلاهِيَّةَ عَنِ الأصْنامِ لِأنَّها لا تُخْلَقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِذاتِ اللَّهِ لا لِاسْمِهِ؛ لِأنَّ اسْمَهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ في هَذا الكَلامِ إخْبارٌ ولا تَوْصِيفٌ. فَهَذا مَناطُ الفَرْقِ بَيْنَ اسْتِعْمالِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ واسْتِعْمالِ وسَبِّحْهُ ومَآلُ الإطْلاقَيْنِ في المَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ كِلا الإطْلاقَيْنِ مُرادٌ بِهِ الإرْشادُ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ. واعْلَمْ أنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى إرادَةِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ وُجُودَ قَرِينَةٍ في الكَلامِ تَقْتَضِيهِ، مِثْلَ التَّوْقِيتِ بِالوَقْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] فَإنَّ الَّذِي يُكَلِّفُ بِتَوْقِيتِهِ هو الأقْوالُ والأفْعالُ دُونَ العَقائِدِ، ومِثْلَ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] فَإنَّ الحَمْدَ قَوْلٌ فَلا يُصاحِبُ إلّا قَوْلًا مِثْلَهُ. وتَعْرِيفُ اسْمٍ بِطَرِيقَةِ الإضافَةِ إلى رَبِّكَ دُونَ تَعْرِيفِهِ بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ الجَلالَةِ نَحْوَ: سَبِّحِ اسْمَ اللَّهِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ وصْفُ رَبٍّ مِن أنَّهُ الخالِقُ المُدَبِّرُ. وأمّا إضافَةُ رَبٍّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِتَشْرِيفِهِ بِهَذِهِ الإضافَةِ وأنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ زائِدٌ عَلى التَّكْلِيفِ بِالتَّسْبِيحِ. ثُمَّ أُجْرِيَ عَلى لَفْظِ رَبِّكَ صِفَةُ الأعْلى وما بَعْدَها مِنَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى تَصَرُّفاتِ قُدْرَتِهِ، فَهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّنْزِيهِ لِصِفاتِ ذاتِهِ ولِصِفاتِ إنْعامِهِ عَلى النّاسِ بِخَلْقِهِمْ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، وهِدايَتِهِمْ، ورِزْقِهِمْ، ورِزْقِ أنْعامِهِمْ، لِلْإيماءِ إلى مُوجَبِ الأمْرِ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّنْزِيهِ اسْتِحْقاقًا لِذاتِهِ ولِوَصْفِهِ بِصِفَةِ أنَّهُ خالِقٌ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا يَدُلُّ عَلى العِلْمِ والحِكْمَةِ وإتْقانِ الصُّنْعِ، وبِأنَّهُ أنْعَمَ بِالهُدى والرِّزْقِ اللَّذَيْنِ بِهِما اسْتِقامَةُ حالِ البَشَرِ في النَّفْسِ والجَسَدِ وأُوثِرَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ لِما لَها مِنَ المُناسَبَةِ لِغَرَضِ السُّورَةِ كَما سَنُبَيِّنُهُ. فَلَفْظُ الأعْلى اسْمٌ يُفِيدُ الزِّيادَةَ في صِفَةِ العُلُوِّ، أيِ: الِارْتِفاعُ. والِارْتِفاعُ مَعْدُودٌ في عُرْفِ النّاسِ مِنَ الكَمالِ، فَلا يُنْسَبُ العُلُوُّ بِدُونِ تَقْيِيدٍ إلّا إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْمُومٍ في العُرْفِ، ولِذَلِكَ إذا لَمْ يُذْكَرْ مَعَ وصْفِ الأعْلى مُفَضَّلٌ عَلَيْهِ أفادَ التَّفْضِيلَ المُطْلَقَ كَما في وصْفِهِ تَعالى هُنا، ولِهَذا حُكِيَ عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] . صفحة ٢٧٥ والعُلُوُّ المُشْتَقُّ مِنهُ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى عُلُوٌّ مَجازِيٌّ، وهو الكَمالُ التّامُّ الدّائِمُ. ولَمْ يُعَدَّ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى في عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى اسْتِغْناءً عَنِ اسْمِهِ العَلِيِّ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ فَلا يُعَدُّ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ إلّا ما كَثُرَ إطْلاقُهُ إطْلاقَ الأسْماءِ، وهو أوْغَلُ مِنَ الصِّفاتِ، قالَ الغَزالِيُّ: والعُلُوُّ في الرُّتْبَةِ العَقْلِيَّةِ مِثْلُ العُلُوِّ في التَّدْرِيجاتِ الحِسِّيَّةِ، ومِثالُ الدَّرَجَةِ العَقْلِيَّةِ، كالتَّفاوُتِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ والعِلَّةِ والمَعْلُولِ والفاعِلِ والقابِلِ والكامِلِ والنّاقِصِ اهـ. وإيثارُ هَذا الوَصْفِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ التَّنْوِيهَ بِالقُرْآنِ والتَّثْبِيتَ عَلى تَلَقِّيهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّذْكِيرِ وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ فَهو مِن مُتَعَلِّقاتِ وصْفِ العُلُوِّ الإلَهِيِّ إذْ هو كَلامُهُ. وهَذا الوَصْفُ هو مَلاكُ القانُونِ في تَفْسِيرِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ومَحامِلِها عَلى ما يَلِيقُ بِوَصْفِ الأعْلى، فَلِذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُ المُتَشابِهاتِ مِنَ الصِّفاتِ. وقَدْ جُعِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ دُعاءُ السُّجُودِ في الصَّلاةِ إذْ ورَدَ أنْ يَقُولَ السّاجِدُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، لِيَقْرِنَ أثَرَ التَّنْزِيهِ الفِعْلِيِّ بِأثَرِ التَّنْزِيهِ القَوْلِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ اشْتَمَلَتْ عَلى وصْفَيْنِ وصْفِ الخَلْقِ ووَصْفِ تَسْوِيَةِ الخَلْقِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ خَلَقَ فَيَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا، وهو ما قَدَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وهو شَأْنُ حَذْفِ المَفْعُولِ إذا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، أيْ: خَلَقَ كُلَّ مَخْلُوقٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ مُوسى ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ خاصًّا، أيْ: خَلَقَ الإنْسانَ كَما قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ، أوْ خَلَقَ آدَمَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، أيْ: بِقَرِينَةِ قَرْنِ فِعْلِ خَلَقَ بِفِعْلِ سَوّى قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] الآيَةَ. وعَطَفَ جُمْلَةَ فَسَوّى بِالفاءِ دُونَ الواوِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَضْمُونَها هو المَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ وأنَّ ما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ كَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: صفحة ٢٧٦ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّـ ـابِحِ فالـغَـانِـمِ فَـالآيِبِ لِأنَّ التَّلَهُّفَ يَحِقُّ إذا صَبَّحَهم، فَغَنِمَ أمْوالَهم وآبَ بِها ولَمْ يَسْتَطِيعُوا دِفاعَهُ ولا اسْتِرْجاعَهُ. فالفاءُ مِن قَوْلِهِ: فَسَوّى لِلتَّفْرِيعِ في الذِّكْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ مِنِ اعْتِبارِ المُعْتَبَرِ عَلى التَّسْوِيَةِ، وإنْ كانَ حُصُولُ التَّسْوِيَةِ مُقارِنًا لِحُصُولِ الخَلْقِ. والتَّسْوِيَةُ: تَسْوِيَةُ ما خَلَقَهُ فَإنْ حُمِلَ عَلى العُمُومِ، فالتَّسْوِيَةُ أنْ جَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ ونَوْعٍ مِنَ المَوْجُوداتِ مُعادِلًا، أيْ: مُناسِبًا لِلْأعْمالِ الَّتِي في جِبِلَّتِهِ فاعْوِجاجُ زُبانى العَقْرَبِ مِن تَسْوِيَةِ خَلْقِها لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِها بِهِ بِسُهُولَةٍ. ولِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِلْخِلْقَةِ عَطَفَ عَلى فِعْلِ خَلَقَ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّسَبُّبِ، أيْ: تَرَتَّبَ عَلى الخَلْقِ تَسْوِيَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: وضْعُ المِقْدارِ وإيجادُهُ في الأشْياءِ في ذَواتِها وقُواها، يُقالُ: قَدَّرَ بِالتَّضْعِيفِ وقَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأها الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِالتَّخْفِيفِ. والمِقْدارُ: أصْلُهُ كَمِّيَّةُ الشَّيْءِ الَّتِي تُضْبَطُ بِالذَّرْعِ أوِ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ أوِ العَدِّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى تَكْوِينِ المَخْلُوقاتِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُنَظَّمَةٍ مُطَّرِدَةٍ مِن تَرْكِيبِ الأجْزاءِ الجَسَدِيَّةِ الظّاهِرَةِ، مِثْلَ اليَدَيْنِ، والباطِنَةِ مِثْلَ القَلْبِ، ومِن إيداعِ القُوى العَقْلِيَّةِ كالحِسِّ والِاسْتِطاعَةِ وحِيَلِ الصِّناعَةِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ تَكْرِيرِهِ، لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ وإثْباتِها لِمَدْلُولِ المَوْصُولِ وهَذا مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ. وعَطْفُ قَوْلِهِ: فَهَدى مِثْلُ عَطْفِ فَسَوّى، فَإنْ حُمِلَ خَلَقَ وقَدَّرَ عَلى عُمُومِ المَفْعُولِ كانَتِ الهِدايَةُ عامَّةً. والقَوْلُ في وجْهِ عَطْفِ فَهَدى بِالفاءِ مِثْلُ القَوْلِ في عَطْفِ فَسَوّى. وعَطْفُ فَهَدى عَلى قَدَّرَ عَطْفُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ أيْ فَهَدى كُلَّ صفحة ٢٧٧ مُقَدَّرٍ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، فَهِدايَةُ الإنْسانِ وأنْواعِ جِنْسِهِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ الإدْراكُ والإرادَةُ هي هِدايَةُ الإلْهامِ إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِ ما قُدِّرَ فِيهِ مِنَ المَقادِيرِ والقُوى فِيما يُناسِبُ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ فَكُلَّما حَصَلَ شَيْءٌ مِن آثارِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَصَلَ بِأثَرِهِ الِاهْتِداءُ إلى تَنْفِيذِهِ. والمَعْنى: قَدَّرَ الأشْياءَ كُلَّها فَهَداها إلى أداءِ وظائِفِها كَما قُدِّرَ لَها، فاللَّهُ لَمّا قَدَّرَ لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلنُّطْقِ والعِلْمِ والصِّناعَةِ بِما وهَبَهُ مِنَ العَقْلِ وآلاتِ الجَسَدِ هَداهُ لِاسْتِعْمالِ فِكْرِهِ لِما يُحَصِّلُ ما خُلِقَ لَهُ، ولَمّا قَدَّرَ البَقَرَةَ لِلدَّرِّ، ألْهَمَها الرَّعْيَ ورِثْمانَ ولَدِها لِتَدِرَّ بِذَلِكَ لِلْحالِبِ، ولِما قَدَّرَ النَّحْلَ لِإنْتاجِ العَسَلِ ألْهَمَها أنْ تَرْعى النَّوَرَ والثِّمارَ، وألْهَمَها بِناءَ الجَبْحِ وخَلاياهُ المُسَدَّسَةِ الَّتِي تَضَعُ فِيها العَسَلَ. ومِن أجَلِّ مَظاهِرِ التَّقْدِيرِ والهِدايَةِ تَقْدِيرُ قُوى التَّناسُلِ لِلْحَيَوانِ لِبَقاءِ النَّوْعِ. فَمَفْعُولُ هَدى مَحْذُوفٌ لِإفادَةِ العُمُومِ وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ قابِلِيَّةُ الهَدْيِ فَهو مَخْصُوصٌ بِذَواتِ الإدْراكِ والإرادَةِ وهي أنْواعُ الحَيَوانِ، فَإنَّ الأنْواعَ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ وقَدَّرَ نِظامَها ولَمْ يُقَدِّرْ لَها الإدْراكَ مِثْلَ تَقْدِيرِ الإثْمارِ لِلشَّجَرِ، وإنْتاجِ الزَّرِيعَةِ لِتَجَدُّدِ الإنْباتِ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ مِن قَوْلِهِ: فَهَدى لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ ومُقَدَّرَةٌ ولَكِنَّها غَيْرُ مَهْدِيَّةٍ لِعَدَمِ صَلاحِها لِلِاهْتِداءِ، وإنْ جُعِلَ مَفْعُولُ خَلَقَ خاصًّا وهو الإنْسانُ كانَ مَفْعُولُ قَدَّرَ عَلى وِزانِهِ، أيْ: تَقْدِيرُ كَمالِ قُوى الإنْسانِ، وكانَتِ الهِدايَةُ هِدايَةً خاصَّةً وهي دَلالَةُ الإدْراكِ والعَقْلِ. وأُوثِرَ وصْفا التَّسْوِيَةِ والهِدايَةِ مِن بَيْنِ صِفاتِ الأفْعالِ الَّتِي هي نِعَمٌ عَلى النّاسِ ودالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مُناسَبَةٌ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ فَإنَّ الَّذِي يُسَوِّي خَلْقَ النَّبِيءِ ﷺ تَسْوِيَةً تُلائِمُ ما خَلَقَهُ لِأجْلِهِ مِن تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ لا يَفُوتُهُ أنْ يُهَيِّئَهُ لِحِفْظِ ما يُوحِيهِ إلَيْهِ وتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِ وإعْطائِهِ شَرِيعَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ التَّيْسِيرِ قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] وقالَ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] . وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ تَذْكِيرٌ لِخَلْقِ جِنْسِ النَّباتِ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ. واقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ أنْواعِهِ وهو الكَلَأُ؛ لِأنَّهُ مَعاشُ السَّوائِمِ الَّتِي يَنْتَفِعُ النّاسُ بِها. صفحة ٢٧٨ والمُرادُ: إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ وهو إنْباتُهُ. والمَرْعى: النَّبْتُ الَّذِي تَرْعاهُ السَّوائِمُ، وأصْلُهُ: إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُطْلِقَ عَلى الشَّيْءِ المَرْعِيِّ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وإمّا اسْمُ مَكانِ الرَّعْيِ أُطْلِقَ عَلى ما يَنْبُتُ فِيهِ ويُرْعى إطْلاقًا مَجازِيًّا بِعَلاقَةِ الحُلُولِ كَما أُطْلِقَ اسْمُ الوادِي عَلى الماءِ الجارِي فِيهِ. والقَرِينَةُ جَعْلُهُ مَفْعُولًا لِـ أخْرَجَ، وإيثارُ كَلِمَةِ المَرْعى دُونَ لَفْظِ النَّباتِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ مادَّةُ الرَّعْيِ مِن نَفْعِ الأنْعامِ بِهِ ونَفْعِها لِلنّاسِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَها مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ. والغُثاءُ: بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَخْفِيفِ المُثَلَّثَةِ، ويُقالُ بِتَشْدِيدِ المُثَلَّثَةِ وهو اليابِسُ مِنَ النَّبْتِ. والأحْوى: المَوْصُوفُ بِالحُوَّةِ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي مِنَ الألْوانِ: سُمْرَةٌ تَقْرُبُ مِنَ السَّوادِ. وهو صِفَةُ غُثاءً لِأنَّ الغُثاءَ يابِسٌ فَتَصِيرُ خُضْرَتُهُ حُوَّةً. وهَذا الوَصْفُ أحَوى لِاسْتِحْضارِ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالإنْشاءِ وبِالإنْهاءِ. وفِي وصْفِ إخْراجِ اللَّهِ المَرْعى وجَعْلِهِ غُثاءً أحَوى مَعَ ما سَبَقَهُ مِنَ الأوْصافِ في سِياقِ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ إيماءً إلى تَمْثِيلِ حالِ القُرْآنِ وهِدايَتِهِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَنْفَعُ النّاسَ بِحالِ الغَيْثِ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ المَرْعى فَتَنْتَفِعُ بِهِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وإلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ تَكْمُلُ ويَبْلُغُ ما أرادَ اللَّهُ فِيها كَما يَكْمُلُ المَرْعى ويَبْلُغُ نُضْجَهُ حِينَ يَصِيرُ غُثاءً أحَوى، عَلى طَرِيقَةٍ تَمْثِيلِيَّةٍ مَكْنِيَّةٍ رُمِزَ إلَيْها بِذِكْرِ لازِمِ الغَيْثِ وهو المَرْعى. وقَدْ جاءَ بَيانُ هَذا الإيماءِ وتَفْصِيلِهِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا» الحَدِيثَ. صفحة ٢٧٩ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ إدْماجُ العِبْرَةِ بِتَصارِيفِ ما أوْدَعَ اللَّهُ في المَخْلُوقاتِ مِن مُخْتَلَفِ الأطْوارِ مِنَ الشَّيْءِ إلى ضِدِّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِالفَناءِ بَعْدَ الحَياةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُدَّةَ نَضارَةِ الحَياةِ لِلْأشْياءِ تُشْبِهُ المُدَّةَ القَصِيرَةَ، فاسْتُعِيرَ لِعَطْفِ جَعَلَهُ غُثاءً الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِعَطْفِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حُكْمُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] .

الأعلى 87:2

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ . الِافْتِتاحُ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يُسَبِّحَ اسْمَ رَبِّهِ بِالقَوْلِ، يُؤْذِنُ بِأنَّهُ سَيُلْقِي إلَيْهِ عَقِبَهُ بِشارَةً وخَيْرًا لَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] الآياتِ كَما سَيَأْتِي فَفِيهِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ. صفحة ٢٧٣ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ، وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تُضافُ لِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ الأفْعالُ المُشْتَقَّةُ مِنهُ لا تَرْفَعُ ولا تَنْصِبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ إلّا ما هو اسْمٌ لِلَّهِ، وكَذَلِكَ أسْماءُ المَصْدَرِ مِنهُ نَحْوُ: سُبْحانَ اللَّهِ. وهو مِنَ المَعانِي الدِّينِيَّةِ، فَأشْبَهَ أنَّهُ مَنقُولٌ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإذْ عُدِّيَ فِعْلُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ هُنا إلى اسْمٍ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَوْلٌ دالٌّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ بِطَرِيقَةِ إجْراءِ الأخْبارِ الطَّيِّبَةِ، أوِ التَّوْصِيفِ بِالأوْصافِ المُقَدَّسَةِ لِإثْباتِها إلى ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ تَعالى مِنَ الأسْماءِ والمَعانِي، ولِما كانَ أقْوالًا كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِاسْمِ اللَّهِ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، فالمَأْمُورُ بِهِ إجْراءُ الأخْبارِ الشَّرِيفَةِ والصِّفاتِ الرَّفِيعَةِ عَلى الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْلامٍ وصِفاتٍ ونَحْوِها، وذَلِكَ آيِلٌ إلى تَنْزِيهِ المُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ. ولِهَذا يَكْثُرُ في القُرْآنِ إناطَةُ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في مَبْحَثِ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ في أوَّلِ هَذا التَّفْسِيرِ. فَتَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ النُّطْقُ بِتَنْزِيهِهِ في الخُوَيِّصَةِ، وبَيْنَ النّاسِ بِذِكْرٍ يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ كالسُّجُودِ والحَمْدِ. ويَشْمَلُ ذَلِكَ اسْتِحْضارَ النّاطِقِ بِألْفاظِ التَّسْبِيحِ مَعانِيَ تِلْكَ الألْفاظِ إذِ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ مَعْناهُ. وبِتَظاهُرِ النُّطْقِ مَعَ اسْتِحْضارِ المَعْنى يَتَكَرَّرُ المَعْنى عَلى ذِهْنِ المُتَكَلِّمِ ويَتَجَدَّدُ ما في نَفْسِهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا تَفَكُّرُ العَبْدِ في عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْدِيدُ تَنْزِيهِهِ في ذِهْنِهِ فَهو تَسْبِيحٌ لِذاتِ اللَّهِ ومُسَمّى اسْمِهِ، ولا يُسَمّى تَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَجْرِي عَلى لَفْظٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَسْبِيحُ ذاتِ اللَّهِ ولَيْسَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ. وهَذا مَلاكُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ تَعَلُّقِ لَفْظِ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ نَحْوَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِدُونِ اسْمٍ نَحْوَ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] ونَحْوَ ﴿ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فَإذا قُلْنا اللَّهُ أحَدٌ أوْ قُلْنا ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ صفحة ٢٧٤ تَعالى، وإذا نَفَيْنا الإلاهِيَّةَ عَنِ الأصْنامِ لِأنَّها لا تُخْلَقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِذاتِ اللَّهِ لا لِاسْمِهِ؛ لِأنَّ اسْمَهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ في هَذا الكَلامِ إخْبارٌ ولا تَوْصِيفٌ. فَهَذا مَناطُ الفَرْقِ بَيْنَ اسْتِعْمالِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ واسْتِعْمالِ وسَبِّحْهُ ومَآلُ الإطْلاقَيْنِ في المَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ كِلا الإطْلاقَيْنِ مُرادٌ بِهِ الإرْشادُ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ. واعْلَمْ أنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى إرادَةِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ وُجُودَ قَرِينَةٍ في الكَلامِ تَقْتَضِيهِ، مِثْلَ التَّوْقِيتِ بِالوَقْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] فَإنَّ الَّذِي يُكَلِّفُ بِتَوْقِيتِهِ هو الأقْوالُ والأفْعالُ دُونَ العَقائِدِ، ومِثْلَ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] فَإنَّ الحَمْدَ قَوْلٌ فَلا يُصاحِبُ إلّا قَوْلًا مِثْلَهُ. وتَعْرِيفُ اسْمٍ بِطَرِيقَةِ الإضافَةِ إلى رَبِّكَ دُونَ تَعْرِيفِهِ بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ الجَلالَةِ نَحْوَ: سَبِّحِ اسْمَ اللَّهِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ وصْفُ رَبٍّ مِن أنَّهُ الخالِقُ المُدَبِّرُ. وأمّا إضافَةُ رَبٍّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِتَشْرِيفِهِ بِهَذِهِ الإضافَةِ وأنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ زائِدٌ عَلى التَّكْلِيفِ بِالتَّسْبِيحِ. ثُمَّ أُجْرِيَ عَلى لَفْظِ رَبِّكَ صِفَةُ الأعْلى وما بَعْدَها مِنَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى تَصَرُّفاتِ قُدْرَتِهِ، فَهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّنْزِيهِ لِصِفاتِ ذاتِهِ ولِصِفاتِ إنْعامِهِ عَلى النّاسِ بِخَلْقِهِمْ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، وهِدايَتِهِمْ، ورِزْقِهِمْ، ورِزْقِ أنْعامِهِمْ، لِلْإيماءِ إلى مُوجَبِ الأمْرِ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّنْزِيهِ اسْتِحْقاقًا لِذاتِهِ ولِوَصْفِهِ بِصِفَةِ أنَّهُ خالِقٌ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا يَدُلُّ عَلى العِلْمِ والحِكْمَةِ وإتْقانِ الصُّنْعِ، وبِأنَّهُ أنْعَمَ بِالهُدى والرِّزْقِ اللَّذَيْنِ بِهِما اسْتِقامَةُ حالِ البَشَرِ في النَّفْسِ والجَسَدِ وأُوثِرَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ لِما لَها مِنَ المُناسَبَةِ لِغَرَضِ السُّورَةِ كَما سَنُبَيِّنُهُ. فَلَفْظُ الأعْلى اسْمٌ يُفِيدُ الزِّيادَةَ في صِفَةِ العُلُوِّ، أيِ: الِارْتِفاعُ. والِارْتِفاعُ مَعْدُودٌ في عُرْفِ النّاسِ مِنَ الكَمالِ، فَلا يُنْسَبُ العُلُوُّ بِدُونِ تَقْيِيدٍ إلّا إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْمُومٍ في العُرْفِ، ولِذَلِكَ إذا لَمْ يُذْكَرْ مَعَ وصْفِ الأعْلى مُفَضَّلٌ عَلَيْهِ أفادَ التَّفْضِيلَ المُطْلَقَ كَما في وصْفِهِ تَعالى هُنا، ولِهَذا حُكِيَ عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] . صفحة ٢٧٥ والعُلُوُّ المُشْتَقُّ مِنهُ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى عُلُوٌّ مَجازِيٌّ، وهو الكَمالُ التّامُّ الدّائِمُ. ولَمْ يُعَدَّ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى في عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى اسْتِغْناءً عَنِ اسْمِهِ العَلِيِّ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ فَلا يُعَدُّ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ إلّا ما كَثُرَ إطْلاقُهُ إطْلاقَ الأسْماءِ، وهو أوْغَلُ مِنَ الصِّفاتِ، قالَ الغَزالِيُّ: والعُلُوُّ في الرُّتْبَةِ العَقْلِيَّةِ مِثْلُ العُلُوِّ في التَّدْرِيجاتِ الحِسِّيَّةِ، ومِثالُ الدَّرَجَةِ العَقْلِيَّةِ، كالتَّفاوُتِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ والعِلَّةِ والمَعْلُولِ والفاعِلِ والقابِلِ والكامِلِ والنّاقِصِ اهـ. وإيثارُ هَذا الوَصْفِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ التَّنْوِيهَ بِالقُرْآنِ والتَّثْبِيتَ عَلى تَلَقِّيهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّذْكِيرِ وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ فَهو مِن مُتَعَلِّقاتِ وصْفِ العُلُوِّ الإلَهِيِّ إذْ هو كَلامُهُ. وهَذا الوَصْفُ هو مَلاكُ القانُونِ في تَفْسِيرِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ومَحامِلِها عَلى ما يَلِيقُ بِوَصْفِ الأعْلى، فَلِذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُ المُتَشابِهاتِ مِنَ الصِّفاتِ. وقَدْ جُعِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ دُعاءُ السُّجُودِ في الصَّلاةِ إذْ ورَدَ أنْ يَقُولَ السّاجِدُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، لِيَقْرِنَ أثَرَ التَّنْزِيهِ الفِعْلِيِّ بِأثَرِ التَّنْزِيهِ القَوْلِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ اشْتَمَلَتْ عَلى وصْفَيْنِ وصْفِ الخَلْقِ ووَصْفِ تَسْوِيَةِ الخَلْقِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ خَلَقَ فَيَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا، وهو ما قَدَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وهو شَأْنُ حَذْفِ المَفْعُولِ إذا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، أيْ: خَلَقَ كُلَّ مَخْلُوقٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ مُوسى ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ خاصًّا، أيْ: خَلَقَ الإنْسانَ كَما قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ، أوْ خَلَقَ آدَمَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، أيْ: بِقَرِينَةِ قَرْنِ فِعْلِ خَلَقَ بِفِعْلِ سَوّى قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] الآيَةَ. وعَطَفَ جُمْلَةَ فَسَوّى بِالفاءِ دُونَ الواوِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَضْمُونَها هو المَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ وأنَّ ما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ كَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: صفحة ٢٧٦ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّـ ـابِحِ فالـغَـانِـمِ فَـالآيِبِ لِأنَّ التَّلَهُّفَ يَحِقُّ إذا صَبَّحَهم، فَغَنِمَ أمْوالَهم وآبَ بِها ولَمْ يَسْتَطِيعُوا دِفاعَهُ ولا اسْتِرْجاعَهُ. فالفاءُ مِن قَوْلِهِ: فَسَوّى لِلتَّفْرِيعِ في الذِّكْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ مِنِ اعْتِبارِ المُعْتَبَرِ عَلى التَّسْوِيَةِ، وإنْ كانَ حُصُولُ التَّسْوِيَةِ مُقارِنًا لِحُصُولِ الخَلْقِ. والتَّسْوِيَةُ: تَسْوِيَةُ ما خَلَقَهُ فَإنْ حُمِلَ عَلى العُمُومِ، فالتَّسْوِيَةُ أنْ جَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ ونَوْعٍ مِنَ المَوْجُوداتِ مُعادِلًا، أيْ: مُناسِبًا لِلْأعْمالِ الَّتِي في جِبِلَّتِهِ فاعْوِجاجُ زُبانى العَقْرَبِ مِن تَسْوِيَةِ خَلْقِها لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِها بِهِ بِسُهُولَةٍ. ولِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِلْخِلْقَةِ عَطَفَ عَلى فِعْلِ خَلَقَ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّسَبُّبِ، أيْ: تَرَتَّبَ عَلى الخَلْقِ تَسْوِيَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: وضْعُ المِقْدارِ وإيجادُهُ في الأشْياءِ في ذَواتِها وقُواها، يُقالُ: قَدَّرَ بِالتَّضْعِيفِ وقَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأها الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِالتَّخْفِيفِ. والمِقْدارُ: أصْلُهُ كَمِّيَّةُ الشَّيْءِ الَّتِي تُضْبَطُ بِالذَّرْعِ أوِ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ أوِ العَدِّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى تَكْوِينِ المَخْلُوقاتِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُنَظَّمَةٍ مُطَّرِدَةٍ مِن تَرْكِيبِ الأجْزاءِ الجَسَدِيَّةِ الظّاهِرَةِ، مِثْلَ اليَدَيْنِ، والباطِنَةِ مِثْلَ القَلْبِ، ومِن إيداعِ القُوى العَقْلِيَّةِ كالحِسِّ والِاسْتِطاعَةِ وحِيَلِ الصِّناعَةِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ تَكْرِيرِهِ، لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ وإثْباتِها لِمَدْلُولِ المَوْصُولِ وهَذا مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ. وعَطْفُ قَوْلِهِ: فَهَدى مِثْلُ عَطْفِ فَسَوّى، فَإنْ حُمِلَ خَلَقَ وقَدَّرَ عَلى عُمُومِ المَفْعُولِ كانَتِ الهِدايَةُ عامَّةً. والقَوْلُ في وجْهِ عَطْفِ فَهَدى بِالفاءِ مِثْلُ القَوْلِ في عَطْفِ فَسَوّى. وعَطْفُ فَهَدى عَلى قَدَّرَ عَطْفُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ أيْ فَهَدى كُلَّ صفحة ٢٧٧ مُقَدَّرٍ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، فَهِدايَةُ الإنْسانِ وأنْواعِ جِنْسِهِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ الإدْراكُ والإرادَةُ هي هِدايَةُ الإلْهامِ إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِ ما قُدِّرَ فِيهِ مِنَ المَقادِيرِ والقُوى فِيما يُناسِبُ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ فَكُلَّما حَصَلَ شَيْءٌ مِن آثارِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَصَلَ بِأثَرِهِ الِاهْتِداءُ إلى تَنْفِيذِهِ. والمَعْنى: قَدَّرَ الأشْياءَ كُلَّها فَهَداها إلى أداءِ وظائِفِها كَما قُدِّرَ لَها، فاللَّهُ لَمّا قَدَّرَ لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلنُّطْقِ والعِلْمِ والصِّناعَةِ بِما وهَبَهُ مِنَ العَقْلِ وآلاتِ الجَسَدِ هَداهُ لِاسْتِعْمالِ فِكْرِهِ لِما يُحَصِّلُ ما خُلِقَ لَهُ، ولَمّا قَدَّرَ البَقَرَةَ لِلدَّرِّ، ألْهَمَها الرَّعْيَ ورِثْمانَ ولَدِها لِتَدِرَّ بِذَلِكَ لِلْحالِبِ، ولِما قَدَّرَ النَّحْلَ لِإنْتاجِ العَسَلِ ألْهَمَها أنْ تَرْعى النَّوَرَ والثِّمارَ، وألْهَمَها بِناءَ الجَبْحِ وخَلاياهُ المُسَدَّسَةِ الَّتِي تَضَعُ فِيها العَسَلَ. ومِن أجَلِّ مَظاهِرِ التَّقْدِيرِ والهِدايَةِ تَقْدِيرُ قُوى التَّناسُلِ لِلْحَيَوانِ لِبَقاءِ النَّوْعِ. فَمَفْعُولُ هَدى مَحْذُوفٌ لِإفادَةِ العُمُومِ وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ قابِلِيَّةُ الهَدْيِ فَهو مَخْصُوصٌ بِذَواتِ الإدْراكِ والإرادَةِ وهي أنْواعُ الحَيَوانِ، فَإنَّ الأنْواعَ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ وقَدَّرَ نِظامَها ولَمْ يُقَدِّرْ لَها الإدْراكَ مِثْلَ تَقْدِيرِ الإثْمارِ لِلشَّجَرِ، وإنْتاجِ الزَّرِيعَةِ لِتَجَدُّدِ الإنْباتِ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ مِن قَوْلِهِ: فَهَدى لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ ومُقَدَّرَةٌ ولَكِنَّها غَيْرُ مَهْدِيَّةٍ لِعَدَمِ صَلاحِها لِلِاهْتِداءِ، وإنْ جُعِلَ مَفْعُولُ خَلَقَ خاصًّا وهو الإنْسانُ كانَ مَفْعُولُ قَدَّرَ عَلى وِزانِهِ، أيْ: تَقْدِيرُ كَمالِ قُوى الإنْسانِ، وكانَتِ الهِدايَةُ هِدايَةً خاصَّةً وهي دَلالَةُ الإدْراكِ والعَقْلِ. وأُوثِرَ وصْفا التَّسْوِيَةِ والهِدايَةِ مِن بَيْنِ صِفاتِ الأفْعالِ الَّتِي هي نِعَمٌ عَلى النّاسِ ودالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مُناسَبَةٌ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ فَإنَّ الَّذِي يُسَوِّي خَلْقَ النَّبِيءِ ﷺ تَسْوِيَةً تُلائِمُ ما خَلَقَهُ لِأجْلِهِ مِن تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ لا يَفُوتُهُ أنْ يُهَيِّئَهُ لِحِفْظِ ما يُوحِيهِ إلَيْهِ وتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِ وإعْطائِهِ شَرِيعَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ التَّيْسِيرِ قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] وقالَ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] . وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ تَذْكِيرٌ لِخَلْقِ جِنْسِ النَّباتِ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ. واقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ أنْواعِهِ وهو الكَلَأُ؛ لِأنَّهُ مَعاشُ السَّوائِمِ الَّتِي يَنْتَفِعُ النّاسُ بِها. صفحة ٢٧٨ والمُرادُ: إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ وهو إنْباتُهُ. والمَرْعى: النَّبْتُ الَّذِي تَرْعاهُ السَّوائِمُ، وأصْلُهُ: إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُطْلِقَ عَلى الشَّيْءِ المَرْعِيِّ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وإمّا اسْمُ مَكانِ الرَّعْيِ أُطْلِقَ عَلى ما يَنْبُتُ فِيهِ ويُرْعى إطْلاقًا مَجازِيًّا بِعَلاقَةِ الحُلُولِ كَما أُطْلِقَ اسْمُ الوادِي عَلى الماءِ الجارِي فِيهِ. والقَرِينَةُ جَعْلُهُ مَفْعُولًا لِـ أخْرَجَ، وإيثارُ كَلِمَةِ المَرْعى دُونَ لَفْظِ النَّباتِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ مادَّةُ الرَّعْيِ مِن نَفْعِ الأنْعامِ بِهِ ونَفْعِها لِلنّاسِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَها مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ. والغُثاءُ: بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَخْفِيفِ المُثَلَّثَةِ، ويُقالُ بِتَشْدِيدِ المُثَلَّثَةِ وهو اليابِسُ مِنَ النَّبْتِ. والأحْوى: المَوْصُوفُ بِالحُوَّةِ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي مِنَ الألْوانِ: سُمْرَةٌ تَقْرُبُ مِنَ السَّوادِ. وهو صِفَةُ غُثاءً لِأنَّ الغُثاءَ يابِسٌ فَتَصِيرُ خُضْرَتُهُ حُوَّةً. وهَذا الوَصْفُ أحَوى لِاسْتِحْضارِ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالإنْشاءِ وبِالإنْهاءِ. وفِي وصْفِ إخْراجِ اللَّهِ المَرْعى وجَعْلِهِ غُثاءً أحَوى مَعَ ما سَبَقَهُ مِنَ الأوْصافِ في سِياقِ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ إيماءً إلى تَمْثِيلِ حالِ القُرْآنِ وهِدايَتِهِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَنْفَعُ النّاسَ بِحالِ الغَيْثِ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ المَرْعى فَتَنْتَفِعُ بِهِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وإلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ تَكْمُلُ ويَبْلُغُ ما أرادَ اللَّهُ فِيها كَما يَكْمُلُ المَرْعى ويَبْلُغُ نُضْجَهُ حِينَ يَصِيرُ غُثاءً أحَوى، عَلى طَرِيقَةٍ تَمْثِيلِيَّةٍ مَكْنِيَّةٍ رُمِزَ إلَيْها بِذِكْرِ لازِمِ الغَيْثِ وهو المَرْعى. وقَدْ جاءَ بَيانُ هَذا الإيماءِ وتَفْصِيلِهِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا» الحَدِيثَ. صفحة ٢٧٩ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ إدْماجُ العِبْرَةِ بِتَصارِيفِ ما أوْدَعَ اللَّهُ في المَخْلُوقاتِ مِن مُخْتَلَفِ الأطْوارِ مِنَ الشَّيْءِ إلى ضِدِّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِالفَناءِ بَعْدَ الحَياةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُدَّةَ نَضارَةِ الحَياةِ لِلْأشْياءِ تُشْبِهُ المُدَّةَ القَصِيرَةَ، فاسْتُعِيرَ لِعَطْفِ جَعَلَهُ غُثاءً الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِعَطْفِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حُكْمُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] .

