Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — البلد 90:1 – الشمس 91:15
المحتويات
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
البلد 90:1
﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلُّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ابْتُدِئَتْ بِالقَسَمِ تَشْوِيقًا لِما يَرِدُ بَعْدُ وأُطِيلَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ زِيادَةً في التَّشْوِيقِ.
و(لا أُقْسِمُ) مَعْناهُ: (أُقْسِمُ) . وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها ما في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في: هَلْ حَرْفُ النَّفْيِ مَزِيدٌ أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ أمْرِ المُقْسَمِ بِهِ.
والإشارَةُ بِـ (هَذا) مَعَ بَيانِهِ بِالبَلَدِ، إشارَةٌ إلى حاضِرٍ في أذْهانِ السّامِعِينَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهُ مُتَكَرِّرَةٌ لَهم وهو بَلَدُ مَكَّةَ، ومِثْلُهُ ما في قَوْلِهِ: (﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]) . وفائِدَةُ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ تَمْيِيزُ المُقْسَمِ بِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِهِ.
والبَلَدُ: جانِبٌ مِن مُتَّسَعٍ مِن أرْضٍ عامِرَةً كانَتْ - كَما هو الشّائِعُ - أمْ غامِرَةً كَقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
بَلْ بَلَدٍ مِلْءُ الفِجاجِ قَتَمُهْ
وأُطْلِقَ هُنا عَلى جانِبٍ مِنَ الأرْضِ مَجْعُولَةٍ فِيهِ بُيُوتٌ مِن بِناءٍ وهو بَلْدَةُ مَكَّةَ
صفحة ٣٤٧
والقَسَمُ بِالبَلْدَةِ مَعَ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الذّاتِ الإلَهِيَّةِ ولا مِن صِفاتِ أفْعالِهِ كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ وتَفْضِيلِهِ.
وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ المُقْسَمِ بِها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِنَ الِاعْتِراضِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَحْمَلِ مَعْنى (وأنْتَ حِلٌّ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حِلٌّ) اسْمَ مَصْدَرِ (أحَلَّ) أيْ: أباحَ، فالمَعْنى: وقَدْ جَعَلَكَ أهْلُ مَكَّةَ حَلالًا بِهَذا البَلَدِ الَّذِي يَحْرُمُ أذى صَيْدِهِ وعَضْدُ شَجَرِهِ، وهم مَعَ ذَلِكَ يُحِلُّونَ قَتْلَكَ وإخْراجَكَ، قالَ هَذا شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ التَّعَجِيبُ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وعَلَيْهِ فالإخْبارُ عَنْ ذاتِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ (حِلٌّ) يُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ يُعَيِّنُهُ ما يَصْلُحُ لِلْمَقامِ، أيْ: وأنْتَ حَلالٌ مِنكَ ما حَرُمَ مِن حَقِّ ساكِنِ هَذا البَلَدِ مِنَ الحُرْمَةِ والأمْنِ، والمَعْنى التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في عُدْوانِهِمْ وظُلْمِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ في بَلَدٍ لا يَظْلِمُونَ فِيهِ أحَدًا. والمُناسَبَةُ ابْتِداءُ القَسَمِ بِمَكَّةَ الَّذِي هو إشْعارٌ بِحُرْمَتِها المُقْتَضِيَةِ حُرْمَةَ مَن يَحِلُّ بِها، أيْ: فَهم يُحَرِّمُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا بِأذًى لِلدَّوابِّ ويَعْتَدُونَ عَلى رَسُولٍ جاءَهم بِرِسالَةٍ مِنَ اللَّهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حِلٌّ) اسْمًا مُشْتَقًّا مِنَ الحِلِّ وهو ضِدُّ المَنعِ، أيِ: الَّذِي لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما يَفْعَلُهُ. قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: أيْ ما صَنَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَأنْتَ في حِلٍّ، أوْ أنْتَ في حِلٍّ مِمَّنْ قاتَلَكَ أنْ تُقاتِلَهُ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ مَهْما تَمَكَّنْتَ مِن ذَلِكَ. فَيَصْدُقُ بِالحالِ والِاسْتِقْبالِ. وقالَ في الكَشّافِ: يَعْنِي: وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، ونَظِيرُهُ في الِاسْتِقْبالِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠])، تَقُولُ لِمَن تَعِدُهُ بِالإكْرامِ والحِباءِ، أنْتَ مُكْرَمٌ مَحْبُوٌّ اهـ.
فَهَذا الِاعْتِراضُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ قُدِّمَتْ لَهُ قَبْلَ ذِكْرِ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإسْلامِ، ووَعْدٌ بِأنَّهُ سَيُمَكِّنُهُ مِنهم.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَحْمَلِ صِفَةِ (حِلٌّ) هو خُصُوصِيَّتُهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وقَدْ خَصَّصَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِيَوْمِ الفَتْحِ فَقالَ: ”«وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» “
صفحة ٣٤٨
الحَدِيثَ. وفي المُوَطَّأِ ”قالَ مالِكٌ: ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، أيْ يَوْمَ الفَتْحِ مُحْرِمًا.
ويُثارُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى اخْتِلافِ المَحامِلِ النَّظَرُ في جَوازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ لِغَيْرِ مُرِيدِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ. قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى وابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: الدّاخِلُ مَكَّةَ غَيْرَ مُرِيدِ النُّسُكِ لِحاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كالحَطّابِينَ وأصْحابِ الفَواكِهِ والمَعاشِ، هَؤُلاءِ يَجُوزُ دُخُولُهم غَيْرَ مُحْرِمِينَ؛ لِأنَّهم لَوْ كُلِّفُوا الإحْرامَ لَحِقَتْهم مَشَقَّةٌ، وإنْ كانَ دُخُولُها لِحاجَةٍ لا تَتَكَرَّرُ فالمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإحْرامِ، ورُوِيَ عَنْهُ تَرْكُهُ، والصَّحِيحُ وُجُوبُهُ، فَإنْ تَرَكَهُ قالَ الباجِيُّ: فالظّاهِرُ مِنَ المَذْهَبِ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ وقَدْ أساءَ، ولَمْ يُفَصِّلْ أهْلُ المَذْهَبِ بَيْنَ مَن كانَ مِن أهْلِ داخِلِ المِيقاتِ أوْ مِن خارِجِهِ.
والخِلافُ في ذَلِكَ أيْضًا بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ، فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ داخِلِ المَواقِيتِ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ إنْ لَمْ يُرِدْ نُسُكًا مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ خارِجِ المَواقِيتِ فالواجِبُ عَلَيْهِ الإحْرامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ دُونَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الِاحْتِياجِ إلى تَكَرُّرِ الدُّخُولِ أوْ عَدَمِ الِاحْتِياجِ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى سُقُوطِ الإحْرامِ عَنْ غَيْرِ قاصِدِ النُّسُكِ. ومَذْهَبُ أحْمَدَ مُوافِقٌ مَذْهَبَ مالِكٍ.
وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ: أنَّ مَعْنى (﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾) أنَّهُ حالٌّ، أيْ: ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ اهـ. وجَعَلَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ قَوْلًا ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ والبَيْضاوِيُّ كَذَلِكَ، وهو يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وأنْتَ حِلٌّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أُقْسِمُ) فَيَكُونُ القَسَمُ بِالبَلَدِ مُقَيَّدًا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَلَدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو تَأْوِيلٌ جَمِيلٌ لَوْ ساعَدَ عَلَيْهِ ثُبُوتُ اسْتِعْمالِ (حِلٌّ) بِمَعْنى: (حالٌّ)، أيْ: مُقِيمٌ في مَكانٍ، فَإنَّ هَذا لَمْ يَرِدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ: الصِّحاحِ واللِّسانِ والقامُوسِ ومُفْرَداتِ الرّاغِبِ. ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، ولا أحْسِبُ إعْراضَهُ عَنْهُ إلّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِ بِصِحَّةِ اسْتِعْمالِهِ، وقالَ الخَفاجِيُّ:“ والحِلُّ صِفَةٌ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحالِّ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا عِبْرَةَ لِمَن أنْكَرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ " اهـ. وكَيْفَ يُقالُ: لا عِبْرَةَ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ، وهَلِ المَرْجِعُ في إثْباتِ اللُّغَةِ إلّا كُتُبُ أيِمَّتِها ؟ !
صفحة ٣٤٩
وتَكْرِيرُ لَفْظِ (بِهَذا البَلَدِ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ تَجْدِيدِ التَّعْجِيبِ، ولِقَصْدِ تَأْكِيدِ فَتْحِ ذَلِكَ البَلَدِ العَزِيزِ عَلَيْهِ والشَّدِيدِ عَلى المُشْرِكِينَ أنْ يَخْرُجَ عَنْ حَوْزَتِهِمْ.
و(والِدٍ) وقَعَ مُنَكَّرًا فَهو تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، إذْ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ في سِياقِ القَسَمِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ والِدًا عَظِيمًا، والرّاجِحُ عَمَلُ والِدٍ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وما ولَدَ.
والَّذِي يُناسِبُ القَسَمَ بِهَذا البَلَدِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (والِدٍ) إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ الَّذِي اتَّخَذَ ذَلِكَ البَلَدَ لِإقامَةِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ وزَوْجِهِ هاجَرَ، قالَ تَعالى: (﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]) ثُمَّ قالَ: (﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]) . وإبْراهِيمُ والِدُ سُكّانِ ذَلِكَ البَلَدِ الأصْلِيِّينَ، قالَ تَعالى: (﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]) ولِأنَّهُ والِدُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
و(ما ولَدَ) مَوْصُولٌ وصِلَةٌ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (ولَدَ) عائِدٌ إلى (والِدٍ) . والمَقْصُودُ: وما ولَدَهُ إبْراهِيمُ مِنَ الأبْناءِ والذُّرِّيَّةِ. وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالَّذِينَ اقْتَفَوْا هَدْيَهُ فَيَشْمَلُ مُحَمَّدًا ﷺ .
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ لِلتَّنْبِيهِ بِالمُشْرِكِينَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ بِأنَّهم حادُوا عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاحِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَ تَعالى: (﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيءُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨] ) .
وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ (ما) في قَوْلِهِ: (وما ولَدَ) دُونَ (مَن) مَعَ أنَّ (مَن) أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في إرادَةِ العاقِلِ وهو مُرادٌ هُنا، فَعَدَلَ عَنْ (مَن)؛ لِأنَّ (ما) أشَدُّ إبْهامًا، فَأُرِيدَ تَفْخِيمُ أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ فَجِيءَ لَهم بِالمَوْصُولِ الشَّدِيدِ الإبْهامِ لِإرادَةِ التَّفْخِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]) يَعْنِي: مَوْلُودًا عَجِيبَ الشَّأْنِ. ويُوَضِّحُ هَذا أنَّ (ما) تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً تامَّةً بِاتِّفاقٍ، و(مَن) لا تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً تامَّةً إلّا عِنْدَ الفارِسِيِّ.
صفحة ٣٥٠
ولِأنَّ قُوَّةَ الإبْهامِ في (ما) أنْسَبُ بِإرادَةِ الجَماعَةِ دُونَ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الحَكَمِ الأصَمِّ الفَزارِيِّ:
اللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ ووالِـدِهِ ∗∗∗ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا
يُرِيدُ: ومِن أوْلادِهِ، لا ولَدًا مُعَيَّنًا.
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ وهو الغَرَضُ مِنَ السُّورَةِ.
والإنْسانُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وهو الأظْهَرُ وقَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ويَكُونُ المُرادُ بِهِ خُصُوصَ أهْلِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) إلى آخَرِ الآياتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأحْوالِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فالعُمُومُ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيِ: الإنْسانُ في عُرْفِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، ولَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الإنْسانِ مُرادًا بِهِ الكافِرُونَ مِنَ النّاسِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فالتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ أبُو الأشَدِّ، ويُقالُ: أبُو الأشَدَّيْنِ واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كَلْدَةَ الجُمَحِيُّ كانَ مَعْرُوفًا بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ يَجْعَلُ الأدِيمَ العُكاظِيَّ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَيَقُولُ: مَن أزالَنِي فَلَهُ كَذا. فَيَجْذِبُهُ عَشَرَةُ رِجالٍ حَتّى يُمَزَّقَ الأدِيمُ ولا تَزُولُ قَدَماهُ، وكانَ شَدِيدَ الكُفْرِ والعَداوَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَنَزَلَ فِيهِ (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) . وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، زَعَمَ أنَّهُ أنْفَقَ مالًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ . وقِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ في يَوْمِ الأحْزابِ لِيَدْخُلَ المَدِينَةَ، فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ خَلْفَ الخَنْدَقِ.
ولَيْسَ لِهَذِهِ الأقْوالِ شاهِدٌ مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ، ولا يُلائِمُها القَسَمُ ولا السِّياقُ.
والخَلْقُ: إيجادُ ما لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، ويُطْلَقُ عَلى إيجادِ حالَةٍ لَها أثَرٌ قَوِيٌّ في الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠]) فَهو جَعْلٌ يُغَيِّرُ ذاتَ الشَّيْءِ.
صفحة ٣٥١
والكَبَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: التَّعَبُ والشِّدَّةُ، وقَدْ تَعَدَّدَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَقْرِيرِ المُرادِ بِالكَبَدِ، ولَمْ يُعَرِّجْ واحِدٌ مِنهم عَلى رَبْطِ المُناسَبَةِ بَيْنَ ما يُفَسِّرُ بِهِ الكَبَدَ وبَيْنَ السِّياقِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وافْتِتاحِهِ بِالقَسَمِ المُشْعِرِ بِالتَّأْكِيدِ وتَوَقُّعِ الإنْكارِ، حَتّى كَأنَّهم بِصَدَدِ تَفْسِيرِ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَتْ واقِعَةً في كَلامٍ يَجِبُ التِئامُهُ، ويَحِقُّ وِئامُهُ.
وقَدْ غَضُّوا النَّظَرَ عَنْ مَوْقِعِ فِعْلِ (خَلَقْنا) عَلى تَفْسِيرِهِمُ الكَبَدَ إذْ يَكُونُ فِعْلُ (خَلَقْنا) كَمَعْذِرَةٍ لِلْإنْسانِ الكافِرِ في مُلازَمَةِ الكَبَدِ لَهُ إذْ هو مَخْلُوقٌ فِيهِ، وذَلِكَ يَحُطُّ مِن شِدَّةِ التَّوْبِيخِ والذَّمِّ، فالَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ السِّياقِ ويُناسِبُ القَسَمَ أنَّ الكَبَدَ التَّعَبُ الَّذِي يُلازِمُ أصْحابَ الشِّرْكِ مِنِ اعْتِقادِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ. واضْطِرابُ رَأْيِهِمْ في الجَمْعِ بَيْنَ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ تَوَجُّهِهِمْ إلى اللَّهِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وبِطَلَبِ النَّجاةِ إذا أصابَهم ضُرٌّ، ومِن إحالَتِهِمُ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِالخَلْقِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) لَيْسَ مَقْصُودًا وحْدَهُ، بَلْ هو تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) والمَقْصُودُ إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وابْتَدَأهُمُ القُرْآنُ بِإثْباتِهِ في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّوَرِ الأُولى.
فَوِزانُ هَذا التَّمْهِيدِ وزانُ التَّمْهِيدِ بِقَوْلِهِ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤]) بَعْدَ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: (﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]) إلَخْ.
فَمَعْنى (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [البلد: ٥]): أيَحْسِبُ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ اضْمِحْلالِ جَسَدِهِ فَنُعِيدَهُ خَلْقًا آخَرَ، فَهو في طَرِيقَةِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]) أيْ: كَما خَلَقْناهُ أوَّلَ مَرَّةٍ في نَصَبٍ مِن أطْوارِ الحَياةِ كَذَلِكَ نَخْلُقُهُ خَلْقًا ثانِيًا في كَبَدٍ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ لِكُفْرِهِ.
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ إدْماجِ قَوْلِهِ: (في كَبَدٍ) لِأنَّ المَقْصُودَ التَّنْظِيرُ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ الأوَّلِ والثّانِي في أنَّهُما مِن مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى.
والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: (في كَبَدٍ) مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في المُلازَمَةِ فَكَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في الكَبَدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبإ: ٨] ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [سبإ: ٩])
صفحة ٣٥٢
الآيَةَ، فالمُرادُ: عَذابُ الدُّنْيا، وهو مَشَقَّةُ اضْطِرابِ البالِ في التَّكْذِيبِ واخْتِلاقِ المَعاذِيرِ والحَيْرَةِ مِنَ الأمْرِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ لِتِلْكَ الآيَةِ.
فالمَعْنى أنَّ الكَبَدَ مَلازِمٌ لِلْمُشْرِكِ مِن حِينِ اتِّصافِهِ بِالإشْراكِ وهو حِينُ تَقَوُّمِ العَقْلِ وكَمالِ الإدْراكِ.
ومِنَ الجائِزِ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) مِن قَبِيلِ القَلْبِ المَقْبُولِ لِتَضَمُّنِهِ اعْتِبارًا لَطِيفًا وهو شِدَّةُ تَلَبُّسِ الكَبَدِ بِالإنْسانِ المُشْرِكِ حَتّى كَأنَّهُ خُلِقَ في الكَبَدِ.
والمَعْنى: لَقَدْ خَلَقْنا الكَبَدَ في الإنْسانِ الكافِرِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ تَأْوِيلاتٌ أُخْرى في مَعْنى الآيَةِ لا يُساعِدُ عَلَيْها السِّياقُ.
البلد 90:2
﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلُّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ابْتُدِئَتْ بِالقَسَمِ تَشْوِيقًا لِما يَرِدُ بَعْدُ وأُطِيلَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ زِيادَةً في التَّشْوِيقِ.
و(لا أُقْسِمُ) مَعْناهُ: (أُقْسِمُ) . وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها ما في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في: هَلْ حَرْفُ النَّفْيِ مَزِيدٌ أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ أمْرِ المُقْسَمِ بِهِ.
والإشارَةُ بِـ (هَذا) مَعَ بَيانِهِ بِالبَلَدِ، إشارَةٌ إلى حاضِرٍ في أذْهانِ السّامِعِينَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهُ مُتَكَرِّرَةٌ لَهم وهو بَلَدُ مَكَّةَ، ومِثْلُهُ ما في قَوْلِهِ: (﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]) . وفائِدَةُ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ تَمْيِيزُ المُقْسَمِ بِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِهِ.
والبَلَدُ: جانِبٌ مِن مُتَّسَعٍ مِن أرْضٍ عامِرَةً كانَتْ - كَما هو الشّائِعُ - أمْ غامِرَةً كَقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
بَلْ بَلَدٍ مِلْءُ الفِجاجِ قَتَمُهْ
وأُطْلِقَ هُنا عَلى جانِبٍ مِنَ الأرْضِ مَجْعُولَةٍ فِيهِ بُيُوتٌ مِن بِناءٍ وهو بَلْدَةُ مَكَّةَ
صفحة ٣٤٧
والقَسَمُ بِالبَلْدَةِ مَعَ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الذّاتِ الإلَهِيَّةِ ولا مِن صِفاتِ أفْعالِهِ كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ وتَفْضِيلِهِ.
وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ المُقْسَمِ بِها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِنَ الِاعْتِراضِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَحْمَلِ مَعْنى (وأنْتَ حِلٌّ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حِلٌّ) اسْمَ مَصْدَرِ (أحَلَّ) أيْ: أباحَ، فالمَعْنى: وقَدْ جَعَلَكَ أهْلُ مَكَّةَ حَلالًا بِهَذا البَلَدِ الَّذِي يَحْرُمُ أذى صَيْدِهِ وعَضْدُ شَجَرِهِ، وهم مَعَ ذَلِكَ يُحِلُّونَ قَتْلَكَ وإخْراجَكَ، قالَ هَذا شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ التَّعَجِيبُ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وعَلَيْهِ فالإخْبارُ عَنْ ذاتِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ (حِلٌّ) يُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ يُعَيِّنُهُ ما يَصْلُحُ لِلْمَقامِ، أيْ: وأنْتَ حَلالٌ مِنكَ ما حَرُمَ مِن حَقِّ ساكِنِ هَذا البَلَدِ مِنَ الحُرْمَةِ والأمْنِ، والمَعْنى التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في عُدْوانِهِمْ وظُلْمِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ في بَلَدٍ لا يَظْلِمُونَ فِيهِ أحَدًا. والمُناسَبَةُ ابْتِداءُ القَسَمِ بِمَكَّةَ الَّذِي هو إشْعارٌ بِحُرْمَتِها المُقْتَضِيَةِ حُرْمَةَ مَن يَحِلُّ بِها، أيْ: فَهم يُحَرِّمُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا بِأذًى لِلدَّوابِّ ويَعْتَدُونَ عَلى رَسُولٍ جاءَهم بِرِسالَةٍ مِنَ اللَّهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حِلٌّ) اسْمًا مُشْتَقًّا مِنَ الحِلِّ وهو ضِدُّ المَنعِ، أيِ: الَّذِي لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما يَفْعَلُهُ. قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: أيْ ما صَنَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَأنْتَ في حِلٍّ، أوْ أنْتَ في حِلٍّ مِمَّنْ قاتَلَكَ أنْ تُقاتِلَهُ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ مَهْما تَمَكَّنْتَ مِن ذَلِكَ. فَيَصْدُقُ بِالحالِ والِاسْتِقْبالِ. وقالَ في الكَشّافِ: يَعْنِي: وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، ونَظِيرُهُ في الِاسْتِقْبالِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠])، تَقُولُ لِمَن تَعِدُهُ بِالإكْرامِ والحِباءِ، أنْتَ مُكْرَمٌ مَحْبُوٌّ اهـ.
فَهَذا الِاعْتِراضُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ قُدِّمَتْ لَهُ قَبْلَ ذِكْرِ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإسْلامِ، ووَعْدٌ بِأنَّهُ سَيُمَكِّنُهُ مِنهم.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَحْمَلِ صِفَةِ (حِلٌّ) هو خُصُوصِيَّتُهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وقَدْ خَصَّصَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِيَوْمِ الفَتْحِ فَقالَ: ”«وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» “
صفحة ٣٤٨
الحَدِيثَ. وفي المُوَطَّأِ ”قالَ مالِكٌ: ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، أيْ يَوْمَ الفَتْحِ مُحْرِمًا.
ويُثارُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى اخْتِلافِ المَحامِلِ النَّظَرُ في جَوازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ لِغَيْرِ مُرِيدِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ. قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى وابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: الدّاخِلُ مَكَّةَ غَيْرَ مُرِيدِ النُّسُكِ لِحاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كالحَطّابِينَ وأصْحابِ الفَواكِهِ والمَعاشِ، هَؤُلاءِ يَجُوزُ دُخُولُهم غَيْرَ مُحْرِمِينَ؛ لِأنَّهم لَوْ كُلِّفُوا الإحْرامَ لَحِقَتْهم مَشَقَّةٌ، وإنْ كانَ دُخُولُها لِحاجَةٍ لا تَتَكَرَّرُ فالمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإحْرامِ، ورُوِيَ عَنْهُ تَرْكُهُ، والصَّحِيحُ وُجُوبُهُ، فَإنْ تَرَكَهُ قالَ الباجِيُّ: فالظّاهِرُ مِنَ المَذْهَبِ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ وقَدْ أساءَ، ولَمْ يُفَصِّلْ أهْلُ المَذْهَبِ بَيْنَ مَن كانَ مِن أهْلِ داخِلِ المِيقاتِ أوْ مِن خارِجِهِ.
والخِلافُ في ذَلِكَ أيْضًا بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ، فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ داخِلِ المَواقِيتِ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ إنْ لَمْ يُرِدْ نُسُكًا مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ خارِجِ المَواقِيتِ فالواجِبُ عَلَيْهِ الإحْرامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ دُونَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الِاحْتِياجِ إلى تَكَرُّرِ الدُّخُولِ أوْ عَدَمِ الِاحْتِياجِ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى سُقُوطِ الإحْرامِ عَنْ غَيْرِ قاصِدِ النُّسُكِ. ومَذْهَبُ أحْمَدَ مُوافِقٌ مَذْهَبَ مالِكٍ.
وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ: أنَّ مَعْنى (﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾) أنَّهُ حالٌّ، أيْ: ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ اهـ. وجَعَلَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ قَوْلًا ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ والبَيْضاوِيُّ كَذَلِكَ، وهو يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وأنْتَ حِلٌّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أُقْسِمُ) فَيَكُونُ القَسَمُ بِالبَلَدِ مُقَيَّدًا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَلَدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو تَأْوِيلٌ جَمِيلٌ لَوْ ساعَدَ عَلَيْهِ ثُبُوتُ اسْتِعْمالِ (حِلٌّ) بِمَعْنى: (حالٌّ)، أيْ: مُقِيمٌ في مَكانٍ، فَإنَّ هَذا لَمْ يَرِدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ: الصِّحاحِ واللِّسانِ والقامُوسِ ومُفْرَداتِ الرّاغِبِ. ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، ولا أحْسِبُ إعْراضَهُ عَنْهُ إلّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِ بِصِحَّةِ اسْتِعْمالِهِ، وقالَ الخَفاجِيُّ:“ والحِلُّ صِفَةٌ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحالِّ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا عِبْرَةَ لِمَن أنْكَرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ " اهـ. وكَيْفَ يُقالُ: لا عِبْرَةَ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ، وهَلِ المَرْجِعُ في إثْباتِ اللُّغَةِ إلّا كُتُبُ أيِمَّتِها ؟ !
صفحة ٣٤٩
وتَكْرِيرُ لَفْظِ (بِهَذا البَلَدِ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ تَجْدِيدِ التَّعْجِيبِ، ولِقَصْدِ تَأْكِيدِ فَتْحِ ذَلِكَ البَلَدِ العَزِيزِ عَلَيْهِ والشَّدِيدِ عَلى المُشْرِكِينَ أنْ يَخْرُجَ عَنْ حَوْزَتِهِمْ.
و(والِدٍ) وقَعَ مُنَكَّرًا فَهو تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، إذْ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ في سِياقِ القَسَمِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ والِدًا عَظِيمًا، والرّاجِحُ عَمَلُ والِدٍ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وما ولَدَ.
والَّذِي يُناسِبُ القَسَمَ بِهَذا البَلَدِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (والِدٍ) إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ الَّذِي اتَّخَذَ ذَلِكَ البَلَدَ لِإقامَةِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ وزَوْجِهِ هاجَرَ، قالَ تَعالى: (﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]) ثُمَّ قالَ: (﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]) . وإبْراهِيمُ والِدُ سُكّانِ ذَلِكَ البَلَدِ الأصْلِيِّينَ، قالَ تَعالى: (﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]) ولِأنَّهُ والِدُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
و(ما ولَدَ) مَوْصُولٌ وصِلَةٌ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (ولَدَ) عائِدٌ إلى (والِدٍ) . والمَقْصُودُ: وما ولَدَهُ إبْراهِيمُ مِنَ الأبْناءِ والذُّرِّيَّةِ. وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالَّذِينَ اقْتَفَوْا هَدْيَهُ فَيَشْمَلُ مُحَمَّدًا ﷺ .
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ لِلتَّنْبِيهِ بِالمُشْرِكِينَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ بِأنَّهم حادُوا عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاحِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَ تَعالى: (﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيءُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨] ) .
وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ (ما) في قَوْلِهِ: (وما ولَدَ) دُونَ (مَن) مَعَ أنَّ (مَن) أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في إرادَةِ العاقِلِ وهو مُرادٌ هُنا، فَعَدَلَ عَنْ (مَن)؛ لِأنَّ (ما) أشَدُّ إبْهامًا، فَأُرِيدَ تَفْخِيمُ أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ فَجِيءَ لَهم بِالمَوْصُولِ الشَّدِيدِ الإبْهامِ لِإرادَةِ التَّفْخِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]) يَعْنِي: مَوْلُودًا عَجِيبَ الشَّأْنِ. ويُوَضِّحُ هَذا أنَّ (ما) تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً تامَّةً بِاتِّفاقٍ، و(مَن) لا تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً تامَّةً إلّا عِنْدَ الفارِسِيِّ.
صفحة ٣٥٠
ولِأنَّ قُوَّةَ الإبْهامِ في (ما) أنْسَبُ بِإرادَةِ الجَماعَةِ دُونَ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الحَكَمِ الأصَمِّ الفَزارِيِّ:
اللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ ووالِـدِهِ ∗∗∗ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا
يُرِيدُ: ومِن أوْلادِهِ، لا ولَدًا مُعَيَّنًا.
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ وهو الغَرَضُ مِنَ السُّورَةِ.
والإنْسانُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وهو الأظْهَرُ وقَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ويَكُونُ المُرادُ بِهِ خُصُوصَ أهْلِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) إلى آخَرِ الآياتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأحْوالِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فالعُمُومُ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيِ: الإنْسانُ في عُرْفِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، ولَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الإنْسانِ مُرادًا بِهِ الكافِرُونَ مِنَ النّاسِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فالتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ أبُو الأشَدِّ، ويُقالُ: أبُو الأشَدَّيْنِ واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كَلْدَةَ الجُمَحِيُّ كانَ مَعْرُوفًا بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ يَجْعَلُ الأدِيمَ العُكاظِيَّ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَيَقُولُ: مَن أزالَنِي فَلَهُ كَذا. فَيَجْذِبُهُ عَشَرَةُ رِجالٍ حَتّى يُمَزَّقَ الأدِيمُ ولا تَزُولُ قَدَماهُ، وكانَ شَدِيدَ الكُفْرِ والعَداوَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَنَزَلَ فِيهِ (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) . وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، زَعَمَ أنَّهُ أنْفَقَ مالًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ . وقِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ في يَوْمِ الأحْزابِ لِيَدْخُلَ المَدِينَةَ، فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ خَلْفَ الخَنْدَقِ.
ولَيْسَ لِهَذِهِ الأقْوالِ شاهِدٌ مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ، ولا يُلائِمُها القَسَمُ ولا السِّياقُ.
والخَلْقُ: إيجادُ ما لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، ويُطْلَقُ عَلى إيجادِ حالَةٍ لَها أثَرٌ قَوِيٌّ في الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠]) فَهو جَعْلٌ يُغَيِّرُ ذاتَ الشَّيْءِ.
صفحة ٣٥١
والكَبَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: التَّعَبُ والشِّدَّةُ، وقَدْ تَعَدَّدَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَقْرِيرِ المُرادِ بِالكَبَدِ، ولَمْ يُعَرِّجْ واحِدٌ مِنهم عَلى رَبْطِ المُناسَبَةِ بَيْنَ ما يُفَسِّرُ بِهِ الكَبَدَ وبَيْنَ السِّياقِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وافْتِتاحِهِ بِالقَسَمِ المُشْعِرِ بِالتَّأْكِيدِ وتَوَقُّعِ الإنْكارِ، حَتّى كَأنَّهم بِصَدَدِ تَفْسِيرِ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَتْ واقِعَةً في كَلامٍ يَجِبُ التِئامُهُ، ويَحِقُّ وِئامُهُ.
وقَدْ غَضُّوا النَّظَرَ عَنْ مَوْقِعِ فِعْلِ (خَلَقْنا) عَلى تَفْسِيرِهِمُ الكَبَدَ إذْ يَكُونُ فِعْلُ (خَلَقْنا) كَمَعْذِرَةٍ لِلْإنْسانِ الكافِرِ في مُلازَمَةِ الكَبَدِ لَهُ إذْ هو مَخْلُوقٌ فِيهِ، وذَلِكَ يَحُطُّ مِن شِدَّةِ التَّوْبِيخِ والذَّمِّ، فالَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ السِّياقِ ويُناسِبُ القَسَمَ أنَّ الكَبَدَ التَّعَبُ الَّذِي يُلازِمُ أصْحابَ الشِّرْكِ مِنِ اعْتِقادِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ. واضْطِرابُ رَأْيِهِمْ في الجَمْعِ بَيْنَ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ تَوَجُّهِهِمْ إلى اللَّهِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وبِطَلَبِ النَّجاةِ إذا أصابَهم ضُرٌّ، ومِن إحالَتِهِمُ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِالخَلْقِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) لَيْسَ مَقْصُودًا وحْدَهُ، بَلْ هو تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) والمَقْصُودُ إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وابْتَدَأهُمُ القُرْآنُ بِإثْباتِهِ في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّوَرِ الأُولى.
فَوِزانُ هَذا التَّمْهِيدِ وزانُ التَّمْهِيدِ بِقَوْلِهِ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤]) بَعْدَ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: (﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]) إلَخْ.
فَمَعْنى (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [البلد: ٥]): أيَحْسِبُ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ اضْمِحْلالِ جَسَدِهِ فَنُعِيدَهُ خَلْقًا آخَرَ، فَهو في طَرِيقَةِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]) أيْ: كَما خَلَقْناهُ أوَّلَ مَرَّةٍ في نَصَبٍ مِن أطْوارِ الحَياةِ كَذَلِكَ نَخْلُقُهُ خَلْقًا ثانِيًا في كَبَدٍ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ لِكُفْرِهِ.
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ إدْماجِ قَوْلِهِ: (في كَبَدٍ) لِأنَّ المَقْصُودَ التَّنْظِيرُ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ الأوَّلِ والثّانِي في أنَّهُما مِن مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى.
والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: (في كَبَدٍ) مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في المُلازَمَةِ فَكَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في الكَبَدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبإ: ٨] ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [سبإ: ٩])
صفحة ٣٥٢
الآيَةَ، فالمُرادُ: عَذابُ الدُّنْيا، وهو مَشَقَّةُ اضْطِرابِ البالِ في التَّكْذِيبِ واخْتِلاقِ المَعاذِيرِ والحَيْرَةِ مِنَ الأمْرِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ لِتِلْكَ الآيَةِ.
فالمَعْنى أنَّ الكَبَدَ مَلازِمٌ لِلْمُشْرِكِ مِن حِينِ اتِّصافِهِ بِالإشْراكِ وهو حِينُ تَقَوُّمِ العَقْلِ وكَمالِ الإدْراكِ.
ومِنَ الجائِزِ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) مِن قَبِيلِ القَلْبِ المَقْبُولِ لِتَضَمُّنِهِ اعْتِبارًا لَطِيفًا وهو شِدَّةُ تَلَبُّسِ الكَبَدِ بِالإنْسانِ المُشْرِكِ حَتّى كَأنَّهُ خُلِقَ في الكَبَدِ.
والمَعْنى: لَقَدْ خَلَقْنا الكَبَدَ في الإنْسانِ الكافِرِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ تَأْوِيلاتٌ أُخْرى في مَعْنى الآيَةِ لا يُساعِدُ عَلَيْها السِّياقُ.
البلد 90:3
﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلُّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ابْتُدِئَتْ بِالقَسَمِ تَشْوِيقًا لِما يَرِدُ بَعْدُ وأُطِيلَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ زِيادَةً في التَّشْوِيقِ.
و(لا أُقْسِمُ) مَعْناهُ: (أُقْسِمُ) . وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها ما في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في: هَلْ حَرْفُ النَّفْيِ مَزِيدٌ أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ أمْرِ المُقْسَمِ بِهِ.
