Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الليل 92:1 – الضحى 93:11
المحتويات
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
- الضحى 93:1
- الضحى 93:2
- الضحى 93:3
- الضحى 93:4
- الضحى 93:5
- الضحى 93:6
- الضحى 93:7
- الضحى 93:8
- الضحى 93:9
- الضحى 93:10
- الضحى 93:11
الليل 92:1
صفحة ٣٧٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ اللَّيْلِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ وبَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةَ اللَّيْلِ“ بِدُونِ واوٍ، وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةَ واللَّيْلِ“ بِإثْباتِ الواوِ، وعَنْوَنَها البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ ”سُورَةَ واللَّيْلِ إذا يَغْشى“ .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المَهْدَوِيِّ أنَّهُ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: بَعْضُها مَدَنِيٌّ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ الأقْوالَ في الإتْقانِ، وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لِما رُوِيَ مِن سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥]) إذْ رُوِيَ ”أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ في نَخْلَةٍ كانَ يَأْكُلُ أيْتامٌ مِن ثَمَرِها وكانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَمَنَعَهم مِن ثَمَرِها فاشْتَراها أبُو الدَّحْداحِ بِنَخِيلٍ وجَعَلَها لَهم“ وسَيَأْتِي.
وعُدَّتِ التّاسِعَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأعْلى وقَبْلَ سُورَةِ الفَجْرِ.
وعَدَدُ آيِها عِشْرُونَ.
* * *
احْتَوَتْ عَلى بَيانِ شَرَفِ المُؤْمِنِينَ وفَضائِلِ أعْمالِهِمْ، ومَذَمَّةِ المُشْرِكِينَ ومَساوِيهِمْ وجَزاءِ كُلٍّ.
وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي النّاسَ إلى الخَيْرِ، فَهو يَجْزِي المُهْتَدِينَ بِخَيْرِ الحَياتَيْنِ والضّالِّينَ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وأنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ ﷺ لِلتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ وما عِنْدَهُ فَيَنْتَفِعُ مَن يَخْشى فَيُفْلِحُ
صفحة ٣٧٨
ويَصْدِفُ عَنِ الذِّكْرى مَن كانَ شَقِيًّا فَيَكُونُ جَزاؤُهُ النّارَ الكُبْرى وأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّهم عَنِ التَّذَكُّرِ إيثارُ حُبِّ ما هم فِيهِ في هَذِهِ الحَياةِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدِيعِ صُنْعِهِ.
* * *
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ .
افْتِتاحُ الكَلامِ بِالقَسَمِ جارٍ عَلى أُسْلُوبِ السُّورَتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ، وغَرَضُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا.
ومُناسَبَةُ المُقْسَمِ بِهِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ أنَّ سَعْيَ النّاسِ مِنهُ خَيْرٌ ومِنهُ شَرٌّ وهُما يُماثِلانِ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وأنَّ سَعْيَ النّاسِ يَنْبَثِقُ عَنْ نَتائِجَ مِنها النّافِعُ ومِنها الضّارُّ كَما يُنْتِجُ الذَّكَرُ والأُنْثى ذُرِّيَّةً صالِحَةً وغَيْرَ صالِحَةٍ.
وفِي القَسَمِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ التَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِما في الِاسْتِدْلالِ عَلى حِكْمَةِ نِظامِ اللَّهِ في هَذا الكَوْنِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ ما في اللَّيْلِ مِنَ الدَّلالَةِ مِن حالَةِ غِشْيانِهِ الجانِبَ الَّذِي يَغْشاهُ مِنَ الأرْضِ ويَغْشى فِيهِ مِنَ المَوْجُوداتِ فَتَعُمُّها ظُلْمَتُهُ فَلا تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى أحْوالِهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِ النَّهارِ حالَةُ تَجْلِيَتِهِ عَنِ المَوْجُوداتِ وظُهُورِهِ عَلى الأرْضِ كَذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الغِشْيانِ والتَّجَلِّي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]) في سُورَةِ الشَّمْسِ.
واخْتِيرَ القَسَمُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ لِمُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ؛ لِأنَّ غَرَضَ السُّورَةِ بَيانُ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وابْتُدِئَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ ذِكْرِ النَّهارِ عَكْسَ ما في سُورَةِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الشَّمْسِ بِمُدَّةٍ وهي سادِسَةُ السُّوَرِ، وأيّامَئِذٍ كانَ الكُفْرُ مُخَيِّمًا عَلى النّاسِ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا، وكانَ الإسْلامُ قَدْ أخَذَ في التَّجَلِّي فَناسَبَ تِلْكَ الحالَةَ بِإشارَةٍ إلى تَمْثِيلِها بِحالَةِ اللَّيْلِ حِينَ يَعْقُبُهُ ظُهُورُ النَّهارِ، ويَتَّضِحُ هَذا في جَوابِ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]) .
صفحة ٣٧٩
وفِي قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) إجْمالٌ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى تَفْصِيلِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) الآيَةَ؛ لِيَتَمَكَّنَ تَفْصِيلُهُ في الذِّهْنِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَغْشى) لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِغِشْيانِهِ كُلَّ ما تَغْشاهُ ظُلْمَتُهُ.
وأُسْنِدَ إلى النَّهارِ التَّجَلِّي مَدْحًا لَهُ بِالِاسْتِنارَةِ الَّتِي يَراها كُلُّ أحَدٍ ويُحِسُّ بِها حَتّى البُصَراءُ.
والتَّجَلِّي: الوُضُوحُ، وتَجَلِّي النَّهارِ: وُضُوحُ ضِيائِهِ، فَهو بِمَعْنى قَوْلِهِ: (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) وقَوْلِهِ: (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١]) .
وأُشِيرَ إلى أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ كانَتْ غالِبَةً لِضَوْءِ النَّهارِ وأنَّ النَّهارَ يَعْقُبُها، والظُّلْمَةُ هي أصْلُ أحْوالِ أهْلِ الأرْضِ وجَمِيعِ العَوالِمِ المُرْتَبِطَةِ بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ، وإنَّما أضاءَتْ بَعْدَ أنْ خَلَقَ اللَّهُ الشَّمْسَ، ولِذَلِكَ اعْتُبِرَ التّارِيخُ في البَدْءِ بِاللَّيالِي ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِ التّارِيخُ بِالأيّامِ.
والقَوْلُ في تَقْيِيدِ اللَّيْلِ بِالظَّرْفِ وتَقْيِيدِ النَّهارِ بِمِثْلِهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]) في السُّورَةِ السّابِقَةِ.
و(ما) في قَوْلِهِ: (﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أقْسَمَ اللَّهُ بِأثَرٍ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ وهو خَلْقُ الزَّوْجَيْنِ وما يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّناسُلِ.
والذَّكَرُ والأُنْثى: صِنْفا أنْواعِ الحَيَوانِ. والمُرادُ: خُصُوصُ خَلْقِ الإنْسانِ وتَكَوُّنِهِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى كَما قالَ تَعالى: (﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]) لِأنَّهُ هو المَخْلُوقُ الأرْفَعُ في عالَمِ المادِّيّاتِ وهو الَّذِي يُدْرِكُ المُخاطَبُونَ أكْثَرَ دَقائِقِهِ لِتَكَرُّرِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ بِخِلافِ تَكَوُّنِ نَسْلِ الحَيَوانِ، فَإنَّ الإنْسانَ يُدْرِكُ بَعْضَ أحْوالِهِ ولا يُحْصِي كَثِيرًا مِنها.
والمَعْنى: وذَلِكَ الخَلْقُ العَجِيبُ مِنِ اخْتِلافِ حالَيِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مَعَ خُرُوجِهِما مِن أصْلٍ واحِدٍ، وتَوَقَّفِ التَّناسُلِ عَلى تَزاوُجِهِما، فالقَسَمُ بِتَعَلُّقٍ مِن تَعَلُّقِ صِفاتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ وهي قِسْمٌ مِنَ الصِّفاتِ لا يُخْتَلَفُ في ثُبُوتِهِ، وإنَّما
صفحة ٣٨٠
اخْتَلَفَ عُلَماءُ أُصُولِ الدِّينِ في عَدِّ صِفاتِ الأفْعالِ مِنَ الصِّفاتِ، فَهي مَوْصُوفَةٌ بِالقِدَمِ عِنْدَ الماتْرِيدِيِّ، أوْ جَعْلِها مِن تَعَلُّقِ صِفَةِ القُدْرَةِ، فَهي حادِثَةٌ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، وهو آيِلٌ إلى الخِلافِ اللَّفْظِيِّ.
وقَدْ كانَ القَسَمُ في سُورَةِ الشَّمْسِ بِتَسْوِيَةِ النَّفْسِ، أيْ: خَلْقِ العَقْلِ والمَعْرِفَةِ في الإنْسانِ، وأمّا القَسَمُ هُنا فَبِخَلْقِ جَسَدِ الإنْسانِ واخْتِلافِ صِنْفَيْهِ، وجُمْلَةُ (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) جَوابُ القَسَمِ. والمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ قَوْلُهُ: (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]) .
والسَّعْيُ حَقِيقَتُهُ: المَشْيُ القَوِيُّ الحَثِيثُ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْعَمَلِ والكَدِّ.
وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ عَلى وزْنِ فَعْلى مِثْلُ قَتِيلٍ وقَتْلى، مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّتِّ وهو التَّفَرُّقُ الشَّدِيدُ يُقالُ: شَتَّ جَمْعُهم، إذا تَفَرَّقُوا، وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّنَوُّعُ والِاخْتِلافُ في الأحْوالِ كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُلِمِّ يُصِيبُهُ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ
وهُوَ اسْتِعارَةٌ أوْ كِنايَةٌ عَنِ الأعْمالِ المُتَخالِفَةِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ يَلْزَمُهُ الِاخْتِلافُ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكُمْ﴾) لِجَمِيعِ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: " «دَخَلْتُ في نَفَرٍ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - الشّامَ، فَسَمِعَ بِنا أبُو الدَّرْداءِ، فَأتانا فَقالَ: أيُّكم يَقْرَأُ عَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَقُلْتُ: أنا. قالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾) ؟ قالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: (واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذْ تَجَلّى والذَّكَرَ والأُنْثى) . قالَ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقْرَأُ هَكَذا» . وسَمّاها في الكَشّافِ: قِراءَةَ النَّبِيءِ ﷺ أيْ: ثَبَتَ أنَّهُ قَرَأ بِها، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّهُ أقْرَأها أبا الدَّرْداءِ أيّامَ كانَ القُرْآنُ مُرَخَّصًا أنْ يُقْرَأ عَلى بَعْضِ اخْتِلافٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ التَّرْخِيصُ بِما قَرَأ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ وهو الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ قُرّاءُ القُرْآنِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ بَيَّنْتُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ مَعْنى قَوْلِهِمْ: قِراءَةُ النَّبِيءِ ﷺ .
الليل 92:2
صفحة ٣٧٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ اللَّيْلِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ وبَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةَ اللَّيْلِ“ بِدُونِ واوٍ، وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةَ واللَّيْلِ“ بِإثْباتِ الواوِ، وعَنْوَنَها البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ ”سُورَةَ واللَّيْلِ إذا يَغْشى“ .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المَهْدَوِيِّ أنَّهُ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: بَعْضُها مَدَنِيٌّ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ الأقْوالَ في الإتْقانِ، وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لِما رُوِيَ مِن سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥]) إذْ رُوِيَ ”أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ في نَخْلَةٍ كانَ يَأْكُلُ أيْتامٌ مِن ثَمَرِها وكانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَمَنَعَهم مِن ثَمَرِها فاشْتَراها أبُو الدَّحْداحِ بِنَخِيلٍ وجَعَلَها لَهم“ وسَيَأْتِي.
وعُدَّتِ التّاسِعَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأعْلى وقَبْلَ سُورَةِ الفَجْرِ.
وعَدَدُ آيِها عِشْرُونَ.
* * *
احْتَوَتْ عَلى بَيانِ شَرَفِ المُؤْمِنِينَ وفَضائِلِ أعْمالِهِمْ، ومَذَمَّةِ المُشْرِكِينَ ومَساوِيهِمْ وجَزاءِ كُلٍّ.
وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي النّاسَ إلى الخَيْرِ، فَهو يَجْزِي المُهْتَدِينَ بِخَيْرِ الحَياتَيْنِ والضّالِّينَ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وأنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ ﷺ لِلتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ وما عِنْدَهُ فَيَنْتَفِعُ مَن يَخْشى فَيُفْلِحُ
صفحة ٣٧٨
ويَصْدِفُ عَنِ الذِّكْرى مَن كانَ شَقِيًّا فَيَكُونُ جَزاؤُهُ النّارَ الكُبْرى وأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّهم عَنِ التَّذَكُّرِ إيثارُ حُبِّ ما هم فِيهِ في هَذِهِ الحَياةِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدِيعِ صُنْعِهِ.
* * *
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ .
افْتِتاحُ الكَلامِ بِالقَسَمِ جارٍ عَلى أُسْلُوبِ السُّورَتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ، وغَرَضُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا.
ومُناسَبَةُ المُقْسَمِ بِهِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ أنَّ سَعْيَ النّاسِ مِنهُ خَيْرٌ ومِنهُ شَرٌّ وهُما يُماثِلانِ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وأنَّ سَعْيَ النّاسِ يَنْبَثِقُ عَنْ نَتائِجَ مِنها النّافِعُ ومِنها الضّارُّ كَما يُنْتِجُ الذَّكَرُ والأُنْثى ذُرِّيَّةً صالِحَةً وغَيْرَ صالِحَةٍ.
وفِي القَسَمِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ التَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِما في الِاسْتِدْلالِ عَلى حِكْمَةِ نِظامِ اللَّهِ في هَذا الكَوْنِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ ما في اللَّيْلِ مِنَ الدَّلالَةِ مِن حالَةِ غِشْيانِهِ الجانِبَ الَّذِي يَغْشاهُ مِنَ الأرْضِ ويَغْشى فِيهِ مِنَ المَوْجُوداتِ فَتَعُمُّها ظُلْمَتُهُ فَلا تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى أحْوالِهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِ النَّهارِ حالَةُ تَجْلِيَتِهِ عَنِ المَوْجُوداتِ وظُهُورِهِ عَلى الأرْضِ كَذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الغِشْيانِ والتَّجَلِّي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]) في سُورَةِ الشَّمْسِ.
واخْتِيرَ القَسَمُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ لِمُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ؛ لِأنَّ غَرَضَ السُّورَةِ بَيانُ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وابْتُدِئَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ ذِكْرِ النَّهارِ عَكْسَ ما في سُورَةِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الشَّمْسِ بِمُدَّةٍ وهي سادِسَةُ السُّوَرِ، وأيّامَئِذٍ كانَ الكُفْرُ مُخَيِّمًا عَلى النّاسِ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا، وكانَ الإسْلامُ قَدْ أخَذَ في التَّجَلِّي فَناسَبَ تِلْكَ الحالَةَ بِإشارَةٍ إلى تَمْثِيلِها بِحالَةِ اللَّيْلِ حِينَ يَعْقُبُهُ ظُهُورُ النَّهارِ، ويَتَّضِحُ هَذا في جَوابِ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]) .
صفحة ٣٧٩
وفِي قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) إجْمالٌ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى تَفْصِيلِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) الآيَةَ؛ لِيَتَمَكَّنَ تَفْصِيلُهُ في الذِّهْنِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَغْشى) لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِغِشْيانِهِ كُلَّ ما تَغْشاهُ ظُلْمَتُهُ.
وأُسْنِدَ إلى النَّهارِ التَّجَلِّي مَدْحًا لَهُ بِالِاسْتِنارَةِ الَّتِي يَراها كُلُّ أحَدٍ ويُحِسُّ بِها حَتّى البُصَراءُ.
والتَّجَلِّي: الوُضُوحُ، وتَجَلِّي النَّهارِ: وُضُوحُ ضِيائِهِ، فَهو بِمَعْنى قَوْلِهِ: (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) وقَوْلِهِ: (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١]) .
وأُشِيرَ إلى أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ كانَتْ غالِبَةً لِضَوْءِ النَّهارِ وأنَّ النَّهارَ يَعْقُبُها، والظُّلْمَةُ هي أصْلُ أحْوالِ أهْلِ الأرْضِ وجَمِيعِ العَوالِمِ المُرْتَبِطَةِ بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ، وإنَّما أضاءَتْ بَعْدَ أنْ خَلَقَ اللَّهُ الشَّمْسَ، ولِذَلِكَ اعْتُبِرَ التّارِيخُ في البَدْءِ بِاللَّيالِي ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِ التّارِيخُ بِالأيّامِ.
والقَوْلُ في تَقْيِيدِ اللَّيْلِ بِالظَّرْفِ وتَقْيِيدِ النَّهارِ بِمِثْلِهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]) في السُّورَةِ السّابِقَةِ.
و(ما) في قَوْلِهِ: (﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أقْسَمَ اللَّهُ بِأثَرٍ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ وهو خَلْقُ الزَّوْجَيْنِ وما يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّناسُلِ.
والذَّكَرُ والأُنْثى: صِنْفا أنْواعِ الحَيَوانِ. والمُرادُ: خُصُوصُ خَلْقِ الإنْسانِ وتَكَوُّنِهِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى كَما قالَ تَعالى: (﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]) لِأنَّهُ هو المَخْلُوقُ الأرْفَعُ في عالَمِ المادِّيّاتِ وهو الَّذِي يُدْرِكُ المُخاطَبُونَ أكْثَرَ دَقائِقِهِ لِتَكَرُّرِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ بِخِلافِ تَكَوُّنِ نَسْلِ الحَيَوانِ، فَإنَّ الإنْسانَ يُدْرِكُ بَعْضَ أحْوالِهِ ولا يُحْصِي كَثِيرًا مِنها.
والمَعْنى: وذَلِكَ الخَلْقُ العَجِيبُ مِنِ اخْتِلافِ حالَيِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مَعَ خُرُوجِهِما مِن أصْلٍ واحِدٍ، وتَوَقَّفِ التَّناسُلِ عَلى تَزاوُجِهِما، فالقَسَمُ بِتَعَلُّقٍ مِن تَعَلُّقِ صِفاتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ وهي قِسْمٌ مِنَ الصِّفاتِ لا يُخْتَلَفُ في ثُبُوتِهِ، وإنَّما
صفحة ٣٨٠
اخْتَلَفَ عُلَماءُ أُصُولِ الدِّينِ في عَدِّ صِفاتِ الأفْعالِ مِنَ الصِّفاتِ، فَهي مَوْصُوفَةٌ بِالقِدَمِ عِنْدَ الماتْرِيدِيِّ، أوْ جَعْلِها مِن تَعَلُّقِ صِفَةِ القُدْرَةِ، فَهي حادِثَةٌ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، وهو آيِلٌ إلى الخِلافِ اللَّفْظِيِّ.
وقَدْ كانَ القَسَمُ في سُورَةِ الشَّمْسِ بِتَسْوِيَةِ النَّفْسِ، أيْ: خَلْقِ العَقْلِ والمَعْرِفَةِ في الإنْسانِ، وأمّا القَسَمُ هُنا فَبِخَلْقِ جَسَدِ الإنْسانِ واخْتِلافِ صِنْفَيْهِ، وجُمْلَةُ (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) جَوابُ القَسَمِ. والمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ قَوْلُهُ: (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]) .
والسَّعْيُ حَقِيقَتُهُ: المَشْيُ القَوِيُّ الحَثِيثُ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْعَمَلِ والكَدِّ.
وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ عَلى وزْنِ فَعْلى مِثْلُ قَتِيلٍ وقَتْلى، مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّتِّ وهو التَّفَرُّقُ الشَّدِيدُ يُقالُ: شَتَّ جَمْعُهم، إذا تَفَرَّقُوا، وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّنَوُّعُ والِاخْتِلافُ في الأحْوالِ كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُلِمِّ يُصِيبُهُ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ
وهُوَ اسْتِعارَةٌ أوْ كِنايَةٌ عَنِ الأعْمالِ المُتَخالِفَةِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ يَلْزَمُهُ الِاخْتِلافُ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكُمْ﴾) لِجَمِيعِ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: " «دَخَلْتُ في نَفَرٍ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - الشّامَ، فَسَمِعَ بِنا أبُو الدَّرْداءِ، فَأتانا فَقالَ: أيُّكم يَقْرَأُ عَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَقُلْتُ: أنا. قالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾) ؟ قالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: (واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذْ تَجَلّى والذَّكَرَ والأُنْثى) . قالَ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقْرَأُ هَكَذا» . وسَمّاها في الكَشّافِ: قِراءَةَ النَّبِيءِ ﷺ أيْ: ثَبَتَ أنَّهُ قَرَأ بِها، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّهُ أقْرَأها أبا الدَّرْداءِ أيّامَ كانَ القُرْآنُ مُرَخَّصًا أنْ يُقْرَأ عَلى بَعْضِ اخْتِلافٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ التَّرْخِيصُ بِما قَرَأ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ وهو الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ قُرّاءُ القُرْآنِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ بَيَّنْتُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ مَعْنى قَوْلِهِمْ: قِراءَةُ النَّبِيءِ ﷺ .
الليل 92:3
صفحة ٣٧٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ اللَّيْلِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ وبَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةَ اللَّيْلِ“ بِدُونِ واوٍ، وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةَ واللَّيْلِ“ بِإثْباتِ الواوِ، وعَنْوَنَها البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ ”سُورَةَ واللَّيْلِ إذا يَغْشى“ .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المَهْدَوِيِّ أنَّهُ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: بَعْضُها مَدَنِيٌّ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ الأقْوالَ في الإتْقانِ، وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لِما رُوِيَ مِن سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥]) إذْ رُوِيَ ”أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ في نَخْلَةٍ كانَ يَأْكُلُ أيْتامٌ مِن ثَمَرِها وكانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَمَنَعَهم مِن ثَمَرِها فاشْتَراها أبُو الدَّحْداحِ بِنَخِيلٍ وجَعَلَها لَهم“ وسَيَأْتِي.
وعُدَّتِ التّاسِعَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأعْلى وقَبْلَ سُورَةِ الفَجْرِ.
وعَدَدُ آيِها عِشْرُونَ.
* * *
احْتَوَتْ عَلى بَيانِ شَرَفِ المُؤْمِنِينَ وفَضائِلِ أعْمالِهِمْ، ومَذَمَّةِ المُشْرِكِينَ ومَساوِيهِمْ وجَزاءِ كُلٍّ.
وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي النّاسَ إلى الخَيْرِ، فَهو يَجْزِي المُهْتَدِينَ بِخَيْرِ الحَياتَيْنِ والضّالِّينَ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وأنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ ﷺ لِلتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ وما عِنْدَهُ فَيَنْتَفِعُ مَن يَخْشى فَيُفْلِحُ
صفحة ٣٧٨
ويَصْدِفُ عَنِ الذِّكْرى مَن كانَ شَقِيًّا فَيَكُونُ جَزاؤُهُ النّارَ الكُبْرى وأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّهم عَنِ التَّذَكُّرِ إيثارُ حُبِّ ما هم فِيهِ في هَذِهِ الحَياةِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدِيعِ صُنْعِهِ.
* * *
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ .
افْتِتاحُ الكَلامِ بِالقَسَمِ جارٍ عَلى أُسْلُوبِ السُّورَتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ، وغَرَضُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا.
ومُناسَبَةُ المُقْسَمِ بِهِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ أنَّ سَعْيَ النّاسِ مِنهُ خَيْرٌ ومِنهُ شَرٌّ وهُما يُماثِلانِ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وأنَّ سَعْيَ النّاسِ يَنْبَثِقُ عَنْ نَتائِجَ مِنها النّافِعُ ومِنها الضّارُّ كَما يُنْتِجُ الذَّكَرُ والأُنْثى ذُرِّيَّةً صالِحَةً وغَيْرَ صالِحَةٍ.
وفِي القَسَمِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ التَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِما في الِاسْتِدْلالِ عَلى حِكْمَةِ نِظامِ اللَّهِ في هَذا الكَوْنِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ ما في اللَّيْلِ مِنَ الدَّلالَةِ مِن حالَةِ غِشْيانِهِ الجانِبَ الَّذِي يَغْشاهُ مِنَ الأرْضِ ويَغْشى فِيهِ مِنَ المَوْجُوداتِ فَتَعُمُّها ظُلْمَتُهُ فَلا تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى أحْوالِهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِ النَّهارِ حالَةُ تَجْلِيَتِهِ عَنِ المَوْجُوداتِ وظُهُورِهِ عَلى الأرْضِ كَذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الغِشْيانِ والتَّجَلِّي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]) في سُورَةِ الشَّمْسِ.
واخْتِيرَ القَسَمُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ لِمُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ؛ لِأنَّ غَرَضَ السُّورَةِ بَيانُ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وابْتُدِئَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ ذِكْرِ النَّهارِ عَكْسَ ما في سُورَةِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الشَّمْسِ بِمُدَّةٍ وهي سادِسَةُ السُّوَرِ، وأيّامَئِذٍ كانَ الكُفْرُ مُخَيِّمًا عَلى النّاسِ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا، وكانَ الإسْلامُ قَدْ أخَذَ في التَّجَلِّي فَناسَبَ تِلْكَ الحالَةَ بِإشارَةٍ إلى تَمْثِيلِها بِحالَةِ اللَّيْلِ حِينَ يَعْقُبُهُ ظُهُورُ النَّهارِ، ويَتَّضِحُ هَذا في جَوابِ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]) .
صفحة ٣٧٩
وفِي قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) إجْمالٌ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى تَفْصِيلِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) الآيَةَ؛ لِيَتَمَكَّنَ تَفْصِيلُهُ في الذِّهْنِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَغْشى) لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِغِشْيانِهِ كُلَّ ما تَغْشاهُ ظُلْمَتُهُ.
وأُسْنِدَ إلى النَّهارِ التَّجَلِّي مَدْحًا لَهُ بِالِاسْتِنارَةِ الَّتِي يَراها كُلُّ أحَدٍ ويُحِسُّ بِها حَتّى البُصَراءُ.
والتَّجَلِّي: الوُضُوحُ، وتَجَلِّي النَّهارِ: وُضُوحُ ضِيائِهِ، فَهو بِمَعْنى قَوْلِهِ: (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) وقَوْلِهِ: (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١]) .
وأُشِيرَ إلى أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ كانَتْ غالِبَةً لِضَوْءِ النَّهارِ وأنَّ النَّهارَ يَعْقُبُها، والظُّلْمَةُ هي أصْلُ أحْوالِ أهْلِ الأرْضِ وجَمِيعِ العَوالِمِ المُرْتَبِطَةِ بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ، وإنَّما أضاءَتْ بَعْدَ أنْ خَلَقَ اللَّهُ الشَّمْسَ، ولِذَلِكَ اعْتُبِرَ التّارِيخُ في البَدْءِ بِاللَّيالِي ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِ التّارِيخُ بِالأيّامِ.
والقَوْلُ في تَقْيِيدِ اللَّيْلِ بِالظَّرْفِ وتَقْيِيدِ النَّهارِ بِمِثْلِهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]) في السُّورَةِ السّابِقَةِ.
و(ما) في قَوْلِهِ: (﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أقْسَمَ اللَّهُ بِأثَرٍ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ وهو خَلْقُ الزَّوْجَيْنِ وما يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّناسُلِ.
والذَّكَرُ والأُنْثى: صِنْفا أنْواعِ الحَيَوانِ. والمُرادُ: خُصُوصُ خَلْقِ الإنْسانِ وتَكَوُّنِهِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى كَما قالَ تَعالى: (﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]) لِأنَّهُ هو المَخْلُوقُ الأرْفَعُ في عالَمِ المادِّيّاتِ وهو الَّذِي يُدْرِكُ المُخاطَبُونَ أكْثَرَ دَقائِقِهِ لِتَكَرُّرِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ بِخِلافِ تَكَوُّنِ نَسْلِ الحَيَوانِ، فَإنَّ الإنْسانَ يُدْرِكُ بَعْضَ أحْوالِهِ ولا يُحْصِي كَثِيرًا مِنها.
والمَعْنى: وذَلِكَ الخَلْقُ العَجِيبُ مِنِ اخْتِلافِ حالَيِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مَعَ خُرُوجِهِما مِن أصْلٍ واحِدٍ، وتَوَقَّفِ التَّناسُلِ عَلى تَزاوُجِهِما، فالقَسَمُ بِتَعَلُّقٍ مِن تَعَلُّقِ صِفاتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ وهي قِسْمٌ مِنَ الصِّفاتِ لا يُخْتَلَفُ في ثُبُوتِهِ، وإنَّما
صفحة ٣٨٠
اخْتَلَفَ عُلَماءُ أُصُولِ الدِّينِ في عَدِّ صِفاتِ الأفْعالِ مِنَ الصِّفاتِ، فَهي مَوْصُوفَةٌ بِالقِدَمِ عِنْدَ الماتْرِيدِيِّ، أوْ جَعْلِها مِن تَعَلُّقِ صِفَةِ القُدْرَةِ، فَهي حادِثَةٌ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، وهو آيِلٌ إلى الخِلافِ اللَّفْظِيِّ.
وقَدْ كانَ القَسَمُ في سُورَةِ الشَّمْسِ بِتَسْوِيَةِ النَّفْسِ، أيْ: خَلْقِ العَقْلِ والمَعْرِفَةِ في الإنْسانِ، وأمّا القَسَمُ هُنا فَبِخَلْقِ جَسَدِ الإنْسانِ واخْتِلافِ صِنْفَيْهِ، وجُمْلَةُ (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) جَوابُ القَسَمِ. والمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ قَوْلُهُ: (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]) .
والسَّعْيُ حَقِيقَتُهُ: المَشْيُ القَوِيُّ الحَثِيثُ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْعَمَلِ والكَدِّ.
وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ عَلى وزْنِ فَعْلى مِثْلُ قَتِيلٍ وقَتْلى، مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّتِّ وهو التَّفَرُّقُ الشَّدِيدُ يُقالُ: شَتَّ جَمْعُهم، إذا تَفَرَّقُوا، وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّنَوُّعُ والِاخْتِلافُ في الأحْوالِ كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُلِمِّ يُصِيبُهُ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ
وهُوَ اسْتِعارَةٌ أوْ كِنايَةٌ عَنِ الأعْمالِ المُتَخالِفَةِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ يَلْزَمُهُ الِاخْتِلافُ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكُمْ﴾) لِجَمِيعِ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: " «دَخَلْتُ في نَفَرٍ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - الشّامَ، فَسَمِعَ بِنا أبُو الدَّرْداءِ، فَأتانا فَقالَ: أيُّكم يَقْرَأُ عَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَقُلْتُ: أنا. قالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾) ؟ قالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: (واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذْ تَجَلّى والذَّكَرَ والأُنْثى) . قالَ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقْرَأُ هَكَذا» . وسَمّاها في الكَشّافِ: قِراءَةَ النَّبِيءِ ﷺ أيْ: ثَبَتَ أنَّهُ قَرَأ بِها، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّهُ أقْرَأها أبا الدَّرْداءِ أيّامَ كانَ القُرْآنُ مُرَخَّصًا أنْ يُقْرَأ عَلى بَعْضِ اخْتِلافٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ التَّرْخِيصُ بِما قَرَأ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ وهو الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ قُرّاءُ القُرْآنِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ بَيَّنْتُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ مَعْنى قَوْلِهِمْ: قِراءَةُ النَّبِيءِ ﷺ .
الليل 92:4
صفحة ٣٧٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ اللَّيْلِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ وبَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةَ اللَّيْلِ“ بِدُونِ واوٍ، وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ”سُورَةَ واللَّيْلِ“ بِإثْباتِ الواوِ، وعَنْوَنَها البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ ”سُورَةَ واللَّيْلِ إذا يَغْشى“ .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ المَهْدَوِيِّ أنَّهُ قِيلَ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: بَعْضُها مَدَنِيٌّ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ الأقْوالَ في الإتْقانِ، وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لِما رُوِيَ مِن سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥]) إذْ رُوِيَ ”أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّحْداحِ الأنْصارِيِّ في نَخْلَةٍ كانَ يَأْكُلُ أيْتامٌ مِن ثَمَرِها وكانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَمَنَعَهم مِن ثَمَرِها فاشْتَراها أبُو الدَّحْداحِ بِنَخِيلٍ وجَعَلَها لَهم“ وسَيَأْتِي.
وعُدَّتِ التّاسِعَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأعْلى وقَبْلَ سُورَةِ الفَجْرِ.
وعَدَدُ آيِها عِشْرُونَ.
* * *
احْتَوَتْ عَلى بَيانِ شَرَفِ المُؤْمِنِينَ وفَضائِلِ أعْمالِهِمْ، ومَذَمَّةِ المُشْرِكِينَ ومَساوِيهِمْ وجَزاءِ كُلٍّ.
وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي النّاسَ إلى الخَيْرِ، فَهو يَجْزِي المُهْتَدِينَ بِخَيْرِ الحَياتَيْنِ والضّالِّينَ بِعَكْسِ ذَلِكَ.
وأنَّهُ أرْسَلَ رَسُولَهُ ﷺ لِلتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ وما عِنْدَهُ فَيَنْتَفِعُ مَن يَخْشى فَيُفْلِحُ
صفحة ٣٧٨
ويَصْدِفُ عَنِ الذِّكْرى مَن كانَ شَقِيًّا فَيَكُونُ جَزاؤُهُ النّارَ الكُبْرى وأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّهم عَنِ التَّذَكُّرِ إيثارُ حُبِّ ما هم فِيهِ في هَذِهِ الحَياةِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ الإشارَةُ إلى دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدِيعِ صُنْعِهِ.
* * *
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ .
افْتِتاحُ الكَلامِ بِالقَسَمِ جارٍ عَلى أُسْلُوبِ السُّورَتَيْنِ قَبْلَ هَذِهِ، وغَرَضُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا.
ومُناسَبَةُ المُقْسَمِ بِهِ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ أنَّ سَعْيَ النّاسِ مِنهُ خَيْرٌ ومِنهُ شَرٌّ وهُما يُماثِلانِ النُّورَ والظُّلْمَةَ، وأنَّ سَعْيَ النّاسِ يَنْبَثِقُ عَنْ نَتائِجَ مِنها النّافِعُ ومِنها الضّارُّ كَما يُنْتِجُ الذَّكَرُ والأُنْثى ذُرِّيَّةً صالِحَةً وغَيْرَ صالِحَةٍ.
وفِي القَسَمِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ التَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِما في الِاسْتِدْلالِ عَلى حِكْمَةِ نِظامِ اللَّهِ في هَذا الكَوْنِ وبَدِيعِ قُدْرَتِهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ ما في اللَّيْلِ مِنَ الدَّلالَةِ مِن حالَةِ غِشْيانِهِ الجانِبَ الَّذِي يَغْشاهُ مِنَ الأرْضِ ويَغْشى فِيهِ مِنَ المَوْجُوداتِ فَتَعُمُّها ظُلْمَتُهُ فَلا تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى أحْوالِهِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِ النَّهارِ حالَةُ تَجْلِيَتِهِ عَنِ المَوْجُوداتِ وظُهُورِهِ عَلى الأرْضِ كَذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الغِشْيانِ والتَّجَلِّي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]) في سُورَةِ الشَّمْسِ.
واخْتِيرَ القَسَمُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ لِمُناسَبَتِهِ لِلْمَقامِ؛ لِأنَّ غَرَضَ السُّورَةِ بَيانُ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وابْتُدِئَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ ذِكْرِ النَّهارِ عَكْسَ ما في سُورَةِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الشَّمْسِ بِمُدَّةٍ وهي سادِسَةُ السُّوَرِ، وأيّامَئِذٍ كانَ الكُفْرُ مُخَيِّمًا عَلى النّاسِ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا، وكانَ الإسْلامُ قَدْ أخَذَ في التَّجَلِّي فَناسَبَ تِلْكَ الحالَةَ بِإشارَةٍ إلى تَمْثِيلِها بِحالَةِ اللَّيْلِ حِينَ يَعْقُبُهُ ظُهُورُ النَّهارِ، ويَتَّضِحُ هَذا في جَوابِ القَسَمِ بِقَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]) .
صفحة ٣٧٩
وفِي قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) إجْمالٌ يُفِيدُ التَّشْوِيقَ إلى تَفْصِيلِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) الآيَةَ؛ لِيَتَمَكَّنَ تَفْصِيلُهُ في الذِّهْنِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَغْشى) لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِغِشْيانِهِ كُلَّ ما تَغْشاهُ ظُلْمَتُهُ.
وأُسْنِدَ إلى النَّهارِ التَّجَلِّي مَدْحًا لَهُ بِالِاسْتِنارَةِ الَّتِي يَراها كُلُّ أحَدٍ ويُحِسُّ بِها حَتّى البُصَراءُ.
والتَّجَلِّي: الوُضُوحُ، وتَجَلِّي النَّهارِ: وُضُوحُ ضِيائِهِ، فَهو بِمَعْنى قَوْلِهِ: (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) وقَوْلِهِ: (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١]) .
وأُشِيرَ إلى أنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ كانَتْ غالِبَةً لِضَوْءِ النَّهارِ وأنَّ النَّهارَ يَعْقُبُها، والظُّلْمَةُ هي أصْلُ أحْوالِ أهْلِ الأرْضِ وجَمِيعِ العَوالِمِ المُرْتَبِطَةِ بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ، وإنَّما أضاءَتْ بَعْدَ أنْ خَلَقَ اللَّهُ الشَّمْسَ، ولِذَلِكَ اعْتُبِرَ التّارِيخُ في البَدْءِ بِاللَّيالِي ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِ التّارِيخُ بِالأيّامِ.
والقَوْلُ في تَقْيِيدِ اللَّيْلِ بِالظَّرْفِ وتَقْيِيدِ النَّهارِ بِمِثْلِهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ: (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ [الشمس: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ [الشمس: ٤]) في السُّورَةِ السّابِقَةِ.
و(ما) في قَوْلِهِ: (﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أقْسَمَ اللَّهُ بِأثَرٍ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ وهو خَلْقُ الزَّوْجَيْنِ وما يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّناسُلِ.
والذَّكَرُ والأُنْثى: صِنْفا أنْواعِ الحَيَوانِ. والمُرادُ: خُصُوصُ خَلْقِ الإنْسانِ وتَكَوُّنِهِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى كَما قالَ تَعالى: (﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣]) لِأنَّهُ هو المَخْلُوقُ الأرْفَعُ في عالَمِ المادِّيّاتِ وهو الَّذِي يُدْرِكُ المُخاطَبُونَ أكْثَرَ دَقائِقِهِ لِتَكَرُّرِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ بِخِلافِ تَكَوُّنِ نَسْلِ الحَيَوانِ، فَإنَّ الإنْسانَ يُدْرِكُ بَعْضَ أحْوالِهِ ولا يُحْصِي كَثِيرًا مِنها.
والمَعْنى: وذَلِكَ الخَلْقُ العَجِيبُ مِنِ اخْتِلافِ حالَيِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مَعَ خُرُوجِهِما مِن أصْلٍ واحِدٍ، وتَوَقَّفِ التَّناسُلِ عَلى تَزاوُجِهِما، فالقَسَمُ بِتَعَلُّقٍ مِن تَعَلُّقِ صِفاتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ وهي قِسْمٌ مِنَ الصِّفاتِ لا يُخْتَلَفُ في ثُبُوتِهِ، وإنَّما
صفحة ٣٨٠
اخْتَلَفَ عُلَماءُ أُصُولِ الدِّينِ في عَدِّ صِفاتِ الأفْعالِ مِنَ الصِّفاتِ، فَهي مَوْصُوفَةٌ بِالقِدَمِ عِنْدَ الماتْرِيدِيِّ، أوْ جَعْلِها مِن تَعَلُّقِ صِفَةِ القُدْرَةِ، فَهي حادِثَةٌ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، وهو آيِلٌ إلى الخِلافِ اللَّفْظِيِّ.
وقَدْ كانَ القَسَمُ في سُورَةِ الشَّمْسِ بِتَسْوِيَةِ النَّفْسِ، أيْ: خَلْقِ العَقْلِ والمَعْرِفَةِ في الإنْسانِ، وأمّا القَسَمُ هُنا فَبِخَلْقِ جَسَدِ الإنْسانِ واخْتِلافِ صِنْفَيْهِ، وجُمْلَةُ (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾) جَوابُ القَسَمِ. والمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ قَوْلُهُ: (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]) .
والسَّعْيُ حَقِيقَتُهُ: المَشْيُ القَوِيُّ الحَثِيثُ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْعَمَلِ والكَدِّ.
وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ عَلى وزْنِ فَعْلى مِثْلُ قَتِيلٍ وقَتْلى، مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّتِّ وهو التَّفَرُّقُ الشَّدِيدُ يُقالُ: شَتَّ جَمْعُهم، إذا تَفَرَّقُوا، وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّنَوُّعُ والِاخْتِلافُ في الأحْوالِ كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُلِمِّ يُصِيبُهُ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ
وهُوَ اسْتِعارَةٌ أوْ كِنايَةٌ عَنِ الأعْمالِ المُتَخالِفَةِ؛ لِأنَّ التَّفَرُّقَ يَلْزَمُهُ الِاخْتِلافُ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكُمْ﴾) لِجَمِيعِ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلْقَمَةَ قالَ: " «دَخَلْتُ في نَفَرٍ مِن أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - الشّامَ، فَسَمِعَ بِنا أبُو الدَّرْداءِ، فَأتانا فَقالَ: أيُّكم يَقْرَأُ عَلى قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ؟ فَقُلْتُ: أنا. قالَ: كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾) ؟ قالَ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: (واللَّيْلِ إذا يَغْشى والنَّهارِ إذْ تَجَلّى والذَّكَرَ والأُنْثى) . قالَ: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقْرَأُ هَكَذا» . وسَمّاها في الكَشّافِ: قِراءَةَ النَّبِيءِ ﷺ أيْ: ثَبَتَ أنَّهُ قَرَأ بِها، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّهُ أقْرَأها أبا الدَّرْداءِ أيّامَ كانَ القُرْآنُ مُرَخَّصًا أنْ يُقْرَأ عَلى بَعْضِ اخْتِلافٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ التَّرْخِيصُ بِما قَرَأ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في آخِرِ حَياتِهِ وهو الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ قُرّاءُ القُرْآنِ وكُتِبَ في المُصْحَفِ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ بَيَّنْتُ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ مَعْنى قَوْلِهِمْ: قِراءَةُ النَّبِيءِ ﷺ .
الليل 92:5
صفحة ٣٨١
( ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ .
(فَأمّا) تَفْرِيعٌ وتَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]) فَحَرْفُ (أمّا) يُفِيدُ الشَّرْطَ والتَّفْصِيلَ وهو يَتَضَمَّنُ أداةَ شَرْطٍ وفِعْلَ شَرْطٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، والتَّفْصِيلُ: التَّفْكِيكُ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ اشْتَرَكَتْ آحادُهُ في حالَةٍ وانْفَرَدَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِحالَةٍ هي الَّتِي يُعْتَنى بِتَمْيِيزِها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥]) في سُورَةِ الفَجْرِ.