الأعلى 87:3

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ . الِافْتِتاحُ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يُسَبِّحَ اسْمَ رَبِّهِ بِالقَوْلِ، يُؤْذِنُ بِأنَّهُ سَيُلْقِي إلَيْهِ عَقِبَهُ بِشارَةً وخَيْرًا لَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] الآياتِ كَما سَيَأْتِي فَفِيهِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ. صفحة ٢٧٣ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ، وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تُضافُ لِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ الأفْعالُ المُشْتَقَّةُ مِنهُ لا تَرْفَعُ ولا تَنْصِبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ إلّا ما هو اسْمٌ لِلَّهِ، وكَذَلِكَ أسْماءُ المَصْدَرِ مِنهُ نَحْوُ: سُبْحانَ اللَّهِ. وهو مِنَ المَعانِي الدِّينِيَّةِ، فَأشْبَهَ أنَّهُ مَنقُولٌ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإذْ عُدِّيَ فِعْلُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ هُنا إلى اسْمٍ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَوْلٌ دالٌّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ بِطَرِيقَةِ إجْراءِ الأخْبارِ الطَّيِّبَةِ، أوِ التَّوْصِيفِ بِالأوْصافِ المُقَدَّسَةِ لِإثْباتِها إلى ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ تَعالى مِنَ الأسْماءِ والمَعانِي، ولِما كانَ أقْوالًا كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِاسْمِ اللَّهِ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، فالمَأْمُورُ بِهِ إجْراءُ الأخْبارِ الشَّرِيفَةِ والصِّفاتِ الرَّفِيعَةِ عَلى الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْلامٍ وصِفاتٍ ونَحْوِها، وذَلِكَ آيِلٌ إلى تَنْزِيهِ المُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ. ولِهَذا يَكْثُرُ في القُرْآنِ إناطَةُ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في مَبْحَثِ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ في أوَّلِ هَذا التَّفْسِيرِ. فَتَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ النُّطْقُ بِتَنْزِيهِهِ في الخُوَيِّصَةِ، وبَيْنَ النّاسِ بِذِكْرٍ يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ كالسُّجُودِ والحَمْدِ. ويَشْمَلُ ذَلِكَ اسْتِحْضارَ النّاطِقِ بِألْفاظِ التَّسْبِيحِ مَعانِيَ تِلْكَ الألْفاظِ إذِ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ مَعْناهُ. وبِتَظاهُرِ النُّطْقِ مَعَ اسْتِحْضارِ المَعْنى يَتَكَرَّرُ المَعْنى عَلى ذِهْنِ المُتَكَلِّمِ ويَتَجَدَّدُ ما في نَفْسِهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا تَفَكُّرُ العَبْدِ في عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْدِيدُ تَنْزِيهِهِ في ذِهْنِهِ فَهو تَسْبِيحٌ لِذاتِ اللَّهِ ومُسَمّى اسْمِهِ، ولا يُسَمّى تَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَجْرِي عَلى لَفْظٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَسْبِيحُ ذاتِ اللَّهِ ولَيْسَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ. وهَذا مَلاكُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ تَعَلُّقِ لَفْظِ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ نَحْوَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِدُونِ اسْمٍ نَحْوَ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] ونَحْوَ ﴿ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فَإذا قُلْنا اللَّهُ أحَدٌ أوْ قُلْنا ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ صفحة ٢٧٤ تَعالى، وإذا نَفَيْنا الإلاهِيَّةَ عَنِ الأصْنامِ لِأنَّها لا تُخْلَقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِذاتِ اللَّهِ لا لِاسْمِهِ؛ لِأنَّ اسْمَهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ في هَذا الكَلامِ إخْبارٌ ولا تَوْصِيفٌ. فَهَذا مَناطُ الفَرْقِ بَيْنَ اسْتِعْمالِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ واسْتِعْمالِ وسَبِّحْهُ ومَآلُ الإطْلاقَيْنِ في المَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ كِلا الإطْلاقَيْنِ مُرادٌ بِهِ الإرْشادُ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ. واعْلَمْ أنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى إرادَةِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ وُجُودَ قَرِينَةٍ في الكَلامِ تَقْتَضِيهِ، مِثْلَ التَّوْقِيتِ بِالوَقْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] فَإنَّ الَّذِي يُكَلِّفُ بِتَوْقِيتِهِ هو الأقْوالُ والأفْعالُ دُونَ العَقائِدِ، ومِثْلَ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] فَإنَّ الحَمْدَ قَوْلٌ فَلا يُصاحِبُ إلّا قَوْلًا مِثْلَهُ. وتَعْرِيفُ اسْمٍ بِطَرِيقَةِ الإضافَةِ إلى رَبِّكَ دُونَ تَعْرِيفِهِ بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ الجَلالَةِ نَحْوَ: سَبِّحِ اسْمَ اللَّهِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ وصْفُ رَبٍّ مِن أنَّهُ الخالِقُ المُدَبِّرُ. وأمّا إضافَةُ رَبٍّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِتَشْرِيفِهِ بِهَذِهِ الإضافَةِ وأنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ زائِدٌ عَلى التَّكْلِيفِ بِالتَّسْبِيحِ. ثُمَّ أُجْرِيَ عَلى لَفْظِ رَبِّكَ صِفَةُ الأعْلى وما بَعْدَها مِنَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى تَصَرُّفاتِ قُدْرَتِهِ، فَهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّنْزِيهِ لِصِفاتِ ذاتِهِ ولِصِفاتِ إنْعامِهِ عَلى النّاسِ بِخَلْقِهِمْ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، وهِدايَتِهِمْ، ورِزْقِهِمْ، ورِزْقِ أنْعامِهِمْ، لِلْإيماءِ إلى مُوجَبِ الأمْرِ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّنْزِيهِ اسْتِحْقاقًا لِذاتِهِ ولِوَصْفِهِ بِصِفَةِ أنَّهُ خالِقٌ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا يَدُلُّ عَلى العِلْمِ والحِكْمَةِ وإتْقانِ الصُّنْعِ، وبِأنَّهُ أنْعَمَ بِالهُدى والرِّزْقِ اللَّذَيْنِ بِهِما اسْتِقامَةُ حالِ البَشَرِ في النَّفْسِ والجَسَدِ وأُوثِرَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ لِما لَها مِنَ المُناسَبَةِ لِغَرَضِ السُّورَةِ كَما سَنُبَيِّنُهُ. فَلَفْظُ الأعْلى اسْمٌ يُفِيدُ الزِّيادَةَ في صِفَةِ العُلُوِّ، أيِ: الِارْتِفاعُ. والِارْتِفاعُ مَعْدُودٌ في عُرْفِ النّاسِ مِنَ الكَمالِ، فَلا يُنْسَبُ العُلُوُّ بِدُونِ تَقْيِيدٍ إلّا إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْمُومٍ في العُرْفِ، ولِذَلِكَ إذا لَمْ يُذْكَرْ مَعَ وصْفِ الأعْلى مُفَضَّلٌ عَلَيْهِ أفادَ التَّفْضِيلَ المُطْلَقَ كَما في وصْفِهِ تَعالى هُنا، ولِهَذا حُكِيَ عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] . صفحة ٢٧٥ والعُلُوُّ المُشْتَقُّ مِنهُ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى عُلُوٌّ مَجازِيٌّ، وهو الكَمالُ التّامُّ الدّائِمُ. ولَمْ يُعَدَّ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى في عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى اسْتِغْناءً عَنِ اسْمِهِ العَلِيِّ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ فَلا يُعَدُّ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ إلّا ما كَثُرَ إطْلاقُهُ إطْلاقَ الأسْماءِ، وهو أوْغَلُ مِنَ الصِّفاتِ، قالَ الغَزالِيُّ: والعُلُوُّ في الرُّتْبَةِ العَقْلِيَّةِ مِثْلُ العُلُوِّ في التَّدْرِيجاتِ الحِسِّيَّةِ، ومِثالُ الدَّرَجَةِ العَقْلِيَّةِ، كالتَّفاوُتِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ والعِلَّةِ والمَعْلُولِ والفاعِلِ والقابِلِ والكامِلِ والنّاقِصِ اهـ. وإيثارُ هَذا الوَصْفِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ التَّنْوِيهَ بِالقُرْآنِ والتَّثْبِيتَ عَلى تَلَقِّيهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّذْكِيرِ وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ فَهو مِن مُتَعَلِّقاتِ وصْفِ العُلُوِّ الإلَهِيِّ إذْ هو كَلامُهُ. وهَذا الوَصْفُ هو مَلاكُ القانُونِ في تَفْسِيرِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ومَحامِلِها عَلى ما يَلِيقُ بِوَصْفِ الأعْلى، فَلِذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُ المُتَشابِهاتِ مِنَ الصِّفاتِ. وقَدْ جُعِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ دُعاءُ السُّجُودِ في الصَّلاةِ إذْ ورَدَ أنْ يَقُولَ السّاجِدُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، لِيَقْرِنَ أثَرَ التَّنْزِيهِ الفِعْلِيِّ بِأثَرِ التَّنْزِيهِ القَوْلِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ اشْتَمَلَتْ عَلى وصْفَيْنِ وصْفِ الخَلْقِ ووَصْفِ تَسْوِيَةِ الخَلْقِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ خَلَقَ فَيَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا، وهو ما قَدَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وهو شَأْنُ حَذْفِ المَفْعُولِ إذا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، أيْ: خَلَقَ كُلَّ مَخْلُوقٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ مُوسى ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ خاصًّا، أيْ: خَلَقَ الإنْسانَ كَما قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ، أوْ خَلَقَ آدَمَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، أيْ: بِقَرِينَةِ قَرْنِ فِعْلِ خَلَقَ بِفِعْلِ سَوّى قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] الآيَةَ. وعَطَفَ جُمْلَةَ فَسَوّى بِالفاءِ دُونَ الواوِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَضْمُونَها هو المَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ وأنَّ ما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ كَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: صفحة ٢٧٦ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّـ ـابِحِ فالـغَـانِـمِ فَـالآيِبِ لِأنَّ التَّلَهُّفَ يَحِقُّ إذا صَبَّحَهم، فَغَنِمَ أمْوالَهم وآبَ بِها ولَمْ يَسْتَطِيعُوا دِفاعَهُ ولا اسْتِرْجاعَهُ. فالفاءُ مِن قَوْلِهِ: فَسَوّى لِلتَّفْرِيعِ في الذِّكْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ مِنِ اعْتِبارِ المُعْتَبَرِ عَلى التَّسْوِيَةِ، وإنْ كانَ حُصُولُ التَّسْوِيَةِ مُقارِنًا لِحُصُولِ الخَلْقِ. والتَّسْوِيَةُ: تَسْوِيَةُ ما خَلَقَهُ فَإنْ حُمِلَ عَلى العُمُومِ، فالتَّسْوِيَةُ أنْ جَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ ونَوْعٍ مِنَ المَوْجُوداتِ مُعادِلًا، أيْ: مُناسِبًا لِلْأعْمالِ الَّتِي في جِبِلَّتِهِ فاعْوِجاجُ زُبانى العَقْرَبِ مِن تَسْوِيَةِ خَلْقِها لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِها بِهِ بِسُهُولَةٍ. ولِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِلْخِلْقَةِ عَطَفَ عَلى فِعْلِ خَلَقَ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّسَبُّبِ، أيْ: تَرَتَّبَ عَلى الخَلْقِ تَسْوِيَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: وضْعُ المِقْدارِ وإيجادُهُ في الأشْياءِ في ذَواتِها وقُواها، يُقالُ: قَدَّرَ بِالتَّضْعِيفِ وقَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأها الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِالتَّخْفِيفِ. والمِقْدارُ: أصْلُهُ كَمِّيَّةُ الشَّيْءِ الَّتِي تُضْبَطُ بِالذَّرْعِ أوِ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ أوِ العَدِّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى تَكْوِينِ المَخْلُوقاتِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُنَظَّمَةٍ مُطَّرِدَةٍ مِن تَرْكِيبِ الأجْزاءِ الجَسَدِيَّةِ الظّاهِرَةِ، مِثْلَ اليَدَيْنِ، والباطِنَةِ مِثْلَ القَلْبِ، ومِن إيداعِ القُوى العَقْلِيَّةِ كالحِسِّ والِاسْتِطاعَةِ وحِيَلِ الصِّناعَةِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ تَكْرِيرِهِ، لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ وإثْباتِها لِمَدْلُولِ المَوْصُولِ وهَذا مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ. وعَطْفُ قَوْلِهِ: فَهَدى مِثْلُ عَطْفِ فَسَوّى، فَإنْ حُمِلَ خَلَقَ وقَدَّرَ عَلى عُمُومِ المَفْعُولِ كانَتِ الهِدايَةُ عامَّةً. والقَوْلُ في وجْهِ عَطْفِ فَهَدى بِالفاءِ مِثْلُ القَوْلِ في عَطْفِ فَسَوّى. وعَطْفُ فَهَدى عَلى قَدَّرَ عَطْفُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ أيْ فَهَدى كُلَّ صفحة ٢٧٧ مُقَدَّرٍ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، فَهِدايَةُ الإنْسانِ وأنْواعِ جِنْسِهِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ الإدْراكُ والإرادَةُ هي هِدايَةُ الإلْهامِ إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِ ما قُدِّرَ فِيهِ مِنَ المَقادِيرِ والقُوى فِيما يُناسِبُ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ فَكُلَّما حَصَلَ شَيْءٌ مِن آثارِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَصَلَ بِأثَرِهِ الِاهْتِداءُ إلى تَنْفِيذِهِ. والمَعْنى: قَدَّرَ الأشْياءَ كُلَّها فَهَداها إلى أداءِ وظائِفِها كَما قُدِّرَ لَها، فاللَّهُ لَمّا قَدَّرَ لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلنُّطْقِ والعِلْمِ والصِّناعَةِ بِما وهَبَهُ مِنَ العَقْلِ وآلاتِ الجَسَدِ هَداهُ لِاسْتِعْمالِ فِكْرِهِ لِما يُحَصِّلُ ما خُلِقَ لَهُ، ولَمّا قَدَّرَ البَقَرَةَ لِلدَّرِّ، ألْهَمَها الرَّعْيَ ورِثْمانَ ولَدِها لِتَدِرَّ بِذَلِكَ لِلْحالِبِ، ولِما قَدَّرَ النَّحْلَ لِإنْتاجِ العَسَلِ ألْهَمَها أنْ تَرْعى النَّوَرَ والثِّمارَ، وألْهَمَها بِناءَ الجَبْحِ وخَلاياهُ المُسَدَّسَةِ الَّتِي تَضَعُ فِيها العَسَلَ. ومِن أجَلِّ مَظاهِرِ التَّقْدِيرِ والهِدايَةِ تَقْدِيرُ قُوى التَّناسُلِ لِلْحَيَوانِ لِبَقاءِ النَّوْعِ. فَمَفْعُولُ هَدى مَحْذُوفٌ لِإفادَةِ العُمُومِ وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ قابِلِيَّةُ الهَدْيِ فَهو مَخْصُوصٌ بِذَواتِ الإدْراكِ والإرادَةِ وهي أنْواعُ الحَيَوانِ، فَإنَّ الأنْواعَ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ وقَدَّرَ نِظامَها ولَمْ يُقَدِّرْ لَها الإدْراكَ مِثْلَ تَقْدِيرِ الإثْمارِ لِلشَّجَرِ، وإنْتاجِ الزَّرِيعَةِ لِتَجَدُّدِ الإنْباتِ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ مِن قَوْلِهِ: فَهَدى لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ ومُقَدَّرَةٌ ولَكِنَّها غَيْرُ مَهْدِيَّةٍ لِعَدَمِ صَلاحِها لِلِاهْتِداءِ، وإنْ جُعِلَ مَفْعُولُ خَلَقَ خاصًّا وهو الإنْسانُ كانَ مَفْعُولُ قَدَّرَ عَلى وِزانِهِ، أيْ: تَقْدِيرُ كَمالِ قُوى الإنْسانِ، وكانَتِ الهِدايَةُ هِدايَةً خاصَّةً وهي دَلالَةُ الإدْراكِ والعَقْلِ. وأُوثِرَ وصْفا التَّسْوِيَةِ والهِدايَةِ مِن بَيْنِ صِفاتِ الأفْعالِ الَّتِي هي نِعَمٌ عَلى النّاسِ ودالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مُناسَبَةٌ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ فَإنَّ الَّذِي يُسَوِّي خَلْقَ النَّبِيءِ ﷺ تَسْوِيَةً تُلائِمُ ما خَلَقَهُ لِأجْلِهِ مِن تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ لا يَفُوتُهُ أنْ يُهَيِّئَهُ لِحِفْظِ ما يُوحِيهِ إلَيْهِ وتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِ وإعْطائِهِ شَرِيعَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ التَّيْسِيرِ قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] وقالَ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] . وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ تَذْكِيرٌ لِخَلْقِ جِنْسِ النَّباتِ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ. واقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ أنْواعِهِ وهو الكَلَأُ؛ لِأنَّهُ مَعاشُ السَّوائِمِ الَّتِي يَنْتَفِعُ النّاسُ بِها. صفحة ٢٧٨ والمُرادُ: إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ وهو إنْباتُهُ. والمَرْعى: النَّبْتُ الَّذِي تَرْعاهُ السَّوائِمُ، وأصْلُهُ: إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُطْلِقَ عَلى الشَّيْءِ المَرْعِيِّ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وإمّا اسْمُ مَكانِ الرَّعْيِ أُطْلِقَ عَلى ما يَنْبُتُ فِيهِ ويُرْعى إطْلاقًا مَجازِيًّا بِعَلاقَةِ الحُلُولِ كَما أُطْلِقَ اسْمُ الوادِي عَلى الماءِ الجارِي فِيهِ. والقَرِينَةُ جَعْلُهُ مَفْعُولًا لِـ أخْرَجَ، وإيثارُ كَلِمَةِ المَرْعى دُونَ لَفْظِ النَّباتِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ مادَّةُ الرَّعْيِ مِن نَفْعِ الأنْعامِ بِهِ ونَفْعِها لِلنّاسِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَها مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ. والغُثاءُ: بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَخْفِيفِ المُثَلَّثَةِ، ويُقالُ بِتَشْدِيدِ المُثَلَّثَةِ وهو اليابِسُ مِنَ النَّبْتِ. والأحْوى: المَوْصُوفُ بِالحُوَّةِ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي مِنَ الألْوانِ: سُمْرَةٌ تَقْرُبُ مِنَ السَّوادِ. وهو صِفَةُ غُثاءً لِأنَّ الغُثاءَ يابِسٌ فَتَصِيرُ خُضْرَتُهُ حُوَّةً. وهَذا الوَصْفُ أحَوى لِاسْتِحْضارِ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالإنْشاءِ وبِالإنْهاءِ. وفِي وصْفِ إخْراجِ اللَّهِ المَرْعى وجَعْلِهِ غُثاءً أحَوى مَعَ ما سَبَقَهُ مِنَ الأوْصافِ في سِياقِ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ إيماءً إلى تَمْثِيلِ حالِ القُرْآنِ وهِدايَتِهِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَنْفَعُ النّاسَ بِحالِ الغَيْثِ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ المَرْعى فَتَنْتَفِعُ بِهِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وإلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ تَكْمُلُ ويَبْلُغُ ما أرادَ اللَّهُ فِيها كَما يَكْمُلُ المَرْعى ويَبْلُغُ نُضْجَهُ حِينَ يَصِيرُ غُثاءً أحَوى، عَلى طَرِيقَةٍ تَمْثِيلِيَّةٍ مَكْنِيَّةٍ رُمِزَ إلَيْها بِذِكْرِ لازِمِ الغَيْثِ وهو المَرْعى. وقَدْ جاءَ بَيانُ هَذا الإيماءِ وتَفْصِيلِهِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا» الحَدِيثَ. صفحة ٢٧٩ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ إدْماجُ العِبْرَةِ بِتَصارِيفِ ما أوْدَعَ اللَّهُ في المَخْلُوقاتِ مِن مُخْتَلَفِ الأطْوارِ مِنَ الشَّيْءِ إلى ضِدِّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِالفَناءِ بَعْدَ الحَياةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُدَّةَ نَضارَةِ الحَياةِ لِلْأشْياءِ تُشْبِهُ المُدَّةَ القَصِيرَةَ، فاسْتُعِيرَ لِعَطْفِ جَعَلَهُ غُثاءً الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِعَطْفِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حُكْمُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] .

الأعلى 87:4

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ . الِافْتِتاحُ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يُسَبِّحَ اسْمَ رَبِّهِ بِالقَوْلِ، يُؤْذِنُ بِأنَّهُ سَيُلْقِي إلَيْهِ عَقِبَهُ بِشارَةً وخَيْرًا لَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] الآياتِ كَما سَيَأْتِي فَفِيهِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ. صفحة ٢٧٣ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ، وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تُضافُ لِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ الأفْعالُ المُشْتَقَّةُ مِنهُ لا تَرْفَعُ ولا تَنْصِبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ إلّا ما هو اسْمٌ لِلَّهِ، وكَذَلِكَ أسْماءُ المَصْدَرِ مِنهُ نَحْوُ: سُبْحانَ اللَّهِ. وهو مِنَ المَعانِي الدِّينِيَّةِ، فَأشْبَهَ أنَّهُ مَنقُولٌ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإذْ عُدِّيَ فِعْلُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ هُنا إلى اسْمٍ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَوْلٌ دالٌّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ بِطَرِيقَةِ إجْراءِ الأخْبارِ الطَّيِّبَةِ، أوِ التَّوْصِيفِ بِالأوْصافِ المُقَدَّسَةِ لِإثْباتِها إلى ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ تَعالى مِنَ الأسْماءِ والمَعانِي، ولِما كانَ أقْوالًا كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِاسْمِ اللَّهِ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، فالمَأْمُورُ بِهِ إجْراءُ الأخْبارِ الشَّرِيفَةِ والصِّفاتِ الرَّفِيعَةِ عَلى الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْلامٍ وصِفاتٍ ونَحْوِها، وذَلِكَ آيِلٌ إلى تَنْزِيهِ المُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ. ولِهَذا يَكْثُرُ في القُرْآنِ إناطَةُ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في مَبْحَثِ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ في أوَّلِ هَذا التَّفْسِيرِ. فَتَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ النُّطْقُ بِتَنْزِيهِهِ في الخُوَيِّصَةِ، وبَيْنَ النّاسِ بِذِكْرٍ يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ كالسُّجُودِ والحَمْدِ. ويَشْمَلُ ذَلِكَ اسْتِحْضارَ النّاطِقِ بِألْفاظِ التَّسْبِيحِ مَعانِيَ تِلْكَ الألْفاظِ إذِ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ مَعْناهُ. وبِتَظاهُرِ النُّطْقِ مَعَ اسْتِحْضارِ المَعْنى يَتَكَرَّرُ المَعْنى عَلى ذِهْنِ المُتَكَلِّمِ ويَتَجَدَّدُ ما في نَفْسِهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا تَفَكُّرُ العَبْدِ في عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْدِيدُ تَنْزِيهِهِ في ذِهْنِهِ فَهو تَسْبِيحٌ لِذاتِ اللَّهِ ومُسَمّى اسْمِهِ، ولا يُسَمّى تَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَجْرِي عَلى لَفْظٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَسْبِيحُ ذاتِ اللَّهِ ولَيْسَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ. وهَذا مَلاكُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ تَعَلُّقِ لَفْظِ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ نَحْوَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِدُونِ اسْمٍ نَحْوَ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] ونَحْوَ ﴿ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فَإذا قُلْنا اللَّهُ أحَدٌ أوْ قُلْنا ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ صفحة ٢٧٤ تَعالى، وإذا نَفَيْنا الإلاهِيَّةَ عَنِ الأصْنامِ لِأنَّها لا تُخْلَقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِذاتِ اللَّهِ لا لِاسْمِهِ؛ لِأنَّ اسْمَهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ في هَذا الكَلامِ إخْبارٌ ولا تَوْصِيفٌ. فَهَذا مَناطُ الفَرْقِ بَيْنَ اسْتِعْمالِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ واسْتِعْمالِ وسَبِّحْهُ ومَآلُ الإطْلاقَيْنِ في المَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ كِلا الإطْلاقَيْنِ مُرادٌ بِهِ الإرْشادُ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ. واعْلَمْ أنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى إرادَةِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ وُجُودَ قَرِينَةٍ في الكَلامِ تَقْتَضِيهِ، مِثْلَ التَّوْقِيتِ بِالوَقْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] فَإنَّ الَّذِي يُكَلِّفُ بِتَوْقِيتِهِ هو الأقْوالُ والأفْعالُ دُونَ العَقائِدِ، ومِثْلَ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] فَإنَّ الحَمْدَ قَوْلٌ فَلا يُصاحِبُ إلّا قَوْلًا مِثْلَهُ. وتَعْرِيفُ اسْمٍ بِطَرِيقَةِ الإضافَةِ إلى رَبِّكَ دُونَ تَعْرِيفِهِ بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ الجَلالَةِ نَحْوَ: سَبِّحِ اسْمَ اللَّهِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ وصْفُ رَبٍّ مِن أنَّهُ الخالِقُ المُدَبِّرُ. وأمّا إضافَةُ رَبٍّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِتَشْرِيفِهِ بِهَذِهِ الإضافَةِ وأنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ زائِدٌ عَلى التَّكْلِيفِ بِالتَّسْبِيحِ. ثُمَّ أُجْرِيَ عَلى لَفْظِ رَبِّكَ صِفَةُ الأعْلى وما بَعْدَها مِنَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى تَصَرُّفاتِ قُدْرَتِهِ، فَهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّنْزِيهِ لِصِفاتِ ذاتِهِ ولِصِفاتِ إنْعامِهِ عَلى النّاسِ بِخَلْقِهِمْ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، وهِدايَتِهِمْ، ورِزْقِهِمْ، ورِزْقِ أنْعامِهِمْ، لِلْإيماءِ إلى مُوجَبِ الأمْرِ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّنْزِيهِ اسْتِحْقاقًا لِذاتِهِ ولِوَصْفِهِ بِصِفَةِ أنَّهُ خالِقٌ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا يَدُلُّ عَلى العِلْمِ والحِكْمَةِ وإتْقانِ الصُّنْعِ، وبِأنَّهُ أنْعَمَ بِالهُدى والرِّزْقِ اللَّذَيْنِ بِهِما اسْتِقامَةُ حالِ البَشَرِ في النَّفْسِ والجَسَدِ وأُوثِرَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ لِما لَها مِنَ المُناسَبَةِ لِغَرَضِ السُّورَةِ كَما سَنُبَيِّنُهُ. فَلَفْظُ الأعْلى اسْمٌ يُفِيدُ الزِّيادَةَ في صِفَةِ العُلُوِّ، أيِ: الِارْتِفاعُ. والِارْتِفاعُ مَعْدُودٌ في عُرْفِ النّاسِ مِنَ الكَمالِ، فَلا يُنْسَبُ العُلُوُّ بِدُونِ تَقْيِيدٍ إلّا إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْمُومٍ في العُرْفِ، ولِذَلِكَ إذا لَمْ يُذْكَرْ مَعَ وصْفِ الأعْلى مُفَضَّلٌ عَلَيْهِ أفادَ التَّفْضِيلَ المُطْلَقَ كَما في وصْفِهِ تَعالى هُنا، ولِهَذا حُكِيَ عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] . صفحة ٢٧٥ والعُلُوُّ المُشْتَقُّ مِنهُ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى عُلُوٌّ مَجازِيٌّ، وهو الكَمالُ التّامُّ الدّائِمُ. ولَمْ يُعَدَّ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى في عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى اسْتِغْناءً عَنِ اسْمِهِ العَلِيِّ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ فَلا يُعَدُّ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ إلّا ما كَثُرَ إطْلاقُهُ إطْلاقَ الأسْماءِ، وهو أوْغَلُ مِنَ الصِّفاتِ، قالَ الغَزالِيُّ: والعُلُوُّ في الرُّتْبَةِ العَقْلِيَّةِ مِثْلُ العُلُوِّ في التَّدْرِيجاتِ الحِسِّيَّةِ، ومِثالُ الدَّرَجَةِ العَقْلِيَّةِ، كالتَّفاوُتِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ والعِلَّةِ والمَعْلُولِ والفاعِلِ والقابِلِ والكامِلِ والنّاقِصِ اهـ. وإيثارُ هَذا الوَصْفِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ التَّنْوِيهَ بِالقُرْآنِ والتَّثْبِيتَ عَلى تَلَقِّيهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّذْكِيرِ وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ فَهو مِن مُتَعَلِّقاتِ وصْفِ العُلُوِّ الإلَهِيِّ إذْ هو كَلامُهُ. وهَذا الوَصْفُ هو مَلاكُ القانُونِ في تَفْسِيرِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ومَحامِلِها عَلى ما يَلِيقُ بِوَصْفِ الأعْلى، فَلِذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُ المُتَشابِهاتِ مِنَ الصِّفاتِ. وقَدْ جُعِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ دُعاءُ السُّجُودِ في الصَّلاةِ إذْ ورَدَ أنْ يَقُولَ السّاجِدُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، لِيَقْرِنَ أثَرَ التَّنْزِيهِ الفِعْلِيِّ بِأثَرِ التَّنْزِيهِ القَوْلِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ اشْتَمَلَتْ عَلى وصْفَيْنِ وصْفِ الخَلْقِ ووَصْفِ تَسْوِيَةِ الخَلْقِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ خَلَقَ فَيَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا، وهو ما قَدَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وهو شَأْنُ حَذْفِ المَفْعُولِ إذا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، أيْ: خَلَقَ كُلَّ مَخْلُوقٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ مُوسى ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ خاصًّا، أيْ: خَلَقَ الإنْسانَ كَما قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ، أوْ خَلَقَ آدَمَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، أيْ: بِقَرِينَةِ قَرْنِ فِعْلِ خَلَقَ بِفِعْلِ سَوّى قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] الآيَةَ. وعَطَفَ جُمْلَةَ فَسَوّى بِالفاءِ دُونَ الواوِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَضْمُونَها هو المَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ وأنَّ ما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ كَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: صفحة ٢٧٦ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّـ ـابِحِ فالـغَـانِـمِ فَـالآيِبِ لِأنَّ التَّلَهُّفَ يَحِقُّ إذا صَبَّحَهم، فَغَنِمَ أمْوالَهم وآبَ بِها ولَمْ يَسْتَطِيعُوا دِفاعَهُ ولا اسْتِرْجاعَهُ. فالفاءُ مِن قَوْلِهِ: فَسَوّى لِلتَّفْرِيعِ في الذِّكْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ مِنِ اعْتِبارِ المُعْتَبَرِ عَلى التَّسْوِيَةِ، وإنْ كانَ حُصُولُ التَّسْوِيَةِ مُقارِنًا لِحُصُولِ الخَلْقِ. والتَّسْوِيَةُ: تَسْوِيَةُ ما خَلَقَهُ فَإنْ حُمِلَ عَلى العُمُومِ، فالتَّسْوِيَةُ أنْ جَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ ونَوْعٍ مِنَ المَوْجُوداتِ مُعادِلًا، أيْ: مُناسِبًا لِلْأعْمالِ الَّتِي في جِبِلَّتِهِ فاعْوِجاجُ زُبانى العَقْرَبِ مِن تَسْوِيَةِ خَلْقِها لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِها بِهِ بِسُهُولَةٍ. ولِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِلْخِلْقَةِ عَطَفَ عَلى فِعْلِ خَلَقَ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّسَبُّبِ، أيْ: تَرَتَّبَ عَلى الخَلْقِ تَسْوِيَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: وضْعُ المِقْدارِ وإيجادُهُ في الأشْياءِ في ذَواتِها وقُواها، يُقالُ: قَدَّرَ بِالتَّضْعِيفِ وقَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأها الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِالتَّخْفِيفِ. والمِقْدارُ: أصْلُهُ كَمِّيَّةُ الشَّيْءِ الَّتِي تُضْبَطُ بِالذَّرْعِ أوِ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ أوِ العَدِّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى تَكْوِينِ المَخْلُوقاتِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُنَظَّمَةٍ مُطَّرِدَةٍ مِن تَرْكِيبِ الأجْزاءِ الجَسَدِيَّةِ الظّاهِرَةِ، مِثْلَ اليَدَيْنِ، والباطِنَةِ مِثْلَ القَلْبِ، ومِن إيداعِ القُوى العَقْلِيَّةِ كالحِسِّ والِاسْتِطاعَةِ وحِيَلِ الصِّناعَةِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ تَكْرِيرِهِ، لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ وإثْباتِها لِمَدْلُولِ المَوْصُولِ وهَذا مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ. وعَطْفُ قَوْلِهِ: فَهَدى مِثْلُ عَطْفِ فَسَوّى، فَإنْ حُمِلَ خَلَقَ وقَدَّرَ عَلى عُمُومِ المَفْعُولِ كانَتِ الهِدايَةُ عامَّةً. والقَوْلُ في وجْهِ عَطْفِ فَهَدى بِالفاءِ مِثْلُ القَوْلِ في عَطْفِ فَسَوّى. وعَطْفُ فَهَدى عَلى قَدَّرَ عَطْفُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ أيْ فَهَدى كُلَّ صفحة ٢٧٧ مُقَدَّرٍ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، فَهِدايَةُ الإنْسانِ وأنْواعِ جِنْسِهِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ الإدْراكُ والإرادَةُ هي هِدايَةُ الإلْهامِ إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِ ما قُدِّرَ فِيهِ مِنَ المَقادِيرِ والقُوى فِيما يُناسِبُ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ فَكُلَّما حَصَلَ شَيْءٌ مِن آثارِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَصَلَ بِأثَرِهِ الِاهْتِداءُ إلى تَنْفِيذِهِ. والمَعْنى: قَدَّرَ الأشْياءَ كُلَّها فَهَداها إلى أداءِ وظائِفِها كَما قُدِّرَ لَها، فاللَّهُ لَمّا قَدَّرَ لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلنُّطْقِ والعِلْمِ والصِّناعَةِ بِما وهَبَهُ مِنَ العَقْلِ وآلاتِ الجَسَدِ هَداهُ لِاسْتِعْمالِ فِكْرِهِ لِما يُحَصِّلُ ما خُلِقَ لَهُ، ولَمّا قَدَّرَ البَقَرَةَ لِلدَّرِّ، ألْهَمَها الرَّعْيَ ورِثْمانَ ولَدِها لِتَدِرَّ بِذَلِكَ لِلْحالِبِ، ولِما قَدَّرَ النَّحْلَ لِإنْتاجِ العَسَلِ ألْهَمَها أنْ تَرْعى النَّوَرَ والثِّمارَ، وألْهَمَها بِناءَ الجَبْحِ وخَلاياهُ المُسَدَّسَةِ الَّتِي تَضَعُ فِيها العَسَلَ. ومِن أجَلِّ مَظاهِرِ التَّقْدِيرِ والهِدايَةِ تَقْدِيرُ قُوى التَّناسُلِ لِلْحَيَوانِ لِبَقاءِ النَّوْعِ. فَمَفْعُولُ هَدى مَحْذُوفٌ لِإفادَةِ العُمُومِ وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ قابِلِيَّةُ الهَدْيِ فَهو مَخْصُوصٌ بِذَواتِ الإدْراكِ والإرادَةِ وهي أنْواعُ الحَيَوانِ، فَإنَّ الأنْواعَ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ وقَدَّرَ نِظامَها ولَمْ يُقَدِّرْ لَها الإدْراكَ مِثْلَ تَقْدِيرِ الإثْمارِ لِلشَّجَرِ، وإنْتاجِ الزَّرِيعَةِ لِتَجَدُّدِ الإنْباتِ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ مِن قَوْلِهِ: فَهَدى لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ ومُقَدَّرَةٌ ولَكِنَّها غَيْرُ مَهْدِيَّةٍ لِعَدَمِ صَلاحِها لِلِاهْتِداءِ، وإنْ جُعِلَ مَفْعُولُ خَلَقَ خاصًّا وهو الإنْسانُ كانَ مَفْعُولُ قَدَّرَ عَلى وِزانِهِ، أيْ: تَقْدِيرُ كَمالِ قُوى الإنْسانِ، وكانَتِ الهِدايَةُ هِدايَةً خاصَّةً وهي دَلالَةُ الإدْراكِ والعَقْلِ. وأُوثِرَ وصْفا التَّسْوِيَةِ والهِدايَةِ مِن بَيْنِ صِفاتِ الأفْعالِ الَّتِي هي نِعَمٌ عَلى النّاسِ ودالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مُناسَبَةٌ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ فَإنَّ الَّذِي يُسَوِّي خَلْقَ النَّبِيءِ ﷺ تَسْوِيَةً تُلائِمُ ما خَلَقَهُ لِأجْلِهِ مِن تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ لا يَفُوتُهُ أنْ يُهَيِّئَهُ لِحِفْظِ ما يُوحِيهِ إلَيْهِ وتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِ وإعْطائِهِ شَرِيعَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ التَّيْسِيرِ قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] وقالَ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] . وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ تَذْكِيرٌ لِخَلْقِ جِنْسِ النَّباتِ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ. واقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ أنْواعِهِ وهو الكَلَأُ؛ لِأنَّهُ مَعاشُ السَّوائِمِ الَّتِي يَنْتَفِعُ النّاسُ بِها. صفحة ٢٧٨ والمُرادُ: إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ وهو إنْباتُهُ. والمَرْعى: النَّبْتُ الَّذِي تَرْعاهُ السَّوائِمُ، وأصْلُهُ: إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُطْلِقَ عَلى الشَّيْءِ المَرْعِيِّ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وإمّا اسْمُ مَكانِ الرَّعْيِ أُطْلِقَ عَلى ما يَنْبُتُ فِيهِ ويُرْعى إطْلاقًا مَجازِيًّا بِعَلاقَةِ الحُلُولِ كَما أُطْلِقَ اسْمُ الوادِي عَلى الماءِ الجارِي فِيهِ. والقَرِينَةُ جَعْلُهُ مَفْعُولًا لِـ أخْرَجَ، وإيثارُ كَلِمَةِ المَرْعى دُونَ لَفْظِ النَّباتِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ مادَّةُ الرَّعْيِ مِن نَفْعِ الأنْعامِ بِهِ ونَفْعِها لِلنّاسِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَها مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ. والغُثاءُ: بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَخْفِيفِ المُثَلَّثَةِ، ويُقالُ بِتَشْدِيدِ المُثَلَّثَةِ وهو اليابِسُ مِنَ النَّبْتِ. والأحْوى: المَوْصُوفُ بِالحُوَّةِ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي مِنَ الألْوانِ: سُمْرَةٌ تَقْرُبُ مِنَ السَّوادِ. وهو صِفَةُ غُثاءً لِأنَّ الغُثاءَ يابِسٌ فَتَصِيرُ خُضْرَتُهُ حُوَّةً. وهَذا الوَصْفُ أحَوى لِاسْتِحْضارِ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالإنْشاءِ وبِالإنْهاءِ. وفِي وصْفِ إخْراجِ اللَّهِ المَرْعى وجَعْلِهِ غُثاءً أحَوى مَعَ ما سَبَقَهُ مِنَ الأوْصافِ في سِياقِ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ إيماءً إلى تَمْثِيلِ حالِ القُرْآنِ وهِدايَتِهِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَنْفَعُ النّاسَ بِحالِ الغَيْثِ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ المَرْعى فَتَنْتَفِعُ بِهِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وإلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ تَكْمُلُ ويَبْلُغُ ما أرادَ اللَّهُ فِيها كَما يَكْمُلُ المَرْعى ويَبْلُغُ نُضْجَهُ حِينَ يَصِيرُ غُثاءً أحَوى، عَلى طَرِيقَةٍ تَمْثِيلِيَّةٍ مَكْنِيَّةٍ رُمِزَ إلَيْها بِذِكْرِ لازِمِ الغَيْثِ وهو المَرْعى. وقَدْ جاءَ بَيانُ هَذا الإيماءِ وتَفْصِيلِهِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا» الحَدِيثَ. صفحة ٢٧٩ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ إدْماجُ العِبْرَةِ بِتَصارِيفِ ما أوْدَعَ اللَّهُ في المَخْلُوقاتِ مِن مُخْتَلَفِ الأطْوارِ مِنَ الشَّيْءِ إلى ضِدِّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِالفَناءِ بَعْدَ الحَياةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُدَّةَ نَضارَةِ الحَياةِ لِلْأشْياءِ تُشْبِهُ المُدَّةَ القَصِيرَةَ، فاسْتُعِيرَ لِعَطْفِ جَعَلَهُ غُثاءً الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِعَطْفِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حُكْمُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] .