والإشارَةُ بِـ (هَذا) مَعَ بَيانِهِ بِالبَلَدِ، إشارَةٌ إلى حاضِرٍ في أذْهانِ السّامِعِينَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهُ مُتَكَرِّرَةٌ لَهم وهو بَلَدُ مَكَّةَ، ومِثْلُهُ ما في قَوْلِهِ: (﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]) . وفائِدَةُ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ تَمْيِيزُ المُقْسَمِ بِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِهِ.
والبَلَدُ: جانِبٌ مِن مُتَّسَعٍ مِن أرْضٍ عامِرَةً كانَتْ - كَما هو الشّائِعُ - أمْ غامِرَةً كَقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
بَلْ بَلَدٍ مِلْءُ الفِجاجِ قَتَمُهْ
وأُطْلِقَ هُنا عَلى جانِبٍ مِنَ الأرْضِ مَجْعُولَةٍ فِيهِ بُيُوتٌ مِن بِناءٍ وهو بَلْدَةُ مَكَّةَ
صفحة ٣٤٧
والقَسَمُ بِالبَلْدَةِ مَعَ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الذّاتِ الإلَهِيَّةِ ولا مِن صِفاتِ أفْعالِهِ كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ وتَفْضِيلِهِ.
وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ المُقْسَمِ بِها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِنَ الِاعْتِراضِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَحْمَلِ مَعْنى (وأنْتَ حِلٌّ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حِلٌّ) اسْمَ مَصْدَرِ (أحَلَّ) أيْ: أباحَ، فالمَعْنى: وقَدْ جَعَلَكَ أهْلُ مَكَّةَ حَلالًا بِهَذا البَلَدِ الَّذِي يَحْرُمُ أذى صَيْدِهِ وعَضْدُ شَجَرِهِ، وهم مَعَ ذَلِكَ يُحِلُّونَ قَتْلَكَ وإخْراجَكَ، قالَ هَذا شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ التَّعَجِيبُ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وعَلَيْهِ فالإخْبارُ عَنْ ذاتِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ (حِلٌّ) يُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ يُعَيِّنُهُ ما يَصْلُحُ لِلْمَقامِ، أيْ: وأنْتَ حَلالٌ مِنكَ ما حَرُمَ مِن حَقِّ ساكِنِ هَذا البَلَدِ مِنَ الحُرْمَةِ والأمْنِ، والمَعْنى التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في عُدْوانِهِمْ وظُلْمِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ في بَلَدٍ لا يَظْلِمُونَ فِيهِ أحَدًا. والمُناسَبَةُ ابْتِداءُ القَسَمِ بِمَكَّةَ الَّذِي هو إشْعارٌ بِحُرْمَتِها المُقْتَضِيَةِ حُرْمَةَ مَن يَحِلُّ بِها، أيْ: فَهم يُحَرِّمُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا بِأذًى لِلدَّوابِّ ويَعْتَدُونَ عَلى رَسُولٍ جاءَهم بِرِسالَةٍ مِنَ اللَّهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حِلٌّ) اسْمًا مُشْتَقًّا مِنَ الحِلِّ وهو ضِدُّ المَنعِ، أيِ: الَّذِي لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما يَفْعَلُهُ. قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: أيْ ما صَنَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَأنْتَ في حِلٍّ، أوْ أنْتَ في حِلٍّ مِمَّنْ قاتَلَكَ أنْ تُقاتِلَهُ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ مَهْما تَمَكَّنْتَ مِن ذَلِكَ. فَيَصْدُقُ بِالحالِ والِاسْتِقْبالِ. وقالَ في الكَشّافِ: يَعْنِي: وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، ونَظِيرُهُ في الِاسْتِقْبالِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠])، تَقُولُ لِمَن تَعِدُهُ بِالإكْرامِ والحِباءِ، أنْتَ مُكْرَمٌ مَحْبُوٌّ اهـ.
فَهَذا الِاعْتِراضُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ قُدِّمَتْ لَهُ قَبْلَ ذِكْرِ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإسْلامِ، ووَعْدٌ بِأنَّهُ سَيُمَكِّنُهُ مِنهم.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَحْمَلِ صِفَةِ (حِلٌّ) هو خُصُوصِيَّتُهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وقَدْ خَصَّصَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِيَوْمِ الفَتْحِ فَقالَ: ”«وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» “
صفحة ٣٤٨
الحَدِيثَ. وفي المُوَطَّأِ ”قالَ مالِكٌ: ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، أيْ يَوْمَ الفَتْحِ مُحْرِمًا.
ويُثارُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى اخْتِلافِ المَحامِلِ النَّظَرُ في جَوازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ لِغَيْرِ مُرِيدِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ. قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى وابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: الدّاخِلُ مَكَّةَ غَيْرَ مُرِيدِ النُّسُكِ لِحاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كالحَطّابِينَ وأصْحابِ الفَواكِهِ والمَعاشِ، هَؤُلاءِ يَجُوزُ دُخُولُهم غَيْرَ مُحْرِمِينَ؛ لِأنَّهم لَوْ كُلِّفُوا الإحْرامَ لَحِقَتْهم مَشَقَّةٌ، وإنْ كانَ دُخُولُها لِحاجَةٍ لا تَتَكَرَّرُ فالمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإحْرامِ، ورُوِيَ عَنْهُ تَرْكُهُ، والصَّحِيحُ وُجُوبُهُ، فَإنْ تَرَكَهُ قالَ الباجِيُّ: فالظّاهِرُ مِنَ المَذْهَبِ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ وقَدْ أساءَ، ولَمْ يُفَصِّلْ أهْلُ المَذْهَبِ بَيْنَ مَن كانَ مِن أهْلِ داخِلِ المِيقاتِ أوْ مِن خارِجِهِ.
والخِلافُ في ذَلِكَ أيْضًا بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ، فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ داخِلِ المَواقِيتِ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ إنْ لَمْ يُرِدْ نُسُكًا مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ خارِجِ المَواقِيتِ فالواجِبُ عَلَيْهِ الإحْرامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ دُونَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الِاحْتِياجِ إلى تَكَرُّرِ الدُّخُولِ أوْ عَدَمِ الِاحْتِياجِ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى سُقُوطِ الإحْرامِ عَنْ غَيْرِ قاصِدِ النُّسُكِ. ومَذْهَبُ أحْمَدَ مُوافِقٌ مَذْهَبَ مالِكٍ.
وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ: أنَّ مَعْنى (﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾) أنَّهُ حالٌّ، أيْ: ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ اهـ. وجَعَلَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ قَوْلًا ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ والبَيْضاوِيُّ كَذَلِكَ، وهو يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وأنْتَ حِلٌّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أُقْسِمُ) فَيَكُونُ القَسَمُ بِالبَلَدِ مُقَيَّدًا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَلَدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو تَأْوِيلٌ جَمِيلٌ لَوْ ساعَدَ عَلَيْهِ ثُبُوتُ اسْتِعْمالِ (حِلٌّ) بِمَعْنى: (حالٌّ)، أيْ: مُقِيمٌ في مَكانٍ، فَإنَّ هَذا لَمْ يَرِدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ: الصِّحاحِ واللِّسانِ والقامُوسِ ومُفْرَداتِ الرّاغِبِ. ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، ولا أحْسِبُ إعْراضَهُ عَنْهُ إلّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِ بِصِحَّةِ اسْتِعْمالِهِ، وقالَ الخَفاجِيُّ:“ والحِلُّ صِفَةٌ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحالِّ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا عِبْرَةَ لِمَن أنْكَرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ " اهـ. وكَيْفَ يُقالُ: لا عِبْرَةَ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ، وهَلِ المَرْجِعُ في إثْباتِ اللُّغَةِ إلّا كُتُبُ أيِمَّتِها ؟ !
صفحة ٣٤٩
وتَكْرِيرُ لَفْظِ (بِهَذا البَلَدِ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ تَجْدِيدِ التَّعْجِيبِ، ولِقَصْدِ تَأْكِيدِ فَتْحِ ذَلِكَ البَلَدِ العَزِيزِ عَلَيْهِ والشَّدِيدِ عَلى المُشْرِكِينَ أنْ يَخْرُجَ عَنْ حَوْزَتِهِمْ.
و(والِدٍ) وقَعَ مُنَكَّرًا فَهو تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، إذْ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ في سِياقِ القَسَمِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ والِدًا عَظِيمًا، والرّاجِحُ عَمَلُ والِدٍ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وما ولَدَ.
والَّذِي يُناسِبُ القَسَمَ بِهَذا البَلَدِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (والِدٍ) إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ الَّذِي اتَّخَذَ ذَلِكَ البَلَدَ لِإقامَةِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ وزَوْجِهِ هاجَرَ، قالَ تَعالى: (﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]) ثُمَّ قالَ: (﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]) . وإبْراهِيمُ والِدُ سُكّانِ ذَلِكَ البَلَدِ الأصْلِيِّينَ، قالَ تَعالى: (﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]) ولِأنَّهُ والِدُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
و(ما ولَدَ) مَوْصُولٌ وصِلَةٌ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (ولَدَ) عائِدٌ إلى (والِدٍ) . والمَقْصُودُ: وما ولَدَهُ إبْراهِيمُ مِنَ الأبْناءِ والذُّرِّيَّةِ. وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالَّذِينَ اقْتَفَوْا هَدْيَهُ فَيَشْمَلُ مُحَمَّدًا ﷺ .
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ لِلتَّنْبِيهِ بِالمُشْرِكِينَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ بِأنَّهم حادُوا عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاحِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَ تَعالى: (﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيءُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨] ) .
وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ (ما) في قَوْلِهِ: (وما ولَدَ) دُونَ (مَن) مَعَ أنَّ (مَن) أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في إرادَةِ العاقِلِ وهو مُرادٌ هُنا، فَعَدَلَ عَنْ (مَن)؛ لِأنَّ (ما) أشَدُّ إبْهامًا، فَأُرِيدَ تَفْخِيمُ أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ فَجِيءَ لَهم بِالمَوْصُولِ الشَّدِيدِ الإبْهامِ لِإرادَةِ التَّفْخِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]) يَعْنِي: مَوْلُودًا عَجِيبَ الشَّأْنِ. ويُوَضِّحُ هَذا أنَّ (ما) تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً تامَّةً بِاتِّفاقٍ، و(مَن) لا تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً تامَّةً إلّا عِنْدَ الفارِسِيِّ.
صفحة ٣٥٠
ولِأنَّ قُوَّةَ الإبْهامِ في (ما) أنْسَبُ بِإرادَةِ الجَماعَةِ دُونَ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الحَكَمِ الأصَمِّ الفَزارِيِّ:
اللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ ووالِـدِهِ ∗∗∗ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا
يُرِيدُ: ومِن أوْلادِهِ، لا ولَدًا مُعَيَّنًا.
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ وهو الغَرَضُ مِنَ السُّورَةِ.
والإنْسانُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وهو الأظْهَرُ وقَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ويَكُونُ المُرادُ بِهِ خُصُوصَ أهْلِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) إلى آخَرِ الآياتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأحْوالِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فالعُمُومُ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيِ: الإنْسانُ في عُرْفِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، ولَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الإنْسانِ مُرادًا بِهِ الكافِرُونَ مِنَ النّاسِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فالتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ أبُو الأشَدِّ، ويُقالُ: أبُو الأشَدَّيْنِ واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كَلْدَةَ الجُمَحِيُّ كانَ مَعْرُوفًا بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ يَجْعَلُ الأدِيمَ العُكاظِيَّ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَيَقُولُ: مَن أزالَنِي فَلَهُ كَذا. فَيَجْذِبُهُ عَشَرَةُ رِجالٍ حَتّى يُمَزَّقَ الأدِيمُ ولا تَزُولُ قَدَماهُ، وكانَ شَدِيدَ الكُفْرِ والعَداوَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَنَزَلَ فِيهِ (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) . وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، زَعَمَ أنَّهُ أنْفَقَ مالًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ . وقِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ في يَوْمِ الأحْزابِ لِيَدْخُلَ المَدِينَةَ، فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ خَلْفَ الخَنْدَقِ.
ولَيْسَ لِهَذِهِ الأقْوالِ شاهِدٌ مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ، ولا يُلائِمُها القَسَمُ ولا السِّياقُ.
والخَلْقُ: إيجادُ ما لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، ويُطْلَقُ عَلى إيجادِ حالَةٍ لَها أثَرٌ قَوِيٌّ في الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠]) فَهو جَعْلٌ يُغَيِّرُ ذاتَ الشَّيْءِ.
صفحة ٣٥١
والكَبَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: التَّعَبُ والشِّدَّةُ، وقَدْ تَعَدَّدَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَقْرِيرِ المُرادِ بِالكَبَدِ، ولَمْ يُعَرِّجْ واحِدٌ مِنهم عَلى رَبْطِ المُناسَبَةِ بَيْنَ ما يُفَسِّرُ بِهِ الكَبَدَ وبَيْنَ السِّياقِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وافْتِتاحِهِ بِالقَسَمِ المُشْعِرِ بِالتَّأْكِيدِ وتَوَقُّعِ الإنْكارِ، حَتّى كَأنَّهم بِصَدَدِ تَفْسِيرِ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَتْ واقِعَةً في كَلامٍ يَجِبُ التِئامُهُ، ويَحِقُّ وِئامُهُ.
وقَدْ غَضُّوا النَّظَرَ عَنْ مَوْقِعِ فِعْلِ (خَلَقْنا) عَلى تَفْسِيرِهِمُ الكَبَدَ إذْ يَكُونُ فِعْلُ (خَلَقْنا) كَمَعْذِرَةٍ لِلْإنْسانِ الكافِرِ في مُلازَمَةِ الكَبَدِ لَهُ إذْ هو مَخْلُوقٌ فِيهِ، وذَلِكَ يَحُطُّ مِن شِدَّةِ التَّوْبِيخِ والذَّمِّ، فالَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ السِّياقِ ويُناسِبُ القَسَمَ أنَّ الكَبَدَ التَّعَبُ الَّذِي يُلازِمُ أصْحابَ الشِّرْكِ مِنِ اعْتِقادِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ. واضْطِرابُ رَأْيِهِمْ في الجَمْعِ بَيْنَ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ تَوَجُّهِهِمْ إلى اللَّهِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وبِطَلَبِ النَّجاةِ إذا أصابَهم ضُرٌّ، ومِن إحالَتِهِمُ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِالخَلْقِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) لَيْسَ مَقْصُودًا وحْدَهُ، بَلْ هو تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) والمَقْصُودُ إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وابْتَدَأهُمُ القُرْآنُ بِإثْباتِهِ في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّوَرِ الأُولى.
فَوِزانُ هَذا التَّمْهِيدِ وزانُ التَّمْهِيدِ بِقَوْلِهِ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤]) بَعْدَ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: (﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]) إلَخْ.
فَمَعْنى (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [البلد: ٥]): أيَحْسِبُ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ اضْمِحْلالِ جَسَدِهِ فَنُعِيدَهُ خَلْقًا آخَرَ، فَهو في طَرِيقَةِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]) أيْ: كَما خَلَقْناهُ أوَّلَ مَرَّةٍ في نَصَبٍ مِن أطْوارِ الحَياةِ كَذَلِكَ نَخْلُقُهُ خَلْقًا ثانِيًا في كَبَدٍ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ لِكُفْرِهِ.
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ إدْماجِ قَوْلِهِ: (في كَبَدٍ) لِأنَّ المَقْصُودَ التَّنْظِيرُ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ الأوَّلِ والثّانِي في أنَّهُما مِن مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى.
والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: (في كَبَدٍ) مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في المُلازَمَةِ فَكَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في الكَبَدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبإ: ٨] ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [سبإ: ٩])
صفحة ٣٥٢
الآيَةَ، فالمُرادُ: عَذابُ الدُّنْيا، وهو مَشَقَّةُ اضْطِرابِ البالِ في التَّكْذِيبِ واخْتِلاقِ المَعاذِيرِ والحَيْرَةِ مِنَ الأمْرِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ لِتِلْكَ الآيَةِ.
فالمَعْنى أنَّ الكَبَدَ مَلازِمٌ لِلْمُشْرِكِ مِن حِينِ اتِّصافِهِ بِالإشْراكِ وهو حِينُ تَقَوُّمِ العَقْلِ وكَمالِ الإدْراكِ.
ومِنَ الجائِزِ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) مِن قَبِيلِ القَلْبِ المَقْبُولِ لِتَضَمُّنِهِ اعْتِبارًا لَطِيفًا وهو شِدَّةُ تَلَبُّسِ الكَبَدِ بِالإنْسانِ المُشْرِكِ حَتّى كَأنَّهُ خُلِقَ في الكَبَدِ.
والمَعْنى: لَقَدْ خَلَقْنا الكَبَدَ في الإنْسانِ الكافِرِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ تَأْوِيلاتٌ أُخْرى في مَعْنى الآيَةِ لا يُساعِدُ عَلَيْها السِّياقُ.
البلد 90:4
﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿وأنْتَ حِلُّ بِهَذا البَلَدِ﴾ ﴿ووالِدٍ وما ولَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ ابْتُدِئَتْ بِالقَسَمِ تَشْوِيقًا لِما يَرِدُ بَعْدُ وأُطِيلَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ زِيادَةً في التَّشْوِيقِ.
و(لا أُقْسِمُ) مَعْناهُ: (أُقْسِمُ) . وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها ما في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في: هَلْ حَرْفُ النَّفْيِ مَزِيدٌ أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ أمْرِ المُقْسَمِ بِهِ.
والإشارَةُ بِـ (هَذا) مَعَ بَيانِهِ بِالبَلَدِ، إشارَةٌ إلى حاضِرٍ في أذْهانِ السّامِعِينَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ؛ لِأنَّ رُؤْيَتَهُ مُتَكَرِّرَةٌ لَهم وهو بَلَدُ مَكَّةَ، ومِثْلُهُ ما في قَوْلِهِ: (﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]) . وفائِدَةُ الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ تَمْيِيزُ المُقْسَمِ بِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِهِ.
والبَلَدُ: جانِبٌ مِن مُتَّسَعٍ مِن أرْضٍ عامِرَةً كانَتْ - كَما هو الشّائِعُ - أمْ غامِرَةً كَقَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
بَلْ بَلَدٍ مِلْءُ الفِجاجِ قَتَمُهْ
وأُطْلِقَ هُنا عَلى جانِبٍ مِنَ الأرْضِ مَجْعُولَةٍ فِيهِ بُيُوتٌ مِن بِناءٍ وهو بَلْدَةُ مَكَّةَ
صفحة ٣٤٧
والقَسَمُ بِالبَلْدَةِ مَعَ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الذّاتِ الإلَهِيَّةِ ولا مِن صِفاتِ أفْعالِهِ كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ وتَفْضِيلِهِ.
وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ المُقْسَمِ بِها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِنَ الِاعْتِراضِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَحْمَلِ مَعْنى (وأنْتَ حِلٌّ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حِلٌّ) اسْمَ مَصْدَرِ (أحَلَّ) أيْ: أباحَ، فالمَعْنى: وقَدْ جَعَلَكَ أهْلُ مَكَّةَ حَلالًا بِهَذا البَلَدِ الَّذِي يَحْرُمُ أذى صَيْدِهِ وعَضْدُ شَجَرِهِ، وهم مَعَ ذَلِكَ يُحِلُّونَ قَتْلَكَ وإخْراجَكَ، قالَ هَذا شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ التَّعَجِيبُ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وعَلَيْهِ فالإخْبارُ عَنْ ذاتِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ (حِلٌّ) يُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ يُعَيِّنُهُ ما يَصْلُحُ لِلْمَقامِ، أيْ: وأنْتَ حَلالٌ مِنكَ ما حَرُمَ مِن حَقِّ ساكِنِ هَذا البَلَدِ مِنَ الحُرْمَةِ والأمْنِ، والمَعْنى التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في عُدْوانِهِمْ وظُلْمِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ في بَلَدٍ لا يَظْلِمُونَ فِيهِ أحَدًا. والمُناسَبَةُ ابْتِداءُ القَسَمِ بِمَكَّةَ الَّذِي هو إشْعارٌ بِحُرْمَتِها المُقْتَضِيَةِ حُرْمَةَ مَن يَحِلُّ بِها، أيْ: فَهم يُحَرِّمُونَ أنْ يَتَعَرَّضُوا بِأذًى لِلدَّوابِّ ويَعْتَدُونَ عَلى رَسُولٍ جاءَهم بِرِسالَةٍ مِنَ اللَّهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حِلٌّ) اسْمًا مُشْتَقًّا مِنَ الحِلِّ وهو ضِدُّ المَنعِ، أيِ: الَّذِي لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيما يَفْعَلُهُ. قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: أيْ ما صَنَعْتَ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَأنْتَ في حِلٍّ، أوْ أنْتَ في حِلٍّ مِمَّنْ قاتَلَكَ أنْ تُقاتِلَهُ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ مَهْما تَمَكَّنْتَ مِن ذَلِكَ. فَيَصْدُقُ بِالحالِ والِاسْتِقْبالِ. وقالَ في الكَشّافِ: يَعْنِي: وأنْتَ حِلٌّ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ، ونَظِيرُهُ في الِاسْتِقْبالِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠])، تَقُولُ لِمَن تَعِدُهُ بِالإكْرامِ والحِباءِ، أنْتَ مُكْرَمٌ مَحْبُوٌّ اهـ.
فَهَذا الِاعْتِراضُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ قُدِّمَتْ لَهُ قَبْلَ ذِكْرِ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإسْلامِ، ووَعْدٌ بِأنَّهُ سَيُمَكِّنُهُ مِنهم.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَحْمَلِ صِفَةِ (حِلٌّ) هو خُصُوصِيَّتُهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وقَدْ خَصَّصَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِيَوْمِ الفَتْحِ فَقالَ: ”«وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» “
صفحة ٣٤٨
الحَدِيثَ. وفي المُوَطَّأِ ”قالَ مالِكٌ: ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، أيْ يَوْمَ الفَتْحِ مُحْرِمًا.
ويُثارُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى اخْتِلافِ المَحامِلِ النَّظَرُ في جَوازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ لِغَيْرِ مُرِيدِ الحَجِّ أوِ العُمْرَةِ. قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى وابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: الدّاخِلُ مَكَّةَ غَيْرَ مُرِيدِ النُّسُكِ لِحاجَةٍ تَتَكَرَّرُ، كالحَطّابِينَ وأصْحابِ الفَواكِهِ والمَعاشِ، هَؤُلاءِ يَجُوزُ دُخُولُهم غَيْرَ مُحْرِمِينَ؛ لِأنَّهم لَوْ كُلِّفُوا الإحْرامَ لَحِقَتْهم مَشَقَّةٌ، وإنْ كانَ دُخُولُها لِحاجَةٍ لا تَتَكَرَّرُ فالمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإحْرامِ، ورُوِيَ عَنْهُ تَرْكُهُ، والصَّحِيحُ وُجُوبُهُ، فَإنْ تَرَكَهُ قالَ الباجِيُّ: فالظّاهِرُ مِنَ المَذْهَبِ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِ وقَدْ أساءَ، ولَمْ يُفَصِّلْ أهْلُ المَذْهَبِ بَيْنَ مَن كانَ مِن أهْلِ داخِلِ المِيقاتِ أوْ مِن خارِجِهِ.
والخِلافُ في ذَلِكَ أيْضًا بَيْنَ فُقَهاءِ الأمْصارِ، فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ داخِلِ المَواقِيتِ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرامٍ إنْ لَمْ يُرِدْ نُسُكًا مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، وأمّا مَن كانَ مِن أهْلِ خارِجِ المَواقِيتِ فالواجِبُ عَلَيْهِ الإحْرامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ دُونَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الِاحْتِياجِ إلى تَكَرُّرِ الدُّخُولِ أوْ عَدَمِ الِاحْتِياجِ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى سُقُوطِ الإحْرامِ عَنْ غَيْرِ قاصِدِ النُّسُكِ. ومَذْهَبُ أحْمَدَ مُوافِقٌ مَذْهَبَ مالِكٍ.
وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ: أنَّ مَعْنى (﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾) أنَّهُ حالٌّ، أيْ: ساكِنٌ بِهَذا البَلَدِ اهـ. وجَعَلَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ قَوْلًا ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ، وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ والبَيْضاوِيُّ كَذَلِكَ، وهو يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وأنْتَ حِلٌّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أُقْسِمُ) فَيَكُونُ القَسَمُ بِالبَلَدِ مُقَيَّدًا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بَلَدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو تَأْوِيلٌ جَمِيلٌ لَوْ ساعَدَ عَلَيْهِ ثُبُوتُ اسْتِعْمالِ (حِلٌّ) بِمَعْنى: (حالٌّ)، أيْ: مُقِيمٌ في مَكانٍ، فَإنَّ هَذا لَمْ يَرِدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ: الصِّحاحِ واللِّسانِ والقامُوسِ ومُفْرَداتِ الرّاغِبِ. ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، ولا أحْسِبُ إعْراضَهُ عَنْهُ إلّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِ بِصِحَّةِ اسْتِعْمالِهِ، وقالَ الخَفاجِيُّ:“ والحِلُّ صِفَةٌ أوْ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحالِّ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ، ولا عِبْرَةَ لِمَن أنْكَرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ " اهـ. وكَيْفَ يُقالُ: لا عِبْرَةَ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ في كُتُبِ اللُّغَةِ، وهَلِ المَرْجِعُ في إثْباتِ اللُّغَةِ إلّا كُتُبُ أيِمَّتِها ؟ !
صفحة ٣٤٩
وتَكْرِيرُ لَفْظِ (بِهَذا البَلَدِ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ تَجْدِيدِ التَّعْجِيبِ، ولِقَصْدِ تَأْكِيدِ فَتْحِ ذَلِكَ البَلَدِ العَزِيزِ عَلَيْهِ والشَّدِيدِ عَلى المُشْرِكِينَ أنْ يَخْرُجَ عَنْ حَوْزَتِهِمْ.
و(والِدٍ) وقَعَ مُنَكَّرًا فَهو تَنْكِيرُ تَعْظِيمٍ، إذْ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ في سِياقِ القَسَمِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ والِدًا عَظِيمًا، والرّاجِحُ عَمَلُ والِدٍ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وما ولَدَ.
والَّذِي يُناسِبُ القَسَمَ بِهَذا البَلَدِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (والِدٍ) إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ الَّذِي اتَّخَذَ ذَلِكَ البَلَدَ لِإقامَةِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ وزَوْجِهِ هاجَرَ، قالَ تَعالى: (﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]) ثُمَّ قالَ: (﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]) . وإبْراهِيمُ والِدُ سُكّانِ ذَلِكَ البَلَدِ الأصْلِيِّينَ، قالَ تَعالى: (﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]) ولِأنَّهُ والِدُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
و(ما ولَدَ) مَوْصُولٌ وصِلَةٌ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (ولَدَ) عائِدٌ إلى (والِدٍ) . والمَقْصُودُ: وما ولَدَهُ إبْراهِيمُ مِنَ الأبْناءِ والذُّرِّيَّةِ. وذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالَّذِينَ اقْتَفَوْا هَدْيَهُ فَيَشْمَلُ مُحَمَّدًا ﷺ .
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ لِلتَّنْبِيهِ بِالمُشْرِكِينَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ بِأنَّهم حادُوا عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ والصَّلاحِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، قالَ تَعالى: (﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيءُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨] ) .
وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ (ما) في قَوْلِهِ: (وما ولَدَ) دُونَ (مَن) مَعَ أنَّ (مَن) أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في إرادَةِ العاقِلِ وهو مُرادٌ هُنا، فَعَدَلَ عَنْ (مَن)؛ لِأنَّ (ما) أشَدُّ إبْهامًا، فَأُرِيدَ تَفْخِيمُ أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ فَجِيءَ لَهم بِالمَوْصُولِ الشَّدِيدِ الإبْهامِ لِإرادَةِ التَّفْخِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]) يَعْنِي: مَوْلُودًا عَجِيبَ الشَّأْنِ. ويُوَضِّحُ هَذا أنَّ (ما) تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً تامَّةً بِاتِّفاقٍ، و(مَن) لا تُسْتَعْمَلُ نَكِرَةً تامَّةً إلّا عِنْدَ الفارِسِيِّ.
صفحة ٣٥٠
ولِأنَّ قُوَّةَ الإبْهامِ في (ما) أنْسَبُ بِإرادَةِ الجَماعَةِ دُونَ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الحَكَمِ الأصَمِّ الفَزارِيِّ:
اللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ ووالِـدِهِ ∗∗∗ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا
يُرِيدُ: ومِن أوْلادِهِ، لا ولَدًا مُعَيَّنًا.
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) جَوابُ القَسَمِ وهو الغَرَضُ مِنَ السُّورَةِ.
والإنْسانُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ وهو الأظْهَرُ وقَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ويَكُونُ المُرادُ بِهِ خُصُوصَ أهْلِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) إلى آخَرِ الآياتِ لا يَلِيقُ إلّا بِأحْوالِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فالعُمُومُ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيِ: الإنْسانُ في عُرْفِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، ولَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا، ولِذَلِكَ كَثُرَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الإنْسانِ مُرادًا بِهِ الكافِرُونَ مِنَ النّاسِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إنْسانٌ مُعَيَّنٌ، فالتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ أبُو الأشَدِّ، ويُقالُ: أبُو الأشَدَّيْنِ واسْمُهُ أُسَيْدُ بْنُ كَلْدَةَ الجُمَحِيُّ كانَ مَعْرُوفًا بِالقُوَّةِ والشِّدَّةِ يَجْعَلُ الأدِيمَ العُكاظِيَّ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَيَقُولُ: مَن أزالَنِي فَلَهُ كَذا. فَيَجْذِبُهُ عَشَرَةُ رِجالٍ حَتّى يُمَزَّقَ الأدِيمُ ولا تَزُولُ قَدَماهُ، وكانَ شَدِيدَ الكُفْرِ والعَداوَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَنَزَلَ فِيهِ (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) . وقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ. وعَنْ مُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، زَعَمَ أنَّهُ أنْفَقَ مالًا عَلى إفْسادِ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ . وقِيلَ: هو عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الَّذِي اقْتَحَمَ الخَنْدَقَ في يَوْمِ الأحْزابِ لِيَدْخُلَ المَدِينَةَ، فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ خَلْفَ الخَنْدَقِ.
ولَيْسَ لِهَذِهِ الأقْوالِ شاهِدٌ مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ، ولا يُلائِمُها القَسَمُ ولا السِّياقُ.
والخَلْقُ: إيجادُ ما لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، ويُطْلَقُ عَلى إيجادِ حالَةٍ لَها أثَرٌ قَوِيٌّ في الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠]) فَهو جَعْلٌ يُغَيِّرُ ذاتَ الشَّيْءِ.
صفحة ٣٥١
والكَبَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: التَّعَبُ والشِّدَّةُ، وقَدْ تَعَدَّدَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَقْرِيرِ المُرادِ بِالكَبَدِ، ولَمْ يُعَرِّجْ واحِدٌ مِنهم عَلى رَبْطِ المُناسَبَةِ بَيْنَ ما يُفَسِّرُ بِهِ الكَبَدَ وبَيْنَ السِّياقِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وافْتِتاحِهِ بِالقَسَمِ المُشْعِرِ بِالتَّأْكِيدِ وتَوَقُّعِ الإنْكارِ، حَتّى كَأنَّهم بِصَدَدِ تَفْسِيرِ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَتْ واقِعَةً في كَلامٍ يَجِبُ التِئامُهُ، ويَحِقُّ وِئامُهُ.
وقَدْ غَضُّوا النَّظَرَ عَنْ مَوْقِعِ فِعْلِ (خَلَقْنا) عَلى تَفْسِيرِهِمُ الكَبَدَ إذْ يَكُونُ فِعْلُ (خَلَقْنا) كَمَعْذِرَةٍ لِلْإنْسانِ الكافِرِ في مُلازَمَةِ الكَبَدِ لَهُ إذْ هو مَخْلُوقٌ فِيهِ، وذَلِكَ يَحُطُّ مِن شِدَّةِ التَّوْبِيخِ والذَّمِّ، فالَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ السِّياقِ ويُناسِبُ القَسَمَ أنَّ الكَبَدَ التَّعَبُ الَّذِي يُلازِمُ أصْحابَ الشِّرْكِ مِنِ اعْتِقادِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ. واضْطِرابُ رَأْيِهِمْ في الجَمْعِ بَيْنَ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ تَوَجُّهِهِمْ إلى اللَّهِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ وبِطَلَبِ النَّجاةِ إذا أصابَهم ضُرٌّ، ومِن إحالَتِهِمُ البَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِالخَلْقِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) لَيْسَ مَقْصُودًا وحْدَهُ، بَلْ هو تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) والمَقْصُودُ إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وابْتَدَأهُمُ القُرْآنُ بِإثْباتِهِ في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّوَرِ الأُولى.
فَوِزانُ هَذا التَّمْهِيدِ وزانُ التَّمْهِيدِ بِقَوْلِهِ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤]) بَعْدَ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: (﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]) إلَخْ.
فَمَعْنى (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [البلد: ٥]): أيَحْسِبُ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ اضْمِحْلالِ جَسَدِهِ فَنُعِيدَهُ خَلْقًا آخَرَ، فَهو في طَرِيقَةِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤]) أيْ: كَما خَلَقْناهُ أوَّلَ مَرَّةٍ في نَصَبٍ مِن أطْوارِ الحَياةِ كَذَلِكَ نَخْلُقُهُ خَلْقًا ثانِيًا في كَبَدٍ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ لِكُفْرِهِ.
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ إدْماجِ قَوْلِهِ: (في كَبَدٍ) لِأنَّ المَقْصُودَ التَّنْظِيرُ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ الأوَّلِ والثّانِي في أنَّهُما مِن مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى.
والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: (في كَبَدٍ) مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في المُلازَمَةِ فَكَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في الكَبَدِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: (﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبإ: ٨] ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [سبإ: ٩])
صفحة ٣٥٢
الآيَةَ، فالمُرادُ: عَذابُ الدُّنْيا، وهو مَشَقَّةُ اضْطِرابِ البالِ في التَّكْذِيبِ واخْتِلاقِ المَعاذِيرِ والحَيْرَةِ مِنَ الأمْرِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ لِتِلْكَ الآيَةِ.
فالمَعْنى أنَّ الكَبَدَ مَلازِمٌ لِلْمُشْرِكِ مِن حِينِ اتِّصافِهِ بِالإشْراكِ وهو حِينُ تَقَوُّمِ العَقْلِ وكَمالِ الإدْراكِ.
ومِنَ الجائِزِ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾) مِن قَبِيلِ القَلْبِ المَقْبُولِ لِتَضَمُّنِهِ اعْتِبارًا لَطِيفًا وهو شِدَّةُ تَلَبُّسِ الكَبَدِ بِالإنْسانِ المُشْرِكِ حَتّى كَأنَّهُ خُلِقَ في الكَبَدِ.
