Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الانشقاق 84:1 – البروج 85:22
المحتويات
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
الانشقاق 84:1
صفحة ٢١٨
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ .
قُدِّمَ الظَّرْفُ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ عَلى عامِلِهِ وهو كادِحٌ لِلتَّهْوِيلِ والتَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ وأوَّلُ الكَلامِ في الِاعْتِبارِ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلَخْ.
ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ إذا بِجُزْءٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ وكانَتْ إذا ظَرْفًا مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ صارَ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ جَوابًا لِشَرْطِ إذا ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إذا ظَرْفٌ خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، أيْ: خافِضٌ لِجُمْلَةِ شَرْطِهِ بِإضافَتِهِ إلَيْها مَنصُوبًا بِجَوابِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَكِلاهُما عامِلٌ ومَعْمُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ إذا مُؤَوَّلٌ بِالمُسْتَقْبَلِ وصِيَغَ بِالمُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ إذا القَطْعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ.
وانْشَقَّتْ مُطاوِعُ شَقَّها، أيْ: حِينَ يَشُقُّ السَّماءَ شاقٌّ فَتَنْشَقُّ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ شَقَّها فانْشَقَّتْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وأذِنَتْ لِرَبِّها.
والِانْشِقاقُ: هَذا هو الِانْفِطارُ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] وهو انْشِقاقٌ يَلُوحُ لِلنّاسِ في جَوِّ السَّماءِ مِن جَرّاءِ اخْتِلالِ تَرْكِيبِ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ أوْ مِن ظُهُورِ أجْرامٍ كَوْكَبِيَّةٍ تَخْرُجُ عَنْ دَوائِرِها المُعْتادَةِ في الجَوِّ الأعْلى فَتَنْشَقُّ القُبَّةُ الهَوائِيَّةُ فَهو انْشِقاقٌ يَقَعُ عِنْدَ اخْتِلالِ نِظامِ هَذا العالَمِ.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو التَّعْلِيقُ الشَّرْطِيُّ، أيْ أنَّ هَذا الشَّرْطَ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ إذا في الشَّرْطِيَّةِ مِن قَصْدِ الجَزْمِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ بِخِلافِ إنَّ.
وأذِنَتْ أيِ: اسْتَمَعَتْ، وفِعْلُ أذِنَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ
صفحة ٢١٩
الأُذُنِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ آلَةُ السَّمْعِ في الإنْسانِ يُقالُ أُذُنٌ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَمِعْ لَهُ، أيْ: أصْغى إلَيْهِ أُذُنَهُ.
وهُوَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّأثُّرِ لِأمْرِ اللَّهِ التَّكْوِينِيِّ بِأنْ تَنْشَقَّ. ولَيْسَ هو بِاسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ ولا تَمْثِيلِيَّةٍ.
والتَّعْبِيرُ بِـ رَبِّها دُونَ ذَلِكَ مِن أسْماءِ اللَّهِ وطُرُقِ تَعْرِيفِهِ، لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والتَّدْبِيرِ.
وجُمْلَةُ وحُقَّتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها.
والمَعْنى: وهي مَحْقُوقَةٌ بِأنْ تَأْذَنَ لِرَبِّها لِأنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ سُلْطانِ قُدْرَتِهِ وإنْ عَظُمَ سُمْكُها واشْتَدَّ خَلْقُها وطالَ زَمانُ رَتْقِها فَما ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ لَها، فَهو الَّذِي إذا شاءَ أزالَها.
فَمُتَعَلِّقُ حُقَّتْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ وأذِنَتْ لِرَبِّها أيْ: وحُقَّتْ بِذَلِكَ الِانْقِيادِ والتَّأثُّرِ يُقالُ: حُقَّ فُلانٌ بِكَذا، أيْ: تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولَمّا كانَ فاعِلُ تَوْجِيهِ الحَقِّ غَيْرَ واضِحٍ تَعْيِينُهُ غالِبًا، كانَ فِعْلُ حُقَّ بِكَذا، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في الِاسْتِعْمالِ، ومَرْفُوعُهُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، فَيُقالُ: حَقِيقٌ عَلَيْهِ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وهو مَحْقُوقٌ بِكَذا، قالَ الأعْشى:
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعانَ مُوَفَّقُ
والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ.
ومَدُّ الأرْضِ: بَسْطُها، وظاهِرُ هَذا أنَّها يُزالُ ما عَلَيْها مِن جِبالٍ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ فَتَزُولُ انْثِناءاتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥] .
صفحة ٢٢٠
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنِ اتِّساعِ مِساحَةِ ظاهِرِها بِتَشَقُّقِها بِالزِّلْزالِ وبُرُوزِ أجْزاءٍ مِن باطِنِها إلى سَطْحِها.
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يُزالَ تَكْوِيرُها بِتَمَدُّدِ جِسْمِها حَتّى تَصِيرَ إلى الِاسْتِطالَةِ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُؤْذِنُ بِاخْتِلالِ نِظامِ سَيْرِ الأرْضِ وتَغَيُّرِ أحْوالِ الجاذِبِيَّةِ وما بِالأرْضِ مِن كُرَةِ الهَواءِ فَيَعْقُبُ ذَلِكَ زَوالُ هَذا العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ صالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلى ما يُناسِبُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ في مَدِّ الأرْضِ ومُحْتَمِلٌ لِأنْ تَنْقَذِفَ مِن باطِنِ الأرْضِ أجْزاءٌ أُخْرى يَكُونُ لِانْقِذافِها أثَرٌ في إتْلافِ المَوْجُوداتِ مِثْلَ البَراكِينِ وانْدِفاعِ الصُّخُورِ العَظِيمَةِ وانْفِجارِ العُيُونِ إلى ظاهِرِ الأرْضِ فَيَكُونُ طُوفانٌ.
وتَخَلَّتْ أيْ: أخْرَجَتْ ما في باطِنِها فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ تَخَلّى يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الخُلُوِّ عَنْ شَيْءٍ لِما في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ كَما يُقالُ تَكَرَّمَ فُلانٌ إذا بالَغَ في الإكْرامِ.
والمَعْنى: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِمّا في باطِنِ الأرْضِ شَيْءٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ إلى آخِرِهِ جَوابُ إذا بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: فَمُلاقِيهِ ونُسِبَ هَذا إلى المُبَرِّدِ، أيْ: لِأنَّ المَعْطُوفَ الأخِيرَ بِالفاءِ في الأخْبارِ هو المَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ مَعَهُ.
فالمَعْنى: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ وإذا الأرْضُ مُدَّتْ لاقَيْتَ رَبَّكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ كَدْحِكَ لِمُلاقاتِهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ إدْماجًا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ أمامَ المَقْصُودِ.
وجَوَّزَ المُبَرِّدُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَمُلاقِيهِ والتَّقْدِيرُ: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلى آخِرِهِ لاقَيْتَ أيُّها الإنْسانُ رَبَّكَ.
وجَوَّزُ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وإنَّ الواوَ زائِدَةٌ في
صفحة ٢٢١
الجَوابِ. ورَدَّهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ العَرَبَ لا تُقْحِمُ الواوَ إلّا إذا كانَتْ إذا بَعْدَ حَتّى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] أوْ بَعْدَ لَمّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣] الآيَةَ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ونُسِبَ إلى الكِسائِيِّ واسْتَحْسَنَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ.
والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فاللّامُ في قَوْلِهِ: الإنْسانُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وهو لِلِاسْتِغْراقِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] .
والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا وعِيدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، فالخِطابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ زِيادَةٌ لِلْإنْذارِ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرٌ وتَبْشِيرٌ. وقِيلَ: أُرِيدَ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ فَقِيلَ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في الِاسْتِيعابِ والإصابَةِ ووَقَعَ في الكَشّافِ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ كَما ضَبَطَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ هو في جامِعِ الأُصُولِ بِالمُهْمَلَةِ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما سَبَبَ النُّزُولِ أوْ هو مَلْحُوظٌ ابْتِداءً.
والكَدْحُ: يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ لا نَتَحَقَّقُ أيُّها الحَقِيقَةُ، وقَدْ أهْمَلَ هَذِهِ المادَّةَ في الأساسِ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ. وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ حَقِيقَتَهُ: إتْعابُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدِّ. وتَعْلِيقُ مَجْرُورِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ إلى تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ عَمَلٌ يَنْتَهِي إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ساعٍ؛ لِأنَّ كَدْحَ النّاسِ في الحَياةِ يَتَطَلَّبُونَ بِعَمَلِ اليَوْمِ عَمَلًا لِغَدٍ وهَكَذا، وكَذَلِكَ يَتَقَضّى بِهِ زَمَنُ العُمُرِ الَّذِي هو أجَلُ حَياةِ كُلِّ إنْسانٍ ويَعْقُبُهُ المَوْتُ الَّذِي هو رُجُوعُ نَفْسِ الإنْسانِ إلى مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، فَلَمّا آلَ سَعْيُهُ وكَدْحُهُ إلى المَوْتِ جُعِلَ كَدْحُهُ إلى رَبِّهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ كادِحٌ تَسْعى إلى المَوْتِ وهو لِقاءُ رَبِّكَ، وعَلَيْهِ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ حَرْفِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ماشٍ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا.
وكَدْحًا مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ لِتَأْكِيدِ (كادِحٌ) المُضَمَّنِ مَعْنى ساعٍ إلى رَبِّكَ، أيْ: ساعٍ إلَيْهِ لا مَحالَةَ ولا مَفَرَّ.
صفحة ٢٢٢
وضَمِيرُ النَّصْبِ في مُلاقِيهِ عائِدٌ إلى الرَّبِّ، أيْ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، أيْ: لا مَفَرَّ لَكَ مِن لِقاءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِإنَّ.
الانشقاق 84:2
صفحة ٢١٨
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ .
قُدِّمَ الظَّرْفُ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ عَلى عامِلِهِ وهو كادِحٌ لِلتَّهْوِيلِ والتَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ وأوَّلُ الكَلامِ في الِاعْتِبارِ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلَخْ.
ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ إذا بِجُزْءٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ وكانَتْ إذا ظَرْفًا مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ صارَ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ جَوابًا لِشَرْطِ إذا ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إذا ظَرْفٌ خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، أيْ: خافِضٌ لِجُمْلَةِ شَرْطِهِ بِإضافَتِهِ إلَيْها مَنصُوبًا بِجَوابِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَكِلاهُما عامِلٌ ومَعْمُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ إذا مُؤَوَّلٌ بِالمُسْتَقْبَلِ وصِيَغَ بِالمُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ إذا القَطْعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ.
وانْشَقَّتْ مُطاوِعُ شَقَّها، أيْ: حِينَ يَشُقُّ السَّماءَ شاقٌّ فَتَنْشَقُّ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ شَقَّها فانْشَقَّتْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وأذِنَتْ لِرَبِّها.
والِانْشِقاقُ: هَذا هو الِانْفِطارُ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] وهو انْشِقاقٌ يَلُوحُ لِلنّاسِ في جَوِّ السَّماءِ مِن جَرّاءِ اخْتِلالِ تَرْكِيبِ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ أوْ مِن ظُهُورِ أجْرامٍ كَوْكَبِيَّةٍ تَخْرُجُ عَنْ دَوائِرِها المُعْتادَةِ في الجَوِّ الأعْلى فَتَنْشَقُّ القُبَّةُ الهَوائِيَّةُ فَهو انْشِقاقٌ يَقَعُ عِنْدَ اخْتِلالِ نِظامِ هَذا العالَمِ.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو التَّعْلِيقُ الشَّرْطِيُّ، أيْ أنَّ هَذا الشَّرْطَ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ إذا في الشَّرْطِيَّةِ مِن قَصْدِ الجَزْمِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ بِخِلافِ إنَّ.
وأذِنَتْ أيِ: اسْتَمَعَتْ، وفِعْلُ أذِنَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ
صفحة ٢١٩
الأُذُنِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ آلَةُ السَّمْعِ في الإنْسانِ يُقالُ أُذُنٌ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَمِعْ لَهُ، أيْ: أصْغى إلَيْهِ أُذُنَهُ.
وهُوَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّأثُّرِ لِأمْرِ اللَّهِ التَّكْوِينِيِّ بِأنْ تَنْشَقَّ. ولَيْسَ هو بِاسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ ولا تَمْثِيلِيَّةٍ.
والتَّعْبِيرُ بِـ رَبِّها دُونَ ذَلِكَ مِن أسْماءِ اللَّهِ وطُرُقِ تَعْرِيفِهِ، لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والتَّدْبِيرِ.
وجُمْلَةُ وحُقَّتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها.
والمَعْنى: وهي مَحْقُوقَةٌ بِأنْ تَأْذَنَ لِرَبِّها لِأنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ سُلْطانِ قُدْرَتِهِ وإنْ عَظُمَ سُمْكُها واشْتَدَّ خَلْقُها وطالَ زَمانُ رَتْقِها فَما ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ لَها، فَهو الَّذِي إذا شاءَ أزالَها.
فَمُتَعَلِّقُ حُقَّتْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ وأذِنَتْ لِرَبِّها أيْ: وحُقَّتْ بِذَلِكَ الِانْقِيادِ والتَّأثُّرِ يُقالُ: حُقَّ فُلانٌ بِكَذا، أيْ: تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولَمّا كانَ فاعِلُ تَوْجِيهِ الحَقِّ غَيْرَ واضِحٍ تَعْيِينُهُ غالِبًا، كانَ فِعْلُ حُقَّ بِكَذا، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في الِاسْتِعْمالِ، ومَرْفُوعُهُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، فَيُقالُ: حَقِيقٌ عَلَيْهِ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وهو مَحْقُوقٌ بِكَذا، قالَ الأعْشى:
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعانَ مُوَفَّقُ
والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ.
ومَدُّ الأرْضِ: بَسْطُها، وظاهِرُ هَذا أنَّها يُزالُ ما عَلَيْها مِن جِبالٍ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ فَتَزُولُ انْثِناءاتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥] .
صفحة ٢٢٠
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنِ اتِّساعِ مِساحَةِ ظاهِرِها بِتَشَقُّقِها بِالزِّلْزالِ وبُرُوزِ أجْزاءٍ مِن باطِنِها إلى سَطْحِها.
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يُزالَ تَكْوِيرُها بِتَمَدُّدِ جِسْمِها حَتّى تَصِيرَ إلى الِاسْتِطالَةِ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُؤْذِنُ بِاخْتِلالِ نِظامِ سَيْرِ الأرْضِ وتَغَيُّرِ أحْوالِ الجاذِبِيَّةِ وما بِالأرْضِ مِن كُرَةِ الهَواءِ فَيَعْقُبُ ذَلِكَ زَوالُ هَذا العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ صالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلى ما يُناسِبُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ في مَدِّ الأرْضِ ومُحْتَمِلٌ لِأنْ تَنْقَذِفَ مِن باطِنِ الأرْضِ أجْزاءٌ أُخْرى يَكُونُ لِانْقِذافِها أثَرٌ في إتْلافِ المَوْجُوداتِ مِثْلَ البَراكِينِ وانْدِفاعِ الصُّخُورِ العَظِيمَةِ وانْفِجارِ العُيُونِ إلى ظاهِرِ الأرْضِ فَيَكُونُ طُوفانٌ.
وتَخَلَّتْ أيْ: أخْرَجَتْ ما في باطِنِها فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ تَخَلّى يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الخُلُوِّ عَنْ شَيْءٍ لِما في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ كَما يُقالُ تَكَرَّمَ فُلانٌ إذا بالَغَ في الإكْرامِ.
والمَعْنى: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِمّا في باطِنِ الأرْضِ شَيْءٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ إلى آخِرِهِ جَوابُ إذا بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: فَمُلاقِيهِ ونُسِبَ هَذا إلى المُبَرِّدِ، أيْ: لِأنَّ المَعْطُوفَ الأخِيرَ بِالفاءِ في الأخْبارِ هو المَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ مَعَهُ.
فالمَعْنى: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ وإذا الأرْضُ مُدَّتْ لاقَيْتَ رَبَّكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ كَدْحِكَ لِمُلاقاتِهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ إدْماجًا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ أمامَ المَقْصُودِ.
وجَوَّزَ المُبَرِّدُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَمُلاقِيهِ والتَّقْدِيرُ: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلى آخِرِهِ لاقَيْتَ أيُّها الإنْسانُ رَبَّكَ.
وجَوَّزُ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وإنَّ الواوَ زائِدَةٌ في
صفحة ٢٢١
الجَوابِ. ورَدَّهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ العَرَبَ لا تُقْحِمُ الواوَ إلّا إذا كانَتْ إذا بَعْدَ حَتّى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] أوْ بَعْدَ لَمّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣] الآيَةَ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ونُسِبَ إلى الكِسائِيِّ واسْتَحْسَنَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ.
والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فاللّامُ في قَوْلِهِ: الإنْسانُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وهو لِلِاسْتِغْراقِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] .
والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا وعِيدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، فالخِطابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ زِيادَةٌ لِلْإنْذارِ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرٌ وتَبْشِيرٌ. وقِيلَ: أُرِيدَ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ فَقِيلَ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في الِاسْتِيعابِ والإصابَةِ ووَقَعَ في الكَشّافِ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ كَما ضَبَطَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ هو في جامِعِ الأُصُولِ بِالمُهْمَلَةِ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما سَبَبَ النُّزُولِ أوْ هو مَلْحُوظٌ ابْتِداءً.
والكَدْحُ: يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ لا نَتَحَقَّقُ أيُّها الحَقِيقَةُ، وقَدْ أهْمَلَ هَذِهِ المادَّةَ في الأساسِ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ. وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ حَقِيقَتَهُ: إتْعابُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدِّ. وتَعْلِيقُ مَجْرُورِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ إلى تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ عَمَلٌ يَنْتَهِي إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ساعٍ؛ لِأنَّ كَدْحَ النّاسِ في الحَياةِ يَتَطَلَّبُونَ بِعَمَلِ اليَوْمِ عَمَلًا لِغَدٍ وهَكَذا، وكَذَلِكَ يَتَقَضّى بِهِ زَمَنُ العُمُرِ الَّذِي هو أجَلُ حَياةِ كُلِّ إنْسانٍ ويَعْقُبُهُ المَوْتُ الَّذِي هو رُجُوعُ نَفْسِ الإنْسانِ إلى مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، فَلَمّا آلَ سَعْيُهُ وكَدْحُهُ إلى المَوْتِ جُعِلَ كَدْحُهُ إلى رَبِّهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ كادِحٌ تَسْعى إلى المَوْتِ وهو لِقاءُ رَبِّكَ، وعَلَيْهِ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ حَرْفِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ماشٍ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا.
وكَدْحًا مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ لِتَأْكِيدِ (كادِحٌ) المُضَمَّنِ مَعْنى ساعٍ إلى رَبِّكَ، أيْ: ساعٍ إلَيْهِ لا مَحالَةَ ولا مَفَرَّ.
صفحة ٢٢٢
وضَمِيرُ النَّصْبِ في مُلاقِيهِ عائِدٌ إلى الرَّبِّ، أيْ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، أيْ: لا مَفَرَّ لَكَ مِن لِقاءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِإنَّ.
الانشقاق 84:3
صفحة ٢١٨
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ .
قُدِّمَ الظَّرْفُ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ عَلى عامِلِهِ وهو كادِحٌ لِلتَّهْوِيلِ والتَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ وأوَّلُ الكَلامِ في الِاعْتِبارِ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلَخْ.
ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ إذا بِجُزْءٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ وكانَتْ إذا ظَرْفًا مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ صارَ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ جَوابًا لِشَرْطِ إذا ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إذا ظَرْفٌ خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، أيْ: خافِضٌ لِجُمْلَةِ شَرْطِهِ بِإضافَتِهِ إلَيْها مَنصُوبًا بِجَوابِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَكِلاهُما عامِلٌ ومَعْمُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ إذا مُؤَوَّلٌ بِالمُسْتَقْبَلِ وصِيَغَ بِالمُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ إذا القَطْعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ.
وانْشَقَّتْ مُطاوِعُ شَقَّها، أيْ: حِينَ يَشُقُّ السَّماءَ شاقٌّ فَتَنْشَقُّ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ شَقَّها فانْشَقَّتْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وأذِنَتْ لِرَبِّها.
والِانْشِقاقُ: هَذا هو الِانْفِطارُ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] وهو انْشِقاقٌ يَلُوحُ لِلنّاسِ في جَوِّ السَّماءِ مِن جَرّاءِ اخْتِلالِ تَرْكِيبِ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ أوْ مِن ظُهُورِ أجْرامٍ كَوْكَبِيَّةٍ تَخْرُجُ عَنْ دَوائِرِها المُعْتادَةِ في الجَوِّ الأعْلى فَتَنْشَقُّ القُبَّةُ الهَوائِيَّةُ فَهو انْشِقاقٌ يَقَعُ عِنْدَ اخْتِلالِ نِظامِ هَذا العالَمِ.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو التَّعْلِيقُ الشَّرْطِيُّ، أيْ أنَّ هَذا الشَّرْطَ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ إذا في الشَّرْطِيَّةِ مِن قَصْدِ الجَزْمِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ بِخِلافِ إنَّ.
وأذِنَتْ أيِ: اسْتَمَعَتْ، وفِعْلُ أذِنَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ
صفحة ٢١٩
الأُذُنِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ آلَةُ السَّمْعِ في الإنْسانِ يُقالُ أُذُنٌ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَمِعْ لَهُ، أيْ: أصْغى إلَيْهِ أُذُنَهُ.
وهُوَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّأثُّرِ لِأمْرِ اللَّهِ التَّكْوِينِيِّ بِأنْ تَنْشَقَّ. ولَيْسَ هو بِاسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ ولا تَمْثِيلِيَّةٍ.
والتَّعْبِيرُ بِـ رَبِّها دُونَ ذَلِكَ مِن أسْماءِ اللَّهِ وطُرُقِ تَعْرِيفِهِ، لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والتَّدْبِيرِ.
وجُمْلَةُ وحُقَّتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها.
والمَعْنى: وهي مَحْقُوقَةٌ بِأنْ تَأْذَنَ لِرَبِّها لِأنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ سُلْطانِ قُدْرَتِهِ وإنْ عَظُمَ سُمْكُها واشْتَدَّ خَلْقُها وطالَ زَمانُ رَتْقِها فَما ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ لَها، فَهو الَّذِي إذا شاءَ أزالَها.
فَمُتَعَلِّقُ حُقَّتْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ وأذِنَتْ لِرَبِّها أيْ: وحُقَّتْ بِذَلِكَ الِانْقِيادِ والتَّأثُّرِ يُقالُ: حُقَّ فُلانٌ بِكَذا، أيْ: تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولَمّا كانَ فاعِلُ تَوْجِيهِ الحَقِّ غَيْرَ واضِحٍ تَعْيِينُهُ غالِبًا، كانَ فِعْلُ حُقَّ بِكَذا، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في الِاسْتِعْمالِ، ومَرْفُوعُهُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، فَيُقالُ: حَقِيقٌ عَلَيْهِ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وهو مَحْقُوقٌ بِكَذا، قالَ الأعْشى:
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعانَ مُوَفَّقُ
والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ.
ومَدُّ الأرْضِ: بَسْطُها، وظاهِرُ هَذا أنَّها يُزالُ ما عَلَيْها مِن جِبالٍ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ فَتَزُولُ انْثِناءاتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥] .
صفحة ٢٢٠
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنِ اتِّساعِ مِساحَةِ ظاهِرِها بِتَشَقُّقِها بِالزِّلْزالِ وبُرُوزِ أجْزاءٍ مِن باطِنِها إلى سَطْحِها.
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يُزالَ تَكْوِيرُها بِتَمَدُّدِ جِسْمِها حَتّى تَصِيرَ إلى الِاسْتِطالَةِ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُؤْذِنُ بِاخْتِلالِ نِظامِ سَيْرِ الأرْضِ وتَغَيُّرِ أحْوالِ الجاذِبِيَّةِ وما بِالأرْضِ مِن كُرَةِ الهَواءِ فَيَعْقُبُ ذَلِكَ زَوالُ هَذا العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ صالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلى ما يُناسِبُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ في مَدِّ الأرْضِ ومُحْتَمِلٌ لِأنْ تَنْقَذِفَ مِن باطِنِ الأرْضِ أجْزاءٌ أُخْرى يَكُونُ لِانْقِذافِها أثَرٌ في إتْلافِ المَوْجُوداتِ مِثْلَ البَراكِينِ وانْدِفاعِ الصُّخُورِ العَظِيمَةِ وانْفِجارِ العُيُونِ إلى ظاهِرِ الأرْضِ فَيَكُونُ طُوفانٌ.
وتَخَلَّتْ أيْ: أخْرَجَتْ ما في باطِنِها فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ تَخَلّى يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الخُلُوِّ عَنْ شَيْءٍ لِما في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ كَما يُقالُ تَكَرَّمَ فُلانٌ إذا بالَغَ في الإكْرامِ.
والمَعْنى: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِمّا في باطِنِ الأرْضِ شَيْءٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ إلى آخِرِهِ جَوابُ إذا بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: فَمُلاقِيهِ ونُسِبَ هَذا إلى المُبَرِّدِ، أيْ: لِأنَّ المَعْطُوفَ الأخِيرَ بِالفاءِ في الأخْبارِ هو المَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ مَعَهُ.
فالمَعْنى: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ وإذا الأرْضُ مُدَّتْ لاقَيْتَ رَبَّكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ كَدْحِكَ لِمُلاقاتِهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ إدْماجًا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ أمامَ المَقْصُودِ.
وجَوَّزَ المُبَرِّدُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَمُلاقِيهِ والتَّقْدِيرُ: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلى آخِرِهِ لاقَيْتَ أيُّها الإنْسانُ رَبَّكَ.
وجَوَّزُ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وإنَّ الواوَ زائِدَةٌ في
صفحة ٢٢١
الجَوابِ. ورَدَّهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ العَرَبَ لا تُقْحِمُ الواوَ إلّا إذا كانَتْ إذا بَعْدَ حَتّى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] أوْ بَعْدَ لَمّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣] الآيَةَ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ونُسِبَ إلى الكِسائِيِّ واسْتَحْسَنَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ.
والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فاللّامُ في قَوْلِهِ: الإنْسانُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وهو لِلِاسْتِغْراقِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] .
والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا وعِيدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، فالخِطابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ زِيادَةٌ لِلْإنْذارِ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرٌ وتَبْشِيرٌ. وقِيلَ: أُرِيدَ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ فَقِيلَ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في الِاسْتِيعابِ والإصابَةِ ووَقَعَ في الكَشّافِ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ كَما ضَبَطَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ هو في جامِعِ الأُصُولِ بِالمُهْمَلَةِ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما سَبَبَ النُّزُولِ أوْ هو مَلْحُوظٌ ابْتِداءً.
والكَدْحُ: يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ لا نَتَحَقَّقُ أيُّها الحَقِيقَةُ، وقَدْ أهْمَلَ هَذِهِ المادَّةَ في الأساسِ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ. وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ حَقِيقَتَهُ: إتْعابُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدِّ. وتَعْلِيقُ مَجْرُورِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ إلى تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ عَمَلٌ يَنْتَهِي إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ساعٍ؛ لِأنَّ كَدْحَ النّاسِ في الحَياةِ يَتَطَلَّبُونَ بِعَمَلِ اليَوْمِ عَمَلًا لِغَدٍ وهَكَذا، وكَذَلِكَ يَتَقَضّى بِهِ زَمَنُ العُمُرِ الَّذِي هو أجَلُ حَياةِ كُلِّ إنْسانٍ ويَعْقُبُهُ المَوْتُ الَّذِي هو رُجُوعُ نَفْسِ الإنْسانِ إلى مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، فَلَمّا آلَ سَعْيُهُ وكَدْحُهُ إلى المَوْتِ جُعِلَ كَدْحُهُ إلى رَبِّهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ كادِحٌ تَسْعى إلى المَوْتِ وهو لِقاءُ رَبِّكَ، وعَلَيْهِ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ حَرْفِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ماشٍ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا.