الأعلى 87:5

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ . الِافْتِتاحُ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يُسَبِّحَ اسْمَ رَبِّهِ بِالقَوْلِ، يُؤْذِنُ بِأنَّهُ سَيُلْقِي إلَيْهِ عَقِبَهُ بِشارَةً وخَيْرًا لَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] الآياتِ كَما سَيَأْتِي فَفِيهِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ. صفحة ٢٧٣ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ، وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تُضافُ لِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ الأفْعالُ المُشْتَقَّةُ مِنهُ لا تَرْفَعُ ولا تَنْصِبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ إلّا ما هو اسْمٌ لِلَّهِ، وكَذَلِكَ أسْماءُ المَصْدَرِ مِنهُ نَحْوُ: سُبْحانَ اللَّهِ. وهو مِنَ المَعانِي الدِّينِيَّةِ، فَأشْبَهَ أنَّهُ مَنقُولٌ إلى العَرَبِيَّةِ مِنَ العِبْرانِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإذْ عُدِّيَ فِعْلُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ هُنا إلى اسْمٍ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ قَوْلٌ دالٌّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ بِطَرِيقَةِ إجْراءِ الأخْبارِ الطَّيِّبَةِ، أوِ التَّوْصِيفِ بِالأوْصافِ المُقَدَّسَةِ لِإثْباتِها إلى ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ تَعالى مِنَ الأسْماءِ والمَعانِي، ولِما كانَ أقْوالًا كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِاسْمِ اللَّهِ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى الذّاتِ، فالمَأْمُورُ بِهِ إجْراءُ الأخْبارِ الشَّرِيفَةِ والصِّفاتِ الرَّفِيعَةِ عَلى الأسْماءِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى مِن أعْلامٍ وصِفاتٍ ونَحْوِها، وذَلِكَ آيِلٌ إلى تَنْزِيهِ المُسَمّى بِتِلْكَ الأسْماءِ. ولِهَذا يَكْثُرُ في القُرْآنِ إناطَةُ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في مَبْحَثِ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ في أوَّلِ هَذا التَّفْسِيرِ. فَتَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ النُّطْقُ بِتَنْزِيهِهِ في الخُوَيِّصَةِ، وبَيْنَ النّاسِ بِذِكْرٍ يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنَ العَقائِدِ والأعْمالِ كالسُّجُودِ والحَمْدِ. ويَشْمَلُ ذَلِكَ اسْتِحْضارَ النّاطِقِ بِألْفاظِ التَّسْبِيحِ مَعانِيَ تِلْكَ الألْفاظِ إذِ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ مَعْناهُ. وبِتَظاهُرِ النُّطْقِ مَعَ اسْتِحْضارِ المَعْنى يَتَكَرَّرُ المَعْنى عَلى ذِهْنِ المُتَكَلِّمِ ويَتَجَدَّدُ ما في نَفْسِهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا تَفَكُّرُ العَبْدِ في عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْدِيدُ تَنْزِيهِهِ في ذِهْنِهِ فَهو تَسْبِيحٌ لِذاتِ اللَّهِ ومُسَمّى اسْمِهِ، ولا يُسَمّى تَسْبِيحُ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَجْرِي عَلى لَفْظٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا تَسْبِيحُ ذاتِ اللَّهِ ولَيْسَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ. وهَذا مَلاكُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ تَعَلُّقِ لَفْظِ التَّسْبِيحِ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ نَحْوَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، وبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِدُونِ اسْمٍ نَحْوَ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] ونَحْوَ ﴿ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] فَإذا قُلْنا اللَّهُ أحَدٌ أوْ قُلْنا ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ﴾ [الحشر: ٢٣] إلى آخِرِ السُّورَةِ كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِاسْمِهِ صفحة ٢٧٤ تَعالى، وإذا نَفَيْنا الإلاهِيَّةَ عَنِ الأصْنامِ لِأنَّها لا تُخْلَقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] كانَ ذَلِكَ تَسْبِيحًا لِذاتِ اللَّهِ لا لِاسْمِهِ؛ لِأنَّ اسْمَهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ في هَذا الكَلامِ إخْبارٌ ولا تَوْصِيفٌ. فَهَذا مَناطُ الفَرْقِ بَيْنَ اسْتِعْمالِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ واسْتِعْمالِ وسَبِّحْهُ ومَآلُ الإطْلاقَيْنِ في المَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ كِلا الإطْلاقَيْنِ مُرادٌ بِهِ الإرْشادُ إلى مَعْرِفَةِ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ. واعْلَمْ أنَّ مِمّا يَدُلُّ عَلى إرادَةِ التَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ وُجُودَ قَرِينَةٍ في الكَلامِ تَقْتَضِيهِ، مِثْلَ التَّوْقِيتِ بِالوَقْتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢] فَإنَّ الَّذِي يُكَلِّفُ بِتَوْقِيتِهِ هو الأقْوالُ والأفْعالُ دُونَ العَقائِدِ، ومِثْلَ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥] فَإنَّ الحَمْدَ قَوْلٌ فَلا يُصاحِبُ إلّا قَوْلًا مِثْلَهُ. وتَعْرِيفُ اسْمٍ بِطَرِيقَةِ الإضافَةِ إلى رَبِّكَ دُونَ تَعْرِيفِهِ بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ الجَلالَةِ نَحْوَ: سَبِّحِ اسْمَ اللَّهِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ وصْفُ رَبٍّ مِن أنَّهُ الخالِقُ المُدَبِّرُ. وأمّا إضافَةُ رَبٍّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ فَلِتَشْرِيفِهِ بِهَذِهِ الإضافَةِ وأنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ زائِدٌ عَلى التَّكْلِيفِ بِالتَّسْبِيحِ. ثُمَّ أُجْرِيَ عَلى لَفْظِ رَبِّكَ صِفَةُ الأعْلى وما بَعْدَها مِنَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى تَصَرُّفاتِ قُدْرَتِهِ، فَهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّنْزِيهِ لِصِفاتِ ذاتِهِ ولِصِفاتِ إنْعامِهِ عَلى النّاسِ بِخَلْقِهِمْ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، وهِدايَتِهِمْ، ورِزْقِهِمْ، ورِزْقِ أنْعامِهِمْ، لِلْإيماءِ إلى مُوجَبِ الأمْرِ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّنْزِيهِ اسْتِحْقاقًا لِذاتِهِ ولِوَصْفِهِ بِصِفَةِ أنَّهُ خالِقٌ المَخْلُوقاتِ خَلْقًا يَدُلُّ عَلى العِلْمِ والحِكْمَةِ وإتْقانِ الصُّنْعِ، وبِأنَّهُ أنْعَمَ بِالهُدى والرِّزْقِ اللَّذَيْنِ بِهِما اسْتِقامَةُ حالِ البَشَرِ في النَّفْسِ والجَسَدِ وأُوثِرَتِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ لِما لَها مِنَ المُناسَبَةِ لِغَرَضِ السُّورَةِ كَما سَنُبَيِّنُهُ. فَلَفْظُ الأعْلى اسْمٌ يُفِيدُ الزِّيادَةَ في صِفَةِ العُلُوِّ، أيِ: الِارْتِفاعُ. والِارْتِفاعُ مَعْدُودٌ في عُرْفِ النّاسِ مِنَ الكَمالِ، فَلا يُنْسَبُ العُلُوُّ بِدُونِ تَقْيِيدٍ إلّا إلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْمُومٍ في العُرْفِ، ولِذَلِكَ إذا لَمْ يُذْكَرْ مَعَ وصْفِ الأعْلى مُفَضَّلٌ عَلَيْهِ أفادَ التَّفْضِيلَ المُطْلَقَ كَما في وصْفِهِ تَعالى هُنا، ولِهَذا حُكِيَ عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] . صفحة ٢٧٥ والعُلُوُّ المُشْتَقُّ مِنهُ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى عُلُوٌّ مَجازِيٌّ، وهو الكَمالُ التّامُّ الدّائِمُ. ولَمْ يُعَدَّ وصْفُهُ تَعالى الأعْلى في عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى اسْتِغْناءً عَنِ اسْمِهِ العَلِيِّ لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ فَلا يُعَدُّ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ إلّا ما كَثُرَ إطْلاقُهُ إطْلاقَ الأسْماءِ، وهو أوْغَلُ مِنَ الصِّفاتِ، قالَ الغَزالِيُّ: والعُلُوُّ في الرُّتْبَةِ العَقْلِيَّةِ مِثْلُ العُلُوِّ في التَّدْرِيجاتِ الحِسِّيَّةِ، ومِثالُ الدَّرَجَةِ العَقْلِيَّةِ، كالتَّفاوُتِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ والعِلَّةِ والمَعْلُولِ والفاعِلِ والقابِلِ والكامِلِ والنّاقِصِ اهـ. وإيثارُ هَذا الوَصْفِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ التَّنْوِيهَ بِالقُرْآنِ والتَّثْبِيتَ عَلى تَلَقِّيهِ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ التَّذْكِيرِ وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِهِ فَهو مِن مُتَعَلِّقاتِ وصْفِ العُلُوِّ الإلَهِيِّ إذْ هو كَلامُهُ. وهَذا الوَصْفُ هو مَلاكُ القانُونِ في تَفْسِيرِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ومَحامِلِها عَلى ما يَلِيقُ بِوَصْفِ الأعْلى، فَلِذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُ المُتَشابِهاتِ مِنَ الصِّفاتِ. وقَدْ جُعِلَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ دُعاءُ السُّجُودِ في الصَّلاةِ إذْ ورَدَ أنْ يَقُولَ السّاجِدُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، لِيَقْرِنَ أثَرَ التَّنْزِيهِ الفِعْلِيِّ بِأثَرِ التَّنْزِيهِ القَوْلِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ اشْتَمَلَتْ عَلى وصْفَيْنِ وصْفِ الخَلْقِ ووَصْفِ تَسْوِيَةِ الخَلْقِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ خَلَقَ فَيَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ عامًّا، وهو ما قَدَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وهو شَأْنُ حَذْفِ المَفْعُولِ إذا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، أيْ: خَلَقَ كُلَّ مَخْلُوقٍ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ مُوسى ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ خاصًّا، أيْ: خَلَقَ الإنْسانَ كَما قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ، أوْ خَلَقَ آدَمَ كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، أيْ: بِقَرِينَةِ قَرْنِ فِعْلِ خَلَقَ بِفِعْلِ سَوّى قالَ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] الآيَةَ. وعَطَفَ جُمْلَةَ فَسَوّى بِالفاءِ دُونَ الواوِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَضْمُونَها هو المَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ وأنَّ ما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ كَما في قَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ: صفحة ٢٧٦ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصَّـ ـابِحِ فالـغَـانِـمِ فَـالآيِبِ لِأنَّ التَّلَهُّفَ يَحِقُّ إذا صَبَّحَهم، فَغَنِمَ أمْوالَهم وآبَ بِها ولَمْ يَسْتَطِيعُوا دِفاعَهُ ولا اسْتِرْجاعَهُ. فالفاءُ مِن قَوْلِهِ: فَسَوّى لِلتَّفْرِيعِ في الذِّكْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الخَلْقَ مُقَدَّمٌ مِنِ اعْتِبارِ المُعْتَبَرِ عَلى التَّسْوِيَةِ، وإنْ كانَ حُصُولُ التَّسْوِيَةِ مُقارِنًا لِحُصُولِ الخَلْقِ. والتَّسْوِيَةُ: تَسْوِيَةُ ما خَلَقَهُ فَإنْ حُمِلَ عَلى العُمُومِ، فالتَّسْوِيَةُ أنْ جَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ ونَوْعٍ مِنَ المَوْجُوداتِ مُعادِلًا، أيْ: مُناسِبًا لِلْأعْمالِ الَّتِي في جِبِلَّتِهِ فاعْوِجاجُ زُبانى العَقْرَبِ مِن تَسْوِيَةِ خَلْقِها لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِها بِهِ بِسُهُولَةٍ. ولِكَوْنِهِ مُقارِنًا لِلْخِلْقَةِ عَطَفَ عَلى فِعْلِ خَلَقَ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّسَبُّبِ، أيْ: تَرَتَّبَ عَلى الخَلْقِ تَسْوِيَتُهُ. والتَّقْدِيرُ: وضْعُ المِقْدارِ وإيجادُهُ في الأشْياءِ في ذَواتِها وقُواها، يُقالُ: قَدَّرَ بِالتَّضْعِيفِ وقَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ وقَرَأها الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِالتَّخْفِيفِ. والمِقْدارُ: أصْلُهُ كَمِّيَّةُ الشَّيْءِ الَّتِي تُضْبَطُ بِالذَّرْعِ أوِ الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ أوِ العَدِّ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى تَكْوِينِ المَخْلُوقاتِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُنَظَّمَةٍ مُطَّرِدَةٍ مِن تَرْكِيبِ الأجْزاءِ الجَسَدِيَّةِ الظّاهِرَةِ، مِثْلَ اليَدَيْنِ، والباطِنَةِ مِثْلَ القَلْبِ، ومِن إيداعِ القُوى العَقْلِيَّةِ كالحِسِّ والِاسْتِطاعَةِ وحِيَلِ الصِّناعَةِ. وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ تَكْرِيرِهِ، لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ وإثْباتِها لِمَدْلُولِ المَوْصُولِ وهَذا مِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ. وعَطْفُ قَوْلِهِ: فَهَدى مِثْلُ عَطْفِ فَسَوّى، فَإنْ حُمِلَ خَلَقَ وقَدَّرَ عَلى عُمُومِ المَفْعُولِ كانَتِ الهِدايَةُ عامَّةً. والقَوْلُ في وجْهِ عَطْفِ فَهَدى بِالفاءِ مِثْلُ القَوْلِ في عَطْفِ فَسَوّى. وعَطْفُ فَهَدى عَلى قَدَّرَ عَطْفُ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ أيْ فَهَدى كُلَّ صفحة ٢٧٧ مُقَدَّرٍ إلى ما قُدِّرَ لَهُ، فَهِدايَةُ الإنْسانِ وأنْواعِ جِنْسِهِ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي لَهُ الإدْراكُ والإرادَةُ هي هِدايَةُ الإلْهامِ إلى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِ ما قُدِّرَ فِيهِ مِنَ المَقادِيرِ والقُوى فِيما يُناسِبُ اسْتِعْمالَهُ فِيهِ فَكُلَّما حَصَلَ شَيْءٌ مِن آثارِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَصَلَ بِأثَرِهِ الِاهْتِداءُ إلى تَنْفِيذِهِ. والمَعْنى: قَدَّرَ الأشْياءَ كُلَّها فَهَداها إلى أداءِ وظائِفِها كَما قُدِّرَ لَها، فاللَّهُ لَمّا قَدَّرَ لِلْإنْسانِ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلنُّطْقِ والعِلْمِ والصِّناعَةِ بِما وهَبَهُ مِنَ العَقْلِ وآلاتِ الجَسَدِ هَداهُ لِاسْتِعْمالِ فِكْرِهِ لِما يُحَصِّلُ ما خُلِقَ لَهُ، ولَمّا قَدَّرَ البَقَرَةَ لِلدَّرِّ، ألْهَمَها الرَّعْيَ ورِثْمانَ ولَدِها لِتَدِرَّ بِذَلِكَ لِلْحالِبِ، ولِما قَدَّرَ النَّحْلَ لِإنْتاجِ العَسَلِ ألْهَمَها أنْ تَرْعى النَّوَرَ والثِّمارَ، وألْهَمَها بِناءَ الجَبْحِ وخَلاياهُ المُسَدَّسَةِ الَّتِي تَضَعُ فِيها العَسَلَ. ومِن أجَلِّ مَظاهِرِ التَّقْدِيرِ والهِدايَةِ تَقْدِيرُ قُوى التَّناسُلِ لِلْحَيَوانِ لِبَقاءِ النَّوْعِ. فَمَفْعُولُ هَدى مَحْذُوفٌ لِإفادَةِ العُمُومِ وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِما فِيهِ قابِلِيَّةُ الهَدْيِ فَهو مَخْصُوصٌ بِذَواتِ الإدْراكِ والإرادَةِ وهي أنْواعُ الحَيَوانِ، فَإنَّ الأنْواعَ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ وقَدَّرَ نِظامَها ولَمْ يُقَدِّرْ لَها الإدْراكَ مِثْلَ تَقْدِيرِ الإثْمارِ لِلشَّجَرِ، وإنْتاجِ الزَّرِيعَةِ لِتَجَدُّدِ الإنْباتِ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ مِن قَوْلِهِ: فَهَدى لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ ومُقَدَّرَةٌ ولَكِنَّها غَيْرُ مَهْدِيَّةٍ لِعَدَمِ صَلاحِها لِلِاهْتِداءِ، وإنْ جُعِلَ مَفْعُولُ خَلَقَ خاصًّا وهو الإنْسانُ كانَ مَفْعُولُ قَدَّرَ عَلى وِزانِهِ، أيْ: تَقْدِيرُ كَمالِ قُوى الإنْسانِ، وكانَتِ الهِدايَةُ هِدايَةً خاصَّةً وهي دَلالَةُ الإدْراكِ والعَقْلِ. وأُوثِرَ وصْفا التَّسْوِيَةِ والهِدايَةِ مِن بَيْنِ صِفاتِ الأفْعالِ الَّتِي هي نِعَمٌ عَلى النّاسِ ودالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ مُناسَبَةٌ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ فَإنَّ الَّذِي يُسَوِّي خَلْقَ النَّبِيءِ ﷺ تَسْوِيَةً تُلائِمُ ما خَلَقَهُ لِأجْلِهِ مِن تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ لا يَفُوتُهُ أنْ يُهَيِّئَهُ لِحِفْظِ ما يُوحِيهِ إلَيْهِ وتَيْسِيرِهِ عَلَيْهِ وإعْطائِهِ شَرِيعَةً مُناسِبَةً لِذَلِكَ التَّيْسِيرِ قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] وقالَ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] . وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ تَذْكِيرٌ لِخَلْقِ جِنْسِ النَّباتِ مِن شَجَرٍ وغَيْرِهِ. واقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ أنْواعِهِ وهو الكَلَأُ؛ لِأنَّهُ مَعاشُ السَّوائِمِ الَّتِي يَنْتَفِعُ النّاسُ بِها. صفحة ٢٧٨ والمُرادُ: إخْراجُهُ مِنَ الأرْضِ وهو إنْباتُهُ. والمَرْعى: النَّبْتُ الَّذِي تَرْعاهُ السَّوائِمُ، وأصْلُهُ: إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أُطْلِقَ عَلى الشَّيْءِ المَرْعِيِّ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ مِثْلَ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وإمّا اسْمُ مَكانِ الرَّعْيِ أُطْلِقَ عَلى ما يَنْبُتُ فِيهِ ويُرْعى إطْلاقًا مَجازِيًّا بِعَلاقَةِ الحُلُولِ كَما أُطْلِقَ اسْمُ الوادِي عَلى الماءِ الجارِي فِيهِ. والقَرِينَةُ جَعْلُهُ مَفْعُولًا لِـ أخْرَجَ، وإيثارُ كَلِمَةِ المَرْعى دُونَ لَفْظِ النَّباتِ، لِما يُشْعِرُ بِهِ مادَّةُ الرَّعْيِ مِن نَفْعِ الأنْعامِ بِهِ ونَفْعِها لِلنّاسِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَها مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ. والغُثاءُ: بِضَمِّ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وتَخْفِيفِ المُثَلَّثَةِ، ويُقالُ بِتَشْدِيدِ المُثَلَّثَةِ وهو اليابِسُ مِنَ النَّبْتِ. والأحْوى: المَوْصُوفُ بِالحُوَّةِ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي مِنَ الألْوانِ: سُمْرَةٌ تَقْرُبُ مِنَ السَّوادِ. وهو صِفَةُ غُثاءً لِأنَّ الغُثاءَ يابِسٌ فَتَصِيرُ خُضْرَتُهُ حُوَّةً. وهَذا الوَصْفُ أحَوى لِاسْتِحْضارِ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالإنْشاءِ وبِالإنْهاءِ. وفِي وصْفِ إخْراجِ اللَّهِ المَرْعى وجَعْلِهِ غُثاءً أحَوى مَعَ ما سَبَقَهُ مِنَ الأوْصافِ في سِياقِ المُناسَبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ إيماءً إلى تَمْثِيلِ حالِ القُرْآنِ وهِدايَتِهِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَنْفَعُ النّاسَ بِحالِ الغَيْثِ الَّذِي يَنْبُتُ بِهِ المَرْعى فَتَنْتَفِعُ بِهِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وإلى أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ تَكْمُلُ ويَبْلُغُ ما أرادَ اللَّهُ فِيها كَما يَكْمُلُ المَرْعى ويَبْلُغُ نُضْجَهُ حِينَ يَصِيرُ غُثاءً أحَوى، عَلى طَرِيقَةٍ تَمْثِيلِيَّةٍ مَكْنِيَّةٍ رُمِزَ إلَيْها بِذِكْرِ لازِمِ الغَيْثِ وهو المَرْعى. وقَدْ جاءَ بَيانُ هَذا الإيماءِ وتَفْصِيلِهِ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا، فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا» الحَدِيثَ. صفحة ٢٧٩ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ إدْماجُ العِبْرَةِ بِتَصارِيفِ ما أوْدَعَ اللَّهُ في المَخْلُوقاتِ مِن مُخْتَلَفِ الأطْوارِ مِنَ الشَّيْءِ إلى ضِدِّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِالفَناءِ بَعْدَ الحَياةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وهو العَلِيمُ القَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُدَّةَ نَضارَةِ الحَياةِ لِلْأشْياءِ تُشْبِهُ المُدَّةَ القَصِيرَةَ، فاسْتُعِيرَ لِعَطْفِ جَعَلَهُ غُثاءً الحَرْفُ المَوْضُوعُ لِعَطْفِ ما يَحْصُلُ فِيهِ حُكْمُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ [يونس: ٢٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] .

الأعلى 87:6

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ . قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] بِشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِخَيْرٍ يَحْصُلُ لَهُ، فَهَذا مَوْقِعُ البَيانِ الصَّرِيحِ بِوَعْدِهِ بِأنَّهُ سَيَعْصِمُهُ مِن نِسْيانِ ما يُقْرِئُهُ فَيُبَلِّغُهُ كَما أوْحى إلَيْهِ ويَحْفَظُهُ مِنَ التَّفَلُّتِ عَلَيْهِ، ولِهَذا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ البِشارَةَ تُنْشِئُ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ تَرَقُّبًا لِوَعْدٍ بِخَيْرٍ يَأْتِيهِ فَبَشَّرَهُ بِأنَّهُ سَيَزِيدُهُ مِنَ الوَحْيِ، مَعَ ما فَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ: سَنُقْرِئُكَ مِن قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى. وإذا قَدْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوائِلِ السُّورِ نُزُولًا. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً إذا نَزَلَ جِبْرِيلُ، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ، يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ ويَخْشى أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦] إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ، وقُرْآنَهُ أنْ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] يَقُولُ: إذا أُنْزِلَ عَلَيْكَ فاسْتَمِعْ، قالَ: فَكانَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ، فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما قَرَأ جِبْرِيلُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» وسُورَةُ القِيامَةِ الَّتِي مِنها ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأعْلى فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِعَوْنِهِ عَلى حِفْظِ جَمِيعِ ما يُوحى إلَيْهِ. صفحة ٢٨٠ وإنَّما ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ: سَنُقْرِئُكَ تَمْهِيدًا لِلْمَقْصُودِ الَّذِي هو ﴿فَلا تَنْسى﴾ وإدْماجًا لِلْإعْلامِ بِأنَّ القُرْآنَ في تَزايُدٍ مُسْتَمِرٍّ، فَإذا كانَ قَدْ خافَ مِن نِسْيانِ بَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ عَلى حِينِ قِلَّتِهِ فَإنَّهُ سَيَتَتابَعُ ويَتَكاثَرُ فَلا يَخْشَ نِسْيانَهُ فَقَدْ تَكَفَّلَ لَهُ عَدَمَ نِسْيانِهِ مَعَ تَزايُدِهِ. والسِّينُ عَلامَةٌ عَلى اسْتِقْبالِ مَدْخُولِها، وهي تُفِيدُ تَأْكِيدِ حُصُولِ الفِعْلِ وخاصَّةً إذا اقْتَرَنَتْ بِفِعْلٍ حاصِلٍ في وقْتِ التَّكَلُّمِ، فَإنَّها تَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَمِرُّ ويَتَجَدَّدُ وذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِحُصُولِهِ وإذا قَدْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ إقْراءً، فالسِّينُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإقْراءَ يَسْتَمِرُّ ويَتَجَدَّدُ. والِالتِفاتُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ أنْسَبُ بِالإقْبالِ عَلى المُبَشَّرِ. وإسْنادُ الإقْراءِ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ جاعِلٌ الكَلامَ المَقْرُوءَ وآمِرٌ بِإقْرائِهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ الوَعْدُ والتَّكَفُّلُ لَهُ بِذَلِكَ. والنِّسْيانُ: عَدَمُ خُطُورِ المَعْلُومِ السّابِقِ في حافِظَةِ الإنْسانِ بُرْهَةً أوْ زَمانًا طَوِيلًا. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن فِعْلِ تَنْسى، وما مَوْصُولَةٌ هي المُسْتَثْنى. والتَّقْدِيرُ: إلّا الَّذِي شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ جَرْيًا عَلى غالِبِ اسْتِعْمالِهِ في كَلامِ العَرَبِ. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ بِهَذا أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ يَنْساهُ النَّبِيءُ ﷺ إذا شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْساهُ. وذَلِكَ نَوْعانِ: أحَدُهُما وهو أظْهَرُهُما: أنَّ اللَّهَ إذا شاءَ نَسَخَ تِلاوَةَ بَعْضِ ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ أمَرَهُ بِأنْ يَتْرُكَ قِراءَتَهُ، فَأمَرَ النَّبِيءُ ﷺ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَقْرَءُوهُ حَتّى يَنْساهُ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ. وهَذا مِثْلَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ”كانَ فِيما أُنْزِلَ الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما“ قالَ عُمَرُ: لَقَدْ قَرَأْناها، وأنَّهُ كانَ فِيما أُنْزِلُ ”لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكم فَإنَّ كُفْرًا بِكم أنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكم“ . وهَذا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: أوْ نُنْسِها في قِراءَةِ مَن قَرَأ نُنْسِها في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٨١ النَّوْعُ الثّانِي ما يَعَرِضُ نِسْيانُهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ نِسْيانًا مُؤَقَّتًا، كَشَأْنِ عَوارِضِ الحافِظَةِ البَشَرِيَّةِ ثُمَّ يُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ ما يُذَكِّرُهُ بِهِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَمِعَ النَّبِيءُ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ بِالمَسْجِدِ فَقالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، فَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً أسْقَطْتُهُنَّ أوْ كُنْتُ أُنْسِيتُها مِن سُورَةِ كَذا وكَذا» وفِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أسْقَطَ آيَةً في قِراءَتِهِ في الصَّلاةِ فَسَألَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أنُسِخَتْ ؟ فَقالَ: نَسِيتُها. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ مِنَ الخَبَرِ المُسْتَعْمَلِ في النَّهْيِ عَنِ النِّسْيانِ؛ لِأنَّ النِّسْيانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، أمّا إنَّهُ لَيْسَتْ لا فِيهِ ناهِيَةً فَظاهِرٌ ومِن زَعْمِهِ تَعَسُّفٌ لِتَعْلِيلِ كِتابَةِ الألِفِ في آخِرِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ مُعْتَرِضَةٌ وهي تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فَإنَّ مَضْمُونَ تِلْكَ الجُمْلَةِ ضَمانُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ حِفْظَ القُرْآنِ مِنَ النَّقْصِ العارِضِ. ومُناسَبَةُ (الجَهْرَ وما يَخْفى) أنَّ ما يَقْرَؤُهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ القُرْآنِ هو مِن قَبِيلِ الجَهْرِ فاللَّهُ يَعْلَمُهُ، وما يَنْساهُ فَيُسْقِطُهُ مِنَ القُرْآنِ وهو مِن قَبِيلِ الخَفِيِّ فَيَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهُ اخْتَفى في حافِظَتِهِ حِينَ القِراءَةِ فَلَمْ يَبْرُزْ إلى النُّطْقِ بِهِ.

الأعلى 87:7

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ . قَدْ عَرَفْتَ أنَّ الأمْرَ بِالتَّسْبِيحِ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] بِشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِخَيْرٍ يَحْصُلُ لَهُ، فَهَذا مَوْقِعُ البَيانِ الصَّرِيحِ بِوَعْدِهِ بِأنَّهُ سَيَعْصِمُهُ مِن نِسْيانِ ما يُقْرِئُهُ فَيُبَلِّغُهُ كَما أوْحى إلَيْهِ ويَحْفَظُهُ مِنَ التَّفَلُّتِ عَلَيْهِ، ولِهَذا تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ البِشارَةَ تُنْشِئُ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ تَرَقُّبًا لِوَعْدٍ بِخَيْرٍ يَأْتِيهِ فَبَشَّرَهُ بِأنَّهُ سَيَزِيدُهُ مِنَ الوَحْيِ، مَعَ ما فَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ: سَنُقْرِئُكَ مِن قَوْلِهِ: فَلا تَنْسى. وإذا قَدْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوائِلِ السُّورِ نُزُولًا. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً إذا نَزَلَ جِبْرِيلُ، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ولِسانَهُ، يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ ويَخْشى أنْ يَتَفَلَّتَ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦] إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ في صَدْرِكَ، وقُرْآنَهُ أنْ تَقْرَأهُ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] يَقُولُ: إذا أُنْزِلَ عَلَيْكَ فاسْتَمِعْ، قالَ: فَكانَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ، فَإذا ذَهَبَ قَرَأهُ كَما قَرَأ جِبْرِيلُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ» وسُورَةُ القِيامَةِ الَّتِي مِنها ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأعْلى فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِعَوْنِهِ عَلى حِفْظِ جَمِيعِ ما يُوحى إلَيْهِ. صفحة ٢٨٠ وإنَّما ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ: سَنُقْرِئُكَ تَمْهِيدًا لِلْمَقْصُودِ الَّذِي هو ﴿فَلا تَنْسى﴾ وإدْماجًا لِلْإعْلامِ بِأنَّ القُرْآنَ في تَزايُدٍ مُسْتَمِرٍّ، فَإذا كانَ قَدْ خافَ مِن نِسْيانِ بَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ عَلى حِينِ قِلَّتِهِ فَإنَّهُ سَيَتَتابَعُ ويَتَكاثَرُ فَلا يَخْشَ نِسْيانَهُ فَقَدْ تَكَفَّلَ لَهُ عَدَمَ نِسْيانِهِ مَعَ تَزايُدِهِ. والسِّينُ عَلامَةٌ عَلى اسْتِقْبالِ مَدْخُولِها، وهي تُفِيدُ تَأْكِيدِ حُصُولِ الفِعْلِ وخاصَّةً إذا اقْتَرَنَتْ بِفِعْلٍ حاصِلٍ في وقْتِ التَّكَلُّمِ، فَإنَّها تَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَمِرُّ ويَتَجَدَّدُ وذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِحُصُولِهِ وإذا قَدْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ إقْراءً، فالسِّينُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإقْراءَ يَسْتَمِرُّ ويَتَجَدَّدُ. والِالتِفاتُ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ أنْسَبُ بِالإقْبالِ عَلى المُبَشَّرِ. وإسْنادُ الإقْراءِ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ جاعِلٌ الكَلامَ المَقْرُوءَ وآمِرٌ بِإقْرائِهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ الوَعْدُ والتَّكَفُّلُ لَهُ بِذَلِكَ. والنِّسْيانُ: عَدَمُ خُطُورِ المَعْلُومِ السّابِقِ في حافِظَةِ الإنْسانِ بُرْهَةً أوْ زَمانًا طَوِيلًا. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مُفَرَّغٌ مِن فِعْلِ تَنْسى، وما مَوْصُولَةٌ هي المُسْتَثْنى. والتَّقْدِيرُ: إلّا الَّذِي شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ جَرْيًا عَلى غالِبِ اسْتِعْمالِهِ في كَلامِ العَرَبِ. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ بِهَذا أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ يَنْساهُ النَّبِيءُ ﷺ إذا شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْساهُ. وذَلِكَ نَوْعانِ: أحَدُهُما وهو أظْهَرُهُما: أنَّ اللَّهَ إذا شاءَ نَسَخَ تِلاوَةَ بَعْضِ ما أُنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ أمَرَهُ بِأنْ يَتْرُكَ قِراءَتَهُ، فَأمَرَ النَّبِيءُ ﷺ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَقْرَءُوهُ حَتّى يَنْساهُ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ. وهَذا مِثْلَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ”كانَ فِيما أُنْزِلَ الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما“ قالَ عُمَرُ: لَقَدْ قَرَأْناها، وأنَّهُ كانَ فِيما أُنْزِلُ ”لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكم فَإنَّ كُفْرًا بِكم أنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكم“ . وهَذا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: أوْ نُنْسِها في قِراءَةِ مَن قَرَأ نُنْسِها في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٨١ النَّوْعُ الثّانِي ما يَعَرِضُ نِسْيانُهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ نِسْيانًا مُؤَقَّتًا، كَشَأْنِ عَوارِضِ الحافِظَةِ البَشَرِيَّةِ ثُمَّ يُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ ما يُذَكِّرُهُ بِهِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَمِعَ النَّبِيءُ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ بِالمَسْجِدِ فَقالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، فَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً أسْقَطْتُهُنَّ أوْ كُنْتُ أُنْسِيتُها مِن سُورَةِ كَذا وكَذا» وفِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أسْقَطَ آيَةً في قِراءَتِهِ في الصَّلاةِ فَسَألَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أنُسِخَتْ ؟ فَقالَ: نَسِيتُها. ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ مِنَ الخَبَرِ المُسْتَعْمَلِ في النَّهْيِ عَنِ النِّسْيانِ؛ لِأنَّ النِّسْيانَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، أمّا إنَّهُ لَيْسَتْ لا فِيهِ ناهِيَةً فَظاهِرٌ ومِن زَعْمِهِ تَعَسُّفٌ لِتَعْلِيلِ كِتابَةِ الألِفِ في آخِرِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ مُعْتَرِضَةٌ وهي تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فَإنَّ مَضْمُونَ تِلْكَ الجُمْلَةِ ضَمانُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ حِفْظَ القُرْآنِ مِنَ النَّقْصِ العارِضِ. ومُناسَبَةُ (الجَهْرَ وما يَخْفى) أنَّ ما يَقْرَؤُهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ القُرْآنِ هو مِن قَبِيلِ الجَهْرِ فاللَّهُ يَعْلَمُهُ، وما يَنْساهُ فَيُسْقِطُهُ مِنَ القُرْآنِ وهو مِن قَبِيلِ الخَفِيِّ فَيَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهُ اخْتَفى في حافِظَتِهِ حِينَ القِراءَةِ فَلَمْ يَبْرُزْ إلى النُّطْقِ بِهِ.

الأعلى 87:8

﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ عُطِفَ عَلى ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] مُعْتَرِضَةٌ كَما عَلِمْتَ. وهَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ في المَآلِ وإنْ كانَ مَفْهُومُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مُغايِرًا لِمَفْهُومِ التَّيْسِيرِ؛ لِأنَّ مَفْهُومَها الحِفْظُ والصِّيانَةُ ومَفْهُومَ المَعْطُوفَةِ تَيْسِيرُ الخَيْرِ لَهُ. والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ العَمَلِ يَسِيرًا عَلى عامِلِهِ. ومَفْعُولُ فِعْلِ التَّيْسِيرِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُجْعَلُ يَسِيرًا، أيْ: غَيْرَ صَعْبٍ ويُذْكَرُ مَعَ المَفْعُولِ الشَّيْءُ المَجْعُولُ الفِعْلَ يَسِيرًا لِأجْلِهِ مَجْرُورًا بِاللّامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦] . صفحة ٢٨٢ واليُسْرى: مُؤَنَّثُ الأيْسَرِ، وصِيغَةُ فُعْلى تَدَلُّ عَلى قُوَّةِ الوَصْفِ لِأنَّها مُؤَنَّثُ أفْعَلَ. والمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، وتَأْنِيثُ الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَوْصُوفَ المَحْذُوفَ مِمّا يَجْرِي في الكَلامِ عَلى اعْتِبارِ اسْمِهِ مُؤَنَّثًا بِأنْ يَكُونَ مُفْرَدًا فِيهِ عَلامَةُ تَأْنِيثٍ أوْ يَكُونَ جَمْعًا إذِ المَجْمُوعُ تُعامَلُ مُعامَلَةَ المُؤَنَّثِ. فَكانَ الوَصْفُ المُؤَنَّثُ مُنادِيًا عَلى تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ مُناسِبٍ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِهِ، وسِياقُ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ يَهْدِي إلى أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ المُقَدَّرُ مَعْنى الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ خِطابَ الرَّسُولِ ﷺ في القُرْآنِ مُراعًى فِيهِ وصْفُهُ العُنْوانِيُّ وهو أنَّهُ رَسُولٌ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ أوَّلُ شُئُونِهِ هو ما أُرْسِلَ بِهِ وهو الشَّرِيعَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ نَظْمِ الكَلامِ وهو ما جَرى عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، فالتَّيْسِيرُ مُسْتَعارٌ لِلتَّهْيِئَةِ والتَّسْخِيرِ، أيْ: قُوَّةُ تَمْكِينِهِ ﷺ مِنَ اليُسْرى وتَصَرُّفِهِ فِيها بِما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، أيْ: نُهَيِّئُكَ لِلْأُمُورِ اليُسْرى في أمْرِ الدِّينِ وعَواقِبِهِ مِن تَيْسِيرِ حِفْظِ القُرْآنِ لَكَ، وتَيْسِيرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أُرْسِلْتَ بِها، وتَيْسِيرِ الخَيْرِ لَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ تُحَسِّنُها المُشاكَلَةُ. ومَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ: لِلْيُسْرى العِلَّةُ، أيْ: لِأجْلِ اليُسْرى، أيْ: لِقَبُولِها، ونَحْوُهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَهْيَعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] في سُورَةِ اللَّيْلِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الكَلامُ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِسُلُوكِ أُسْلُوبِ القَلْبِ وأنَّ الأصْلَ: ونُيَسِّرُ لَكَ اليُسْرى، أيْ: نَجْعَلُها سَهْلَةً لَكَ فَلا تَشُقُّ عَلَيْكَ فَيَبْقى فِعْلُ نُيَسِّرُكَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنَّما خُولِفَ عَمَلُهُ في مَفْعُولِهِ والمَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِهِ عَلى عَكْسِ الشّائِعِ في مَفْعُولِهِ والمَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِهِ. وفِي وصْفِها بِـ اليُسْرى إيماءٌ إلى اسْتِتْبابِ تَيَسُّرِهِ لَها بِما أنَّها جُعِلَتْ يُسْرى، فَلَمْ يَبْقَ إلّا حِفْظُهُ مِنَ المَوانِعِ الَّتِي يَشُقُّ مَعَها تَلَقِّي اليُسْرى. فاشْتَمَلَ الكَلامُ عَلى تَيْسِيرَيْنِ: تَيْسِيرُ ما كُلِّفَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، أيْ: جَعْلُهُ يَسِيرًا مَعَ وفائِهِ بِالمَقْصُودِ مِنهُ، وتَيْسِيرُ النَّبِيءِ ﷺ لِلْقِيامِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢٨٣ ويُوَجَّهُ العُدُولُ عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ إلى ما جاءَ النَّظْمُ عَلَيْهِ، بِأنَّ فِيهِ تَنْزِيلُ الشَّيْءِ المُيَسَّرِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُيَسَّرَ لَهُ والعَكْسُ لِلْمُبالَغَةِ في ثُبُوتِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقَةِ القَلْبِ المَقْبُولِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: عَرَضَتِ النّاقَةُ عَلى الحَوْضِ، وقَوْلِ العَجّاجِ: ومَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أرْجَـاؤُهُ كَأنَّ لَوْنَ أرْضِهِ سَماؤُهُ وقَدْ ورَدَ القَلْبُ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] ومِنهُ القَلْبُ التَّشْبِيهُ المَقْلُوبُ. والمَعْنى: وعْدُ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ يَسَّرَهُ لِتَلَقِّي أعْباءِ الرِّسالَةِ فَلا تَشُقُّ عَلَيْهِ ولا تُحْرِجُهُ تَطْمِينًا لَهُ، إذْ كانَ في أوَّلِ أمْرِ إرْسالِهِ مُشْفِقًا أنْ لا يَفِيَ بِواجِباتِها، أيْ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ قابِلًا لِتَلَقِّي الكَمالاتِ وعَظائِمِ تَدْبِيرِ الأُمَّةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَشُقَّ عَلى القائِمِينَ بِأمْثالِها. ومِن آثارِ هَذا التَّيْسِيرِ ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «ما خُيِّرَ بَيْنَ أمْرَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَها»، وقَوْلُهُ ﷺ لِأصْحابِهِ «إنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ لا مُعَسِّرِينَ» .

الأعلى 87:9

﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ . بَعْدَ أنْ ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ تَكَفَّلَ لَهُ ما أزالَ فَرَقَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وما اطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ مِن دَفْعِ ما خافَهُ مِن ضَعْفٍ عَنْ أدائِهِ الرِّسالَةَ عَلى وجْهِها وتَكَفَّلَ لَهُ دَفْعَ نِسْيانِ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا ما كانَ إنْساؤُهُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى. ووَعْدُهُ بِأنَّهُ وفَّقَهُ وهَيَّأهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَبْدَأِ عَهْدِهِ بِالرِّسالَةِ إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ثامِنَةَ السُّوَرِ لا يَعْلَمُ ما سَيَتَعَهَّدُ اللَّهُ بِهِ فَيَخْشى أنْ يُقَصِّرَ عَنْ مُرادِ اللَّهِ فَيَلْحَقُهُ غَضَبٌ مِنهُ أوْ مَلامٌ. أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، أيِ: التَّبْلِيغِ، أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، إرْهافًا لِعَزْمِهِ، وشَحْذًا لِنَشاطِهِ لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى صفحة ٢٨٤ التَّذْكِيرِ بِشَراشِرِهِ، فَإنَّ امْتِثالَ الأمْرِ إذا عاضَدَهُ إقْبالُ النَّفْسِ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ كانَ فِيهِ مَسَرَّةٌ لِلْمَأْمُورِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أداءِ الواجِبِ وإرْضاءِ الخاطِرِ. فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْرِيعُ النَّتِيجَةِ عَلى المُقَدِّماتِ. والأمْرُ: مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ. والتَّذْكِيرُ: تَبْلِيغُ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ. والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ عَبَسَ. ومَفْعُولُ فَذَكِّرْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: فَذَكِّرِ النّاسَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُعَلَّلَةِ وعِلَّتِها، وهَذا الِاعْتِراضُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى العُمُومِ الَّذِي اقْتَضاهُ حَذْفُ مَفْعُولِ فَذَكِّرْ، أيْ: فَدُمْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ كُلِّهِمْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى جَمِيعَهم، أيْ: وهي لا تَنْفَعُ إلّا البَعْضَ وهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَةَ. فالشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ ولا تَقْيِيدًا لِمَضْمُونِها، إذْ لَيْسَ المَعْنى: فَذَكِّرْ إذا كانَ لِلذِّكْرى نَفْعٌ، حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنْ لا تُذَكِّرَ إذا لَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرى، إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ التَّذْكِيرِ بِما إذا كانَتِ الذِّكْرى نافِعَةً إذْ لا سَبِيلَ إلى تَعَرُّفِ مَواقِعِ نَفْعِ الذِّكْرى، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] مُؤَوَّلًا بِأنَّ المَعْنى فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَن يَخافُ وعِيدِ، بَلِ المُرادُ فَذَكِّرِ النّاسَ كافَّةً إنْ كانَتِ الذِّكْرى تَنْفَعُ جَمِيعَهم، فالشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْكِيكِ؛ لِأنَّ أصْلَ الشَّرْطِ بِـ إنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ، فالدَّعْوَةُ عامَّةٌ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ النّاسِ في قَبُولِ الهُدى وعَدَمِهِ أمْرٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَأبُو جَهْلٍ مَدْعُوٌّ لِلْإيمانِ واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ مَن يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ دُونَ غَيْرِهِمْ، والواقِعُ يَكْشِفُ المَقْدُورَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ في القَوْمِ مَن لا تَنْفَعُهُ الذِّكْرى وذَلِكَ يُفْهَمُ مِنِ اجْتِلابِ حَرْفِ إنِ المُقْتَضِي عَدَمَ احْتِمالِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: صفحة ٢٨٥ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَذَكِّرْ وما لَحِقَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ التَّذْكِيرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ المُذَكَّرِينَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَنْفَعُ أوْلِيائِي ولا تَنْفَعُ أعْدائِي، وفي هَذا ما يُرِيكَ مَعْنى الآيَةِ واضِحًا لا غُبارَ عَلَيْهِ ويَدْفَعُ حَيْرَةَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ مَعْنى إنْ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الفَرّاءِ والنُّحاسِ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، وأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي. ويَذَّكَّرُ: مُطاوِعُ ذَكَّرَهُ. وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَقُلِبَتِ التّاءُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَأْتِيَ إدْغامُها في الذّالِ الأُخْرى. و﴿مَن يَخْشى﴾: جِنْسٌ لا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ أيْ: سَيَتَذَكَّرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في يَخْشى مُراعًى فِيهِ لَفْظُ مِن فَإنَّهُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ. وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ يَخْشى مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ المَفْعُولُ، أيْ: يَتَذَكَّرُ مِنَ الخَشْيَةِ فِكْرَتَهُ وجِبِلَّتَهُ، أيْ: مَن يَتَوَقَّعُ حُصُولَ الضُّرِّ والنَّفْعِ فَيَنْظُرُ في مَظانِّ كُلٍّ ويَتَدَبَّرُ في الدَّلائِلِ؛ لِأنَّهُ يَخْشى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ ما أُنْذِرَ بِهِ. والخَشْيَةُ: الخَوْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] في سُورَةِ طه، والخَشْيَةُ ذاتُ مَراتِبَ وفي دَرَجاتِها يَتَفاضَلُ المُؤْمِنُونَ. والتَّجَنُّبُ: التَّباعُدُ، وأصْلُهُ تَفَعَّلَ لِتَكَلُّفِ الكَيْنُونَةِ بِجانِبٍ مِن شَيْءٍ. والجانِبُ: المَكانُ الَّذِي هو طَرَفٌ لِغَيْرِهِ، وتَكَلُّفُ الكَيْنُونَةِ بِهِ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ البُعْدِ أيْ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنهُ، أيْ: يَتَباعَدُ عَنِ الذِّكْرى الأشْقى. والتَّعْرِيفُ في الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ: الأشْقَوْنَ. والأشْقى هو شَدِيدُ الشِّقْوَةِ والشِّقْوَةُ والشَّقاءُ في لِسانِ الشَّرْعِ الحالَةُ النّاشِئَةُ في الآخِرَةِ عَنِ الكُفْرِ مِن حالَةِ الإهانَةِ والتَّعْذِيبِ، وعِنْدَنا أنَّ مِن عُلِمَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ. فالأشْقى: هو الكافِرُ لِأنَّهُ أشَدُّ النّاسِ شَقاءً في الآخِرَةِ لِخُلُودِهِ في النّارِ. صفحة ٢٨٦ وتَعْرِيفُ الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَهْدِ فَقالَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، أوْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. ووَصْفُ الأشْقى بِـ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾؛ لِأنَّ إطْلاقَ الأشْقى في هَذِهِ الآيَةِ في صَدْرِ مُدَّةِ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَكانَ فِيهِ مِنَ الإبْهامِ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ فَأُتْبِعَ بِوَصْفٍ يُبَيِّنُهُ في الجُمْلَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ. ومُقابَلَةُ ﴿مَن يَخْشى﴾ بِـ الأشْقى تُؤْذِنُ بِأنَّ الأشْقى مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَخْشى فَهو سادِرٌ في غُرُورِهِ مُنْغَمِسٌ في لَهْوِهِ فَلا يَتَطَلَّبُ لِنَفْسِهِ تَخَلُّصًا مِن شَقائِهِ. ووَصْفُ النّارِ بِـ الكُبْرى لِلتَّهْوِيلِ والإنْذارِ والمُرادُ بِها جَهَنَّمُ. وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فَهي صِلَةٌ ثانِيَةٌ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْطُوفَها مُتَراخِي الرُّتْبَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وهو شِدَّةُ العَذابِ، فَإنَّ تَرَدُّدَ حالِهِ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ وهو في عَذابِ الِاحْتِراقُ عَذابٌ أشَدُّ مِمّا أفادَهُ أنَّهُ في عَذابِ الِاحْتِراقِ. ضَرُورَةُ أنَّ الِاحْتِراقَ واقِعٌ وقَدْ زِيدَ فِيهِ دَرَجَةُ أنَّهُ لا راحَةَ مِنهُ بِمَوْتٍ ولا مَخْلَصَ مِنهُ بِحَياةٍ. فَمَعْنى ﴿لا يَمُوتُ﴾: لا يَزُولُ عَنْهُ الإحْساسُ، فَإنَّ المَوْتَ فُقْدانُ الإحْساسِ مَعَ ما في هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الأُعْجُوبَةِ، وهي مِمّا يُؤَكِّدُ اعْتِبارَ تَراخِي الرُّتْبَةِ في هَذا التَّنْكِيلِ. وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْيا﴾ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِنَفْيِ المَوْتِ عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَراحُوا مِنَ العَذابِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الِاحْتِراقَ يُهْلِكُ المُحْرَقَ، فَإذا قِيلَ ﴿لا يَمُوتُ﴾ تَوَهَّمَ المُنْذَرُونَ أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِراقَ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الإهْلاكِ فَيَبْقى المُحْرَقُ حَيًّا فَيُظَنُّ أنَّهُ إحْراقٌ هَيِّنٌ، فَيَكُونُ مَسْلاةً لِلْمُهَدَّدِينَ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا يَحْيا﴾، أيْ: حَياةً خالِصَةً مِنَ الآلامِ والقَرِينَةُ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ مُقابَلَةُ ولا يَحْيا بِقَوْلِهِ: ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ . صفحة ٢٨٧ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ نَفْيِ وصْفَيْنِ لِإثْباتِ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَتَيْهِما مِثْلَ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وقَوْلِ إحْدى نِساءِ أُمِّ زَرْعٍ: ”لا حَرَّ ولا قَرَّ“ . لِأنَّ ذَلِكَ لا طائِلَ تَحْتَهُ. ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ نَفْيَ الحَياةِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الخَلاصِ بِناءً عَلى أنَّ لازِمَ الإحْراقِ الهَلاكُ ولازِمَ الحَياةِ عَدَمُ الهَلاكِ. وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ لِأجْلِ التَّضادِ الظّاهِرِ بَيْنَ لا يَمُوتُ ولا يَحْيا.