والمَعْنى: لَقَدْ خَلَقْنا الكَبَدَ في الإنْسانِ الكافِرِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ تَأْوِيلاتٌ أُخْرى في مَعْنى الآيَةِ لا يُساعِدُ عَلَيْها السِّياقُ.
البلد 90:5
﴿أيَحْسِبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]) .
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ والتَّخْطِئَةِ.
وضَمِيرُ (أيَحْسِبُ) راجِعٌ إلى الإنْسانِ لا مَحالَةَ، ومِن آثارِ الحَيْرَةِ في مَعْنى (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]) أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ جَعَلَ ضَمِيرَ (أيَحْسِبُ) راجِعًا إلى بَعْضٍ مِمّا يَعُمُّهُ لَفْظُ الإنْسانِ، مِثْلَ أبِي الأشَدِّ الجُمَحِيِّ، وهو ضِعْثٌ عَلى إبّالَةٍ.
البلد 90:6
﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسِبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾
أعْقَبَتْ مَساوِيَ نَفْسِهِ بِمَذامِّ أقْوالِهِ، وهو التَّفَخُّرُ الكاذِبُ والتَّمَدُّحُ بِإتْلافِ المالِ في غَيْرِ صَلاحٍ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَبَجَّحُونَ بِإتْلافِ المالِ ويَعُدُّونَهُ مَنقَبَةً لِإيذانِهِ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ صاحِبِهِ بِهِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
صفحة ٣٥٣
وإذا سَكِرْتُ فَإنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ مالِي وعِرْضِي وافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ
وإذا صَحَوْتُ فَما أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى ∗∗∗ وكَما عَلِمْتَ شَمائِلِي وتَكَرُّمِي
وجُمْلَةُ: (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (الإنْسانَ) . وذَلِكَ مِنَ الكَبَدِ.
وجُمْلَةُ (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾) يَصْدُرُ مِنهُ وهو يَحْسِبُ أنَّهُ راجَ كَذِبُهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ وهو لا يَخْلُو مِن ناسٍ يَطَّلِعُونَ عَلى كَذِبِهِ، قالَ زُهَيْرٌ:
ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ ∗∗∗ وإنْ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمِ
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ وهو كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِدَخِيلَتِهِ وأنَّ افْتِخارَهُ بِالكَرَمِ باطِلٌ.
و(لُبَدًا) بِضَمِّ اللّامِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو جَمْعُ لُبْدَةٍ بِضَمِّ اللّامِ، وهي ما تَلَبَّدَ مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ، أيْ: تَجَمَّعَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وتَشْدِيدِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ لابِدٍ بِمَعْنى مُجْتَمِعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ مِثْلُ: صُيَّمٍ وقُيَّمٍ، أوْ عَلى أنَّهُ اسْمٌ عَلى زِنَةِ فُعَّلٍ، مِثْلُ: زُمَّلٍ لِلْجَبانِ، وجُبَّأٍ لِلضَّعِيفِ.
البلد 90:7
﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ ﴿أيَحْسِبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾
أعْقَبَتْ مَساوِيَ نَفْسِهِ بِمَذامِّ أقْوالِهِ، وهو التَّفَخُّرُ الكاذِبُ والتَّمَدُّحُ بِإتْلافِ المالِ في غَيْرِ صَلاحٍ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَبَجَّحُونَ بِإتْلافِ المالِ ويَعُدُّونَهُ مَنقَبَةً لِإيذانِهِ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ صاحِبِهِ بِهِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
صفحة ٣٥٣
وإذا سَكِرْتُ فَإنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ مالِي وعِرْضِي وافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ
وإذا صَحَوْتُ فَما أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى ∗∗∗ وكَما عَلِمْتَ شَمائِلِي وتَكَرُّمِي
وجُمْلَةُ: (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (الإنْسانَ) . وذَلِكَ مِنَ الكَبَدِ.
وجُمْلَةُ (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾) يَصْدُرُ مِنهُ وهو يَحْسِبُ أنَّهُ راجَ كَذِبُهُ عَلى جَمِيعِ النّاسِ وهو لا يَخْلُو مِن ناسٍ يَطَّلِعُونَ عَلى كَذِبِهِ، قالَ زُهَيْرٌ:
ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ ∗∗∗ وإنْ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمِ
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ وهو كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِدَخِيلَتِهِ وأنَّ افْتِخارَهُ بِالكَرَمِ باطِلٌ.
و(لُبَدًا) بِضَمِّ اللّامِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو جَمْعُ لُبْدَةٍ بِضَمِّ اللّامِ، وهي ما تَلَبَّدَ مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ، أيْ: تَجَمَّعَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (لُبَّدًا) بِضَمِّ اللّامِ وتَشْدِيدِ الباءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ لابِدٍ بِمَعْنى مُجْتَمِعٍ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ مِثْلُ: صُيَّمٍ وقُيَّمٍ، أوْ عَلى أنَّهُ اسْمٌ عَلى زِنَةِ فُعَّلٍ، مِثْلُ: زُمَّلٍ لِلْجَبانِ، وجُبَّأٍ لِلضَّعِيفِ.
البلد 90:8
(﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾)
تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) أوْ قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧]) أيْ: هو غافِلٌ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الكائِناتِ الدّالِّ عَلَيْهِما أنَّهُ خَلَقَ مَشاعِرَ الإدْراكِ الَّتِي مِنها العَيْنانِ، وخَلَقَ آلاتِ الإبانَةِ وهي اللِّسانُ والشَّفَتانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُفِيضُ العِلْمِ عَلى النّاسِ غَيْرَ قادِرٍ وغَيْرَ عالِمٍ بِأحْوالِهِمْ، قالَ تَعالى: (﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]) .
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا وأنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا.
صفحة ٣٥٤
والِاقْتِصارُ عَلى العَيْنَيْنِ لِأنَّهُما أنْفَعُ المَشاعِرِ، ولِأنَّ المُعَلَّلَ إنْكارُ ظَنِّهِ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ، وذِكْرُ الشَّفَتَيْنِ مَعَ اللِّسانِ لِأنَّ الإبانَةَ تَحْصُلُ بِهِما مَعًا فَلا يَنْطِقُ اللِّسانُ بِدُونِ الشَّفَتَيْنِ ولا تَنْطِقُ الشَّفَتانِ بِدُونِ اللِّسانِ.
ومِن دَقائِقِ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى اللِّسانِ ولا عَلى الشَّفَتَيْنِ، خِلافَ عادَةِ كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: يَنْطِقُ بِلِسانٍ فَصِيحٍ، ويَقُولُونَ: لَمْ يَنْطِقْ بِبِنْتِ شَفَةٍ، أوْ لَمْ يَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِدْلالٍ فَجِيءَ فِيهِ بِما لَهُ مَزِيدُ تَصْوِيرٍ لِخَلْقِ آلَةِ النُّطْقِ.
وأعْقَبَ ما بِهِ اكْتِسابُ العِلْمِ وما بِهِ الإبانَةُ عَنِ المَعْلُوماتِ، بِما يُرْشِدُ الفِكْرَ إلى النَّظَرِ والبَحْثِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾) .
فاسْتَكْمَلَ الكَلامُ أُصُولَ التَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مُحِبًّا لِلْمَعْرِفَةِ مُحِبًّا لِلتَّعْرِيفِ بِمَشاعِرِ الإدْراكِ يَكْتَسِبُ المُشاهَداتِ وهي أُصُولُ المَعْلُوماتِ اليَقِينِيَّةِ، وبِالنُّطْقِ يُفِيدُ ما يُعَلِّمُهُ لِغَيْرِهِ، وبِالهَدْيِ إلى الخَيْرِ والشَّرِّ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَعْلُوماتِهِ ويُمَحِّصُها.
والشَّفَتانِ هُما الجِلْدَتانِ اللَّتانِ تَسْتُرانِ الفَمَ وأسْنانَهُ وبِهِما يَمْتَصُّ الماءَ، ومِنِ انْفِتاحِهِما وانْغِلاقِهِما تَتَكَيَّفُ أصْواتُ الحُرُوفِ الَّتِي بِها النُّطْقُ وهو المَقْصُودُ هُنا.
وأصْلُ شَفَةٍ شَفَوٌ، نُقِصَ مِنهُ الواوُ وعُوِّضَ عَنْهُ هاءٌ فَيُجْمَعُ عَلى شَفَواتٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ شَفَهٌ بَهاءٍ هي لامُ الكَلِمَةِ، فَعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ فَيُجْمَعُ عَلى شَفَهاتٍ وشِفاهٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ شَفَهٌ بِهاءٍ أصْلِيَّةٍ ثُمَّ عُومِلَتِ الهاءُ مُعامَلَةَ هاءِ التَّأْنِيثِ تَخْفِيفًا في حالَةِ الوَصْلِ، فَقالُوا: شَفَةٌ، وتُنُوسِيَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ هاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ تَثْنِيَتُهُ عَلى شَفَتَيْنِ دُونَ أنْ يَقُولُوا: شَفَوَيْنِ، فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّثْنِيَةَ تَرُدُّ الِاسْمَ إلى أصْلِهِ.
والهِدايَةُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ المُبَلِّغَةِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ السَّيْرُ إلَيْهِ.
والنَّجْدُ: الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ ارْتِفاعًا دُونَ الجَبَلِ. فالمُرادُ هُنا طَرِيقانِ نَجْدانِ مُرْتَفَعانِ، والطَّرِيقُ قَدْ يَكُونُ مُنْجِدًا مُصْعِدًا، وقَدْ يَكُونُ غَوْرًا مُنْخَفِضًا.
صفحة ٣٥٥
وقَدِ اسْتُعِيرَتِ الهِدايَةُ هُنا لِلْإلْهامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في الإنْسانِ يُدْرِكُ بِهِ الضّارَّ والنّافِعَ، وهو أصْلُ التَّمَدُّنِ الإنْسانِيِّ وأصْلُ العُلُومِ، والهِدايَةُ بِدِينِ الإسْلامِ إلى ما فِيهِ الفَوْزُ.
واسْتُعِيرَ النَّجْدانِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وجُعِلا نَجْدَيْنِ لِصُعُوبَةِ اتِّباعِ أحَدِهِما وهو الخَيْرُ فَغُلِّبَ عَلى الطَّرِيقَيْنِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ صَعْبٌ بِاعْتِبارٍ، فَطَرِيقُ الخَيْرِ صُعُوبَتُهُ في سُلُوكِهِ، وطَرِيقُ الشَّرِّ صُعُوبَتُهُ في عَواقِبِهِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بَعْدَ هَذا بِالعَقَبَةِ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَشْبِيهَ إعْمالِ الفِكْرِ لِنَوالِ المَطْلُوبِ بِالسَّيْرِ في الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَرْغُوبِ كَما قالَ تَعالى: (﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]) وتَشْبِيهَ الإقْبالِ عَلى تَلَقِّي دَعْوَةِ الإسْلامِ، إذْ شَقَّتْ عَلى نُفُوسِهِمْ كَذَلِكَ.
وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ عَلى الإنْسانِ بِما وُهِبَهُ مِن وسائِلِ العَيْشِ المُسْتَقِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهِدايَةُ هِدايَةَ العَقْلِ لِلتَّفْكِيرِ في دَلائِلِ وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، بِحَيْثُ لَوْ تَأمَّلَ لَعَرَفَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ هَذا دَلِيلًا عَلى سَبَبِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والتَّعْطِيلِ بِكُفْرِهِمْ في أزْمانِ الخُلُوِّ عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ بَيْنَ الأشاعِرَةِ مِن جِهَةٍ، وبَيْنَ الماتْرِيدِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ مِن جِهَةٍ أُخْرى.
البلد 90:9
(﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾)
تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) أوْ قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧]) أيْ: هو غافِلٌ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الكائِناتِ الدّالِّ عَلَيْهِما أنَّهُ خَلَقَ مَشاعِرَ الإدْراكِ الَّتِي مِنها العَيْنانِ، وخَلَقَ آلاتِ الإبانَةِ وهي اللِّسانُ والشَّفَتانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُفِيضُ العِلْمِ عَلى النّاسِ غَيْرَ قادِرٍ وغَيْرَ عالِمٍ بِأحْوالِهِمْ، قالَ تَعالى: (﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]) .
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا وأنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا.
صفحة ٣٥٤
والِاقْتِصارُ عَلى العَيْنَيْنِ لِأنَّهُما أنْفَعُ المَشاعِرِ، ولِأنَّ المُعَلَّلَ إنْكارُ ظَنِّهِ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ، وذِكْرُ الشَّفَتَيْنِ مَعَ اللِّسانِ لِأنَّ الإبانَةَ تَحْصُلُ بِهِما مَعًا فَلا يَنْطِقُ اللِّسانُ بِدُونِ الشَّفَتَيْنِ ولا تَنْطِقُ الشَّفَتانِ بِدُونِ اللِّسانِ.
ومِن دَقائِقِ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى اللِّسانِ ولا عَلى الشَّفَتَيْنِ، خِلافَ عادَةِ كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: يَنْطِقُ بِلِسانٍ فَصِيحٍ، ويَقُولُونَ: لَمْ يَنْطِقْ بِبِنْتِ شَفَةٍ، أوْ لَمْ يَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِدْلالٍ فَجِيءَ فِيهِ بِما لَهُ مَزِيدُ تَصْوِيرٍ لِخَلْقِ آلَةِ النُّطْقِ.
وأعْقَبَ ما بِهِ اكْتِسابُ العِلْمِ وما بِهِ الإبانَةُ عَنِ المَعْلُوماتِ، بِما يُرْشِدُ الفِكْرَ إلى النَّظَرِ والبَحْثِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾) .
فاسْتَكْمَلَ الكَلامُ أُصُولَ التَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مُحِبًّا لِلْمَعْرِفَةِ مُحِبًّا لِلتَّعْرِيفِ بِمَشاعِرِ الإدْراكِ يَكْتَسِبُ المُشاهَداتِ وهي أُصُولُ المَعْلُوماتِ اليَقِينِيَّةِ، وبِالنُّطْقِ يُفِيدُ ما يُعَلِّمُهُ لِغَيْرِهِ، وبِالهَدْيِ إلى الخَيْرِ والشَّرِّ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَعْلُوماتِهِ ويُمَحِّصُها.
والشَّفَتانِ هُما الجِلْدَتانِ اللَّتانِ تَسْتُرانِ الفَمَ وأسْنانَهُ وبِهِما يَمْتَصُّ الماءَ، ومِنِ انْفِتاحِهِما وانْغِلاقِهِما تَتَكَيَّفُ أصْواتُ الحُرُوفِ الَّتِي بِها النُّطْقُ وهو المَقْصُودُ هُنا.
وأصْلُ شَفَةٍ شَفَوٌ، نُقِصَ مِنهُ الواوُ وعُوِّضَ عَنْهُ هاءٌ فَيُجْمَعُ عَلى شَفَواتٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ شَفَهٌ بَهاءٍ هي لامُ الكَلِمَةِ، فَعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ فَيُجْمَعُ عَلى شَفَهاتٍ وشِفاهٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ شَفَهٌ بِهاءٍ أصْلِيَّةٍ ثُمَّ عُومِلَتِ الهاءُ مُعامَلَةَ هاءِ التَّأْنِيثِ تَخْفِيفًا في حالَةِ الوَصْلِ، فَقالُوا: شَفَةٌ، وتُنُوسِيَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ هاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ تَثْنِيَتُهُ عَلى شَفَتَيْنِ دُونَ أنْ يَقُولُوا: شَفَوَيْنِ، فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّثْنِيَةَ تَرُدُّ الِاسْمَ إلى أصْلِهِ.
والهِدايَةُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ المُبَلِّغَةِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ السَّيْرُ إلَيْهِ.
والنَّجْدُ: الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ ارْتِفاعًا دُونَ الجَبَلِ. فالمُرادُ هُنا طَرِيقانِ نَجْدانِ مُرْتَفَعانِ، والطَّرِيقُ قَدْ يَكُونُ مُنْجِدًا مُصْعِدًا، وقَدْ يَكُونُ غَوْرًا مُنْخَفِضًا.
صفحة ٣٥٥
وقَدِ اسْتُعِيرَتِ الهِدايَةُ هُنا لِلْإلْهامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في الإنْسانِ يُدْرِكُ بِهِ الضّارَّ والنّافِعَ، وهو أصْلُ التَّمَدُّنِ الإنْسانِيِّ وأصْلُ العُلُومِ، والهِدايَةُ بِدِينِ الإسْلامِ إلى ما فِيهِ الفَوْزُ.
واسْتُعِيرَ النَّجْدانِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وجُعِلا نَجْدَيْنِ لِصُعُوبَةِ اتِّباعِ أحَدِهِما وهو الخَيْرُ فَغُلِّبَ عَلى الطَّرِيقَيْنِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ صَعْبٌ بِاعْتِبارٍ، فَطَرِيقُ الخَيْرِ صُعُوبَتُهُ في سُلُوكِهِ، وطَرِيقُ الشَّرِّ صُعُوبَتُهُ في عَواقِبِهِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بَعْدَ هَذا بِالعَقَبَةِ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَشْبِيهَ إعْمالِ الفِكْرِ لِنَوالِ المَطْلُوبِ بِالسَّيْرِ في الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَرْغُوبِ كَما قالَ تَعالى: (﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]) وتَشْبِيهَ الإقْبالِ عَلى تَلَقِّي دَعْوَةِ الإسْلامِ، إذْ شَقَّتْ عَلى نُفُوسِهِمْ كَذَلِكَ.
وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ عَلى الإنْسانِ بِما وُهِبَهُ مِن وسائِلِ العَيْشِ المُسْتَقِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهِدايَةُ هِدايَةَ العَقْلِ لِلتَّفْكِيرِ في دَلائِلِ وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، بِحَيْثُ لَوْ تَأمَّلَ لَعَرَفَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ هَذا دَلِيلًا عَلى سَبَبِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والتَّعْطِيلِ بِكُفْرِهِمْ في أزْمانِ الخُلُوِّ عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ بَيْنَ الأشاعِرَةِ مِن جِهَةٍ، وبَيْنَ الماتْرِيدِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ مِن جِهَةٍ أُخْرى.
البلد 90:10
(﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾)
تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥]) أوْ قَوْلِهِ: (﴿أيَحْسَبُ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ﴾ [البلد: ٧]) أيْ: هو غافِلٌ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ عِلْمِهِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الكائِناتِ الدّالِّ عَلَيْهِما أنَّهُ خَلَقَ مَشاعِرَ الإدْراكِ الَّتِي مِنها العَيْنانِ، وخَلَقَ آلاتِ الإبانَةِ وهي اللِّسانُ والشَّفَتانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُفِيضُ العِلْمِ عَلى النّاسِ غَيْرَ قادِرٍ وغَيْرَ عالِمٍ بِأحْوالِهِمْ، قالَ تَعالى: (﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]) .
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا وأنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا.
صفحة ٣٥٤
والِاقْتِصارُ عَلى العَيْنَيْنِ لِأنَّهُما أنْفَعُ المَشاعِرِ، ولِأنَّ المُعَلَّلَ إنْكارُ ظَنِّهِ أنْ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ، وذِكْرُ الشَّفَتَيْنِ مَعَ اللِّسانِ لِأنَّ الإبانَةَ تَحْصُلُ بِهِما مَعًا فَلا يَنْطِقُ اللِّسانُ بِدُونِ الشَّفَتَيْنِ ولا تَنْطِقُ الشَّفَتانِ بِدُونِ اللِّسانِ.
ومِن دَقائِقِ القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى اللِّسانِ ولا عَلى الشَّفَتَيْنِ، خِلافَ عادَةِ كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، يَقُولُونَ: يَنْطِقُ بِلِسانٍ فَصِيحٍ، ويَقُولُونَ: لَمْ يَنْطِقْ بِبِنْتِ شَفَةٍ، أوْ لَمْ يَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِدْلالٍ فَجِيءَ فِيهِ بِما لَهُ مَزِيدُ تَصْوِيرٍ لِخَلْقِ آلَةِ النُّطْقِ.
وأعْقَبَ ما بِهِ اكْتِسابُ العِلْمِ وما بِهِ الإبانَةُ عَنِ المَعْلُوماتِ، بِما يُرْشِدُ الفِكْرَ إلى النَّظَرِ والبَحْثِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾) .
فاسْتَكْمَلَ الكَلامُ أُصُولَ التَّعَلُّمِ والتَّعْلِيمِ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مُحِبًّا لِلْمَعْرِفَةِ مُحِبًّا لِلتَّعْرِيفِ بِمَشاعِرِ الإدْراكِ يَكْتَسِبُ المُشاهَداتِ وهي أُصُولُ المَعْلُوماتِ اليَقِينِيَّةِ، وبِالنُّطْقِ يُفِيدُ ما يُعَلِّمُهُ لِغَيْرِهِ، وبِالهَدْيِ إلى الخَيْرِ والشَّرِّ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَعْلُوماتِهِ ويُمَحِّصُها.
والشَّفَتانِ هُما الجِلْدَتانِ اللَّتانِ تَسْتُرانِ الفَمَ وأسْنانَهُ وبِهِما يَمْتَصُّ الماءَ، ومِنِ انْفِتاحِهِما وانْغِلاقِهِما تَتَكَيَّفُ أصْواتُ الحُرُوفِ الَّتِي بِها النُّطْقُ وهو المَقْصُودُ هُنا.
وأصْلُ شَفَةٍ شَفَوٌ، نُقِصَ مِنهُ الواوُ وعُوِّضَ عَنْهُ هاءٌ فَيُجْمَعُ عَلى شَفَواتٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ شَفَهٌ بَهاءٍ هي لامُ الكَلِمَةِ، فَعُوِّضَ عَنْها هاءُ التَّأْنِيثِ فَيُجْمَعُ عَلى شَفَهاتٍ وشِفاهٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ شَفَهٌ بِهاءٍ أصْلِيَّةٍ ثُمَّ عُومِلَتِ الهاءُ مُعامَلَةَ هاءِ التَّأْنِيثِ تَخْفِيفًا في حالَةِ الوَصْلِ، فَقالُوا: شَفَةٌ، وتُنُوسِيَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ هاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ تَثْنِيَتُهُ عَلى شَفَتَيْنِ دُونَ أنْ يَقُولُوا: شَفَوَيْنِ، فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّثْنِيَةَ تَرُدُّ الِاسْمَ إلى أصْلِهِ.
والهِدايَةُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ المُبَلِّغَةِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ السَّيْرُ إلَيْهِ.
والنَّجْدُ: الأرْضُ المُرْتَفِعَةُ ارْتِفاعًا دُونَ الجَبَلِ. فالمُرادُ هُنا طَرِيقانِ نَجْدانِ مُرْتَفَعانِ، والطَّرِيقُ قَدْ يَكُونُ مُنْجِدًا مُصْعِدًا، وقَدْ يَكُونُ غَوْرًا مُنْخَفِضًا.
صفحة ٣٥٥
وقَدِ اسْتُعِيرَتِ الهِدايَةُ هُنا لِلْإلْهامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في الإنْسانِ يُدْرِكُ بِهِ الضّارَّ والنّافِعَ، وهو أصْلُ التَّمَدُّنِ الإنْسانِيِّ وأصْلُ العُلُومِ، والهِدايَةُ بِدِينِ الإسْلامِ إلى ما فِيهِ الفَوْزُ.
واسْتُعِيرَ النَّجْدانِ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وجُعِلا نَجْدَيْنِ لِصُعُوبَةِ اتِّباعِ أحَدِهِما وهو الخَيْرُ فَغُلِّبَ عَلى الطَّرِيقَيْنِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ صَعْبٌ بِاعْتِبارٍ، فَطَرِيقُ الخَيْرِ صُعُوبَتُهُ في سُلُوكِهِ، وطَرِيقُ الشَّرِّ صُعُوبَتُهُ في عَواقِبِهِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بَعْدَ هَذا بِالعَقَبَةِ، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَشْبِيهَ إعْمالِ الفِكْرِ لِنَوالِ المَطْلُوبِ بِالسَّيْرِ في الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَرْغُوبِ كَما قالَ تَعالى: (﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]) وتَشْبِيهَ الإقْبالِ عَلى تَلَقِّي دَعْوَةِ الإسْلامِ، إذْ شَقَّتْ عَلى نُفُوسِهِمْ كَذَلِكَ.
وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ عَلى الإنْسانِ بِما وُهِبَهُ مِن وسائِلِ العَيْشِ المُسْتَقِيمِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهِدايَةُ هِدايَةَ العَقْلِ لِلتَّفْكِيرِ في دَلائِلِ وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، بِحَيْثُ لَوْ تَأمَّلَ لَعَرَفَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ هَذا دَلِيلًا عَلى سَبَبِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ الشِّرْكِ والتَّعْطِيلِ بِكُفْرِهِمْ في أزْمانِ الخُلُوِّ عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في ذَلِكَ بَيْنَ الأشاعِرَةِ مِن جِهَةٍ، وبَيْنَ الماتْرِيدِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ مِن جِهَةٍ أُخْرى.
البلد 90:11
( ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) تَفْرِيعَ إدْماجٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ: هَدَيْناهُ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكِ النَّجْدَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، وتَكُونُ (﴿لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ أداتُهُ. وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَدَّعِي إهْلاكَ مالٍ كَثِيرٍ في الفَسادِ مِن مَيْسِرٍ وخَمْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ،
صفحة ٣٥٦
أفَلا أهْلَكَهُ في القُرَبِ والفَضائِلِ بِفَكِّ الرِّقابِ وإطْعامِ المَساكِينِ في زَمَنِ المَجاعَةِ، فَإنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلى النّاسِ خِلافًا لِما يَدَّعِيهِ مِن إنْفاقٍ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَعْرِضُ الإشْكالُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِ (لا) فَإنَّ شَأْنَ (لا) النّافِيَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ولَمْ تُكَرَّرْ أنْ تَكُونَ لِلدُّعاءِ إلّا إذا تَكَرَّرَتْ مَعَها مِثْلُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها، نَحْوَ قَوْلِهِ: (﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]) أوْ كانَتْ (لا) مَعْطُوفَةً عَلى نَفْيٍ نَحْوَ: ما خَرَجْتُ ولا رَكِبْتُ. فَهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ (لا) . وقَدْ جاءَتْ هُنا نافِيَةً في غَيْرِ دُعاءٍ، ولَمْ تُكَرَّرِ اسْتِغْناءً عَنْ تَكْرِيرِها بِكَوْنِ (ما) بَعْدَها، وهو (اقْتَحَمَ العَقَبَةَ) يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ جاءَ بَيانُهُما في قَوْلِهِ: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) فَكَأنَّهُ قالَ: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا أوْ مِسْكِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَمُ تَكْرِيرِ (لا) هُنا اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا آمَنَ. ويَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما يَصْرِفُ عَنِ التِباسِ الكَلامِ كافٍ عَنْ تَكْرِيرِ (لا) كالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ: ”لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ إلّا الَّذِي جالَ وجابَ ) إلَخْ. وأُطْلِقَ (العَقَبَةُ) عَلى العَمَلِ المُوصِلِ لِلْخَيْرِ؛ لِأنَّ عَقَبَةَ النَّجْدِ أعْلى مَوْضِعٍ فِيهِ. ولِكُلِّ نَجْدٍ عَقَبَةٌ يَنْتَهِي بِها. وفي العَقَباتِ تَظْهَرُ مَقْدِرَةُ السّابِرَةِ.
والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ العَسِيرُ في مَكانٍ أوْ جَماعَةٍ كَثِيرِينَ، يُقالُ: اقْتَحَمَ الصَّفَّ، وهو افْتِعالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَلُّفِ مِثْلَ اكْتَسَبَ، فَشُبِّهَ تَكَلُّفُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ في شِدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ ومَشَقَّتِهِ، قالَ تَعالى: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) .
والِاقْتِحامُ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، وهو مَعَ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ تَزاحُمَ النّاسِ إنَّما يَكُونُ في طَلَبِ المَنافِعِ كَما قالَ:
والمَوْرِدُ العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحامْ
وأفادَ نَفْيُ الِاقْتِحامِ أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الِاهْتِداءِ إيثارًا لِلْعاجِلِ عَلى الآجِلِ، ولَوْ عَزَمَ وصَبَرَ لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ. وقَدْ تَتابَعَتِ الِاسْتِعاراتُ الثَّلاثُ: النَّجْدَيْنِ، والعَقَبَةُ، والِاقْتِحامُ، وبُنِيَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٣٥٧
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مَعَ قِيامِ أسْبابِ الِاهْتِداءِ مِنَ الإدْراكِ والنُّطْقِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾) حالٌ مِنَ (العَقَبَةَ) في قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) لِلتَّنْوِيهِ بِها وأنَّها لِأهَمِّيَّتِها يُسْألُ عَنْها المُخاطَبُ هَلْ أعْلَمَهُ مُعْلِمٌ ما هي، أيْ: لَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ في حالِ جَدارَتِها بِأنْ تُقْتَحَمَ، وهَذا التَّنْوِيهُ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنَ العَقَبَةِ.
و(ما) الأُولى اسْتِفْهامٌ. و(ما) الثّانِيَةُ مِثْلُها. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي العَقَبَةُ، أيْ: أعْلَمَكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَزِيزًا يَحْتاجُ إلى مَن يُعْلِمُكَ بِهِ.
والخِطابُ في (ما أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ المَثَلِ.
وفِعْلُ (أدْراكَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ، (فَكُّ رَقَبَةٍ) بِرَفْعِ (فَكُّ) وإضافَتِهِ إلى (رَقَبَةٍ) ورَفْعِ (إطْعامٌ) عَطْفًا عَلى (فَكُّ) .
وجُمْلَةُ (فَكُّ رَقَبَةٍ) بَيانٌ لِلْعَقَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: هي فَكُّ رَقَبَةٍ، فَحُذَفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ حَذْفًا لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ. وتَبْيِينُ العَقَبَةِ بِأنَّها: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) مَبْنِيٌّ عَلى اسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ مُضافًا فَقالَ: أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (فَكَّ) بِفَتْحِ الكافِ عَلى صِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ، وبِنَصْبِ (رَقَبَةً) عَلى المَفْعُولِ لِـ (فَكَّ) أوْ (أطْعَمَ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ عَيْنِ (إطْعامٌ) عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ عَطْفًا عَلى (فَكَّ)، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، أوْ تَكُونُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) أيْ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.
صفحة ٣٥٨
والفَكُّ: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مَنِ احْتازَ بِهِ.
والرَّقَبَةُ مُرادٌ بِها الإنْسانُ، مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى كُلِّهِ، مِثْلَ إطْلاقِ رَأْسٍ وعَيْنٍ ووَجْهٍ، وإيثارُ لِفَظِ الرَّقَبَةِ هُنا؛ لِأنَّ المُرادَ ذاتُ الأسِيرِ أوِ العَبْدِ، وأوَّلُ ما يَخْطُرُ بِذِهْنِ النّاظِرِ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ هو رَقَبَتُهُ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُوثَقُ مِن رَقَبَتِهِ.
وأُطْلِقَ الفَكُّ عَلى تَخْلِيصِ المَأْخُوذِ في أسْرٍ أوْ مِلْكٍ، لِمُشابَهَةِ تَخْلِيصِ الأمْرِ العَسِيرِ بِالنَّزْعِ مِن يَدِ القابِضِ المُمْتَنِعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ وهو تَشَوُّفُ الشّارِعِ إلى الحُرِّيَّةِ، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في ذَلِكَ في كِتابِ أُصُولِ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.
والمَسْغَبَةُ: الجُوعُ، وهي مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ المَفْعَلَةِ، مِثْلَ: المَحْمَدَةِ والمَرْحَمَةِ، مِن سَغِبَ كَفَرِحَ سَغَبًا إذا جاعَ.
والمُرادُ بِـ (﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾): زَمانٌ، لا النَّهارُ المَعْرُوفُ.
وإضافَةُ (ذِي) إلى (مَسْغَبَةٍ) تُفِيدُ اخْتِصاصَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالمَسْغَبَةِ، أيْ: يَوْمُ مَجاعَةٍ. وذَلِكَ زَمَنُ البَرْدِ وزَمَنُ القَحْطِ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ اليَوْمِ ذِي المَسْغَبَةِ بِالإطْعامِ فِيهِ، أنَّ النّاسَ في زَمَنِ المَجاعَةِ يَشْتَدُّ شُحُّهم بِالمالِ خَشْيَةَ امْتِدادِ زَمَنِ المَجاعَةِ والِاحْتِياجِ إلى الأقْواتِ. فالإطْعامُ في ذَلِكَ الزَّمَنِ أفْضَلُ، وهو العَقَبَةُ ودُونَ العَقَبَةِ مَصاعِدُ مُتَفاوِتَةٌ.
وانْتَصَبَ (يَتِيمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (إطْعامٌ) الَّذِي هو مَصْدَرٌ عامِلٌ عَمَلَ فِعْلِهِ، وإعْمالُ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ ولا المُعَرَّفِ بِاللّامِ أقْيَسُ، وإنْ كانَ إعْمالُ المُضافِ أكْثَرَ، ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ. وما ورَدَ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ حَمَلُوهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ، فَيُقَدَّرُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم (يُطْعِمُ يَتِيمًا) .
واليَتِيمُ: الشَّخْصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أبٌ وهو دُونُ البُلُوغِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالإطْعامِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الشِّبَعِ لِصِغَرِ سِنِّهِ وضَعْفِ عَمَلِهِ وفَقْدِ مَن يَعُولُهُ، ولِحَيائِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ ما يَحْتاجُهُ؛ فَلِذَلِكَ رُغِّبَ في إطْعامِهِ وإنْ لَمْ يَصِلْ حَدَّ المَسْكَنَةِ
صفحة ٣٥٩
والفَقْرِ ووُصِفَ بِكَوْنِهِ (ذا مَقْرَبَةٍ) أيْ: مَقْرَبَةٍ مِنَ المُطْعِمِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ يُؤَكِّدُ إطْعامَهُ؛ لِأنَّ في كَوْنِهِ يَتِيمًا إغاثَةً لَهُ بِالإطْعامِ، وفي كَوْنِهِ ذا مَقْرَبَةٍ صِلَةً لِلرَّحِمِ.
والمَقْرَبَةُ: قَرابَةُ النَّسَبِ وهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في (مَسْغَبَةٍ) .
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) و(﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾) صِفَةٌ لِمِسْكِينٍ، جُعِلَتِ المَتْرَبَةُ عَلامَةً عَلى الِاحْتِياجِ بِحَسْبِ العُرْفِ.
والمَتْرَبَةُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ أيْضًا وفِعْلُهُ (تَرِبَ)، يُقالُ: تَرِبَ، إذا نامَ عَلى التُّرابِ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَفْتَرِشُهُ عَلى الأرْضِ، وهو في الأصْلِ كِنايَةٌ عَنِ العُرُوِّ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الجَسَدِ والأرْضِ عِنْدَ الجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: تَرِبَتْ يَمِينُكُ، وتَرِبَتْ يَداكَ.