والمُحْتاجُ لِلتَّفْصِيلِ هُنا هو السَّعْيُ المَذْكُورُ، ولَكِنْ جُعِلَ التَّفْصِيلُ بِبَيانِ السّاعِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾) لِأنَّ المُهِمَّ هو اخْتِلافُ أحْوالِ السّاعِينَ ويُلازِمُهُمُ السَّعْيُ، فَإيقاعُهم في التَّفْصِيلِ بِحَسَبِ مَساعِيهِمْ يُساوِي إيقاعَ المَساعِي في التَّفْصِيلِ، وهَذا تَفَنُّنٌ مِن أفانِينِ الكَلامِ الفَصِيحِ يَحْصُلُ مِنهُ مَعْنَيانِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ: عَلى مَخافَةِ وعِلٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلَخْ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩]) الآيَةَ، أيْ: كَإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.
وانْحَصَرَ تَفْصِيلُ (شَتّى) في فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْيُسْرى وفَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْعُسْرى؛ لِأنَّ الحالَيْنِ هُما المُهِمُّ في مَقامِ الحَثِّ عَلى الخَيْرِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، ويَنْدَرِجُ فِيهِما مُخْتَلِفُ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) في سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْصِيلُ (شَتّى) هم مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى، ومَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى، وذَلِكَ عَدَدٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِشَتّى.
صفحة ٣٨٢
و(مَن) في قَوْلِهِ: (﴿مَن أعْطى﴾) إلَخْ، وقَوْلِهِ (﴿مَن بَخِلَ﴾) إلَخْ، يَعُمُّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ الإعْطاءَ ويَتَّقِي ويُصَدِّقُ بِالحُسْنى. ورُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأعْتَقَهُ لِيُنْجِيَهُ مِن تَعْذِيبِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَذْكُرُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عِوَضَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وهو وهَمٌ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ أبِي الدَّحْداحِ مَعَ رَجُلٍ مُنافِقٍ سَتَأْتِي. وهَذا الأخِيرُ مُقْتَضٍ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَخُصُّ العُمُومَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (أعْطى) لِأنَّ فِعْلَ الإعْطاءِ إذا أُرِيدَ بِهِ إعْطاءُ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِاشْتِهارِ اسْتِعْمالِهِ في إعْطاءِ المالِ ولِذَلِكَ يُسَمّى المالُ المَوْهُوبُ عَطاءً، والمَقْصُودُ إعْطاءُ الزَّكاةِ.
وكَذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ اتَّقى لِأنَّهُ يُعْلَمُ أنَّ المُقَدَّرَ اتَّقى اللَّهَ.
وهَذِهِ الخِلالُ الثَّلاثُ مِن خِلالِ الإيمانِ، فالمَعْنى: فَأمّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]) أيْ: لَمْ نَكُ مِن أهْلِ الإيمانِ.
وكَذَلِكَ فِعْلُ (بَخِلَ) لَمْ يُذَكَرْ مُتَعَلَّقُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البُخْلُ بِالمالِ.
و(اسْتَغْنى) جُعِلَ مُقابِلًا لِـ (اتَّقى) فالمُرادُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ودَعْوَتِهِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ المُعْرِضَ عَنِ الدَّعْوَةِ يَعُدُّ نَفْسَهُ غَنِيًّا عَنِ اللَّهِ مُكْتَفِيًا بِوَلايَةِ الأصْنامِ وقَوْمِهِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، مِثْلَ سِينِ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ. وقَدْ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ طَلَبِ الغِنى بِالبُخْلِ بِالمالِ، فَتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، وهَذِهِ الخِلالُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ فَهي بِالأصالَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وتَأْنِيثُها مُشْعِرٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها المُقَدَّرَ يُعْتَبَرُ مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ، ويَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ المَثُوبَةِ أوِ النَّصْرِ أوِ العِدَةِ أوِ العاقِبَةِ.
وقَدْ يَصِيرُ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، وقِيلَ: كَلِمَةُ
صفحة ٣٨٣
الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، وقِيلَ: الزَّكاةُ. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالتَّصْدِيقُ بِها الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِها ويُكَنّى بِهِ عَنِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها.
وحاصِلُ الِاحْتِمالاتِ يَحُومُ حَوْلَ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللَّهِ بِما هو حَسَنٌ مِن مَثُوبَةٍ أوْ نَصْرٍ أوْ إخْلافِ ما تَلِفَ، فَيَرْجِعُ هَذا التَّصْدِيقُ إلى الإيمانِ.
ويَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَعْمَلُ الأعْمالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الفَوْزُ بِالحُسْنى.
ولِذَلِكَ قُوبِلَ في الشِّقِّ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾) .
والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ شَيْءٍ يَسِيرَ الحُصُولِ، ومَفْعُولُ فِعْلِ التَّيْسِيرِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُجْعَلُ يَسِيرًا، أيْ غَيْرَ شَدِيدٍ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ بَعْدَهُ هو الَّذِي يُسَهَّلُ الشَّيْءُ الصَّعْبُ لِأجْلِهِ، وهو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِسُهُولَةِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦]) وقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) .
واليُسْرى في قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) هي ما لا مَشَقَّةَ فِيهِ. وتَأْنِيثُها: إمّا بِتَأْوِيلِ الحالَةِ، أيِ: الحالَةِ الَّتِي لا تَشُقُّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وهي حالَةُ النَّعِيمِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَكانَةِ. وقَدْ فُسِّرَتِ اليُسْرى بِالجَنَّةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَعانِيَ كَثِيرَةً تَنْدَرِجُ في مَعانِي النّافِعِ الَّذِي لا يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، أيِ: المُلائِمُ.
والعُسْرى: إمّا الحالَةُ وهي حالَةُ العُسْرِ والشِّدَّةِ، وإمّا مَكانَتُهُ وهي جَهَنَّمُ، لِأنَّها مَكانُ العُسْرِ والشَّدائِدِ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: (﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]) فَمَعْنى (نُيَسِّرُهُ): نُدَرِّجُهُ في عَمَلَيِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالأعْمالُ اليُسْرى هي الصّالِحَةُ، وُصِفَتْ بِاليُسْرى بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها لِصاحِبِها، وتَكُونُ العُسْرى الأعْمالَ السَّيِّئَةَ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها عَلى صاحِبِها، فَتَأْنِيثُهُما بِاعْتِبارِ أنَّ كِلْتَيْهِما صِفَةُ طائِفَةٍ مِنَ الأعْمالِ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ الِاسْتِمْرارُ مِنَ الآنَ إلى آخِرِ الحَياةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
وحَرْفُ (ألْ) في (اليُسْرى) وفي (العُسْرى) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي.
صفحة ٣٨٤
وإذْ قَدْ جاءَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَكْسِ المُتَبادَرِ، إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾) هو المُيَسَّرَ، وجُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) هو المُيَسَّرَ، أيِ: الَّذِي صارَ الفِعْلُ صَعْبُ الحُصُولِ حاصِلًا لَهُ، وإذْ وقَعَ المَجْرُورانِ بِاللّامِ: (اليُسْرى) و(العُسْرى)، وهُما لا يَنْتَفِعانِ بِسُهُولَةِ مَن أعْطى أوْ مَن بَخِلَ، تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ بِإحْدى طَرِيقَتَيْنِ:
الأُولى: إبْقاءُ فِعْلِ (نُيَسِّرُ) عَلى حَقِيقَتِهِ وجَعْلِ الكَلامِ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِطَرِيقِ القَلْبِ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ: فَسَنُيَسِّرُ اليُسْرى لَهُ وسَنُيَسِّرُ العُسْرى لَهُ، ولا بُدَّ مِن مُقْتَضٍ لِلْقَلْبِ، فَيُصارُ إلى أنَّ المُقْتَضِيَ إفادَةُ المُبالَغَةِ في هَذا التَّيْسِيرِ حَتّى جُعِلَ المُيَسَّرُ مُيَسَّرًا لَهُ والمُيَسَّرُ لَهُ مُيَسَّرًا عَلى نَحْوِ ما وجَّهُوا بِهِ قَوْلَ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ التَّيْسِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في التَّهْيِئَةِ والإعْدادِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ بَيْنَ إعْدادِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وتَيَسُّرِهِ لَهُ، وتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) و(لِلْعُسْرى) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: نُيَسِّرُهُ لِأجْلِ اليُسْرى أوْ لِأجْلِ العُسْرى، فالمُرادُ بِاليُسْرى الجَنَّةُ وبِالعُسْرى جَهَنَّمُ، عَلى أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ صارا عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ وعَلى النّارِ، والتَّهْيِئَةُ لا تَكُونُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وذاتِ النّارِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَعْدَ اللّامِ يُناسِبُ التَّيْسِيرَ فَيُقَدَّرُ: لِدُخُولِ اليُسْرى ولِدُخُولِ العُسْرى، أيْ: سَنُعَجِّلُ لَهُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: سَنَجْعَلُ دُخُولَ هَذا الجَنَّةَ سَرِيعًا ودُخُولَ الآخَرِ النّارَ سَرِيعًا، بِشَبَهِ المُيَسَّرِ مِن صُعُوبَةٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصَّعْبِ الإبْطاءُ وشَأْنَ السَّهْلِ السُّرْعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) أيْ: سَرِيعٌ عاجِلٌ. ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) مُشاكَلَةً بُنِيَتْ عَلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ قَرِينَتُها قَوْلُهُ: (العُسْرى)، والَّذِي يَدْعُو إلى هَذا أنَّ فِعْلَ (نُيَسِّرُ) نَصَبَ ضَمِيرَ مَن (﴿أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ﴾)، وضَمِيرَ مَن (﴿بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ﴾) فَهو تَيْسِيرٌ ناشِئٌ عَنْ حُصُولِ الأعْمالِ الَّتِي يَجْمَعُها مَعْنى (اتَّقى) أوْ مَعْنى (اسْتَغْنى) فالأعْمالُ سابِقَةٌ لا مَحالَةَ. والتَّيْسِيرُ مُسْتَقْبَلٌ بَعْدَ حُصُولِها فَهو
صفحة ٣٨٥
تَيْسِيرُ ما زادَ عَلى حُصُولِها، أيْ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها والِاسْتِزادَةِ مِنها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنْ يُجْعَلَ التَّيْسِيرُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُجْعَلَ اليُسْرى وصْفًا أيِ: الحالَةُ اليُسْرى، والعُسْرى أيِ: الحالَةُ غَيْرُ اليُسْرى. ولَيْسَ في التَّرْكِيبِ قَلْبٌ.
والتَّيْسِيرُ بِمَعْنى الدَّوامِ عَلى العَمَلِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ”«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازَةٍ فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا أهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾ )“ اهـ.
فَصَدْرُ الحَدِيثِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ إلَخْ، مَعْناهُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أحَدًا سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، أوْ سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ”«وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ جُعِلَتِ الكِتابَةُ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِالمَعْلُوماتِ عِلْمًا مُوافِقًا لِما سَيَكُونُ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ، كالشَّيْءِ المَكْتُوبِ إذْ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نَقْصًا دُونَ المَقُولِ الَّذِي لا يُكْتَبُ فَهو لا يَنْضَبِطُ.
فَنَشَأ سُؤالُ مَن سَألَ عَنْ فائِدَةِ العَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ النّاسُ، ومَعْنى جَوابِهِ: أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ الصّالِحِ أنَّهُ عُنْوانٌ عَلى العاقِبَةِ الحَسَنَةِ. وذُكِرَ مُقابِلُهُ وهو العَمَلُ السَّيِّئُ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالجَوابِ.
ولَيْسَ مَجازُهُ مُماثِلًا لِما اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ في الحَدِيثِ عُلِّقَ بِهِ عَمَلُ أهْلِ السَّعادَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ تَيْسِيرًا لِلْعَمَلِ، أيْ: إعْدادًا وتَهْيِئَةً لِلْأعْمالِ صالِحِها أوْ سَيِّئِها.
فالَّذِي يَرْتَبِطُ بِالآيَةِ مِنَ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ هو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أعْقَبَ كَلامَهُ بِأنْ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) الآيَةَ؛ لِأنَّهُ قَرَأها تَبْيِينًا واسْتِدْلالًا لِكَلامِهِ، فَكانَ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ بِالكَلامِ النَّبَوِيِّ، ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) .
صفحة ٣٨٦
فالمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ أنَّ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى تَيَسُّرًا لِلْعَبْدِ أنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِ السَّعادَةِ أوْ عَمَلِ الشَّقاءِ، سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ أصْلًا لِلسَّعادَةِ كالإيمانِ أوْ لِلشَّقاوَةِ كالكُفْرِ، أمْ كانَ العَمَلُ مِمّا يَزِيدُ السَّعادَةَ ويَنْقُصُ مِنَ الشَّقاوَةِ وذَلِكَ بِمِقْدارِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ ثُبُوتَ أحَدِ مَعْنَيَيِ التَّيْسِيرِ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ جِنْسِهِ فَيَصْلُحُ دَلِيلًا لِثُبُوتِ التَّيْسِيرِ مِن أصْلِهِ.
أوْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الِاسْتِدْلالَ عَلى قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا)؛ لِأنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ عَمَلًا وذَكَرَتْ تَيْسِيرًا لِلْيُسْرى وتَيْسِيرًا لِلْعُسْرى، فَيَكُونُ الحَدِيثُ إشارَةً إلى أنَّ العَمَلَ هو عَلامَةُ التَّيْسِيرِ، وتَكُونُ اليُسْرى مَعْنِيًّا بِها السَّعادَةُ والعُسْرى مَعْنِيًّا بِها الشَّقاوَةُ، وماصَدَقُ السَّعادَةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وماصَدَقُ الشَّقاوَةِ الهُوِيُّ في النّارِ.
وإذْ كانَ الوَعْدُ بِتَيْسِيرِ اليُسْرى لِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى أعْمالِ الإعْطاءِ والتَّقْوى والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، كانَ سُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّيْسِيرُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّيْسِيرَ مُسَبَّبٌ عَنْ تِلْكَ الصِّلاتِ، أيْ: جَزاءٌ عَنْ فِعْلِها. فالمُتَيَسِّرُ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها، وتَكُونُ اليُسْرى صِفَةً لِلْأعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: مُسْتَيْسِرٌ لَهُ أعْمالُهُ، وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ إلى وصْفِ اليُسْرى لِلثَّناءِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ بِأنَّها مُيَسَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) في سُورَةِ الأعْلى.
وخُلاصَةُ الحَدِيثِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِ عِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوها، وبَيْنَ تَعَلُّقِ خِطابِهِ إيّاهم بِشَرائِعِهِ، وأنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ إلى خاتِمَةِ كُلِّ أحَدٍ ومُوافاتِهِ هو عُنْوانٌ لِلنّاسِ عَلى ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، ويَلْتَقِي المَهْيَعانِ في أنَّ العَمَلَ هو وسِيلَةُ الحُصُولِ عَلى الجَنَّةِ أوِ الوُقُوعِ في جَهَنَّمَ.
وإنَّما خُصَّ الإعْطاءُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) مَعَ شُمُولِ (اتَّقى) لِمُفادِهِ، وخُصَّ البُخْلُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) مَعَ شُمُولِ (اسْتَغْنى) لَهُ، لِتَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلى الإعْطاءِ، فالإعْطاءُ والتَّقْوى شِعارُ المُسْلِمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، وضِدُّ الثَّلاثَةِ مِن شِعارِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٨٧
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ، أرْبَعُ مَرّاتٍ بَيْنَ (أعْطى) و(بَخِلَ)، وبَيْنَ (اتَّقى) و(اسْتَغْنى)، وبَيْنَ (صَدَّقَ) و(كَذَّبَ)، وبَيْنَ (اليُسْرى) و(العُسْرى) .
وجُمْلَةُ (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) أيْ: سَنُعَجِّلُ بِهِ إلى جَهَنَّمَ. فالتَّقْدِيرُ: إذا تَرَدّى فِيها.
والتَّرَدِّي: السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، يَعْنِي: لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ.
و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً. والتَّقْدِيرُ: وسَوْفَ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. والمَعْنى: وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّهُ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ نَخْلَةٌ مائِلَةٌ في دارِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ذِي عِيالٍ، فَإذا سَقَطَ مِنها ثَمَرٌ أكَلَهُ صِبْيَةٌ لِذَلِكَ المُسْلِمِ، فَكانَ صاحِبُ النَّخْلَةِ يَنْزِعُ مِن أيْدِيهِمُ الثَّمَرَةَ، فَشَكا المُسْلِمُ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَكَلَّمَ النَّبِيءُ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ أنْ يَتْرُكَها لَهم ولَهُ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وسَمِعَ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ فاشْتَرى تِلْكَ النَّخْلَةَ مِن صاحِبِها بِحائِطٍ فِيهِ أرْبَعُونَ نَخْلَةً، وجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِها مِنِّي بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَأعْطاها الرَّجُلَ صاحِبَ الصِّبْيَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى) وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ، ومِن أجْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) قالَ جَماعَةٌ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ قَوْلُهم: فَأنْزَلَ اللَّهُ في كَذا قَوْلَهُ كَذا، أنَّهم يُرِيدُونَ
صفحة ٣٨٨
بِهِ أنَّ القِصَّةَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ «كَمْ مِن عِذْقٍ رَداحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» . ولَمَّحَ إلَيْها بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ في قَوْلِهِ:
إنَّ النُّحَيْلَةَ إذْ يَمِيلُ بِها الهَوى ∗∗∗ كالعِذْقِ مالَ عَلى أبِي الدَّحْداحِ
الليل 92:6
صفحة ٣٨١
( ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ .
(فَأمّا) تَفْرِيعٌ وتَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]) فَحَرْفُ (أمّا) يُفِيدُ الشَّرْطَ والتَّفْصِيلَ وهو يَتَضَمَّنُ أداةَ شَرْطٍ وفِعْلَ شَرْطٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، والتَّفْصِيلُ: التَّفْكِيكُ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ اشْتَرَكَتْ آحادُهُ في حالَةٍ وانْفَرَدَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِحالَةٍ هي الَّتِي يُعْتَنى بِتَمْيِيزِها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥]) في سُورَةِ الفَجْرِ.
والمُحْتاجُ لِلتَّفْصِيلِ هُنا هو السَّعْيُ المَذْكُورُ، ولَكِنْ جُعِلَ التَّفْصِيلُ بِبَيانِ السّاعِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾) لِأنَّ المُهِمَّ هو اخْتِلافُ أحْوالِ السّاعِينَ ويُلازِمُهُمُ السَّعْيُ، فَإيقاعُهم في التَّفْصِيلِ بِحَسَبِ مَساعِيهِمْ يُساوِي إيقاعَ المَساعِي في التَّفْصِيلِ، وهَذا تَفَنُّنٌ مِن أفانِينِ الكَلامِ الفَصِيحِ يَحْصُلُ مِنهُ مَعْنَيانِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ: عَلى مَخافَةِ وعِلٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلَخْ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩]) الآيَةَ، أيْ: كَإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.
وانْحَصَرَ تَفْصِيلُ (شَتّى) في فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْيُسْرى وفَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْعُسْرى؛ لِأنَّ الحالَيْنِ هُما المُهِمُّ في مَقامِ الحَثِّ عَلى الخَيْرِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، ويَنْدَرِجُ فِيهِما مُخْتَلِفُ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) في سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْصِيلُ (شَتّى) هم مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى، ومَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى، وذَلِكَ عَدَدٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِشَتّى.
صفحة ٣٨٢
و(مَن) في قَوْلِهِ: (﴿مَن أعْطى﴾) إلَخْ، وقَوْلِهِ (﴿مَن بَخِلَ﴾) إلَخْ، يَعُمُّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ الإعْطاءَ ويَتَّقِي ويُصَدِّقُ بِالحُسْنى. ورُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأعْتَقَهُ لِيُنْجِيَهُ مِن تَعْذِيبِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَذْكُرُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عِوَضَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وهو وهَمٌ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ أبِي الدَّحْداحِ مَعَ رَجُلٍ مُنافِقٍ سَتَأْتِي. وهَذا الأخِيرُ مُقْتَضٍ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَخُصُّ العُمُومَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (أعْطى) لِأنَّ فِعْلَ الإعْطاءِ إذا أُرِيدَ بِهِ إعْطاءُ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِاشْتِهارِ اسْتِعْمالِهِ في إعْطاءِ المالِ ولِذَلِكَ يُسَمّى المالُ المَوْهُوبُ عَطاءً، والمَقْصُودُ إعْطاءُ الزَّكاةِ.
وكَذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ اتَّقى لِأنَّهُ يُعْلَمُ أنَّ المُقَدَّرَ اتَّقى اللَّهَ.
وهَذِهِ الخِلالُ الثَّلاثُ مِن خِلالِ الإيمانِ، فالمَعْنى: فَأمّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]) أيْ: لَمْ نَكُ مِن أهْلِ الإيمانِ.
وكَذَلِكَ فِعْلُ (بَخِلَ) لَمْ يُذَكَرْ مُتَعَلَّقُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البُخْلُ بِالمالِ.
و(اسْتَغْنى) جُعِلَ مُقابِلًا لِـ (اتَّقى) فالمُرادُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ودَعْوَتِهِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ المُعْرِضَ عَنِ الدَّعْوَةِ يَعُدُّ نَفْسَهُ غَنِيًّا عَنِ اللَّهِ مُكْتَفِيًا بِوَلايَةِ الأصْنامِ وقَوْمِهِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، مِثْلَ سِينِ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ. وقَدْ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ طَلَبِ الغِنى بِالبُخْلِ بِالمالِ، فَتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، وهَذِهِ الخِلالُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ فَهي بِالأصالَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وتَأْنِيثُها مُشْعِرٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها المُقَدَّرَ يُعْتَبَرُ مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ، ويَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ المَثُوبَةِ أوِ النَّصْرِ أوِ العِدَةِ أوِ العاقِبَةِ.
وقَدْ يَصِيرُ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، وقِيلَ: كَلِمَةُ
صفحة ٣٨٣
الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، وقِيلَ: الزَّكاةُ. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالتَّصْدِيقُ بِها الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِها ويُكَنّى بِهِ عَنِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها.
وحاصِلُ الِاحْتِمالاتِ يَحُومُ حَوْلَ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللَّهِ بِما هو حَسَنٌ مِن مَثُوبَةٍ أوْ نَصْرٍ أوْ إخْلافِ ما تَلِفَ، فَيَرْجِعُ هَذا التَّصْدِيقُ إلى الإيمانِ.
ويَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَعْمَلُ الأعْمالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الفَوْزُ بِالحُسْنى.
ولِذَلِكَ قُوبِلَ في الشِّقِّ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾) .
والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ شَيْءٍ يَسِيرَ الحُصُولِ، ومَفْعُولُ فِعْلِ التَّيْسِيرِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُجْعَلُ يَسِيرًا، أيْ غَيْرَ شَدِيدٍ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ بَعْدَهُ هو الَّذِي يُسَهَّلُ الشَّيْءُ الصَّعْبُ لِأجْلِهِ، وهو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِسُهُولَةِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦]) وقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) .
واليُسْرى في قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) هي ما لا مَشَقَّةَ فِيهِ. وتَأْنِيثُها: إمّا بِتَأْوِيلِ الحالَةِ، أيِ: الحالَةِ الَّتِي لا تَشُقُّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وهي حالَةُ النَّعِيمِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَكانَةِ. وقَدْ فُسِّرَتِ اليُسْرى بِالجَنَّةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَعانِيَ كَثِيرَةً تَنْدَرِجُ في مَعانِي النّافِعِ الَّذِي لا يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، أيِ: المُلائِمُ.
والعُسْرى: إمّا الحالَةُ وهي حالَةُ العُسْرِ والشِّدَّةِ، وإمّا مَكانَتُهُ وهي جَهَنَّمُ، لِأنَّها مَكانُ العُسْرِ والشَّدائِدِ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: (﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]) فَمَعْنى (نُيَسِّرُهُ): نُدَرِّجُهُ في عَمَلَيِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالأعْمالُ اليُسْرى هي الصّالِحَةُ، وُصِفَتْ بِاليُسْرى بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها لِصاحِبِها، وتَكُونُ العُسْرى الأعْمالَ السَّيِّئَةَ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها عَلى صاحِبِها، فَتَأْنِيثُهُما بِاعْتِبارِ أنَّ كِلْتَيْهِما صِفَةُ طائِفَةٍ مِنَ الأعْمالِ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ الِاسْتِمْرارُ مِنَ الآنَ إلى آخِرِ الحَياةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
وحَرْفُ (ألْ) في (اليُسْرى) وفي (العُسْرى) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي.
صفحة ٣٨٤
وإذْ قَدْ جاءَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَكْسِ المُتَبادَرِ، إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾) هو المُيَسَّرَ، وجُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) هو المُيَسَّرَ، أيِ: الَّذِي صارَ الفِعْلُ صَعْبُ الحُصُولِ حاصِلًا لَهُ، وإذْ وقَعَ المَجْرُورانِ بِاللّامِ: (اليُسْرى) و(العُسْرى)، وهُما لا يَنْتَفِعانِ بِسُهُولَةِ مَن أعْطى أوْ مَن بَخِلَ، تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ بِإحْدى طَرِيقَتَيْنِ:
الأُولى: إبْقاءُ فِعْلِ (نُيَسِّرُ) عَلى حَقِيقَتِهِ وجَعْلِ الكَلامِ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِطَرِيقِ القَلْبِ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ: فَسَنُيَسِّرُ اليُسْرى لَهُ وسَنُيَسِّرُ العُسْرى لَهُ، ولا بُدَّ مِن مُقْتَضٍ لِلْقَلْبِ، فَيُصارُ إلى أنَّ المُقْتَضِيَ إفادَةُ المُبالَغَةِ في هَذا التَّيْسِيرِ حَتّى جُعِلَ المُيَسَّرُ مُيَسَّرًا لَهُ والمُيَسَّرُ لَهُ مُيَسَّرًا عَلى نَحْوِ ما وجَّهُوا بِهِ قَوْلَ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ التَّيْسِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في التَّهْيِئَةِ والإعْدادِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ بَيْنَ إعْدادِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وتَيَسُّرِهِ لَهُ، وتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) و(لِلْعُسْرى) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: نُيَسِّرُهُ لِأجْلِ اليُسْرى أوْ لِأجْلِ العُسْرى، فالمُرادُ بِاليُسْرى الجَنَّةُ وبِالعُسْرى جَهَنَّمُ، عَلى أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ صارا عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ وعَلى النّارِ، والتَّهْيِئَةُ لا تَكُونُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وذاتِ النّارِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَعْدَ اللّامِ يُناسِبُ التَّيْسِيرَ فَيُقَدَّرُ: لِدُخُولِ اليُسْرى ولِدُخُولِ العُسْرى، أيْ: سَنُعَجِّلُ لَهُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: سَنَجْعَلُ دُخُولَ هَذا الجَنَّةَ سَرِيعًا ودُخُولَ الآخَرِ النّارَ سَرِيعًا، بِشَبَهِ المُيَسَّرِ مِن صُعُوبَةٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصَّعْبِ الإبْطاءُ وشَأْنَ السَّهْلِ السُّرْعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) أيْ: سَرِيعٌ عاجِلٌ. ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) مُشاكَلَةً بُنِيَتْ عَلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ قَرِينَتُها قَوْلُهُ: (العُسْرى)، والَّذِي يَدْعُو إلى هَذا أنَّ فِعْلَ (نُيَسِّرُ) نَصَبَ ضَمِيرَ مَن (﴿أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ﴾)، وضَمِيرَ مَن (﴿بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ﴾) فَهو تَيْسِيرٌ ناشِئٌ عَنْ حُصُولِ الأعْمالِ الَّتِي يَجْمَعُها مَعْنى (اتَّقى) أوْ مَعْنى (اسْتَغْنى) فالأعْمالُ سابِقَةٌ لا مَحالَةَ. والتَّيْسِيرُ مُسْتَقْبَلٌ بَعْدَ حُصُولِها فَهو
صفحة ٣٨٥
تَيْسِيرُ ما زادَ عَلى حُصُولِها، أيْ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها والِاسْتِزادَةِ مِنها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنْ يُجْعَلَ التَّيْسِيرُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُجْعَلَ اليُسْرى وصْفًا أيِ: الحالَةُ اليُسْرى، والعُسْرى أيِ: الحالَةُ غَيْرُ اليُسْرى. ولَيْسَ في التَّرْكِيبِ قَلْبٌ.
والتَّيْسِيرُ بِمَعْنى الدَّوامِ عَلى العَمَلِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ”«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازَةٍ فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا أهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾ )“ اهـ.
فَصَدْرُ الحَدِيثِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ إلَخْ، مَعْناهُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أحَدًا سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، أوْ سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ”«وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ جُعِلَتِ الكِتابَةُ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِالمَعْلُوماتِ عِلْمًا مُوافِقًا لِما سَيَكُونُ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ، كالشَّيْءِ المَكْتُوبِ إذْ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نَقْصًا دُونَ المَقُولِ الَّذِي لا يُكْتَبُ فَهو لا يَنْضَبِطُ.
فَنَشَأ سُؤالُ مَن سَألَ عَنْ فائِدَةِ العَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ النّاسُ، ومَعْنى جَوابِهِ: أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ الصّالِحِ أنَّهُ عُنْوانٌ عَلى العاقِبَةِ الحَسَنَةِ. وذُكِرَ مُقابِلُهُ وهو العَمَلُ السَّيِّئُ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالجَوابِ.
ولَيْسَ مَجازُهُ مُماثِلًا لِما اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ في الحَدِيثِ عُلِّقَ بِهِ عَمَلُ أهْلِ السَّعادَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ تَيْسِيرًا لِلْعَمَلِ، أيْ: إعْدادًا وتَهْيِئَةً لِلْأعْمالِ صالِحِها أوْ سَيِّئِها.
فالَّذِي يَرْتَبِطُ بِالآيَةِ مِنَ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ هو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أعْقَبَ كَلامَهُ بِأنْ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) الآيَةَ؛ لِأنَّهُ قَرَأها تَبْيِينًا واسْتِدْلالًا لِكَلامِهِ، فَكانَ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ بِالكَلامِ النَّبَوِيِّ، ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) .
صفحة ٣٨٦
فالمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ أنَّ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى تَيَسُّرًا لِلْعَبْدِ أنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِ السَّعادَةِ أوْ عَمَلِ الشَّقاءِ، سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ أصْلًا لِلسَّعادَةِ كالإيمانِ أوْ لِلشَّقاوَةِ كالكُفْرِ، أمْ كانَ العَمَلُ مِمّا يَزِيدُ السَّعادَةَ ويَنْقُصُ مِنَ الشَّقاوَةِ وذَلِكَ بِمِقْدارِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ ثُبُوتَ أحَدِ مَعْنَيَيِ التَّيْسِيرِ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ جِنْسِهِ فَيَصْلُحُ دَلِيلًا لِثُبُوتِ التَّيْسِيرِ مِن أصْلِهِ.
أوْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الِاسْتِدْلالَ عَلى قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا)؛ لِأنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ عَمَلًا وذَكَرَتْ تَيْسِيرًا لِلْيُسْرى وتَيْسِيرًا لِلْعُسْرى، فَيَكُونُ الحَدِيثُ إشارَةً إلى أنَّ العَمَلَ هو عَلامَةُ التَّيْسِيرِ، وتَكُونُ اليُسْرى مَعْنِيًّا بِها السَّعادَةُ والعُسْرى مَعْنِيًّا بِها الشَّقاوَةُ، وماصَدَقُ السَّعادَةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وماصَدَقُ الشَّقاوَةِ الهُوِيُّ في النّارِ.
وإذْ كانَ الوَعْدُ بِتَيْسِيرِ اليُسْرى لِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى أعْمالِ الإعْطاءِ والتَّقْوى والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، كانَ سُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّيْسِيرُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّيْسِيرَ مُسَبَّبٌ عَنْ تِلْكَ الصِّلاتِ، أيْ: جَزاءٌ عَنْ فِعْلِها. فالمُتَيَسِّرُ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها، وتَكُونُ اليُسْرى صِفَةً لِلْأعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: مُسْتَيْسِرٌ لَهُ أعْمالُهُ، وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ إلى وصْفِ اليُسْرى لِلثَّناءِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ بِأنَّها مُيَسَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) في سُورَةِ الأعْلى.
وخُلاصَةُ الحَدِيثِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِ عِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوها، وبَيْنَ تَعَلُّقِ خِطابِهِ إيّاهم بِشَرائِعِهِ، وأنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ إلى خاتِمَةِ كُلِّ أحَدٍ ومُوافاتِهِ هو عُنْوانٌ لِلنّاسِ عَلى ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، ويَلْتَقِي المَهْيَعانِ في أنَّ العَمَلَ هو وسِيلَةُ الحُصُولِ عَلى الجَنَّةِ أوِ الوُقُوعِ في جَهَنَّمَ.
وإنَّما خُصَّ الإعْطاءُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) مَعَ شُمُولِ (اتَّقى) لِمُفادِهِ، وخُصَّ البُخْلُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) مَعَ شُمُولِ (اسْتَغْنى) لَهُ، لِتَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلى الإعْطاءِ، فالإعْطاءُ والتَّقْوى شِعارُ المُسْلِمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، وضِدُّ الثَّلاثَةِ مِن شِعارِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٨٧
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ، أرْبَعُ مَرّاتٍ بَيْنَ (أعْطى) و(بَخِلَ)، وبَيْنَ (اتَّقى) و(اسْتَغْنى)، وبَيْنَ (صَدَّقَ) و(كَذَّبَ)، وبَيْنَ (اليُسْرى) و(العُسْرى) .
وجُمْلَةُ (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) أيْ: سَنُعَجِّلُ بِهِ إلى جَهَنَّمَ. فالتَّقْدِيرُ: إذا تَرَدّى فِيها.
والتَّرَدِّي: السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، يَعْنِي: لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ.
و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً. والتَّقْدِيرُ: وسَوْفَ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. والمَعْنى: وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّهُ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ نَخْلَةٌ مائِلَةٌ في دارِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ذِي عِيالٍ، فَإذا سَقَطَ مِنها ثَمَرٌ أكَلَهُ صِبْيَةٌ لِذَلِكَ المُسْلِمِ، فَكانَ صاحِبُ النَّخْلَةِ يَنْزِعُ مِن أيْدِيهِمُ الثَّمَرَةَ، فَشَكا المُسْلِمُ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَكَلَّمَ النَّبِيءُ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ أنْ يَتْرُكَها لَهم ولَهُ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وسَمِعَ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ فاشْتَرى تِلْكَ النَّخْلَةَ مِن صاحِبِها بِحائِطٍ فِيهِ أرْبَعُونَ نَخْلَةً، وجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِها مِنِّي بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَأعْطاها الرَّجُلَ صاحِبَ الصِّبْيَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى) وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ، ومِن أجْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) قالَ جَماعَةٌ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ قَوْلُهم: فَأنْزَلَ اللَّهُ في كَذا قَوْلَهُ كَذا، أنَّهم يُرِيدُونَ
صفحة ٣٨٨
بِهِ أنَّ القِصَّةَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ «كَمْ مِن عِذْقٍ رَداحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» . ولَمَّحَ إلَيْها بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ في قَوْلِهِ:
إنَّ النُّحَيْلَةَ إذْ يَمِيلُ بِها الهَوى ∗∗∗ كالعِذْقِ مالَ عَلى أبِي الدَّحْداحِ
الليل 92:7
صفحة ٣٨١
( ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ .
(فَأمّا) تَفْرِيعٌ وتَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]) فَحَرْفُ (أمّا) يُفِيدُ الشَّرْطَ والتَّفْصِيلَ وهو يَتَضَمَّنُ أداةَ شَرْطٍ وفِعْلَ شَرْطٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، والتَّفْصِيلُ: التَّفْكِيكُ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ اشْتَرَكَتْ آحادُهُ في حالَةٍ وانْفَرَدَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِحالَةٍ هي الَّتِي يُعْتَنى بِتَمْيِيزِها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥]) في سُورَةِ الفَجْرِ.
والمُحْتاجُ لِلتَّفْصِيلِ هُنا هو السَّعْيُ المَذْكُورُ، ولَكِنْ جُعِلَ التَّفْصِيلُ بِبَيانِ السّاعِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾) لِأنَّ المُهِمَّ هو اخْتِلافُ أحْوالِ السّاعِينَ ويُلازِمُهُمُ السَّعْيُ، فَإيقاعُهم في التَّفْصِيلِ بِحَسَبِ مَساعِيهِمْ يُساوِي إيقاعَ المَساعِي في التَّفْصِيلِ، وهَذا تَفَنُّنٌ مِن أفانِينِ الكَلامِ الفَصِيحِ يَحْصُلُ مِنهُ مَعْنَيانِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ: عَلى مَخافَةِ وعِلٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلَخْ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩]) الآيَةَ، أيْ: كَإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.
وانْحَصَرَ تَفْصِيلُ (شَتّى) في فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْيُسْرى وفَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْعُسْرى؛ لِأنَّ الحالَيْنِ هُما المُهِمُّ في مَقامِ الحَثِّ عَلى الخَيْرِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، ويَنْدَرِجُ فِيهِما مُخْتَلِفُ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) في سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْصِيلُ (شَتّى) هم مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى، ومَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى، وذَلِكَ عَدَدٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِشَتّى.
صفحة ٣٨٢
و(مَن) في قَوْلِهِ: (﴿مَن أعْطى﴾) إلَخْ، وقَوْلِهِ (﴿مَن بَخِلَ﴾) إلَخْ، يَعُمُّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ الإعْطاءَ ويَتَّقِي ويُصَدِّقُ بِالحُسْنى. ورُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأعْتَقَهُ لِيُنْجِيَهُ مِن تَعْذِيبِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَذْكُرُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عِوَضَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وهو وهَمٌ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ أبِي الدَّحْداحِ مَعَ رَجُلٍ مُنافِقٍ سَتَأْتِي. وهَذا الأخِيرُ مُقْتَضٍ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَخُصُّ العُمُومَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (أعْطى) لِأنَّ فِعْلَ الإعْطاءِ إذا أُرِيدَ بِهِ إعْطاءُ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِاشْتِهارِ اسْتِعْمالِهِ في إعْطاءِ المالِ ولِذَلِكَ يُسَمّى المالُ المَوْهُوبُ عَطاءً، والمَقْصُودُ إعْطاءُ الزَّكاةِ.
وكَذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ اتَّقى لِأنَّهُ يُعْلَمُ أنَّ المُقَدَّرَ اتَّقى اللَّهَ.
وهَذِهِ الخِلالُ الثَّلاثُ مِن خِلالِ الإيمانِ، فالمَعْنى: فَأمّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]) أيْ: لَمْ نَكُ مِن أهْلِ الإيمانِ.
وكَذَلِكَ فِعْلُ (بَخِلَ) لَمْ يُذَكَرْ مُتَعَلَّقُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البُخْلُ بِالمالِ.
و(اسْتَغْنى) جُعِلَ مُقابِلًا لِـ (اتَّقى) فالمُرادُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ودَعْوَتِهِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ المُعْرِضَ عَنِ الدَّعْوَةِ يَعُدُّ نَفْسَهُ غَنِيًّا عَنِ اللَّهِ مُكْتَفِيًا بِوَلايَةِ الأصْنامِ وقَوْمِهِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، مِثْلَ سِينِ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ. وقَدْ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ طَلَبِ الغِنى بِالبُخْلِ بِالمالِ، فَتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، وهَذِهِ الخِلالُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ فَهي بِالأصالَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وتَأْنِيثُها مُشْعِرٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها المُقَدَّرَ يُعْتَبَرُ مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ، ويَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ المَثُوبَةِ أوِ النَّصْرِ أوِ العِدَةِ أوِ العاقِبَةِ.
وقَدْ يَصِيرُ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، وقِيلَ: كَلِمَةُ
صفحة ٣٨٣
الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، وقِيلَ: الزَّكاةُ. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالتَّصْدِيقُ بِها الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِها ويُكَنّى بِهِ عَنِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها.
وحاصِلُ الِاحْتِمالاتِ يَحُومُ حَوْلَ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللَّهِ بِما هو حَسَنٌ مِن مَثُوبَةٍ أوْ نَصْرٍ أوْ إخْلافِ ما تَلِفَ، فَيَرْجِعُ هَذا التَّصْدِيقُ إلى الإيمانِ.
ويَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَعْمَلُ الأعْمالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الفَوْزُ بِالحُسْنى.
ولِذَلِكَ قُوبِلَ في الشِّقِّ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾) .
والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ شَيْءٍ يَسِيرَ الحُصُولِ، ومَفْعُولُ فِعْلِ التَّيْسِيرِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُجْعَلُ يَسِيرًا، أيْ غَيْرَ شَدِيدٍ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ بَعْدَهُ هو الَّذِي يُسَهَّلُ الشَّيْءُ الصَّعْبُ لِأجْلِهِ، وهو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِسُهُولَةِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦]) وقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) .
واليُسْرى في قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) هي ما لا مَشَقَّةَ فِيهِ. وتَأْنِيثُها: إمّا بِتَأْوِيلِ الحالَةِ، أيِ: الحالَةِ الَّتِي لا تَشُقُّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وهي حالَةُ النَّعِيمِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَكانَةِ. وقَدْ فُسِّرَتِ اليُسْرى بِالجَنَّةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَعانِيَ كَثِيرَةً تَنْدَرِجُ في مَعانِي النّافِعِ الَّذِي لا يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، أيِ: المُلائِمُ.
والعُسْرى: إمّا الحالَةُ وهي حالَةُ العُسْرِ والشِّدَّةِ، وإمّا مَكانَتُهُ وهي جَهَنَّمُ، لِأنَّها مَكانُ العُسْرِ والشَّدائِدِ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: (﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]) فَمَعْنى (نُيَسِّرُهُ): نُدَرِّجُهُ في عَمَلَيِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالأعْمالُ اليُسْرى هي الصّالِحَةُ، وُصِفَتْ بِاليُسْرى بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها لِصاحِبِها، وتَكُونُ العُسْرى الأعْمالَ السَّيِّئَةَ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها عَلى صاحِبِها، فَتَأْنِيثُهُما بِاعْتِبارِ أنَّ كِلْتَيْهِما صِفَةُ طائِفَةٍ مِنَ الأعْمالِ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ الِاسْتِمْرارُ مِنَ الآنَ إلى آخِرِ الحَياةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
وحَرْفُ (ألْ) في (اليُسْرى) وفي (العُسْرى) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي.
صفحة ٣٨٤
وإذْ قَدْ جاءَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَكْسِ المُتَبادَرِ، إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾) هو المُيَسَّرَ، وجُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) هو المُيَسَّرَ، أيِ: الَّذِي صارَ الفِعْلُ صَعْبُ الحُصُولِ حاصِلًا لَهُ، وإذْ وقَعَ المَجْرُورانِ بِاللّامِ: (اليُسْرى) و(العُسْرى)، وهُما لا يَنْتَفِعانِ بِسُهُولَةِ مَن أعْطى أوْ مَن بَخِلَ، تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ بِإحْدى طَرِيقَتَيْنِ:
الأُولى: إبْقاءُ فِعْلِ (نُيَسِّرُ) عَلى حَقِيقَتِهِ وجَعْلِ الكَلامِ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِطَرِيقِ القَلْبِ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ: فَسَنُيَسِّرُ اليُسْرى لَهُ وسَنُيَسِّرُ العُسْرى لَهُ، ولا بُدَّ مِن مُقْتَضٍ لِلْقَلْبِ، فَيُصارُ إلى أنَّ المُقْتَضِيَ إفادَةُ المُبالَغَةِ في هَذا التَّيْسِيرِ حَتّى جُعِلَ المُيَسَّرُ مُيَسَّرًا لَهُ والمُيَسَّرُ لَهُ مُيَسَّرًا عَلى نَحْوِ ما وجَّهُوا بِهِ قَوْلَ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ التَّيْسِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في التَّهْيِئَةِ والإعْدادِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ بَيْنَ إعْدادِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وتَيَسُّرِهِ لَهُ، وتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) و(لِلْعُسْرى) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: نُيَسِّرُهُ لِأجْلِ اليُسْرى أوْ لِأجْلِ العُسْرى، فالمُرادُ بِاليُسْرى الجَنَّةُ وبِالعُسْرى جَهَنَّمُ، عَلى أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ صارا عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ وعَلى النّارِ، والتَّهْيِئَةُ لا تَكُونُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وذاتِ النّارِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَعْدَ اللّامِ يُناسِبُ التَّيْسِيرَ فَيُقَدَّرُ: لِدُخُولِ اليُسْرى ولِدُخُولِ العُسْرى، أيْ: سَنُعَجِّلُ لَهُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: سَنَجْعَلُ دُخُولَ هَذا الجَنَّةَ سَرِيعًا ودُخُولَ الآخَرِ النّارَ سَرِيعًا، بِشَبَهِ المُيَسَّرِ مِن صُعُوبَةٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصَّعْبِ الإبْطاءُ وشَأْنَ السَّهْلِ السُّرْعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) أيْ: سَرِيعٌ عاجِلٌ. ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) مُشاكَلَةً بُنِيَتْ عَلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ قَرِينَتُها قَوْلُهُ: (العُسْرى)، والَّذِي يَدْعُو إلى هَذا أنَّ فِعْلَ (نُيَسِّرُ) نَصَبَ ضَمِيرَ مَن (﴿أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ﴾)، وضَمِيرَ مَن (﴿بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ﴾) فَهو تَيْسِيرٌ ناشِئٌ عَنْ حُصُولِ الأعْمالِ الَّتِي يَجْمَعُها مَعْنى (اتَّقى) أوْ مَعْنى (اسْتَغْنى) فالأعْمالُ سابِقَةٌ لا مَحالَةَ. والتَّيْسِيرُ مُسْتَقْبَلٌ بَعْدَ حُصُولِها فَهو
صفحة ٣٨٥
تَيْسِيرُ ما زادَ عَلى حُصُولِها، أيْ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها والِاسْتِزادَةِ مِنها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنْ يُجْعَلَ التَّيْسِيرُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُجْعَلَ اليُسْرى وصْفًا أيِ: الحالَةُ اليُسْرى، والعُسْرى أيِ: الحالَةُ غَيْرُ اليُسْرى. ولَيْسَ في التَّرْكِيبِ قَلْبٌ.
والتَّيْسِيرُ بِمَعْنى الدَّوامِ عَلى العَمَلِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ”«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازَةٍ فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا أهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾ )“ اهـ.
فَصَدْرُ الحَدِيثِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ إلَخْ، مَعْناهُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أحَدًا سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، أوْ سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ”«وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ جُعِلَتِ الكِتابَةُ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِالمَعْلُوماتِ عِلْمًا مُوافِقًا لِما سَيَكُونُ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ، كالشَّيْءِ المَكْتُوبِ إذْ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نَقْصًا دُونَ المَقُولِ الَّذِي لا يُكْتَبُ فَهو لا يَنْضَبِطُ.
فَنَشَأ سُؤالُ مَن سَألَ عَنْ فائِدَةِ العَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ النّاسُ، ومَعْنى جَوابِهِ: أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ الصّالِحِ أنَّهُ عُنْوانٌ عَلى العاقِبَةِ الحَسَنَةِ. وذُكِرَ مُقابِلُهُ وهو العَمَلُ السَّيِّئُ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالجَوابِ.
ولَيْسَ مَجازُهُ مُماثِلًا لِما اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ في الحَدِيثِ عُلِّقَ بِهِ عَمَلُ أهْلِ السَّعادَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ تَيْسِيرًا لِلْعَمَلِ، أيْ: إعْدادًا وتَهْيِئَةً لِلْأعْمالِ صالِحِها أوْ سَيِّئِها.
فالَّذِي يَرْتَبِطُ بِالآيَةِ مِنَ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ هو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أعْقَبَ كَلامَهُ بِأنْ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) الآيَةَ؛ لِأنَّهُ قَرَأها تَبْيِينًا واسْتِدْلالًا لِكَلامِهِ، فَكانَ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ بِالكَلامِ النَّبَوِيِّ، ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) .
صفحة ٣٨٦
فالمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ أنَّ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى تَيَسُّرًا لِلْعَبْدِ أنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِ السَّعادَةِ أوْ عَمَلِ الشَّقاءِ، سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ أصْلًا لِلسَّعادَةِ كالإيمانِ أوْ لِلشَّقاوَةِ كالكُفْرِ، أمْ كانَ العَمَلُ مِمّا يَزِيدُ السَّعادَةَ ويَنْقُصُ مِنَ الشَّقاوَةِ وذَلِكَ بِمِقْدارِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ ثُبُوتَ أحَدِ مَعْنَيَيِ التَّيْسِيرِ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ جِنْسِهِ فَيَصْلُحُ دَلِيلًا لِثُبُوتِ التَّيْسِيرِ مِن أصْلِهِ.
أوْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الِاسْتِدْلالَ عَلى قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا)؛ لِأنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ عَمَلًا وذَكَرَتْ تَيْسِيرًا لِلْيُسْرى وتَيْسِيرًا لِلْعُسْرى، فَيَكُونُ الحَدِيثُ إشارَةً إلى أنَّ العَمَلَ هو عَلامَةُ التَّيْسِيرِ، وتَكُونُ اليُسْرى مَعْنِيًّا بِها السَّعادَةُ والعُسْرى مَعْنِيًّا بِها الشَّقاوَةُ، وماصَدَقُ السَّعادَةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وماصَدَقُ الشَّقاوَةِ الهُوِيُّ في النّارِ.
وإذْ كانَ الوَعْدُ بِتَيْسِيرِ اليُسْرى لِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى أعْمالِ الإعْطاءِ والتَّقْوى والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، كانَ سُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّيْسِيرُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّيْسِيرَ مُسَبَّبٌ عَنْ تِلْكَ الصِّلاتِ، أيْ: جَزاءٌ عَنْ فِعْلِها. فالمُتَيَسِّرُ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها، وتَكُونُ اليُسْرى صِفَةً لِلْأعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: مُسْتَيْسِرٌ لَهُ أعْمالُهُ، وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ إلى وصْفِ اليُسْرى لِلثَّناءِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ بِأنَّها مُيَسَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) في سُورَةِ الأعْلى.
وخُلاصَةُ الحَدِيثِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِ عِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوها، وبَيْنَ تَعَلُّقِ خِطابِهِ إيّاهم بِشَرائِعِهِ، وأنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ إلى خاتِمَةِ كُلِّ أحَدٍ ومُوافاتِهِ هو عُنْوانٌ لِلنّاسِ عَلى ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، ويَلْتَقِي المَهْيَعانِ في أنَّ العَمَلَ هو وسِيلَةُ الحُصُولِ عَلى الجَنَّةِ أوِ الوُقُوعِ في جَهَنَّمَ.
وإنَّما خُصَّ الإعْطاءُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) مَعَ شُمُولِ (اتَّقى) لِمُفادِهِ، وخُصَّ البُخْلُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) مَعَ شُمُولِ (اسْتَغْنى) لَهُ، لِتَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلى الإعْطاءِ، فالإعْطاءُ والتَّقْوى شِعارُ المُسْلِمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، وضِدُّ الثَّلاثَةِ مِن شِعارِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٨٧
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ، أرْبَعُ مَرّاتٍ بَيْنَ (أعْطى) و(بَخِلَ)، وبَيْنَ (اتَّقى) و(اسْتَغْنى)، وبَيْنَ (صَدَّقَ) و(كَذَّبَ)، وبَيْنَ (اليُسْرى) و(العُسْرى) .
وجُمْلَةُ (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) أيْ: سَنُعَجِّلُ بِهِ إلى جَهَنَّمَ. فالتَّقْدِيرُ: إذا تَرَدّى فِيها.
والتَّرَدِّي: السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، يَعْنِي: لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ.
و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً. والتَّقْدِيرُ: وسَوْفَ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. والمَعْنى: وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّهُ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ نَخْلَةٌ مائِلَةٌ في دارِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ذِي عِيالٍ، فَإذا سَقَطَ مِنها ثَمَرٌ أكَلَهُ صِبْيَةٌ لِذَلِكَ المُسْلِمِ، فَكانَ صاحِبُ النَّخْلَةِ يَنْزِعُ مِن أيْدِيهِمُ الثَّمَرَةَ، فَشَكا المُسْلِمُ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَكَلَّمَ النَّبِيءُ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ أنْ يَتْرُكَها لَهم ولَهُ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وسَمِعَ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ فاشْتَرى تِلْكَ النَّخْلَةَ مِن صاحِبِها بِحائِطٍ فِيهِ أرْبَعُونَ نَخْلَةً، وجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِها مِنِّي بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَأعْطاها الرَّجُلَ صاحِبَ الصِّبْيَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى) وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ، ومِن أجْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) قالَ جَماعَةٌ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ قَوْلُهم: فَأنْزَلَ اللَّهُ في كَذا قَوْلَهُ كَذا، أنَّهم يُرِيدُونَ
صفحة ٣٨٨
بِهِ أنَّ القِصَّةَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ «كَمْ مِن عِذْقٍ رَداحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» . ولَمَّحَ إلَيْها بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ في قَوْلِهِ:
إنَّ النُّحَيْلَةَ إذْ يَمِيلُ بِها الهَوى ∗∗∗ كالعِذْقِ مالَ عَلى أبِي الدَّحْداحِ
الليل 92:8
صفحة ٣٨١
( ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ .
(فَأمّا) تَفْرِيعٌ وتَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]) فَحَرْفُ (أمّا) يُفِيدُ الشَّرْطَ والتَّفْصِيلَ وهو يَتَضَمَّنُ أداةَ شَرْطٍ وفِعْلَ شَرْطٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، والتَّفْصِيلُ: التَّفْكِيكُ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ اشْتَرَكَتْ آحادُهُ في حالَةٍ وانْفَرَدَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِحالَةٍ هي الَّتِي يُعْتَنى بِتَمْيِيزِها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥]) في سُورَةِ الفَجْرِ.
والمُحْتاجُ لِلتَّفْصِيلِ هُنا هو السَّعْيُ المَذْكُورُ، ولَكِنْ جُعِلَ التَّفْصِيلُ بِبَيانِ السّاعِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾) لِأنَّ المُهِمَّ هو اخْتِلافُ أحْوالِ السّاعِينَ ويُلازِمُهُمُ السَّعْيُ، فَإيقاعُهم في التَّفْصِيلِ بِحَسَبِ مَساعِيهِمْ يُساوِي إيقاعَ المَساعِي في التَّفْصِيلِ، وهَذا تَفَنُّنٌ مِن أفانِينِ الكَلامِ الفَصِيحِ يَحْصُلُ مِنهُ مَعْنَيانِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ: عَلى مَخافَةِ وعِلٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلَخْ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩]) الآيَةَ، أيْ: كَإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.
وانْحَصَرَ تَفْصِيلُ (شَتّى) في فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْيُسْرى وفَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْعُسْرى؛ لِأنَّ الحالَيْنِ هُما المُهِمُّ في مَقامِ الحَثِّ عَلى الخَيْرِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، ويَنْدَرِجُ فِيهِما مُخْتَلِفُ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) في سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْصِيلُ (شَتّى) هم مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى، ومَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى، وذَلِكَ عَدَدٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِشَتّى.
صفحة ٣٨٢
و(مَن) في قَوْلِهِ: (﴿مَن أعْطى﴾) إلَخْ، وقَوْلِهِ (﴿مَن بَخِلَ﴾) إلَخْ، يَعُمُّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ الإعْطاءَ ويَتَّقِي ويُصَدِّقُ بِالحُسْنى. ورُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأعْتَقَهُ لِيُنْجِيَهُ مِن تَعْذِيبِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَذْكُرُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عِوَضَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وهو وهَمٌ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ أبِي الدَّحْداحِ مَعَ رَجُلٍ مُنافِقٍ سَتَأْتِي. وهَذا الأخِيرُ مُقْتَضٍ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَخُصُّ العُمُومَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (أعْطى) لِأنَّ فِعْلَ الإعْطاءِ إذا أُرِيدَ بِهِ إعْطاءُ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِاشْتِهارِ اسْتِعْمالِهِ في إعْطاءِ المالِ ولِذَلِكَ يُسَمّى المالُ المَوْهُوبُ عَطاءً، والمَقْصُودُ إعْطاءُ الزَّكاةِ.
وكَذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ اتَّقى لِأنَّهُ يُعْلَمُ أنَّ المُقَدَّرَ اتَّقى اللَّهَ.
وهَذِهِ الخِلالُ الثَّلاثُ مِن خِلالِ الإيمانِ، فالمَعْنى: فَأمّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]) أيْ: لَمْ نَكُ مِن أهْلِ الإيمانِ.
وكَذَلِكَ فِعْلُ (بَخِلَ) لَمْ يُذَكَرْ مُتَعَلَّقُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البُخْلُ بِالمالِ.
و(اسْتَغْنى) جُعِلَ مُقابِلًا لِـ (اتَّقى) فالمُرادُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ودَعْوَتِهِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ المُعْرِضَ عَنِ الدَّعْوَةِ يَعُدُّ نَفْسَهُ غَنِيًّا عَنِ اللَّهِ مُكْتَفِيًا بِوَلايَةِ الأصْنامِ وقَوْمِهِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، مِثْلَ سِينِ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ. وقَدْ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ طَلَبِ الغِنى بِالبُخْلِ بِالمالِ، فَتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، وهَذِهِ الخِلالُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ فَهي بِالأصالَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وتَأْنِيثُها مُشْعِرٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها المُقَدَّرَ يُعْتَبَرُ مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ، ويَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ المَثُوبَةِ أوِ النَّصْرِ أوِ العِدَةِ أوِ العاقِبَةِ.
وقَدْ يَصِيرُ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، وقِيلَ: كَلِمَةُ
صفحة ٣٨٣
الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، وقِيلَ: الزَّكاةُ. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالتَّصْدِيقُ بِها الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِها ويُكَنّى بِهِ عَنِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها.
وحاصِلُ الِاحْتِمالاتِ يَحُومُ حَوْلَ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللَّهِ بِما هو حَسَنٌ مِن مَثُوبَةٍ أوْ نَصْرٍ أوْ إخْلافِ ما تَلِفَ، فَيَرْجِعُ هَذا التَّصْدِيقُ إلى الإيمانِ.
ويَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَعْمَلُ الأعْمالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الفَوْزُ بِالحُسْنى.
ولِذَلِكَ قُوبِلَ في الشِّقِّ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾) .
والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ شَيْءٍ يَسِيرَ الحُصُولِ، ومَفْعُولُ فِعْلِ التَّيْسِيرِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُجْعَلُ يَسِيرًا، أيْ غَيْرَ شَدِيدٍ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ بَعْدَهُ هو الَّذِي يُسَهَّلُ الشَّيْءُ الصَّعْبُ لِأجْلِهِ، وهو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِسُهُولَةِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦]) وقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) .
واليُسْرى في قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) هي ما لا مَشَقَّةَ فِيهِ. وتَأْنِيثُها: إمّا بِتَأْوِيلِ الحالَةِ، أيِ: الحالَةِ الَّتِي لا تَشُقُّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وهي حالَةُ النَّعِيمِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَكانَةِ. وقَدْ فُسِّرَتِ اليُسْرى بِالجَنَّةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَعانِيَ كَثِيرَةً تَنْدَرِجُ في مَعانِي النّافِعِ الَّذِي لا يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، أيِ: المُلائِمُ.
والعُسْرى: إمّا الحالَةُ وهي حالَةُ العُسْرِ والشِّدَّةِ، وإمّا مَكانَتُهُ وهي جَهَنَّمُ، لِأنَّها مَكانُ العُسْرِ والشَّدائِدِ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: (﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]) فَمَعْنى (نُيَسِّرُهُ): نُدَرِّجُهُ في عَمَلَيِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالأعْمالُ اليُسْرى هي الصّالِحَةُ، وُصِفَتْ بِاليُسْرى بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها لِصاحِبِها، وتَكُونُ العُسْرى الأعْمالَ السَّيِّئَةَ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها عَلى صاحِبِها، فَتَأْنِيثُهُما بِاعْتِبارِ أنَّ كِلْتَيْهِما صِفَةُ طائِفَةٍ مِنَ الأعْمالِ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ الِاسْتِمْرارُ مِنَ الآنَ إلى آخِرِ الحَياةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
وحَرْفُ (ألْ) في (اليُسْرى) وفي (العُسْرى) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي.
صفحة ٣٨٤
وإذْ قَدْ جاءَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَكْسِ المُتَبادَرِ، إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾) هو المُيَسَّرَ، وجُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) هو المُيَسَّرَ، أيِ: الَّذِي صارَ الفِعْلُ صَعْبُ الحُصُولِ حاصِلًا لَهُ، وإذْ وقَعَ المَجْرُورانِ بِاللّامِ: (اليُسْرى) و(العُسْرى)، وهُما لا يَنْتَفِعانِ بِسُهُولَةِ مَن أعْطى أوْ مَن بَخِلَ، تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ بِإحْدى طَرِيقَتَيْنِ:
الأُولى: إبْقاءُ فِعْلِ (نُيَسِّرُ) عَلى حَقِيقَتِهِ وجَعْلِ الكَلامِ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِطَرِيقِ القَلْبِ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ: فَسَنُيَسِّرُ اليُسْرى لَهُ وسَنُيَسِّرُ العُسْرى لَهُ، ولا بُدَّ مِن مُقْتَضٍ لِلْقَلْبِ، فَيُصارُ إلى أنَّ المُقْتَضِيَ إفادَةُ المُبالَغَةِ في هَذا التَّيْسِيرِ حَتّى جُعِلَ المُيَسَّرُ مُيَسَّرًا لَهُ والمُيَسَّرُ لَهُ مُيَسَّرًا عَلى نَحْوِ ما وجَّهُوا بِهِ قَوْلَ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ التَّيْسِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في التَّهْيِئَةِ والإعْدادِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ بَيْنَ إعْدادِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وتَيَسُّرِهِ لَهُ، وتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) و(لِلْعُسْرى) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: نُيَسِّرُهُ لِأجْلِ اليُسْرى أوْ لِأجْلِ العُسْرى، فالمُرادُ بِاليُسْرى الجَنَّةُ وبِالعُسْرى جَهَنَّمُ، عَلى أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ صارا عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ وعَلى النّارِ، والتَّهْيِئَةُ لا تَكُونُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وذاتِ النّارِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَعْدَ اللّامِ يُناسِبُ التَّيْسِيرَ فَيُقَدَّرُ: لِدُخُولِ اليُسْرى ولِدُخُولِ العُسْرى، أيْ: سَنُعَجِّلُ لَهُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: سَنَجْعَلُ دُخُولَ هَذا الجَنَّةَ سَرِيعًا ودُخُولَ الآخَرِ النّارَ سَرِيعًا، بِشَبَهِ المُيَسَّرِ مِن صُعُوبَةٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصَّعْبِ الإبْطاءُ وشَأْنَ السَّهْلِ السُّرْعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) أيْ: سَرِيعٌ عاجِلٌ. ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) مُشاكَلَةً بُنِيَتْ عَلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ قَرِينَتُها قَوْلُهُ: (العُسْرى)، والَّذِي يَدْعُو إلى هَذا أنَّ فِعْلَ (نُيَسِّرُ) نَصَبَ ضَمِيرَ مَن (﴿أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ﴾)، وضَمِيرَ مَن (﴿بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ﴾) فَهو تَيْسِيرٌ ناشِئٌ عَنْ حُصُولِ الأعْمالِ الَّتِي يَجْمَعُها مَعْنى (اتَّقى) أوْ مَعْنى (اسْتَغْنى) فالأعْمالُ سابِقَةٌ لا مَحالَةَ. والتَّيْسِيرُ مُسْتَقْبَلٌ بَعْدَ حُصُولِها فَهو
صفحة ٣٨٥
تَيْسِيرُ ما زادَ عَلى حُصُولِها، أيْ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها والِاسْتِزادَةِ مِنها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنْ يُجْعَلَ التَّيْسِيرُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُجْعَلَ اليُسْرى وصْفًا أيِ: الحالَةُ اليُسْرى، والعُسْرى أيِ: الحالَةُ غَيْرُ اليُسْرى. ولَيْسَ في التَّرْكِيبِ قَلْبٌ.
والتَّيْسِيرُ بِمَعْنى الدَّوامِ عَلى العَمَلِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ”«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازَةٍ فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا أهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾ )“ اهـ.
فَصَدْرُ الحَدِيثِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ إلَخْ، مَعْناهُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أحَدًا سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، أوْ سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ”«وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ جُعِلَتِ الكِتابَةُ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِالمَعْلُوماتِ عِلْمًا مُوافِقًا لِما سَيَكُونُ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ، كالشَّيْءِ المَكْتُوبِ إذْ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نَقْصًا دُونَ المَقُولِ الَّذِي لا يُكْتَبُ فَهو لا يَنْضَبِطُ.
فَنَشَأ سُؤالُ مَن سَألَ عَنْ فائِدَةِ العَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ النّاسُ، ومَعْنى جَوابِهِ: أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ الصّالِحِ أنَّهُ عُنْوانٌ عَلى العاقِبَةِ الحَسَنَةِ. وذُكِرَ مُقابِلُهُ وهو العَمَلُ السَّيِّئُ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالجَوابِ.
ولَيْسَ مَجازُهُ مُماثِلًا لِما اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ في الحَدِيثِ عُلِّقَ بِهِ عَمَلُ أهْلِ السَّعادَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ تَيْسِيرًا لِلْعَمَلِ، أيْ: إعْدادًا وتَهْيِئَةً لِلْأعْمالِ صالِحِها أوْ سَيِّئِها.
فالَّذِي يَرْتَبِطُ بِالآيَةِ مِنَ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ هو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أعْقَبَ كَلامَهُ بِأنْ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) الآيَةَ؛ لِأنَّهُ قَرَأها تَبْيِينًا واسْتِدْلالًا لِكَلامِهِ، فَكانَ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ بِالكَلامِ النَّبَوِيِّ، ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) .
صفحة ٣٨٦
فالمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ أنَّ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى تَيَسُّرًا لِلْعَبْدِ أنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِ السَّعادَةِ أوْ عَمَلِ الشَّقاءِ، سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ أصْلًا لِلسَّعادَةِ كالإيمانِ أوْ لِلشَّقاوَةِ كالكُفْرِ، أمْ كانَ العَمَلُ مِمّا يَزِيدُ السَّعادَةَ ويَنْقُصُ مِنَ الشَّقاوَةِ وذَلِكَ بِمِقْدارِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ ثُبُوتَ أحَدِ مَعْنَيَيِ التَّيْسِيرِ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ جِنْسِهِ فَيَصْلُحُ دَلِيلًا لِثُبُوتِ التَّيْسِيرِ مِن أصْلِهِ.
أوْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الِاسْتِدْلالَ عَلى قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا)؛ لِأنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ عَمَلًا وذَكَرَتْ تَيْسِيرًا لِلْيُسْرى وتَيْسِيرًا لِلْعُسْرى، فَيَكُونُ الحَدِيثُ إشارَةً إلى أنَّ العَمَلَ هو عَلامَةُ التَّيْسِيرِ، وتَكُونُ اليُسْرى مَعْنِيًّا بِها السَّعادَةُ والعُسْرى مَعْنِيًّا بِها الشَّقاوَةُ، وماصَدَقُ السَّعادَةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وماصَدَقُ الشَّقاوَةِ الهُوِيُّ في النّارِ.
وإذْ كانَ الوَعْدُ بِتَيْسِيرِ اليُسْرى لِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى أعْمالِ الإعْطاءِ والتَّقْوى والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، كانَ سُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّيْسِيرُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّيْسِيرَ مُسَبَّبٌ عَنْ تِلْكَ الصِّلاتِ، أيْ: جَزاءٌ عَنْ فِعْلِها. فالمُتَيَسِّرُ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها، وتَكُونُ اليُسْرى صِفَةً لِلْأعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: مُسْتَيْسِرٌ لَهُ أعْمالُهُ، وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ إلى وصْفِ اليُسْرى لِلثَّناءِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ بِأنَّها مُيَسَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) في سُورَةِ الأعْلى.
وخُلاصَةُ الحَدِيثِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِ عِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوها، وبَيْنَ تَعَلُّقِ خِطابِهِ إيّاهم بِشَرائِعِهِ، وأنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ إلى خاتِمَةِ كُلِّ أحَدٍ ومُوافاتِهِ هو عُنْوانٌ لِلنّاسِ عَلى ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، ويَلْتَقِي المَهْيَعانِ في أنَّ العَمَلَ هو وسِيلَةُ الحُصُولِ عَلى الجَنَّةِ أوِ الوُقُوعِ في جَهَنَّمَ.
وإنَّما خُصَّ الإعْطاءُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) مَعَ شُمُولِ (اتَّقى) لِمُفادِهِ، وخُصَّ البُخْلُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) مَعَ شُمُولِ (اسْتَغْنى) لَهُ، لِتَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلى الإعْطاءِ، فالإعْطاءُ والتَّقْوى شِعارُ المُسْلِمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، وضِدُّ الثَّلاثَةِ مِن شِعارِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٨٧
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ، أرْبَعُ مَرّاتٍ بَيْنَ (أعْطى) و(بَخِلَ)، وبَيْنَ (اتَّقى) و(اسْتَغْنى)، وبَيْنَ (صَدَّقَ) و(كَذَّبَ)، وبَيْنَ (اليُسْرى) و(العُسْرى) .
وجُمْلَةُ (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) أيْ: سَنُعَجِّلُ بِهِ إلى جَهَنَّمَ. فالتَّقْدِيرُ: إذا تَرَدّى فِيها.
والتَّرَدِّي: السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، يَعْنِي: لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ.
و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً. والتَّقْدِيرُ: وسَوْفَ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. والمَعْنى: وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّهُ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ نَخْلَةٌ مائِلَةٌ في دارِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ذِي عِيالٍ، فَإذا سَقَطَ مِنها ثَمَرٌ أكَلَهُ صِبْيَةٌ لِذَلِكَ المُسْلِمِ، فَكانَ صاحِبُ النَّخْلَةِ يَنْزِعُ مِن أيْدِيهِمُ الثَّمَرَةَ، فَشَكا المُسْلِمُ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَكَلَّمَ النَّبِيءُ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ أنْ يَتْرُكَها لَهم ولَهُ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وسَمِعَ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ فاشْتَرى تِلْكَ النَّخْلَةَ مِن صاحِبِها بِحائِطٍ فِيهِ أرْبَعُونَ نَخْلَةً، وجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِها مِنِّي بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَأعْطاها الرَّجُلَ صاحِبَ الصِّبْيَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى) وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ، ومِن أجْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) قالَ جَماعَةٌ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ قَوْلُهم: فَأنْزَلَ اللَّهُ في كَذا قَوْلَهُ كَذا، أنَّهم يُرِيدُونَ
صفحة ٣٨٨
بِهِ أنَّ القِصَّةَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ «كَمْ مِن عِذْقٍ رَداحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» . ولَمَّحَ إلَيْها بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ في قَوْلِهِ:
إنَّ النُّحَيْلَةَ إذْ يَمِيلُ بِها الهَوى ∗∗∗ كالعِذْقِ مالَ عَلى أبِي الدَّحْداحِ
الليل 92:9
صفحة ٣٨١
( ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ .
(فَأمّا) تَفْرِيعٌ وتَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]) فَحَرْفُ (أمّا) يُفِيدُ الشَّرْطَ والتَّفْصِيلَ وهو يَتَضَمَّنُ أداةَ شَرْطٍ وفِعْلَ شَرْطٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، والتَّفْصِيلُ: التَّفْكِيكُ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ اشْتَرَكَتْ آحادُهُ في حالَةٍ وانْفَرَدَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِحالَةٍ هي الَّتِي يُعْتَنى بِتَمْيِيزِها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥]) في سُورَةِ الفَجْرِ.
والمُحْتاجُ لِلتَّفْصِيلِ هُنا هو السَّعْيُ المَذْكُورُ، ولَكِنْ جُعِلَ التَّفْصِيلُ بِبَيانِ السّاعِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾) لِأنَّ المُهِمَّ هو اخْتِلافُ أحْوالِ السّاعِينَ ويُلازِمُهُمُ السَّعْيُ، فَإيقاعُهم في التَّفْصِيلِ بِحَسَبِ مَساعِيهِمْ يُساوِي إيقاعَ المَساعِي في التَّفْصِيلِ، وهَذا تَفَنُّنٌ مِن أفانِينِ الكَلامِ الفَصِيحِ يَحْصُلُ مِنهُ مَعْنَيانِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ: عَلى مَخافَةِ وعِلٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلَخْ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩]) الآيَةَ، أيْ: كَإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.
وانْحَصَرَ تَفْصِيلُ (شَتّى) في فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْيُسْرى وفَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْعُسْرى؛ لِأنَّ الحالَيْنِ هُما المُهِمُّ في مَقامِ الحَثِّ عَلى الخَيْرِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، ويَنْدَرِجُ فِيهِما مُخْتَلِفُ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) في سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْصِيلُ (شَتّى) هم مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى، ومَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى، وذَلِكَ عَدَدٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِشَتّى.
صفحة ٣٨٢
و(مَن) في قَوْلِهِ: (﴿مَن أعْطى﴾) إلَخْ، وقَوْلِهِ (﴿مَن بَخِلَ﴾) إلَخْ، يَعُمُّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ الإعْطاءَ ويَتَّقِي ويُصَدِّقُ بِالحُسْنى. ورُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأعْتَقَهُ لِيُنْجِيَهُ مِن تَعْذِيبِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَذْكُرُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عِوَضَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وهو وهَمٌ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ أبِي الدَّحْداحِ مَعَ رَجُلٍ مُنافِقٍ سَتَأْتِي. وهَذا الأخِيرُ مُقْتَضٍ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَخُصُّ العُمُومَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (أعْطى) لِأنَّ فِعْلَ الإعْطاءِ إذا أُرِيدَ بِهِ إعْطاءُ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِاشْتِهارِ اسْتِعْمالِهِ في إعْطاءِ المالِ ولِذَلِكَ يُسَمّى المالُ المَوْهُوبُ عَطاءً، والمَقْصُودُ إعْطاءُ الزَّكاةِ.
وكَذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ اتَّقى لِأنَّهُ يُعْلَمُ أنَّ المُقَدَّرَ اتَّقى اللَّهَ.
وهَذِهِ الخِلالُ الثَّلاثُ مِن خِلالِ الإيمانِ، فالمَعْنى: فَأمّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]) أيْ: لَمْ نَكُ مِن أهْلِ الإيمانِ.
وكَذَلِكَ فِعْلُ (بَخِلَ) لَمْ يُذَكَرْ مُتَعَلَّقُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البُخْلُ بِالمالِ.
و(اسْتَغْنى) جُعِلَ مُقابِلًا لِـ (اتَّقى) فالمُرادُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ودَعْوَتِهِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ المُعْرِضَ عَنِ الدَّعْوَةِ يَعُدُّ نَفْسَهُ غَنِيًّا عَنِ اللَّهِ مُكْتَفِيًا بِوَلايَةِ الأصْنامِ وقَوْمِهِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، مِثْلَ سِينِ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ. وقَدْ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ طَلَبِ الغِنى بِالبُخْلِ بِالمالِ، فَتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، وهَذِهِ الخِلالُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ فَهي بِالأصالَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وتَأْنِيثُها مُشْعِرٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها المُقَدَّرَ يُعْتَبَرُ مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ، ويَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ المَثُوبَةِ أوِ النَّصْرِ أوِ العِدَةِ أوِ العاقِبَةِ.
وقَدْ يَصِيرُ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، وقِيلَ: كَلِمَةُ
صفحة ٣٨٣
الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، وقِيلَ: الزَّكاةُ. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالتَّصْدِيقُ بِها الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِها ويُكَنّى بِهِ عَنِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها.
وحاصِلُ الِاحْتِمالاتِ يَحُومُ حَوْلَ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللَّهِ بِما هو حَسَنٌ مِن مَثُوبَةٍ أوْ نَصْرٍ أوْ إخْلافِ ما تَلِفَ، فَيَرْجِعُ هَذا التَّصْدِيقُ إلى الإيمانِ.
ويَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَعْمَلُ الأعْمالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الفَوْزُ بِالحُسْنى.
ولِذَلِكَ قُوبِلَ في الشِّقِّ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾) .
والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ شَيْءٍ يَسِيرَ الحُصُولِ، ومَفْعُولُ فِعْلِ التَّيْسِيرِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُجْعَلُ يَسِيرًا، أيْ غَيْرَ شَدِيدٍ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ بَعْدَهُ هو الَّذِي يُسَهَّلُ الشَّيْءُ الصَّعْبُ لِأجْلِهِ، وهو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِسُهُولَةِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦]) وقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) .
واليُسْرى في قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) هي ما لا مَشَقَّةَ فِيهِ. وتَأْنِيثُها: إمّا بِتَأْوِيلِ الحالَةِ، أيِ: الحالَةِ الَّتِي لا تَشُقُّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وهي حالَةُ النَّعِيمِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَكانَةِ. وقَدْ فُسِّرَتِ اليُسْرى بِالجَنَّةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَعانِيَ كَثِيرَةً تَنْدَرِجُ في مَعانِي النّافِعِ الَّذِي لا يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، أيِ: المُلائِمُ.
والعُسْرى: إمّا الحالَةُ وهي حالَةُ العُسْرِ والشِّدَّةِ، وإمّا مَكانَتُهُ وهي جَهَنَّمُ، لِأنَّها مَكانُ العُسْرِ والشَّدائِدِ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: (﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]) فَمَعْنى (نُيَسِّرُهُ): نُدَرِّجُهُ في عَمَلَيِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالأعْمالُ اليُسْرى هي الصّالِحَةُ، وُصِفَتْ بِاليُسْرى بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها لِصاحِبِها، وتَكُونُ العُسْرى الأعْمالَ السَّيِّئَةَ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها عَلى صاحِبِها، فَتَأْنِيثُهُما بِاعْتِبارِ أنَّ كِلْتَيْهِما صِفَةُ طائِفَةٍ مِنَ الأعْمالِ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ الِاسْتِمْرارُ مِنَ الآنَ إلى آخِرِ الحَياةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
وحَرْفُ (ألْ) في (اليُسْرى) وفي (العُسْرى) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي.
صفحة ٣٨٤
وإذْ قَدْ جاءَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَكْسِ المُتَبادَرِ، إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾) هو المُيَسَّرَ، وجُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) هو المُيَسَّرَ، أيِ: الَّذِي صارَ الفِعْلُ صَعْبُ الحُصُولِ حاصِلًا لَهُ، وإذْ وقَعَ المَجْرُورانِ بِاللّامِ: (اليُسْرى) و(العُسْرى)، وهُما لا يَنْتَفِعانِ بِسُهُولَةِ مَن أعْطى أوْ مَن بَخِلَ، تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ بِإحْدى طَرِيقَتَيْنِ:
الأُولى: إبْقاءُ فِعْلِ (نُيَسِّرُ) عَلى حَقِيقَتِهِ وجَعْلِ الكَلامِ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِطَرِيقِ القَلْبِ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ: فَسَنُيَسِّرُ اليُسْرى لَهُ وسَنُيَسِّرُ العُسْرى لَهُ، ولا بُدَّ مِن مُقْتَضٍ لِلْقَلْبِ، فَيُصارُ إلى أنَّ المُقْتَضِيَ إفادَةُ المُبالَغَةِ في هَذا التَّيْسِيرِ حَتّى جُعِلَ المُيَسَّرُ مُيَسَّرًا لَهُ والمُيَسَّرُ لَهُ مُيَسَّرًا عَلى نَحْوِ ما وجَّهُوا بِهِ قَوْلَ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ التَّيْسِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في التَّهْيِئَةِ والإعْدادِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ بَيْنَ إعْدادِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وتَيَسُّرِهِ لَهُ، وتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) و(لِلْعُسْرى) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: نُيَسِّرُهُ لِأجْلِ اليُسْرى أوْ لِأجْلِ العُسْرى، فالمُرادُ بِاليُسْرى الجَنَّةُ وبِالعُسْرى جَهَنَّمُ، عَلى أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ صارا عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ وعَلى النّارِ، والتَّهْيِئَةُ لا تَكُونُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وذاتِ النّارِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَعْدَ اللّامِ يُناسِبُ التَّيْسِيرَ فَيُقَدَّرُ: لِدُخُولِ اليُسْرى ولِدُخُولِ العُسْرى، أيْ: سَنُعَجِّلُ لَهُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: سَنَجْعَلُ دُخُولَ هَذا الجَنَّةَ سَرِيعًا ودُخُولَ الآخَرِ النّارَ سَرِيعًا، بِشَبَهِ المُيَسَّرِ مِن صُعُوبَةٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصَّعْبِ الإبْطاءُ وشَأْنَ السَّهْلِ السُّرْعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) أيْ: سَرِيعٌ عاجِلٌ. ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) مُشاكَلَةً بُنِيَتْ عَلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ قَرِينَتُها قَوْلُهُ: (العُسْرى)، والَّذِي يَدْعُو إلى هَذا أنَّ فِعْلَ (نُيَسِّرُ) نَصَبَ ضَمِيرَ مَن (﴿أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ﴾)، وضَمِيرَ مَن (﴿بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ﴾) فَهو تَيْسِيرٌ ناشِئٌ عَنْ حُصُولِ الأعْمالِ الَّتِي يَجْمَعُها مَعْنى (اتَّقى) أوْ مَعْنى (اسْتَغْنى) فالأعْمالُ سابِقَةٌ لا مَحالَةَ. والتَّيْسِيرُ مُسْتَقْبَلٌ بَعْدَ حُصُولِها فَهو
صفحة ٣٨٥
تَيْسِيرُ ما زادَ عَلى حُصُولِها، أيْ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها والِاسْتِزادَةِ مِنها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنْ يُجْعَلَ التَّيْسِيرُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُجْعَلَ اليُسْرى وصْفًا أيِ: الحالَةُ اليُسْرى، والعُسْرى أيِ: الحالَةُ غَيْرُ اليُسْرى. ولَيْسَ في التَّرْكِيبِ قَلْبٌ.
والتَّيْسِيرُ بِمَعْنى الدَّوامِ عَلى العَمَلِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ”«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازَةٍ فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا أهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾ )“ اهـ.
فَصَدْرُ الحَدِيثِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ إلَخْ، مَعْناهُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أحَدًا سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، أوْ سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ”«وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ جُعِلَتِ الكِتابَةُ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِالمَعْلُوماتِ عِلْمًا مُوافِقًا لِما سَيَكُونُ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ، كالشَّيْءِ المَكْتُوبِ إذْ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نَقْصًا دُونَ المَقُولِ الَّذِي لا يُكْتَبُ فَهو لا يَنْضَبِطُ.
فَنَشَأ سُؤالُ مَن سَألَ عَنْ فائِدَةِ العَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ النّاسُ، ومَعْنى جَوابِهِ: أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ الصّالِحِ أنَّهُ عُنْوانٌ عَلى العاقِبَةِ الحَسَنَةِ. وذُكِرَ مُقابِلُهُ وهو العَمَلُ السَّيِّئُ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالجَوابِ.
ولَيْسَ مَجازُهُ مُماثِلًا لِما اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ في الحَدِيثِ عُلِّقَ بِهِ عَمَلُ أهْلِ السَّعادَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ تَيْسِيرًا لِلْعَمَلِ، أيْ: إعْدادًا وتَهْيِئَةً لِلْأعْمالِ صالِحِها أوْ سَيِّئِها.
فالَّذِي يَرْتَبِطُ بِالآيَةِ مِنَ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ هو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أعْقَبَ كَلامَهُ بِأنْ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) الآيَةَ؛ لِأنَّهُ قَرَأها تَبْيِينًا واسْتِدْلالًا لِكَلامِهِ، فَكانَ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ بِالكَلامِ النَّبَوِيِّ، ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) .
صفحة ٣٨٦
فالمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ أنَّ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى تَيَسُّرًا لِلْعَبْدِ أنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِ السَّعادَةِ أوْ عَمَلِ الشَّقاءِ، سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ أصْلًا لِلسَّعادَةِ كالإيمانِ أوْ لِلشَّقاوَةِ كالكُفْرِ، أمْ كانَ العَمَلُ مِمّا يَزِيدُ السَّعادَةَ ويَنْقُصُ مِنَ الشَّقاوَةِ وذَلِكَ بِمِقْدارِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ ثُبُوتَ أحَدِ مَعْنَيَيِ التَّيْسِيرِ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ جِنْسِهِ فَيَصْلُحُ دَلِيلًا لِثُبُوتِ التَّيْسِيرِ مِن أصْلِهِ.
أوْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الِاسْتِدْلالَ عَلى قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا)؛ لِأنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ عَمَلًا وذَكَرَتْ تَيْسِيرًا لِلْيُسْرى وتَيْسِيرًا لِلْعُسْرى، فَيَكُونُ الحَدِيثُ إشارَةً إلى أنَّ العَمَلَ هو عَلامَةُ التَّيْسِيرِ، وتَكُونُ اليُسْرى مَعْنِيًّا بِها السَّعادَةُ والعُسْرى مَعْنِيًّا بِها الشَّقاوَةُ، وماصَدَقُ السَّعادَةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وماصَدَقُ الشَّقاوَةِ الهُوِيُّ في النّارِ.
وإذْ كانَ الوَعْدُ بِتَيْسِيرِ اليُسْرى لِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى أعْمالِ الإعْطاءِ والتَّقْوى والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، كانَ سُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّيْسِيرُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّيْسِيرَ مُسَبَّبٌ عَنْ تِلْكَ الصِّلاتِ، أيْ: جَزاءٌ عَنْ فِعْلِها. فالمُتَيَسِّرُ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها، وتَكُونُ اليُسْرى صِفَةً لِلْأعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: مُسْتَيْسِرٌ لَهُ أعْمالُهُ، وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ إلى وصْفِ اليُسْرى لِلثَّناءِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ بِأنَّها مُيَسَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) في سُورَةِ الأعْلى.
وخُلاصَةُ الحَدِيثِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِ عِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوها، وبَيْنَ تَعَلُّقِ خِطابِهِ إيّاهم بِشَرائِعِهِ، وأنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ إلى خاتِمَةِ كُلِّ أحَدٍ ومُوافاتِهِ هو عُنْوانٌ لِلنّاسِ عَلى ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، ويَلْتَقِي المَهْيَعانِ في أنَّ العَمَلَ هو وسِيلَةُ الحُصُولِ عَلى الجَنَّةِ أوِ الوُقُوعِ في جَهَنَّمَ.
وإنَّما خُصَّ الإعْطاءُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) مَعَ شُمُولِ (اتَّقى) لِمُفادِهِ، وخُصَّ البُخْلُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) مَعَ شُمُولِ (اسْتَغْنى) لَهُ، لِتَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلى الإعْطاءِ، فالإعْطاءُ والتَّقْوى شِعارُ المُسْلِمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، وضِدُّ الثَّلاثَةِ مِن شِعارِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٨٧
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ، أرْبَعُ مَرّاتٍ بَيْنَ (أعْطى) و(بَخِلَ)، وبَيْنَ (اتَّقى) و(اسْتَغْنى)، وبَيْنَ (صَدَّقَ) و(كَذَّبَ)، وبَيْنَ (اليُسْرى) و(العُسْرى) .
وجُمْلَةُ (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) أيْ: سَنُعَجِّلُ بِهِ إلى جَهَنَّمَ. فالتَّقْدِيرُ: إذا تَرَدّى فِيها.
والتَّرَدِّي: السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، يَعْنِي: لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ.
و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً. والتَّقْدِيرُ: وسَوْفَ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. والمَعْنى: وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّهُ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ نَخْلَةٌ مائِلَةٌ في دارِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ذِي عِيالٍ، فَإذا سَقَطَ مِنها ثَمَرٌ أكَلَهُ صِبْيَةٌ لِذَلِكَ المُسْلِمِ، فَكانَ صاحِبُ النَّخْلَةِ يَنْزِعُ مِن أيْدِيهِمُ الثَّمَرَةَ، فَشَكا المُسْلِمُ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَكَلَّمَ النَّبِيءُ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ أنْ يَتْرُكَها لَهم ولَهُ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وسَمِعَ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ فاشْتَرى تِلْكَ النَّخْلَةَ مِن صاحِبِها بِحائِطٍ فِيهِ أرْبَعُونَ نَخْلَةً، وجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِها مِنِّي بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَأعْطاها الرَّجُلَ صاحِبَ الصِّبْيَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى) وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ، ومِن أجْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) قالَ جَماعَةٌ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ قَوْلُهم: فَأنْزَلَ اللَّهُ في كَذا قَوْلَهُ كَذا، أنَّهم يُرِيدُونَ
صفحة ٣٨٨
بِهِ أنَّ القِصَّةَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ «كَمْ مِن عِذْقٍ رَداحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» . ولَمَّحَ إلَيْها بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ في قَوْلِهِ:
إنَّ النُّحَيْلَةَ إذْ يَمِيلُ بِها الهَوى ∗∗∗ كالعِذْقِ مالَ عَلى أبِي الدَّحْداحِ
الليل 92:10
صفحة ٣٨١
( ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ .
(فَأمّا) تَفْرِيعٌ وتَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]) فَحَرْفُ (أمّا) يُفِيدُ الشَّرْطَ والتَّفْصِيلَ وهو يَتَضَمَّنُ أداةَ شَرْطٍ وفِعْلَ شَرْطٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، والتَّفْصِيلُ: التَّفْكِيكُ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ اشْتَرَكَتْ آحادُهُ في حالَةٍ وانْفَرَدَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِحالَةٍ هي الَّتِي يُعْتَنى بِتَمْيِيزِها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥]) في سُورَةِ الفَجْرِ.
والمُحْتاجُ لِلتَّفْصِيلِ هُنا هو السَّعْيُ المَذْكُورُ، ولَكِنْ جُعِلَ التَّفْصِيلُ بِبَيانِ السّاعِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾) لِأنَّ المُهِمَّ هو اخْتِلافُ أحْوالِ السّاعِينَ ويُلازِمُهُمُ السَّعْيُ، فَإيقاعُهم في التَّفْصِيلِ بِحَسَبِ مَساعِيهِمْ يُساوِي إيقاعَ المَساعِي في التَّفْصِيلِ، وهَذا تَفَنُّنٌ مِن أفانِينِ الكَلامِ الفَصِيحِ يَحْصُلُ مِنهُ مَعْنَيانِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ: عَلى مَخافَةِ وعِلٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلَخْ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩]) الآيَةَ، أيْ: كَإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.
وانْحَصَرَ تَفْصِيلُ (شَتّى) في فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْيُسْرى وفَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْعُسْرى؛ لِأنَّ الحالَيْنِ هُما المُهِمُّ في مَقامِ الحَثِّ عَلى الخَيْرِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، ويَنْدَرِجُ فِيهِما مُخْتَلِفُ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) في سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْصِيلُ (شَتّى) هم مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى، ومَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى، وذَلِكَ عَدَدٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِشَتّى.
صفحة ٣٨٢
و(مَن) في قَوْلِهِ: (﴿مَن أعْطى﴾) إلَخْ، وقَوْلِهِ (﴿مَن بَخِلَ﴾) إلَخْ، يَعُمُّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ الإعْطاءَ ويَتَّقِي ويُصَدِّقُ بِالحُسْنى. ورُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأعْتَقَهُ لِيُنْجِيَهُ مِن تَعْذِيبِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَذْكُرُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عِوَضَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وهو وهَمٌ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ أبِي الدَّحْداحِ مَعَ رَجُلٍ مُنافِقٍ سَتَأْتِي. وهَذا الأخِيرُ مُقْتَضٍ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَخُصُّ العُمُومَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (أعْطى) لِأنَّ فِعْلَ الإعْطاءِ إذا أُرِيدَ بِهِ إعْطاءُ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِاشْتِهارِ اسْتِعْمالِهِ في إعْطاءِ المالِ ولِذَلِكَ يُسَمّى المالُ المَوْهُوبُ عَطاءً، والمَقْصُودُ إعْطاءُ الزَّكاةِ.
وكَذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ اتَّقى لِأنَّهُ يُعْلَمُ أنَّ المُقَدَّرَ اتَّقى اللَّهَ.
وهَذِهِ الخِلالُ الثَّلاثُ مِن خِلالِ الإيمانِ، فالمَعْنى: فَأمّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]) أيْ: لَمْ نَكُ مِن أهْلِ الإيمانِ.
وكَذَلِكَ فِعْلُ (بَخِلَ) لَمْ يُذَكَرْ مُتَعَلَّقُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البُخْلُ بِالمالِ.
و(اسْتَغْنى) جُعِلَ مُقابِلًا لِـ (اتَّقى) فالمُرادُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ودَعْوَتِهِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ المُعْرِضَ عَنِ الدَّعْوَةِ يَعُدُّ نَفْسَهُ غَنِيًّا عَنِ اللَّهِ مُكْتَفِيًا بِوَلايَةِ الأصْنامِ وقَوْمِهِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، مِثْلَ سِينِ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ. وقَدْ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ طَلَبِ الغِنى بِالبُخْلِ بِالمالِ، فَتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، وهَذِهِ الخِلالُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ فَهي بِالأصالَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وتَأْنِيثُها مُشْعِرٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها المُقَدَّرَ يُعْتَبَرُ مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ، ويَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ المَثُوبَةِ أوِ النَّصْرِ أوِ العِدَةِ أوِ العاقِبَةِ.
وقَدْ يَصِيرُ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، وقِيلَ: كَلِمَةُ
صفحة ٣٨٣
الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، وقِيلَ: الزَّكاةُ. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالتَّصْدِيقُ بِها الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِها ويُكَنّى بِهِ عَنِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها.
وحاصِلُ الِاحْتِمالاتِ يَحُومُ حَوْلَ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللَّهِ بِما هو حَسَنٌ مِن مَثُوبَةٍ أوْ نَصْرٍ أوْ إخْلافِ ما تَلِفَ، فَيَرْجِعُ هَذا التَّصْدِيقُ إلى الإيمانِ.
ويَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَعْمَلُ الأعْمالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الفَوْزُ بِالحُسْنى.
ولِذَلِكَ قُوبِلَ في الشِّقِّ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾) .
والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ شَيْءٍ يَسِيرَ الحُصُولِ، ومَفْعُولُ فِعْلِ التَّيْسِيرِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُجْعَلُ يَسِيرًا، أيْ غَيْرَ شَدِيدٍ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ بَعْدَهُ هو الَّذِي يُسَهَّلُ الشَّيْءُ الصَّعْبُ لِأجْلِهِ، وهو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِسُهُولَةِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦]) وقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) .
واليُسْرى في قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) هي ما لا مَشَقَّةَ فِيهِ. وتَأْنِيثُها: إمّا بِتَأْوِيلِ الحالَةِ، أيِ: الحالَةِ الَّتِي لا تَشُقُّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وهي حالَةُ النَّعِيمِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَكانَةِ. وقَدْ فُسِّرَتِ اليُسْرى بِالجَنَّةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَعانِيَ كَثِيرَةً تَنْدَرِجُ في مَعانِي النّافِعِ الَّذِي لا يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، أيِ: المُلائِمُ.
والعُسْرى: إمّا الحالَةُ وهي حالَةُ العُسْرِ والشِّدَّةِ، وإمّا مَكانَتُهُ وهي جَهَنَّمُ، لِأنَّها مَكانُ العُسْرِ والشَّدائِدِ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: (﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]) فَمَعْنى (نُيَسِّرُهُ): نُدَرِّجُهُ في عَمَلَيِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالأعْمالُ اليُسْرى هي الصّالِحَةُ، وُصِفَتْ بِاليُسْرى بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها لِصاحِبِها، وتَكُونُ العُسْرى الأعْمالَ السَّيِّئَةَ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها عَلى صاحِبِها، فَتَأْنِيثُهُما بِاعْتِبارِ أنَّ كِلْتَيْهِما صِفَةُ طائِفَةٍ مِنَ الأعْمالِ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ الِاسْتِمْرارُ مِنَ الآنَ إلى آخِرِ الحَياةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
وحَرْفُ (ألْ) في (اليُسْرى) وفي (العُسْرى) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي.
صفحة ٣٨٤
وإذْ قَدْ جاءَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَكْسِ المُتَبادَرِ، إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾) هو المُيَسَّرَ، وجُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) هو المُيَسَّرَ، أيِ: الَّذِي صارَ الفِعْلُ صَعْبُ الحُصُولِ حاصِلًا لَهُ، وإذْ وقَعَ المَجْرُورانِ بِاللّامِ: (اليُسْرى) و(العُسْرى)، وهُما لا يَنْتَفِعانِ بِسُهُولَةِ مَن أعْطى أوْ مَن بَخِلَ، تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ بِإحْدى طَرِيقَتَيْنِ:
الأُولى: إبْقاءُ فِعْلِ (نُيَسِّرُ) عَلى حَقِيقَتِهِ وجَعْلِ الكَلامِ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِطَرِيقِ القَلْبِ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ: فَسَنُيَسِّرُ اليُسْرى لَهُ وسَنُيَسِّرُ العُسْرى لَهُ، ولا بُدَّ مِن مُقْتَضٍ لِلْقَلْبِ، فَيُصارُ إلى أنَّ المُقْتَضِيَ إفادَةُ المُبالَغَةِ في هَذا التَّيْسِيرِ حَتّى جُعِلَ المُيَسَّرُ مُيَسَّرًا لَهُ والمُيَسَّرُ لَهُ مُيَسَّرًا عَلى نَحْوِ ما وجَّهُوا بِهِ قَوْلَ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ التَّيْسِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في التَّهْيِئَةِ والإعْدادِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ بَيْنَ إعْدادِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وتَيَسُّرِهِ لَهُ، وتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) و(لِلْعُسْرى) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: نُيَسِّرُهُ لِأجْلِ اليُسْرى أوْ لِأجْلِ العُسْرى، فالمُرادُ بِاليُسْرى الجَنَّةُ وبِالعُسْرى جَهَنَّمُ، عَلى أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ صارا عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ وعَلى النّارِ، والتَّهْيِئَةُ لا تَكُونُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وذاتِ النّارِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَعْدَ اللّامِ يُناسِبُ التَّيْسِيرَ فَيُقَدَّرُ: لِدُخُولِ اليُسْرى ولِدُخُولِ العُسْرى، أيْ: سَنُعَجِّلُ لَهُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: سَنَجْعَلُ دُخُولَ هَذا الجَنَّةَ سَرِيعًا ودُخُولَ الآخَرِ النّارَ سَرِيعًا، بِشَبَهِ المُيَسَّرِ مِن صُعُوبَةٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصَّعْبِ الإبْطاءُ وشَأْنَ السَّهْلِ السُّرْعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) أيْ: سَرِيعٌ عاجِلٌ. ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) مُشاكَلَةً بُنِيَتْ عَلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ قَرِينَتُها قَوْلُهُ: (العُسْرى)، والَّذِي يَدْعُو إلى هَذا أنَّ فِعْلَ (نُيَسِّرُ) نَصَبَ ضَمِيرَ مَن (﴿أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ﴾)، وضَمِيرَ مَن (﴿بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ﴾) فَهو تَيْسِيرٌ ناشِئٌ عَنْ حُصُولِ الأعْمالِ الَّتِي يَجْمَعُها مَعْنى (اتَّقى) أوْ مَعْنى (اسْتَغْنى) فالأعْمالُ سابِقَةٌ لا مَحالَةَ. والتَّيْسِيرُ مُسْتَقْبَلٌ بَعْدَ حُصُولِها فَهو
صفحة ٣٨٥
تَيْسِيرُ ما زادَ عَلى حُصُولِها، أيْ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها والِاسْتِزادَةِ مِنها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنْ يُجْعَلَ التَّيْسِيرُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُجْعَلَ اليُسْرى وصْفًا أيِ: الحالَةُ اليُسْرى، والعُسْرى أيِ: الحالَةُ غَيْرُ اليُسْرى. ولَيْسَ في التَّرْكِيبِ قَلْبٌ.
والتَّيْسِيرُ بِمَعْنى الدَّوامِ عَلى العَمَلِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ”«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازَةٍ فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا أهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾ )“ اهـ.
فَصَدْرُ الحَدِيثِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ إلَخْ، مَعْناهُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أحَدًا سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، أوْ سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ”«وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ جُعِلَتِ الكِتابَةُ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِالمَعْلُوماتِ عِلْمًا مُوافِقًا لِما سَيَكُونُ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ، كالشَّيْءِ المَكْتُوبِ إذْ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نَقْصًا دُونَ المَقُولِ الَّذِي لا يُكْتَبُ فَهو لا يَنْضَبِطُ.
فَنَشَأ سُؤالُ مَن سَألَ عَنْ فائِدَةِ العَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ النّاسُ، ومَعْنى جَوابِهِ: أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ الصّالِحِ أنَّهُ عُنْوانٌ عَلى العاقِبَةِ الحَسَنَةِ. وذُكِرَ مُقابِلُهُ وهو العَمَلُ السَّيِّئُ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالجَوابِ.
ولَيْسَ مَجازُهُ مُماثِلًا لِما اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ في الحَدِيثِ عُلِّقَ بِهِ عَمَلُ أهْلِ السَّعادَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ تَيْسِيرًا لِلْعَمَلِ، أيْ: إعْدادًا وتَهْيِئَةً لِلْأعْمالِ صالِحِها أوْ سَيِّئِها.
فالَّذِي يَرْتَبِطُ بِالآيَةِ مِنَ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ هو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أعْقَبَ كَلامَهُ بِأنْ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) الآيَةَ؛ لِأنَّهُ قَرَأها تَبْيِينًا واسْتِدْلالًا لِكَلامِهِ، فَكانَ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ بِالكَلامِ النَّبَوِيِّ، ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) .
صفحة ٣٨٦
فالمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ أنَّ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى تَيَسُّرًا لِلْعَبْدِ أنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِ السَّعادَةِ أوْ عَمَلِ الشَّقاءِ، سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ أصْلًا لِلسَّعادَةِ كالإيمانِ أوْ لِلشَّقاوَةِ كالكُفْرِ، أمْ كانَ العَمَلُ مِمّا يَزِيدُ السَّعادَةَ ويَنْقُصُ مِنَ الشَّقاوَةِ وذَلِكَ بِمِقْدارِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ ثُبُوتَ أحَدِ مَعْنَيَيِ التَّيْسِيرِ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ جِنْسِهِ فَيَصْلُحُ دَلِيلًا لِثُبُوتِ التَّيْسِيرِ مِن أصْلِهِ.
أوْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الِاسْتِدْلالَ عَلى قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا)؛ لِأنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ عَمَلًا وذَكَرَتْ تَيْسِيرًا لِلْيُسْرى وتَيْسِيرًا لِلْعُسْرى، فَيَكُونُ الحَدِيثُ إشارَةً إلى أنَّ العَمَلَ هو عَلامَةُ التَّيْسِيرِ، وتَكُونُ اليُسْرى مَعْنِيًّا بِها السَّعادَةُ والعُسْرى مَعْنِيًّا بِها الشَّقاوَةُ، وماصَدَقُ السَّعادَةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وماصَدَقُ الشَّقاوَةِ الهُوِيُّ في النّارِ.
وإذْ كانَ الوَعْدُ بِتَيْسِيرِ اليُسْرى لِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى أعْمالِ الإعْطاءِ والتَّقْوى والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، كانَ سُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّيْسِيرُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّيْسِيرَ مُسَبَّبٌ عَنْ تِلْكَ الصِّلاتِ، أيْ: جَزاءٌ عَنْ فِعْلِها. فالمُتَيَسِّرُ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها، وتَكُونُ اليُسْرى صِفَةً لِلْأعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: مُسْتَيْسِرٌ لَهُ أعْمالُهُ، وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ إلى وصْفِ اليُسْرى لِلثَّناءِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ بِأنَّها مُيَسَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) في سُورَةِ الأعْلى.
وخُلاصَةُ الحَدِيثِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِ عِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوها، وبَيْنَ تَعَلُّقِ خِطابِهِ إيّاهم بِشَرائِعِهِ، وأنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ إلى خاتِمَةِ كُلِّ أحَدٍ ومُوافاتِهِ هو عُنْوانٌ لِلنّاسِ عَلى ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، ويَلْتَقِي المَهْيَعانِ في أنَّ العَمَلَ هو وسِيلَةُ الحُصُولِ عَلى الجَنَّةِ أوِ الوُقُوعِ في جَهَنَّمَ.
وإنَّما خُصَّ الإعْطاءُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) مَعَ شُمُولِ (اتَّقى) لِمُفادِهِ، وخُصَّ البُخْلُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) مَعَ شُمُولِ (اسْتَغْنى) لَهُ، لِتَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلى الإعْطاءِ، فالإعْطاءُ والتَّقْوى شِعارُ المُسْلِمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، وضِدُّ الثَّلاثَةِ مِن شِعارِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٨٧
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ، أرْبَعُ مَرّاتٍ بَيْنَ (أعْطى) و(بَخِلَ)، وبَيْنَ (اتَّقى) و(اسْتَغْنى)، وبَيْنَ (صَدَّقَ) و(كَذَّبَ)، وبَيْنَ (اليُسْرى) و(العُسْرى) .
وجُمْلَةُ (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) أيْ: سَنُعَجِّلُ بِهِ إلى جَهَنَّمَ. فالتَّقْدِيرُ: إذا تَرَدّى فِيها.
والتَّرَدِّي: السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، يَعْنِي: لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ.
و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً. والتَّقْدِيرُ: وسَوْفَ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. والمَعْنى: وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّهُ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ نَخْلَةٌ مائِلَةٌ في دارِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ذِي عِيالٍ، فَإذا سَقَطَ مِنها ثَمَرٌ أكَلَهُ صِبْيَةٌ لِذَلِكَ المُسْلِمِ، فَكانَ صاحِبُ النَّخْلَةِ يَنْزِعُ مِن أيْدِيهِمُ الثَّمَرَةَ، فَشَكا المُسْلِمُ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَكَلَّمَ النَّبِيءُ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ أنْ يَتْرُكَها لَهم ولَهُ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وسَمِعَ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ فاشْتَرى تِلْكَ النَّخْلَةَ مِن صاحِبِها بِحائِطٍ فِيهِ أرْبَعُونَ نَخْلَةً، وجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِها مِنِّي بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَأعْطاها الرَّجُلَ صاحِبَ الصِّبْيَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى) وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ، ومِن أجْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) قالَ جَماعَةٌ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ قَوْلُهم: فَأنْزَلَ اللَّهُ في كَذا قَوْلَهُ كَذا، أنَّهم يُرِيدُونَ
صفحة ٣٨٨
بِهِ أنَّ القِصَّةَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ «كَمْ مِن عِذْقٍ رَداحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» . ولَمَّحَ إلَيْها بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ في قَوْلِهِ:
إنَّ النُّحَيْلَةَ إذْ يَمِيلُ بِها الهَوى ∗∗∗ كالعِذْقِ مالَ عَلى أبِي الدَّحْداحِ
الليل 92:11
صفحة ٣٨١
( ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ .
(فَأمّا) تَفْرِيعٌ وتَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤]) فَحَرْفُ (أمّا) يُفِيدُ الشَّرْطَ والتَّفْصِيلَ وهو يَتَضَمَّنُ أداةَ شَرْطٍ وفِعْلَ شَرْطٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، والتَّفْصِيلُ: التَّفْكِيكُ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ اشْتَرَكَتْ آحادُهُ في حالَةٍ وانْفَرَدَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ بِحالَةٍ هي الَّتِي يُعْتَنى بِتَمْيِيزِها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥]) في سُورَةِ الفَجْرِ.
والمُحْتاجُ لِلتَّفْصِيلِ هُنا هو السَّعْيُ المَذْكُورُ، ولَكِنْ جُعِلَ التَّفْصِيلُ بِبَيانِ السّاعِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾) لِأنَّ المُهِمَّ هو اخْتِلافُ أحْوالِ السّاعِينَ ويُلازِمُهُمُ السَّعْيُ، فَإيقاعُهم في التَّفْصِيلِ بِحَسَبِ مَساعِيهِمْ يُساوِي إيقاعَ المَساعِي في التَّفْصِيلِ، وهَذا تَفَنُّنٌ مِن أفانِينِ الكَلامِ الفَصِيحِ يَحْصُلُ مِنهُ مَعْنَيانِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ: عَلى مَخافَةِ وعِلٍ.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]) إلَخْ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩]) الآيَةَ، أيْ: كَإيمانِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ.
وانْحَصَرَ تَفْصِيلُ (شَتّى) في فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْيُسْرى وفَرِيقٍ مُيَسَّرٍ لِلْعُسْرى؛ لِأنَّ الحالَيْنِ هُما المُهِمُّ في مَقامِ الحَثِّ عَلى الخَيْرِ، والتَّحْذِيرِ مِنَ الشَّرِّ، ويَنْدَرِجُ فِيهِما مُخْتَلِفُ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]) في سُورَةِ الزَّلْزَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْصِيلُ (شَتّى) هم مَن أعْطى واتَّقى وصَدَّقَ بِالحُسْنى، ومَن بَخِلَ واسْتَغْنى وكَذَّبَ بِالحُسْنى، وذَلِكَ عَدَدٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِشَتّى.
صفحة ٣٨٢
و(مَن) في قَوْلِهِ: (﴿مَن أعْطى﴾) إلَخْ، وقَوْلِهِ (﴿مَن بَخِلَ﴾) إلَخْ، يَعُمُّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ الإعْطاءَ ويَتَّقِي ويُصَدِّقُ بِالحُسْنى. ورُوِيَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا بَكْرٍ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأعْتَقَهُ لِيُنْجِيَهُ مِن تَعْذِيبِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَذْكُرُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ عِوَضَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وهو وهَمٌ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ أبِي الدَّحْداحِ مَعَ رَجُلٍ مُنافِقٍ سَتَأْتِي. وهَذا الأخِيرُ مُقْتَضٍ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَخُصُّ العُمُومَ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (أعْطى) لِأنَّ فِعْلَ الإعْطاءِ إذا أُرِيدَ بِهِ إعْطاءُ المالِ بِدُونِ عِوَضٍ، يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِاشْتِهارِ اسْتِعْمالِهِ في إعْطاءِ المالِ ولِذَلِكَ يُسَمّى المالُ المَوْهُوبُ عَطاءً، والمَقْصُودُ إعْطاءُ الزَّكاةِ.
وكَذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ اتَّقى لِأنَّهُ يُعْلَمُ أنَّ المُقَدَّرَ اتَّقى اللَّهَ.
وهَذِهِ الخِلالُ الثَّلاثُ مِن خِلالِ الإيمانِ، فالمَعْنى: فَأمّا مَن كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]) أيْ: لَمْ نَكُ مِن أهْلِ الإيمانِ.
وكَذَلِكَ فِعْلُ (بَخِلَ) لَمْ يُذَكَرْ مُتَعَلَّقُهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ البُخْلُ بِالمالِ.
و(اسْتَغْنى) جُعِلَ مُقابِلًا لِـ (اتَّقى) فالمُرادُ بِهِ الِاسْتِغْناءُ عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ ودَعْوَتِهِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ المُعْرِضَ عَنِ الدَّعْوَةِ يَعُدُّ نَفْسَهُ غَنِيًّا عَنِ اللَّهِ مُكْتَفِيًا بِوَلايَةِ الأصْنامِ وقَوْمِهِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، مِثْلَ سِينِ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ. وقَدْ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ طَلَبِ الغِنى بِالبُخْلِ بِالمالِ، فَتَكُونُ السِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ، وهَذِهِ الخِلالُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ فَهي بِالأصالَةِ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وتَأْنِيثُها مُشْعِرٌ بِأنَّ مَوْصُوفَها المُقَدَّرَ يُعْتَبَرُ مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ، ويَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرَةً مِثْلَ المَثُوبَةِ أوِ النَّصْرِ أوِ العِدَةِ أوِ العاقِبَةِ.
وقَدْ يَصِيرُ هَذا الوَصْفُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ، وقِيلَ: كَلِمَةُ
صفحة ٣٨٣
الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، وقِيلَ: الزَّكاةُ. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالتَّصْدِيقُ بِها الِاعْتِرافُ بِوُقُوعِها ويُكَنّى بِهِ عَنِ الرَّغْبَةِ في تَحْصِيلِها.
وحاصِلُ الِاحْتِمالاتِ يَحُومُ حَوْلَ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللَّهِ بِما هو حَسَنٌ مِن مَثُوبَةٍ أوْ نَصْرٍ أوْ إخْلافِ ما تَلِفَ، فَيَرْجِعُ هَذا التَّصْدِيقُ إلى الإيمانِ.
ويَتَضَمَّنُ أنَّهُ يَعْمَلُ الأعْمالَ الَّتِي يَحْصُلُ بِها الفَوْزُ بِالحُسْنى.
ولِذَلِكَ قُوبِلَ في الشِّقِّ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: (﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾) .
والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ شَيْءٍ يَسِيرَ الحُصُولِ، ومَفْعُولُ فِعْلِ التَّيْسِيرِ هو الشَّيْءُ الَّذِي يُجْعَلُ يَسِيرًا، أيْ غَيْرَ شَدِيدٍ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ بَعْدَهُ هو الَّذِي يُسَهَّلُ الشَّيْءُ الصَّعْبُ لِأجْلِهِ، وهو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِسُهُولَةِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَسِّرْ لِي أمْرِي﴾ [طه: ٢٦]) وقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]) .
واليُسْرى في قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) هي ما لا مَشَقَّةَ فِيهِ. وتَأْنِيثُها: إمّا بِتَأْوِيلِ الحالَةِ، أيِ: الحالَةِ الَّتِي لا تَشُقُّ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، وهي حالَةُ النَّعِيمِ، أوْ عَلى تَأْوِيلِها بِالمَكانَةِ. وقَدْ فُسِّرَتِ اليُسْرى بِالجَنَّةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ. ويَحْتَمِلُ اللَّفْظُ مَعانِيَ كَثِيرَةً تَنْدَرِجُ في مَعانِي النّافِعِ الَّذِي لا يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، أيِ: المُلائِمُ.
والعُسْرى: إمّا الحالَةُ وهي حالَةُ العُسْرِ والشِّدَّةِ، وإمّا مَكانَتُهُ وهي جَهَنَّمُ، لِأنَّها مَكانُ العُسْرِ والشَّدائِدِ عَلى أهْلِها، قالَ تَعالى: (﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]) فَمَعْنى (نُيَسِّرُهُ): نُدَرِّجُهُ في عَمَلَيِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالأعْمالُ اليُسْرى هي الصّالِحَةُ، وُصِفَتْ بِاليُسْرى بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها لِصاحِبِها، وتَكُونُ العُسْرى الأعْمالَ السَّيِّئَةَ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِها عَلى صاحِبِها، فَتَأْنِيثُهُما بِاعْتِبارِ أنَّ كِلْتَيْهِما صِفَةُ طائِفَةٍ مِنَ الأعْمالِ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ الِاسْتِمْرارُ مِنَ الآنَ إلى آخِرِ الحَياةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
وحَرْفُ (ألْ) في (اليُسْرى) وفي (العُسْرى) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ عَلى اخْتِلافِ المَعانِي.
صفحة ٣٨٤
وإذْ قَدْ جاءَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَكْسِ المُتَبادَرِ، إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن أعْطى واتَّقى﴾) هو المُيَسَّرَ، وجُعِلَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (نُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) العائِدُ إلى (﴿مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) هو المُيَسَّرَ، أيِ: الَّذِي صارَ الفِعْلُ صَعْبُ الحُصُولِ حاصِلًا لَهُ، وإذْ وقَعَ المَجْرُورانِ بِاللّامِ: (اليُسْرى) و(العُسْرى)، وهُما لا يَنْتَفِعانِ بِسُهُولَةِ مَن أعْطى أوْ مَن بَخِلَ، تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ نَظْمِ الآيَةِ بِإحْدى طَرِيقَتَيْنِ:
الأُولى: إبْقاءُ فِعْلِ (نُيَسِّرُ) عَلى حَقِيقَتِهِ وجَعْلِ الكَلامِ جارِيًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِطَرِيقِ القَلْبِ بِأنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلامِ: فَسَنُيَسِّرُ اليُسْرى لَهُ وسَنُيَسِّرُ العُسْرى لَهُ، ولا بُدَّ مِن مُقْتَضٍ لِلْقَلْبِ، فَيُصارُ إلى أنَّ المُقْتَضِيَ إفادَةُ المُبالَغَةِ في هَذا التَّيْسِيرِ حَتّى جُعِلَ المُيَسَّرُ مُيَسَّرًا لَهُ والمُيَسَّرُ لَهُ مُيَسَّرًا عَلى نَحْوِ ما وجَّهُوا بِهِ قَوْلَ العَرَبِ: عَرَضْتُ النّاقَةَ عَلى الحَوْضِ.
والثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ التَّيْسِيرُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في التَّهْيِئَةِ والإعْدادِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ بَيْنَ إعْدادِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وتَيَسُّرِهِ لَهُ، وتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: (لِلْيُسْرى) و(لِلْعُسْرى) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: نُيَسِّرُهُ لِأجْلِ اليُسْرى أوْ لِأجْلِ العُسْرى، فالمُرادُ بِاليُسْرى الجَنَّةُ وبِالعُسْرى جَهَنَّمُ، عَلى أنْ يَكُونَ الوَصْفانِ صارا عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ وعَلى النّارِ، والتَّهْيِئَةُ لا تَكُونُ لَذّاتِ الجَنَّةِ وذاتِ النّارِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ بَعْدَ اللّامِ يُناسِبُ التَّيْسِيرَ فَيُقَدَّرُ: لِدُخُولِ اليُسْرى ولِدُخُولِ العُسْرى، أيْ: سَنُعَجِّلُ لَهُ ذَلِكَ.
والمَعْنى: سَنَجْعَلُ دُخُولَ هَذا الجَنَّةَ سَرِيعًا ودُخُولَ الآخَرِ النّارَ سَرِيعًا، بِشَبَهِ المُيَسَّرِ مِن صُعُوبَةٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصَّعْبِ الإبْطاءُ وشَأْنَ السَّهْلِ السُّرْعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) أيْ: سَرِيعٌ عاجِلٌ. ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) مُشاكَلَةً بُنِيَتْ عَلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ قَرِينَتُها قَوْلُهُ: (العُسْرى)، والَّذِي يَدْعُو إلى هَذا أنَّ فِعْلَ (نُيَسِّرُ) نَصَبَ ضَمِيرَ مَن (﴿أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ﴾)، وضَمِيرَ مَن (﴿بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ﴾) فَهو تَيْسِيرٌ ناشِئٌ عَنْ حُصُولِ الأعْمالِ الَّتِي يَجْمَعُها مَعْنى (اتَّقى) أوْ مَعْنى (اسْتَغْنى) فالأعْمالُ سابِقَةٌ لا مَحالَةَ. والتَّيْسِيرُ مُسْتَقْبَلٌ بَعْدَ حُصُولِها فَهو
صفحة ٣٨٥
تَيْسِيرُ ما زادَ عَلى حُصُولِها، أيْ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها والِاسْتِزادَةِ مِنها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنْ يُجْعَلَ التَّيْسِيرُ عَلى حَقِيقَتِهِ ويُجْعَلَ اليُسْرى وصْفًا أيِ: الحالَةُ اليُسْرى، والعُسْرى أيِ: الحالَةُ غَيْرُ اليُسْرى. ولَيْسَ في التَّرْكِيبِ قَلْبٌ.
والتَّيْسِيرُ بِمَعْنى الدَّوامِ عَلى العَمَلِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ”«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ في جِنازَةٍ فَقالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا نَتَّكِلُ ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، أمّا أهْلُ السَّعادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعادَةِ، وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾ )“ اهـ.
فَصَدْرُ الحَدِيثِ لا عَلاقَةَ لَهُ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”«ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ إلَخْ، مَعْناهُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أحَدًا سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، أوْ سَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يُوافِيَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ”«وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ» “ جُعِلَتِ الكِتابَةُ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ بِالمَعْلُوماتِ عِلْمًا مُوافِقًا لِما سَيَكُونُ لا زِيادَةَ فِيهِ ولا نَقْصَ، كالشَّيْءِ المَكْتُوبِ إذْ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نَقْصًا دُونَ المَقُولِ الَّذِي لا يُكْتَبُ فَهو لا يَنْضَبِطُ.
فَنَشَأ سُؤالُ مَن سَألَ عَنْ فائِدَةِ العَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ النّاسُ، ومَعْنى جَوابِهِ: أنَّ فائِدَةَ العَمَلِ الصّالِحِ أنَّهُ عُنْوانٌ عَلى العاقِبَةِ الحَسَنَةِ. وذُكِرَ مُقابِلُهُ وهو العَمَلُ السَّيِّئُ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالجَوابِ.
ولَيْسَ مَجازُهُ مُماثِلًا لِما اسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ في الحَدِيثِ عُلِّقَ بِهِ عَمَلُ أهْلِ السَّعادَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ تَيْسِيرًا لِلْعَمَلِ، أيْ: إعْدادًا وتَهْيِئَةً لِلْأعْمالِ صالِحِها أوْ سَيِّئِها.
فالَّذِي يَرْتَبِطُ بِالآيَةِ مِنَ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ هو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أعْقَبَ كَلامَهُ بِأنْ قَرَأ (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) الآيَةَ؛ لِأنَّهُ قَرَأها تَبْيِينًا واسْتِدْلالًا لِكَلامِهِ، فَكانَ لِلْآيَةِ تَعَلُّقٌ بِالكَلامِ النَّبَوِيِّ، ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾) .
صفحة ٣٨٦
فالمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ أنَّ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى تَيَسُّرًا لِلْعَبْدِ أنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِ السَّعادَةِ أوْ عَمَلِ الشَّقاءِ، سَواءٌ كانَ عَمَلُهُ أصْلًا لِلسَّعادَةِ كالإيمانِ أوْ لِلشَّقاوَةِ كالكُفْرِ، أمْ كانَ العَمَلُ مِمّا يَزِيدُ السَّعادَةَ ويَنْقُصُ مِنَ الشَّقاوَةِ وذَلِكَ بِمِقْدارِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِمَن كانَ مُؤْمِنًا؛ لِأنَّ ثُبُوتَ أحَدِ مَعْنَيَيِ التَّيْسِيرِ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ جِنْسِهِ فَيَصْلُحُ دَلِيلًا لِثُبُوتِ التَّيْسِيرِ مِن أصْلِهِ.
أوْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِن سَوْقِ الآيَةِ الِاسْتِدْلالَ عَلى قَوْلِهِ: (اعْمَلُوا)؛ لِأنَّ الآيَةَ ذَكَرَتْ عَمَلًا وذَكَرَتْ تَيْسِيرًا لِلْيُسْرى وتَيْسِيرًا لِلْعُسْرى، فَيَكُونُ الحَدِيثُ إشارَةً إلى أنَّ العَمَلَ هو عَلامَةُ التَّيْسِيرِ، وتَكُونُ اليُسْرى مَعْنِيًّا بِها السَّعادَةُ والعُسْرى مَعْنِيًّا بِها الشَّقاوَةُ، وماصَدَقُ السَّعادَةِ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وماصَدَقُ الشَّقاوَةِ الهُوِيُّ في النّارِ.
وإذْ كانَ الوَعْدُ بِتَيْسِيرِ اليُسْرى لِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الدّالَّةِ عَلى أعْمالِ الإعْطاءِ والتَّقْوى والتَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، كانَ سُلُوكُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو التَّيْسِيرُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّيْسِيرَ مُسَبَّبٌ عَنْ تِلْكَ الصِّلاتِ، أيْ: جَزاءٌ عَنْ فِعْلِها. فالمُتَيَسِّرُ: تَيْسِيرُ الدَّوامِ عَلَيْها، وتَكُونُ اليُسْرى صِفَةً لِلْأعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: مُسْتَيْسِرٌ لَهُ أعْمالُهُ، وعُدِلَ عَنِ الإضْمارِ إلى وصْفِ اليُسْرى لِلثَّناءِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ بِأنَّها مُيَسَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨]) في سُورَةِ الأعْلى.
وخُلاصَةُ الحَدِيثِ أنَّهُ بَيانٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِ عِبادِهِ قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوها، وبَيْنَ تَعَلُّقِ خِطابِهِ إيّاهم بِشَرائِعِهِ، وأنَّ ما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ ظاهِرَةٍ وباطِنَةٍ إلى خاتِمَةِ كُلِّ أحَدٍ ومُوافاتِهِ هو عُنْوانٌ لِلنّاسِ عَلى ما كانَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ، ويَلْتَقِي المَهْيَعانِ في أنَّ العَمَلَ هو وسِيلَةُ الحُصُولِ عَلى الجَنَّةِ أوِ الوُقُوعِ في جَهَنَّمَ.
وإنَّما خُصَّ الإعْطاءُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾) مَعَ شُمُولِ (اتَّقى) لِمُفادِهِ، وخُصَّ البُخْلُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾) مَعَ شُمُولِ (اسْتَغْنى) لَهُ، لِتَحْرِيضِ المُسْلِمِينَ عَلى الإعْطاءِ، فالإعْطاءُ والتَّقْوى شِعارُ المُسْلِمِينَ مَعَ التَّصْدِيقِ بِالحُسْنى، وضِدُّ الثَّلاثَةِ مِن شِعارِ المُشْرِكِينَ.
صفحة ٣٨٧
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الجَمْعِ مَعَ التَّقْسِيمِ، ومُحَسِّنُ الطِّباقِ، أرْبَعُ مَرّاتٍ بَيْنَ (أعْطى) و(بَخِلَ)، وبَيْنَ (اتَّقى) و(اسْتَغْنى)، وبَيْنَ (صَدَّقَ) و(كَذَّبَ)، وبَيْنَ (اليُسْرى) و(العُسْرى) .
وجُمْلَةُ (﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾) أيْ: سَنُعَجِّلُ بِهِ إلى جَهَنَّمَ. فالتَّقْدِيرُ: إذا تَرَدّى فِيها.
والتَّرَدِّي: السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، يَعْنِي: لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ شَيْئًا مِن عَذابِ النّارِ.
و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً. والتَّقْدِيرُ: وسَوْفَ لا يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا سَقَطَ في جَهَنَّمَ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. والمَعْنى: وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ.
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”أنَّهُ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ نَخْلَةٌ مائِلَةٌ في دارِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ذِي عِيالٍ، فَإذا سَقَطَ مِنها ثَمَرٌ أكَلَهُ صِبْيَةٌ لِذَلِكَ المُسْلِمِ، فَكانَ صاحِبُ النَّخْلَةِ يَنْزِعُ مِن أيْدِيهِمُ الثَّمَرَةَ، فَشَكا المُسْلِمُ ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَكَلَّمَ النَّبِيءُ ﷺ صاحِبَ النَّخْلَةِ أنْ يَتْرُكَها لَهم ولَهُ بِها نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وسَمِعَ ذَلِكَ أبُو الدَّحْداحِ الأنْصارِيُّ فاشْتَرى تِلْكَ النَّخْلَةَ مِن صاحِبِها بِحائِطٍ فِيهِ أرْبَعُونَ نَخْلَةً، وجاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِها مِنِّي بِنَخْلَةٍ في الجَنَّةِ، فَقالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَأعْطاها الرَّجُلَ صاحِبَ الصِّبْيَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى) وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ، ومِن أجْلِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) قالَ جَماعَةٌ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وقَدْ بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ الخامِسَةِ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ قَوْلُهم: فَأنْزَلَ اللَّهُ في كَذا قَوْلَهُ كَذا، أنَّهم يُرِيدُونَ
صفحة ٣٨٨
بِهِ أنَّ القِصَّةَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ:“ «كَمْ مِن عِذْقٍ رَداحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ» . ولَمَّحَ إلَيْها بَشّارُ بْنُ بُرْدٍ في قَوْلِهِ:
إنَّ النُّحَيْلَةَ إذْ يَمِيلُ بِها الهَوى ∗∗∗ كالعِذْقِ مالَ عَلى أبِي الدَّحْداحِ
الليل 92:12
﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ .
اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى)، وذَلِكَ لِإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى مَن صارَ إلى العُسْرى بِأنَّ اللَّهُ أعْذَرَ إلَيْهِ إذْ هَداهُ بِدَعْوَةِ الإسْلامِ إلى الخَيْرِ، فَأعْرَضَ عَنِ الِاهْتِداءِ بِاخْتِيارِهِ اكْتِسابَ السَّيِّئاتِ، فَإنَّ التَّيْسِيرَ لِلْيُسْرى يَحْصُلُ عِنْدَ مَيْلِ العَبْدِ إلى عَمَلِ الحَسَناتِ، والتَّيْسِيرَ لِلْعُسْرى يَحْصُلُ عِنْدَ مَيْلِهِ إلى عَمَلِ السَّيِّئاتِ. وذَلِكَ المَيْلُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالكَسْبِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، وسَمّاهُ المُعْتَزِلَةُ: قُدْرَةَ العَبْدِ، وهو أيْضًا الَّذِي اشْتَبَهَ عَلى الجَبْرِيَّةِ فَسَمَّوْهُ الجَبْرَ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ يُومِئُ إلى أنَّ هَذا كالجَوابِ عَمّا يَجِيشُ في نُفُوسِ أهْلِ الضَّلالِ عِنْدَ سَماعِ الإنْذارِ السّابِقِ مِن تَكْذِيبِهِ بِأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ مِنهم ما دَعاهم إلَيْهِ لَألْجَأهم إلى الإيمانِ. فَقَدْ حُكِيَ عَنْهم في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]) .
وحَرْفُ (عَلى) إذا وقَعَ بَيْنَ اسْمٍ وما يَدُلُّ عَلى فِعْلٍ، يُفِيدُ مَعْنى اللُّزُومِ، أيْ: لازِمٌ لَنا هُدى النّاسِ، وهَذا التِزامٌ مِنَ اللَّهِ اقْتَضاهُ فَضْلُهُ وحِكْمَتُهُ فَتَوَلّى إرْشادَ النّاسِ إلى الخَيْرِ قَبْلَ أنْ يُؤاخِذَهم بِسُوءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي هي فَسادٌ فِيما صَنَعَ اللَّهُ مِنَ الأعْيانِ والأنْظِمَةِ الَّتِي أقامَ عَلَيْها فِطْرَةَ نِظامِ العالَمِ، فَهَدى اللَّهُ الإنْسانَ بِأنْ خَلَقَهُ قابِلًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الصَّلاحِ والفَسادِ، ثُمَّ عَزَّزَ ذَلِكَ بِأنْ أرْسَلَ إلَيْهِ رُسُلًا مُبَيِّنِينَ لِما قَدْ يَخْفى أمْرُهُ مِنَ الأفْعالِ أوْ يَشْتَبِهُ عَلى النّاسِ فَسادُهُ بِصَلاحِهِ، ومُنَبِّهِينَ النّاسَ لِما قَدْ يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن سابِقِ ما عَمِلُوهُ.
وعَطْفُ (﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾) تَتْمِيمٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَعَهُّدَ اللَّهِ لِعِبادِهِ بِالهُدى فَضْلٌ مِنهُ وإلّا فَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ مِلْكُهُ
صفحة ٣٨٩
والدّارَ الأُولى مِلْكُهُ بِما فِيهِما، قالَ تَعالى: (﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الزخرف: ٨٥]) فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما كَيْفَ يَشاءُ، فَلا يَحْسِبُوا أنَّ عَلَيْهِمْ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى إلّا ما تَفَضَّلَ بِهِ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ عَظِيمَةٌ إلى أنَّ أُمُورَ الجَزاءِ في الأُخْرى تَجْرِي عَلى ما رَتَّبَهُ اللَّهُ وأعْلَمَ بِهِ عِبادَهُ، وأنَّ نِظامَ أُمُورِ الدُّنْيا وتَرْتِيبَ مُسَبَّباتِهِ عَلى أسْبابِهِ أمْرٌ قَدْ وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى وأمَرَ بِالحِفاظِ عَلَيْهِ وأرْشَدَ وهَدى، فَمَن فَرَّطَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ ما تَسَبَّبَ فِيهِ.
الليل 92:13
﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ .
اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) إلى قَوْلِهِ: (لِلْعُسْرى)، وذَلِكَ لِإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى مَن صارَ إلى العُسْرى بِأنَّ اللَّهُ أعْذَرَ إلَيْهِ إذْ هَداهُ بِدَعْوَةِ الإسْلامِ إلى الخَيْرِ، فَأعْرَضَ عَنِ الِاهْتِداءِ بِاخْتِيارِهِ اكْتِسابَ السَّيِّئاتِ، فَإنَّ التَّيْسِيرَ لِلْيُسْرى يَحْصُلُ عِنْدَ مَيْلِ العَبْدِ إلى عَمَلِ الحَسَناتِ، والتَّيْسِيرَ لِلْعُسْرى يَحْصُلُ عِنْدَ مَيْلِهِ إلى عَمَلِ السَّيِّئاتِ. وذَلِكَ المَيْلُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالكَسْبِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ، وسَمّاهُ المُعْتَزِلَةُ: قُدْرَةَ العَبْدِ، وهو أيْضًا الَّذِي اشْتَبَهَ عَلى الجَبْرِيَّةِ فَسَمَّوْهُ الجَبْرَ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ يُومِئُ إلى أنَّ هَذا كالجَوابِ عَمّا يَجِيشُ في نُفُوسِ أهْلِ الضَّلالِ عِنْدَ سَماعِ الإنْذارِ السّابِقِ مِن تَكْذِيبِهِ بِأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ مِنهم ما دَعاهم إلَيْهِ لَألْجَأهم إلى الإيمانِ. فَقَدْ حُكِيَ عَنْهم في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]) .
وحَرْفُ (عَلى) إذا وقَعَ بَيْنَ اسْمٍ وما يَدُلُّ عَلى فِعْلٍ، يُفِيدُ مَعْنى اللُّزُومِ، أيْ: لازِمٌ لَنا هُدى النّاسِ، وهَذا التِزامٌ مِنَ اللَّهِ اقْتَضاهُ فَضْلُهُ وحِكْمَتُهُ فَتَوَلّى إرْشادَ النّاسِ إلى الخَيْرِ قَبْلَ أنْ يُؤاخِذَهم بِسُوءِ أعْمالِهِمُ الَّتِي هي فَسادٌ فِيما صَنَعَ اللَّهُ مِنَ الأعْيانِ والأنْظِمَةِ الَّتِي أقامَ عَلَيْها فِطْرَةَ نِظامِ العالَمِ، فَهَدى اللَّهُ الإنْسانَ بِأنْ خَلَقَهُ قابِلًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الصَّلاحِ والفَسادِ، ثُمَّ عَزَّزَ ذَلِكَ بِأنْ أرْسَلَ إلَيْهِ رُسُلًا مُبَيِّنِينَ لِما قَدْ يَخْفى أمْرُهُ مِنَ الأفْعالِ أوْ يَشْتَبِهُ عَلى النّاسِ فَسادُهُ بِصَلاحِهِ، ومُنَبِّهِينَ النّاسَ لِما قَدْ يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن سابِقِ ما عَمِلُوهُ.
وعَطْفُ (﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾) تَتْمِيمٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَعَهُّدَ اللَّهِ لِعِبادِهِ بِالهُدى فَضْلٌ مِنهُ وإلّا فَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ مِلْكُهُ
صفحة ٣٨٩
والدّارَ الأُولى مِلْكُهُ بِما فِيهِما، قالَ تَعالى: (﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ [الزخرف: ٨٥]) فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِما كَيْفَ يَشاءُ، فَلا يَحْسِبُوا أنَّ عَلَيْهِمْ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى إلّا ما تَفَضَّلَ بِهِ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ عَظِيمَةٌ إلى أنَّ أُمُورَ الجَزاءِ في الأُخْرى تَجْرِي عَلى ما رَتَّبَهُ اللَّهُ وأعْلَمَ بِهِ عِبادَهُ، وأنَّ نِظامَ أُمُورِ الدُّنْيا وتَرْتِيبَ مُسَبَّباتِهِ عَلى أسْبابِهِ أمْرٌ قَدْ وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى وأمَرَ بِالحِفاظِ عَلَيْهِ وأرْشَدَ وهَدى، فَمَن فَرَّطَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحَقَّ ما تَسَبَّبَ فِيهِ.
الليل 92:14
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ إذا كانَ فِعْلُ (أنْذَرْتُكم) مُسْتَعْمَلًا في ماضِيهِ حَقِيقَةً وكانَ المُرادُ الإنْذارَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]) إلى قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَدّى) . وهَذِهِ الفاءُ يُشْبِهُ مَعْناها مَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُراعاةِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها وهو تَفْرِيعُ إنْذارٍ مُفَصَّلٍ عَلى إنْذارٍ مُجْمَلٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ المَعْنَوِيِّ فَيَكُونُ فِعْلُ (﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]) مُرادًا بِهِ الحالُ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمانِ الماضِي مِنَ الحالِ كَما في: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ كَذا، أيْ: أعْزِمُ عَلَيْكَ، ومِثْلَ ما في صِيَغِ العُقُودِ: كَبِعْتُ وهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]) والمَعْنى: هَدْيُكم، فَأنْذَرْتُكم إبْلاغًا في الهُدى.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّهْوِيلِ، وجُمْلَةُ (تَلَظّى) نَعْتٌ. و(تَلَظّى): تَلْتَهِبُ مِن شِدَّةِ الِاشْتِعالِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّظى مَصْدَرِ: لَظِيَتِ النّارُ كَرَضِيَتْ، إذا التَهَبَتْ، وأصْلُ (تَلَظّى): تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما لِلِاخْتِصارِ.
صفحة ٣٩٠
وجُمْلَةُ (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِن (نارًا) بَعْدَ أنْ وُصِفَتْ. وهَذِهِ نارٌ خاصَّةٌ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَهي الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) الآيَةَ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ فَزَعَمُوا: أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا: هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ اهـ.
والمَعْنى: لا يَصْلاها إلّا أنْتُمْ.
وقَدْ أُتْبِعَ (الأشْقى) بِصِفَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ وتَوَلَّوْا، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وقَدِ انْحَصَرَ ذَلِكَ الوَصْفُ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في زَمَنِ ظُهُورِ الإسْلامِ أحَدَ فَرِيقَيْنِ: إمّا كافِرٌ، وإمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ولَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أسْلَمُوا يَغْشَوْنَ الكَبائِرَ لِأنَّهم أقْبَلُوا عَلى الإسْلامِ بِشَراشِرِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) إلَخْ؛ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ وتَكْمِيلًا لِلْمُقابَلَةِ.
والأشْقى والأتْقى مُرادٌ بِهِما: الشَّدِيدُ الشَّقاءِ والشَّدِيدُ التَّقْوى ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ مالِكًا قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَرَأ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) فَلَمّا بَلَغَ (﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾) وقَعَ عَلَيْهِ البُكاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ يَتَعَدّاها مِنَ البُكاءِ، فَتَرَكَها وقَرَأ سُورَةً أُخْرى.
ووَصْفُ الأشْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) ووَصْفُ الأتْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلصِّلَةِ تَسَبُّبًا في الحُكْمِ.
وبَيْنَ (الأشْقى) و(الأتْقى) مُحَسِّنُ الجِناسِ المُضارِعِ.
صفحة ٣٩١
وجُمْلَةُ (يَتَزَكّى) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُؤْتِي)، وفائِدَةُ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يُؤْتِي مالَهُ بِقَصْدِ النَّفْعِ والزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ المالَ لِلْفَخْرِ والرِّياءِ والمَفاسِدِ والفُجُورِ.
والتَّزَكِّي: تَكَلُّفُ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ مِنَ الخَيْرِ.
والمالُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يَخْتَصُّ بِهِ أحَدُ النّاسِ مِن أشْياءَ يَنْتَفِعُ بِذاتِها أوْ بِخَراجِها وغَلَّتِها مِثْلَ الأنْعامِ والأرْضِينَ والآبارِ الخاصَّةِ والأشْجارِ المُخْتَصِّ بِهِ أرْبابُها.
ويُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ يَثْرِبَ عَلى النَّخِيلِ.
ولَيْسَ في إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ ما يُفِيدُ العُمُومَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ آتى جَمِيعَ مالِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) الآيَةَ، اتَّفَقَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهَذِهِ الصِّلَةِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا أعْتَقَ بِلالًا قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ. وهو قَوْلٌ مِن بُهْتانِهِمْ يُعَلِّلُونَ بِهِ أنْفُسَهم كَراهِيَةً لِأنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) مُرادًا بِهِ بَعْضُ مَن شَمِلَهُ عُمُومُ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) وهَذا شَبِيهٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ وهو لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولَكِنَّ هَذِهِ لَمّا كانَتْ حالَةً غَيْرَ كَثِيرَةٍ في أسْبابِ إيتاءِ المالِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِها حالَةٌ خاصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧]) وقَوْلِهِ: (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]) .
و(عِنْدَهُ) ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في تَمَكُّنِ المَعْنى مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَنْهُ كَتَمَكُّنِ الكائِنِ في المَكانِ القَرِيبِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَـيْرِ آيا تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ
و(مِن نِعْمَةٍ) اسْمُ (ما) النّافِيَةِ جُرَّ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ الَّتِي تُزادُ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾) مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ.
صفحة ٣٩٢
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ بِجِدٍّ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ البَغْيِ.
والوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ مُرادًا بِهِ الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]) ومَعْنى ابْتِغاءِ الذّاتِ ابْتِغاءُ رِضى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾) وعْدٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ الَّذِي يُرْضِي صاحِبَهُ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾)؛ لِأنَّ ذَلِكَ ما أفادَ إلّا أنَّهُ ناجٍ مِن عَذابِ النّارِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاقْتِصارَ عَلى ذَلِكَ لِقَصْدِ المُقابَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) فَتَمَّمَ هُنا بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْراتِ.
وحَرْفُ (سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) أيْ: يَتَغَلْغَلُ رِضاهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ المَدِيدِ.
واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
وهَذِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّها يَنْدَرِجُ تَحْتَها كُلُّ ما يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ. وبِهَذِهِ السُّورَةِ انْتَهَتْ سُوَرُ وسَطِ المُفَصَّلِ.
* * *
صفحة ٣٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الضُّحى) بِدُونِ الواوِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والضُّحى) بِإثْباتِ الواوِ.
ولَمْ يَبْلُغْنا عَنِ الصَّحابَةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: ”«دَمِيَتْ إصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَكى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَجاءَتِ امْرَأةٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ:“ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ فَدَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
. قالَ: فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) . وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ جَمِيلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ جُنْدُبٌ؛ لِأنَّ جُنْدُبًا كانَ مِن صِغارِ الصَّحابَةِ، وكانَ يَرْوِي عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنْ حُذَيْفَةَ كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ولَعَلَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ”«كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ» “ مُقارِنًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ:
صفحة ٣٩٤
”وقَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ“ . ولَعَلَّ جُنْدُبًا رَوى حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُما ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”في غارٍ“ تَصْحِيفٌ، وأنَّ أصْلَها: ”كُنْتُ غازِيًا“ . ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ جَمَعَ حَدِيثَيْنِ.
وعُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِراحِ.
وعَدَدُ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ في قِصارِ المُفَصَّلِ.
* * *
إبْطالُ قَوْلِ المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ ما يَأْتِي مِنَ الوَحْيِ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ.
وزادَهُ بِشارَةً بِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى عَلى مَعْنَيَيْنِ في الآخِرَةِ والأُولى، وأنَّهُ سَيُعْطِيهِ رَبُّهُ ما فِيهِ رِضاهُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن ألْطافِهِ وعِنايَتِهِ في صِباهُ وفي فُتُوَّتِهِ وفي وقْتِ اكْتِهالِهِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ بِما يُناسِبُها مِن نَفْعٍ لِعَبِيدِهِ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ.
الليل 92:15
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ إذا كانَ فِعْلُ (أنْذَرْتُكم) مُسْتَعْمَلًا في ماضِيهِ حَقِيقَةً وكانَ المُرادُ الإنْذارَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]) إلى قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَدّى) . وهَذِهِ الفاءُ يُشْبِهُ مَعْناها مَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُراعاةِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها وهو تَفْرِيعُ إنْذارٍ مُفَصَّلٍ عَلى إنْذارٍ مُجْمَلٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ المَعْنَوِيِّ فَيَكُونُ فِعْلُ (﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]) مُرادًا بِهِ الحالُ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمانِ الماضِي مِنَ الحالِ كَما في: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ كَذا، أيْ: أعْزِمُ عَلَيْكَ، ومِثْلَ ما في صِيَغِ العُقُودِ: كَبِعْتُ وهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]) والمَعْنى: هَدْيُكم، فَأنْذَرْتُكم إبْلاغًا في الهُدى.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّهْوِيلِ، وجُمْلَةُ (تَلَظّى) نَعْتٌ. و(تَلَظّى): تَلْتَهِبُ مِن شِدَّةِ الِاشْتِعالِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّظى مَصْدَرِ: لَظِيَتِ النّارُ كَرَضِيَتْ، إذا التَهَبَتْ، وأصْلُ (تَلَظّى): تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما لِلِاخْتِصارِ.
صفحة ٣٩٠
وجُمْلَةُ (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِن (نارًا) بَعْدَ أنْ وُصِفَتْ. وهَذِهِ نارٌ خاصَّةٌ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَهي الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) الآيَةَ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ فَزَعَمُوا: أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا: هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ اهـ.
والمَعْنى: لا يَصْلاها إلّا أنْتُمْ.
وقَدْ أُتْبِعَ (الأشْقى) بِصِفَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ وتَوَلَّوْا، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وقَدِ انْحَصَرَ ذَلِكَ الوَصْفُ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في زَمَنِ ظُهُورِ الإسْلامِ أحَدَ فَرِيقَيْنِ: إمّا كافِرٌ، وإمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ولَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أسْلَمُوا يَغْشَوْنَ الكَبائِرَ لِأنَّهم أقْبَلُوا عَلى الإسْلامِ بِشَراشِرِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) إلَخْ؛ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ وتَكْمِيلًا لِلْمُقابَلَةِ.
والأشْقى والأتْقى مُرادٌ بِهِما: الشَّدِيدُ الشَّقاءِ والشَّدِيدُ التَّقْوى ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ مالِكًا قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَرَأ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) فَلَمّا بَلَغَ (﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾) وقَعَ عَلَيْهِ البُكاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ يَتَعَدّاها مِنَ البُكاءِ، فَتَرَكَها وقَرَأ سُورَةً أُخْرى.
ووَصْفُ الأشْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) ووَصْفُ الأتْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلصِّلَةِ تَسَبُّبًا في الحُكْمِ.
وبَيْنَ (الأشْقى) و(الأتْقى) مُحَسِّنُ الجِناسِ المُضارِعِ.
صفحة ٣٩١
وجُمْلَةُ (يَتَزَكّى) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُؤْتِي)، وفائِدَةُ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يُؤْتِي مالَهُ بِقَصْدِ النَّفْعِ والزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ المالَ لِلْفَخْرِ والرِّياءِ والمَفاسِدِ والفُجُورِ.
والتَّزَكِّي: تَكَلُّفُ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ مِنَ الخَيْرِ.
والمالُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يَخْتَصُّ بِهِ أحَدُ النّاسِ مِن أشْياءَ يَنْتَفِعُ بِذاتِها أوْ بِخَراجِها وغَلَّتِها مِثْلَ الأنْعامِ والأرْضِينَ والآبارِ الخاصَّةِ والأشْجارِ المُخْتَصِّ بِهِ أرْبابُها.
ويُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ يَثْرِبَ عَلى النَّخِيلِ.
ولَيْسَ في إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ ما يُفِيدُ العُمُومَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ آتى جَمِيعَ مالِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) الآيَةَ، اتَّفَقَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهَذِهِ الصِّلَةِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا أعْتَقَ بِلالًا قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ. وهو قَوْلٌ مِن بُهْتانِهِمْ يُعَلِّلُونَ بِهِ أنْفُسَهم كَراهِيَةً لِأنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) مُرادًا بِهِ بَعْضُ مَن شَمِلَهُ عُمُومُ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) وهَذا شَبِيهٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ وهو لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولَكِنَّ هَذِهِ لَمّا كانَتْ حالَةً غَيْرَ كَثِيرَةٍ في أسْبابِ إيتاءِ المالِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِها حالَةٌ خاصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧]) وقَوْلِهِ: (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]) .
و(عِنْدَهُ) ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في تَمَكُّنِ المَعْنى مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَنْهُ كَتَمَكُّنِ الكائِنِ في المَكانِ القَرِيبِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَـيْرِ آيا تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ
و(مِن نِعْمَةٍ) اسْمُ (ما) النّافِيَةِ جُرَّ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ الَّتِي تُزادُ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾) مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ.
صفحة ٣٩٢
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ بِجِدٍّ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ البَغْيِ.
والوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ مُرادًا بِهِ الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]) ومَعْنى ابْتِغاءِ الذّاتِ ابْتِغاءُ رِضى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾) وعْدٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ الَّذِي يُرْضِي صاحِبَهُ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾)؛ لِأنَّ ذَلِكَ ما أفادَ إلّا أنَّهُ ناجٍ مِن عَذابِ النّارِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاقْتِصارَ عَلى ذَلِكَ لِقَصْدِ المُقابَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) فَتَمَّمَ هُنا بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْراتِ.
وحَرْفُ (سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) أيْ: يَتَغَلْغَلُ رِضاهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ المَدِيدِ.
واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
وهَذِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّها يَنْدَرِجُ تَحْتَها كُلُّ ما يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ. وبِهَذِهِ السُّورَةِ انْتَهَتْ سُوَرُ وسَطِ المُفَصَّلِ.
* * *
صفحة ٣٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الضُّحى) بِدُونِ الواوِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والضُّحى) بِإثْباتِ الواوِ.
ولَمْ يَبْلُغْنا عَنِ الصَّحابَةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: ”«دَمِيَتْ إصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَكى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَجاءَتِ امْرَأةٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ:“ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ فَدَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
. قالَ: فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) . وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ جَمِيلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ جُنْدُبٌ؛ لِأنَّ جُنْدُبًا كانَ مِن صِغارِ الصَّحابَةِ، وكانَ يَرْوِي عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنْ حُذَيْفَةَ كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ولَعَلَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ”«كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ» “ مُقارِنًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ:
صفحة ٣٩٤
”وقَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ“ . ولَعَلَّ جُنْدُبًا رَوى حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُما ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”في غارٍ“ تَصْحِيفٌ، وأنَّ أصْلَها: ”كُنْتُ غازِيًا“ . ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ جَمَعَ حَدِيثَيْنِ.
وعُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِراحِ.
وعَدَدُ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ في قِصارِ المُفَصَّلِ.
* * *
إبْطالُ قَوْلِ المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ ما يَأْتِي مِنَ الوَحْيِ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ.
وزادَهُ بِشارَةً بِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى عَلى مَعْنَيَيْنِ في الآخِرَةِ والأُولى، وأنَّهُ سَيُعْطِيهِ رَبُّهُ ما فِيهِ رِضاهُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن ألْطافِهِ وعِنايَتِهِ في صِباهُ وفي فُتُوَّتِهِ وفي وقْتِ اكْتِهالِهِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ بِما يُناسِبُها مِن نَفْعٍ لِعَبِيدِهِ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ.
الليل 92:16
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ إذا كانَ فِعْلُ (أنْذَرْتُكم) مُسْتَعْمَلًا في ماضِيهِ حَقِيقَةً وكانَ المُرادُ الإنْذارَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]) إلى قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَدّى) . وهَذِهِ الفاءُ يُشْبِهُ مَعْناها مَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُراعاةِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها وهو تَفْرِيعُ إنْذارٍ مُفَصَّلٍ عَلى إنْذارٍ مُجْمَلٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ المَعْنَوِيِّ فَيَكُونُ فِعْلُ (﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]) مُرادًا بِهِ الحالُ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمانِ الماضِي مِنَ الحالِ كَما في: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ كَذا، أيْ: أعْزِمُ عَلَيْكَ، ومِثْلَ ما في صِيَغِ العُقُودِ: كَبِعْتُ وهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]) والمَعْنى: هَدْيُكم، فَأنْذَرْتُكم إبْلاغًا في الهُدى.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّهْوِيلِ، وجُمْلَةُ (تَلَظّى) نَعْتٌ. و(تَلَظّى): تَلْتَهِبُ مِن شِدَّةِ الِاشْتِعالِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّظى مَصْدَرِ: لَظِيَتِ النّارُ كَرَضِيَتْ، إذا التَهَبَتْ، وأصْلُ (تَلَظّى): تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما لِلِاخْتِصارِ.
صفحة ٣٩٠
وجُمْلَةُ (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِن (نارًا) بَعْدَ أنْ وُصِفَتْ. وهَذِهِ نارٌ خاصَّةٌ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَهي الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) الآيَةَ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ فَزَعَمُوا: أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا: هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ اهـ.
والمَعْنى: لا يَصْلاها إلّا أنْتُمْ.
وقَدْ أُتْبِعَ (الأشْقى) بِصِفَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ وتَوَلَّوْا، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وقَدِ انْحَصَرَ ذَلِكَ الوَصْفُ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في زَمَنِ ظُهُورِ الإسْلامِ أحَدَ فَرِيقَيْنِ: إمّا كافِرٌ، وإمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ولَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أسْلَمُوا يَغْشَوْنَ الكَبائِرَ لِأنَّهم أقْبَلُوا عَلى الإسْلامِ بِشَراشِرِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) إلَخْ؛ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ وتَكْمِيلًا لِلْمُقابَلَةِ.
والأشْقى والأتْقى مُرادٌ بِهِما: الشَّدِيدُ الشَّقاءِ والشَّدِيدُ التَّقْوى ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ مالِكًا قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَرَأ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) فَلَمّا بَلَغَ (﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾) وقَعَ عَلَيْهِ البُكاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ يَتَعَدّاها مِنَ البُكاءِ، فَتَرَكَها وقَرَأ سُورَةً أُخْرى.
ووَصْفُ الأشْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) ووَصْفُ الأتْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلصِّلَةِ تَسَبُّبًا في الحُكْمِ.
وبَيْنَ (الأشْقى) و(الأتْقى) مُحَسِّنُ الجِناسِ المُضارِعِ.
صفحة ٣٩١
وجُمْلَةُ (يَتَزَكّى) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُؤْتِي)، وفائِدَةُ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يُؤْتِي مالَهُ بِقَصْدِ النَّفْعِ والزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ المالَ لِلْفَخْرِ والرِّياءِ والمَفاسِدِ والفُجُورِ.
والتَّزَكِّي: تَكَلُّفُ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ مِنَ الخَيْرِ.
والمالُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يَخْتَصُّ بِهِ أحَدُ النّاسِ مِن أشْياءَ يَنْتَفِعُ بِذاتِها أوْ بِخَراجِها وغَلَّتِها مِثْلَ الأنْعامِ والأرْضِينَ والآبارِ الخاصَّةِ والأشْجارِ المُخْتَصِّ بِهِ أرْبابُها.
ويُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ يَثْرِبَ عَلى النَّخِيلِ.
ولَيْسَ في إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ ما يُفِيدُ العُمُومَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ آتى جَمِيعَ مالِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) الآيَةَ، اتَّفَقَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهَذِهِ الصِّلَةِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا أعْتَقَ بِلالًا قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ. وهو قَوْلٌ مِن بُهْتانِهِمْ يُعَلِّلُونَ بِهِ أنْفُسَهم كَراهِيَةً لِأنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) مُرادًا بِهِ بَعْضُ مَن شَمِلَهُ عُمُومُ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) وهَذا شَبِيهٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ وهو لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولَكِنَّ هَذِهِ لَمّا كانَتْ حالَةً غَيْرَ كَثِيرَةٍ في أسْبابِ إيتاءِ المالِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِها حالَةٌ خاصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧]) وقَوْلِهِ: (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]) .
و(عِنْدَهُ) ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في تَمَكُّنِ المَعْنى مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَنْهُ كَتَمَكُّنِ الكائِنِ في المَكانِ القَرِيبِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَـيْرِ آيا تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ
و(مِن نِعْمَةٍ) اسْمُ (ما) النّافِيَةِ جُرَّ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ الَّتِي تُزادُ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾) مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ.
صفحة ٣٩٢
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ بِجِدٍّ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ البَغْيِ.
والوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ مُرادًا بِهِ الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]) ومَعْنى ابْتِغاءِ الذّاتِ ابْتِغاءُ رِضى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾) وعْدٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ الَّذِي يُرْضِي صاحِبَهُ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾)؛ لِأنَّ ذَلِكَ ما أفادَ إلّا أنَّهُ ناجٍ مِن عَذابِ النّارِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاقْتِصارَ عَلى ذَلِكَ لِقَصْدِ المُقابَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) فَتَمَّمَ هُنا بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْراتِ.
وحَرْفُ (سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) أيْ: يَتَغَلْغَلُ رِضاهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ المَدِيدِ.
واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
وهَذِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّها يَنْدَرِجُ تَحْتَها كُلُّ ما يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ. وبِهَذِهِ السُّورَةِ انْتَهَتْ سُوَرُ وسَطِ المُفَصَّلِ.
* * *
صفحة ٣٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الضُّحى) بِدُونِ الواوِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والضُّحى) بِإثْباتِ الواوِ.
ولَمْ يَبْلُغْنا عَنِ الصَّحابَةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: ”«دَمِيَتْ إصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَكى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَجاءَتِ امْرَأةٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ:“ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ فَدَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
. قالَ: فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) . وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ جَمِيلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ جُنْدُبٌ؛ لِأنَّ جُنْدُبًا كانَ مِن صِغارِ الصَّحابَةِ، وكانَ يَرْوِي عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنْ حُذَيْفَةَ كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ولَعَلَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ”«كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ» “ مُقارِنًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ:
صفحة ٣٩٤
”وقَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ“ . ولَعَلَّ جُنْدُبًا رَوى حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُما ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”في غارٍ“ تَصْحِيفٌ، وأنَّ أصْلَها: ”كُنْتُ غازِيًا“ . ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ جَمَعَ حَدِيثَيْنِ.
وعُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِراحِ.
وعَدَدُ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ في قِصارِ المُفَصَّلِ.
* * *
إبْطالُ قَوْلِ المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ ما يَأْتِي مِنَ الوَحْيِ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ.
وزادَهُ بِشارَةً بِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى عَلى مَعْنَيَيْنِ في الآخِرَةِ والأُولى، وأنَّهُ سَيُعْطِيهِ رَبُّهُ ما فِيهِ رِضاهُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن ألْطافِهِ وعِنايَتِهِ في صِباهُ وفي فُتُوَّتِهِ وفي وقْتِ اكْتِهالِهِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ بِما يُناسِبُها مِن نَفْعٍ لِعَبِيدِهِ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ.
الليل 92:17
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ إذا كانَ فِعْلُ (أنْذَرْتُكم) مُسْتَعْمَلًا في ماضِيهِ حَقِيقَةً وكانَ المُرادُ الإنْذارَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]) إلى قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَدّى) . وهَذِهِ الفاءُ يُشْبِهُ مَعْناها مَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُراعاةِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها وهو تَفْرِيعُ إنْذارٍ مُفَصَّلٍ عَلى إنْذارٍ مُجْمَلٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ المَعْنَوِيِّ فَيَكُونُ فِعْلُ (﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]) مُرادًا بِهِ الحالُ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمانِ الماضِي مِنَ الحالِ كَما في: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ كَذا، أيْ: أعْزِمُ عَلَيْكَ، ومِثْلَ ما في صِيَغِ العُقُودِ: كَبِعْتُ وهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]) والمَعْنى: هَدْيُكم، فَأنْذَرْتُكم إبْلاغًا في الهُدى.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّهْوِيلِ، وجُمْلَةُ (تَلَظّى) نَعْتٌ. و(تَلَظّى): تَلْتَهِبُ مِن شِدَّةِ الِاشْتِعالِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّظى مَصْدَرِ: لَظِيَتِ النّارُ كَرَضِيَتْ، إذا التَهَبَتْ، وأصْلُ (تَلَظّى): تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما لِلِاخْتِصارِ.
صفحة ٣٩٠
وجُمْلَةُ (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِن (نارًا) بَعْدَ أنْ وُصِفَتْ. وهَذِهِ نارٌ خاصَّةٌ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَهي الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) الآيَةَ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ فَزَعَمُوا: أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا: هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ اهـ.
والمَعْنى: لا يَصْلاها إلّا أنْتُمْ.
وقَدْ أُتْبِعَ (الأشْقى) بِصِفَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ وتَوَلَّوْا، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وقَدِ انْحَصَرَ ذَلِكَ الوَصْفُ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في زَمَنِ ظُهُورِ الإسْلامِ أحَدَ فَرِيقَيْنِ: إمّا كافِرٌ، وإمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ولَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أسْلَمُوا يَغْشَوْنَ الكَبائِرَ لِأنَّهم أقْبَلُوا عَلى الإسْلامِ بِشَراشِرِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) إلَخْ؛ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ وتَكْمِيلًا لِلْمُقابَلَةِ.
والأشْقى والأتْقى مُرادٌ بِهِما: الشَّدِيدُ الشَّقاءِ والشَّدِيدُ التَّقْوى ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ مالِكًا قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَرَأ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) فَلَمّا بَلَغَ (﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾) وقَعَ عَلَيْهِ البُكاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ يَتَعَدّاها مِنَ البُكاءِ، فَتَرَكَها وقَرَأ سُورَةً أُخْرى.
ووَصْفُ الأشْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) ووَصْفُ الأتْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلصِّلَةِ تَسَبُّبًا في الحُكْمِ.
وبَيْنَ (الأشْقى) و(الأتْقى) مُحَسِّنُ الجِناسِ المُضارِعِ.
صفحة ٣٩١
وجُمْلَةُ (يَتَزَكّى) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُؤْتِي)، وفائِدَةُ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يُؤْتِي مالَهُ بِقَصْدِ النَّفْعِ والزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ المالَ لِلْفَخْرِ والرِّياءِ والمَفاسِدِ والفُجُورِ.
والتَّزَكِّي: تَكَلُّفُ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ مِنَ الخَيْرِ.
والمالُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يَخْتَصُّ بِهِ أحَدُ النّاسِ مِن أشْياءَ يَنْتَفِعُ بِذاتِها أوْ بِخَراجِها وغَلَّتِها مِثْلَ الأنْعامِ والأرْضِينَ والآبارِ الخاصَّةِ والأشْجارِ المُخْتَصِّ بِهِ أرْبابُها.
ويُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ يَثْرِبَ عَلى النَّخِيلِ.
ولَيْسَ في إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ ما يُفِيدُ العُمُومَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ آتى جَمِيعَ مالِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) الآيَةَ، اتَّفَقَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهَذِهِ الصِّلَةِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا أعْتَقَ بِلالًا قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ. وهو قَوْلٌ مِن بُهْتانِهِمْ يُعَلِّلُونَ بِهِ أنْفُسَهم كَراهِيَةً لِأنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) مُرادًا بِهِ بَعْضُ مَن شَمِلَهُ عُمُومُ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) وهَذا شَبِيهٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ وهو لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولَكِنَّ هَذِهِ لَمّا كانَتْ حالَةً غَيْرَ كَثِيرَةٍ في أسْبابِ إيتاءِ المالِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِها حالَةٌ خاصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧]) وقَوْلِهِ: (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]) .
و(عِنْدَهُ) ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في تَمَكُّنِ المَعْنى مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَنْهُ كَتَمَكُّنِ الكائِنِ في المَكانِ القَرِيبِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَـيْرِ آيا تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ
و(مِن نِعْمَةٍ) اسْمُ (ما) النّافِيَةِ جُرَّ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ الَّتِي تُزادُ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾) مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ.
صفحة ٣٩٢
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ بِجِدٍّ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ البَغْيِ.
والوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ مُرادًا بِهِ الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]) ومَعْنى ابْتِغاءِ الذّاتِ ابْتِغاءُ رِضى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾) وعْدٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ الَّذِي يُرْضِي صاحِبَهُ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾)؛ لِأنَّ ذَلِكَ ما أفادَ إلّا أنَّهُ ناجٍ مِن عَذابِ النّارِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاقْتِصارَ عَلى ذَلِكَ لِقَصْدِ المُقابَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) فَتَمَّمَ هُنا بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْراتِ.
وحَرْفُ (سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) أيْ: يَتَغَلْغَلُ رِضاهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ المَدِيدِ.
واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
وهَذِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّها يَنْدَرِجُ تَحْتَها كُلُّ ما يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ. وبِهَذِهِ السُّورَةِ انْتَهَتْ سُوَرُ وسَطِ المُفَصَّلِ.
* * *
صفحة ٣٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الضُّحى) بِدُونِ الواوِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والضُّحى) بِإثْباتِ الواوِ.
ولَمْ يَبْلُغْنا عَنِ الصَّحابَةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: ”«دَمِيَتْ إصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَكى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَجاءَتِ امْرَأةٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ:“ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ فَدَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
. قالَ: فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) . وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ جَمِيلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ جُنْدُبٌ؛ لِأنَّ جُنْدُبًا كانَ مِن صِغارِ الصَّحابَةِ، وكانَ يَرْوِي عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنْ حُذَيْفَةَ كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ولَعَلَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ”«كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ» “ مُقارِنًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ:
صفحة ٣٩٤
”وقَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ“ . ولَعَلَّ جُنْدُبًا رَوى حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُما ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”في غارٍ“ تَصْحِيفٌ، وأنَّ أصْلَها: ”كُنْتُ غازِيًا“ . ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ جَمَعَ حَدِيثَيْنِ.
وعُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِراحِ.
وعَدَدُ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ في قِصارِ المُفَصَّلِ.
* * *
إبْطالُ قَوْلِ المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ ما يَأْتِي مِنَ الوَحْيِ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ.
وزادَهُ بِشارَةً بِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى عَلى مَعْنَيَيْنِ في الآخِرَةِ والأُولى، وأنَّهُ سَيُعْطِيهِ رَبُّهُ ما فِيهِ رِضاهُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن ألْطافِهِ وعِنايَتِهِ في صِباهُ وفي فُتُوَّتِهِ وفي وقْتِ اكْتِهالِهِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ بِما يُناسِبُها مِن نَفْعٍ لِعَبِيدِهِ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ.
الليل 92:18
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ إذا كانَ فِعْلُ (أنْذَرْتُكم) مُسْتَعْمَلًا في ماضِيهِ حَقِيقَةً وكانَ المُرادُ الإنْذارَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]) إلى قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَدّى) . وهَذِهِ الفاءُ يُشْبِهُ مَعْناها مَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُراعاةِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها وهو تَفْرِيعُ إنْذارٍ مُفَصَّلٍ عَلى إنْذارٍ مُجْمَلٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ المَعْنَوِيِّ فَيَكُونُ فِعْلُ (﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]) مُرادًا بِهِ الحالُ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمانِ الماضِي مِنَ الحالِ كَما في: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ كَذا، أيْ: أعْزِمُ عَلَيْكَ، ومِثْلَ ما في صِيَغِ العُقُودِ: كَبِعْتُ وهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]) والمَعْنى: هَدْيُكم، فَأنْذَرْتُكم إبْلاغًا في الهُدى.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّهْوِيلِ، وجُمْلَةُ (تَلَظّى) نَعْتٌ. و(تَلَظّى): تَلْتَهِبُ مِن شِدَّةِ الِاشْتِعالِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّظى مَصْدَرِ: لَظِيَتِ النّارُ كَرَضِيَتْ، إذا التَهَبَتْ، وأصْلُ (تَلَظّى): تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما لِلِاخْتِصارِ.
صفحة ٣٩٠
وجُمْلَةُ (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِن (نارًا) بَعْدَ أنْ وُصِفَتْ. وهَذِهِ نارٌ خاصَّةٌ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَهي الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) الآيَةَ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ فَزَعَمُوا: أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا: هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ اهـ.
والمَعْنى: لا يَصْلاها إلّا أنْتُمْ.
وقَدْ أُتْبِعَ (الأشْقى) بِصِفَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ وتَوَلَّوْا، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وقَدِ انْحَصَرَ ذَلِكَ الوَصْفُ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في زَمَنِ ظُهُورِ الإسْلامِ أحَدَ فَرِيقَيْنِ: إمّا كافِرٌ، وإمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ولَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أسْلَمُوا يَغْشَوْنَ الكَبائِرَ لِأنَّهم أقْبَلُوا عَلى الإسْلامِ بِشَراشِرِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) إلَخْ؛ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ وتَكْمِيلًا لِلْمُقابَلَةِ.
والأشْقى والأتْقى مُرادٌ بِهِما: الشَّدِيدُ الشَّقاءِ والشَّدِيدُ التَّقْوى ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ مالِكًا قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَرَأ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) فَلَمّا بَلَغَ (﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾) وقَعَ عَلَيْهِ البُكاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ يَتَعَدّاها مِنَ البُكاءِ، فَتَرَكَها وقَرَأ سُورَةً أُخْرى.
ووَصْفُ الأشْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) ووَصْفُ الأتْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلصِّلَةِ تَسَبُّبًا في الحُكْمِ.
وبَيْنَ (الأشْقى) و(الأتْقى) مُحَسِّنُ الجِناسِ المُضارِعِ.
صفحة ٣٩١
وجُمْلَةُ (يَتَزَكّى) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُؤْتِي)، وفائِدَةُ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يُؤْتِي مالَهُ بِقَصْدِ النَّفْعِ والزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ المالَ لِلْفَخْرِ والرِّياءِ والمَفاسِدِ والفُجُورِ.
والتَّزَكِّي: تَكَلُّفُ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ مِنَ الخَيْرِ.
والمالُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يَخْتَصُّ بِهِ أحَدُ النّاسِ مِن أشْياءَ يَنْتَفِعُ بِذاتِها أوْ بِخَراجِها وغَلَّتِها مِثْلَ الأنْعامِ والأرْضِينَ والآبارِ الخاصَّةِ والأشْجارِ المُخْتَصِّ بِهِ أرْبابُها.
ويُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ يَثْرِبَ عَلى النَّخِيلِ.
ولَيْسَ في إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ ما يُفِيدُ العُمُومَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ آتى جَمِيعَ مالِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) الآيَةَ، اتَّفَقَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهَذِهِ الصِّلَةِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا أعْتَقَ بِلالًا قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ. وهو قَوْلٌ مِن بُهْتانِهِمْ يُعَلِّلُونَ بِهِ أنْفُسَهم كَراهِيَةً لِأنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) مُرادًا بِهِ بَعْضُ مَن شَمِلَهُ عُمُومُ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) وهَذا شَبِيهٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ وهو لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولَكِنَّ هَذِهِ لَمّا كانَتْ حالَةً غَيْرَ كَثِيرَةٍ في أسْبابِ إيتاءِ المالِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِها حالَةٌ خاصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧]) وقَوْلِهِ: (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]) .
و(عِنْدَهُ) ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في تَمَكُّنِ المَعْنى مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَنْهُ كَتَمَكُّنِ الكائِنِ في المَكانِ القَرِيبِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَـيْرِ آيا تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ
و(مِن نِعْمَةٍ) اسْمُ (ما) النّافِيَةِ جُرَّ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ الَّتِي تُزادُ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾) مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ.
صفحة ٣٩٢
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ بِجِدٍّ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ البَغْيِ.
والوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ مُرادًا بِهِ الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]) ومَعْنى ابْتِغاءِ الذّاتِ ابْتِغاءُ رِضى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾) وعْدٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ الَّذِي يُرْضِي صاحِبَهُ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾)؛ لِأنَّ ذَلِكَ ما أفادَ إلّا أنَّهُ ناجٍ مِن عَذابِ النّارِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاقْتِصارَ عَلى ذَلِكَ لِقَصْدِ المُقابَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) فَتَمَّمَ هُنا بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْراتِ.
وحَرْفُ (سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) أيْ: يَتَغَلْغَلُ رِضاهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ المَدِيدِ.
واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
وهَذِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّها يَنْدَرِجُ تَحْتَها كُلُّ ما يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ. وبِهَذِهِ السُّورَةِ انْتَهَتْ سُوَرُ وسَطِ المُفَصَّلِ.
* * *
صفحة ٣٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الضُّحى) بِدُونِ الواوِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والضُّحى) بِإثْباتِ الواوِ.
ولَمْ يَبْلُغْنا عَنِ الصَّحابَةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: ”«دَمِيَتْ إصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَكى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَجاءَتِ امْرَأةٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ:“ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ فَدَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
. قالَ: فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) . وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ جَمِيلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ جُنْدُبٌ؛ لِأنَّ جُنْدُبًا كانَ مِن صِغارِ الصَّحابَةِ، وكانَ يَرْوِي عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنْ حُذَيْفَةَ كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ولَعَلَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ”«كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ» “ مُقارِنًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ:
صفحة ٣٩٤
”وقَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ“ . ولَعَلَّ جُنْدُبًا رَوى حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُما ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”في غارٍ“ تَصْحِيفٌ، وأنَّ أصْلَها: ”كُنْتُ غازِيًا“ . ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ جَمَعَ حَدِيثَيْنِ.
وعُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِراحِ.
وعَدَدُ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ في قِصارِ المُفَصَّلِ.
* * *
إبْطالُ قَوْلِ المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ ما يَأْتِي مِنَ الوَحْيِ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ.
وزادَهُ بِشارَةً بِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى عَلى مَعْنَيَيْنِ في الآخِرَةِ والأُولى، وأنَّهُ سَيُعْطِيهِ رَبُّهُ ما فِيهِ رِضاهُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن ألْطافِهِ وعِنايَتِهِ في صِباهُ وفي فُتُوَّتِهِ وفي وقْتِ اكْتِهالِهِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ بِما يُناسِبُها مِن نَفْعٍ لِعَبِيدِهِ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ.
الليل 92:19
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ إذا كانَ فِعْلُ (أنْذَرْتُكم) مُسْتَعْمَلًا في ماضِيهِ حَقِيقَةً وكانَ المُرادُ الإنْذارَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]) إلى قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَدّى) . وهَذِهِ الفاءُ يُشْبِهُ مَعْناها مَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُراعاةِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها وهو تَفْرِيعُ إنْذارٍ مُفَصَّلٍ عَلى إنْذارٍ مُجْمَلٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ المَعْنَوِيِّ فَيَكُونُ فِعْلُ (﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]) مُرادًا بِهِ الحالُ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمانِ الماضِي مِنَ الحالِ كَما في: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ كَذا، أيْ: أعْزِمُ عَلَيْكَ، ومِثْلَ ما في صِيَغِ العُقُودِ: كَبِعْتُ وهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]) والمَعْنى: هَدْيُكم، فَأنْذَرْتُكم إبْلاغًا في الهُدى.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّهْوِيلِ، وجُمْلَةُ (تَلَظّى) نَعْتٌ. و(تَلَظّى): تَلْتَهِبُ مِن شِدَّةِ الِاشْتِعالِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّظى مَصْدَرِ: لَظِيَتِ النّارُ كَرَضِيَتْ، إذا التَهَبَتْ، وأصْلُ (تَلَظّى): تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما لِلِاخْتِصارِ.
صفحة ٣٩٠
وجُمْلَةُ (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِن (نارًا) بَعْدَ أنْ وُصِفَتْ. وهَذِهِ نارٌ خاصَّةٌ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَهي الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) الآيَةَ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ فَزَعَمُوا: أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا: هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ اهـ.
والمَعْنى: لا يَصْلاها إلّا أنْتُمْ.
وقَدْ أُتْبِعَ (الأشْقى) بِصِفَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ وتَوَلَّوْا، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وقَدِ انْحَصَرَ ذَلِكَ الوَصْفُ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في زَمَنِ ظُهُورِ الإسْلامِ أحَدَ فَرِيقَيْنِ: إمّا كافِرٌ، وإمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ولَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أسْلَمُوا يَغْشَوْنَ الكَبائِرَ لِأنَّهم أقْبَلُوا عَلى الإسْلامِ بِشَراشِرِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) إلَخْ؛ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ وتَكْمِيلًا لِلْمُقابَلَةِ.
والأشْقى والأتْقى مُرادٌ بِهِما: الشَّدِيدُ الشَّقاءِ والشَّدِيدُ التَّقْوى ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ مالِكًا قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَرَأ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) فَلَمّا بَلَغَ (﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾) وقَعَ عَلَيْهِ البُكاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ يَتَعَدّاها مِنَ البُكاءِ، فَتَرَكَها وقَرَأ سُورَةً أُخْرى.
ووَصْفُ الأشْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) ووَصْفُ الأتْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلصِّلَةِ تَسَبُّبًا في الحُكْمِ.
وبَيْنَ (الأشْقى) و(الأتْقى) مُحَسِّنُ الجِناسِ المُضارِعِ.
صفحة ٣٩١
وجُمْلَةُ (يَتَزَكّى) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُؤْتِي)، وفائِدَةُ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يُؤْتِي مالَهُ بِقَصْدِ النَّفْعِ والزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ المالَ لِلْفَخْرِ والرِّياءِ والمَفاسِدِ والفُجُورِ.
والتَّزَكِّي: تَكَلُّفُ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ مِنَ الخَيْرِ.
والمالُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يَخْتَصُّ بِهِ أحَدُ النّاسِ مِن أشْياءَ يَنْتَفِعُ بِذاتِها أوْ بِخَراجِها وغَلَّتِها مِثْلَ الأنْعامِ والأرْضِينَ والآبارِ الخاصَّةِ والأشْجارِ المُخْتَصِّ بِهِ أرْبابُها.
ويُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ يَثْرِبَ عَلى النَّخِيلِ.
ولَيْسَ في إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ ما يُفِيدُ العُمُومَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ آتى جَمِيعَ مالِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) الآيَةَ، اتَّفَقَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهَذِهِ الصِّلَةِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا أعْتَقَ بِلالًا قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ. وهو قَوْلٌ مِن بُهْتانِهِمْ يُعَلِّلُونَ بِهِ أنْفُسَهم كَراهِيَةً لِأنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) مُرادًا بِهِ بَعْضُ مَن شَمِلَهُ عُمُومُ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) وهَذا شَبِيهٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ وهو لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولَكِنَّ هَذِهِ لَمّا كانَتْ حالَةً غَيْرَ كَثِيرَةٍ في أسْبابِ إيتاءِ المالِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِها حالَةٌ خاصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧]) وقَوْلِهِ: (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]) .
و(عِنْدَهُ) ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في تَمَكُّنِ المَعْنى مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَنْهُ كَتَمَكُّنِ الكائِنِ في المَكانِ القَرِيبِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَـيْرِ آيا تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ
و(مِن نِعْمَةٍ) اسْمُ (ما) النّافِيَةِ جُرَّ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ الَّتِي تُزادُ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾) مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ.
صفحة ٣٩٢
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ بِجِدٍّ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ البَغْيِ.
والوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ مُرادًا بِهِ الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]) ومَعْنى ابْتِغاءِ الذّاتِ ابْتِغاءُ رِضى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾) وعْدٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ الَّذِي يُرْضِي صاحِبَهُ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾)؛ لِأنَّ ذَلِكَ ما أفادَ إلّا أنَّهُ ناجٍ مِن عَذابِ النّارِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاقْتِصارَ عَلى ذَلِكَ لِقَصْدِ المُقابَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) فَتَمَّمَ هُنا بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْراتِ.
وحَرْفُ (سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) أيْ: يَتَغَلْغَلُ رِضاهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ المَدِيدِ.
واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
وهَذِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّها يَنْدَرِجُ تَحْتَها كُلُّ ما يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ. وبِهَذِهِ السُّورَةِ انْتَهَتْ سُوَرُ وسَطِ المُفَصَّلِ.
* * *
صفحة ٣٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الضُّحى) بِدُونِ الواوِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والضُّحى) بِإثْباتِ الواوِ.
ولَمْ يَبْلُغْنا عَنِ الصَّحابَةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: ”«دَمِيَتْ إصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَكى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَجاءَتِ امْرَأةٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ:“ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ فَدَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
. قالَ: فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) . وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ جَمِيلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ جُنْدُبٌ؛ لِأنَّ جُنْدُبًا كانَ مِن صِغارِ الصَّحابَةِ، وكانَ يَرْوِي عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنْ حُذَيْفَةَ كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ولَعَلَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ”«كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ» “ مُقارِنًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ:
صفحة ٣٩٤
”وقَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ“ . ولَعَلَّ جُنْدُبًا رَوى حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُما ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”في غارٍ“ تَصْحِيفٌ، وأنَّ أصْلَها: ”كُنْتُ غازِيًا“ . ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ جَمَعَ حَدِيثَيْنِ.
وعُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِراحِ.
وعَدَدُ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ في قِصارِ المُفَصَّلِ.
* * *
إبْطالُ قَوْلِ المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ ما يَأْتِي مِنَ الوَحْيِ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ.
وزادَهُ بِشارَةً بِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى عَلى مَعْنَيَيْنِ في الآخِرَةِ والأُولى، وأنَّهُ سَيُعْطِيهِ رَبُّهُ ما فِيهِ رِضاهُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن ألْطافِهِ وعِنايَتِهِ في صِباهُ وفي فُتُوَّتِهِ وفي وقْتِ اكْتِهالِهِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ بِما يُناسِبُها مِن نَفْعٍ لِعَبِيدِهِ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ.
الليل 92:20
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ إذا كانَ فِعْلُ (أنْذَرْتُكم) مُسْتَعْمَلًا في ماضِيهِ حَقِيقَةً وكانَ المُرادُ الإنْذارَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]) إلى قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَدّى) . وهَذِهِ الفاءُ يُشْبِهُ مَعْناها مَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُراعاةِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها وهو تَفْرِيعُ إنْذارٍ مُفَصَّلٍ عَلى إنْذارٍ مُجْمَلٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ المَعْنَوِيِّ فَيَكُونُ فِعْلُ (﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]) مُرادًا بِهِ الحالُ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمانِ الماضِي مِنَ الحالِ كَما في: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ كَذا، أيْ: أعْزِمُ عَلَيْكَ، ومِثْلَ ما في صِيَغِ العُقُودِ: كَبِعْتُ وهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]) والمَعْنى: هَدْيُكم، فَأنْذَرْتُكم إبْلاغًا في الهُدى.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّهْوِيلِ، وجُمْلَةُ (تَلَظّى) نَعْتٌ. و(تَلَظّى): تَلْتَهِبُ مِن شِدَّةِ الِاشْتِعالِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّظى مَصْدَرِ: لَظِيَتِ النّارُ كَرَضِيَتْ، إذا التَهَبَتْ، وأصْلُ (تَلَظّى): تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما لِلِاخْتِصارِ.
صفحة ٣٩٠
وجُمْلَةُ (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِن (نارًا) بَعْدَ أنْ وُصِفَتْ. وهَذِهِ نارٌ خاصَّةٌ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَهي الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) الآيَةَ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ فَزَعَمُوا: أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا: هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ اهـ.
والمَعْنى: لا يَصْلاها إلّا أنْتُمْ.
وقَدْ أُتْبِعَ (الأشْقى) بِصِفَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ وتَوَلَّوْا، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وقَدِ انْحَصَرَ ذَلِكَ الوَصْفُ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في زَمَنِ ظُهُورِ الإسْلامِ أحَدَ فَرِيقَيْنِ: إمّا كافِرٌ، وإمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ولَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أسْلَمُوا يَغْشَوْنَ الكَبائِرَ لِأنَّهم أقْبَلُوا عَلى الإسْلامِ بِشَراشِرِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) إلَخْ؛ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ وتَكْمِيلًا لِلْمُقابَلَةِ.
والأشْقى والأتْقى مُرادٌ بِهِما: الشَّدِيدُ الشَّقاءِ والشَّدِيدُ التَّقْوى ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ مالِكًا قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَرَأ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) فَلَمّا بَلَغَ (﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾) وقَعَ عَلَيْهِ البُكاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ يَتَعَدّاها مِنَ البُكاءِ، فَتَرَكَها وقَرَأ سُورَةً أُخْرى.
ووَصْفُ الأشْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) ووَصْفُ الأتْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلصِّلَةِ تَسَبُّبًا في الحُكْمِ.
وبَيْنَ (الأشْقى) و(الأتْقى) مُحَسِّنُ الجِناسِ المُضارِعِ.
صفحة ٣٩١
وجُمْلَةُ (يَتَزَكّى) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُؤْتِي)، وفائِدَةُ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يُؤْتِي مالَهُ بِقَصْدِ النَّفْعِ والزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ المالَ لِلْفَخْرِ والرِّياءِ والمَفاسِدِ والفُجُورِ.
والتَّزَكِّي: تَكَلُّفُ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ مِنَ الخَيْرِ.
والمالُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يَخْتَصُّ بِهِ أحَدُ النّاسِ مِن أشْياءَ يَنْتَفِعُ بِذاتِها أوْ بِخَراجِها وغَلَّتِها مِثْلَ الأنْعامِ والأرْضِينَ والآبارِ الخاصَّةِ والأشْجارِ المُخْتَصِّ بِهِ أرْبابُها.
ويُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ يَثْرِبَ عَلى النَّخِيلِ.
ولَيْسَ في إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ ما يُفِيدُ العُمُومَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ آتى جَمِيعَ مالِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) الآيَةَ، اتَّفَقَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهَذِهِ الصِّلَةِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا أعْتَقَ بِلالًا قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ. وهو قَوْلٌ مِن بُهْتانِهِمْ يُعَلِّلُونَ بِهِ أنْفُسَهم كَراهِيَةً لِأنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) مُرادًا بِهِ بَعْضُ مَن شَمِلَهُ عُمُومُ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) وهَذا شَبِيهٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ وهو لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولَكِنَّ هَذِهِ لَمّا كانَتْ حالَةً غَيْرَ كَثِيرَةٍ في أسْبابِ إيتاءِ المالِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِها حالَةٌ خاصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧]) وقَوْلِهِ: (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]) .
و(عِنْدَهُ) ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في تَمَكُّنِ المَعْنى مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَنْهُ كَتَمَكُّنِ الكائِنِ في المَكانِ القَرِيبِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَـيْرِ آيا تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ
و(مِن نِعْمَةٍ) اسْمُ (ما) النّافِيَةِ جُرَّ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ الَّتِي تُزادُ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾) مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ.
صفحة ٣٩٢
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ بِجِدٍّ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ البَغْيِ.
والوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ مُرادًا بِهِ الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]) ومَعْنى ابْتِغاءِ الذّاتِ ابْتِغاءُ رِضى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾) وعْدٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ الَّذِي يُرْضِي صاحِبَهُ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾)؛ لِأنَّ ذَلِكَ ما أفادَ إلّا أنَّهُ ناجٍ مِن عَذابِ النّارِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاقْتِصارَ عَلى ذَلِكَ لِقَصْدِ المُقابَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) فَتَمَّمَ هُنا بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْراتِ.
وحَرْفُ (سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) أيْ: يَتَغَلْغَلُ رِضاهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ المَدِيدِ.
واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
وهَذِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّها يَنْدَرِجُ تَحْتَها كُلُّ ما يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ. وبِهَذِهِ السُّورَةِ انْتَهَتْ سُوَرُ وسَطِ المُفَصَّلِ.
* * *
صفحة ٣٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الضُّحى) بِدُونِ الواوِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والضُّحى) بِإثْباتِ الواوِ.
ولَمْ يَبْلُغْنا عَنِ الصَّحابَةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: ”«دَمِيَتْ إصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَكى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَجاءَتِ امْرَأةٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ:“ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ فَدَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
. قالَ: فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) . وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ جَمِيلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ جُنْدُبٌ؛ لِأنَّ جُنْدُبًا كانَ مِن صِغارِ الصَّحابَةِ، وكانَ يَرْوِي عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنْ حُذَيْفَةَ كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ولَعَلَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ”«كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ» “ مُقارِنًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ:
صفحة ٣٩٤
”وقَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ“ . ولَعَلَّ جُنْدُبًا رَوى حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُما ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”في غارٍ“ تَصْحِيفٌ، وأنَّ أصْلَها: ”كُنْتُ غازِيًا“ . ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ جَمَعَ حَدِيثَيْنِ.
وعُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِراحِ.
وعَدَدُ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ في قِصارِ المُفَصَّلِ.
* * *
إبْطالُ قَوْلِ المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ ما يَأْتِي مِنَ الوَحْيِ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ.
وزادَهُ بِشارَةً بِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى عَلى مَعْنَيَيْنِ في الآخِرَةِ والأُولى، وأنَّهُ سَيُعْطِيهِ رَبُّهُ ما فِيهِ رِضاهُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن ألْطافِهِ وعِنايَتِهِ في صِباهُ وفي فُتُوَّتِهِ وفي وقْتِ اكْتِهالِهِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ بِما يُناسِبُها مِن نَفْعٍ لِعَبِيدِهِ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ.
الليل 92:21
﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ ﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ ﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ .
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ إذا كانَ فِعْلُ (أنْذَرْتُكم) مُسْتَعْمَلًا في ماضِيهِ حَقِيقَةً وكانَ المُرادُ الإنْذارَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠]) إلى قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَدّى) . وهَذِهِ الفاءُ يُشْبِهُ مَعْناها مَعْنى فاءِ الفَصِيحَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُراعاةِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها وهو تَفْرِيعُ إنْذارٍ مُفَصَّلٍ عَلى إنْذارٍ مُجْمَلٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ المَعْنَوِيِّ فَيَكُونُ فِعْلُ (﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]) مُرادًا بِهِ الحالُ، وإنَّما صِيغَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمانِ الماضِي مِنَ الحالِ كَما في: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، وقَوْلِهِمْ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ كَذا، أيْ: أعْزِمُ عَلَيْكَ، ومِثْلَ ما في صِيَغِ العُقُودِ: كَبِعْتُ وهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢]) والمَعْنى: هَدْيُكم، فَأنْذَرْتُكم إبْلاغًا في الهُدى.
وتَنْكِيرُ (نارًا) لِلتَّهْوِيلِ، وجُمْلَةُ (تَلَظّى) نَعْتٌ. و(تَلَظّى): تَلْتَهِبُ مِن شِدَّةِ الِاشْتِعالِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّظى مَصْدَرِ: لَظِيَتِ النّارُ كَرَضِيَتْ، إذا التَهَبَتْ، وأصْلُ (تَلَظّى): تَتَلَظّى بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ إحْداهُما لِلِاخْتِصارِ.
صفحة ٣٩٠
وجُمْلَةُ (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ مِن (نارًا) بَعْدَ أنْ وُصِفَتْ. وهَذِهِ نارٌ خاصَّةٌ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ فَهي الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]) والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) الآيَةَ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ أبا إسْحاقَ الزَّجّاجَ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي مِن أجْلِها قالَ أهْلُ الإرْجاءِ بِالإرْجاءِ فَزَعَمُوا: أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ إلّا كافِرٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنُّوا: هَذِهِ نارٌ مَوْصُوفَةٌ بِعَيْنِها لا يَصْلى هَذِهِ النّارَ إلّا الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى، ولِأهْلِ النّارِ مَنازِلُ فَمِنها أنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ اهـ.
والمَعْنى: لا يَصْلاها إلّا أنْتُمْ.
وقَدْ أُتْبِعَ (الأشْقى) بِصِفَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) لِزِيادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ بِذَلِكَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ وتَوَلَّوْا، أيْ: أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وقَدِ انْحَصَرَ ذَلِكَ الوَصْفُ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في زَمَنِ ظُهُورِ الإسْلامِ أحَدَ فَرِيقَيْنِ: إمّا كافِرٌ، وإمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، ولَمْ يَكُنِ الَّذِينَ أسْلَمُوا يَغْشَوْنَ الكَبائِرَ لِأنَّهم أقْبَلُوا عَلى الإسْلامِ بِشَراشِرِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾) إلَخْ؛ تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ وتَكْمِيلًا لِلْمُقابَلَةِ.
والأشْقى والأتْقى مُرادٌ بِهِما: الشَّدِيدُ الشَّقاءِ والشَّدِيدُ التَّقْوى ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ: أنَّ مالِكًا قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَقَرَأ (﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]) فَلَمّا بَلَغَ (﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾) وقَعَ عَلَيْهِ البُكاءُ فَلَمْ يَقْدِرْ يَتَعَدّاها مِنَ البُكاءِ، فَتَرَكَها وقَرَأ سُورَةً أُخْرى.
ووَصْفُ الأشْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) ووَصْفُ الأتْقى بِصِلَةِ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) لِلْإيذانِ بِأنَّ لِلصِّلَةِ تَسَبُّبًا في الحُكْمِ.
وبَيْنَ (الأشْقى) و(الأتْقى) مُحَسِّنُ الجِناسِ المُضارِعِ.
صفحة ٣٩١
وجُمْلَةُ (يَتَزَكّى) حالٌ مِن ضَمِيرِ (يُؤْتِي)، وفائِدَةُ الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يُؤْتِي مالَهُ بِقَصْدِ النَّفْعِ والزِّيادَةِ مِنَ الثَّوابِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ يُؤْتُونَ المالَ لِلْفَخْرِ والرِّياءِ والمَفاسِدِ والفُجُورِ.
والتَّزَكِّي: تَكَلُّفُ الزَّكاءِ، وهو النَّماءُ مِنَ الخَيْرِ.
والمالُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يَخْتَصُّ بِهِ أحَدُ النّاسِ مِن أشْياءَ يَنْتَفِعُ بِذاتِها أوْ بِخَراجِها وغَلَّتِها مِثْلَ الأنْعامِ والأرْضِينَ والآبارِ الخاصَّةِ والأشْجارِ المُخْتَصِّ بِهِ أرْبابُها.
ويُطْلَقُ عِنْدَ بَعْضِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ يَثْرِبَ عَلى النَّخِيلِ.
ولَيْسَ في إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ ما يُفِيدُ العُمُومَ، فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ آتى جَمِيعَ مالِهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) الآيَةَ، اتَّفَقَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهَذِهِ الصِّلَةِ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا أعْتَقَ بِلالًا قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ. وهو قَوْلٌ مِن بُهْتانِهِمْ يُعَلِّلُونَ بِهِ أنْفُسَهم كَراهِيَةً لِأنْ يَكُونَ أبُو بَكْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ مَحَبَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وما لِأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾) مُرادًا بِهِ بَعْضُ مَن شَمِلَهُ عُمُومُ (﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾) وهَذا شَبِيهٌ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ وهو لا يُخَصِّصُ العُمُومَ، ولَكِنَّ هَذِهِ لَمّا كانَتْ حالَةً غَيْرَ كَثِيرَةٍ في أسْبابِ إيتاءِ المالِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِها حالَةٌ خاصَّةٌ مَعْرُوفَةٌ بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧]) وقَوْلِهِ: (﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]) .
و(عِنْدَهُ) ظَرْفُ مَكانٍ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في تَمَكُّنِ المَعْنى مِنَ المُضافِ إلَيْهِ عَنْهُ كَتَمَكُّنِ الكائِنِ في المَكانِ القَرِيبِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَـيْرِ آيا تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ
و(مِن نِعْمَةٍ) اسْمُ (ما) النّافِيَةِ جُرَّ بِـ (مِن) الزّائِدَةِ الَّتِي تُزادُ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ﴾) مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ.
صفحة ٣٩٢
والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ بِجِدٍّ لِأنَّهُ أبْلَغُ مِنَ البَغْيِ.
والوَجْهُ مُسْتَعْمَلٌ مُرادًا بِهِ الذّاتُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]) ومَعْنى ابْتِغاءِ الذّاتِ ابْتِغاءُ رِضى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾) وعْدٌ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ الَّذِي يُرْضِي صاحِبَهُ. وهَذا تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: (﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾)؛ لِأنَّ ذَلِكَ ما أفادَ إلّا أنَّهُ ناجٍ مِن عَذابِ النّارِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاقْتِصارَ عَلى ذَلِكَ لِقَصْدِ المُقابَلَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾) فَتَمَّمَ هُنا بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْراتِ.
وحَرْفُ (سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ في المُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) أيْ: يَتَغَلْغَلُ رِضاهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ المَدِيدِ.
واللّامُ لامُ الِابْتِداءِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
وهَذِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّها يَنْدَرِجُ تَحْتَها كُلُّ ما يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ. وبِهَذِهِ السُّورَةِ انْتَهَتْ سُوَرُ وسَطِ المُفَصَّلِ.
* * *
صفحة ٣٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الضُّحى) بِدُونِ الواوِ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والضُّحى) بِإثْباتِ الواوِ.
ولَمْ يَبْلُغْنا عَنِ الصَّحابَةِ خَبَرٌ صَحِيحٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وسَبَبُ نُزُولِها ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ قالَ: ”«دَمِيَتْ إصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاشْتَكى، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَجاءَتِ امْرَأةٌ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ شَيْطانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أرَهُ قَرَبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ:“ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ فَدَمِيَتْ إصْبَعُهُ فَقالَ:
هَلْ أنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيتِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ
. قالَ: فَأبْطَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى»: ٣]) . وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَ أُمِّ جَمِيلٍ لَمْ يَسْمَعْهُ جُنْدُبٌ؛ لِأنَّ جُنْدُبًا كانَ مِن صِغارِ الصَّحابَةِ، وكانَ يَرْوِي عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَنْ حُذَيْفَةَ كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ولَعَلَّهُ أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: ”«كُنْتُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في غارٍ» “ مُقارِنًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ:
صفحة ٣٩٤
”وقَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ“ . ولَعَلَّ جُنْدُبًا رَوى حَدِيثَيْنِ جَمَعَهُما ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ ”في غارٍ“ تَصْحِيفٌ، وأنَّ أصْلَها: ”كُنْتُ غازِيًا“ . ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ جَمَعَ حَدِيثَيْنِ.
وعُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِراحِ.
وعَدَدُ آيِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً.
وهِيَ أوَّلُ سُورَةٍ في قِصارِ المُفَصَّلِ.
* * *
إبْطالُ قَوْلِ المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ ما يَأْتِي مِنَ الوَحْيِ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ.
وزادَهُ بِشارَةً بِأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الأُولى عَلى مَعْنَيَيْنِ في الآخِرَةِ والأُولى، وأنَّهُ سَيُعْطِيهِ رَبُّهُ ما فِيهِ رِضاهُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِما حَفَّهُ بِهِ مِن ألْطافِهِ وعِنايَتِهِ في صِباهُ وفي فُتُوَّتِهِ وفي وقْتِ اكْتِهالِهِ، وأمَرَهُ بِالشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ بِما يُناسِبُها مِن نَفْعٍ لِعَبِيدِهِ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلُهُ.
الضحى 93:1
﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ الوَحْيَ انْقَطَعَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ رَأوْهُ لَمْ يَقُمِ اللَّيْلَ بِالقُرْآنِ بِضْعَ لَيالٍ، فالتَّأْكِيدُ مُنْصَبٌّ عَلى التَّعْرِيضِ المُعَرَّضِ بِهِ لِإبْطالِ دَعْوى المُشْرِكِينَ، فالتَّأْكِيدُ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلا يَتَرَدَّدُ في وُقُوعِ ما يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ (الضُّحى واللَّيْلِ) أنَّ الضُّحى وقْتُ انْبِثاقِ نُورِ الشَّمْسِ فَهو إيماءٌ إلى تَمْثِيلِ نُزُولِ الوَحْيِ وحُصُولِ الِاهْتِداءِ بِهِ، وأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ قِيامِ
صفحة ٣٩٥
النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ وهو الوَقْتُ الَّذِي كانَ يَسْمَعُ فِيهِ المُشْرِكُونَ قِراءَتَهُ مِن بُيُوتِهِمُ القَرِيبَةِ مِن بَيْتِهِ أوْ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
ولِذَلِكَ قُيِّدَ اللَّيْلُ بِظَرْفِ (﴿إذا سَجى﴾) . فَلَعَلَّ ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى: (﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣]) .
والضُّحى تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) .
وكُتِبَ في المُصْحَفِ (والضُّحى) بِألِفٍ في صُورَةِ الياءِ مَعَ أنَّ أصْلَ ألِفِهِ الواوُ؛ لِأنَّهم راعَوُا المُناسَبَةَ مَعَ أكْثَرِ الكَلِماتِ المَخْتُومَةِ بِألِفٍ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنَّ أكْثَرَها مُنْقَلِبَةُ الألِفِ عَنِ الياءِ، ولِأنَّ الألِفَ تَجْرِي فِيها الإمالَةُ في اللُّغاتِ الَّتِي تُمِيلُ الألِفَ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ لا تُمالَ إذا وقَعَتْ مَعَ ألِفٍ تُمالُ لِلْمُناسَبَةِ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ كافِيَتِهِ.
ويُقالُ: سَجا اللَّيْلُ سَجْوًا بِفَتْحٍ وسُكُونٍ، وسُجُوًّا بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ الواوِ، إذا امْتَدَّ وطالَ مُدَّةُ ظَلامِهِ مِثْلَ سَجْوِ المَرْءِ بِالغِطاءِ، إذا غُطِّيَ بِهِ جَمِيعُ جَسَدِهِ، وهو واوِيٌّ ورُسِمَ في المُصْحَفِ بِألِفٍ في صُورَةِ الياءِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في كِتابَةِ (الضُّحى) .
وجُمْلَةُ (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾) إلَخْ، جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ إذا كانَ جُمْلَةً مَنفِيَّةً لَمْ تَقْتَرِنْ بِاللّامِ.
والتَّوْدِيعُ: تَحِيَّةُ مَن يُرِيدُ السَّفَرَ.
واسْتُعِيرَ في الآيَةِ لِلْمُفارَقَةِ بَعْدَ الِاتِّصالِ تَشْبِيهًا بِفِراقِ المُسافِرِ في انْقِطاعِ الصِّلَةِ حَيْثُ شَبَّهَ انْقِطاعَ صِلَةِ الكَلامِ بِانْقِطاعِ صِلَةِ الإقامَةِ، والقَرِينَةُ إسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ الَّذِي لا يَتَّصِلُ بِالنّاسِ اتِّصالًا مَعْهُودًا.
وهَذا نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ اللَّهُ قَطَعَ عَنْهُ الوَحْيَ.
وقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ (﴿وما قَلى﴾) لِلْإتْيانِ عَلى إبْطالِ مَقالَتَيِ المُشْرِكِينَ إذْ قالَ بَعْضُهم: ودَّعَهُ رَبُّهُ، وقالَ بَعْضُهم: قَلاهُ رَبُّهُ، يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.
وجُمْلَةُ (﴿وما قَلى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ ولَها حُكْمُها.
صفحة ٣٩٦
والقَلْيُ (بِفَتْحِ القافِ مَعَ سُكُونِ اللّامِ) والقِلى (بِكَسْرِ القافِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ): البُغْضُ الشَّدِيدُ، وسَبَبُ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ فَتْرَةٍ ثانِيَةٍ فَتَرَ فِيها الوَحْيُ بَعْدَ الفَتْرَةِ الَّتِي نَزَلَتْ إثْرَها سُورَةُ المُدَّثِّرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ ”احْتَبَسَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ“ .
واحْتِباسُ الوَحْيِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقَعَ مَرَّتَيْنِ:
أُولاهُما قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ أوِ المُزَّمِّلِ، أيْ: بَعْدَ نُزُولِ سُورَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ أوْ ثَلاثٍ عَلى الخِلافِ في الأسْبَقِ مِن سُورَتَيِ المُزَّمِّلِ والمُدَّثِّرِ، وتِلْكَ الفَتْرَةُ هي الَّتِي خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الوَحْيُ. وهي الَّتِي رَأى عَقِبَها جِبْرِيلَ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مُدَّةَ انْقِطاعِ الوَحْيِ في الفَتْرَةِ الأُولى كانَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَمْ يَشْعُرْ بِها المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّها كانَتْ في مَبْدَأِ نُزُولِ الوَحْيِ قَبْلَ أنْ يَشِيعَ الحَدِيثُ بَيْنَهم فِيهِ وقَبْلَ أنْ يَقُومَ النَّبِيءُ ﷺ بِالقُرْآنِ لَيْلًا.
وثانِيَتُهُما: فَتْرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ نَحْوٍ مِن ثَمانِ سُوَرٍ، أيِ: السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْرَةِ الأُولى، فَتَكُونُ بَعْدَ تَجَمُّعِ عَشْرِ سُوَرٍ، وبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ فَيَتَوافَقُ ذَلِكَ مَعَ عَدَدِها في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.
والِاخْتِلافُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُضُوحِهِ لِلرُّواةِ، فالَّذِي نَظُنُّهُ أنَّ احْتِباسَ الوَحْيِ في هَذِهِ المَرَّةِ كانَ لِمُدَّةِ نَحْوٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وأنَّهُ ما كانَ إلّا لِلرِّفْقِ بِالنَّبِيءِ ﷺ كَيْ تَسْتَجِمَّ نَفْسُهُ وتَعْتادَ قُوَّتُهُ تَحَمُّلَ أعْباءِ الوَحْيِ، إذْ كانَتِ الفَتْرَةُ الأُولى أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ كانَتِ الثّانِيَةُ اثَّنى عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، فَيَكُونُ نُزُولُ سُورَةِ الضُّحى هو النُّزُولَ الثّالِثَ، وفي المَرَّةِ الثّالِثَةِ يَحْصُلُ الِارْتِياضُ في الأُمُورِ الشّاقَّةِ ولِذَلِكَ يَكْثُرُ الأمْرُ بِتَكَرُّرِ بَعْضِ الأعْمالِ ثَلاثًا، وبِهَذا الوَجْهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الأخْبارِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وسَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (قَلى) لِدَلالَةِ (ودَّعَكَ) عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٣٩٧
(﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]) وهو إيجازٌ لَفْظِيٌّ لِظُهُورِ المَحْذُوفِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: (فَآوى)، (فَهَدى)، (فَأغْنى) .
الضحى 93:2
﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ الوَحْيَ انْقَطَعَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ رَأوْهُ لَمْ يَقُمِ اللَّيْلَ بِالقُرْآنِ بِضْعَ لَيالٍ، فالتَّأْكِيدُ مُنْصَبٌّ عَلى التَّعْرِيضِ المُعَرَّضِ بِهِ لِإبْطالِ دَعْوى المُشْرِكِينَ، فالتَّأْكِيدُ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلا يَتَرَدَّدُ في وُقُوعِ ما يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ (الضُّحى واللَّيْلِ) أنَّ الضُّحى وقْتُ انْبِثاقِ نُورِ الشَّمْسِ فَهو إيماءٌ إلى تَمْثِيلِ نُزُولِ الوَحْيِ وحُصُولِ الِاهْتِداءِ بِهِ، وأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ قِيامِ
صفحة ٣٩٥
النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ وهو الوَقْتُ الَّذِي كانَ يَسْمَعُ فِيهِ المُشْرِكُونَ قِراءَتَهُ مِن بُيُوتِهِمُ القَرِيبَةِ مِن بَيْتِهِ أوْ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
ولِذَلِكَ قُيِّدَ اللَّيْلُ بِظَرْفِ (﴿إذا سَجى﴾) . فَلَعَلَّ ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى: (﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣]) .
والضُّحى تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) .
وكُتِبَ في المُصْحَفِ (والضُّحى) بِألِفٍ في صُورَةِ الياءِ مَعَ أنَّ أصْلَ ألِفِهِ الواوُ؛ لِأنَّهم راعَوُا المُناسَبَةَ مَعَ أكْثَرِ الكَلِماتِ المَخْتُومَةِ بِألِفٍ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنَّ أكْثَرَها مُنْقَلِبَةُ الألِفِ عَنِ الياءِ، ولِأنَّ الألِفَ تَجْرِي فِيها الإمالَةُ في اللُّغاتِ الَّتِي تُمِيلُ الألِفَ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ لا تُمالَ إذا وقَعَتْ مَعَ ألِفٍ تُمالُ لِلْمُناسَبَةِ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ كافِيَتِهِ.
ويُقالُ: سَجا اللَّيْلُ سَجْوًا بِفَتْحٍ وسُكُونٍ، وسُجُوًّا بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ الواوِ، إذا امْتَدَّ وطالَ مُدَّةُ ظَلامِهِ مِثْلَ سَجْوِ المَرْءِ بِالغِطاءِ، إذا غُطِّيَ بِهِ جَمِيعُ جَسَدِهِ، وهو واوِيٌّ ورُسِمَ في المُصْحَفِ بِألِفٍ في صُورَةِ الياءِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في كِتابَةِ (الضُّحى) .
وجُمْلَةُ (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾) إلَخْ، جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ إذا كانَ جُمْلَةً مَنفِيَّةً لَمْ تَقْتَرِنْ بِاللّامِ.
والتَّوْدِيعُ: تَحِيَّةُ مَن يُرِيدُ السَّفَرَ.
واسْتُعِيرَ في الآيَةِ لِلْمُفارَقَةِ بَعْدَ الِاتِّصالِ تَشْبِيهًا بِفِراقِ المُسافِرِ في انْقِطاعِ الصِّلَةِ حَيْثُ شَبَّهَ انْقِطاعَ صِلَةِ الكَلامِ بِانْقِطاعِ صِلَةِ الإقامَةِ، والقَرِينَةُ إسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ الَّذِي لا يَتَّصِلُ بِالنّاسِ اتِّصالًا مَعْهُودًا.
وهَذا نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ اللَّهُ قَطَعَ عَنْهُ الوَحْيَ.
وقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ (﴿وما قَلى﴾) لِلْإتْيانِ عَلى إبْطالِ مَقالَتَيِ المُشْرِكِينَ إذْ قالَ بَعْضُهم: ودَّعَهُ رَبُّهُ، وقالَ بَعْضُهم: قَلاهُ رَبُّهُ، يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.
وجُمْلَةُ (﴿وما قَلى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ ولَها حُكْمُها.
صفحة ٣٩٦
والقَلْيُ (بِفَتْحِ القافِ مَعَ سُكُونِ اللّامِ) والقِلى (بِكَسْرِ القافِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ): البُغْضُ الشَّدِيدُ، وسَبَبُ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ فَتْرَةٍ ثانِيَةٍ فَتَرَ فِيها الوَحْيُ بَعْدَ الفَتْرَةِ الَّتِي نَزَلَتْ إثْرَها سُورَةُ المُدَّثِّرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ ”احْتَبَسَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ“ .
واحْتِباسُ الوَحْيِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقَعَ مَرَّتَيْنِ:
أُولاهُما قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ أوِ المُزَّمِّلِ، أيْ: بَعْدَ نُزُولِ سُورَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ أوْ ثَلاثٍ عَلى الخِلافِ في الأسْبَقِ مِن سُورَتَيِ المُزَّمِّلِ والمُدَّثِّرِ، وتِلْكَ الفَتْرَةُ هي الَّتِي خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الوَحْيُ. وهي الَّتِي رَأى عَقِبَها جِبْرِيلَ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مُدَّةَ انْقِطاعِ الوَحْيِ في الفَتْرَةِ الأُولى كانَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَمْ يَشْعُرْ بِها المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّها كانَتْ في مَبْدَأِ نُزُولِ الوَحْيِ قَبْلَ أنْ يَشِيعَ الحَدِيثُ بَيْنَهم فِيهِ وقَبْلَ أنْ يَقُومَ النَّبِيءُ ﷺ بِالقُرْآنِ لَيْلًا.
وثانِيَتُهُما: فَتْرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ نَحْوٍ مِن ثَمانِ سُوَرٍ، أيِ: السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْرَةِ الأُولى، فَتَكُونُ بَعْدَ تَجَمُّعِ عَشْرِ سُوَرٍ، وبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ فَيَتَوافَقُ ذَلِكَ مَعَ عَدَدِها في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.
والِاخْتِلافُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُضُوحِهِ لِلرُّواةِ، فالَّذِي نَظُنُّهُ أنَّ احْتِباسَ الوَحْيِ في هَذِهِ المَرَّةِ كانَ لِمُدَّةِ نَحْوٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وأنَّهُ ما كانَ إلّا لِلرِّفْقِ بِالنَّبِيءِ ﷺ كَيْ تَسْتَجِمَّ نَفْسُهُ وتَعْتادَ قُوَّتُهُ تَحَمُّلَ أعْباءِ الوَحْيِ، إذْ كانَتِ الفَتْرَةُ الأُولى أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ كانَتِ الثّانِيَةُ اثَّنى عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، فَيَكُونُ نُزُولُ سُورَةِ الضُّحى هو النُّزُولَ الثّالِثَ، وفي المَرَّةِ الثّالِثَةِ يَحْصُلُ الِارْتِياضُ في الأُمُورِ الشّاقَّةِ ولِذَلِكَ يَكْثُرُ الأمْرُ بِتَكَرُّرِ بَعْضِ الأعْمالِ ثَلاثًا، وبِهَذا الوَجْهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الأخْبارِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وسَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (قَلى) لِدَلالَةِ (ودَّعَكَ) عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٣٩٧
(﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]) وهو إيجازٌ لَفْظِيٌّ لِظُهُورِ المَحْذُوفِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: (فَآوى)، (فَهَدى)، (فَأغْنى) .
الضحى 93:3
﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ .
القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ الوَحْيَ انْقَطَعَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ رَأوْهُ لَمْ يَقُمِ اللَّيْلَ بِالقُرْآنِ بِضْعَ لَيالٍ، فالتَّأْكِيدُ مُنْصَبٌّ عَلى التَّعْرِيضِ المُعَرَّضِ بِهِ لِإبْطالِ دَعْوى المُشْرِكِينَ، فالتَّأْكِيدُ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، وأمّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلا يَتَرَدَّدُ في وُقُوعِ ما يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِـ (الضُّحى واللَّيْلِ) أنَّ الضُّحى وقْتُ انْبِثاقِ نُورِ الشَّمْسِ فَهو إيماءٌ إلى تَمْثِيلِ نُزُولِ الوَحْيِ وحُصُولِ الِاهْتِداءِ بِهِ، وأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ قِيامِ
صفحة ٣٩٥
النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ وهو الوَقْتُ الَّذِي كانَ يَسْمَعُ فِيهِ المُشْرِكُونَ قِراءَتَهُ مِن بُيُوتِهِمُ القَرِيبَةِ مِن بَيْتِهِ أوْ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
ولِذَلِكَ قُيِّدَ اللَّيْلُ بِظَرْفِ (﴿إذا سَجى﴾) . فَلَعَلَّ ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى: (﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣]) .
والضُّحى تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]) .
وكُتِبَ في المُصْحَفِ (والضُّحى) بِألِفٍ في صُورَةِ الياءِ مَعَ أنَّ أصْلَ ألِفِهِ الواوُ؛ لِأنَّهم راعَوُا المُناسَبَةَ مَعَ أكْثَرِ الكَلِماتِ المَخْتُومَةِ بِألِفٍ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنَّ أكْثَرَها مُنْقَلِبَةُ الألِفِ عَنِ الياءِ، ولِأنَّ الألِفَ تَجْرِي فِيها الإمالَةُ في اللُّغاتِ الَّتِي تُمِيلُ الألِفَ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ لا تُمالَ إذا وقَعَتْ مَعَ ألِفٍ تُمالُ لِلْمُناسَبَةِ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ كافِيَتِهِ.
ويُقالُ: سَجا اللَّيْلُ سَجْوًا بِفَتْحٍ وسُكُونٍ، وسُجُوًّا بِضَمَّتَيْنِ وتَشْدِيدِ الواوِ، إذا امْتَدَّ وطالَ مُدَّةُ ظَلامِهِ مِثْلَ سَجْوِ المَرْءِ بِالغِطاءِ، إذا غُطِّيَ بِهِ جَمِيعُ جَسَدِهِ، وهو واوِيٌّ ورُسِمَ في المُصْحَفِ بِألِفٍ في صُورَةِ الياءِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في كِتابَةِ (الضُّحى) .
وجُمْلَةُ (﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾) إلَخْ، جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ إذا كانَ جُمْلَةً مَنفِيَّةً لَمْ تَقْتَرِنْ بِاللّامِ.
والتَّوْدِيعُ: تَحِيَّةُ مَن يُرِيدُ السَّفَرَ.
واسْتُعِيرَ في الآيَةِ لِلْمُفارَقَةِ بَعْدَ الِاتِّصالِ تَشْبِيهًا بِفِراقِ المُسافِرِ في انْقِطاعِ الصِّلَةِ حَيْثُ شَبَّهَ انْقِطاعَ صِلَةِ الكَلامِ بِانْقِطاعِ صِلَةِ الإقامَةِ، والقَرِينَةُ إسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ الَّذِي لا يَتَّصِلُ بِالنّاسِ اتِّصالًا مَعْهُودًا.
وهَذا نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ اللَّهُ قَطَعَ عَنْهُ الوَحْيَ.
وقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ (﴿وما قَلى﴾) لِلْإتْيانِ عَلى إبْطالِ مَقالَتَيِ المُشْرِكِينَ إذْ قالَ بَعْضُهم: ودَّعَهُ رَبُّهُ، وقالَ بَعْضُهم: قَلاهُ رَبُّهُ، يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.
وجُمْلَةُ (﴿وما قَلى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ ولَها حُكْمُها.
صفحة ٣٩٦
والقَلْيُ (بِفَتْحِ القافِ مَعَ سُكُونِ اللّامِ) والقِلى (بِكَسْرِ القافِ مَعَ فَتْحِ اللّامِ): البُغْضُ الشَّدِيدُ، وسَبَبُ مَقالَةِ المُشْرِكِينَ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ فَتْرَةٍ ثانِيَةٍ فَتَرَ فِيها الوَحْيُ بَعْدَ الفَتْرَةِ الَّتِي نَزَلَتْ إثْرَها سُورَةُ المُدَّثِّرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ ”احْتَبَسَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ“ .
واحْتِباسُ الوَحْيِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقَعَ مَرَّتَيْنِ:
أُولاهُما قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ أوِ المُزَّمِّلِ، أيْ: بَعْدَ نُزُولِ سُورَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ أوْ ثَلاثٍ عَلى الخِلافِ في الأسْبَقِ مِن سُورَتَيِ المُزَّمِّلِ والمُدَّثِّرِ، وتِلْكَ الفَتْرَةُ هي الَّتِي خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الوَحْيُ. وهي الَّتِي رَأى عَقِبَها جِبْرِيلَ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مُدَّةَ انْقِطاعِ الوَحْيِ في الفَتْرَةِ الأُولى كانَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَمْ يَشْعُرْ بِها المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّها كانَتْ في مَبْدَأِ نُزُولِ الوَحْيِ قَبْلَ أنْ يَشِيعَ الحَدِيثُ بَيْنَهم فِيهِ وقَبْلَ أنْ يَقُومَ النَّبِيءُ ﷺ بِالقُرْآنِ لَيْلًا.
وثانِيَتُهُما: فَتْرَةٌ بَعْدَ نُزُولِ نَحْوٍ مِن ثَمانِ سُوَرٍ، أيِ: السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْرَةِ الأُولى، فَتَكُونُ بَعْدَ تَجَمُّعِ عَشْرِ سُوَرٍ، وبِذَلِكَ تَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ حادِيَةَ عَشْرَةَ فَيَتَوافَقُ ذَلِكَ مَعَ عَدَدِها في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ.
والِاخْتِلافُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُضُوحِهِ لِلرُّواةِ، فالَّذِي نَظُنُّهُ أنَّ احْتِباسَ الوَحْيِ في هَذِهِ المَرَّةِ كانَ لِمُدَّةِ نَحْوٍ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وأنَّهُ ما كانَ إلّا لِلرِّفْقِ بِالنَّبِيءِ ﷺ كَيْ تَسْتَجِمَّ نَفْسُهُ وتَعْتادَ قُوَّتُهُ تَحَمُّلَ أعْباءِ الوَحْيِ، إذْ كانَتِ الفَتْرَةُ الأُولى أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ كانَتِ الثّانِيَةُ اثَّنى عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَها، فَيَكُونُ نُزُولُ سُورَةِ الضُّحى هو النُّزُولَ الثّالِثَ، وفي المَرَّةِ الثّالِثَةِ يَحْصُلُ الِارْتِياضُ في الأُمُورِ الشّاقَّةِ ولِذَلِكَ يَكْثُرُ الأمْرُ بِتَكَرُّرِ بَعْضِ الأعْمالِ ثَلاثًا، وبِهَذا الوَجْهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الأخْبارِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وسَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ (قَلى) لِدَلالَةِ (ودَّعَكَ) عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٣٩٧
(﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]) وهو إيجازٌ لَفْظِيٌّ لِظُهُورِ المَحْذُوفِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: (فَآوى)، (فَهَدى)، (فَأغْنى) .
الضحى 93:4
﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (والضُّحى) فَهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ بِهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الِابْتِدائِيَّةِ، ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ بَلْ هي ابْتِدائِيَّةٌ فَلَمّا نُفِيَ القِلى بُشِّرَ بِأنَّ آخِرَتَهُ خَيْرٌ مِن أُولاهُ، وأنَّ عاقِبَتَهُ أحْسَنُ مِن بَدْأتِهِ، وأنَّ اللَّهَ خاتِمٌ
وما في تَعْرِيفِ (الآخِرَةَ) و(الأُولى) مِنَ التَّعْمِيمِ يَجْعَلُ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَعْنى التَّذْيِيلِ الشّامِلِ لِاسْتِمْرارِ الوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ.
والآخِرَةُ: مُؤَنَّثُ الآخِرِ، والأُولى: مُؤَنَّثُ الأوَّلِ، وغَلَبَ لَفْظُ الآخِرَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى الحَياةِ الآخِرَةِ وعَلى الدّارِ الآخِرَةِ كَما غَلَبَ لَفْظُ الأُولى عَلى حَياةِ النّاسِ الَّتِي قَبْلَ انْخِرامِ هَذا العالَمِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا مِن كِلا اللَّفْظَيْنِ كِلا مَعْنَيَيْهِ فَيُفِيدُ أنَّ الحَياةَ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ مِن هَذِهِ الحَياةِ العاجِلَةِ تَبْشِيرًا لَهُ بِالخَيْراتِ الأبَدِيَّةِ، ويُفِيدُ أنَّ حالاتِهِ تَجْرِي عَلى الِانْتِقالِ مِن حالَةٍ إلى أحْسَنَ مِنها، فَيَكُونُ تَأْنِيثُ الوَصْفَيْنِ جارِيًا عَلى حالَتَيِ التَّغْلِيبِ وحالَتَيِ التَّوْصِيفِ، ويَكُونُ التَّأْنِيثُ في هَذا المَعْنى الثّانِي لِمُراعاةِ مَعْنى الحالَةِ.
ويُومِئُ ذَلِكَ إلى أنَّ عَوْدَةَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ هَذِهِ المَرَّةَ خَيْرٌ مِنَ العَوْدَةِ الَّتِي سَبَقَتْ، أيْ: تَكَفَّلَ اللَّهُ بِأنْ لا يَنْقَطِعَ عَنْهُ نُزُولُ الوَحْيِ مِن بَعْدُ.
فاللّامُ في (الآخِرَةُ) و(الأُولى) لامُ الجِنْسِ، أيْ: كُلُّ آجِلِ أمْرِهِ هو خَيْرٌ مِن عاجِلِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا وفي الأُخْرى.
واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَكَ) لامُ الِاخْتِصاصِ، أيْ: خَيْرٌ مُخْتَصٌّ بِكَ وهو شامِلٌ لِكُلِّ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ في ذاتِهِ وفي دِينِهِ وفي أُمَّتِهِ، فَهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَنْشُرَ دِينَ الإسْلامِ وأنْ يُمَكِّنَ أُمَّتَهُ مِنَ الخَيْراتِ الَّتِي يَأْمُلُها النَّبِيءُ ﷺ لَهم. وقَدْ
صفحة ٣٩٨
رَوى الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوءَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عُرِضَ عَلَيَّ ما هو مَفْتُوحٌ لِأُمَّتِي بَعْدِي فَسَرَّنِي، فَأنْزَلُ اللَّهُ تَعالى (﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى»﴾) .
الضحى 93:5
﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ .
هُوَ كَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ القَسَمِ كُلِّها وحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ لِإفادَةِ أنَّ هَذا العَطاءَ المَوْعُودَ بِهِ مُسْتَمِرٌّ لا يَنْقَطِعُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ: (﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١]) في سُورَةِ اللَّيْلِ.
وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (يُعْطِيكَ) لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَرْجُوهُ ﷺ مِن خَيْرٍ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ، فَكانَ مُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْمِيمَ العَطاءِ كَما أفادَتِ الجُمْلَةُ قَبْلَها تَعْمِيمَ الأزْمِنَةِ.
وجِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في (فَتَرْضى) لِإفادَةِ كَوْنِ العَطاءِ عاجِلَ النَّفْعِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ رِضى المُعْطى عِنْدَ العَطاءِ فَلا يَتَرَقَّبُ أنْ يَحْصُلَ نَفْعُهُ بَعْدَ تَرَبُّصٍ.
وتَعْرِيفُ (رَبُّكَ) بِالإضافَةِ دُونَ اسْمِ اللَّهِ العَلَمِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ لَفْظُ (رَبُّ) مِنَ الرَّأْفَةِ واللُّطْفِ، ولِلتَّوَسُّلِ إلى إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإشْعارِ بِعِنايَتِهِ بِرَسُولِهِ وتَشْرِيفِهِ بِإضافَةِ (رَبُّ) إلى ضَمِيرِهِ.
وهُوَ وعْدٌ واسِعُ الشُّمُولِ لِما أُعْطِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ بِأعْدائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا وما فُتِحَ عَلى الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ ومَن بَعْدَهم مِن أقْطارِ الأرْضِ شَرْقًا وغَرْبًا.
واعْلَمْ أنَّ اللّامَ في (﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [الضحى: ٤]) وفي (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾) جَزَمَ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّهُ لامُ الِابْتِداءِ وقَدَّرَ مُبْتَدَأً مَحْذُوفًا. والتَّقْدِيرُ: ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ. وقالَ: إنَّ لامَ القَسَمِ لا تَدْخَلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ، وحَيْثُ تَعَيَّنَ أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ ولامُ الِابْتِداءِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى جُمْلَةٍ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ المُبْتَدَأِ. واخْتارَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّ اللّامَ في (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾) لامُ التَّوْكِيدِ (يَعْنِي: لامَ وُجُوبِ القَسَمِ) . ووافَقَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ. وأشْعَرَ كَلامُهُ
صفحة ٣٩٩
أنَّ وُجُودَ حَرْفِ التَّنْفِيسِ مانِعٌ مِن لَحاقِ نُونِ التَّوْكِيدِ ولِذَلِكَ تَجِبُ اللّامُ في الجُمْلَةِ. وأقُولُ: في كَوْنِ وُجُودِ حَرْفِ التَّنْفِيسِ يُوجِبُ كَوْنَ اللّامِ لامَ جَوابِ قَسَمٍ مَحَلُّ نَظَرٍ.
الضحى 93:6
﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ .
اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ الدَّلِيلِ عَلى تَحَقُّقِ الوَعْدِ، أيْ: هو وعْدٌ جارٍ عَلى سَنَنِ ما سَبَقَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِكَ مِن مَبْدَأِ نَشْأتِكَ ولُطْفِهِ في الشَّدائِدِ بِاطِّرادٍ بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الصُّدَفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصُّدَفِ أنْ لا تَتَكَرَّرَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ اطِّرادَ ذَلِكَ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى.
والمَقْصُودُ مِن هَذا إيقاعُ اليَقِينِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ قِياسًا عَلى ما ذَكَّرَهُ بِهِ مِن مُلازَمَةِ لُطْفِهِ بِهِ فِيما مَضى وهم لا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ عَسى أنْ يُقْلِعُوا عَنِ العِنادِ ويُسْرِعُوا إلى الإيمانِ، وإلّا فَإنَّ ذَلِكَ مَساءَةٌ تَبْقى في نُفُوسِهِمْ وأشْباحُ رُعْبٍ تُخالِجُ خَواطِرَهم. ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ المَقْصُودِ امْتِنانٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وتَقْوِيَةٌ لِاطْمِئْنانِ نَفْسِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وفِعْلُ (يَجِدْكَ) مُضارِعُ (وجَدَ) بِمَعْنى ألْفى وصادَفَ، وهو الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ومَفْعُولُهُ ضَمِيرُ المُخاطَبِ. و(يَتِيمًا) حالٌ، وكَذَلِكَ (ضالًّا) و(عائِلًا) . والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالَةِ تَيْسِيرِ المَنافِعِ لِلَّذِي تَعَسَّرَتْ عَلَيْهِ بِحالَةِ مَن وجَدَ شَخْصًا في شِدَّةٍ يَتَطَلَّعُ إلى مَن يُعِينُهُ أوْ يُغِيثُهُ.
واليَتِيمُ: الصَّبِيُّ الَّذِي ماتَ أبُوهُ، وقَدْ كانَ أبُو النَّبِيءِ ﷺ تُوُفِّيَ وهو جَنِينٌ أوْ في أوَّلِ المُدَّةِ مِن وِلادَتِهِ.
والإيواءُ: مَصْدَرُ أوى إلى البَيْتِ، إذا رَجَعَ إلَيْهِ، فالإيواءُ: الإرْجاعُ إلى المَسْكَنِ، فَهَمْزَتُهُ الأُولى هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلَهُ آوِيًا، وقَدْ أُطْلِقَ الإيواءُ عَلى الكَفالَةِ وكِفايَةِ الحاجَةِ مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً، فالمَعْنى: أنْشَأكَ عَلى كَمالِ الإدْراكِ والِاسْتِقامَةِ وكُنْتَ عَلى تَرْبِيَةٍ كامِلَةٍ مَعَ أنَّ شَأْنَ الأيْتامِ أنْ يَنْشَئُوا عَلى نَقائِصَ لِأنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يُعْنى بِتَهْذِيبِهِمْ وتَعَهُّدِ أحْوالِهِمُ الخُلُقِيَّةِ. وفي الحَدِيثِ: ”«أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي» “، فَكانَ تَكْوِينُ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ عَلى الكَمالِ خَيْرًا مِن تَرْبِيَةِ الأبَوَيْنِ.
صفحة ٤٠٠
والضَّلالُ: عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ سَواءٌ سَلَكَ السّائِرُ طَرِيقًا آخَرَ يُبْلِغُ إلى غَيْرِ المَقْصُودِ أمْ وقَفَ حائِرًا لا يَعْرِفُ أيَّ طَرِيقٍ يَسْلُكُ، وهو المَقْصُودُ هُنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أنَّكَ كُنْتَ في حَيْرَةٍ مِن حالِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَوْمِكَ، فَأراكَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَحْمُودٍ وكَرَّهَهُ إلَيْكَ ولا تَدْرِي ماذا تَتَّبِعُ مِنَ الحَقِّ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أنْشَأ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما أرادَ مِن إعْدادِهِ لِتَلَقِّي الرِّسالَةِ في الإبّانِ، ألْهَمَهُ أنَّ ما عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّرْكِ خَطَأٌ وألْقى في نَفْسِهِ طَلَبَ الوُصُولِ إلى الحَقِّ لِيَتَهَيَّأ بِذَلِكَ لِقَبُولِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّلالِ هُنا اتِّباعَ الباطِلِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الإشْراكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ بِاتِّفاقِ عُلَمائِنا، وإنَّما اخْتَلَفُوا في عِصْمَتِهِمْ مِن نَوْعِ الذُّنُوبِ الفَواحِشِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ الشَّرائِعُ في كَوْنِها فَواحِشَ وبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّنافِي بَيْنَ اعْتِبارِ الفِعْلِ فاحِشَةً وبَيْنَ الخُلُوِّ عَنْ وُجُودِ شَرِيعَةٍ قَبْلَ النُّبُوءَةِ، فَإنَّ المُحَقِّقِينَ مِن أصْحابِنا نَزَّهُوهم عَنْ ذَلِكَ، والمُعْتَزِلَةُ مَنَعُوا ذَلِكَ بِناءً عَلى اعْتِبارِ دَلِيلِ العَقْلِ كافِيًا في قُبْحِ الفَواحِشِ عَلى إرْسالِ كَلامِهِمْ في ضابِطِ دَلالَةِ العَقْلِ. ولَمْ يَخْتَلِفْ أصْحابُنا أنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما يُنافِي أُصُولَ الدِّينِ قَبْلَ رِسالَتِهِ ولَمْ يَزَلْ عُلَماؤُنا يَجْعَلُونَ ما تَواتَرَ مِن حالِ اسْتِقامَتِهِ ونَزاهَتِهِ عَنِ الرَّذائِلِ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ دَلِيلًا مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِهِ، بَلْ قَدْ شافَهَ القُرْآنُ بِهِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]) وقَوْلِهِ: (﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩]) ولِأنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْحَمُوا النَّبِيءَ ﷺ فِيما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِن مَساوِي أعْمالِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: فَقَدْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَنا.
والعائِلُ: الَّذِي لا مالَ لَهُ، والفَقْرُ يُسَمّى عَيْلَةً، قالَ تَعالى: (﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]) وقَدْ أغْناهُ اللَّهُ غِناءَيْنِ: أعْظَمُهُما غِنى القَلْبِ إذْ ألْقى في قَلْبِهِ قِلَّةَ الِاهْتِمامِ بِالدُّنْيا، وغِنى المالِ حِينَ ألْهَمَ خَدِيجَةَ مُقارَضَتَهُ في تِجارَتِها.
وحُذِفَتْ مَفاعِيلُ (فَآوى، فَهَدى، فَأغْنى) لِلْعِلْمِ بِها مِن ضَمائِرِ الخِطابِ قَبْلَها، وحَذْفُها إيجازٌ، وفِيهِ رِعايَةٌ عَلى الفَواصِلِ.
الضحى 93:7
﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ .
اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ الدَّلِيلِ عَلى تَحَقُّقِ الوَعْدِ، أيْ: هو وعْدٌ جارٍ عَلى سَنَنِ ما سَبَقَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِكَ مِن مَبْدَأِ نَشْأتِكَ ولُطْفِهِ في الشَّدائِدِ بِاطِّرادٍ بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الصُّدَفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصُّدَفِ أنْ لا تَتَكَرَّرَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ اطِّرادَ ذَلِكَ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى.
والمَقْصُودُ مِن هَذا إيقاعُ اليَقِينِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ قِياسًا عَلى ما ذَكَّرَهُ بِهِ مِن مُلازَمَةِ لُطْفِهِ بِهِ فِيما مَضى وهم لا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ عَسى أنْ يُقْلِعُوا عَنِ العِنادِ ويُسْرِعُوا إلى الإيمانِ، وإلّا فَإنَّ ذَلِكَ مَساءَةٌ تَبْقى في نُفُوسِهِمْ وأشْباحُ رُعْبٍ تُخالِجُ خَواطِرَهم. ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ المَقْصُودِ امْتِنانٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وتَقْوِيَةٌ لِاطْمِئْنانِ نَفْسِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وفِعْلُ (يَجِدْكَ) مُضارِعُ (وجَدَ) بِمَعْنى ألْفى وصادَفَ، وهو الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ومَفْعُولُهُ ضَمِيرُ المُخاطَبِ. و(يَتِيمًا) حالٌ، وكَذَلِكَ (ضالًّا) و(عائِلًا) . والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالَةِ تَيْسِيرِ المَنافِعِ لِلَّذِي تَعَسَّرَتْ عَلَيْهِ بِحالَةِ مَن وجَدَ شَخْصًا في شِدَّةٍ يَتَطَلَّعُ إلى مَن يُعِينُهُ أوْ يُغِيثُهُ.
واليَتِيمُ: الصَّبِيُّ الَّذِي ماتَ أبُوهُ، وقَدْ كانَ أبُو النَّبِيءِ ﷺ تُوُفِّيَ وهو جَنِينٌ أوْ في أوَّلِ المُدَّةِ مِن وِلادَتِهِ.
والإيواءُ: مَصْدَرُ أوى إلى البَيْتِ، إذا رَجَعَ إلَيْهِ، فالإيواءُ: الإرْجاعُ إلى المَسْكَنِ، فَهَمْزَتُهُ الأُولى هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلَهُ آوِيًا، وقَدْ أُطْلِقَ الإيواءُ عَلى الكَفالَةِ وكِفايَةِ الحاجَةِ مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً، فالمَعْنى: أنْشَأكَ عَلى كَمالِ الإدْراكِ والِاسْتِقامَةِ وكُنْتَ عَلى تَرْبِيَةٍ كامِلَةٍ مَعَ أنَّ شَأْنَ الأيْتامِ أنْ يَنْشَئُوا عَلى نَقائِصَ لِأنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يُعْنى بِتَهْذِيبِهِمْ وتَعَهُّدِ أحْوالِهِمُ الخُلُقِيَّةِ. وفي الحَدِيثِ: ”«أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي» “، فَكانَ تَكْوِينُ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ عَلى الكَمالِ خَيْرًا مِن تَرْبِيَةِ الأبَوَيْنِ.
صفحة ٤٠٠
والضَّلالُ: عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ سَواءٌ سَلَكَ السّائِرُ طَرِيقًا آخَرَ يُبْلِغُ إلى غَيْرِ المَقْصُودِ أمْ وقَفَ حائِرًا لا يَعْرِفُ أيَّ طَرِيقٍ يَسْلُكُ، وهو المَقْصُودُ هُنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أنَّكَ كُنْتَ في حَيْرَةٍ مِن حالِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَوْمِكَ، فَأراكَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَحْمُودٍ وكَرَّهَهُ إلَيْكَ ولا تَدْرِي ماذا تَتَّبِعُ مِنَ الحَقِّ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أنْشَأ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما أرادَ مِن إعْدادِهِ لِتَلَقِّي الرِّسالَةِ في الإبّانِ، ألْهَمَهُ أنَّ ما عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّرْكِ خَطَأٌ وألْقى في نَفْسِهِ طَلَبَ الوُصُولِ إلى الحَقِّ لِيَتَهَيَّأ بِذَلِكَ لِقَبُولِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّلالِ هُنا اتِّباعَ الباطِلِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الإشْراكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ بِاتِّفاقِ عُلَمائِنا، وإنَّما اخْتَلَفُوا في عِصْمَتِهِمْ مِن نَوْعِ الذُّنُوبِ الفَواحِشِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ الشَّرائِعُ في كَوْنِها فَواحِشَ وبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّنافِي بَيْنَ اعْتِبارِ الفِعْلِ فاحِشَةً وبَيْنَ الخُلُوِّ عَنْ وُجُودِ شَرِيعَةٍ قَبْلَ النُّبُوءَةِ، فَإنَّ المُحَقِّقِينَ مِن أصْحابِنا نَزَّهُوهم عَنْ ذَلِكَ، والمُعْتَزِلَةُ مَنَعُوا ذَلِكَ بِناءً عَلى اعْتِبارِ دَلِيلِ العَقْلِ كافِيًا في قُبْحِ الفَواحِشِ عَلى إرْسالِ كَلامِهِمْ في ضابِطِ دَلالَةِ العَقْلِ. ولَمْ يَخْتَلِفْ أصْحابُنا أنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما يُنافِي أُصُولَ الدِّينِ قَبْلَ رِسالَتِهِ ولَمْ يَزَلْ عُلَماؤُنا يَجْعَلُونَ ما تَواتَرَ مِن حالِ اسْتِقامَتِهِ ونَزاهَتِهِ عَنِ الرَّذائِلِ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ دَلِيلًا مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِهِ، بَلْ قَدْ شافَهَ القُرْآنُ بِهِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]) وقَوْلِهِ: (﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩]) ولِأنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْحَمُوا النَّبِيءَ ﷺ فِيما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِن مَساوِي أعْمالِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: فَقَدْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَنا.
والعائِلُ: الَّذِي لا مالَ لَهُ، والفَقْرُ يُسَمّى عَيْلَةً، قالَ تَعالى: (﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]) وقَدْ أغْناهُ اللَّهُ غِناءَيْنِ: أعْظَمُهُما غِنى القَلْبِ إذْ ألْقى في قَلْبِهِ قِلَّةَ الِاهْتِمامِ بِالدُّنْيا، وغِنى المالِ حِينَ ألْهَمَ خَدِيجَةَ مُقارَضَتَهُ في تِجارَتِها.
وحُذِفَتْ مَفاعِيلُ (فَآوى، فَهَدى، فَأغْنى) لِلْعِلْمِ بِها مِن ضَمائِرِ الخِطابِ قَبْلَها، وحَذْفُها إيجازٌ، وفِيهِ رِعايَةٌ عَلى الفَواصِلِ.
الضحى 93:8
﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ .
اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ الدَّلِيلِ عَلى تَحَقُّقِ الوَعْدِ، أيْ: هو وعْدٌ جارٍ عَلى سَنَنِ ما سَبَقَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِكَ مِن مَبْدَأِ نَشْأتِكَ ولُطْفِهِ في الشَّدائِدِ بِاطِّرادٍ بِحَيْثُ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الصُّدَفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الصُّدَفِ أنْ لا تَتَكَرَّرَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ اطِّرادَ ذَلِكَ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى.
والمَقْصُودُ مِن هَذا إيقاعُ اليَقِينِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ ما وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ قِياسًا عَلى ما ذَكَّرَهُ بِهِ مِن مُلازَمَةِ لُطْفِهِ بِهِ فِيما مَضى وهم لا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ عَسى أنْ يُقْلِعُوا عَنِ العِنادِ ويُسْرِعُوا إلى الإيمانِ، وإلّا فَإنَّ ذَلِكَ مَساءَةٌ تَبْقى في نُفُوسِهِمْ وأشْباحُ رُعْبٍ تُخالِجُ خَواطِرَهم. ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ المَقْصُودِ امْتِنانٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وتَقْوِيَةٌ لِاطْمِئْنانِ نَفْسِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وفِعْلُ (يَجِدْكَ) مُضارِعُ (وجَدَ) بِمَعْنى ألْفى وصادَفَ، وهو الَّذِي يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ ومَفْعُولُهُ ضَمِيرُ المُخاطَبِ. و(يَتِيمًا) حالٌ، وكَذَلِكَ (ضالًّا) و(عائِلًا) . والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالَةِ تَيْسِيرِ المَنافِعِ لِلَّذِي تَعَسَّرَتْ عَلَيْهِ بِحالَةِ مَن وجَدَ شَخْصًا في شِدَّةٍ يَتَطَلَّعُ إلى مَن يُعِينُهُ أوْ يُغِيثُهُ.
واليَتِيمُ: الصَّبِيُّ الَّذِي ماتَ أبُوهُ، وقَدْ كانَ أبُو النَّبِيءِ ﷺ تُوُفِّيَ وهو جَنِينٌ أوْ في أوَّلِ المُدَّةِ مِن وِلادَتِهِ.
والإيواءُ: مَصْدَرُ أوى إلى البَيْتِ، إذا رَجَعَ إلَيْهِ، فالإيواءُ: الإرْجاعُ إلى المَسْكَنِ، فَهَمْزَتُهُ الأُولى هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلَهُ آوِيًا، وقَدْ أُطْلِقَ الإيواءُ عَلى الكَفالَةِ وكِفايَةِ الحاجَةِ مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً، فالمَعْنى: أنْشَأكَ عَلى كَمالِ الإدْراكِ والِاسْتِقامَةِ وكُنْتَ عَلى تَرْبِيَةٍ كامِلَةٍ مَعَ أنَّ شَأْنَ الأيْتامِ أنْ يَنْشَئُوا عَلى نَقائِصَ لِأنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يُعْنى بِتَهْذِيبِهِمْ وتَعَهُّدِ أحْوالِهِمُ الخُلُقِيَّةِ. وفي الحَدِيثِ: ”«أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي» “، فَكانَ تَكْوِينُ نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ عَلى الكَمالِ خَيْرًا مِن تَرْبِيَةِ الأبَوَيْنِ.
صفحة ٤٠٠
والضَّلالُ: عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ سَواءٌ سَلَكَ السّائِرُ طَرِيقًا آخَرَ يُبْلِغُ إلى غَيْرِ المَقْصُودِ أمْ وقَفَ حائِرًا لا يَعْرِفُ أيَّ طَرِيقٍ يَسْلُكُ، وهو المَقْصُودُ هُنا؛ لِأنَّ المَعْنى: أنَّكَ كُنْتَ في حَيْرَةٍ مِن حالِ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَوْمِكَ، فَأراكَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَحْمُودٍ وكَرَّهَهُ إلَيْكَ ولا تَدْرِي ماذا تَتَّبِعُ مِنَ الحَقِّ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أنْشَأ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما أرادَ مِن إعْدادِهِ لِتَلَقِّي الرِّسالَةِ في الإبّانِ، ألْهَمَهُ أنَّ ما عَلَيْهِ قَوْمُهُ مِنَ الشِّرْكِ خَطَأٌ وألْقى في نَفْسِهِ طَلَبَ الوُصُولِ إلى الحَقِّ لِيَتَهَيَّأ بِذَلِكَ لِقَبُولِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّلالِ هُنا اتِّباعَ الباطِلِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الإشْراكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ بِاتِّفاقِ عُلَمائِنا، وإنَّما اخْتَلَفُوا في عِصْمَتِهِمْ مِن نَوْعِ الذُّنُوبِ الفَواحِشِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ الشَّرائِعُ في كَوْنِها فَواحِشَ وبِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ التَّنافِي بَيْنَ اعْتِبارِ الفِعْلِ فاحِشَةً وبَيْنَ الخُلُوِّ عَنْ وُجُودِ شَرِيعَةٍ قَبْلَ النُّبُوءَةِ، فَإنَّ المُحَقِّقِينَ مِن أصْحابِنا نَزَّهُوهم عَنْ ذَلِكَ، والمُعْتَزِلَةُ مَنَعُوا ذَلِكَ بِناءً عَلى اعْتِبارِ دَلِيلِ العَقْلِ كافِيًا في قُبْحِ الفَواحِشِ عَلى إرْسالِ كَلامِهِمْ في ضابِطِ دَلالَةِ العَقْلِ. ولَمْ يَخْتَلِفْ أصْحابُنا أنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما يُنافِي أُصُولَ الدِّينِ قَبْلَ رِسالَتِهِ ولَمْ يَزَلْ عُلَماؤُنا يَجْعَلُونَ ما تَواتَرَ مِن حالِ اسْتِقامَتِهِ ونَزاهَتِهِ عَنِ الرَّذائِلِ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ دَلِيلًا مِن جُمْلَةِ الأدِلَّةِ عَلى رِسالَتِهِ، بَلْ قَدْ شافَهَ القُرْآنُ بِهِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]) وقَوْلِهِ: (﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٩]) ولِأنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ أنَّ المُشْرِكِينَ أفْحَمُوا النَّبِيءَ ﷺ فِيما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِن مَساوِي أعْمالِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: فَقَدْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَنا.
والعائِلُ: الَّذِي لا مالَ لَهُ، والفَقْرُ يُسَمّى عَيْلَةً، قالَ تَعالى: (﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]) وقَدْ أغْناهُ اللَّهُ غِناءَيْنِ: أعْظَمُهُما غِنى القَلْبِ إذْ ألْقى في قَلْبِهِ قِلَّةَ الِاهْتِمامِ بِالدُّنْيا، وغِنى المالِ حِينَ ألْهَمَ خَدِيجَةَ مُقارَضَتَهُ في تِجارَتِها.
وحُذِفَتْ مَفاعِيلُ (فَآوى، فَهَدى، فَأغْنى) لِلْعِلْمِ بِها مِن ضَمائِرِ الخِطابِ قَبْلَها، وحَذْفُها إيجازٌ، وفِيهِ رِعايَةٌ عَلى الفَواصِلِ.
الضحى 93:9
صفحة ٤٠١
﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .
الفاءُ الأُولى فَصِيحَةٌ.
و(أمّا) تُفِيدُ شَرْطًا مُقَدَّرًا تَقْدِيرُهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، فَكانَ مُفادُها مُشْعِرًا بِشَرْطٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ هو الَّذِي اجْتُلِبَتْ لِأجْلِهِ فاءُ الفَصِيحَةِ، وتَقْدِيرُ نَظْمِ الكَلامِ: إذْ كُنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ وأقْرَرْتَ بِهِ، فَعَلَيْكَ بِشُكْرِ رَبِّكَ، وبَيَّنَ لَهُ الشُّكْرَ بِقَوْلِهِ: (﴿أمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾) إلَخْ.
وقَدْ جُعِلَ الشُّكْرُ هُنا مُناسِبًا لِلنِّعْمَةِ المَشْكُورِ عَلَيْها، وإنَّما اعْتُبِرَ تَقْدِيرُ: إذا أرَدْتَ الشُّكْرَ؛ لِأنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ تَنْساقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ بِدافِعِ المُرُوءَةِ في عُرْفِ النّاسِ، وصُدِّرَ الكَلامُ بِـ (أمّا) التَّفْصِيلِيَّةِ لِأنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ.
ولَمّا كانَتْ (أمّا) بِمَعْنى: ومَهْما يَكُنْ شَيْءٌ، قُرِنَ جَوابُها بِالفاءِ.
و(اليَتِيمَ) مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (﴿فَلا تَقْهَرْ﴾) . وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ ولِهَذا القَصْدِ لَمْ يُؤْتَ بِهِ مَرْفُوعًا، وقَدْ حَصَلَ مَعَ ذَلِكَ الوَفاءُ بِاسْتِعْمالِ جَوابِ (أمّا) أنْ يَكُونَ مَفْصُولًا عَنْ (أمّا) بِشَيْءٍ كَراهِيَةَ مُوالاةِ فاءِ الجَوابِ لِحَرْفِ الشَّرْطِ. ويَظْهَرُ أنَّهم ما التَزَمُوا الفَصْلَ بَيْنَ (أمّا) وجَوابِها بِتَقْدِيمِ شَيْءٍ مِن عَلائِقِ الجَوابِ إلّا لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ؛ لِأنَّ مَوْقِعَ (أمّا) لا يَخْلُو عَنِ اهْتِمامٍ بِالكَلامِ اهْتِمامًا يَرْتَكِزُ في بَعْضِ أجْزاءِ الكَلامِ، فاجْتِلابُ (أمّا) في الكَلامِ أثَرٌ لِلِاهْتِمامِ وهو يَقْتَضِي أنَّ مَثارَ الِاهْتِمامِ بَعْضُ مُتَعَلَّقاتِ الجُمْلَةِ، فَذَلِكَ هو الَّذِي يَعْتَنُونَ بِتَقْدِيمِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَقْدِيمِ (السّائِلَ) وتَقْدِيمِ (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) عَلى فِعْلَيْهِما.
وقَدْ قُوبِلَتِ النِّعَمُ الثَّلاثُ المُتَفَرِّعُ عَلَيْها هَذا التَّفْصِيلُ بِثَلاثَةِ أعْمالٍ تُقابِلُها.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّفْصِيلُ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ، وذَلِكَ ما دَرَجَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ، ويَجْرِي عَلى تَفْسِيرِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (السّائِلَ) بِالسّائِلِ عَنِ الدِّينِ والهُدى، فَقَوْلُهُ: (﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾) مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦]) لا مَحالَةَ، أيْ: فَكَما آواكَ رَبُّكَ وحَفِظَكَ مِن عَوارِضِ النَّقْصِ المُعْتادِ لِلْيُتْمِ، فَكُنْ أنْتَ مُكْرِمًا لِلْأيْتامِ رَفِيقًا بِهِمْ، فَجُمِعَ ذَلِكَ في النَّهْيِ عَنْ قَهْرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ
صفحة ٤٠٢
كانُوا يَقْهَرُونَ الأيْتامَ، ولِأنَّهُ إذا نَهى عَنْ قَهْرِ اليَتِيمِ مَعَ كَثْرَةِ الأسْبابِ لِقَهْرِهِ؛ لِأنَّ القَهْرَ قَدْ يَصْدُرُ مِن جَرّاءِ القَلَقِ مِن مَطالِبِ حاجاتِهِ، فَإنَّ فَلَتاتِ اللِّسانِ سَرِيعَةُ الحُصُولِ كَما قالَ تَعالى: (﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]) وقالَ: (﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]) .
والقَهْرُ: الغَلَبَةُ والإذْلالُ وهو المُناسِبُ هُنا، وتَكُونُ هَذِهِ المَعانِي بِالفِعْلِ كالدَّعِّ والتَّحْقِيرِ بِالفِعْلِ وتَكُونُ بِالقَوْلِ، قالَ تَعالى: (﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]) وتَكُونُ بِالإشارَةِ مِثْلَ عُبُوسِ الوَجْهِ، فالقَهْرُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو القَهْرُ الَّذِي لا يُعامَلُ بِهِ غَيْرُ اليَتِيمِ في مِثْلِ ذَلِكَ، فَأمّا القَهْرُ لِأجْلِ الِاسْتِصْلاحِ كَضَرْبِ التَّأْدِيبِ فَهو مِن حُقُوقِ التَّرْبِيَةِ، قالَ تَعالى: (﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]) .
وقَوْلُهُ: (﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧])؛ لِأنَّ الضَّلالَ يَسْتَدْعِي السُّؤالَ عَنِ الطَّرِيقِ فالضّالُّ مُعْتَبَرٌ مِن صِنْفِ السّائِلِينَ، والسّائِلُ عَنِ الطَّرِيقِ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِحَماقَةِ المَسْئُولِ كَما قالَ كَعْبٌ:
وقالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ: لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فَجَعَلَ اللَّهُ الشُّكْرَ عَنْ هِدايَتِهِ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ أنْ يُوَسِّعَ بالَهُ لِلسّائِلِينَ.
فَلا يَخْتَصُّ السّائِلُ بِسائِلِ العَطاءِ بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ سائِلٍ، وأعْظَمُ تَصَرُّفاتِ الرَّسُولِ ﷺ بِإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ، ورُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ النّاسَ لَكم تَبَعٌ وإنَّ رِجالًا يَأْتُونَكم مِن أقْطارِ الأرْضِ يَتَفَقَّهُونَ، فَإذا أتَوْكم فاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» “ قالَ هارُونُ العَبْدِيُّ: كُنّا إذا أتَيْنا أبا سَعِيدٍ يَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والتَّعْرِيفُ في (السّائِلَ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ سائِلٍ، أيْ: عَمّا يُسْألُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مِثْلِهِ.
ويَكُونُ النَّشْرُ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ.
فَإنْ فُسِّرَ (السّائِلَ) بِسائِلِ المَعْرُوفِ كانَ مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) وكانَ مِنَ النَّشْرِ المُشَوَّشِ، أيِ: المُخالِفِ لِتَرْتِيبِ اللَّفِّ، وهو ما دَرَجَ عَلَيْهِ الكَشّافُ.
صفحة ٤٠٣
والنَّهْرُ: الزَّجْرُ بِالقَوْلِ مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إلَيْكَ عَنِّي. ويُسْتَفادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ القَهْرِ والنَّهْرِ النَّهْيُ عَمّا هو أشَدُّ مِنهُما في الأذى كالشَّتْمِ والضَّرْبِ والِاسْتِيلاءِ عَلى المالِ وتَرْكِهِ مُحْتاجًا، ولَيْسَ مِنَ النَّهْرِ نَهْيُ السّائِلِ عَنْ مُخالَفَةِ آدابِ السُّؤالِ في الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) .
فَإنَّ الإغْناءَ نِعْمَةٌ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُظْهِرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالحَدِيثِ عَنْها وإعْلانِ شُكْرِها.
ولَيْسَ المُرادُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ نِعْمَةً خاصَّةً، وإنَّما أُرِيدَ الجِنْسُ فَيُفِيدُ عُمُومًا في المَقامِ الخِطابِيِّ، أيْ: حَدِّثْ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ مِنَ النِّعَمِ، فَحَصَلَ في ذَلِكَ الأمْرِ شُكْرُ نِعْمَةِ الإغْناءِ، وحَصَلَ الأمْرُ بِشُكْرِ جَمِيعِ النِّعَمِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا جامِعًا.
فَإنْ جُعِلَ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ كانَ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]) عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ أيْضًا.
وكانَ المُرادُ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ نِعْمَةَ الهِدايَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.
والتَّحْدِيثُ: الإخْبارُ، أيْ: أخْبِرْ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ اعْتِرافًا بِفَضْلِهِ، وذَلِكَ مِنَ الشُّكْرِ. والقَوْلُ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ وهو (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) عَلى مُتَعَلَّقِهِ كالقَوْلِ في تَقْدِيمِ (﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) .
والخِطّابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَمُقْتَضى الأمْرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ أنْ تَكُونَ خاصَّةً بِهِ، وأصْلُ الأمْرِ الوُجُوبُ، فَيُعْلَمُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ واجِبٌ عَلَيْهِ ما أُمِرَ بِهِ، وأمّا مُخاطَبَةُ أُمَّتِهِ بِذَلِكَ فَتَجْرِي عَلى أصْلِ مُساواةِ الأُمَّةِ لِنَبِيِّها فِيما فُرِضَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِيَّةِ، فَأمّا مُساواةُ الأُمَّةِ لَهُ في مَنعِ قَهْرِ اليَتِيمِ ونَهْرِ السّائِلِ فَدَلائِلُهُ كَثِيرَةٌ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ أصْلُ المُساواةِ.
وأمّا مُساواةُ الأُمَّةِ في الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَإنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ شَتّى مِنها ما لا مَطْمَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ فِيهِ، مِثْلَ نِعْمَةِ الرِّسالَةِ ونِعْمَةِ القُرْآنِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الِاصْطِفاءِ الأكْبَرِ، ونِعْمَةُ الرَّبِّ في الآيَةِ مُجْمَلَةٌ.
صفحة ٤٠٤
فَنِعَمُ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى نَبِيِّهِ ﷺ كَثِيرَةٌ مِنها ما يَجِبُ تَحْدِيثُهُ بِهِ وهو تَبْلِيغُهُ النّاسَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ، وذَلِكَ داخِلٌ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وقَدْ كانَ يُعَلِّمُ النّاسَ الإسْلامَ فَيَقُولُ لِمَن يُخاطِبُهُ: «أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» .
ومِنها تَعْرِيفُهُ النّاسَ ما يَجِبُ لَهُ مِنَ البِرِّ والطّاعَةِ كَقَوْلِهِ لِمَن قالَ لَهُ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: ”«أيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ولا تَأْمَنُونِي» ؟ !“، ومِنهُ ما يَدْخُلُ التَّحْدِيثُ بِهِ في واجِبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ، فَهَذا وُجُوبُهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ خالِصٌ مِن عُرُوضِ المَعارِضِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ مَعْصُومٌ مِن عُرُوضِ الرِّياءِ ولا يَظُنُّ النّاسُ بِهِ ذَلِكَ فَوُجُوبُهُ عَلَيْهِ ثابِتٌ.
وأمّا الأُمَّةُ فَقَدْ يَكُونُ التَّحَدِيثُ بِالنِّعْمَةِ مِنهم مَحْفُوفًا بِرِياءٍ أوْ تَفاخُرٍ، وقَدْ يَنْكَسِرُ لَهُ خاطِرُ مَن هو غَيْرُ واجِدٍ مِثْلَ النِّعْمَةِ المُتَحَدَّثِ بِها. وهَذا مَجالٌ لِلنَّظَرِ في المُعارَضَةِ بَيْنَ المُقْتَضِي والمانِعِ، وطَرِيقَةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما إنْ أمْكَنَ أوِ التَّرْجِيحِ لِأحَدِهِما. وفي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: سُئِلَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الصَّحابَةِ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ فَقالُوا لَهُ: فَحَدِّثْنا عَنْ نَفْسِكَ فَقالَ: مَهْلًا فَقَدْ نَهى اللَّهُ عَنِ التَّزْكِيَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) فَقالَ: فَإنِّي أُحَدِّثُ، كُنْتُ إذا سُئِلْتُ أعْطَيْتُ. وإذا سُكِتَ ابْتَدَيْتُ، وبَيْنَ الجَوانِحِ عِلْمٌ جَمٌّ فاسْألُونِي. فَمِنَ العُلَماءِ مَن خَصَّ النِّعْمَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بِنِعْمَةِ القُرْآنِ ونِعْمَةِ النُّبُوءَةِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ. ومِنَ العُلَماءِ مَن رَأى وُجُوبَ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ. رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أبِي نَضْرَةَ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والحُكْمُ عامٌّ لَهُ ولِغَيْرِهِ. قالَ عِياضٌ في الشِّفا: ”وهَذا خاصٌّ لَهُ عامٌّ لِأُمَّتِهِ“ .
وعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: إذا لَقِيَ الرَّجُلَ مِن إخْوانِهِ مَن يَثِقُ بِهِ يَقُولُ لَهُ: رَزَقَ اللَّهُ مِنَ الصَّلاةِ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غالِبٍ: أنَّهُ كانَ إذا
صفحة ٤٠٥
أصْبَحَ يَقُولُ: لَقَدْ رَزَقَنِي اللَّهُ البارِحَةَ كَذا، قَرَأْتُ كَذا، صَلَّيْتُ كَذا، ذَكَرْتُ اللَّهَ كَذا، فَقُلْنا لَهُ: يا أبا فِراسٍ إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، قالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) وتَقُولُونَ أنْتُمْ: لا تُحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَنْ أيُّوبَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ فَقالَ: لَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ البارِحَةَ: صَلَّيْتُ كَذا وسَبَّحْتُ كَذا، قالَ أيُّوبُ: فاحْتَمَلْتُ ذَلِكَ لِأبِي رَجاءٍ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ التَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ تَكُونُ لِلثِّقَةِ مِنَ الإخْوانِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ التَّحَدُّثَ بِالعَمَلِ يَكُونُ بِإخْلاصٍ مِنَ النِّيَّةِ عِنْدَ أهْلِ الثِّقَةِ، فَإنَّهُ رُبَّما خَرَجَ إلى الرِّياءِ وإساءَةِ الظَّنِّ بِصاحِبِهِ. وذَكَرَ الفَخْرُ والقُرْطُبِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إذا أصَبْتَ خَيْرًا أوْ عَمِلْتَ خَيْرًا فَحَدِّثْ بِهِ الثِّقَةَ مِن إخْوانِكَ. قالَ الفَخْرُ: إلّا أنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِياءً وظَنَّ أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ.
* * *
صفحة ٤٠٦
صفحة ٤٠٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الِانْشِراحِ
سُمِّيَتْ في مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ ”سُورَةَ ألَمْ نَشْرَحْ“، وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ ”سُورَةَ الشَّرْحِ“ ومِثْلُهُ في بَعْضِ المَصاحِفِ المَشْرِقِيَّةِ تَسْمِيَةً بِمَصْدَرِ الفِعْلِ الواقِعِ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ تَسْمِيَتُها سُورَةُ الِانْشِراحِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وقَدْ عُدَّتِ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الضُّحى بِالِاتِّفاقِ وقَبْلَ سُورَةِ العَصْرِ.
وعَنْ طاوُسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ: ”ألَمْ نَشْرَحْ مِن سُورَةِ الضُّحى“ . وكانا يَقْرَآنِهِما بِالرَّكْعَةِ الواحِدَةِ لا يَفْصِلانِ بَيْنَهُما - يَعْنِي: في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ - وهَذا شُذُوذٌ مُخالِفٌ لِما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِن تَسْوِيرِ المُصْحَفِ الإمامِ.
وعَدَدُ آيِها ثَمانٍ.
* * *
احْتَوَتْ عَلى ذِكْرِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ بِلُطْفِ اللَّهِ لَهُ وإزالَةِ الغَمِّ والحَرَجِ عَنْهُ، وتَفْسِيرِ ما عَسُرَ عَلَيْهِ، وتَشْرِيفِ قَدْرِهِ لِيُنَفِّسَ عَنْهُ، فَمَضْمُونُها شَبِيهٌ بِأنَّهُ حُجَّةٌ عَلى مَضْمُونِ سُورَةِ الضُّحى تَثْبِيتًا لَهُ بِتَذْكِيرِهِ سالِفَ عِنايَتِهِ بِهِ وإنارَةِ سَبِيلِ الحَقِّ وتَرْفِيعِ الدَّرَجَةِ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ بِنِعْمَتِهِ ما كانَ لِيَقْطَعَ عَنْهُ فَضْلَهُ، وكانَ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّقْرِيرِ بِماضٍ يَعْلَمُهُ النَّبِيءُ ﷺ .
صفحة ٤٠٨
وأُتْبِعَ ذَلِكَ بِوَعْدِهِ بِأنَّهُ كُلَّما عَرَضَ لَهُ عُسْرٌ فَسَيَجِدُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا كَدَأْبِ اللَّهِ تَعالى في مُعامَلَتِهِ فَلْيَتَحَمَّلْ مَتاعِبَ الرِّسالَةِ ويَرْغَبْ إلى اللَّهِ عَوْنِهِ.
الضحى 93:10
صفحة ٤٠١
﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .
الفاءُ الأُولى فَصِيحَةٌ.
و(أمّا) تُفِيدُ شَرْطًا مُقَدَّرًا تَقْدِيرُهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، فَكانَ مُفادُها مُشْعِرًا بِشَرْطٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ هو الَّذِي اجْتُلِبَتْ لِأجْلِهِ فاءُ الفَصِيحَةِ، وتَقْدِيرُ نَظْمِ الكَلامِ: إذْ كُنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ وأقْرَرْتَ بِهِ، فَعَلَيْكَ بِشُكْرِ رَبِّكَ، وبَيَّنَ لَهُ الشُّكْرَ بِقَوْلِهِ: (﴿أمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾) إلَخْ.
وقَدْ جُعِلَ الشُّكْرُ هُنا مُناسِبًا لِلنِّعْمَةِ المَشْكُورِ عَلَيْها، وإنَّما اعْتُبِرَ تَقْدِيرُ: إذا أرَدْتَ الشُّكْرَ؛ لِأنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ تَنْساقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ بِدافِعِ المُرُوءَةِ في عُرْفِ النّاسِ، وصُدِّرَ الكَلامُ بِـ (أمّا) التَّفْصِيلِيَّةِ لِأنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ.
ولَمّا كانَتْ (أمّا) بِمَعْنى: ومَهْما يَكُنْ شَيْءٌ، قُرِنَ جَوابُها بِالفاءِ.
و(اليَتِيمَ) مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (﴿فَلا تَقْهَرْ﴾) . وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ ولِهَذا القَصْدِ لَمْ يُؤْتَ بِهِ مَرْفُوعًا، وقَدْ حَصَلَ مَعَ ذَلِكَ الوَفاءُ بِاسْتِعْمالِ جَوابِ (أمّا) أنْ يَكُونَ مَفْصُولًا عَنْ (أمّا) بِشَيْءٍ كَراهِيَةَ مُوالاةِ فاءِ الجَوابِ لِحَرْفِ الشَّرْطِ. ويَظْهَرُ أنَّهم ما التَزَمُوا الفَصْلَ بَيْنَ (أمّا) وجَوابِها بِتَقْدِيمِ شَيْءٍ مِن عَلائِقِ الجَوابِ إلّا لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ؛ لِأنَّ مَوْقِعَ (أمّا) لا يَخْلُو عَنِ اهْتِمامٍ بِالكَلامِ اهْتِمامًا يَرْتَكِزُ في بَعْضِ أجْزاءِ الكَلامِ، فاجْتِلابُ (أمّا) في الكَلامِ أثَرٌ لِلِاهْتِمامِ وهو يَقْتَضِي أنَّ مَثارَ الِاهْتِمامِ بَعْضُ مُتَعَلَّقاتِ الجُمْلَةِ، فَذَلِكَ هو الَّذِي يَعْتَنُونَ بِتَقْدِيمِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَقْدِيمِ (السّائِلَ) وتَقْدِيمِ (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) عَلى فِعْلَيْهِما.
وقَدْ قُوبِلَتِ النِّعَمُ الثَّلاثُ المُتَفَرِّعُ عَلَيْها هَذا التَّفْصِيلُ بِثَلاثَةِ أعْمالٍ تُقابِلُها.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّفْصِيلُ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ، وذَلِكَ ما دَرَجَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ، ويَجْرِي عَلى تَفْسِيرِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (السّائِلَ) بِالسّائِلِ عَنِ الدِّينِ والهُدى، فَقَوْلُهُ: (﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾) مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦]) لا مَحالَةَ، أيْ: فَكَما آواكَ رَبُّكَ وحَفِظَكَ مِن عَوارِضِ النَّقْصِ المُعْتادِ لِلْيُتْمِ، فَكُنْ أنْتَ مُكْرِمًا لِلْأيْتامِ رَفِيقًا بِهِمْ، فَجُمِعَ ذَلِكَ في النَّهْيِ عَنْ قَهْرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ
صفحة ٤٠٢
كانُوا يَقْهَرُونَ الأيْتامَ، ولِأنَّهُ إذا نَهى عَنْ قَهْرِ اليَتِيمِ مَعَ كَثْرَةِ الأسْبابِ لِقَهْرِهِ؛ لِأنَّ القَهْرَ قَدْ يَصْدُرُ مِن جَرّاءِ القَلَقِ مِن مَطالِبِ حاجاتِهِ، فَإنَّ فَلَتاتِ اللِّسانِ سَرِيعَةُ الحُصُولِ كَما قالَ تَعالى: (﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]) وقالَ: (﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]) .
والقَهْرُ: الغَلَبَةُ والإذْلالُ وهو المُناسِبُ هُنا، وتَكُونُ هَذِهِ المَعانِي بِالفِعْلِ كالدَّعِّ والتَّحْقِيرِ بِالفِعْلِ وتَكُونُ بِالقَوْلِ، قالَ تَعالى: (﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]) وتَكُونُ بِالإشارَةِ مِثْلَ عُبُوسِ الوَجْهِ، فالقَهْرُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو القَهْرُ الَّذِي لا يُعامَلُ بِهِ غَيْرُ اليَتِيمِ في مِثْلِ ذَلِكَ، فَأمّا القَهْرُ لِأجْلِ الِاسْتِصْلاحِ كَضَرْبِ التَّأْدِيبِ فَهو مِن حُقُوقِ التَّرْبِيَةِ، قالَ تَعالى: (﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]) .
وقَوْلُهُ: (﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧])؛ لِأنَّ الضَّلالَ يَسْتَدْعِي السُّؤالَ عَنِ الطَّرِيقِ فالضّالُّ مُعْتَبَرٌ مِن صِنْفِ السّائِلِينَ، والسّائِلُ عَنِ الطَّرِيقِ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِحَماقَةِ المَسْئُولِ كَما قالَ كَعْبٌ:
وقالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ: لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فَجَعَلَ اللَّهُ الشُّكْرَ عَنْ هِدايَتِهِ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ أنْ يُوَسِّعَ بالَهُ لِلسّائِلِينَ.
فَلا يَخْتَصُّ السّائِلُ بِسائِلِ العَطاءِ بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ سائِلٍ، وأعْظَمُ تَصَرُّفاتِ الرَّسُولِ ﷺ بِإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ، ورُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ النّاسَ لَكم تَبَعٌ وإنَّ رِجالًا يَأْتُونَكم مِن أقْطارِ الأرْضِ يَتَفَقَّهُونَ، فَإذا أتَوْكم فاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» “ قالَ هارُونُ العَبْدِيُّ: كُنّا إذا أتَيْنا أبا سَعِيدٍ يَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والتَّعْرِيفُ في (السّائِلَ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ سائِلٍ، أيْ: عَمّا يُسْألُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مِثْلِهِ.
ويَكُونُ النَّشْرُ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ.
فَإنْ فُسِّرَ (السّائِلَ) بِسائِلِ المَعْرُوفِ كانَ مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) وكانَ مِنَ النَّشْرِ المُشَوَّشِ، أيِ: المُخالِفِ لِتَرْتِيبِ اللَّفِّ، وهو ما دَرَجَ عَلَيْهِ الكَشّافُ.
صفحة ٤٠٣
والنَّهْرُ: الزَّجْرُ بِالقَوْلِ مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إلَيْكَ عَنِّي. ويُسْتَفادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ القَهْرِ والنَّهْرِ النَّهْيُ عَمّا هو أشَدُّ مِنهُما في الأذى كالشَّتْمِ والضَّرْبِ والِاسْتِيلاءِ عَلى المالِ وتَرْكِهِ مُحْتاجًا، ولَيْسَ مِنَ النَّهْرِ نَهْيُ السّائِلِ عَنْ مُخالَفَةِ آدابِ السُّؤالِ في الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) .
فَإنَّ الإغْناءَ نِعْمَةٌ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُظْهِرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالحَدِيثِ عَنْها وإعْلانِ شُكْرِها.
ولَيْسَ المُرادُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ نِعْمَةً خاصَّةً، وإنَّما أُرِيدَ الجِنْسُ فَيُفِيدُ عُمُومًا في المَقامِ الخِطابِيِّ، أيْ: حَدِّثْ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ مِنَ النِّعَمِ، فَحَصَلَ في ذَلِكَ الأمْرِ شُكْرُ نِعْمَةِ الإغْناءِ، وحَصَلَ الأمْرُ بِشُكْرِ جَمِيعِ النِّعَمِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا جامِعًا.
فَإنْ جُعِلَ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ كانَ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]) عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ أيْضًا.
وكانَ المُرادُ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ نِعْمَةَ الهِدايَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.
والتَّحْدِيثُ: الإخْبارُ، أيْ: أخْبِرْ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ اعْتِرافًا بِفَضْلِهِ، وذَلِكَ مِنَ الشُّكْرِ. والقَوْلُ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ وهو (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) عَلى مُتَعَلَّقِهِ كالقَوْلِ في تَقْدِيمِ (﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) .
والخِطّابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَمُقْتَضى الأمْرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ أنْ تَكُونَ خاصَّةً بِهِ، وأصْلُ الأمْرِ الوُجُوبُ، فَيُعْلَمُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ واجِبٌ عَلَيْهِ ما أُمِرَ بِهِ، وأمّا مُخاطَبَةُ أُمَّتِهِ بِذَلِكَ فَتَجْرِي عَلى أصْلِ مُساواةِ الأُمَّةِ لِنَبِيِّها فِيما فُرِضَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِيَّةِ، فَأمّا مُساواةُ الأُمَّةِ لَهُ في مَنعِ قَهْرِ اليَتِيمِ ونَهْرِ السّائِلِ فَدَلائِلُهُ كَثِيرَةٌ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ أصْلُ المُساواةِ.
وأمّا مُساواةُ الأُمَّةِ في الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَإنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ شَتّى مِنها ما لا مَطْمَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ فِيهِ، مِثْلَ نِعْمَةِ الرِّسالَةِ ونِعْمَةِ القُرْآنِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الِاصْطِفاءِ الأكْبَرِ، ونِعْمَةُ الرَّبِّ في الآيَةِ مُجْمَلَةٌ.
صفحة ٤٠٤
فَنِعَمُ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى نَبِيِّهِ ﷺ كَثِيرَةٌ مِنها ما يَجِبُ تَحْدِيثُهُ بِهِ وهو تَبْلِيغُهُ النّاسَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ، وذَلِكَ داخِلٌ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وقَدْ كانَ يُعَلِّمُ النّاسَ الإسْلامَ فَيَقُولُ لِمَن يُخاطِبُهُ: «أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» .
ومِنها تَعْرِيفُهُ النّاسَ ما يَجِبُ لَهُ مِنَ البِرِّ والطّاعَةِ كَقَوْلِهِ لِمَن قالَ لَهُ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: ”«أيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ولا تَأْمَنُونِي» ؟ !“، ومِنهُ ما يَدْخُلُ التَّحْدِيثُ بِهِ في واجِبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ، فَهَذا وُجُوبُهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ خالِصٌ مِن عُرُوضِ المَعارِضِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ مَعْصُومٌ مِن عُرُوضِ الرِّياءِ ولا يَظُنُّ النّاسُ بِهِ ذَلِكَ فَوُجُوبُهُ عَلَيْهِ ثابِتٌ.
وأمّا الأُمَّةُ فَقَدْ يَكُونُ التَّحَدِيثُ بِالنِّعْمَةِ مِنهم مَحْفُوفًا بِرِياءٍ أوْ تَفاخُرٍ، وقَدْ يَنْكَسِرُ لَهُ خاطِرُ مَن هو غَيْرُ واجِدٍ مِثْلَ النِّعْمَةِ المُتَحَدَّثِ بِها. وهَذا مَجالٌ لِلنَّظَرِ في المُعارَضَةِ بَيْنَ المُقْتَضِي والمانِعِ، وطَرِيقَةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما إنْ أمْكَنَ أوِ التَّرْجِيحِ لِأحَدِهِما. وفي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: سُئِلَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الصَّحابَةِ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ فَقالُوا لَهُ: فَحَدِّثْنا عَنْ نَفْسِكَ فَقالَ: مَهْلًا فَقَدْ نَهى اللَّهُ عَنِ التَّزْكِيَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) فَقالَ: فَإنِّي أُحَدِّثُ، كُنْتُ إذا سُئِلْتُ أعْطَيْتُ. وإذا سُكِتَ ابْتَدَيْتُ، وبَيْنَ الجَوانِحِ عِلْمٌ جَمٌّ فاسْألُونِي. فَمِنَ العُلَماءِ مَن خَصَّ النِّعْمَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بِنِعْمَةِ القُرْآنِ ونِعْمَةِ النُّبُوءَةِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ. ومِنَ العُلَماءِ مَن رَأى وُجُوبَ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ. رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أبِي نَضْرَةَ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والحُكْمُ عامٌّ لَهُ ولِغَيْرِهِ. قالَ عِياضٌ في الشِّفا: ”وهَذا خاصٌّ لَهُ عامٌّ لِأُمَّتِهِ“ .
وعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: إذا لَقِيَ الرَّجُلَ مِن إخْوانِهِ مَن يَثِقُ بِهِ يَقُولُ لَهُ: رَزَقَ اللَّهُ مِنَ الصَّلاةِ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غالِبٍ: أنَّهُ كانَ إذا
صفحة ٤٠٥
أصْبَحَ يَقُولُ: لَقَدْ رَزَقَنِي اللَّهُ البارِحَةَ كَذا، قَرَأْتُ كَذا، صَلَّيْتُ كَذا، ذَكَرْتُ اللَّهَ كَذا، فَقُلْنا لَهُ: يا أبا فِراسٍ إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، قالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) وتَقُولُونَ أنْتُمْ: لا تُحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَنْ أيُّوبَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ فَقالَ: لَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ البارِحَةَ: صَلَّيْتُ كَذا وسَبَّحْتُ كَذا، قالَ أيُّوبُ: فاحْتَمَلْتُ ذَلِكَ لِأبِي رَجاءٍ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ التَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ تَكُونُ لِلثِّقَةِ مِنَ الإخْوانِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ التَّحَدُّثَ بِالعَمَلِ يَكُونُ بِإخْلاصٍ مِنَ النِّيَّةِ عِنْدَ أهْلِ الثِّقَةِ، فَإنَّهُ رُبَّما خَرَجَ إلى الرِّياءِ وإساءَةِ الظَّنِّ بِصاحِبِهِ. وذَكَرَ الفَخْرُ والقُرْطُبِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إذا أصَبْتَ خَيْرًا أوْ عَمِلْتَ خَيْرًا فَحَدِّثْ بِهِ الثِّقَةَ مِن إخْوانِكَ. قالَ الفَخْرُ: إلّا أنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِياءً وظَنَّ أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ.
* * *
صفحة ٤٠٦
صفحة ٤٠٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الِانْشِراحِ
سُمِّيَتْ في مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ ”سُورَةَ ألَمْ نَشْرَحْ“، وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ ”سُورَةَ الشَّرْحِ“ ومِثْلُهُ في بَعْضِ المَصاحِفِ المَشْرِقِيَّةِ تَسْمِيَةً بِمَصْدَرِ الفِعْلِ الواقِعِ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ تَسْمِيَتُها سُورَةُ الِانْشِراحِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وقَدْ عُدَّتِ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الضُّحى بِالِاتِّفاقِ وقَبْلَ سُورَةِ العَصْرِ.
وعَنْ طاوُسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ: ”ألَمْ نَشْرَحْ مِن سُورَةِ الضُّحى“ . وكانا يَقْرَآنِهِما بِالرَّكْعَةِ الواحِدَةِ لا يَفْصِلانِ بَيْنَهُما - يَعْنِي: في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ - وهَذا شُذُوذٌ مُخالِفٌ لِما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِن تَسْوِيرِ المُصْحَفِ الإمامِ.
وعَدَدُ آيِها ثَمانٍ.
* * *
احْتَوَتْ عَلى ذِكْرِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ بِلُطْفِ اللَّهِ لَهُ وإزالَةِ الغَمِّ والحَرَجِ عَنْهُ، وتَفْسِيرِ ما عَسُرَ عَلَيْهِ، وتَشْرِيفِ قَدْرِهِ لِيُنَفِّسَ عَنْهُ، فَمَضْمُونُها شَبِيهٌ بِأنَّهُ حُجَّةٌ عَلى مَضْمُونِ سُورَةِ الضُّحى تَثْبِيتًا لَهُ بِتَذْكِيرِهِ سالِفَ عِنايَتِهِ بِهِ وإنارَةِ سَبِيلِ الحَقِّ وتَرْفِيعِ الدَّرَجَةِ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ بِنِعْمَتِهِ ما كانَ لِيَقْطَعَ عَنْهُ فَضْلَهُ، وكانَ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّقْرِيرِ بِماضٍ يَعْلَمُهُ النَّبِيءُ ﷺ .
صفحة ٤٠٨
وأُتْبِعَ ذَلِكَ بِوَعْدِهِ بِأنَّهُ كُلَّما عَرَضَ لَهُ عُسْرٌ فَسَيَجِدُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا كَدَأْبِ اللَّهِ تَعالى في مُعامَلَتِهِ فَلْيَتَحَمَّلْ مَتاعِبَ الرِّسالَةِ ويَرْغَبْ إلى اللَّهِ عَوْنِهِ.
الضحى 93:11
صفحة ٤٠١
﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .
الفاءُ الأُولى فَصِيحَةٌ.
و(أمّا) تُفِيدُ شَرْطًا مُقَدَّرًا تَقْدِيرُهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ، فَكانَ مُفادُها مُشْعِرًا بِشَرْطٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ هو الَّذِي اجْتُلِبَتْ لِأجْلِهِ فاءُ الفَصِيحَةِ، وتَقْدِيرُ نَظْمِ الكَلامِ: إذْ كُنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ وأقْرَرْتَ بِهِ، فَعَلَيْكَ بِشُكْرِ رَبِّكَ، وبَيَّنَ لَهُ الشُّكْرَ بِقَوْلِهِ: (﴿أمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾) إلَخْ.
وقَدْ جُعِلَ الشُّكْرُ هُنا مُناسِبًا لِلنِّعْمَةِ المَشْكُورِ عَلَيْها، وإنَّما اعْتُبِرَ تَقْدِيرُ: إذا أرَدْتَ الشُّكْرَ؛ لِأنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ تَنْساقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ بِدافِعِ المُرُوءَةِ في عُرْفِ النّاسِ، وصُدِّرَ الكَلامُ بِـ (أمّا) التَّفْصِيلِيَّةِ لِأنَّهُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ.
ولَمّا كانَتْ (أمّا) بِمَعْنى: ومَهْما يَكُنْ شَيْءٌ، قُرِنَ جَوابُها بِالفاءِ.
و(اليَتِيمَ) مَفْعُولٌ لِفِعْلِ (﴿فَلا تَقْهَرْ﴾) . وقُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ ولِهَذا القَصْدِ لَمْ يُؤْتَ بِهِ مَرْفُوعًا، وقَدْ حَصَلَ مَعَ ذَلِكَ الوَفاءُ بِاسْتِعْمالِ جَوابِ (أمّا) أنْ يَكُونَ مَفْصُولًا عَنْ (أمّا) بِشَيْءٍ كَراهِيَةَ مُوالاةِ فاءِ الجَوابِ لِحَرْفِ الشَّرْطِ. ويَظْهَرُ أنَّهم ما التَزَمُوا الفَصْلَ بَيْنَ (أمّا) وجَوابِها بِتَقْدِيمِ شَيْءٍ مِن عَلائِقِ الجَوابِ إلّا لِإرادَةِ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ؛ لِأنَّ مَوْقِعَ (أمّا) لا يَخْلُو عَنِ اهْتِمامٍ بِالكَلامِ اهْتِمامًا يَرْتَكِزُ في بَعْضِ أجْزاءِ الكَلامِ، فاجْتِلابُ (أمّا) في الكَلامِ أثَرٌ لِلِاهْتِمامِ وهو يَقْتَضِي أنَّ مَثارَ الِاهْتِمامِ بَعْضُ مُتَعَلَّقاتِ الجُمْلَةِ، فَذَلِكَ هو الَّذِي يَعْتَنُونَ بِتَقْدِيمِهِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَقْدِيمِ (السّائِلَ) وتَقْدِيمِ (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) عَلى فِعْلَيْهِما.
وقَدْ قُوبِلَتِ النِّعَمُ الثَّلاثُ المُتَفَرِّعُ عَلَيْها هَذا التَّفْصِيلُ بِثَلاثَةِ أعْمالٍ تُقابِلُها.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّفْصِيلُ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ، وذَلِكَ ما دَرَجَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ، ويَجْرِي عَلى تَفْسِيرِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (السّائِلَ) بِالسّائِلِ عَنِ الدِّينِ والهُدى، فَقَوْلُهُ: (﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾) مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: (﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦]) لا مَحالَةَ، أيْ: فَكَما آواكَ رَبُّكَ وحَفِظَكَ مِن عَوارِضِ النَّقْصِ المُعْتادِ لِلْيُتْمِ، فَكُنْ أنْتَ مُكْرِمًا لِلْأيْتامِ رَفِيقًا بِهِمْ، فَجُمِعَ ذَلِكَ في النَّهْيِ عَنْ قَهْرِهِ؛ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ
صفحة ٤٠٢
كانُوا يَقْهَرُونَ الأيْتامَ، ولِأنَّهُ إذا نَهى عَنْ قَهْرِ اليَتِيمِ مَعَ كَثْرَةِ الأسْبابِ لِقَهْرِهِ؛ لِأنَّ القَهْرَ قَدْ يَصْدُرُ مِن جَرّاءِ القَلَقِ مِن مَطالِبِ حاجاتِهِ، فَإنَّ فَلَتاتِ اللِّسانِ سَرِيعَةُ الحُصُولِ كَما قالَ تَعالى: (﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]) وقالَ: (﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨]) .
والقَهْرُ: الغَلَبَةُ والإذْلالُ وهو المُناسِبُ هُنا، وتَكُونُ هَذِهِ المَعانِي بِالفِعْلِ كالدَّعِّ والتَّحْقِيرِ بِالفِعْلِ وتَكُونُ بِالقَوْلِ، قالَ تَعالى: (﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]) وتَكُونُ بِالإشارَةِ مِثْلَ عُبُوسِ الوَجْهِ، فالقَهْرُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو القَهْرُ الَّذِي لا يُعامَلُ بِهِ غَيْرُ اليَتِيمِ في مِثْلِ ذَلِكَ، فَأمّا القَهْرُ لِأجْلِ الِاسْتِصْلاحِ كَضَرْبِ التَّأْدِيبِ فَهو مِن حُقُوقِ التَّرْبِيَةِ، قالَ تَعالى: (﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]) .
وقَوْلُهُ: (﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧])؛ لِأنَّ الضَّلالَ يَسْتَدْعِي السُّؤالَ عَنِ الطَّرِيقِ فالضّالُّ مُعْتَبَرٌ مِن صِنْفِ السّائِلِينَ، والسّائِلُ عَنِ الطَّرِيقِ قَدْ يَتَعَرَّضُ لِحَماقَةِ المَسْئُولِ كَما قالَ كَعْبٌ:
وقالَ كُلُّ خَلِيلٍ كُنْتُ آمُلُهُ: لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فَجَعَلَ اللَّهُ الشُّكْرَ عَنْ هِدايَتِهِ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ أنْ يُوَسِّعَ بالَهُ لِلسّائِلِينَ.
فَلا يَخْتَصُّ السّائِلُ بِسائِلِ العَطاءِ بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ سائِلٍ، وأعْظَمُ تَصَرُّفاتِ الرَّسُولِ ﷺ بِإرْشادِ المُسْتَرْشِدِينَ، ورُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«إنَّ النّاسَ لَكم تَبَعٌ وإنَّ رِجالًا يَأْتُونَكم مِن أقْطارِ الأرْضِ يَتَفَقَّهُونَ، فَإذا أتَوْكم فاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» “ قالَ هارُونُ العَبْدِيُّ: كُنّا إذا أتَيْنا أبا سَعِيدٍ يَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
والتَّعْرِيفُ في (السّائِلَ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ سائِلٍ، أيْ: عَمّا يُسْألُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مِثْلِهِ.
ويَكُونُ النَّشْرُ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ.
فَإنْ فُسِّرَ (السّائِلَ) بِسائِلِ المَعْرُوفِ كانَ مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) وكانَ مِنَ النَّشْرِ المُشَوَّشِ، أيِ: المُخالِفِ لِتَرْتِيبِ اللَّفِّ، وهو ما دَرَجَ عَلَيْهِ الكَشّافُ.
صفحة ٤٠٣
والنَّهْرُ: الزَّجْرُ بِالقَوْلِ مِثْلُ أنْ يَقُولَ: إلَيْكَ عَنِّي. ويُسْتَفادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ القَهْرِ والنَّهْرِ النَّهْيُ عَمّا هو أشَدُّ مِنهُما في الأذى كالشَّتْمِ والضَّرْبِ والِاسْتِيلاءِ عَلى المالِ وتَرْكِهِ مُحْتاجًا، ولَيْسَ مِنَ النَّهْرِ نَهْيُ السّائِلِ عَنْ مُخالَفَةِ آدابِ السُّؤالِ في الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) .
فَإنَّ الإغْناءَ نِعْمَةٌ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُظْهِرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالحَدِيثِ عَنْها وإعْلانِ شُكْرِها.
ولَيْسَ المُرادُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ نِعْمَةً خاصَّةً، وإنَّما أُرِيدَ الجِنْسُ فَيُفِيدُ عُمُومًا في المَقامِ الخِطابِيِّ، أيْ: حَدِّثْ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ مِنَ النِّعَمِ، فَحَصَلَ في ذَلِكَ الأمْرِ شُكْرُ نِعْمَةِ الإغْناءِ، وحَصَلَ الأمْرُ بِشُكْرِ جَمِيعِ النِّعَمِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا جامِعًا.
فَإنْ جُعِلَ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ كانَ قَوْلُهُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) مُقابِلَ قَوْلِهِ: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]) عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ أيْضًا.
وكانَ المُرادُ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ نِعْمَةَ الهِدايَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.
والتَّحْدِيثُ: الإخْبارُ، أيْ: أخْبِرْ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ اعْتِرافًا بِفَضْلِهِ، وذَلِكَ مِنَ الشُّكْرِ. والقَوْلُ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ وهو (﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾) عَلى مُتَعَلَّقِهِ كالقَوْلِ في تَقْدِيمِ (﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾) .
والخِطّابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَمُقْتَضى الأمْرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ أنْ تَكُونَ خاصَّةً بِهِ، وأصْلُ الأمْرِ الوُجُوبُ، فَيُعْلَمُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ واجِبٌ عَلَيْهِ ما أُمِرَ بِهِ، وأمّا مُخاطَبَةُ أُمَّتِهِ بِذَلِكَ فَتَجْرِي عَلى أصْلِ مُساواةِ الأُمَّةِ لِنَبِيِّها فِيما فُرِضَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِيَّةِ، فَأمّا مُساواةُ الأُمَّةِ لَهُ في مَنعِ قَهْرِ اليَتِيمِ ونَهْرِ السّائِلِ فَدَلائِلُهُ كَثِيرَةٌ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ أصْلُ المُساواةِ.
وأمّا مُساواةُ الأُمَّةِ في الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ فَإنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ شَتّى مِنها ما لا مَطْمَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ فِيهِ، مِثْلَ نِعْمَةِ الرِّسالَةِ ونِعْمَةِ القُرْآنِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الِاصْطِفاءِ الأكْبَرِ، ونِعْمَةُ الرَّبِّ في الآيَةِ مُجْمَلَةٌ.
صفحة ٤٠٤
فَنِعَمُ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى نَبِيِّهِ ﷺ كَثِيرَةٌ مِنها ما يَجِبُ تَحْدِيثُهُ بِهِ وهو تَبْلِيغُهُ النّاسَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ، وذَلِكَ داخِلٌ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وقَدْ كانَ يُعَلِّمُ النّاسَ الإسْلامَ فَيَقُولُ لِمَن يُخاطِبُهُ: «أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» .
ومِنها تَعْرِيفُهُ النّاسَ ما يَجِبُ لَهُ مِنَ البِرِّ والطّاعَةِ كَقَوْلِهِ لِمَن قالَ لَهُ: اعْدِلْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: ”«أيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلى وحْيِهِ ولا تَأْمَنُونِي» ؟ !“، ومِنهُ ما يَدْخُلُ التَّحْدِيثُ بِهِ في واجِبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ، فَهَذا وُجُوبُهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ خالِصٌ مِن عُرُوضِ المَعارِضِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ مَعْصُومٌ مِن عُرُوضِ الرِّياءِ ولا يَظُنُّ النّاسُ بِهِ ذَلِكَ فَوُجُوبُهُ عَلَيْهِ ثابِتٌ.
وأمّا الأُمَّةُ فَقَدْ يَكُونُ التَّحَدِيثُ بِالنِّعْمَةِ مِنهم مَحْفُوفًا بِرِياءٍ أوْ تَفاخُرٍ، وقَدْ يَنْكَسِرُ لَهُ خاطِرُ مَن هو غَيْرُ واجِدٍ مِثْلَ النِّعْمَةِ المُتَحَدَّثِ بِها. وهَذا مَجالٌ لِلنَّظَرِ في المُعارَضَةِ بَيْنَ المُقْتَضِي والمانِعِ، وطَرِيقَةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما إنْ أمْكَنَ أوِ التَّرْجِيحِ لِأحَدِهِما. وفي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: سُئِلَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ الصَّحابَةِ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ فَقالُوا لَهُ: فَحَدِّثْنا عَنْ نَفْسِكَ فَقالَ: مَهْلًا فَقَدْ نَهى اللَّهُ عَنِ التَّزْكِيَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) فَقالَ: فَإنِّي أُحَدِّثُ، كُنْتُ إذا سُئِلْتُ أعْطَيْتُ. وإذا سُكِتَ ابْتَدَيْتُ، وبَيْنَ الجَوانِحِ عِلْمٌ جَمٌّ فاسْألُونِي. فَمِنَ العُلَماءِ مَن خَصَّ النِّعْمَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بِنِعْمَةِ القُرْآنِ ونِعْمَةِ النُّبُوءَةِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ. ومِنَ العُلَماءِ مَن رَأى وُجُوبَ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ. رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أبِي نَضْرَةَ.
وقالَ القُرْطُبِيُّ: الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والحُكْمُ عامٌّ لَهُ ولِغَيْرِهِ. قالَ عِياضٌ في الشِّفا: ”وهَذا خاصٌّ لَهُ عامٌّ لِأُمَّتِهِ“ .
وعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: إذا لَقِيَ الرَّجُلَ مِن إخْوانِهِ مَن يَثِقُ بِهِ يَقُولُ لَهُ: رَزَقَ اللَّهُ مِنَ الصَّلاةِ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غالِبٍ: أنَّهُ كانَ إذا
صفحة ٤٠٥
أصْبَحَ يَقُولُ: لَقَدْ رَزَقَنِي اللَّهُ البارِحَةَ كَذا، قَرَأْتُ كَذا، صَلَّيْتُ كَذا، ذَكَرْتُ اللَّهَ كَذا، فَقُلْنا لَهُ: يا أبا فِراسٍ إنَّ مِثْلَكَ لا يَقُولُ هَذا، قالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: (﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾) وتَقُولُونَ أنْتُمْ: لا تُحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَنْ أيُّوبَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ فَقالَ: لَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ البارِحَةَ: صَلَّيْتُ كَذا وسَبَّحْتُ كَذا، قالَ أيُّوبُ: فاحْتَمَلْتُ ذَلِكَ لِأبِي رَجاءٍ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ التَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ تَكُونُ لِلثِّقَةِ مِنَ الإخْوانِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ التَّحَدُّثَ بِالعَمَلِ يَكُونُ بِإخْلاصٍ مِنَ النِّيَّةِ عِنْدَ أهْلِ الثِّقَةِ، فَإنَّهُ رُبَّما خَرَجَ إلى الرِّياءِ وإساءَةِ الظَّنِّ بِصاحِبِهِ. وذَكَرَ الفَخْرُ والقُرْطُبِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إذا أصَبْتَ خَيْرًا أوْ عَمِلْتَ خَيْرًا فَحَدِّثْ بِهِ الثِّقَةَ مِن إخْوانِكَ. قالَ الفَخْرُ: إلّا أنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا لَمْ يَتَضَمَّنْ رِياءً وظَنَّ أنَّ غَيْرَهُ يَقْتَدِي بِهِ.
* * *
صفحة ٤٠٦
صفحة ٤٠٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الِانْشِراحِ
سُمِّيَتْ في مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ ”سُورَةَ ألَمْ نَشْرَحْ“، وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ ”سُورَةَ الشَّرْحِ“ ومِثْلُهُ في بَعْضِ المَصاحِفِ المَشْرِقِيَّةِ تَسْمِيَةً بِمَصْدَرِ الفِعْلِ الواقِعِ فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ تَسْمِيَتُها سُورَةُ الِانْشِراحِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وقَدْ عُدَّتِ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الضُّحى بِالِاتِّفاقِ وقَبْلَ سُورَةِ العَصْرِ.
وعَنْ طاوُسٍ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُما كانا يَقُولانِ: ”ألَمْ نَشْرَحْ مِن سُورَةِ الضُّحى“ . وكانا يَقْرَآنِهِما بِالرَّكْعَةِ الواحِدَةِ لا يَفْصِلانِ بَيْنَهُما - يَعْنِي: في الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ - وهَذا شُذُوذٌ مُخالِفٌ لِما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِن تَسْوِيرِ المُصْحَفِ الإمامِ.
وعَدَدُ آيِها ثَمانٍ.
* * *
احْتَوَتْ عَلى ذِكْرِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ بِلُطْفِ اللَّهِ لَهُ وإزالَةِ الغَمِّ والحَرَجِ عَنْهُ، وتَفْسِيرِ ما عَسُرَ عَلَيْهِ، وتَشْرِيفِ قَدْرِهِ لِيُنَفِّسَ عَنْهُ، فَمَضْمُونُها شَبِيهٌ بِأنَّهُ حُجَّةٌ عَلى مَضْمُونِ سُورَةِ الضُّحى تَثْبِيتًا لَهُ بِتَذْكِيرِهِ سالِفَ عِنايَتِهِ بِهِ وإنارَةِ سَبِيلِ الحَقِّ وتَرْفِيعِ الدَّرَجَةِ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي ابْتَدَأهُ بِنِعْمَتِهِ ما كانَ لِيَقْطَعَ عَنْهُ فَضْلَهُ، وكانَ ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّقْرِيرِ بِماضٍ يَعْلَمُهُ النَّبِيءُ ﷺ .
صفحة ٤٠٨
وأُتْبِعَ ذَلِكَ بِوَعْدِهِ بِأنَّهُ كُلَّما عَرَضَ لَهُ عُسْرٌ فَسَيَجِدُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا كَدَأْبِ اللَّهِ تَعالى في مُعامَلَتِهِ فَلْيَتَحَمَّلْ مَتاعِبَ الرِّسالَةِ ويَرْغَبْ إلى اللَّهِ عَوْنِهِ.