وكَدْحًا مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ لِتَأْكِيدِ (كادِحٌ) المُضَمَّنِ مَعْنى ساعٍ إلى رَبِّكَ، أيْ: ساعٍ إلَيْهِ لا مَحالَةَ ولا مَفَرَّ.
صفحة ٢٢٢
وضَمِيرُ النَّصْبِ في مُلاقِيهِ عائِدٌ إلى الرَّبِّ، أيْ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، أيْ: لا مَفَرَّ لَكَ مِن لِقاءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِإنَّ.
الانشقاق 84:4
صفحة ٢١٨
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ .
قُدِّمَ الظَّرْفُ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ عَلى عامِلِهِ وهو كادِحٌ لِلتَّهْوِيلِ والتَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ وأوَّلُ الكَلامِ في الِاعْتِبارِ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلَخْ.
ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ إذا بِجُزْءٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ وكانَتْ إذا ظَرْفًا مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ صارَ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ جَوابًا لِشَرْطِ إذا ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إذا ظَرْفٌ خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، أيْ: خافِضٌ لِجُمْلَةِ شَرْطِهِ بِإضافَتِهِ إلَيْها مَنصُوبًا بِجَوابِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَكِلاهُما عامِلٌ ومَعْمُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ إذا مُؤَوَّلٌ بِالمُسْتَقْبَلِ وصِيَغَ بِالمُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ إذا القَطْعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ.
وانْشَقَّتْ مُطاوِعُ شَقَّها، أيْ: حِينَ يَشُقُّ السَّماءَ شاقٌّ فَتَنْشَقُّ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ شَقَّها فانْشَقَّتْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وأذِنَتْ لِرَبِّها.
والِانْشِقاقُ: هَذا هو الِانْفِطارُ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] وهو انْشِقاقٌ يَلُوحُ لِلنّاسِ في جَوِّ السَّماءِ مِن جَرّاءِ اخْتِلالِ تَرْكِيبِ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ أوْ مِن ظُهُورِ أجْرامٍ كَوْكَبِيَّةٍ تَخْرُجُ عَنْ دَوائِرِها المُعْتادَةِ في الجَوِّ الأعْلى فَتَنْشَقُّ القُبَّةُ الهَوائِيَّةُ فَهو انْشِقاقٌ يَقَعُ عِنْدَ اخْتِلالِ نِظامِ هَذا العالَمِ.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو التَّعْلِيقُ الشَّرْطِيُّ، أيْ أنَّ هَذا الشَّرْطَ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ إذا في الشَّرْطِيَّةِ مِن قَصْدِ الجَزْمِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ بِخِلافِ إنَّ.
وأذِنَتْ أيِ: اسْتَمَعَتْ، وفِعْلُ أذِنَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ
صفحة ٢١٩
الأُذُنِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ آلَةُ السَّمْعِ في الإنْسانِ يُقالُ أُذُنٌ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَمِعْ لَهُ، أيْ: أصْغى إلَيْهِ أُذُنَهُ.
وهُوَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّأثُّرِ لِأمْرِ اللَّهِ التَّكْوِينِيِّ بِأنْ تَنْشَقَّ. ولَيْسَ هو بِاسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ ولا تَمْثِيلِيَّةٍ.
والتَّعْبِيرُ بِـ رَبِّها دُونَ ذَلِكَ مِن أسْماءِ اللَّهِ وطُرُقِ تَعْرِيفِهِ، لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والتَّدْبِيرِ.
وجُمْلَةُ وحُقَّتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها.
والمَعْنى: وهي مَحْقُوقَةٌ بِأنْ تَأْذَنَ لِرَبِّها لِأنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ سُلْطانِ قُدْرَتِهِ وإنْ عَظُمَ سُمْكُها واشْتَدَّ خَلْقُها وطالَ زَمانُ رَتْقِها فَما ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ لَها، فَهو الَّذِي إذا شاءَ أزالَها.
فَمُتَعَلِّقُ حُقَّتْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ وأذِنَتْ لِرَبِّها أيْ: وحُقَّتْ بِذَلِكَ الِانْقِيادِ والتَّأثُّرِ يُقالُ: حُقَّ فُلانٌ بِكَذا، أيْ: تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولَمّا كانَ فاعِلُ تَوْجِيهِ الحَقِّ غَيْرَ واضِحٍ تَعْيِينُهُ غالِبًا، كانَ فِعْلُ حُقَّ بِكَذا، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في الِاسْتِعْمالِ، ومَرْفُوعُهُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، فَيُقالُ: حَقِيقٌ عَلَيْهِ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وهو مَحْقُوقٌ بِكَذا، قالَ الأعْشى:
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعانَ مُوَفَّقُ
والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ.
ومَدُّ الأرْضِ: بَسْطُها، وظاهِرُ هَذا أنَّها يُزالُ ما عَلَيْها مِن جِبالٍ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ فَتَزُولُ انْثِناءاتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥] .
صفحة ٢٢٠
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنِ اتِّساعِ مِساحَةِ ظاهِرِها بِتَشَقُّقِها بِالزِّلْزالِ وبُرُوزِ أجْزاءٍ مِن باطِنِها إلى سَطْحِها.
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يُزالَ تَكْوِيرُها بِتَمَدُّدِ جِسْمِها حَتّى تَصِيرَ إلى الِاسْتِطالَةِ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُؤْذِنُ بِاخْتِلالِ نِظامِ سَيْرِ الأرْضِ وتَغَيُّرِ أحْوالِ الجاذِبِيَّةِ وما بِالأرْضِ مِن كُرَةِ الهَواءِ فَيَعْقُبُ ذَلِكَ زَوالُ هَذا العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ صالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلى ما يُناسِبُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ في مَدِّ الأرْضِ ومُحْتَمِلٌ لِأنْ تَنْقَذِفَ مِن باطِنِ الأرْضِ أجْزاءٌ أُخْرى يَكُونُ لِانْقِذافِها أثَرٌ في إتْلافِ المَوْجُوداتِ مِثْلَ البَراكِينِ وانْدِفاعِ الصُّخُورِ العَظِيمَةِ وانْفِجارِ العُيُونِ إلى ظاهِرِ الأرْضِ فَيَكُونُ طُوفانٌ.
وتَخَلَّتْ أيْ: أخْرَجَتْ ما في باطِنِها فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ تَخَلّى يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الخُلُوِّ عَنْ شَيْءٍ لِما في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ كَما يُقالُ تَكَرَّمَ فُلانٌ إذا بالَغَ في الإكْرامِ.
والمَعْنى: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِمّا في باطِنِ الأرْضِ شَيْءٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ إلى آخِرِهِ جَوابُ إذا بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: فَمُلاقِيهِ ونُسِبَ هَذا إلى المُبَرِّدِ، أيْ: لِأنَّ المَعْطُوفَ الأخِيرَ بِالفاءِ في الأخْبارِ هو المَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ مَعَهُ.
فالمَعْنى: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ وإذا الأرْضُ مُدَّتْ لاقَيْتَ رَبَّكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ كَدْحِكَ لِمُلاقاتِهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ إدْماجًا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ أمامَ المَقْصُودِ.
وجَوَّزَ المُبَرِّدُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَمُلاقِيهِ والتَّقْدِيرُ: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلى آخِرِهِ لاقَيْتَ أيُّها الإنْسانُ رَبَّكَ.
وجَوَّزُ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وإنَّ الواوَ زائِدَةٌ في
صفحة ٢٢١
الجَوابِ. ورَدَّهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ العَرَبَ لا تُقْحِمُ الواوَ إلّا إذا كانَتْ إذا بَعْدَ حَتّى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] أوْ بَعْدَ لَمّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣] الآيَةَ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ونُسِبَ إلى الكِسائِيِّ واسْتَحْسَنَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ.
والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فاللّامُ في قَوْلِهِ: الإنْسانُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وهو لِلِاسْتِغْراقِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] .
والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا وعِيدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، فالخِطابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ زِيادَةٌ لِلْإنْذارِ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرٌ وتَبْشِيرٌ. وقِيلَ: أُرِيدَ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ فَقِيلَ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في الِاسْتِيعابِ والإصابَةِ ووَقَعَ في الكَشّافِ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ كَما ضَبَطَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ هو في جامِعِ الأُصُولِ بِالمُهْمَلَةِ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما سَبَبَ النُّزُولِ أوْ هو مَلْحُوظٌ ابْتِداءً.
والكَدْحُ: يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ لا نَتَحَقَّقُ أيُّها الحَقِيقَةُ، وقَدْ أهْمَلَ هَذِهِ المادَّةَ في الأساسِ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ. وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ حَقِيقَتَهُ: إتْعابُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدِّ. وتَعْلِيقُ مَجْرُورِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ إلى تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ عَمَلٌ يَنْتَهِي إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ساعٍ؛ لِأنَّ كَدْحَ النّاسِ في الحَياةِ يَتَطَلَّبُونَ بِعَمَلِ اليَوْمِ عَمَلًا لِغَدٍ وهَكَذا، وكَذَلِكَ يَتَقَضّى بِهِ زَمَنُ العُمُرِ الَّذِي هو أجَلُ حَياةِ كُلِّ إنْسانٍ ويَعْقُبُهُ المَوْتُ الَّذِي هو رُجُوعُ نَفْسِ الإنْسانِ إلى مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، فَلَمّا آلَ سَعْيُهُ وكَدْحُهُ إلى المَوْتِ جُعِلَ كَدْحُهُ إلى رَبِّهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ كادِحٌ تَسْعى إلى المَوْتِ وهو لِقاءُ رَبِّكَ، وعَلَيْهِ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ حَرْفِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ماشٍ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا.
وكَدْحًا مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ لِتَأْكِيدِ (كادِحٌ) المُضَمَّنِ مَعْنى ساعٍ إلى رَبِّكَ، أيْ: ساعٍ إلَيْهِ لا مَحالَةَ ولا مَفَرَّ.
صفحة ٢٢٢
وضَمِيرُ النَّصْبِ في مُلاقِيهِ عائِدٌ إلى الرَّبِّ، أيْ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، أيْ: لا مَفَرَّ لَكَ مِن لِقاءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِإنَّ.
الانشقاق 84:5
صفحة ٢١٨
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ .
قُدِّمَ الظَّرْفُ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ عَلى عامِلِهِ وهو كادِحٌ لِلتَّهْوِيلِ والتَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ وأوَّلُ الكَلامِ في الِاعْتِبارِ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلَخْ.
ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ إذا بِجُزْءٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ وكانَتْ إذا ظَرْفًا مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ صارَ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ جَوابًا لِشَرْطِ إذا ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إذا ظَرْفٌ خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، أيْ: خافِضٌ لِجُمْلَةِ شَرْطِهِ بِإضافَتِهِ إلَيْها مَنصُوبًا بِجَوابِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَكِلاهُما عامِلٌ ومَعْمُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ إذا مُؤَوَّلٌ بِالمُسْتَقْبَلِ وصِيَغَ بِالمُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ إذا القَطْعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ.
وانْشَقَّتْ مُطاوِعُ شَقَّها، أيْ: حِينَ يَشُقُّ السَّماءَ شاقٌّ فَتَنْشَقُّ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ شَقَّها فانْشَقَّتْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وأذِنَتْ لِرَبِّها.
والِانْشِقاقُ: هَذا هو الِانْفِطارُ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] وهو انْشِقاقٌ يَلُوحُ لِلنّاسِ في جَوِّ السَّماءِ مِن جَرّاءِ اخْتِلالِ تَرْكِيبِ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ أوْ مِن ظُهُورِ أجْرامٍ كَوْكَبِيَّةٍ تَخْرُجُ عَنْ دَوائِرِها المُعْتادَةِ في الجَوِّ الأعْلى فَتَنْشَقُّ القُبَّةُ الهَوائِيَّةُ فَهو انْشِقاقٌ يَقَعُ عِنْدَ اخْتِلالِ نِظامِ هَذا العالَمِ.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو التَّعْلِيقُ الشَّرْطِيُّ، أيْ أنَّ هَذا الشَّرْطَ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ إذا في الشَّرْطِيَّةِ مِن قَصْدِ الجَزْمِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ بِخِلافِ إنَّ.
وأذِنَتْ أيِ: اسْتَمَعَتْ، وفِعْلُ أذِنَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ
صفحة ٢١٩
الأُذُنِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ آلَةُ السَّمْعِ في الإنْسانِ يُقالُ أُذُنٌ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَمِعْ لَهُ، أيْ: أصْغى إلَيْهِ أُذُنَهُ.
وهُوَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّأثُّرِ لِأمْرِ اللَّهِ التَّكْوِينِيِّ بِأنْ تَنْشَقَّ. ولَيْسَ هو بِاسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ ولا تَمْثِيلِيَّةٍ.
والتَّعْبِيرُ بِـ رَبِّها دُونَ ذَلِكَ مِن أسْماءِ اللَّهِ وطُرُقِ تَعْرِيفِهِ، لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والتَّدْبِيرِ.
وجُمْلَةُ وحُقَّتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها.
والمَعْنى: وهي مَحْقُوقَةٌ بِأنْ تَأْذَنَ لِرَبِّها لِأنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ سُلْطانِ قُدْرَتِهِ وإنْ عَظُمَ سُمْكُها واشْتَدَّ خَلْقُها وطالَ زَمانُ رَتْقِها فَما ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ لَها، فَهو الَّذِي إذا شاءَ أزالَها.
فَمُتَعَلِّقُ حُقَّتْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ وأذِنَتْ لِرَبِّها أيْ: وحُقَّتْ بِذَلِكَ الِانْقِيادِ والتَّأثُّرِ يُقالُ: حُقَّ فُلانٌ بِكَذا، أيْ: تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولَمّا كانَ فاعِلُ تَوْجِيهِ الحَقِّ غَيْرَ واضِحٍ تَعْيِينُهُ غالِبًا، كانَ فِعْلُ حُقَّ بِكَذا، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في الِاسْتِعْمالِ، ومَرْفُوعُهُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، فَيُقالُ: حَقِيقٌ عَلَيْهِ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وهو مَحْقُوقٌ بِكَذا، قالَ الأعْشى:
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعانَ مُوَفَّقُ
والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ.
ومَدُّ الأرْضِ: بَسْطُها، وظاهِرُ هَذا أنَّها يُزالُ ما عَلَيْها مِن جِبالٍ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ فَتَزُولُ انْثِناءاتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥] .
صفحة ٢٢٠
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنِ اتِّساعِ مِساحَةِ ظاهِرِها بِتَشَقُّقِها بِالزِّلْزالِ وبُرُوزِ أجْزاءٍ مِن باطِنِها إلى سَطْحِها.
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يُزالَ تَكْوِيرُها بِتَمَدُّدِ جِسْمِها حَتّى تَصِيرَ إلى الِاسْتِطالَةِ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُؤْذِنُ بِاخْتِلالِ نِظامِ سَيْرِ الأرْضِ وتَغَيُّرِ أحْوالِ الجاذِبِيَّةِ وما بِالأرْضِ مِن كُرَةِ الهَواءِ فَيَعْقُبُ ذَلِكَ زَوالُ هَذا العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ صالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلى ما يُناسِبُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ في مَدِّ الأرْضِ ومُحْتَمِلٌ لِأنْ تَنْقَذِفَ مِن باطِنِ الأرْضِ أجْزاءٌ أُخْرى يَكُونُ لِانْقِذافِها أثَرٌ في إتْلافِ المَوْجُوداتِ مِثْلَ البَراكِينِ وانْدِفاعِ الصُّخُورِ العَظِيمَةِ وانْفِجارِ العُيُونِ إلى ظاهِرِ الأرْضِ فَيَكُونُ طُوفانٌ.
وتَخَلَّتْ أيْ: أخْرَجَتْ ما في باطِنِها فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ تَخَلّى يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الخُلُوِّ عَنْ شَيْءٍ لِما في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ كَما يُقالُ تَكَرَّمَ فُلانٌ إذا بالَغَ في الإكْرامِ.
والمَعْنى: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِمّا في باطِنِ الأرْضِ شَيْءٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ إلى آخِرِهِ جَوابُ إذا بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: فَمُلاقِيهِ ونُسِبَ هَذا إلى المُبَرِّدِ، أيْ: لِأنَّ المَعْطُوفَ الأخِيرَ بِالفاءِ في الأخْبارِ هو المَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ مَعَهُ.
فالمَعْنى: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ وإذا الأرْضُ مُدَّتْ لاقَيْتَ رَبَّكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ كَدْحِكَ لِمُلاقاتِهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ إدْماجًا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ أمامَ المَقْصُودِ.
وجَوَّزَ المُبَرِّدُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَمُلاقِيهِ والتَّقْدِيرُ: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلى آخِرِهِ لاقَيْتَ أيُّها الإنْسانُ رَبَّكَ.
وجَوَّزُ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وإنَّ الواوَ زائِدَةٌ في
صفحة ٢٢١
الجَوابِ. ورَدَّهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ العَرَبَ لا تُقْحِمُ الواوَ إلّا إذا كانَتْ إذا بَعْدَ حَتّى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] أوْ بَعْدَ لَمّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣] الآيَةَ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ونُسِبَ إلى الكِسائِيِّ واسْتَحْسَنَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ.
والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فاللّامُ في قَوْلِهِ: الإنْسانُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وهو لِلِاسْتِغْراقِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] .
والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا وعِيدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، فالخِطابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ زِيادَةٌ لِلْإنْذارِ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرٌ وتَبْشِيرٌ. وقِيلَ: أُرِيدَ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ فَقِيلَ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في الِاسْتِيعابِ والإصابَةِ ووَقَعَ في الكَشّافِ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ كَما ضَبَطَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ هو في جامِعِ الأُصُولِ بِالمُهْمَلَةِ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما سَبَبَ النُّزُولِ أوْ هو مَلْحُوظٌ ابْتِداءً.
والكَدْحُ: يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ لا نَتَحَقَّقُ أيُّها الحَقِيقَةُ، وقَدْ أهْمَلَ هَذِهِ المادَّةَ في الأساسِ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ. وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ حَقِيقَتَهُ: إتْعابُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدِّ. وتَعْلِيقُ مَجْرُورِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ إلى تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ عَمَلٌ يَنْتَهِي إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ساعٍ؛ لِأنَّ كَدْحَ النّاسِ في الحَياةِ يَتَطَلَّبُونَ بِعَمَلِ اليَوْمِ عَمَلًا لِغَدٍ وهَكَذا، وكَذَلِكَ يَتَقَضّى بِهِ زَمَنُ العُمُرِ الَّذِي هو أجَلُ حَياةِ كُلِّ إنْسانٍ ويَعْقُبُهُ المَوْتُ الَّذِي هو رُجُوعُ نَفْسِ الإنْسانِ إلى مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، فَلَمّا آلَ سَعْيُهُ وكَدْحُهُ إلى المَوْتِ جُعِلَ كَدْحُهُ إلى رَبِّهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ كادِحٌ تَسْعى إلى المَوْتِ وهو لِقاءُ رَبِّكَ، وعَلَيْهِ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ حَرْفِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ماشٍ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا.
وكَدْحًا مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ لِتَأْكِيدِ (كادِحٌ) المُضَمَّنِ مَعْنى ساعٍ إلى رَبِّكَ، أيْ: ساعٍ إلَيْهِ لا مَحالَةَ ولا مَفَرَّ.
صفحة ٢٢٢
وضَمِيرُ النَّصْبِ في مُلاقِيهِ عائِدٌ إلى الرَّبِّ، أيْ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، أيْ: لا مَفَرَّ لَكَ مِن لِقاءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِإنَّ.
الانشقاق 84:6
صفحة ٢١٨
﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ .
قُدِّمَ الظَّرْفُ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ عَلى عامِلِهِ وهو كادِحٌ لِلتَّهْوِيلِ والتَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ وأوَّلُ الكَلامِ في الِاعْتِبارِ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلَخْ.
ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ إذا بِجُزْءٍ مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ وكانَتْ إذا ظَرْفًا مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ صارَ: يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ جَوابًا لِشَرْطِ إذا ولِذَلِكَ يَقُولُونَ إذا ظَرْفٌ خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، أيْ: خافِضٌ لِجُمْلَةِ شَرْطِهِ بِإضافَتِهِ إلَيْها مَنصُوبًا بِجَوابِهِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَكِلاهُما عامِلٌ ومَعْمُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُضافَةِ إلَيْهِ إذا مُؤَوَّلٌ بِالمُسْتَقْبَلِ وصِيَغَ بِالمُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ إذا القَطْعُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ.
وانْشَقَّتْ مُطاوِعُ شَقَّها، أيْ: حِينَ يَشُقُّ السَّماءَ شاقٌّ فَتَنْشَقُّ، أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ شَقَّها فانْشَقَّتْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ وأذِنَتْ لِرَبِّها.
والِانْشِقاقُ: هَذا هو الِانْفِطارُ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] وهو انْشِقاقٌ يَلُوحُ لِلنّاسِ في جَوِّ السَّماءِ مِن جَرّاءِ اخْتِلالِ تَرْكِيبِ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ أوْ مِن ظُهُورِ أجْرامٍ كَوْكَبِيَّةٍ تَخْرُجُ عَنْ دَوائِرِها المُعْتادَةِ في الجَوِّ الأعْلى فَتَنْشَقُّ القُبَّةُ الهَوائِيَّةُ فَهو انْشِقاقٌ يَقَعُ عِنْدَ اخْتِلالِ نِظامِ هَذا العالَمِ.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو التَّعْلِيقُ الشَّرْطِيُّ، أيْ أنَّ هَذا الشَّرْطَ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، زِيادَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ إذا في الشَّرْطِيَّةِ مِن قَصْدِ الجَزْمِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ بِخِلافِ إنَّ.
وأذِنَتْ أيِ: اسْتَمَعَتْ، وفِعْلُ أذِنَ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ
صفحة ٢١٩
الأُذُنِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ آلَةُ السَّمْعِ في الإنْسانِ يُقالُ أُذُنٌ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَمِعْ لَهُ، أيْ: أصْغى إلَيْهِ أُذُنَهُ.
وهُوَ هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّأثُّرِ لِأمْرِ اللَّهِ التَّكْوِينِيِّ بِأنْ تَنْشَقَّ. ولَيْسَ هو بِاسْتِعارَةٍ تَبَعِيَّةٍ ولا تَمْثِيلِيَّةٍ.
والتَّعْبِيرُ بِـ رَبِّها دُونَ ذَلِكَ مِن أسْماءِ اللَّهِ وطُرُقِ تَعْرِيفِهِ، لِما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والتَّدْبِيرِ.
وجُمْلَةُ وحُقَّتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها.
والمَعْنى: وهي مَحْقُوقَةٌ بِأنْ تَأْذَنَ لِرَبِّها لِأنَّها لا تَخْرُجُ عَنْ سُلْطانِ قُدْرَتِهِ وإنْ عَظُمَ سُمْكُها واشْتَدَّ خَلْقُها وطالَ زَمانُ رَتْقِها فَما ذَلِكَ كُلُّهُ إلّا مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ لَها، فَهو الَّذِي إذا شاءَ أزالَها.
فَمُتَعَلِّقُ حُقَّتْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ وأذِنَتْ لِرَبِّها أيْ: وحُقَّتْ بِذَلِكَ الِانْقِيادِ والتَّأثُّرِ يُقالُ: حُقَّ فُلانٌ بِكَذا، أيْ: تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولَمّا كانَ فاعِلُ تَوْجِيهِ الحَقِّ غَيْرَ واضِحٍ تَعْيِينُهُ غالِبًا، كانَ فِعْلُ حُقَّ بِكَذا، مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ في الِاسْتِعْمالِ، ومَرْفُوعُهُ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، فَيُقالُ: حَقِيقٌ عَلَيْهِ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وهو مَحْقُوقٌ بِكَذا، قالَ الأعْشى:
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِصَوْتِهِ وأنْ تَعْلَمِي أنَّ المُعانَ مُوَفَّقُ
والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ.
ومَدُّ الأرْضِ: بَسْطُها، وظاهِرُ هَذا أنَّها يُزالُ ما عَلَيْها مِن جِبالٍ كَما يُمَدُّ الأدِيمُ فَتَزُولُ انْثِناءاتُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٥] .
صفحة ٢٢٠
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يَكُونَ ناشِئًا عَنِ اتِّساعِ مِساحَةِ ظاهِرِها بِتَشَقُّقِها بِالزِّلْزالِ وبُرُوزِ أجْزاءٍ مِن باطِنِها إلى سَطْحِها.
ومِن مَعانِي المَدِّ أنْ يُزالَ تَكْوِيرُها بِتَمَدُّدِ جِسْمِها حَتّى تَصِيرَ إلى الِاسْتِطالَةِ بَعْدَ التَّكْوِيرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُؤْذِنُ بِاخْتِلالِ نِظامِ سَيْرِ الأرْضِ وتَغَيُّرِ أحْوالِ الجاذِبِيَّةِ وما بِالأرْضِ مِن كُرَةِ الهَواءِ فَيَعْقُبُ ذَلِكَ زَوالُ هَذا العالَمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ صالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلى ما يُناسِبُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ في مَدِّ الأرْضِ ومُحْتَمِلٌ لِأنْ تَنْقَذِفَ مِن باطِنِ الأرْضِ أجْزاءٌ أُخْرى يَكُونُ لِانْقِذافِها أثَرٌ في إتْلافِ المَوْجُوداتِ مِثْلَ البَراكِينِ وانْدِفاعِ الصُّخُورِ العَظِيمَةِ وانْفِجارِ العُيُونِ إلى ظاهِرِ الأرْضِ فَيَكُونُ طُوفانٌ.
وتَخَلَّتْ أيْ: أخْرَجَتْ ما في باطِنِها فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ تَخَلّى يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الخُلُوِّ عَنْ شَيْءٍ لِما في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ كَما يُقالُ تَكَرَّمَ فُلانٌ إذا بالَغَ في الإكْرامِ.
والمَعْنى: إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِمّا في باطِنِ الأرْضِ شَيْءٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] .
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ إلى آخِرِهِ جَوابُ إذا بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: فَمُلاقِيهِ ونُسِبَ هَذا إلى المُبَرِّدِ، أيْ: لِأنَّ المَعْطُوفَ الأخِيرَ بِالفاءِ في الأخْبارِ هو المَقْصُودُ مِمّا ذُكِرَ مَعَهُ.
فالمَعْنى: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ وإذا الأرْضُ مُدَّتْ لاقَيْتَ رَبَّكَ أيُّها الإنْسانُ بَعْدَ كَدْحِكَ لِمُلاقاتِهِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ إدْماجًا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ أمامَ المَقْصُودِ.
وجَوَّزَ المُبَرِّدُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَمُلاقِيهِ والتَّقْدِيرُ: إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ إلى آخِرِهِ لاقَيْتَ أيُّها الإنْسانُ رَبَّكَ.
وجَوَّزُ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ: وأذِنَتْ لِرَبِّها وإنَّ الواوَ زائِدَةٌ في
صفحة ٢٢١
الجَوابِ. ورَدَّهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّ العَرَبَ لا تُقْحِمُ الواوَ إلّا إذا كانَتْ إذا بَعْدَ حَتّى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] أوْ بَعْدَ لَمّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣] الآيَةَ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ونُسِبَ إلى الكِسائِيِّ واسْتَحْسَنَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ.
والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فاللّامُ في قَوْلِهِ: الإنْسانُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وهو لِلِاسْتِغْراقِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] .
والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا وعِيدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، فالخِطابُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ زِيادَةٌ لِلْإنْذارِ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرٌ وتَبْشِيرٌ. وقِيلَ: أُرِيدَ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ فَقِيلَ هو الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في الِاسْتِيعابِ والإصابَةِ ووَقَعَ في الكَشّافِ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ كَما ضَبَطَهُ الطِّيبِيُّ وقالَ هو في جامِعِ الأُصُولِ بِالمُهْمَلَةِ، وقِيلَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما سَبَبَ النُّزُولِ أوْ هو مَلْحُوظٌ ابْتِداءً.
والكَدْحُ: يُطْلَقُ عَلى مَعانٍ كَثِيرَةٍ لا نَتَحَقَّقُ أيُّها الحَقِيقَةُ، وقَدْ أهْمَلَ هَذِهِ المادَّةَ في الأساسِ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ. وظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ حَقِيقَتَهُ: إتْعابُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدِّ. وتَعْلِيقُ مَجْرُورِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَرْفِ إلى تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ عَمَلٌ يَنْتَهِي إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ساعٍ؛ لِأنَّ كَدْحَ النّاسِ في الحَياةِ يَتَطَلَّبُونَ بِعَمَلِ اليَوْمِ عَمَلًا لِغَدٍ وهَكَذا، وكَذَلِكَ يَتَقَضّى بِهِ زَمَنُ العُمُرِ الَّذِي هو أجَلُ حَياةِ كُلِّ إنْسانٍ ويَعْقُبُهُ المَوْتُ الَّذِي هو رُجُوعُ نَفْسِ الإنْسانِ إلى مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، فَلَمّا آلَ سَعْيُهُ وكَدْحُهُ إلى المَوْتِ جُعِلَ كَدْحُهُ إلى رَبِّهِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ كادِحٌ تَسْعى إلى المَوْتِ وهو لِقاءُ رَبِّكَ، وعَلَيْهِ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ حَرْفِ إنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ كادِحٌ مَعْنى ماشٍ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا.
وكَدْحًا مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ لِتَأْكِيدِ (كادِحٌ) المُضَمَّنِ مَعْنى ساعٍ إلى رَبِّكَ، أيْ: ساعٍ إلَيْهِ لا مَحالَةَ ولا مَفَرَّ.
صفحة ٢٢٢
وضَمِيرُ النَّصْبِ في مُلاقِيهِ عائِدٌ إلى الرَّبِّ، أيْ: فَمُلاقٍ رَبَّكَ، أيْ: لا مَفَرَّ لَكَ مِن لِقاءِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِإنَّ.
الانشقاق 84:7
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:8
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:9
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:10
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:11
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:12
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:13
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:14
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:15
﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿ويُصَلّى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ .
هَذا تَفْصِيلُ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: رُجُوعُ جَمِيعِ النّاسِ أُولَئِكَ إلى اللَّهِ، فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَرِيقٌ مِنَ النّاسِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، ومَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ فَرِيقٌ آخَرُ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾، وبَيْنَ مُنْتَهاهُما مَراتِبُ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اعْتِبارِ تَقْسِيمِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ أتْقِياءَ ومُشْرِكِينَ.
والكِتابُ: صَحِيفَةُ الأعْمالِ، وجُعِلَ إيتاؤُهُ إيّاهُ بِيَمِينِهِ شِعارًا لِلسَّعادَةِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ اليَدَ اليُمْنى تَتَناوَلُ الأشْياءَ الزَّكِيَّةَ، وهَذا في غَرِيزَةِ البَشَرِ نَشَأ عَنْ كَوْنِ الجانِبِ الأيْمَنِ مِنَ الجَسَدِ أقْدَرُ وأبْدَرُ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ العَزْمُ بِعَمَلِهِ، فارْتَكَزَ في النُّفُوسِ أنَّ البَرَكَةَ في الجانِبِ الأيْمَنِ حَتّى سَمَّوُا البَرَكَةَ والسَّعادَةَ يُمْنًا، ووَسَمُوا ضِدَّها بِالشُّؤْمِ، فَكانَتْ بَرَكَةُ اليَمِينِ مِمّا وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى في أصْلِ فِطْرَةِ الإنْسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿وأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٨] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِيَمِينِهِ لِلْمُلابَسَةِ أوِ المُصاحَبَةِ، أوْ هي بِمَعْنى في، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ أُوتِيَ.
وحَرْفُ سَوْفَ أصْلُهُ لِحُصُولِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ بِهِ
صفحة ٢٢٣
المُسْتَقْبَلُ البَعِيدُ وذَلِكَ هو الشّائِعُ، ويُقْصَدُ بِهِ في الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ تَحَقُّقُ حُصُولِ الفِعْلِ واسْتِمْرارِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ، وهو هَنا مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ والِاسْتِمْرارِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفِعْلِ القابِلِ لِلِاسْتِمْرارِ وهو يَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا وهو المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعْدِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
والحِسابُ اليَسِيرُ: هو عَرْضُ أعْمالِهِ عَلَيْهِ دُونَ مُناقَشَةٍ فَلا يَطُولُ زَمَنُهُ فَيُعَجَّلُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، وذَلِكَ إذا كانَتْ أعْمالُهُ صالِحَةً، فالحِسابُ اليَسِيرُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ.
و﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ هو الكافِرُ. والمَعْنى: أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ بِـ ﴿مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ وذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الحاقَّةِ قَوْلُهُ: ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، أيْ: يُعْطى كِتابَهُ مِن خَلْفِهِ فَيَأْخُذُهُ بِشَمالِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ويُناوَلُ لَهُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ إظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَنْظُرُ مُناوِلُهُ كِتابَهُ إلى وجْهِهِ.
وظَرْفُ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كِتابِهِ.
﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: يَرْجِعُ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ.
والأهْلُ: العَشِيرَةُ مِن زَوْجَةٍ وأبْناءٍ وقَرابَةٍ.
وهَذا التَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُحاسَبِ حِسابًا يَسِيرًا في المَسَرَّةِ والفَوْزِ والنَّجاةِ بَعْدَ العَمَلِ الصّالِحِ في الدُّنْيا، بِحالِ المُسافِرِ لِتِجارَةٍ حِينَ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ سالِمًا رابِحًا لِما في الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مِن وفْرَةِ المَسَرَّةِ بِالفَوْزِ والرِّبْحِ والسَّلامَةِ ولِقاءِ الأهْلِ وكُلِّهِمْ في مَسَرَّةٍ فَذَلِكَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الهَيْأتَيْنِ وهو السُّرُورُ المَأْلُوفُ لِلْمُخاطَبِينَ، فالكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ.
ولَيْسَ المُرادُ رُجُوعَهُ إلى مَنزِلِهِ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى يُقالَ لِمَصِيرِهِ إلَيْهِ انْقِلابٌ، ولِأنَّهُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ أهْلٌ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ طُولِ الرّاحَةِ؛ لِأنَّ المُسافِرَ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ فارَقَ المَتاعِبَ زَمانٌ.
صفحة ٢٢٤
والمُرادُ بِالدُّعاءِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو ثُبُورًا﴾ النِّداءُ، أيْ: يُنادِي الثُّبُورَ بِأنْ يَقُولَ: يا ثُبُورِي، أوْ يا ثُبُورًا، كَما يُقالُ: يا ويْلِيَ ويا ويْلَتَنا.
والثُّبُورُ: الهَلاكُ وسُوءُ الحالِ وهي كَلِمَةٌ يَقُولُها مَن وقَعَ في شَقاءٍ وتَعْسٍ.
والنِّداءُ في مِثْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ والتَّوَجُّعِ مِن مَعْنى الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ حَرْفِ النِّداءِ.
ويُصَلّى قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ صَلاهُ إذا أحْرَقَهُ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ويَصْلى بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مُضارِعُ صَلِيَ اللّازِمِ إذا مَسَّتْهُ النّارُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] .
وانْتَصَبَ سَعِيرًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ بِتَقْدِيرِ يَصْلى بِسَعِيرٍ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي يَطَّرِدُ في جَمِيعِ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ النّارِ ونَحْوُهُ مَنصُوبًا بَعْدَ الأفْعالِ المُشْتَقَّةِ مِنَ الصِّلِيِّ والتَّصْلِيَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ فانْظُرْهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ انْقَلَبَتْ مِن ذَلِكَ السُّرُورِ الَّذِي كانَ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا المَعْرُوفِ مِن أحْوالِهِمْ بِما حُكِيَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] فَآلُوا إلى ألَمِ النّارِ في الآخِرَةِ حَتّى دَعَوْا بِالثُّبُورِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ مِن شَأْنِ الأخْبارِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّعْجِيبِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ ”إنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ“ أيْ: عَلى النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ إلى آخِرِها.
وحَرْفُ إنَّ فِيها مُغْنٍ عَنْ فاءِ التَّعْلِيلِ، فالمَعْنى: يَصْلى سَعِيرًا لِأنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ لِأنَّهُ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، يُقالُ: حارَ
صفحة ٢٢٥
يَحُورُ، إذا رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الرُّجُوعِ إلى حالَةٍ كانَ فِيها بَعْدَ أنْ فارَقَها، وهو المُرادُ هُنا وهو مِنَ المَجازِ الشّائِعِ في إطْلاقِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] وسُمِّيَ يَوْمُ البَعْثِ يَوْمَ المَعادِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ لَنِ الدّالِّ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ وتَأْيِيدِهِ لِحِكايَةِ جَزْمِهِمْ وقَطْعِهِمْ بِنَفْيِهِ.
وحَرْفُ بَلى يُجابُ بِهِ الكَلامُ المَنفِيُّ لِإبْطالِ نَفْيِهِ وأكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ النَّفْيِ نَحْوَ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ويَقَعُ بَعْدَ غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] .
ومَوْقِعُ بَلى الِاسْتِئْنافُ كَأحْرُفِ الجَوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ بَلى عَلى وجْهِ الإجْمالِ يَعْنِي: أنَّ ظَنَّهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ رَبَّهُ أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ.
والمَعْنى: إنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ بِمَآلِهِ. وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِحَرْفِ إنَّ لِرَدِّهِ إنْكارَهُ البَعْثَ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَآلَ المَعْنى الحاصِلُ مِن حَرْفِ الإبْطالِ ومِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ إلى مَعْنى: أنَّ رَبَّهُ بَصِيرٌ بِهِ، وأمّا هو فَغَيْرُ بَصِيرٍ بِحالِهِ كَقَوْلِهِ: واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
وتَعْدِيَةُ بَصِيرًا بِالباءِ لِأنَّهُ مِن بَصُرَ القاصِرِ بِضَمِّ الصّادِ بِهِ إذا رَآهُ رُؤْيَةً مُحَقَّقَةً، فالباءُ فِيهِ مَعْناها المُلابَسَةُ أوِ الإلْصاقُ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى حِكْمَةِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ رَبَّ النّاسِ عَلِيمٌ بِأحْوالِهِمْ، فَمِنهُمُ المُصْلِحُ ومِنهُمُ المُفْسِدُ والكُلُّ مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ، فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَذْهَبَ المُفْسِدُ بِفَسادِهِ وما ألْحَقَهُ بِالمَوْجُوداتِ مِن مَضارَّ وأنْ يُهْمَلَ صَلاحُ المُصْلِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ وجَعَلَها لِلْجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ صاحِبُها في حَياتِهِ الأُولى.
وأُطْلِقَ البَصَرُ هُنا عَلى العِلْمِ التّامِّ بِالشَّيْءِ.
صفحة ٢٢٦
وعُلِّقَ وصْفُ بَصِيرٍ بِضَمِيرِ الإنْسانِ الَّذِي ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ، والمُرادُ: العِلْمُ بِأحْوالِهِ لا بِذاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المَجْرُورِ، أيْ: بَصِيرٌ بِهِ لا مَحالَةَ مَعَ مُراعاةِ الفَواصِلِ.
الانشقاق 84:16
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابِهِ، عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى هُنا: فَإنَّهُ اقْتَضى أنَّ ثَمَّةَ حِسابًا وجَزاءً بِخَيْرٍ وشَرٍّ، فَكانَ هَذا التَّفْرِيعُ فَذْلَكَةً وحَوْصَلَةً لِما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ وكانَ أيْضًا جَمْعًا إجْمالِيًّا لِما يَعْتَرِضُ في ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ.
وتَقَدَّمَ أنَّ لا أُقْسِمُ يُرادُ مِنهُ أُقْسِمُ، وتَقَدَّمَ وجْهُ القَسَمِ بِهَذِهِ الأحْوالِ والمَخْلُوقاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
ومُناسَبَةُ الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها هُنا لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الشَّفَقَ واللَّيْلَ والقَمَرَ تُخالِطُ أحْوالًا بَيْنَ الظُّلْمَةِ وظُهُورِ النُّورِ مَعَها، أوْ في خِلالِها، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ مِن تَفاوُتِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَخَبَّطُ فِيها النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، أوْ مِن ظُهُورِ أحْوالِ خَيْرٍ في خِلالِ أحْوالِ شَرٍّ أوِ انْتِظارِ تَغَيُّرِ الأحْوالِ إلى ما يُرْضِيهِمْ إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً كَما سَيَأْتِي.
ولَعَلَّ ذِكْرَ الشَّفَقِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يُشْبِهُ حالَةَ انْتِهاءِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مِثْلُ حالَةِ المَوْتِ، وأنَّ ذِكْرَ اللَّيْلِ إيماءٌ إلى شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ الحِسابِ، وذِكْرَ القَمَرِ إيماءٌ إلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والشَّفَقُ: اسْمٌ لِلْحُمْرَةِ الَّتِي تَظْهَرُ في أُفُقِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إثْرَ غُرُوبِها، وهو ضِياءٌ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ إذا حَجَبَها عَنْ عُيُونِ النّاسِ بَعْضُ جَرْمِ الأرْضِ، واخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ البَياضِ الَّذِي يَكُونُ عَقِبَ الِاحْمِرارِ شَفَقًا.
صفحة ٢٢٧
وما وسَقَ (ما) فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ العائِدِ المَنصُوبِ.
والوَسْقُ: جَمْعُ الأشْياءِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما جَمَعَ مِمّا كانَ مُنْتَشِرًا في النَّهارِ مِن ناسٍ وحَيَوانٍ فَإنَّها تَأْوِي في اللَّيْلِ إلى مَآوِيها، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَ اللَّهُ في الجِبِلَّةِ مِن طَلَبِ الأحْياءِ السُّكُونَ في اللَّيْلِ قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، وذَلِكَ مِن بَدِيعِ التَّكْوِينِ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ بِهِ قَسَمًا أُدْمِجَتْ فِيهِ مِنَّةٌ.
وقِيلَ: ما وسَقَهُ اللَّيْلُ: النُّجُومُ، لِأنَّها تَظْهَرُ في اللَّيْلِ، فَشَبَّهَ ظُهُورَها فِيهِ بِوَسْقِ الواسِقِ أشْياءَ مُتَفَرِّقَةً. وهَذا أنْسَبُ بِعَطْفِ القَمَرِ عَلَيْهِ.
واتِّساقُ القَمَرِ: اجْتِماعُ ضِيائِهِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الوَسْقِ بِمَعْنى الجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وذَلِكَ في لَيْلَةِ البَدْرِ، وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ لِأنَّها مَظْهَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى النّاسِ بِضِيائِهِ.
وأصْلُ فِعْلِ اتَّسَقَ: اوْتَسَقَ قُلِبَتِ الواوُ تاءً فَوْقِيَّةً طَلَبًا لِإدْغامِها في تاءِ الِافْتِعالِ وهو قَلْبٌ مُطَّرِدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ نُسِجَ نَظْمُها نَسْجًا مُجْمَلًا لِتَوْفِيرِ المَعانِي الَّتِي تَذْهَبُ إلَيْها أفْهامُ السّامِعِينَ، فَجاءَتْ عَلى أبْدَعِ ما يُنْسَجُ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي يُرْسَلُ إرْسالَ الأمْثالِ مِنَ الكَلامِ الجامِعِ البَدِيعِ النَّسْجِ الوافِرِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ كَثُرَتْ تَأْوِيلاتُ المُفَسِّرِينَ لَها.
فَلِمَعانِي الرُّكُوبِ المَجازِيَّةِ، ولِمَعانِي الطَّبَقِ مِن حَقِيقِيٍّ ومَجازِيٍّ، مُتَّسَعٌ لِما تُفِيدُهُ الآيَةُ مِنَ المَعانِي، وذَلِكَ ما جَعَلَ لِإيثارِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ خُصُوصِيَّةً مِن أفْنانِ الإعْجازِ القُرْآنِيِّ.
فَأمّا فِعْلُ لَتَرْكَبُنَّ فَحَقِيقَتُهُ مُتَعَذَّرَةٌ هُنا ولَهُ مِنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في الكَلامِ، أوِ الَّتِي يَصِحُّ أنْ تُرادَ في الآيَةِ عِدَّةٌ، مِنها الغَلَبُ والمُتابَعَةُ، والسُّلُوكُ، والِاقْتِحامُ، والمُلازَمَةُ، والرِّفْعَةُ.
صفحة ٢٢٨
وأصْلُ تِلْكَ المَعانِي إمّا اسْتِعارَةٌ وإمّا تَمْثِيلٌ يُقالُ: رَكِبَ أمْرًا صَعْبًا وارْتَكَبَ خَطَأً.
وأمّا كَلِمَةُ طَبَقٍ فَحَقِيقَتُها أنَّها اسْمٌ مُفْرَدٌ لِلشَّيْءِ المُساوِي شَيْئًا آخَرَ في حَجْمِهِ وقَدْرِهِ، وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ والصِّحاحِ أنَّ المُساواةَ بِقَيْدِ كَوْنِ الطَّبَقِ أعْلى مِنَ الشَّيْءِ لِمُساوِيهِ فَهو حَقِيقَةٌ في الغِطاءِ، فَيَكُونُ في الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِمَعْنًى مُقَيَّدٍ كالخِوانِ والكَأْسِ، وظاهِرُ الكَشّافِ أنَّ حَقِيقَتَهُ مُطْلَقُ المُساواةِ، فَيَكُونُ قَيْدُ الِاعْتِلاءِ عارِضًا بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ، يُقالُ: طابَقَ النَّعْلُ النَّعْلَ.
وأيّامّا كانَ فَهو اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعَلٍ، إمّا مُشْتَقٌّ مِنَ المُطابَقَةِ كاشْتِقاقِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ وتُنُوسِيَ مِنهُ الِاشْتِقاقُ، وإمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ اسْمَ الطَّبَقِ وهو الغِطاءُ لُوحِظَ في التَّشْبِيهِ ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَجاءَتْ مِنهُ مادَّةُ المُطابَقَةِ بِمَعْنى المُساواةِ فَيَكُونُ مِنَ المُشْتَقّاتِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا لِلْغِطاءِ الَّذِي يُغَطّى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ وافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ أيْ: غِطاءَهُ وهَذا مِنَ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الغِطاءَ مُساوٍ لِما يُغَطِّيهِ. ويُطْلَقُ الطَّبَقُ عَلى الحالَةِ؛ لِأنَّها مُلابِسَةٌ لِصاحِبِها كَمُلابَسَةِ الطَّبَقِ لِما طُبِقَ عَلَيْهِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا أيْضًا عَلى شَيْءٍ مُتَّخَذٍ مِن أُدُمٍ أوْ عُودٍ ويُؤْكَلُ عَلَيْهِ وتُوضَعُ فِيهِ الفَواكِهُ ونَحْوُها، وكَأنَّهُ سُمِّيَ طَبَقًا لِأنَّ أصْلَهُ يُسْتَعْمَلُ غِطاءَ الآنِيَةِ فَتُوضَعُ فِيهِ أشْياءُ.
ويُطْلَقُ اسْمَ جَمْعٍ لِطَبَقَةٍ، وهي مَكانٌ فَوْقَ مَكانٍ آخَرَ مُعْتَبَرٍ مِثْلُهُ في المِقْدارِ إلّا أنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ المَجازِ يُقالُ: أتانا طَبَقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ.
ويُقارِنُ اخْتِلافُ مَعانِي اللَّفْظَيْنِ اخْتِلافَ مَعْنى (عَنْ) مِن مُجاوَزَةٍ وهي مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، أوْ مِن مُرادَفَةِ كَلِمَةِ (بَعْدَ) وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ.
وكَذَلِكَ اخْتِلافُ وجْهِ النَّصْبِ لِلَفْظِ طَبَقًا بَيْنَ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، وتَزْدادُ هَذِهِ المَحامِلُ إذا لَمْ تُقْصَرِ الجُمَلُ عَلى ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِسِياقِ الكَلامِ مِن مَوْقِعِ الجُمْلَةِ عَقِبَ آيَةِ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] الآياتِ. ومِن وُقُوعِها بَعْدَ القَسَمِ المُشْعِرِ
صفحة ٢٢٩
بِالتَّأْكِيدِ، ومِنِ اقْتَضاءِ فِعْلِ المُضارَعَةِ بَعْدَ القَسَمِ أنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَتَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ المَحامِلِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ صالِحَةٌ لِتَأْوِيلِ الآيَةِ.
فَقِيلَ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ، رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، والأظْهَرُ أنَّهُ تَهْدِيدٌ بِأهْوالِ القِيامَةِ فَتَنْوِينُ طَبَقٍ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وعَنْ بِمَعْنى (بَعْدَ) والبُعْدِيَّةُ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي بُعْدِيَّةُ ارْتِقاءٍ، أيْ: لَتُلاقُنَّ هَوْلًا أعْظَمَ مِن هَوْلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . وإطْلاقُ الطَّبَقِ عَلى الحالَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ الحالَةَ مُطابِقَةٌ لِعَمَلِ صاحِبِها.
ورَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ تَفْسِيرَ الأحْوالِ بِأنَّها أحْوالُ مَوْتٍ وإحْياءٍ، وحَشْرٍ، وسَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ، ونَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، كَما يَكْتُبُ اللَّهُ لِكُلِّ أحَدٍ عِنْدَ تَكْوِينِهِ رَواهُ جابِرٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وفي إسْنادِهِ ضُعَفاءُ. أوْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ مَعَ اخْتِلافٍ في تَعْيِينِ الحالِ.
وقِيلَ: لَتَرْكَبُنَّ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ عَلى أنَّ طَبَقًا اسْمُ مَنزِلَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أيْ: لَتَصِيرُنَّ مِن طَبَقِ الدُّنْيا إلى طَبَقِ الآخِرَةِ، أوْ إنَّ قَوْمًا كانُوا في الدُّنْيا مُتَّضِعِينَ فارْتَفَعُوا في الآخِرَةِ، فالتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّفْرِيعِ.
وقِيلَ: مَن كانَ عَلى صَلاحٍ دَعاهُ إلى صَلاحٍ آخَرَ ومَن كانَ عَلى فَسادٍ دَعاهُ إلى فَسادِ فَوْقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجُرُّ إلى شَكْلِهِ، أيْ: فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بِالمَوْعِظَةِ وتَكُونُ عَنْ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِها لِلْمُجاوَزَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ مَجازًا في السَّيْرِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أيْ: لَتَحْضُرُنَّ لِلْحِسابِ جَماعاتٍ بَعْدَ جَماعاتٍ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] وهَذا تَهْدِيدٌ لِمُنْكِرِيهِ، أيْ: يَكُونُ الرُّكُوبُ مُسْتَعْمَلًا في المُتابَعَةِ، أيْ: لَتَتَّبِعُنَّ. وحُذِفَ مَفْعُولُ تَرْكَبُنَّ بِتَقْدِيرِ: لَيَتَّبِعَنَّ بَعْضُكم بَعْضًا، أيْ: في تَصْمِيمِكم عَلى إنْكارِ البَعْثِ. ودَلِيلُ المَحْذُوفِ هو قَوْلُهُ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ويَكُونُ طَبَقًا مَفْعُولًا بِهِ وانْتِصابُ طَبَقًا إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرْكَبُنَّ وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِمَعانِي ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ٢٣٠
ومَوْقِعُ ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ مَوْقِعُ النَّعْتِ لِـ طَبَقًا.
ومَعْنى عَنْ إمّا مَجازِيَّةٌ وأمّا مُرادِفَةٌ مَعْنى (بَعْدَ) وهو مَجازٌ ناشِئٌ عَنْ مَعْنى المُجاوَزَةِ، ولِذَلِكَ ضَمَّنَ النّابِغَةُ مَعْنى قَوْلِهِمْ (ورِثُوا المَجْدَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ) غَيَّرَ حَرْفَ (عَنْ) إلى كَلِمَةَ (بَعْدَ) فَقالَ:
لِآلِ الجِلاحِ كابِرًا بَعْدَ كابِرٍ
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (لَتَرْكَبُنَّ) بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ عَلى خِطابِ النّاسِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وحُمِلَ أيْضًا عَلى أنَّ التّاءَ الفَوْقِيَّةَ تاءُ المُؤَنَّثَةِ الغائِبَةِ وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى السَّماءِ، أيْ: تَعْتَرِيها أحْوالٌ مُتَعاقِبَةٌ مِنَ الِانْشِقاقِ والطَّيِّ وكَوْنُها مَرَّةً كالدِّهانِ ومَرَّةً كالمُهْلِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِيلَ هي عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، كَما وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ: بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ حِينَ قَوِيَ جانِبُ المُسْلِمِينَ فَيَكُونُ بِشارَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بِالفاءِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] وجُمْلَةِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] . وهَذا الوَجْهُ يَجْرِي عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.
الانشقاق 84:17
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابِهِ، عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى هُنا: فَإنَّهُ اقْتَضى أنَّ ثَمَّةَ حِسابًا وجَزاءً بِخَيْرٍ وشَرٍّ، فَكانَ هَذا التَّفْرِيعُ فَذْلَكَةً وحَوْصَلَةً لِما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ وكانَ أيْضًا جَمْعًا إجْمالِيًّا لِما يَعْتَرِضُ في ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ.
وتَقَدَّمَ أنَّ لا أُقْسِمُ يُرادُ مِنهُ أُقْسِمُ، وتَقَدَّمَ وجْهُ القَسَمِ بِهَذِهِ الأحْوالِ والمَخْلُوقاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
ومُناسَبَةُ الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها هُنا لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الشَّفَقَ واللَّيْلَ والقَمَرَ تُخالِطُ أحْوالًا بَيْنَ الظُّلْمَةِ وظُهُورِ النُّورِ مَعَها، أوْ في خِلالِها، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ مِن تَفاوُتِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَخَبَّطُ فِيها النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، أوْ مِن ظُهُورِ أحْوالِ خَيْرٍ في خِلالِ أحْوالِ شَرٍّ أوِ انْتِظارِ تَغَيُّرِ الأحْوالِ إلى ما يُرْضِيهِمْ إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً كَما سَيَأْتِي.