و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ وهو مَعْنى مِن مَعانِي (أوْ) جاءَ مِن إفادَةِ التَّخْيِيرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ المَخْصُوصُ، أيِ: المُشْرِكِينَ كانَ نَفْيُ فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ تَحَلِّيهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ فَكَّ الرِّقابِ وإطْعامَ الجِياعِ مِنَ القُرُباتِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ مِن إطْعامِ الجِياعِ والمَحاوِيجِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَعْيِيرِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنَّما يُحِبُّونَ التَّفاخُرَ والسُّمْعَةَ وإرْضاءَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، أوْ لِمُؤانَسَةِ الأخِلّاءِ وذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، أيْ: لَمْ يُطْعِمُوا يَتِيمًا ولا مِسْكِينًا في يَوْمِ مَسْغَبَةٍ، أيْ: هو الطَّعامُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَ المُحْتاجِينَ مِن عِبادِهِ. ولَيْسَ مِثْلَ إطْعامِكم في المَآدِبِ والوَلائِمِ والمُنادَمَةِ الَّتِي لا تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلى المُطْعَمَيْنِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَطاعِمَ كانُوا يَدْعُونَ لَها أمْثالَهم مِن أهْلِ الجِدَّةِ دُونَ حاجَةٍ إلى الطَّعامِ، وإنَّما يُرِيدُونَ المُؤانَسَةَ أوِ المُفاخَرَةَ.
وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُمْنَعُها مَن يَأْتِيها ويُدْعى إلَيْها مَن يَأْباها» ”، ورَوى الطَّبَرانِيُّ:“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُدْعى إلَيْهِ الشَّبْعانُ ويُحْبَسُ عَنْهُ الجائِعُ» ”.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ واحِدًا مُعَيَّنًا جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهُ بِاللُّؤْمِ والتَّفاخُرِ الكاذِبِ، وفَضْحًا لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ
صفحة ٣٦٠
مِنهُ عَمَلٌ نافِعٌ لِقَوْمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمْ يَغْرَمْ غَرامَةً في فِكاكِ أسِيرٍ أوْ مَأْخُوذٍ بِدَمٍ أوْ مَنَّ بِحُرِّيَّةٍ عَلى عَبْدٍ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ القُرَبِ ولا أنَّهُ عاقَبَهم عَلى تَرْكِهِمْ هَذِهِ القُرُباتِ، حَتّى تُفْرَضَ فِيهِ مَسْألَةُ خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهي مَسْألَةٌ قَلِيلَةُ الجَدْوى وفَرْضُها هُنا أقَلُّ إجْداءً.
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) .
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أرْقى رُتْبَةً في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ بِفَكِّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٍ بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا. وفي فِعْلِ (كانَ) إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهُ سابِقٌ عَلى اقْتِحامِ العَقَبَةِ المَطْلُوبَةِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى انْتِفائِها عَنْهُ.
فَعَطْفُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَلى الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِلتَّوْبِيخِ والذَّمِّ يُفِيدُ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ، أوْ هَذا الإنْسانَ المُعَيَّنَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مَلُومٌ عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ لِانْتِفاءِ إيمانِهِ، وأنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ما نَفَعَهُ عَمَلُهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الحَظُّ الأعْظَمُ مِنَ الصّالِحاتِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ (ثُمَّ) مِنَ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ شَرْطٌ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ.
«وعَنْ عائِشَةَ“ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ الطَّعامَ ويَفُكُّ العانِيَ ويُعْتِقُ الرِّقابَ ويَحْمِلُ عَلى إبِلِهِ لِلَّهِ - أيْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ - فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قالَ: لا؛ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ”» . ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ بِمَفْهُومِ صِفَةِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أنَّهُ لَوْ عَمِلَ هَذِهِ القُرَبَ في الجاهِلِيَّةِ وآمَنَ بِاللَّهِ حِينَ جاءَ الإسْلامُ لَكانَ عَمَلُهُ ذَلِكَ مَحْمُودًا.
ومَن يَجْعَلُ (ثُمَّ) مُفِيدَةً لِلتَّراخِي في الزَّمانِ يَجْعَلُ المَعْنى: لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وأتْبَعَها بِالإيمانِ. أيِ: اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ.
وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في الصَّحِيحِ“ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أشْياءً كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أوْ عَتاقَةٍ وصِلَةِ
صفحة ٣٦١
رَحِمٍ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ لِيَ النَّبِيُّ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ "» . والتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ، يَعْنِي: أنَّ دُخُولَهُ في الإسْلامِ أفادَ إعْطاءَ ثَوابٍ عَلى أعْمالِهِ كَأنَّهُ عَمِلَها في الإسْلامِ.
وقالَ: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) دُونَ أنْ يَقُولَ: ثُمَّ كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ الإيمانِ مِنَ الوَصْفِ بِمُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ الجَماعَةِ أقْوى مِن أجْلِ كَثْرَةِ المَوْصُوفِينَ بِها، فَإنَّ كَثْرَةَ الخَيْرِ خَيْرٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةٌ أُخْرى لِلْوَصْفِ، وهو جَعْلُهُ بِالمَوْصُولِ المُشْعِرِ بِأنَّهم عُرِفُوا بِالإيمانِ بَيْنَ الفِرَقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (آمَنُوا) لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ. فَجُعِلَ الفِعْلُ كالمُسْتَغْنِي عَنِ المُتَعَلَّقِ.
وأيْضًا لِيَتَأتّى مِن ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا تَخَلُّصٌ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾) ولِبِشارَتِهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أوْصافِ المُؤْمِنِينَ تَواصِيَهِمْ بِالصَّبْرِ وتَواصِيَهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْرَفُ صِفاتِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، فَإنَّ الصَّبْرَ مِلاكُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن كَبْحِ الشَّهْوَةِ النَّفْسانِيَّةِ، وذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ.
والمَرْحَمَةُ مِلاكُ صَلاحِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]) .
والتَّواصِي بِالرَّحْمَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ مَن يُوصِي بِالمَرْحَمَةِ هو الَّذِي عَرَفَ قَدْرَها وفَضْلَها، فَهو يَفْعَلُها قَبْلَ أنْ يُوصِيَ بِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ ولا مِن أهْلِ المَرْحَمَةِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) وقَوْلِهِ: (﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
البلد 90:12
( ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) تَفْرِيعَ إدْماجٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ: هَدَيْناهُ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكِ النَّجْدَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، وتَكُونُ (﴿لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ أداتُهُ. وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَدَّعِي إهْلاكَ مالٍ كَثِيرٍ في الفَسادِ مِن مَيْسِرٍ وخَمْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ،
صفحة ٣٥٦
أفَلا أهْلَكَهُ في القُرَبِ والفَضائِلِ بِفَكِّ الرِّقابِ وإطْعامِ المَساكِينِ في زَمَنِ المَجاعَةِ، فَإنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلى النّاسِ خِلافًا لِما يَدَّعِيهِ مِن إنْفاقٍ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَعْرِضُ الإشْكالُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِ (لا) فَإنَّ شَأْنَ (لا) النّافِيَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ولَمْ تُكَرَّرْ أنْ تَكُونَ لِلدُّعاءِ إلّا إذا تَكَرَّرَتْ مَعَها مِثْلُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها، نَحْوَ قَوْلِهِ: (﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]) أوْ كانَتْ (لا) مَعْطُوفَةً عَلى نَفْيٍ نَحْوَ: ما خَرَجْتُ ولا رَكِبْتُ. فَهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ (لا) . وقَدْ جاءَتْ هُنا نافِيَةً في غَيْرِ دُعاءٍ، ولَمْ تُكَرَّرِ اسْتِغْناءً عَنْ تَكْرِيرِها بِكَوْنِ (ما) بَعْدَها، وهو (اقْتَحَمَ العَقَبَةَ) يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ جاءَ بَيانُهُما في قَوْلِهِ: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) فَكَأنَّهُ قالَ: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا أوْ مِسْكِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَمُ تَكْرِيرِ (لا) هُنا اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا آمَنَ. ويَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما يَصْرِفُ عَنِ التِباسِ الكَلامِ كافٍ عَنْ تَكْرِيرِ (لا) كالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ: ”لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ إلّا الَّذِي جالَ وجابَ ) إلَخْ. وأُطْلِقَ (العَقَبَةُ) عَلى العَمَلِ المُوصِلِ لِلْخَيْرِ؛ لِأنَّ عَقَبَةَ النَّجْدِ أعْلى مَوْضِعٍ فِيهِ. ولِكُلِّ نَجْدٍ عَقَبَةٌ يَنْتَهِي بِها. وفي العَقَباتِ تَظْهَرُ مَقْدِرَةُ السّابِرَةِ.
والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ العَسِيرُ في مَكانٍ أوْ جَماعَةٍ كَثِيرِينَ، يُقالُ: اقْتَحَمَ الصَّفَّ، وهو افْتِعالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَلُّفِ مِثْلَ اكْتَسَبَ، فَشُبِّهَ تَكَلُّفُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ في شِدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ ومَشَقَّتِهِ، قالَ تَعالى: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) .
والِاقْتِحامُ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، وهو مَعَ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ تَزاحُمَ النّاسِ إنَّما يَكُونُ في طَلَبِ المَنافِعِ كَما قالَ:
والمَوْرِدُ العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحامْ
وأفادَ نَفْيُ الِاقْتِحامِ أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الِاهْتِداءِ إيثارًا لِلْعاجِلِ عَلى الآجِلِ، ولَوْ عَزَمَ وصَبَرَ لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ. وقَدْ تَتابَعَتِ الِاسْتِعاراتُ الثَّلاثُ: النَّجْدَيْنِ، والعَقَبَةُ، والِاقْتِحامُ، وبُنِيَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٣٥٧
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مَعَ قِيامِ أسْبابِ الِاهْتِداءِ مِنَ الإدْراكِ والنُّطْقِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾) حالٌ مِنَ (العَقَبَةَ) في قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) لِلتَّنْوِيهِ بِها وأنَّها لِأهَمِّيَّتِها يُسْألُ عَنْها المُخاطَبُ هَلْ أعْلَمَهُ مُعْلِمٌ ما هي، أيْ: لَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ في حالِ جَدارَتِها بِأنْ تُقْتَحَمَ، وهَذا التَّنْوِيهُ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنَ العَقَبَةِ.
و(ما) الأُولى اسْتِفْهامٌ. و(ما) الثّانِيَةُ مِثْلُها. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي العَقَبَةُ، أيْ: أعْلَمَكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَزِيزًا يَحْتاجُ إلى مَن يُعْلِمُكَ بِهِ.
والخِطابُ في (ما أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ المَثَلِ.
وفِعْلُ (أدْراكَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ، (فَكُّ رَقَبَةٍ) بِرَفْعِ (فَكُّ) وإضافَتِهِ إلى (رَقَبَةٍ) ورَفْعِ (إطْعامٌ) عَطْفًا عَلى (فَكُّ) .
وجُمْلَةُ (فَكُّ رَقَبَةٍ) بَيانٌ لِلْعَقَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: هي فَكُّ رَقَبَةٍ، فَحُذَفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ حَذْفًا لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ. وتَبْيِينُ العَقَبَةِ بِأنَّها: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) مَبْنِيٌّ عَلى اسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ مُضافًا فَقالَ: أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (فَكَّ) بِفَتْحِ الكافِ عَلى صِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ، وبِنَصْبِ (رَقَبَةً) عَلى المَفْعُولِ لِـ (فَكَّ) أوْ (أطْعَمَ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ عَيْنِ (إطْعامٌ) عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ عَطْفًا عَلى (فَكَّ)، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، أوْ تَكُونُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) أيْ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.
صفحة ٣٥٨
والفَكُّ: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مَنِ احْتازَ بِهِ.
والرَّقَبَةُ مُرادٌ بِها الإنْسانُ، مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى كُلِّهِ، مِثْلَ إطْلاقِ رَأْسٍ وعَيْنٍ ووَجْهٍ، وإيثارُ لِفَظِ الرَّقَبَةِ هُنا؛ لِأنَّ المُرادَ ذاتُ الأسِيرِ أوِ العَبْدِ، وأوَّلُ ما يَخْطُرُ بِذِهْنِ النّاظِرِ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ هو رَقَبَتُهُ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُوثَقُ مِن رَقَبَتِهِ.
وأُطْلِقَ الفَكُّ عَلى تَخْلِيصِ المَأْخُوذِ في أسْرٍ أوْ مِلْكٍ، لِمُشابَهَةِ تَخْلِيصِ الأمْرِ العَسِيرِ بِالنَّزْعِ مِن يَدِ القابِضِ المُمْتَنِعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ وهو تَشَوُّفُ الشّارِعِ إلى الحُرِّيَّةِ، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في ذَلِكَ في كِتابِ أُصُولِ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.
والمَسْغَبَةُ: الجُوعُ، وهي مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ المَفْعَلَةِ، مِثْلَ: المَحْمَدَةِ والمَرْحَمَةِ، مِن سَغِبَ كَفَرِحَ سَغَبًا إذا جاعَ.
والمُرادُ بِـ (﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾): زَمانٌ، لا النَّهارُ المَعْرُوفُ.
وإضافَةُ (ذِي) إلى (مَسْغَبَةٍ) تُفِيدُ اخْتِصاصَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالمَسْغَبَةِ، أيْ: يَوْمُ مَجاعَةٍ. وذَلِكَ زَمَنُ البَرْدِ وزَمَنُ القَحْطِ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ اليَوْمِ ذِي المَسْغَبَةِ بِالإطْعامِ فِيهِ، أنَّ النّاسَ في زَمَنِ المَجاعَةِ يَشْتَدُّ شُحُّهم بِالمالِ خَشْيَةَ امْتِدادِ زَمَنِ المَجاعَةِ والِاحْتِياجِ إلى الأقْواتِ. فالإطْعامُ في ذَلِكَ الزَّمَنِ أفْضَلُ، وهو العَقَبَةُ ودُونَ العَقَبَةِ مَصاعِدُ مُتَفاوِتَةٌ.
وانْتَصَبَ (يَتِيمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (إطْعامٌ) الَّذِي هو مَصْدَرٌ عامِلٌ عَمَلَ فِعْلِهِ، وإعْمالُ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ ولا المُعَرَّفِ بِاللّامِ أقْيَسُ، وإنْ كانَ إعْمالُ المُضافِ أكْثَرَ، ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ. وما ورَدَ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ حَمَلُوهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ، فَيُقَدَّرُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم (يُطْعِمُ يَتِيمًا) .
واليَتِيمُ: الشَّخْصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أبٌ وهو دُونُ البُلُوغِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالإطْعامِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الشِّبَعِ لِصِغَرِ سِنِّهِ وضَعْفِ عَمَلِهِ وفَقْدِ مَن يَعُولُهُ، ولِحَيائِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ ما يَحْتاجُهُ؛ فَلِذَلِكَ رُغِّبَ في إطْعامِهِ وإنْ لَمْ يَصِلْ حَدَّ المَسْكَنَةِ
صفحة ٣٥٩
والفَقْرِ ووُصِفَ بِكَوْنِهِ (ذا مَقْرَبَةٍ) أيْ: مَقْرَبَةٍ مِنَ المُطْعِمِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ يُؤَكِّدُ إطْعامَهُ؛ لِأنَّ في كَوْنِهِ يَتِيمًا إغاثَةً لَهُ بِالإطْعامِ، وفي كَوْنِهِ ذا مَقْرَبَةٍ صِلَةً لِلرَّحِمِ.
والمَقْرَبَةُ: قَرابَةُ النَّسَبِ وهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في (مَسْغَبَةٍ) .
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) و(﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾) صِفَةٌ لِمِسْكِينٍ، جُعِلَتِ المَتْرَبَةُ عَلامَةً عَلى الِاحْتِياجِ بِحَسْبِ العُرْفِ.
والمَتْرَبَةُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ أيْضًا وفِعْلُهُ (تَرِبَ)، يُقالُ: تَرِبَ، إذا نامَ عَلى التُّرابِ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَفْتَرِشُهُ عَلى الأرْضِ، وهو في الأصْلِ كِنايَةٌ عَنِ العُرُوِّ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الجَسَدِ والأرْضِ عِنْدَ الجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: تَرِبَتْ يَمِينُكُ، وتَرِبَتْ يَداكَ.
و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ وهو مَعْنى مِن مَعانِي (أوْ) جاءَ مِن إفادَةِ التَّخْيِيرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ المَخْصُوصُ، أيِ: المُشْرِكِينَ كانَ نَفْيُ فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ تَحَلِّيهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ فَكَّ الرِّقابِ وإطْعامَ الجِياعِ مِنَ القُرُباتِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ مِن إطْعامِ الجِياعِ والمَحاوِيجِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَعْيِيرِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنَّما يُحِبُّونَ التَّفاخُرَ والسُّمْعَةَ وإرْضاءَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، أوْ لِمُؤانَسَةِ الأخِلّاءِ وذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، أيْ: لَمْ يُطْعِمُوا يَتِيمًا ولا مِسْكِينًا في يَوْمِ مَسْغَبَةٍ، أيْ: هو الطَّعامُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَ المُحْتاجِينَ مِن عِبادِهِ. ولَيْسَ مِثْلَ إطْعامِكم في المَآدِبِ والوَلائِمِ والمُنادَمَةِ الَّتِي لا تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلى المُطْعَمَيْنِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَطاعِمَ كانُوا يَدْعُونَ لَها أمْثالَهم مِن أهْلِ الجِدَّةِ دُونَ حاجَةٍ إلى الطَّعامِ، وإنَّما يُرِيدُونَ المُؤانَسَةَ أوِ المُفاخَرَةَ.
وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُمْنَعُها مَن يَأْتِيها ويُدْعى إلَيْها مَن يَأْباها» ”، ورَوى الطَّبَرانِيُّ:“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُدْعى إلَيْهِ الشَّبْعانُ ويُحْبَسُ عَنْهُ الجائِعُ» ”.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ واحِدًا مُعَيَّنًا جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهُ بِاللُّؤْمِ والتَّفاخُرِ الكاذِبِ، وفَضْحًا لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ
صفحة ٣٦٠
مِنهُ عَمَلٌ نافِعٌ لِقَوْمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمْ يَغْرَمْ غَرامَةً في فِكاكِ أسِيرٍ أوْ مَأْخُوذٍ بِدَمٍ أوْ مَنَّ بِحُرِّيَّةٍ عَلى عَبْدٍ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ القُرَبِ ولا أنَّهُ عاقَبَهم عَلى تَرْكِهِمْ هَذِهِ القُرُباتِ، حَتّى تُفْرَضَ فِيهِ مَسْألَةُ خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهي مَسْألَةٌ قَلِيلَةُ الجَدْوى وفَرْضُها هُنا أقَلُّ إجْداءً.
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) .
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أرْقى رُتْبَةً في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ بِفَكِّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٍ بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا. وفي فِعْلِ (كانَ) إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهُ سابِقٌ عَلى اقْتِحامِ العَقَبَةِ المَطْلُوبَةِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى انْتِفائِها عَنْهُ.
فَعَطْفُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَلى الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِلتَّوْبِيخِ والذَّمِّ يُفِيدُ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ، أوْ هَذا الإنْسانَ المُعَيَّنَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مَلُومٌ عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ لِانْتِفاءِ إيمانِهِ، وأنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ما نَفَعَهُ عَمَلُهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الحَظُّ الأعْظَمُ مِنَ الصّالِحاتِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ (ثُمَّ) مِنَ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ شَرْطٌ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ.
«وعَنْ عائِشَةَ“ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ الطَّعامَ ويَفُكُّ العانِيَ ويُعْتِقُ الرِّقابَ ويَحْمِلُ عَلى إبِلِهِ لِلَّهِ - أيْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ - فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قالَ: لا؛ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ”» . ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ بِمَفْهُومِ صِفَةِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أنَّهُ لَوْ عَمِلَ هَذِهِ القُرَبَ في الجاهِلِيَّةِ وآمَنَ بِاللَّهِ حِينَ جاءَ الإسْلامُ لَكانَ عَمَلُهُ ذَلِكَ مَحْمُودًا.
ومَن يَجْعَلُ (ثُمَّ) مُفِيدَةً لِلتَّراخِي في الزَّمانِ يَجْعَلُ المَعْنى: لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وأتْبَعَها بِالإيمانِ. أيِ: اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ.
وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في الصَّحِيحِ“ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أشْياءً كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أوْ عَتاقَةٍ وصِلَةِ
صفحة ٣٦١
رَحِمٍ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ لِيَ النَّبِيُّ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ "» . والتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ، يَعْنِي: أنَّ دُخُولَهُ في الإسْلامِ أفادَ إعْطاءَ ثَوابٍ عَلى أعْمالِهِ كَأنَّهُ عَمِلَها في الإسْلامِ.
وقالَ: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) دُونَ أنْ يَقُولَ: ثُمَّ كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ الإيمانِ مِنَ الوَصْفِ بِمُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ الجَماعَةِ أقْوى مِن أجْلِ كَثْرَةِ المَوْصُوفِينَ بِها، فَإنَّ كَثْرَةَ الخَيْرِ خَيْرٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةٌ أُخْرى لِلْوَصْفِ، وهو جَعْلُهُ بِالمَوْصُولِ المُشْعِرِ بِأنَّهم عُرِفُوا بِالإيمانِ بَيْنَ الفِرَقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (آمَنُوا) لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ. فَجُعِلَ الفِعْلُ كالمُسْتَغْنِي عَنِ المُتَعَلَّقِ.
وأيْضًا لِيَتَأتّى مِن ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا تَخَلُّصٌ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾) ولِبِشارَتِهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أوْصافِ المُؤْمِنِينَ تَواصِيَهِمْ بِالصَّبْرِ وتَواصِيَهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْرَفُ صِفاتِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، فَإنَّ الصَّبْرَ مِلاكُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن كَبْحِ الشَّهْوَةِ النَّفْسانِيَّةِ، وذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ.
والمَرْحَمَةُ مِلاكُ صَلاحِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]) .
والتَّواصِي بِالرَّحْمَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ مَن يُوصِي بِالمَرْحَمَةِ هو الَّذِي عَرَفَ قَدْرَها وفَضْلَها، فَهو يَفْعَلُها قَبْلَ أنْ يُوصِيَ بِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ ولا مِن أهْلِ المَرْحَمَةِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) وقَوْلِهِ: (﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
البلد 90:13
( ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) تَفْرِيعَ إدْماجٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ: هَدَيْناهُ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكِ النَّجْدَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، وتَكُونُ (﴿لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ أداتُهُ. وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَدَّعِي إهْلاكَ مالٍ كَثِيرٍ في الفَسادِ مِن مَيْسِرٍ وخَمْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ،
صفحة ٣٥٦
أفَلا أهْلَكَهُ في القُرَبِ والفَضائِلِ بِفَكِّ الرِّقابِ وإطْعامِ المَساكِينِ في زَمَنِ المَجاعَةِ، فَإنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلى النّاسِ خِلافًا لِما يَدَّعِيهِ مِن إنْفاقٍ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَعْرِضُ الإشْكالُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِ (لا) فَإنَّ شَأْنَ (لا) النّافِيَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ولَمْ تُكَرَّرْ أنْ تَكُونَ لِلدُّعاءِ إلّا إذا تَكَرَّرَتْ مَعَها مِثْلُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها، نَحْوَ قَوْلِهِ: (﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]) أوْ كانَتْ (لا) مَعْطُوفَةً عَلى نَفْيٍ نَحْوَ: ما خَرَجْتُ ولا رَكِبْتُ. فَهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ (لا) . وقَدْ جاءَتْ هُنا نافِيَةً في غَيْرِ دُعاءٍ، ولَمْ تُكَرَّرِ اسْتِغْناءً عَنْ تَكْرِيرِها بِكَوْنِ (ما) بَعْدَها، وهو (اقْتَحَمَ العَقَبَةَ) يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ جاءَ بَيانُهُما في قَوْلِهِ: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) فَكَأنَّهُ قالَ: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا أوْ مِسْكِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَمُ تَكْرِيرِ (لا) هُنا اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا آمَنَ. ويَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما يَصْرِفُ عَنِ التِباسِ الكَلامِ كافٍ عَنْ تَكْرِيرِ (لا) كالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ: ”لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ إلّا الَّذِي جالَ وجابَ ) إلَخْ. وأُطْلِقَ (العَقَبَةُ) عَلى العَمَلِ المُوصِلِ لِلْخَيْرِ؛ لِأنَّ عَقَبَةَ النَّجْدِ أعْلى مَوْضِعٍ فِيهِ. ولِكُلِّ نَجْدٍ عَقَبَةٌ يَنْتَهِي بِها. وفي العَقَباتِ تَظْهَرُ مَقْدِرَةُ السّابِرَةِ.
والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ العَسِيرُ في مَكانٍ أوْ جَماعَةٍ كَثِيرِينَ، يُقالُ: اقْتَحَمَ الصَّفَّ، وهو افْتِعالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَلُّفِ مِثْلَ اكْتَسَبَ، فَشُبِّهَ تَكَلُّفُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ في شِدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ ومَشَقَّتِهِ، قالَ تَعالى: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) .
والِاقْتِحامُ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، وهو مَعَ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ تَزاحُمَ النّاسِ إنَّما يَكُونُ في طَلَبِ المَنافِعِ كَما قالَ:
والمَوْرِدُ العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحامْ
وأفادَ نَفْيُ الِاقْتِحامِ أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الِاهْتِداءِ إيثارًا لِلْعاجِلِ عَلى الآجِلِ، ولَوْ عَزَمَ وصَبَرَ لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ. وقَدْ تَتابَعَتِ الِاسْتِعاراتُ الثَّلاثُ: النَّجْدَيْنِ، والعَقَبَةُ، والِاقْتِحامُ، وبُنِيَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٣٥٧
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مَعَ قِيامِ أسْبابِ الِاهْتِداءِ مِنَ الإدْراكِ والنُّطْقِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾) حالٌ مِنَ (العَقَبَةَ) في قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) لِلتَّنْوِيهِ بِها وأنَّها لِأهَمِّيَّتِها يُسْألُ عَنْها المُخاطَبُ هَلْ أعْلَمَهُ مُعْلِمٌ ما هي، أيْ: لَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ في حالِ جَدارَتِها بِأنْ تُقْتَحَمَ، وهَذا التَّنْوِيهُ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنَ العَقَبَةِ.
و(ما) الأُولى اسْتِفْهامٌ. و(ما) الثّانِيَةُ مِثْلُها. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي العَقَبَةُ، أيْ: أعْلَمَكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَزِيزًا يَحْتاجُ إلى مَن يُعْلِمُكَ بِهِ.
والخِطابُ في (ما أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ المَثَلِ.
وفِعْلُ (أدْراكَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ، (فَكُّ رَقَبَةٍ) بِرَفْعِ (فَكُّ) وإضافَتِهِ إلى (رَقَبَةٍ) ورَفْعِ (إطْعامٌ) عَطْفًا عَلى (فَكُّ) .
وجُمْلَةُ (فَكُّ رَقَبَةٍ) بَيانٌ لِلْعَقَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: هي فَكُّ رَقَبَةٍ، فَحُذَفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ حَذْفًا لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ. وتَبْيِينُ العَقَبَةِ بِأنَّها: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) مَبْنِيٌّ عَلى اسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ مُضافًا فَقالَ: أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (فَكَّ) بِفَتْحِ الكافِ عَلى صِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ، وبِنَصْبِ (رَقَبَةً) عَلى المَفْعُولِ لِـ (فَكَّ) أوْ (أطْعَمَ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ عَيْنِ (إطْعامٌ) عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ عَطْفًا عَلى (فَكَّ)، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، أوْ تَكُونُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) أيْ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.
صفحة ٣٥٨
والفَكُّ: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مَنِ احْتازَ بِهِ.
والرَّقَبَةُ مُرادٌ بِها الإنْسانُ، مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى كُلِّهِ، مِثْلَ إطْلاقِ رَأْسٍ وعَيْنٍ ووَجْهٍ، وإيثارُ لِفَظِ الرَّقَبَةِ هُنا؛ لِأنَّ المُرادَ ذاتُ الأسِيرِ أوِ العَبْدِ، وأوَّلُ ما يَخْطُرُ بِذِهْنِ النّاظِرِ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ هو رَقَبَتُهُ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُوثَقُ مِن رَقَبَتِهِ.
وأُطْلِقَ الفَكُّ عَلى تَخْلِيصِ المَأْخُوذِ في أسْرٍ أوْ مِلْكٍ، لِمُشابَهَةِ تَخْلِيصِ الأمْرِ العَسِيرِ بِالنَّزْعِ مِن يَدِ القابِضِ المُمْتَنِعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ وهو تَشَوُّفُ الشّارِعِ إلى الحُرِّيَّةِ، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في ذَلِكَ في كِتابِ أُصُولِ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.
والمَسْغَبَةُ: الجُوعُ، وهي مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ المَفْعَلَةِ، مِثْلَ: المَحْمَدَةِ والمَرْحَمَةِ، مِن سَغِبَ كَفَرِحَ سَغَبًا إذا جاعَ.
والمُرادُ بِـ (﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾): زَمانٌ، لا النَّهارُ المَعْرُوفُ.
وإضافَةُ (ذِي) إلى (مَسْغَبَةٍ) تُفِيدُ اخْتِصاصَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالمَسْغَبَةِ، أيْ: يَوْمُ مَجاعَةٍ. وذَلِكَ زَمَنُ البَرْدِ وزَمَنُ القَحْطِ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ اليَوْمِ ذِي المَسْغَبَةِ بِالإطْعامِ فِيهِ، أنَّ النّاسَ في زَمَنِ المَجاعَةِ يَشْتَدُّ شُحُّهم بِالمالِ خَشْيَةَ امْتِدادِ زَمَنِ المَجاعَةِ والِاحْتِياجِ إلى الأقْواتِ. فالإطْعامُ في ذَلِكَ الزَّمَنِ أفْضَلُ، وهو العَقَبَةُ ودُونَ العَقَبَةِ مَصاعِدُ مُتَفاوِتَةٌ.
وانْتَصَبَ (يَتِيمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (إطْعامٌ) الَّذِي هو مَصْدَرٌ عامِلٌ عَمَلَ فِعْلِهِ، وإعْمالُ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ ولا المُعَرَّفِ بِاللّامِ أقْيَسُ، وإنْ كانَ إعْمالُ المُضافِ أكْثَرَ، ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ. وما ورَدَ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ حَمَلُوهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ، فَيُقَدَّرُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم (يُطْعِمُ يَتِيمًا) .
واليَتِيمُ: الشَّخْصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أبٌ وهو دُونُ البُلُوغِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالإطْعامِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الشِّبَعِ لِصِغَرِ سِنِّهِ وضَعْفِ عَمَلِهِ وفَقْدِ مَن يَعُولُهُ، ولِحَيائِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ ما يَحْتاجُهُ؛ فَلِذَلِكَ رُغِّبَ في إطْعامِهِ وإنْ لَمْ يَصِلْ حَدَّ المَسْكَنَةِ
صفحة ٣٥٩
والفَقْرِ ووُصِفَ بِكَوْنِهِ (ذا مَقْرَبَةٍ) أيْ: مَقْرَبَةٍ مِنَ المُطْعِمِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ يُؤَكِّدُ إطْعامَهُ؛ لِأنَّ في كَوْنِهِ يَتِيمًا إغاثَةً لَهُ بِالإطْعامِ، وفي كَوْنِهِ ذا مَقْرَبَةٍ صِلَةً لِلرَّحِمِ.
والمَقْرَبَةُ: قَرابَةُ النَّسَبِ وهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في (مَسْغَبَةٍ) .
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) و(﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾) صِفَةٌ لِمِسْكِينٍ، جُعِلَتِ المَتْرَبَةُ عَلامَةً عَلى الِاحْتِياجِ بِحَسْبِ العُرْفِ.
والمَتْرَبَةُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ أيْضًا وفِعْلُهُ (تَرِبَ)، يُقالُ: تَرِبَ، إذا نامَ عَلى التُّرابِ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَفْتَرِشُهُ عَلى الأرْضِ، وهو في الأصْلِ كِنايَةٌ عَنِ العُرُوِّ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الجَسَدِ والأرْضِ عِنْدَ الجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: تَرِبَتْ يَمِينُكُ، وتَرِبَتْ يَداكَ.
و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ وهو مَعْنى مِن مَعانِي (أوْ) جاءَ مِن إفادَةِ التَّخْيِيرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ المَخْصُوصُ، أيِ: المُشْرِكِينَ كانَ نَفْيُ فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ تَحَلِّيهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ فَكَّ الرِّقابِ وإطْعامَ الجِياعِ مِنَ القُرُباتِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ مِن إطْعامِ الجِياعِ والمَحاوِيجِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَعْيِيرِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنَّما يُحِبُّونَ التَّفاخُرَ والسُّمْعَةَ وإرْضاءَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، أوْ لِمُؤانَسَةِ الأخِلّاءِ وذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، أيْ: لَمْ يُطْعِمُوا يَتِيمًا ولا مِسْكِينًا في يَوْمِ مَسْغَبَةٍ، أيْ: هو الطَّعامُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَ المُحْتاجِينَ مِن عِبادِهِ. ولَيْسَ مِثْلَ إطْعامِكم في المَآدِبِ والوَلائِمِ والمُنادَمَةِ الَّتِي لا تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلى المُطْعَمَيْنِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَطاعِمَ كانُوا يَدْعُونَ لَها أمْثالَهم مِن أهْلِ الجِدَّةِ دُونَ حاجَةٍ إلى الطَّعامِ، وإنَّما يُرِيدُونَ المُؤانَسَةَ أوِ المُفاخَرَةَ.
وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُمْنَعُها مَن يَأْتِيها ويُدْعى إلَيْها مَن يَأْباها» ”، ورَوى الطَّبَرانِيُّ:“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُدْعى إلَيْهِ الشَّبْعانُ ويُحْبَسُ عَنْهُ الجائِعُ» ”.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ واحِدًا مُعَيَّنًا جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهُ بِاللُّؤْمِ والتَّفاخُرِ الكاذِبِ، وفَضْحًا لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ
صفحة ٣٦٠
مِنهُ عَمَلٌ نافِعٌ لِقَوْمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمْ يَغْرَمْ غَرامَةً في فِكاكِ أسِيرٍ أوْ مَأْخُوذٍ بِدَمٍ أوْ مَنَّ بِحُرِّيَّةٍ عَلى عَبْدٍ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ القُرَبِ ولا أنَّهُ عاقَبَهم عَلى تَرْكِهِمْ هَذِهِ القُرُباتِ، حَتّى تُفْرَضَ فِيهِ مَسْألَةُ خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهي مَسْألَةٌ قَلِيلَةُ الجَدْوى وفَرْضُها هُنا أقَلُّ إجْداءً.
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) .
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أرْقى رُتْبَةً في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ بِفَكِّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٍ بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا. وفي فِعْلِ (كانَ) إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهُ سابِقٌ عَلى اقْتِحامِ العَقَبَةِ المَطْلُوبَةِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى انْتِفائِها عَنْهُ.
فَعَطْفُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَلى الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِلتَّوْبِيخِ والذَّمِّ يُفِيدُ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ، أوْ هَذا الإنْسانَ المُعَيَّنَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مَلُومٌ عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ لِانْتِفاءِ إيمانِهِ، وأنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ما نَفَعَهُ عَمَلُهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الحَظُّ الأعْظَمُ مِنَ الصّالِحاتِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ (ثُمَّ) مِنَ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ شَرْطٌ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ.
«وعَنْ عائِشَةَ“ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ الطَّعامَ ويَفُكُّ العانِيَ ويُعْتِقُ الرِّقابَ ويَحْمِلُ عَلى إبِلِهِ لِلَّهِ - أيْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ - فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قالَ: لا؛ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ”» . ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ بِمَفْهُومِ صِفَةِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أنَّهُ لَوْ عَمِلَ هَذِهِ القُرَبَ في الجاهِلِيَّةِ وآمَنَ بِاللَّهِ حِينَ جاءَ الإسْلامُ لَكانَ عَمَلُهُ ذَلِكَ مَحْمُودًا.
ومَن يَجْعَلُ (ثُمَّ) مُفِيدَةً لِلتَّراخِي في الزَّمانِ يَجْعَلُ المَعْنى: لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وأتْبَعَها بِالإيمانِ. أيِ: اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ.
وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في الصَّحِيحِ“ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أشْياءً كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أوْ عَتاقَةٍ وصِلَةِ
صفحة ٣٦١
رَحِمٍ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ لِيَ النَّبِيُّ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ "» . والتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ، يَعْنِي: أنَّ دُخُولَهُ في الإسْلامِ أفادَ إعْطاءَ ثَوابٍ عَلى أعْمالِهِ كَأنَّهُ عَمِلَها في الإسْلامِ.
وقالَ: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) دُونَ أنْ يَقُولَ: ثُمَّ كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ الإيمانِ مِنَ الوَصْفِ بِمُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ الجَماعَةِ أقْوى مِن أجْلِ كَثْرَةِ المَوْصُوفِينَ بِها، فَإنَّ كَثْرَةَ الخَيْرِ خَيْرٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةٌ أُخْرى لِلْوَصْفِ، وهو جَعْلُهُ بِالمَوْصُولِ المُشْعِرِ بِأنَّهم عُرِفُوا بِالإيمانِ بَيْنَ الفِرَقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (آمَنُوا) لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ. فَجُعِلَ الفِعْلُ كالمُسْتَغْنِي عَنِ المُتَعَلَّقِ.
وأيْضًا لِيَتَأتّى مِن ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا تَخَلُّصٌ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾) ولِبِشارَتِهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أوْصافِ المُؤْمِنِينَ تَواصِيَهِمْ بِالصَّبْرِ وتَواصِيَهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْرَفُ صِفاتِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، فَإنَّ الصَّبْرَ مِلاكُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن كَبْحِ الشَّهْوَةِ النَّفْسانِيَّةِ، وذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ.
والمَرْحَمَةُ مِلاكُ صَلاحِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]) .
والتَّواصِي بِالرَّحْمَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ مَن يُوصِي بِالمَرْحَمَةِ هو الَّذِي عَرَفَ قَدْرَها وفَضْلَها، فَهو يَفْعَلُها قَبْلَ أنْ يُوصِيَ بِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ ولا مِن أهْلِ المَرْحَمَةِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) وقَوْلِهِ: (﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
البلد 90:14
( ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) تَفْرِيعَ إدْماجٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ: هَدَيْناهُ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكِ النَّجْدَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، وتَكُونُ (﴿لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ أداتُهُ. وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَدَّعِي إهْلاكَ مالٍ كَثِيرٍ في الفَسادِ مِن مَيْسِرٍ وخَمْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ،
صفحة ٣٥٦
أفَلا أهْلَكَهُ في القُرَبِ والفَضائِلِ بِفَكِّ الرِّقابِ وإطْعامِ المَساكِينِ في زَمَنِ المَجاعَةِ، فَإنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلى النّاسِ خِلافًا لِما يَدَّعِيهِ مِن إنْفاقٍ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَعْرِضُ الإشْكالُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِ (لا) فَإنَّ شَأْنَ (لا) النّافِيَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ولَمْ تُكَرَّرْ أنْ تَكُونَ لِلدُّعاءِ إلّا إذا تَكَرَّرَتْ مَعَها مِثْلُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها، نَحْوَ قَوْلِهِ: (﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]) أوْ كانَتْ (لا) مَعْطُوفَةً عَلى نَفْيٍ نَحْوَ: ما خَرَجْتُ ولا رَكِبْتُ. فَهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ (لا) . وقَدْ جاءَتْ هُنا نافِيَةً في غَيْرِ دُعاءٍ، ولَمْ تُكَرَّرِ اسْتِغْناءً عَنْ تَكْرِيرِها بِكَوْنِ (ما) بَعْدَها، وهو (اقْتَحَمَ العَقَبَةَ) يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ جاءَ بَيانُهُما في قَوْلِهِ: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) فَكَأنَّهُ قالَ: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا أوْ مِسْكِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَمُ تَكْرِيرِ (لا) هُنا اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا آمَنَ. ويَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما يَصْرِفُ عَنِ التِباسِ الكَلامِ كافٍ عَنْ تَكْرِيرِ (لا) كالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ: ”لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ إلّا الَّذِي جالَ وجابَ ) إلَخْ. وأُطْلِقَ (العَقَبَةُ) عَلى العَمَلِ المُوصِلِ لِلْخَيْرِ؛ لِأنَّ عَقَبَةَ النَّجْدِ أعْلى مَوْضِعٍ فِيهِ. ولِكُلِّ نَجْدٍ عَقَبَةٌ يَنْتَهِي بِها. وفي العَقَباتِ تَظْهَرُ مَقْدِرَةُ السّابِرَةِ.
والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ العَسِيرُ في مَكانٍ أوْ جَماعَةٍ كَثِيرِينَ، يُقالُ: اقْتَحَمَ الصَّفَّ، وهو افْتِعالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَلُّفِ مِثْلَ اكْتَسَبَ، فَشُبِّهَ تَكَلُّفُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ في شِدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ ومَشَقَّتِهِ، قالَ تَعالى: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) .
والِاقْتِحامُ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، وهو مَعَ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ تَزاحُمَ النّاسِ إنَّما يَكُونُ في طَلَبِ المَنافِعِ كَما قالَ:
والمَوْرِدُ العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحامْ
وأفادَ نَفْيُ الِاقْتِحامِ أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الِاهْتِداءِ إيثارًا لِلْعاجِلِ عَلى الآجِلِ، ولَوْ عَزَمَ وصَبَرَ لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ. وقَدْ تَتابَعَتِ الِاسْتِعاراتُ الثَّلاثُ: النَّجْدَيْنِ، والعَقَبَةُ، والِاقْتِحامُ، وبُنِيَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٣٥٧
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مَعَ قِيامِ أسْبابِ الِاهْتِداءِ مِنَ الإدْراكِ والنُّطْقِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾) حالٌ مِنَ (العَقَبَةَ) في قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) لِلتَّنْوِيهِ بِها وأنَّها لِأهَمِّيَّتِها يُسْألُ عَنْها المُخاطَبُ هَلْ أعْلَمَهُ مُعْلِمٌ ما هي، أيْ: لَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ في حالِ جَدارَتِها بِأنْ تُقْتَحَمَ، وهَذا التَّنْوِيهُ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنَ العَقَبَةِ.
و(ما) الأُولى اسْتِفْهامٌ. و(ما) الثّانِيَةُ مِثْلُها. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي العَقَبَةُ، أيْ: أعْلَمَكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَزِيزًا يَحْتاجُ إلى مَن يُعْلِمُكَ بِهِ.
والخِطابُ في (ما أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ المَثَلِ.
وفِعْلُ (أدْراكَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ، (فَكُّ رَقَبَةٍ) بِرَفْعِ (فَكُّ) وإضافَتِهِ إلى (رَقَبَةٍ) ورَفْعِ (إطْعامٌ) عَطْفًا عَلى (فَكُّ) .
وجُمْلَةُ (فَكُّ رَقَبَةٍ) بَيانٌ لِلْعَقَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: هي فَكُّ رَقَبَةٍ، فَحُذَفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ حَذْفًا لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ. وتَبْيِينُ العَقَبَةِ بِأنَّها: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) مَبْنِيٌّ عَلى اسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ مُضافًا فَقالَ: أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (فَكَّ) بِفَتْحِ الكافِ عَلى صِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ، وبِنَصْبِ (رَقَبَةً) عَلى المَفْعُولِ لِـ (فَكَّ) أوْ (أطْعَمَ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ عَيْنِ (إطْعامٌ) عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ عَطْفًا عَلى (فَكَّ)، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، أوْ تَكُونُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) أيْ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.
صفحة ٣٥٨
والفَكُّ: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مَنِ احْتازَ بِهِ.
والرَّقَبَةُ مُرادٌ بِها الإنْسانُ، مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى كُلِّهِ، مِثْلَ إطْلاقِ رَأْسٍ وعَيْنٍ ووَجْهٍ، وإيثارُ لِفَظِ الرَّقَبَةِ هُنا؛ لِأنَّ المُرادَ ذاتُ الأسِيرِ أوِ العَبْدِ، وأوَّلُ ما يَخْطُرُ بِذِهْنِ النّاظِرِ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ هو رَقَبَتُهُ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُوثَقُ مِن رَقَبَتِهِ.
وأُطْلِقَ الفَكُّ عَلى تَخْلِيصِ المَأْخُوذِ في أسْرٍ أوْ مِلْكٍ، لِمُشابَهَةِ تَخْلِيصِ الأمْرِ العَسِيرِ بِالنَّزْعِ مِن يَدِ القابِضِ المُمْتَنِعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ وهو تَشَوُّفُ الشّارِعِ إلى الحُرِّيَّةِ، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في ذَلِكَ في كِتابِ أُصُولِ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.
والمَسْغَبَةُ: الجُوعُ، وهي مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ المَفْعَلَةِ، مِثْلَ: المَحْمَدَةِ والمَرْحَمَةِ، مِن سَغِبَ كَفَرِحَ سَغَبًا إذا جاعَ.
والمُرادُ بِـ (﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾): زَمانٌ، لا النَّهارُ المَعْرُوفُ.
وإضافَةُ (ذِي) إلى (مَسْغَبَةٍ) تُفِيدُ اخْتِصاصَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالمَسْغَبَةِ، أيْ: يَوْمُ مَجاعَةٍ. وذَلِكَ زَمَنُ البَرْدِ وزَمَنُ القَحْطِ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ اليَوْمِ ذِي المَسْغَبَةِ بِالإطْعامِ فِيهِ، أنَّ النّاسَ في زَمَنِ المَجاعَةِ يَشْتَدُّ شُحُّهم بِالمالِ خَشْيَةَ امْتِدادِ زَمَنِ المَجاعَةِ والِاحْتِياجِ إلى الأقْواتِ. فالإطْعامُ في ذَلِكَ الزَّمَنِ أفْضَلُ، وهو العَقَبَةُ ودُونَ العَقَبَةِ مَصاعِدُ مُتَفاوِتَةٌ.
وانْتَصَبَ (يَتِيمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (إطْعامٌ) الَّذِي هو مَصْدَرٌ عامِلٌ عَمَلَ فِعْلِهِ، وإعْمالُ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ ولا المُعَرَّفِ بِاللّامِ أقْيَسُ، وإنْ كانَ إعْمالُ المُضافِ أكْثَرَ، ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ. وما ورَدَ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ حَمَلُوهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ، فَيُقَدَّرُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم (يُطْعِمُ يَتِيمًا) .
واليَتِيمُ: الشَّخْصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أبٌ وهو دُونُ البُلُوغِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالإطْعامِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الشِّبَعِ لِصِغَرِ سِنِّهِ وضَعْفِ عَمَلِهِ وفَقْدِ مَن يَعُولُهُ، ولِحَيائِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ ما يَحْتاجُهُ؛ فَلِذَلِكَ رُغِّبَ في إطْعامِهِ وإنْ لَمْ يَصِلْ حَدَّ المَسْكَنَةِ
صفحة ٣٥٩
والفَقْرِ ووُصِفَ بِكَوْنِهِ (ذا مَقْرَبَةٍ) أيْ: مَقْرَبَةٍ مِنَ المُطْعِمِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ يُؤَكِّدُ إطْعامَهُ؛ لِأنَّ في كَوْنِهِ يَتِيمًا إغاثَةً لَهُ بِالإطْعامِ، وفي كَوْنِهِ ذا مَقْرَبَةٍ صِلَةً لِلرَّحِمِ.
والمَقْرَبَةُ: قَرابَةُ النَّسَبِ وهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في (مَسْغَبَةٍ) .
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) و(﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾) صِفَةٌ لِمِسْكِينٍ، جُعِلَتِ المَتْرَبَةُ عَلامَةً عَلى الِاحْتِياجِ بِحَسْبِ العُرْفِ.
والمَتْرَبَةُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ أيْضًا وفِعْلُهُ (تَرِبَ)، يُقالُ: تَرِبَ، إذا نامَ عَلى التُّرابِ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَفْتَرِشُهُ عَلى الأرْضِ، وهو في الأصْلِ كِنايَةٌ عَنِ العُرُوِّ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الجَسَدِ والأرْضِ عِنْدَ الجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: تَرِبَتْ يَمِينُكُ، وتَرِبَتْ يَداكَ.
و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ وهو مَعْنى مِن مَعانِي (أوْ) جاءَ مِن إفادَةِ التَّخْيِيرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ المَخْصُوصُ، أيِ: المُشْرِكِينَ كانَ نَفْيُ فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ تَحَلِّيهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ فَكَّ الرِّقابِ وإطْعامَ الجِياعِ مِنَ القُرُباتِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ مِن إطْعامِ الجِياعِ والمَحاوِيجِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَعْيِيرِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنَّما يُحِبُّونَ التَّفاخُرَ والسُّمْعَةَ وإرْضاءَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، أوْ لِمُؤانَسَةِ الأخِلّاءِ وذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، أيْ: لَمْ يُطْعِمُوا يَتِيمًا ولا مِسْكِينًا في يَوْمِ مَسْغَبَةٍ، أيْ: هو الطَّعامُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَ المُحْتاجِينَ مِن عِبادِهِ. ولَيْسَ مِثْلَ إطْعامِكم في المَآدِبِ والوَلائِمِ والمُنادَمَةِ الَّتِي لا تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلى المُطْعَمَيْنِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَطاعِمَ كانُوا يَدْعُونَ لَها أمْثالَهم مِن أهْلِ الجِدَّةِ دُونَ حاجَةٍ إلى الطَّعامِ، وإنَّما يُرِيدُونَ المُؤانَسَةَ أوِ المُفاخَرَةَ.
وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُمْنَعُها مَن يَأْتِيها ويُدْعى إلَيْها مَن يَأْباها» ”، ورَوى الطَّبَرانِيُّ:“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُدْعى إلَيْهِ الشَّبْعانُ ويُحْبَسُ عَنْهُ الجائِعُ» ”.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ واحِدًا مُعَيَّنًا جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهُ بِاللُّؤْمِ والتَّفاخُرِ الكاذِبِ، وفَضْحًا لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ
صفحة ٣٦٠
مِنهُ عَمَلٌ نافِعٌ لِقَوْمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمْ يَغْرَمْ غَرامَةً في فِكاكِ أسِيرٍ أوْ مَأْخُوذٍ بِدَمٍ أوْ مَنَّ بِحُرِّيَّةٍ عَلى عَبْدٍ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ القُرَبِ ولا أنَّهُ عاقَبَهم عَلى تَرْكِهِمْ هَذِهِ القُرُباتِ، حَتّى تُفْرَضَ فِيهِ مَسْألَةُ خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهي مَسْألَةٌ قَلِيلَةُ الجَدْوى وفَرْضُها هُنا أقَلُّ إجْداءً.
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) .
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أرْقى رُتْبَةً في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ بِفَكِّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٍ بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا. وفي فِعْلِ (كانَ) إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهُ سابِقٌ عَلى اقْتِحامِ العَقَبَةِ المَطْلُوبَةِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى انْتِفائِها عَنْهُ.
فَعَطْفُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَلى الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِلتَّوْبِيخِ والذَّمِّ يُفِيدُ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ، أوْ هَذا الإنْسانَ المُعَيَّنَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مَلُومٌ عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ لِانْتِفاءِ إيمانِهِ، وأنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ما نَفَعَهُ عَمَلُهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الحَظُّ الأعْظَمُ مِنَ الصّالِحاتِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ (ثُمَّ) مِنَ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ شَرْطٌ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ.
«وعَنْ عائِشَةَ“ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ الطَّعامَ ويَفُكُّ العانِيَ ويُعْتِقُ الرِّقابَ ويَحْمِلُ عَلى إبِلِهِ لِلَّهِ - أيْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ - فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قالَ: لا؛ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ”» . ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ بِمَفْهُومِ صِفَةِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أنَّهُ لَوْ عَمِلَ هَذِهِ القُرَبَ في الجاهِلِيَّةِ وآمَنَ بِاللَّهِ حِينَ جاءَ الإسْلامُ لَكانَ عَمَلُهُ ذَلِكَ مَحْمُودًا.
ومَن يَجْعَلُ (ثُمَّ) مُفِيدَةً لِلتَّراخِي في الزَّمانِ يَجْعَلُ المَعْنى: لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وأتْبَعَها بِالإيمانِ. أيِ: اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ.
وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في الصَّحِيحِ“ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أشْياءً كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أوْ عَتاقَةٍ وصِلَةِ
صفحة ٣٦١
رَحِمٍ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ لِيَ النَّبِيُّ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ "» . والتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ، يَعْنِي: أنَّ دُخُولَهُ في الإسْلامِ أفادَ إعْطاءَ ثَوابٍ عَلى أعْمالِهِ كَأنَّهُ عَمِلَها في الإسْلامِ.
وقالَ: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) دُونَ أنْ يَقُولَ: ثُمَّ كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ الإيمانِ مِنَ الوَصْفِ بِمُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ الجَماعَةِ أقْوى مِن أجْلِ كَثْرَةِ المَوْصُوفِينَ بِها، فَإنَّ كَثْرَةَ الخَيْرِ خَيْرٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةٌ أُخْرى لِلْوَصْفِ، وهو جَعْلُهُ بِالمَوْصُولِ المُشْعِرِ بِأنَّهم عُرِفُوا بِالإيمانِ بَيْنَ الفِرَقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (آمَنُوا) لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ. فَجُعِلَ الفِعْلُ كالمُسْتَغْنِي عَنِ المُتَعَلَّقِ.
وأيْضًا لِيَتَأتّى مِن ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا تَخَلُّصٌ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾) ولِبِشارَتِهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أوْصافِ المُؤْمِنِينَ تَواصِيَهِمْ بِالصَّبْرِ وتَواصِيَهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْرَفُ صِفاتِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، فَإنَّ الصَّبْرَ مِلاكُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن كَبْحِ الشَّهْوَةِ النَّفْسانِيَّةِ، وذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ.
والمَرْحَمَةُ مِلاكُ صَلاحِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]) .
والتَّواصِي بِالرَّحْمَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ مَن يُوصِي بِالمَرْحَمَةِ هو الَّذِي عَرَفَ قَدْرَها وفَضْلَها، فَهو يَفْعَلُها قَبْلَ أنْ يُوصِيَ بِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ ولا مِن أهْلِ المَرْحَمَةِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) وقَوْلِهِ: (﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
البلد 90:15
( ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) تَفْرِيعَ إدْماجٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ: هَدَيْناهُ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكِ النَّجْدَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، وتَكُونُ (﴿لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ أداتُهُ. وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَدَّعِي إهْلاكَ مالٍ كَثِيرٍ في الفَسادِ مِن مَيْسِرٍ وخَمْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ،
صفحة ٣٥٦
أفَلا أهْلَكَهُ في القُرَبِ والفَضائِلِ بِفَكِّ الرِّقابِ وإطْعامِ المَساكِينِ في زَمَنِ المَجاعَةِ، فَإنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلى النّاسِ خِلافًا لِما يَدَّعِيهِ مِن إنْفاقٍ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَعْرِضُ الإشْكالُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِ (لا) فَإنَّ شَأْنَ (لا) النّافِيَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ولَمْ تُكَرَّرْ أنْ تَكُونَ لِلدُّعاءِ إلّا إذا تَكَرَّرَتْ مَعَها مِثْلُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها، نَحْوَ قَوْلِهِ: (﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]) أوْ كانَتْ (لا) مَعْطُوفَةً عَلى نَفْيٍ نَحْوَ: ما خَرَجْتُ ولا رَكِبْتُ. فَهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ (لا) . وقَدْ جاءَتْ هُنا نافِيَةً في غَيْرِ دُعاءٍ، ولَمْ تُكَرَّرِ اسْتِغْناءً عَنْ تَكْرِيرِها بِكَوْنِ (ما) بَعْدَها، وهو (اقْتَحَمَ العَقَبَةَ) يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ جاءَ بَيانُهُما في قَوْلِهِ: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) فَكَأنَّهُ قالَ: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا أوْ مِسْكِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَمُ تَكْرِيرِ (لا) هُنا اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا آمَنَ. ويَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما يَصْرِفُ عَنِ التِباسِ الكَلامِ كافٍ عَنْ تَكْرِيرِ (لا) كالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ: ”لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ إلّا الَّذِي جالَ وجابَ ) إلَخْ. وأُطْلِقَ (العَقَبَةُ) عَلى العَمَلِ المُوصِلِ لِلْخَيْرِ؛ لِأنَّ عَقَبَةَ النَّجْدِ أعْلى مَوْضِعٍ فِيهِ. ولِكُلِّ نَجْدٍ عَقَبَةٌ يَنْتَهِي بِها. وفي العَقَباتِ تَظْهَرُ مَقْدِرَةُ السّابِرَةِ.
والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ العَسِيرُ في مَكانٍ أوْ جَماعَةٍ كَثِيرِينَ، يُقالُ: اقْتَحَمَ الصَّفَّ، وهو افْتِعالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَلُّفِ مِثْلَ اكْتَسَبَ، فَشُبِّهَ تَكَلُّفُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ في شِدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ ومَشَقَّتِهِ، قالَ تَعالى: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) .
والِاقْتِحامُ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، وهو مَعَ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ تَزاحُمَ النّاسِ إنَّما يَكُونُ في طَلَبِ المَنافِعِ كَما قالَ:
والمَوْرِدُ العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحامْ
وأفادَ نَفْيُ الِاقْتِحامِ أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الِاهْتِداءِ إيثارًا لِلْعاجِلِ عَلى الآجِلِ، ولَوْ عَزَمَ وصَبَرَ لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ. وقَدْ تَتابَعَتِ الِاسْتِعاراتُ الثَّلاثُ: النَّجْدَيْنِ، والعَقَبَةُ، والِاقْتِحامُ، وبُنِيَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٣٥٧
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مَعَ قِيامِ أسْبابِ الِاهْتِداءِ مِنَ الإدْراكِ والنُّطْقِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾) حالٌ مِنَ (العَقَبَةَ) في قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) لِلتَّنْوِيهِ بِها وأنَّها لِأهَمِّيَّتِها يُسْألُ عَنْها المُخاطَبُ هَلْ أعْلَمَهُ مُعْلِمٌ ما هي، أيْ: لَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ في حالِ جَدارَتِها بِأنْ تُقْتَحَمَ، وهَذا التَّنْوِيهُ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنَ العَقَبَةِ.
و(ما) الأُولى اسْتِفْهامٌ. و(ما) الثّانِيَةُ مِثْلُها. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي العَقَبَةُ، أيْ: أعْلَمَكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَزِيزًا يَحْتاجُ إلى مَن يُعْلِمُكَ بِهِ.
والخِطابُ في (ما أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ المَثَلِ.
وفِعْلُ (أدْراكَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ، (فَكُّ رَقَبَةٍ) بِرَفْعِ (فَكُّ) وإضافَتِهِ إلى (رَقَبَةٍ) ورَفْعِ (إطْعامٌ) عَطْفًا عَلى (فَكُّ) .
وجُمْلَةُ (فَكُّ رَقَبَةٍ) بَيانٌ لِلْعَقَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: هي فَكُّ رَقَبَةٍ، فَحُذَفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ حَذْفًا لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ. وتَبْيِينُ العَقَبَةِ بِأنَّها: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) مَبْنِيٌّ عَلى اسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ مُضافًا فَقالَ: أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (فَكَّ) بِفَتْحِ الكافِ عَلى صِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ، وبِنَصْبِ (رَقَبَةً) عَلى المَفْعُولِ لِـ (فَكَّ) أوْ (أطْعَمَ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ عَيْنِ (إطْعامٌ) عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ عَطْفًا عَلى (فَكَّ)، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، أوْ تَكُونُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) أيْ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.
صفحة ٣٥٨
والفَكُّ: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مَنِ احْتازَ بِهِ.
والرَّقَبَةُ مُرادٌ بِها الإنْسانُ، مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى كُلِّهِ، مِثْلَ إطْلاقِ رَأْسٍ وعَيْنٍ ووَجْهٍ، وإيثارُ لِفَظِ الرَّقَبَةِ هُنا؛ لِأنَّ المُرادَ ذاتُ الأسِيرِ أوِ العَبْدِ، وأوَّلُ ما يَخْطُرُ بِذِهْنِ النّاظِرِ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ هو رَقَبَتُهُ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُوثَقُ مِن رَقَبَتِهِ.
وأُطْلِقَ الفَكُّ عَلى تَخْلِيصِ المَأْخُوذِ في أسْرٍ أوْ مِلْكٍ، لِمُشابَهَةِ تَخْلِيصِ الأمْرِ العَسِيرِ بِالنَّزْعِ مِن يَدِ القابِضِ المُمْتَنِعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ وهو تَشَوُّفُ الشّارِعِ إلى الحُرِّيَّةِ، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في ذَلِكَ في كِتابِ أُصُولِ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.
والمَسْغَبَةُ: الجُوعُ، وهي مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ المَفْعَلَةِ، مِثْلَ: المَحْمَدَةِ والمَرْحَمَةِ، مِن سَغِبَ كَفَرِحَ سَغَبًا إذا جاعَ.
والمُرادُ بِـ (﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾): زَمانٌ، لا النَّهارُ المَعْرُوفُ.
وإضافَةُ (ذِي) إلى (مَسْغَبَةٍ) تُفِيدُ اخْتِصاصَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالمَسْغَبَةِ، أيْ: يَوْمُ مَجاعَةٍ. وذَلِكَ زَمَنُ البَرْدِ وزَمَنُ القَحْطِ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ اليَوْمِ ذِي المَسْغَبَةِ بِالإطْعامِ فِيهِ، أنَّ النّاسَ في زَمَنِ المَجاعَةِ يَشْتَدُّ شُحُّهم بِالمالِ خَشْيَةَ امْتِدادِ زَمَنِ المَجاعَةِ والِاحْتِياجِ إلى الأقْواتِ. فالإطْعامُ في ذَلِكَ الزَّمَنِ أفْضَلُ، وهو العَقَبَةُ ودُونَ العَقَبَةِ مَصاعِدُ مُتَفاوِتَةٌ.
وانْتَصَبَ (يَتِيمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (إطْعامٌ) الَّذِي هو مَصْدَرٌ عامِلٌ عَمَلَ فِعْلِهِ، وإعْمالُ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ ولا المُعَرَّفِ بِاللّامِ أقْيَسُ، وإنْ كانَ إعْمالُ المُضافِ أكْثَرَ، ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ. وما ورَدَ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ حَمَلُوهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ، فَيُقَدَّرُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم (يُطْعِمُ يَتِيمًا) .
واليَتِيمُ: الشَّخْصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أبٌ وهو دُونُ البُلُوغِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالإطْعامِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الشِّبَعِ لِصِغَرِ سِنِّهِ وضَعْفِ عَمَلِهِ وفَقْدِ مَن يَعُولُهُ، ولِحَيائِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ ما يَحْتاجُهُ؛ فَلِذَلِكَ رُغِّبَ في إطْعامِهِ وإنْ لَمْ يَصِلْ حَدَّ المَسْكَنَةِ
صفحة ٣٥٩
والفَقْرِ ووُصِفَ بِكَوْنِهِ (ذا مَقْرَبَةٍ) أيْ: مَقْرَبَةٍ مِنَ المُطْعِمِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ يُؤَكِّدُ إطْعامَهُ؛ لِأنَّ في كَوْنِهِ يَتِيمًا إغاثَةً لَهُ بِالإطْعامِ، وفي كَوْنِهِ ذا مَقْرَبَةٍ صِلَةً لِلرَّحِمِ.
والمَقْرَبَةُ: قَرابَةُ النَّسَبِ وهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في (مَسْغَبَةٍ) .
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) و(﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾) صِفَةٌ لِمِسْكِينٍ، جُعِلَتِ المَتْرَبَةُ عَلامَةً عَلى الِاحْتِياجِ بِحَسْبِ العُرْفِ.
والمَتْرَبَةُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ أيْضًا وفِعْلُهُ (تَرِبَ)، يُقالُ: تَرِبَ، إذا نامَ عَلى التُّرابِ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَفْتَرِشُهُ عَلى الأرْضِ، وهو في الأصْلِ كِنايَةٌ عَنِ العُرُوِّ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الجَسَدِ والأرْضِ عِنْدَ الجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: تَرِبَتْ يَمِينُكُ، وتَرِبَتْ يَداكَ.
و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ وهو مَعْنى مِن مَعانِي (أوْ) جاءَ مِن إفادَةِ التَّخْيِيرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ المَخْصُوصُ، أيِ: المُشْرِكِينَ كانَ نَفْيُ فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ تَحَلِّيهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ فَكَّ الرِّقابِ وإطْعامَ الجِياعِ مِنَ القُرُباتِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ مِن إطْعامِ الجِياعِ والمَحاوِيجِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَعْيِيرِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنَّما يُحِبُّونَ التَّفاخُرَ والسُّمْعَةَ وإرْضاءَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، أوْ لِمُؤانَسَةِ الأخِلّاءِ وذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، أيْ: لَمْ يُطْعِمُوا يَتِيمًا ولا مِسْكِينًا في يَوْمِ مَسْغَبَةٍ، أيْ: هو الطَّعامُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَ المُحْتاجِينَ مِن عِبادِهِ. ولَيْسَ مِثْلَ إطْعامِكم في المَآدِبِ والوَلائِمِ والمُنادَمَةِ الَّتِي لا تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلى المُطْعَمَيْنِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَطاعِمَ كانُوا يَدْعُونَ لَها أمْثالَهم مِن أهْلِ الجِدَّةِ دُونَ حاجَةٍ إلى الطَّعامِ، وإنَّما يُرِيدُونَ المُؤانَسَةَ أوِ المُفاخَرَةَ.
وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُمْنَعُها مَن يَأْتِيها ويُدْعى إلَيْها مَن يَأْباها» ”، ورَوى الطَّبَرانِيُّ:“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُدْعى إلَيْهِ الشَّبْعانُ ويُحْبَسُ عَنْهُ الجائِعُ» ”.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ واحِدًا مُعَيَّنًا جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهُ بِاللُّؤْمِ والتَّفاخُرِ الكاذِبِ، وفَضْحًا لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ
صفحة ٣٦٠
مِنهُ عَمَلٌ نافِعٌ لِقَوْمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمْ يَغْرَمْ غَرامَةً في فِكاكِ أسِيرٍ أوْ مَأْخُوذٍ بِدَمٍ أوْ مَنَّ بِحُرِّيَّةٍ عَلى عَبْدٍ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ القُرَبِ ولا أنَّهُ عاقَبَهم عَلى تَرْكِهِمْ هَذِهِ القُرُباتِ، حَتّى تُفْرَضَ فِيهِ مَسْألَةُ خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهي مَسْألَةٌ قَلِيلَةُ الجَدْوى وفَرْضُها هُنا أقَلُّ إجْداءً.
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) .
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أرْقى رُتْبَةً في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ بِفَكِّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٍ بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا. وفي فِعْلِ (كانَ) إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهُ سابِقٌ عَلى اقْتِحامِ العَقَبَةِ المَطْلُوبَةِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى انْتِفائِها عَنْهُ.
فَعَطْفُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَلى الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِلتَّوْبِيخِ والذَّمِّ يُفِيدُ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ، أوْ هَذا الإنْسانَ المُعَيَّنَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مَلُومٌ عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ لِانْتِفاءِ إيمانِهِ، وأنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ما نَفَعَهُ عَمَلُهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الحَظُّ الأعْظَمُ مِنَ الصّالِحاتِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ (ثُمَّ) مِنَ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ شَرْطٌ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ.
«وعَنْ عائِشَةَ“ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ الطَّعامَ ويَفُكُّ العانِيَ ويُعْتِقُ الرِّقابَ ويَحْمِلُ عَلى إبِلِهِ لِلَّهِ - أيْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ - فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قالَ: لا؛ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ”» . ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ بِمَفْهُومِ صِفَةِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أنَّهُ لَوْ عَمِلَ هَذِهِ القُرَبَ في الجاهِلِيَّةِ وآمَنَ بِاللَّهِ حِينَ جاءَ الإسْلامُ لَكانَ عَمَلُهُ ذَلِكَ مَحْمُودًا.
ومَن يَجْعَلُ (ثُمَّ) مُفِيدَةً لِلتَّراخِي في الزَّمانِ يَجْعَلُ المَعْنى: لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وأتْبَعَها بِالإيمانِ. أيِ: اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ.
وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في الصَّحِيحِ“ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أشْياءً كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أوْ عَتاقَةٍ وصِلَةِ
صفحة ٣٦١
رَحِمٍ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ لِيَ النَّبِيُّ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ "» . والتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ، يَعْنِي: أنَّ دُخُولَهُ في الإسْلامِ أفادَ إعْطاءَ ثَوابٍ عَلى أعْمالِهِ كَأنَّهُ عَمِلَها في الإسْلامِ.
وقالَ: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) دُونَ أنْ يَقُولَ: ثُمَّ كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ الإيمانِ مِنَ الوَصْفِ بِمُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ الجَماعَةِ أقْوى مِن أجْلِ كَثْرَةِ المَوْصُوفِينَ بِها، فَإنَّ كَثْرَةَ الخَيْرِ خَيْرٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةٌ أُخْرى لِلْوَصْفِ، وهو جَعْلُهُ بِالمَوْصُولِ المُشْعِرِ بِأنَّهم عُرِفُوا بِالإيمانِ بَيْنَ الفِرَقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (آمَنُوا) لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ. فَجُعِلَ الفِعْلُ كالمُسْتَغْنِي عَنِ المُتَعَلَّقِ.
وأيْضًا لِيَتَأتّى مِن ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا تَخَلُّصٌ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾) ولِبِشارَتِهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أوْصافِ المُؤْمِنِينَ تَواصِيَهِمْ بِالصَّبْرِ وتَواصِيَهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْرَفُ صِفاتِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، فَإنَّ الصَّبْرَ مِلاكُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن كَبْحِ الشَّهْوَةِ النَّفْسانِيَّةِ، وذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ.
والمَرْحَمَةُ مِلاكُ صَلاحِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]) .
والتَّواصِي بِالرَّحْمَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ مَن يُوصِي بِالمَرْحَمَةِ هو الَّذِي عَرَفَ قَدْرَها وفَضْلَها، فَهو يَفْعَلُها قَبْلَ أنْ يُوصِيَ بِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ ولا مِن أهْلِ المَرْحَمَةِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) وقَوْلِهِ: (﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
البلد 90:16
( ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) تَفْرِيعَ إدْماجٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ: هَدَيْناهُ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكِ النَّجْدَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، وتَكُونُ (﴿لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ أداتُهُ. وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَدَّعِي إهْلاكَ مالٍ كَثِيرٍ في الفَسادِ مِن مَيْسِرٍ وخَمْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ،
صفحة ٣٥٦
أفَلا أهْلَكَهُ في القُرَبِ والفَضائِلِ بِفَكِّ الرِّقابِ وإطْعامِ المَساكِينِ في زَمَنِ المَجاعَةِ، فَإنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلى النّاسِ خِلافًا لِما يَدَّعِيهِ مِن إنْفاقٍ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَعْرِضُ الإشْكالُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِ (لا) فَإنَّ شَأْنَ (لا) النّافِيَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ولَمْ تُكَرَّرْ أنْ تَكُونَ لِلدُّعاءِ إلّا إذا تَكَرَّرَتْ مَعَها مِثْلُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها، نَحْوَ قَوْلِهِ: (﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]) أوْ كانَتْ (لا) مَعْطُوفَةً عَلى نَفْيٍ نَحْوَ: ما خَرَجْتُ ولا رَكِبْتُ. فَهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ (لا) . وقَدْ جاءَتْ هُنا نافِيَةً في غَيْرِ دُعاءٍ، ولَمْ تُكَرَّرِ اسْتِغْناءً عَنْ تَكْرِيرِها بِكَوْنِ (ما) بَعْدَها، وهو (اقْتَحَمَ العَقَبَةَ) يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ جاءَ بَيانُهُما في قَوْلِهِ: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) فَكَأنَّهُ قالَ: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا أوْ مِسْكِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَمُ تَكْرِيرِ (لا) هُنا اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا آمَنَ. ويَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما يَصْرِفُ عَنِ التِباسِ الكَلامِ كافٍ عَنْ تَكْرِيرِ (لا) كالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ: ”لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ إلّا الَّذِي جالَ وجابَ ) إلَخْ. وأُطْلِقَ (العَقَبَةُ) عَلى العَمَلِ المُوصِلِ لِلْخَيْرِ؛ لِأنَّ عَقَبَةَ النَّجْدِ أعْلى مَوْضِعٍ فِيهِ. ولِكُلِّ نَجْدٍ عَقَبَةٌ يَنْتَهِي بِها. وفي العَقَباتِ تَظْهَرُ مَقْدِرَةُ السّابِرَةِ.
والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ العَسِيرُ في مَكانٍ أوْ جَماعَةٍ كَثِيرِينَ، يُقالُ: اقْتَحَمَ الصَّفَّ، وهو افْتِعالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَلُّفِ مِثْلَ اكْتَسَبَ، فَشُبِّهَ تَكَلُّفُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ في شِدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ ومَشَقَّتِهِ، قالَ تَعالى: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) .
والِاقْتِحامُ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، وهو مَعَ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ تَزاحُمَ النّاسِ إنَّما يَكُونُ في طَلَبِ المَنافِعِ كَما قالَ:
والمَوْرِدُ العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحامْ
وأفادَ نَفْيُ الِاقْتِحامِ أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الِاهْتِداءِ إيثارًا لِلْعاجِلِ عَلى الآجِلِ، ولَوْ عَزَمَ وصَبَرَ لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ. وقَدْ تَتابَعَتِ الِاسْتِعاراتُ الثَّلاثُ: النَّجْدَيْنِ، والعَقَبَةُ، والِاقْتِحامُ، وبُنِيَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٣٥٧
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مَعَ قِيامِ أسْبابِ الِاهْتِداءِ مِنَ الإدْراكِ والنُّطْقِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾) حالٌ مِنَ (العَقَبَةَ) في قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) لِلتَّنْوِيهِ بِها وأنَّها لِأهَمِّيَّتِها يُسْألُ عَنْها المُخاطَبُ هَلْ أعْلَمَهُ مُعْلِمٌ ما هي، أيْ: لَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ في حالِ جَدارَتِها بِأنْ تُقْتَحَمَ، وهَذا التَّنْوِيهُ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنَ العَقَبَةِ.
و(ما) الأُولى اسْتِفْهامٌ. و(ما) الثّانِيَةُ مِثْلُها. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي العَقَبَةُ، أيْ: أعْلَمَكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَزِيزًا يَحْتاجُ إلى مَن يُعْلِمُكَ بِهِ.
والخِطابُ في (ما أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ المَثَلِ.
وفِعْلُ (أدْراكَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ، (فَكُّ رَقَبَةٍ) بِرَفْعِ (فَكُّ) وإضافَتِهِ إلى (رَقَبَةٍ) ورَفْعِ (إطْعامٌ) عَطْفًا عَلى (فَكُّ) .
وجُمْلَةُ (فَكُّ رَقَبَةٍ) بَيانٌ لِلْعَقَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: هي فَكُّ رَقَبَةٍ، فَحُذَفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ حَذْفًا لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ. وتَبْيِينُ العَقَبَةِ بِأنَّها: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) مَبْنِيٌّ عَلى اسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ مُضافًا فَقالَ: أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (فَكَّ) بِفَتْحِ الكافِ عَلى صِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ، وبِنَصْبِ (رَقَبَةً) عَلى المَفْعُولِ لِـ (فَكَّ) أوْ (أطْعَمَ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ عَيْنِ (إطْعامٌ) عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ عَطْفًا عَلى (فَكَّ)، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، أوْ تَكُونُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) أيْ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.
صفحة ٣٥٨
والفَكُّ: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مَنِ احْتازَ بِهِ.
والرَّقَبَةُ مُرادٌ بِها الإنْسانُ، مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى كُلِّهِ، مِثْلَ إطْلاقِ رَأْسٍ وعَيْنٍ ووَجْهٍ، وإيثارُ لِفَظِ الرَّقَبَةِ هُنا؛ لِأنَّ المُرادَ ذاتُ الأسِيرِ أوِ العَبْدِ، وأوَّلُ ما يَخْطُرُ بِذِهْنِ النّاظِرِ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ هو رَقَبَتُهُ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُوثَقُ مِن رَقَبَتِهِ.
وأُطْلِقَ الفَكُّ عَلى تَخْلِيصِ المَأْخُوذِ في أسْرٍ أوْ مِلْكٍ، لِمُشابَهَةِ تَخْلِيصِ الأمْرِ العَسِيرِ بِالنَّزْعِ مِن يَدِ القابِضِ المُمْتَنِعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ وهو تَشَوُّفُ الشّارِعِ إلى الحُرِّيَّةِ، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في ذَلِكَ في كِتابِ أُصُولِ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.
والمَسْغَبَةُ: الجُوعُ، وهي مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ المَفْعَلَةِ، مِثْلَ: المَحْمَدَةِ والمَرْحَمَةِ، مِن سَغِبَ كَفَرِحَ سَغَبًا إذا جاعَ.
والمُرادُ بِـ (﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾): زَمانٌ، لا النَّهارُ المَعْرُوفُ.
وإضافَةُ (ذِي) إلى (مَسْغَبَةٍ) تُفِيدُ اخْتِصاصَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالمَسْغَبَةِ، أيْ: يَوْمُ مَجاعَةٍ. وذَلِكَ زَمَنُ البَرْدِ وزَمَنُ القَحْطِ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ اليَوْمِ ذِي المَسْغَبَةِ بِالإطْعامِ فِيهِ، أنَّ النّاسَ في زَمَنِ المَجاعَةِ يَشْتَدُّ شُحُّهم بِالمالِ خَشْيَةَ امْتِدادِ زَمَنِ المَجاعَةِ والِاحْتِياجِ إلى الأقْواتِ. فالإطْعامُ في ذَلِكَ الزَّمَنِ أفْضَلُ، وهو العَقَبَةُ ودُونَ العَقَبَةِ مَصاعِدُ مُتَفاوِتَةٌ.
وانْتَصَبَ (يَتِيمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (إطْعامٌ) الَّذِي هو مَصْدَرٌ عامِلٌ عَمَلَ فِعْلِهِ، وإعْمالُ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ ولا المُعَرَّفِ بِاللّامِ أقْيَسُ، وإنْ كانَ إعْمالُ المُضافِ أكْثَرَ، ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ. وما ورَدَ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ حَمَلُوهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ، فَيُقَدَّرُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم (يُطْعِمُ يَتِيمًا) .
واليَتِيمُ: الشَّخْصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أبٌ وهو دُونُ البُلُوغِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالإطْعامِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الشِّبَعِ لِصِغَرِ سِنِّهِ وضَعْفِ عَمَلِهِ وفَقْدِ مَن يَعُولُهُ، ولِحَيائِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ ما يَحْتاجُهُ؛ فَلِذَلِكَ رُغِّبَ في إطْعامِهِ وإنْ لَمْ يَصِلْ حَدَّ المَسْكَنَةِ
صفحة ٣٥٩
والفَقْرِ ووُصِفَ بِكَوْنِهِ (ذا مَقْرَبَةٍ) أيْ: مَقْرَبَةٍ مِنَ المُطْعِمِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ يُؤَكِّدُ إطْعامَهُ؛ لِأنَّ في كَوْنِهِ يَتِيمًا إغاثَةً لَهُ بِالإطْعامِ، وفي كَوْنِهِ ذا مَقْرَبَةٍ صِلَةً لِلرَّحِمِ.
والمَقْرَبَةُ: قَرابَةُ النَّسَبِ وهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في (مَسْغَبَةٍ) .
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) و(﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾) صِفَةٌ لِمِسْكِينٍ، جُعِلَتِ المَتْرَبَةُ عَلامَةً عَلى الِاحْتِياجِ بِحَسْبِ العُرْفِ.
والمَتْرَبَةُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ أيْضًا وفِعْلُهُ (تَرِبَ)، يُقالُ: تَرِبَ، إذا نامَ عَلى التُّرابِ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَفْتَرِشُهُ عَلى الأرْضِ، وهو في الأصْلِ كِنايَةٌ عَنِ العُرُوِّ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الجَسَدِ والأرْضِ عِنْدَ الجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: تَرِبَتْ يَمِينُكُ، وتَرِبَتْ يَداكَ.
و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ وهو مَعْنى مِن مَعانِي (أوْ) جاءَ مِن إفادَةِ التَّخْيِيرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ المَخْصُوصُ، أيِ: المُشْرِكِينَ كانَ نَفْيُ فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ تَحَلِّيهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ فَكَّ الرِّقابِ وإطْعامَ الجِياعِ مِنَ القُرُباتِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ مِن إطْعامِ الجِياعِ والمَحاوِيجِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَعْيِيرِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنَّما يُحِبُّونَ التَّفاخُرَ والسُّمْعَةَ وإرْضاءَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، أوْ لِمُؤانَسَةِ الأخِلّاءِ وذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، أيْ: لَمْ يُطْعِمُوا يَتِيمًا ولا مِسْكِينًا في يَوْمِ مَسْغَبَةٍ، أيْ: هو الطَّعامُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَ المُحْتاجِينَ مِن عِبادِهِ. ولَيْسَ مِثْلَ إطْعامِكم في المَآدِبِ والوَلائِمِ والمُنادَمَةِ الَّتِي لا تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلى المُطْعَمَيْنِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَطاعِمَ كانُوا يَدْعُونَ لَها أمْثالَهم مِن أهْلِ الجِدَّةِ دُونَ حاجَةٍ إلى الطَّعامِ، وإنَّما يُرِيدُونَ المُؤانَسَةَ أوِ المُفاخَرَةَ.
وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُمْنَعُها مَن يَأْتِيها ويُدْعى إلَيْها مَن يَأْباها» ”، ورَوى الطَّبَرانِيُّ:“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُدْعى إلَيْهِ الشَّبْعانُ ويُحْبَسُ عَنْهُ الجائِعُ» ”.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ واحِدًا مُعَيَّنًا جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهُ بِاللُّؤْمِ والتَّفاخُرِ الكاذِبِ، وفَضْحًا لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ
صفحة ٣٦٠
مِنهُ عَمَلٌ نافِعٌ لِقَوْمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمْ يَغْرَمْ غَرامَةً في فِكاكِ أسِيرٍ أوْ مَأْخُوذٍ بِدَمٍ أوْ مَنَّ بِحُرِّيَّةٍ عَلى عَبْدٍ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ القُرَبِ ولا أنَّهُ عاقَبَهم عَلى تَرْكِهِمْ هَذِهِ القُرُباتِ، حَتّى تُفْرَضَ فِيهِ مَسْألَةُ خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهي مَسْألَةٌ قَلِيلَةُ الجَدْوى وفَرْضُها هُنا أقَلُّ إجْداءً.
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) .
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أرْقى رُتْبَةً في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ بِفَكِّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٍ بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا. وفي فِعْلِ (كانَ) إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهُ سابِقٌ عَلى اقْتِحامِ العَقَبَةِ المَطْلُوبَةِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى انْتِفائِها عَنْهُ.
فَعَطْفُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَلى الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِلتَّوْبِيخِ والذَّمِّ يُفِيدُ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ، أوْ هَذا الإنْسانَ المُعَيَّنَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مَلُومٌ عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ لِانْتِفاءِ إيمانِهِ، وأنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ما نَفَعَهُ عَمَلُهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الحَظُّ الأعْظَمُ مِنَ الصّالِحاتِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ (ثُمَّ) مِنَ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ شَرْطٌ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ.
«وعَنْ عائِشَةَ“ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ الطَّعامَ ويَفُكُّ العانِيَ ويُعْتِقُ الرِّقابَ ويَحْمِلُ عَلى إبِلِهِ لِلَّهِ - أيْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ - فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قالَ: لا؛ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ”» . ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ بِمَفْهُومِ صِفَةِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أنَّهُ لَوْ عَمِلَ هَذِهِ القُرَبَ في الجاهِلِيَّةِ وآمَنَ بِاللَّهِ حِينَ جاءَ الإسْلامُ لَكانَ عَمَلُهُ ذَلِكَ مَحْمُودًا.
ومَن يَجْعَلُ (ثُمَّ) مُفِيدَةً لِلتَّراخِي في الزَّمانِ يَجْعَلُ المَعْنى: لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وأتْبَعَها بِالإيمانِ. أيِ: اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ.
وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في الصَّحِيحِ“ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أشْياءً كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أوْ عَتاقَةٍ وصِلَةِ
صفحة ٣٦١
رَحِمٍ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ لِيَ النَّبِيُّ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ "» . والتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ، يَعْنِي: أنَّ دُخُولَهُ في الإسْلامِ أفادَ إعْطاءَ ثَوابٍ عَلى أعْمالِهِ كَأنَّهُ عَمِلَها في الإسْلامِ.
وقالَ: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) دُونَ أنْ يَقُولَ: ثُمَّ كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ الإيمانِ مِنَ الوَصْفِ بِمُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ الجَماعَةِ أقْوى مِن أجْلِ كَثْرَةِ المَوْصُوفِينَ بِها، فَإنَّ كَثْرَةَ الخَيْرِ خَيْرٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةٌ أُخْرى لِلْوَصْفِ، وهو جَعْلُهُ بِالمَوْصُولِ المُشْعِرِ بِأنَّهم عُرِفُوا بِالإيمانِ بَيْنَ الفِرَقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (آمَنُوا) لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ. فَجُعِلَ الفِعْلُ كالمُسْتَغْنِي عَنِ المُتَعَلَّقِ.
وأيْضًا لِيَتَأتّى مِن ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا تَخَلُّصٌ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾) ولِبِشارَتِهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أوْصافِ المُؤْمِنِينَ تَواصِيَهِمْ بِالصَّبْرِ وتَواصِيَهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْرَفُ صِفاتِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، فَإنَّ الصَّبْرَ مِلاكُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن كَبْحِ الشَّهْوَةِ النَّفْسانِيَّةِ، وذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ.
والمَرْحَمَةُ مِلاكُ صَلاحِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]) .
والتَّواصِي بِالرَّحْمَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ مَن يُوصِي بِالمَرْحَمَةِ هو الَّذِي عَرَفَ قَدْرَها وفَضْلَها، فَهو يَفْعَلُها قَبْلَ أنْ يُوصِيَ بِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ ولا مِن أهْلِ المَرْحَمَةِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) وقَوْلِهِ: (﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
البلد 90:17
( ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ ﴿أوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ﴾ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) تَفْرِيعَ إدْماجٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: (﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ: هَدَيْناهُ الطَّرِيقَيْنِ فَلَمْ يَسْلُكِ النَّجْدَ المُوَصِّلَ إلى الخَيْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿يَقُولُ أهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، وتَكُونُ (﴿لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ أداتُهُ. وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: أنَّهُ يَدَّعِي إهْلاكَ مالٍ كَثِيرٍ في الفَسادِ مِن مَيْسِرٍ وخَمْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ،
صفحة ٣٥٦
أفَلا أهْلَكَهُ في القُرَبِ والفَضائِلِ بِفَكِّ الرِّقابِ وإطْعامِ المَساكِينِ في زَمَنِ المَجاعَةِ، فَإنَّ الإنْفاقَ في ذَلِكَ لا يَخْفى عَلى النّاسِ خِلافًا لِما يَدَّعِيهِ مِن إنْفاقٍ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ لا يَعْرِضُ الإشْكالُ بِعَدَمِ تَكَرُّرِ (لا) فَإنَّ شَأْنَ (لا) النّافِيَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ولَمْ تُكَرَّرْ أنْ تَكُونَ لِلدُّعاءِ إلّا إذا تَكَرَّرَتْ مَعَها مِثْلُها مَعْطُوفَةً عَلَيْها، نَحْوَ قَوْلِهِ: (﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١]) أوْ كانَتْ (لا) مَعْطُوفَةً عَلى نَفْيٍ نَحْوَ: ما خَرَجْتُ ولا رَكِبْتُ. فَهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ (لا) . وقَدْ جاءَتْ هُنا نافِيَةً في غَيْرِ دُعاءٍ، ولَمْ تُكَرَّرِ اسْتِغْناءً عَنْ تَكْرِيرِها بِكَوْنِ (ما) بَعْدَها، وهو (اقْتَحَمَ العَقَبَةَ) يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ جاءَ بَيانُهُما في قَوْلِهِ: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) فَكَأنَّهُ قالَ: فَلا فَكَّ رَقَبَةً ولا أطْعَمَ يَتِيمًا أوْ مِسْكِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَمُ تَكْرِيرِ (لا) هُنا اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ: (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا آمَنَ. ويَظْهَرُ أنَّ كُلَّ ما يَصْرِفُ عَنِ التِباسِ الكَلامِ كافٍ عَنْ تَكْرِيرِ (لا) كالِاسْتِثْناءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ: ”لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ إلّا الَّذِي جالَ وجابَ ) إلَخْ. وأُطْلِقَ (العَقَبَةُ) عَلى العَمَلِ المُوصِلِ لِلْخَيْرِ؛ لِأنَّ عَقَبَةَ النَّجْدِ أعْلى مَوْضِعٍ فِيهِ. ولِكُلِّ نَجْدٍ عَقَبَةٌ يَنْتَهِي بِها. وفي العَقَباتِ تَظْهَرُ مَقْدِرَةُ السّابِرَةِ.
والِاقْتِحامُ: الدُّخُولُ العَسِيرُ في مَكانٍ أوْ جَماعَةٍ كَثِيرِينَ، يُقالُ: اقْتَحَمَ الصَّفَّ، وهو افْتِعالٌ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَلُّفِ مِثْلَ اكْتَسَبَ، فَشُبِّهَ تَكَلُّفُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِاقْتِحامِ العَقَبَةِ في شِدَّتِهِ عَلى النَّفْسِ ومَشَقَّتِهِ، قالَ تَعالى: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) .
والِاقْتِحامُ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، وهو مَعَ ذَلِكَ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ تَزاحُمَ النّاسِ إنَّما يَكُونُ في طَلَبِ المَنافِعِ كَما قالَ:
والمَوْرِدُ العَذْبُ كَثِيرُ الزِّحامْ
وأفادَ نَفْيُ الِاقْتِحامِ أنَّهُ عَدَلَ عَنِ الِاهْتِداءِ إيثارًا لِلْعاجِلِ عَلى الآجِلِ، ولَوْ عَزَمَ وصَبَرَ لاقْتَحَمَ العَقَبَةَ. وقَدْ تَتابَعَتِ الِاسْتِعاراتُ الثَّلاثُ: النَّجْدَيْنِ، والعَقَبَةُ، والِاقْتِحامُ، وبُنِيَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مِن أحْسَنِ الِاسْتِعارَةِ، وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
صفحة ٣٥٧
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ اهْتِداءِ هَؤُلاءِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مَعَ قِيامِ أسْبابِ الِاهْتِداءِ مِنَ الإدْراكِ والنُّطْقِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾) حالٌ مِنَ (العَقَبَةَ) في قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) لِلتَّنْوِيهِ بِها وأنَّها لِأهَمِّيَّتِها يُسْألُ عَنْها المُخاطَبُ هَلْ أعْلَمَهُ مُعْلِمٌ ما هي، أيْ: لَمْ يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ في حالِ جَدارَتِها بِأنْ تُقْتَحَمَ، وهَذا التَّنْوِيهُ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى مَعْرِفَةِ المُرادِ مِنَ العَقَبَةِ.
و(ما) الأُولى اسْتِفْهامٌ. و(ما) الثّانِيَةُ مِثْلُها. والتَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما هي العَقَبَةُ، أيْ: أعْلَمَكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أمْرًا عَزِيزًا يَحْتاجُ إلى مَن يُعْلِمُكَ بِهِ.
والخِطابُ في (ما أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ المَثَلِ.
وفِعْلُ (أدْراكَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ لِوُقُوعِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ، (فَكُّ رَقَبَةٍ) بِرَفْعِ (فَكُّ) وإضافَتِهِ إلى (رَقَبَةٍ) ورَفْعِ (إطْعامٌ) عَطْفًا عَلى (فَكُّ) .
وجُمْلَةُ (فَكُّ رَقَبَةٍ) بَيانٌ لِلْعَقَبَةِ، والتَّقْدِيرُ: هي فَكُّ رَقَبَةٍ، فَحُذَفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ حَذْفًا لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ. وتَبْيِينُ العَقَبَةِ بِأنَّها: (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾) مَبْنِيٌّ عَلى اسْتِعارَةِ العَقَبَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، فَلا وجْهَ لِتَقْدِيرِ مَن قَدَّرَ مُضافًا فَقالَ: أيْ: وما أدْراكَ ما اقْتِحامُ العَقَبَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ (فَكَّ) بِفَتْحِ الكافِ عَلى صِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ، وبِنَصْبِ (رَقَبَةً) عَلى المَفْعُولِ لِـ (فَكَّ) أوْ (أطْعَمَ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ عَيْنِ (إطْعامٌ) عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ عَطْفًا عَلى (فَكَّ)، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، أوْ تَكُونُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) أيْ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ ولا فَكَّ رَقَبَةً أوْ أطْعَمَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.
صفحة ٣٥٨
والفَكُّ: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مَنِ احْتازَ بِهِ.
والرَّقَبَةُ مُرادٌ بِها الإنْسانُ، مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى كُلِّهِ، مِثْلَ إطْلاقِ رَأْسٍ وعَيْنٍ ووَجْهٍ، وإيثارُ لِفَظِ الرَّقَبَةِ هُنا؛ لِأنَّ المُرادَ ذاتُ الأسِيرِ أوِ العَبْدِ، وأوَّلُ ما يَخْطُرُ بِذِهْنِ النّاظِرِ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ هو رَقَبَتُهُ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ يُوثَقُ مِن رَقَبَتِهِ.
وأُطْلِقَ الفَكُّ عَلى تَخْلِيصِ المَأْخُوذِ في أسْرٍ أوْ مِلْكٍ، لِمُشابَهَةِ تَخْلِيصِ الأمْرِ العَسِيرِ بِالنَّزْعِ مِن يَدِ القابِضِ المُمْتَنِعِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ وهو تَشَوُّفُ الشّارِعِ إلى الحُرِّيَّةِ، وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في ذَلِكَ في كِتابِ أُصُولِ النِّظامِ الِاجْتِماعِيِّ في الإسْلامِ.
والمَسْغَبَةُ: الجُوعُ، وهي مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ المَفْعَلَةِ، مِثْلَ: المَحْمَدَةِ والمَرْحَمَةِ، مِن سَغِبَ كَفَرِحَ سَغَبًا إذا جاعَ.
والمُرادُ بِـ (﴿يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾): زَمانٌ، لا النَّهارُ المَعْرُوفُ.
وإضافَةُ (ذِي) إلى (مَسْغَبَةٍ) تُفِيدُ اخْتِصاصَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالمَسْغَبَةِ، أيْ: يَوْمُ مَجاعَةٍ. وذَلِكَ زَمَنُ البَرْدِ وزَمَنُ القَحْطِ.
ووَجْهُ تَخْصِيصِ اليَوْمِ ذِي المَسْغَبَةِ بِالإطْعامِ فِيهِ، أنَّ النّاسَ في زَمَنِ المَجاعَةِ يَشْتَدُّ شُحُّهم بِالمالِ خَشْيَةَ امْتِدادِ زَمَنِ المَجاعَةِ والِاحْتِياجِ إلى الأقْواتِ. فالإطْعامُ في ذَلِكَ الزَّمَنِ أفْضَلُ، وهو العَقَبَةُ ودُونَ العَقَبَةِ مَصاعِدُ مُتَفاوِتَةٌ.
وانْتَصَبَ (يَتِيمًا) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (إطْعامٌ) الَّذِي هو مَصْدَرٌ عامِلٌ عَمَلَ فِعْلِهِ، وإعْمالُ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ ولا المُعَرَّفِ بِاللّامِ أقْيَسُ، وإنْ كانَ إعْمالُ المُضافِ أكْثَرَ، ومَنَعَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَ المَصْدَرِ غَيْرِ المُضافِ. وما ورَدَ بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ حَمَلُوهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِ المَصْدَرِ، فَيُقَدَّرُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَهم (يُطْعِمُ يَتِيمًا) .
واليَتِيمُ: الشَّخْصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أبٌ وهو دُونُ البُلُوغِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالإطْعامِ أنَّهُ مَظِنَّةُ قِلَّةِ الشِّبَعِ لِصِغَرِ سِنِّهِ وضَعْفِ عَمَلِهِ وفَقْدِ مَن يَعُولُهُ، ولِحَيائِهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِطَلَبِ ما يَحْتاجُهُ؛ فَلِذَلِكَ رُغِّبَ في إطْعامِهِ وإنْ لَمْ يَصِلْ حَدَّ المَسْكَنَةِ
صفحة ٣٥٩
والفَقْرِ ووُصِفَ بِكَوْنِهِ (ذا مَقْرَبَةٍ) أيْ: مَقْرَبَةٍ مِنَ المُطْعِمِ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ يُؤَكِّدُ إطْعامَهُ؛ لِأنَّ في كَوْنِهِ يَتِيمًا إغاثَةً لَهُ بِالإطْعامِ، وفي كَوْنِهِ ذا مَقْرَبَةٍ صِلَةً لِلرَّحِمِ.
والمَقْرَبَةُ: قَرابَةُ النَّسَبِ وهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في (مَسْغَبَةٍ) .
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]) و(﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾) صِفَةٌ لِمِسْكِينٍ، جُعِلَتِ المَتْرَبَةُ عَلامَةً عَلى الِاحْتِياجِ بِحَسْبِ العُرْفِ.
والمَتْرَبَةُ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ أيْضًا وفِعْلُهُ (تَرِبَ)، يُقالُ: تَرِبَ، إذا نامَ عَلى التُّرابِ أيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَفْتَرِشُهُ عَلى الأرْضِ، وهو في الأصْلِ كِنايَةٌ عَنِ العُرُوِّ مِنَ الثِّيابِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الجَسَدِ والأرْضِ عِنْدَ الجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم في الدُّعاءِ: تَرِبَتْ يَمِينُكُ، وتَرِبَتْ يَداكَ.
و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ وهو مَعْنى مِن مَعانِي (أوْ) جاءَ مِن إفادَةِ التَّخْيِيرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ المَخْصُوصُ، أيِ: المُشْرِكِينَ كانَ نَفْيُ فَكِّ الرِّقابِ والإطْعامِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ تَحَلِّيهِمْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ فَكَّ الرِّقابِ وإطْعامَ الجِياعِ مِنَ القُرُباتِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ مِن إطْعامِ الجِياعِ والمَحاوِيجِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَعْيِيرِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنَّما يُحِبُّونَ التَّفاخُرَ والسُّمْعَةَ وإرْضاءَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، أوْ لِمُؤانَسَةِ الأخِلّاءِ وذَلِكَ غالِبُ أحْوالِهِمْ، أيْ: لَمْ يُطْعِمُوا يَتِيمًا ولا مِسْكِينًا في يَوْمِ مَسْغَبَةٍ، أيْ: هو الطَّعامُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَ المُحْتاجِينَ مِن عِبادِهِ. ولَيْسَ مِثْلَ إطْعامِكم في المَآدِبِ والوَلائِمِ والمُنادَمَةِ الَّتِي لا تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلى المُطْعَمَيْنِ؛ لِأنَّ تِلْكَ المَطاعِمَ كانُوا يَدْعُونَ لَها أمْثالَهم مِن أهْلِ الجِدَّةِ دُونَ حاجَةٍ إلى الطَّعامِ، وإنَّما يُرِيدُونَ المُؤانَسَةَ أوِ المُفاخَرَةَ.
وفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُمْنَعُها مَن يَأْتِيها ويُدْعى إلَيْها مَن يَأْباها» ”، ورَوى الطَّبَرانِيُّ:“ «شَرُّ الطَّعامِ طَعامُ الوَلِيمَةِ يُدْعى إلَيْهِ الشَّبْعانُ ويُحْبَسُ عَنْهُ الجائِعُ» ”.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الإنْسانِ واحِدًا مُعَيَّنًا جازَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وجازَ أنْ يَكُونَ ذَمًّا لَهُ بِاللُّؤْمِ والتَّفاخُرِ الكاذِبِ، وفَضْحًا لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ
صفحة ٣٦٠
مِنهُ عَمَلٌ نافِعٌ لِقَوْمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَلَمْ يَغْرَمْ غَرامَةً في فِكاكِ أسِيرٍ أوْ مَأْخُوذٍ بِدَمٍ أوْ مَنَّ بِحُرِّيَّةٍ عَلى عَبْدٍ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّفَ المُشْرِكِينَ بِهَذِهِ القُرَبِ ولا أنَّهُ عاقَبَهم عَلى تَرْكِهِمْ هَذِهِ القُرُباتِ، حَتّى تُفْرَضَ فِيهِ مَسْألَةُ خِطابِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وهي مَسْألَةٌ قَلِيلَةُ الجَدْوى وفَرْضُها هُنا أقَلُّ إجْداءً.
وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾) .
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أرْقى رُتْبَةً في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ بِفَكِّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٍ بَعْدَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا. وفي فِعْلِ (كانَ) إشْعارٌ بِأنَّ إيمانَهُ سابِقٌ عَلى اقْتِحامِ العَقَبَةِ المَطْلُوبَةِ فِيهِ بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى انْتِفائِها عَنْهُ.
فَعَطْفُ (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾) عَلى الجُمَلِ المَسُوقَةِ لِلتَّوْبِيخِ والذَّمِّ يُفِيدُ أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ، أوْ هَذا الإنْسانَ المُعَيَّنَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مَلُومٌ عَلى ما فَرَّطَ فِيهِ لِانْتِفاءِ إيمانِهِ، وأنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأعْمالِ الحَسَنَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ما نَفَعَهُ عَمَلُهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الحَظُّ الأعْظَمُ مِنَ الصّالِحاتِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ (ثُمَّ) مِنَ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، فَهو مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ شَرْطٌ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ.
«وعَنْ عائِشَةَ“ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ ويُطْعِمُ الطَّعامَ ويَفُكُّ العانِيَ ويُعْتِقُ الرِّقابَ ويَحْمِلُ عَلى إبِلِهِ لِلَّهِ - أيْ يُرِيدُ التَّقَرُّبَ - فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ قالَ: لا؛ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ”» . ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ بِمَفْهُومِ صِفَةِ (الَّذِينَ آمَنُوا) أنَّهُ لَوْ عَمِلَ هَذِهِ القُرَبَ في الجاهِلِيَّةِ وآمَنَ بِاللَّهِ حِينَ جاءَ الإسْلامُ لَكانَ عَمَلُهُ ذَلِكَ مَحْمُودًا.
ومَن يَجْعَلُ (ثُمَّ) مُفِيدَةً لِلتَّراخِي في الزَّمانِ يَجْعَلُ المَعْنى: لا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وأتْبَعَها بِالإيمانِ. أيِ: اقْتَحَمَ العَقَبَةَ في الجاهِلِيَّةِ وأسْلَمَ لَمّا جاءَ الإسْلامُ.
وقَدْ جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في الصَّحِيحِ“ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أشْياءً كُنْتُ أتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن صَدَقَةٍ أوْ عَتاقَةٍ وصِلَةِ
صفحة ٣٦١
رَحِمٍ فَهَلْ فِيها مِن أجْرٍ ؟ فَقالَ لِيَ النَّبِيُّ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ "» . والتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ، يَعْنِي: أنَّ دُخُولَهُ في الإسْلامِ أفادَ إعْطاءَ ثَوابٍ عَلى أعْمالِهِ كَأنَّهُ عَمِلَها في الإسْلامِ.
وقالَ: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) دُونَ أنْ يَقُولَ: ثُمَّ كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ كَوْنَهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أدَلُّ عَلى ثُبُوتِ الإيمانِ مِنَ الوَصْفِ بِمُؤْمِنٍ؛ لِأنَّ صِفَةَ الجَماعَةِ أقْوى مِن أجْلِ كَثْرَةِ المَوْصُوفِينَ بِها، فَإنَّ كَثْرَةَ الخَيْرِ خَيْرٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ في هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةٌ أُخْرى لِلْوَصْفِ، وهو جَعْلُهُ بِالمَوْصُولِ المُشْعِرِ بِأنَّهم عُرِفُوا بِالإيمانِ بَيْنَ الفِرَقِ.
وحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (آمَنُوا) لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ. فَجُعِلَ الفِعْلُ كالمُسْتَغْنِي عَنِ المُتَعَلَّقِ.
وأيْضًا لِيَتَأتّى مِن ذِكْرِ الَّذِينَ آمَنُوا تَخَلُّصٌ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (﴿وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾) ولِبِشارَتِهِمْ بِأنَّهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أوْصافِ المُؤْمِنِينَ تَواصِيَهِمْ بِالصَّبْرِ وتَواصِيَهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْرَفُ صِفاتِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، فَإنَّ الصَّبْرَ مِلاكُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كُلِّها؛ لِأنَّها لا تَخْلُو مِن كَبْحِ الشَّهْوَةِ النَّفْسانِيَّةِ، وذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ.
والمَرْحَمَةُ مِلاكُ صَلاحِ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]) .
والتَّواصِي بِالرَّحْمَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ اتِّصافِهِمْ بِالمَرْحَمَةِ؛ لِأنَّ مَن يُوصِي بِالمَرْحَمَةِ هو الَّذِي عَرَفَ قَدْرَها وفَضْلَها، فَهو يَفْعَلُها قَبْلَ أنْ يُوصِيَ بِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ ولا مِن أهْلِ المَرْحَمَةِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]) وقَوْلِهِ: (﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) .
البلد 90:18
صفحة ٣٦٢
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾ .
لَمّا نَوَّهَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أعَقَبَ التَّنْوِيهَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ وبِشارَتِهِمْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ لِإحْضارِهِمْ بِصِفاتِهِمْ في ذِهْنِ السّامِعِ، مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن إرادَةِ التَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ.
والمَيْمَنَةُ: جِهَةُ اليَمِينِ، فَهي مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ مَأْخُوذَةٌ مِن فِعْلِ يَمَنَهُ (فِعْلًا ماضِيًا) إذا كانَ عَلى يَمِينِهِ، أيْ: عَلى جِهَةِ يَدِهِ اليُمْنى، أوْ مَأْخُوذَةٌ مِن يَمَنَهُ اللَّهُ يُمْنًا، إذا بارَكَهُ، وإحْدى المادَّتَيْنِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأُخْرى، قِيلَ: سُمِّيَتِ اليَدُ اليُمْنى يَمِينًا ويُمْنى لِأنَّها أعْوَدُ نَفْعًا عَلى صاحِبِها في يُسْرِ أعْمالِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ بِلادُ اليَمَنِ يَمَنًا؛ لِأنَّها عَنْ جِهَةِ يَمِينِ الواقِفِ مُسْتَقْبِلًا الكَعْبَةَ مِن بابِها؛ لِأنَّ بابَ الكَعْبَةِ شَرْقِيٌّ، فالجِهَةُ الَّتِي عَلى يَمِينِ الدّاخِلِ إلى الكَعْبَةِ هي الجَنُوبُ وهي جِهَةُ بِلادِ اليَمَنِ، وكانَتْ بِلادُ اليَمَنِ مَشْهُورَةً بِالخَيْراتِ، فَهي مَيْمُونَةٌ، وكانَ جُغْرافِيُّو اليُونانِ يَصِفُونَها بِالعَرَبِيَّةِ السَّعِيدَةِ، وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ اعْتِبارُهم ما جاءَ عَنِ اليَمِينِ مِنَ الوَحْشِ والطَّيْرِ مُبَشِّرًا بِالخَيْرِ في عَقِيدَةِ أهْلِ الزَّجْرِ والعِيافَةِ، فالأيامِنُ المَيْمُونَةُ، قالَ المُرَقِّشُ يُفَنِّدُ ذَلِكَ:
فَإذا الأشائِمُ كالأيامِنِ والأيامِنُ كالأشائِمْ
ونَشَأ عَلى اعْتِبارِ عَكْسِ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ بِلادِ الشّامِ شَأْمًا بِالهَمْزِ مُشْتَقَّةً مِنَ الشُّؤْمِ؛ لِأنَّ بِلادَ الشّامِ مِن جِهَةِ شِمالِ الدّاخِلِ إلى الكَعْبَةِ، وقَدْ أبْطَلَ الإسْلامُ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «”اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في شَأْمِنا وفي يَمَنِنا“» وما تَسْمِيَتُهم ضِدَّ اليَدِ اليُمْنى يَسارًا إلّا لِإبْطالِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الشُّؤْمِ فِيها.
ولَمّا كانَتْ جِهَةُ اليَمِينِ جِهَةً مُكَرَّمَةً تَعارَفُوا الجُلُوسَ عَلى اليَمِينِ في المَجامِعِ كَرامَةً لِلْجالِسِ، وجَعَلُوا ضِدَّهم بِعَكْسِ ذَلِكَ. وقَدْ أبْطَلَهُ الإسْلامُ فَكانَ النّاسُ يَجْلِسُونَ حِينَ انْتَهى بِهِمُ المَجْلِسُ.
وسُمِّيَ أهْلُ الجَنَّةِ أصْحابَ المَيْمَنَةِ وأصْحابَ اليَمِينِ، وسُمِّيَ أهْلُ النّارِ ”أصْحابَ المَشْأمَةِ“ و”أصْحابَ الشِّمالِ“ في سُورَةِ الواقِعَةِ، فَقَوْلُهُ: (﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾) أيْ: أصْحابُ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
صفحة ٣٦٣
وقَوْلُهُ: (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) أيْ: هم مُحَقَّرُونَ. وذَلِكَ كِنايَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى عُرْفِ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ في مَجالِسِهِمْ، ولا مَيْمَنَةَ ولا مَشْأمَةَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ تَقْتَضِيانِ حَيِّزًا لِمَن تُنْسَبُ إلَيْهِ الجِهَةُ.
وجُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) تَتْمِيمٌ لِما سِيقَ مِن ذَمِّ الإنْسانِ المَذْكُورِ آنِفًا، إذْ لَمْ يُعَقَّبْ ذَمُّهُ هُنالِكَ بِوَعِيدِهِ عِنايَةً بِالأهَمِّ وهو ذِكْرُ حالَةِ أضْدادِهِ ووَعْدِهِمْ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ ذَلِكَ ثُنِيَ العِنانُ إلى ذَلِكَ الإنْسانِ فَحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ بَيْنَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ.
وقَدْ عَرَفْتَ آنِفًا أنَّ المَشْأمَةَ مَنزِلَةُ الإهانَةِ والغَضَبِ، ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ: (﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾) .
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ ولَيْسَ لِلْقَصْرِ، إذْ قَدِ اسْتُفِيدَ القَصْرُ مِن ذِكْرِ الجُمْلَةِ المُضادَّةِ لِلَّتِي قَبْلَها وهي (﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾) .
و(مُوصَدَةٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أوْصَدَ البابَ بِالواوِ. ويُقالُ: أأْصَدَ - بِالهَمْزِ - وهُما لُغَتانِ، قِيلَ: الهَمْزُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ جَعَلَهُ وصِيدَةً. والوَصِيدَةُ: بَيْتٌ يُتَّخَذُ مِنَ الحِجارَةِ في الجِبالِ لِحِفْظِ الإبِلِ. فَقَرَأ الجُمْهُورُ (مُوصَدَةٌ) بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ مِن أوْصَدَ بِالواوِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ مِن أأْصَدَ البابَ، بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى وصَدَهُ.
وجُمْلَةُ (﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم أصْحابُ المَشْأمَةِ.
و(عَلَيْهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُوصَدَةٌ) وقُدِّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الغَلْقِ عَلَيْهِمْ تَعْجِيلًا لِلتَّرْهِيبِ.
وقَدِ اسْتَتَبَّ بِهَذا التَّقْدِيمِ رِعايَةُ الفَواصِلِ بِالهاءِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]) .
صفحة ٣٦٤
وإسْنادُ المُوصَدَيَّةِ إلى النّارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمُوصَدُ هو مَوْضُوعُ النّارِ، أيْ: جَهَنَّمُ.
* * *
صفحة ٣٦٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشَّمْسِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الشَّمْسِ) بِدُونِ واوٍ، وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ بِدُونِ واوٍ في نُسَخٍ صَحِيحَةٍ مِن جامِعِ التِّرْمِذِيِّ ومِن عارِضَةِ الأحْوَذِيِّ لِابْنِ العَرَبِيِّ.
وعَنْوَنَها البُخارِيُّ سُورَةَ (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) بِحِكايَةِ لَفْظِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ وهو أوْلى أسْمائِها لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلى القارِئِ بِسُورَةِ (﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]) المُسَمّاةِ سُورَةَ التَّكْوِيرِ.
ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ السّادِسَةَ والعِشْرِينَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القَدْرِ، وقَبْلَ سُورَةِ البُرُوجِ.
وآياتُها خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً في عَدَدِ جُمْهُورِ الأمْصارِ، وعَدَّها أهْلُ مَكَّةَ سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً.
* * *
تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ بِإشْراكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما أصابَ ثَمُودًا بِإشْراكِهِمْ وعُتُوِّهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمُ الَّذِي دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ.
وقُدِّمَ لِذَلِكَ تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِالقَسَمِ بِأشْياءَ مُعَظَّمَةٍ وذُكِرَ مِن أحْوالِها ما هو دَلِيلٌ
صفحة ٣٦٦
عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ والَّذِي لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ الإلَهِيَّةَ، وخاصَّةً أحْوالَ النُّفُوسِ ومَراتِبَها في مَسالِكَ الهُدى والضَّلالِ والسَّعادَةِ والشَّقاءِ.
البلد 90:19
صفحة ٣٦٢
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾ .
لَمّا نَوَّهَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أعَقَبَ التَّنْوِيهَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ وبِشارَتِهِمْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ لِإحْضارِهِمْ بِصِفاتِهِمْ في ذِهْنِ السّامِعِ، مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن إرادَةِ التَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ.
والمَيْمَنَةُ: جِهَةُ اليَمِينِ، فَهي مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ مَأْخُوذَةٌ مِن فِعْلِ يَمَنَهُ (فِعْلًا ماضِيًا) إذا كانَ عَلى يَمِينِهِ، أيْ: عَلى جِهَةِ يَدِهِ اليُمْنى، أوْ مَأْخُوذَةٌ مِن يَمَنَهُ اللَّهُ يُمْنًا، إذا بارَكَهُ، وإحْدى المادَّتَيْنِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأُخْرى، قِيلَ: سُمِّيَتِ اليَدُ اليُمْنى يَمِينًا ويُمْنى لِأنَّها أعْوَدُ نَفْعًا عَلى صاحِبِها في يُسْرِ أعْمالِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ بِلادُ اليَمَنِ يَمَنًا؛ لِأنَّها عَنْ جِهَةِ يَمِينِ الواقِفِ مُسْتَقْبِلًا الكَعْبَةَ مِن بابِها؛ لِأنَّ بابَ الكَعْبَةِ شَرْقِيٌّ، فالجِهَةُ الَّتِي عَلى يَمِينِ الدّاخِلِ إلى الكَعْبَةِ هي الجَنُوبُ وهي جِهَةُ بِلادِ اليَمَنِ، وكانَتْ بِلادُ اليَمَنِ مَشْهُورَةً بِالخَيْراتِ، فَهي مَيْمُونَةٌ، وكانَ جُغْرافِيُّو اليُونانِ يَصِفُونَها بِالعَرَبِيَّةِ السَّعِيدَةِ، وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ اعْتِبارُهم ما جاءَ عَنِ اليَمِينِ مِنَ الوَحْشِ والطَّيْرِ مُبَشِّرًا بِالخَيْرِ في عَقِيدَةِ أهْلِ الزَّجْرِ والعِيافَةِ، فالأيامِنُ المَيْمُونَةُ، قالَ المُرَقِّشُ يُفَنِّدُ ذَلِكَ:
فَإذا الأشائِمُ كالأيامِنِ والأيامِنُ كالأشائِمْ
ونَشَأ عَلى اعْتِبارِ عَكْسِ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ بِلادِ الشّامِ شَأْمًا بِالهَمْزِ مُشْتَقَّةً مِنَ الشُّؤْمِ؛ لِأنَّ بِلادَ الشّامِ مِن جِهَةِ شِمالِ الدّاخِلِ إلى الكَعْبَةِ، وقَدْ أبْطَلَ الإسْلامُ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «”اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في شَأْمِنا وفي يَمَنِنا“» وما تَسْمِيَتُهم ضِدَّ اليَدِ اليُمْنى يَسارًا إلّا لِإبْطالِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الشُّؤْمِ فِيها.
ولَمّا كانَتْ جِهَةُ اليَمِينِ جِهَةً مُكَرَّمَةً تَعارَفُوا الجُلُوسَ عَلى اليَمِينِ في المَجامِعِ كَرامَةً لِلْجالِسِ، وجَعَلُوا ضِدَّهم بِعَكْسِ ذَلِكَ. وقَدْ أبْطَلَهُ الإسْلامُ فَكانَ النّاسُ يَجْلِسُونَ حِينَ انْتَهى بِهِمُ المَجْلِسُ.
وسُمِّيَ أهْلُ الجَنَّةِ أصْحابَ المَيْمَنَةِ وأصْحابَ اليَمِينِ، وسُمِّيَ أهْلُ النّارِ ”أصْحابَ المَشْأمَةِ“ و”أصْحابَ الشِّمالِ“ في سُورَةِ الواقِعَةِ، فَقَوْلُهُ: (﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾) أيْ: أصْحابُ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
صفحة ٣٦٣
وقَوْلُهُ: (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) أيْ: هم مُحَقَّرُونَ. وذَلِكَ كِنايَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى عُرْفِ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ في مَجالِسِهِمْ، ولا مَيْمَنَةَ ولا مَشْأمَةَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ تَقْتَضِيانِ حَيِّزًا لِمَن تُنْسَبُ إلَيْهِ الجِهَةُ.
وجُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) تَتْمِيمٌ لِما سِيقَ مِن ذَمِّ الإنْسانِ المَذْكُورِ آنِفًا، إذْ لَمْ يُعَقَّبْ ذَمُّهُ هُنالِكَ بِوَعِيدِهِ عِنايَةً بِالأهَمِّ وهو ذِكْرُ حالَةِ أضْدادِهِ ووَعْدِهِمْ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ ذَلِكَ ثُنِيَ العِنانُ إلى ذَلِكَ الإنْسانِ فَحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ بَيْنَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ.
وقَدْ عَرَفْتَ آنِفًا أنَّ المَشْأمَةَ مَنزِلَةُ الإهانَةِ والغَضَبِ، ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ: (﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾) .
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ ولَيْسَ لِلْقَصْرِ، إذْ قَدِ اسْتُفِيدَ القَصْرُ مِن ذِكْرِ الجُمْلَةِ المُضادَّةِ لِلَّتِي قَبْلَها وهي (﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾) .
و(مُوصَدَةٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أوْصَدَ البابَ بِالواوِ. ويُقالُ: أأْصَدَ - بِالهَمْزِ - وهُما لُغَتانِ، قِيلَ: الهَمْزُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ جَعَلَهُ وصِيدَةً. والوَصِيدَةُ: بَيْتٌ يُتَّخَذُ مِنَ الحِجارَةِ في الجِبالِ لِحِفْظِ الإبِلِ. فَقَرَأ الجُمْهُورُ (مُوصَدَةٌ) بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ مِن أوْصَدَ بِالواوِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ مِن أأْصَدَ البابَ، بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى وصَدَهُ.
وجُمْلَةُ (﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم أصْحابُ المَشْأمَةِ.
و(عَلَيْهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُوصَدَةٌ) وقُدِّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الغَلْقِ عَلَيْهِمْ تَعْجِيلًا لِلتَّرْهِيبِ.
وقَدِ اسْتَتَبَّ بِهَذا التَّقْدِيمِ رِعايَةُ الفَواصِلِ بِالهاءِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]) .
صفحة ٣٦٤
وإسْنادُ المُوصَدَيَّةِ إلى النّارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمُوصَدُ هو مَوْضُوعُ النّارِ، أيْ: جَهَنَّمُ.
* * *
صفحة ٣٦٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشَّمْسِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الشَّمْسِ) بِدُونِ واوٍ، وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ بِدُونِ واوٍ في نُسَخٍ صَحِيحَةٍ مِن جامِعِ التِّرْمِذِيِّ ومِن عارِضَةِ الأحْوَذِيِّ لِابْنِ العَرَبِيِّ.
وعَنْوَنَها البُخارِيُّ سُورَةَ (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) بِحِكايَةِ لَفْظِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ وهو أوْلى أسْمائِها لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلى القارِئِ بِسُورَةِ (﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]) المُسَمّاةِ سُورَةَ التَّكْوِيرِ.
ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ السّادِسَةَ والعِشْرِينَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القَدْرِ، وقَبْلَ سُورَةِ البُرُوجِ.
وآياتُها خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً في عَدَدِ جُمْهُورِ الأمْصارِ، وعَدَّها أهْلُ مَكَّةَ سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً.
* * *
تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ بِإشْراكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما أصابَ ثَمُودًا بِإشْراكِهِمْ وعُتُوِّهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمُ الَّذِي دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ.
وقُدِّمَ لِذَلِكَ تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِالقَسَمِ بِأشْياءَ مُعَظَّمَةٍ وذُكِرَ مِن أحْوالِها ما هو دَلِيلٌ
صفحة ٣٦٦
عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ والَّذِي لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ الإلَهِيَّةَ، وخاصَّةً أحْوالَ النُّفُوسِ ومَراتِبَها في مَسالِكَ الهُدى والضَّلالِ والسَّعادَةِ والشَّقاءِ.
البلد 90:20
صفحة ٣٦٢
﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾ .
لَمّا نَوَّهَ بِالَّذِينَ آمَنُوا أعَقَبَ التَّنْوِيهَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ وبِشارَتِهِمْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ لِإحْضارِهِمْ بِصِفاتِهِمْ في ذِهْنِ السّامِعِ، مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن إرادَةِ التَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ.
والمَيْمَنَةُ: جِهَةُ اليَمِينِ، فَهي مَفْعَلَةٌ لِلْمَكانِ مَأْخُوذَةٌ مِن فِعْلِ يَمَنَهُ (فِعْلًا ماضِيًا) إذا كانَ عَلى يَمِينِهِ، أيْ: عَلى جِهَةِ يَدِهِ اليُمْنى، أوْ مَأْخُوذَةٌ مِن يَمَنَهُ اللَّهُ يُمْنًا، إذا بارَكَهُ، وإحْدى المادَّتَيْنِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الأُخْرى، قِيلَ: سُمِّيَتِ اليَدُ اليُمْنى يَمِينًا ويُمْنى لِأنَّها أعْوَدُ نَفْعًا عَلى صاحِبِها في يُسْرِ أعْمالِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ بِلادُ اليَمَنِ يَمَنًا؛ لِأنَّها عَنْ جِهَةِ يَمِينِ الواقِفِ مُسْتَقْبِلًا الكَعْبَةَ مِن بابِها؛ لِأنَّ بابَ الكَعْبَةِ شَرْقِيٌّ، فالجِهَةُ الَّتِي عَلى يَمِينِ الدّاخِلِ إلى الكَعْبَةِ هي الجَنُوبُ وهي جِهَةُ بِلادِ اليَمَنِ، وكانَتْ بِلادُ اليَمَنِ مَشْهُورَةً بِالخَيْراتِ، فَهي مَيْمُونَةٌ، وكانَ جُغْرافِيُّو اليُونانِ يَصِفُونَها بِالعَرَبِيَّةِ السَّعِيدَةِ، وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ اعْتِبارُهم ما جاءَ عَنِ اليَمِينِ مِنَ الوَحْشِ والطَّيْرِ مُبَشِّرًا بِالخَيْرِ في عَقِيدَةِ أهْلِ الزَّجْرِ والعِيافَةِ، فالأيامِنُ المَيْمُونَةُ، قالَ المُرَقِّشُ يُفَنِّدُ ذَلِكَ:
فَإذا الأشائِمُ كالأيامِنِ والأيامِنُ كالأشائِمْ
ونَشَأ عَلى اعْتِبارِ عَكْسِ ذَلِكَ تَسْمِيَةُ بِلادِ الشّامِ شَأْمًا بِالهَمْزِ مُشْتَقَّةً مِنَ الشُّؤْمِ؛ لِأنَّ بِلادَ الشّامِ مِن جِهَةِ شِمالِ الدّاخِلِ إلى الكَعْبَةِ، وقَدْ أبْطَلَ الإسْلامُ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «”اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا في شَأْمِنا وفي يَمَنِنا“» وما تَسْمِيَتُهم ضِدَّ اليَدِ اليُمْنى يَسارًا إلّا لِإبْطالِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ الشُّؤْمِ فِيها.
ولَمّا كانَتْ جِهَةُ اليَمِينِ جِهَةً مُكَرَّمَةً تَعارَفُوا الجُلُوسَ عَلى اليَمِينِ في المَجامِعِ كَرامَةً لِلْجالِسِ، وجَعَلُوا ضِدَّهم بِعَكْسِ ذَلِكَ. وقَدْ أبْطَلَهُ الإسْلامُ فَكانَ النّاسُ يَجْلِسُونَ حِينَ انْتَهى بِهِمُ المَجْلِسُ.
وسُمِّيَ أهْلُ الجَنَّةِ أصْحابَ المَيْمَنَةِ وأصْحابَ اليَمِينِ، وسُمِّيَ أهْلُ النّارِ ”أصْحابَ المَشْأمَةِ“ و”أصْحابَ الشِّمالِ“ في سُورَةِ الواقِعَةِ، فَقَوْلُهُ: (﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾) أيْ: أصْحابُ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
صفحة ٣٦٣
وقَوْلُهُ: (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) أيْ: هم مُحَقَّرُونَ. وذَلِكَ كِنايَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى عُرْفِ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ في مَجالِسِهِمْ، ولا مَيْمَنَةَ ولا مَشْأمَةَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ تَقْتَضِيانِ حَيِّزًا لِمَن تُنْسَبُ إلَيْهِ الجِهَةُ.
وجُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) تَتْمِيمٌ لِما سِيقَ مِن ذَمِّ الإنْسانِ المَذْكُورِ آنِفًا، إذْ لَمْ يُعَقَّبْ ذَمُّهُ هُنالِكَ بِوَعِيدِهِ عِنايَةً بِالأهَمِّ وهو ذِكْرُ حالَةِ أضْدادِهِ ووَعْدِهِمْ، فَلَمّا قُضِيَ حَقُّ ذَلِكَ ثُنِيَ العِنانُ إلى ذَلِكَ الإنْسانِ فَحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ بَيْنَ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ.
وقَدْ عَرَفْتَ آنِفًا أنَّ المَشْأمَةَ مَنزِلَةُ الإهانَةِ والغَضَبِ، ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ: (﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾) .
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ ولَيْسَ لِلْقَصْرِ، إذْ قَدِ اسْتُفِيدَ القَصْرُ مِن ذِكْرِ الجُمْلَةِ المُضادَّةِ لِلَّتِي قَبْلَها وهي (﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾) .
و(مُوصَدَةٌ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أوْصَدَ البابَ بِالواوِ. ويُقالُ: أأْصَدَ - بِالهَمْزِ - وهُما لُغَتانِ، قِيلَ: الهَمْزُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ جَعَلَهُ وصِيدَةً. والوَصِيدَةُ: بَيْتٌ يُتَّخَذُ مِنَ الحِجارَةِ في الجِبالِ لِحِفْظِ الإبِلِ. فَقَرَأ الجُمْهُورُ (مُوصَدَةٌ) بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ مِن أوْصَدَ بِالواوِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ مِن أأْصَدَ البابَ، بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى وصَدَهُ.
وجُمْلَةُ (﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُوصَدَةٌ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾) أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم أصْحابُ المَشْأمَةِ.
و(عَلَيْهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُوصَدَةٌ) وقُدِّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الغَلْقِ عَلَيْهِمْ تَعْجِيلًا لِلتَّرْهِيبِ.
وقَدِ اسْتَتَبَّ بِهَذا التَّقْدِيمِ رِعايَةُ الفَواصِلِ بِالهاءِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]) .
صفحة ٣٦٤
وإسْنادُ المُوصَدَيَّةِ إلى النّارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والمُوصَدُ هو مَوْضُوعُ النّارِ، أيْ: جَهَنَّمُ.
* * *
صفحة ٣٦٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشَّمْسِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الشَّمْسِ) بِدُونِ واوٍ، وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ بِدُونِ واوٍ في نُسَخٍ صَحِيحَةٍ مِن جامِعِ التِّرْمِذِيِّ ومِن عارِضَةِ الأحْوَذِيِّ لِابْنِ العَرَبِيِّ.
وعَنْوَنَها البُخارِيُّ سُورَةَ (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) بِحِكايَةِ لَفْظِ الآيَةِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ وهو أوْلى أسْمائِها لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلى القارِئِ بِسُورَةِ (﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]) المُسَمّاةِ سُورَةَ التَّكْوِيرِ.
ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ السّادِسَةَ والعِشْرِينَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القَدْرِ، وقَبْلَ سُورَةِ البُرُوجِ.
وآياتُها خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً في عَدَدِ جُمْهُورِ الأمْصارِ، وعَدَّها أهْلُ مَكَّةَ سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً.
* * *
تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ بِإشْراكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما أصابَ ثَمُودًا بِإشْراكِهِمْ وعُتُوِّهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمُ الَّذِي دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ.
وقُدِّمَ لِذَلِكَ تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِالقَسَمِ بِأشْياءَ مُعَظَّمَةٍ وذُكِرَ مِن أحْوالِها ما هو دَلِيلٌ
صفحة ٣٦٦
عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ والَّذِي لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ الإلَهِيَّةَ، وخاصَّةً أحْوالَ النُّفُوسِ ومَراتِبَها في مَسالِكَ الهُدى والضَّلالِ والسَّعادَةِ والشَّقاءِ.
الشمس 91:1
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.
والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.
وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.
وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.
ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.
والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ
صفحة ٣٦٧
بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.
ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.
فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.
وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.
وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ
صفحة ٣٦٨
أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .
وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.
والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .
والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .
و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.
وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .
صفحة ٣٦٩
وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .
و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.
وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.
فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.
والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.
ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ
صفحة ٣٧٠
قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.
وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.
وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.
الشمس 91:2
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.
والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.
وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.
وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.
ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.
والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ
صفحة ٣٦٧
بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.
ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.
فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.
وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.
وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ
صفحة ٣٦٨
أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .
وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.
والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .
والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .
و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.
وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .
صفحة ٣٦٩
وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .
و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.
وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.
فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.
والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.
ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ
صفحة ٣٧٠
قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.
وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.
وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.
الشمس 91:3
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.
والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.
وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.
وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.
ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.
والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ
صفحة ٣٦٧
بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.
ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.
فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.
وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.
وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ
صفحة ٣٦٨
أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .
وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.
والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .
والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .
و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.
وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .
صفحة ٣٦٩
وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .
و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.
وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.
فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.
والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.
ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ
صفحة ٣٧٠
قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.
وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.
وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.
الشمس 91:4
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.
والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.
وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.
وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.
ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.
والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ
صفحة ٣٦٧
بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.
ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.
فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.
وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.
وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ
صفحة ٣٦٨
أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .
وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.
والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .
والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .
و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.
وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .
صفحة ٣٦٩
وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .
و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.
وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.
فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.
والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.
ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ
صفحة ٣٧٠
قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.
وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.
وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.
الشمس 91:5
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.
والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.
وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.
وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.
ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.
والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ
صفحة ٣٦٧
بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.
ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.
فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.
وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.
وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ
صفحة ٣٦٨
أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .
وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.
والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .
والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .
و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.
وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .
صفحة ٣٦٩
وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .
و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.
وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.
فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.
والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.
ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ
صفحة ٣٧٠
قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.
وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.
وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.
الشمس 91:6
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.
والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.
وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.
وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.
ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.
والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ
صفحة ٣٦٧
بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.
ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.
فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.
وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.
وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ
صفحة ٣٦٨
أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .
وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.
والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .
والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .
و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.
وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .
صفحة ٣٦٩
وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .
و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.
وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.
فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.
والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.
ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ
صفحة ٣٧٠
قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.
وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.
وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.
الشمس 91:7
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.
والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.
وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.
وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.
ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.
والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ
صفحة ٣٦٧
بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.
ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.
فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.
وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.
وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ
صفحة ٣٦٨
أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .
وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.
والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .
والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .
و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.
وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .
صفحة ٣٦٩
وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .
و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.
وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.
فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.
والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.
ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ
صفحة ٣٧٠
قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.
وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.
وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.
الشمس 91:8
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.
والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.
وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.
وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.
ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.
والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ
صفحة ٣٦٧
بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.
ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.
فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.
وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.
وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ
صفحة ٣٦٨
أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .
وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.
والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .
والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .
و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.
وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.
وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .
صفحة ٣٦٩
وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .
و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.
وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.
فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.
والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.
ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.
وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ
صفحة ٣٧٠
قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.
وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.
وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.
ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.
الشمس 91:9
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ القَسَمِ، وأنَّ المَعْنى تَحْقِيقُ فَلاحِ المُؤْمِنِينَ وخَيْبَةِ المُشْرِكِينَ كَما جُعِلَ في سُورَةِ اللَّيْلِ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) . . . إلَخْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ القَسَمِ والجَوابِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ إلْهامِ الفُجُورِ والتَّقْوى، أيْ: أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ واتَّبَعَ ما ألْهَمَهُ اللَّهُ مِنَ التَّقْوى، وخابَ مَنِ اخْتارَ الفُجُورَ بَعْدَ أنْ أُلْهِمَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بِالإدْراكِ والإرْشادِ الإلَهِيِّ.
صفحة ٣٧١
وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْطِئَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]) فَإنَّ ما أصابَ ثَمُودًا كانَ مِن خَيْبَتِهِمْ؛ لِأنَّهم دَسَّوْا أنْفُسَهم بِالطَّغْوى.
وقُدِّمَ الفَلاحُ عَلى الخَيْبَةِ لِمُناسَبَتِهِ لِلتَّقْوى، وأُرْدِفَ بِخَيْبَةِ مَن دَسّى نَفْسَهُ لِتَهْيِئَةِ الِانْتِقالِ إلى المَوْعِظَةِ بِما حَصَلَ لِثَمُودَ مِن عِقابٍ عَلى ما هو أثَرُ التَّدْسِيَةِ.
و(مَن) صادِقَةٌ عَلى الإنْسانِ، أيِ: الَّذِي زَكّى نَفْسَهُ بِأنِ اخْتارَ لَها ما بِهِ كَمالُها ودَفْعُ الرَّذائِلِ عَنْها، فالإنْسانُ والنَّفْسُ شَيْءٌ واحِدٌ، ونُزِّلا مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ بِاخْتِلافِ الإرادَةِ والِاكْتِسابِ.
والتَّزْكِيَةُ: الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ.
ومَعْنى (دَسّاها): حالَ بَيْنَها وبَيْنَ فِعْلِ الخَيْرِ. وأصْلُ فِعْلِ (دَسّى): دَسَّ، إذا أدْخَلَ شَيْئًا تَحْتَ شَيْءٍ فَأخْفاهُ، فَأبْدَلُوا الحَرْفَ المُضاعَفَ ياءً طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا: تَقَضّى البازِيُّ، أيْ: تَقَضَّضَ، وقالُوا: تَظَنَّيْتُ، أيْ: مِنَ الظَّنِّ.
وإنْ كانَتْ جُمْلَةُ (﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾) جَوابَ القَسَمِ، فَجُمْلَةُ (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]) في مَوْقِعِ الدَّلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾) أيْ: خابَ كَخَيْبَةِ ثَمُودَ.
والفَلاحُ: النَّجاحُ بِحُصُولِ المَطْلُوبِ، والخَيْبَةُ ضِدُّهُ، أيْ أنْ يُحْرَمَ الطّالِبُ مِمّا طَلَبَهُ.
فالإنْسانُ يَرْغَبُ في المُلائِمِ النّافِعِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَطْلُبُ ما بِهِ النَّفْعُ والكَمالُ الدّائِمانِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَطْلُبُ ما فِيهِ عاجِلُ النَّفْعِ والكَمالُ الزّائِفُ، فالأوَّلُ قَدْ نَجَحَ فِيما طَلَبَهُ فَهو مُفْلِحٌ، والثّانِي يُحَصِّلُ نَفْعًا عارِضًا زائِلًا وكَمالًا مُوَقَّتًا يَنْقَلِبُ انْحِطاطًا، فَذَلِكَ لَمْ يَنْجَحْ فِيما طَلَبَهُ فَهو خائِبٌ، وقَدْ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ هُنا بِالفَلاحِ والخَيْبَةِ كَما عُبِّرَ عَنْهُ في مَواضِعَ أُخَرَ بِالرِّبْحِ والخَسارَةِ.
والمَقْصُودُ هُنا الفَلاحُ في الآخِرَةِ والخَيْبَةُ فِيها.
وفِي هَذِهِ الآياتِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَقَدْ ذُكِرَتْ أشْياءُ مُتَقابِلَةٌ مُتَضادَّةٌ مِثْلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِاخْتِلافِ وقْتِ ظُهُورِهِما، ومِثْلُ: النَّهارِ واللَّيْلِ، والتَّجْلِيَةِ
صفحة ٣٧٢
والغَشْيِ، والسَّماءِ والأرْضِ، والبِناءِ والطَّحْوِ، والفُجُورِ والتَّقْوى، والفَلاحِ والخَيْبَةِ، والتَّزْكِيَةِ والتَّدْسِيَةِ.
الشمس 91:10
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ القَسَمِ، وأنَّ المَعْنى تَحْقِيقُ فَلاحِ المُؤْمِنِينَ وخَيْبَةِ المُشْرِكِينَ كَما جُعِلَ في سُورَةِ اللَّيْلِ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) . . . إلَخْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ القَسَمِ والجَوابِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ إلْهامِ الفُجُورِ والتَّقْوى، أيْ: أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ واتَّبَعَ ما ألْهَمَهُ اللَّهُ مِنَ التَّقْوى، وخابَ مَنِ اخْتارَ الفُجُورَ بَعْدَ أنْ أُلْهِمَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بِالإدْراكِ والإرْشادِ الإلَهِيِّ.
صفحة ٣٧١
وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْطِئَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]) فَإنَّ ما أصابَ ثَمُودًا كانَ مِن خَيْبَتِهِمْ؛ لِأنَّهم دَسَّوْا أنْفُسَهم بِالطَّغْوى.
وقُدِّمَ الفَلاحُ عَلى الخَيْبَةِ لِمُناسَبَتِهِ لِلتَّقْوى، وأُرْدِفَ بِخَيْبَةِ مَن دَسّى نَفْسَهُ لِتَهْيِئَةِ الِانْتِقالِ إلى المَوْعِظَةِ بِما حَصَلَ لِثَمُودَ مِن عِقابٍ عَلى ما هو أثَرُ التَّدْسِيَةِ.
و(مَن) صادِقَةٌ عَلى الإنْسانِ، أيِ: الَّذِي زَكّى نَفْسَهُ بِأنِ اخْتارَ لَها ما بِهِ كَمالُها ودَفْعُ الرَّذائِلِ عَنْها، فالإنْسانُ والنَّفْسُ شَيْءٌ واحِدٌ، ونُزِّلا مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ بِاخْتِلافِ الإرادَةِ والِاكْتِسابِ.
والتَّزْكِيَةُ: الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ.
ومَعْنى (دَسّاها): حالَ بَيْنَها وبَيْنَ فِعْلِ الخَيْرِ. وأصْلُ فِعْلِ (دَسّى): دَسَّ، إذا أدْخَلَ شَيْئًا تَحْتَ شَيْءٍ فَأخْفاهُ، فَأبْدَلُوا الحَرْفَ المُضاعَفَ ياءً طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا: تَقَضّى البازِيُّ، أيْ: تَقَضَّضَ، وقالُوا: تَظَنَّيْتُ، أيْ: مِنَ الظَّنِّ.
وإنْ كانَتْ جُمْلَةُ (﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾) جَوابَ القَسَمِ، فَجُمْلَةُ (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]) في مَوْقِعِ الدَّلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾) أيْ: خابَ كَخَيْبَةِ ثَمُودَ.
والفَلاحُ: النَّجاحُ بِحُصُولِ المَطْلُوبِ، والخَيْبَةُ ضِدُّهُ، أيْ أنْ يُحْرَمَ الطّالِبُ مِمّا طَلَبَهُ.
فالإنْسانُ يَرْغَبُ في المُلائِمِ النّافِعِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَطْلُبُ ما بِهِ النَّفْعُ والكَمالُ الدّائِمانِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَطْلُبُ ما فِيهِ عاجِلُ النَّفْعِ والكَمالُ الزّائِفُ، فالأوَّلُ قَدْ نَجَحَ فِيما طَلَبَهُ فَهو مُفْلِحٌ، والثّانِي يُحَصِّلُ نَفْعًا عارِضًا زائِلًا وكَمالًا مُوَقَّتًا يَنْقَلِبُ انْحِطاطًا، فَذَلِكَ لَمْ يَنْجَحْ فِيما طَلَبَهُ فَهو خائِبٌ، وقَدْ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ هُنا بِالفَلاحِ والخَيْبَةِ كَما عُبِّرَ عَنْهُ في مَواضِعَ أُخَرَ بِالرِّبْحِ والخَسارَةِ.
والمَقْصُودُ هُنا الفَلاحُ في الآخِرَةِ والخَيْبَةُ فِيها.
وفِي هَذِهِ الآياتِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَقَدْ ذُكِرَتْ أشْياءُ مُتَقابِلَةٌ مُتَضادَّةٌ مِثْلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِاخْتِلافِ وقْتِ ظُهُورِهِما، ومِثْلُ: النَّهارِ واللَّيْلِ، والتَّجْلِيَةِ
صفحة ٣٧٢
والغَشْيِ، والسَّماءِ والأرْضِ، والبِناءِ والطَّحْوِ، والفُجُورِ والتَّقْوى، والفَلاحِ والخَيْبَةِ، والتَّزْكِيَةِ والتَّدْسِيَةِ.
الشمس 91:11
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] .
إنْ كانَتْ جُمْلَةُ (﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]) . . . إلَخْ مُعْتَرِضَةً، كانَتْ هَذِهِ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤]) أيْ: حَقًّا لَقَدْ كانَ ذَلِكَ لِذَلِكَ، ولامُ الجَوابِ مَحْذُوفٌ تَخْفِيفًا لِاسْتِطالَةِ القَسَمِ، وقَدْ مَثَّلُوا لِحَذْفِ اللّامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) .
والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرَّسُولَ طُغْيانًا هم يَعْلَمُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ كَما كَذَّبَتْ ثَمُودُ رَسُولَهم طُغْيانًا، وذَلِكَ هو المُحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلى أنَّ ما حَلَّ بِثَمُودَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ كانَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا لِيَتَدَبَّرُوا أوْ لِتَنْزِيلِ عِلْمِ مَن عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم مَنزِلَةَ الإنْكارِ لِعَدَمِ جَرْيِ أمْرِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ لَيُصِيبَنَّكم عَذابٌ كَما أصابَ ثَمُودَ، ولَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ عَذابُ السَّيْفِ بِأيْدِي الَّذِينَ عادَوْهم وآذَوْهم وأخْرَجُوهم، وذَلِكَ أقْسى عَلَيْهِمْ وأنْكى.
فَمَفْعُولُ (كَذَّبَتْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) والتَّقْدِيرُ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ ورَسُولِهِمْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ الأعْرافِ.
وباءُ (بِطَغْواها) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: كانَتْ طَغْواها سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.
والطَّغْوى: اسْمُ مَصْدَرٍ، يُقالُ: طَغا طَغْوًا وطُغْيانًا، والطُّغْيانُ: فَرْطُ الكِبْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَنْظِيرِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في تَكْذِيبِهِمْ بِثَمُودَ في أنَّ سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ هو
صفحة ٣٧٣
الطُّغْيانُ والتَّكَبُّرُ عَنِ اتِّباعِ مَن لا يَرَوْنَ لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ (﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]) .
و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي يَتَعَلَّقُ بِـ (طَغْواها) لِأنَّ وقْتَ انْبِعاثِ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ هو الوَقْتُ الَّذِي بَدَتْ فِيهِ شِدَّةُ طَغْواها فَبَعَثُوا أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم آيَةً، وذَلِكَ مُنْتَهى الجُرْأةِ.
و(انْبَعَثَ): مُطاوِعُ بَعَثَ، فالمَعْنى: إذْ بَعَثُوا أشْقاهم فانْبَعَثَ وانْتَدَبَ لِذَلِكَ. و(إذْ) مُضافٌ إلى جُمْلَةِ (انْبَعَثَ) أشْقاها.
وقُدِّمَ ذِكْرُ هَذا الظَّرْفِ عَنْ مَوْقِعِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ﴾) لِأنَّ انْبِعاثَ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ طَغْواهم، فَهو أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالتَّكْذِيبِ المُسَبَّبِ عَنِ الطَّغْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ قَضاءٌ لِحَقِّ هَذا الِاتِّصالِ، ولِإفادَةِ أنَّ انْبِعاثَ أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ كانَ عَنْ إغْراءٍ مِنهم إيّاهُ، ولا يَفُوتُ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ: ناقَةَ اللَّهِ، ويُسْتَفادُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) .
و(﴿أشْقاها﴾): أشَدُّها شِقْوَةً، وعُنِيَ بِهِ رَجُلٌ مِنهم سَمّاهُ المُفَسِّرُونَ قُدارَ (بِضَمِّ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ المُهْمِلَةِ) بْنَ سالِفٍ، وزِيادَتُهُ عَلَيْهِمْ في الشَّقاوَةِ بِأنَّهُ الَّذِي باشَرَ الجَرِيمَةَ وإنْ كانَ عَنْ مَلَأٍ مِنهم وإغْراءٍ.
والفاءُ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) عاطِفَةٌ عَلى (كَذَّبَتْ) فَتُفِيدُ التَّرْتِيبَ والتَّعْقِيبَ كَما هو الغالِبُ فِيها. ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَدّاهم بِآيَةِ النّاقَةِ وحَذَّرَهم مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ ومِن مَنعِها شُرْبَها في نَوْبَتِها مِنَ السُّقْيا، وعُطِفَ عَلى (فَكَذَّبُوهُ) أيْ: فِيما أنْذَرَهم بِهِ فَعَقَرُوها بِالتَّكْذِيبِ المَذْكُورِ أوَّلَ مَرَّةٍ غَيْرَ التَّكْذِيبِ المَذْكُورِ ثانِيًا، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ آيَةَ النّاقَةِ أُرْسِلَتْ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا، وهو الشَّأْنُ في آياتِ الرُّسُلِ، وهو ظاهِرُ ما جاءَ في سُورَةِ هُودٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ المُجَرَّدِ وهي تُفِيدُ عَطْفَ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]) فَإنَّ إزْلالَهُما إبْعادُهُما وهو يَحْصُلُ بَعْدَ الإخْراجِ لا قَبْلُهُ. وقَوْلِهِ: (﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤])
صفحة ٣٧٤
فَيَكُونُ المَعْنى: (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾) . ثُمَّ فُصِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) والعَقْرُ عِنْدَ انْبِعاثِ أشْقاها، وعَلَيْهِ فَلا ضَرُورَةَ إلى اعْتِبارِ الظَّرْفِ وهو (﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾) مُقَدَّمًا مِن تَأْخِيرٍ.
وأُعِيدَتْ عَلَيْهِمْ ضَمائِرُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّهم جَمْعٌ وإنْ كانَتِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ مُراعًى فِيها أنَّ ثَمُودَ اسْمُ قَبِيلَةٍ.
وانْتَصَبَ (﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾) عَلى التَّحْذِيرِ، والتَّقْدِيرُ: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. والمُرادُ: التَّحْذِيرُ مِن أنْ يُؤْذُوها، فالكَلامُ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذَّواتِ، والمُرادُ: أحْوالُها.
وإضافَةُ (ناقَةَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها آيَةٌ جَعَلَها اللَّهُ عَلى صِدْقِ رِسالَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّ خُرُوجَها لَهم كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ.
والسُّقْيا: اسْمُ مَصْدَرِ سَقى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى التَّحْذِيرِ، أيِ: احْذَرُوا سَقْيَها، أيِ: احْذَرُوا غَصْبَ سَقْيِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ أُطْلِقَ السُّقْيا عَلى الماءِ الَّذِي تُسْقى مِنهُ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، فَيَرْجِعُ إلى إضافَةِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ: حالَةٌ تُعْرَفُ مِنَ المَقامِ، فَإنَّ مادَّةَ سُقْيا تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَسْقُوا إبِلَهم مِنَ الماءِ الَّذِي في يَوْمِ نَوْبَتِها.
والتَّكْذِيبُ المُعَقَّبُ بِهِ تَحْذِيرُهُ إيّاهم بِقَوْلِهِ: (﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾) تَكْذِيبٌ ثانٍ وهو تَكْذِيبُهم بِما اقْتَضاهُ التَّحْذِيرُ مِنَ الوَعِيدِ والإنْذارِ بِالعَذابِ إنْ لَمْ يَحْذَرُوا الِاعْتِداءَ عَلى تِلْكَ النّاقَةِ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]) .
وبِهَذا الِاعْتِبارِ اسْتَقامَ التَّعْبِيرُ عَنْ مُقابَلَةِ التَّحْذِيرِ بِالتَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّحْذِيرَ إنْشاءٌ، فالتَّكْذِيبُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى ما في التَّحْذِيرِ مِنَ الإنْذارِ بِالعَذابِ.
والعَقْرُ: جَرْحُ البَعِيرِ في يَدَيْهِ لِيَبْرُكَ عَلى الأرْضِ مِنَ الألَمِ فَيُنْحَرَ في لَبَّتِهِ، فالعَقْرُ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ النَّحْرِ لِتَلازُمِهِما.
الشمس 91:12
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] .
إنْ كانَتْ جُمْلَةُ (﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]) . . . إلَخْ مُعْتَرِضَةً، كانَتْ هَذِهِ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤]) أيْ: حَقًّا لَقَدْ كانَ ذَلِكَ لِذَلِكَ، ولامُ الجَوابِ مَحْذُوفٌ تَخْفِيفًا لِاسْتِطالَةِ القَسَمِ، وقَدْ مَثَّلُوا لِحَذْفِ اللّامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) .
والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرَّسُولَ طُغْيانًا هم يَعْلَمُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ كَما كَذَّبَتْ ثَمُودُ رَسُولَهم طُغْيانًا، وذَلِكَ هو المُحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلى أنَّ ما حَلَّ بِثَمُودَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ كانَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا لِيَتَدَبَّرُوا أوْ لِتَنْزِيلِ عِلْمِ مَن عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم مَنزِلَةَ الإنْكارِ لِعَدَمِ جَرْيِ أمْرِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ لَيُصِيبَنَّكم عَذابٌ كَما أصابَ ثَمُودَ، ولَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ عَذابُ السَّيْفِ بِأيْدِي الَّذِينَ عادَوْهم وآذَوْهم وأخْرَجُوهم، وذَلِكَ أقْسى عَلَيْهِمْ وأنْكى.
فَمَفْعُولُ (كَذَّبَتْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) والتَّقْدِيرُ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ ورَسُولِهِمْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ الأعْرافِ.
وباءُ (بِطَغْواها) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: كانَتْ طَغْواها سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.
والطَّغْوى: اسْمُ مَصْدَرٍ، يُقالُ: طَغا طَغْوًا وطُغْيانًا، والطُّغْيانُ: فَرْطُ الكِبْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَنْظِيرِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في تَكْذِيبِهِمْ بِثَمُودَ في أنَّ سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ هو
صفحة ٣٧٣
الطُّغْيانُ والتَّكَبُّرُ عَنِ اتِّباعِ مَن لا يَرَوْنَ لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ (﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]) .
و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي يَتَعَلَّقُ بِـ (طَغْواها) لِأنَّ وقْتَ انْبِعاثِ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ هو الوَقْتُ الَّذِي بَدَتْ فِيهِ شِدَّةُ طَغْواها فَبَعَثُوا أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم آيَةً، وذَلِكَ مُنْتَهى الجُرْأةِ.
و(انْبَعَثَ): مُطاوِعُ بَعَثَ، فالمَعْنى: إذْ بَعَثُوا أشْقاهم فانْبَعَثَ وانْتَدَبَ لِذَلِكَ. و(إذْ) مُضافٌ إلى جُمْلَةِ (انْبَعَثَ) أشْقاها.
وقُدِّمَ ذِكْرُ هَذا الظَّرْفِ عَنْ مَوْقِعِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ﴾) لِأنَّ انْبِعاثَ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ طَغْواهم، فَهو أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالتَّكْذِيبِ المُسَبَّبِ عَنِ الطَّغْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ قَضاءٌ لِحَقِّ هَذا الِاتِّصالِ، ولِإفادَةِ أنَّ انْبِعاثَ أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ كانَ عَنْ إغْراءٍ مِنهم إيّاهُ، ولا يَفُوتُ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ: ناقَةَ اللَّهِ، ويُسْتَفادُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) .
و(﴿أشْقاها﴾): أشَدُّها شِقْوَةً، وعُنِيَ بِهِ رَجُلٌ مِنهم سَمّاهُ المُفَسِّرُونَ قُدارَ (بِضَمِّ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ المُهْمِلَةِ) بْنَ سالِفٍ، وزِيادَتُهُ عَلَيْهِمْ في الشَّقاوَةِ بِأنَّهُ الَّذِي باشَرَ الجَرِيمَةَ وإنْ كانَ عَنْ مَلَأٍ مِنهم وإغْراءٍ.
والفاءُ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) عاطِفَةٌ عَلى (كَذَّبَتْ) فَتُفِيدُ التَّرْتِيبَ والتَّعْقِيبَ كَما هو الغالِبُ فِيها. ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَدّاهم بِآيَةِ النّاقَةِ وحَذَّرَهم مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ ومِن مَنعِها شُرْبَها في نَوْبَتِها مِنَ السُّقْيا، وعُطِفَ عَلى (فَكَذَّبُوهُ) أيْ: فِيما أنْذَرَهم بِهِ فَعَقَرُوها بِالتَّكْذِيبِ المَذْكُورِ أوَّلَ مَرَّةٍ غَيْرَ التَّكْذِيبِ المَذْكُورِ ثانِيًا، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ آيَةَ النّاقَةِ أُرْسِلَتْ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا، وهو الشَّأْنُ في آياتِ الرُّسُلِ، وهو ظاهِرُ ما جاءَ في سُورَةِ هُودٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ المُجَرَّدِ وهي تُفِيدُ عَطْفَ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]) فَإنَّ إزْلالَهُما إبْعادُهُما وهو يَحْصُلُ بَعْدَ الإخْراجِ لا قَبْلُهُ. وقَوْلِهِ: (﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤])
صفحة ٣٧٤
فَيَكُونُ المَعْنى: (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾) . ثُمَّ فُصِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) والعَقْرُ عِنْدَ انْبِعاثِ أشْقاها، وعَلَيْهِ فَلا ضَرُورَةَ إلى اعْتِبارِ الظَّرْفِ وهو (﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾) مُقَدَّمًا مِن تَأْخِيرٍ.
وأُعِيدَتْ عَلَيْهِمْ ضَمائِرُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّهم جَمْعٌ وإنْ كانَتِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ مُراعًى فِيها أنَّ ثَمُودَ اسْمُ قَبِيلَةٍ.
وانْتَصَبَ (﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾) عَلى التَّحْذِيرِ، والتَّقْدِيرُ: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. والمُرادُ: التَّحْذِيرُ مِن أنْ يُؤْذُوها، فالكَلامُ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذَّواتِ، والمُرادُ: أحْوالُها.
وإضافَةُ (ناقَةَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها آيَةٌ جَعَلَها اللَّهُ عَلى صِدْقِ رِسالَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّ خُرُوجَها لَهم كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ.
والسُّقْيا: اسْمُ مَصْدَرِ سَقى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى التَّحْذِيرِ، أيِ: احْذَرُوا سَقْيَها، أيِ: احْذَرُوا غَصْبَ سَقْيِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ أُطْلِقَ السُّقْيا عَلى الماءِ الَّذِي تُسْقى مِنهُ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، فَيَرْجِعُ إلى إضافَةِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ: حالَةٌ تُعْرَفُ مِنَ المَقامِ، فَإنَّ مادَّةَ سُقْيا تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَسْقُوا إبِلَهم مِنَ الماءِ الَّذِي في يَوْمِ نَوْبَتِها.
والتَّكْذِيبُ المُعَقَّبُ بِهِ تَحْذِيرُهُ إيّاهم بِقَوْلِهِ: (﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾) تَكْذِيبٌ ثانٍ وهو تَكْذِيبُهم بِما اقْتَضاهُ التَّحْذِيرُ مِنَ الوَعِيدِ والإنْذارِ بِالعَذابِ إنْ لَمْ يَحْذَرُوا الِاعْتِداءَ عَلى تِلْكَ النّاقَةِ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]) .
وبِهَذا الِاعْتِبارِ اسْتَقامَ التَّعْبِيرُ عَنْ مُقابَلَةِ التَّحْذِيرِ بِالتَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّحْذِيرَ إنْشاءٌ، فالتَّكْذِيبُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى ما في التَّحْذِيرِ مِنَ الإنْذارِ بِالعَذابِ.
والعَقْرُ: جَرْحُ البَعِيرِ في يَدَيْهِ لِيَبْرُكَ عَلى الأرْضِ مِنَ الألَمِ فَيُنْحَرَ في لَبَّتِهِ، فالعَقْرُ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ النَّحْرِ لِتَلازُمِهِما.
الشمس 91:13
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] .
إنْ كانَتْ جُمْلَةُ (﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]) . . . إلَخْ مُعْتَرِضَةً، كانَتْ هَذِهِ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤]) أيْ: حَقًّا لَقَدْ كانَ ذَلِكَ لِذَلِكَ، ولامُ الجَوابِ مَحْذُوفٌ تَخْفِيفًا لِاسْتِطالَةِ القَسَمِ، وقَدْ مَثَّلُوا لِحَذْفِ اللّامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) .
والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرَّسُولَ طُغْيانًا هم يَعْلَمُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ كَما كَذَّبَتْ ثَمُودُ رَسُولَهم طُغْيانًا، وذَلِكَ هو المُحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلى أنَّ ما حَلَّ بِثَمُودَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ كانَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا لِيَتَدَبَّرُوا أوْ لِتَنْزِيلِ عِلْمِ مَن عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم مَنزِلَةَ الإنْكارِ لِعَدَمِ جَرْيِ أمْرِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ لَيُصِيبَنَّكم عَذابٌ كَما أصابَ ثَمُودَ، ولَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ عَذابُ السَّيْفِ بِأيْدِي الَّذِينَ عادَوْهم وآذَوْهم وأخْرَجُوهم، وذَلِكَ أقْسى عَلَيْهِمْ وأنْكى.
فَمَفْعُولُ (كَذَّبَتْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) والتَّقْدِيرُ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ ورَسُولِهِمْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ الأعْرافِ.
وباءُ (بِطَغْواها) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: كانَتْ طَغْواها سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.
والطَّغْوى: اسْمُ مَصْدَرٍ، يُقالُ: طَغا طَغْوًا وطُغْيانًا، والطُّغْيانُ: فَرْطُ الكِبْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَنْظِيرِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في تَكْذِيبِهِمْ بِثَمُودَ في أنَّ سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ هو
صفحة ٣٧٣
الطُّغْيانُ والتَّكَبُّرُ عَنِ اتِّباعِ مَن لا يَرَوْنَ لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ (﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]) .
و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي يَتَعَلَّقُ بِـ (طَغْواها) لِأنَّ وقْتَ انْبِعاثِ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ هو الوَقْتُ الَّذِي بَدَتْ فِيهِ شِدَّةُ طَغْواها فَبَعَثُوا أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم آيَةً، وذَلِكَ مُنْتَهى الجُرْأةِ.
و(انْبَعَثَ): مُطاوِعُ بَعَثَ، فالمَعْنى: إذْ بَعَثُوا أشْقاهم فانْبَعَثَ وانْتَدَبَ لِذَلِكَ. و(إذْ) مُضافٌ إلى جُمْلَةِ (انْبَعَثَ) أشْقاها.
وقُدِّمَ ذِكْرُ هَذا الظَّرْفِ عَنْ مَوْقِعِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ﴾) لِأنَّ انْبِعاثَ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ طَغْواهم، فَهو أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالتَّكْذِيبِ المُسَبَّبِ عَنِ الطَّغْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ قَضاءٌ لِحَقِّ هَذا الِاتِّصالِ، ولِإفادَةِ أنَّ انْبِعاثَ أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ كانَ عَنْ إغْراءٍ مِنهم إيّاهُ، ولا يَفُوتُ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ: ناقَةَ اللَّهِ، ويُسْتَفادُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) .
و(﴿أشْقاها﴾): أشَدُّها شِقْوَةً، وعُنِيَ بِهِ رَجُلٌ مِنهم سَمّاهُ المُفَسِّرُونَ قُدارَ (بِضَمِّ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ المُهْمِلَةِ) بْنَ سالِفٍ، وزِيادَتُهُ عَلَيْهِمْ في الشَّقاوَةِ بِأنَّهُ الَّذِي باشَرَ الجَرِيمَةَ وإنْ كانَ عَنْ مَلَأٍ مِنهم وإغْراءٍ.
والفاءُ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) عاطِفَةٌ عَلى (كَذَّبَتْ) فَتُفِيدُ التَّرْتِيبَ والتَّعْقِيبَ كَما هو الغالِبُ فِيها. ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَدّاهم بِآيَةِ النّاقَةِ وحَذَّرَهم مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ ومِن مَنعِها شُرْبَها في نَوْبَتِها مِنَ السُّقْيا، وعُطِفَ عَلى (فَكَذَّبُوهُ) أيْ: فِيما أنْذَرَهم بِهِ فَعَقَرُوها بِالتَّكْذِيبِ المَذْكُورِ أوَّلَ مَرَّةٍ غَيْرَ التَّكْذِيبِ المَذْكُورِ ثانِيًا، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ آيَةَ النّاقَةِ أُرْسِلَتْ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا، وهو الشَّأْنُ في آياتِ الرُّسُلِ، وهو ظاهِرُ ما جاءَ في سُورَةِ هُودٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ المُجَرَّدِ وهي تُفِيدُ عَطْفَ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]) فَإنَّ إزْلالَهُما إبْعادُهُما وهو يَحْصُلُ بَعْدَ الإخْراجِ لا قَبْلُهُ. وقَوْلِهِ: (﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤])
صفحة ٣٧٤
فَيَكُونُ المَعْنى: (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾) . ثُمَّ فُصِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) والعَقْرُ عِنْدَ انْبِعاثِ أشْقاها، وعَلَيْهِ فَلا ضَرُورَةَ إلى اعْتِبارِ الظَّرْفِ وهو (﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾) مُقَدَّمًا مِن تَأْخِيرٍ.
وأُعِيدَتْ عَلَيْهِمْ ضَمائِرُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّهم جَمْعٌ وإنْ كانَتِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ مُراعًى فِيها أنَّ ثَمُودَ اسْمُ قَبِيلَةٍ.
وانْتَصَبَ (﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾) عَلى التَّحْذِيرِ، والتَّقْدِيرُ: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. والمُرادُ: التَّحْذِيرُ مِن أنْ يُؤْذُوها، فالكَلامُ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذَّواتِ، والمُرادُ: أحْوالُها.
وإضافَةُ (ناقَةَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها آيَةٌ جَعَلَها اللَّهُ عَلى صِدْقِ رِسالَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّ خُرُوجَها لَهم كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ.
والسُّقْيا: اسْمُ مَصْدَرِ سَقى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى التَّحْذِيرِ، أيِ: احْذَرُوا سَقْيَها، أيِ: احْذَرُوا غَصْبَ سَقْيِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ أُطْلِقَ السُّقْيا عَلى الماءِ الَّذِي تُسْقى مِنهُ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، فَيَرْجِعُ إلى إضافَةِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ: حالَةٌ تُعْرَفُ مِنَ المَقامِ، فَإنَّ مادَّةَ سُقْيا تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَسْقُوا إبِلَهم مِنَ الماءِ الَّذِي في يَوْمِ نَوْبَتِها.
والتَّكْذِيبُ المُعَقَّبُ بِهِ تَحْذِيرُهُ إيّاهم بِقَوْلِهِ: (﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾) تَكْذِيبٌ ثانٍ وهو تَكْذِيبُهم بِما اقْتَضاهُ التَّحْذِيرُ مِنَ الوَعِيدِ والإنْذارِ بِالعَذابِ إنْ لَمْ يَحْذَرُوا الِاعْتِداءَ عَلى تِلْكَ النّاقَةِ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]) .
وبِهَذا الِاعْتِبارِ اسْتَقامَ التَّعْبِيرُ عَنْ مُقابَلَةِ التَّحْذِيرِ بِالتَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّحْذِيرَ إنْشاءٌ، فالتَّكْذِيبُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى ما في التَّحْذِيرِ مِنَ الإنْذارِ بِالعَذابِ.
والعَقْرُ: جَرْحُ البَعِيرِ في يَدَيْهِ لِيَبْرُكَ عَلى الأرْضِ مِنَ الألَمِ فَيُنْحَرَ في لَبَّتِهِ، فالعَقْرُ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ النَّحْرِ لِتَلازُمِهِما.
الشمس 91:14
صفحة ٣٧٥
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾ .
أيْ: صاحَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم صَيْحَةَ غَضَبٍ. والمُرادُ بِهَذِهِ الدَّمْدَمَةِ صَوْتُ الصّاعِقَةِ والرَّجْفَةِ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، قالَ تَعالى: (﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١]) وإسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ الصَّيْحَةِ وكَيْفِيّاتِها. فَوَزْنُ (دَمْدَمَ) فَعْلَلَ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ الأرْضَ، يُقالُ: دَمَّمَ عَلَيْهِ القَبْرَ، إذا أطْبَقَهُ ودَمْدَمَ مُكَرَّرُ دَمَّمَ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ كَبْكَبَ، وعَلَيْهِ فَوَزْنُ دَمْدَمَ: فَعْفَلَ.
وفُرِّعَ عَلى (﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾) (﴿فَسَوّاها﴾) أيْ: فاسْتَوَوْا في إصابَتِها لَهم، فَضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى الدَّمْدَمَةِ المَأْخُوذَةِ مِن (﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾) .
ومَن فَسَّرُوا (دَمْدَمَ) بِمَعْنى: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ الأرْضَ قالُوا: مَعْنى (﴿سَوّاها﴾ [الشمس: ٧]): جَعَلَ الأرْضَ مُسْتَوِيَةً عَلَيْهِمْ لا تَظْهَرُ فِيها أجْسادُهم ولا بِلادُهم، وجَعَلُوا ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ عائِدًا إلى الأرْضِ المَفْهُومَةِ مَن فِعْلِ (دَمْدَمَ) فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]) .
وبَيْنَ (فَسَوّاها) هُنا وقَوْلِهِ: (﴿وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧]) قَبْلَهُ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ.
والعُقْبى: ما يَحْصُلُ عَقِبَ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ مِن تَبِعَةٍ لِفاعِلِهِ أوْ مَثُوبَةٍ، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ عِقابًا وغَلَبَةً وكانَ العُرْفُ أنَّ المَغْلُوبَ يُكَنّى في نَفْسِهِ الأخْذُ بِالثَّأْرِ مِن غالِبِهِ فَلا يَهْدَأُ لَهُ بالٌ حَتّى يَثْأرَ لِنَفْسِهِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: الثّارُ المُنِيمُ، أيِ: الَّذِي يُزِيلُ النَّوْمَ عَنْ صاحِبِهِ، فَكانَ الَّذِي يَغْلِبُ غَيْرَهُ يَتَّقِي حَذَرًا مِن أنْ يَتَمَكَّنَ مَغْلُوبُهُ مِنَ الثَّأْرِ، أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ الغالِبُ الَّذِي لا يَقْدِرُ مَغْلُوبُهُ عَلى أخْذِ الثَّأْرِ مِنهُ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ اللَّهِ مِن عِقابِ المُشْرِكِينَ وأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم إمْهالٌ لَهم ولَيْسَ عَنْ عَجْزٍ، فَجُمْلَةُ (﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾) تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وإيذانٌ بِالخِتامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾) تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في الِاسْتِئْصالِ بِحالِ مَن لَمْ يَتْرُكْ مَن يَثْأرُ لَهُ فَيَكُونُ المَثَلُ كِنايَةً عَنْ هَلاكِهِمْ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ.
صفحة ٣٧٦
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (فَلا يَخافُ عُقْباها) بِفاءِ العَطْفِ تَفْرِيعًا عَلى (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾) وهو مَكْتُوبٌ بِالفاءِ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ. . . ومَعْنى التَّفْرِيعِ بِالفاءِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَفْرِيعُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ خَوْفِ اللَّهِ مِنهم مَعَ قُوَّتِهِمْ لِيَرْتَدِعَ بِهَذا العِلْمِ أمْثالُهم مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشَرَةِ (﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾) بِواوِ العَطْفِ أوِ الحالِ، وهي كَذَلِكَ في مَصاحِفَ أهْلِ مَكَّةَ وأهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ، وهي رِوايَةُ قُرّائِها. وقالَ ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ: أخْرَجَ لَنا مالِكٌ مُصْحَفًا لِجَدِّهِ وزَعَمَ أنَّهُ كَتَبَهُ في أيّامِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ حِينَ كَتَبَ المَصاحِفَ وفِيهِ (﴿ولا يَخافُ﴾) بِالواوِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَ مَصاحِفِ المَدِينَةِ بِالواوِ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْرَءُوا بِذَلِكَ؛ لِمُخالَفَتِهِ رِوايَتَهم.
الشمس 91:15
صفحة ٣٧٥
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾ .
أيْ: صاحَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم صَيْحَةَ غَضَبٍ. والمُرادُ بِهَذِهِ الدَّمْدَمَةِ صَوْتُ الصّاعِقَةِ والرَّجْفَةِ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، قالَ تَعالى: (﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١]) وإسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ الصَّيْحَةِ وكَيْفِيّاتِها. فَوَزْنُ (دَمْدَمَ) فَعْلَلَ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ الأرْضَ، يُقالُ: دَمَّمَ عَلَيْهِ القَبْرَ، إذا أطْبَقَهُ ودَمْدَمَ مُكَرَّرُ دَمَّمَ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ كَبْكَبَ، وعَلَيْهِ فَوَزْنُ دَمْدَمَ: فَعْفَلَ.
وفُرِّعَ عَلى (﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾) (﴿فَسَوّاها﴾) أيْ: فاسْتَوَوْا في إصابَتِها لَهم، فَضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى الدَّمْدَمَةِ المَأْخُوذَةِ مِن (﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾) .
ومَن فَسَّرُوا (دَمْدَمَ) بِمَعْنى: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ الأرْضَ قالُوا: مَعْنى (﴿سَوّاها﴾ [الشمس: ٧]): جَعَلَ الأرْضَ مُسْتَوِيَةً عَلَيْهِمْ لا تَظْهَرُ فِيها أجْسادُهم ولا بِلادُهم، وجَعَلُوا ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ عائِدًا إلى الأرْضِ المَفْهُومَةِ مَن فِعْلِ (دَمْدَمَ) فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]) .
وبَيْنَ (فَسَوّاها) هُنا وقَوْلِهِ: (﴿وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧]) قَبْلَهُ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ.
والعُقْبى: ما يَحْصُلُ عَقِبَ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ مِن تَبِعَةٍ لِفاعِلِهِ أوْ مَثُوبَةٍ، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ عِقابًا وغَلَبَةً وكانَ العُرْفُ أنَّ المَغْلُوبَ يُكَنّى في نَفْسِهِ الأخْذُ بِالثَّأْرِ مِن غالِبِهِ فَلا يَهْدَأُ لَهُ بالٌ حَتّى يَثْأرَ لِنَفْسِهِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: الثّارُ المُنِيمُ، أيِ: الَّذِي يُزِيلُ النَّوْمَ عَنْ صاحِبِهِ، فَكانَ الَّذِي يَغْلِبُ غَيْرَهُ يَتَّقِي حَذَرًا مِن أنْ يَتَمَكَّنَ مَغْلُوبُهُ مِنَ الثَّأْرِ، أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ الغالِبُ الَّذِي لا يَقْدِرُ مَغْلُوبُهُ عَلى أخْذِ الثَّأْرِ مِنهُ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ اللَّهِ مِن عِقابِ المُشْرِكِينَ وأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم إمْهالٌ لَهم ولَيْسَ عَنْ عَجْزٍ، فَجُمْلَةُ (﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾) تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وإيذانٌ بِالخِتامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾) تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في الِاسْتِئْصالِ بِحالِ مَن لَمْ يَتْرُكْ مَن يَثْأرُ لَهُ فَيَكُونُ المَثَلُ كِنايَةً عَنْ هَلاكِهِمْ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ.
صفحة ٣٧٦
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (فَلا يَخافُ عُقْباها) بِفاءِ العَطْفِ تَفْرِيعًا عَلى (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾) وهو مَكْتُوبٌ بِالفاءِ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ. . . ومَعْنى التَّفْرِيعِ بِالفاءِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَفْرِيعُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ خَوْفِ اللَّهِ مِنهم مَعَ قُوَّتِهِمْ لِيَرْتَدِعَ بِهَذا العِلْمِ أمْثالُهم مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشَرَةِ (﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾) بِواوِ العَطْفِ أوِ الحالِ، وهي كَذَلِكَ في مَصاحِفَ أهْلِ مَكَّةَ وأهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ، وهي رِوايَةُ قُرّائِها. وقالَ ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ: أخْرَجَ لَنا مالِكٌ مُصْحَفًا لِجَدِّهِ وزَعَمَ أنَّهُ كَتَبَهُ في أيّامِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ حِينَ كَتَبَ المَصاحِفَ وفِيهِ (﴿ولا يَخافُ﴾) بِالواوِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَ مَصاحِفِ المَدِينَةِ بِالواوِ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْرَءُوا بِذَلِكَ؛ لِمُخالَفَتِهِ رِوايَتَهم.