الأعلى 87:10

﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ . بَعْدَ أنْ ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ تَكَفَّلَ لَهُ ما أزالَ فَرَقَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وما اطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ مِن دَفْعِ ما خافَهُ مِن ضَعْفٍ عَنْ أدائِهِ الرِّسالَةَ عَلى وجْهِها وتَكَفَّلَ لَهُ دَفْعَ نِسْيانِ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا ما كانَ إنْساؤُهُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى. ووَعْدُهُ بِأنَّهُ وفَّقَهُ وهَيَّأهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَبْدَأِ عَهْدِهِ بِالرِّسالَةِ إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ثامِنَةَ السُّوَرِ لا يَعْلَمُ ما سَيَتَعَهَّدُ اللَّهُ بِهِ فَيَخْشى أنْ يُقَصِّرَ عَنْ مُرادِ اللَّهِ فَيَلْحَقُهُ غَضَبٌ مِنهُ أوْ مَلامٌ. أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، أيِ: التَّبْلِيغِ، أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، إرْهافًا لِعَزْمِهِ، وشَحْذًا لِنَشاطِهِ لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى صفحة ٢٨٤ التَّذْكِيرِ بِشَراشِرِهِ، فَإنَّ امْتِثالَ الأمْرِ إذا عاضَدَهُ إقْبالُ النَّفْسِ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ كانَ فِيهِ مَسَرَّةٌ لِلْمَأْمُورِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أداءِ الواجِبِ وإرْضاءِ الخاطِرِ. فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْرِيعُ النَّتِيجَةِ عَلى المُقَدِّماتِ. والأمْرُ: مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ. والتَّذْكِيرُ: تَبْلِيغُ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ. والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ عَبَسَ. ومَفْعُولُ فَذَكِّرْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: فَذَكِّرِ النّاسَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُعَلَّلَةِ وعِلَّتِها، وهَذا الِاعْتِراضُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى العُمُومِ الَّذِي اقْتَضاهُ حَذْفُ مَفْعُولِ فَذَكِّرْ، أيْ: فَدُمْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ كُلِّهِمْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى جَمِيعَهم، أيْ: وهي لا تَنْفَعُ إلّا البَعْضَ وهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَةَ. فالشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ ولا تَقْيِيدًا لِمَضْمُونِها، إذْ لَيْسَ المَعْنى: فَذَكِّرْ إذا كانَ لِلذِّكْرى نَفْعٌ، حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنْ لا تُذَكِّرَ إذا لَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرى، إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ التَّذْكِيرِ بِما إذا كانَتِ الذِّكْرى نافِعَةً إذْ لا سَبِيلَ إلى تَعَرُّفِ مَواقِعِ نَفْعِ الذِّكْرى، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] مُؤَوَّلًا بِأنَّ المَعْنى فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَن يَخافُ وعِيدِ، بَلِ المُرادُ فَذَكِّرِ النّاسَ كافَّةً إنْ كانَتِ الذِّكْرى تَنْفَعُ جَمِيعَهم، فالشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْكِيكِ؛ لِأنَّ أصْلَ الشَّرْطِ بِـ إنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ، فالدَّعْوَةُ عامَّةٌ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ النّاسِ في قَبُولِ الهُدى وعَدَمِهِ أمْرٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَأبُو جَهْلٍ مَدْعُوٌّ لِلْإيمانِ واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ مَن يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ دُونَ غَيْرِهِمْ، والواقِعُ يَكْشِفُ المَقْدُورَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ في القَوْمِ مَن لا تَنْفَعُهُ الذِّكْرى وذَلِكَ يُفْهَمُ مِنِ اجْتِلابِ حَرْفِ إنِ المُقْتَضِي عَدَمَ احْتِمالِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: صفحة ٢٨٥ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَذَكِّرْ وما لَحِقَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ التَّذْكِيرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ المُذَكَّرِينَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَنْفَعُ أوْلِيائِي ولا تَنْفَعُ أعْدائِي، وفي هَذا ما يُرِيكَ مَعْنى الآيَةِ واضِحًا لا غُبارَ عَلَيْهِ ويَدْفَعُ حَيْرَةَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ مَعْنى إنْ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الفَرّاءِ والنُّحاسِ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، وأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي. ويَذَّكَّرُ: مُطاوِعُ ذَكَّرَهُ. وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَقُلِبَتِ التّاءُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَأْتِيَ إدْغامُها في الذّالِ الأُخْرى. و﴿مَن يَخْشى﴾: جِنْسٌ لا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ أيْ: سَيَتَذَكَّرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في يَخْشى مُراعًى فِيهِ لَفْظُ مِن فَإنَّهُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ. وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ يَخْشى مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ المَفْعُولُ، أيْ: يَتَذَكَّرُ مِنَ الخَشْيَةِ فِكْرَتَهُ وجِبِلَّتَهُ، أيْ: مَن يَتَوَقَّعُ حُصُولَ الضُّرِّ والنَّفْعِ فَيَنْظُرُ في مَظانِّ كُلٍّ ويَتَدَبَّرُ في الدَّلائِلِ؛ لِأنَّهُ يَخْشى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ ما أُنْذِرَ بِهِ. والخَشْيَةُ: الخَوْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] في سُورَةِ طه، والخَشْيَةُ ذاتُ مَراتِبَ وفي دَرَجاتِها يَتَفاضَلُ المُؤْمِنُونَ. والتَّجَنُّبُ: التَّباعُدُ، وأصْلُهُ تَفَعَّلَ لِتَكَلُّفِ الكَيْنُونَةِ بِجانِبٍ مِن شَيْءٍ. والجانِبُ: المَكانُ الَّذِي هو طَرَفٌ لِغَيْرِهِ، وتَكَلُّفُ الكَيْنُونَةِ بِهِ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ البُعْدِ أيْ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنهُ، أيْ: يَتَباعَدُ عَنِ الذِّكْرى الأشْقى. والتَّعْرِيفُ في الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ: الأشْقَوْنَ. والأشْقى هو شَدِيدُ الشِّقْوَةِ والشِّقْوَةُ والشَّقاءُ في لِسانِ الشَّرْعِ الحالَةُ النّاشِئَةُ في الآخِرَةِ عَنِ الكُفْرِ مِن حالَةِ الإهانَةِ والتَّعْذِيبِ، وعِنْدَنا أنَّ مِن عُلِمَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ. فالأشْقى: هو الكافِرُ لِأنَّهُ أشَدُّ النّاسِ شَقاءً في الآخِرَةِ لِخُلُودِهِ في النّارِ. صفحة ٢٨٦ وتَعْرِيفُ الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَهْدِ فَقالَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، أوْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. ووَصْفُ الأشْقى بِـ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾؛ لِأنَّ إطْلاقَ الأشْقى في هَذِهِ الآيَةِ في صَدْرِ مُدَّةِ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَكانَ فِيهِ مِنَ الإبْهامِ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ فَأُتْبِعَ بِوَصْفٍ يُبَيِّنُهُ في الجُمْلَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ. ومُقابَلَةُ ﴿مَن يَخْشى﴾ بِـ الأشْقى تُؤْذِنُ بِأنَّ الأشْقى مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَخْشى فَهو سادِرٌ في غُرُورِهِ مُنْغَمِسٌ في لَهْوِهِ فَلا يَتَطَلَّبُ لِنَفْسِهِ تَخَلُّصًا مِن شَقائِهِ. ووَصْفُ النّارِ بِـ الكُبْرى لِلتَّهْوِيلِ والإنْذارِ والمُرادُ بِها جَهَنَّمُ. وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فَهي صِلَةٌ ثانِيَةٌ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْطُوفَها مُتَراخِي الرُّتْبَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وهو شِدَّةُ العَذابِ، فَإنَّ تَرَدُّدَ حالِهِ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ وهو في عَذابِ الِاحْتِراقُ عَذابٌ أشَدُّ مِمّا أفادَهُ أنَّهُ في عَذابِ الِاحْتِراقِ. ضَرُورَةُ أنَّ الِاحْتِراقَ واقِعٌ وقَدْ زِيدَ فِيهِ دَرَجَةُ أنَّهُ لا راحَةَ مِنهُ بِمَوْتٍ ولا مَخْلَصَ مِنهُ بِحَياةٍ. فَمَعْنى ﴿لا يَمُوتُ﴾: لا يَزُولُ عَنْهُ الإحْساسُ، فَإنَّ المَوْتَ فُقْدانُ الإحْساسِ مَعَ ما في هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الأُعْجُوبَةِ، وهي مِمّا يُؤَكِّدُ اعْتِبارَ تَراخِي الرُّتْبَةِ في هَذا التَّنْكِيلِ. وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْيا﴾ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِنَفْيِ المَوْتِ عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَراحُوا مِنَ العَذابِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الِاحْتِراقَ يُهْلِكُ المُحْرَقَ، فَإذا قِيلَ ﴿لا يَمُوتُ﴾ تَوَهَّمَ المُنْذَرُونَ أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِراقَ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الإهْلاكِ فَيَبْقى المُحْرَقُ حَيًّا فَيُظَنُّ أنَّهُ إحْراقٌ هَيِّنٌ، فَيَكُونُ مَسْلاةً لِلْمُهَدَّدِينَ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا يَحْيا﴾، أيْ: حَياةً خالِصَةً مِنَ الآلامِ والقَرِينَةُ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ مُقابَلَةُ ولا يَحْيا بِقَوْلِهِ: ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ . صفحة ٢٨٧ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ نَفْيِ وصْفَيْنِ لِإثْباتِ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَتَيْهِما مِثْلَ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وقَوْلِ إحْدى نِساءِ أُمِّ زَرْعٍ: ”لا حَرَّ ولا قَرَّ“ . لِأنَّ ذَلِكَ لا طائِلَ تَحْتَهُ. ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ نَفْيَ الحَياةِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الخَلاصِ بِناءً عَلى أنَّ لازِمَ الإحْراقِ الهَلاكُ ولازِمَ الحَياةِ عَدَمُ الهَلاكِ. وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ لِأجْلِ التَّضادِ الظّاهِرِ بَيْنَ لا يَمُوتُ ولا يَحْيا.

الأعلى 87:11

﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ . بَعْدَ أنْ ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ تَكَفَّلَ لَهُ ما أزالَ فَرَقَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وما اطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ مِن دَفْعِ ما خافَهُ مِن ضَعْفٍ عَنْ أدائِهِ الرِّسالَةَ عَلى وجْهِها وتَكَفَّلَ لَهُ دَفْعَ نِسْيانِ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا ما كانَ إنْساؤُهُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى. ووَعْدُهُ بِأنَّهُ وفَّقَهُ وهَيَّأهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَبْدَأِ عَهْدِهِ بِالرِّسالَةِ إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ثامِنَةَ السُّوَرِ لا يَعْلَمُ ما سَيَتَعَهَّدُ اللَّهُ بِهِ فَيَخْشى أنْ يُقَصِّرَ عَنْ مُرادِ اللَّهِ فَيَلْحَقُهُ غَضَبٌ مِنهُ أوْ مَلامٌ. أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، أيِ: التَّبْلِيغِ، أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، إرْهافًا لِعَزْمِهِ، وشَحْذًا لِنَشاطِهِ لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى صفحة ٢٨٤ التَّذْكِيرِ بِشَراشِرِهِ، فَإنَّ امْتِثالَ الأمْرِ إذا عاضَدَهُ إقْبالُ النَّفْسِ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ كانَ فِيهِ مَسَرَّةٌ لِلْمَأْمُورِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أداءِ الواجِبِ وإرْضاءِ الخاطِرِ. فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْرِيعُ النَّتِيجَةِ عَلى المُقَدِّماتِ. والأمْرُ: مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ. والتَّذْكِيرُ: تَبْلِيغُ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ. والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ عَبَسَ. ومَفْعُولُ فَذَكِّرْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: فَذَكِّرِ النّاسَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُعَلَّلَةِ وعِلَّتِها، وهَذا الِاعْتِراضُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى العُمُومِ الَّذِي اقْتَضاهُ حَذْفُ مَفْعُولِ فَذَكِّرْ، أيْ: فَدُمْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ كُلِّهِمْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى جَمِيعَهم، أيْ: وهي لا تَنْفَعُ إلّا البَعْضَ وهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَةَ. فالشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ ولا تَقْيِيدًا لِمَضْمُونِها، إذْ لَيْسَ المَعْنى: فَذَكِّرْ إذا كانَ لِلذِّكْرى نَفْعٌ، حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنْ لا تُذَكِّرَ إذا لَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرى، إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ التَّذْكِيرِ بِما إذا كانَتِ الذِّكْرى نافِعَةً إذْ لا سَبِيلَ إلى تَعَرُّفِ مَواقِعِ نَفْعِ الذِّكْرى، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] مُؤَوَّلًا بِأنَّ المَعْنى فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَن يَخافُ وعِيدِ، بَلِ المُرادُ فَذَكِّرِ النّاسَ كافَّةً إنْ كانَتِ الذِّكْرى تَنْفَعُ جَمِيعَهم، فالشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْكِيكِ؛ لِأنَّ أصْلَ الشَّرْطِ بِـ إنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ، فالدَّعْوَةُ عامَّةٌ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ النّاسِ في قَبُولِ الهُدى وعَدَمِهِ أمْرٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَأبُو جَهْلٍ مَدْعُوٌّ لِلْإيمانِ واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ مَن يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ دُونَ غَيْرِهِمْ، والواقِعُ يَكْشِفُ المَقْدُورَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ في القَوْمِ مَن لا تَنْفَعُهُ الذِّكْرى وذَلِكَ يُفْهَمُ مِنِ اجْتِلابِ حَرْفِ إنِ المُقْتَضِي عَدَمَ احْتِمالِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: صفحة ٢٨٥ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَذَكِّرْ وما لَحِقَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ التَّذْكِيرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ المُذَكَّرِينَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَنْفَعُ أوْلِيائِي ولا تَنْفَعُ أعْدائِي، وفي هَذا ما يُرِيكَ مَعْنى الآيَةِ واضِحًا لا غُبارَ عَلَيْهِ ويَدْفَعُ حَيْرَةَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ مَعْنى إنْ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الفَرّاءِ والنُّحاسِ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، وأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي. ويَذَّكَّرُ: مُطاوِعُ ذَكَّرَهُ. وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَقُلِبَتِ التّاءُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَأْتِيَ إدْغامُها في الذّالِ الأُخْرى. و﴿مَن يَخْشى﴾: جِنْسٌ لا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ أيْ: سَيَتَذَكَّرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في يَخْشى مُراعًى فِيهِ لَفْظُ مِن فَإنَّهُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ. وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ يَخْشى مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ المَفْعُولُ، أيْ: يَتَذَكَّرُ مِنَ الخَشْيَةِ فِكْرَتَهُ وجِبِلَّتَهُ، أيْ: مَن يَتَوَقَّعُ حُصُولَ الضُّرِّ والنَّفْعِ فَيَنْظُرُ في مَظانِّ كُلٍّ ويَتَدَبَّرُ في الدَّلائِلِ؛ لِأنَّهُ يَخْشى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ ما أُنْذِرَ بِهِ. والخَشْيَةُ: الخَوْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] في سُورَةِ طه، والخَشْيَةُ ذاتُ مَراتِبَ وفي دَرَجاتِها يَتَفاضَلُ المُؤْمِنُونَ. والتَّجَنُّبُ: التَّباعُدُ، وأصْلُهُ تَفَعَّلَ لِتَكَلُّفِ الكَيْنُونَةِ بِجانِبٍ مِن شَيْءٍ. والجانِبُ: المَكانُ الَّذِي هو طَرَفٌ لِغَيْرِهِ، وتَكَلُّفُ الكَيْنُونَةِ بِهِ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ البُعْدِ أيْ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنهُ، أيْ: يَتَباعَدُ عَنِ الذِّكْرى الأشْقى. والتَّعْرِيفُ في الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ: الأشْقَوْنَ. والأشْقى هو شَدِيدُ الشِّقْوَةِ والشِّقْوَةُ والشَّقاءُ في لِسانِ الشَّرْعِ الحالَةُ النّاشِئَةُ في الآخِرَةِ عَنِ الكُفْرِ مِن حالَةِ الإهانَةِ والتَّعْذِيبِ، وعِنْدَنا أنَّ مِن عُلِمَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ. فالأشْقى: هو الكافِرُ لِأنَّهُ أشَدُّ النّاسِ شَقاءً في الآخِرَةِ لِخُلُودِهِ في النّارِ. صفحة ٢٨٦ وتَعْرِيفُ الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَهْدِ فَقالَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، أوْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. ووَصْفُ الأشْقى بِـ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾؛ لِأنَّ إطْلاقَ الأشْقى في هَذِهِ الآيَةِ في صَدْرِ مُدَّةِ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَكانَ فِيهِ مِنَ الإبْهامِ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ فَأُتْبِعَ بِوَصْفٍ يُبَيِّنُهُ في الجُمْلَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ. ومُقابَلَةُ ﴿مَن يَخْشى﴾ بِـ الأشْقى تُؤْذِنُ بِأنَّ الأشْقى مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَخْشى فَهو سادِرٌ في غُرُورِهِ مُنْغَمِسٌ في لَهْوِهِ فَلا يَتَطَلَّبُ لِنَفْسِهِ تَخَلُّصًا مِن شَقائِهِ. ووَصْفُ النّارِ بِـ الكُبْرى لِلتَّهْوِيلِ والإنْذارِ والمُرادُ بِها جَهَنَّمُ. وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فَهي صِلَةٌ ثانِيَةٌ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْطُوفَها مُتَراخِي الرُّتْبَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وهو شِدَّةُ العَذابِ، فَإنَّ تَرَدُّدَ حالِهِ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ وهو في عَذابِ الِاحْتِراقُ عَذابٌ أشَدُّ مِمّا أفادَهُ أنَّهُ في عَذابِ الِاحْتِراقِ. ضَرُورَةُ أنَّ الِاحْتِراقَ واقِعٌ وقَدْ زِيدَ فِيهِ دَرَجَةُ أنَّهُ لا راحَةَ مِنهُ بِمَوْتٍ ولا مَخْلَصَ مِنهُ بِحَياةٍ. فَمَعْنى ﴿لا يَمُوتُ﴾: لا يَزُولُ عَنْهُ الإحْساسُ، فَإنَّ المَوْتَ فُقْدانُ الإحْساسِ مَعَ ما في هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الأُعْجُوبَةِ، وهي مِمّا يُؤَكِّدُ اعْتِبارَ تَراخِي الرُّتْبَةِ في هَذا التَّنْكِيلِ. وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْيا﴾ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِنَفْيِ المَوْتِ عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَراحُوا مِنَ العَذابِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الِاحْتِراقَ يُهْلِكُ المُحْرَقَ، فَإذا قِيلَ ﴿لا يَمُوتُ﴾ تَوَهَّمَ المُنْذَرُونَ أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِراقَ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الإهْلاكِ فَيَبْقى المُحْرَقُ حَيًّا فَيُظَنُّ أنَّهُ إحْراقٌ هَيِّنٌ، فَيَكُونُ مَسْلاةً لِلْمُهَدَّدِينَ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا يَحْيا﴾، أيْ: حَياةً خالِصَةً مِنَ الآلامِ والقَرِينَةُ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ مُقابَلَةُ ولا يَحْيا بِقَوْلِهِ: ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ . صفحة ٢٨٧ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ نَفْيِ وصْفَيْنِ لِإثْباتِ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَتَيْهِما مِثْلَ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وقَوْلِ إحْدى نِساءِ أُمِّ زَرْعٍ: ”لا حَرَّ ولا قَرَّ“ . لِأنَّ ذَلِكَ لا طائِلَ تَحْتَهُ. ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ نَفْيَ الحَياةِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الخَلاصِ بِناءً عَلى أنَّ لازِمَ الإحْراقِ الهَلاكُ ولازِمَ الحَياةِ عَدَمُ الهَلاكِ. وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ لِأجْلِ التَّضادِ الظّاهِرِ بَيْنَ لا يَمُوتُ ولا يَحْيا.

الأعلى 87:12

﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ . بَعْدَ أنْ ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ تَكَفَّلَ لَهُ ما أزالَ فَرَقَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وما اطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ مِن دَفْعِ ما خافَهُ مِن ضَعْفٍ عَنْ أدائِهِ الرِّسالَةَ عَلى وجْهِها وتَكَفَّلَ لَهُ دَفْعَ نِسْيانِ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا ما كانَ إنْساؤُهُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى. ووَعْدُهُ بِأنَّهُ وفَّقَهُ وهَيَّأهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَبْدَأِ عَهْدِهِ بِالرِّسالَةِ إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ثامِنَةَ السُّوَرِ لا يَعْلَمُ ما سَيَتَعَهَّدُ اللَّهُ بِهِ فَيَخْشى أنْ يُقَصِّرَ عَنْ مُرادِ اللَّهِ فَيَلْحَقُهُ غَضَبٌ مِنهُ أوْ مَلامٌ. أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، أيِ: التَّبْلِيغِ، أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، إرْهافًا لِعَزْمِهِ، وشَحْذًا لِنَشاطِهِ لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى صفحة ٢٨٤ التَّذْكِيرِ بِشَراشِرِهِ، فَإنَّ امْتِثالَ الأمْرِ إذا عاضَدَهُ إقْبالُ النَّفْسِ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ كانَ فِيهِ مَسَرَّةٌ لِلْمَأْمُورِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أداءِ الواجِبِ وإرْضاءِ الخاطِرِ. فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْرِيعُ النَّتِيجَةِ عَلى المُقَدِّماتِ. والأمْرُ: مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ. والتَّذْكِيرُ: تَبْلِيغُ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ. والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ عَبَسَ. ومَفْعُولُ فَذَكِّرْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: فَذَكِّرِ النّاسَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُعَلَّلَةِ وعِلَّتِها، وهَذا الِاعْتِراضُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى العُمُومِ الَّذِي اقْتَضاهُ حَذْفُ مَفْعُولِ فَذَكِّرْ، أيْ: فَدُمْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ كُلِّهِمْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى جَمِيعَهم، أيْ: وهي لا تَنْفَعُ إلّا البَعْضَ وهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَةَ. فالشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ ولا تَقْيِيدًا لِمَضْمُونِها، إذْ لَيْسَ المَعْنى: فَذَكِّرْ إذا كانَ لِلذِّكْرى نَفْعٌ، حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنْ لا تُذَكِّرَ إذا لَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرى، إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ التَّذْكِيرِ بِما إذا كانَتِ الذِّكْرى نافِعَةً إذْ لا سَبِيلَ إلى تَعَرُّفِ مَواقِعِ نَفْعِ الذِّكْرى، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] مُؤَوَّلًا بِأنَّ المَعْنى فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَن يَخافُ وعِيدِ، بَلِ المُرادُ فَذَكِّرِ النّاسَ كافَّةً إنْ كانَتِ الذِّكْرى تَنْفَعُ جَمِيعَهم، فالشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْكِيكِ؛ لِأنَّ أصْلَ الشَّرْطِ بِـ إنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ، فالدَّعْوَةُ عامَّةٌ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ النّاسِ في قَبُولِ الهُدى وعَدَمِهِ أمْرٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَأبُو جَهْلٍ مَدْعُوٌّ لِلْإيمانِ واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ مَن يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ دُونَ غَيْرِهِمْ، والواقِعُ يَكْشِفُ المَقْدُورَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ في القَوْمِ مَن لا تَنْفَعُهُ الذِّكْرى وذَلِكَ يُفْهَمُ مِنِ اجْتِلابِ حَرْفِ إنِ المُقْتَضِي عَدَمَ احْتِمالِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: صفحة ٢٨٥ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَذَكِّرْ وما لَحِقَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ التَّذْكِيرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ المُذَكَّرِينَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَنْفَعُ أوْلِيائِي ولا تَنْفَعُ أعْدائِي، وفي هَذا ما يُرِيكَ مَعْنى الآيَةِ واضِحًا لا غُبارَ عَلَيْهِ ويَدْفَعُ حَيْرَةَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ مَعْنى إنْ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الفَرّاءِ والنُّحاسِ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، وأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي. ويَذَّكَّرُ: مُطاوِعُ ذَكَّرَهُ. وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَقُلِبَتِ التّاءُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَأْتِيَ إدْغامُها في الذّالِ الأُخْرى. و﴿مَن يَخْشى﴾: جِنْسٌ لا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ أيْ: سَيَتَذَكَّرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في يَخْشى مُراعًى فِيهِ لَفْظُ مِن فَإنَّهُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ. وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ يَخْشى مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ المَفْعُولُ، أيْ: يَتَذَكَّرُ مِنَ الخَشْيَةِ فِكْرَتَهُ وجِبِلَّتَهُ، أيْ: مَن يَتَوَقَّعُ حُصُولَ الضُّرِّ والنَّفْعِ فَيَنْظُرُ في مَظانِّ كُلٍّ ويَتَدَبَّرُ في الدَّلائِلِ؛ لِأنَّهُ يَخْشى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ ما أُنْذِرَ بِهِ. والخَشْيَةُ: الخَوْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] في سُورَةِ طه، والخَشْيَةُ ذاتُ مَراتِبَ وفي دَرَجاتِها يَتَفاضَلُ المُؤْمِنُونَ. والتَّجَنُّبُ: التَّباعُدُ، وأصْلُهُ تَفَعَّلَ لِتَكَلُّفِ الكَيْنُونَةِ بِجانِبٍ مِن شَيْءٍ. والجانِبُ: المَكانُ الَّذِي هو طَرَفٌ لِغَيْرِهِ، وتَكَلُّفُ الكَيْنُونَةِ بِهِ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ البُعْدِ أيْ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنهُ، أيْ: يَتَباعَدُ عَنِ الذِّكْرى الأشْقى. والتَّعْرِيفُ في الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ: الأشْقَوْنَ. والأشْقى هو شَدِيدُ الشِّقْوَةِ والشِّقْوَةُ والشَّقاءُ في لِسانِ الشَّرْعِ الحالَةُ النّاشِئَةُ في الآخِرَةِ عَنِ الكُفْرِ مِن حالَةِ الإهانَةِ والتَّعْذِيبِ، وعِنْدَنا أنَّ مِن عُلِمَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ. فالأشْقى: هو الكافِرُ لِأنَّهُ أشَدُّ النّاسِ شَقاءً في الآخِرَةِ لِخُلُودِهِ في النّارِ. صفحة ٢٨٦ وتَعْرِيفُ الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَهْدِ فَقالَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، أوْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. ووَصْفُ الأشْقى بِـ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾؛ لِأنَّ إطْلاقَ الأشْقى في هَذِهِ الآيَةِ في صَدْرِ مُدَّةِ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَكانَ فِيهِ مِنَ الإبْهامِ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ فَأُتْبِعَ بِوَصْفٍ يُبَيِّنُهُ في الجُمْلَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ. ومُقابَلَةُ ﴿مَن يَخْشى﴾ بِـ الأشْقى تُؤْذِنُ بِأنَّ الأشْقى مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَخْشى فَهو سادِرٌ في غُرُورِهِ مُنْغَمِسٌ في لَهْوِهِ فَلا يَتَطَلَّبُ لِنَفْسِهِ تَخَلُّصًا مِن شَقائِهِ. ووَصْفُ النّارِ بِـ الكُبْرى لِلتَّهْوِيلِ والإنْذارِ والمُرادُ بِها جَهَنَّمُ. وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فَهي صِلَةٌ ثانِيَةٌ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْطُوفَها مُتَراخِي الرُّتْبَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وهو شِدَّةُ العَذابِ، فَإنَّ تَرَدُّدَ حالِهِ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ وهو في عَذابِ الِاحْتِراقُ عَذابٌ أشَدُّ مِمّا أفادَهُ أنَّهُ في عَذابِ الِاحْتِراقِ. ضَرُورَةُ أنَّ الِاحْتِراقَ واقِعٌ وقَدْ زِيدَ فِيهِ دَرَجَةُ أنَّهُ لا راحَةَ مِنهُ بِمَوْتٍ ولا مَخْلَصَ مِنهُ بِحَياةٍ. فَمَعْنى ﴿لا يَمُوتُ﴾: لا يَزُولُ عَنْهُ الإحْساسُ، فَإنَّ المَوْتَ فُقْدانُ الإحْساسِ مَعَ ما في هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الأُعْجُوبَةِ، وهي مِمّا يُؤَكِّدُ اعْتِبارَ تَراخِي الرُّتْبَةِ في هَذا التَّنْكِيلِ. وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْيا﴾ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِنَفْيِ المَوْتِ عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَراحُوا مِنَ العَذابِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الِاحْتِراقَ يُهْلِكُ المُحْرَقَ، فَإذا قِيلَ ﴿لا يَمُوتُ﴾ تَوَهَّمَ المُنْذَرُونَ أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِراقَ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الإهْلاكِ فَيَبْقى المُحْرَقُ حَيًّا فَيُظَنُّ أنَّهُ إحْراقٌ هَيِّنٌ، فَيَكُونُ مَسْلاةً لِلْمُهَدَّدِينَ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا يَحْيا﴾، أيْ: حَياةً خالِصَةً مِنَ الآلامِ والقَرِينَةُ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ مُقابَلَةُ ولا يَحْيا بِقَوْلِهِ: ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ . صفحة ٢٨٧ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ نَفْيِ وصْفَيْنِ لِإثْباتِ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَتَيْهِما مِثْلَ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وقَوْلِ إحْدى نِساءِ أُمِّ زَرْعٍ: ”لا حَرَّ ولا قَرَّ“ . لِأنَّ ذَلِكَ لا طائِلَ تَحْتَهُ. ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ نَفْيَ الحَياةِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الخَلاصِ بِناءً عَلى أنَّ لازِمَ الإحْراقِ الهَلاكُ ولازِمَ الحَياةِ عَدَمُ الهَلاكِ. وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ لِأجْلِ التَّضادِ الظّاهِرِ بَيْنَ لا يَمُوتُ ولا يَحْيا.

الأعلى 87:13

﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ . بَعْدَ أنْ ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ تَكَفَّلَ لَهُ ما أزالَ فَرَقَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وما اطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ مِن دَفْعِ ما خافَهُ مِن ضَعْفٍ عَنْ أدائِهِ الرِّسالَةَ عَلى وجْهِها وتَكَفَّلَ لَهُ دَفْعَ نِسْيانِ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا ما كانَ إنْساؤُهُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى. ووَعْدُهُ بِأنَّهُ وفَّقَهُ وهَيَّأهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَبْدَأِ عَهْدِهِ بِالرِّسالَةِ إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ثامِنَةَ السُّوَرِ لا يَعْلَمُ ما سَيَتَعَهَّدُ اللَّهُ بِهِ فَيَخْشى أنْ يُقَصِّرَ عَنْ مُرادِ اللَّهِ فَيَلْحَقُهُ غَضَبٌ مِنهُ أوْ مَلامٌ. أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، أيِ: التَّبْلِيغِ، أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، إرْهافًا لِعَزْمِهِ، وشَحْذًا لِنَشاطِهِ لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى صفحة ٢٨٤ التَّذْكِيرِ بِشَراشِرِهِ، فَإنَّ امْتِثالَ الأمْرِ إذا عاضَدَهُ إقْبالُ النَّفْسِ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ كانَ فِيهِ مَسَرَّةٌ لِلْمَأْمُورِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أداءِ الواجِبِ وإرْضاءِ الخاطِرِ. فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْرِيعُ النَّتِيجَةِ عَلى المُقَدِّماتِ. والأمْرُ: مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ. والتَّذْكِيرُ: تَبْلِيغُ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ. والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ عَبَسَ. ومَفْعُولُ فَذَكِّرْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: فَذَكِّرِ النّاسَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُعَلَّلَةِ وعِلَّتِها، وهَذا الِاعْتِراضُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى العُمُومِ الَّذِي اقْتَضاهُ حَذْفُ مَفْعُولِ فَذَكِّرْ، أيْ: فَدُمْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ كُلِّهِمْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى جَمِيعَهم، أيْ: وهي لا تَنْفَعُ إلّا البَعْضَ وهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَةَ. فالشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ ولا تَقْيِيدًا لِمَضْمُونِها، إذْ لَيْسَ المَعْنى: فَذَكِّرْ إذا كانَ لِلذِّكْرى نَفْعٌ، حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنْ لا تُذَكِّرَ إذا لَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرى، إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ التَّذْكِيرِ بِما إذا كانَتِ الذِّكْرى نافِعَةً إذْ لا سَبِيلَ إلى تَعَرُّفِ مَواقِعِ نَفْعِ الذِّكْرى، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] مُؤَوَّلًا بِأنَّ المَعْنى فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَن يَخافُ وعِيدِ، بَلِ المُرادُ فَذَكِّرِ النّاسَ كافَّةً إنْ كانَتِ الذِّكْرى تَنْفَعُ جَمِيعَهم، فالشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْكِيكِ؛ لِأنَّ أصْلَ الشَّرْطِ بِـ إنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ، فالدَّعْوَةُ عامَّةٌ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ النّاسِ في قَبُولِ الهُدى وعَدَمِهِ أمْرٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَأبُو جَهْلٍ مَدْعُوٌّ لِلْإيمانِ واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ مَن يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ دُونَ غَيْرِهِمْ، والواقِعُ يَكْشِفُ المَقْدُورَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ في القَوْمِ مَن لا تَنْفَعُهُ الذِّكْرى وذَلِكَ يُفْهَمُ مِنِ اجْتِلابِ حَرْفِ إنِ المُقْتَضِي عَدَمَ احْتِمالِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: صفحة ٢٨٥ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَذَكِّرْ وما لَحِقَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ التَّذْكِيرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ المُذَكَّرِينَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَنْفَعُ أوْلِيائِي ولا تَنْفَعُ أعْدائِي، وفي هَذا ما يُرِيكَ مَعْنى الآيَةِ واضِحًا لا غُبارَ عَلَيْهِ ويَدْفَعُ حَيْرَةَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ مَعْنى إنْ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الفَرّاءِ والنُّحاسِ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، وأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي. ويَذَّكَّرُ: مُطاوِعُ ذَكَّرَهُ. وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَقُلِبَتِ التّاءُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَأْتِيَ إدْغامُها في الذّالِ الأُخْرى. و﴿مَن يَخْشى﴾: جِنْسٌ لا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ أيْ: سَيَتَذَكَّرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في يَخْشى مُراعًى فِيهِ لَفْظُ مِن فَإنَّهُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ. وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ يَخْشى مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ المَفْعُولُ، أيْ: يَتَذَكَّرُ مِنَ الخَشْيَةِ فِكْرَتَهُ وجِبِلَّتَهُ، أيْ: مَن يَتَوَقَّعُ حُصُولَ الضُّرِّ والنَّفْعِ فَيَنْظُرُ في مَظانِّ كُلٍّ ويَتَدَبَّرُ في الدَّلائِلِ؛ لِأنَّهُ يَخْشى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ ما أُنْذِرَ بِهِ. والخَشْيَةُ: الخَوْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] في سُورَةِ طه، والخَشْيَةُ ذاتُ مَراتِبَ وفي دَرَجاتِها يَتَفاضَلُ المُؤْمِنُونَ. والتَّجَنُّبُ: التَّباعُدُ، وأصْلُهُ تَفَعَّلَ لِتَكَلُّفِ الكَيْنُونَةِ بِجانِبٍ مِن شَيْءٍ. والجانِبُ: المَكانُ الَّذِي هو طَرَفٌ لِغَيْرِهِ، وتَكَلُّفُ الكَيْنُونَةِ بِهِ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ البُعْدِ أيْ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنهُ، أيْ: يَتَباعَدُ عَنِ الذِّكْرى الأشْقى. والتَّعْرِيفُ في الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ: الأشْقَوْنَ. والأشْقى هو شَدِيدُ الشِّقْوَةِ والشِّقْوَةُ والشَّقاءُ في لِسانِ الشَّرْعِ الحالَةُ النّاشِئَةُ في الآخِرَةِ عَنِ الكُفْرِ مِن حالَةِ الإهانَةِ والتَّعْذِيبِ، وعِنْدَنا أنَّ مِن عُلِمَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ. فالأشْقى: هو الكافِرُ لِأنَّهُ أشَدُّ النّاسِ شَقاءً في الآخِرَةِ لِخُلُودِهِ في النّارِ. صفحة ٢٨٦ وتَعْرِيفُ الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَهْدِ فَقالَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، أوْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. ووَصْفُ الأشْقى بِـ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾؛ لِأنَّ إطْلاقَ الأشْقى في هَذِهِ الآيَةِ في صَدْرِ مُدَّةِ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَكانَ فِيهِ مِنَ الإبْهامِ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ فَأُتْبِعَ بِوَصْفٍ يُبَيِّنُهُ في الجُمْلَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ. ومُقابَلَةُ ﴿مَن يَخْشى﴾ بِـ الأشْقى تُؤْذِنُ بِأنَّ الأشْقى مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَخْشى فَهو سادِرٌ في غُرُورِهِ مُنْغَمِسٌ في لَهْوِهِ فَلا يَتَطَلَّبُ لِنَفْسِهِ تَخَلُّصًا مِن شَقائِهِ. ووَصْفُ النّارِ بِـ الكُبْرى لِلتَّهْوِيلِ والإنْذارِ والمُرادُ بِها جَهَنَّمُ. وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فَهي صِلَةٌ ثانِيَةٌ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْطُوفَها مُتَراخِي الرُّتْبَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وهو شِدَّةُ العَذابِ، فَإنَّ تَرَدُّدَ حالِهِ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ وهو في عَذابِ الِاحْتِراقُ عَذابٌ أشَدُّ مِمّا أفادَهُ أنَّهُ في عَذابِ الِاحْتِراقِ. ضَرُورَةُ أنَّ الِاحْتِراقَ واقِعٌ وقَدْ زِيدَ فِيهِ دَرَجَةُ أنَّهُ لا راحَةَ مِنهُ بِمَوْتٍ ولا مَخْلَصَ مِنهُ بِحَياةٍ. فَمَعْنى ﴿لا يَمُوتُ﴾: لا يَزُولُ عَنْهُ الإحْساسُ، فَإنَّ المَوْتَ فُقْدانُ الإحْساسِ مَعَ ما في هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الأُعْجُوبَةِ، وهي مِمّا يُؤَكِّدُ اعْتِبارَ تَراخِي الرُّتْبَةِ في هَذا التَّنْكِيلِ. وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْيا﴾ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِنَفْيِ المَوْتِ عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَراحُوا مِنَ العَذابِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الِاحْتِراقَ يُهْلِكُ المُحْرَقَ، فَإذا قِيلَ ﴿لا يَمُوتُ﴾ تَوَهَّمَ المُنْذَرُونَ أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِراقَ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الإهْلاكِ فَيَبْقى المُحْرَقُ حَيًّا فَيُظَنُّ أنَّهُ إحْراقٌ هَيِّنٌ، فَيَكُونُ مَسْلاةً لِلْمُهَدَّدِينَ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا يَحْيا﴾، أيْ: حَياةً خالِصَةً مِنَ الآلامِ والقَرِينَةُ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ مُقابَلَةُ ولا يَحْيا بِقَوْلِهِ: ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ . صفحة ٢٨٧ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ نَفْيِ وصْفَيْنِ لِإثْباتِ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَتَيْهِما مِثْلَ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وقَوْلِ إحْدى نِساءِ أُمِّ زَرْعٍ: ”لا حَرَّ ولا قَرَّ“ . لِأنَّ ذَلِكَ لا طائِلَ تَحْتَهُ. ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ نَفْيَ الحَياةِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الخَلاصِ بِناءً عَلى أنَّ لازِمَ الإحْراقِ الهَلاكُ ولازِمَ الحَياةِ عَدَمُ الهَلاكِ. وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ لِأجْلِ التَّضادِ الظّاهِرِ بَيْنَ لا يَمُوتُ ولا يَحْيا.

الأعلى 87:14

﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ذِكْرَ ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] وذِكْرَ الأشْقى يُثِيرُ اسْتِشْرافَ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ أثَرِ ذَلِكَ فابْتُدِئَ بِوَصْفِ أثَرِ الشَّقاوَةِ فَوَصَفَ الأشْقى بِأنَّهُ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] وأخَّرَ ذِكْرَ ثَوابِ الأتْقى تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ في الغَرَضِ وهو بَيانُ جَزاءِ الأشْقى الَّذِي يَتَجَنَّبُ الذِّكْرى، وبَقِيَ السّامِعُ يَنْتَظِرُ أنْ يَعْلَمَ جَزاءَ مَن يَخْشى ويَتَذَكَّرُ، فَلَمّا وُفِّيَ حَقُّ المَوْعِظَةِ والتَّرْهِيبَةِ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ لِبَيانِ المَثُوبَةِ والتَّرْغِيبِ. فالمُرادُ بِـ ﴿مَن تَزَكّى﴾ هَنا عَيْنُ المُرادِ بِـ (﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) و(يَذَّكَّرُ) فَقَدْ عُرِفَ هُنا بِأنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَلا جَرَمَ أنَّ ذِكْرَ اسْمِ رَبِّهِ هو التَّذَكُّرُ بِالذِّكْرى، فالتَّذَكُّرُ هو غايَةُ الذِّكْرى المَأْمُورِ بِها الرَّسُولُ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: فَذَكِّرْ. وقَدْ جُمِعَتْ أنْواعُ الخَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ فَإنَّ الفَلاحَ نَجاحُ المَرْءِ فِيما يَطْمَحُ إلَيْهِ فَهو يَجْمَعُ مَعْنَيَيِ الفَوْزِ والنَّفْعِ وذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالمُبْتَغى مِنَ الخَيْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ في البَقَرَةِ. والإتْيانُ بِفِعْلِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: أفْلَحَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُحَقَّقِ وُقُوعِهِ مِنَ الآخِرَةِ، واقْتِرانِهِ بِحَرْفِ قَدْ لِتَحْقِيقِهِ وتَثْنِيَتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى الأشْقَيْنَ الَّذِينَ تَجَنَّبُوا الذِّكْرى إثارَةً لِهِمَّتِهِمْ في الِالتِحاقِ بِالَّذِينَ خَشَوْا فَأفْلَحُوا. ومَعْنى تَزَكّى: عالَجَ أنْ يَكُونَ زَكِيًّا، أيْ: بَذَلَ اسْتِطاعَتَهُ في تَطْهِيرِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَتِها كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] . صفحة ٢٨٨ فَمادَّةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ وبِذْلِ الجُهْدِ، وأصْلُ ذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ والِاسْتِعْدادُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ ويَجِيءُ بِها، فَيَشْمَلُ زَكاةَ الأمْوالِ. أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وخَلَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِها»، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ. وقَدَّمَ التَّزَكِّيَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ أصْلُ العَمَلِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَإنَّهُ إذا تَطَهَّرَتِ النَّفْسُ أشْرَقَتْ فِيها أنْوارُ الهِدايَةِ فَعَلِمَتْ مَنافِعَها وأكْثَرَتْ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْها، فالتَّزْكِيَةُ: الِارْتِياضُ عَلى قَبُولِ الخَيْرِ والمُرادُ تَزَكّى بِالإيمانِ. وفِعْلُ ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ الَّذِي هو بِكَسْرِ الذّالِ فَيَكُونُ كَلِمَةُ ﴿اسْمَ رَبِّهِ﴾ مُرادًا بِها ذِكْرُ أسْماءِ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ، مِثْلَ قَوْلِ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)، وقَوْلِ (اللَّهُ أكْبَرُ) و(سُبْحانَ اللَّهِ)، ونَحْوِ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ وهو حُضُورُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ الذّاكِرَةِ والمُفَكِّرَةِ فَتَكُونُ كَلِمَةُ اسْمَ مُقْحَمَةً لِتَدُلَّ عَلى شَأْنِ اللَّهِ وصِفاتِ عَظَمَتِهِ، فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ أوْصافُ كَمالٍ. وتَفْرِيعُ فَصَلّى عَلى ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَيَيْهِ يَبْعَثُ الذّاكِرَ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي خُضُوعٌ وثَناءٌ. وقَدْ رُتِّبَتْ هَذِهِ الخِصالُ الثَّلاثُ في الآيَةِ عَلى تَرْتِيبِ تَوَلُّدِها. فَأصْلُها: إزالَةُ الخَباثَةِ النَّفْسِيَّةِ مِن عَقائِدَ باطِلَةٍ وحَدِيثِ النَّفْسِ بِالمُضْمِراتِ الفاسِدَةِ وهي المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: تَزَكّى، ثُمَّ اسْتِحْضارُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَخافَهُ ويَرْجُوَهُ وهو المُشارُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ الإقْبالُ عَلى طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَصَلّى والصَّلاةُ تُشِيرُ إلى العِبادَةِ وهي في ذاتِها طاعَةٌ وامْتِثالٌ يَأْتِي بَعْدَهُ ما يُشْرَعُ مِنَ الأعْمالِ قالَ تَعالى: إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ.

الأعلى 87:15

﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ذِكْرَ ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] وذِكْرَ الأشْقى يُثِيرُ اسْتِشْرافَ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ أثَرِ ذَلِكَ فابْتُدِئَ بِوَصْفِ أثَرِ الشَّقاوَةِ فَوَصَفَ الأشْقى بِأنَّهُ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] وأخَّرَ ذِكْرَ ثَوابِ الأتْقى تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ في الغَرَضِ وهو بَيانُ جَزاءِ الأشْقى الَّذِي يَتَجَنَّبُ الذِّكْرى، وبَقِيَ السّامِعُ يَنْتَظِرُ أنْ يَعْلَمَ جَزاءَ مَن يَخْشى ويَتَذَكَّرُ، فَلَمّا وُفِّيَ حَقُّ المَوْعِظَةِ والتَّرْهِيبَةِ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ لِبَيانِ المَثُوبَةِ والتَّرْغِيبِ. فالمُرادُ بِـ ﴿مَن تَزَكّى﴾ هَنا عَيْنُ المُرادِ بِـ (﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) و(يَذَّكَّرُ) فَقَدْ عُرِفَ هُنا بِأنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَلا جَرَمَ أنَّ ذِكْرَ اسْمِ رَبِّهِ هو التَّذَكُّرُ بِالذِّكْرى، فالتَّذَكُّرُ هو غايَةُ الذِّكْرى المَأْمُورِ بِها الرَّسُولُ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: فَذَكِّرْ. وقَدْ جُمِعَتْ أنْواعُ الخَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ فَإنَّ الفَلاحَ نَجاحُ المَرْءِ فِيما يَطْمَحُ إلَيْهِ فَهو يَجْمَعُ مَعْنَيَيِ الفَوْزِ والنَّفْعِ وذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالمُبْتَغى مِنَ الخَيْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ في البَقَرَةِ. والإتْيانُ بِفِعْلِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: أفْلَحَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُحَقَّقِ وُقُوعِهِ مِنَ الآخِرَةِ، واقْتِرانِهِ بِحَرْفِ قَدْ لِتَحْقِيقِهِ وتَثْنِيَتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى الأشْقَيْنَ الَّذِينَ تَجَنَّبُوا الذِّكْرى إثارَةً لِهِمَّتِهِمْ في الِالتِحاقِ بِالَّذِينَ خَشَوْا فَأفْلَحُوا. ومَعْنى تَزَكّى: عالَجَ أنْ يَكُونَ زَكِيًّا، أيْ: بَذَلَ اسْتِطاعَتَهُ في تَطْهِيرِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَتِها كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] . صفحة ٢٨٨ فَمادَّةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ وبِذْلِ الجُهْدِ، وأصْلُ ذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ والِاسْتِعْدادُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ ويَجِيءُ بِها، فَيَشْمَلُ زَكاةَ الأمْوالِ. أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وخَلَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِها»، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ. وقَدَّمَ التَّزَكِّيَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ أصْلُ العَمَلِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَإنَّهُ إذا تَطَهَّرَتِ النَّفْسُ أشْرَقَتْ فِيها أنْوارُ الهِدايَةِ فَعَلِمَتْ مَنافِعَها وأكْثَرَتْ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْها، فالتَّزْكِيَةُ: الِارْتِياضُ عَلى قَبُولِ الخَيْرِ والمُرادُ تَزَكّى بِالإيمانِ. وفِعْلُ ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ الَّذِي هو بِكَسْرِ الذّالِ فَيَكُونُ كَلِمَةُ ﴿اسْمَ رَبِّهِ﴾ مُرادًا بِها ذِكْرُ أسْماءِ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ، مِثْلَ قَوْلِ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)، وقَوْلِ (اللَّهُ أكْبَرُ) و(سُبْحانَ اللَّهِ)، ونَحْوِ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ وهو حُضُورُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ الذّاكِرَةِ والمُفَكِّرَةِ فَتَكُونُ كَلِمَةُ اسْمَ مُقْحَمَةً لِتَدُلَّ عَلى شَأْنِ اللَّهِ وصِفاتِ عَظَمَتِهِ، فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ أوْصافُ كَمالٍ. وتَفْرِيعُ فَصَلّى عَلى ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَيَيْهِ يَبْعَثُ الذّاكِرَ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي خُضُوعٌ وثَناءٌ. وقَدْ رُتِّبَتْ هَذِهِ الخِصالُ الثَّلاثُ في الآيَةِ عَلى تَرْتِيبِ تَوَلُّدِها. فَأصْلُها: إزالَةُ الخَباثَةِ النَّفْسِيَّةِ مِن عَقائِدَ باطِلَةٍ وحَدِيثِ النَّفْسِ بِالمُضْمِراتِ الفاسِدَةِ وهي المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: تَزَكّى، ثُمَّ اسْتِحْضارُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَخافَهُ ويَرْجُوَهُ وهو المُشارُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ الإقْبالُ عَلى طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَصَلّى والصَّلاةُ تُشِيرُ إلى العِبادَةِ وهي في ذاتِها طاعَةٌ وامْتِثالٌ يَأْتِي بَعْدَهُ ما يُشْرَعُ مِنَ الأعْمالِ قالَ تَعالى: إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ.

الأعلى 87:16

صفحة ٢٨٩ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بِصِيغَةِ الخِطابِ، والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ وهو التِفاتٌ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ عائِدًا إلى ﴿الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] . وحَرْفُ بَلْ مَعْناهُ الجامِعُ هو الإضْرابُ، أيِ: انْصِرافُ القَوْلِ أوِ الحُكْمِ إلى ما يَأْتِي بَعْدَ بَلْ فَهو إذا عَطَفَ المُفْرِداتِ كانَ الإضْرابُ إبْطالًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ: لِغَلَطٍ في ذِكْرِ المَعْطُوفِ أوْ لِلِاحْتِرازِ عَنْهُ فَذَلِكَ انْصِرافٌ عَنِ الحُكْمِ. وإذا عَطَفَ الجُمَلَ فَعَطْفُهُ عَطْفُ كَلامٍ عَلى كَلامٍ وهو عَطْفٌ لَفْظِيٌّ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّشْرِيكِ في الحُكْمِ ويَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ، فَتارَةً يُقْصَدُ إبْطالُ مَعْنى الكَلامِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] فَهو انْصِرافٌ في الحُكْمِ، وتارَةً يُقْصَدُ مُجَرَّدُ التَّنَقُّلِ مِن خَبَرٍ إلى آخَرَ مَعَ عَدَمِ إبْطالِ الأوَّلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦٢] فَتَكُونُ بَلْ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ دَعْ هَذا فَهَذا انْصِرافٌ قَوْلِيٌّ، ويُعْرَفُ أحَدُ الإضْرابَيْنِ بِالقَرائِنِ والسِّياقِ. وبَلْ هُنا عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَطْفًا صُورِيًّا، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِمُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ المُنْتَفِعِينَ بِالذِّكْرى والمُتَجَنِّبِينَ لَها، إلى ذِكْرِ سَبَبِ إعْراضِ المُتَجَنِّبِينَ وهُمُ الأشْقَوْنَ بِأنَّ السَّبَبَ إيثارُهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو إضْرابٌ عَنْ حِكايَةِ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ بِالِانْتِقالِ إلى تَوْبِيخِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ وهو الفَرِيقُ الأشْقى، فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ لِكَيْ لا تَنْقَضِيَ السُّورَةُ كُلُّها في الإخْبارِ عَنْهم بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإضْرابُ إبْطالًا لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] مِنَ التَّعْرِيضِ لِلَّذِينَ شَقُوا بِتَحْرِيضِهِمْ عَلى طَلَبِ الفَلاحِ لِأنْفُسِهِمْ لِيَلْتَحِقُوا بِالَّذِينَ يَخْشَوْنَ ويَتَزَكَّوْنَ لِيَبْطُلَ أنْ يَكُونُوا مَظِنَّةَ تَحْصِيلِ الفَلاحِ. والمَعْنى: أنَّهم بُعَداءُ عَنْ أنْ يُظَنَّ بِهِمُ التَّنافُسُ في طَلَبِ الفَلاحِ؛ لِأنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا، فالمَعْنى: بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ مَنافِعَ الدُّنْيا عَلى حُظُوظِ الآخِرَةِ، وهَذا كَما يَقُولُ النّاصِحُ شَخْصًا يَظُنُّ أنَّهُ لا يَنْتَصِحُ: ”لَقَدْ نَصَحْتُكَ وما أظُنُّكَ تَفْعَلُ“ . صفحة ٢٩٠ ويَجِيءُ فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ مِنَ الخِطابِ والغَيْبَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ. والإيثارُ: اخْتِيارُ شَيْءٍ مِن بَيْنِ مُتَعَدِّدٍ. والمَعْنى: تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِعِنايَتِكم واهْتِمامِكم. ولَمْ يُذْكَرِ المُؤْثَرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا تَدُلُّ عَلَيْهِ، أيْ: لا تَتَأمَّلُونَ فِيما عَدا حَياتِكم هَذِهِ ولا تَتَأمَّلُونَ في حَياةٍ ثانِيَةٍ، فالمُشْرِكُونَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِّرُوا بِالحَياةِ الآخِرَةِ وأُخْبِرُوا بِها لَمْ يُعِيرُوا سَمْعَهم ذَلِكَ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ وهَذا مَوْرِدُ التَّوْبِيخِ. واعْلَمْ أنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ حَظًّا مِن هَذِهِ المَوْعِظَةِ عَلى طُولِ الدَّهْرِ، وذَلِكَ حَظٌّ مُناسِبٌ لِمِقْدارِ ما يُفَرِّطُ فِيهِ أحَدُهم مِمّا يُنْجِيهِ في الآخِرَةِ إيثارًا لِما يَجْتَنِيهِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا الَّتِي تَجُرُّ إلَيْهِ تَبِعَةً في الآخِرَةِ عَلى حَسَبِ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَأمّا الِاسْتِكْثارُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا مَعَ عَدَمِ إهْمالِ أسْبابِ النَّجاةِ في الآخِرَةِ فَذَلِكَ مَيْدانٌ لِلْهِمَمِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَحَلِّ ذَمٍّ قالَ تَعالى: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] . وجُمْلَةُ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ التَّوْبِيخِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ يَزِيدُ إنْشاءَ التَّوْبِيخِ تَوْجِيهًا وتَأْيِيدًا بِأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ حَياةٍ آخِرَةٍ قَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو خَيْرٌ وأبْقى. وأبْقى: اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أطْوَلُ بَقاءً وفي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ جَرِّ الإزارِ ولْيَكُنْ إلى الكَعْبَيْنِ، فَإنَّهُ أتْقى وأبْقى.

الأعلى 87:17

صفحة ٢٨٩ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بِصِيغَةِ الخِطابِ، والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ وهو التِفاتٌ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ عائِدًا إلى ﴿الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] . وحَرْفُ بَلْ مَعْناهُ الجامِعُ هو الإضْرابُ، أيِ: انْصِرافُ القَوْلِ أوِ الحُكْمِ إلى ما يَأْتِي بَعْدَ بَلْ فَهو إذا عَطَفَ المُفْرِداتِ كانَ الإضْرابُ إبْطالًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ: لِغَلَطٍ في ذِكْرِ المَعْطُوفِ أوْ لِلِاحْتِرازِ عَنْهُ فَذَلِكَ انْصِرافٌ عَنِ الحُكْمِ. وإذا عَطَفَ الجُمَلَ فَعَطْفُهُ عَطْفُ كَلامٍ عَلى كَلامٍ وهو عَطْفٌ لَفْظِيٌّ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّشْرِيكِ في الحُكْمِ ويَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ، فَتارَةً يُقْصَدُ إبْطالُ مَعْنى الكَلامِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] فَهو انْصِرافٌ في الحُكْمِ، وتارَةً يُقْصَدُ مُجَرَّدُ التَّنَقُّلِ مِن خَبَرٍ إلى آخَرَ مَعَ عَدَمِ إبْطالِ الأوَّلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦٢] فَتَكُونُ بَلْ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ دَعْ هَذا فَهَذا انْصِرافٌ قَوْلِيٌّ، ويُعْرَفُ أحَدُ الإضْرابَيْنِ بِالقَرائِنِ والسِّياقِ. وبَلْ هُنا عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَطْفًا صُورِيًّا، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِمُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ المُنْتَفِعِينَ بِالذِّكْرى والمُتَجَنِّبِينَ لَها، إلى ذِكْرِ سَبَبِ إعْراضِ المُتَجَنِّبِينَ وهُمُ الأشْقَوْنَ بِأنَّ السَّبَبَ إيثارُهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو إضْرابٌ عَنْ حِكايَةِ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ بِالِانْتِقالِ إلى تَوْبِيخِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ وهو الفَرِيقُ الأشْقى، فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ لِكَيْ لا تَنْقَضِيَ السُّورَةُ كُلُّها في الإخْبارِ عَنْهم بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإضْرابُ إبْطالًا لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] مِنَ التَّعْرِيضِ لِلَّذِينَ شَقُوا بِتَحْرِيضِهِمْ عَلى طَلَبِ الفَلاحِ لِأنْفُسِهِمْ لِيَلْتَحِقُوا بِالَّذِينَ يَخْشَوْنَ ويَتَزَكَّوْنَ لِيَبْطُلَ أنْ يَكُونُوا مَظِنَّةَ تَحْصِيلِ الفَلاحِ. والمَعْنى: أنَّهم بُعَداءُ عَنْ أنْ يُظَنَّ بِهِمُ التَّنافُسُ في طَلَبِ الفَلاحِ؛ لِأنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا، فالمَعْنى: بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ مَنافِعَ الدُّنْيا عَلى حُظُوظِ الآخِرَةِ، وهَذا كَما يَقُولُ النّاصِحُ شَخْصًا يَظُنُّ أنَّهُ لا يَنْتَصِحُ: ”لَقَدْ نَصَحْتُكَ وما أظُنُّكَ تَفْعَلُ“ . صفحة ٢٩٠ ويَجِيءُ فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ مِنَ الخِطابِ والغَيْبَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ. والإيثارُ: اخْتِيارُ شَيْءٍ مِن بَيْنِ مُتَعَدِّدٍ. والمَعْنى: تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِعِنايَتِكم واهْتِمامِكم. ولَمْ يُذْكَرِ المُؤْثَرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا تَدُلُّ عَلَيْهِ، أيْ: لا تَتَأمَّلُونَ فِيما عَدا حَياتِكم هَذِهِ ولا تَتَأمَّلُونَ في حَياةٍ ثانِيَةٍ، فالمُشْرِكُونَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِّرُوا بِالحَياةِ الآخِرَةِ وأُخْبِرُوا بِها لَمْ يُعِيرُوا سَمْعَهم ذَلِكَ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ وهَذا مَوْرِدُ التَّوْبِيخِ. واعْلَمْ أنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ حَظًّا مِن هَذِهِ المَوْعِظَةِ عَلى طُولِ الدَّهْرِ، وذَلِكَ حَظٌّ مُناسِبٌ لِمِقْدارِ ما يُفَرِّطُ فِيهِ أحَدُهم مِمّا يُنْجِيهِ في الآخِرَةِ إيثارًا لِما يَجْتَنِيهِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا الَّتِي تَجُرُّ إلَيْهِ تَبِعَةً في الآخِرَةِ عَلى حَسَبِ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَأمّا الِاسْتِكْثارُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا مَعَ عَدَمِ إهْمالِ أسْبابِ النَّجاةِ في الآخِرَةِ فَذَلِكَ مَيْدانٌ لِلْهِمَمِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَحَلِّ ذَمٍّ قالَ تَعالى: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] . وجُمْلَةُ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ التَّوْبِيخِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ يَزِيدُ إنْشاءَ التَّوْبِيخِ تَوْجِيهًا وتَأْيِيدًا بِأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ حَياةٍ آخِرَةٍ قَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو خَيْرٌ وأبْقى. وأبْقى: اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أطْوَلُ بَقاءً وفي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ جَرِّ الإزارِ ولْيَكُنْ إلى الكَعْبَيْنِ، فَإنَّهُ أتْقى وأبْقى.

الأعلى 87:18

﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ . تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وتَنْوِيهٌ بِهِ بِأنَّهُ مِنَ الكَلامِ النّافِعِ الثّابِتِ في كُتُبِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، قَصَدَ بِهِ الإبْلاغَ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعْرِفُونَ رِسالَةَ إبْراهِيمَ ورِسالَةَ مُوسى، ولِذَلِكَ أكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِأنَّهُ مَسُوقٌ إلى المُنْكِرِينَ. صفحة ٢٩١ والإشارَةُ بِكَلِمَةِ هَذا إلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] إلى قَوْلِهِ: وأبْقى فَإنَّ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] لَيْسَ مِمّا ثَبَتَ مَعْناهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والآجُرِّيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمّا كانَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ؟ قالَ: نَعَمْ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] لَمْ أقِفْ عَلى مَرْتَبَةِ هَذا الحَدِيثِ. ومَعْنى الظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَفِي الصُّحُفِ﴾ أنَّ مُماثِلَهُ في المَعْنى مَكْتُوبٌ في الصُّحُفِ الأُولى، فَأُطْلِقَتِ الصُّحُفُ عَلى ما هو مَكْتُوبٌ فِيها عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] أيْ: ما في قِطِّنا وهو صَكُّ الأعْمالِ. والصُّحُفُ: جَمْعُ صَحِيفَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ قِياسَ جَمْعِهِ صَحائِفُ، ولَكِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَقِيسٍ هو الأفْصَحُ كَما قالُوا: سُفُنٌ في جَمْعِ سَفِينَةٍ، ووَجْهُ جَمْعِ الصُّحُفِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ لَهُ صُحُفٌ وأنَّ مُوسى كانَتْ لَهُ صُحُفٌ كَثِيرَةٌ وهي مَجْمُوعُ صُحُفِ أسْفارِ التَّوْراةِ. وجاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى أُسْلُوبِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ لِيَكُونَ هَذا الخَبَرُ مَزِيدَ تَقْرِيرٍ في أذْهانِ النّاسِ فَقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الصُّحُفِ الأُولى﴾ . والأُولى: وصْفٌ لِصُحُفٍ الَّذِي هو جَمْعُ تَكْسِيرٍ فَلَهُ حُكْمُ التَّأْنِيثِ، والأُولى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، واخْتُلِفَ في الحُرُوفِ الأصْلِيَّةِ لِلَّفْظِ أوَّلٍ، فَقِيلَ: حُرُوفُهُ الأُصُولُ هَمْزَةٌ فَواوٌ (مُكَرَّرَةٌ) فَلامٌ ذَكَرَهُ في اللِّسانِ فَيَكُونُ وزْنُ أوَّلٍ: أأْوَلُ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ واوًا وأُدْغِمَتْ في الواوِ. وقِيلَ: أُصُولُهُ: واوانِ ولامٌ وأنَّ الهَمْزَةَ الَّتِي في أوَّلِهِ مَزِيدَةٌ فَوَزْنُ أوَّلَ: أفْعَلُ وإدْغامُ إحْدى الواوَيْنِ ظاهِرٌ. وقِيلَ: حُرُوفُهُ الأصْلِيَّةُ واوٌ وهَمْزَةٌ ولامٌ فَأصْلُ أوَّلَ أوْ ألْ بِوَزْنِ أفْعَلَ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ الواوِ واوًا وأُدْغِما. والأُولى: مُؤَنَّثُ أفْعَلَ مِن هَذِهِ المادَّةِ، فَإمّا أنْ نَقُولَ: أصْلُها أُولى صفحة ٢٩٢ سَكَنَتِ الواوُ سُكُونًا مَيِّتًا لِوُقُوعِها إثْرَ ضَمَّةٍ، أوْ أصْلُها: وُولى بِواوٍ مَضْمُومَةٍ في أوَّلِهِ وسَكَنَتِ الواوُ الثّانِيَةُ أيْضًا، أوْ أصْلُها: وُأْلى بِواوٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ، فَقِيلَ: أُولى فَوَزْنُها عَلى هَذا عُفْلى. والمُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ في وصْفِ الصُّحُفِ سَبْقُ الزَّمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُرْآنِ لا الَّتِي لَمْ يَسْبِقْها غَيْرُها؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ قَبْلَ إبْراهِيمَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ صُحُفٌ. فَهو كَوَصْفِ عادٍ بِـ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ وأبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ كانَتْ عَشْرَ صَحائِفَ» . * * * صفحة ٢٩٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الغاشِيَةِ سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ (سُورَةُ الغاشِيَةِ) . وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ، لِوُقُوعِ لَفْظِ (الغاشِيَةِ) في أوَّلِها. وثَبَتَ في السُّنَّةِ تَسْمِيَتُها (﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١])، فَفي المُوَطَّأِ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ ؟ قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية»: ١] . وهَذا ظاهِرٌ في التَّسْمِيَةِ؛ لِأنَّ السّائِلَ سَألَ عَمّا يَقْرَأُ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ، فالمَسْئُولُ عَنْهُ السُّورَةُ الثّانِيَةُ، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ. ورُبَّما سُمِّيَتْ (سُورَةُ هَلْ أتاكَ) بِدُونِ كَلِمَةِ (حَدِيثُ الغاشِيَةِ) . وبِذَلِكَ عَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ وهو اخْتِصارٌ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّابِعَةَ والسِتِّينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الذّارِياتِ وقَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ. وآياتُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. * * * اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى تَهْوِيلِ يَوْمِ القِيامَةِ وما فِيهِ مِن عِقابِ قَوْمٍ مُشَوَّهَةٍ حالَتُهم، ومِن ثَوابِ قَوْمٍ ناعِمَةٍ حالَتُهم وعَلى وجْهِ الإجْمالِ المُرَهَّبِ أوِ المُرَغَّبِ. والإيماءُ إلى ما يُبَيِّنُ ذَلِكَ الإجْمالَ كُلَّهُ بِالإنْكارِ عَلى قَوْمٍ لَمْ يَهْتَدُوا بِدَلالَةِ صفحة ٢٩٤ مَخْلُوقاتٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ وهي نُصْبُ أعْيُنِهِمْ، عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَيَعْلَمُ السّامِعُونَ أنَّ الفَرِيقَ المُهَدَّدَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وعَلى إمْكانِ إعادَتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ المَوْتِ يَوْمَ البَعْثِ. وتَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وأنْ لا يَعْبَأ بِإعْراضِهِمْ. وأنَّ وراءَهُمُ البَعْثَ فَهم راجِعُونَ إلى اللَّهِ فَهو مُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ.

الأعلى 87:19

﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ . تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وتَنْوِيهٌ بِهِ بِأنَّهُ مِنَ الكَلامِ النّافِعِ الثّابِتِ في كُتُبِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، قَصَدَ بِهِ الإبْلاغَ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعْرِفُونَ رِسالَةَ إبْراهِيمَ ورِسالَةَ مُوسى، ولِذَلِكَ أكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِأنَّهُ مَسُوقٌ إلى المُنْكِرِينَ. صفحة ٢٩١ والإشارَةُ بِكَلِمَةِ هَذا إلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] إلى قَوْلِهِ: وأبْقى فَإنَّ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] لَيْسَ مِمّا ثَبَتَ مَعْناهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والآجُرِّيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمّا كانَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ؟ قالَ: نَعَمْ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] لَمْ أقِفْ عَلى مَرْتَبَةِ هَذا الحَدِيثِ. ومَعْنى الظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَفِي الصُّحُفِ﴾ أنَّ مُماثِلَهُ في المَعْنى مَكْتُوبٌ في الصُّحُفِ الأُولى، فَأُطْلِقَتِ الصُّحُفُ عَلى ما هو مَكْتُوبٌ فِيها عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] أيْ: ما في قِطِّنا وهو صَكُّ الأعْمالِ. والصُّحُفُ: جَمْعُ صَحِيفَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ قِياسَ جَمْعِهِ صَحائِفُ، ولَكِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَقِيسٍ هو الأفْصَحُ كَما قالُوا: سُفُنٌ في جَمْعِ سَفِينَةٍ، ووَجْهُ جَمْعِ الصُّحُفِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ لَهُ صُحُفٌ وأنَّ مُوسى كانَتْ لَهُ صُحُفٌ كَثِيرَةٌ وهي مَجْمُوعُ صُحُفِ أسْفارِ التَّوْراةِ. وجاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى أُسْلُوبِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ لِيَكُونَ هَذا الخَبَرُ مَزِيدَ تَقْرِيرٍ في أذْهانِ النّاسِ فَقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الصُّحُفِ الأُولى﴾ . والأُولى: وصْفٌ لِصُحُفٍ الَّذِي هو جَمْعُ تَكْسِيرٍ فَلَهُ حُكْمُ التَّأْنِيثِ، والأُولى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، واخْتُلِفَ في الحُرُوفِ الأصْلِيَّةِ لِلَّفْظِ أوَّلٍ، فَقِيلَ: حُرُوفُهُ الأُصُولُ هَمْزَةٌ فَواوٌ (مُكَرَّرَةٌ) فَلامٌ ذَكَرَهُ في اللِّسانِ فَيَكُونُ وزْنُ أوَّلٍ: أأْوَلُ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ واوًا وأُدْغِمَتْ في الواوِ. وقِيلَ: أُصُولُهُ: واوانِ ولامٌ وأنَّ الهَمْزَةَ الَّتِي في أوَّلِهِ مَزِيدَةٌ فَوَزْنُ أوَّلَ: أفْعَلُ وإدْغامُ إحْدى الواوَيْنِ ظاهِرٌ. وقِيلَ: حُرُوفُهُ الأصْلِيَّةُ واوٌ وهَمْزَةٌ ولامٌ فَأصْلُ أوَّلَ أوْ ألْ بِوَزْنِ أفْعَلَ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ الواوِ واوًا وأُدْغِما. والأُولى: مُؤَنَّثُ أفْعَلَ مِن هَذِهِ المادَّةِ، فَإمّا أنْ نَقُولَ: أصْلُها أُولى صفحة ٢٩٢ سَكَنَتِ الواوُ سُكُونًا مَيِّتًا لِوُقُوعِها إثْرَ ضَمَّةٍ، أوْ أصْلُها: وُولى بِواوٍ مَضْمُومَةٍ في أوَّلِهِ وسَكَنَتِ الواوُ الثّانِيَةُ أيْضًا، أوْ أصْلُها: وُأْلى بِواوٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ، فَقِيلَ: أُولى فَوَزْنُها عَلى هَذا عُفْلى. والمُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ في وصْفِ الصُّحُفِ سَبْقُ الزَّمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُرْآنِ لا الَّتِي لَمْ يَسْبِقْها غَيْرُها؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ قَبْلَ إبْراهِيمَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ صُحُفٌ. فَهو كَوَصْفِ عادٍ بِـ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ وأبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ كانَتْ عَشْرَ صَحائِفَ» . * * * صفحة ٢٩٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الغاشِيَةِ سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ (سُورَةُ الغاشِيَةِ) . وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ، لِوُقُوعِ لَفْظِ (الغاشِيَةِ) في أوَّلِها. وثَبَتَ في السُّنَّةِ تَسْمِيَتُها (﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١])، فَفي المُوَطَّأِ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ ؟ قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية»: ١] . وهَذا ظاهِرٌ في التَّسْمِيَةِ؛ لِأنَّ السّائِلَ سَألَ عَمّا يَقْرَأُ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ، فالمَسْئُولُ عَنْهُ السُّورَةُ الثّانِيَةُ، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ. ورُبَّما سُمِّيَتْ (سُورَةُ هَلْ أتاكَ) بِدُونِ كَلِمَةِ (حَدِيثُ الغاشِيَةِ) . وبِذَلِكَ عَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ وهو اخْتِصارٌ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّابِعَةَ والسِتِّينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الذّارِياتِ وقَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ. وآياتُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. * * * اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى تَهْوِيلِ يَوْمِ القِيامَةِ وما فِيهِ مِن عِقابِ قَوْمٍ مُشَوَّهَةٍ حالَتُهم، ومِن ثَوابِ قَوْمٍ ناعِمَةٍ حالَتُهم وعَلى وجْهِ الإجْمالِ المُرَهَّبِ أوِ المُرَغَّبِ. والإيماءُ إلى ما يُبَيِّنُ ذَلِكَ الإجْمالَ كُلَّهُ بِالإنْكارِ عَلى قَوْمٍ لَمْ يَهْتَدُوا بِدَلالَةِ صفحة ٢٩٤ مَخْلُوقاتٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ وهي نُصْبُ أعْيُنِهِمْ، عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَيَعْلَمُ السّامِعُونَ أنَّ الفَرِيقَ المُهَدَّدَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وعَلى إمْكانِ إعادَتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ المَوْتِ يَوْمَ البَعْثِ. وتَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وأنْ لا يَعْبَأ بِإعْراضِهِمْ. وأنَّ وراءَهُمُ البَعْثَ فَهم راجِعُونَ إلى اللَّهِ فَهو مُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ.

الغاشية 88:1

﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ الِافْتِتاحُ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ بُلُوغِ خَبَرِ الغاشِيَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الخَبَرِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المَوْعِظَةِ. وكَوْنُ الِاسْتِفْهامِ بِـ هَلِ المُفِيدَةِ مَعْنى قَدْ فِيهِ مَزِيدُ تَشْوِيقٍ فَهو اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ يُكَنّى بِهِ عَنْ أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ بِحَيْثُ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ بَلَغَ السّامِعَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] في سُورَةِ ص. وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النازعات: ١٥] في سُورَةِ النّازِعاتِ. وتَقَدَّمَ هُنالِكَ إطْلاقُ فِعْلِ الإتْيانِ عَلى فُشُوِّ الحَدِيثِ. وتَعْرِيفُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (حَدِيثُ) بِوَصْفِهِ (الغاشِيَةِ) الَّذِي يَقْتَضِي مَوْصُوفًا لَمْ يُذْكَرْ هو إبْهامٌ لِزِيادَةِ التَّشْوِيقِ إلى بَيانِهِ الآتِي لِيَتَمَكَّنَ الخَبَرُ في الذِّهْنِ كَمالَ تَمَكُّنٍ. والحَدِيثُ: الخَبَرُ المُتَحَدَّثُ بِهِ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوِ الخَبَرُ الحاصِلُ بِحِدْثانٍ، أيْ: ما حَدَثَ مِن أحْوالٍ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النّازِعاتِ. والغاشِيَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنَ الغِشْيانِ وهو تَغْطِيَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ وهي صِفَةٌ أُرِيدَ بِها حادِثَةُ القِيامَةِ، سُمِّيَتْ غاشِيَةٌ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّها إذا حَصَلَتْ لَمْ يَجِدِ النّاسُ مَفَرًّا مِن أهْوالِها، فَكَأنَّها غاشٍ يَغْشى عَلى عُقُولِهِمْ. ويُطْلَقُ الغِشْيانُ عَلى غَيْبُوبَةِ العَقْلِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ الغاشِيَةِ مُشْتَقًّا مِنهُ، فَفُهِمَ مِن هَذا أنَّ الغاشِيَةَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ وتَأْنِيثُ الغاشِيَةِ لِتَأْوِيلِها بِالحادِثَةِ ولَمْ يَسْتَعْمِلُوها إلّا مُؤَنَّثَةَ اللَّفْظِ صفحة ٢٩٥ والتَّأْنِيثُ كَثِيرٌ في نَقْلِ الأوْصافِ إلى الِاسْمِيَّةِ مِثْلَ الدّاهِيَةِ والطّامَّةِ والصّاخَّةِ والقارِعَةِ والآزِفَةِ. والغاشِيَةُ هُنا: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ القِيامَةِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: يَوْمَ الغاشِيَةِ.

الغاشية 88:2

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ . وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وخاشِعَةٌ خَبَرٌ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما يُفِيدُهُ الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ فَإنَّ ما صَدَقُهُ هو يَوْمُ الغاشِيَةِ. ويَكُونُ تَنْكِيرُ وُجُوهٍ مُبْتَدَأً قُصِدَ مِنهُ النَّوْعُ. و(خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ عَنْ وُجُوهٍ، والمَعْنى: أُناسٌ خاشِعُونَ إلَخْ. فالوُجُوهُ كِنايَةٌ عَنْ أصْحابِها، إذْ يُكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ هُنا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الوُجُوهِ جَماعَةَ العُقَلاءِ. وأُوثِرَتِ الوُجُوهُ بِالكِنايَةِ عَنْ أصْحابِها هُنا وفي مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ حالَةَ الوُجُوهِ تُنْبِئُ عَنْ حالَةِ أصْحابِها، إذِ الوَجْهُ عُنْوانٌ عَمّا يَجِدُهُ صاحِبُهُ مِن نَعِيمٍ أوْ شَقْوَةٍ، كَما يُقالُ: خَرَجَ بِوَجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيَةَ في سُورَةِ عَبَسَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ إسْنادُ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ إلى وُجُوهٍ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: أصْحابُ وُجُوهٍ. ويَتَعَلَّقُ يَوْمَئِذٍ بِـ (خاشِعَةٌ) قُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ ولَمّا كانَتْ إذْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي تَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ فالجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها إذْ صفحة ٢٩٦ مَحْذُوفَةٌ عَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ويَدُلُّ عَلَيْها ما في اسْمِ الغاشِيَةِ مِن لَمْحِ أصْلِ الوَصْفِيَّةِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الَّتِي تَغْشى النّاسَ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ يَوْمَ إذْ تَغْشى الغاشِيَةُ. أوْ يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ سِياقُ الكَلامِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ: يَوْمَ إذْ تَحْدُثُ أوْ تَقَعُ. وخاشِعَةٌ: ذَلِيلَةٌ يُطْلَقُ الخُشُوعُ عَلى المَذَلَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقالَ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] . والعامِلَةُ: المُكَلَّفَةُ العَمَلَ مِنَ المَشاقِّ يَوْمَئِذٍ. وناصِبَةٌ: مِنَ النَّصَبِ وهو التَّعَبُ. وأُوثِرَ وصْفُ خاشِعَةٍ وعامِلَةٍ وناصِبَةٍ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشَّقاءِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا الخُشُوعَ لِلَّهِ والعَمَلَ بِما أمَرَ بِهِ والنَّصَبَ في القِيامِ بِطاعَتِهِ، فَجَزائِهِمْ خُشُوعٌ ومَذَلَّةٌ، وعَمَلُ مَشَقَّةٍ، ونَصَبُ إرْهاقٍ. وجُمْلَةُ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ وُجُوهٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، يُقالُ: صَلِيَ يَصْلى، إذْ أصابَهُ حَرُّ النّارِ، وعَلَيْهِ فَذَكَرَ نارًا بَعْدَ تَصْلى لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ والإرْهابِ ولِيُجْرى عَلى نارًا وصْفُ حامِيَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ أيْ: يُصِيبُها صِلِيُّ النّارِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ تُصْلى بِضَمِّ التّاءِ مِن أصْلاهُ النّارَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إذا أنالَهُ حَرُّها. ووَصَفَ النّارَ بِـ حامِيَةٍ لِإفادَةِ تَجاوُزِ حَرِّها المِقْدارَ المَعْرُوفَ؛ لِأنَّ الحَمْيَ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ النّارِ فَلَمّا وُصِفَتْ بِـ حامِيَةٍ كانَ دالًّا عَلى شِدَّةِ الحِمى قالَ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] . وأخْبَرَ عَنْ وُجُوهٍ خَبَرًا خامِسًا بِجُمْلَةِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ تَصْلى؛ لِأنَّ ذِكْرَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ إطْفاءِ حَرارَتِها بِالشَّرابِ فَجُعِلَ شَرابُهم مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ. صفحة ٢٩٧ يُقالُ: أنى إذا بَلَغَ شِدَّةَ الحَرارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ السَّقْيِ يُخْطِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ مَعْرِفَةِ ما يَطْعَمُونَهُ فَجِيءَ بِهِ خَبَرًا سادِسًا أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ تُسْقى بِجُمْلَةِ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾، أيْ: يَطْعَمُونَ طَعامَ إيلامٍ وتَعْذِيبٍ لا نَفْعَ فِيهِ لَهم ولا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمًا. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ﴾ إلَخْ خَبَرٌ سادِسٌ عَنْ وُجُوهٍ. وضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى وُجُوهٍ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِأصْحابِ الوُجُوهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ المُذَكَّرِ. والتَّذْكِيرُ تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ. والضَّرِيعُ: يابِسُ الشِّبْرِقِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الرّاءِ وهو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ سُمِّيَ ضَرِيعًا وحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَسْمُومًا وهو مَرْعًى لِلْإبِلِ ولِحُمُرِ الوَحْشِ إذا كانَ رَطْبًا، فَما يُعَذَّبُ بِأهْلِ النّارِ بِأكْلِهِ شُبِّهَ بِالضَّرِيعِ في سُوءِ طَعْمِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ اسْمٌ سَمّى القُرْآنُ بِهِ شَجَرًا في جَهَنَّمَ وأنَّ هَذا الشَّجَرَ هو الَّذِي يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وعَلَيْهِ فَحَرْفُ مِن لِلِابْتِداءِ، أيْ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما يَخْرُجُ مِنَ الضَّرِيعِ والخارِجُ هو الغِسْلِينُ وقَدْ حَصَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: ووَصْفُ ضَرِيعٍ بِأنَّهُ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ لِتَشْوِيهِهِ وأنَّهُ تَمَحُّضٌ لِلضُّرِّ فَلا يَعُودُ عَلى آكِلِيهِ بِسِمَنٍ يُصْلِحُ بَعْضَ ما التَفَحَ مِن أجْسادِهِمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم دَفْعَ ألَمِ الجُوعِ، ولَعَلَّ الجُوعَ مِن ضُرُوبِ تَعْذِيبِهِمْ فَيَسْألُونَ الطَّعامَ فَيُطْعَمُونَ الضَّرِيعَ فَلا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمَ الجُوعِ. والسِّمَنُ، بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ: وفْرَةُ اللَّحْمِ والشَّحْمِ لِلْحَيَوانِ يُقالُ: أسْمَنَهُ الطَّعامُ، إذا عادَ عَلَيْهِ بِالسِّمَنِ. والإغْناءُ: الإكْفاءُ ودَفْعُ الحاجَةِ. ومِن جُوعٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُغْنِي وحَرْفُ مِن لِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ: غَناءٌ بَدَلًا عَنِ الجُوعِ. صفحة ٢٩٨ والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] يُؤَيِّدُ أنَّ الضَّرِيعَ اسْمُ شَجَرِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ.

الغاشية 88:3

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ . وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وخاشِعَةٌ خَبَرٌ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما يُفِيدُهُ الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ فَإنَّ ما صَدَقُهُ هو يَوْمُ الغاشِيَةِ. ويَكُونُ تَنْكِيرُ وُجُوهٍ مُبْتَدَأً قُصِدَ مِنهُ النَّوْعُ. و(خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ عَنْ وُجُوهٍ، والمَعْنى: أُناسٌ خاشِعُونَ إلَخْ. فالوُجُوهُ كِنايَةٌ عَنْ أصْحابِها، إذْ يُكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ هُنا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الوُجُوهِ جَماعَةَ العُقَلاءِ. وأُوثِرَتِ الوُجُوهُ بِالكِنايَةِ عَنْ أصْحابِها هُنا وفي مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ حالَةَ الوُجُوهِ تُنْبِئُ عَنْ حالَةِ أصْحابِها، إذِ الوَجْهُ عُنْوانٌ عَمّا يَجِدُهُ صاحِبُهُ مِن نَعِيمٍ أوْ شَقْوَةٍ، كَما يُقالُ: خَرَجَ بِوَجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيَةَ في سُورَةِ عَبَسَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ إسْنادُ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ إلى وُجُوهٍ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: أصْحابُ وُجُوهٍ. ويَتَعَلَّقُ يَوْمَئِذٍ بِـ (خاشِعَةٌ) قُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ ولَمّا كانَتْ إذْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي تَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ فالجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها إذْ صفحة ٢٩٦ مَحْذُوفَةٌ عَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ويَدُلُّ عَلَيْها ما في اسْمِ الغاشِيَةِ مِن لَمْحِ أصْلِ الوَصْفِيَّةِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الَّتِي تَغْشى النّاسَ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ يَوْمَ إذْ تَغْشى الغاشِيَةُ. أوْ يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ سِياقُ الكَلامِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ: يَوْمَ إذْ تَحْدُثُ أوْ تَقَعُ. وخاشِعَةٌ: ذَلِيلَةٌ يُطْلَقُ الخُشُوعُ عَلى المَذَلَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقالَ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] . والعامِلَةُ: المُكَلَّفَةُ العَمَلَ مِنَ المَشاقِّ يَوْمَئِذٍ. وناصِبَةٌ: مِنَ النَّصَبِ وهو التَّعَبُ. وأُوثِرَ وصْفُ خاشِعَةٍ وعامِلَةٍ وناصِبَةٍ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشَّقاءِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا الخُشُوعَ لِلَّهِ والعَمَلَ بِما أمَرَ بِهِ والنَّصَبَ في القِيامِ بِطاعَتِهِ، فَجَزائِهِمْ خُشُوعٌ ومَذَلَّةٌ، وعَمَلُ مَشَقَّةٍ، ونَصَبُ إرْهاقٍ. وجُمْلَةُ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ وُجُوهٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، يُقالُ: صَلِيَ يَصْلى، إذْ أصابَهُ حَرُّ النّارِ، وعَلَيْهِ فَذَكَرَ نارًا بَعْدَ تَصْلى لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ والإرْهابِ ولِيُجْرى عَلى نارًا وصْفُ حامِيَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ أيْ: يُصِيبُها صِلِيُّ النّارِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ تُصْلى بِضَمِّ التّاءِ مِن أصْلاهُ النّارَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إذا أنالَهُ حَرُّها. ووَصَفَ النّارَ بِـ حامِيَةٍ لِإفادَةِ تَجاوُزِ حَرِّها المِقْدارَ المَعْرُوفَ؛ لِأنَّ الحَمْيَ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ النّارِ فَلَمّا وُصِفَتْ بِـ حامِيَةٍ كانَ دالًّا عَلى شِدَّةِ الحِمى قالَ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] . وأخْبَرَ عَنْ وُجُوهٍ خَبَرًا خامِسًا بِجُمْلَةِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ تَصْلى؛ لِأنَّ ذِكْرَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ إطْفاءِ حَرارَتِها بِالشَّرابِ فَجُعِلَ شَرابُهم مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ. صفحة ٢٩٧ يُقالُ: أنى إذا بَلَغَ شِدَّةَ الحَرارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ السَّقْيِ يُخْطِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ مَعْرِفَةِ ما يَطْعَمُونَهُ فَجِيءَ بِهِ خَبَرًا سادِسًا أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ تُسْقى بِجُمْلَةِ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾، أيْ: يَطْعَمُونَ طَعامَ إيلامٍ وتَعْذِيبٍ لا نَفْعَ فِيهِ لَهم ولا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمًا. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ﴾ إلَخْ خَبَرٌ سادِسٌ عَنْ وُجُوهٍ. وضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى وُجُوهٍ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِأصْحابِ الوُجُوهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ المُذَكَّرِ. والتَّذْكِيرُ تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ. والضَّرِيعُ: يابِسُ الشِّبْرِقِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الرّاءِ وهو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ سُمِّيَ ضَرِيعًا وحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَسْمُومًا وهو مَرْعًى لِلْإبِلِ ولِحُمُرِ الوَحْشِ إذا كانَ رَطْبًا، فَما يُعَذَّبُ بِأهْلِ النّارِ بِأكْلِهِ شُبِّهَ بِالضَّرِيعِ في سُوءِ طَعْمِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ اسْمٌ سَمّى القُرْآنُ بِهِ شَجَرًا في جَهَنَّمَ وأنَّ هَذا الشَّجَرَ هو الَّذِي يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وعَلَيْهِ فَحَرْفُ مِن لِلِابْتِداءِ، أيْ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما يَخْرُجُ مِنَ الضَّرِيعِ والخارِجُ هو الغِسْلِينُ وقَدْ حَصَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: ووَصْفُ ضَرِيعٍ بِأنَّهُ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ لِتَشْوِيهِهِ وأنَّهُ تَمَحُّضٌ لِلضُّرِّ فَلا يَعُودُ عَلى آكِلِيهِ بِسِمَنٍ يُصْلِحُ بَعْضَ ما التَفَحَ مِن أجْسادِهِمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم دَفْعَ ألَمِ الجُوعِ، ولَعَلَّ الجُوعَ مِن ضُرُوبِ تَعْذِيبِهِمْ فَيَسْألُونَ الطَّعامَ فَيُطْعَمُونَ الضَّرِيعَ فَلا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمَ الجُوعِ. والسِّمَنُ، بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ: وفْرَةُ اللَّحْمِ والشَّحْمِ لِلْحَيَوانِ يُقالُ: أسْمَنَهُ الطَّعامُ، إذا عادَ عَلَيْهِ بِالسِّمَنِ. والإغْناءُ: الإكْفاءُ ودَفْعُ الحاجَةِ. ومِن جُوعٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُغْنِي وحَرْفُ مِن لِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ: غَناءٌ بَدَلًا عَنِ الجُوعِ. صفحة ٢٩٨ والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] يُؤَيِّدُ أنَّ الضَّرِيعَ اسْمُ شَجَرِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ.

الغاشية 88:4

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ . وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وخاشِعَةٌ خَبَرٌ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما يُفِيدُهُ الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ فَإنَّ ما صَدَقُهُ هو يَوْمُ الغاشِيَةِ. ويَكُونُ تَنْكِيرُ وُجُوهٍ مُبْتَدَأً قُصِدَ مِنهُ النَّوْعُ. و(خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ عَنْ وُجُوهٍ، والمَعْنى: أُناسٌ خاشِعُونَ إلَخْ. فالوُجُوهُ كِنايَةٌ عَنْ أصْحابِها، إذْ يُكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ هُنا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الوُجُوهِ جَماعَةَ العُقَلاءِ. وأُوثِرَتِ الوُجُوهُ بِالكِنايَةِ عَنْ أصْحابِها هُنا وفي مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ حالَةَ الوُجُوهِ تُنْبِئُ عَنْ حالَةِ أصْحابِها، إذِ الوَجْهُ عُنْوانٌ عَمّا يَجِدُهُ صاحِبُهُ مِن نَعِيمٍ أوْ شَقْوَةٍ، كَما يُقالُ: خَرَجَ بِوَجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيَةَ في سُورَةِ عَبَسَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ إسْنادُ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ إلى وُجُوهٍ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: أصْحابُ وُجُوهٍ. ويَتَعَلَّقُ يَوْمَئِذٍ بِـ (خاشِعَةٌ) قُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ ولَمّا كانَتْ إذْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي تَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ فالجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها إذْ صفحة ٢٩٦ مَحْذُوفَةٌ عَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ويَدُلُّ عَلَيْها ما في اسْمِ الغاشِيَةِ مِن لَمْحِ أصْلِ الوَصْفِيَّةِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الَّتِي تَغْشى النّاسَ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ يَوْمَ إذْ تَغْشى الغاشِيَةُ. أوْ يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ سِياقُ الكَلامِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ: يَوْمَ إذْ تَحْدُثُ أوْ تَقَعُ. وخاشِعَةٌ: ذَلِيلَةٌ يُطْلَقُ الخُشُوعُ عَلى المَذَلَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقالَ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] . والعامِلَةُ: المُكَلَّفَةُ العَمَلَ مِنَ المَشاقِّ يَوْمَئِذٍ. وناصِبَةٌ: مِنَ النَّصَبِ وهو التَّعَبُ. وأُوثِرَ وصْفُ خاشِعَةٍ وعامِلَةٍ وناصِبَةٍ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشَّقاءِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا الخُشُوعَ لِلَّهِ والعَمَلَ بِما أمَرَ بِهِ والنَّصَبَ في القِيامِ بِطاعَتِهِ، فَجَزائِهِمْ خُشُوعٌ ومَذَلَّةٌ، وعَمَلُ مَشَقَّةٍ، ونَصَبُ إرْهاقٍ. وجُمْلَةُ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ وُجُوهٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، يُقالُ: صَلِيَ يَصْلى، إذْ أصابَهُ حَرُّ النّارِ، وعَلَيْهِ فَذَكَرَ نارًا بَعْدَ تَصْلى لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ والإرْهابِ ولِيُجْرى عَلى نارًا وصْفُ حامِيَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ أيْ: يُصِيبُها صِلِيُّ النّارِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ تُصْلى بِضَمِّ التّاءِ مِن أصْلاهُ النّارَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إذا أنالَهُ حَرُّها. ووَصَفَ النّارَ بِـ حامِيَةٍ لِإفادَةِ تَجاوُزِ حَرِّها المِقْدارَ المَعْرُوفَ؛ لِأنَّ الحَمْيَ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ النّارِ فَلَمّا وُصِفَتْ بِـ حامِيَةٍ كانَ دالًّا عَلى شِدَّةِ الحِمى قالَ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] . وأخْبَرَ عَنْ وُجُوهٍ خَبَرًا خامِسًا بِجُمْلَةِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ تَصْلى؛ لِأنَّ ذِكْرَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ إطْفاءِ حَرارَتِها بِالشَّرابِ فَجُعِلَ شَرابُهم مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ. صفحة ٢٩٧ يُقالُ: أنى إذا بَلَغَ شِدَّةَ الحَرارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ السَّقْيِ يُخْطِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ مَعْرِفَةِ ما يَطْعَمُونَهُ فَجِيءَ بِهِ خَبَرًا سادِسًا أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ تُسْقى بِجُمْلَةِ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾، أيْ: يَطْعَمُونَ طَعامَ إيلامٍ وتَعْذِيبٍ لا نَفْعَ فِيهِ لَهم ولا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمًا. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ﴾ إلَخْ خَبَرٌ سادِسٌ عَنْ وُجُوهٍ. وضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى وُجُوهٍ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِأصْحابِ الوُجُوهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ المُذَكَّرِ. والتَّذْكِيرُ تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ. والضَّرِيعُ: يابِسُ الشِّبْرِقِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الرّاءِ وهو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ سُمِّيَ ضَرِيعًا وحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَسْمُومًا وهو مَرْعًى لِلْإبِلِ ولِحُمُرِ الوَحْشِ إذا كانَ رَطْبًا، فَما يُعَذَّبُ بِأهْلِ النّارِ بِأكْلِهِ شُبِّهَ بِالضَّرِيعِ في سُوءِ طَعْمِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ اسْمٌ سَمّى القُرْآنُ بِهِ شَجَرًا في جَهَنَّمَ وأنَّ هَذا الشَّجَرَ هو الَّذِي يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وعَلَيْهِ فَحَرْفُ مِن لِلِابْتِداءِ، أيْ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما يَخْرُجُ مِنَ الضَّرِيعِ والخارِجُ هو الغِسْلِينُ وقَدْ حَصَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: ووَصْفُ ضَرِيعٍ بِأنَّهُ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ لِتَشْوِيهِهِ وأنَّهُ تَمَحُّضٌ لِلضُّرِّ فَلا يَعُودُ عَلى آكِلِيهِ بِسِمَنٍ يُصْلِحُ بَعْضَ ما التَفَحَ مِن أجْسادِهِمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم دَفْعَ ألَمِ الجُوعِ، ولَعَلَّ الجُوعَ مِن ضُرُوبِ تَعْذِيبِهِمْ فَيَسْألُونَ الطَّعامَ فَيُطْعَمُونَ الضَّرِيعَ فَلا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمَ الجُوعِ. والسِّمَنُ، بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ: وفْرَةُ اللَّحْمِ والشَّحْمِ لِلْحَيَوانِ يُقالُ: أسْمَنَهُ الطَّعامُ، إذا عادَ عَلَيْهِ بِالسِّمَنِ. والإغْناءُ: الإكْفاءُ ودَفْعُ الحاجَةِ. ومِن جُوعٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُغْنِي وحَرْفُ مِن لِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ: غَناءٌ بَدَلًا عَنِ الجُوعِ. صفحة ٢٩٨ والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] يُؤَيِّدُ أنَّ الضَّرِيعَ اسْمُ شَجَرِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ.

الغاشية 88:5

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ . وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وخاشِعَةٌ خَبَرٌ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما يُفِيدُهُ الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ فَإنَّ ما صَدَقُهُ هو يَوْمُ الغاشِيَةِ. ويَكُونُ تَنْكِيرُ وُجُوهٍ مُبْتَدَأً قُصِدَ مِنهُ النَّوْعُ. و(خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ عَنْ وُجُوهٍ، والمَعْنى: أُناسٌ خاشِعُونَ إلَخْ. فالوُجُوهُ كِنايَةٌ عَنْ أصْحابِها، إذْ يُكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ هُنا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الوُجُوهِ جَماعَةَ العُقَلاءِ. وأُوثِرَتِ الوُجُوهُ بِالكِنايَةِ عَنْ أصْحابِها هُنا وفي مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ حالَةَ الوُجُوهِ تُنْبِئُ عَنْ حالَةِ أصْحابِها، إذِ الوَجْهُ عُنْوانٌ عَمّا يَجِدُهُ صاحِبُهُ مِن نَعِيمٍ أوْ شَقْوَةٍ، كَما يُقالُ: خَرَجَ بِوَجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيَةَ في سُورَةِ عَبَسَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ إسْنادُ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ إلى وُجُوهٍ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: أصْحابُ وُجُوهٍ. ويَتَعَلَّقُ يَوْمَئِذٍ بِـ (خاشِعَةٌ) قُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ ولَمّا كانَتْ إذْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي تَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ فالجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها إذْ صفحة ٢٩٦ مَحْذُوفَةٌ عَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ويَدُلُّ عَلَيْها ما في اسْمِ الغاشِيَةِ مِن لَمْحِ أصْلِ الوَصْفِيَّةِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الَّتِي تَغْشى النّاسَ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ يَوْمَ إذْ تَغْشى الغاشِيَةُ. أوْ يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ سِياقُ الكَلامِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ: يَوْمَ إذْ تَحْدُثُ أوْ تَقَعُ. وخاشِعَةٌ: ذَلِيلَةٌ يُطْلَقُ الخُشُوعُ عَلى المَذَلَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقالَ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] . والعامِلَةُ: المُكَلَّفَةُ العَمَلَ مِنَ المَشاقِّ يَوْمَئِذٍ. وناصِبَةٌ: مِنَ النَّصَبِ وهو التَّعَبُ. وأُوثِرَ وصْفُ خاشِعَةٍ وعامِلَةٍ وناصِبَةٍ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشَّقاءِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا الخُشُوعَ لِلَّهِ والعَمَلَ بِما أمَرَ بِهِ والنَّصَبَ في القِيامِ بِطاعَتِهِ، فَجَزائِهِمْ خُشُوعٌ ومَذَلَّةٌ، وعَمَلُ مَشَقَّةٍ، ونَصَبُ إرْهاقٍ. وجُمْلَةُ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ وُجُوهٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، يُقالُ: صَلِيَ يَصْلى، إذْ أصابَهُ حَرُّ النّارِ، وعَلَيْهِ فَذَكَرَ نارًا بَعْدَ تَصْلى لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ والإرْهابِ ولِيُجْرى عَلى نارًا وصْفُ حامِيَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ أيْ: يُصِيبُها صِلِيُّ النّارِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ تُصْلى بِضَمِّ التّاءِ مِن أصْلاهُ النّارَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إذا أنالَهُ حَرُّها. ووَصَفَ النّارَ بِـ حامِيَةٍ لِإفادَةِ تَجاوُزِ حَرِّها المِقْدارَ المَعْرُوفَ؛ لِأنَّ الحَمْيَ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ النّارِ فَلَمّا وُصِفَتْ بِـ حامِيَةٍ كانَ دالًّا عَلى شِدَّةِ الحِمى قالَ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] . وأخْبَرَ عَنْ وُجُوهٍ خَبَرًا خامِسًا بِجُمْلَةِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ تَصْلى؛ لِأنَّ ذِكْرَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ إطْفاءِ حَرارَتِها بِالشَّرابِ فَجُعِلَ شَرابُهم مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ. صفحة ٢٩٧ يُقالُ: أنى إذا بَلَغَ شِدَّةَ الحَرارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ السَّقْيِ يُخْطِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ مَعْرِفَةِ ما يَطْعَمُونَهُ فَجِيءَ بِهِ خَبَرًا سادِسًا أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ تُسْقى بِجُمْلَةِ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾، أيْ: يَطْعَمُونَ طَعامَ إيلامٍ وتَعْذِيبٍ لا نَفْعَ فِيهِ لَهم ولا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمًا. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ﴾ إلَخْ خَبَرٌ سادِسٌ عَنْ وُجُوهٍ. وضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى وُجُوهٍ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِأصْحابِ الوُجُوهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ المُذَكَّرِ. والتَّذْكِيرُ تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ. والضَّرِيعُ: يابِسُ الشِّبْرِقِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الرّاءِ وهو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ سُمِّيَ ضَرِيعًا وحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَسْمُومًا وهو مَرْعًى لِلْإبِلِ ولِحُمُرِ الوَحْشِ إذا كانَ رَطْبًا، فَما يُعَذَّبُ بِأهْلِ النّارِ بِأكْلِهِ شُبِّهَ بِالضَّرِيعِ في سُوءِ طَعْمِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ اسْمٌ سَمّى القُرْآنُ بِهِ شَجَرًا في جَهَنَّمَ وأنَّ هَذا الشَّجَرَ هو الَّذِي يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وعَلَيْهِ فَحَرْفُ مِن لِلِابْتِداءِ، أيْ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما يَخْرُجُ مِنَ الضَّرِيعِ والخارِجُ هو الغِسْلِينُ وقَدْ حَصَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: ووَصْفُ ضَرِيعٍ بِأنَّهُ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ لِتَشْوِيهِهِ وأنَّهُ تَمَحُّضٌ لِلضُّرِّ فَلا يَعُودُ عَلى آكِلِيهِ بِسِمَنٍ يُصْلِحُ بَعْضَ ما التَفَحَ مِن أجْسادِهِمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم دَفْعَ ألَمِ الجُوعِ، ولَعَلَّ الجُوعَ مِن ضُرُوبِ تَعْذِيبِهِمْ فَيَسْألُونَ الطَّعامَ فَيُطْعَمُونَ الضَّرِيعَ فَلا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمَ الجُوعِ. والسِّمَنُ، بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ: وفْرَةُ اللَّحْمِ والشَّحْمِ لِلْحَيَوانِ يُقالُ: أسْمَنَهُ الطَّعامُ، إذا عادَ عَلَيْهِ بِالسِّمَنِ. والإغْناءُ: الإكْفاءُ ودَفْعُ الحاجَةِ. ومِن جُوعٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُغْنِي وحَرْفُ مِن لِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ: غَناءٌ بَدَلًا عَنِ الجُوعِ. صفحة ٢٩٨ والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] يُؤَيِّدُ أنَّ الضَّرِيعَ اسْمُ شَجَرِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ.

الغاشية 88:6

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ . وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وخاشِعَةٌ خَبَرٌ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما يُفِيدُهُ الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ فَإنَّ ما صَدَقُهُ هو يَوْمُ الغاشِيَةِ. ويَكُونُ تَنْكِيرُ وُجُوهٍ مُبْتَدَأً قُصِدَ مِنهُ النَّوْعُ. و(خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ عَنْ وُجُوهٍ، والمَعْنى: أُناسٌ خاشِعُونَ إلَخْ. فالوُجُوهُ كِنايَةٌ عَنْ أصْحابِها، إذْ يُكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ هُنا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الوُجُوهِ جَماعَةَ العُقَلاءِ. وأُوثِرَتِ الوُجُوهُ بِالكِنايَةِ عَنْ أصْحابِها هُنا وفي مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ حالَةَ الوُجُوهِ تُنْبِئُ عَنْ حالَةِ أصْحابِها، إذِ الوَجْهُ عُنْوانٌ عَمّا يَجِدُهُ صاحِبُهُ مِن نَعِيمٍ أوْ شَقْوَةٍ، كَما يُقالُ: خَرَجَ بِوَجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيَةَ في سُورَةِ عَبَسَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ إسْنادُ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ إلى وُجُوهٍ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: أصْحابُ وُجُوهٍ. ويَتَعَلَّقُ يَوْمَئِذٍ بِـ (خاشِعَةٌ) قُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ ولَمّا كانَتْ إذْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي تَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ فالجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها إذْ صفحة ٢٩٦ مَحْذُوفَةٌ عَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ويَدُلُّ عَلَيْها ما في اسْمِ الغاشِيَةِ مِن لَمْحِ أصْلِ الوَصْفِيَّةِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الَّتِي تَغْشى النّاسَ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ يَوْمَ إذْ تَغْشى الغاشِيَةُ. أوْ يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ سِياقُ الكَلامِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ: يَوْمَ إذْ تَحْدُثُ أوْ تَقَعُ. وخاشِعَةٌ: ذَلِيلَةٌ يُطْلَقُ الخُشُوعُ عَلى المَذَلَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقالَ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] . والعامِلَةُ: المُكَلَّفَةُ العَمَلَ مِنَ المَشاقِّ يَوْمَئِذٍ. وناصِبَةٌ: مِنَ النَّصَبِ وهو التَّعَبُ. وأُوثِرَ وصْفُ خاشِعَةٍ وعامِلَةٍ وناصِبَةٍ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشَّقاءِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا الخُشُوعَ لِلَّهِ والعَمَلَ بِما أمَرَ بِهِ والنَّصَبَ في القِيامِ بِطاعَتِهِ، فَجَزائِهِمْ خُشُوعٌ ومَذَلَّةٌ، وعَمَلُ مَشَقَّةٍ، ونَصَبُ إرْهاقٍ. وجُمْلَةُ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ وُجُوهٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، يُقالُ: صَلِيَ يَصْلى، إذْ أصابَهُ حَرُّ النّارِ، وعَلَيْهِ فَذَكَرَ نارًا بَعْدَ تَصْلى لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ والإرْهابِ ولِيُجْرى عَلى نارًا وصْفُ حامِيَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ أيْ: يُصِيبُها صِلِيُّ النّارِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ تُصْلى بِضَمِّ التّاءِ مِن أصْلاهُ النّارَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إذا أنالَهُ حَرُّها. ووَصَفَ النّارَ بِـ حامِيَةٍ لِإفادَةِ تَجاوُزِ حَرِّها المِقْدارَ المَعْرُوفَ؛ لِأنَّ الحَمْيَ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ النّارِ فَلَمّا وُصِفَتْ بِـ حامِيَةٍ كانَ دالًّا عَلى شِدَّةِ الحِمى قالَ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] . وأخْبَرَ عَنْ وُجُوهٍ خَبَرًا خامِسًا بِجُمْلَةِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ تَصْلى؛ لِأنَّ ذِكْرَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ إطْفاءِ حَرارَتِها بِالشَّرابِ فَجُعِلَ شَرابُهم مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ. صفحة ٢٩٧ يُقالُ: أنى إذا بَلَغَ شِدَّةَ الحَرارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ السَّقْيِ يُخْطِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ مَعْرِفَةِ ما يَطْعَمُونَهُ فَجِيءَ بِهِ خَبَرًا سادِسًا أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ تُسْقى بِجُمْلَةِ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾، أيْ: يَطْعَمُونَ طَعامَ إيلامٍ وتَعْذِيبٍ لا نَفْعَ فِيهِ لَهم ولا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمًا. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ﴾ إلَخْ خَبَرٌ سادِسٌ عَنْ وُجُوهٍ. وضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى وُجُوهٍ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِأصْحابِ الوُجُوهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ المُذَكَّرِ. والتَّذْكِيرُ تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ. والضَّرِيعُ: يابِسُ الشِّبْرِقِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الرّاءِ وهو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ سُمِّيَ ضَرِيعًا وحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَسْمُومًا وهو مَرْعًى لِلْإبِلِ ولِحُمُرِ الوَحْشِ إذا كانَ رَطْبًا، فَما يُعَذَّبُ بِأهْلِ النّارِ بِأكْلِهِ شُبِّهَ بِالضَّرِيعِ في سُوءِ طَعْمِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ اسْمٌ سَمّى القُرْآنُ بِهِ شَجَرًا في جَهَنَّمَ وأنَّ هَذا الشَّجَرَ هو الَّذِي يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وعَلَيْهِ فَحَرْفُ مِن لِلِابْتِداءِ، أيْ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما يَخْرُجُ مِنَ الضَّرِيعِ والخارِجُ هو الغِسْلِينُ وقَدْ حَصَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: ووَصْفُ ضَرِيعٍ بِأنَّهُ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ لِتَشْوِيهِهِ وأنَّهُ تَمَحُّضٌ لِلضُّرِّ فَلا يَعُودُ عَلى آكِلِيهِ بِسِمَنٍ يُصْلِحُ بَعْضَ ما التَفَحَ مِن أجْسادِهِمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم دَفْعَ ألَمِ الجُوعِ، ولَعَلَّ الجُوعَ مِن ضُرُوبِ تَعْذِيبِهِمْ فَيَسْألُونَ الطَّعامَ فَيُطْعَمُونَ الضَّرِيعَ فَلا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمَ الجُوعِ. والسِّمَنُ، بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ: وفْرَةُ اللَّحْمِ والشَّحْمِ لِلْحَيَوانِ يُقالُ: أسْمَنَهُ الطَّعامُ، إذا عادَ عَلَيْهِ بِالسِّمَنِ. والإغْناءُ: الإكْفاءُ ودَفْعُ الحاجَةِ. ومِن جُوعٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُغْنِي وحَرْفُ مِن لِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ: غَناءٌ بَدَلًا عَنِ الجُوعِ. صفحة ٢٩٨ والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] يُؤَيِّدُ أنَّ الضَّرِيعَ اسْمُ شَجَرِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ.

الغاشية 88:7

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ . وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وخاشِعَةٌ خَبَرٌ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما يُفِيدُهُ الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ فَإنَّ ما صَدَقُهُ هو يَوْمُ الغاشِيَةِ. ويَكُونُ تَنْكِيرُ وُجُوهٍ مُبْتَدَأً قُصِدَ مِنهُ النَّوْعُ. و(خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ عَنْ وُجُوهٍ، والمَعْنى: أُناسٌ خاشِعُونَ إلَخْ. فالوُجُوهُ كِنايَةٌ عَنْ أصْحابِها، إذْ يُكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ هُنا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الوُجُوهِ جَماعَةَ العُقَلاءِ. وأُوثِرَتِ الوُجُوهُ بِالكِنايَةِ عَنْ أصْحابِها هُنا وفي مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ حالَةَ الوُجُوهِ تُنْبِئُ عَنْ حالَةِ أصْحابِها، إذِ الوَجْهُ عُنْوانٌ عَمّا يَجِدُهُ صاحِبُهُ مِن نَعِيمٍ أوْ شَقْوَةٍ، كَما يُقالُ: خَرَجَ بِوَجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيَةَ في سُورَةِ عَبَسَ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ إسْنادُ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ إلى وُجُوهٍ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: أصْحابُ وُجُوهٍ. ويَتَعَلَّقُ يَوْمَئِذٍ بِـ (خاشِعَةٌ) قُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ ولَمّا كانَتْ إذْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي تَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ فالجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها إذْ صفحة ٢٩٦ مَحْذُوفَةٌ عَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ويَدُلُّ عَلَيْها ما في اسْمِ الغاشِيَةِ مِن لَمْحِ أصْلِ الوَصْفِيَّةِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الَّتِي تَغْشى النّاسَ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ يَوْمَ إذْ تَغْشى الغاشِيَةُ. أوْ يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ سِياقُ الكَلامِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ: يَوْمَ إذْ تَحْدُثُ أوْ تَقَعُ. وخاشِعَةٌ: ذَلِيلَةٌ يُطْلَقُ الخُشُوعُ عَلى المَذَلَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقالَ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] . والعامِلَةُ: المُكَلَّفَةُ العَمَلَ مِنَ المَشاقِّ يَوْمَئِذٍ. وناصِبَةٌ: مِنَ النَّصَبِ وهو التَّعَبُ. وأُوثِرَ وصْفُ خاشِعَةٍ وعامِلَةٍ وناصِبَةٍ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشَّقاءِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا الخُشُوعَ لِلَّهِ والعَمَلَ بِما أمَرَ بِهِ والنَّصَبَ في القِيامِ بِطاعَتِهِ، فَجَزائِهِمْ خُشُوعٌ ومَذَلَّةٌ، وعَمَلُ مَشَقَّةٍ، ونَصَبُ إرْهاقٍ. وجُمْلَةُ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ وُجُوهٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، يُقالُ: صَلِيَ يَصْلى، إذْ أصابَهُ حَرُّ النّارِ، وعَلَيْهِ فَذَكَرَ نارًا بَعْدَ تَصْلى لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ والإرْهابِ ولِيُجْرى عَلى نارًا وصْفُ حامِيَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ أيْ: يُصِيبُها صِلِيُّ النّارِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ تُصْلى بِضَمِّ التّاءِ مِن أصْلاهُ النّارَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إذا أنالَهُ حَرُّها. ووَصَفَ النّارَ بِـ حامِيَةٍ لِإفادَةِ تَجاوُزِ حَرِّها المِقْدارَ المَعْرُوفَ؛ لِأنَّ الحَمْيَ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ النّارِ فَلَمّا وُصِفَتْ بِـ حامِيَةٍ كانَ دالًّا عَلى شِدَّةِ الحِمى قالَ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] . وأخْبَرَ عَنْ وُجُوهٍ خَبَرًا خامِسًا بِجُمْلَةِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ تَصْلى؛ لِأنَّ ذِكْرَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ إطْفاءِ حَرارَتِها بِالشَّرابِ فَجُعِلَ شَرابُهم مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ. صفحة ٢٩٧ يُقالُ: أنى إذا بَلَغَ شِدَّةَ الحَرارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ السَّقْيِ يُخْطِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ مَعْرِفَةِ ما يَطْعَمُونَهُ فَجِيءَ بِهِ خَبَرًا سادِسًا أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ تُسْقى بِجُمْلَةِ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾، أيْ: يَطْعَمُونَ طَعامَ إيلامٍ وتَعْذِيبٍ لا نَفْعَ فِيهِ لَهم ولا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمًا. وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ﴾ إلَخْ خَبَرٌ سادِسٌ عَنْ وُجُوهٍ. وضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى وُجُوهٍ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِأصْحابِ الوُجُوهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ المُذَكَّرِ. والتَّذْكِيرُ تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ. والضَّرِيعُ: يابِسُ الشِّبْرِقِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الرّاءِ وهو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ سُمِّيَ ضَرِيعًا وحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَسْمُومًا وهو مَرْعًى لِلْإبِلِ ولِحُمُرِ الوَحْشِ إذا كانَ رَطْبًا، فَما يُعَذَّبُ بِأهْلِ النّارِ بِأكْلِهِ شُبِّهَ بِالضَّرِيعِ في سُوءِ طَعْمِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ. وقِيلَ: الضَّرِيعُ اسْمٌ سَمّى القُرْآنُ بِهِ شَجَرًا في جَهَنَّمَ وأنَّ هَذا الشَّجَرَ هو الَّذِي يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وعَلَيْهِ فَحَرْفُ مِن لِلِابْتِداءِ، أيْ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما يَخْرُجُ مِنَ الضَّرِيعِ والخارِجُ هو الغِسْلِينُ وقَدْ حَصَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: ووَصْفُ ضَرِيعٍ بِأنَّهُ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ لِتَشْوِيهِهِ وأنَّهُ تَمَحُّضٌ لِلضُّرِّ فَلا يَعُودُ عَلى آكِلِيهِ بِسِمَنٍ يُصْلِحُ بَعْضَ ما التَفَحَ مِن أجْسادِهِمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم دَفْعَ ألَمِ الجُوعِ، ولَعَلَّ الجُوعَ مِن ضُرُوبِ تَعْذِيبِهِمْ فَيَسْألُونَ الطَّعامَ فَيُطْعَمُونَ الضَّرِيعَ فَلا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمَ الجُوعِ. والسِّمَنُ، بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ: وفْرَةُ اللَّحْمِ والشَّحْمِ لِلْحَيَوانِ يُقالُ: أسْمَنَهُ الطَّعامُ، إذا عادَ عَلَيْهِ بِالسِّمَنِ. والإغْناءُ: الإكْفاءُ ودَفْعُ الحاجَةِ. ومِن جُوعٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُغْنِي وحَرْفُ مِن لِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ: غَناءٌ بَدَلًا عَنِ الجُوعِ. صفحة ٢٩٨ والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] يُؤَيِّدُ أنَّ الضَّرِيعَ اسْمُ شَجَرِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ.

الغاشية 88:8

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ . يَتَبادَرُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّ حَقَّ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] بِالواوِ لِأنَّها مُشارِكَةٌ لَها في حُكْمِ البَيانِ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] عَلى جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] في سُورَةِ عَبَسَ. فَيَتَّجِهُ أنْ يُسْألَ عَنْ وجْهِ فَصْلِها عَنِ الَّتِي قَبْلَها، ووَجْهُ الفَصْلِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ في ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] الإعْلامُ بِحالِ المُعَرَّضِ بِتَهْدِيدِهِمْ وهم أصْحابُ الوُجُوهِ الخاشِعَةِ، فَلَمّا حَصَلَ ذَلِكَ الإعْلامُ بِجُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] إلى آخِرِها تَمَّ المَقْصُودُ، فَجاءَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَها مَفْصُولَةً؛ لِأنَّها جُعِلَتِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تُثِيرُهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ فَيَتَساءَلُ السّامِعُ: هَلْ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ ما هو مُغايِرٌ لِهَذا الهَوْلِ ؟ أيْ: ما هو أُنْسٌ ونَعِيمٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. ولِهَذا النَّظْمِ صارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِطْرادِ والتَّتْمِيمِ، لِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيِ الفَرِيقَيْنِ ولِتَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الِاسْتِئْنافِ والِاعْتِراضِ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِفَصْلِها عَمّا قَبْلَها. وفِيهِ جَرْيُ القُرْآنِ عَلى سُنَنِهِ مِن تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ. فَأمّا الجُمْلَتانِ اللَّتانِ في سُورَةِ عَبَسَ فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُما إبْهامٌ لِأنَّهُما مُتَّصِلَتانِ مَعًا بِالظَّرْفِ وهو ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] . وقَدْ عُلِمَ مِن سِياقِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ ﷺ أنَّ الوُجُوهَ الأُولى وُجُوهُ المُكَذِّبِينَ بِالرَّسُولِ والوُجُوهَ المَذْكُورَةَ بَعْدَها وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِما جاءَ بِهِ. صفحة ٢٩٩ والقَوْلُ في تَنْكِيرِ (وُجُوهٌ)، والمُرادِ بِها، والإخْبارِ عَنْها بِما بَعْدَها، كالقَوْلِ في الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْها. وناعِمَةٌ: خَبَرٌ عَنْ وُجُوهٍ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن نَعُمَ بِضَمِّ العَيْنِ يَنْعُمُ بِضَمِّها الَّذِي مَصْدَرُهُ نُعُومَةٌ وهي اللِّينُ وبَهْجَةُ المَرْأى وحُسْنُ المَنظَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن نَعِمَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَنْعَمُ مِثْلَ حَذِرَ، إذا كانَ ذا نِعْمَةٍ، أيْ: حَسَنُ العَيْشِ والتَّرَفِ. ويَتَعَلَّقُ لِسَعْيِها بِقَوْلِهِ: راضِيَةٌ، وراضِيَةٌ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ وُجُوهٍ. والمُرادُ بِالسَّعْيِ: العَمَلُ الَّذِي يَسَعاهُ المَرْءُ لِيَسْتَفِيدَ مِنهُ. وعَبَّرَ بِهِ هُنا مُقابِلَ قَوْلِهِ في ضِدِّهِ عامِلَةٌ. والرِّضى: ضِدَّ السُّخْطِ، أيْ: هي حامِدَةٌ ما سَعَتْهُ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الَّذِي هو امْتِثالُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ . والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيةٍ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ وُجُوهٍ. والجَنَّةُ أُرِيدَ بِهِ مَجْمُوعُ دارِ الثَّوابِ الصّادِقِ بِجَنّاتٍ كَثِيرَةٍ أوْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ مِثْلَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] . ووَصْفُ الجَنَّةِ بِـ عالِيَةٍ لِزِيادَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ أحْسَنَ الجَنّاتِ ما كانَ في المُرْتَفَعاتِ، قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] فَذَلِكَ يُزِيدُ حُسْنَ باطِنِها بِحُسْنِ ما يُشاهِدُهُ الكائِنُ فِيها مِن مَناظِرَ، وهَذا وصْفٌ شامِلٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ الجَنَّةِ.

الغاشية 88:9

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ . يَتَبادَرُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّ حَقَّ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] بِالواوِ لِأنَّها مُشارِكَةٌ لَها في حُكْمِ البَيانِ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] عَلى جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] في سُورَةِ عَبَسَ. فَيَتَّجِهُ أنْ يُسْألَ عَنْ وجْهِ فَصْلِها عَنِ الَّتِي قَبْلَها، ووَجْهُ الفَصْلِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ في ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] الإعْلامُ بِحالِ المُعَرَّضِ بِتَهْدِيدِهِمْ وهم أصْحابُ الوُجُوهِ الخاشِعَةِ، فَلَمّا حَصَلَ ذَلِكَ الإعْلامُ بِجُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] إلى آخِرِها تَمَّ المَقْصُودُ، فَجاءَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَها مَفْصُولَةً؛ لِأنَّها جُعِلَتِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تُثِيرُهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ فَيَتَساءَلُ السّامِعُ: هَلْ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ ما هو مُغايِرٌ لِهَذا الهَوْلِ ؟ أيْ: ما هو أُنْسٌ ونَعِيمٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. ولِهَذا النَّظْمِ صارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِطْرادِ والتَّتْمِيمِ، لِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيِ الفَرِيقَيْنِ ولِتَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الِاسْتِئْنافِ والِاعْتِراضِ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِفَصْلِها عَمّا قَبْلَها. وفِيهِ جَرْيُ القُرْآنِ عَلى سُنَنِهِ مِن تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ. فَأمّا الجُمْلَتانِ اللَّتانِ في سُورَةِ عَبَسَ فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُما إبْهامٌ لِأنَّهُما مُتَّصِلَتانِ مَعًا بِالظَّرْفِ وهو ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] . وقَدْ عُلِمَ مِن سِياقِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ ﷺ أنَّ الوُجُوهَ الأُولى وُجُوهُ المُكَذِّبِينَ بِالرَّسُولِ والوُجُوهَ المَذْكُورَةَ بَعْدَها وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِما جاءَ بِهِ. صفحة ٢٩٩ والقَوْلُ في تَنْكِيرِ (وُجُوهٌ)، والمُرادِ بِها، والإخْبارِ عَنْها بِما بَعْدَها، كالقَوْلِ في الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْها. وناعِمَةٌ: خَبَرٌ عَنْ وُجُوهٍ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن نَعُمَ بِضَمِّ العَيْنِ يَنْعُمُ بِضَمِّها الَّذِي مَصْدَرُهُ نُعُومَةٌ وهي اللِّينُ وبَهْجَةُ المَرْأى وحُسْنُ المَنظَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن نَعِمَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَنْعَمُ مِثْلَ حَذِرَ، إذا كانَ ذا نِعْمَةٍ، أيْ: حَسَنُ العَيْشِ والتَّرَفِ. ويَتَعَلَّقُ لِسَعْيِها بِقَوْلِهِ: راضِيَةٌ، وراضِيَةٌ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ وُجُوهٍ. والمُرادُ بِالسَّعْيِ: العَمَلُ الَّذِي يَسَعاهُ المَرْءُ لِيَسْتَفِيدَ مِنهُ. وعَبَّرَ بِهِ هُنا مُقابِلَ قَوْلِهِ في ضِدِّهِ عامِلَةٌ. والرِّضى: ضِدَّ السُّخْطِ، أيْ: هي حامِدَةٌ ما سَعَتْهُ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الَّذِي هو امْتِثالُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ . والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيةٍ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ وُجُوهٍ. والجَنَّةُ أُرِيدَ بِهِ مَجْمُوعُ دارِ الثَّوابِ الصّادِقِ بِجَنّاتٍ كَثِيرَةٍ أوْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ مِثْلَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] . ووَصْفُ الجَنَّةِ بِـ عالِيَةٍ لِزِيادَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ أحْسَنَ الجَنّاتِ ما كانَ في المُرْتَفَعاتِ، قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] فَذَلِكَ يُزِيدُ حُسْنَ باطِنِها بِحُسْنِ ما يُشاهِدُهُ الكائِنُ فِيها مِن مَناظِرَ، وهَذا وصْفٌ شامِلٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ الجَنَّةِ.

الغاشية 88:10

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ . يَتَبادَرُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّ حَقَّ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] بِالواوِ لِأنَّها مُشارِكَةٌ لَها في حُكْمِ البَيانِ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] عَلى جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] في سُورَةِ عَبَسَ. فَيَتَّجِهُ أنْ يُسْألَ عَنْ وجْهِ فَصْلِها عَنِ الَّتِي قَبْلَها، ووَجْهُ الفَصْلِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ في ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] الإعْلامُ بِحالِ المُعَرَّضِ بِتَهْدِيدِهِمْ وهم أصْحابُ الوُجُوهِ الخاشِعَةِ، فَلَمّا حَصَلَ ذَلِكَ الإعْلامُ بِجُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] إلى آخِرِها تَمَّ المَقْصُودُ، فَجاءَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَها مَفْصُولَةً؛ لِأنَّها جُعِلَتِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تُثِيرُهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ فَيَتَساءَلُ السّامِعُ: هَلْ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ ما هو مُغايِرٌ لِهَذا الهَوْلِ ؟ أيْ: ما هو أُنْسٌ ونَعِيمٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. ولِهَذا النَّظْمِ صارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِطْرادِ والتَّتْمِيمِ، لِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيِ الفَرِيقَيْنِ ولِتَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الِاسْتِئْنافِ والِاعْتِراضِ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِفَصْلِها عَمّا قَبْلَها. وفِيهِ جَرْيُ القُرْآنِ عَلى سُنَنِهِ مِن تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ. فَأمّا الجُمْلَتانِ اللَّتانِ في سُورَةِ عَبَسَ فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُما إبْهامٌ لِأنَّهُما مُتَّصِلَتانِ مَعًا بِالظَّرْفِ وهو ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] . وقَدْ عُلِمَ مِن سِياقِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ ﷺ أنَّ الوُجُوهَ الأُولى وُجُوهُ المُكَذِّبِينَ بِالرَّسُولِ والوُجُوهَ المَذْكُورَةَ بَعْدَها وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِما جاءَ بِهِ. صفحة ٢٩٩ والقَوْلُ في تَنْكِيرِ (وُجُوهٌ)، والمُرادِ بِها، والإخْبارِ عَنْها بِما بَعْدَها، كالقَوْلِ في الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْها. وناعِمَةٌ: خَبَرٌ عَنْ وُجُوهٍ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن نَعُمَ بِضَمِّ العَيْنِ يَنْعُمُ بِضَمِّها الَّذِي مَصْدَرُهُ نُعُومَةٌ وهي اللِّينُ وبَهْجَةُ المَرْأى وحُسْنُ المَنظَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن نَعِمَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَنْعَمُ مِثْلَ حَذِرَ، إذا كانَ ذا نِعْمَةٍ، أيْ: حَسَنُ العَيْشِ والتَّرَفِ. ويَتَعَلَّقُ لِسَعْيِها بِقَوْلِهِ: راضِيَةٌ، وراضِيَةٌ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ وُجُوهٍ. والمُرادُ بِالسَّعْيِ: العَمَلُ الَّذِي يَسَعاهُ المَرْءُ لِيَسْتَفِيدَ مِنهُ. وعَبَّرَ بِهِ هُنا مُقابِلَ قَوْلِهِ في ضِدِّهِ عامِلَةٌ. والرِّضى: ضِدَّ السُّخْطِ، أيْ: هي حامِدَةٌ ما سَعَتْهُ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الَّذِي هو امْتِثالُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ . والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيةٍ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ وُجُوهٍ. والجَنَّةُ أُرِيدَ بِهِ مَجْمُوعُ دارِ الثَّوابِ الصّادِقِ بِجَنّاتٍ كَثِيرَةٍ أوْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ مِثْلَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] . ووَصْفُ الجَنَّةِ بِـ عالِيَةٍ لِزِيادَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ أحْسَنَ الجَنّاتِ ما كانَ في المُرْتَفَعاتِ، قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] فَذَلِكَ يُزِيدُ حُسْنَ باطِنِها بِحُسْنِ ما يُشاهِدُهُ الكائِنُ فِيها مِن مَناظِرَ، وهَذا وصْفٌ شامِلٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ الجَنَّةِ.

الغاشية 88:11

﴿لا تُسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ﴾ اللّاغِيَةُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى اللَّغْوِ مِثْلُ الكاذِبَةِ لِلْكَذِبِ. والخائِنَةِ والعافِيَةِ، أيْ: لا يُسْمَعُ فِيها لَغْوٌ، أوْ هو وصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرِ التَّأْنِيثِ، أيْ: كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ لاغِيَةٌ مِن أنَّها كَلِماتٌ، ووَصْفُ الكَلِمَةِ بِذَلِكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ اللّاغِيَ صاحِبُها. صفحة ٣٠٠ ونَفْيُ سَماعِ لاغِيَةٍ مُكَنّى بِهِ عَنِ انْتِفاءِ اللَّغْوِ في الجَنَّةِ مِن بابِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ أيْ: لا ضَبَّ بِها، إذِ الضَّبُّ لا يَخْلُو مِنَ الِانْجِحارِ. واللَّغْوُ: الكَلامُ الَّذِي لا فائِدَةَ لَهُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ دارُ جِدٍّ وحَقِيقَةٍ فَلا كَلامَ فِيها إلّا لِفائِدَةٍ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ فِيها تَخَلَّصَتْ مِنَ النَّقائِصِ كُلِّها فَلا يَلَذُّ لَها إلّا الحَقائِقُ والسُّمُوُّ العَقْلِيُّ والخُلُقِيُّ، ولا يَنْطِقُونَ إلّا ما يَزِيدُ النُّفُوسَ تَزْكِيَةً. وجُمْلَةُ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ جَنَّةٍ تُرِكَ عَطْفُها عَلى الصِّفَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ النُّعُوتَ المُتَعَدِّدَةَ يَجُوزُ أنْ تُعْطَفَ ويَجُوزَ أنْ تُفْصَلَ دُونَ عِطْفٍ قالَ في التَّسْهِيلِ: ويَجُوزُ عَطْفُ بَعْضِ النُّعُوتِ عَلى بَعْضٍ وقالَ المُرادِيُّ في شَرْحِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] . وقالَ: ولا يُعْطَفُ إلّا بِالواوِ ما لَمْ يَكُنْ تَرْتِيبٌ: فَبِالفاءِ كَقَوْلِهِ: يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِبِ ال ∗∗∗ صّابِحِ فالغانِـمِ فَـالآيِبِ قالَ السُّهَيْلِيُّ: والعَطْفُ بِـ ثُمَّ جَوازُهُ بَعِيدٌ. اهـ. قالَ الدَّمامِينِيُّ: وكَذا في الجُمَلِ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ يَحْفَظُ القُرْآنَ ويَعْرِفُ الفِقْهَ ويَتَّقِي إلى اللَّهِ، قالَ: ونَصَّ الواحِدِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] . أنْ لا يَأْلُونَكم وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ أيِ: الثَّلاثُ لا يَكُونُ صِفاتٌ، لِعَدَمِ العاطِفِ، لَكِنَّ ظاهِرَ سُكُوتِ الجُمْهُورِ عَنْ وُجُوبِ العَطْفِ يُشْعِرُ بِجَوازِهِ فِيها أيِ: الجُمَلُ كالمُفْرَداتِ اهـ. ابْتُدِئَ في تَعْدادِ صِفاتِ الجَنَّةِ بِصِفَتِها الذّاتِيَّةَ وهو كَوْنُها عالِيَةً، وثُنِّيَ بِصِفَةِ تَنْزِيهِها عَمّا يُعَدُّ مِن نَقائِصِ مَجامِعِ النّاسِ ومَساكِنِ الجَماعاتِ وهو الغَوْغاءُ واللَّغْوُ، وقَدْ جُرِّدَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن أنْ تُعْطَفَ عَلى عالِيَةٍ مُراعاةً لِعَدَمِ التَّناسُبِ بَيْنَ المُفْرَداتِ والجُمَلِ وذَلِكَ حَقِيقٌ بِعَدَمِ العَطْفِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ مِن كَمالِ الِانْقِطاعِ في عَطْفِ الجُمَلِ. وهَذا وصْفٌ لِلْجَنَّةِ بِحُسْنِ سُكّانِها. صفحة ٣٠١ وقَرَأ نافِعٌ لا تُسْمَعُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ولاغِيَةٌ نائِبُ فاعِلٍ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وبِرَفْعِ لاغِيَةٍ أيْضًا فَأُجْرِيَ الفِعْلُ عَلى التَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ لاغِيَةً لَيْسَ حَقِيقِيَّ التَّأْنِيثِ وحَسَّنَهُ وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وبِنَصْبِ (لاغِيَةً)، والتّاءُ لِخِطابِ غَيْرِ المُعَيَّنِ.

الغاشية 88:12

﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِـ جَنَّةٍ. فالمُرادُ جِنْسُ العُيُونِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، أيْ: عَلِمَتِ النُّفُوسُ، وهَذا وصْفٌ لِلْجَنَّةِ بِاسْتِكْمالِها مَحاسِنَ الجَنّاتِ قالَ تَعالى: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] . وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لِاخْتِلافِهِما بِالفِعْلِيَّةِ في الأُولى والِاسْمِيَّةِ في الثّانِيَةِ، وذَلِكَ الِاخْتِلافُ مِن مُحَسِّناتِ الفَصْلِ ولِأنَّ جُمْلَةَ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] مَقْصُودٌ مِنها التَّنَزُّهَ عَنِ النَّقائِصِ وجُمْلَةَ ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ مَقْصُودٌ مِنها إثْباتَ بَعْضِ مَحاسِنِها.

الغاشية 88:13

﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ . صِفَةٌ رابِعَةٌ لِجَنَّةٍ. وأُعِيدَ قَوْلُهُ: فِيها دُونَ أنْ يُعْطَفَ سُرُرٌ عَلى عَيْنٍ عَطْفَ المُفْرِداتِ؛ لِأنَّ عَطْفَ السُّرُرِ عَلى عَيْنٍ يَبْدُو نابِيًا عَنِ الذَّوْقِ لِعَدِّ الجامِعِ بَيْنَ عَيْنِ الماءِ والسُّرُرِ في الذِّهْنِ لَوْلا أنْ جَمَعَها الكَوْنُ في الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ ظَرْفُ فِيها تَصْرِيحًا بِأنَّ تِلْكَ الظَّرْفِيَّةَ هي الجامِعُ، ولِأنَّ بَيْنَ ظَرْفِيَّةِ العَيْنِ الجارِيَةِ في الجَنَّةِ وبَيْنَ ظَرْفِيَّةِ السُّرُرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن مَتاعِ القُصُورِ والأثاثِ تَفاوُتًا ولِذَلِكَ عُطِفَ وأكْوابٌ، ونَمارِقُ، وزَرابِيُّ، لِأنَّها مُتَماثِلَةٌ في أنَّها مِن مَتاعِ المَساكِنِ الفائِقَةِ. صفحة ٣٠٢ وهَذا وصْفٌ لِمَحاسِنِ الجَنَّةِ بِمَحاسِنِ أثاثِ قُصُورِها، فَضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ لِلْجَنَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ ما في قُصُورِها هو مَظْرُوفٌ فِيها بِواسِطَةٍ. وسُرُرٌ: جَمَعَ سَرِيرٍ، وهو ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ويُضْطَجَعُ فَيَسَعُ الإنْسانَ المُضْطَجِعَ. ويُتَّخَذُ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ لَهُ قَوائِمُ لِيَكُونَ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ. ولَمّا كانَ الِارْتِفاعُ عَنِ الأرْضِ مَأْخُوذًا في مَفْهُومِ السُّرُرِ كانَ وصْفُها بِـ مَرْفُوعَةٍ لِتَصْوِيرِ حُسْنِها. والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ، وهو إناءٌ لِلْخَمْرِ لَهُ ساقٌ ولا عُرْوَةَ لَهُ. ومَوْضُوعَةٌ، أيْ: لا تُرْفَعُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ كَما تُرْفَعُ آنِيَةُ الشَّرابِ في الدُّنْيا إذا بَلَغَ الشّارِبُونَ حَدَّ الِاسْتِطالَةِ مَن تَناوَلِ الخَمْرِ، كُنِّيَ بِـ مَوْضُوعَةٍ عَنْ عَدَمِ انْقِطاعِ لَذَّةِ الشَّرابِ طَعْمًا ونَشْوَةً، أيْ: مَوْضُوعَةٌ بِما فِيها مِن أشْرِبَةٍ. وبَيْنَ مَرْفُوعَةٍ ومَوْضُوعَةٍ إيهامُ الطِّباقِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ مَعْنى الرَّفْعِ ضِدَّ حَقِيقَةِ مَعْنى الوَضْعِ، ولا تَضادَّ بَيْنَ مَجازِ الأوَّلِ وحَقِيقَةِ الثّانِي ولَكِنَّهُ إيهامُ التَّضادِّ. والنَّمارِقُ: جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ مِيمٍ بَعْدَها راءٌ مَضْمُومَةٌ وهي الوِسادَةُ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْها الجالِسُ والمُضْطَجِعُ. ومَصْفُوفَةٌ: أيْ: جُعِلَ بَعْضُها قَرِيبًا مِن بَعْضٍ صَفًّا، أيْ: أيْنَما أرادَ الجالِسُ أنْ يَجْلِسَ وجَدَها. وزَرابِيُّ: جَمْعُ زَرْبِيَّةٍ بِفَتْحِ الزّايِ وسُكُونِ الرّاءِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي البِساطُ أوِ الطُّنْفُسَةُ (بِضَمِّ الطّاءِ) المَنسُوجُ مِنَ الصُّوفِ المُلَوَّنِ النّاعِمِ يُفْرَشُ في الأرْضِ لِلزِّينَةِ والجُلُوسِ عَلَيْهِ لِأهْلِ التَّرَفِ واليَسارِ. والزَّرْبِيَّةُ نِسْبَةٌ إلى (أذْرَبِيجانَ) بَلَدٍ مِن بِلادِ فارِسَ وبُخارى، فَأصْلُ زَرْبِيَّةٍ أذْرَبِيَّةٌ، حُذِفَتْ هَمْزَتُها لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الِاسْمِ لِعُجْمَتِهِ واتِّصالِ ياءِ النَّسَبِ بِهِ، وذالُها مُبْدَلَةٌ عَنِ الزّايِ في كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّ اسْمَ البَلَدِ في لِسانِ الفُرْسِ أزْرَبِيجانُ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها راءٌ مُهْمَلَةٌ ولَيْسَ في الكَلامِ الفارِسِيِّ حَرْفُ الذّالِ، وبَلَدُ (أذْرَبِيجانَ) مَشْهُورٌ بِنُعُومَةِ صُوفِ أغْنامِهِ. واشْتُهِرَ أيْضًا بِدِقَّةِ صُنْعِ البُسُطِ والطَّنافِسِ ورِقَّةِ خَمْلِها. صفحة ٣٠٣ والمَبْثُوثَةُ: المُنْتَشِرَةُ عَلى الأرْضِ بِكَثْرَةٍ وذَلِكَ يُفِيدُ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ. وقَدْ قُوبِلَتْ صِفاتُ وُجُوهِ أهْلِ النّارِ بِصِفاتِ وُجُوهِ أهْلِ الجَنَّةِ فَقُوبِلَتْ صِفاتُ (خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) بِصِفاتِ ناعِمَةٌ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وقُوبِلَ قَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] بِقَوْلِهِ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠] . وقُوبِلَ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بِقَوْلِهِ: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢]، وقُوبِلَ شَقاءُ عَيْشِ أهْلِ النّارِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] بِمَقاعِدِ أهْلِ الجَنَّةِ المُشْعِرَةِ بِتَرَفِ العَيْشِ مِن شَرابٍ ومَتاعٍ. وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم في الجَنَّةِ ما يَعْرِفُونَ مِنَ النَعِيمِ في الدُّنْيا وقَدْ عَلِمُوا أنَّ تَرَفَ الجَنَّةِ لا يَبْلُغُهُ الوَصْفُ بِالكَلامِ وجُمِعَ ذَلِكَ بِوَجْهِ الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ولَكِنَّ الأرْواحَ تَرْتاحُ بِمَأْلُوفاتِها فَتُعْطاها فَتَكُونُ نَعِيمَ أرْواحِ النّاسِ في كُلِّ عَصْرٍ ومِن كُلِّ مِصْرٍ في الدَّرَجَةِ القُصْوى مِمّا ألِفُوهُ ولا سِيَّما ما هو مَأْلُوفٌ لِجَمِيعِ أهْلِ الحَضارَةِ والتَّرَفِ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ في الدُّنْيا ثُمَّ يُزادُونَ مِنَ النَعِيمِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

الغاشية 88:14

﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ . صِفَةٌ رابِعَةٌ لِجَنَّةٍ. وأُعِيدَ قَوْلُهُ: فِيها دُونَ أنْ يُعْطَفَ سُرُرٌ عَلى عَيْنٍ عَطْفَ المُفْرِداتِ؛ لِأنَّ عَطْفَ السُّرُرِ عَلى عَيْنٍ يَبْدُو نابِيًا عَنِ الذَّوْقِ لِعَدِّ الجامِعِ بَيْنَ عَيْنِ الماءِ والسُّرُرِ في الذِّهْنِ لَوْلا أنْ جَمَعَها الكَوْنُ في الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ ظَرْفُ فِيها تَصْرِيحًا بِأنَّ تِلْكَ الظَّرْفِيَّةَ هي الجامِعُ، ولِأنَّ بَيْنَ ظَرْفِيَّةِ العَيْنِ الجارِيَةِ في الجَنَّةِ وبَيْنَ ظَرْفِيَّةِ السُّرُرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن مَتاعِ القُصُورِ والأثاثِ تَفاوُتًا ولِذَلِكَ عُطِفَ وأكْوابٌ، ونَمارِقُ، وزَرابِيُّ، لِأنَّها مُتَماثِلَةٌ في أنَّها مِن مَتاعِ المَساكِنِ الفائِقَةِ. صفحة ٣٠٢ وهَذا وصْفٌ لِمَحاسِنِ الجَنَّةِ بِمَحاسِنِ أثاثِ قُصُورِها، فَضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ لِلْجَنَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ ما في قُصُورِها هو مَظْرُوفٌ فِيها بِواسِطَةٍ. وسُرُرٌ: جَمَعَ سَرِيرٍ، وهو ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ويُضْطَجَعُ فَيَسَعُ الإنْسانَ المُضْطَجِعَ. ويُتَّخَذُ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ لَهُ قَوائِمُ لِيَكُونَ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ. ولَمّا كانَ الِارْتِفاعُ عَنِ الأرْضِ مَأْخُوذًا في مَفْهُومِ السُّرُرِ كانَ وصْفُها بِـ مَرْفُوعَةٍ لِتَصْوِيرِ حُسْنِها. والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ، وهو إناءٌ لِلْخَمْرِ لَهُ ساقٌ ولا عُرْوَةَ لَهُ. ومَوْضُوعَةٌ، أيْ: لا تُرْفَعُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ كَما تُرْفَعُ آنِيَةُ الشَّرابِ في الدُّنْيا إذا بَلَغَ الشّارِبُونَ حَدَّ الِاسْتِطالَةِ مَن تَناوَلِ الخَمْرِ، كُنِّيَ بِـ مَوْضُوعَةٍ عَنْ عَدَمِ انْقِطاعِ لَذَّةِ الشَّرابِ طَعْمًا ونَشْوَةً، أيْ: مَوْضُوعَةٌ بِما فِيها مِن أشْرِبَةٍ. وبَيْنَ مَرْفُوعَةٍ ومَوْضُوعَةٍ إيهامُ الطِّباقِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ مَعْنى الرَّفْعِ ضِدَّ حَقِيقَةِ مَعْنى الوَضْعِ، ولا تَضادَّ بَيْنَ مَجازِ الأوَّلِ وحَقِيقَةِ الثّانِي ولَكِنَّهُ إيهامُ التَّضادِّ. والنَّمارِقُ: جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ مِيمٍ بَعْدَها راءٌ مَضْمُومَةٌ وهي الوِسادَةُ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْها الجالِسُ والمُضْطَجِعُ. ومَصْفُوفَةٌ: أيْ: جُعِلَ بَعْضُها قَرِيبًا مِن بَعْضٍ صَفًّا، أيْ: أيْنَما أرادَ الجالِسُ أنْ يَجْلِسَ وجَدَها. وزَرابِيُّ: جَمْعُ زَرْبِيَّةٍ بِفَتْحِ الزّايِ وسُكُونِ الرّاءِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي البِساطُ أوِ الطُّنْفُسَةُ (بِضَمِّ الطّاءِ) المَنسُوجُ مِنَ الصُّوفِ المُلَوَّنِ النّاعِمِ يُفْرَشُ في الأرْضِ لِلزِّينَةِ والجُلُوسِ عَلَيْهِ لِأهْلِ التَّرَفِ واليَسارِ. والزَّرْبِيَّةُ نِسْبَةٌ إلى (أذْرَبِيجانَ) بَلَدٍ مِن بِلادِ فارِسَ وبُخارى، فَأصْلُ زَرْبِيَّةٍ أذْرَبِيَّةٌ، حُذِفَتْ هَمْزَتُها لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الِاسْمِ لِعُجْمَتِهِ واتِّصالِ ياءِ النَّسَبِ بِهِ، وذالُها مُبْدَلَةٌ عَنِ الزّايِ في كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّ اسْمَ البَلَدِ في لِسانِ الفُرْسِ أزْرَبِيجانُ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها راءٌ مُهْمَلَةٌ ولَيْسَ في الكَلامِ الفارِسِيِّ حَرْفُ الذّالِ، وبَلَدُ (أذْرَبِيجانَ) مَشْهُورٌ بِنُعُومَةِ صُوفِ أغْنامِهِ. واشْتُهِرَ أيْضًا بِدِقَّةِ صُنْعِ البُسُطِ والطَّنافِسِ ورِقَّةِ خَمْلِها. صفحة ٣٠٣ والمَبْثُوثَةُ: المُنْتَشِرَةُ عَلى الأرْضِ بِكَثْرَةٍ وذَلِكَ يُفِيدُ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ. وقَدْ قُوبِلَتْ صِفاتُ وُجُوهِ أهْلِ النّارِ بِصِفاتِ وُجُوهِ أهْلِ الجَنَّةِ فَقُوبِلَتْ صِفاتُ (خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) بِصِفاتِ ناعِمَةٌ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وقُوبِلَ قَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] بِقَوْلِهِ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠] . وقُوبِلَ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بِقَوْلِهِ: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢]، وقُوبِلَ شَقاءُ عَيْشِ أهْلِ النّارِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] بِمَقاعِدِ أهْلِ الجَنَّةِ المُشْعِرَةِ بِتَرَفِ العَيْشِ مِن شَرابٍ ومَتاعٍ. وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم في الجَنَّةِ ما يَعْرِفُونَ مِنَ النَعِيمِ في الدُّنْيا وقَدْ عَلِمُوا أنَّ تَرَفَ الجَنَّةِ لا يَبْلُغُهُ الوَصْفُ بِالكَلامِ وجُمِعَ ذَلِكَ بِوَجْهِ الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ولَكِنَّ الأرْواحَ تَرْتاحُ بِمَأْلُوفاتِها فَتُعْطاها فَتَكُونُ نَعِيمَ أرْواحِ النّاسِ في كُلِّ عَصْرٍ ومِن كُلِّ مِصْرٍ في الدَّرَجَةِ القُصْوى مِمّا ألِفُوهُ ولا سِيَّما ما هو مَأْلُوفٌ لِجَمِيعِ أهْلِ الحَضارَةِ والتَّرَفِ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ في الدُّنْيا ثُمَّ يُزادُونَ مِنَ النَعِيمِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

الغاشية 88:15

﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ . صِفَةٌ رابِعَةٌ لِجَنَّةٍ. وأُعِيدَ قَوْلُهُ: فِيها دُونَ أنْ يُعْطَفَ سُرُرٌ عَلى عَيْنٍ عَطْفَ المُفْرِداتِ؛ لِأنَّ عَطْفَ السُّرُرِ عَلى عَيْنٍ يَبْدُو نابِيًا عَنِ الذَّوْقِ لِعَدِّ الجامِعِ بَيْنَ عَيْنِ الماءِ والسُّرُرِ في الذِّهْنِ لَوْلا أنْ جَمَعَها الكَوْنُ في الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ ظَرْفُ فِيها تَصْرِيحًا بِأنَّ تِلْكَ الظَّرْفِيَّةَ هي الجامِعُ، ولِأنَّ بَيْنَ ظَرْفِيَّةِ العَيْنِ الجارِيَةِ في الجَنَّةِ وبَيْنَ ظَرْفِيَّةِ السُّرُرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن مَتاعِ القُصُورِ والأثاثِ تَفاوُتًا ولِذَلِكَ عُطِفَ وأكْوابٌ، ونَمارِقُ، وزَرابِيُّ، لِأنَّها مُتَماثِلَةٌ في أنَّها مِن مَتاعِ المَساكِنِ الفائِقَةِ. صفحة ٣٠٢ وهَذا وصْفٌ لِمَحاسِنِ الجَنَّةِ بِمَحاسِنِ أثاثِ قُصُورِها، فَضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ لِلْجَنَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ ما في قُصُورِها هو مَظْرُوفٌ فِيها بِواسِطَةٍ. وسُرُرٌ: جَمَعَ سَرِيرٍ، وهو ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ويُضْطَجَعُ فَيَسَعُ الإنْسانَ المُضْطَجِعَ. ويُتَّخَذُ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ لَهُ قَوائِمُ لِيَكُونَ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ. ولَمّا كانَ الِارْتِفاعُ عَنِ الأرْضِ مَأْخُوذًا في مَفْهُومِ السُّرُرِ كانَ وصْفُها بِـ مَرْفُوعَةٍ لِتَصْوِيرِ حُسْنِها. والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ، وهو إناءٌ لِلْخَمْرِ لَهُ ساقٌ ولا عُرْوَةَ لَهُ. ومَوْضُوعَةٌ، أيْ: لا تُرْفَعُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ كَما تُرْفَعُ آنِيَةُ الشَّرابِ في الدُّنْيا إذا بَلَغَ الشّارِبُونَ حَدَّ الِاسْتِطالَةِ مَن تَناوَلِ الخَمْرِ، كُنِّيَ بِـ مَوْضُوعَةٍ عَنْ عَدَمِ انْقِطاعِ لَذَّةِ الشَّرابِ طَعْمًا ونَشْوَةً، أيْ: مَوْضُوعَةٌ بِما فِيها مِن أشْرِبَةٍ. وبَيْنَ مَرْفُوعَةٍ ومَوْضُوعَةٍ إيهامُ الطِّباقِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ مَعْنى الرَّفْعِ ضِدَّ حَقِيقَةِ مَعْنى الوَضْعِ، ولا تَضادَّ بَيْنَ مَجازِ الأوَّلِ وحَقِيقَةِ الثّانِي ولَكِنَّهُ إيهامُ التَّضادِّ. والنَّمارِقُ: جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ مِيمٍ بَعْدَها راءٌ مَضْمُومَةٌ وهي الوِسادَةُ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْها الجالِسُ والمُضْطَجِعُ. ومَصْفُوفَةٌ: أيْ: جُعِلَ بَعْضُها قَرِيبًا مِن بَعْضٍ صَفًّا، أيْ: أيْنَما أرادَ الجالِسُ أنْ يَجْلِسَ وجَدَها. وزَرابِيُّ: جَمْعُ زَرْبِيَّةٍ بِفَتْحِ الزّايِ وسُكُونِ الرّاءِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي البِساطُ أوِ الطُّنْفُسَةُ (بِضَمِّ الطّاءِ) المَنسُوجُ مِنَ الصُّوفِ المُلَوَّنِ النّاعِمِ يُفْرَشُ في الأرْضِ لِلزِّينَةِ والجُلُوسِ عَلَيْهِ لِأهْلِ التَّرَفِ واليَسارِ. والزَّرْبِيَّةُ نِسْبَةٌ إلى (أذْرَبِيجانَ) بَلَدٍ مِن بِلادِ فارِسَ وبُخارى، فَأصْلُ زَرْبِيَّةٍ أذْرَبِيَّةٌ، حُذِفَتْ هَمْزَتُها لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الِاسْمِ لِعُجْمَتِهِ واتِّصالِ ياءِ النَّسَبِ بِهِ، وذالُها مُبْدَلَةٌ عَنِ الزّايِ في كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّ اسْمَ البَلَدِ في لِسانِ الفُرْسِ أزْرَبِيجانُ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها راءٌ مُهْمَلَةٌ ولَيْسَ في الكَلامِ الفارِسِيِّ حَرْفُ الذّالِ، وبَلَدُ (أذْرَبِيجانَ) مَشْهُورٌ بِنُعُومَةِ صُوفِ أغْنامِهِ. واشْتُهِرَ أيْضًا بِدِقَّةِ صُنْعِ البُسُطِ والطَّنافِسِ ورِقَّةِ خَمْلِها. صفحة ٣٠٣ والمَبْثُوثَةُ: المُنْتَشِرَةُ عَلى الأرْضِ بِكَثْرَةٍ وذَلِكَ يُفِيدُ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ. وقَدْ قُوبِلَتْ صِفاتُ وُجُوهِ أهْلِ النّارِ بِصِفاتِ وُجُوهِ أهْلِ الجَنَّةِ فَقُوبِلَتْ صِفاتُ (خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) بِصِفاتِ ناعِمَةٌ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وقُوبِلَ قَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] بِقَوْلِهِ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠] . وقُوبِلَ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بِقَوْلِهِ: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢]، وقُوبِلَ شَقاءُ عَيْشِ أهْلِ النّارِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] بِمَقاعِدِ أهْلِ الجَنَّةِ المُشْعِرَةِ بِتَرَفِ العَيْشِ مِن شَرابٍ ومَتاعٍ. وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم في الجَنَّةِ ما يَعْرِفُونَ مِنَ النَعِيمِ في الدُّنْيا وقَدْ عَلِمُوا أنَّ تَرَفَ الجَنَّةِ لا يَبْلُغُهُ الوَصْفُ بِالكَلامِ وجُمِعَ ذَلِكَ بِوَجْهِ الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ولَكِنَّ الأرْواحَ تَرْتاحُ بِمَأْلُوفاتِها فَتُعْطاها فَتَكُونُ نَعِيمَ أرْواحِ النّاسِ في كُلِّ عَصْرٍ ومِن كُلِّ مِصْرٍ في الدَّرَجَةِ القُصْوى مِمّا ألِفُوهُ ولا سِيَّما ما هو مَأْلُوفٌ لِجَمِيعِ أهْلِ الحَضارَةِ والتَّرَفِ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ في الدُّنْيا ثُمَّ يُزادُونَ مِنَ النَعِيمِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

الغاشية 88:16

﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ . صِفَةٌ رابِعَةٌ لِجَنَّةٍ. وأُعِيدَ قَوْلُهُ: فِيها دُونَ أنْ يُعْطَفَ سُرُرٌ عَلى عَيْنٍ عَطْفَ المُفْرِداتِ؛ لِأنَّ عَطْفَ السُّرُرِ عَلى عَيْنٍ يَبْدُو نابِيًا عَنِ الذَّوْقِ لِعَدِّ الجامِعِ بَيْنَ عَيْنِ الماءِ والسُّرُرِ في الذِّهْنِ لَوْلا أنْ جَمَعَها الكَوْنُ في الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ ظَرْفُ فِيها تَصْرِيحًا بِأنَّ تِلْكَ الظَّرْفِيَّةَ هي الجامِعُ، ولِأنَّ بَيْنَ ظَرْفِيَّةِ العَيْنِ الجارِيَةِ في الجَنَّةِ وبَيْنَ ظَرْفِيَّةِ السُّرُرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن مَتاعِ القُصُورِ والأثاثِ تَفاوُتًا ولِذَلِكَ عُطِفَ وأكْوابٌ، ونَمارِقُ، وزَرابِيُّ، لِأنَّها مُتَماثِلَةٌ في أنَّها مِن مَتاعِ المَساكِنِ الفائِقَةِ. صفحة ٣٠٢ وهَذا وصْفٌ لِمَحاسِنِ الجَنَّةِ بِمَحاسِنِ أثاثِ قُصُورِها، فَضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ لِلْجَنَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ ما في قُصُورِها هو مَظْرُوفٌ فِيها بِواسِطَةٍ. وسُرُرٌ: جَمَعَ سَرِيرٍ، وهو ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ويُضْطَجَعُ فَيَسَعُ الإنْسانَ المُضْطَجِعَ. ويُتَّخَذُ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ لَهُ قَوائِمُ لِيَكُونَ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ. ولَمّا كانَ الِارْتِفاعُ عَنِ الأرْضِ مَأْخُوذًا في مَفْهُومِ السُّرُرِ كانَ وصْفُها بِـ مَرْفُوعَةٍ لِتَصْوِيرِ حُسْنِها. والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ، وهو إناءٌ لِلْخَمْرِ لَهُ ساقٌ ولا عُرْوَةَ لَهُ. ومَوْضُوعَةٌ، أيْ: لا تُرْفَعُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ كَما تُرْفَعُ آنِيَةُ الشَّرابِ في الدُّنْيا إذا بَلَغَ الشّارِبُونَ حَدَّ الِاسْتِطالَةِ مَن تَناوَلِ الخَمْرِ، كُنِّيَ بِـ مَوْضُوعَةٍ عَنْ عَدَمِ انْقِطاعِ لَذَّةِ الشَّرابِ طَعْمًا ونَشْوَةً، أيْ: مَوْضُوعَةٌ بِما فِيها مِن أشْرِبَةٍ. وبَيْنَ مَرْفُوعَةٍ ومَوْضُوعَةٍ إيهامُ الطِّباقِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ مَعْنى الرَّفْعِ ضِدَّ حَقِيقَةِ مَعْنى الوَضْعِ، ولا تَضادَّ بَيْنَ مَجازِ الأوَّلِ وحَقِيقَةِ الثّانِي ولَكِنَّهُ إيهامُ التَّضادِّ. والنَّمارِقُ: جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ مِيمٍ بَعْدَها راءٌ مَضْمُومَةٌ وهي الوِسادَةُ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْها الجالِسُ والمُضْطَجِعُ. ومَصْفُوفَةٌ: أيْ: جُعِلَ بَعْضُها قَرِيبًا مِن بَعْضٍ صَفًّا، أيْ: أيْنَما أرادَ الجالِسُ أنْ يَجْلِسَ وجَدَها. وزَرابِيُّ: جَمْعُ زَرْبِيَّةٍ بِفَتْحِ الزّايِ وسُكُونِ الرّاءِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي البِساطُ أوِ الطُّنْفُسَةُ (بِضَمِّ الطّاءِ) المَنسُوجُ مِنَ الصُّوفِ المُلَوَّنِ النّاعِمِ يُفْرَشُ في الأرْضِ لِلزِّينَةِ والجُلُوسِ عَلَيْهِ لِأهْلِ التَّرَفِ واليَسارِ. والزَّرْبِيَّةُ نِسْبَةٌ إلى (أذْرَبِيجانَ) بَلَدٍ مِن بِلادِ فارِسَ وبُخارى، فَأصْلُ زَرْبِيَّةٍ أذْرَبِيَّةٌ، حُذِفَتْ هَمْزَتُها لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الِاسْمِ لِعُجْمَتِهِ واتِّصالِ ياءِ النَّسَبِ بِهِ، وذالُها مُبْدَلَةٌ عَنِ الزّايِ في كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّ اسْمَ البَلَدِ في لِسانِ الفُرْسِ أزْرَبِيجانُ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها راءٌ مُهْمَلَةٌ ولَيْسَ في الكَلامِ الفارِسِيِّ حَرْفُ الذّالِ، وبَلَدُ (أذْرَبِيجانَ) مَشْهُورٌ بِنُعُومَةِ صُوفِ أغْنامِهِ. واشْتُهِرَ أيْضًا بِدِقَّةِ صُنْعِ البُسُطِ والطَّنافِسِ ورِقَّةِ خَمْلِها. صفحة ٣٠٣ والمَبْثُوثَةُ: المُنْتَشِرَةُ عَلى الأرْضِ بِكَثْرَةٍ وذَلِكَ يُفِيدُ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ. وقَدْ قُوبِلَتْ صِفاتُ وُجُوهِ أهْلِ النّارِ بِصِفاتِ وُجُوهِ أهْلِ الجَنَّةِ فَقُوبِلَتْ صِفاتُ (خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) بِصِفاتِ ناعِمَةٌ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وقُوبِلَ قَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] بِقَوْلِهِ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠] . وقُوبِلَ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بِقَوْلِهِ: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢]، وقُوبِلَ شَقاءُ عَيْشِ أهْلِ النّارِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] بِمَقاعِدِ أهْلِ الجَنَّةِ المُشْعِرَةِ بِتَرَفِ العَيْشِ مِن شَرابٍ ومَتاعٍ. وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم في الجَنَّةِ ما يَعْرِفُونَ مِنَ النَعِيمِ في الدُّنْيا وقَدْ عَلِمُوا أنَّ تَرَفَ الجَنَّةِ لا يَبْلُغُهُ الوَصْفُ بِالكَلامِ وجُمِعَ ذَلِكَ بِوَجْهِ الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ولَكِنَّ الأرْواحَ تَرْتاحُ بِمَأْلُوفاتِها فَتُعْطاها فَتَكُونُ نَعِيمَ أرْواحِ النّاسِ في كُلِّ عَصْرٍ ومِن كُلِّ مِصْرٍ في الدَّرَجَةِ القُصْوى مِمّا ألِفُوهُ ولا سِيَّما ما هو مَأْلُوفٌ لِجَمِيعِ أهْلِ الحَضارَةِ والتَّرَفِ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ في الدُّنْيا ثُمَّ يُزادُونَ مِنَ النَعِيمِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

الغاشية 88:17

﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ووَصْفُ حالِ أهْلِ الشَّقاءِ بِما وُصِفُوا بِهِ، وكانَ قَدْ تَقَرَّرُ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ أنَّ أهْلَ الشَّقاءِ هم أهْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ تَفْرِيعُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ؛ لِأنَّ فَظاعَةَ ذَلِكَ الوَعِيدِ تَجْعَلُ المَقامَ مَقامَ اسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي أصِلُ الِاهْتِداءِ إلى تَصْدِيقِ ما أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، وإلى الِاهْتِداءِ إلى أنَّ مُنْشِئَ النَّشْأةِ الأوْلى عَنْ عَدَمٍ بِما فِيها مِن عَظِيمِ المَوْجُوداتِ كالجِبالِ والسَّماءِ، لا يُسْتَبْعَدُ في جانِبِ قُدْرَتِهِ إعادَةُ إنْشاءِ الإنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ عَنْ عَدَمٍ، وهو دُونَ صفحة ٣٠٤ تِلْكَ المَوْجُوداتِ العَظِيمَةِ الأحْجامِ، فَكانَ إعْراضُهم عَنِ النَّظَرِ مَجْلَبَةً لِما يُجَشِّمُهم مِنَ الشَّقاوَةِ وما وقَعَ بَيْنَ هَذا التَّفْرِيعِ وبَيْنَ المُفَرَّعِ عَنْهُ مِن جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] كانَ في مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ كَما عَلِمْتَ. فَضَمِيرُ يَنْظُرُونَ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إنْكارًا عَلَيْهِمْ إهْمالَ النَّظَرِ في الحالِ إلى دَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ في بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ. والنَّظَرُ: نَظَرُ العَيْنِ المُفِيدِ الِاعْتِبارَ بِدَقائِقِ المَنظُورِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) تَنْبِيهٌ عَلى إمْعانِ النَّظَرِ لِيَشْعُرَ النّاظِرُ مِمّا في المَنظُورِ مِنَ الدَّقائِقِ، فَإنَّ قَوْلَهم نَظَرَ إلى كَذا أشَدُّ في تَوْجِيهِ النَّظَرِ مِن نَظَرَ كَذا، لِما في (إلى) مِن مَعْنى الِانْتِهاءِ حَتّى كَأنَّ النَّظَرَ انْتَهى عِنْدَ المَجْرُورِ بِـ (إلى) انْتِهاءَ تَمَكُّنٍ واسْتِقْرارٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] . ولِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى إنْكارِ هَذا الإهْمالِ قُيِّدَ فِعْلُ يَنْظُرُونَ بِالكَيْفِيّاتِ المَعْدُودَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا إلى دَقائِقِ هَيْئاتِ خَلْقِها. وجُمْلَةُ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو فِعْلُ يَنْظُرُونَ لا حَرْفُ الجَرِّ، فَإنَّ حَرْفَ الجَرِّ آلَةٌ لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ فالفِعْلُ إنِ احْتاجَ إلى حَرْفِ الجَرِّ في التَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في العَمَلِ في البَدَلِ، وشَتّانَ بَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ المَتْبُوعِ وما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ التّابِعِ فَكُلٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَعْناهُ ومَوْقِعُهُ، فَكَيْفَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ بِالفِعْلِ الَّذِي يَلِيهِ. والمَعْنى والتَّقْدِيرُ: أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ هَيْئَةَ خَلْقِها. وقَدْ عُدَّتْ أشْياءُ أرْبَعَةٌ هي مِنَ النّاظِرِينَ، عَنْ كَثَبٍ لا تَغِيبُ عَنْ أنْظارِهِمْ، وعُطِفَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَكانَ اشْتِراكُها في مَرْآهم جِهَةً جامِعَةً بَيْنَها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهَذا الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، فالَّذِي حَسَّنَ اقْتِرانَ الإبِلِ مَعَ صفحة ٣٠٥ السَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ في الذِّكْرِ هُنا، هو أنَّها تَنْتَظِمُ في نَظَرِ جُمْهُورِ العَرَبِ مِن أهْلِ تِهامَةَ والحِجازِ ونَجِدٍ وأمْثالِها مِن بِلادِ أهْلِ الوَبَرِ والِانْتِجاعِ. فالإبِلُ أمْوالُهم ورَواحِلُهم، ومِنها عَيْشُهم ولِباسُهم ونَسْجُ بُيُوتِهِمْ وهي حَمّالَةُ أثْقالِهِمْ، وقَدْ خَلَقَها اللَّهُ خَلْقًا عَجِيبًا بِقُوَّةِ قَوائِمِها ويُسْرِ بَرُوكِها لِتَيْسِيرَ حَمْلِ الأمْتِعَةِ عَلَيْها، وجَعَلَ أعْناقَها طَوِيلَةً قَوِيَّةً لِيُمْكِنَها النُّهُوضُ بِما عَلَيْها مِنَ الأثْقالِ بَعْدَ تَحْمِيلِها أوْ بَعْدَ اسْتِراحَتِها في المَنازِلِ والمَبارَكِ، وجَعَلَ في بُطُونِها أمْعاءً تَخْتَزِنُ الطَّعامَ والماءَ بِحَيْثُ تَصْبِرُ عَلى العَطَشِ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ في السَّيْرِ في المَفاوِزِ مِمّا يَهْلِكُ فِيما دُونَهُ غَيْرُها مِنَ الحَيَوانِ. وكَمْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الرَّواحِلِ وصِفاتِها وحَمْدِها في شِعْرِ العَرَبِ ولا تَكادُ تَخْلُو قَصِيدَةٌ مِن طُوالِها عَنْ وصْفِ الرَّواحِلِ ومَزاياها. وناهِيكَ بِما في المُعَلَّقاتِ وما في قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ. والإبِلُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْبُعْرانِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ فَسَّرَ الإبِلَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالأسْحِبَةِ وتَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ الإبِلَ مِن أسْماءِ السَّحابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ، أيْ: هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلَّ بَكَرَةِ حُرَّةٍ فَتَرْكَنُ كُلُّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ ونُقِلَ بِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في عَظِيمِ خَلْقِ السَّماءِ إذْ هم يَنْظُرُونَها نَهارَهم ولَيْلَهم في إقامَتِهِمْ وظَعْنِهِمْ، يَرْقُبُونَ أنْواءَ المَطَرِ ويَشِيمُونَ لَمْعَ البُرُوقِ، فَقَدْ عُرِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ (عَلى تَرَدُّدٍ لِشُرّاحِ الحَماسَةِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ بَنُو ماءِ السَّماءِ): ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا ∗∗∗ نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرُ وفِي كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ هاجَرَ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ في آخِرِها: ”إنَّها لَأُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ“ ويَتَعَرَّفُونَ مِنَ النُّجُومِ ومَنازِلِ الشَّمْسِ أوْقاتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووِجْهَةَ السَّيْرِ. صفحة ٣٠٦ وأتْبَعَ ذِكْرَ السَّماءِ بِذِكْرِ الجِبالِ وكانَتِ الجِبالُ مَنازِلَ لِكَثِيرٍ مِنهم مِثْلَ جَبَلَيْ أجَأٍ وسَلْمى لِطَيٍّ. ويَنْزِلُونَ سُفُوحَها لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الِاعْتِصامِ بِها عِنْدَ الخَوْفِ ويَتَّخِذُونَ فِيها مَراقِبَ لِلْحِراسَةِ. والنَّصْبُ: الرَّفْعُ أيْ: كَيْفَ رُفِعَتْ وهي مَعَ ارْتِفاعِها ثابِتَةٌ راسِخَةٌ لا تَمِيلُ. ثُمَّ نَزَلَ بِأنْظارِهِمْ إلى الأرْضِ وهي تَحْتَ أقْدامِهِمْ وهي مَرْعاهم ومُفْتَرَشُهم، وقَدْ سَطَحَها اللَّهُ، أيْ: خَلَقَها مُمَهَّدَةً لِلْمَشْيِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ. ومَعْنى سُطِحَتْ: يُقالُ سَطَحَ الشَّيْءَ إذا سَوّاهُ ومِنهُ سَطْحُ الدّارِ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ كُلِّ قَوْمٍ لا مَجْمُوعَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ. وبُنِيَتِ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ إلى المَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفاعِلِ ذَلِكَ.

الغاشية 88:18

﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ووَصْفُ حالِ أهْلِ الشَّقاءِ بِما وُصِفُوا بِهِ، وكانَ قَدْ تَقَرَّرُ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ أنَّ أهْلَ الشَّقاءِ هم أهْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ تَفْرِيعُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ؛ لِأنَّ فَظاعَةَ ذَلِكَ الوَعِيدِ تَجْعَلُ المَقامَ مَقامَ اسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي أصِلُ الِاهْتِداءِ إلى تَصْدِيقِ ما أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، وإلى الِاهْتِداءِ إلى أنَّ مُنْشِئَ النَّشْأةِ الأوْلى عَنْ عَدَمٍ بِما فِيها مِن عَظِيمِ المَوْجُوداتِ كالجِبالِ والسَّماءِ، لا يُسْتَبْعَدُ في جانِبِ قُدْرَتِهِ إعادَةُ إنْشاءِ الإنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ عَنْ عَدَمٍ، وهو دُونَ صفحة ٣٠٤ تِلْكَ المَوْجُوداتِ العَظِيمَةِ الأحْجامِ، فَكانَ إعْراضُهم عَنِ النَّظَرِ مَجْلَبَةً لِما يُجَشِّمُهم مِنَ الشَّقاوَةِ وما وقَعَ بَيْنَ هَذا التَّفْرِيعِ وبَيْنَ المُفَرَّعِ عَنْهُ مِن جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] كانَ في مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ كَما عَلِمْتَ. فَضَمِيرُ يَنْظُرُونَ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إنْكارًا عَلَيْهِمْ إهْمالَ النَّظَرِ في الحالِ إلى دَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ في بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ. والنَّظَرُ: نَظَرُ العَيْنِ المُفِيدِ الِاعْتِبارَ بِدَقائِقِ المَنظُورِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) تَنْبِيهٌ عَلى إمْعانِ النَّظَرِ لِيَشْعُرَ النّاظِرُ مِمّا في المَنظُورِ مِنَ الدَّقائِقِ، فَإنَّ قَوْلَهم نَظَرَ إلى كَذا أشَدُّ في تَوْجِيهِ النَّظَرِ مِن نَظَرَ كَذا، لِما في (إلى) مِن مَعْنى الِانْتِهاءِ حَتّى كَأنَّ النَّظَرَ انْتَهى عِنْدَ المَجْرُورِ بِـ (إلى) انْتِهاءَ تَمَكُّنٍ واسْتِقْرارٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] . ولِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى إنْكارِ هَذا الإهْمالِ قُيِّدَ فِعْلُ يَنْظُرُونَ بِالكَيْفِيّاتِ المَعْدُودَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا إلى دَقائِقِ هَيْئاتِ خَلْقِها. وجُمْلَةُ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو فِعْلُ يَنْظُرُونَ لا حَرْفُ الجَرِّ، فَإنَّ حَرْفَ الجَرِّ آلَةٌ لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ فالفِعْلُ إنِ احْتاجَ إلى حَرْفِ الجَرِّ في التَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في العَمَلِ في البَدَلِ، وشَتّانَ بَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ المَتْبُوعِ وما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ التّابِعِ فَكُلٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَعْناهُ ومَوْقِعُهُ، فَكَيْفَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ بِالفِعْلِ الَّذِي يَلِيهِ. والمَعْنى والتَّقْدِيرُ: أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ هَيْئَةَ خَلْقِها. وقَدْ عُدَّتْ أشْياءُ أرْبَعَةٌ هي مِنَ النّاظِرِينَ، عَنْ كَثَبٍ لا تَغِيبُ عَنْ أنْظارِهِمْ، وعُطِفَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَكانَ اشْتِراكُها في مَرْآهم جِهَةً جامِعَةً بَيْنَها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهَذا الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، فالَّذِي حَسَّنَ اقْتِرانَ الإبِلِ مَعَ صفحة ٣٠٥ السَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ في الذِّكْرِ هُنا، هو أنَّها تَنْتَظِمُ في نَظَرِ جُمْهُورِ العَرَبِ مِن أهْلِ تِهامَةَ والحِجازِ ونَجِدٍ وأمْثالِها مِن بِلادِ أهْلِ الوَبَرِ والِانْتِجاعِ. فالإبِلُ أمْوالُهم ورَواحِلُهم، ومِنها عَيْشُهم ولِباسُهم ونَسْجُ بُيُوتِهِمْ وهي حَمّالَةُ أثْقالِهِمْ، وقَدْ خَلَقَها اللَّهُ خَلْقًا عَجِيبًا بِقُوَّةِ قَوائِمِها ويُسْرِ بَرُوكِها لِتَيْسِيرَ حَمْلِ الأمْتِعَةِ عَلَيْها، وجَعَلَ أعْناقَها طَوِيلَةً قَوِيَّةً لِيُمْكِنَها النُّهُوضُ بِما عَلَيْها مِنَ الأثْقالِ بَعْدَ تَحْمِيلِها أوْ بَعْدَ اسْتِراحَتِها في المَنازِلِ والمَبارَكِ، وجَعَلَ في بُطُونِها أمْعاءً تَخْتَزِنُ الطَّعامَ والماءَ بِحَيْثُ تَصْبِرُ عَلى العَطَشِ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ في السَّيْرِ في المَفاوِزِ مِمّا يَهْلِكُ فِيما دُونَهُ غَيْرُها مِنَ الحَيَوانِ. وكَمْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الرَّواحِلِ وصِفاتِها وحَمْدِها في شِعْرِ العَرَبِ ولا تَكادُ تَخْلُو قَصِيدَةٌ مِن طُوالِها عَنْ وصْفِ الرَّواحِلِ ومَزاياها. وناهِيكَ بِما في المُعَلَّقاتِ وما في قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ. والإبِلُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْبُعْرانِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ فَسَّرَ الإبِلَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالأسْحِبَةِ وتَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ الإبِلَ مِن أسْماءِ السَّحابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ، أيْ: هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلَّ بَكَرَةِ حُرَّةٍ فَتَرْكَنُ كُلُّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ ونُقِلَ بِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في عَظِيمِ خَلْقِ السَّماءِ إذْ هم يَنْظُرُونَها نَهارَهم ولَيْلَهم في إقامَتِهِمْ وظَعْنِهِمْ، يَرْقُبُونَ أنْواءَ المَطَرِ ويَشِيمُونَ لَمْعَ البُرُوقِ، فَقَدْ عُرِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ (عَلى تَرَدُّدٍ لِشُرّاحِ الحَماسَةِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ بَنُو ماءِ السَّماءِ): ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا ∗∗∗ نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرُ وفِي كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ هاجَرَ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ في آخِرِها: ”إنَّها لَأُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ“ ويَتَعَرَّفُونَ مِنَ النُّجُومِ ومَنازِلِ الشَّمْسِ أوْقاتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووِجْهَةَ السَّيْرِ. صفحة ٣٠٦ وأتْبَعَ ذِكْرَ السَّماءِ بِذِكْرِ الجِبالِ وكانَتِ الجِبالُ مَنازِلَ لِكَثِيرٍ مِنهم مِثْلَ جَبَلَيْ أجَأٍ وسَلْمى لِطَيٍّ. ويَنْزِلُونَ سُفُوحَها لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الِاعْتِصامِ بِها عِنْدَ الخَوْفِ ويَتَّخِذُونَ فِيها مَراقِبَ لِلْحِراسَةِ. والنَّصْبُ: الرَّفْعُ أيْ: كَيْفَ رُفِعَتْ وهي مَعَ ارْتِفاعِها ثابِتَةٌ راسِخَةٌ لا تَمِيلُ. ثُمَّ نَزَلَ بِأنْظارِهِمْ إلى الأرْضِ وهي تَحْتَ أقْدامِهِمْ وهي مَرْعاهم ومُفْتَرَشُهم، وقَدْ سَطَحَها اللَّهُ، أيْ: خَلَقَها مُمَهَّدَةً لِلْمَشْيِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ. ومَعْنى سُطِحَتْ: يُقالُ سَطَحَ الشَّيْءَ إذا سَوّاهُ ومِنهُ سَطْحُ الدّارِ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ كُلِّ قَوْمٍ لا مَجْمُوعَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ. وبُنِيَتِ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ إلى المَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفاعِلِ ذَلِكَ.

الغاشية 88:19

﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ووَصْفُ حالِ أهْلِ الشَّقاءِ بِما وُصِفُوا بِهِ، وكانَ قَدْ تَقَرَّرُ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ أنَّ أهْلَ الشَّقاءِ هم أهْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ تَفْرِيعُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ؛ لِأنَّ فَظاعَةَ ذَلِكَ الوَعِيدِ تَجْعَلُ المَقامَ مَقامَ اسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي أصِلُ الِاهْتِداءِ إلى تَصْدِيقِ ما أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، وإلى الِاهْتِداءِ إلى أنَّ مُنْشِئَ النَّشْأةِ الأوْلى عَنْ عَدَمٍ بِما فِيها مِن عَظِيمِ المَوْجُوداتِ كالجِبالِ والسَّماءِ، لا يُسْتَبْعَدُ في جانِبِ قُدْرَتِهِ إعادَةُ إنْشاءِ الإنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ عَنْ عَدَمٍ، وهو دُونَ صفحة ٣٠٤ تِلْكَ المَوْجُوداتِ العَظِيمَةِ الأحْجامِ، فَكانَ إعْراضُهم عَنِ النَّظَرِ مَجْلَبَةً لِما يُجَشِّمُهم مِنَ الشَّقاوَةِ وما وقَعَ بَيْنَ هَذا التَّفْرِيعِ وبَيْنَ المُفَرَّعِ عَنْهُ مِن جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] كانَ في مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ كَما عَلِمْتَ. فَضَمِيرُ يَنْظُرُونَ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إنْكارًا عَلَيْهِمْ إهْمالَ النَّظَرِ في الحالِ إلى دَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ في بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ. والنَّظَرُ: نَظَرُ العَيْنِ المُفِيدِ الِاعْتِبارَ بِدَقائِقِ المَنظُورِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) تَنْبِيهٌ عَلى إمْعانِ النَّظَرِ لِيَشْعُرَ النّاظِرُ مِمّا في المَنظُورِ مِنَ الدَّقائِقِ، فَإنَّ قَوْلَهم نَظَرَ إلى كَذا أشَدُّ في تَوْجِيهِ النَّظَرِ مِن نَظَرَ كَذا، لِما في (إلى) مِن مَعْنى الِانْتِهاءِ حَتّى كَأنَّ النَّظَرَ انْتَهى عِنْدَ المَجْرُورِ بِـ (إلى) انْتِهاءَ تَمَكُّنٍ واسْتِقْرارٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] . ولِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى إنْكارِ هَذا الإهْمالِ قُيِّدَ فِعْلُ يَنْظُرُونَ بِالكَيْفِيّاتِ المَعْدُودَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا إلى دَقائِقِ هَيْئاتِ خَلْقِها. وجُمْلَةُ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو فِعْلُ يَنْظُرُونَ لا حَرْفُ الجَرِّ، فَإنَّ حَرْفَ الجَرِّ آلَةٌ لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ فالفِعْلُ إنِ احْتاجَ إلى حَرْفِ الجَرِّ في التَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في العَمَلِ في البَدَلِ، وشَتّانَ بَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ المَتْبُوعِ وما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ التّابِعِ فَكُلٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَعْناهُ ومَوْقِعُهُ، فَكَيْفَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ بِالفِعْلِ الَّذِي يَلِيهِ. والمَعْنى والتَّقْدِيرُ: أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ هَيْئَةَ خَلْقِها. وقَدْ عُدَّتْ أشْياءُ أرْبَعَةٌ هي مِنَ النّاظِرِينَ، عَنْ كَثَبٍ لا تَغِيبُ عَنْ أنْظارِهِمْ، وعُطِفَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَكانَ اشْتِراكُها في مَرْآهم جِهَةً جامِعَةً بَيْنَها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهَذا الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، فالَّذِي حَسَّنَ اقْتِرانَ الإبِلِ مَعَ صفحة ٣٠٥ السَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ في الذِّكْرِ هُنا، هو أنَّها تَنْتَظِمُ في نَظَرِ جُمْهُورِ العَرَبِ مِن أهْلِ تِهامَةَ والحِجازِ ونَجِدٍ وأمْثالِها مِن بِلادِ أهْلِ الوَبَرِ والِانْتِجاعِ. فالإبِلُ أمْوالُهم ورَواحِلُهم، ومِنها عَيْشُهم ولِباسُهم ونَسْجُ بُيُوتِهِمْ وهي حَمّالَةُ أثْقالِهِمْ، وقَدْ خَلَقَها اللَّهُ خَلْقًا عَجِيبًا بِقُوَّةِ قَوائِمِها ويُسْرِ بَرُوكِها لِتَيْسِيرَ حَمْلِ الأمْتِعَةِ عَلَيْها، وجَعَلَ أعْناقَها طَوِيلَةً قَوِيَّةً لِيُمْكِنَها النُّهُوضُ بِما عَلَيْها مِنَ الأثْقالِ بَعْدَ تَحْمِيلِها أوْ بَعْدَ اسْتِراحَتِها في المَنازِلِ والمَبارَكِ، وجَعَلَ في بُطُونِها أمْعاءً تَخْتَزِنُ الطَّعامَ والماءَ بِحَيْثُ تَصْبِرُ عَلى العَطَشِ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ في السَّيْرِ في المَفاوِزِ مِمّا يَهْلِكُ فِيما دُونَهُ غَيْرُها مِنَ الحَيَوانِ. وكَمْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الرَّواحِلِ وصِفاتِها وحَمْدِها في شِعْرِ العَرَبِ ولا تَكادُ تَخْلُو قَصِيدَةٌ مِن طُوالِها عَنْ وصْفِ الرَّواحِلِ ومَزاياها. وناهِيكَ بِما في المُعَلَّقاتِ وما في قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ. والإبِلُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْبُعْرانِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ فَسَّرَ الإبِلَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالأسْحِبَةِ وتَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ الإبِلَ مِن أسْماءِ السَّحابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ، أيْ: هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلَّ بَكَرَةِ حُرَّةٍ فَتَرْكَنُ كُلُّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ ونُقِلَ بِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في عَظِيمِ خَلْقِ السَّماءِ إذْ هم يَنْظُرُونَها نَهارَهم ولَيْلَهم في إقامَتِهِمْ وظَعْنِهِمْ، يَرْقُبُونَ أنْواءَ المَطَرِ ويَشِيمُونَ لَمْعَ البُرُوقِ، فَقَدْ عُرِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ (عَلى تَرَدُّدٍ لِشُرّاحِ الحَماسَةِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ بَنُو ماءِ السَّماءِ): ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا ∗∗∗ نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرُ وفِي كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ هاجَرَ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ في آخِرِها: ”إنَّها لَأُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ“ ويَتَعَرَّفُونَ مِنَ النُّجُومِ ومَنازِلِ الشَّمْسِ أوْقاتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووِجْهَةَ السَّيْرِ. صفحة ٣٠٦ وأتْبَعَ ذِكْرَ السَّماءِ بِذِكْرِ الجِبالِ وكانَتِ الجِبالُ مَنازِلَ لِكَثِيرٍ مِنهم مِثْلَ جَبَلَيْ أجَأٍ وسَلْمى لِطَيٍّ. ويَنْزِلُونَ سُفُوحَها لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الِاعْتِصامِ بِها عِنْدَ الخَوْفِ ويَتَّخِذُونَ فِيها مَراقِبَ لِلْحِراسَةِ. والنَّصْبُ: الرَّفْعُ أيْ: كَيْفَ رُفِعَتْ وهي مَعَ ارْتِفاعِها ثابِتَةٌ راسِخَةٌ لا تَمِيلُ. ثُمَّ نَزَلَ بِأنْظارِهِمْ إلى الأرْضِ وهي تَحْتَ أقْدامِهِمْ وهي مَرْعاهم ومُفْتَرَشُهم، وقَدْ سَطَحَها اللَّهُ، أيْ: خَلَقَها مُمَهَّدَةً لِلْمَشْيِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ. ومَعْنى سُطِحَتْ: يُقالُ سَطَحَ الشَّيْءَ إذا سَوّاهُ ومِنهُ سَطْحُ الدّارِ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ كُلِّ قَوْمٍ لا مَجْمُوعَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ. وبُنِيَتِ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ إلى المَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفاعِلِ ذَلِكَ.

الغاشية 88:20

﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ووَصْفُ حالِ أهْلِ الشَّقاءِ بِما وُصِفُوا بِهِ، وكانَ قَدْ تَقَرَّرُ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ أنَّ أهْلَ الشَّقاءِ هم أهْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ تَفْرِيعُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ؛ لِأنَّ فَظاعَةَ ذَلِكَ الوَعِيدِ تَجْعَلُ المَقامَ مَقامَ اسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِوُجُوبِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي أصِلُ الِاهْتِداءِ إلى تَصْدِيقِ ما أخْبَرَهم بِهِ القُرْآنُ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، وإلى الِاهْتِداءِ إلى أنَّ مُنْشِئَ النَّشْأةِ الأوْلى عَنْ عَدَمٍ بِما فِيها مِن عَظِيمِ المَوْجُوداتِ كالجِبالِ والسَّماءِ، لا يُسْتَبْعَدُ في جانِبِ قُدْرَتِهِ إعادَةُ إنْشاءِ الإنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ عَنْ عَدَمٍ، وهو دُونَ صفحة ٣٠٤ تِلْكَ المَوْجُوداتِ العَظِيمَةِ الأحْجامِ، فَكانَ إعْراضُهم عَنِ النَّظَرِ مَجْلَبَةً لِما يُجَشِّمُهم مِنَ الشَّقاوَةِ وما وقَعَ بَيْنَ هَذا التَّفْرِيعِ وبَيْنَ المُفَرَّعِ عَنْهُ مِن جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] كانَ في مَوْقِعِ الِاعْتِراضِ كَما عَلِمْتَ. فَضَمِيرُ يَنْظُرُونَ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إنْكارًا عَلَيْهِمْ إهْمالَ النَّظَرِ في الحالِ إلى دَقائِقِ صُنْعِ اللَّهِ في بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ. والنَّظَرُ: نَظَرُ العَيْنِ المُفِيدِ الِاعْتِبارَ بِدَقائِقِ المَنظُورِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (إلى) تَنْبِيهٌ عَلى إمْعانِ النَّظَرِ لِيَشْعُرَ النّاظِرُ مِمّا في المَنظُورِ مِنَ الدَّقائِقِ، فَإنَّ قَوْلَهم نَظَرَ إلى كَذا أشَدُّ في تَوْجِيهِ النَّظَرِ مِن نَظَرَ كَذا، لِما في (إلى) مِن مَعْنى الِانْتِهاءِ حَتّى كَأنَّ النَّظَرَ انْتَهى عِنْدَ المَجْرُورِ بِـ (إلى) انْتِهاءَ تَمَكُّنٍ واسْتِقْرارٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] . ولِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى إنْكارِ هَذا الإهْمالِ قُيِّدَ فِعْلُ يَنْظُرُونَ بِالكَيْفِيّاتِ المَعْدُودَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾، ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيْ: لَمْ يَنْظُرُوا إلى دَقائِقِ هَيْئاتِ خَلْقِها. وجُمْلَةُ ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ وهو فِعْلُ يَنْظُرُونَ لا حَرْفُ الجَرِّ، فَإنَّ حَرْفَ الجَرِّ آلَةٌ لِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ فالفِعْلُ إنِ احْتاجَ إلى حَرْفِ الجَرِّ في التَّعْدِيَةِ إلى المَفْعُولِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في العَمَلِ في البَدَلِ، وشَتّانَ بَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ المَتْبُوعِ وما يَقْتَضِيهِ إعْمالُ التّابِعِ فَكُلٌّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مَعْناهُ ومَوْقِعُهُ، فَكَيْفَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ بِالفِعْلِ الَّذِي يَلِيهِ. والمَعْنى والتَّقْدِيرُ: أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ هَيْئَةَ خَلْقِها. وقَدْ عُدَّتْ أشْياءُ أرْبَعَةٌ هي مِنَ النّاظِرِينَ، عَنْ كَثَبٍ لا تَغِيبُ عَنْ أنْظارِهِمْ، وعُطِفَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، فَكانَ اشْتِراكُها في مَرْآهم جِهَةً جامِعَةً بَيْنَها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهَذا الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، فالَّذِي حَسَّنَ اقْتِرانَ الإبِلِ مَعَ صفحة ٣٠٥ السَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ في الذِّكْرِ هُنا، هو أنَّها تَنْتَظِمُ في نَظَرِ جُمْهُورِ العَرَبِ مِن أهْلِ تِهامَةَ والحِجازِ ونَجِدٍ وأمْثالِها مِن بِلادِ أهْلِ الوَبَرِ والِانْتِجاعِ. فالإبِلُ أمْوالُهم ورَواحِلُهم، ومِنها عَيْشُهم ولِباسُهم ونَسْجُ بُيُوتِهِمْ وهي حَمّالَةُ أثْقالِهِمْ، وقَدْ خَلَقَها اللَّهُ خَلْقًا عَجِيبًا بِقُوَّةِ قَوائِمِها ويُسْرِ بَرُوكِها لِتَيْسِيرَ حَمْلِ الأمْتِعَةِ عَلَيْها، وجَعَلَ أعْناقَها طَوِيلَةً قَوِيَّةً لِيُمْكِنَها النُّهُوضُ بِما عَلَيْها مِنَ الأثْقالِ بَعْدَ تَحْمِيلِها أوْ بَعْدَ اسْتِراحَتِها في المَنازِلِ والمَبارَكِ، وجَعَلَ في بُطُونِها أمْعاءً تَخْتَزِنُ الطَّعامَ والماءَ بِحَيْثُ تَصْبِرُ عَلى العَطَشِ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ في السَّيْرِ في المَفاوِزِ مِمّا يَهْلِكُ فِيما دُونَهُ غَيْرُها مِنَ الحَيَوانِ. وكَمْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الرَّواحِلِ وصِفاتِها وحَمْدِها في شِعْرِ العَرَبِ ولا تَكادُ تَخْلُو قَصِيدَةٌ مِن طُوالِها عَنْ وصْفِ الرَّواحِلِ ومَزاياها. وناهِيكَ بِما في المُعَلَّقاتِ وما في قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ. والإبِلُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْبُعْرانِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ [الأنعام: ١٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. وعَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ فَسَّرَ الإبِلَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالأسْحِبَةِ وتَأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ أنَّ الإبِلَ مِن أسْماءِ السَّحابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ، أيْ: هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ: جادَتْ عَلَيْهِ كُلَّ بَكَرَةِ حُرَّةٍ فَتَرْكَنُ كُلُّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ ونُقِلَ بِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في عَظِيمِ خَلْقِ السَّماءِ إذْ هم يَنْظُرُونَها نَهارَهم ولَيْلَهم في إقامَتِهِمْ وظَعْنِهِمْ، يَرْقُبُونَ أنْواءَ المَطَرِ ويَشِيمُونَ لَمْعَ البُرُوقِ، فَقَدْ عُرِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ (عَلى تَرَدُّدٍ لِشُرّاحِ الحَماسَةِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ بَنُو ماءِ السَّماءِ): ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا ∗∗∗ نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرُ وفِي كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ هاجَرَ، فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ في آخِرِها: ”إنَّها لَأُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ“ ويَتَعَرَّفُونَ مِنَ النُّجُومِ ومَنازِلِ الشَّمْسِ أوْقاتَ اللَّيْلِ والنَّهارِ ووِجْهَةَ السَّيْرِ. صفحة ٣٠٦ وأتْبَعَ ذِكْرَ السَّماءِ بِذِكْرِ الجِبالِ وكانَتِ الجِبالُ مَنازِلَ لِكَثِيرٍ مِنهم مِثْلَ جَبَلَيْ أجَأٍ وسَلْمى لِطَيٍّ. ويَنْزِلُونَ سُفُوحَها لِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الِاعْتِصامِ بِها عِنْدَ الخَوْفِ ويَتَّخِذُونَ فِيها مَراقِبَ لِلْحِراسَةِ. والنَّصْبُ: الرَّفْعُ أيْ: كَيْفَ رُفِعَتْ وهي مَعَ ارْتِفاعِها ثابِتَةٌ راسِخَةٌ لا تَمِيلُ. ثُمَّ نَزَلَ بِأنْظارِهِمْ إلى الأرْضِ وهي تَحْتَ أقْدامِهِمْ وهي مَرْعاهم ومُفْتَرَشُهم، وقَدْ سَطَحَها اللَّهُ، أيْ: خَلَقَها مُمَهَّدَةً لِلْمَشْيِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ. ومَعْنى سُطِحَتْ: يُقالُ سَطَحَ الشَّيْءَ إذا سَوّاهُ ومِنهُ سَطْحُ الدّارِ. والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ كُلِّ قَوْمٍ لا مَجْمُوعَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ. وبُنِيَتِ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ إلى المَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِفاعِلِ ذَلِكَ.

الغاشية 88:21

﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ . الفاءُ فَصِيحَةُ تَفْرِيعٍ عَلى مُحَصَّلِ ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ الَّذِي هو التَّذْكِيرُ بِالغاشِيَةِ وما اتَّصَلَ بِهِ مِن ذِكْرِ إعْراضِهِمْ وإنْذارِهِمْ، رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالدَّوامِ عَلى تَذْكِيرِهِمْ، وأنَّهُ لا يُؤَيِّسُهُ إصْرارُهم عَلى الإعْراضِ وعَدَمُ ادِّكارِهِمْ بِما ألْقى إلَيْهِمْ مِنَ المَواعِظِ، وتَثْبِيتُهُ بِأنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ إصْغائِهِمْ إذْ لَمْ يُبْعَثْ مُلْجِئًا لَهم عَلى الإيمانِ. فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ. ومَفْعُولُ ذَكِّرْ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّذْكِيرِ مَعَ عَدَمِ إصْغائِهِمْ؛ لِأنَّ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن إنَّ وما وشَأْنُ إنَّ إذا ورَدَتْ بَعْدَ جُمْلَةٍ أنْ تُفِيدَ التَّعْلِيلَ وتُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ، واتِّصالُ ما الكافَّةِ بِها لا يُخْرِجُها عَنْ مَهْيَعِها. والقَصْرُ المُسْتَفادُ بِـ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ وكِيلًا عَلى صفحة ٣٠٧ تَحْصِيلِ تَذَكُّرِهِمْ فَلا تَتَحَرَّجْ مِن عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، فَأنْتَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِهِمْ، وهَذا تَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ بِاعْتِبارِ جانِبِ النَّفْيِ الَّذِي يُفِيدُهُ القَصْرُ. والمُصَيْطِرُ: المُجْبِرُ المُكْرِهُ. يُقالُ: صَيْطَرَ بِصادٍّ في أوَّلِهِ، ويُقالُ: سَيْطَرَ بِسِينٍ في أوَّلِهِ والأشْهَرُ بِالصّادِّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] وقَرَأ بِها الجُمْهُورُ وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالسِّينِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِإشْمامِ الصّادِ صَوْتَ الزّايِ. ونَفْيُ كَوْنِهِ مُصَيْطِرًا عَلَيْهِمْ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الإخْبارِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِإكْراهِهِمْ عَلى الإيمانِ، فالخَبَرُ بِهَذا النَّفْيِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّطْمِينِ بِرَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْهُ مِن جَرّاءَ اسْتِمْرارِ أكْثَرِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَلا نَسْخَ لِحَكَمِ هَذِهِ الآيَةِ بِآياتِ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ. ثُمَّ جاءَ وُجُوبُ القِتالِ بِتَسَلْسُلِ حَوادِثَ كانَ المُشْرِكُونَ هُمُ البادِئِينَ فِيها بِالعُدْوانِ عَلى المُسْلِمِينَ، إذْ أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ، فَشَرَعَ قِتالَ المُشْرِكِينَ لِخَضْدِ شَوْكَتِهِمْ وتَأْمِينِ المُسْلِمِينَ مِن طُغْيانِهِمْ. ومِنَ الجَهَلَةِ مَن يَضَعُ قَوْلَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ويَحِيدُ بِهِ عَنْ مَهْيَعِهِ فَيُرِيدُ أنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً عَلى حُرِّيَّةِ التَّدَيُّنِ بَيْنَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ، وشَتّانَ بَيْنَ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ وأحْوالِ جامِعَةِ المُسْلِمِينَ، فَمَن يُلْحِدُ في الإسْلامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُسْتَتابُ ثَلاثًا فَإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَعَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَنْبِذُوهُ مِن جامِعَتِهِمْ ويُعامِلُوهُ مُعامَلَةَ المُحارَبِ، وكَذَلِكَ مَن جاءَ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ يَقْتَضِي نَبْذَ الإسْلامِ أوْ إنْكارَ ما هو مِن أُصُولِ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ أنْ يُوقَفَ عَلى مَآلِ قَوْلِهِ أوْ عَمَلِهِ فَيَلْتَزِمُهُ ولا يَتَأوَّلُهُ بِتَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ ويَأْبى الِانْكِفافَ. وتَقْدِيمُ عَلَيْهِمْ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو مُسَيْطِرٌ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] صفحة ٣٠٨ والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ الِاحْتِراسُ مِن تَوَهُّمِهِمْ أنَّهم أصْبَحُوا آمَنِينَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ. فَحَرْفُ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ. والمَعْنى: لَكِنَّ مَن تَوَلّى عَنِ التَّذَكُّرِ ودامَ عَلى كُفْرِهِ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الشَّدِيدَ. ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ وهو فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ إذْ كانَ الكَلامُ اسْتِدْراكًا وكانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا، فَأشْبَهَ بِمَوْقِعِهِ وبِعُمُومِهِ الشُّرُوطَ فَأُدْخِلَتِ الفاءُ في جَوابِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] . والأكْبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلْقَوِيِّ المُتَجاوِزِ حَدَّ أنْواعِهِ.

الغاشية 88:22

﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ . الفاءُ فَصِيحَةُ تَفْرِيعٍ عَلى مُحَصَّلِ ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ الَّذِي هو التَّذْكِيرُ بِالغاشِيَةِ وما اتَّصَلَ بِهِ مِن ذِكْرِ إعْراضِهِمْ وإنْذارِهِمْ، رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالدَّوامِ عَلى تَذْكِيرِهِمْ، وأنَّهُ لا يُؤَيِّسُهُ إصْرارُهم عَلى الإعْراضِ وعَدَمُ ادِّكارِهِمْ بِما ألْقى إلَيْهِمْ مِنَ المَواعِظِ، وتَثْبِيتُهُ بِأنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ إصْغائِهِمْ إذْ لَمْ يُبْعَثْ مُلْجِئًا لَهم عَلى الإيمانِ. فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ. ومَفْعُولُ ذَكِّرْ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّذْكِيرِ مَعَ عَدَمِ إصْغائِهِمْ؛ لِأنَّ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن إنَّ وما وشَأْنُ إنَّ إذا ورَدَتْ بَعْدَ جُمْلَةٍ أنْ تُفِيدَ التَّعْلِيلَ وتُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ، واتِّصالُ ما الكافَّةِ بِها لا يُخْرِجُها عَنْ مَهْيَعِها. والقَصْرُ المُسْتَفادُ بِـ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ وكِيلًا عَلى صفحة ٣٠٧ تَحْصِيلِ تَذَكُّرِهِمْ فَلا تَتَحَرَّجْ مِن عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، فَأنْتَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِهِمْ، وهَذا تَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ بِاعْتِبارِ جانِبِ النَّفْيِ الَّذِي يُفِيدُهُ القَصْرُ. والمُصَيْطِرُ: المُجْبِرُ المُكْرِهُ. يُقالُ: صَيْطَرَ بِصادٍّ في أوَّلِهِ، ويُقالُ: سَيْطَرَ بِسِينٍ في أوَّلِهِ والأشْهَرُ بِالصّادِّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] وقَرَأ بِها الجُمْهُورُ وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالسِّينِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِإشْمامِ الصّادِ صَوْتَ الزّايِ. ونَفْيُ كَوْنِهِ مُصَيْطِرًا عَلَيْهِمْ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الإخْبارِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِإكْراهِهِمْ عَلى الإيمانِ، فالخَبَرُ بِهَذا النَّفْيِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّطْمِينِ بِرَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْهُ مِن جَرّاءَ اسْتِمْرارِ أكْثَرِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَلا نَسْخَ لِحَكَمِ هَذِهِ الآيَةِ بِآياتِ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ. ثُمَّ جاءَ وُجُوبُ القِتالِ بِتَسَلْسُلِ حَوادِثَ كانَ المُشْرِكُونَ هُمُ البادِئِينَ فِيها بِالعُدْوانِ عَلى المُسْلِمِينَ، إذْ أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ، فَشَرَعَ قِتالَ المُشْرِكِينَ لِخَضْدِ شَوْكَتِهِمْ وتَأْمِينِ المُسْلِمِينَ مِن طُغْيانِهِمْ. ومِنَ الجَهَلَةِ مَن يَضَعُ قَوْلَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ويَحِيدُ بِهِ عَنْ مَهْيَعِهِ فَيُرِيدُ أنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً عَلى حُرِّيَّةِ التَّدَيُّنِ بَيْنَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ، وشَتّانَ بَيْنَ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ وأحْوالِ جامِعَةِ المُسْلِمِينَ، فَمَن يُلْحِدُ في الإسْلامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُسْتَتابُ ثَلاثًا فَإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَعَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَنْبِذُوهُ مِن جامِعَتِهِمْ ويُعامِلُوهُ مُعامَلَةَ المُحارَبِ، وكَذَلِكَ مَن جاءَ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ يَقْتَضِي نَبْذَ الإسْلامِ أوْ إنْكارَ ما هو مِن أُصُولِ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ أنْ يُوقَفَ عَلى مَآلِ قَوْلِهِ أوْ عَمَلِهِ فَيَلْتَزِمُهُ ولا يَتَأوَّلُهُ بِتَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ ويَأْبى الِانْكِفافَ. وتَقْدِيمُ عَلَيْهِمْ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو مُسَيْطِرٌ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] صفحة ٣٠٨ والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ الِاحْتِراسُ مِن تَوَهُّمِهِمْ أنَّهم أصْبَحُوا آمَنِينَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ. فَحَرْفُ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ. والمَعْنى: لَكِنَّ مَن تَوَلّى عَنِ التَّذَكُّرِ ودامَ عَلى كُفْرِهِ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الشَّدِيدَ. ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ وهو فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ إذْ كانَ الكَلامُ اسْتِدْراكًا وكانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا، فَأشْبَهَ بِمَوْقِعِهِ وبِعُمُومِهِ الشُّرُوطَ فَأُدْخِلَتِ الفاءُ في جَوابِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] . والأكْبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلْقَوِيِّ المُتَجاوِزِ حَدَّ أنْواعِهِ.

الغاشية 88:23

﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ . الفاءُ فَصِيحَةُ تَفْرِيعٍ عَلى مُحَصَّلِ ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ الَّذِي هو التَّذْكِيرُ بِالغاشِيَةِ وما اتَّصَلَ بِهِ مِن ذِكْرِ إعْراضِهِمْ وإنْذارِهِمْ، رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالدَّوامِ عَلى تَذْكِيرِهِمْ، وأنَّهُ لا يُؤَيِّسُهُ إصْرارُهم عَلى الإعْراضِ وعَدَمُ ادِّكارِهِمْ بِما ألْقى إلَيْهِمْ مِنَ المَواعِظِ، وتَثْبِيتُهُ بِأنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ إصْغائِهِمْ إذْ لَمْ يُبْعَثْ مُلْجِئًا لَهم عَلى الإيمانِ. فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ. ومَفْعُولُ ذَكِّرْ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّذْكِيرِ مَعَ عَدَمِ إصْغائِهِمْ؛ لِأنَّ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن إنَّ وما وشَأْنُ إنَّ إذا ورَدَتْ بَعْدَ جُمْلَةٍ أنْ تُفِيدَ التَّعْلِيلَ وتُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ، واتِّصالُ ما الكافَّةِ بِها لا يُخْرِجُها عَنْ مَهْيَعِها. والقَصْرُ المُسْتَفادُ بِـ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ وكِيلًا عَلى صفحة ٣٠٧ تَحْصِيلِ تَذَكُّرِهِمْ فَلا تَتَحَرَّجْ مِن عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، فَأنْتَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِهِمْ، وهَذا تَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ بِاعْتِبارِ جانِبِ النَّفْيِ الَّذِي يُفِيدُهُ القَصْرُ. والمُصَيْطِرُ: المُجْبِرُ المُكْرِهُ. يُقالُ: صَيْطَرَ بِصادٍّ في أوَّلِهِ، ويُقالُ: سَيْطَرَ بِسِينٍ في أوَّلِهِ والأشْهَرُ بِالصّادِّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] وقَرَأ بِها الجُمْهُورُ وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالسِّينِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِإشْمامِ الصّادِ صَوْتَ الزّايِ. ونَفْيُ كَوْنِهِ مُصَيْطِرًا عَلَيْهِمْ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الإخْبارِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِإكْراهِهِمْ عَلى الإيمانِ، فالخَبَرُ بِهَذا النَّفْيِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّطْمِينِ بِرَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْهُ مِن جَرّاءَ اسْتِمْرارِ أكْثَرِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَلا نَسْخَ لِحَكَمِ هَذِهِ الآيَةِ بِآياتِ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ. ثُمَّ جاءَ وُجُوبُ القِتالِ بِتَسَلْسُلِ حَوادِثَ كانَ المُشْرِكُونَ هُمُ البادِئِينَ فِيها بِالعُدْوانِ عَلى المُسْلِمِينَ، إذْ أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ، فَشَرَعَ قِتالَ المُشْرِكِينَ لِخَضْدِ شَوْكَتِهِمْ وتَأْمِينِ المُسْلِمِينَ مِن طُغْيانِهِمْ. ومِنَ الجَهَلَةِ مَن يَضَعُ قَوْلَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ويَحِيدُ بِهِ عَنْ مَهْيَعِهِ فَيُرِيدُ أنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً عَلى حُرِّيَّةِ التَّدَيُّنِ بَيْنَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ، وشَتّانَ بَيْنَ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ وأحْوالِ جامِعَةِ المُسْلِمِينَ، فَمَن يُلْحِدُ في الإسْلامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُسْتَتابُ ثَلاثًا فَإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَعَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَنْبِذُوهُ مِن جامِعَتِهِمْ ويُعامِلُوهُ مُعامَلَةَ المُحارَبِ، وكَذَلِكَ مَن جاءَ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ يَقْتَضِي نَبْذَ الإسْلامِ أوْ إنْكارَ ما هو مِن أُصُولِ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ أنْ يُوقَفَ عَلى مَآلِ قَوْلِهِ أوْ عَمَلِهِ فَيَلْتَزِمُهُ ولا يَتَأوَّلُهُ بِتَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ ويَأْبى الِانْكِفافَ. وتَقْدِيمُ عَلَيْهِمْ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو مُسَيْطِرٌ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] صفحة ٣٠٨ والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ الِاحْتِراسُ مِن تَوَهُّمِهِمْ أنَّهم أصْبَحُوا آمَنِينَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ. فَحَرْفُ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ. والمَعْنى: لَكِنَّ مَن تَوَلّى عَنِ التَّذَكُّرِ ودامَ عَلى كُفْرِهِ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الشَّدِيدَ. ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ وهو فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ إذْ كانَ الكَلامُ اسْتِدْراكًا وكانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا، فَأشْبَهَ بِمَوْقِعِهِ وبِعُمُومِهِ الشُّرُوطَ فَأُدْخِلَتِ الفاءُ في جَوابِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] . والأكْبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلْقَوِيِّ المُتَجاوِزِ حَدَّ أنْواعِهِ.

الغاشية 88:24

﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ . الفاءُ فَصِيحَةُ تَفْرِيعٍ عَلى مُحَصَّلِ ما سَبَقَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ الَّذِي هو التَّذْكِيرُ بِالغاشِيَةِ وما اتَّصَلَ بِهِ مِن ذِكْرِ إعْراضِهِمْ وإنْذارِهِمْ، رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالدَّوامِ عَلى تَذْكِيرِهِمْ، وأنَّهُ لا يُؤَيِّسُهُ إصْرارُهم عَلى الإعْراضِ وعَدَمُ ادِّكارِهِمْ بِما ألْقى إلَيْهِمْ مِنَ المَواعِظِ، وتَثْبِيتُهُ بِأنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ إصْغائِهِمْ إذْ لَمْ يُبْعَثْ مُلْجِئًا لَهم عَلى الإيمانِ. فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ. ومَفْعُولُ ذَكِّرْ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّذْكِيرِ مَعَ عَدَمِ إصْغائِهِمْ؛ لِأنَّ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن إنَّ وما وشَأْنُ إنَّ إذا ورَدَتْ بَعْدَ جُمْلَةٍ أنْ تُفِيدَ التَّعْلِيلَ وتُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ، واتِّصالُ ما الكافَّةِ بِها لا يُخْرِجُها عَنْ مَهْيَعِها. والقَصْرُ المُسْتَفادُ بِـ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ وكِيلًا عَلى صفحة ٣٠٧ تَحْصِيلِ تَذَكُّرِهِمْ فَلا تَتَحَرَّجْ مِن عَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ، فَأنْتَ غَيْرُ مُقَصِّرٍ في تَذْكِيرِهِمْ، وهَذا تَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ بِاعْتِبارِ جانِبِ النَّفْيِ الَّذِي يُفِيدُهُ القَصْرُ. والمُصَيْطِرُ: المُجْبِرُ المُكْرِهُ. يُقالُ: صَيْطَرَ بِصادٍّ في أوَّلِهِ، ويُقالُ: سَيْطَرَ بِسِينٍ في أوَّلِهِ والأشْهَرُ بِالصّادِّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿أمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] وقَرَأ بِها الجُمْهُورُ وقَرَأ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِالسِّينِ وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِإشْمامِ الصّادِ صَوْتَ الزّايِ. ونَفْيُ كَوْنِهِ مُصَيْطِرًا عَلَيْهِمْ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ الإخْبارِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ بِإكْراهِهِمْ عَلى الإيمانِ، فالخَبَرُ بِهَذا النَّفْيِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّطْمِينِ بِرَفْعِ التَّبِعَةِ عَنْهُ مِن جَرّاءَ اسْتِمْرارِ أكْثَرِهِمْ عَلى الكُفْرِ، فَلا نَسْخَ لِحَكَمِ هَذِهِ الآيَةِ بِآياتِ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ. ثُمَّ جاءَ وُجُوبُ القِتالِ بِتَسَلْسُلِ حَوادِثَ كانَ المُشْرِكُونَ هُمُ البادِئِينَ فِيها بِالعُدْوانِ عَلى المُسْلِمِينَ، إذْ أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ، فَشَرَعَ قِتالَ المُشْرِكِينَ لِخَضْدِ شَوْكَتِهِمْ وتَأْمِينِ المُسْلِمِينَ مِن طُغْيانِهِمْ. ومِنَ الجَهَلَةِ مَن يَضَعُ قَوْلَهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ويَحِيدُ بِهِ عَنْ مَهْيَعِهِ فَيُرِيدُ أنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً عَلى حُرِّيَّةِ التَّدَيُّنِ بَيْنَ جَماعاتِ المُسْلِمِينَ، وشَتّانَ بَيْنَ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ وأحْوالِ جامِعَةِ المُسْلِمِينَ، فَمَن يُلْحِدُ في الإسْلامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُسْتَتابُ ثَلاثًا فَإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وإنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ فَعَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَنْبِذُوهُ مِن جامِعَتِهِمْ ويُعامِلُوهُ مُعامَلَةَ المُحارَبِ، وكَذَلِكَ مَن جاءَ بِقَوْلٍ أوْ عَمَلٍ يَقْتَضِي نَبْذَ الإسْلامِ أوْ إنْكارَ ما هو مِن أُصُولِ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ أنْ يُوقَفَ عَلى مَآلِ قَوْلِهِ أوْ عَمَلِهِ فَيَلْتَزِمُهُ ولا يَتَأوَّلُهُ بِتَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ ويَأْبى الِانْكِفافَ. وتَقْدِيمُ عَلَيْهِمْ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو مُسَيْطِرٌ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] صفحة ٣٠٨ والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ الِاحْتِراسُ مِن تَوَهُّمِهِمْ أنَّهم أصْبَحُوا آمَنِينَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ. فَحَرْفُ إلّا لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وهو بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ. والمَعْنى: لَكِنَّ مَن تَوَلّى عَنِ التَّذَكُّرِ ودامَ عَلى كُفْرِهِ يُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الشَّدِيدَ. ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ وهو فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ إذْ كانَ الكَلامُ اسْتِدْراكًا وكانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا، فَأشْبَهَ بِمَوْقِعِهِ وبِعُمُومِهِ الشُّرُوطَ فَأُدْخِلَتِ الفاءُ في جَوابِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] . والأكْبَرُ: مُسْتَعارٌ لِلْقَوِيِّ المُتَجاوِزِ حَدَّ أنْواعِهِ.

الغاشية 88:25

﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ . تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: لَسْتَ مُكَلَّفًا بِجَبْرِهِمْ عَلى التَّذَكُّرِ والإيمانِ لِأنّا نُحاسِبُهم حِينَ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا في دارِ البَقاءِ. وقَدْ جاءَ حَرْفُ (إنَّ) عَلى اسْتِعْمالِهِ المَشْهُورِ، إذا جِيءَ بِهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ دُونَ رَدِّ إنْكارٍ، فَإنَّهُ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا وتَسَبُّبًا كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإيابُ: بِتَخْفِيفِ الياءِ الأوْبُ، أيِ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ. أُطْلِقَ عَلى الحُضُورِ في حَضْرَةِ القُدُسِ يَوْمَ الحَشْرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَكانِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ بِمُلاحَظَةِ أنَّ اللَّهَ خالِقُ النّاسِ خَلْقَهُمُ الأوَّلَ، فَشُبِّهَتْ إعادَةُ خَلْقِهِمْ وإحْضارِهِمْ لَدَيْهِ بِرُجُوعِ المُسافِرِ إلى مَقَرِّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] . وتَقْدِيمُ خَبَرِ (إنَّ) عَلى اسْمِها يُظْهِرُ أنَّهُ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ تَحْقِيقًا لِهَذا الرُّجُوعِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَهُ، وتَنْبِيهًا عَلى إمْكانِهِ بِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى الَّذِي أنْشَأهم أوَّلَ مَرَّةٍ. ونُقِلَ الكَلامُ مِن أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ إلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ: إلَيْنا عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. صفحة ٣٠٩ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ إيابَهم بِتَشْدِيدِ الياءِ. فَعَنِ ابْنِ جِنِّي هو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فِيعالٍ مَصْدَرُ: أيَّبَ بِوَزْنِ فَيْعَلَ مِنَ الأوْبِ مِثْلَ حَوْقَلَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأدْغَمَتِ الياءُ في الياءِ فَقِيلَ: إيّابٌ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ بِحَرْفِ ثُمَّ لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ حِسابَهم هو الغَرَضُ مِن إيابِهِمْ وهو أوْقَعُ في تَهْدِيدِهِمْ عَلى التَّوَلِّي. ومَعْنى عَلى مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ أنَّ حِسابَهم لِتَأكُّدِهِ في حِكْمَةِ اللَّهِ يُشْبِهُ الحَقَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ الَّتِي قَبْلَها بِمَعْنى التَّمْهِيدِ لَها والإدْماجِ لِإثْباتِ البَعْثِ، وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ تَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إمْهالٌ فَلا يَحْسَبُوهُ انْفِلاتًا مِنَ العِقابِ. * * * صفحة ٣١٠ صفحة ٣١١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَجْرِ لَمْ يُخْتَلَفْ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةَ الفَجْرِ) بِدُونِ الواوِ في المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ سِوى ما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ أنَّهُ حَكى عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ عُدَّتِ العاشِرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ اللَّيْلِ وقَبْلَ سُورَةِ الضُّحى. وعَدَدُ آيِها اثْنَتانِ وثَلاثُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ عَدُّوا قَوْلَهُ: (ونَعَّمَهُ) مُنْتَهى آيَةٍ، وقَوْلَهُ: (رِزْقَهُ) مُنْتَهى آيَةٍ. ولَمْ يَعُدَّها غَيْرُهم مُنْتَهى آيَةٍ، وهي ثَلاثُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالكُوفَةِ والشّامِ وعِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ تِسْعٌ وعِشْرُونَ. فَأهْلُ الشّامِ عَدُّوا (بِجَهَنَّمَ) مُنْتَهى آيَةٍ. وأهْلُ الكُوفَةِ عَدُّوا في عِبادِي مُنْتَهى آيَةٍ. * * * حَوَتْ مِنَ الأغْراضِ ضَرْبَ المَثَلِ لِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ في إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ رِسالَةِ رَبِّهِمْ بِمَثَلِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ. وإنْذارَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. وتَثْبِيتَ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ وعْدِهِ بِاضْمِحْلالِ أعْدائِهِ. وإبْطالَ غُرُورِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، إذْ يَحْسَبُونَ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ النَعِيمِ صفحة ٣١٢ عَلامَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهم وأنَّ ما فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَصاصَةِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أهانَهم. وأنَّهم أضاعُوا شُكْرَ اللَّهِ عَلى النِّعْمَةِ فَلَمْ يُواسُوا بِبَعْضِها عَلى الضُّعَفاءِ وما زادَتْهم إلّا حِرْصًا عَلى التَّكَثُّرِ مِنها. وأنَّهم يَنْدَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنْ لَمْ يُقَدِّمُوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الأعْمالِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ يَوْمَ لا يَنْفَعُ نَفْسٌ مالُها ولا يَنْفَعُها إلّا إيمانُها وتَصْدِيقُها بِوَعْدِ رَبِّها، وذَلِكَ يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ بِمَصِيرِهِمْ إلى الجَنَّةِ.

الغاشية 88:26

﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ . تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: لَسْتَ مُكَلَّفًا بِجَبْرِهِمْ عَلى التَّذَكُّرِ والإيمانِ لِأنّا نُحاسِبُهم حِينَ رُجُوعِهِمْ إلَيْنا في دارِ البَقاءِ. وقَدْ جاءَ حَرْفُ (إنَّ) عَلى اسْتِعْمالِهِ المَشْهُورِ، إذا جِيءَ بِهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ دُونَ رَدِّ إنْكارٍ، فَإنَّهُ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلًا وتَسَبُّبًا كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والإيابُ: بِتَخْفِيفِ الياءِ الأوْبُ، أيِ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ. أُطْلِقَ عَلى الحُضُورِ في حَضْرَةِ القُدُسِ يَوْمَ الحَشْرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالرُّجُوعِ إلى المَكانِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ بِمُلاحَظَةِ أنَّ اللَّهَ خالِقُ النّاسِ خَلْقَهُمُ الأوَّلَ، فَشُبِّهَتْ إعادَةُ خَلْقِهِمْ وإحْضارِهِمْ لَدَيْهِ بِرُجُوعِ المُسافِرِ إلى مَقَرِّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] . وتَقْدِيمُ خَبَرِ (إنَّ) عَلى اسْمِها يُظْهِرُ أنَّهُ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ تَحْقِيقًا لِهَذا الرُّجُوعِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَهُ، وتَنْبِيهًا عَلى إمْكانِهِ بِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى الَّذِي أنْشَأهم أوَّلَ مَرَّةٍ. ونُقِلَ الكَلامُ مِن أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ إلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ بِقَوْلِهِ: إلَيْنا عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. صفحة ٣٠٩ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ إيابَهم بِتَشْدِيدِ الياءِ. فَعَنِ ابْنِ جِنِّي هو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فِيعالٍ مَصْدَرُ: أيَّبَ بِوَزْنِ فَيْعَلَ مِنَ الأوْبِ مِثْلَ حَوْقَلَ، فَلَمّا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسَبَقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأدْغَمَتِ الياءُ في الياءِ فَقِيلَ: إيّابٌ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ بِحَرْفِ ثُمَّ لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ حِسابَهم هو الغَرَضُ مِن إيابِهِمْ وهو أوْقَعُ في تَهْدِيدِهِمْ عَلى التَّوَلِّي. ومَعْنى عَلى مِن قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ أنَّ حِسابَهم لِتَأكُّدِهِ في حِكْمَةِ اللَّهِ يُشْبِهُ الحَقَّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ الَّتِي قَبْلَها بِمَعْنى التَّمْهِيدِ لَها والإدْماجِ لِإثْباتِ البَعْثِ، وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ تَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إمْهالٌ فَلا يَحْسَبُوهُ انْفِلاتًا مِنَ العِقابِ. * * * صفحة ٣١٠ صفحة ٣١١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَجْرِ لَمْ يُخْتَلَفْ في تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةَ الفَجْرِ) بِدُونِ الواوِ في المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ سِوى ما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ أنَّهُ حَكى عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ عُدَّتِ العاشِرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ اللَّيْلِ وقَبْلَ سُورَةِ الضُّحى. وعَدَدُ آيِها اثْنَتانِ وثَلاثُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ عَدُّوا قَوْلَهُ: (ونَعَّمَهُ) مُنْتَهى آيَةٍ، وقَوْلَهُ: (رِزْقَهُ) مُنْتَهى آيَةٍ. ولَمْ يَعُدَّها غَيْرُهم مُنْتَهى آيَةٍ، وهي ثَلاثُونَ عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالكُوفَةِ والشّامِ وعِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ تِسْعٌ وعِشْرُونَ. فَأهْلُ الشّامِ عَدُّوا (بِجَهَنَّمَ) مُنْتَهى آيَةٍ. وأهْلُ الكُوفَةِ عَدُّوا في عِبادِي مُنْتَهى آيَةٍ. * * * حَوَتْ مِنَ الأغْراضِ ضَرْبَ المَثَلِ لِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ في إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ رِسالَةِ رَبِّهِمْ بِمَثَلِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ. وإنْذارَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. وتَثْبِيتَ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ وعْدِهِ بِاضْمِحْلالِ أعْدائِهِ. وإبْطالَ غُرُورِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، إذْ يَحْسَبُونَ أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ النَعِيمِ صفحة ٣١٢ عَلامَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهم وأنَّ ما فِيهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الخَصاصَةِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أهانَهم. وأنَّهم أضاعُوا شُكْرَ اللَّهِ عَلى النِّعْمَةِ فَلَمْ يُواسُوا بِبَعْضِها عَلى الضُّعَفاءِ وما زادَتْهم إلّا حِرْصًا عَلى التَّكَثُّرِ مِنها. وأنَّهم يَنْدَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى أنْ لَمْ يُقَدِّمُوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الأعْمالِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ يَوْمَ لا يَنْفَعُ نَفْسٌ مالُها ولا يَنْفَعُها إلّا إيمانُها وتَصْدِيقُها بِوَعْدِ رَبِّها، وذَلِكَ يَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ بِمَصِيرِهِمْ إلى الجَنَّةِ.