ولَعَلَّ ذِكْرَ الشَّفَقِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يُشْبِهُ حالَةَ انْتِهاءِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مِثْلُ حالَةِ المَوْتِ، وأنَّ ذِكْرَ اللَّيْلِ إيماءٌ إلى شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ الحِسابِ، وذِكْرَ القَمَرِ إيماءٌ إلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والشَّفَقُ: اسْمٌ لِلْحُمْرَةِ الَّتِي تَظْهَرُ في أُفُقِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إثْرَ غُرُوبِها، وهو ضِياءٌ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ إذا حَجَبَها عَنْ عُيُونِ النّاسِ بَعْضُ جَرْمِ الأرْضِ، واخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ البَياضِ الَّذِي يَكُونُ عَقِبَ الِاحْمِرارِ شَفَقًا.
صفحة ٢٢٧
وما وسَقَ (ما) فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ العائِدِ المَنصُوبِ.
والوَسْقُ: جَمْعُ الأشْياءِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما جَمَعَ مِمّا كانَ مُنْتَشِرًا في النَّهارِ مِن ناسٍ وحَيَوانٍ فَإنَّها تَأْوِي في اللَّيْلِ إلى مَآوِيها، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَ اللَّهُ في الجِبِلَّةِ مِن طَلَبِ الأحْياءِ السُّكُونَ في اللَّيْلِ قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، وذَلِكَ مِن بَدِيعِ التَّكْوِينِ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ بِهِ قَسَمًا أُدْمِجَتْ فِيهِ مِنَّةٌ.
وقِيلَ: ما وسَقَهُ اللَّيْلُ: النُّجُومُ، لِأنَّها تَظْهَرُ في اللَّيْلِ، فَشَبَّهَ ظُهُورَها فِيهِ بِوَسْقِ الواسِقِ أشْياءَ مُتَفَرِّقَةً. وهَذا أنْسَبُ بِعَطْفِ القَمَرِ عَلَيْهِ.
واتِّساقُ القَمَرِ: اجْتِماعُ ضِيائِهِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الوَسْقِ بِمَعْنى الجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وذَلِكَ في لَيْلَةِ البَدْرِ، وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ لِأنَّها مَظْهَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى النّاسِ بِضِيائِهِ.
وأصْلُ فِعْلِ اتَّسَقَ: اوْتَسَقَ قُلِبَتِ الواوُ تاءً فَوْقِيَّةً طَلَبًا لِإدْغامِها في تاءِ الِافْتِعالِ وهو قَلْبٌ مُطَّرِدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ نُسِجَ نَظْمُها نَسْجًا مُجْمَلًا لِتَوْفِيرِ المَعانِي الَّتِي تَذْهَبُ إلَيْها أفْهامُ السّامِعِينَ، فَجاءَتْ عَلى أبْدَعِ ما يُنْسَجُ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي يُرْسَلُ إرْسالَ الأمْثالِ مِنَ الكَلامِ الجامِعِ البَدِيعِ النَّسْجِ الوافِرِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ كَثُرَتْ تَأْوِيلاتُ المُفَسِّرِينَ لَها.
فَلِمَعانِي الرُّكُوبِ المَجازِيَّةِ، ولِمَعانِي الطَّبَقِ مِن حَقِيقِيٍّ ومَجازِيٍّ، مُتَّسَعٌ لِما تُفِيدُهُ الآيَةُ مِنَ المَعانِي، وذَلِكَ ما جَعَلَ لِإيثارِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ خُصُوصِيَّةً مِن أفْنانِ الإعْجازِ القُرْآنِيِّ.
فَأمّا فِعْلُ لَتَرْكَبُنَّ فَحَقِيقَتُهُ مُتَعَذَّرَةٌ هُنا ولَهُ مِنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في الكَلامِ، أوِ الَّتِي يَصِحُّ أنْ تُرادَ في الآيَةِ عِدَّةٌ، مِنها الغَلَبُ والمُتابَعَةُ، والسُّلُوكُ، والِاقْتِحامُ، والمُلازَمَةُ، والرِّفْعَةُ.
صفحة ٢٢٨
وأصْلُ تِلْكَ المَعانِي إمّا اسْتِعارَةٌ وإمّا تَمْثِيلٌ يُقالُ: رَكِبَ أمْرًا صَعْبًا وارْتَكَبَ خَطَأً.
وأمّا كَلِمَةُ طَبَقٍ فَحَقِيقَتُها أنَّها اسْمٌ مُفْرَدٌ لِلشَّيْءِ المُساوِي شَيْئًا آخَرَ في حَجْمِهِ وقَدْرِهِ، وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ والصِّحاحِ أنَّ المُساواةَ بِقَيْدِ كَوْنِ الطَّبَقِ أعْلى مِنَ الشَّيْءِ لِمُساوِيهِ فَهو حَقِيقَةٌ في الغِطاءِ، فَيَكُونُ في الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِمَعْنًى مُقَيَّدٍ كالخِوانِ والكَأْسِ، وظاهِرُ الكَشّافِ أنَّ حَقِيقَتَهُ مُطْلَقُ المُساواةِ، فَيَكُونُ قَيْدُ الِاعْتِلاءِ عارِضًا بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ، يُقالُ: طابَقَ النَّعْلُ النَّعْلَ.
وأيّامّا كانَ فَهو اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعَلٍ، إمّا مُشْتَقٌّ مِنَ المُطابَقَةِ كاشْتِقاقِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ وتُنُوسِيَ مِنهُ الِاشْتِقاقُ، وإمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ اسْمَ الطَّبَقِ وهو الغِطاءُ لُوحِظَ في التَّشْبِيهِ ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَجاءَتْ مِنهُ مادَّةُ المُطابَقَةِ بِمَعْنى المُساواةِ فَيَكُونُ مِنَ المُشْتَقّاتِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا لِلْغِطاءِ الَّذِي يُغَطّى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ وافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ أيْ: غِطاءَهُ وهَذا مِنَ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الغِطاءَ مُساوٍ لِما يُغَطِّيهِ. ويُطْلَقُ الطَّبَقُ عَلى الحالَةِ؛ لِأنَّها مُلابِسَةٌ لِصاحِبِها كَمُلابَسَةِ الطَّبَقِ لِما طُبِقَ عَلَيْهِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا أيْضًا عَلى شَيْءٍ مُتَّخَذٍ مِن أُدُمٍ أوْ عُودٍ ويُؤْكَلُ عَلَيْهِ وتُوضَعُ فِيهِ الفَواكِهُ ونَحْوُها، وكَأنَّهُ سُمِّيَ طَبَقًا لِأنَّ أصْلَهُ يُسْتَعْمَلُ غِطاءَ الآنِيَةِ فَتُوضَعُ فِيهِ أشْياءُ.
ويُطْلَقُ اسْمَ جَمْعٍ لِطَبَقَةٍ، وهي مَكانٌ فَوْقَ مَكانٍ آخَرَ مُعْتَبَرٍ مِثْلُهُ في المِقْدارِ إلّا أنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ المَجازِ يُقالُ: أتانا طَبَقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ.
ويُقارِنُ اخْتِلافُ مَعانِي اللَّفْظَيْنِ اخْتِلافَ مَعْنى (عَنْ) مِن مُجاوَزَةٍ وهي مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، أوْ مِن مُرادَفَةِ كَلِمَةِ (بَعْدَ) وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ.
وكَذَلِكَ اخْتِلافُ وجْهِ النَّصْبِ لِلَفْظِ طَبَقًا بَيْنَ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، وتَزْدادُ هَذِهِ المَحامِلُ إذا لَمْ تُقْصَرِ الجُمَلُ عَلى ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِسِياقِ الكَلامِ مِن مَوْقِعِ الجُمْلَةِ عَقِبَ آيَةِ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] الآياتِ. ومِن وُقُوعِها بَعْدَ القَسَمِ المُشْعِرِ
صفحة ٢٢٩
بِالتَّأْكِيدِ، ومِنِ اقْتَضاءِ فِعْلِ المُضارَعَةِ بَعْدَ القَسَمِ أنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَتَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ المَحامِلِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ صالِحَةٌ لِتَأْوِيلِ الآيَةِ.
فَقِيلَ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ، رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، والأظْهَرُ أنَّهُ تَهْدِيدٌ بِأهْوالِ القِيامَةِ فَتَنْوِينُ طَبَقٍ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وعَنْ بِمَعْنى (بَعْدَ) والبُعْدِيَّةُ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي بُعْدِيَّةُ ارْتِقاءٍ، أيْ: لَتُلاقُنَّ هَوْلًا أعْظَمَ مِن هَوْلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . وإطْلاقُ الطَّبَقِ عَلى الحالَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ الحالَةَ مُطابِقَةٌ لِعَمَلِ صاحِبِها.
ورَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ تَفْسِيرَ الأحْوالِ بِأنَّها أحْوالُ مَوْتٍ وإحْياءٍ، وحَشْرٍ، وسَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ، ونَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، كَما يَكْتُبُ اللَّهُ لِكُلِّ أحَدٍ عِنْدَ تَكْوِينِهِ رَواهُ جابِرٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وفي إسْنادِهِ ضُعَفاءُ. أوْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ مَعَ اخْتِلافٍ في تَعْيِينِ الحالِ.
وقِيلَ: لَتَرْكَبُنَّ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ عَلى أنَّ طَبَقًا اسْمُ مَنزِلَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أيْ: لَتَصِيرُنَّ مِن طَبَقِ الدُّنْيا إلى طَبَقِ الآخِرَةِ، أوْ إنَّ قَوْمًا كانُوا في الدُّنْيا مُتَّضِعِينَ فارْتَفَعُوا في الآخِرَةِ، فالتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّفْرِيعِ.
وقِيلَ: مَن كانَ عَلى صَلاحٍ دَعاهُ إلى صَلاحٍ آخَرَ ومَن كانَ عَلى فَسادٍ دَعاهُ إلى فَسادِ فَوْقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجُرُّ إلى شَكْلِهِ، أيْ: فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بِالمَوْعِظَةِ وتَكُونُ عَنْ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِها لِلْمُجاوَزَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ مَجازًا في السَّيْرِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أيْ: لَتَحْضُرُنَّ لِلْحِسابِ جَماعاتٍ بَعْدَ جَماعاتٍ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] وهَذا تَهْدِيدٌ لِمُنْكِرِيهِ، أيْ: يَكُونُ الرُّكُوبُ مُسْتَعْمَلًا في المُتابَعَةِ، أيْ: لَتَتَّبِعُنَّ. وحُذِفَ مَفْعُولُ تَرْكَبُنَّ بِتَقْدِيرِ: لَيَتَّبِعَنَّ بَعْضُكم بَعْضًا، أيْ: في تَصْمِيمِكم عَلى إنْكارِ البَعْثِ. ودَلِيلُ المَحْذُوفِ هو قَوْلُهُ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ويَكُونُ طَبَقًا مَفْعُولًا بِهِ وانْتِصابُ طَبَقًا إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرْكَبُنَّ وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِمَعانِي ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ٢٣٠
ومَوْقِعُ ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ مَوْقِعُ النَّعْتِ لِـ طَبَقًا.
ومَعْنى عَنْ إمّا مَجازِيَّةٌ وأمّا مُرادِفَةٌ مَعْنى (بَعْدَ) وهو مَجازٌ ناشِئٌ عَنْ مَعْنى المُجاوَزَةِ، ولِذَلِكَ ضَمَّنَ النّابِغَةُ مَعْنى قَوْلِهِمْ (ورِثُوا المَجْدَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ) غَيَّرَ حَرْفَ (عَنْ) إلى كَلِمَةَ (بَعْدَ) فَقالَ:
لِآلِ الجِلاحِ كابِرًا بَعْدَ كابِرٍ
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (لَتَرْكَبُنَّ) بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ عَلى خِطابِ النّاسِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وحُمِلَ أيْضًا عَلى أنَّ التّاءَ الفَوْقِيَّةَ تاءُ المُؤَنَّثَةِ الغائِبَةِ وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى السَّماءِ، أيْ: تَعْتَرِيها أحْوالٌ مُتَعاقِبَةٌ مِنَ الِانْشِقاقِ والطَّيِّ وكَوْنُها مَرَّةً كالدِّهانِ ومَرَّةً كالمُهْلِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِيلَ هي عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، كَما وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ: بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ حِينَ قَوِيَ جانِبُ المُسْلِمِينَ فَيَكُونُ بِشارَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بِالفاءِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] وجُمْلَةِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] . وهَذا الوَجْهُ يَجْرِي عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.
الانشقاق 84:18
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابِهِ، عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى هُنا: فَإنَّهُ اقْتَضى أنَّ ثَمَّةَ حِسابًا وجَزاءً بِخَيْرٍ وشَرٍّ، فَكانَ هَذا التَّفْرِيعُ فَذْلَكَةً وحَوْصَلَةً لِما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ وكانَ أيْضًا جَمْعًا إجْمالِيًّا لِما يَعْتَرِضُ في ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ.
وتَقَدَّمَ أنَّ لا أُقْسِمُ يُرادُ مِنهُ أُقْسِمُ، وتَقَدَّمَ وجْهُ القَسَمِ بِهَذِهِ الأحْوالِ والمَخْلُوقاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
ومُناسَبَةُ الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها هُنا لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الشَّفَقَ واللَّيْلَ والقَمَرَ تُخالِطُ أحْوالًا بَيْنَ الظُّلْمَةِ وظُهُورِ النُّورِ مَعَها، أوْ في خِلالِها، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ مِن تَفاوُتِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَخَبَّطُ فِيها النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، أوْ مِن ظُهُورِ أحْوالِ خَيْرٍ في خِلالِ أحْوالِ شَرٍّ أوِ انْتِظارِ تَغَيُّرِ الأحْوالِ إلى ما يُرْضِيهِمْ إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً كَما سَيَأْتِي.
ولَعَلَّ ذِكْرَ الشَّفَقِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يُشْبِهُ حالَةَ انْتِهاءِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مِثْلُ حالَةِ المَوْتِ، وأنَّ ذِكْرَ اللَّيْلِ إيماءٌ إلى شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ الحِسابِ، وذِكْرَ القَمَرِ إيماءٌ إلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والشَّفَقُ: اسْمٌ لِلْحُمْرَةِ الَّتِي تَظْهَرُ في أُفُقِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إثْرَ غُرُوبِها، وهو ضِياءٌ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ إذا حَجَبَها عَنْ عُيُونِ النّاسِ بَعْضُ جَرْمِ الأرْضِ، واخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ البَياضِ الَّذِي يَكُونُ عَقِبَ الِاحْمِرارِ شَفَقًا.
صفحة ٢٢٧
وما وسَقَ (ما) فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ العائِدِ المَنصُوبِ.
والوَسْقُ: جَمْعُ الأشْياءِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما جَمَعَ مِمّا كانَ مُنْتَشِرًا في النَّهارِ مِن ناسٍ وحَيَوانٍ فَإنَّها تَأْوِي في اللَّيْلِ إلى مَآوِيها، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَ اللَّهُ في الجِبِلَّةِ مِن طَلَبِ الأحْياءِ السُّكُونَ في اللَّيْلِ قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، وذَلِكَ مِن بَدِيعِ التَّكْوِينِ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ بِهِ قَسَمًا أُدْمِجَتْ فِيهِ مِنَّةٌ.
وقِيلَ: ما وسَقَهُ اللَّيْلُ: النُّجُومُ، لِأنَّها تَظْهَرُ في اللَّيْلِ، فَشَبَّهَ ظُهُورَها فِيهِ بِوَسْقِ الواسِقِ أشْياءَ مُتَفَرِّقَةً. وهَذا أنْسَبُ بِعَطْفِ القَمَرِ عَلَيْهِ.
واتِّساقُ القَمَرِ: اجْتِماعُ ضِيائِهِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الوَسْقِ بِمَعْنى الجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وذَلِكَ في لَيْلَةِ البَدْرِ، وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ لِأنَّها مَظْهَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى النّاسِ بِضِيائِهِ.
وأصْلُ فِعْلِ اتَّسَقَ: اوْتَسَقَ قُلِبَتِ الواوُ تاءً فَوْقِيَّةً طَلَبًا لِإدْغامِها في تاءِ الِافْتِعالِ وهو قَلْبٌ مُطَّرِدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ نُسِجَ نَظْمُها نَسْجًا مُجْمَلًا لِتَوْفِيرِ المَعانِي الَّتِي تَذْهَبُ إلَيْها أفْهامُ السّامِعِينَ، فَجاءَتْ عَلى أبْدَعِ ما يُنْسَجُ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي يُرْسَلُ إرْسالَ الأمْثالِ مِنَ الكَلامِ الجامِعِ البَدِيعِ النَّسْجِ الوافِرِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ كَثُرَتْ تَأْوِيلاتُ المُفَسِّرِينَ لَها.
فَلِمَعانِي الرُّكُوبِ المَجازِيَّةِ، ولِمَعانِي الطَّبَقِ مِن حَقِيقِيٍّ ومَجازِيٍّ، مُتَّسَعٌ لِما تُفِيدُهُ الآيَةُ مِنَ المَعانِي، وذَلِكَ ما جَعَلَ لِإيثارِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ خُصُوصِيَّةً مِن أفْنانِ الإعْجازِ القُرْآنِيِّ.
فَأمّا فِعْلُ لَتَرْكَبُنَّ فَحَقِيقَتُهُ مُتَعَذَّرَةٌ هُنا ولَهُ مِنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في الكَلامِ، أوِ الَّتِي يَصِحُّ أنْ تُرادَ في الآيَةِ عِدَّةٌ، مِنها الغَلَبُ والمُتابَعَةُ، والسُّلُوكُ، والِاقْتِحامُ، والمُلازَمَةُ، والرِّفْعَةُ.
صفحة ٢٢٨
وأصْلُ تِلْكَ المَعانِي إمّا اسْتِعارَةٌ وإمّا تَمْثِيلٌ يُقالُ: رَكِبَ أمْرًا صَعْبًا وارْتَكَبَ خَطَأً.
وأمّا كَلِمَةُ طَبَقٍ فَحَقِيقَتُها أنَّها اسْمٌ مُفْرَدٌ لِلشَّيْءِ المُساوِي شَيْئًا آخَرَ في حَجْمِهِ وقَدْرِهِ، وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ والصِّحاحِ أنَّ المُساواةَ بِقَيْدِ كَوْنِ الطَّبَقِ أعْلى مِنَ الشَّيْءِ لِمُساوِيهِ فَهو حَقِيقَةٌ في الغِطاءِ، فَيَكُونُ في الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِمَعْنًى مُقَيَّدٍ كالخِوانِ والكَأْسِ، وظاهِرُ الكَشّافِ أنَّ حَقِيقَتَهُ مُطْلَقُ المُساواةِ، فَيَكُونُ قَيْدُ الِاعْتِلاءِ عارِضًا بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ، يُقالُ: طابَقَ النَّعْلُ النَّعْلَ.
وأيّامّا كانَ فَهو اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعَلٍ، إمّا مُشْتَقٌّ مِنَ المُطابَقَةِ كاشْتِقاقِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ وتُنُوسِيَ مِنهُ الِاشْتِقاقُ، وإمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ اسْمَ الطَّبَقِ وهو الغِطاءُ لُوحِظَ في التَّشْبِيهِ ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَجاءَتْ مِنهُ مادَّةُ المُطابَقَةِ بِمَعْنى المُساواةِ فَيَكُونُ مِنَ المُشْتَقّاتِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا لِلْغِطاءِ الَّذِي يُغَطّى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ وافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ أيْ: غِطاءَهُ وهَذا مِنَ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الغِطاءَ مُساوٍ لِما يُغَطِّيهِ. ويُطْلَقُ الطَّبَقُ عَلى الحالَةِ؛ لِأنَّها مُلابِسَةٌ لِصاحِبِها كَمُلابَسَةِ الطَّبَقِ لِما طُبِقَ عَلَيْهِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا أيْضًا عَلى شَيْءٍ مُتَّخَذٍ مِن أُدُمٍ أوْ عُودٍ ويُؤْكَلُ عَلَيْهِ وتُوضَعُ فِيهِ الفَواكِهُ ونَحْوُها، وكَأنَّهُ سُمِّيَ طَبَقًا لِأنَّ أصْلَهُ يُسْتَعْمَلُ غِطاءَ الآنِيَةِ فَتُوضَعُ فِيهِ أشْياءُ.
ويُطْلَقُ اسْمَ جَمْعٍ لِطَبَقَةٍ، وهي مَكانٌ فَوْقَ مَكانٍ آخَرَ مُعْتَبَرٍ مِثْلُهُ في المِقْدارِ إلّا أنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ المَجازِ يُقالُ: أتانا طَبَقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ.
ويُقارِنُ اخْتِلافُ مَعانِي اللَّفْظَيْنِ اخْتِلافَ مَعْنى (عَنْ) مِن مُجاوَزَةٍ وهي مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، أوْ مِن مُرادَفَةِ كَلِمَةِ (بَعْدَ) وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ.
وكَذَلِكَ اخْتِلافُ وجْهِ النَّصْبِ لِلَفْظِ طَبَقًا بَيْنَ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، وتَزْدادُ هَذِهِ المَحامِلُ إذا لَمْ تُقْصَرِ الجُمَلُ عَلى ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِسِياقِ الكَلامِ مِن مَوْقِعِ الجُمْلَةِ عَقِبَ آيَةِ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] الآياتِ. ومِن وُقُوعِها بَعْدَ القَسَمِ المُشْعِرِ
صفحة ٢٢٩
بِالتَّأْكِيدِ، ومِنِ اقْتَضاءِ فِعْلِ المُضارَعَةِ بَعْدَ القَسَمِ أنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَتَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ المَحامِلِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ صالِحَةٌ لِتَأْوِيلِ الآيَةِ.
فَقِيلَ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ، رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، والأظْهَرُ أنَّهُ تَهْدِيدٌ بِأهْوالِ القِيامَةِ فَتَنْوِينُ طَبَقٍ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وعَنْ بِمَعْنى (بَعْدَ) والبُعْدِيَّةُ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي بُعْدِيَّةُ ارْتِقاءٍ، أيْ: لَتُلاقُنَّ هَوْلًا أعْظَمَ مِن هَوْلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . وإطْلاقُ الطَّبَقِ عَلى الحالَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ الحالَةَ مُطابِقَةٌ لِعَمَلِ صاحِبِها.
ورَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ تَفْسِيرَ الأحْوالِ بِأنَّها أحْوالُ مَوْتٍ وإحْياءٍ، وحَشْرٍ، وسَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ، ونَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، كَما يَكْتُبُ اللَّهُ لِكُلِّ أحَدٍ عِنْدَ تَكْوِينِهِ رَواهُ جابِرٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وفي إسْنادِهِ ضُعَفاءُ. أوْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ مَعَ اخْتِلافٍ في تَعْيِينِ الحالِ.
وقِيلَ: لَتَرْكَبُنَّ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ عَلى أنَّ طَبَقًا اسْمُ مَنزِلَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أيْ: لَتَصِيرُنَّ مِن طَبَقِ الدُّنْيا إلى طَبَقِ الآخِرَةِ، أوْ إنَّ قَوْمًا كانُوا في الدُّنْيا مُتَّضِعِينَ فارْتَفَعُوا في الآخِرَةِ، فالتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّفْرِيعِ.
وقِيلَ: مَن كانَ عَلى صَلاحٍ دَعاهُ إلى صَلاحٍ آخَرَ ومَن كانَ عَلى فَسادٍ دَعاهُ إلى فَسادِ فَوْقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجُرُّ إلى شَكْلِهِ، أيْ: فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بِالمَوْعِظَةِ وتَكُونُ عَنْ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِها لِلْمُجاوَزَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ مَجازًا في السَّيْرِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أيْ: لَتَحْضُرُنَّ لِلْحِسابِ جَماعاتٍ بَعْدَ جَماعاتٍ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] وهَذا تَهْدِيدٌ لِمُنْكِرِيهِ، أيْ: يَكُونُ الرُّكُوبُ مُسْتَعْمَلًا في المُتابَعَةِ، أيْ: لَتَتَّبِعُنَّ. وحُذِفَ مَفْعُولُ تَرْكَبُنَّ بِتَقْدِيرِ: لَيَتَّبِعَنَّ بَعْضُكم بَعْضًا، أيْ: في تَصْمِيمِكم عَلى إنْكارِ البَعْثِ. ودَلِيلُ المَحْذُوفِ هو قَوْلُهُ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ويَكُونُ طَبَقًا مَفْعُولًا بِهِ وانْتِصابُ طَبَقًا إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرْكَبُنَّ وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِمَعانِي ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ٢٣٠
ومَوْقِعُ ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ مَوْقِعُ النَّعْتِ لِـ طَبَقًا.
ومَعْنى عَنْ إمّا مَجازِيَّةٌ وأمّا مُرادِفَةٌ مَعْنى (بَعْدَ) وهو مَجازٌ ناشِئٌ عَنْ مَعْنى المُجاوَزَةِ، ولِذَلِكَ ضَمَّنَ النّابِغَةُ مَعْنى قَوْلِهِمْ (ورِثُوا المَجْدَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ) غَيَّرَ حَرْفَ (عَنْ) إلى كَلِمَةَ (بَعْدَ) فَقالَ:
لِآلِ الجِلاحِ كابِرًا بَعْدَ كابِرٍ
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (لَتَرْكَبُنَّ) بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ عَلى خِطابِ النّاسِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وحُمِلَ أيْضًا عَلى أنَّ التّاءَ الفَوْقِيَّةَ تاءُ المُؤَنَّثَةِ الغائِبَةِ وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى السَّماءِ، أيْ: تَعْتَرِيها أحْوالٌ مُتَعاقِبَةٌ مِنَ الِانْشِقاقِ والطَّيِّ وكَوْنُها مَرَّةً كالدِّهانِ ومَرَّةً كالمُهْلِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِيلَ هي عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، كَما وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ: بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ حِينَ قَوِيَ جانِبُ المُسْلِمِينَ فَيَكُونُ بِشارَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بِالفاءِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] وجُمْلَةِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] . وهَذا الوَجْهُ يَجْرِي عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.
الانشقاق 84:19
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابِهِ، عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى هُنا: فَإنَّهُ اقْتَضى أنَّ ثَمَّةَ حِسابًا وجَزاءً بِخَيْرٍ وشَرٍّ، فَكانَ هَذا التَّفْرِيعُ فَذْلَكَةً وحَوْصَلَةً لِما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ وكانَ أيْضًا جَمْعًا إجْمالِيًّا لِما يَعْتَرِضُ في ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ.
وتَقَدَّمَ أنَّ لا أُقْسِمُ يُرادُ مِنهُ أُقْسِمُ، وتَقَدَّمَ وجْهُ القَسَمِ بِهَذِهِ الأحْوالِ والمَخْلُوقاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
ومُناسَبَةُ الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها هُنا لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الشَّفَقَ واللَّيْلَ والقَمَرَ تُخالِطُ أحْوالًا بَيْنَ الظُّلْمَةِ وظُهُورِ النُّورِ مَعَها، أوْ في خِلالِها، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ مِن تَفاوُتِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَخَبَّطُ فِيها النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، أوْ مِن ظُهُورِ أحْوالِ خَيْرٍ في خِلالِ أحْوالِ شَرٍّ أوِ انْتِظارِ تَغَيُّرِ الأحْوالِ إلى ما يُرْضِيهِمْ إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً كَما سَيَأْتِي.
ولَعَلَّ ذِكْرَ الشَّفَقِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يُشْبِهُ حالَةَ انْتِهاءِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مِثْلُ حالَةِ المَوْتِ، وأنَّ ذِكْرَ اللَّيْلِ إيماءٌ إلى شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ الحِسابِ، وذِكْرَ القَمَرِ إيماءٌ إلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والشَّفَقُ: اسْمٌ لِلْحُمْرَةِ الَّتِي تَظْهَرُ في أُفُقِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إثْرَ غُرُوبِها، وهو ضِياءٌ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ إذا حَجَبَها عَنْ عُيُونِ النّاسِ بَعْضُ جَرْمِ الأرْضِ، واخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ البَياضِ الَّذِي يَكُونُ عَقِبَ الِاحْمِرارِ شَفَقًا.
صفحة ٢٢٧
وما وسَقَ (ما) فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ العائِدِ المَنصُوبِ.
والوَسْقُ: جَمْعُ الأشْياءِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما جَمَعَ مِمّا كانَ مُنْتَشِرًا في النَّهارِ مِن ناسٍ وحَيَوانٍ فَإنَّها تَأْوِي في اللَّيْلِ إلى مَآوِيها، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَ اللَّهُ في الجِبِلَّةِ مِن طَلَبِ الأحْياءِ السُّكُونَ في اللَّيْلِ قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، وذَلِكَ مِن بَدِيعِ التَّكْوِينِ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ بِهِ قَسَمًا أُدْمِجَتْ فِيهِ مِنَّةٌ.
وقِيلَ: ما وسَقَهُ اللَّيْلُ: النُّجُومُ، لِأنَّها تَظْهَرُ في اللَّيْلِ، فَشَبَّهَ ظُهُورَها فِيهِ بِوَسْقِ الواسِقِ أشْياءَ مُتَفَرِّقَةً. وهَذا أنْسَبُ بِعَطْفِ القَمَرِ عَلَيْهِ.
واتِّساقُ القَمَرِ: اجْتِماعُ ضِيائِهِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الوَسْقِ بِمَعْنى الجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وذَلِكَ في لَيْلَةِ البَدْرِ، وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ لِأنَّها مَظْهَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى النّاسِ بِضِيائِهِ.
وأصْلُ فِعْلِ اتَّسَقَ: اوْتَسَقَ قُلِبَتِ الواوُ تاءً فَوْقِيَّةً طَلَبًا لِإدْغامِها في تاءِ الِافْتِعالِ وهو قَلْبٌ مُطَّرِدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ نُسِجَ نَظْمُها نَسْجًا مُجْمَلًا لِتَوْفِيرِ المَعانِي الَّتِي تَذْهَبُ إلَيْها أفْهامُ السّامِعِينَ، فَجاءَتْ عَلى أبْدَعِ ما يُنْسَجُ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي يُرْسَلُ إرْسالَ الأمْثالِ مِنَ الكَلامِ الجامِعِ البَدِيعِ النَّسْجِ الوافِرِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ كَثُرَتْ تَأْوِيلاتُ المُفَسِّرِينَ لَها.
فَلِمَعانِي الرُّكُوبِ المَجازِيَّةِ، ولِمَعانِي الطَّبَقِ مِن حَقِيقِيٍّ ومَجازِيٍّ، مُتَّسَعٌ لِما تُفِيدُهُ الآيَةُ مِنَ المَعانِي، وذَلِكَ ما جَعَلَ لِإيثارِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ خُصُوصِيَّةً مِن أفْنانِ الإعْجازِ القُرْآنِيِّ.
فَأمّا فِعْلُ لَتَرْكَبُنَّ فَحَقِيقَتُهُ مُتَعَذَّرَةٌ هُنا ولَهُ مِنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في الكَلامِ، أوِ الَّتِي يَصِحُّ أنْ تُرادَ في الآيَةِ عِدَّةٌ، مِنها الغَلَبُ والمُتابَعَةُ، والسُّلُوكُ، والِاقْتِحامُ، والمُلازَمَةُ، والرِّفْعَةُ.
صفحة ٢٢٨
وأصْلُ تِلْكَ المَعانِي إمّا اسْتِعارَةٌ وإمّا تَمْثِيلٌ يُقالُ: رَكِبَ أمْرًا صَعْبًا وارْتَكَبَ خَطَأً.
وأمّا كَلِمَةُ طَبَقٍ فَحَقِيقَتُها أنَّها اسْمٌ مُفْرَدٌ لِلشَّيْءِ المُساوِي شَيْئًا آخَرَ في حَجْمِهِ وقَدْرِهِ، وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ والصِّحاحِ أنَّ المُساواةَ بِقَيْدِ كَوْنِ الطَّبَقِ أعْلى مِنَ الشَّيْءِ لِمُساوِيهِ فَهو حَقِيقَةٌ في الغِطاءِ، فَيَكُونُ في الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِمَعْنًى مُقَيَّدٍ كالخِوانِ والكَأْسِ، وظاهِرُ الكَشّافِ أنَّ حَقِيقَتَهُ مُطْلَقُ المُساواةِ، فَيَكُونُ قَيْدُ الِاعْتِلاءِ عارِضًا بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ، يُقالُ: طابَقَ النَّعْلُ النَّعْلَ.
وأيّامّا كانَ فَهو اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعَلٍ، إمّا مُشْتَقٌّ مِنَ المُطابَقَةِ كاشْتِقاقِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ وتُنُوسِيَ مِنهُ الِاشْتِقاقُ، وإمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ اسْمَ الطَّبَقِ وهو الغِطاءُ لُوحِظَ في التَّشْبِيهِ ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَجاءَتْ مِنهُ مادَّةُ المُطابَقَةِ بِمَعْنى المُساواةِ فَيَكُونُ مِنَ المُشْتَقّاتِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا لِلْغِطاءِ الَّذِي يُغَطّى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ وافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ أيْ: غِطاءَهُ وهَذا مِنَ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الغِطاءَ مُساوٍ لِما يُغَطِّيهِ. ويُطْلَقُ الطَّبَقُ عَلى الحالَةِ؛ لِأنَّها مُلابِسَةٌ لِصاحِبِها كَمُلابَسَةِ الطَّبَقِ لِما طُبِقَ عَلَيْهِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا أيْضًا عَلى شَيْءٍ مُتَّخَذٍ مِن أُدُمٍ أوْ عُودٍ ويُؤْكَلُ عَلَيْهِ وتُوضَعُ فِيهِ الفَواكِهُ ونَحْوُها، وكَأنَّهُ سُمِّيَ طَبَقًا لِأنَّ أصْلَهُ يُسْتَعْمَلُ غِطاءَ الآنِيَةِ فَتُوضَعُ فِيهِ أشْياءُ.
ويُطْلَقُ اسْمَ جَمْعٍ لِطَبَقَةٍ، وهي مَكانٌ فَوْقَ مَكانٍ آخَرَ مُعْتَبَرٍ مِثْلُهُ في المِقْدارِ إلّا أنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ المَجازِ يُقالُ: أتانا طَبَقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ.
ويُقارِنُ اخْتِلافُ مَعانِي اللَّفْظَيْنِ اخْتِلافَ مَعْنى (عَنْ) مِن مُجاوَزَةٍ وهي مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، أوْ مِن مُرادَفَةِ كَلِمَةِ (بَعْدَ) وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ.
وكَذَلِكَ اخْتِلافُ وجْهِ النَّصْبِ لِلَفْظِ طَبَقًا بَيْنَ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، وتَزْدادُ هَذِهِ المَحامِلُ إذا لَمْ تُقْصَرِ الجُمَلُ عَلى ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِسِياقِ الكَلامِ مِن مَوْقِعِ الجُمْلَةِ عَقِبَ آيَةِ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] الآياتِ. ومِن وُقُوعِها بَعْدَ القَسَمِ المُشْعِرِ
صفحة ٢٢٩
بِالتَّأْكِيدِ، ومِنِ اقْتَضاءِ فِعْلِ المُضارَعَةِ بَعْدَ القَسَمِ أنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَتَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ المَحامِلِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ صالِحَةٌ لِتَأْوِيلِ الآيَةِ.
فَقِيلَ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ، رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، والأظْهَرُ أنَّهُ تَهْدِيدٌ بِأهْوالِ القِيامَةِ فَتَنْوِينُ طَبَقٍ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وعَنْ بِمَعْنى (بَعْدَ) والبُعْدِيَّةُ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي بُعْدِيَّةُ ارْتِقاءٍ، أيْ: لَتُلاقُنَّ هَوْلًا أعْظَمَ مِن هَوْلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . وإطْلاقُ الطَّبَقِ عَلى الحالَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ الحالَةَ مُطابِقَةٌ لِعَمَلِ صاحِبِها.
ورَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ تَفْسِيرَ الأحْوالِ بِأنَّها أحْوالُ مَوْتٍ وإحْياءٍ، وحَشْرٍ، وسَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ، ونَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، كَما يَكْتُبُ اللَّهُ لِكُلِّ أحَدٍ عِنْدَ تَكْوِينِهِ رَواهُ جابِرٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وفي إسْنادِهِ ضُعَفاءُ. أوْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ مَعَ اخْتِلافٍ في تَعْيِينِ الحالِ.
وقِيلَ: لَتَرْكَبُنَّ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ عَلى أنَّ طَبَقًا اسْمُ مَنزِلَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أيْ: لَتَصِيرُنَّ مِن طَبَقِ الدُّنْيا إلى طَبَقِ الآخِرَةِ، أوْ إنَّ قَوْمًا كانُوا في الدُّنْيا مُتَّضِعِينَ فارْتَفَعُوا في الآخِرَةِ، فالتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّفْرِيعِ.
وقِيلَ: مَن كانَ عَلى صَلاحٍ دَعاهُ إلى صَلاحٍ آخَرَ ومَن كانَ عَلى فَسادٍ دَعاهُ إلى فَسادِ فَوْقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجُرُّ إلى شَكْلِهِ، أيْ: فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بِالمَوْعِظَةِ وتَكُونُ عَنْ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِها لِلْمُجاوَزَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ مَجازًا في السَّيْرِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أيْ: لَتَحْضُرُنَّ لِلْحِسابِ جَماعاتٍ بَعْدَ جَماعاتٍ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] وهَذا تَهْدِيدٌ لِمُنْكِرِيهِ، أيْ: يَكُونُ الرُّكُوبُ مُسْتَعْمَلًا في المُتابَعَةِ، أيْ: لَتَتَّبِعُنَّ. وحُذِفَ مَفْعُولُ تَرْكَبُنَّ بِتَقْدِيرِ: لَيَتَّبِعَنَّ بَعْضُكم بَعْضًا، أيْ: في تَصْمِيمِكم عَلى إنْكارِ البَعْثِ. ودَلِيلُ المَحْذُوفِ هو قَوْلُهُ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ويَكُونُ طَبَقًا مَفْعُولًا بِهِ وانْتِصابُ طَبَقًا إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرْكَبُنَّ وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِمَعانِي ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ٢٣٠
ومَوْقِعُ ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ مَوْقِعُ النَّعْتِ لِـ طَبَقًا.
ومَعْنى عَنْ إمّا مَجازِيَّةٌ وأمّا مُرادِفَةٌ مَعْنى (بَعْدَ) وهو مَجازٌ ناشِئٌ عَنْ مَعْنى المُجاوَزَةِ، ولِذَلِكَ ضَمَّنَ النّابِغَةُ مَعْنى قَوْلِهِمْ (ورِثُوا المَجْدَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ) غَيَّرَ حَرْفَ (عَنْ) إلى كَلِمَةَ (بَعْدَ) فَقالَ:
لِآلِ الجِلاحِ كابِرًا بَعْدَ كابِرٍ
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (لَتَرْكَبُنَّ) بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ عَلى خِطابِ النّاسِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وحُمِلَ أيْضًا عَلى أنَّ التّاءَ الفَوْقِيَّةَ تاءُ المُؤَنَّثَةِ الغائِبَةِ وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى السَّماءِ، أيْ: تَعْتَرِيها أحْوالٌ مُتَعاقِبَةٌ مِنَ الِانْشِقاقِ والطَّيِّ وكَوْنُها مَرَّةً كالدِّهانِ ومَرَّةً كالمُهْلِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِيلَ هي عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، كَما وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ: بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ حِينَ قَوِيَ جانِبُ المُسْلِمِينَ فَيَكُونُ بِشارَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بِالفاءِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] وجُمْلَةِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] . وهَذا الوَجْهُ يَجْرِي عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.
الانشقاق 84:20
﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ عَلى ما ذُكِرَ مِن أحْوالِ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وأُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ (مَن) المَوْصُولَةِ كُلُّ مَن تَحِقُّ فِيهِ الصِّلَةُ فَجَرى الضَّمِيرُ عَلى مَدْلُولِ (مَن) وهو الجَماعَةُ. والمَعْنى: فَما لَهم لا يَخافُونَ أهْوالَ يَوْمِ لِقاءِ اللَّهِ فَيُؤْمِنُوا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: إذا تَحَقَّقْتَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ الَّذِينَ أنْكَرُوهُ ؟ ! وجِيءَ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ خُصُوصُ المُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ
صفحة ٢٣١
شَمِلَهم لَفْظُ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] لِأنَّ العِنايَةَ بِمَوْعِظَتِهِمْ أهَمُّ فالضَّمِيرُ التِفاتٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِالمُشْرِكِينَ بِاعْتِبارِ أنَّهم أهَمُّ في هَذِهِ المَواعِظِ، والضَّمِيرُ أيْضًا التِفاتٌ.
ويَجُوزُ تَفْرِيعُهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَسَمُ مِنَ الأحْوالِ المُقْسَمِ بِها بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِ القَسَمِ بِها أنَّها دَلائِلُ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَفَرُّدِهِ بِالأُلْهِيَّةِ، فَفي ذِكْرِها تَذْكِرَةٌ بِدَلالَتِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ، والِالتِفاتُ هو هو.
وتَرْكِيبُ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ يَشْتَمِلُ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ مُخْبِرٌ عَنْها بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ لَهم حالٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وهَذا الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ وفي إنْكارِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ العَجِيبِ المُنْكَرِ أنْ يُسْألَ عَنْهُ، فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى التَّعْجِيبِ والإنْكارِ مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ.
وجُمْلَةُ لا يُؤْمِنُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، فَإنَّها لَوْ وقَعَ في مَكانِها اسْمٌ لَكانَ مَنصُوبًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] والحالُ هي مَناطُ التَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ القَوْلِ في تَرْكِيبِهِ وفي الصِّيَغِ الَّتِي ورَدَ عَلَيْها أمْثالُ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومُتَعَلِّقُ يُؤْمِنُونَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ.
ويَجُوزُ تَنْزِيلُ فِعْلِ يُؤْمِنُونَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: لا يَتَّصِفُونَ بِالإيمانِ، أيْ: ما سَبَبُ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، لِظُهُورِ دَلائِلَ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِهِ ؟ !
والمَعْنى: التَّعْجِيبُ والإنْكارُ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ صِدْقِ ما دُعُوا إلَيْهِ وأُنْذِرُوا بِهِ.
صفحة ٢٣٢
و﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ عُطِفَ عَلى لا يُؤْمِنُونَ و﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ﴾ ظَرْفٌ قُدِّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وتَنْوِيهِ شَأْنِ القُرْآنِ.
وقِراءَةُ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ قِراءَتُهُ قِراءَةَ تَبْلِيغٍ ودَعْوَةٍ، وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ جَماعاتٍ وأفْرادًا وقَدْ قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ لا تَغُشُّنا بِهِ في مَجالِسِنا، وقَرَأ النَّبِيءُ ﷺ القُرْآنَ عَلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كَما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ عَبَسَ.
والسُّجُودُ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى الخُضُوعِ والخُشُوعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَخْضَعُونَ لِلَّهِ ولِمَعانِي القُرْآنِ وحُجَّتِهِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِحَقِيقَتِهِ ودَلِيلُ هَذا المَعْنى مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢]) .
ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ سَجْدَةً مِن سُجُودِ القُرْآنِ والأصَحُّ مِن قَوْلِ مالِكٍ وأصْحابِهِ أنَّها لَيْسَتْ مِن سُجُودِ القُرْآنِ خِلافًا لِابْنِ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ فَإنَّهُ جَعَلَ سُجُوداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: هي سُنَّةٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: واجِبَةٌ. والأرْجَحُ أنَّ عَزائِمَ السُّجُودِ المَنسُوبَةَ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً وهي الَّتِي رُوِيَتْ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الصَّحابَةِ. وإنَّ ثَلاثَ آياتٍ غَيْرَ الإحْدى عَشْرَةَ آيَةً رُوِيَتْ فِيها أخْبارٌ أنَّها سَجَدَ النَّبِيءُ ﷺ عِنْدَ قِراءَتِها مِنها هَذِهِ وعارَضَتْها رِواياتٌ أُخْرى فَهي إمّا قَدْ تَرَكَ سُجُودَها وإمّا لَمْ يُؤَكِّدْ ومِنها قَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ . وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ”السُّجُودُ في سُورَةِ الِانْشِقاقِ قَوْلُ المَدَنِيِّينَ مِن أصْحابِ مالِكٍ“ . اهـ.
قُلْتُ: وهو قَوْلُ ابْنِ وهْبٍ ولا خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الآيَةِ، بَلْ ذَلِكَ في السَّجَداتِ الثَّلاثِ الزّائِدَةِ عَلى الإحْدى عَشْرَةَ، وقَدْ قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ بَعْدَ أنْ رَوى حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ: ”الأمْرُ عِنْدَنا أنَّ عَزائِمَ السُّجُودِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ في المَفَصَّلِ مِنها شَيْءٌ“ . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: سَجَداتُ التِّلاوَةِ أرْبَعَ عَشْرَةَ بِزِيادَةِ سَجْدَةِ سُورَةِ النَّجْمِ وسَجْدَةِ سُورَةِ الِانْشِقاقِ وسَجْدَةِ سُورَةِ العَلَقِ. وقالَ أحْمَدُ: هُنَّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً بِزِيادَةِ السَّجْدَةِ في آخِرِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الحَجِّ فَفِيها سَجْدَتانِ عِنْدَهُ.
الانشقاق 84:21
﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ عَلى ما ذُكِرَ مِن أحْوالِ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وأُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ (مَن) المَوْصُولَةِ كُلُّ مَن تَحِقُّ فِيهِ الصِّلَةُ فَجَرى الضَّمِيرُ عَلى مَدْلُولِ (مَن) وهو الجَماعَةُ. والمَعْنى: فَما لَهم لا يَخافُونَ أهْوالَ يَوْمِ لِقاءِ اللَّهِ فَيُؤْمِنُوا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: إذا تَحَقَّقْتَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ الَّذِينَ أنْكَرُوهُ ؟ ! وجِيءَ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ خُصُوصُ المُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ
صفحة ٢٣١
شَمِلَهم لَفْظُ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] لِأنَّ العِنايَةَ بِمَوْعِظَتِهِمْ أهَمُّ فالضَّمِيرُ التِفاتٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِالمُشْرِكِينَ بِاعْتِبارِ أنَّهم أهَمُّ في هَذِهِ المَواعِظِ، والضَّمِيرُ أيْضًا التِفاتٌ.
ويَجُوزُ تَفْرِيعُهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَسَمُ مِنَ الأحْوالِ المُقْسَمِ بِها بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِ القَسَمِ بِها أنَّها دَلائِلُ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَفَرُّدِهِ بِالأُلْهِيَّةِ، فَفي ذِكْرِها تَذْكِرَةٌ بِدَلالَتِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ، والِالتِفاتُ هو هو.
وتَرْكِيبُ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ يَشْتَمِلُ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ مُخْبِرٌ عَنْها بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ لَهم حالٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وهَذا الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ وفي إنْكارِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ العَجِيبِ المُنْكَرِ أنْ يُسْألَ عَنْهُ، فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى التَّعْجِيبِ والإنْكارِ مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ.
وجُمْلَةُ لا يُؤْمِنُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، فَإنَّها لَوْ وقَعَ في مَكانِها اسْمٌ لَكانَ مَنصُوبًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] والحالُ هي مَناطُ التَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ القَوْلِ في تَرْكِيبِهِ وفي الصِّيَغِ الَّتِي ورَدَ عَلَيْها أمْثالُ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومُتَعَلِّقُ يُؤْمِنُونَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ.
ويَجُوزُ تَنْزِيلُ فِعْلِ يُؤْمِنُونَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: لا يَتَّصِفُونَ بِالإيمانِ، أيْ: ما سَبَبُ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، لِظُهُورِ دَلائِلَ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِهِ ؟ !
والمَعْنى: التَّعْجِيبُ والإنْكارُ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ صِدْقِ ما دُعُوا إلَيْهِ وأُنْذِرُوا بِهِ.
صفحة ٢٣٢
و﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ عُطِفَ عَلى لا يُؤْمِنُونَ و﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ﴾ ظَرْفٌ قُدِّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وتَنْوِيهِ شَأْنِ القُرْآنِ.
وقِراءَةُ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ قِراءَتُهُ قِراءَةَ تَبْلِيغٍ ودَعْوَةٍ، وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ جَماعاتٍ وأفْرادًا وقَدْ قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ لا تَغُشُّنا بِهِ في مَجالِسِنا، وقَرَأ النَّبِيءُ ﷺ القُرْآنَ عَلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كَما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ عَبَسَ.
والسُّجُودُ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى الخُضُوعِ والخُشُوعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَخْضَعُونَ لِلَّهِ ولِمَعانِي القُرْآنِ وحُجَّتِهِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِحَقِيقَتِهِ ودَلِيلُ هَذا المَعْنى مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢]) .
ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ سَجْدَةً مِن سُجُودِ القُرْآنِ والأصَحُّ مِن قَوْلِ مالِكٍ وأصْحابِهِ أنَّها لَيْسَتْ مِن سُجُودِ القُرْآنِ خِلافًا لِابْنِ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ فَإنَّهُ جَعَلَ سُجُوداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: هي سُنَّةٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: واجِبَةٌ. والأرْجَحُ أنَّ عَزائِمَ السُّجُودِ المَنسُوبَةَ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً وهي الَّتِي رُوِيَتْ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الصَّحابَةِ. وإنَّ ثَلاثَ آياتٍ غَيْرَ الإحْدى عَشْرَةَ آيَةً رُوِيَتْ فِيها أخْبارٌ أنَّها سَجَدَ النَّبِيءُ ﷺ عِنْدَ قِراءَتِها مِنها هَذِهِ وعارَضَتْها رِواياتٌ أُخْرى فَهي إمّا قَدْ تَرَكَ سُجُودَها وإمّا لَمْ يُؤَكِّدْ ومِنها قَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ . وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ”السُّجُودُ في سُورَةِ الِانْشِقاقِ قَوْلُ المَدَنِيِّينَ مِن أصْحابِ مالِكٍ“ . اهـ.
قُلْتُ: وهو قَوْلُ ابْنِ وهْبٍ ولا خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الآيَةِ، بَلْ ذَلِكَ في السَّجَداتِ الثَّلاثِ الزّائِدَةِ عَلى الإحْدى عَشْرَةَ، وقَدْ قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ بَعْدَ أنْ رَوى حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ: ”الأمْرُ عِنْدَنا أنَّ عَزائِمَ السُّجُودِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ في المَفَصَّلِ مِنها شَيْءٌ“ . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: سَجَداتُ التِّلاوَةِ أرْبَعَ عَشْرَةَ بِزِيادَةِ سَجْدَةِ سُورَةِ النَّجْمِ وسَجْدَةِ سُورَةِ الِانْشِقاقِ وسَجْدَةِ سُورَةِ العَلَقِ. وقالَ أحْمَدُ: هُنَّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً بِزِيادَةِ السَّجْدَةِ في آخِرِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الحَجِّ فَفِيها سَجْدَتانِ عِنْدَهُ.
الانشقاق 84:22
صفحة ٢٣٣
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾
يَجُوزُ أنَّهُ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ، وإنْكارِهِ عَلَيْهِمْ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ والطَّعْنِ في القُرْآنِ، فالكَلامُ ارْتِقاءٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ.
فالإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم يُكَذِّبُونَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ الَّذِي يَسْتَرْوِحُ مِنهُ اسْتِحْضارَ الحالَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَلْ إضْرابًا إبْطالِيًّا، أيْ: لا يُوجَدُ ما لِأجْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ ولا يُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ، بَلِ الواقِعُ بِضِدِّ ذَلِكَ فَإنَّ بَواعِثَ الإيمانِ مِنَ الدَّلائِلِ مُتَوَفِّرَةٌ ودَواعِي الِاعْتِرافِ بِصِدْقِ القُرْآنِ والخُضُوعِ لِدَعْوَتِهِ مُتَظاهِرَةٌ ولَكِنَّهم يُكَذِّبُونَ، أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ عِنادًا وكِبْرِياءَ ويُومِئُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] .
وهَذانِ المَعْنَيانِ نَظِيرُ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الِانْفِطارِ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] .
وفِي اجْتِلابِ الفِعْلِ المُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى حُدُوثِ التَّكْذِيبِ مِنهم وتَجَدُّدِهِ، أيْ: بَلْ هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ عِنادًا ولَيْسَ ذَلِكَ اعْتِقادًا، فَكَما نُفِيَ عَنْهم تَجَدُّدُ الإيمانِ وتَجَدُّدُ الخُضُوعِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أُثْبِتَ لَهم تَجَدُّدُ التَّكْذِيبِ.
وقَوْلُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: بَلْ هم يُكَذِّبُونَ، فَعُدِلَ إلى المَوْصُولِ والصِّلَةِ لِما تُؤْذِنُ بِها الصِّلَةُ مِن ذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ لِتَأصُّلِ الكُفْرِ فِيهِمْ وكَوْنِهِمْ يُنْعَتُونَ بِهِ.
الانشقاق 84:23
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] وجُمْلَةِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] وهو كِنايَةٌ عَنِ الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ بِأنَّ اللَّهَ يُجازِيهِمْ بِسُوءِ طَوِيَّتِهِمْ.
صفحة ٢٣٤
ومَعْنى ﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يُضْمِرُونَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ العِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ حَقٌّ، ولَكِنَّهم يُظْهِرُونَ التَّكْذِيبَ بِهِ لِيَكُونَ صُدُودُهم عَنْهُ مَقْبُولًا عِنْدَ أتْباعِهِمْ وبَيْنَ مُجاوِرِيهِمْ.
وأصْلُ مَعْنى الإيعاءِ: جَعْلُ الشَّيْءِ وِعاءً والوِعاءُ بِكَسْرِ الواوِ الظَّرْفُ لِأنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى جَمْعِ الأشْياءِ لِئَلّا تَفُوتَ فَصارَ مُشْعِرًا بِالتَّقْتِيرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨] وفي الحَدِيثِ: «لا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ» واسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ في الإخْفاءِ؛ لِأنَّ الإيعاءَ يَسْتَلْزِمُ الإخْفاءَ فَهو هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ.
الانشقاق 84:24
﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] .
وفِعْلُ بَشِّرْهم مُسْتَعارٌ لِلْإنْذارِ والوَعِيدِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّبْشِيرِ الإخْبارُ بِما يَسُرُّ ويَنْفَعُ، فَلَمّا عُلِّقَ بِالفِعْلِ عَذابٌ ألِيمٌ كانَتْ قَرِينَةُ التَّهَكُّمِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ، وهو مِن قَبِيلِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمْ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا
الانشقاق 84:25
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا: إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] جَرْيًا عَلى تَأْوِيلِهِ بِرُكُوبِ طِباقِ الشَّدائِدِ والأهْوالِ يَوْمَ القِيامَةِ وما هو في مَعْنى ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ.
وإمّا عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في فَبَشِّرْهم والمَعْنى: إلّا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ مِنَ الَّذِينَ هم مُشْرِكُونَ الآنَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] وقَوْلِهِ في سُورَةِ البُرُوجِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]
صفحة ٢٣٥
الآيَةَ وفِعْلُ آمَنُوا عَلى هَذا الوَجْهِ مُرادٌ بِهِ المُسْتَقْبَلُ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَعْنى: مَن تَحَقَّقَ إيمانُهم، وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] إلى هُنا تَفْرِيعٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ خُصَّ بِهِ الأهَمُّ مِمَّنْ شَمِلَهم عُمُومُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] .
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ فَبَشِّرْهم فَهو داخِلٌ في التَّبْشِيرِ المُسْتَعْمَلِ في التَّهَكُّمِ زِيادَةً في إدْخالِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ. فَحَرْفُ إلّا بِمَنزِلَةِ (لَكِنْ) والِاسْتِدْراكُ بِهِ لِمُجَرَّدِ المُضادَّةِ لا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إرادَةِ ضِدِّ ذَلِكَ ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الِاسْتِدْراكِ، وأمّا تَعْرِيفُ بَعْضِهِمُ الِاسْتِدْراكَ بِأنَّهُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، فَهو تَعْرِيفٌ تَقْرِيبِيٌّ.
وجُمْلَةُ ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّ سائِلًا سَألَ: كَيْفَ حالُهم يَوْمَ يَكُونُ أُولَئِكَ في عَذابٍ ألِيمٍ ؟ والأجْرُ غَيْرُ المَمْنُونِ هو الَّذِي يُعْطاهُ صاحِبُهُ مَعَ كَرامَةٍ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهُ بِمِنَّةٍ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ونَحْوُهُ مِمّا ذُكِرَ فِيهِ مَعَ الجَزاءِ سَبَبُهُ، والمَعْنى: أنَّ أجْرَهم سُرُورٌ لَهم لا تَشُوبُهُ شائِبَةُ كَدَرٍ، فَإنَّ المَنَّ يُنَغِّصُ الإنْعامَ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ النّابِغَةُ:
عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ
ومِن نَوابِغِ الكَلِمِ لِلْعَلّامَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ: طَعْمُ الآلاءِ أحْلى مِنَ المَنِّ. وهو أمَرُّ مِنَ الآلاءِ مَعَ المَنِّ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِمَعْنى غَيْرِ مَقْطُوعٍ يُقالُ: مَنَنْتَ الحَبْلَ، إذا قَطَعْتَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] .
سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ الخارِجِيَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: غَيْرُ مَمْنُونٍ فَقالَ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ فَقالَ: هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ قَدْ عَرَفَهُ أخُو يَشْكُرَ يَعْنِي: الحارِثَ بْنَ حِلِّزَةَ حَيْثُ يَقُولُ:
فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِن سُرْعَةِ الرجْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَـأنَّـهُ أهْـبَـاءُ
المَنِينُ: الغُبارُ لِأنَّها تَقْطَعُهُ وراءَها.
* * *
صفحة ٢٣٦
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البُرُوجِ
رَوى أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ» . وهَذا ظاهِرٌ في أنَّها تُسَمّى (سُورَةُ السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحْكِ لَفْظَ القُرْآنِ، إذْ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أنْ يُقْرَأ في العَشاءِ بِالسَّماواتِ»، أيْ: (السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ) و(السَّماءِ والطّارِقِ) فَجَمَعَها جَمْعَ سَماءٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَ السُّورَتَيْنِ: سُورَةُ السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ، سُورَةُ السَّماءِ والطّارِقِ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةُ البُرُوجِ) .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ.
ومَعْدُودَةٌ السّابِعَةَ والعِشْرِينَ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (والشَّمْسِ وضُحاها) وسُورَةِ (التِّينِ) .
وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ آيَةً.
* * *
مِن أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ
ابْتُدِئَتْ أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ بِضَرْبِ المَثَلِ لِلَّذِينَ فَتَنُوا المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ بِأنَّهم مِثْلُ قَوْمٍ فَتَنُوا فَرِيقًا مِمَّنْ آمَنَ بِاللَّهِ فَجَعَلُوا أُخْدُودًا مِن نارٍ لِتَعْذِيبِهِمْ، لِيَكُونَ المَثَلُ تَثْبِيتًا لِلْمُسْلِمِينَ وتَصْبِيرًا لَهم عَلى أذى المُشْرِكِينَ وتَذْكِيرَهم بِما جَرى عَلى سَلَفِهِمْ في الإيمانِ مِن شِدَّةِ التَّعْذِيبِ الَّذِي لَمْ يَنَلْهم مِثْلُهُ ولَمْ يَصُدَّهم ذَلِكَ عَنْ دِينِهِمْ.
صفحة ٢٣٧
وإشْعارُ المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُوَّةَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ، فَسَيَلْقى المُشْرِكُونَ جَزاءَ صَنِيعِهِمْ ويَلْقى المُسْلِمُونَ النَعِيمَ الأبَدِيَّ والنَّصْرَ.
والتَّعْرِيضُ لِلْمُسْلِمِينَ بِكَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وضُرِبَ المَثَلُ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وبِثَمُودَ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ ما كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَحَصَلَتِ العِبْرَةُ لِلْمُشْرِكِينَ في فَتْنِهِمُ المُسْلِمِينَ وفي تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ.
البروج 85:1
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:2
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:3
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:4
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:5
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:6
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:7
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:8
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:9
﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
فِي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذا القَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ وإشْعارٌ بِأهَمِّيَّةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَلْفِتُ ألْبابَ السّامِعِينَ إلى الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها؛ لِأنَّ بَعْضَها مِن دَلائِلِ عَظِيمِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وإبْطالَ الشَّرِيكِ، وبَعْضُها مُذَكِّرٌ بِيَوْمِ البَعْثِ المَوْعُودِ، ورَمَزَ إلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، إذِ القَسَمُ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ، وبَعْضُها بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ يُوَجِّهُ أنْفُسَ السّامِعِينَ إلى تَطَلُّبِ بَيانِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ تَضَمَّنَ العِبْرَةَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، ولَمّا كانَتِ الأخادِيدُ خُطُوطًا مَجْعُولَةً في الأرْضِ مُسْتَعِرَةً بِالنّارِ أقْسَمَ عَلى ما تَضَمَّنَها بِالسَّماءِ بِقَيْدِ صِفَةٍ مِن صِفاتِها الَّتِي يَلُوحُ بِها لِلنّاظِرِينَ في نُجُومِها ما أسْماهُ العَرَبُ بُرُوجًا وهي تُشْبِهُ داراتٍ مُتَلَأْلِئَةً بِأنْوارِ النُّجُومِ اللّامِعَةِ الشَّبِيهَةِ بِتَلَهُّبِ النّارِ.
والقَسَمُ بِالسَّماءِ بِوَصْفِ ذاتِ البُرُوجِ يَتَضَمَّنُ قَسَمًا بِالأمْرَيْنِ مَعًا لِتَلْتَفِتَ أفْكارُ المُتَدَبِّرِينَ إلى ما في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وهَذِهِ الأحْوالِ مِن دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ، إذْ خَلْقُها عَلى تِلْكَ المَقادِيرِ المَضْبُوطَةِ لِيَنْتَفِعَ بِها النّاسُ في
صفحة ٢٣٨
مَواقِيتِ الأشْهُرِ والفَصْلِ. كَما قالَ تَعالى في نَحْوِ هَذا ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] .
وأمّا مُناسَبَةُ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ فَلِأنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ وعَدَ بِوُقُوعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٤] مَعَ ما في القَسَمِ بِهِ مِن إدْماجِ الإيماءِ إلى وعِيدِ أصْحابِ القِصَّةِ المُقْسَمِ عَلى مَضْمُونِها ووَعِيدِ أمْثالِهِمُ المُعَرَّضِ بِهِمْ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ عَلى اخْتِلافِ تَأْوِيلاتِهِ، سَتُذْكَرُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّأْوِيلاتِ وهي قَرِيبَةٌ مِن مُناسَبَةِ القَسَمِ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ، ويُقابِلُهُ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
والبُرُوجُ: تُطْلَقُ عَلى عَلاماتٍ مِن قُبَّةِ الجَوِّ يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ الشَّمْسَ تَكُونُ في سَمْتِها مُدَّةَ شَهْرٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالبُرُوجُ: اسْمٌ مَنقُولٌ مِنِ اسْمِ البُرْجِ بِمَعْنى القَصْرِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ تَنْزِلُهُ أوْ مَنقُولٌ مِنَ البُرْجِ بِمَعْنى الحِصْنِ.
والبُرْجُ السَّماوِيُّ يَتَألَّفُ مِن مَجْمُوعَةِ نُجُومٍ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لا تَخْتَلِفُ أبْعادُها أبَدًا. وإنَّما سُمِّيَ بُرْجًا لِأنَّ المُصْطَلِحِينَ تَخَيَّلُوا أنَّ الشَّمْسَ تَحِلُّ فِيهِ مُدَّةً فَهو كالبُرْجِ، أيِ: القَصْرِ أوِ الحِصْنِ، ولَمّا وجَدُوا كُلَّ مَجْمُوعَةٍ مِنها يُخالُ مِنها شَكْلٌ لَوْ أُحِيطَ بِإطارٍ لِخَطٍّ مَفْرُوضٍ لَأشْبَهَ مُحِيطُها مُحِيطَ صُورَةٍ تَخَيُّلِيَّةٍ لِبَعْضِ الذَّواتِ مِن حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ أوْ آلاتٍ، مَيَّزُوا بَعْضَ تِلْكَ البُرُوجِ مِن بَعْضٍ بِإضافَتِهِ إلى اسْمِ ما تُشْبِهُهُ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقْرِيبًا، فَقالُوا: بُرْجُ الثَّوْرِ، بُرْجُ الدَّلْوِ، بُرْجُ السُّنْبُلَةِ مَثَلًا.
وهَذِهِ البُرُوجُ هي في التَّحْقِيقِ سُمُوتٌ تُقابِلُها الشَّمْسُ في فَلَكِها مُدَّةَ شَهْرٍ كامِلٍ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، يُوَقِّتُونَ بِها الأشْهُرَ والفُصُولَ بِمَوْقِعِ الشَّمْسِ نَهارًا في المَكانِ الَّذِي تَطْلُعُ فِيهِ نُجُومُ تِلْكَ البُرُوجِ لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ مُرادٌ بِهِما النَّوْعُ. فالشّاهِدُ: الرّائِي، أوِ المُخْبِرُ بِحَقٍّ لِإلْزامِ مُنْكِرِهِ. والمَشْهُودُ: المَرْئِيُّ أوِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ بِحَقٍّ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الوَصْفَيْنِ لِدَلالَةِ
صفحة ٢٣٩
الكَلامِ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ حاضِرَ ذَلِكَ اليَوْمِ المَوْعُودِ مِنَ المَلائِكَةِ قالَ تَعالى: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ اللَّهَ تَعالى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أوِ الرُّسُلُ والمَلائِكَةُ.
والمَشْهُودُ: النّاسُ المَحْشُورُونَ لِلْحِسابِ وهم أصْحابُ الأعْمالِ المُعَرَّضُونَ لِلْحِسابِ؛ لِأنَّ العُرْفَ في المَجامِعِ أنَّ الشّاهِدَ فِيها: هو السّالِمُ مِن مَشَقَّتِها وهُمُ النَّظّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى ما يَجْرِي في المَجْمَعِ، وأنَّ المَشْهُودَ الَّذِي يَطَّلِعُ النّاسُ عَلى ما يَجْرِي عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ: الشّاهِدِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الحَفَظَةُ الشّاهِدُونَ عَلى الأعْمالِ، والمَشْهُودُ: أصْحابُ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ الشّاهِدُ الرُّسُلَ المُبَلِّغِينَ لِلْأُمَمِ، حَيْثُ يَقُولُ الكُفّارُ: ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] ومُحَمَّدٌ ﷺ يَشْهَدُ عَلى جَمِيعِهِمْ، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] .
وعَلى مُخْتَلَفِ الوُجُوهِ فالمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ بَيْنَ ﴿شاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ وبَيْنَ ما في المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أيْ: حُضُورٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ إلى أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيامَةِ، واليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، والشّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ» . أيْ: فالتَّقْدِيرُ: ويَوْمٌ شاهِدٌ ويَوْمٌ مَشْهُودٌ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن حَدِيثِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ يَضْعُفُ في الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ مِن قِبَلِ حِفْظِهِ اهـ.
ووَصْفُ يَوْمٍ بِأنَّهُ شاهِدٌ مُجازٌ عَقْلِيٌّ، ومَحْمَلُ هَذا الحَدِيثِ عَلى أنَّ هَذا مِمّا يُرادُ في الآيَةِ مِن وصْفِ شاهَدٍ ووَصْفِ مَشْهُودٍ فَهو مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ في حَقِيقَةٍ ومَجازٍ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ.
وجَوابُ القَسَمِ قِيلَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلَيْهِ
صفحة ٢٤٠
والتَّقْدِيرُ أنَّهم مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أنَّ الأمْرَ لَحَقٌّ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، أوْ لَتُبْعَثُنَّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَذْكُورٌ فِيما يَلِي، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] . أيْ: والكَلامُ بَيْنَهُما اعْتِراضٌ قُصِدَ بِهِ التَّوْطِئَةُ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وتَوْكِيدُ الحَقِيقِ الَّذِي أفادَ القَسَمَ بِتَحْقِيقِ ذِكْرِ النَّظِيرِ. وقالَ الفَرّاءُ: الجَوابُ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ أيْ: فَيَكُونُ (قُتِلَ) خَبَرًا لا دُعاءً ولا شَتْمًا، ولا يَلْزَمُ ذِكْرُ (قَدْ) في الجَوابِ مَعَ كَوْنِ الجَوابِ ماضِيًا؛ لِأنَّ (قَدْ) تُحْذَفُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَها لَيْسَ مَشْرُوطًا بِالضَّرُورَةِ.
ويَتَعَيَّنُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ مِنَ الإنْذارِ لِلَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِفاتِنِي أصْحابِ الأُخْدُودِ، وإلّا فَإنَّ الخَبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ لا يَحْتاجُ إلى التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ، إذْ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ فَهو قِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ لِلْعَرَبِ.
وانْتِساقُ ضَمائِرِ جَمْعِ الغائِبِ المَرْفُوعَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما نَقَمُوا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أصْحابُ الأُخْدُودِ واضِعِيهِ لِتَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: الجَوابُ هو جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠] فَيَكُونُ الكَلامُ الَّذِي بَيْنَهُما اعْتِراضًا وتَوْطِئَةً عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في كَلامِ الزَّجّاجِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ صِيغَتُهُ تُشْعِرُ بِأنَّهُ إنْشاءُ شَتْمٍ لَهم، شَتْمُ خِزْيٍ وغَضَبٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُقْتَلُوا، فَفِعْلُ قُتِلَ لَيْسَ بِخَبَرٍ بَلْ شَتْمٌ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] . وقَوْلِهِمْ: قاتَلَهُ اللَّهُ. وصُدُورُهُ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ مَعْنى اللَّعْنِ ويَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ؛ لِأنَّ الغَضَبَ واللَّعْنَ يَسْتَلْزِمانِ العِقابَ عَلى الفِعْلِ المَلْعُونِ لِأجْلِهِ.
وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلى أصْحابِ الأُخْدُودِ بِالقَتْلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] والقَتْلُ مُسْتَعارٌ لِأشَدِّ العَذابِ كَما يُقالُ: أهْلَكَهُ اللَّهُ، أيْ: أوْقَعَهُ في أشَدِّ العَناءِ، وأيًّا ما كانَ فَجُمْلَةُ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ عَلى هَذا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ القَسَمِ وما بَعْدَهُ.
ومَن جَعَلَ ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ جَوابَ القَسَمِ جَعَلَ الكَلامَ خَبَرًا وقَدَّرَهُ
صفحة ٢٤١
لَقَدْ قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن أصْحابِ الأُخْدُودِ الَّذِينَ أُلْقُوا فِيهِ وعُذِّبُوا فِيهِ ويَكُونُ لَفْظُ أصْحابٍ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى مُجَرَّدِ المُقارَنَةِ والمُلازَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ولَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا تَعَيُّنَ تَأْوِيلِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ.
ولَفْظُ أصْحابٍ يَعُمُّ الآمِرِينَ بِجَعْلِ الأُخْدُودِ، والمُباشِرِينَ لِحَفْرِهِ وتَسْعِيرِهِ، والقائِمِينَ عَلى إلْقاءِ المُؤْمِنِينَ فِيهِ.
وهَذِهِ قِصَّةٌ اخْتَلَفَ الرُّواةُ في تَعْيِينِها وفي تَعْيِينِ المُرادِ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ.
والرِّواياتُ كُلُّها تَقْتَضِي أنَّ المَفْتُونِينَ بِالأُخْدُودِ قَوْمٌ اتَّبَعُوا النَّصْرانِيَّةَ في بِلادِ اليَمَنِ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ، أوْ في بِلادِ الحَبَشَةِ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ، وذُكِرَتْ فِيها رِواياتٌ مُتَقارِبَةٌ تَخْتَلِفُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، والتَّرْتِيبِ، والزِّيادَةِ، والتَّعْيِينِ وأصَحُّها ما رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَصَّ هَذِهِ القِصَّةَ عَلى أصْحابِهِ. ولَيْسَ فِيما رُوِيَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ ساقَها تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ والتِّرْمِذِيُّ ساقَ حَدِيثَها في تَفْسِيرِ سُورَةِ البُرُوجِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ: كانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأخادِيدَ في ثَلاثٍ مِنَ البِلادِ: في نَجْرانَ، وبِالشّامِ، وبِفارِسَ، أمّا الَّذِينَ بِالشّامِ فَـ (انْطانْيُوسُ الرُّومِيُّ)، وأمّا الَّذِي بِفارِسَ فَهو (بُخْتَنَصَّرَ)، والَّذِي بِنَجْرانَ (فَيُوسُفُ ذُو نُواسٍ) . ولْنَذْكُرِ القِصَّةَ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ تُؤْخَذُ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ عَلى أنَّها جَرَتْ في نَجْرانَ مِن بِلادِ اليَمَنِ، وإنَّهُ كانَ مَلِكٌ وهو ذُو نُواسٍ لَهُ كاهِنٌ أوْ ساحِرٌ، وكانَ لِلسّاحِرِ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثّامِرِ، وكانَ يَجِدُ في طَرِيقِهِ إذا مَشى إلى الكاهِنِ صَوْمَعَةً فِيها راهِبٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقْرَأُ الإنْجِيلَ، اسْمُهُ (فَيْمِيُونُ) بِفاءٍ، فَتَحْتِيَّةٍ، فَمِيمٍ، فَتَحْتِيَّةٍ (وضُبِطَ في الطَّبْعَةِ الأُورُبِّيَّةِ مِن سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ الَّتِي يَلُوحُ أنَّ أصْلَها المَطْبُوعَةَ عَلَيْهِ أصْلٌ صَحِيحٌ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَضَمٍّ) قالَ السُّهَيْلِيُّ: ووَقَعَ لِلطَّبَرِيِّ بِقافٍ عِوَضَ الفاءِ. وقَدْ يُحَرَّفُ فَيُقالُ: مَيْمُونٌ بِمِيمٍ في أوَّلِهِ وبِتَحْتِيَّةٍ واحِدَةٍ، أصْلُهُ مِن غَسّانَ مِنَ الشّامِ ثُمَّ ساحَ فاسْتَقَرَّ بِنَجْرانَ، وكانَ مُنْعَزِلًا عَنِ النّاسِ مُخْتَفِيًا في صَوْمَعَتِهِ، وظَهَرَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ في قَوْمِهِ كَراماتٌ، وكانَتْ كُلَّما ظَهَرَتْ لَهُ كَرامَةٌ دَعا مَن ظَهَرَتْ لَهم إلى أنْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، فَكَثُرَ المُتَنَصِّرُونَ في نَجْرانَ، وبَلَغَ ذَلِكَ المَلِكَ ذا
صفحة ٢٤٢
نُواسٍ وكانَ يَهُودِيًّا، وكانَ أهْلُ نَجْرانَ مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً، فَقَتَلَ المَلِكُ الغُلامَ وقَتَلَ الرّاهِبَ، وأمَرَ بِأخادِيدَ وجُمِعَ فِيها حَطَبٌ وأُشْعِلَتْ، وعُرِضَ أهْلُ نَجْرانَ عَلَيْها، فَمَن رَجَعَ عَنِ التَّوْحِيدِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ عَلى الدِّينِ الحَقِّ قَذَفَهُ في النّارِ.
فَكانَ أصْحابُ الأُخْدُودِ مِمَّنْ عُذِّبَ مِن أهْلِ دِينِ المَسِيحِيَّةِ في بِلادِ العَرَبِ. وقِصَصُ الأخادِيدِ كَثِيرَةٌ في التّارِيخِ، والتَّعْذِيبُ بِالحَرْقِ طَرِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، ومِنها: نارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأمّا تَحْرِيقُ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ مِائَةً مِن بَنِي تَمِيمٍ وتَلْقِيبُهُ بِالمُحَرِّقِ فَلا أعْرِفُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِاتِّخاذِ أُخْدُودٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ هو مُحَرِّقٌ وآلُهُ الَّذِي حَرَقَ مِن بَنِي تَمِيمٍ مِائَةً.
والأُخْدُودُ: بِوَزْنِ أُفْعُولٍ، وهو صِيغَةٌ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ غَيْرُ مَقِيسَةٍ، ومِنها قَوْلُهم: أُفْحُوصٌ، مُشْتَقٌّ مِن فَحَصَتِ القَطاةُ، والدَّجاجَةُ إذا بَحَثَتْ في التُّرابِ مَوْضِعًا تَبِيضُ فِيهِ، وقَوْلُهم أُسْلُوبٌ اسْمٌ لِطَرِيقَةٍ، ولِسَطْرِ النَّحْلِ، وأُقْنُومٌ اسْمٌ لِأصِلِ الشَّيْءِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَزْنُ مَعَ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ أُكْرُومَةٍ، وأُعْجُوبَةٍ، وأُطْرُوحَةٍ، وأُضْحُوكَةٍ.
وقَوْلُهُ: النّارُ بَدَلٌ مِنَ الأُخْدُودِ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأُخْدُودِ الحَفِيرُ بِما فِيهِ.
والوَقُودُ: بِفَتْحِ الواوِ اسْمُ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ مِن حَطَبٍ ونِفْطٍ ونَحْوِهِ.
ومَعْنى ذاتِ الوَقُودِ: أنَّها لا يُخْمَدُ لَهَبُها؛ لِأنَّ لَها وقُودًا يُلْقى فِيها كُلَّما خَبَتْ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِفِعْلِ قُتِلَ، أيْ: لُعِنُوا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ قَعَدُوا عَلى الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى أصْحابِ الأُخْدُودِ، فَإنَّ المَلِكَ يَحْضُرُ تَنْفِيذَ أمْرِهِ ومَعَهُ مَلَأُهُ، أوْ أُرِيدَ بِها المَأْمُورُونَ مِنَ المَلِكِ. فَعَلى احْتِمالِ أنَّهم أعْوانُ المَلِكِ، فالقُعُودُ الجُلُوسُ كُنِّيَ بِهِ عَنِ المُلازَمَةِ لِلْأُخْدُودِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ الَّذِينَ يَحْشُونَ النّارَ بِتَسْعِيرِها، وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّهم لا يَقْعُدُونَ فَوْقَ النّارِ، ولَكِنْ حَوْلَها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُرْبِ والمُراقَبَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ الأعْشى:
وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ
صفحة ٢٤٣
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] أيْ: عِنْدَهُ.
وعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ المُؤْمِنِينَ المُعَذَّبِينَ فِيهِ، فالقُعُودُ حَقِيقَةً وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: قاعِدُونَ عَلى النّارِ بِأنْ كانُوا يَحْرِقُونَهم مَرْبُوطِينَ بِهَيْئَةِ القُعُودِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ تَعْذِيبًا وتَمْثِيلًا، أيْ: بَعْدَ أنْ يُقْعِدُوهم في الأخادِيدِ يُوقِدُونَ النّارَ فِيها، وذَلِكَ أرْوَعُ وأطْوَلُ تَعْذِيبًا.
وأُعِيدَ ضَمِيرُ هم في قَوْلِهِ: ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ لِيَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى بَعْضِ أصْحابِ الأُخْدُودِ.
وضَمِيرُ يَفْعَلُونَ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾، فَمَعْنى كَوْنِهِمْ شُهُودًا عَلى ما يَفْعَلُونَهُ: أنْ بَعْضَهم يَشْهَدُ لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّطْ فِيما وكِّلَ بِهِ مِن تَحْرِيقِ المُؤْمِنِينَ، فَضَمائِرُ الجَمْعِ وصِيغَتُهُ مُوَزَّعَةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ مِن تَقْسِيمِ أصْحابِ الأُخْدُودِ إلى أُمَراءَ ومَأْمُورِينَ شَأْنُ الأعْمالِ العَظِيمَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الأُخْدُودِ بِأنَّهم قُعُودٌ عَلى النّارِ عَلِمَ أنَّهُمُ المُوَكَّلُونَ بِمُراقَبَةِ العُمّالِ، فَعُلِمَ أنَّ لَهم أتْباعًا مِن سَعّارِينَ ووَزَعَةٍ فَهم مَعادُ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شُهُودٌ جَمْعَ شاهِدٍ بِمَعْنى مُخْبِرٍ بِحَقٍّ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى حاضِرٍ ومُراقَبٍ لِظُهُورِ أنَّ أحَدًا لا يَشْهَدُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: قُعُودٌ شاهِدِينَ عَلى فِعْلِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في مَعادِ ضَمِيرِ يَفْعَلُونَ وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ تَفْظِيعُ ذَلِكَ القُعُودِ وتَعْظِيمُ جُرْمِهِ، إذْ كانُوا يُشاهِدُونَ تَعْذِيبَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْأفُونَ في ذَلِكَ ولا يَشْمَئِزُّونَ، وبِذَلِكَ فارَقَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ .
وفِي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ مِنَ الإبْهامِ ما يُفِيدُ أنَّ لِمُوقِدِي النّارِ مِنَ الوَزَعَةِ والعَمَلِ ومَن يُباشِرُونَ إلْقاءَ المُؤْمِنِينَ فِيها غِلْظَةً وقَسْوَةً في تَعْذِيبِ المُؤْمِنِينَ وإهانَتِهِمْ والتَّمْثِيلِ بِهِمْ، وذَلِكَ زائِدٌ عَلى الإحْراقِ.
صفحة ٢٤٤
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ أوْ عاطِفَةٌ عَلى الحالِ الَّتِي قَبْلَها.
والمَقْصُودُ التَّعَجُّبُ مِن ظُلْمِ أهْلِ الأُخْدُودِ أنَّهم يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الفَظاعَةِ، لا لِجُرْمٍ في شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ مِن فاعِلِهِ، فَإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ يَهُودًا كَما كانَ غالِبُ أهْلِ اليَمَنِ يَوْمَئِذٍ، فالكَلامُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ: ما نَقَمُوا مِنهم شَيْئًا يُنْقَمُ، بَلْ لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ كَما آمَنَ بِهِ الَّذِينَ عَذَّبُوهم. ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ أنَّ المَلِكَ ذا نُواسٍ وأهْلَ اليَمَنِ كانُوا مُتَهَوِّدِينَ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ فَكَيْفَ يُعَذِّبُونَ قَوْمًا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ مِثْلَهم ؟ ! وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] وإنْ كانَ الَّذِينَ خَدَّدُوا الأُخْدُودَ مُشْرِكِينَ فَإنَّ عَرَبَ اليَمَنِ بَقِيَ فِيهِمْ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَلَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ أنْ يَكُونَ ما يُشْبِهُ ضِدَّ المَقْصُودِ هو في الواقِعِ مِن نَوْعِ المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ المَقْصُودُ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَلِكَ وجُنْدَهُ نَقَمُوا مِنهُمُ الإيمانَ بِاللَّهِ حَقِيقَةً إنْ كانَ المَلِكُ مُشْرِكًا.
وإجْراءُ الصِّفاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهي: (العَزِيزُ، الحَمِيدُ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّ ما نَقَمُوهُ مِنهم لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْقَمَ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِأنْ يُمْدَحُوا بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِرَبٍّ حَقِيقٍ بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ لِأجْلِ صِفاتِهِ الَّتِي تَقْتَضِي عِبادَتَهُ ونَبْذَ ما عَداهُ؛ لِأنَّهُ يَنْصُرُ مَوالِيَهُ ويُثِيبُهم ولِأنَّهُ يَمْلِكُهم، وما عَداهُ ضَعِيفُ العِزَّةِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَمْلِكُ مِنهم شَيْئًا فَيَقْوى التَّعْجِيبُ مِنهم بِهَذا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الأُخْدُودَ وبِوَعْدِ الَّذِينَ عُذِّبُوا في جَنْبِ اللَّهِ، ووَعِيدٌ لِأمْثالِ أُولَئِكَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ مَن تَصَدَّوْا لِأذى المُؤْمِنِينَ، ووَعْدُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَذَّبَهُمُ المُشْرِكُونَ مِثْلَ: بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وسُمَيَّةَ.
البروج 85:10
صفحة ٢٤٥
﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ .
إنْ كانَ هَذا جَوابًا لِلْقَسَمِ عَلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ كَما تَقَدَّمَ، كانَ ما بَيْنَ القَسَمِ وما بَيْنَ هَذا كَلامًا مُعْتَرِضًا يُقْصَدُ مِنهُ التَّوْطِئَةُ لِوَعِيدِهِمْ بِالعَذابِ والهَلاكِ بِذِكْرِ ما تَوَعَّدَ بِهِ نَظِيرَهم، وإنْ كانَ الجَوابُ في قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ بِمَنزِلَةِ الفَذْلَكَةِ لِما أقْسَمَ عَلَيْهِ، إذِ المَقْصُودُ بِالقَسَمِ وما أُقْسِمَ عَلَيْهِ هو تَهْدِيدُ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أنْ تَكُونَ عَلَيْهِمْ تَبِعَةٌ مِن فَتْنِ المُؤْمِنِينَ.
والَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ولَيْسَ المُرادُ أصْحابَ الأُخْدُودِ لِأنَّهُ لا يُلاقِي قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ إذْ هو تَعْرِيضٌ بِالتَّرْغِيبِ في التَّوْبَةِ، ولا يُلاقِي دُخُولَ الفاءِ في خَبَرِ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ كَما سَيَأْتِي.
وقَدْ عُدَّ مِنَ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ أبُو جَهْلٍ رَأْسُ الفِتْنَةِ ومُسَعِّرُها، وأُمِّيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وأُمُّ أنْمارٍ، ورَجُلٌ مِن بَنِي تَيْمٍ.
والمَفْتُونُونَ: عُدَّ مِنهم بِلالُ بْنُ رَباحٍ، كانَ عَبْدًا لِأُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَكانَ يُعَذِّبُهُ، وأبُوُ فُكَيْهَةَ كانَ عَبْدًا لِصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وخَبّابُ بْنُ الأرَتِّ كانَ عَبْدًا لِأُمِّ أنْمارٍ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ وأبُوهُ ياسِرٌ وأخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ كانُوا عَبِيدًا لِأبِي حُذَيْفَةَ بْنِ المُغِيرَةِ فَوَكَّلَ بِهِمْ أبا جَهْلٍ، وعامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ كانَ عَبْدًا لِرَجُلٍ مَن بَنِي تَيْمٍ.
والمُؤْمِناتُ المَفْتُوناتُ مِنهُنَّ: حَمامَةُ أُمُّ بِلالٍ أمَةُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وزِنِّيرَةُ، وأُمُّ عُنَيْسٍ كانَتْ أمَةً لِلْأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، والنَّهْدِيَّةُ وابْنَتُها كانَتا لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، ولَطِيفَةُ، ولِبِينَةُ بِنْتُ فُهَيْرَةَ كانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ كانَ عُمَرُ يَضْرِبُها، وسُمَيَّةُ أُمُّ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ كانَتْ لِعَمِّ أبِي جَهْلٍ.
صفحة ٢٤٦
وفُتِنَ ورَجَعَ إلى الشِّرْكِ الحارِثُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، والعاصِي بْنُ المُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ.
وعَطْفُ المُؤْمِناتِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِنَّ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ هَذِهِ المَزِيَّةَ خاصَّةٌ بِالرِّجالِ، ولِزِيادَةِ تَفْظِيعِ فِعْلِ الفاتِنِينَ بِأنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلى النِّساءِ والشَّأْنُ أنْ لا يُتَعَرَّضَ لَهُنَّ بِالغِلْظَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ مُعْتَرِضَةٌ. وثُمَّ فِيها لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى الكُفْرِ أعْظَمُ مِن فِتْنَةِ المُؤْمِنِينَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنْ تابُوا وآمَنُوا سَلِمُوا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ.
والفَتْنُ: المُعامَلَةُ بِالشِّدَّةِ والإيقاعُ في العَناءِ الَّذِي لا يَجِدُ مِنهُ مَخْلَصًا إلّا بِعَناءٍ أوْ ضُرٍّ أخَفَّ أوْ حِيلَةٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ودُخُولُ الفاءِ في خَبَرِ إنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ لِأنَّ اسْمَ إنَّ وقَعَ مَوْصُولًا والمَوْصُولُ يُضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ في الِاسْتِعْمالِ كَثِيرًا. فَتَقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ ثُمَّ إنْ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ مَقْصُودٌ بِهِ مَعْنى التَّقْيِيدِ فَهو كالشَّرْطِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ عَطْفٌ في مَعْنى التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ في جُمْلَةِ ﴿لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ . واقْتِرانُها بِواوِ العَطْفِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّأْكِيدِ بِإيهامِ أنَّ مَن يُرِيدُ زِيادَةَ تَهْدِيدِهِمْ بِوَعِيدٍ آخَرَ فَلا يُوجَدُ أعْظَمُ مِنَ الوَعِيدِ الأوَّلِ. مَعَ ما بَيْنَ عَذابِ جَهَنَّمَ وعَذابِ الحَرِيقِ مِنِ اخْتِلافٍ في المَدْلُولِ وإنْ كانَ مَآلُ المَدْلُولَيْنِ واحِدًا. وهَذا ضَرْبٌ مِنَ المُغايَرَةِ يُحَسِّنُ عَطْفَ التَّأْكِيدِ.
عَلى أنَّ الزَّجَّ بِهِمْ في جَهَنَّمَ عَذابٌ قَبْلَ أنْ يَذُوقُوا عَذابَ حَرِيقِها لِما فِيهِ مِنَ الخِزْيِ والدَّفْعِ بِهِمْ في طَرِيقِهِمْ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] فَحَصَلَ بِذَلِكَ اخْتِلافُ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالثّانِي مُضاعَفَةُ العَذابِ لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] .
صفحة ٢٤٧
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِعَذابِ الحَرِيقِ حَرِيقٌ بِغَيْرِ جَهَنَّمَ وهو ما يُضْرَمُ عَلَيْهِمْ مِن نارِ تَعْذِيبٍ قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ «القَبْرُ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ جَهَنَّمَ أوْ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ» رَواهُ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
البروج 85:11
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠] المُقْتَضِي أنَّهم إنْ تابُوا لَمْ يَكُنْ لَهم عَذابُ جَهَنَّمَ فَيَتَشَوَّفُ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ حالِهِمْ أمَقْصُورَةٌ عَلى السَّلامَةِ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ أوْ هي فَوْقَ ذَلِكَ، فَأُخْبِرَ بِأنَّ لَهم جَنّاتٍ فَإنَّ التَّوْبَةَ الإيمانُ، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِصِلَةِ آمَنُوا دُونَ: تابُوا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ هو التَّوْبَةُ مِنَ الشِّرْكِ الباعِثِ عَلى فَتْنِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا الِاسْتِئْنافُ وقَعَ مُعْتَرِضًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] وجُمْلَةِ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] اعْتِراضًا بِالبِشارَةِ في خِلالِ الإنْذارِ لِتَرْغِيبِ المُنْذَرِينَ في الإيمانِ، ولِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما يُلاقُونَهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إرْدافِ الإرْهابِ بِالتَّرْغِيبِ.
والتَّأْكِيدُ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
والإشارَةُ في ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنِ اخْتِصاصِهِمْ بِالجَنّاتِ والأنْهارِ.
والكَبِيرُ: مُسْتَعارٌ لِلشَّدِيدِ في بابِهِ، والفَوْزُ: مَصْدَرٌ.
البروج 85:12
﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ عِلَّةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]، أيْ: لِأنَّ بَطْشَ اللَّهِ شَدِيدٌ عَلى الَّذِينَ فَتَنُوا الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ. فَمَوْقِعُ إنَّ في التَّعْلِيلِ يُغْنِي عَنْ فاءِ التَّسَبُّبِ.
صفحة ٢٤٨
وبَطْشُ اللَّهِ يَشْمَلُ تَعْذِيبَهُ إيّاهم في جَهَنَّمَ، ويَشْمَلُ ما قَبْلَهُ مِمّا يَقَعُ في الآخِرَةِ وما يَقَعُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] ووَجْهُ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ بَطْشَ اللَّهِ بِالَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ فِيهِ نَصْرٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتٌ لَهُ.
البروج 85:13
﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾
تَصْلُحُ؛ لِأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا انْتَقَلَ بِهِ مِن وعِيدِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ إلى تَوَعُّدِهِمْ بِعَذابٍ في الدُّنْيا يَكُونُ مِن بَطْشِ اللَّهِ، أرْدَفَ بِهِ وعِيدَ عَذابِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ إذْ هم يَحْسَبُونَ أنَّهم في أمْنٍ مِنَ العِقابِ إذْ هم لا يُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ فَحَسِبُوا أنَّهم فازُوا بِطِيبِ الحَياةِ الدُّنْيا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَبْطِشُ بِهِمْ في البَدْءِ والعَوْدِ، أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وتَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]؛ لِأنَّ الَّذِي يُبْدِئُ ويُعِيدُ قادِرٌ عَلى إيقاعِ البَطْشِ الشَّدِيدِ في الدُّنْيا وهو الإبْداءُ، وفي الآخِرَةِ إعادَةُ البَطْشِ.
وتَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ إدْماجًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، أيْ أنَّ اللَّهَ يُبْدِئُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ وشِدَّةٍ ويُسْتَعارُ لِلْعِقابِ المُؤْلِمِ الشَّدِيدِ كَما هُنا.
ويُبْدِئُ: مُرادِفُ يَبْدَأُ، يُقالُ: بَدَأ وأبْدَأُ. فَلَيْسَتْ هَمْزَةُ أبْدَأُ لِلتَّعْدِيَةِ.
وحُذِفَ مَفْعُولا الفِعْلَيْنِ لِقَصْدِ عُمُومِ تَعَلُّقِ الفِعْلَيْنِ بِكُلِّ ما يَقَعُ ابْتِداءً، ويُعادُ بَعْدَ ذَلِكَ فَشَمَلَ بَدْءَ الخَلْقِ وإعادَتَهُ وهو البَعْثُ، وشَمَلَ البَطْشَ الأوَّلَ في الدُّنْيا والبَطْشَ في الآخِرَةِ، وشَمَلَ إيجادَ الأجْيالِ وإخْلافِها بَعْدَ هَلاكِ أوائِلِها. وفي هَذِهِ الِاعْتِباراتِ مِنَ التَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ مَحامِلُ كَثِيرَةٌ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: وهو يُبْدِئُ لِلتَّقَوِّي، أيْ: لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ ولا مَوْقِعَ لِلْقَصْرِ هُنا، إذْ لَيْسَ في المَقامِ رَدٌّ عَلى مَن يَدَّعِي أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يُبْدِئُ ويُعِيدُ. وقَدْ
صفحة ٢٤٩
تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ يَلِيهِ الفِعْلُ المُضارِعُ عَلى قَوْلِ المازِنِي، وهو التَّحْقِيقُ. ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ فاطِرٍ.
البروج 85:14
﴿وهْوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ .
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، ومَضْمُونُها قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] لِأنَّهُ لَمّا أُفِيدَ تَعْلِيلُ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] إلى آخِرِهِ، ناسَبَ أنْ يُقابَلَ بِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ﴾ [البروج: ١١] إلى آخِرِهِ، فَعُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَهو يَغْفِرُ لِلَّذِينَ تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ما فَرَطَ مِنهم وهو يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويَوَدُّهم.
والوَدُودُ: فَعُولُ بِمَعْنى فاعِلٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ الوُدِّ وهو المَحَبَّةُ، فَمَعْنى الوَدُودِ: المُحِبُّ وهو مِن أسْمائِهِ تَعالى، أيْ أنَّهُ يُحِبُّ مَخْلُوقاتِهِ ما لَمْ يَحِيدُوا عَنْ وِصايَتِهِ، والمَحَبَّةُ الَّتِي يُوصَفُ اللَّهُ بِها مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ المُحِبَّةِ في اللُّغَةِ تَقْرِيبًا لِلْمَعْنى المُتَعالِي عَنِ الكَيْفِ وهو مِن مَعْنى الرَّحْمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ.
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ مِن صِفاتِهِ ما تَعَلُّقُهُ بِمَخْلُوقاتِهِ بِحَسَبِ ما يَسْتَأْهِلُونَهُ مِن جَزاءٍ أعْقَبَ ذَلِكَ بِصِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ والتَّكْمِلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ إلى وُجُوبِ عِبادَتِهِ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ لِجَلالِهِ كَما يَعْبُدُونَهُ لِاتِّقاءِ عِقابِهِ ورَجاءِ نَوالِهِ.
والعَرْشُ: اسْمٌ لِعالَمٍ يُحِيطُ بِجَمِيعِ السَّماواتِ، سَمِّيَ عَرْشًا لِأنَّهُ دالٌّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى كَمّا يَدُلُّ العَرْشُ عَلى أنَّ صاحِبَهُ مِنَ المُلُوكِ.
والمَجِيدُ: العَظِيمُ القَوِيُّ في نَوْعِهِ، ومِن أمْثالِهِمْ: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، وهُما شَجْرانِ يَكْثُرُ قَدْحُ النّارِ مِن زَنْدِهِما.
صفحة ٢٥٠
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالجَرِّ نَعَتا لِلْعَرْشِ فَوَصْفُ العَرْشِ بِالمَجْدِ كِنايَةٌ عَنْ مَجْدِ صاحِبِ العَرْشِ.
ثُمَّ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ جامِعَةٍ لِعَظَمَتِهِ الذّاتِيَّةِ وعَظَمَةِ نِعَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أيْ: إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِفِعْلٍ، فَعَلَهُ عَلى أكْمَلِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ لا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ ولا يُبْطِئُ بِهِ ما أرادَ تَعْجِيلَهُ. فَصِيغَةُ المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ: فَعّالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ.
والإرادَةُ هُنا هي المَعْرِفَةُ عِنْدَنا بِأنَّها صِفَةُ تَخَصُّصِ المُمْكِنِ بِبَعْضِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ وهي غَيْرُ الإرادَةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ مِثْلُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
البروج 85:15
﴿وهْوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ .
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، ومَضْمُونُها قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] لِأنَّهُ لَمّا أُفِيدَ تَعْلِيلُ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] إلى آخِرِهِ، ناسَبَ أنْ يُقابَلَ بِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ﴾ [البروج: ١١] إلى آخِرِهِ، فَعُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَهو يَغْفِرُ لِلَّذِينَ تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ما فَرَطَ مِنهم وهو يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويَوَدُّهم.
والوَدُودُ: فَعُولُ بِمَعْنى فاعِلٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ الوُدِّ وهو المَحَبَّةُ، فَمَعْنى الوَدُودِ: المُحِبُّ وهو مِن أسْمائِهِ تَعالى، أيْ أنَّهُ يُحِبُّ مَخْلُوقاتِهِ ما لَمْ يَحِيدُوا عَنْ وِصايَتِهِ، والمَحَبَّةُ الَّتِي يُوصَفُ اللَّهُ بِها مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ المُحِبَّةِ في اللُّغَةِ تَقْرِيبًا لِلْمَعْنى المُتَعالِي عَنِ الكَيْفِ وهو مِن مَعْنى الرَّحْمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ.
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ مِن صِفاتِهِ ما تَعَلُّقُهُ بِمَخْلُوقاتِهِ بِحَسَبِ ما يَسْتَأْهِلُونَهُ مِن جَزاءٍ أعْقَبَ ذَلِكَ بِصِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ والتَّكْمِلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ إلى وُجُوبِ عِبادَتِهِ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ لِجَلالِهِ كَما يَعْبُدُونَهُ لِاتِّقاءِ عِقابِهِ ورَجاءِ نَوالِهِ.
والعَرْشُ: اسْمٌ لِعالَمٍ يُحِيطُ بِجَمِيعِ السَّماواتِ، سَمِّيَ عَرْشًا لِأنَّهُ دالٌّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى كَمّا يَدُلُّ العَرْشُ عَلى أنَّ صاحِبَهُ مِنَ المُلُوكِ.
والمَجِيدُ: العَظِيمُ القَوِيُّ في نَوْعِهِ، ومِن أمْثالِهِمْ: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، وهُما شَجْرانِ يَكْثُرُ قَدْحُ النّارِ مِن زَنْدِهِما.
صفحة ٢٥٠
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالجَرِّ نَعَتا لِلْعَرْشِ فَوَصْفُ العَرْشِ بِالمَجْدِ كِنايَةٌ عَنْ مَجْدِ صاحِبِ العَرْشِ.
ثُمَّ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ جامِعَةٍ لِعَظَمَتِهِ الذّاتِيَّةِ وعَظَمَةِ نِعَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أيْ: إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِفِعْلٍ، فَعَلَهُ عَلى أكْمَلِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ لا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ ولا يُبْطِئُ بِهِ ما أرادَ تَعْجِيلَهُ. فَصِيغَةُ المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ: فَعّالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ.
والإرادَةُ هُنا هي المَعْرِفَةُ عِنْدَنا بِأنَّها صِفَةُ تَخَصُّصِ المُمْكِنِ بِبَعْضِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ وهي غَيْرُ الإرادَةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ مِثْلُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
البروج 85:16
﴿وهْوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ .
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢]، ومَضْمُونُها قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] لِأنَّهُ لَمّا أُفِيدَ تَعْلِيلُ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] إلى آخِرِهِ، ناسَبَ أنْ يُقابَلَ بِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ﴾ [البروج: ١١] إلى آخِرِهِ، فَعُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ فَهو يَغْفِرُ لِلَّذِينَ تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ما فَرَطَ مِنهم وهو يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويَوَدُّهم.
والوَدُودُ: فَعُولُ بِمَعْنى فاعِلٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ الوُدِّ وهو المَحَبَّةُ، فَمَعْنى الوَدُودِ: المُحِبُّ وهو مِن أسْمائِهِ تَعالى، أيْ أنَّهُ يُحِبُّ مَخْلُوقاتِهِ ما لَمْ يَحِيدُوا عَنْ وِصايَتِهِ، والمَحَبَّةُ الَّتِي يُوصَفُ اللَّهُ بِها مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ المُحِبَّةِ في اللُّغَةِ تَقْرِيبًا لِلْمَعْنى المُتَعالِي عَنِ الكَيْفِ وهو مِن مَعْنى الرَّحْمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ.
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ مِن صِفاتِهِ ما تَعَلُّقُهُ بِمَخْلُوقاتِهِ بِحَسَبِ ما يَسْتَأْهِلُونَهُ مِن جَزاءٍ أعْقَبَ ذَلِكَ بِصِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ والتَّكْمِلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ إلى وُجُوبِ عِبادَتِهِ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ لِجَلالِهِ كَما يَعْبُدُونَهُ لِاتِّقاءِ عِقابِهِ ورَجاءِ نَوالِهِ.
والعَرْشُ: اسْمٌ لِعالَمٍ يُحِيطُ بِجَمِيعِ السَّماواتِ، سَمِّيَ عَرْشًا لِأنَّهُ دالٌّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى كَمّا يَدُلُّ العَرْشُ عَلى أنَّ صاحِبَهُ مِنَ المُلُوكِ.
والمَجِيدُ: العَظِيمُ القَوِيُّ في نَوْعِهِ، ومِن أمْثالِهِمْ: في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، وهُما شَجْرانِ يَكْثُرُ قَدْحُ النّارِ مِن زَنْدِهِما.
صفحة ٢٥٠
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالجَرِّ نَعَتا لِلْعَرْشِ فَوَصْفُ العَرْشِ بِالمَجْدِ كِنايَةٌ عَنْ مَجْدِ صاحِبِ العَرْشِ.
ثُمَّ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ جامِعَةٍ لِعَظَمَتِهِ الذّاتِيَّةِ وعَظَمَةِ نِعَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أيْ: إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِفِعْلٍ، فَعَلَهُ عَلى أكْمَلِ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ إرادَتُهُ لا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ ولا يُبْطِئُ بِهِ ما أرادَ تَعْجِيلَهُ. فَصِيغَةُ المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ: فَعّالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ.
والإرادَةُ هُنا هي المَعْرِفَةُ عِنْدَنا بِأنَّها صِفَةُ تَخَصُّصِ المُمْكِنِ بِبَعْضِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ وهي غَيْرُ الإرادَةِ بِمَعْنى المَحَبَّةِ مِثْلُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
البروج 85:17
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾
مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ بَطْشِهِ تَعالى شَدِيدًا بِبَطْشَيْنِ بَطَشَهُما بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَعْدَ أنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] فَذَلِكَ تَعْلِيلٌ، وهَذا تَمْثِيلٌ ودَلِيلٌ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةٍ لِتَهْوِيلِ حَدِيثِ الجُنُودِ بِأنَّهُ يُسْألُ عَنْ عِلْمِهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم قَدْ يَحِلُّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] .
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يُرادُ مَوْعِظَتُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ كِنايَةً عَنِ التَّذْكِيرِ بِخَبَرِهِمْ؛ لِأنَّ حالَ المُتَلَبِّسِينَ بِمِثْلِ صَنِيعِهِمُ الرّاكِبِينَ رُءُوسَهم في العِنادِ، كَحالِ مَن لا يَعْلَمُ خَبَرَهم فَيُسْألُ هَلْ بَلَغَهُ خَبَرُهم أوْ لا، أوْ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ تَعْجِيبًا مِن حالِ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ.
والإتْيانُ: مُسْتَعارٌ لِبُلُوغِ الخَبَرِ، والحَدِيثُ: الخَبَرُ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ وهو العَسْكَرُ المُتَجَمِّعُ لِلْقِتالِ، وأُطْلِقَ عَلى الأُمَمِ الَّتِي
صفحة ٢٥١
تَجَمَّعَتْ لِمُقاوَمَةِ الرُّسُلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] واسْتُعِيرَ الجُنْدُ لِلْمَلَأِ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ [ص: ٦] ثُمَّ رُشِّحَتِ الِاسْتِعارَةُ بِاسْتِعارَةِ مَهْزُومٍ وهو المَغْلُوبُ في الحَرْبِ فاسْتُعِيرَ لِلْمُهْلَكِ المُسْتَأْصَلِ مِن دُونِ حَرْبٍ.
وأُبْدِلَ فِرْعَوْنُ وثَمُودُ مِنَ الجُنُودِ بَدَلًا مُطابِقًا لِأنَّهُ أُرِيدَ العِبْرَةُ بِهَؤُلاءِ.
وفِرْعَوْنُ: اسْمٌ لِمَلِكِ مِصْرَ مِنِ القِبْطِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ بِجُنْدٍ ولَكِنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ الجُنْدُ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وآذَوْهُ، فَحُذِفَ المُضافُ لِنُكْتَةِ المُزاوَجَةِ بَيْنَ اسْمَيْنِ عَلَمَيْنِ مُفْرِدَيْنِ في الإبْدالِ مِنَ الجُنُودِ.
وضُرِبَ المَثَلُ بِفِرْعَوْنَ لِأبِي جَهْلٍ وكانَ يُلَقَّبُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ بِفِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وضُرِبَ المَثَلُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهم أكْبَرُ أُمَّةٍ تَألَّبَتْ عَلى رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّهُ لِإعْتاقِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ لِفِرْعَوْنَ، وناوَوْهُ لِأنَّهُ دَعا إلى عِبادَةِ الرَّبِّ الحَقِّ فَغاظَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ الزّاعِمَ أنَّهُ إلَهُ القِبْطِ وابْنُ آلِهَتِهِمْ.
وتَخْصِيصُ ثَمُودَ بِالذِّكْرِ مِن بَقِيَّةِ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ مِنَ العَرَبِ مِثْلَ عادٍ وقَوْمِ تُبَّعٍ، ومِن غَيْرِهِمْ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ، لِما اقْتَضَتْهُ الفاصِلَةُ السّابِعَةُ الجارِيَةُ عَلى حَرْفِ الدّالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] فَإنَّ ذَلِكَ لَمّا اسْتَقامَتْ بِهِ الفاصِلَةُ ولَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ تَكَلُّفٌ كانَ مِن مَحاسِنِ نَظْمِ الكَلامِ إيثارُهُ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو اسْمٌ عَرَبِيٌّ، ولَكِنْ يُطْلَقُ عَلى القَبِيلَةِ الَّتِي يَنْتَهِي نَسَبُها إلَيْهِ فَيُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ كَما هُنا.
البروج 85:18
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾
مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ بَطْشِهِ تَعالى شَدِيدًا بِبَطْشَيْنِ بَطَشَهُما بِفِرْعَوْنَ وثَمُودَ بَعْدَ أنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] فَذَلِكَ تَعْلِيلٌ، وهَذا تَمْثِيلٌ ودَلِيلٌ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةٍ لِتَهْوِيلِ حَدِيثِ الجُنُودِ بِأنَّهُ يُسْألُ عَنْ عِلْمِهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم قَدْ يَحِلُّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ [النجم: ٥٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] .
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يُرادُ مَوْعِظَتُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ كِنايَةً عَنِ التَّذْكِيرِ بِخَبَرِهِمْ؛ لِأنَّ حالَ المُتَلَبِّسِينَ بِمِثْلِ صَنِيعِهِمُ الرّاكِبِينَ رُءُوسَهم في العِنادِ، كَحالِ مَن لا يَعْلَمُ خَبَرَهم فَيُسْألُ هَلْ بَلَغَهُ خَبَرُهم أوْ لا، أوْ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ تَعْجِيبًا مِن حالِ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الِاتِّعاظِ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ.
والإتْيانُ: مُسْتَعارٌ لِبُلُوغِ الخَبَرِ، والحَدِيثُ: الخَبَرُ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ وهو العَسْكَرُ المُتَجَمِّعُ لِلْقِتالِ، وأُطْلِقَ عَلى الأُمَمِ الَّتِي
صفحة ٢٥١
تَجَمَّعَتْ لِمُقاوَمَةِ الرُّسُلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ [ص: ١١] واسْتُعِيرَ الجُنْدُ لِلْمَلَأِ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ [ص: ٦] ثُمَّ رُشِّحَتِ الِاسْتِعارَةُ بِاسْتِعارَةِ مَهْزُومٍ وهو المَغْلُوبُ في الحَرْبِ فاسْتُعِيرَ لِلْمُهْلَكِ المُسْتَأْصَلِ مِن دُونِ حَرْبٍ.
وأُبْدِلَ فِرْعَوْنُ وثَمُودُ مِنَ الجُنُودِ بَدَلًا مُطابِقًا لِأنَّهُ أُرِيدَ العِبْرَةُ بِهَؤُلاءِ.
وفِرْعَوْنُ: اسْمٌ لِمَلِكِ مِصْرَ مِنِ القِبْطِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ بِجُنْدٍ ولَكِنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ الجُنْدُ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وآذَوْهُ، فَحُذِفَ المُضافُ لِنُكْتَةِ المُزاوَجَةِ بَيْنَ اسْمَيْنِ عَلَمَيْنِ مُفْرِدَيْنِ في الإبْدالِ مِنَ الجُنُودِ.
وضُرِبَ المَثَلُ بِفِرْعَوْنَ لِأبِي جَهْلٍ وكانَ يُلَقَّبُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ بِفِرْعَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وضُرِبَ المَثَلُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهم أكْبَرُ أُمَّةٍ تَألَّبَتْ عَلى رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ بَعَثَهُ اللَّهُ لِإعْتاقِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ لِفِرْعَوْنَ، وناوَوْهُ لِأنَّهُ دَعا إلى عِبادَةِ الرَّبِّ الحَقِّ فَغاظَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ الزّاعِمَ أنَّهُ إلَهُ القِبْطِ وابْنُ آلِهَتِهِمْ.
وتَخْصِيصُ ثَمُودَ بِالذِّكْرِ مِن بَقِيَّةِ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ مِنَ العَرَبِ مِثْلَ عادٍ وقَوْمِ تُبَّعٍ، ومِن غَيْرِهِمْ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ شُعَيْبٍ، لِما اقْتَضَتْهُ الفاصِلَةُ السّابِعَةُ الجارِيَةُ عَلى حَرْفِ الدّالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] فَإنَّ ذَلِكَ لَمّا اسْتَقامَتْ بِهِ الفاصِلَةُ ولَمْ يَكُنْ في ذِكْرِهِ تَكَلُّفٌ كانَ مِن مَحاسِنِ نَظْمِ الكَلامِ إيثارُهُ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو اسْمٌ عَرَبِيٌّ، ولَكِنْ يُطْلَقُ عَلى القَبِيلَةِ الَّتِي يَنْتَهِي نَسَبُها إلَيْهِ فَيُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ كَما هُنا.
البروج 85:19
صفحة ٢٥٢
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ .
إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ إلى إعْراضِهِمْ عَنِ الِاعْتِبارِ بِحالِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وهو أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ مُنْغَمِسُونَ فِيهِ انْغِماسَ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ، فَجُعِلَ تَمَكُّنُ التَّكْذِيبِ مِن نُفُوسِهِمْ كَتَمَكُّنِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إحاطَةَ التَّكْذِيبِ بِهِمْ إحاطَةُ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ لا يَتْرُكُ لِتَذَكُّرِ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مَسْلَكًا لِعُقُولِهِمْ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ كَما قالَ في سُورَةِ الِانْشِقاقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّكْذِيبِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّهم في تَكْذِيبٍ بِالنَّبِيءِ ﷺ وبِالوَحْيِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ وبِالبَعْثِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ أيْ: هم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ واللَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عِقابًا لا يُفْلِتُونَ مِنهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ انْتِظارِ العَذابِ إيّاهم وهم في غَفْلَةِ عَنْهُ بِحالِ مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ مِن ورائِهِ وهو لا يَعْلَمُ حَتّى إذا رامَ الفِرارَ والإفْلاتَ وجَدَ العَدُوَّ مُحِيطًا بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ هُنا إحاطَةَ عِلْمِهِ تَعالى بِتَكْذِيبِهِمْ إذْ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ جَدْوى.
وقَدْ قُوبِلَ جَزاءُ إحاطَةِ التَّكْذِيبِ بِهِمْ بِإحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ جَزاءً وِفاقًا فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.
البروج 85:20
صفحة ٢٥٢
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ .
إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ إلى إعْراضِهِمْ عَنِ الِاعْتِبارِ بِحالِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وهو أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ مُنْغَمِسُونَ فِيهِ انْغِماسَ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ، فَجُعِلَ تَمَكُّنُ التَّكْذِيبِ مِن نُفُوسِهِمْ كَتَمَكُّنِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إحاطَةَ التَّكْذِيبِ بِهِمْ إحاطَةُ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ لا يَتْرُكُ لِتَذَكُّرِ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مَسْلَكًا لِعُقُولِهِمْ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ كَما قالَ في سُورَةِ الِانْشِقاقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ التَّكْذِيبِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّهم في تَكْذِيبٍ بِالنَّبِيءِ ﷺ وبِالوَحْيِ المُنَزَّلِ إلَيْهِ وبِالبَعْثِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ أيْ: هم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ واللَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عِقابًا لا يُفْلِتُونَ مِنهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ انْتِظارِ العَذابِ إيّاهم وهم في غَفْلَةِ عَنْهُ بِحالِ مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ مِن ورائِهِ وهو لا يَعْلَمُ حَتّى إذا رامَ الفِرارَ والإفْلاتَ وجَدَ العَدُوَّ مُحِيطًا بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ هُنا إحاطَةَ عِلْمِهِ تَعالى بِتَكْذِيبِهِمْ إذْ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ جَدْوى.
وقَدْ قُوبِلَ جَزاءُ إحاطَةِ التَّكْذِيبِ بِهِمْ بِإحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ جَزاءً وِفاقًا فَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.
البروج 85:21
﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٌ﴾ .
إضْرابُ إبْطالٍ لِتَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ القُرْآنَ جاءَهم بِدَلائِلَ بَيِّنَةٍ فاسْتِمْرارُهم عَلى التَّكْذِيبِ ناشِئٌ عَنْ سُوءِ اعْتِقادِهِمْ صِدْقَ القُرْآنِ، إذْ وصَفُوهُ بِصِفاتِ النَّقْصِ مِن قَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، إفْكٌ مُفْتَرًى، قَوْلُ كاهِنٍ، قَوْلُ شاعِرٍ، فَكانَ التَّنْوِيهُ بِهِ جامِعًا لِإبْطالِ جَمِيعِ تُرَّهاتِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ.
صفحة ٢٥٣
وقُرْآنٌ: مَصْدَرُ قُرِئَ عَلى وزْنِ فُعْلانٍ الدّالِّ عَلى كَثْرَةِ المَعْنى مِثْلَ الشُّكْرانِ والقُرْبانِ. وهو مِنَ القِراءَةِ وهي تِلاوَةُ كَلامٍ صَدَرَ في زَمَنٍ سابِقٍ لِوَقْتِ تِلاوَةِ تالِيهِ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ مُتَكَلِّمُهُ، سَواءٌ كانَ مَكْتُوبًا في صَحِيفَةٍ أمْ كانَ مُلَقَّنًا لِتالِيهِ، بِحَيْثُ لا يُخالِفُ أصْلَهُ كَلامُ تالِيهِ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِنَقْلِ كَلامٍ إنَّهُ قِراءَةٌ إلّا إذا كانَ كَلامًا مَكْتُوبًا أوْ مَحْفُوظًا.
وكُلَّما جاءَ قُرْآنٌ مُنَكَّرًا فَهو مَصْدَرٌ، وأمّا اسْمُ كِتابِ الإسْلامِ فَهو بِالتَّعْرِيفِ بِاللّامِ لِأنَّهُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ.
فالإخْبارُ عَنِ الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِاسْمِ قُرْآنٍ إشارَةٌ عُرْفِيَّةٌ إلى أنَّهُ مُوحًى بِهِ تَعْرِيضٌ بِإبْطالِ ما اخْتَلَقَهُ المُكَذِّبُونَ: أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ قَوْلُ كاهِنٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
ووُصِفَ قُرْآنٌ صِفَةً أُخْرى بِأنَّهُ مُودَعٌ في لَوْحٍ.
واللَّوْحُ: قِطْعَةٌ مِن خَشَبٍ مُسْتَوِيَةٌ تُتَّخَذُ لِيُكْتَبَ فِيها.
وسَوْقُ وصْفِ ﴿فِي لَوْحٍ﴾ مَساقَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وبِاللَّوْحِ، يُعَيِّنُ أنَّ اللَّوْحَ كائِنٌ قُدْسِيٌّ مِن كائِناتِ العالَمِ العُلْوِيِّ المُغَيَّباتِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن أنَّ اللَّوْحَ أُودِعَ فِيهِ القُرْآنُ، فَجَعَلَ اللَّهُ القُرْآنَ مَكْتُوبًا في لَوْحٍ عُلْوِيٍّ كَما جَعَلَ التَّوْراةَ مَكْتُوبَةً في ألْواحٍ وأعْطاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقالَ: ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقالَ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] وأمّا لَوْحُ القُرْآنِ فَجَعَلَهُ مَحْفُوظًا في العالَمِ العُلْوِيِّ.
وبَعْضُ عُلَماءِ الكَلامِ فَسَّرُوا اللَّوْحَ بِمَوْجُودٍ سُجِّلَتْ فِيهِ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ مُجْتَمِعَةً ومُجْمَلَةً، وسَمُّوا ذَلِكَ بِالكِتابِ المُبِينِ، وسَمَّوْا تَسْجِيلَ المَخْلُوقاتِ فِيهِ بِالقَضاءِ، وسَمَّوْا ظُهُورَها في الوُجُودِ بِالقَدَرِ، وعَلى ذَلِكَ دَرَجَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِهِ عَلى الطَّوالِعِ حَسْبَما نَقَلَهُ المَنجُورُ في شَرْحِ نَظْمِ ابْنِ زِكْرِيٍّ مَسُوقًا في قِسْمِ العَقائِدِ السَّمْعِيَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ. ووَرَدَ في آثارٍ مُخْتَلِفَةِ القُوَّةِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِهِ إسْرافِيلُ، وأنَّهُ كائِنٌ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُسَجَّلٌ فِيهِ.
صفحة ٢٥٤
وجاءَ في آيَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] وهو ظاهِرٌ في أنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، والكِتابَ المَكْنُونَ شَيْءٌ واحِدٌ.
وأمّا المَحْفُوظُ والمَكْنُونُ فَبَيْنَهُما تَغايُرٌ في المَفْهُومِ وعُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ في الوُقُوعِ، فالمَحْفُوظُ: المَصُونُ مِن كُلِّ ما يَثْلِمُهُ ويَنْقُصُهُ ولا يَلِيقُ بِهِ وذَلِكَ كَمالٌ لَهُ. والمَكْنُونُ الَّذِي لا يُباحُ تَناوُلُهُ لِكُلِّ أحَدٍ وذَلِكَ لِلْخَشْيَةِ عَلَيْهِ لِنَفاسَتِهِ، ولَمْ يَثْبُتْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ في ذِكْرِ اللَّوْحِ ولا في خَصائِصِهِ وكُلُّ ما هُنالِكَ أقْوالٌ مَعْزُوَّةٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ لا تُعْرَفُ أسانِيدُ عَزْوِها.
ووَرَدَ أنَّ القَلَمَ أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ، رَواهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اهـ.
وخَلْقُ القَلَمِ لا يَدُلُّ عَلى خَلْقِ اللَّوْحِ؛ لِأنَّ القَلَمَ يَكْتُبُ في اللَّوْحِ وفي غَيْرِهِ.
والمَجِيدُ: العَظِيمُ في نَوْعِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ومُجِّدَ القُرْآنِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وأكْثَرُها مَعانِيَ وهَدْيًا ووَعْظًا، ويَزِيدُ عَلَيْها بِبَلاغَتِهِ وفَصاحَتِهِ وإعْجازِهِ البَشَرَ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
ووَقَعَ في التَّعْرِيفاتِ لِلسَّيِّدِ الجُرْجانِيِّ: أنَّ الألْواحَ أرْبَعَةٌ.
أوَّلُها: لَوْحُ القَضاءِ السّابِقُ عَلى المَحْوِ والإثْباتِ وهو لَوْحُ العَقْلِ الأوَّلِ.
الثّانِي: لَوْحُ القَدَرِ أيِ: النَّفْسُ النّاطِقَةُ الكُلِّيَّةُ وهو المُسَمّى اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
الثّالِثُ: لَوْحُ النَّفْسِ الجُزْئِيَّةِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي يُنْتَقَشُ فِيها كُلُّ ما في هَذا العالَمِ بِشَكْلِهِ وهَيْئَتِهِ ومِقْدارِهِ وهو المُسَمّى بِالسَّماءِ الدُّنْيا.
الرّابِعُ: لَوْحُ الهَيُولى القابِلُ لِلصُّورَةِ في عالَمِ الشَّهادَةِ اهـ.
وهُوَ اصْطِلاحٌ مَخْلُوطٌ بَيْنَ التَّصَوُّفِ والفَلْسَفَةِ، ولَعَلَّهُ مِمّا اسْتَقْراهُ السَّيِّدُ مِن كَلامِ عِدَّةِ عُلَماءَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مَحْفُوظٍ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ لَوْحٍ. وحِفْظُ اللَّوْحِ الَّذِي فِيهِ القُرْآنُ كِنايَةٌ عَنْ حِفْظِ القُرْآنِ.
صفحة ٢٥٥
وقَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ بِرَفْعِ (مَحْفُوظٌ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقُرْآنٍ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِـ مَحْفُوظٍ. وحِفْظُ القُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ أنَّ اللَّوْحَ المُودَعَ هو فِيهِ مَحْفُوظٌ أيْضًا، فَلا جَرَمَ حَصَلَ مِنَ القِراءَتَيْنِ ثُبُوتُ الحِفْظِ لِلْقُرْآنِ واللَّوْحِ. فَأمّا حِفْظُ القُرْآنِ فَهو حِفْظُهُ مِنَ التَّغْيِيرِ ومِن تَلَقُّفِ الشَّياطِينِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وأمّا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ فَهو حِفْظُهُ عَنْ تَناوُلِ غَيْرِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، أوْ حِفْظُهُ كِنايَةً عَنْ تَقْدِيسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٨] .
* * *
صفحة ٢٥٦
صفحة ٢٥٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطّارِقِ
رَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والطّارِقِ» اهـ. فَسَمّاها أبُو هُرَيْرَةَ: (السَّماءِ والطّارِقِ)؛ لِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ الواوَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ [الطارق: ١] واوُ العَطْفِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظُ الآيَةِ الأُولى مِنها، بَلْ أخَذَ لَها اسْمًا مِن لَفْظِ الآيَةِ كَما قالَ في ﴿السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١] .
وسُمِّيَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وفي المَصاحِفِ (سُورَةَ الطّارِقِ) لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ في أوَّلِها. وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وأحْكامِ ابْنِ العَرَبِيِّ تُرْجِمَتْ (والسَّماءِ والطّارِقِ) .
وهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ البَعْثَةِ، أخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ خالِدِ بْنِ أبِي جَبَلٍ العُدْوانِيِّ: «أنَّهُ أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَشْرِقِ ثَقِيفٍ وهو قائِمٌ عَلى قَوْسٍ أوْ عَصا حِينَ أتاهم يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ [الطارق: ١] حَتّى خَتَمَها، قالَ: فَوَعَيْتُها في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَرَأْتُها في الإسْلامِ» الحَدِيثَ.
وعَدَدُها في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ السّادِسَةُ والثَّلاثُونَ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]) وقَبْلَ سُورَةِ (﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١]) .
* * *
إثْباتُ إحْصاءِ الأعْمالِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
صفحة ٢٥٨
وإثْباتُ إمْكانِ البَعْثِ بِنَقْضِ ما أحالَهُ المُشْرِكُونَ بِبَيانِ إمْكانِ إعادَةِ الأجْسامِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّذْكِيرُ بِدَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ في خَلْقِ الإنْسانِ.
والتَّنْوِيهُ بِشَأْنِ القُرْآنِ.
وصِدْقُ ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ البَعْثِ؛ لِأنَّ إخْبارَ القُرْآنِ بِهِ لَمّا اسْتَبْعَدُوهُ ومَوَّهُوا عَلى النّاسِ بِأنَّ ما فِيهِ غَيْرُ صِدْقٍ. وتَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ناوَوُا المُسْلِمِينَ.
وتَثْبِيتُ النَّبِيءِ ﷺ ووَعْدُهُ بِأنَّ اللَّهَ مُنْتَصِرٌ لَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ.
البروج 85:22
﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٌ﴾ .
إضْرابُ إبْطالٍ لِتَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ القُرْآنَ جاءَهم بِدَلائِلَ بَيِّنَةٍ فاسْتِمْرارُهم عَلى التَّكْذِيبِ ناشِئٌ عَنْ سُوءِ اعْتِقادِهِمْ صِدْقَ القُرْآنِ، إذْ وصَفُوهُ بِصِفاتِ النَّقْصِ مِن قَوْلِهِمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، إفْكٌ مُفْتَرًى، قَوْلُ كاهِنٍ، قَوْلُ شاعِرٍ، فَكانَ التَّنْوِيهُ بِهِ جامِعًا لِإبْطالِ جَمِيعِ تُرَّهاتِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ.
صفحة ٢٥٣
وقُرْآنٌ: مَصْدَرُ قُرِئَ عَلى وزْنِ فُعْلانٍ الدّالِّ عَلى كَثْرَةِ المَعْنى مِثْلَ الشُّكْرانِ والقُرْبانِ. وهو مِنَ القِراءَةِ وهي تِلاوَةُ كَلامٍ صَدَرَ في زَمَنٍ سابِقٍ لِوَقْتِ تِلاوَةِ تالِيهِ بِمِثْلِ ما تَكَلَّمَ بِهِ مُتَكَلِّمُهُ، سَواءٌ كانَ مَكْتُوبًا في صَحِيفَةٍ أمْ كانَ مُلَقَّنًا لِتالِيهِ، بِحَيْثُ لا يُخالِفُ أصْلَهُ كَلامُ تالِيهِ، ولِذَلِكَ لا يُقالُ لِنَقْلِ كَلامٍ إنَّهُ قِراءَةٌ إلّا إذا كانَ كَلامًا مَكْتُوبًا أوْ مَحْفُوظًا.
وكُلَّما جاءَ قُرْآنٌ مُنَكَّرًا فَهو مَصْدَرٌ، وأمّا اسْمُ كِتابِ الإسْلامِ فَهو بِالتَّعْرِيفِ بِاللّامِ لِأنَّهُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ.
فالإخْبارُ عَنِ الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِاسْمِ قُرْآنٍ إشارَةٌ عُرْفِيَّةٌ إلى أنَّهُ مُوحًى بِهِ تَعْرِيضٌ بِإبْطالِ ما اخْتَلَقَهُ المُكَذِّبُونَ: أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ قَوْلُ كاهِنٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
ووُصِفَ قُرْآنٌ صِفَةً أُخْرى بِأنَّهُ مُودَعٌ في لَوْحٍ.
واللَّوْحُ: قِطْعَةٌ مِن خَشَبٍ مُسْتَوِيَةٌ تُتَّخَذُ لِيُكْتَبَ فِيها.
وسَوْقُ وصْفِ ﴿فِي لَوْحٍ﴾ مَساقَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وبِاللَّوْحِ، يُعَيِّنُ أنَّ اللَّوْحَ كائِنٌ قُدْسِيٌّ مِن كائِناتِ العالَمِ العُلْوِيِّ المُغَيَّباتِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن أنَّ اللَّوْحَ أُودِعَ فِيهِ القُرْآنُ، فَجَعَلَ اللَّهُ القُرْآنَ مَكْتُوبًا في لَوْحٍ عُلْوِيٍّ كَما جَعَلَ التَّوْراةَ مَكْتُوبَةً في ألْواحٍ وأعْطاها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقالَ: ﴿وألْقى الألْواحَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقالَ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] وأمّا لَوْحُ القُرْآنِ فَجَعَلَهُ مَحْفُوظًا في العالَمِ العُلْوِيِّ.
وبَعْضُ عُلَماءِ الكَلامِ فَسَّرُوا اللَّوْحَ بِمَوْجُودٍ سُجِّلَتْ فِيهِ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ مُجْتَمِعَةً ومُجْمَلَةً، وسَمُّوا ذَلِكَ بِالكِتابِ المُبِينِ، وسَمَّوْا تَسْجِيلَ المَخْلُوقاتِ فِيهِ بِالقَضاءِ، وسَمَّوْا ظُهُورَها في الوُجُودِ بِالقَدَرِ، وعَلى ذَلِكَ دَرَجَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِهِ عَلى الطَّوالِعِ حَسْبَما نَقَلَهُ المَنجُورُ في شَرْحِ نَظْمِ ابْنِ زِكْرِيٍّ مَسُوقًا في قِسْمِ العَقائِدِ السَّمْعِيَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ. ووَرَدَ في آثارٍ مُخْتَلِفَةِ القُوَّةِ أنَّهُ مُوَكَّلٌ بِهِ إسْرافِيلُ، وأنَّهُ كائِنٌ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، واقْتَضَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مُسَجَّلٌ فِيهِ.
صفحة ٢٥٤
وجاءَ في آيَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] وهو ظاهِرٌ في أنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، والكِتابَ المَكْنُونَ شَيْءٌ واحِدٌ.
وأمّا المَحْفُوظُ والمَكْنُونُ فَبَيْنَهُما تَغايُرٌ في المَفْهُومِ وعُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ في الوُقُوعِ، فالمَحْفُوظُ: المَصُونُ مِن كُلِّ ما يَثْلِمُهُ ويَنْقُصُهُ ولا يَلِيقُ بِهِ وذَلِكَ كَمالٌ لَهُ. والمَكْنُونُ الَّذِي لا يُباحُ تَناوُلُهُ لِكُلِّ أحَدٍ وذَلِكَ لِلْخَشْيَةِ عَلَيْهِ لِنَفاسَتِهِ، ولَمْ يَثْبُتْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ في ذِكْرِ اللَّوْحِ ولا في خَصائِصِهِ وكُلُّ ما هُنالِكَ أقْوالٌ مَعْزُوَّةٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ لا تُعْرَفُ أسانِيدُ عَزْوِها.
ووَرَدَ أنَّ القَلَمَ أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرى بِما هو كائِنٌ إلى الأبَدِ، رَواهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اهـ.
وخَلْقُ القَلَمِ لا يَدُلُّ عَلى خَلْقِ اللَّوْحِ؛ لِأنَّ القَلَمَ يَكْتُبُ في اللَّوْحِ وفي غَيْرِهِ.
والمَجِيدُ: العَظِيمُ في نَوْعِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ومُجِّدَ القُرْآنِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وأكْثَرُها مَعانِيَ وهَدْيًا ووَعْظًا، ويَزِيدُ عَلَيْها بِبَلاغَتِهِ وفَصاحَتِهِ وإعْجازِهِ البَشَرَ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
ووَقَعَ في التَّعْرِيفاتِ لِلسَّيِّدِ الجُرْجانِيِّ: أنَّ الألْواحَ أرْبَعَةٌ.
أوَّلُها: لَوْحُ القَضاءِ السّابِقُ عَلى المَحْوِ والإثْباتِ وهو لَوْحُ العَقْلِ الأوَّلِ.
الثّانِي: لَوْحُ القَدَرِ أيِ: النَّفْسُ النّاطِقَةُ الكُلِّيَّةُ وهو المُسَمّى اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
الثّالِثُ: لَوْحُ النَّفْسِ الجُزْئِيَّةِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي يُنْتَقَشُ فِيها كُلُّ ما في هَذا العالَمِ بِشَكْلِهِ وهَيْئَتِهِ ومِقْدارِهِ وهو المُسَمّى بِالسَّماءِ الدُّنْيا.
الرّابِعُ: لَوْحُ الهَيُولى القابِلُ لِلصُّورَةِ في عالَمِ الشَّهادَةِ اهـ.
وهُوَ اصْطِلاحٌ مَخْلُوطٌ بَيْنَ التَّصَوُّفِ والفَلْسَفَةِ، ولَعَلَّهُ مِمّا اسْتَقْراهُ السَّيِّدُ مِن كَلامِ عِدَّةِ عُلَماءَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مَحْفُوظٍ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ لَوْحٍ. وحِفْظُ اللَّوْحِ الَّذِي فِيهِ القُرْآنُ كِنايَةٌ عَنْ حِفْظِ القُرْآنِ.
صفحة ٢٥٥
وقَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ بِرَفْعِ (مَحْفُوظٌ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقُرْآنٍ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ بِـ مَحْفُوظٍ. وحِفْظُ القُرْآنِ يَسْتَلْزِمُ أنَّ اللَّوْحَ المُودَعَ هو فِيهِ مَحْفُوظٌ أيْضًا، فَلا جَرَمَ حَصَلَ مِنَ القِراءَتَيْنِ ثُبُوتُ الحِفْظِ لِلْقُرْآنِ واللَّوْحِ. فَأمّا حِفْظُ القُرْآنِ فَهو حِفْظُهُ مِنَ التَّغْيِيرِ ومِن تَلَقُّفِ الشَّياطِينِ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
وأمّا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ فَهو حِفْظُهُ عَنْ تَناوُلِ غَيْرِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، أوْ حِفْظُهُ كِنايَةً عَنْ تَقْدِيسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٨] .
* * *
صفحة ٢٥٦
صفحة ٢٥٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطّارِقِ
رَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والطّارِقِ» اهـ. فَسَمّاها أبُو هُرَيْرَةَ: (السَّماءِ والطّارِقِ)؛ لِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ الواوَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ [الطارق: ١] واوُ العَطْفِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظُ الآيَةِ الأُولى مِنها، بَلْ أخَذَ لَها اسْمًا مِن لَفْظِ الآيَةِ كَما قالَ في ﴿السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١] .
وسُمِّيَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وفي المَصاحِفِ (سُورَةَ الطّارِقِ) لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ في أوَّلِها. وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وأحْكامِ ابْنِ العَرَبِيِّ تُرْجِمَتْ (والسَّماءِ والطّارِقِ) .
وهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ البَعْثَةِ، أخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ خالِدِ بْنِ أبِي جَبَلٍ العُدْوانِيِّ: «أنَّهُ أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَشْرِقِ ثَقِيفٍ وهو قائِمٌ عَلى قَوْسٍ أوْ عَصا حِينَ أتاهم يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ [الطارق: ١] حَتّى خَتَمَها، قالَ: فَوَعَيْتُها في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَرَأْتُها في الإسْلامِ» الحَدِيثَ.
وعَدَدُها في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ السّادِسَةُ والثَّلاثُونَ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]) وقَبْلَ سُورَةِ (﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١]) .
* * *
إثْباتُ إحْصاءِ الأعْمالِ والجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
صفحة ٢٥٨
وإثْباتُ إمْكانِ البَعْثِ بِنَقْضِ ما أحالَهُ المُشْرِكُونَ بِبَيانِ إمْكانِ إعادَةِ الأجْسامِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّذْكِيرُ بِدَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ في خَلْقِ الإنْسانِ.
والتَّنْوِيهُ بِشَأْنِ القُرْآنِ.
وصِدْقُ ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ البَعْثِ؛ لِأنَّ إخْبارَ القُرْآنِ بِهِ لَمّا اسْتَبْعَدُوهُ ومَوَّهُوا عَلى النّاسِ بِأنَّ ما فِيهِ غَيْرُ صِدْقٍ. وتَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ناوَوُا المُسْلِمِينَ.
وتَثْبِيتُ النَّبِيءِ ﷺ ووَعْدُهُ بِأنَّ اللَّهَ مُنْتَصِرٌ لَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ.