Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — قريش 106:1 – المسد 111:5
المحتويات
- قريش 106:1
- قريش 106:2
- قريش 106:3
- قريش 106:4
- الماعون 107:1
- الماعون 107:2
- الماعون 107:3
- الماعون 107:4
- الماعون 107:5
- الماعون 107:6
- الماعون 107:7
- الكوثر 108:1
- الكوثر 108:2
- الكوثر 108:3
- الكافرون 109:1
- الكافرون 109:2
- الكافرون 109:3
- الكافرون 109:4
- الكافرون 109:5
- الكافرون 109:6
- النصر 110:1
- النصر 110:2
- النصر 110:3
- المسد 111:1
- المسد 111:2
- المسد 111:3
- المسد 111:4
- المسد 111:5
قريش 106:1
﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾
افْتِتاحٌ مُبْدِعٌ، إذْ كانَ بِمَجْرُورٍ بِلامِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِإثْرِهِ بِالقُرْبِ ما يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِهِ، فَفِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ هَذا المَجْرُورِ. وزادَهُ الطُّولُ تَشْوِيقًا، إذْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ (بِالفَتْحِ) بِخَمْسِ كَلِماتٍ، فَيَتَعَلَّقُ (لِإيلافِ) بِقَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) .
وتَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ هو مِن أسْبابِ أمْرِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها بِعِبادَةِ الأصْنامِ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (لِيَعْبُدُوا) .
وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: لِتَعْبُدْ قُرَيْشٌ رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ لِإيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَلَمّا اقْتَضى قَصْدُ الِاهْتِمامِ بِالمَعْمُولِ تَقْدِيمَهُ عَلى عامِلِهِ، تَوَلَّدَ مِن تَقْدِيمِهِ مَعْنًى جَعَلَهُ شَرْطًا لِعامِلِهِ، فاقْتَرَنَ عامِلُهُ بِالفاءِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ جَوابِ الشَّرْطِ، فالفاءُ الدّاخِلَةُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ ما قَبْلَها مِن قُوَّةِ الشَّرْطِ، أيْ: مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مَقْصُودٌ بِهِ اهْتِمامٌ
صفحة ٥٥٥
خاصٌّ وعِنايَةٌ قَوِيَّةٌ هي عِنايَةُ المُشْتَرِطِ بِشَرْطِهِ، وتَعْلِيقُ بَقِيَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ لِما يَنْتَظِرُهُ مِن جَوابِهِ، وهَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الإيجازِ بَدِيعٌ.
قالَ في الكَشّافِ ( دَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا لا فَلْيَعْبُدُوهُ لِإيلافِهِمْ، أيْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ اهـ.
وقالَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] دَخَلَتِ الفاءُ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ اهـ. وهو مَعْنى ما في الكَشّافِ. وسَكَتا عَنْ مَنشَأِ حُصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ هَذا جارٍ عِنْدَ تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ ونَحْوِهِ مِن مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ﴾ [الشورى: ١٥] في سُورَةِ الشُّورى «. وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ الجِهادِ، فَقالَ لَهُ ألَكَ أبَوانِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ» .
ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (اعْجَبُوا) مَحْذُوفًا يُنْبِئُ عَنْهُ اللّامُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ مَجْرُورٍ بِها بَعْدَ مادَّةِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: عَجَبًا لَكَ، وعَجَبًا لِتِلْكَ القَضِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ ”
فَيا لَكَ مِن لَيْلٍ
“؛ لِأنَّ حَرْفَ النِّداءِ مُرادٌ بِهِ التَّعَجُّبُ فَتَكُونَ الفاءُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) تَفْرِيعًا عَلى التَّعَجُّبِ.
وجَوَّزَ الفَرّاءُ وابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ أنْ يَكُونَ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما في سُورَةِ الفِيلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] قالَ القُرْطُبِيُّ. وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ ورِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ اهـ. يَعْنُونَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وإنْ كانَتْ سُورَةً مُسْتَقِلَّةً فَهي مُلْحَقَةٌ بِسُورَةِ الفِيلِ، فَكَما تُلْحَقُ الآيَةُ بِآيَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها، تُلْحَقُ آياتٌ هي سُورَةٌ فَتَتَعَلَّقُ بِسُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.
والإيلافُ: مَصْدَرُ أأْلَفَ بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى ألِفَ وهُما لُغَتانِ، والأصْلُ هو ألِفَ، وصِيغَةُ الإفْعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَصارَتْ تُسْتَعْمَلُ في إفادَةِ قَوْلِ الفِعْلِ مَجازًا ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأفْعالِ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ مِثْلَ سافَرَ، وعافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُمُ اللَّهُ.
صفحة ٥٥٦
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ في المَوْضِعَيْنِ (لِإيلافِ) بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ الثّانِيَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ (لِإلافٍ) الأوَّلَ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي أصْلُها هَمْزَةٌ ثانِيَةٌ، وقَرَأهُ (إيلافِهِمْ) بِإثْباتِ الياءِ مِثْلَ الجُمْهُورِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لِيلافِ قُرَيْشٍ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الأُولى. وقَرَأ (إلافِهِمْ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ أنَّ أبا بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ قَرَأ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ في (لِإأْلافِ) وفي (إأْلافِهِمْ)، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ تَحْقِيقَ الهَمْزَتَيْنِ لا وجْهَ لَهُ. قُلْتُ: لا يُوجَدُ في كُتُبِ القِراءاتِ الَّتِي عَرَفْناها نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ. والمَعْرُوفُ أنَّ عاصِمًا مُوافِقٌ لِلْجُمْهُورِ في جَعْلِ ثانِيَةِ الهَمْزَتَيْنِ ياءً، فَهَذِهِ رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.
وقَدْ كُتِبَ في المُصْحَفِ (إلافِهِمْ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وأمّا الألِفُ المَدَّةُ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ فَلَمْ تُكْتَبْ في الكَلِمَتَيْنِ في المُصْحَفِ عَلى عادَةِ أكْثَرِ المَدّاتِ مِثْلِها، والقِراءاتُ رِواياتٌ ولَيْسَ خَطُّ المُصْحَفِ إلّا كالتَّذْكِرَةِ لِلْقارِئِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ سَنَّها الصَّحابَةُ الَّذِينَ عُيِّنُوا لِنَسْخِ المَصاحِفِ. وإضافَةِ (إيلافِ) إلى قُرَيْشٍ عَلى مَعْنى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ وحُذِفَ مَفْعُولُهُ؛ لِأنَّهُ هُنا أُطْلِقَ بِالمَعْنى الِاسْمِيِّ لِتِلْكَ العادَةِ فَهي إضافَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ اللّامِ.
وقُرَيْشٌ: لَقَبُ الجَدِّ الَّذِي يَجْمَعُ بُطُونًا كَثِيرَةً، وهو فِهْرُ بْنُ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّسّابِينَ وما فَوْقَ فِهْرٍ فَهم مِن كِنانَةَ، ولُقِّبَ فِهْرٌ بِلَقَبِ قُرَيْشٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وهو عَلى الصَّحِيحِ تَصْغِيرُ قَرْشٍ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ اسْمُ نَوْعٍ مِنَ الحُوتِ قَوِيٌّ يَعْدُو عَلى الحِيتانِ وعَلى السُّفُنِ.
وقالَ بَعْضُ النَّسّابِينَ: إنَّ قُرَيْشًا لَقَبُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ «. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقالَ: مِن ولَدِ النَّضْرِ»، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: «إنّا ولَدَ النَّضِرِ بْنِ كِنانَةَ لا نَقْفُوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» . فَجَمِيعُ أهْلِ مَكَّةَ هم قُرَيْشٌ، وفِيهِمْ كانَتْ مَناصِبُ أهْلِ مَكَّةَ في الجاهِلِيَّةِ مُوَزَّعَةً بَيْنَهم، وكانَتْ بَنُو كِنانَةَ بِخَيْفِ مِنًى، ولَهم مَناصِبُ في أعْمالِ الحَجِّ خاصَّةً، مِنها النَّسِيءُ.
وقَوْلُهُ (إيلافِهِمْ) عَطْفُ بَيانٍ مِن ﴿إيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وهو مِن أُسْلُوبِ
صفحة ٥٥٧
الإجْمالِ، فالتَّفْصِيلُ لِلْعِنايَةِ بِالخَبَرِ لِيَتَمَكَّنَ في ذِهْنِ السّامِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٦] حِكايَةً لِكَلامِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
والرِّحْلَةُ بِكَسْرِ الرّاءِ: اسْمٌ لِلِارْتِحالِ، وهو المَسِيرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ بَعِيدٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البَعِيرُ الَّذِي يُسافَرُ عَلَيْهِ راحِلَةً.
وإضافَةُ رِحْلَةٍ إلى الشِّتاءِ مِن إضافَةِ الفِعْلِ إلى زَمانِهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ الفِعْلُ مُسْتَغْرِقًا لِزَمانِهِ مِثْلَ قَوْلِكَ: سَهَرُ اللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ وقْتًا لِابْتِدائِهِ مِثْلَ صَلاةِ الظُّهْرِ، وظاهِرُ الإضافَةِ أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ مَعْرُوفَةٌ مَعْهُودَةٌ، وهُما رِحْلَتانِ. فَعَطَفَ (والصَّيْفِ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ورِحْلَةَ الصَّيْفِ، لِظُهُورِ أنَّهُ لا تَكُونُ رِحْلَةً واحِدَةً تُبْتَدَأُ في زَمانَيْنِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُما رِحْلَتانِ في زَمَنَيْنِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ يَكُونَ لَفْظُ (رِحْلَةَ) المُفْرَدُ مُضافًا إلى شَيْئَيْنِ لِظُهُورِ المُرادِ وأمْنِ اللَّبْسِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ.
والشِّتاءُ: اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ المُقَسَّمَةِ إلى أرْبَعَةِ فُصُولٍ. وفَصْلُ الشِّتاءِ تِسْعَةٌ وثَمانُونَ يَوْمًا وبِضْعُ دَقائِقَ مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الجَدْيِ. ونِهايَتُها خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ الحُوتِ، وبُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ: الجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ، وفَصْلُ الشِّتاءِ مُدَّةُ البَرْدِ.
والصَّيْفُ: اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وهو زَمَنُ الحَرِّ، ومُدَّتُهُ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا وبِضْعُ ساعاتٍ، مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ السَّرَطانِ ونِهايَتُهُ خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ السُّنْبُلَةِ، وبُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ، السَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ مالِكٌ: الشِّتاءُ نِصْفُ السَّنَةِ والصَّيْفُ نِصْفُها، ولَمْ أزَلْ أرى رَبِيعَةَ بْنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومَن مَعَهُ لا يَخْلَعُونَ عَمائِمَهم حَتّى تَطْلُعَ الثُّرَيّا، (يَعْنِي طُلُوعَ الثُّرَيّا عِنْدَ الفَجْرِ، وذَلِكَ أوَّلُ فَصْلِ الصَّيْفِ) وهو يَوْمُ التّاسِعَ عَشَرَ مِن (بَشَنْسَ) وهو يَوْمُ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ مِن عَدَدِ الرُّومِ أوِ الفُرْسِ اهـ. وشَهْرُ بَشَنْسَ هو التّاسِعُ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ المُجَزَّأةِ إلى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
صفحة ٥٥٨
وشَهْرُ بَشَنْسَ يُبْتَدَأُ في اليَوْمِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ نِيسانَ (أبْرِيلَ) وهو ثَلاثُونَ يَوْمًا يَنْتَهِي يَوْمَ ٢٥ مِن شَهْرِ (إيارَ - مايُهْ) .
وطُلُوعُ الثُّرَيّا عِنْدَ الفَجْرِ، وهو يَوْمُ تِسْعَةَ عَشَرَ مِن شَهْرِ بَشَنْسَ مِن أشْهُرِ القِبْطِ. قالَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ: فالصَّيْفُ عِنْدَ العامَّةِ نِصْفُ السَّنَةِ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ، والشِّتاءُ نِصْفُ السَّنَةِ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ.
والسَّنَةُ بِالتَّحْقِيقِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ: الصَّيْفُ: ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ العِراقِ وخُراسانَ الرَّبِيعَ، ويَلِيهِ القَيْظُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وهو شِدَّةُ الحَرِّ، ويَلِيهِ الخَرِيفُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، ويَلِيهِ الشِّتاءُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. وهَذِهِ الآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاصْطِلاحَيْنِ. واصْطِلاحُ عُلَماءَ المِيقاتِ تَقْسِيمُ السَّنَةِ إلى رَبِيعٍ وصَيْفٍ وخَرِيفٍ وشِتاءٍ، ومَبْدَأُ السَّنَةِ الرَّبِيعُ هو دُخُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الحَمَلِ. وهاتانِ الرِّحْلَتانِ هُما رِحْلَةُ تِجارَةٍ ومِيرَةٍ كانَتْ قُرَيْشٌ تُجَهِّزُهُما في هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ مِنَ السَّنَةِ إحْداهُما في الشِّتاءِ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ اليَمَنِ يَبْلُغُونَ بِها بِلادَ حِمْيَرَ، والأُخْرى في الصَّيْفِ إلى الشّامِ يَبْلُغُونَ بِها مَدِينَةَ بُصْرى مِن بِلادِ الشّامِ.
وكانَ الَّذِينَ سَنَّ لَهم هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ هاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَرِيهِمْ خَصاصَةٌ، فَإذا لَمْ يَجِدْ أهْلُ بَيْتٍ طَعامًا لِقُوتِهِمْ حَمَلَ رَبُّ البَيْتِ عِيالَهُ إلى مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ خِباءً وبَقُوا فِيهِ حَتّى يَمُوتُوا جُوعًا، ويُسَمّى ذَلِكَ الِاعْتِفارَ (بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ وبِالرّاءِ، وقِيلَ: بِالدّالِ عِوَضَ الرّاءِ وبِفاءٍ) فَحَدَثَ أنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِن بَنِي مَخْزُومٍ أصابَتْهم فاقَةٌ شَدِيدَةٌ فَهَمُّوا بِالِاعْتِفارِ فَبَلَغَ خَبَرُهم هاشِمًا؛ لِأنَّ أحَدَ أبْنائِهِمْ كانَ تِرْبًا لِأسَدِ بْنِ هاشِمٍ، فَقامَ هاشِمٌ خَطِيبًا في قُرَيْشٍ وقالَ: إنَّكم أحْدَثْتُمْ حَدَثًا تَقِلُّونَ فِيهِ وتَكْثُرُ العَرَبُ وتَذِلُّونَ وتَعِزُّ العَرَبُ وأنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ والنّاسُ لَكم تَبَعٌ ويَكادُ هَذا الِاعْتِفارُ يَأْتِي عَلَيْكم، ثُمَّ جَمَعَ كُلَّ بَنِي أبٍ عَلى رِحْلَتَيْنِ لِلتِّجاراتِ فَما رَبِحَ الغَنِيُّ قَسَّمَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ مِن عَشِيرَتِهِ حَتّى صارَ فَقِيرُهم كَغَنِيِّهِمْ، وفِيهِ يَقُولُ مَطْرُودٌ الخُزاعِيُّ:
يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ
الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ
والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي
صفحة ٥٥٩
ولَمْ تَزَلِ الرِّحْلَتانِ مِن إيلافِ قُرَيْشٍ حَتّى جاءَ الإسْلامُ وهم عَلى ذَلِكَ.
والمَعْرُوفُ المَشْهُورُ أنَّ الَّذِي سَنَّ الإيلافَ هو هاشِمٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَنِ الهَرَوِيِّ: أنَّ أصْحابَ الإيلافِ هاشِمٌ وإخْوَتُهُ الثَّلاثَةُ الآخَرُونَ: عَبْدُ شَمْسٍ، والمُطَّلِبُ، ونَوْفَلٌ. وأنَّ واحِدًا مِنهم أخَذَ حَبْلًا - أيْ عَهْدًا - مِن أحَدِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَمُرُّونَ في تِجارَتِهِمْ عَلى بِلادِهِمْ وهم مَلِكُ الشّامِ، ومَلِكُ الحَبَشَةِ، ومَلِكُ اليَمَنِ، ومَلِكُ فارِسَ، فَأخَذَ هاشِمٌ هَذا مِن مَلِكِ الشّامِ وهو مِلْكُ الرُّومِ، وأخَذَ عَبْدُ شَمْسٍ مِن نَجاشِيِّ الحَبَشَةِ وأخَذَ المُطَّلِبُ مِن مَلِكِ اليَمَنِ، وأخَذَ نَوْفَلٌ مِن كِسْرى مَلِكِ فارِسَ، فَكانُوا يَجْعَلُونَ جُعْلًا لِرُؤَساءِ القَبائِلِ وساداتِ العَشائِرِ يُسَمّى الإيلافَ أيْضًا، يُعْطُونَهم شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ ويَحْمِلُونَ إلَيْهِمْ مَتاعًا ويَسُوقُونَ إلَيْهِمْ إبِلًا مَعَ إبِلِهِمْ لِيَكْفُوهم مَئُونَةَ الأسْفارِ وهم يَكْفُونَ قُرَيْشًا دَفْعَ الأعْداءِ، فاجْتَمَعَ لَهم بِذَلِكَ أمْنُ الطَّرِيقِ كُلِّهِ إلى اليَمَنِ وإلى الشّامِ، وكانُوا يُسَمَّوْنَ المُجِيرِينَ.
وقَدْ تَوَهَّمَ النَّقّاشُ مِن هَذا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ رِحْلَةً، فَزَعَمَ أنَّ الرِّحَلَ كانَتْ أرْبَعًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. وصَدَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ كَوْنَ أصْحابِ العُهَدِ الَّذِي كانَ بِهِ الإيلافُ أرْبَعَةً لا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الرِّحْلاتُ أرْبَعًا، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ. ولَعَلَّ هَؤُلاءِ الإخْوَةَ كانُوا يَتَداوَلُونَ السَّفَرَ مَعَ الرِّحْلاتِ عَلى التَّناوُبِ؛ لِأنَّهُمُ المَعْرُوفُونَ عِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْهِمُ العِيرُ، أوْ لِأنَّهم تَوارَثُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ هاشِمٍ فَكانَتْ تُضافُ العِيرُ إلى أحَدِهِمْ كَما أضافُوا العِيرَ الَّتِي تَعْرَّضَ المُسْلِمُونَ لَها يَوْمَ بَدْرٍ عِيرَ أبِي سُفْيانَ، إذْ هو يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ أهْلِ الوادِي بِمَكَّةَ.
ومَعْنى الآيَةِ تَذْكِيرُ قُرَيْشٍ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إذْ يَسَّرَ لَهم ما لَمْ يَتَأتَّ لِغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ مِنَ الأمْنِ مِن عُدْوانِ المُعْتَدِينَ، وغاراتِ المُغِيرِينِ في السَّنَةِ كُلِّها بِما يَسَّرَ لَهم مِن بِناءِ الكَعْبَةِ وشِرْعَةِ الحَجِّ وأنْ جَعَلَهم عُمّارَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ لَهم مَهابَةً وحُرْمَةً في نُفُوسِ العَرَبِ كُلِّهِمْ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وفي غَيْرِها.
وعِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تُحَرِّمُ الأشْهُرَ الحُرُمَ والقَبائِلِ الَّتِي لا تُحَرِّمُها مِثْلَ طَيِّءٍ وقُضاعَةَ وخَثْعَمَ، فَتَيَسَّرَتْ لَهُمُ الأسْفارُ في بِلادِ العَرَبِ مِن جَنُوبِها إلى شَمالِها، ولاذَ
صفحة ٥٦٠
بِهِمْ أصْحابُ الحاجاتِ يُسافِرُونَ مَعَهم، وأصْحابُ التِّجاراتِ يُحَمِّلُونَهم سِلَعَهم، وصارَتْ مَكَّةُ وسَطًا تُجْلَبُ إلَيْها السِّلَعُ مِن جَمِيعِ البِلادِ العَرَبِيَّةِ فَتُوَزَّعُ إلى طالِبِيها في بَقِيَّةِ البِلادِ، فاسْتَغْنى أهْلُ مَكَّةَ بِالتِّجارَةِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، إذْ كانُوا بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وكانُوا يَجْلِبُونَ أقْواتَهم فَيَجْلِبُونَ مِن بِلادِ اليَمَنِ الحُبُوبَ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وزَبِيبٍ وأدِيمٍ وثِيابٍ والسُّيُوفَ اليَمانِيَّةَ، ومِن بِلادِ الشّامِ الحُبُوبَ والتَّمْرَ والزَّيْتَ والزَّبِيبَ والثِّيابَ والسُّيُوفَ المَشْرَفِيَّةَ، زِيادَةً عَلى ما جُعِلَ لَهم مَعَ مُعْظَمِ العَرَبِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وما أُقِيمَ لَهم مِن مَواسِمِ الحَجِّ وأسْواقِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ .
فَذَلِكَ وجْهُ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِتَوْحِيدِهِمُ اللَّهَ بِخُصُوصِ نِعْمَةِ هَذا الإيلافِ مَعَ أنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ نِعَمًا كَثِيرَةً؛ لِأنَّ هَذا الإيلافَ كانَ سَبَبًا جامِعًا لِأهَمِّ النِّعَمِ الَّتِي بِها قِوامُ بَقائِهِمْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى مَعْنى الفاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ عَلى الوُجُوهِ كُلِّها.
والعِبادَةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ إشْراكِ الشُّرَكاءِ مَعَهُ في العِبادَةِ؛ لِأنَّ إشْراكَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِها لَيْسَ بِعِبادَةٍ أوْ لِأنَّهم شُغِلُوا بِعِبادَةِ الأصْنامِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ فَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا في أيّامِ الحَجِّ في التَّلْبِيَةِ عَلى أنَّهم قَدْ زادَ بَعْضُهم فِيها بَعْدَ قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
وتَعْرِيفُ (رَبَّ) بِالإضافَةِ إلى ﴿هَذا البَيْتِ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فَلْيَعْبُدُوا اللَّهَ، لِما يُومِئُ إلَيْهِ لَفْظُ (رَبَّ) مِنِ اسْتِحْقاقِهِ الإفْرادَ بِالعِبادَةِ دُونَ شَرِيكٍ.
وأُوثِرَ إضافَةُ (رَبَّ) إلى ﴿هَذا البَيْتِ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: رَبُّهم لِلْإيماءِ إلى أنَّ البَيْتَ هو أصْلُ نِعْمَةِ الإيلافِ بِأنْ أمَرَ إبْراهِيمَ بِبِناءِ البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ سَبَبًا لِرِفْعَةِ شَأْنِهِمْ بَيْنَ العَرَبِ. قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] وذَلِكَ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ البَيْتِ الحَرامِ وفَضْلِهِ.
والبَيْتُ مَعْهُودٌ عِنْدَ المُخاطِبِينَ.
صفحة ٥٦١
والإشارَةُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ العَهْدِ كانَ كالحاضِرِ في مَقامِ الكَلامِ عَلى أنَّ البَيْتَ بِهَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ ورَبُّ البَيْتِ هو اللَّهُ، والعَرَبُ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ.
وأُجْرِيَ وصْفُ الرَّبِّ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ رَبِّ البَيْتِ الحَرامِ بِعِلَّةٍ أُخْرى زِيادَةً عَلى نِعْمَةِ تَيْسِيرِ التِّجارَةِ لَهم، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَهم أهْلَ ثَراءٍ، وهُما نِعْمَةُ إطْعامِهِمْ وأمْنِهِمْ. وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما يُسِّرَ لَهم مِن وُرُودِ سُفُنِ الحَبَشَةِ في البَحْرِ إلى جَدَّةَ تَحْمِلُ الطَّعامَ لِيَبِيعُوهُ هُناكَ، فَكانَتْ قُرَيْشٌ يَخْرُجُونَ إلى جَدَّةَ بِالإبِلِ والحُمُرِ فَيَشْتَرُونَ الطَّعامَ عَلى مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ، وكانَ أهْلُ تَبالَةَ وجُرَشَ مِن بِلادِ اليَمَنِ المُخْصِبَةِ يَحْمِلُونَ الطَّعامَ في مَكَّةَ، فَكانُوا في سِعَةٍ مِنَ العَيْشِ بِوَفْرِ الطَّعامِ في بِلادِهِمْ كَذَلِكَ يُسِّرَ لَهم إقامَةُ الأسْواقِ حَوْلَ مَكَّةَ في أشْهُرِ الحَجِّ وهي سُوقُ مَجَنَّةَ، وسُوقُ ذِي المَجازِ، وسُوقُ عُكاظٍ، فَتَأْتِيهِمْ فِيها الأرْزاقُ ويَتَّسِعُ العَيْشُ، وإشارَةٌ إلى ما أُلْقِيَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَةِ مَكَّةَ وأهْلِها فَلا يُرِيدُهم أحَدٌ بِتَخْوِيفٍ، وتِلْكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فَلَمْ يَتَخَلَّفْ ذَلِكَ عَنْهم إلّا حِينَ دَعا عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ بِدَعْوَتِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ» فَأصابَتْهم مَجاعَةٌ وقَحْطٌ سَبْعَ سِنِينَ وذَلِكَ أوَّلُ الهِجْرَةِ.
و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (جُوعٍ) وعَلى (خَوْفٍ) مَعْناها البَدِلِيَّةُ، أيْ: أطْعَمَهم بَدَلًا مِنَ الجُوعِ وآمَنَهم بَدَلًا مِنَ الخَوْفِ. ومَعْنى البَدَلِيَّةِ هو أنَّ حالَةَ بِلادِهِمْ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أهْلُها في جُوعٍ. فَإطْعامُهم بَدَلٌ مِنَ الجُوعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ البِلادُ، وأنَّ حالَتَهم في قِلَّةِ العَدَدِ وكَوْنِهِمْ أهْلَ حَضَرٍ ولَيْسُوا أهْلَ بَأْسٍ ولا فُرُوسِيَّةٍ ولا شَكَّةِ سِلاحٍ تَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مُعَرَّضِينَ لِغاراتِ القَبائِلِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الأمْنَ في الحَرَمِ عِوَضًا عَنِ الخَوْفِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قِلَّتُهم قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
وتَنْكِيرُ (جُوعٍ) و(خَوْفٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ لا لِلتَّعْظِيمِ، إذْ لَمْ يَحُلَّ بِهِمْ جُوعٌ وخَوْفٌ مِن قَبْلُ، قالَ مُساوِرُ بْنُ هِنْدٍ في هِجاءِ بَنِي أسَدٍ:
صفحة ٥٦٢
زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشٌ ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ
أُولَئِكَ أُومِنُوا جُوعًا وخَوْفًا ∗∗∗ وقَدْ جاعَتْ بَنُو أسَدٍ وخافُوا
* * *
صفحة ٥٦٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِسُورَةُ الماعُونِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الماعُونِ) لِوُرُودِ لَفْظِ الماعُونِ فِيها دُونَ غَيْرِها.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ أرَأيْتَ) وكَذَلِكَ في مُصْحَفٍ مِن مَصاحِفِ القَيْرَوانِ في القَرْنِ الخامِسِ، وكَذَلِكَ عَنْوَنَها في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
وعَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ بِـ (سُورَةِ أرَأيْتَ الَّذِي) . وقالَ الكَواشِيُّ في التَّلْخِيصِ (سُورَةُ الماعُونِ، والدِّينِ، وأرَأيْتَ)، وفي الإتْقانِ: وتُسَمّى (سُورَةَ الدِّينِ) وفي حاشِيَتَيِ الخَفاجِيِّ وسَعْدِيٍّ تُسَمّى (سُورَةَ التَّكْذِيبِ) وقالَ البِقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ تُسَمّى (سُورَةَ اليَتِيمِ) . وهَذِهِ سِتَّةُ أسْماءٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ: هي مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وفي الإتْقانِ: قِيلَ نَزَلَ ثَلاثٌ أوَّلُها بِمَكَّةَ أيْ: إلى قَوْلِهِ: المِسْكِينِ وبَقِيَّتُها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، أيْ: بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] إلى آخَرِ السُّورَةِ أُرِيدَ بِها المُنافِقُونَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَهُ هِبَةُ اللَّهِ الضَّرِيرُ وهو الأظْهَرُ.
وعُدَّتِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّكاثُرِ وقَبْلَ سُورَةِ الكافِرُونَ.
وعُدَّتْ آياتُها سِتًّا عِنْدَ مُعْظَمِ العادِّينَ: وحَكى الآلُوسِيُّ أنَّ الَّذِينَ عَدُّوا آياتِها سِتًّا أهْلُ العِراقِ (أيِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ)، وقالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ النُّورِيُّ الصَّفاقِسِيُّ
صفحة ٥٦٤
فِي غَيْثِ النَّفْعِ: وآيُها سَبْعٌ حِمْصِيٌّ (أيْ: شامِيٌّ) وسِتٌّ في الباقِي. وهَذا يُخالِفُ ما قالَهُ الآلُوسِيُّ.
* * *
مِن مَقاصِدِ التَّعْجِيبِ مِن حالِ مَن كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وتَفْظِيعِ أعْمالِهِمْ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى الضَّعِيفِ واحْتِقارِهِ والإمْساكِ عَنْ إطْعامِ المِسْكِينِ، والإعْراضِ عَنْ قَواعِدِ الإسْلامِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنْ يَكُونَ في فِعْلِهِ ذَلِكَ ما يَجْلِبُ لَهُ غَضَبَ اللَّهِ وعِقابَهُ.
قريش 106:2
﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾
افْتِتاحٌ مُبْدِعٌ، إذْ كانَ بِمَجْرُورٍ بِلامِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِإثْرِهِ بِالقُرْبِ ما يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِهِ، فَفِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ هَذا المَجْرُورِ. وزادَهُ الطُّولُ تَشْوِيقًا، إذْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ (بِالفَتْحِ) بِخَمْسِ كَلِماتٍ، فَيَتَعَلَّقُ (لِإيلافِ) بِقَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) .
وتَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ هو مِن أسْبابِ أمْرِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها بِعِبادَةِ الأصْنامِ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (لِيَعْبُدُوا) .
وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: لِتَعْبُدْ قُرَيْشٌ رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ لِإيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَلَمّا اقْتَضى قَصْدُ الِاهْتِمامِ بِالمَعْمُولِ تَقْدِيمَهُ عَلى عامِلِهِ، تَوَلَّدَ مِن تَقْدِيمِهِ مَعْنًى جَعَلَهُ شَرْطًا لِعامِلِهِ، فاقْتَرَنَ عامِلُهُ بِالفاءِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ جَوابِ الشَّرْطِ، فالفاءُ الدّاخِلَةُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ ما قَبْلَها مِن قُوَّةِ الشَّرْطِ، أيْ: مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مَقْصُودٌ بِهِ اهْتِمامٌ
صفحة ٥٥٥
خاصٌّ وعِنايَةٌ قَوِيَّةٌ هي عِنايَةُ المُشْتَرِطِ بِشَرْطِهِ، وتَعْلِيقُ بَقِيَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ لِما يَنْتَظِرُهُ مِن جَوابِهِ، وهَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الإيجازِ بَدِيعٌ.
قالَ في الكَشّافِ ( دَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا لا فَلْيَعْبُدُوهُ لِإيلافِهِمْ، أيْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ اهـ.
وقالَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] دَخَلَتِ الفاءُ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ اهـ. وهو مَعْنى ما في الكَشّافِ. وسَكَتا عَنْ مَنشَأِ حُصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ هَذا جارٍ عِنْدَ تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ ونَحْوِهِ مِن مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ﴾ [الشورى: ١٥] في سُورَةِ الشُّورى «. وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ الجِهادِ، فَقالَ لَهُ ألَكَ أبَوانِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ» .
ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (اعْجَبُوا) مَحْذُوفًا يُنْبِئُ عَنْهُ اللّامُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ مَجْرُورٍ بِها بَعْدَ مادَّةِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: عَجَبًا لَكَ، وعَجَبًا لِتِلْكَ القَضِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ ”
فَيا لَكَ مِن لَيْلٍ
“؛ لِأنَّ حَرْفَ النِّداءِ مُرادٌ بِهِ التَّعَجُّبُ فَتَكُونَ الفاءُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) تَفْرِيعًا عَلى التَّعَجُّبِ.
وجَوَّزَ الفَرّاءُ وابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ أنْ يَكُونَ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما في سُورَةِ الفِيلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] قالَ القُرْطُبِيُّ. وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ ورِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ اهـ. يَعْنُونَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وإنْ كانَتْ سُورَةً مُسْتَقِلَّةً فَهي مُلْحَقَةٌ بِسُورَةِ الفِيلِ، فَكَما تُلْحَقُ الآيَةُ بِآيَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها، تُلْحَقُ آياتٌ هي سُورَةٌ فَتَتَعَلَّقُ بِسُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.
والإيلافُ: مَصْدَرُ أأْلَفَ بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى ألِفَ وهُما لُغَتانِ، والأصْلُ هو ألِفَ، وصِيغَةُ الإفْعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَصارَتْ تُسْتَعْمَلُ في إفادَةِ قَوْلِ الفِعْلِ مَجازًا ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأفْعالِ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ مِثْلَ سافَرَ، وعافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُمُ اللَّهُ.
صفحة ٥٥٦
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ في المَوْضِعَيْنِ (لِإيلافِ) بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ الثّانِيَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ (لِإلافٍ) الأوَّلَ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي أصْلُها هَمْزَةٌ ثانِيَةٌ، وقَرَأهُ (إيلافِهِمْ) بِإثْباتِ الياءِ مِثْلَ الجُمْهُورِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لِيلافِ قُرَيْشٍ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الأُولى. وقَرَأ (إلافِهِمْ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ أنَّ أبا بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ قَرَأ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ في (لِإأْلافِ) وفي (إأْلافِهِمْ)، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ تَحْقِيقَ الهَمْزَتَيْنِ لا وجْهَ لَهُ. قُلْتُ: لا يُوجَدُ في كُتُبِ القِراءاتِ الَّتِي عَرَفْناها نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ. والمَعْرُوفُ أنَّ عاصِمًا مُوافِقٌ لِلْجُمْهُورِ في جَعْلِ ثانِيَةِ الهَمْزَتَيْنِ ياءً، فَهَذِهِ رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.
وقَدْ كُتِبَ في المُصْحَفِ (إلافِهِمْ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وأمّا الألِفُ المَدَّةُ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ فَلَمْ تُكْتَبْ في الكَلِمَتَيْنِ في المُصْحَفِ عَلى عادَةِ أكْثَرِ المَدّاتِ مِثْلِها، والقِراءاتُ رِواياتٌ ولَيْسَ خَطُّ المُصْحَفِ إلّا كالتَّذْكِرَةِ لِلْقارِئِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ سَنَّها الصَّحابَةُ الَّذِينَ عُيِّنُوا لِنَسْخِ المَصاحِفِ. وإضافَةِ (إيلافِ) إلى قُرَيْشٍ عَلى مَعْنى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ وحُذِفَ مَفْعُولُهُ؛ لِأنَّهُ هُنا أُطْلِقَ بِالمَعْنى الِاسْمِيِّ لِتِلْكَ العادَةِ فَهي إضافَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ اللّامِ.
وقُرَيْشٌ: لَقَبُ الجَدِّ الَّذِي يَجْمَعُ بُطُونًا كَثِيرَةً، وهو فِهْرُ بْنُ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّسّابِينَ وما فَوْقَ فِهْرٍ فَهم مِن كِنانَةَ، ولُقِّبَ فِهْرٌ بِلَقَبِ قُرَيْشٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وهو عَلى الصَّحِيحِ تَصْغِيرُ قَرْشٍ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ اسْمُ نَوْعٍ مِنَ الحُوتِ قَوِيٌّ يَعْدُو عَلى الحِيتانِ وعَلى السُّفُنِ.
وقالَ بَعْضُ النَّسّابِينَ: إنَّ قُرَيْشًا لَقَبُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ «. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقالَ: مِن ولَدِ النَّضْرِ»، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: «إنّا ولَدَ النَّضِرِ بْنِ كِنانَةَ لا نَقْفُوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» . فَجَمِيعُ أهْلِ مَكَّةَ هم قُرَيْشٌ، وفِيهِمْ كانَتْ مَناصِبُ أهْلِ مَكَّةَ في الجاهِلِيَّةِ مُوَزَّعَةً بَيْنَهم، وكانَتْ بَنُو كِنانَةَ بِخَيْفِ مِنًى، ولَهم مَناصِبُ في أعْمالِ الحَجِّ خاصَّةً، مِنها النَّسِيءُ.
وقَوْلُهُ (إيلافِهِمْ) عَطْفُ بَيانٍ مِن ﴿إيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وهو مِن أُسْلُوبِ
صفحة ٥٥٧
الإجْمالِ، فالتَّفْصِيلُ لِلْعِنايَةِ بِالخَبَرِ لِيَتَمَكَّنَ في ذِهْنِ السّامِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٦] حِكايَةً لِكَلامِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
والرِّحْلَةُ بِكَسْرِ الرّاءِ: اسْمٌ لِلِارْتِحالِ، وهو المَسِيرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ بَعِيدٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البَعِيرُ الَّذِي يُسافَرُ عَلَيْهِ راحِلَةً.
وإضافَةُ رِحْلَةٍ إلى الشِّتاءِ مِن إضافَةِ الفِعْلِ إلى زَمانِهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ الفِعْلُ مُسْتَغْرِقًا لِزَمانِهِ مِثْلَ قَوْلِكَ: سَهَرُ اللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ وقْتًا لِابْتِدائِهِ مِثْلَ صَلاةِ الظُّهْرِ، وظاهِرُ الإضافَةِ أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ مَعْرُوفَةٌ مَعْهُودَةٌ، وهُما رِحْلَتانِ. فَعَطَفَ (والصَّيْفِ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ورِحْلَةَ الصَّيْفِ، لِظُهُورِ أنَّهُ لا تَكُونُ رِحْلَةً واحِدَةً تُبْتَدَأُ في زَمانَيْنِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُما رِحْلَتانِ في زَمَنَيْنِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ يَكُونَ لَفْظُ (رِحْلَةَ) المُفْرَدُ مُضافًا إلى شَيْئَيْنِ لِظُهُورِ المُرادِ وأمْنِ اللَّبْسِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ.
والشِّتاءُ: اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ المُقَسَّمَةِ إلى أرْبَعَةِ فُصُولٍ. وفَصْلُ الشِّتاءِ تِسْعَةٌ وثَمانُونَ يَوْمًا وبِضْعُ دَقائِقَ مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الجَدْيِ. ونِهايَتُها خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ الحُوتِ، وبُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ: الجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ، وفَصْلُ الشِّتاءِ مُدَّةُ البَرْدِ.
والصَّيْفُ: اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وهو زَمَنُ الحَرِّ، ومُدَّتُهُ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا وبِضْعُ ساعاتٍ، مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ السَّرَطانِ ونِهايَتُهُ خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ السُّنْبُلَةِ، وبُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ، السَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ مالِكٌ: الشِّتاءُ نِصْفُ السَّنَةِ والصَّيْفُ نِصْفُها، ولَمْ أزَلْ أرى رَبِيعَةَ بْنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومَن مَعَهُ لا يَخْلَعُونَ عَمائِمَهم حَتّى تَطْلُعَ الثُّرَيّا، (يَعْنِي طُلُوعَ الثُّرَيّا عِنْدَ الفَجْرِ، وذَلِكَ أوَّلُ فَصْلِ الصَّيْفِ) وهو يَوْمُ التّاسِعَ عَشَرَ مِن (بَشَنْسَ) وهو يَوْمُ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ مِن عَدَدِ الرُّومِ أوِ الفُرْسِ اهـ. وشَهْرُ بَشَنْسَ هو التّاسِعُ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ المُجَزَّأةِ إلى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
صفحة ٥٥٨
وشَهْرُ بَشَنْسَ يُبْتَدَأُ في اليَوْمِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ نِيسانَ (أبْرِيلَ) وهو ثَلاثُونَ يَوْمًا يَنْتَهِي يَوْمَ ٢٥ مِن شَهْرِ (إيارَ - مايُهْ) .
وطُلُوعُ الثُّرَيّا عِنْدَ الفَجْرِ، وهو يَوْمُ تِسْعَةَ عَشَرَ مِن شَهْرِ بَشَنْسَ مِن أشْهُرِ القِبْطِ. قالَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ: فالصَّيْفُ عِنْدَ العامَّةِ نِصْفُ السَّنَةِ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ، والشِّتاءُ نِصْفُ السَّنَةِ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ.
والسَّنَةُ بِالتَّحْقِيقِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ: الصَّيْفُ: ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ العِراقِ وخُراسانَ الرَّبِيعَ، ويَلِيهِ القَيْظُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وهو شِدَّةُ الحَرِّ، ويَلِيهِ الخَرِيفُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، ويَلِيهِ الشِّتاءُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. وهَذِهِ الآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاصْطِلاحَيْنِ. واصْطِلاحُ عُلَماءَ المِيقاتِ تَقْسِيمُ السَّنَةِ إلى رَبِيعٍ وصَيْفٍ وخَرِيفٍ وشِتاءٍ، ومَبْدَأُ السَّنَةِ الرَّبِيعُ هو دُخُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الحَمَلِ. وهاتانِ الرِّحْلَتانِ هُما رِحْلَةُ تِجارَةٍ ومِيرَةٍ كانَتْ قُرَيْشٌ تُجَهِّزُهُما في هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ مِنَ السَّنَةِ إحْداهُما في الشِّتاءِ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ اليَمَنِ يَبْلُغُونَ بِها بِلادَ حِمْيَرَ، والأُخْرى في الصَّيْفِ إلى الشّامِ يَبْلُغُونَ بِها مَدِينَةَ بُصْرى مِن بِلادِ الشّامِ.
وكانَ الَّذِينَ سَنَّ لَهم هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ هاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَرِيهِمْ خَصاصَةٌ، فَإذا لَمْ يَجِدْ أهْلُ بَيْتٍ طَعامًا لِقُوتِهِمْ حَمَلَ رَبُّ البَيْتِ عِيالَهُ إلى مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ خِباءً وبَقُوا فِيهِ حَتّى يَمُوتُوا جُوعًا، ويُسَمّى ذَلِكَ الِاعْتِفارَ (بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ وبِالرّاءِ، وقِيلَ: بِالدّالِ عِوَضَ الرّاءِ وبِفاءٍ) فَحَدَثَ أنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِن بَنِي مَخْزُومٍ أصابَتْهم فاقَةٌ شَدِيدَةٌ فَهَمُّوا بِالِاعْتِفارِ فَبَلَغَ خَبَرُهم هاشِمًا؛ لِأنَّ أحَدَ أبْنائِهِمْ كانَ تِرْبًا لِأسَدِ بْنِ هاشِمٍ، فَقامَ هاشِمٌ خَطِيبًا في قُرَيْشٍ وقالَ: إنَّكم أحْدَثْتُمْ حَدَثًا تَقِلُّونَ فِيهِ وتَكْثُرُ العَرَبُ وتَذِلُّونَ وتَعِزُّ العَرَبُ وأنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ والنّاسُ لَكم تَبَعٌ ويَكادُ هَذا الِاعْتِفارُ يَأْتِي عَلَيْكم، ثُمَّ جَمَعَ كُلَّ بَنِي أبٍ عَلى رِحْلَتَيْنِ لِلتِّجاراتِ فَما رَبِحَ الغَنِيُّ قَسَّمَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ مِن عَشِيرَتِهِ حَتّى صارَ فَقِيرُهم كَغَنِيِّهِمْ، وفِيهِ يَقُولُ مَطْرُودٌ الخُزاعِيُّ:
يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ
الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ
والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي
صفحة ٥٥٩
ولَمْ تَزَلِ الرِّحْلَتانِ مِن إيلافِ قُرَيْشٍ حَتّى جاءَ الإسْلامُ وهم عَلى ذَلِكَ.
والمَعْرُوفُ المَشْهُورُ أنَّ الَّذِي سَنَّ الإيلافَ هو هاشِمٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَنِ الهَرَوِيِّ: أنَّ أصْحابَ الإيلافِ هاشِمٌ وإخْوَتُهُ الثَّلاثَةُ الآخَرُونَ: عَبْدُ شَمْسٍ، والمُطَّلِبُ، ونَوْفَلٌ. وأنَّ واحِدًا مِنهم أخَذَ حَبْلًا - أيْ عَهْدًا - مِن أحَدِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَمُرُّونَ في تِجارَتِهِمْ عَلى بِلادِهِمْ وهم مَلِكُ الشّامِ، ومَلِكُ الحَبَشَةِ، ومَلِكُ اليَمَنِ، ومَلِكُ فارِسَ، فَأخَذَ هاشِمٌ هَذا مِن مَلِكِ الشّامِ وهو مِلْكُ الرُّومِ، وأخَذَ عَبْدُ شَمْسٍ مِن نَجاشِيِّ الحَبَشَةِ وأخَذَ المُطَّلِبُ مِن مَلِكِ اليَمَنِ، وأخَذَ نَوْفَلٌ مِن كِسْرى مَلِكِ فارِسَ، فَكانُوا يَجْعَلُونَ جُعْلًا لِرُؤَساءِ القَبائِلِ وساداتِ العَشائِرِ يُسَمّى الإيلافَ أيْضًا، يُعْطُونَهم شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ ويَحْمِلُونَ إلَيْهِمْ مَتاعًا ويَسُوقُونَ إلَيْهِمْ إبِلًا مَعَ إبِلِهِمْ لِيَكْفُوهم مَئُونَةَ الأسْفارِ وهم يَكْفُونَ قُرَيْشًا دَفْعَ الأعْداءِ، فاجْتَمَعَ لَهم بِذَلِكَ أمْنُ الطَّرِيقِ كُلِّهِ إلى اليَمَنِ وإلى الشّامِ، وكانُوا يُسَمَّوْنَ المُجِيرِينَ.
وقَدْ تَوَهَّمَ النَّقّاشُ مِن هَذا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ رِحْلَةً، فَزَعَمَ أنَّ الرِّحَلَ كانَتْ أرْبَعًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. وصَدَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ كَوْنَ أصْحابِ العُهَدِ الَّذِي كانَ بِهِ الإيلافُ أرْبَعَةً لا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الرِّحْلاتُ أرْبَعًا، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ. ولَعَلَّ هَؤُلاءِ الإخْوَةَ كانُوا يَتَداوَلُونَ السَّفَرَ مَعَ الرِّحْلاتِ عَلى التَّناوُبِ؛ لِأنَّهُمُ المَعْرُوفُونَ عِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْهِمُ العِيرُ، أوْ لِأنَّهم تَوارَثُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ هاشِمٍ فَكانَتْ تُضافُ العِيرُ إلى أحَدِهِمْ كَما أضافُوا العِيرَ الَّتِي تَعْرَّضَ المُسْلِمُونَ لَها يَوْمَ بَدْرٍ عِيرَ أبِي سُفْيانَ، إذْ هو يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ أهْلِ الوادِي بِمَكَّةَ.
ومَعْنى الآيَةِ تَذْكِيرُ قُرَيْشٍ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إذْ يَسَّرَ لَهم ما لَمْ يَتَأتَّ لِغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ مِنَ الأمْنِ مِن عُدْوانِ المُعْتَدِينَ، وغاراتِ المُغِيرِينِ في السَّنَةِ كُلِّها بِما يَسَّرَ لَهم مِن بِناءِ الكَعْبَةِ وشِرْعَةِ الحَجِّ وأنْ جَعَلَهم عُمّارَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ لَهم مَهابَةً وحُرْمَةً في نُفُوسِ العَرَبِ كُلِّهِمْ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وفي غَيْرِها.
وعِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تُحَرِّمُ الأشْهُرَ الحُرُمَ والقَبائِلِ الَّتِي لا تُحَرِّمُها مِثْلَ طَيِّءٍ وقُضاعَةَ وخَثْعَمَ، فَتَيَسَّرَتْ لَهُمُ الأسْفارُ في بِلادِ العَرَبِ مِن جَنُوبِها إلى شَمالِها، ولاذَ
صفحة ٥٦٠
بِهِمْ أصْحابُ الحاجاتِ يُسافِرُونَ مَعَهم، وأصْحابُ التِّجاراتِ يُحَمِّلُونَهم سِلَعَهم، وصارَتْ مَكَّةُ وسَطًا تُجْلَبُ إلَيْها السِّلَعُ مِن جَمِيعِ البِلادِ العَرَبِيَّةِ فَتُوَزَّعُ إلى طالِبِيها في بَقِيَّةِ البِلادِ، فاسْتَغْنى أهْلُ مَكَّةَ بِالتِّجارَةِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، إذْ كانُوا بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وكانُوا يَجْلِبُونَ أقْواتَهم فَيَجْلِبُونَ مِن بِلادِ اليَمَنِ الحُبُوبَ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وزَبِيبٍ وأدِيمٍ وثِيابٍ والسُّيُوفَ اليَمانِيَّةَ، ومِن بِلادِ الشّامِ الحُبُوبَ والتَّمْرَ والزَّيْتَ والزَّبِيبَ والثِّيابَ والسُّيُوفَ المَشْرَفِيَّةَ، زِيادَةً عَلى ما جُعِلَ لَهم مَعَ مُعْظَمِ العَرَبِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وما أُقِيمَ لَهم مِن مَواسِمِ الحَجِّ وأسْواقِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ .
فَذَلِكَ وجْهُ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِتَوْحِيدِهِمُ اللَّهَ بِخُصُوصِ نِعْمَةِ هَذا الإيلافِ مَعَ أنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ نِعَمًا كَثِيرَةً؛ لِأنَّ هَذا الإيلافَ كانَ سَبَبًا جامِعًا لِأهَمِّ النِّعَمِ الَّتِي بِها قِوامُ بَقائِهِمْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى مَعْنى الفاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ عَلى الوُجُوهِ كُلِّها.
والعِبادَةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ إشْراكِ الشُّرَكاءِ مَعَهُ في العِبادَةِ؛ لِأنَّ إشْراكَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِها لَيْسَ بِعِبادَةٍ أوْ لِأنَّهم شُغِلُوا بِعِبادَةِ الأصْنامِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ فَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا في أيّامِ الحَجِّ في التَّلْبِيَةِ عَلى أنَّهم قَدْ زادَ بَعْضُهم فِيها بَعْدَ قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
وتَعْرِيفُ (رَبَّ) بِالإضافَةِ إلى ﴿هَذا البَيْتِ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فَلْيَعْبُدُوا اللَّهَ، لِما يُومِئُ إلَيْهِ لَفْظُ (رَبَّ) مِنِ اسْتِحْقاقِهِ الإفْرادَ بِالعِبادَةِ دُونَ شَرِيكٍ.
وأُوثِرَ إضافَةُ (رَبَّ) إلى ﴿هَذا البَيْتِ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: رَبُّهم لِلْإيماءِ إلى أنَّ البَيْتَ هو أصْلُ نِعْمَةِ الإيلافِ بِأنْ أمَرَ إبْراهِيمَ بِبِناءِ البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ سَبَبًا لِرِفْعَةِ شَأْنِهِمْ بَيْنَ العَرَبِ. قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] وذَلِكَ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ البَيْتِ الحَرامِ وفَضْلِهِ.
والبَيْتُ مَعْهُودٌ عِنْدَ المُخاطِبِينَ.
صفحة ٥٦١
والإشارَةُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ العَهْدِ كانَ كالحاضِرِ في مَقامِ الكَلامِ عَلى أنَّ البَيْتَ بِهَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ ورَبُّ البَيْتِ هو اللَّهُ، والعَرَبُ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ.
وأُجْرِيَ وصْفُ الرَّبِّ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ رَبِّ البَيْتِ الحَرامِ بِعِلَّةٍ أُخْرى زِيادَةً عَلى نِعْمَةِ تَيْسِيرِ التِّجارَةِ لَهم، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَهم أهْلَ ثَراءٍ، وهُما نِعْمَةُ إطْعامِهِمْ وأمْنِهِمْ. وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما يُسِّرَ لَهم مِن وُرُودِ سُفُنِ الحَبَشَةِ في البَحْرِ إلى جَدَّةَ تَحْمِلُ الطَّعامَ لِيَبِيعُوهُ هُناكَ، فَكانَتْ قُرَيْشٌ يَخْرُجُونَ إلى جَدَّةَ بِالإبِلِ والحُمُرِ فَيَشْتَرُونَ الطَّعامَ عَلى مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ، وكانَ أهْلُ تَبالَةَ وجُرَشَ مِن بِلادِ اليَمَنِ المُخْصِبَةِ يَحْمِلُونَ الطَّعامَ في مَكَّةَ، فَكانُوا في سِعَةٍ مِنَ العَيْشِ بِوَفْرِ الطَّعامِ في بِلادِهِمْ كَذَلِكَ يُسِّرَ لَهم إقامَةُ الأسْواقِ حَوْلَ مَكَّةَ في أشْهُرِ الحَجِّ وهي سُوقُ مَجَنَّةَ، وسُوقُ ذِي المَجازِ، وسُوقُ عُكاظٍ، فَتَأْتِيهِمْ فِيها الأرْزاقُ ويَتَّسِعُ العَيْشُ، وإشارَةٌ إلى ما أُلْقِيَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَةِ مَكَّةَ وأهْلِها فَلا يُرِيدُهم أحَدٌ بِتَخْوِيفٍ، وتِلْكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فَلَمْ يَتَخَلَّفْ ذَلِكَ عَنْهم إلّا حِينَ دَعا عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ بِدَعْوَتِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ» فَأصابَتْهم مَجاعَةٌ وقَحْطٌ سَبْعَ سِنِينَ وذَلِكَ أوَّلُ الهِجْرَةِ.
و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (جُوعٍ) وعَلى (خَوْفٍ) مَعْناها البَدِلِيَّةُ، أيْ: أطْعَمَهم بَدَلًا مِنَ الجُوعِ وآمَنَهم بَدَلًا مِنَ الخَوْفِ. ومَعْنى البَدَلِيَّةِ هو أنَّ حالَةَ بِلادِهِمْ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أهْلُها في جُوعٍ. فَإطْعامُهم بَدَلٌ مِنَ الجُوعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ البِلادُ، وأنَّ حالَتَهم في قِلَّةِ العَدَدِ وكَوْنِهِمْ أهْلَ حَضَرٍ ولَيْسُوا أهْلَ بَأْسٍ ولا فُرُوسِيَّةٍ ولا شَكَّةِ سِلاحٍ تَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مُعَرَّضِينَ لِغاراتِ القَبائِلِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الأمْنَ في الحَرَمِ عِوَضًا عَنِ الخَوْفِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قِلَّتُهم قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
وتَنْكِيرُ (جُوعٍ) و(خَوْفٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ لا لِلتَّعْظِيمِ، إذْ لَمْ يَحُلَّ بِهِمْ جُوعٌ وخَوْفٌ مِن قَبْلُ، قالَ مُساوِرُ بْنُ هِنْدٍ في هِجاءِ بَنِي أسَدٍ:
صفحة ٥٦٢
زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشٌ ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ
أُولَئِكَ أُومِنُوا جُوعًا وخَوْفًا ∗∗∗ وقَدْ جاعَتْ بَنُو أسَدٍ وخافُوا
* * *
صفحة ٥٦٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِسُورَةُ الماعُونِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الماعُونِ) لِوُرُودِ لَفْظِ الماعُونِ فِيها دُونَ غَيْرِها.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ أرَأيْتَ) وكَذَلِكَ في مُصْحَفٍ مِن مَصاحِفِ القَيْرَوانِ في القَرْنِ الخامِسِ، وكَذَلِكَ عَنْوَنَها في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
وعَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ بِـ (سُورَةِ أرَأيْتَ الَّذِي) . وقالَ الكَواشِيُّ في التَّلْخِيصِ (سُورَةُ الماعُونِ، والدِّينِ، وأرَأيْتَ)، وفي الإتْقانِ: وتُسَمّى (سُورَةَ الدِّينِ) وفي حاشِيَتَيِ الخَفاجِيِّ وسَعْدِيٍّ تُسَمّى (سُورَةَ التَّكْذِيبِ) وقالَ البِقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ تُسَمّى (سُورَةَ اليَتِيمِ) . وهَذِهِ سِتَّةُ أسْماءٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ: هي مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وفي الإتْقانِ: قِيلَ نَزَلَ ثَلاثٌ أوَّلُها بِمَكَّةَ أيْ: إلى قَوْلِهِ: المِسْكِينِ وبَقِيَّتُها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، أيْ: بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] إلى آخَرِ السُّورَةِ أُرِيدَ بِها المُنافِقُونَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَهُ هِبَةُ اللَّهِ الضَّرِيرُ وهو الأظْهَرُ.
وعُدَّتِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّكاثُرِ وقَبْلَ سُورَةِ الكافِرُونَ.
وعُدَّتْ آياتُها سِتًّا عِنْدَ مُعْظَمِ العادِّينَ: وحَكى الآلُوسِيُّ أنَّ الَّذِينَ عَدُّوا آياتِها سِتًّا أهْلُ العِراقِ (أيِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ)، وقالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ النُّورِيُّ الصَّفاقِسِيُّ
صفحة ٥٦٤
فِي غَيْثِ النَّفْعِ: وآيُها سَبْعٌ حِمْصِيٌّ (أيْ: شامِيٌّ) وسِتٌّ في الباقِي. وهَذا يُخالِفُ ما قالَهُ الآلُوسِيُّ.
* * *
مِن مَقاصِدِ التَّعْجِيبِ مِن حالِ مَن كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وتَفْظِيعِ أعْمالِهِمْ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى الضَّعِيفِ واحْتِقارِهِ والإمْساكِ عَنْ إطْعامِ المِسْكِينِ، والإعْراضِ عَنْ قَواعِدِ الإسْلامِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنْ يَكُونَ في فِعْلِهِ ذَلِكَ ما يَجْلِبُ لَهُ غَضَبَ اللَّهِ وعِقابَهُ.
قريش 106:3
﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾
افْتِتاحٌ مُبْدِعٌ، إذْ كانَ بِمَجْرُورٍ بِلامِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِإثْرِهِ بِالقُرْبِ ما يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِهِ، فَفِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ هَذا المَجْرُورِ. وزادَهُ الطُّولُ تَشْوِيقًا، إذْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ (بِالفَتْحِ) بِخَمْسِ كَلِماتٍ، فَيَتَعَلَّقُ (لِإيلافِ) بِقَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) .
وتَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ هو مِن أسْبابِ أمْرِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها بِعِبادَةِ الأصْنامِ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (لِيَعْبُدُوا) .
وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: لِتَعْبُدْ قُرَيْشٌ رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ لِإيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَلَمّا اقْتَضى قَصْدُ الِاهْتِمامِ بِالمَعْمُولِ تَقْدِيمَهُ عَلى عامِلِهِ، تَوَلَّدَ مِن تَقْدِيمِهِ مَعْنًى جَعَلَهُ شَرْطًا لِعامِلِهِ، فاقْتَرَنَ عامِلُهُ بِالفاءِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ جَوابِ الشَّرْطِ، فالفاءُ الدّاخِلَةُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ ما قَبْلَها مِن قُوَّةِ الشَّرْطِ، أيْ: مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مَقْصُودٌ بِهِ اهْتِمامٌ
صفحة ٥٥٥
خاصٌّ وعِنايَةٌ قَوِيَّةٌ هي عِنايَةُ المُشْتَرِطِ بِشَرْطِهِ، وتَعْلِيقُ بَقِيَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ لِما يَنْتَظِرُهُ مِن جَوابِهِ، وهَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الإيجازِ بَدِيعٌ.
قالَ في الكَشّافِ ( دَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا لا فَلْيَعْبُدُوهُ لِإيلافِهِمْ، أيْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ اهـ.
وقالَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] دَخَلَتِ الفاءُ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ اهـ. وهو مَعْنى ما في الكَشّافِ. وسَكَتا عَنْ مَنشَأِ حُصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ هَذا جارٍ عِنْدَ تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ ونَحْوِهِ مِن مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ﴾ [الشورى: ١٥] في سُورَةِ الشُّورى «. وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ الجِهادِ، فَقالَ لَهُ ألَكَ أبَوانِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ» .
ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (اعْجَبُوا) مَحْذُوفًا يُنْبِئُ عَنْهُ اللّامُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ مَجْرُورٍ بِها بَعْدَ مادَّةِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: عَجَبًا لَكَ، وعَجَبًا لِتِلْكَ القَضِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ ”
فَيا لَكَ مِن لَيْلٍ
“؛ لِأنَّ حَرْفَ النِّداءِ مُرادٌ بِهِ التَّعَجُّبُ فَتَكُونَ الفاءُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) تَفْرِيعًا عَلى التَّعَجُّبِ.
وجَوَّزَ الفَرّاءُ وابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ أنْ يَكُونَ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما في سُورَةِ الفِيلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] قالَ القُرْطُبِيُّ. وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ ورِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ اهـ. يَعْنُونَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وإنْ كانَتْ سُورَةً مُسْتَقِلَّةً فَهي مُلْحَقَةٌ بِسُورَةِ الفِيلِ، فَكَما تُلْحَقُ الآيَةُ بِآيَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها، تُلْحَقُ آياتٌ هي سُورَةٌ فَتَتَعَلَّقُ بِسُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.
والإيلافُ: مَصْدَرُ أأْلَفَ بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى ألِفَ وهُما لُغَتانِ، والأصْلُ هو ألِفَ، وصِيغَةُ الإفْعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَصارَتْ تُسْتَعْمَلُ في إفادَةِ قَوْلِ الفِعْلِ مَجازًا ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأفْعالِ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ مِثْلَ سافَرَ، وعافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُمُ اللَّهُ.
صفحة ٥٥٦
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ في المَوْضِعَيْنِ (لِإيلافِ) بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ الثّانِيَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ (لِإلافٍ) الأوَّلَ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي أصْلُها هَمْزَةٌ ثانِيَةٌ، وقَرَأهُ (إيلافِهِمْ) بِإثْباتِ الياءِ مِثْلَ الجُمْهُورِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لِيلافِ قُرَيْشٍ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الأُولى. وقَرَأ (إلافِهِمْ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ أنَّ أبا بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ قَرَأ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ في (لِإأْلافِ) وفي (إأْلافِهِمْ)، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ تَحْقِيقَ الهَمْزَتَيْنِ لا وجْهَ لَهُ. قُلْتُ: لا يُوجَدُ في كُتُبِ القِراءاتِ الَّتِي عَرَفْناها نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ. والمَعْرُوفُ أنَّ عاصِمًا مُوافِقٌ لِلْجُمْهُورِ في جَعْلِ ثانِيَةِ الهَمْزَتَيْنِ ياءً، فَهَذِهِ رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.
وقَدْ كُتِبَ في المُصْحَفِ (إلافِهِمْ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وأمّا الألِفُ المَدَّةُ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ فَلَمْ تُكْتَبْ في الكَلِمَتَيْنِ في المُصْحَفِ عَلى عادَةِ أكْثَرِ المَدّاتِ مِثْلِها، والقِراءاتُ رِواياتٌ ولَيْسَ خَطُّ المُصْحَفِ إلّا كالتَّذْكِرَةِ لِلْقارِئِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ سَنَّها الصَّحابَةُ الَّذِينَ عُيِّنُوا لِنَسْخِ المَصاحِفِ. وإضافَةِ (إيلافِ) إلى قُرَيْشٍ عَلى مَعْنى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ وحُذِفَ مَفْعُولُهُ؛ لِأنَّهُ هُنا أُطْلِقَ بِالمَعْنى الِاسْمِيِّ لِتِلْكَ العادَةِ فَهي إضافَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ اللّامِ.
وقُرَيْشٌ: لَقَبُ الجَدِّ الَّذِي يَجْمَعُ بُطُونًا كَثِيرَةً، وهو فِهْرُ بْنُ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّسّابِينَ وما فَوْقَ فِهْرٍ فَهم مِن كِنانَةَ، ولُقِّبَ فِهْرٌ بِلَقَبِ قُرَيْشٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وهو عَلى الصَّحِيحِ تَصْغِيرُ قَرْشٍ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ اسْمُ نَوْعٍ مِنَ الحُوتِ قَوِيٌّ يَعْدُو عَلى الحِيتانِ وعَلى السُّفُنِ.
وقالَ بَعْضُ النَّسّابِينَ: إنَّ قُرَيْشًا لَقَبُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ «. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقالَ: مِن ولَدِ النَّضْرِ»، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: «إنّا ولَدَ النَّضِرِ بْنِ كِنانَةَ لا نَقْفُوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» . فَجَمِيعُ أهْلِ مَكَّةَ هم قُرَيْشٌ، وفِيهِمْ كانَتْ مَناصِبُ أهْلِ مَكَّةَ في الجاهِلِيَّةِ مُوَزَّعَةً بَيْنَهم، وكانَتْ بَنُو كِنانَةَ بِخَيْفِ مِنًى، ولَهم مَناصِبُ في أعْمالِ الحَجِّ خاصَّةً، مِنها النَّسِيءُ.
وقَوْلُهُ (إيلافِهِمْ) عَطْفُ بَيانٍ مِن ﴿إيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وهو مِن أُسْلُوبِ
صفحة ٥٥٧
الإجْمالِ، فالتَّفْصِيلُ لِلْعِنايَةِ بِالخَبَرِ لِيَتَمَكَّنَ في ذِهْنِ السّامِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٦] حِكايَةً لِكَلامِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
والرِّحْلَةُ بِكَسْرِ الرّاءِ: اسْمٌ لِلِارْتِحالِ، وهو المَسِيرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ بَعِيدٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البَعِيرُ الَّذِي يُسافَرُ عَلَيْهِ راحِلَةً.
وإضافَةُ رِحْلَةٍ إلى الشِّتاءِ مِن إضافَةِ الفِعْلِ إلى زَمانِهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ الفِعْلُ مُسْتَغْرِقًا لِزَمانِهِ مِثْلَ قَوْلِكَ: سَهَرُ اللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ وقْتًا لِابْتِدائِهِ مِثْلَ صَلاةِ الظُّهْرِ، وظاهِرُ الإضافَةِ أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ مَعْرُوفَةٌ مَعْهُودَةٌ، وهُما رِحْلَتانِ. فَعَطَفَ (والصَّيْفِ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ورِحْلَةَ الصَّيْفِ، لِظُهُورِ أنَّهُ لا تَكُونُ رِحْلَةً واحِدَةً تُبْتَدَأُ في زَمانَيْنِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُما رِحْلَتانِ في زَمَنَيْنِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ يَكُونَ لَفْظُ (رِحْلَةَ) المُفْرَدُ مُضافًا إلى شَيْئَيْنِ لِظُهُورِ المُرادِ وأمْنِ اللَّبْسِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ.
والشِّتاءُ: اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ المُقَسَّمَةِ إلى أرْبَعَةِ فُصُولٍ. وفَصْلُ الشِّتاءِ تِسْعَةٌ وثَمانُونَ يَوْمًا وبِضْعُ دَقائِقَ مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الجَدْيِ. ونِهايَتُها خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ الحُوتِ، وبُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ: الجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ، وفَصْلُ الشِّتاءِ مُدَّةُ البَرْدِ.
والصَّيْفُ: اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وهو زَمَنُ الحَرِّ، ومُدَّتُهُ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا وبِضْعُ ساعاتٍ، مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ السَّرَطانِ ونِهايَتُهُ خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ السُّنْبُلَةِ، وبُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ، السَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ مالِكٌ: الشِّتاءُ نِصْفُ السَّنَةِ والصَّيْفُ نِصْفُها، ولَمْ أزَلْ أرى رَبِيعَةَ بْنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومَن مَعَهُ لا يَخْلَعُونَ عَمائِمَهم حَتّى تَطْلُعَ الثُّرَيّا، (يَعْنِي طُلُوعَ الثُّرَيّا عِنْدَ الفَجْرِ، وذَلِكَ أوَّلُ فَصْلِ الصَّيْفِ) وهو يَوْمُ التّاسِعَ عَشَرَ مِن (بَشَنْسَ) وهو يَوْمُ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ مِن عَدَدِ الرُّومِ أوِ الفُرْسِ اهـ. وشَهْرُ بَشَنْسَ هو التّاسِعُ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ المُجَزَّأةِ إلى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
صفحة ٥٥٨
وشَهْرُ بَشَنْسَ يُبْتَدَأُ في اليَوْمِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ نِيسانَ (أبْرِيلَ) وهو ثَلاثُونَ يَوْمًا يَنْتَهِي يَوْمَ ٢٥ مِن شَهْرِ (إيارَ - مايُهْ) .
وطُلُوعُ الثُّرَيّا عِنْدَ الفَجْرِ، وهو يَوْمُ تِسْعَةَ عَشَرَ مِن شَهْرِ بَشَنْسَ مِن أشْهُرِ القِبْطِ. قالَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ: فالصَّيْفُ عِنْدَ العامَّةِ نِصْفُ السَّنَةِ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ، والشِّتاءُ نِصْفُ السَّنَةِ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ.
والسَّنَةُ بِالتَّحْقِيقِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ: الصَّيْفُ: ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ العِراقِ وخُراسانَ الرَّبِيعَ، ويَلِيهِ القَيْظُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وهو شِدَّةُ الحَرِّ، ويَلِيهِ الخَرِيفُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، ويَلِيهِ الشِّتاءُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. وهَذِهِ الآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاصْطِلاحَيْنِ. واصْطِلاحُ عُلَماءَ المِيقاتِ تَقْسِيمُ السَّنَةِ إلى رَبِيعٍ وصَيْفٍ وخَرِيفٍ وشِتاءٍ، ومَبْدَأُ السَّنَةِ الرَّبِيعُ هو دُخُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الحَمَلِ. وهاتانِ الرِّحْلَتانِ هُما رِحْلَةُ تِجارَةٍ ومِيرَةٍ كانَتْ قُرَيْشٌ تُجَهِّزُهُما في هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ مِنَ السَّنَةِ إحْداهُما في الشِّتاءِ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ اليَمَنِ يَبْلُغُونَ بِها بِلادَ حِمْيَرَ، والأُخْرى في الصَّيْفِ إلى الشّامِ يَبْلُغُونَ بِها مَدِينَةَ بُصْرى مِن بِلادِ الشّامِ.
وكانَ الَّذِينَ سَنَّ لَهم هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ هاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَرِيهِمْ خَصاصَةٌ، فَإذا لَمْ يَجِدْ أهْلُ بَيْتٍ طَعامًا لِقُوتِهِمْ حَمَلَ رَبُّ البَيْتِ عِيالَهُ إلى مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ خِباءً وبَقُوا فِيهِ حَتّى يَمُوتُوا جُوعًا، ويُسَمّى ذَلِكَ الِاعْتِفارَ (بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ وبِالرّاءِ، وقِيلَ: بِالدّالِ عِوَضَ الرّاءِ وبِفاءٍ) فَحَدَثَ أنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِن بَنِي مَخْزُومٍ أصابَتْهم فاقَةٌ شَدِيدَةٌ فَهَمُّوا بِالِاعْتِفارِ فَبَلَغَ خَبَرُهم هاشِمًا؛ لِأنَّ أحَدَ أبْنائِهِمْ كانَ تِرْبًا لِأسَدِ بْنِ هاشِمٍ، فَقامَ هاشِمٌ خَطِيبًا في قُرَيْشٍ وقالَ: إنَّكم أحْدَثْتُمْ حَدَثًا تَقِلُّونَ فِيهِ وتَكْثُرُ العَرَبُ وتَذِلُّونَ وتَعِزُّ العَرَبُ وأنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ والنّاسُ لَكم تَبَعٌ ويَكادُ هَذا الِاعْتِفارُ يَأْتِي عَلَيْكم، ثُمَّ جَمَعَ كُلَّ بَنِي أبٍ عَلى رِحْلَتَيْنِ لِلتِّجاراتِ فَما رَبِحَ الغَنِيُّ قَسَّمَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ مِن عَشِيرَتِهِ حَتّى صارَ فَقِيرُهم كَغَنِيِّهِمْ، وفِيهِ يَقُولُ مَطْرُودٌ الخُزاعِيُّ:
يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ
الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ
والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي
صفحة ٥٥٩
ولَمْ تَزَلِ الرِّحْلَتانِ مِن إيلافِ قُرَيْشٍ حَتّى جاءَ الإسْلامُ وهم عَلى ذَلِكَ.
والمَعْرُوفُ المَشْهُورُ أنَّ الَّذِي سَنَّ الإيلافَ هو هاشِمٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَنِ الهَرَوِيِّ: أنَّ أصْحابَ الإيلافِ هاشِمٌ وإخْوَتُهُ الثَّلاثَةُ الآخَرُونَ: عَبْدُ شَمْسٍ، والمُطَّلِبُ، ونَوْفَلٌ. وأنَّ واحِدًا مِنهم أخَذَ حَبْلًا - أيْ عَهْدًا - مِن أحَدِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَمُرُّونَ في تِجارَتِهِمْ عَلى بِلادِهِمْ وهم مَلِكُ الشّامِ، ومَلِكُ الحَبَشَةِ، ومَلِكُ اليَمَنِ، ومَلِكُ فارِسَ، فَأخَذَ هاشِمٌ هَذا مِن مَلِكِ الشّامِ وهو مِلْكُ الرُّومِ، وأخَذَ عَبْدُ شَمْسٍ مِن نَجاشِيِّ الحَبَشَةِ وأخَذَ المُطَّلِبُ مِن مَلِكِ اليَمَنِ، وأخَذَ نَوْفَلٌ مِن كِسْرى مَلِكِ فارِسَ، فَكانُوا يَجْعَلُونَ جُعْلًا لِرُؤَساءِ القَبائِلِ وساداتِ العَشائِرِ يُسَمّى الإيلافَ أيْضًا، يُعْطُونَهم شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ ويَحْمِلُونَ إلَيْهِمْ مَتاعًا ويَسُوقُونَ إلَيْهِمْ إبِلًا مَعَ إبِلِهِمْ لِيَكْفُوهم مَئُونَةَ الأسْفارِ وهم يَكْفُونَ قُرَيْشًا دَفْعَ الأعْداءِ، فاجْتَمَعَ لَهم بِذَلِكَ أمْنُ الطَّرِيقِ كُلِّهِ إلى اليَمَنِ وإلى الشّامِ، وكانُوا يُسَمَّوْنَ المُجِيرِينَ.
وقَدْ تَوَهَّمَ النَّقّاشُ مِن هَذا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ رِحْلَةً، فَزَعَمَ أنَّ الرِّحَلَ كانَتْ أرْبَعًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. وصَدَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ كَوْنَ أصْحابِ العُهَدِ الَّذِي كانَ بِهِ الإيلافُ أرْبَعَةً لا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الرِّحْلاتُ أرْبَعًا، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ. ولَعَلَّ هَؤُلاءِ الإخْوَةَ كانُوا يَتَداوَلُونَ السَّفَرَ مَعَ الرِّحْلاتِ عَلى التَّناوُبِ؛ لِأنَّهُمُ المَعْرُوفُونَ عِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْهِمُ العِيرُ، أوْ لِأنَّهم تَوارَثُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ هاشِمٍ فَكانَتْ تُضافُ العِيرُ إلى أحَدِهِمْ كَما أضافُوا العِيرَ الَّتِي تَعْرَّضَ المُسْلِمُونَ لَها يَوْمَ بَدْرٍ عِيرَ أبِي سُفْيانَ، إذْ هو يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ أهْلِ الوادِي بِمَكَّةَ.
ومَعْنى الآيَةِ تَذْكِيرُ قُرَيْشٍ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إذْ يَسَّرَ لَهم ما لَمْ يَتَأتَّ لِغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ مِنَ الأمْنِ مِن عُدْوانِ المُعْتَدِينَ، وغاراتِ المُغِيرِينِ في السَّنَةِ كُلِّها بِما يَسَّرَ لَهم مِن بِناءِ الكَعْبَةِ وشِرْعَةِ الحَجِّ وأنْ جَعَلَهم عُمّارَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ لَهم مَهابَةً وحُرْمَةً في نُفُوسِ العَرَبِ كُلِّهِمْ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وفي غَيْرِها.
وعِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تُحَرِّمُ الأشْهُرَ الحُرُمَ والقَبائِلِ الَّتِي لا تُحَرِّمُها مِثْلَ طَيِّءٍ وقُضاعَةَ وخَثْعَمَ، فَتَيَسَّرَتْ لَهُمُ الأسْفارُ في بِلادِ العَرَبِ مِن جَنُوبِها إلى شَمالِها، ولاذَ
صفحة ٥٦٠
بِهِمْ أصْحابُ الحاجاتِ يُسافِرُونَ مَعَهم، وأصْحابُ التِّجاراتِ يُحَمِّلُونَهم سِلَعَهم، وصارَتْ مَكَّةُ وسَطًا تُجْلَبُ إلَيْها السِّلَعُ مِن جَمِيعِ البِلادِ العَرَبِيَّةِ فَتُوَزَّعُ إلى طالِبِيها في بَقِيَّةِ البِلادِ، فاسْتَغْنى أهْلُ مَكَّةَ بِالتِّجارَةِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، إذْ كانُوا بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وكانُوا يَجْلِبُونَ أقْواتَهم فَيَجْلِبُونَ مِن بِلادِ اليَمَنِ الحُبُوبَ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وزَبِيبٍ وأدِيمٍ وثِيابٍ والسُّيُوفَ اليَمانِيَّةَ، ومِن بِلادِ الشّامِ الحُبُوبَ والتَّمْرَ والزَّيْتَ والزَّبِيبَ والثِّيابَ والسُّيُوفَ المَشْرَفِيَّةَ، زِيادَةً عَلى ما جُعِلَ لَهم مَعَ مُعْظَمِ العَرَبِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وما أُقِيمَ لَهم مِن مَواسِمِ الحَجِّ وأسْواقِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ .
فَذَلِكَ وجْهُ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِتَوْحِيدِهِمُ اللَّهَ بِخُصُوصِ نِعْمَةِ هَذا الإيلافِ مَعَ أنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ نِعَمًا كَثِيرَةً؛ لِأنَّ هَذا الإيلافَ كانَ سَبَبًا جامِعًا لِأهَمِّ النِّعَمِ الَّتِي بِها قِوامُ بَقائِهِمْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى مَعْنى الفاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ عَلى الوُجُوهِ كُلِّها.
والعِبادَةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ إشْراكِ الشُّرَكاءِ مَعَهُ في العِبادَةِ؛ لِأنَّ إشْراكَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِها لَيْسَ بِعِبادَةٍ أوْ لِأنَّهم شُغِلُوا بِعِبادَةِ الأصْنامِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ فَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا في أيّامِ الحَجِّ في التَّلْبِيَةِ عَلى أنَّهم قَدْ زادَ بَعْضُهم فِيها بَعْدَ قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
وتَعْرِيفُ (رَبَّ) بِالإضافَةِ إلى ﴿هَذا البَيْتِ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فَلْيَعْبُدُوا اللَّهَ، لِما يُومِئُ إلَيْهِ لَفْظُ (رَبَّ) مِنِ اسْتِحْقاقِهِ الإفْرادَ بِالعِبادَةِ دُونَ شَرِيكٍ.
وأُوثِرَ إضافَةُ (رَبَّ) إلى ﴿هَذا البَيْتِ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: رَبُّهم لِلْإيماءِ إلى أنَّ البَيْتَ هو أصْلُ نِعْمَةِ الإيلافِ بِأنْ أمَرَ إبْراهِيمَ بِبِناءِ البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ سَبَبًا لِرِفْعَةِ شَأْنِهِمْ بَيْنَ العَرَبِ. قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] وذَلِكَ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ البَيْتِ الحَرامِ وفَضْلِهِ.
والبَيْتُ مَعْهُودٌ عِنْدَ المُخاطِبِينَ.
صفحة ٥٦١
والإشارَةُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ العَهْدِ كانَ كالحاضِرِ في مَقامِ الكَلامِ عَلى أنَّ البَيْتَ بِهَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ ورَبُّ البَيْتِ هو اللَّهُ، والعَرَبُ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ.
وأُجْرِيَ وصْفُ الرَّبِّ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ رَبِّ البَيْتِ الحَرامِ بِعِلَّةٍ أُخْرى زِيادَةً عَلى نِعْمَةِ تَيْسِيرِ التِّجارَةِ لَهم، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَهم أهْلَ ثَراءٍ، وهُما نِعْمَةُ إطْعامِهِمْ وأمْنِهِمْ. وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما يُسِّرَ لَهم مِن وُرُودِ سُفُنِ الحَبَشَةِ في البَحْرِ إلى جَدَّةَ تَحْمِلُ الطَّعامَ لِيَبِيعُوهُ هُناكَ، فَكانَتْ قُرَيْشٌ يَخْرُجُونَ إلى جَدَّةَ بِالإبِلِ والحُمُرِ فَيَشْتَرُونَ الطَّعامَ عَلى مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ، وكانَ أهْلُ تَبالَةَ وجُرَشَ مِن بِلادِ اليَمَنِ المُخْصِبَةِ يَحْمِلُونَ الطَّعامَ في مَكَّةَ، فَكانُوا في سِعَةٍ مِنَ العَيْشِ بِوَفْرِ الطَّعامِ في بِلادِهِمْ كَذَلِكَ يُسِّرَ لَهم إقامَةُ الأسْواقِ حَوْلَ مَكَّةَ في أشْهُرِ الحَجِّ وهي سُوقُ مَجَنَّةَ، وسُوقُ ذِي المَجازِ، وسُوقُ عُكاظٍ، فَتَأْتِيهِمْ فِيها الأرْزاقُ ويَتَّسِعُ العَيْشُ، وإشارَةٌ إلى ما أُلْقِيَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَةِ مَكَّةَ وأهْلِها فَلا يُرِيدُهم أحَدٌ بِتَخْوِيفٍ، وتِلْكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فَلَمْ يَتَخَلَّفْ ذَلِكَ عَنْهم إلّا حِينَ دَعا عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ بِدَعْوَتِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ» فَأصابَتْهم مَجاعَةٌ وقَحْطٌ سَبْعَ سِنِينَ وذَلِكَ أوَّلُ الهِجْرَةِ.
و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (جُوعٍ) وعَلى (خَوْفٍ) مَعْناها البَدِلِيَّةُ، أيْ: أطْعَمَهم بَدَلًا مِنَ الجُوعِ وآمَنَهم بَدَلًا مِنَ الخَوْفِ. ومَعْنى البَدَلِيَّةِ هو أنَّ حالَةَ بِلادِهِمْ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أهْلُها في جُوعٍ. فَإطْعامُهم بَدَلٌ مِنَ الجُوعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ البِلادُ، وأنَّ حالَتَهم في قِلَّةِ العَدَدِ وكَوْنِهِمْ أهْلَ حَضَرٍ ولَيْسُوا أهْلَ بَأْسٍ ولا فُرُوسِيَّةٍ ولا شَكَّةِ سِلاحٍ تَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مُعَرَّضِينَ لِغاراتِ القَبائِلِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الأمْنَ في الحَرَمِ عِوَضًا عَنِ الخَوْفِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قِلَّتُهم قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
وتَنْكِيرُ (جُوعٍ) و(خَوْفٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ لا لِلتَّعْظِيمِ، إذْ لَمْ يَحُلَّ بِهِمْ جُوعٌ وخَوْفٌ مِن قَبْلُ، قالَ مُساوِرُ بْنُ هِنْدٍ في هِجاءِ بَنِي أسَدٍ:
صفحة ٥٦٢
زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشٌ ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ
أُولَئِكَ أُومِنُوا جُوعًا وخَوْفًا ∗∗∗ وقَدْ جاعَتْ بَنُو أسَدٍ وخافُوا
* * *
صفحة ٥٦٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِسُورَةُ الماعُونِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الماعُونِ) لِوُرُودِ لَفْظِ الماعُونِ فِيها دُونَ غَيْرِها.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ أرَأيْتَ) وكَذَلِكَ في مُصْحَفٍ مِن مَصاحِفِ القَيْرَوانِ في القَرْنِ الخامِسِ، وكَذَلِكَ عَنْوَنَها في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
وعَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ بِـ (سُورَةِ أرَأيْتَ الَّذِي) . وقالَ الكَواشِيُّ في التَّلْخِيصِ (سُورَةُ الماعُونِ، والدِّينِ، وأرَأيْتَ)، وفي الإتْقانِ: وتُسَمّى (سُورَةَ الدِّينِ) وفي حاشِيَتَيِ الخَفاجِيِّ وسَعْدِيٍّ تُسَمّى (سُورَةَ التَّكْذِيبِ) وقالَ البِقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ تُسَمّى (سُورَةَ اليَتِيمِ) . وهَذِهِ سِتَّةُ أسْماءٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ: هي مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وفي الإتْقانِ: قِيلَ نَزَلَ ثَلاثٌ أوَّلُها بِمَكَّةَ أيْ: إلى قَوْلِهِ: المِسْكِينِ وبَقِيَّتُها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، أيْ: بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] إلى آخَرِ السُّورَةِ أُرِيدَ بِها المُنافِقُونَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَهُ هِبَةُ اللَّهِ الضَّرِيرُ وهو الأظْهَرُ.
وعُدَّتِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّكاثُرِ وقَبْلَ سُورَةِ الكافِرُونَ.
وعُدَّتْ آياتُها سِتًّا عِنْدَ مُعْظَمِ العادِّينَ: وحَكى الآلُوسِيُّ أنَّ الَّذِينَ عَدُّوا آياتِها سِتًّا أهْلُ العِراقِ (أيِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ)، وقالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ النُّورِيُّ الصَّفاقِسِيُّ
صفحة ٥٦٤
فِي غَيْثِ النَّفْعِ: وآيُها سَبْعٌ حِمْصِيٌّ (أيْ: شامِيٌّ) وسِتٌّ في الباقِي. وهَذا يُخالِفُ ما قالَهُ الآلُوسِيُّ.
* * *
مِن مَقاصِدِ التَّعْجِيبِ مِن حالِ مَن كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وتَفْظِيعِ أعْمالِهِمْ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى الضَّعِيفِ واحْتِقارِهِ والإمْساكِ عَنْ إطْعامِ المِسْكِينِ، والإعْراضِ عَنْ قَواعِدِ الإسْلامِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنْ يَكُونَ في فِعْلِهِ ذَلِكَ ما يَجْلِبُ لَهُ غَضَبَ اللَّهِ وعِقابَهُ.
قريش 106:4
﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾
افْتِتاحٌ مُبْدِعٌ، إذْ كانَ بِمَجْرُورٍ بِلامِ التَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِإثْرِهِ بِالقُرْبِ ما يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيقِ بِهِ، فَفِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مُتَعَلِّقِ هَذا المَجْرُورِ. وزادَهُ الطُّولُ تَشْوِيقًا، إذْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِهِ (بِالفَتْحِ) بِخَمْسِ كَلِماتٍ، فَيَتَعَلَّقُ (لِإيلافِ) بِقَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) .
وتَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، إذْ هو مِن أسْبابِ أمْرِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها بِعِبادَةِ الأصْنامِ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (لِيَعْبُدُوا) .
وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: لِتَعْبُدْ قُرَيْشٌ رَبَّ هَذا البَيْتِ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ لِإيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَلَمّا اقْتَضى قَصْدُ الِاهْتِمامِ بِالمَعْمُولِ تَقْدِيمَهُ عَلى عامِلِهِ، تَوَلَّدَ مِن تَقْدِيمِهِ مَعْنًى جَعَلَهُ شَرْطًا لِعامِلِهِ، فاقْتَرَنَ عامِلُهُ بِالفاءِ الَّتِي هي مِن شَأْنِ جَوابِ الشَّرْطِ، فالفاءُ الدّاخِلَةُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ ما قَبْلَها مِن قُوَّةِ الشَّرْطِ، أيْ: مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ مَقْصُودٌ بِهِ اهْتِمامٌ
صفحة ٥٥٥
خاصٌّ وعِنايَةٌ قَوِيَّةٌ هي عِنايَةُ المُشْتَرِطِ بِشَرْطِهِ، وتَعْلِيقُ بَقِيَّةِ كَلامِهِ عَلَيْهِ لِما يَنْتَظِرُهُ مِن جَوابِهِ، وهَذا أُسْلُوبٌ مِنَ الإيجازِ بَدِيعٌ.
قالَ في الكَشّافِ ( دَخَلَتِ الفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ المَعْنى إمّا لا فَلْيَعْبُدُوهُ لِإيلافِهِمْ، أيْ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِهَذِهِ الواحِدَةِ الَّتِي هي نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ اهـ.
وقالَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] دَخَلَتِ الفاءُ لِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ اهـ. وهو مَعْنى ما في الكَشّافِ. وسَكَتا عَنْ مَنشَأِ حُصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ هَذا جارٍ عِنْدَ تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ ونَحْوِهِ مِن مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ﴾ [الشورى: ١٥] في سُورَةِ الشُّورى «. وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ عَنِ الجِهادِ، فَقالَ لَهُ ألَكَ أبَوانِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ» .
ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ (اعْجَبُوا) مَحْذُوفًا يُنْبِئُ عَنْهُ اللّامُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ مَجْرُورٍ بِها بَعْدَ مادَّةِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: عَجَبًا لَكَ، وعَجَبًا لِتِلْكَ القَضِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ ”
فَيا لَكَ مِن لَيْلٍ
“؛ لِأنَّ حَرْفَ النِّداءِ مُرادٌ بِهِ التَّعَجُّبُ فَتَكُونَ الفاءُ في قَوْلِهِ (فَلْيَعْبُدُوا) تَفْرِيعًا عَلى التَّعَجُّبِ.
وجَوَّزَ الفَرّاءُ وابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ أنْ يَكُونَ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما في سُورَةِ الفِيلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] قالَ القُرْطُبِيُّ. وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ ورِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّضْمِينِ في الشِّعْرِ وهو أنْ يَتَعَلَّقَ مَعْنى البَيْتِ بِالَّذِي قَبْلَهُ تَعَلُّقًا لا يَصِحُّ إلّا بِهِ اهـ. يَعْنُونَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وإنْ كانَتْ سُورَةً مُسْتَقِلَّةً فَهي مُلْحَقَةٌ بِسُورَةِ الفِيلِ، فَكَما تُلْحَقُ الآيَةُ بِآيَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها، تُلْحَقُ آياتٌ هي سُورَةٌ فَتَتَعَلَّقُ بِسُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.
والإيلافُ: مَصْدَرُ أأْلَفَ بِهَمْزَتَيْنِ بِمَعْنى ألِفَ وهُما لُغَتانِ، والأصْلُ هو ألِفَ، وصِيغَةُ الإفْعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَصارَتْ تُسْتَعْمَلُ في إفادَةِ قَوْلِ الفِعْلِ مَجازًا ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأفْعالِ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ مِثْلَ سافَرَ، وعافاهُ اللَّهُ، وقاتَلَهُمُ اللَّهُ.
صفحة ٥٥٦
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ في المَوْضِعَيْنِ (لِإيلافِ) بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ الثّانِيَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ (لِإلافٍ) الأوَّلَ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي أصْلُها هَمْزَةٌ ثانِيَةٌ، وقَرَأهُ (إيلافِهِمْ) بِإثْباتِ الياءِ مِثْلَ الجُمْهُورِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لِيلافِ قُرَيْشٍ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الأُولى. وقَرَأ (إلافِهِمْ) بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ.
وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ أنَّ أبا بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ قَرَأ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ في (لِإأْلافِ) وفي (إأْلافِهِمْ)، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ تَحْقِيقَ الهَمْزَتَيْنِ لا وجْهَ لَهُ. قُلْتُ: لا يُوجَدُ في كُتُبِ القِراءاتِ الَّتِي عَرَفْناها نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ. والمَعْرُوفُ أنَّ عاصِمًا مُوافِقٌ لِلْجُمْهُورِ في جَعْلِ ثانِيَةِ الهَمْزَتَيْنِ ياءً، فَهَذِهِ رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.
وقَدْ كُتِبَ في المُصْحَفِ (إلافِهِمْ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وأمّا الألِفُ المَدَّةُ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ فَلَمْ تُكْتَبْ في الكَلِمَتَيْنِ في المُصْحَفِ عَلى عادَةِ أكْثَرِ المَدّاتِ مِثْلِها، والقِراءاتُ رِواياتٌ ولَيْسَ خَطُّ المُصْحَفِ إلّا كالتَّذْكِرَةِ لِلْقارِئِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ سَنَّها الصَّحابَةُ الَّذِينَ عُيِّنُوا لِنَسْخِ المَصاحِفِ. وإضافَةِ (إيلافِ) إلى قُرَيْشٍ عَلى مَعْنى إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ وحُذِفَ مَفْعُولُهُ؛ لِأنَّهُ هُنا أُطْلِقَ بِالمَعْنى الِاسْمِيِّ لِتِلْكَ العادَةِ فَهي إضافَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ اللّامِ.
وقُرَيْشٌ: لَقَبُ الجَدِّ الَّذِي يَجْمَعُ بُطُونًا كَثِيرَةً، وهو فِهْرُ بْنُ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ النَّسّابِينَ وما فَوْقَ فِهْرٍ فَهم مِن كِنانَةَ، ولُقِّبَ فِهْرٌ بِلَقَبِ قُرَيْشٍ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، وهو عَلى الصَّحِيحِ تَصْغِيرُ قَرْشٍ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الرّاءِ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ اسْمُ نَوْعٍ مِنَ الحُوتِ قَوِيٌّ يَعْدُو عَلى الحِيتانِ وعَلى السُّفُنِ.
وقالَ بَعْضُ النَّسّابِينَ: إنَّ قُرَيْشًا لَقَبُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ «. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قُرَيْشٍ فَقالَ: مِن ولَدِ النَّضْرِ»، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: «إنّا ولَدَ النَّضِرِ بْنِ كِنانَةَ لا نَقْفُوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي مِن أبِينا» . فَجَمِيعُ أهْلِ مَكَّةَ هم قُرَيْشٌ، وفِيهِمْ كانَتْ مَناصِبُ أهْلِ مَكَّةَ في الجاهِلِيَّةِ مُوَزَّعَةً بَيْنَهم، وكانَتْ بَنُو كِنانَةَ بِخَيْفِ مِنًى، ولَهم مَناصِبُ في أعْمالِ الحَجِّ خاصَّةً، مِنها النَّسِيءُ.
وقَوْلُهُ (إيلافِهِمْ) عَطْفُ بَيانٍ مِن ﴿إيلافِ قُرَيْشٍ﴾ وهو مِن أُسْلُوبِ
صفحة ٥٥٧
الإجْمالِ، فالتَّفْصِيلُ لِلْعِنايَةِ بِالخَبَرِ لِيَتَمَكَّنَ في ذِهْنِ السّامِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٦] حِكايَةً لِكَلامِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
والرِّحْلَةُ بِكَسْرِ الرّاءِ: اسْمٌ لِلِارْتِحالِ، وهو المَسِيرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ بَعِيدٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البَعِيرُ الَّذِي يُسافَرُ عَلَيْهِ راحِلَةً.
وإضافَةُ رِحْلَةٍ إلى الشِّتاءِ مِن إضافَةِ الفِعْلِ إلى زَمانِهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ، فَقَدْ يَكُونُ الفِعْلُ مُسْتَغْرِقًا لِزَمانِهِ مِثْلَ قَوْلِكَ: سَهَرُ اللَّيْلِ، وقَدْ يَكُونُ وقْتًا لِابْتِدائِهِ مِثْلَ صَلاةِ الظُّهْرِ، وظاهِرُ الإضافَةِ أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ مَعْرُوفَةٌ مَعْهُودَةٌ، وهُما رِحْلَتانِ. فَعَطَفَ (والصَّيْفِ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ورِحْلَةَ الصَّيْفِ، لِظُهُورِ أنَّهُ لا تَكُونُ رِحْلَةً واحِدَةً تُبْتَدَأُ في زَمانَيْنِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُما رِحْلَتانِ في زَمَنَيْنِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْ يَكُونَ لَفْظُ (رِحْلَةَ) المُفْرَدُ مُضافًا إلى شَيْئَيْنِ لِظُهُورِ المُرادِ وأمْنِ اللَّبْسِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ.
والشِّتاءُ: اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ المُقَسَّمَةِ إلى أرْبَعَةِ فُصُولٍ. وفَصْلُ الشِّتاءِ تِسْعَةٌ وثَمانُونَ يَوْمًا وبِضْعُ دَقائِقَ مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الجَدْيِ. ونِهايَتُها خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ الحُوتِ، وبُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ: الجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ، وفَصْلُ الشِّتاءِ مُدَّةُ البَرْدِ.
والصَّيْفُ: اسْمٌ لِفَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، وهو زَمَنُ الحَرِّ، ومُدَّتُهُ ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا وبِضْعُ ساعاتٍ، مَبْدَؤُها حُلُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ السَّرَطانِ ونِهايَتُهُ خُرُوجُ الشَّمْسِ مِن بُرْجِ السُّنْبُلَةِ، وبُرُوجُهُ ثَلاثَةٌ، السَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ مالِكٌ: الشِّتاءُ نِصْفُ السَّنَةِ والصَّيْفُ نِصْفُها، ولَمْ أزَلْ أرى رَبِيعَةَ بْنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومَن مَعَهُ لا يَخْلَعُونَ عَمائِمَهم حَتّى تَطْلُعَ الثُّرَيّا، (يَعْنِي طُلُوعَ الثُّرَيّا عِنْدَ الفَجْرِ، وذَلِكَ أوَّلُ فَصْلِ الصَّيْفِ) وهو يَوْمُ التّاسِعَ عَشَرَ مِن (بَشَنْسَ) وهو يَوْمُ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ مِن عَدَدِ الرُّومِ أوِ الفُرْسِ اهـ. وشَهْرُ بَشَنْسَ هو التّاسِعُ مِن أشْهُرِ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ المُجَزَّأةِ إلى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
صفحة ٥٥٨
وشَهْرُ بَشَنْسَ يُبْتَدَأُ في اليَوْمِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن شَهْرِ نِيسانَ (أبْرِيلَ) وهو ثَلاثُونَ يَوْمًا يَنْتَهِي يَوْمَ ٢٥ مِن شَهْرِ (إيارَ - مايُهْ) .
وطُلُوعُ الثُّرَيّا عِنْدَ الفَجْرِ، وهو يَوْمُ تِسْعَةَ عَشَرَ مِن شَهْرِ بَشَنْسَ مِن أشْهُرِ القِبْطِ. قالَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ: فالصَّيْفُ عِنْدَ العامَّةِ نِصْفُ السَّنَةِ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ، والشِّتاءُ نِصْفُ السَّنَةِ وهو سِتَّةُ أشْهُرٍ.
والسَّنَةُ بِالتَّحْقِيقِ أرْبَعَةُ فُصُولٍ: الصَّيْفُ: ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ العِراقِ وخُراسانَ الرَّبِيعَ، ويَلِيهِ القَيْظُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، وهو شِدَّةُ الحَرِّ، ويَلِيهِ الخَرِيفُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ، ويَلِيهِ الشِّتاءُ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. وهَذِهِ الآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاصْطِلاحَيْنِ. واصْطِلاحُ عُلَماءَ المِيقاتِ تَقْسِيمُ السَّنَةِ إلى رَبِيعٍ وصَيْفٍ وخَرِيفٍ وشِتاءٍ، ومَبْدَأُ السَّنَةِ الرَّبِيعُ هو دُخُولُ الشَّمْسِ في بُرْجِ الحَمَلِ. وهاتانِ الرِّحْلَتانِ هُما رِحْلَةُ تِجارَةٍ ومِيرَةٍ كانَتْ قُرَيْشٌ تُجَهِّزُهُما في هَذَيْنِ الفَصْلَيْنِ مِنَ السَّنَةِ إحْداهُما في الشِّتاءِ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ اليَمَنِ يَبْلُغُونَ بِها بِلادَ حِمْيَرَ، والأُخْرى في الصَّيْفِ إلى الشّامِ يَبْلُغُونَ بِها مَدِينَةَ بُصْرى مِن بِلادِ الشّامِ.
وكانَ الَّذِينَ سَنَّ لَهم هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ هاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْتَرِيهِمْ خَصاصَةٌ، فَإذا لَمْ يَجِدْ أهْلُ بَيْتٍ طَعامًا لِقُوتِهِمْ حَمَلَ رَبُّ البَيْتِ عِيالَهُ إلى مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ خِباءً وبَقُوا فِيهِ حَتّى يَمُوتُوا جُوعًا، ويُسَمّى ذَلِكَ الِاعْتِفارَ (بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ وبِالرّاءِ، وقِيلَ: بِالدّالِ عِوَضَ الرّاءِ وبِفاءٍ) فَحَدَثَ أنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِن بَنِي مَخْزُومٍ أصابَتْهم فاقَةٌ شَدِيدَةٌ فَهَمُّوا بِالِاعْتِفارِ فَبَلَغَ خَبَرُهم هاشِمًا؛ لِأنَّ أحَدَ أبْنائِهِمْ كانَ تِرْبًا لِأسَدِ بْنِ هاشِمٍ، فَقامَ هاشِمٌ خَطِيبًا في قُرَيْشٍ وقالَ: إنَّكم أحْدَثْتُمْ حَدَثًا تَقِلُّونَ فِيهِ وتَكْثُرُ العَرَبُ وتَذِلُّونَ وتَعِزُّ العَرَبُ وأنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ والنّاسُ لَكم تَبَعٌ ويَكادُ هَذا الِاعْتِفارُ يَأْتِي عَلَيْكم، ثُمَّ جَمَعَ كُلَّ بَنِي أبٍ عَلى رِحْلَتَيْنِ لِلتِّجاراتِ فَما رَبِحَ الغَنِيُّ قَسَّمَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفَقِيرِ مِن عَشِيرَتِهِ حَتّى صارَ فَقِيرُهم كَغَنِيِّهِمْ، وفِيهِ يَقُولُ مَطْرُودٌ الخُزاعِيُّ:
يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ
الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ
والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي
صفحة ٥٥٩
ولَمْ تَزَلِ الرِّحْلَتانِ مِن إيلافِ قُرَيْشٍ حَتّى جاءَ الإسْلامُ وهم عَلى ذَلِكَ.
والمَعْرُوفُ المَشْهُورُ أنَّ الَّذِي سَنَّ الإيلافَ هو هاشِمٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ عَنِ الهَرَوِيِّ: أنَّ أصْحابَ الإيلافِ هاشِمٌ وإخْوَتُهُ الثَّلاثَةُ الآخَرُونَ: عَبْدُ شَمْسٍ، والمُطَّلِبُ، ونَوْفَلٌ. وأنَّ واحِدًا مِنهم أخَذَ حَبْلًا - أيْ عَهْدًا - مِن أحَدِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَمُرُّونَ في تِجارَتِهِمْ عَلى بِلادِهِمْ وهم مَلِكُ الشّامِ، ومَلِكُ الحَبَشَةِ، ومَلِكُ اليَمَنِ، ومَلِكُ فارِسَ، فَأخَذَ هاشِمٌ هَذا مِن مَلِكِ الشّامِ وهو مِلْكُ الرُّومِ، وأخَذَ عَبْدُ شَمْسٍ مِن نَجاشِيِّ الحَبَشَةِ وأخَذَ المُطَّلِبُ مِن مَلِكِ اليَمَنِ، وأخَذَ نَوْفَلٌ مِن كِسْرى مَلِكِ فارِسَ، فَكانُوا يَجْعَلُونَ جُعْلًا لِرُؤَساءِ القَبائِلِ وساداتِ العَشائِرِ يُسَمّى الإيلافَ أيْضًا، يُعْطُونَهم شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ ويَحْمِلُونَ إلَيْهِمْ مَتاعًا ويَسُوقُونَ إلَيْهِمْ إبِلًا مَعَ إبِلِهِمْ لِيَكْفُوهم مَئُونَةَ الأسْفارِ وهم يَكْفُونَ قُرَيْشًا دَفْعَ الأعْداءِ، فاجْتَمَعَ لَهم بِذَلِكَ أمْنُ الطَّرِيقِ كُلِّهِ إلى اليَمَنِ وإلى الشّامِ، وكانُوا يُسَمَّوْنَ المُجِيرِينَ.
وقَدْ تَوَهَّمَ النَّقّاشُ مِن هَذا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ رِحْلَةً، فَزَعَمَ أنَّ الرِّحَلَ كانَتْ أرْبَعًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ. وصَدَقَ ابْنُ عَطِيَّةَ، فَإنَّ كَوْنَ أصْحابِ العُهَدِ الَّذِي كانَ بِهِ الإيلافُ أرْبَعَةً لا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الرِّحْلاتُ أرْبَعًا، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ. ولَعَلَّ هَؤُلاءِ الإخْوَةَ كانُوا يَتَداوَلُونَ السَّفَرَ مَعَ الرِّحْلاتِ عَلى التَّناوُبِ؛ لِأنَّهُمُ المَعْرُوفُونَ عِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْهِمُ العِيرُ، أوْ لِأنَّهم تَوارَثُوا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ هاشِمٍ فَكانَتْ تُضافُ العِيرُ إلى أحَدِهِمْ كَما أضافُوا العِيرَ الَّتِي تَعْرَّضَ المُسْلِمُونَ لَها يَوْمَ بَدْرٍ عِيرَ أبِي سُفْيانَ، إذْ هو يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ أهْلِ الوادِي بِمَكَّةَ.
ومَعْنى الآيَةِ تَذْكِيرُ قُرَيْشٍ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إذْ يَسَّرَ لَهم ما لَمْ يَتَأتَّ لِغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ مِنَ الأمْنِ مِن عُدْوانِ المُعْتَدِينَ، وغاراتِ المُغِيرِينِ في السَّنَةِ كُلِّها بِما يَسَّرَ لَهم مِن بِناءِ الكَعْبَةِ وشِرْعَةِ الحَجِّ وأنْ جَعَلَهم عُمّارَ المَسْجِدِ الحَرامِ وجَعَلَ لَهم مَهابَةً وحُرْمَةً في نُفُوسِ العَرَبِ كُلِّهِمْ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وفي غَيْرِها.
وعِنْدَ القَبائِلِ الَّتِي تُحَرِّمُ الأشْهُرَ الحُرُمَ والقَبائِلِ الَّتِي لا تُحَرِّمُها مِثْلَ طَيِّءٍ وقُضاعَةَ وخَثْعَمَ، فَتَيَسَّرَتْ لَهُمُ الأسْفارُ في بِلادِ العَرَبِ مِن جَنُوبِها إلى شَمالِها، ولاذَ
صفحة ٥٦٠
بِهِمْ أصْحابُ الحاجاتِ يُسافِرُونَ مَعَهم، وأصْحابُ التِّجاراتِ يُحَمِّلُونَهم سِلَعَهم، وصارَتْ مَكَّةُ وسَطًا تُجْلَبُ إلَيْها السِّلَعُ مِن جَمِيعِ البِلادِ العَرَبِيَّةِ فَتُوَزَّعُ إلى طالِبِيها في بَقِيَّةِ البِلادِ، فاسْتَغْنى أهْلُ مَكَّةَ بِالتِّجارَةِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، إذْ كانُوا بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وكانُوا يَجْلِبُونَ أقْواتَهم فَيَجْلِبُونَ مِن بِلادِ اليَمَنِ الحُبُوبَ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وذُرَةٍ وزَبِيبٍ وأدِيمٍ وثِيابٍ والسُّيُوفَ اليَمانِيَّةَ، ومِن بِلادِ الشّامِ الحُبُوبَ والتَّمْرَ والزَّيْتَ والزَّبِيبَ والثِّيابَ والسُّيُوفَ المَشْرَفِيَّةَ، زِيادَةً عَلى ما جُعِلَ لَهم مَعَ مُعْظَمِ العَرَبِ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وما أُقِيمَ لَهم مِن مَواسِمِ الحَجِّ وأسْواقِهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ .
فَذَلِكَ وجْهُ تَعْلِيلِ الأمْرِ بِتَوْحِيدِهِمُ اللَّهَ بِخُصُوصِ نِعْمَةِ هَذا الإيلافِ مَعَ أنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ نِعَمًا كَثِيرَةً؛ لِأنَّ هَذا الإيلافَ كانَ سَبَبًا جامِعًا لِأهَمِّ النِّعَمِ الَّتِي بِها قِوامُ بَقائِهِمْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى مَعْنى الفاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ عَلى الوُجُوهِ كُلِّها.
والعِبادَةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ إشْراكِ الشُّرَكاءِ مَعَهُ في العِبادَةِ؛ لِأنَّ إشْراكَ مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِها لَيْسَ بِعِبادَةٍ أوْ لِأنَّهم شُغِلُوا بِعِبادَةِ الأصْنامِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ فَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا في أيّامِ الحَجِّ في التَّلْبِيَةِ عَلى أنَّهم قَدْ زادَ بَعْضُهم فِيها بَعْدَ قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ.
وتَعْرِيفُ (رَبَّ) بِالإضافَةِ إلى ﴿هَذا البَيْتِ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فَلْيَعْبُدُوا اللَّهَ، لِما يُومِئُ إلَيْهِ لَفْظُ (رَبَّ) مِنِ اسْتِحْقاقِهِ الإفْرادَ بِالعِبادَةِ دُونَ شَرِيكٍ.
وأُوثِرَ إضافَةُ (رَبَّ) إلى ﴿هَذا البَيْتِ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: رَبُّهم لِلْإيماءِ إلى أنَّ البَيْتَ هو أصْلُ نِعْمَةِ الإيلافِ بِأنْ أمَرَ إبْراهِيمَ بِبِناءِ البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ سَبَبًا لِرِفْعَةِ شَأْنِهِمْ بَيْنَ العَرَبِ. قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] وذَلِكَ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ البَيْتِ الحَرامِ وفَضْلِهِ.
والبَيْتُ مَعْهُودٌ عِنْدَ المُخاطِبِينَ.
صفحة ٥٦١
والإشارَةُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ بِذَلِكَ العَهْدِ كانَ كالحاضِرِ في مَقامِ الكَلامِ عَلى أنَّ البَيْتَ بِهَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الكَعْبَةِ ورَبُّ البَيْتِ هو اللَّهُ، والعَرَبُ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ.
وأُجْرِيَ وصْفُ الرَّبِّ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ﴾ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ رَبِّ البَيْتِ الحَرامِ بِعِلَّةٍ أُخْرى زِيادَةً عَلى نِعْمَةِ تَيْسِيرِ التِّجارَةِ لَهم، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَهم أهْلَ ثَراءٍ، وهُما نِعْمَةُ إطْعامِهِمْ وأمْنِهِمْ. وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما يُسِّرَ لَهم مِن وُرُودِ سُفُنِ الحَبَشَةِ في البَحْرِ إلى جَدَّةَ تَحْمِلُ الطَّعامَ لِيَبِيعُوهُ هُناكَ، فَكانَتْ قُرَيْشٌ يَخْرُجُونَ إلى جَدَّةَ بِالإبِلِ والحُمُرِ فَيَشْتَرُونَ الطَّعامَ عَلى مَسِيرَةِ لَيْلَتَيْنِ، وكانَ أهْلُ تَبالَةَ وجُرَشَ مِن بِلادِ اليَمَنِ المُخْصِبَةِ يَحْمِلُونَ الطَّعامَ في مَكَّةَ، فَكانُوا في سِعَةٍ مِنَ العَيْشِ بِوَفْرِ الطَّعامِ في بِلادِهِمْ كَذَلِكَ يُسِّرَ لَهم إقامَةُ الأسْواقِ حَوْلَ مَكَّةَ في أشْهُرِ الحَجِّ وهي سُوقُ مَجَنَّةَ، وسُوقُ ذِي المَجازِ، وسُوقُ عُكاظٍ، فَتَأْتِيهِمْ فِيها الأرْزاقُ ويَتَّسِعُ العَيْشُ، وإشارَةٌ إلى ما أُلْقِيَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَةِ مَكَّةَ وأهْلِها فَلا يُرِيدُهم أحَدٌ بِتَخْوِيفٍ، وتِلْكَ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فَلَمْ يَتَخَلَّفْ ذَلِكَ عَنْهم إلّا حِينَ دَعا عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ بِدَعْوَتِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ» فَأصابَتْهم مَجاعَةٌ وقَحْطٌ سَبْعَ سِنِينَ وذَلِكَ أوَّلُ الهِجْرَةِ.
و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (جُوعٍ) وعَلى (خَوْفٍ) مَعْناها البَدِلِيَّةُ، أيْ: أطْعَمَهم بَدَلًا مِنَ الجُوعِ وآمَنَهم بَدَلًا مِنَ الخَوْفِ. ومَعْنى البَدَلِيَّةِ هو أنَّ حالَةَ بِلادِهِمْ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ أهْلُها في جُوعٍ. فَإطْعامُهم بَدَلٌ مِنَ الجُوعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ البِلادُ، وأنَّ حالَتَهم في قِلَّةِ العَدَدِ وكَوْنِهِمْ أهْلَ حَضَرٍ ولَيْسُوا أهْلَ بَأْسٍ ولا فُرُوسِيَّةٍ ولا شَكَّةِ سِلاحٍ تَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مُعَرَّضِينَ لِغاراتِ القَبائِلِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الأمْنَ في الحَرَمِ عِوَضًا عَنِ الخَوْفِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قِلَّتُهم قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] .
وتَنْكِيرُ (جُوعٍ) و(خَوْفٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ لا لِلتَّعْظِيمِ، إذْ لَمْ يَحُلَّ بِهِمْ جُوعٌ وخَوْفٌ مِن قَبْلُ، قالَ مُساوِرُ بْنُ هِنْدٍ في هِجاءِ بَنِي أسَدٍ:
صفحة ٥٦٢
زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشٌ ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ
أُولَئِكَ أُومِنُوا جُوعًا وخَوْفًا ∗∗∗ وقَدْ جاعَتْ بَنُو أسَدٍ وخافُوا
* * *
صفحة ٥٦٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِسُورَةُ الماعُونِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الماعُونِ) لِوُرُودِ لَفْظِ الماعُونِ فِيها دُونَ غَيْرِها.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ أرَأيْتَ) وكَذَلِكَ في مُصْحَفٍ مِن مَصاحِفِ القَيْرَوانِ في القَرْنِ الخامِسِ، وكَذَلِكَ عَنْوَنَها في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
وعَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ بِـ (سُورَةِ أرَأيْتَ الَّذِي) . وقالَ الكَواشِيُّ في التَّلْخِيصِ (سُورَةُ الماعُونِ، والدِّينِ، وأرَأيْتَ)، وفي الإتْقانِ: وتُسَمّى (سُورَةَ الدِّينِ) وفي حاشِيَتَيِ الخَفاجِيِّ وسَعْدِيٍّ تُسَمّى (سُورَةَ التَّكْذِيبِ) وقالَ البِقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ تُسَمّى (سُورَةَ اليَتِيمِ) . وهَذِهِ سِتَّةُ أسْماءٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ: هي مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وفي الإتْقانِ: قِيلَ نَزَلَ ثَلاثٌ أوَّلُها بِمَكَّةَ أيْ: إلى قَوْلِهِ: المِسْكِينِ وبَقِيَّتُها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، أيْ: بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] إلى آخَرِ السُّورَةِ أُرِيدَ بِها المُنافِقُونَ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَهُ هِبَةُ اللَّهِ الضَّرِيرُ وهو الأظْهَرُ.
وعُدَّتِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّكاثُرِ وقَبْلَ سُورَةِ الكافِرُونَ.
وعُدَّتْ آياتُها سِتًّا عِنْدَ مُعْظَمِ العادِّينَ: وحَكى الآلُوسِيُّ أنَّ الَّذِينَ عَدُّوا آياتِها سِتًّا أهْلُ العِراقِ (أيِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ)، وقالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ النُّورِيُّ الصَّفاقِسِيُّ
صفحة ٥٦٤
فِي غَيْثِ النَّفْعِ: وآيُها سَبْعٌ حِمْصِيٌّ (أيْ: شامِيٌّ) وسِتٌّ في الباقِي. وهَذا يُخالِفُ ما قالَهُ الآلُوسِيُّ.
* * *
مِن مَقاصِدِ التَّعْجِيبِ مِن حالِ مَن كَذَّبُوا بِالبَعْثِ وتَفْظِيعِ أعْمالِهِمْ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى الضَّعِيفِ واحْتِقارِهِ والإمْساكِ عَنْ إطْعامِ المِسْكِينِ، والإعْراضِ عَنْ قَواعِدِ الإسْلامِ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنْ يَكُونَ في فِعْلِهِ ذَلِكَ ما يَجْلِبُ لَهُ غَضَبَ اللَّهِ وعِقابَهُ.
الماعون 107:1
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ .
الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُكَذِّبِينَ بِالجَزاءِ، وما أوْرَثَهُمُ التَّكْذِيبُ مِن سُوءِ الصَّنِيعِ، فالتَّعَجُّبُ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِالدِّينِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ وقَدْ صِيغَ هَذا التَّعْجِيبُ في نَظْمٍ مَشُوقٍ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنْ رُؤْيَةِ مَن ثَبَتَتْ لَهُ صِلَةُ المَوْصُولِ يَذْهَبُ بِذِهْنِ السّامِعِ مَذاهِبَ شَتّى مِن تَعَرُّفِ المَقْصِدِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ، فَإنَّ التَّكْذِيبَ بِالدِّينِ شائِعٌ فِيهِمْ فَلا يَكُونُ مَثارًا لِلتَّعَجُّبِ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ ماذا يَرِدُ بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ .
وفِي إقْحامِ اسْمِ الإشارَةِ واسْمِ المَوْصُولِ بَعْدَ الفاءِ زِيادَةُ تَشْوِيقٍ حَتّى تَقْرَعَ الصِّلَةُ سَمْعَ السّامِعِ فَتَتَمَكَّنُ مِنهُ كَمالَ تَمَكُّنٍ.
وأصْلُ ظاهِرِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَيَدُعُّ اليَتِيمَ ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.
والإشارَةُ إلى الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ حَتّى يَتَبَصَّرَ السّامِعُ فِيهِ وفي صِفَتِهِ، أوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ الواضِحِ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِ.
والفاءُ لِعَطْفِ الصِّفَةِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى لِإفادَةِ تَسَبُّبِ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ في
صفحة ٥٦٥
الحُكْمِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ، وذَلِكَ شَأْنُها في عَطْفِ الصِّفاتِ إذا كانَ مَوْصُوفُها واحِدًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] .
فَمَعْنى الآيَةِ عَطْفُ صِفَتَيْ: دَعِّ اليَتِيمِ، وعَدَمِ إطْعامِ المِسْكِينِ عَلى جَزْمِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ.
وهَذا يُفِيدُ تَشْوِيهَ إنْكارِ البَعْثِ بِما يَنْشَأُ عَنْ إنْكارِهِ مِنَ المَذامِّ ومِن مُخالَفَةٍ لِلْحَقِّ ومُنافِيًا لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ التَّكْلِيفِ، وفي ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ تَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاقْتِرابِ مِن إحْدى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِأنَّهُما مِن صِفاتِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ.
وجِيءَ في (يُكَذِّبُ، يَدُعُّ، ويَحُضُّ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهُ ودَوامِهِ.
وهَذا إيذانٌ بِأنَّ الإيمانَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ هو الوازِعُ الحَقُّ الَّذِي يَغْرِسُ في النَّفْسِ جُذُورَ الإقْبالِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي يَصِيرُ ذَلِكَ لَها خُلُقًا إذا شَبَّتْ عَلَيْهِ، فَزَكَتْ وانْساقَتْ إلى الخَيْرِ بِدُونِ كُلْفَةٍ ولا احْتِياجٍ إلى أمْرٍ ولا إلى مَخافَةٍ مِمَّنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ العُقُوباتِ حَتّى إذا اخْتَلى بِنَفْسِهِ وأمِنَ الرُّقَباءَ جاءَ بِالفَحْشاءِ والأعْمالِ النَّكْراءِ.
والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ يَتَعَدّى فِعْلُها إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَإنَّ المُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ مَعْرُوفُونَ وأعْمالُهم مَشْهُورَةٌ، فَنَزَلَتْ شُهْرَتُهم بِذَلِكَ مَنزِلَةَ الأمْرِ المُبْصَرِ المُشاهَدِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ مِن (أرَأيْتَ) ألِفًا. ورَوى المِصْرِيُّونَ عَنْ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ إبْدالَها ألِفًا وهو الَّذِي قَرَأْنا بِهِ في تُونِسَ، وهَكَذا في فِعْلِ (رَأى) كُلَّما وقَعَ بَعْدَ الهَمْزَةِ اسْتِفْهامٌ وذَلِكَ فِرارٌ مِن تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَحْقِيقِها.
وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ في كُلِّ فِعْلٍ مِن هَذا القَبِيلِ.
واسْمُ المَوْصُولِ وصِلَتُهُ مُرادٌ بِهِما جِنْسُ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ دَرَجُوا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلِ السَّهْمِيِّ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ
صفحة ٥٦٦
المَخْزُومِيِّ، وقِيلَ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ المَخْزُومِيِّ، وقِيلَ: في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ قَبْلَ إسْلامِهِ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا فَجاءَهُ مَرَّةً يَتِيمٌ فَسَألَهُ مِن لَحْمِها فَقَرَعَهُ بِعَصا. وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ: كانَ وصِيًّا عَلى يَتِيمٍ فَأتاهُ عُرْيانًا يَسْألُهُ مِن مالِ نَفْسِهِ فَدَفَعَهُ دَفْعًا شَنِيعًا.
والَّذِينَ جَعَلُوا السُّورَةَ مَدَنِيَّةً قالُوا: نَزَلَتْ في مُنافِقٍ لَمْ يُسَمُّوهُ، وهَذِهِ أقْوالٌ مَعْزُوٌّ بَعْضُها إلى بَعْضِ التّابِعِينَ، ولَوْ تَعَيَّنَتْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ نُزُولِها مُخَصِّصًا حُكْمَها بِما نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ.
ومَعْنى (يَدُعُّ) يَدْفَعُ بِعُنْفٍ وقَهْرٍ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] .
والحَضُّ: الحَثُّ، وهو أنْ تَطْلُبَ غَيْرَكَ فِعْلًا بِتَأْكِيدٍ.
والطَّعامُ: اسْمُ الإطْعامِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ إضافَةً لَفْظِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ مُرادًا بِهِ ما يُطْعَمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فَتَكُونَ إضافَةُ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ مَعْنَوِيَّةً عَلى مَعْنى اللّامِ، أيِ: الطَّعامُ الَّذِي هو حَقُّهُ عَلى الأغْنِياءِ ويَكُونُ فِيهِ تَقْدِيرٌ مُضافٌ مَجْرُورٌ بِـ (عَلى) تَقْدِيرُهُ: عَلى إعْطاءِ طَعامِ المِسْكِينِ.
وكُنِّيَ بِنَفْيِ الحَضِّ عَنْ نَفْيِ الإطْعامِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَشِحُّ بِالحَضِّ عَلى الإطْعامِ هو بِالإطْعامِ أشَحُّ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] في سُورَةِ الفَجْرِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّدِيدِ الفَقْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] في سُورَةِ التَّوْبَةِ.
الماعون 107:2
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ .
الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُكَذِّبِينَ بِالجَزاءِ، وما أوْرَثَهُمُ التَّكْذِيبُ مِن سُوءِ الصَّنِيعِ، فالتَّعَجُّبُ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِالدِّينِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ وقَدْ صِيغَ هَذا التَّعْجِيبُ في نَظْمٍ مَشُوقٍ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنْ رُؤْيَةِ مَن ثَبَتَتْ لَهُ صِلَةُ المَوْصُولِ يَذْهَبُ بِذِهْنِ السّامِعِ مَذاهِبَ شَتّى مِن تَعَرُّفِ المَقْصِدِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ، فَإنَّ التَّكْذِيبَ بِالدِّينِ شائِعٌ فِيهِمْ فَلا يَكُونُ مَثارًا لِلتَّعَجُّبِ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ ماذا يَرِدُ بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ .
وفِي إقْحامِ اسْمِ الإشارَةِ واسْمِ المَوْصُولِ بَعْدَ الفاءِ زِيادَةُ تَشْوِيقٍ حَتّى تَقْرَعَ الصِّلَةُ سَمْعَ السّامِعِ فَتَتَمَكَّنُ مِنهُ كَمالَ تَمَكُّنٍ.
وأصْلُ ظاهِرِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَيَدُعُّ اليَتِيمَ ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.
والإشارَةُ إلى الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ حَتّى يَتَبَصَّرَ السّامِعُ فِيهِ وفي صِفَتِهِ، أوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ الواضِحِ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِ.
والفاءُ لِعَطْفِ الصِّفَةِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى لِإفادَةِ تَسَبُّبِ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ في
صفحة ٥٦٥
الحُكْمِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ، وذَلِكَ شَأْنُها في عَطْفِ الصِّفاتِ إذا كانَ مَوْصُوفُها واحِدًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] .
فَمَعْنى الآيَةِ عَطْفُ صِفَتَيْ: دَعِّ اليَتِيمِ، وعَدَمِ إطْعامِ المِسْكِينِ عَلى جَزْمِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ.
وهَذا يُفِيدُ تَشْوِيهَ إنْكارِ البَعْثِ بِما يَنْشَأُ عَنْ إنْكارِهِ مِنَ المَذامِّ ومِن مُخالَفَةٍ لِلْحَقِّ ومُنافِيًا لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ التَّكْلِيفِ، وفي ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ تَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاقْتِرابِ مِن إحْدى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِأنَّهُما مِن صِفاتِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ.
وجِيءَ في (يُكَذِّبُ، يَدُعُّ، ويَحُضُّ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهُ ودَوامِهِ.
وهَذا إيذانٌ بِأنَّ الإيمانَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ هو الوازِعُ الحَقُّ الَّذِي يَغْرِسُ في النَّفْسِ جُذُورَ الإقْبالِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي يَصِيرُ ذَلِكَ لَها خُلُقًا إذا شَبَّتْ عَلَيْهِ، فَزَكَتْ وانْساقَتْ إلى الخَيْرِ بِدُونِ كُلْفَةٍ ولا احْتِياجٍ إلى أمْرٍ ولا إلى مَخافَةٍ مِمَّنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ العُقُوباتِ حَتّى إذا اخْتَلى بِنَفْسِهِ وأمِنَ الرُّقَباءَ جاءَ بِالفَحْشاءِ والأعْمالِ النَّكْراءِ.
والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ يَتَعَدّى فِعْلُها إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَإنَّ المُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ مَعْرُوفُونَ وأعْمالُهم مَشْهُورَةٌ، فَنَزَلَتْ شُهْرَتُهم بِذَلِكَ مَنزِلَةَ الأمْرِ المُبْصَرِ المُشاهَدِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ مِن (أرَأيْتَ) ألِفًا. ورَوى المِصْرِيُّونَ عَنْ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ إبْدالَها ألِفًا وهو الَّذِي قَرَأْنا بِهِ في تُونِسَ، وهَكَذا في فِعْلِ (رَأى) كُلَّما وقَعَ بَعْدَ الهَمْزَةِ اسْتِفْهامٌ وذَلِكَ فِرارٌ مِن تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَحْقِيقِها.
وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ في كُلِّ فِعْلٍ مِن هَذا القَبِيلِ.
واسْمُ المَوْصُولِ وصِلَتُهُ مُرادٌ بِهِما جِنْسُ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ دَرَجُوا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلِ السَّهْمِيِّ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ
صفحة ٥٦٦
المَخْزُومِيِّ، وقِيلَ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ المَخْزُومِيِّ، وقِيلَ: في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ قَبْلَ إسْلامِهِ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا فَجاءَهُ مَرَّةً يَتِيمٌ فَسَألَهُ مِن لَحْمِها فَقَرَعَهُ بِعَصا. وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ: كانَ وصِيًّا عَلى يَتِيمٍ فَأتاهُ عُرْيانًا يَسْألُهُ مِن مالِ نَفْسِهِ فَدَفَعَهُ دَفْعًا شَنِيعًا.
والَّذِينَ جَعَلُوا السُّورَةَ مَدَنِيَّةً قالُوا: نَزَلَتْ في مُنافِقٍ لَمْ يُسَمُّوهُ، وهَذِهِ أقْوالٌ مَعْزُوٌّ بَعْضُها إلى بَعْضِ التّابِعِينَ، ولَوْ تَعَيَّنَتْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ نُزُولِها مُخَصِّصًا حُكْمَها بِما نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ.
ومَعْنى (يَدُعُّ) يَدْفَعُ بِعُنْفٍ وقَهْرٍ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] .
والحَضُّ: الحَثُّ، وهو أنْ تَطْلُبَ غَيْرَكَ فِعْلًا بِتَأْكِيدٍ.
والطَّعامُ: اسْمُ الإطْعامِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ إضافَةً لَفْظِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ مُرادًا بِهِ ما يُطْعَمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فَتَكُونَ إضافَةُ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ مَعْنَوِيَّةً عَلى مَعْنى اللّامِ، أيِ: الطَّعامُ الَّذِي هو حَقُّهُ عَلى الأغْنِياءِ ويَكُونُ فِيهِ تَقْدِيرٌ مُضافٌ مَجْرُورٌ بِـ (عَلى) تَقْدِيرُهُ: عَلى إعْطاءِ طَعامِ المِسْكِينِ.
وكُنِّيَ بِنَفْيِ الحَضِّ عَنْ نَفْيِ الإطْعامِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَشِحُّ بِالحَضِّ عَلى الإطْعامِ هو بِالإطْعامِ أشَحُّ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] في سُورَةِ الفَجْرِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّدِيدِ الفَقْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] في سُورَةِ التَّوْبَةِ.
الماعون 107:3
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ .
الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُكَذِّبِينَ بِالجَزاءِ، وما أوْرَثَهُمُ التَّكْذِيبُ مِن سُوءِ الصَّنِيعِ، فالتَّعَجُّبُ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِالدِّينِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن دَعِّ اليَتِيمِ وعَدَمِ الحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ وقَدْ صِيغَ هَذا التَّعْجِيبُ في نَظْمٍ مَشُوقٍ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنْ رُؤْيَةِ مَن ثَبَتَتْ لَهُ صِلَةُ المَوْصُولِ يَذْهَبُ بِذِهْنِ السّامِعِ مَذاهِبَ شَتّى مِن تَعَرُّفِ المَقْصِدِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ، فَإنَّ التَّكْذِيبَ بِالدِّينِ شائِعٌ فِيهِمْ فَلا يَكُونُ مَثارًا لِلتَّعَجُّبِ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ ماذا يَرِدُ بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ .
وفِي إقْحامِ اسْمِ الإشارَةِ واسْمِ المَوْصُولِ بَعْدَ الفاءِ زِيادَةُ تَشْوِيقٍ حَتّى تَقْرَعَ الصِّلَةُ سَمْعَ السّامِعِ فَتَتَمَكَّنُ مِنهُ كَمالَ تَمَكُّنٍ.
وأصْلُ ظاهِرِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَيَدُعُّ اليَتِيمَ ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.
والإشارَةُ إلى الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ حَتّى يَتَبَصَّرَ السّامِعُ فِيهِ وفي صِفَتِهِ، أوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ الواضِحِ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْهِ.
والفاءُ لِعَطْفِ الصِّفَةِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى لِإفادَةِ تَسَبُّبِ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ في
صفحة ٥٦٥
الحُكْمِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ، وذَلِكَ شَأْنُها في عَطْفِ الصِّفاتِ إذا كانَ مَوْصُوفُها واحِدًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣] .
فَمَعْنى الآيَةِ عَطْفُ صِفَتَيْ: دَعِّ اليَتِيمِ، وعَدَمِ إطْعامِ المِسْكِينِ عَلى جَزْمِ التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ.
وهَذا يُفِيدُ تَشْوِيهَ إنْكارِ البَعْثِ بِما يَنْشَأُ عَنْ إنْكارِهِ مِنَ المَذامِّ ومِن مُخالَفَةٍ لِلْحَقِّ ومُنافِيًا لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ التَّكْلِيفِ، وفي ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ تَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِنَ الِاقْتِرابِ مِن إحْدى هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِأنَّهُما مِن صِفاتِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ.
وجِيءَ في (يُكَذِّبُ، يَدُعُّ، ويَحُضُّ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهُ ودَوامِهِ.
وهَذا إيذانٌ بِأنَّ الإيمانَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ هو الوازِعُ الحَقُّ الَّذِي يَغْرِسُ في النَّفْسِ جُذُورَ الإقْبالِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي يَصِيرُ ذَلِكَ لَها خُلُقًا إذا شَبَّتْ عَلَيْهِ، فَزَكَتْ وانْساقَتْ إلى الخَيْرِ بِدُونِ كُلْفَةٍ ولا احْتِياجٍ إلى أمْرٍ ولا إلى مَخافَةٍ مِمَّنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ العُقُوباتِ حَتّى إذا اخْتَلى بِنَفْسِهِ وأمِنَ الرُّقَباءَ جاءَ بِالفَحْشاءِ والأعْمالِ النَّكْراءِ.
والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ يَتَعَدّى فِعْلُها إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَإنَّ المُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ مَعْرُوفُونَ وأعْمالُهم مَشْهُورَةٌ، فَنَزَلَتْ شُهْرَتُهم بِذَلِكَ مَنزِلَةَ الأمْرِ المُبْصَرِ المُشاهَدِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ مِن (أرَأيْتَ) ألِفًا. ورَوى المِصْرِيُّونَ عَنْ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ إبْدالَها ألِفًا وهو الَّذِي قَرَأْنا بِهِ في تُونِسَ، وهَكَذا في فِعْلِ (رَأى) كُلَّما وقَعَ بَعْدَ الهَمْزَةِ اسْتِفْهامٌ وذَلِكَ فِرارٌ مِن تَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، قَرَأ الجُمْهُورُ بِتَحْقِيقِها.
وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ في كُلِّ فِعْلٍ مِن هَذا القَبِيلِ.
واسْمُ المَوْصُولِ وصِلَتُهُ مُرادٌ بِهِما جِنْسُ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ دَرَجُوا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلِ السَّهْمِيِّ، وقِيلَ: في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ
صفحة ٥٦٦
المَخْزُومِيِّ، وقِيلَ: في عَمْرِو بْنِ عائِذٍ المَخْزُومِيِّ، وقِيلَ: في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ قَبْلَ إسْلامِهِ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا فَجاءَهُ مَرَّةً يَتِيمٌ فَسَألَهُ مِن لَحْمِها فَقَرَعَهُ بِعَصا. وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ: كانَ وصِيًّا عَلى يَتِيمٍ فَأتاهُ عُرْيانًا يَسْألُهُ مِن مالِ نَفْسِهِ فَدَفَعَهُ دَفْعًا شَنِيعًا.
والَّذِينَ جَعَلُوا السُّورَةَ مَدَنِيَّةً قالُوا: نَزَلَتْ في مُنافِقٍ لَمْ يُسَمُّوهُ، وهَذِهِ أقْوالٌ مَعْزُوٌّ بَعْضُها إلى بَعْضِ التّابِعِينَ، ولَوْ تَعَيَّنَتْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ نُزُولِها مُخَصِّصًا حُكْمَها بِما نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ.
ومَعْنى (يَدُعُّ) يَدْفَعُ بِعُنْفٍ وقَهْرٍ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] .
والحَضُّ: الحَثُّ، وهو أنْ تَطْلُبَ غَيْرَكَ فِعْلًا بِتَأْكِيدٍ.
والطَّعامُ: اسْمُ الإطْعامِ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ إضافَةً لَفْظِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الطَّعامُ مُرادًا بِهِ ما يُطْعَمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فَتَكُونَ إضافَةُ طَعامٍ إلى المِسْكِينِ مَعْنَوِيَّةً عَلى مَعْنى اللّامِ، أيِ: الطَّعامُ الَّذِي هو حَقُّهُ عَلى الأغْنِياءِ ويَكُونُ فِيهِ تَقْدِيرٌ مُضافٌ مَجْرُورٌ بِـ (عَلى) تَقْدِيرُهُ: عَلى إعْطاءِ طَعامِ المِسْكِينِ.
وكُنِّيَ بِنَفْيِ الحَضِّ عَنْ نَفْيِ الإطْعامِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَشِحُّ بِالحَضِّ عَلى الإطْعامِ هو بِالإطْعامِ أشَحُّ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] في سُورَةِ الفَجْرِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
والمِسْكِينُ: الفَقِيرُ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّدِيدِ الفَقْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] في سُورَةِ التَّوْبَةِ.
الماعون 107:4
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾
مَوْقِعُ الفاءِ صَرِيحٌ في اتِّصالِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها مِنَ الكَلامِ عَلى مَعْنى التَّفْرِيعِ والتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ.
صفحة ٥٦٧
فَيَجِيءُ عَلى القَوْلِ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِأجْمَعِها أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُصَلِّينَ عَيْنَ المُرادِ بِالَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، ويَدُعُّ اليَتِيمَ، ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، فَقَوْلُهُ (لِلْمُصَلِّينَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَيْلٌ لَهُ عَلى سَهْوِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَلى الرِّياءِ، وعَلى مَنعِ الماعُونِ، دَعا إلَيْهِ زِيادَةُ تِعْدادِ صِفاتِهِ الذَّمِيمَةِ بِأُسْلُوبٍ سَلِيمٍ عَنْ تَتابُعِ سِتِّ صِفاتٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّتابُعَ لا يَخْلُو مِن كَثْرَةِ تِكْرارِ النَّظائِرِ فَيُشْبِهُ تَتابُعَ الإضافاتِ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ مُناكِدٌ لِلْفَصاحَةِ، مَعَ الإشارَةِ بِتَوْسِيطِ ويْلٌ لَهُ إلى أنَّ الوَيْلَ ناشِئٌ عَنْ جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي هو أهْلُها، وهَذا المَعْنى أشارَ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ بِغُمُوضٍ.
فَوَصْفُهم بِـ (المُصَلِّينَ) إذَنْ تَهَكُّمٌ، والمُرادُ عَدَمُهُ، أيِ: الَّذِينَ لا يُصَلُّونَ، أيْ: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ وصْفُهم بِـ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ .
وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ أوْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مِنها مَدَنِيَّةٌ يَكُونُ المُرادُ بِـ المُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ المُنافِقِينَ. ورَوى هَذا ابْنُ وهْبٍ وأشْهَبُ عَنْ مالِكٍ فَتَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ لِرَبْطِها بِما قَبْلَها؛ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ ارْتِباطَ هَذا الكَلامِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وجِيءَ في هَذِهِ الصِّفَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١]: جِنْسُ المُكَذِّبِينَ عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ. فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ مُعَيَّنًا عَلى بَعْضِ تِلْكَ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ تَذْلِيلًا يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ، فَإنَّهُ واحِدٌ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِصِفَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ وصِفَةِ الرِّياءِ، وصِفَةِ مَنعِ الماعُونِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّينَ مُقَيِّدَةٌ لِحُكْمِ المَوْصُوفِ، فَإنَّ الوَيْلَ لِلْمُصَلِّي السّاهِي عَنْ صَلاتِهِ لا لِلْمُصَلِّي عَلى الإطْلاقِ.
فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ تَرْشِيحًا لِلتَّهَكُّمِ الواقِعِ في إطْلاقِ وصْفِ المُصَلِّينَ عَلَيْهِمْ.
وعُدِّيَ (ساهُونَ) بِحَرْفِ (عَنْ) لِإفادَةِ أنَّهم تَجاوَزُوا إقامَةَ صَلاتِهِمْ وتَرَكُوها ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِأحْكامِ السَّهْوِ في الصَّلاةِ.
صفحة ٥٦٨
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ إلّا رِياءً فَإذا خَلَوْا تَرَكُوا الصَّلاةَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: الَّذِينَ يُصَلُّونَ دُونَ نِيَّةٍ وإخْلاصٍ فَهم في حالَةِ الصَّلاةِ بِمَنزِلَةِ السّاهِي عَمّا يَفْعَلُ، فَيَكُونُ إطْلاقُ (ساهُونَ) تَهَكُّمًا كَما قالَ تَعالى: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] في المُنافِقِينَ في سُورَةِ النِّساءِ.
ويُراءُونَ يَقْصِدُونَ أنْ يَرى النّاسُ أنَّهم عَلى حالٍ حَسَنٍ وهم بِخِلافِهِ لِيَتَحَدَّثَ النّاسُ لَهم بِمَحاسِنَ، ما هم بِمَوْصُوفِينَ بِها، ولِذَلِكَ كَثُرَ أنْ تُعْطَفَ السُّمْعَةُ عَلى الرِّياءِ فَيُقالُ: رِياءٌ وسُمْعَةٌ. وهَذا الفِعْلُ وارِدٌ في الكَلامِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ؛ لِأنَّهُ يُلازِمُهُ تَكْرِيرُ الإراءَةِ.
والماعُونُ: يُطْلَقُ عَلى الإعانَةِ بِالمالِ، فالمَعْنى: يَمْنَعُونَ فَضْلَهم أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقَةَ عَلى الفُقَراءِ. فَقَدْ كانَتِ الصَّدَقَةُ واجِبَةً في صَدْرِ الإسْلامِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الزَّكاةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ.
ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ: الماعُونُ الزَّكاةُ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الرّاعِي:
قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا
لِأنَّهُ أرادَ بِالتَّهْلِيلِ الصَّلاةَ، فَجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الزَّكاةِ.
ويُطْلَقُ عَلى ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى عَمَلِ البَيْتِ مِن آنِيَةٍ وآلاتِ طَبْخٍ وشَدٍّ وحَفْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَسارَةَ عَلى صاحِبِهِ في إعارَتِهِ وإعْطائِهِ، وعَنْ عائِشَةَ: الماعُونُ الماءُ والنّارُ والمِلْحُ. وهَذا ذَمٌّ لَهم بِمُنْتَهى البُخْلِ. وهو الشُّحُّ بِما لا يَرْزَؤُهم.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هم يُراءُونَ﴾ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أيْ: تَأْكِيدِهِ.
فَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ أوْ بِأنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ مَدَنِيَّةٌ يَكُونُ المُرادُ بِالمُصَلِّينَ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾، والصِّلاتِ بَعْدَها: المُنافِقِينَ،
صفحة ٥٦٩
فَإطْلاقُ المُصَلِّينَ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى المُتَظاهِرِينَ بِأنَّهم يُصَلُّونَ وهو مِن إطْلاقِ الفِعْلِ عَلى صُورَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤] أيْ: يُظْهِرُونَ أنَّهم يَحْذَرُونَ تَنْزِيلَ سُورَةٍ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ أيِ: الصَّدَقَةَ أوِ الزَّكاةَ، قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فَلَمّا عُرِفُوا بِهَذِهِ الخِلالِ كانَ مُفادُ فاءِ التَّفْرِيعِ أنَّ أُولَئِكَ المُتَظاهِرِينَ بِالصَّلاةِ وهم تارِكُوها في خاصَّتِهِمْ هم مِن جُمْلَةِ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ويَدُعُّونَ اليَتِيمَ ولا يَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.
وحَكى هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ في كِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، أيْ: فَإطْلاقُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلَيْهِ مُرادٌ بِها واحِدٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] أيِ: الرَّسُولَ إلَيْهِمْ.
والسَّهْوُ حَقِيقَتُهُ: الذُّهُولُ عَنْ أمْرٍ سَبَقَ عِلْمُهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ والتَّرْكِ عَنْ عَمْدٍ اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْهم، ومِثْلُهُ اسْتِعارَةُ الغَفْلَةِ لِلْإعْراضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] في سُورَةِ يُونُسَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ الوَعِيدَ عَلى السَّهْوِ الحَقِيقِيِّ عَنِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ حُكْمَ النِّسْيانِ مَرْفُوعٌ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ يُنادِي عَلى أنَّ وصْفَهم بِالمُصَلِّينَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يُصَلُّونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ إذا أرادَ اللَّهُ إنْزالَ شَيْءٍ مِن القُرْآنِ مُلْحَقًا بِشَيْءٍ قَبْلَهُ جَعَلَ نَظْمَ المُلْحَقِ مُناسِبًا لِما هو مُتَّصِلٌ بِهِ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ. وهَذِهِ نُكْتَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لَنا إظْهارُها فَعَلَيْكَ مُلاحَظَتُها في كُلِّ ما ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ مِن القُرْآنِ مُلْحَقًا بِشَيْءٍ نَزَلَ قَبْلَهُ مِنهُ.
* * *
صفحة ٥٧٠
صفحة ٥٧١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَوْثَرِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في جَمِيعِ المَصاحِفِ الَّتِي رَأيْناها في جَمِيعِ التَّفاسِيرِ أيْضًا (سُورَةَ الكَوْثَرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ. وعَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ سُورَةَ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
ونَقَلَ سَعْدُ اللَّهِ الشَّهِيرُ بِسَعْدِيٍّ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ عَنِ البِقاعِيِّ أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ النَّحْرِ) وهَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ تَعارَضَتِ الأقْوالُ والآثارُ في أنَّها مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ تَعارُضًا شَدِيدًا، فَهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ونَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْ كِتابِ النَّشْرِ قالَ: أجْمَعَ مَن نَعْرِفُهُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. قالَ الخَفاجِيُّ: وفِيهِ نَظَرٌ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها.
وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ هي مَدَنِيَّةٌ ويَشْهَدُ لَهم ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أظْهُرِنا، إذْ أغْفى إغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وقالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١] ثُمَّ قالَ: أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: فَإنَّهُ نَهَرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ» الحَدِيثَ. وأنَسٌ أسْلَمَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ فَإذا كانَ لَفْظُ (آنِفًا) في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ مُسْتَعْمَلًا في ظاهِرِ مَعْناهُ وهو الزَّمَنُ القَرِيبُ، فالسُّورَةُ نَزَلَتْ مُنْذُ وقْتٍ قَرِيبٍ مِن حُصُولِ تِلْكَ الرُّؤْيا.
ومُقْتَضى ما يُرْوى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أنْ تَكُونَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، ومُقْتَضى ظاهِرِ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (وانْحَرْ) مِن أنَّ النَّحْرَ في الحَجِّ أوْ يَوْمِ الأضْحى - تَكُونُ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً ويَبْعَثُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
صفحة ٥٧٢
لَيْسَ رَدًّا عَلى كَلامِ العاصِي بْنِ وائِلٍ كَما سَنُبَيِّنُ ذَلِكَ.
والأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وعَلى هَذا سَنَعْتَمِدُ في تَفْسِيرِ آياتِها.
وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ عَدُّوها الخامِسَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العادِياتِ وقَبْلَ سُورَةِ التَّكاثُرِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ فَقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ.
وعَدَدُ آيِها ثَلاثٌ بِالِاتِّفاقِ.
وهِيَ أقْصَرُ سُوَرِ القُرْآنِ عَدَدَ كَلِماتٍ وعَدَدَ حُرُوفٍ، وأمّا في عَدَدِ الآياتِ فَسُورَةُ العَصْرِ وسُورَةُ النَّصْرِ مِثْلُها، ولَكِنَّ كَلِماتِها أكْثَرُ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ أُعْطِيَ الخَيْرَ الكَثِيرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وأمْرِهِ بِأنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالإقْبالِ عَلى العِبادَةِ.
وأنَّ ذَلِكَ هو الكَمالُ الحَقُّ لا ما يَتَطاوَلُ بِهِ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ بِالثَّرْوَةِ والنِّعْمَةِ وهم مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهم أبْغَضُوا رَسُولَهُ، وغَضَبُ اللَّهِ بَتْرٌ لَهم إذا كانُوا بِمَحَلِّ السُّخْطِ مِنَ اللَّهِ.
وإنَّ انْقِطاعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ فَلَيْسَ بَتْرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا أثَرَ لَهُ في كَمالِ الإنْسانِ.
الماعون 107:5
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾
مَوْقِعُ الفاءِ صَرِيحٌ في اتِّصالِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها مِنَ الكَلامِ عَلى مَعْنى التَّفْرِيعِ والتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ.
صفحة ٥٦٧
فَيَجِيءُ عَلى القَوْلِ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِأجْمَعِها أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُصَلِّينَ عَيْنَ المُرادِ بِالَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، ويَدُعُّ اليَتِيمَ، ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، فَقَوْلُهُ (لِلْمُصَلِّينَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَيْلٌ لَهُ عَلى سَهْوِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَلى الرِّياءِ، وعَلى مَنعِ الماعُونِ، دَعا إلَيْهِ زِيادَةُ تِعْدادِ صِفاتِهِ الذَّمِيمَةِ بِأُسْلُوبٍ سَلِيمٍ عَنْ تَتابُعِ سِتِّ صِفاتٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّتابُعَ لا يَخْلُو مِن كَثْرَةِ تِكْرارِ النَّظائِرِ فَيُشْبِهُ تَتابُعَ الإضافاتِ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ مُناكِدٌ لِلْفَصاحَةِ، مَعَ الإشارَةِ بِتَوْسِيطِ ويْلٌ لَهُ إلى أنَّ الوَيْلَ ناشِئٌ عَنْ جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي هو أهْلُها، وهَذا المَعْنى أشارَ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ بِغُمُوضٍ.
فَوَصْفُهم بِـ (المُصَلِّينَ) إذَنْ تَهَكُّمٌ، والمُرادُ عَدَمُهُ، أيِ: الَّذِينَ لا يُصَلُّونَ، أيْ: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ وصْفُهم بِـ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ .
وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ أوْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مِنها مَدَنِيَّةٌ يَكُونُ المُرادُ بِـ المُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ المُنافِقِينَ. ورَوى هَذا ابْنُ وهْبٍ وأشْهَبُ عَنْ مالِكٍ فَتَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ لِرَبْطِها بِما قَبْلَها؛ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ ارْتِباطَ هَذا الكَلامِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وجِيءَ في هَذِهِ الصِّفَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١]: جِنْسُ المُكَذِّبِينَ عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ. فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ مُعَيَّنًا عَلى بَعْضِ تِلْكَ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ تَذْلِيلًا يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ، فَإنَّهُ واحِدٌ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِصِفَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ وصِفَةِ الرِّياءِ، وصِفَةِ مَنعِ الماعُونِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّينَ مُقَيِّدَةٌ لِحُكْمِ المَوْصُوفِ، فَإنَّ الوَيْلَ لِلْمُصَلِّي السّاهِي عَنْ صَلاتِهِ لا لِلْمُصَلِّي عَلى الإطْلاقِ.
فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ تَرْشِيحًا لِلتَّهَكُّمِ الواقِعِ في إطْلاقِ وصْفِ المُصَلِّينَ عَلَيْهِمْ.
وعُدِّيَ (ساهُونَ) بِحَرْفِ (عَنْ) لِإفادَةِ أنَّهم تَجاوَزُوا إقامَةَ صَلاتِهِمْ وتَرَكُوها ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِأحْكامِ السَّهْوِ في الصَّلاةِ.
صفحة ٥٦٨
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ إلّا رِياءً فَإذا خَلَوْا تَرَكُوا الصَّلاةَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: الَّذِينَ يُصَلُّونَ دُونَ نِيَّةٍ وإخْلاصٍ فَهم في حالَةِ الصَّلاةِ بِمَنزِلَةِ السّاهِي عَمّا يَفْعَلُ، فَيَكُونُ إطْلاقُ (ساهُونَ) تَهَكُّمًا كَما قالَ تَعالى: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] في المُنافِقِينَ في سُورَةِ النِّساءِ.
ويُراءُونَ يَقْصِدُونَ أنْ يَرى النّاسُ أنَّهم عَلى حالٍ حَسَنٍ وهم بِخِلافِهِ لِيَتَحَدَّثَ النّاسُ لَهم بِمَحاسِنَ، ما هم بِمَوْصُوفِينَ بِها، ولِذَلِكَ كَثُرَ أنْ تُعْطَفَ السُّمْعَةُ عَلى الرِّياءِ فَيُقالُ: رِياءٌ وسُمْعَةٌ. وهَذا الفِعْلُ وارِدٌ في الكَلامِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ؛ لِأنَّهُ يُلازِمُهُ تَكْرِيرُ الإراءَةِ.
والماعُونُ: يُطْلَقُ عَلى الإعانَةِ بِالمالِ، فالمَعْنى: يَمْنَعُونَ فَضْلَهم أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقَةَ عَلى الفُقَراءِ. فَقَدْ كانَتِ الصَّدَقَةُ واجِبَةً في صَدْرِ الإسْلامِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الزَّكاةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ.
ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ: الماعُونُ الزَّكاةُ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الرّاعِي:
قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا
لِأنَّهُ أرادَ بِالتَّهْلِيلِ الصَّلاةَ، فَجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الزَّكاةِ.
ويُطْلَقُ عَلى ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى عَمَلِ البَيْتِ مِن آنِيَةٍ وآلاتِ طَبْخٍ وشَدٍّ وحَفْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَسارَةَ عَلى صاحِبِهِ في إعارَتِهِ وإعْطائِهِ، وعَنْ عائِشَةَ: الماعُونُ الماءُ والنّارُ والمِلْحُ. وهَذا ذَمٌّ لَهم بِمُنْتَهى البُخْلِ. وهو الشُّحُّ بِما لا يَرْزَؤُهم.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هم يُراءُونَ﴾ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أيْ: تَأْكِيدِهِ.
فَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ أوْ بِأنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ مَدَنِيَّةٌ يَكُونُ المُرادُ بِالمُصَلِّينَ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾، والصِّلاتِ بَعْدَها: المُنافِقِينَ،
صفحة ٥٦٩
فَإطْلاقُ المُصَلِّينَ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى المُتَظاهِرِينَ بِأنَّهم يُصَلُّونَ وهو مِن إطْلاقِ الفِعْلِ عَلى صُورَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤] أيْ: يُظْهِرُونَ أنَّهم يَحْذَرُونَ تَنْزِيلَ سُورَةٍ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ أيِ: الصَّدَقَةَ أوِ الزَّكاةَ، قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فَلَمّا عُرِفُوا بِهَذِهِ الخِلالِ كانَ مُفادُ فاءِ التَّفْرِيعِ أنَّ أُولَئِكَ المُتَظاهِرِينَ بِالصَّلاةِ وهم تارِكُوها في خاصَّتِهِمْ هم مِن جُمْلَةِ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ويَدُعُّونَ اليَتِيمَ ولا يَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.
وحَكى هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ في كِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، أيْ: فَإطْلاقُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلَيْهِ مُرادٌ بِها واحِدٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] أيِ: الرَّسُولَ إلَيْهِمْ.
والسَّهْوُ حَقِيقَتُهُ: الذُّهُولُ عَنْ أمْرٍ سَبَقَ عِلْمُهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ والتَّرْكِ عَنْ عَمْدٍ اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْهم، ومِثْلُهُ اسْتِعارَةُ الغَفْلَةِ لِلْإعْراضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] في سُورَةِ يُونُسَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ الوَعِيدَ عَلى السَّهْوِ الحَقِيقِيِّ عَنِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ حُكْمَ النِّسْيانِ مَرْفُوعٌ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ يُنادِي عَلى أنَّ وصْفَهم بِالمُصَلِّينَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يُصَلُّونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ إذا أرادَ اللَّهُ إنْزالَ شَيْءٍ مِن القُرْآنِ مُلْحَقًا بِشَيْءٍ قَبْلَهُ جَعَلَ نَظْمَ المُلْحَقِ مُناسِبًا لِما هو مُتَّصِلٌ بِهِ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ. وهَذِهِ نُكْتَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لَنا إظْهارُها فَعَلَيْكَ مُلاحَظَتُها في كُلِّ ما ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ مِن القُرْآنِ مُلْحَقًا بِشَيْءٍ نَزَلَ قَبْلَهُ مِنهُ.
* * *
صفحة ٥٧٠
صفحة ٥٧١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَوْثَرِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في جَمِيعِ المَصاحِفِ الَّتِي رَأيْناها في جَمِيعِ التَّفاسِيرِ أيْضًا (سُورَةَ الكَوْثَرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ. وعَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ سُورَةَ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
ونَقَلَ سَعْدُ اللَّهِ الشَّهِيرُ بِسَعْدِيٍّ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ عَنِ البِقاعِيِّ أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ النَّحْرِ) وهَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ تَعارَضَتِ الأقْوالُ والآثارُ في أنَّها مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ تَعارُضًا شَدِيدًا، فَهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ونَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْ كِتابِ النَّشْرِ قالَ: أجْمَعَ مَن نَعْرِفُهُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. قالَ الخَفاجِيُّ: وفِيهِ نَظَرٌ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها.
وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ هي مَدَنِيَّةٌ ويَشْهَدُ لَهم ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أظْهُرِنا، إذْ أغْفى إغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وقالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١] ثُمَّ قالَ: أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: فَإنَّهُ نَهَرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ» الحَدِيثَ. وأنَسٌ أسْلَمَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ فَإذا كانَ لَفْظُ (آنِفًا) في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ مُسْتَعْمَلًا في ظاهِرِ مَعْناهُ وهو الزَّمَنُ القَرِيبُ، فالسُّورَةُ نَزَلَتْ مُنْذُ وقْتٍ قَرِيبٍ مِن حُصُولِ تِلْكَ الرُّؤْيا.
ومُقْتَضى ما يُرْوى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أنْ تَكُونَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، ومُقْتَضى ظاهِرِ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (وانْحَرْ) مِن أنَّ النَّحْرَ في الحَجِّ أوْ يَوْمِ الأضْحى - تَكُونُ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً ويَبْعَثُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
صفحة ٥٧٢
لَيْسَ رَدًّا عَلى كَلامِ العاصِي بْنِ وائِلٍ كَما سَنُبَيِّنُ ذَلِكَ.
والأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وعَلى هَذا سَنَعْتَمِدُ في تَفْسِيرِ آياتِها.
وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ عَدُّوها الخامِسَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العادِياتِ وقَبْلَ سُورَةِ التَّكاثُرِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ فَقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ.
وعَدَدُ آيِها ثَلاثٌ بِالِاتِّفاقِ.
وهِيَ أقْصَرُ سُوَرِ القُرْآنِ عَدَدَ كَلِماتٍ وعَدَدَ حُرُوفٍ، وأمّا في عَدَدِ الآياتِ فَسُورَةُ العَصْرِ وسُورَةُ النَّصْرِ مِثْلُها، ولَكِنَّ كَلِماتِها أكْثَرُ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ أُعْطِيَ الخَيْرَ الكَثِيرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وأمْرِهِ بِأنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالإقْبالِ عَلى العِبادَةِ.
وأنَّ ذَلِكَ هو الكَمالُ الحَقُّ لا ما يَتَطاوَلُ بِهِ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ بِالثَّرْوَةِ والنِّعْمَةِ وهم مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهم أبْغَضُوا رَسُولَهُ، وغَضَبُ اللَّهِ بَتْرٌ لَهم إذا كانُوا بِمَحَلِّ السُّخْطِ مِنَ اللَّهِ.
وإنَّ انْقِطاعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ فَلَيْسَ بَتْرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا أثَرَ لَهُ في كَمالِ الإنْسانِ.
الماعون 107:6
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾
مَوْقِعُ الفاءِ صَرِيحٌ في اتِّصالِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها مِنَ الكَلامِ عَلى مَعْنى التَّفْرِيعِ والتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ.
صفحة ٥٦٧
فَيَجِيءُ عَلى القَوْلِ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِأجْمَعِها أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُصَلِّينَ عَيْنَ المُرادِ بِالَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، ويَدُعُّ اليَتِيمَ، ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، فَقَوْلُهُ (لِلْمُصَلِّينَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَيْلٌ لَهُ عَلى سَهْوِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَلى الرِّياءِ، وعَلى مَنعِ الماعُونِ، دَعا إلَيْهِ زِيادَةُ تِعْدادِ صِفاتِهِ الذَّمِيمَةِ بِأُسْلُوبٍ سَلِيمٍ عَنْ تَتابُعِ سِتِّ صِفاتٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّتابُعَ لا يَخْلُو مِن كَثْرَةِ تِكْرارِ النَّظائِرِ فَيُشْبِهُ تَتابُعَ الإضافاتِ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ مُناكِدٌ لِلْفَصاحَةِ، مَعَ الإشارَةِ بِتَوْسِيطِ ويْلٌ لَهُ إلى أنَّ الوَيْلَ ناشِئٌ عَنْ جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي هو أهْلُها، وهَذا المَعْنى أشارَ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ بِغُمُوضٍ.
فَوَصْفُهم بِـ (المُصَلِّينَ) إذَنْ تَهَكُّمٌ، والمُرادُ عَدَمُهُ، أيِ: الَّذِينَ لا يُصَلُّونَ، أيْ: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ وصْفُهم بِـ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ .
وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ أوْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مِنها مَدَنِيَّةٌ يَكُونُ المُرادُ بِـ المُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ المُنافِقِينَ. ورَوى هَذا ابْنُ وهْبٍ وأشْهَبُ عَنْ مالِكٍ فَتَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ لِرَبْطِها بِما قَبْلَها؛ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ ارْتِباطَ هَذا الكَلامِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وجِيءَ في هَذِهِ الصِّفَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١]: جِنْسُ المُكَذِّبِينَ عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ. فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ مُعَيَّنًا عَلى بَعْضِ تِلْكَ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ تَذْلِيلًا يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ، فَإنَّهُ واحِدٌ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِصِفَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ وصِفَةِ الرِّياءِ، وصِفَةِ مَنعِ الماعُونِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّينَ مُقَيِّدَةٌ لِحُكْمِ المَوْصُوفِ، فَإنَّ الوَيْلَ لِلْمُصَلِّي السّاهِي عَنْ صَلاتِهِ لا لِلْمُصَلِّي عَلى الإطْلاقِ.
فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ تَرْشِيحًا لِلتَّهَكُّمِ الواقِعِ في إطْلاقِ وصْفِ المُصَلِّينَ عَلَيْهِمْ.
وعُدِّيَ (ساهُونَ) بِحَرْفِ (عَنْ) لِإفادَةِ أنَّهم تَجاوَزُوا إقامَةَ صَلاتِهِمْ وتَرَكُوها ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِأحْكامِ السَّهْوِ في الصَّلاةِ.
صفحة ٥٦٨
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ إلّا رِياءً فَإذا خَلَوْا تَرَكُوا الصَّلاةَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: الَّذِينَ يُصَلُّونَ دُونَ نِيَّةٍ وإخْلاصٍ فَهم في حالَةِ الصَّلاةِ بِمَنزِلَةِ السّاهِي عَمّا يَفْعَلُ، فَيَكُونُ إطْلاقُ (ساهُونَ) تَهَكُّمًا كَما قالَ تَعالى: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] في المُنافِقِينَ في سُورَةِ النِّساءِ.
ويُراءُونَ يَقْصِدُونَ أنْ يَرى النّاسُ أنَّهم عَلى حالٍ حَسَنٍ وهم بِخِلافِهِ لِيَتَحَدَّثَ النّاسُ لَهم بِمَحاسِنَ، ما هم بِمَوْصُوفِينَ بِها، ولِذَلِكَ كَثُرَ أنْ تُعْطَفَ السُّمْعَةُ عَلى الرِّياءِ فَيُقالُ: رِياءٌ وسُمْعَةٌ. وهَذا الفِعْلُ وارِدٌ في الكَلامِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ؛ لِأنَّهُ يُلازِمُهُ تَكْرِيرُ الإراءَةِ.
والماعُونُ: يُطْلَقُ عَلى الإعانَةِ بِالمالِ، فالمَعْنى: يَمْنَعُونَ فَضْلَهم أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقَةَ عَلى الفُقَراءِ. فَقَدْ كانَتِ الصَّدَقَةُ واجِبَةً في صَدْرِ الإسْلامِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الزَّكاةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ.
ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ: الماعُونُ الزَّكاةُ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الرّاعِي:
قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا
لِأنَّهُ أرادَ بِالتَّهْلِيلِ الصَّلاةَ، فَجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الزَّكاةِ.
ويُطْلَقُ عَلى ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى عَمَلِ البَيْتِ مِن آنِيَةٍ وآلاتِ طَبْخٍ وشَدٍّ وحَفْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَسارَةَ عَلى صاحِبِهِ في إعارَتِهِ وإعْطائِهِ، وعَنْ عائِشَةَ: الماعُونُ الماءُ والنّارُ والمِلْحُ. وهَذا ذَمٌّ لَهم بِمُنْتَهى البُخْلِ. وهو الشُّحُّ بِما لا يَرْزَؤُهم.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هم يُراءُونَ﴾ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أيْ: تَأْكِيدِهِ.
فَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ أوْ بِأنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ مَدَنِيَّةٌ يَكُونُ المُرادُ بِالمُصَلِّينَ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾، والصِّلاتِ بَعْدَها: المُنافِقِينَ،
صفحة ٥٦٩
فَإطْلاقُ المُصَلِّينَ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى المُتَظاهِرِينَ بِأنَّهم يُصَلُّونَ وهو مِن إطْلاقِ الفِعْلِ عَلى صُورَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤] أيْ: يُظْهِرُونَ أنَّهم يَحْذَرُونَ تَنْزِيلَ سُورَةٍ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ أيِ: الصَّدَقَةَ أوِ الزَّكاةَ، قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فَلَمّا عُرِفُوا بِهَذِهِ الخِلالِ كانَ مُفادُ فاءِ التَّفْرِيعِ أنَّ أُولَئِكَ المُتَظاهِرِينَ بِالصَّلاةِ وهم تارِكُوها في خاصَّتِهِمْ هم مِن جُمْلَةِ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ويَدُعُّونَ اليَتِيمَ ولا يَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.
وحَكى هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ في كِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، أيْ: فَإطْلاقُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلَيْهِ مُرادٌ بِها واحِدٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] أيِ: الرَّسُولَ إلَيْهِمْ.
والسَّهْوُ حَقِيقَتُهُ: الذُّهُولُ عَنْ أمْرٍ سَبَقَ عِلْمُهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ والتَّرْكِ عَنْ عَمْدٍ اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْهم، ومِثْلُهُ اسْتِعارَةُ الغَفْلَةِ لِلْإعْراضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] في سُورَةِ يُونُسَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ الوَعِيدَ عَلى السَّهْوِ الحَقِيقِيِّ عَنِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ حُكْمَ النِّسْيانِ مَرْفُوعٌ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ يُنادِي عَلى أنَّ وصْفَهم بِالمُصَلِّينَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يُصَلُّونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ إذا أرادَ اللَّهُ إنْزالَ شَيْءٍ مِن القُرْآنِ مُلْحَقًا بِشَيْءٍ قَبْلَهُ جَعَلَ نَظْمَ المُلْحَقِ مُناسِبًا لِما هو مُتَّصِلٌ بِهِ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ. وهَذِهِ نُكْتَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لَنا إظْهارُها فَعَلَيْكَ مُلاحَظَتُها في كُلِّ ما ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ مِن القُرْآنِ مُلْحَقًا بِشَيْءٍ نَزَلَ قَبْلَهُ مِنهُ.
* * *
صفحة ٥٧٠
صفحة ٥٧١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَوْثَرِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في جَمِيعِ المَصاحِفِ الَّتِي رَأيْناها في جَمِيعِ التَّفاسِيرِ أيْضًا (سُورَةَ الكَوْثَرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ. وعَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ سُورَةَ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
ونَقَلَ سَعْدُ اللَّهِ الشَّهِيرُ بِسَعْدِيٍّ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ عَنِ البِقاعِيِّ أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ النَّحْرِ) وهَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ تَعارَضَتِ الأقْوالُ والآثارُ في أنَّها مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ تَعارُضًا شَدِيدًا، فَهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ونَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْ كِتابِ النَّشْرِ قالَ: أجْمَعَ مَن نَعْرِفُهُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. قالَ الخَفاجِيُّ: وفِيهِ نَظَرٌ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها.
وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ هي مَدَنِيَّةٌ ويَشْهَدُ لَهم ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أظْهُرِنا، إذْ أغْفى إغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وقالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١] ثُمَّ قالَ: أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: فَإنَّهُ نَهَرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ» الحَدِيثَ. وأنَسٌ أسْلَمَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ فَإذا كانَ لَفْظُ (آنِفًا) في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ مُسْتَعْمَلًا في ظاهِرِ مَعْناهُ وهو الزَّمَنُ القَرِيبُ، فالسُّورَةُ نَزَلَتْ مُنْذُ وقْتٍ قَرِيبٍ مِن حُصُولِ تِلْكَ الرُّؤْيا.
ومُقْتَضى ما يُرْوى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أنْ تَكُونَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، ومُقْتَضى ظاهِرِ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (وانْحَرْ) مِن أنَّ النَّحْرَ في الحَجِّ أوْ يَوْمِ الأضْحى - تَكُونُ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً ويَبْعَثُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
صفحة ٥٧٢
لَيْسَ رَدًّا عَلى كَلامِ العاصِي بْنِ وائِلٍ كَما سَنُبَيِّنُ ذَلِكَ.
والأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وعَلى هَذا سَنَعْتَمِدُ في تَفْسِيرِ آياتِها.
وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ عَدُّوها الخامِسَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العادِياتِ وقَبْلَ سُورَةِ التَّكاثُرِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ فَقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ.
وعَدَدُ آيِها ثَلاثٌ بِالِاتِّفاقِ.
وهِيَ أقْصَرُ سُوَرِ القُرْآنِ عَدَدَ كَلِماتٍ وعَدَدَ حُرُوفٍ، وأمّا في عَدَدِ الآياتِ فَسُورَةُ العَصْرِ وسُورَةُ النَّصْرِ مِثْلُها، ولَكِنَّ كَلِماتِها أكْثَرُ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ أُعْطِيَ الخَيْرَ الكَثِيرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وأمْرِهِ بِأنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالإقْبالِ عَلى العِبادَةِ.
وأنَّ ذَلِكَ هو الكَمالُ الحَقُّ لا ما يَتَطاوَلُ بِهِ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ بِالثَّرْوَةِ والنِّعْمَةِ وهم مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهم أبْغَضُوا رَسُولَهُ، وغَضَبُ اللَّهِ بَتْرٌ لَهم إذا كانُوا بِمَحَلِّ السُّخْطِ مِنَ اللَّهِ.
وإنَّ انْقِطاعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ فَلَيْسَ بَتْرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا أثَرَ لَهُ في كَمالِ الإنْسانِ.
الماعون 107:7
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم يُراءُونَ﴾ ﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾
مَوْقِعُ الفاءِ صَرِيحٌ في اتِّصالِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها مِنَ الكَلامِ عَلى مَعْنى التَّفْرِيعِ والتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ.
صفحة ٥٦٧
فَيَجِيءُ عَلى القَوْلِ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ بِأجْمَعِها أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُصَلِّينَ عَيْنَ المُرادِ بِالَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، ويَدُعُّ اليَتِيمَ، ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، فَقَوْلُهُ (لِلْمُصَلِّينَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَيْلٌ لَهُ عَلى سَهْوِهِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَلى الرِّياءِ، وعَلى مَنعِ الماعُونِ، دَعا إلَيْهِ زِيادَةُ تِعْدادِ صِفاتِهِ الذَّمِيمَةِ بِأُسْلُوبٍ سَلِيمٍ عَنْ تَتابُعِ سِتِّ صِفاتٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّتابُعَ لا يَخْلُو مِن كَثْرَةِ تِكْرارِ النَّظائِرِ فَيُشْبِهُ تَتابُعَ الإضافاتِ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ مُناكِدٌ لِلْفَصاحَةِ، مَعَ الإشارَةِ بِتَوْسِيطِ ويْلٌ لَهُ إلى أنَّ الوَيْلَ ناشِئٌ عَنْ جَمِيعِ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي هو أهْلُها، وهَذا المَعْنى أشارَ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ بِغُمُوضٍ.
فَوَصْفُهم بِـ (المُصَلِّينَ) إذَنْ تَهَكُّمٌ، والمُرادُ عَدَمُهُ، أيِ: الَّذِينَ لا يُصَلُّونَ، أيْ: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ وصْفُهم بِـ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ .
وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ أوْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها مِنها مَدَنِيَّةٌ يَكُونُ المُرادُ بِـ المُصَلِّينَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ المُنافِقِينَ. ورَوى هَذا ابْنُ وهْبٍ وأشْهَبُ عَنْ مالِكٍ فَتَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ لِرَبْطِها بِما قَبْلَها؛ لِأنَّ اللَّهَ أرادَ ارْتِباطَ هَذا الكَلامِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ.
وجِيءَ في هَذِهِ الصِّفَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١]: جِنْسُ المُكَذِّبِينَ عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ. فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ مُعَيَّنًا عَلى بَعْضِ تِلْكَ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ تَذْلِيلًا يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ، فَإنَّهُ واحِدٌ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِصِفَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ وصِفَةِ الرِّياءِ، وصِفَةِ مَنعِ الماعُونِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُصَلِّينَ مُقَيِّدَةٌ لِحُكْمِ المَوْصُوفِ، فَإنَّ الوَيْلَ لِلْمُصَلِّي السّاهِي عَنْ صَلاتِهِ لا لِلْمُصَلِّي عَلى الإطْلاقِ.
فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ تَرْشِيحًا لِلتَّهَكُّمِ الواقِعِ في إطْلاقِ وصْفِ المُصَلِّينَ عَلَيْهِمْ.
وعُدِّيَ (ساهُونَ) بِحَرْفِ (عَنْ) لِإفادَةِ أنَّهم تَجاوَزُوا إقامَةَ صَلاتِهِمْ وتَرَكُوها ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِأحْكامِ السَّهْوِ في الصَّلاةِ.
صفحة ٥٦٨
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ الصَّلاةَ إلّا رِياءً فَإذا خَلَوْا تَرَكُوا الصَّلاةَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: الَّذِينَ يُصَلُّونَ دُونَ نِيَّةٍ وإخْلاصٍ فَهم في حالَةِ الصَّلاةِ بِمَنزِلَةِ السّاهِي عَمّا يَفْعَلُ، فَيَكُونُ إطْلاقُ (ساهُونَ) تَهَكُّمًا كَما قالَ تَعالى: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] في المُنافِقِينَ في سُورَةِ النِّساءِ.
ويُراءُونَ يَقْصِدُونَ أنْ يَرى النّاسُ أنَّهم عَلى حالٍ حَسَنٍ وهم بِخِلافِهِ لِيَتَحَدَّثَ النّاسُ لَهم بِمَحاسِنَ، ما هم بِمَوْصُوفِينَ بِها، ولِذَلِكَ كَثُرَ أنْ تُعْطَفَ السُّمْعَةُ عَلى الرِّياءِ فَيُقالُ: رِياءٌ وسُمْعَةٌ. وهَذا الفِعْلُ وارِدٌ في الكَلامِ عَلى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ؛ لِأنَّهُ يُلازِمُهُ تَكْرِيرُ الإراءَةِ.
والماعُونُ: يُطْلَقُ عَلى الإعانَةِ بِالمالِ، فالمَعْنى: يَمْنَعُونَ فَضْلَهم أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقَةَ عَلى الفُقَراءِ. فَقَدْ كانَتِ الصَّدَقَةُ واجِبَةً في صَدْرِ الإسْلامِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الزَّكاةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ شِهابٍ: الماعُونُ المالُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ.
ورَوى أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ: الماعُونُ الزَّكاةُ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الرّاعِي:
قَوْمٌ عَلى الإسْلامِ لَمّا يَمْنَعُوا ماعُونَهم ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا
لِأنَّهُ أرادَ بِالتَّهْلِيلِ الصَّلاةَ، فَجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الزَّكاةِ.
ويُطْلَقُ عَلى ما يُسْتَعانُ بِهِ عَلى عَمَلِ البَيْتِ مِن آنِيَةٍ وآلاتِ طَبْخٍ وشَدٍّ وحَفْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَسارَةَ عَلى صاحِبِهِ في إعارَتِهِ وإعْطائِهِ، وعَنْ عائِشَةَ: الماعُونُ الماءُ والنّارُ والمِلْحُ. وهَذا ذَمٌّ لَهم بِمُنْتَهى البُخْلِ. وهو الشُّحُّ بِما لا يَرْزَؤُهم.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هم يُراءُونَ﴾ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أيْ: تَأْكِيدِهِ.
فَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ أوْ بِأنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ مَدَنِيَّةٌ يَكُونُ المُرادُ بِالمُصَلِّينَ ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾، والصِّلاتِ بَعْدَها: المُنافِقِينَ،
صفحة ٥٦٩
فَإطْلاقُ المُصَلِّينَ عَلَيْهِمْ بِمَعْنى المُتَظاهِرِينَ بِأنَّهم يُصَلُّونَ وهو مِن إطْلاقِ الفِعْلِ عَلى صُورَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤] أيْ: يُظْهِرُونَ أنَّهم يَحْذَرُونَ تَنْزِيلَ سُورَةٍ.
﴿ويَمْنَعُونَ الماعُونَ﴾ أيِ: الصَّدَقَةَ أوِ الزَّكاةَ، قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فَلَمّا عُرِفُوا بِهَذِهِ الخِلالِ كانَ مُفادُ فاءِ التَّفْرِيعِ أنَّ أُولَئِكَ المُتَظاهِرِينَ بِالصَّلاةِ وهم تارِكُوها في خاصَّتِهِمْ هم مِن جُمْلَةِ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ويَدُعُّونَ اليَتِيمَ ولا يَحُضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ.
وحَكى هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَلامَةَ في كِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ: أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، أيْ: فَإطْلاقُ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلَيْهِ مُرادٌ بِها واحِدٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] أيِ: الرَّسُولَ إلَيْهِمْ.
والسَّهْوُ حَقِيقَتُهُ: الذُّهُولُ عَنْ أمْرٍ سَبَقَ عِلْمُهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ والتَّرْكِ عَنْ عَمْدٍ اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١] أيْ: تُعْرِضُونَ عَنْهم، ومِثْلُهُ اسْتِعارَةُ الغَفْلَةِ لِلْإعْراضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] في سُورَةِ يُونُسَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ الوَعِيدَ عَلى السَّهْوِ الحَقِيقِيِّ عَنِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ حُكْمَ النِّسْيانِ مَرْفُوعٌ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وذَلِكَ يُنادِي عَلى أنَّ وصْفَهم بِالمُصَلِّينَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يُصَلُّونَ.
واعْلَمْ أنَّهُ إذا أرادَ اللَّهُ إنْزالَ شَيْءٍ مِن القُرْآنِ مُلْحَقًا بِشَيْءٍ قَبْلَهُ جَعَلَ نَظْمَ المُلْحَقِ مُناسِبًا لِما هو مُتَّصِلٌ بِهِ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ. وهَذِهِ نُكْتَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لَنا إظْهارُها فَعَلَيْكَ مُلاحَظَتُها في كُلِّ ما ثَبَتَ أنَّهُ نَزَلَ مِن القُرْآنِ مُلْحَقًا بِشَيْءٍ نَزَلَ قَبْلَهُ مِنهُ.
* * *
صفحة ٥٧٠
صفحة ٥٧١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَوْثَرِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في جَمِيعِ المَصاحِفِ الَّتِي رَأيْناها في جَمِيعِ التَّفاسِيرِ أيْضًا (سُورَةَ الكَوْثَرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ. وعَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ سُورَةَ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ الَّتِي لَيْسَ لَها أكْثَرُ مِنِ اسْمٍ.
ونَقَلَ سَعْدُ اللَّهِ الشَّهِيرُ بِسَعْدِيٍّ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ عَنِ البِقاعِيِّ أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ النَّحْرِ) وهَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ تَعارَضَتِ الأقْوالُ والآثارُ في أنَّها مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ تَعارُضًا شَدِيدًا، فَهي مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ونَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنْ كِتابِ النَّشْرِ قالَ: أجْمَعَ مَن نَعْرِفُهُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ. قالَ الخَفاجِيُّ: وفِيهِ نَظَرٌ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها.
وعَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ هي مَدَنِيَّةٌ ويَشْهَدُ لَهم ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أظْهُرِنا، إذْ أغْفى إغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وقالَ: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ١] ثُمَّ قالَ: أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: فَإنَّهُ نَهَرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ» الحَدِيثَ. وأنَسٌ أسْلَمَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ فَإذا كانَ لَفْظُ (آنِفًا) في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ مُسْتَعْمَلًا في ظاهِرِ مَعْناهُ وهو الزَّمَنُ القَرِيبُ، فالسُّورَةُ نَزَلَتْ مُنْذُ وقْتٍ قَرِيبٍ مِن حُصُولِ تِلْكَ الرُّؤْيا.
ومُقْتَضى ما يُرْوى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أنْ تَكُونَ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، ومُقْتَضى ظاهِرِ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (وانْحَرْ) مِن أنَّ النَّحْرَ في الحَجِّ أوْ يَوْمِ الأضْحى - تَكُونُ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً ويَبْعَثُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]
صفحة ٥٧٢
لَيْسَ رَدًّا عَلى كَلامِ العاصِي بْنِ وائِلٍ كَما سَنُبَيِّنُ ذَلِكَ.
والأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وعَلى هَذا سَنَعْتَمِدُ في تَفْسِيرِ آياتِها.
وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ عَدُّوها الخامِسَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العادِياتِ وقَبْلَ سُورَةِ التَّكاثُرِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ فَقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ.
وعَدَدُ آيِها ثَلاثٌ بِالِاتِّفاقِ.
وهِيَ أقْصَرُ سُوَرِ القُرْآنِ عَدَدَ كَلِماتٍ وعَدَدَ حُرُوفٍ، وأمّا في عَدَدِ الآياتِ فَسُورَةُ العَصْرِ وسُورَةُ النَّصْرِ مِثْلُها، ولَكِنَّ كَلِماتِها أكْثَرُ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ أُعْطِيَ الخَيْرَ الكَثِيرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وأمْرِهِ بِأنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالإقْبالِ عَلى العِبادَةِ.
وأنَّ ذَلِكَ هو الكَمالُ الحَقُّ لا ما يَتَطاوَلُ بِهِ المُشْرِكُونَ عَلى المُسْلِمِينَ بِالثَّرْوَةِ والنِّعْمَةِ وهم مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهم أبْغَضُوا رَسُولَهُ، وغَضَبُ اللَّهِ بَتْرٌ لَهم إذا كانُوا بِمَحَلِّ السُّخْطِ مِنَ اللَّهِ.
وإنَّ انْقِطاعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ فَلَيْسَ بَتْرًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا أثَرَ لَهُ في كَمالِ الإنْسانِ.
الكوثر 108:1
﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾
افْتَتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَسْتَتْبِعُ الإشْعارَ بِتَنْوِيهِ شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ في ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ البِشارَةِ وإنْشاءِ العَطاءِ لا مَساقَ الإخْبارِ بِعَطاءٍ سابِقٍ.
وضَمِيرُ العَظَمَةِ مُشْعِرٌ بِالِامْتِنانِ بِعَطاءٍ عَظِيمٍ.
والكَوْثَرُ: اسْمٌ في اللُّغَةِ لِلْخَيْرِ الكَثِيرِ صِيغَ عَلى زِنَةِ فَوْعَلٍ، وهي مِن صِيَغِ
صفحة ٥٧٣
الأسْماءِ الجامِدَةِ غالِبًا نَحْوَ الكَوْكَبِ، والجَوْرَبِ، والحَوْشَبِ والدَّوْسَرِ، ولا تَدُلُّ في الجَوامِدِ عَلى غَيْرِ مُسَمّاها، ولَمّا وقَعَ هُنا فِيها مادَّةُ الكُثْرِ كانَتْ صِيغَتُهُ مُفِيدَةً شِدَّةَ ما اشْتُقَّتْ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّ زِيادَةَ المَبْنى تُؤْذِنُ بِزِيادَةِ المَعْنى، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُفْرِطِ في الكَثْرَةِ، وهو أحْسَنُ ما فُسِّرَ بِهِ وأضْبَطُهُ، ونَظِيرُهُ: جَوْهَرٌ، بِمَعْنى الشُّجاعِ كَأنَّهُ يُجاهِرُ عَدُوَّهُ، والصَّوْمَعَةُ لِاشْتِقاقِها مِن وصْفِ أصْمَعَ وهو دَقِيقُ الأعْضاءِ؛ لِأنَّ الصَّوْمَعَةَ دَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ طُولَها أفْرَطُ مِن غِلَظِها.
ويُوصَفُ الرَّجُلُ صاحِبُ الخَيْرِ الكَثِيرِ بِكَوْثَرٍ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ في رِثاءِ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ الأسَدِيِّ:
وصاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنا بِفَقْدِهِ وعِنْدَ الرِّداعِ بَيْتُ آخَرَ كَوْثَرُ
(مَلْحُوبٍ والرُّداعِ) كِلاهُما ماءٌ لِبَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَوَصَفَ البَيْتَ بِالكَوْثَرِ، ولاحَظَ الكُمَيْثُ هَذا في قَوْلِهِ في مَدْحِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ:
وأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ ∗∗∗ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقايِلِ كَوْثَرا
وسُمِّيَ نَهْرُ الجَنَّةِ كَوْثَرًا كَما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ المُتَقَدَّمِ آنِفًا.
وقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ الكَوْثَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَفاسِيرَ أعَمُّها أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: الكَوْثَرُ هُنا: النُّبُوءَةُ والكِتابُ، وعَنِ الحَسَنِ: هو القُرْآنُ، وعَنِ المُغِيرَةِ: أنَّهُ الإسْلامُ، وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: هو كَثْرَةُ الأُمَّةِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وأنَّهُ نُورُ القَلْبِ، وأنَّهُ الشَّفاعَةُ. وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ المَرْوِيُّ في حَدِيثِ أنَسٍ لا يَقْتَضِي حَصْرَ مَعانِي اللَّفْظِ فِيما ذَكَرَهُ.
وأُرِيدَ مِن هَذا الخَبَرِ بِشارَةُ النَّبِيءِ ﷺ وإزالَةُ ما عَسى أنْ يَكُونَ في خاطِرِهِ مِن قَوْلِ مَن قالَ فِيهِ: هو أبْتَرُ، فَقُوبِلَ مَعْنى الأبْتَرِ بِمَعْنى الكَوْثَرِ، إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ اعْتِراضٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ البِشارَةِ بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ
صفحة ٥٧٤
عَلَيْها، فَإنَّ الصَّلاةَ أفْعالٌ وأقْوالٌ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ وذَلِكَ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ.
وناسَبَ أنْ يَكُونَ الشُّكْرُ بِالِازْدِيادِ مِمّا عاداهُ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ قالُوا مَقالَتَهُمُ الشَّنْعاءَ: إنَّهُ أبْتَرُ، فَإنَّ الصَّلاةَ لِلَّهِ شُكْرٌ لَهُ وإغاظَةٌ لِلَّذِينِ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّلاةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] لِأنَّهم إنَّما نَهَوْهُ عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي هي لِوَجْهِ اللَّهِ دُونَ العِبادَةِ لِأصْنامِهِمْ، وكَذَلِكَ النَّحْرُ لِلَّهِ.
والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ دُونَ: فَصَلِّ لَنا، لِما في لَفْظِ الرَّبِّ مِنَ الإيماءِ إلى اسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ لِأجْلِ رُبُوبِيَّتِهِ فَضْلًا عَنْ فَرْطِ إنْعامِهِ.
وإضافَةُ (رَبٍّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِ النَّبِيءِ ﷺ وتَقْرِيبِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَرُبُّهُ ويَرْأفُ بِهِ.
ويَتَعَيَّنُ أنَّ في تَفْرِيعِ الأمْرِ بِالنَّحْرِ مَعَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلى أنْ أعْطاهُ الكَوْثَرَ - خُصُوصِيَّةً تُناسِبُ الغَرَضَ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الأمْرَ بِالنَّحْرِ مَعَ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧] في سُورَةِ الحِجْرِ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ عَنِ البَيْتِ في الحُدَيْبِيَةِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ أعْطاهُ خَيْرًا كَثِيرًا، أيْ: قَدَّرَهُ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَإنَّهُ نَزَلَ في أمْرِ الحُدَيْبِيَةِ فَقَدْ قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أفَتْحٌ هَذا ؟ قالَ: نَعَمْ.
وهَذا يَرْجِعُ إلى ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يُصَلِّيَ ويَنْحَرَ هَدْيَهُ ويَنْصَرِفَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ.
وأفادَتْ اللّامُ مِن قَوْلِهِ (لِرَبِّكَ) أنَّهُ يَخُصُّ اللَّهَ في صَلاتِهِ فَلا يُصَلِّي لِغَيْرِهِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم يُصَلُّونَ لِلْأصْنامِ بِالسُّجُودِ لَها والطَّوافِ حَوْلَها.
وعَطْفُ (وانْحَرْ) عَلى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ مُتَعَلِّقِهِ مُماثِلًا لِمُتَعَلِّقِ
صفحة ٥٧٥
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] أيْ: وأبْصِرْ بِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: وانْحَرْ لَهُ. وهو إيماءٌ إلى إبْطالِ نَحْرِ المُشْرِكِينَ قُرْبانًا لِلْأصْنامِ، فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، فَلَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اقْتَرَبَ وقْتُ الحَجِّ وكانَ يَحُجُّ كُلَّ عامٍ قَبْلَ البَعْثَةِ وبَعْدَها وقَدْ تَرَدَّدَ في نَحْرِ هَداياهُ في الحَجِّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ، وهو يَوَدُّ أنْ يُطْعِمَ المَحاوِيجَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن يَحْضُرُ في المَوْسِمِ ويَتَحَرَّجُ مِن أنْ يُشارِكَ أهْلَ الشِّرْكِ في أعْمالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْحَرَ الهَدْيَ لِلَّهِ ويُطْعِمَها المُسْلِمِينَ، أيْ: لا يَمْنَعُكَ نَحْرُهم لِلْأصْنامِ أنْ تَنْحَرَ أنْتَ ناوِيًا بِما تَنْحَرُهُ أنَّهُ لِلَّهِ.
وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً وكانَ نُزُولُها قَبْلَ فَرْضِ الحَجِّ كانَ النَّحْرُ مُرادًا بِهِ الضَّحايا يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ مُرادٌ بِهِ صَلاةُ العِيدِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وقالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ.
وأخَذُوا مِن وُقُوعِ الأمْرِ بِالنَّحْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ دَلالَةً عَلى أنَّ الضَّحِيَّةَ تَكُونُ بَعْدَ الصَّلاةِ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ بِالنَّحْرِ دُونَ الذَّبْحِ مَعَ أنَّ الضَّأْنَ أفْضَلُ في الضَّحايا وهي لا تُنْحَرُ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُضَحِّ إلّا بِالضَّأْنِ تَغْلِيبٌ لِلَفْظِ النَّحْرِ وهو الَّذِي رُوعِيَ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ الأضْحى يَوْمَ النَّحْرِ، ولِيَشْمَلَ الضَّحايا في البَدَنِ والهَدايا في الحَجِّ أوْ لِيَشْمَلَ الهَدايا الَّتِي عُطِّلَ إرْسالُها في يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ويُرَشِّحُ إيثارَ النَّحْرِ رَعْيُ فاصِلَةِ الرّاءِ في السُّورَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ أقْوالٌ أُخَرُ في تَفْسِيرِ (انْحَرْ) تَجْعَلُهُ لَفْظًا غَرِيبًا.
الكوثر 108:2
﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾
افْتَتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَسْتَتْبِعُ الإشْعارَ بِتَنْوِيهِ شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ في ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ البِشارَةِ وإنْشاءِ العَطاءِ لا مَساقَ الإخْبارِ بِعَطاءٍ سابِقٍ.
وضَمِيرُ العَظَمَةِ مُشْعِرٌ بِالِامْتِنانِ بِعَطاءٍ عَظِيمٍ.
والكَوْثَرُ: اسْمٌ في اللُّغَةِ لِلْخَيْرِ الكَثِيرِ صِيغَ عَلى زِنَةِ فَوْعَلٍ، وهي مِن صِيَغِ
صفحة ٥٧٣
الأسْماءِ الجامِدَةِ غالِبًا نَحْوَ الكَوْكَبِ، والجَوْرَبِ، والحَوْشَبِ والدَّوْسَرِ، ولا تَدُلُّ في الجَوامِدِ عَلى غَيْرِ مُسَمّاها، ولَمّا وقَعَ هُنا فِيها مادَّةُ الكُثْرِ كانَتْ صِيغَتُهُ مُفِيدَةً شِدَّةَ ما اشْتُقَّتْ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّ زِيادَةَ المَبْنى تُؤْذِنُ بِزِيادَةِ المَعْنى، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُفْرِطِ في الكَثْرَةِ، وهو أحْسَنُ ما فُسِّرَ بِهِ وأضْبَطُهُ، ونَظِيرُهُ: جَوْهَرٌ، بِمَعْنى الشُّجاعِ كَأنَّهُ يُجاهِرُ عَدُوَّهُ، والصَّوْمَعَةُ لِاشْتِقاقِها مِن وصْفِ أصْمَعَ وهو دَقِيقُ الأعْضاءِ؛ لِأنَّ الصَّوْمَعَةَ دَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ طُولَها أفْرَطُ مِن غِلَظِها.
ويُوصَفُ الرَّجُلُ صاحِبُ الخَيْرِ الكَثِيرِ بِكَوْثَرٍ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ في رِثاءِ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ الأسَدِيِّ:
وصاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنا بِفَقْدِهِ وعِنْدَ الرِّداعِ بَيْتُ آخَرَ كَوْثَرُ
(مَلْحُوبٍ والرُّداعِ) كِلاهُما ماءٌ لِبَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَوَصَفَ البَيْتَ بِالكَوْثَرِ، ولاحَظَ الكُمَيْثُ هَذا في قَوْلِهِ في مَدْحِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ:
وأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ ∗∗∗ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقايِلِ كَوْثَرا
وسُمِّيَ نَهْرُ الجَنَّةِ كَوْثَرًا كَما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ المُتَقَدَّمِ آنِفًا.
وقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ الكَوْثَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَفاسِيرَ أعَمُّها أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: الكَوْثَرُ هُنا: النُّبُوءَةُ والكِتابُ، وعَنِ الحَسَنِ: هو القُرْآنُ، وعَنِ المُغِيرَةِ: أنَّهُ الإسْلامُ، وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: هو كَثْرَةُ الأُمَّةِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وأنَّهُ نُورُ القَلْبِ، وأنَّهُ الشَّفاعَةُ. وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ المَرْوِيُّ في حَدِيثِ أنَسٍ لا يَقْتَضِي حَصْرَ مَعانِي اللَّفْظِ فِيما ذَكَرَهُ.
وأُرِيدَ مِن هَذا الخَبَرِ بِشارَةُ النَّبِيءِ ﷺ وإزالَةُ ما عَسى أنْ يَكُونَ في خاطِرِهِ مِن قَوْلِ مَن قالَ فِيهِ: هو أبْتَرُ، فَقُوبِلَ مَعْنى الأبْتَرِ بِمَعْنى الكَوْثَرِ، إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ اعْتِراضٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ البِشارَةِ بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ
صفحة ٥٧٤
عَلَيْها، فَإنَّ الصَّلاةَ أفْعالٌ وأقْوالٌ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ وذَلِكَ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ.
وناسَبَ أنْ يَكُونَ الشُّكْرُ بِالِازْدِيادِ مِمّا عاداهُ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ قالُوا مَقالَتَهُمُ الشَّنْعاءَ: إنَّهُ أبْتَرُ، فَإنَّ الصَّلاةَ لِلَّهِ شُكْرٌ لَهُ وإغاظَةٌ لِلَّذِينِ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّلاةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] لِأنَّهم إنَّما نَهَوْهُ عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي هي لِوَجْهِ اللَّهِ دُونَ العِبادَةِ لِأصْنامِهِمْ، وكَذَلِكَ النَّحْرُ لِلَّهِ.
والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ دُونَ: فَصَلِّ لَنا، لِما في لَفْظِ الرَّبِّ مِنَ الإيماءِ إلى اسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ لِأجْلِ رُبُوبِيَّتِهِ فَضْلًا عَنْ فَرْطِ إنْعامِهِ.
وإضافَةُ (رَبٍّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِ النَّبِيءِ ﷺ وتَقْرِيبِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَرُبُّهُ ويَرْأفُ بِهِ.
ويَتَعَيَّنُ أنَّ في تَفْرِيعِ الأمْرِ بِالنَّحْرِ مَعَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلى أنْ أعْطاهُ الكَوْثَرَ - خُصُوصِيَّةً تُناسِبُ الغَرَضَ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الأمْرَ بِالنَّحْرِ مَعَ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧] في سُورَةِ الحِجْرِ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ عَنِ البَيْتِ في الحُدَيْبِيَةِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ أعْطاهُ خَيْرًا كَثِيرًا، أيْ: قَدَّرَهُ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَإنَّهُ نَزَلَ في أمْرِ الحُدَيْبِيَةِ فَقَدْ قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أفَتْحٌ هَذا ؟ قالَ: نَعَمْ.
وهَذا يَرْجِعُ إلى ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يُصَلِّيَ ويَنْحَرَ هَدْيَهُ ويَنْصَرِفَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ.
وأفادَتْ اللّامُ مِن قَوْلِهِ (لِرَبِّكَ) أنَّهُ يَخُصُّ اللَّهَ في صَلاتِهِ فَلا يُصَلِّي لِغَيْرِهِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم يُصَلُّونَ لِلْأصْنامِ بِالسُّجُودِ لَها والطَّوافِ حَوْلَها.
وعَطْفُ (وانْحَرْ) عَلى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ مُتَعَلِّقِهِ مُماثِلًا لِمُتَعَلِّقِ
صفحة ٥٧٥
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] أيْ: وأبْصِرْ بِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: وانْحَرْ لَهُ. وهو إيماءٌ إلى إبْطالِ نَحْرِ المُشْرِكِينَ قُرْبانًا لِلْأصْنامِ، فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، فَلَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اقْتَرَبَ وقْتُ الحَجِّ وكانَ يَحُجُّ كُلَّ عامٍ قَبْلَ البَعْثَةِ وبَعْدَها وقَدْ تَرَدَّدَ في نَحْرِ هَداياهُ في الحَجِّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ، وهو يَوَدُّ أنْ يُطْعِمَ المَحاوِيجَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن يَحْضُرُ في المَوْسِمِ ويَتَحَرَّجُ مِن أنْ يُشارِكَ أهْلَ الشِّرْكِ في أعْمالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْحَرَ الهَدْيَ لِلَّهِ ويُطْعِمَها المُسْلِمِينَ، أيْ: لا يَمْنَعُكَ نَحْرُهم لِلْأصْنامِ أنْ تَنْحَرَ أنْتَ ناوِيًا بِما تَنْحَرُهُ أنَّهُ لِلَّهِ.
وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً وكانَ نُزُولُها قَبْلَ فَرْضِ الحَجِّ كانَ النَّحْرُ مُرادًا بِهِ الضَّحايا يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ مُرادٌ بِهِ صَلاةُ العِيدِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وقالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ.
وأخَذُوا مِن وُقُوعِ الأمْرِ بِالنَّحْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ دَلالَةً عَلى أنَّ الضَّحِيَّةَ تَكُونُ بَعْدَ الصَّلاةِ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ بِالنَّحْرِ دُونَ الذَّبْحِ مَعَ أنَّ الضَّأْنَ أفْضَلُ في الضَّحايا وهي لا تُنْحَرُ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُضَحِّ إلّا بِالضَّأْنِ تَغْلِيبٌ لِلَفْظِ النَّحْرِ وهو الَّذِي رُوعِيَ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ الأضْحى يَوْمَ النَّحْرِ، ولِيَشْمَلَ الضَّحايا في البَدَنِ والهَدايا في الحَجِّ أوْ لِيَشْمَلَ الهَدايا الَّتِي عُطِّلَ إرْسالُها في يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ويُرَشِّحُ إيثارَ النَّحْرِ رَعْيُ فاصِلَةِ الرّاءِ في السُّورَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ أقْوالٌ أُخَرُ في تَفْسِيرِ (انْحَرْ) تَجْعَلُهُ لَفْظًا غَرِيبًا.
الكوثر 108:3
﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾
اسْتِئْنافٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِحَرْفِ (إنَّ) إذا لَمْ يَكُنْ لِرَدِّ الإنْكارِ، يَكْثُرُ أنْ يُفِيدَ التَّعْلِيلَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واشْتِمالُ الكَلامِ عَلى صِيغَةِ قَصْرٍ وعَلى ضَمِيرِ غائِبٍ وعَلى لَفْظِ الأبْتَرِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ
صفحة ٥٧٦
المَقْصُودَ بِهِ رَدُّ كَلامٍ صادِرٍ مِن مُعَيَّنٍ، وحِكايَةُ لَفْظٍ مُرادٍ بِالرَّدِّ، قالَ الواحِدِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَّهْمِيَّ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَ بابِ بَنِي سَهْمٍ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ، وأُناسٌ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ في المَسْجِدِ، فَلَمّا دَخَلَ العاصِي عَلَيْهِمْ قالُوا لَهُ: مَنِ الَّذِي كُنْتَ تَتَحَدَّثُ مَعَهُ ؟ فَقالَ: ذَلِكَ الأبْتَرُ. وكانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ ماتَ ابْنُهُ القاسِمُ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ، فانْقَطَعَ بِمَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ الذُّكُورُ مِن ولَدِهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وكانُوا يَصِفُونَ مَن لَيْسَ لَهُ ابْنٌ بِأبْتَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ»، فَحَصَلَ القَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ الأبْتَرِ عَلى المَوْصُوفِ، وهو شانِئُ النَّبِيءِ ﷺ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ: هو الأبْتَرُ لا أنْتَ.
والأبْتَرُ: حَقِيقَتُهُ المَقْطُوعُ بَعْضُهُ وغَلَبَ عَلى المَقْطُوعِ ذَنَبُهُ مِنَ الدَّوابِّ، ويُسْتَعارُ لِمَن نَقَصَ مِنهُ ما هو مِنَ الخَيْرِ في نَظَرِ النّاسِ تَشْبِيهًا بِالدّابَّةِ المَقْطُوعِ ذَنَبُها تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ كَما في الحَدِيثِ (كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ)، يُقالُ: بَتَرَ شَيْئًا، إذا قَطَعَ بَعْضَهُ، وبَتِرَ بِالكَسْرِ كَفَرِحَ فَهو أبْتَرُ، ويُقالُ لِلَّذِي لا عَقِبَ لَهُ ذُكُورًا: هو أبْتَرُ، عَلى الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهٌ مُتَخَيَّلٌ بِمَحْسُوسٍ، شَبَّهُوهُ بِالدّابَّةِ المَقْطُوعِ ذَنَبُها؛ لِأنَّهُ قُطِعَ أثَرُهُ في تَخَيُّلِ أهْلِ العُرْفِ.
ومَعْنى الأبْتَرِ في الآيَةِ: الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ. وهو رَدٌّ لِقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ أوْ غَيْرِهِ في حَقِّ النَّبِيءِ ﷺ، فَبِهَذا المَعْنى اسْتَقامَ وصْفُ العاصِي أوْ غَيْرِهِ بِالأبْتَرِ دُونَ المَعْنى الَّذِي عَناهُ هو، حَيْثُ لَمَزَ النَّبِيءَ ﷺ بِأنَّهُ أبْتَرُ، أيْ لا عَقِبَ لَهُ؛ لِأنَّ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ لَهُ عَقِبٌ فابْنُهُ عَمْرٌو الصَّحابِيُّ الجَلِيلُ، وابْنُ ابْنِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الصَّحابِيُّ الجَلِيلُ، ولِعَبْدِ اللَّهِ عَقِبٌ كَثِيرٌ. قالَ ابْنُ حَزْمٍ في الجَمْهَرَةِ: عَقِبُهُ بِمَكَّةَ وبِالرَّهْطِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الأبْتَرُ﴾ اقْتَضَتْ صِيغَةُ القَصْرِ إثْباتَ صِفَةِ الأبْتَرِ لِشانِئِ النَّبِيءِ ﷺ ونَفْيَها عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وهو الأبْتَرُ بِمَعْنى الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ.
صفحة ٥٧٧
ولَكِنْ لَمّا كانَ وصْفُ الأبْتَرِ في الآيَةِ جِيءَ بِهِ لِمُحاكاةِ قَوْلِ القائِلِ مُحَمَّدٌ أبْتَرُ إبْطالًا لِقَوْلِهِ ذَلِكَ، وكانَ عُرْفُهم في وصْفِ الأبْتَرِ أنَّهُ الَّذِي لاعَقِبَ لَهُ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هَذا الإبْطالُ ضَرْبًا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وهو تَلَقِّي السّامِعِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى خِلافِ مُرادِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأحَقَّ غَيْرُ ما عَناهُ مِن كَلامِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] . وذَلِكَ بِصَرْفِ مُرادِ القائِلِ عَنِ الأبْتَرِ الَّذِي هو عَدِيمُ الِابْنِ الذَّكَرِ إلى ما هو أجْدَرُ بِالِاعْتِبارِ وهو النّاقِصُ حَظَّ الخَيْرِ، أيْ: لَيْسَ يَنْقُصُ لِلْمَرْءِ أنَّهُ لا ولَدَ لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَعُودُ عَلى المَرْءِ بِنَقْصٍ في صِفاتِهِ وخَلائِقِهِ وعَقْلِهِ. وهَبْ أنَّهُ لَمْ يُولَدْ لَهُ البَتَّةَ، وإنَّما اصْطَلَحَ النّاسُ عَلى اعْتِبارِهِ نَقْصًا لِرَغْبَتِهِمْ في الوَلَدِ بِناءً عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ أحْوالُهم الِاجْتِماعِيَّةُ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى الجُهُودِ البَدَنِيَّةِ، فَهم يَبْتَغُونَ الوَلَدَ الذُّكُورَ رَجاءَ الِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عِنْدَ الكِبَرِ، وذَلِكَ أمْرٌ قَدْ يَعْرِضُ وقَدْ لا يَعْرِضُ، أوْ لِمَحَبَّةِ ذِكْرِ المَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ وذَلِكَ أمْرٌ وهْمِيٌّ، والنَّبِيءُ ﷺ قَدْ أغْناهُ اللَّهُ بِالقَناعَةِ وأعَزَّهُ بِالتَّأْيِيدِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ لَمْ يَجْعَلْ مِثْلَهُ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، فَتَمَحَّضَ أنَّ كَمالَهُ الذّاتِيَّ بِما عَلِمَهُ اللَّهُ فِيهِ، إذْ جَعَلَ فِيهِ رِسالَتَهُ، وأنَّ كَمالَهُ العَرَضِيَّ بِأصْحابِهِ وأُمَّتِهِ، إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ.
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الِاسْتِخْدامِ التَّقْدِيرِيِّ؛ لِأنَّ سَوْقَ الإبْطالِ بِطَرِيقِ القَصْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الأبْتَرُ﴾ نَفْيُ وصْفِ الأبْتَرِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ولَكِنْ بِمَعْنى غَيْرِ المَعْنى الَّذِي عَناهُ شانِئُهُ فَهو اسْتِخْدامٌ يَنْشَأُ مِن صِيغَةِ القَصْرِ بِناءً عَلى أنْ لَيْسَ الِاسْتِخْدامُ مُنْحَصِرًا في اسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ في غَيْرِ مَعْنى مُعادِهِ، عَلى ما حَقَّقَهُ أُسْتاذُنا العَلّامَةُ سالِمٌ أبُو حاجِبٍ وجَعَلَهُ وجْهًا في واوِ العَطْفِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢]؛ لِأنَّ العَطْفَ بِمَعْنى إعادَةِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: وجاءَ المَلَكُ، وهو مَجِيءٌ مُغايِرٌ لِمَعْنى مَجِيءِ اللَّهِ تَعالى، قالَ: وقَدْ سَبَقَنا الخَفاجِيُّ إلى ذَلِكَ، إذْ أجْراهُ في حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ في طِرازِ المَجالِسِ في قَوْلِ مُحَمَّدٍ الصّالِحِيِّ مِن شُعَراءِ الشّامِ:
وحَدِيثُ حُبِّي لَيْسَ بِال مَنسُوخِ إلّا في الدَّفاتِرِ
والشّانِئُ: المُبْغِضُ، وهو فاعِلٌ مِنَ الشَّناءَةِ وهي البُغْضُ، ويُقالُ فِيهِ: الشَّنَآنُ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مُبْغِضٍ لَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ فَكُلُّهم بُتْرٌ مِنَ الخَيْرِ ما دامَ فِيهِ شَنَآنٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، فَأمّا مَن أسْلَمُوا مِنهم فَقَدِ انْقَلَبَ بَعْضُهم مَحَبَّةً لَهُ واعْتِزازًا بِهِ.
* * *
صفحة ٥٧٨
صفحة ٥٧٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكافِرُونَ
عُنْوِنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ الَّتِي بِأيْدِينا قَدِيمِها وحَدِيثِها وفي مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ الكافِرُونَ) بِإضافَةِ (سُورَةٍ) إلى (الكافِرُونَ) وثُبُوتِ واوِ الرَّفْعِ في (الكافِرُونَ) عَلى حِكايَةِ لَفْظِ القُرْآنِ الواقِعِ في أوَّلِها.
ووَقَعَ في الكَشّافِ وتَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ وحِرْزِ الأمانِيِّ (سُورَةُ الكافِرِينَ) بِياءِ الخَفْضِ في لَفْظِ (الكافِرِينَ) بِإضافَةِ (سُورَةٍ) إلَيْهِ أنَّ المُرادَ سُورَةُ ذِكْرِ الكافِرِينَ، أوْ نِداءِ الكافِرِينَ، وعَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ سُورَةَ (﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]) .
قالَ في الكَشّافِ والإتْقانِ: وتُسَمّى هي وسُورَةُ (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) بِالمُقَشْقِشَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما تُقَشْقِشانِ مِنَ الشِّرْكِ، أيْ: تُبْرِئانِ مِنهُ. يُقالُ: قَشْقَشَ، إذا أزالَ المَرَضَ.
وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ الإخْلاصِ فَيَكُونُ هَذانِ الِاسْمانِ مُشْتَرِكَيْنِ بَيْنَها وبَيْنَ سُورَةِ (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) .
وقَدْ ذُكِرَ في سُورَةِ بَراءَةَ أنَّ سُورَةَ بَراءَةَ تُسَمّى المُقَشْقِشَةَ لِأنَّها تُقَشْقِشُ، أيْ: تُبْرِئُ مِنَ النِّفاقِ فَيَكُونُ هَذا مُشْتَرِكًا بَيْنَ السُّوَرِ الثَّلاثِ فَيُحْتاجُ إلى التَّمْيِيزِ.
وقالَ سَعْدُ اللَّهِ المَعْرُوفُ بِسَعْدِيٍّ عَنْ جَمالٍ القَرّاءِ: إنَّها تُسَمّى سُورَةَ العِبادَةِ. وفي بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ لِلْفَيْرُوزَآبادِيِّ: تُسَمّى (سُورَةَ الدِّينِ) .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ في حِكايَةِ ابْنِ عَطِيَّةَ وابْنِ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
صفحة ٥٨٠
وقَدْ عُدَّتِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الماعُونِ وقَبْلَ سُورَةِ الفِيلِ.
وعَدَدُ آياتِها سِتٌّ.
* * *
وسَبَبُ نُزُولِها فِيما حَكاهُ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ وابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَطُوفُ في الكَعْبَةِ فاعْتَرَضَهُ الأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ. وكانُوا ذَوِي أسْنانٍ في قَوْمِهِمْ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ سَنَةً، وتَعَبُدْ ما نَعْبُدُ سَنَةً، فَنَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتَ في الأمْرِ، فَإنْ كانَ الَّذِي تَعْبُدُ خَيْرًا مِمّا نَعْبُدُ كُنّا قَدْ أخَذْنا بِحَظِّهِ مِنهُ، وإنْ كانَ ما نَعْبُدُ خَيْرًا مِمّا تَعْبُدُ كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنهُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أُشْرِكَ بِهِ غَيْرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] السُّورَةَ كُلَّها، فَغَدا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وفِيهِ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ، فَيَئِسُوا مِنهُ عِنْدَ ذَلِكَ»، وإنَّما عَرَضُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّهم رَأوْا حِرْصَهُ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا، فَطَمِعُوا أنْ يَسْتَزِلُّوهُ إلى الِاعْتِرافِ بِإلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَيَئِسُوا مِنهُ وآذَوْهُ وآذَوْا أصْحابَهُ.
وبِهَذا يُعْلَمُ الغَرَضُ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ، وأنَّهُ تَأْيِيسُهم مِن أنْ يُوافِقَهم في شَيْءٍ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِالقَوْلِ الفَصْلِ المُؤَكَّدِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وأنَّ دِينَ الإسْلامِ لا يُخالِطُ شَيْئًا مِن دِينِ الشِّرْكِ.
الكافرون 109:1
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ .
افْتِتاحُها بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّهُ كَلامٌ يُرادُ إبْلاغُهُ إلى النّاسِ بِوَجْهٍ خاصٍّ مَنصُوصٍ فِيهِ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ بِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، وإلّا فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِرُ في القُرْآنِ مُفْتَتَحَةٌ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ في غَيْرِ جَوابٍ عَنْ
صفحة ٥٨١
سُؤالٍ مِنها ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ٦] في سُورَةِ الجُمُعَةِ. والسُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ خَمْسُ سُوَرٍ: قُلْ أُوحِيَ، وسُورَةُ الكافِرُونَ، وسُورَةُ الإخْلاصِ، والمُعَوِّذَتانِ، فالثَّلاثُ الأُوَلُ لِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، والمُعَوِّذَتانِ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ لِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ.
والنِّداءُ مُوَجَّهٌ لِلْأرْبَعَةِ الَّذِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ، كَما في خَبَرِ سَبَبِ النُّزُولِ وذَلِكَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ كَما سَيَأْتِي.
وابْتُدِئَ خِطابُهم بِالنِّداءِ لِإبْلاغِهِمْ؛ لِأنَّ النِّداءَ يَسْتَدْعِي إقْبالَ أذْهانِهِمْ عَلى ما سَيُلْقى عَلَيْهِمْ.
ونُودُوا بِوَصْفِ الكافِرِينَ تَحْقِيرًا لَهم وتَأْيِيدًا لِوَجْهِ التَّبَرُّؤِ مِنهم، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَخْشاهم إذا ناداهم بِما يَكْرَهُونَ مِمّا يُثِيرُ غَضَبَهم؛ لِأنَّ اللَّهَ كَفاهُ إيّاهم وعَصَمَهُ مِن أذاهم. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ المَعْنى: قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا يا أيُّها الكافِرُونَ. أنْ يَعْتَمِدَهم في نادِيهِمْ فَيَقُولُ لَهم: يا أيُّها الكافِرُونَ. وهم يَغْضَبُونَ مِن أنْ يُنْسَبُوا إلى الكُفْرِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ إخْبارٌ عَنْ نَفْسِهِ بِما حَصَلَ مِنها.
والمَعْنى: لا تَحْصُلُ مِنِّي عِبادَتِي ما تَعْبُدُونَ في أزْمِنَةٍ في المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا؛ لِأنَّ المُضارِعَ يَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِقْبالَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ أفادَتِ انْتِفاءَهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ كَما دَرَجَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ حَرْفُ (لَنْ) مُفِيدًا تَأْكِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ زِيادَةً عَلى مُنْطَلَقِ النَّفْيِ، ولِذَلِكَ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ (لَنْ): لا أنْ، فَلَمّا أفادَتْ (لا) وحْدَها نَفْيَ المُسْتَقْبَلِ كانَ تَقْدِيرُ (أنْ) بَعْدَ (لا) مُفِيدًا تَأْكِيدَ ذَلِكَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالُوا: إنَّ (لَنْ) تُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ فَعَلِمْنا أنْ (لا) كانَتْ مُفِيدَةً نَفْيَ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ. وخالَفَهُمُ ابْنُ مالِكٍ كَما في مُغَنِّي اللَّبِيبِ، وأبُو حَيّانَ كَما قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ، والسُّهَيْلَيُّ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في الرَّوْضِ الأُنُفِ.
صفحة ٥٨٢
ونَفْيُ عِبادَتِهِ آلِهَتَهَمْ في المُسْتَقْبَلِ يُفِيدُ نَفْيَ أنْ يَعْبُدَها في الحالِ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، ولِأنَّهم ما عَرَضُوا عَلَيْهِ إلّا أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم بَعْدَ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
ولِذَلِكَ جاءَ في جانِبِ نَفْيِ عِبادَتِهِمْ لِلَّهِ بِنَفْيِ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الحالِ بِقَوْلِهِ: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ، أيْ: ما أنْتُمْ بِمُغَيِّرِينَ إشْراكَكُمُ الآنَ لِأنَّهم عَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يَبْتَدِئُوا هم فَيَعْبُدُوا الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ النَّبِيءُ ﷺ سَنَةً، وبِهَذا تَعْلَمُ وجْهَ المُخالَفَةِ بَيْنَ نَظْمِ الجُمْلَتَيْنِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ.
وهَذا إخْبارُهُ إيّاهم بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ فاعِلِينَ ذَلِكَ مِنَ الآنِ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى نَبِيئَهُ ﷺ بِذَلِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ هَذا مِن دَلائِلِ نُبُوءَتِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فَإنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ الأرْبَعَةَ لَمْ يُسْلِمْ مِنهم أحَدٌ فَماتُوا عَلى شِرْكِهِمْ.
وماصَدَقَ ما أعْبُدُ هو اللَّهُ تَعالى وعَبَّرَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ؛ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْعاقِلِ وغَيْرِهِ مِنَ المُخْتارِ، وإنَّما تَخْتَصُّ (مَن) بِالعاقِلِ، فَلا مانِعَ مِن إطْلاقِ (ما) عَلى العاقِلِ إذا كانَ اللَّبْسُ مَأْمُونًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: أنَّ (ما) المَوْصُولَةَ يُؤْتى بِها لِقَصْدِ الإبْهامِ لِتُفِيدَ المُبالَغَةَ في التَّفْخِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ: سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشَّمْسِ.
الكافرون 109:2
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ .
افْتِتاحُها بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّهُ كَلامٌ يُرادُ إبْلاغُهُ إلى النّاسِ بِوَجْهٍ خاصٍّ مَنصُوصٍ فِيهِ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ بِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، وإلّا فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِرُ في القُرْآنِ مُفْتَتَحَةٌ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ في غَيْرِ جَوابٍ عَنْ
صفحة ٥٨١
سُؤالٍ مِنها ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ٦] في سُورَةِ الجُمُعَةِ. والسُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ خَمْسُ سُوَرٍ: قُلْ أُوحِيَ، وسُورَةُ الكافِرُونَ، وسُورَةُ الإخْلاصِ، والمُعَوِّذَتانِ، فالثَّلاثُ الأُوَلُ لِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، والمُعَوِّذَتانِ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ لِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ.
والنِّداءُ مُوَجَّهٌ لِلْأرْبَعَةِ الَّذِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ، كَما في خَبَرِ سَبَبِ النُّزُولِ وذَلِكَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ كَما سَيَأْتِي.
وابْتُدِئَ خِطابُهم بِالنِّداءِ لِإبْلاغِهِمْ؛ لِأنَّ النِّداءَ يَسْتَدْعِي إقْبالَ أذْهانِهِمْ عَلى ما سَيُلْقى عَلَيْهِمْ.
ونُودُوا بِوَصْفِ الكافِرِينَ تَحْقِيرًا لَهم وتَأْيِيدًا لِوَجْهِ التَّبَرُّؤِ مِنهم، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَخْشاهم إذا ناداهم بِما يَكْرَهُونَ مِمّا يُثِيرُ غَضَبَهم؛ لِأنَّ اللَّهَ كَفاهُ إيّاهم وعَصَمَهُ مِن أذاهم. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ المَعْنى: قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا يا أيُّها الكافِرُونَ. أنْ يَعْتَمِدَهم في نادِيهِمْ فَيَقُولُ لَهم: يا أيُّها الكافِرُونَ. وهم يَغْضَبُونَ مِن أنْ يُنْسَبُوا إلى الكُفْرِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ إخْبارٌ عَنْ نَفْسِهِ بِما حَصَلَ مِنها.
والمَعْنى: لا تَحْصُلُ مِنِّي عِبادَتِي ما تَعْبُدُونَ في أزْمِنَةٍ في المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا؛ لِأنَّ المُضارِعَ يَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِقْبالَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ أفادَتِ انْتِفاءَهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ كَما دَرَجَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ حَرْفُ (لَنْ) مُفِيدًا تَأْكِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ زِيادَةً عَلى مُنْطَلَقِ النَّفْيِ، ولِذَلِكَ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ (لَنْ): لا أنْ، فَلَمّا أفادَتْ (لا) وحْدَها نَفْيَ المُسْتَقْبَلِ كانَ تَقْدِيرُ (أنْ) بَعْدَ (لا) مُفِيدًا تَأْكِيدَ ذَلِكَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالُوا: إنَّ (لَنْ) تُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ فَعَلِمْنا أنْ (لا) كانَتْ مُفِيدَةً نَفْيَ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ. وخالَفَهُمُ ابْنُ مالِكٍ كَما في مُغَنِّي اللَّبِيبِ، وأبُو حَيّانَ كَما قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ، والسُّهَيْلَيُّ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في الرَّوْضِ الأُنُفِ.
صفحة ٥٨٢
ونَفْيُ عِبادَتِهِ آلِهَتَهَمْ في المُسْتَقْبَلِ يُفِيدُ نَفْيَ أنْ يَعْبُدَها في الحالِ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، ولِأنَّهم ما عَرَضُوا عَلَيْهِ إلّا أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم بَعْدَ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
ولِذَلِكَ جاءَ في جانِبِ نَفْيِ عِبادَتِهِمْ لِلَّهِ بِنَفْيِ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الحالِ بِقَوْلِهِ: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ، أيْ: ما أنْتُمْ بِمُغَيِّرِينَ إشْراكَكُمُ الآنَ لِأنَّهم عَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يَبْتَدِئُوا هم فَيَعْبُدُوا الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ النَّبِيءُ ﷺ سَنَةً، وبِهَذا تَعْلَمُ وجْهَ المُخالَفَةِ بَيْنَ نَظْمِ الجُمْلَتَيْنِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ.
وهَذا إخْبارُهُ إيّاهم بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ فاعِلِينَ ذَلِكَ مِنَ الآنِ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى نَبِيئَهُ ﷺ بِذَلِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ هَذا مِن دَلائِلِ نُبُوءَتِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فَإنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ الأرْبَعَةَ لَمْ يُسْلِمْ مِنهم أحَدٌ فَماتُوا عَلى شِرْكِهِمْ.
وماصَدَقَ ما أعْبُدُ هو اللَّهُ تَعالى وعَبَّرَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ؛ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْعاقِلِ وغَيْرِهِ مِنَ المُخْتارِ، وإنَّما تَخْتَصُّ (مَن) بِالعاقِلِ، فَلا مانِعَ مِن إطْلاقِ (ما) عَلى العاقِلِ إذا كانَ اللَّبْسُ مَأْمُونًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: أنَّ (ما) المَوْصُولَةَ يُؤْتى بِها لِقَصْدِ الإبْهامِ لِتُفِيدَ المُبالَغَةَ في التَّفْخِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ: سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشَّمْسِ.
الكافرون 109:3
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ .
افْتِتاحُها بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِما بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّهُ كَلامٌ يُرادُ إبْلاغُهُ إلى النّاسِ بِوَجْهٍ خاصٍّ مَنصُوصٍ فِيهِ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ بِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، وإلّا فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ مَأْمُورٌ بِإبْلاغِهِ، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِرُ في القُرْآنِ مُفْتَتَحَةٌ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ في غَيْرِ جَوابٍ عَنْ
صفحة ٥٨١
سُؤالٍ مِنها ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ٦] في سُورَةِ الجُمُعَةِ. والسُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ خَمْسُ سُوَرٍ: قُلْ أُوحِيَ، وسُورَةُ الكافِرُونَ، وسُورَةُ الإخْلاصِ، والمُعَوِّذَتانِ، فالثَّلاثُ الأُوَلُ لِقَوْلٍ يُبَلِّغُهُ، والمُعَوِّذَتانِ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ لِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ.
والنِّداءُ مُوَجَّهٌ لِلْأرْبَعَةِ الَّذِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: فَلْنَعْبُدْ ما تَعْبُدُ وتَعْبُدْ ما نَعْبُدُ، كَما في خَبَرِ سَبَبِ النُّزُولِ وذَلِكَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ كَما سَيَأْتِي.
وابْتُدِئَ خِطابُهم بِالنِّداءِ لِإبْلاغِهِمْ؛ لِأنَّ النِّداءَ يَسْتَدْعِي إقْبالَ أذْهانِهِمْ عَلى ما سَيُلْقى عَلَيْهِمْ.
ونُودُوا بِوَصْفِ الكافِرِينَ تَحْقِيرًا لَهم وتَأْيِيدًا لِوَجْهِ التَّبَرُّؤِ مِنهم، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَخْشاهم إذا ناداهم بِما يَكْرَهُونَ مِمّا يُثِيرُ غَضَبَهم؛ لِأنَّ اللَّهَ كَفاهُ إيّاهم وعَصَمَهُ مِن أذاهم. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ المَعْنى: قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا يا أيُّها الكافِرُونَ. أنْ يَعْتَمِدَهم في نادِيهِمْ فَيَقُولُ لَهم: يا أيُّها الكافِرُونَ. وهم يَغْضَبُونَ مِن أنْ يُنْسَبُوا إلى الكُفْرِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ إخْبارٌ عَنْ نَفْسِهِ بِما حَصَلَ مِنها.
والمَعْنى: لا تَحْصُلُ مِنِّي عِبادَتِي ما تَعْبُدُونَ في أزْمِنَةٍ في المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا؛ لِأنَّ المُضارِعَ يَحْتَمِلُ الحالَ والِاسْتِقْبالَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ أفادَتِ انْتِفاءَهُ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ كَما دَرَجَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ حَرْفُ (لَنْ) مُفِيدًا تَأْكِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ زِيادَةً عَلى مُنْطَلَقِ النَّفْيِ، ولِذَلِكَ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ (لَنْ): لا أنْ، فَلَمّا أفادَتْ (لا) وحْدَها نَفْيَ المُسْتَقْبَلِ كانَ تَقْدِيرُ (أنْ) بَعْدَ (لا) مُفِيدًا تَأْكِيدَ ذَلِكَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ قالُوا: إنَّ (لَنْ) تُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ فَعَلِمْنا أنْ (لا) كانَتْ مُفِيدَةً نَفْيَ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ. وخالَفَهُمُ ابْنُ مالِكٍ كَما في مُغَنِّي اللَّبِيبِ، وأبُو حَيّانَ كَما قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ، والسُّهَيْلَيُّ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ في الرَّوْضِ الأُنُفِ.
صفحة ٥٨٢
ونَفْيُ عِبادَتِهِ آلِهَتَهَمْ في المُسْتَقْبَلِ يُفِيدُ نَفْيَ أنْ يَعْبُدَها في الحالِ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، ولِأنَّهم ما عَرَضُوا عَلَيْهِ إلّا أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم بَعْدَ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
ولِذَلِكَ جاءَ في جانِبِ نَفْيِ عِبادَتِهِمْ لِلَّهِ بِنَفْيِ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الحالِ بِقَوْلِهِ: ولا أنْتُمْ عابِدُونَ، أيْ: ما أنْتُمْ بِمُغَيِّرِينَ إشْراكَكُمُ الآنَ لِأنَّهم عَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يَبْتَدِئُوا هم فَيَعْبُدُوا الرَّبَّ الَّذِي يَعْبُدُهُ النَّبِيءُ ﷺ سَنَةً، وبِهَذا تَعْلَمُ وجْهَ المُخالَفَةِ بَيْنَ نَظْمِ الجُمْلَتَيْنِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ البَلِيغِ.
وهَذا إخْبارُهُ إيّاهم بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ فاعِلِينَ ذَلِكَ مِنَ الآنِ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى نَبِيئَهُ ﷺ بِذَلِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ هَذا مِن دَلائِلِ نُبُوءَتِهِ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فَإنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ الأرْبَعَةَ لَمْ يُسْلِمْ مِنهم أحَدٌ فَماتُوا عَلى شِرْكِهِمْ.
وماصَدَقَ ما أعْبُدُ هو اللَّهُ تَعالى وعَبَّرَ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ؛ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْعاقِلِ وغَيْرِهِ مِنَ المُخْتارِ، وإنَّما تَخْتَصُّ (مَن) بِالعاقِلِ، فَلا مانِعَ مِن إطْلاقِ (ما) عَلى العاقِلِ إذا كانَ اللَّبْسُ مَأْمُونًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: أنَّ (ما) المَوْصُولَةَ يُؤْتى بِها لِقَصْدِ الإبْهامِ لِتُفِيدَ المُبالَغَةَ في التَّفْخِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ: سُبْحانَ ما سَبَّحَ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشَّمْسِ.
الكافرون 109:4
﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾
عُطِفَ عَلى ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ عَطْفَ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ لِمُناسَبَةِ نَفْيِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ، فَأرْدَفَ بِنَفْيِ أنْ يَعْبُدَ هو آلِهَتَهم، وعَطْفُهُ بِالواوِ صارِفٌ عَنْ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ تَأْكِيدَ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] فَجاءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ. لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ، ويَكُونُ الخَبَرُ اسْمَ فاعِلٍ دالًّا عَلى زَمانِ الحالِ، فَلَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَعْبُدَ في المُسْتَقْبَلِ ما يَعْبُدُونَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، صَرَّحَ هُنا بِما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ الفَحْوى عَلى نَفْيِ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم في الحالِ، بِما هو صَرِيحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي مَزِيدَ البَيانِ، فاقْتَضى الِاعْتِمادَ عَلى دَلالَةِ المَنطُوقِ إطْنابًا في الكَلامِ، لِتَأْيِيسِهِمْ مِمّا راوَدُوهُ عَلَيْهِ ولِمُقابَلَةِ كَلامِهِمُ المَرْدُودِ بِمِثْلِهِ في إفادَةِ الثَّباتِ. وحَصَلَ مِن ذَلِكَ تَقْرِيرُ
صفحة ٥٨٣
المَعْنى السّابِقِ وتَأْكِيدُهُ، تَبَعًا لِمَدْلُولِ الجُمْلَةِ لا لِمَوْقِعِها؛ لِأنَّ مَوْقِعَها أنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ ولَيْسَ تَوْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] بِمُرادِفِها؛ لِأنَّ التَّوْكِيدَ لِلَّفْظِ بِالمُرادِفِ لا يُعْرَفُ إلّا في المُفْرَداتِ ولِأنَّ وُجُودَ الواوِ يُعَيِّنُ أنَّها مَعْطُوفَةٌ، إذْ لَيْسَ في جُمْلَةِ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] واوٌ حَتّى يَكُونَ الواوُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدًا لَها.
ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالواوِ؛ لِأنَّ الواوَ لا يُفْصَلُ بِها بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ في التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. والأجْوَدُ الفَصْلُ بِـ (ثُمَّ) كَما في التَّسْهِيلِ مُقْتَصِرًا عَلى (ثُمَّ) . وزادَ الرَّضِيُّ الفاءَ ولَمْ يَأْتِ لَهُ بِشاهِدٍ ولَكِنَّهُ قالَ وقَدْ تَكُونُ (ثُمَّ) والفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّدَرُّجِ في الِارْتِقاءِ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المَعْطُوفُ مُتَرَتِّبًا في الذَّكَرِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وذَلِكَ إذا تَكَرَّرَ الأوَّلُ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: بِاللَّهِ، فاللَّهِ، ونَحْوَ واللَّهِ، ثُمَّ واللَّهِ.
وجِيءَ بِالفِعْلِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿ما عَبَدْتُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى رُسُوخِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ مِن أزْمانٍ مَضَتْ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى تَنَزُّهِهِ ﷺ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ مِن سالِفِ الزَّمانِ وإلّا لَقالَ: ولا أنا عابِدٌ ما كُنّا نَعْبُدُ.
الكافرون 109:5
﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] لِبَيانِ تَمامِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِهِ وإخْبارٌ بِأنَّهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ إخْبارًا ثانِيًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ بِأنَّهم لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وتَقْوِيَةً لِدَلالَةِ هَذَيْنِ الإخْبارُ عَنْ نُبُوءَتِهِ ﷺ فَقَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ، فَماتَ أُولَئِكَ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوءَةِ.
وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِمِثْلِ نَظِيرَتِها السّابِقَةِ تَوْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ تَوْكِيدًا لِلْمَعْنى الأصْلِيِّ مِنها، ولَيْسَ مَوْقِعُها مَوْقِعَ التَّوْكِيدِ لِوُجُودِ واوِ العَطْفِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] .
ولِذَلِكَ فالواوُ في قَوْلِهِ هُنا ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ لِأجْلِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] مِنَ المُناسَبَةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِنَظِيرَتِها
صفحة ٥٨٤
السّابِقَةِ بِتَمامِها بِما فِيها مِن واوِ العَطْفِ في نَظِيرَتِها السّابِقَةِ وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] مُعْتَرِضَةً بَيْنَ التَّأْكِيدِ والمُؤَكَّدِ.
والمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ تَحْقِيقُ تَكْذِيبِهِمْ في عَرْضِهِمْ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ .
الكافرون 109:6
﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾
تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ بِما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيداتِ، وقَدْ أُرْسِلَ هَذا الكَلامُ إرْسالَ المَثَلِ، وهو أجْمَعُ وأوْجَزُ مِن قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
ووَقَعَ في تَفْسِيرِ الفَخْرِ هُنا (جَرَتْ عادَةُ النّاسِ بِأنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ المُتارَكَةِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما أنْزَلَ القُرْآنَ لِيُتَمَثَّلَ بِهِ، بَلْ لِيُتَدَبَّرَ فِيهِ ثُمَّ يُعْمَلُ بِمُوجَبِهِ) اهـ.
وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ؛ لِأنَّ التَّمَثُّلَ بِهِ لا يُنافِي العَمَلَ بِمُوجَبِهِ، وما التَّمَثُّلُ بِهِ إلّا مِن تَمامِ بَلاغَتِهِ واسْتِعْدادٍ لِلْعَمَلِ بِهِ. وهَذا المِقْدارُ مِنَ التَّفْسِيرِ تَرَكَهُ الفَخْرُ في المُسَوَّدَةِ.
وقُدِّمَ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ المُسْنَدُ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ لِيُفِيدَ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، أيْ: دِينُكم مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ بِأنَّهُ لَكم لا يَتَجاوَزُكم إلى الكَوْنِ لِي، ودِينِي مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ بِأنَّهُ لا يَتَجاوَزُنِي إلى كَوْنِهِ لَكم، أيْ: لِأنَّهم مُحَقَّقٌ عَدَمُ إسْلامِهِمْ. فالقَصْرُ قَصْرُ إفْرادٍ، واللّامُ في المَوْضِعَيْنِ لِشِبْهِ المِلْكِ وهو الِاخْتِصاصُ أوِ الِاسْتِحْقاقُ.
والدِّينُ: العَقِيدَةُ والمِلَّةُ، وهو مَعْلُوماتٌ وعَقائِدُ يَعْتَقِدُها المَرْءُ فَتَجْرِي أعْمالُهُ عَلى مُقْتَضاها، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ دِينًا؛ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الدِّينِ المُعامَلَةُ والجَزاءُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (دِينِ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ النُّونِ عَلى أنَّ ياءَ المُتَكَلِّمِ مَحْذُوفَةٌ لِلتَّخْفِيفِ مَعَ بَقاءِ الكَسْرَةِ عَلى النُّونِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَدْ كُتِبَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ اعْتِمادًا عَلى حِفْظِ الحُفّاظِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُثْبِتُ الياءَ مِثْلَ يَعْقُوبَ يُشْبِعُ الكَسْرَةَ، إذْ لَيْسَتِ الياءُ إلّا مَدَّةً لِلْكَسْرَةِ فَعَدَمُ رَسْمِها في الخَطِّ لا يَقْتَضِي إسْقاطَها في اللَّفْظِ.
صفحة ٥٨٥
وقَرَأ نافِعٌ والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وهِشامٌ عَنْ أبِي عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الياءِ في قَوْلِهِ (ولِيَ) . وقَرَأهُ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِسُكُونِ الياءِ.
* * *
صفحة ٥٨٦
صفحة ٥٨٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّصْرِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَلامِ السَّلَفِ (سُورَةَ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ) . رَوى البُخارِيُّ (أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ) الحَدِيثَ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ النَّصْرِ) لِذِكْرِ نَصْرِ اللَّهِ فِيها، فَسُمِّيَتْ بِالنَّصْرِ المَعْهُودِ عَهْدًا ذِكْرِيًّا.
وهِيَ مُعَنْوَنَةٌ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الفَتْحِ) لِوُقُوعِ هَذا اللَّفْظِ فِيها فَيَكُونُ هَذا الِاسْمُ مُشْتَرَكًا بَيْنَها وبَيْنَ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] .
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ في الإتْقانِ؛ لِما فِيها مِنَ الإيماءِ إلى وداعِهِ ﷺ اهـ. يَعْنِي: مِنَ الإشارَةِ إلى اقْتِرابِ لِحاقِهِ بِالرَّفِيقِ الأعْلى كَما سَيَأْتِي عَنْ عائِشَةَ.
وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
واخْتُلِفَ في وقْتِ نُزُولِها فَقِيلَ نَزَلَتْ مُنْصَرَفَ النَّبِيءِ ﷺ مِن خَيْبَرَ أيْ: في سَنَةِ سَبْعٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ نَزَلَتْ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ أكْبَرُ جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ، وجاءَ نَصْرُ أهْلِ اليَمَنِ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وما أهْلُ اليَمَنِ ؟ قالَ: قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهم، لَيِّنَةٌ طِباعُهم، الإيمانُ يَمانٍ، والفِقْهُ يَمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانِيَّةٌ» اهـ، ومَجِيءُ أهْلِ اليَمَنِ أوَّلَ مَرَّةٍ هو مَجِيءُ وفْدِ الأشْعَرِيِّينَ عامَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ.
ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَّأْوِيلِ أنَّ المُرادَ بِالفَتْحِ في الآيَةِ هو فَتْحُ مَكَّةَ، وعَلَيْهِ فالفَتْحُ
صفحة ٥٨٨
مُسْتَقْبَلُ ودُخُولُ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا مُسْتَقْبَلٌ أيْضًا وهو الألْيَقُ بِاسْتِعْمالِ (إذا) ويُحْمَلُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ (﴿جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١]) عَلى أنَّهُ اسْتِعْمالُ الماضِي في مَعْنى المُضارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أوْ لِأنَّ النَّصْرَ في خَيْبَرَ كانَ بادِرَةً لِفَتْحِ مَكَّةَ.
وعَنْ قَتادَةَ: نَزَلَتْ قَبْلَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ.
وقالَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (نَزَلَتْ مُنْصَرَفَهُ مِن حُنَيْنٍ)، فَيَكُونُ الفَتْحُ قَدْ مَضى ودُخُولُ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا مُسْتَقْبَلًا، وهو في سَنَةِ الوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ، وعَلَيْهِ تَكُونُ (إذا) مُسْتَعْمَلَةً في مُجَرَّدِ التَّوْقِيتِ دُونَ تَعْيِينٍ.
ورَوى البَزّازُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها أُنْزِلَتْ أواسِطَ أيّامِ التَّشْرِيقِ (أيْ: عامَ حِجَّةِ الوَداعِ) . وضَعَّفَهُ ابْنُ رَجَبٍ بِأنَّ فِيهِ مُوسى بْنَ عُبَيْدَةَ وهو ضَعِيفٌ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لا تَحِلُّ الرِّوايَةُ عَنْهُ وإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ كانَ الفَتْحُ ودُخُولُ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا قَدْ مَضَيا.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عاشَ بَعْدَ نُزُولِها نَحْوَ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ وعَلَيْهِ تَكُونُ (إذا) مُسْتَعْمَلَةً لِلزَّمَنِ الماضِي؛ لِأنَّ الفَتْحَ ودُخُولَ النّاسِ في الدِّينِ قَدْ وقَعا.
وقَدْ تَظافَرَتِ الأخْبارُ رِوايَةً وتَأْوِيلًا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَشْتَمِلُ عَلى إيماءٍ إلى اقْتِرابِ أجَلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُرَجِّحُ أحَدَ الأقْوالِ في وقْتِ نُزُولِها، إذْ لا خِلافَ في أنَّ هَذا الإيماءَ يُشِيرُ إلى تَوْقِيتِ مَجِيءِ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ حانَ الأجَلُ الشَّرِيفُ.
وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «هُوَ أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْلَمَهُ لَهُ قالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] وذَلِكَ عَلامَةُ أجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر»: ٣] .
وفِي هَذا ما يُؤَوِّلُ ما في بَعْضِ الأخْبارِ مِن إشارَةٍ إلى اقْتِرابِ ذَلِكَ الأجَلِ مِثْلَما في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ والدّارِمِيِّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ: «(لَمّا نَزَلَتْ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاطِمَةَ وقالَ: إنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي فَبَكَتْ» ) إلَخْ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ”لَمّا نَزَلَتْ“ مُدْرَجٌ مِنَ الرّاوِي، وإنَّما هو
صفحة ٥٨٩
إعْلامٌ لَها في مَرَضِهِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الوَفاةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَهَذا جَمْعٌ بَيْنَ ما يَلُوحُ مِنهُ تَعارُضٌ في هَذا الشَّأْنِ.
وعَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ السُّورَةَ المِائَةَ والثَّلاثَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ وقالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحَشْرِ وقَبْلَ سُورَةِ النُّورِ. وهَذا جارٍ عَلى رِوايَةِ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّها آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ فَتَكُونُ عَلى قَوْلِهِ السُّورَةَ المِائَةَ وأرْبَعَ عَشْرَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ بَراءَةَ ولَمْ تُنَزَّلْ بَعْدَها سُورَةٌ أُخْرى.
وعَدَدُ آياتِها ثَلاثٌ وهي مُساوِيَةٌ لِسُورَةِ الكَوْثَرِ في عَدَدِ الآياتِ إلّا أنَّها أطْوَلُ مِن سُورَةِ الكَوْثَرِ عِدَّةَ كَلِماتٍ، وأقْصَرُ مِن سُورَةِ العَصْرِ. وهاتِهِ الثَّلاثُ مُتَساوِيَةٌ في عَدَدِ الآياتِ. وفي حَدِيثِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي إسْحاقَ السَّبْعِيِّ في حَدِيثِ طَعْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَصَلّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ صَلاةً خَفِيفَةً بِأقْصَرِ سُورَتَيْنِ في القُرْآنِ (﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) و(﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١]) .
* * *
والغَرَضُ مِنها الوَعْدُ بِنَصْرٍ كامِلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، والبِشارَةُ بِدُخُولِ خَلائِقَ كَثِيرَةٍ في الإسْلامِ بِفَتْحٍ وبِدُونِهِ إنْ كانَ نُزُولُها عِنْدَ مُنْصَرَفِ النَّبِيءِ ﷺ مِن خَيْبَرَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.
والإيماءُ إلى أنَّهُ حِينَ يَقَعُ ذَلِكَ فَقَدِ اقْتَرَبَ انْتِقالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الآخِرَةِ.
ووَعْدُهُ بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ مَغْفِرَةً تامَّةً لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ بَعْدَها في شَيْءٍ مِمّا يَخْتَلِجُ في نَفْسِهِ الخَوْفَ أنْ يَكُونَ مِنهُ تَقْصِيرٌ يَقْتَضِيهِ تَحْدِيدُ القُوَّةِ الإنْسانِيَّةِ الحَدَّ الَّذِي لا يَفِي بِما تَطْلُبُهُ هِمَّتُهُ المَلَكِيَّةُ بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ ساوى الحَدَّ المَلَكِيَّ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] .
النصر 110:1
صفحة ٥٩٠
﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] .
(إذا) اسْمُ زَمانٍ مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ مِقْدارُهُ بِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ يُضافُ إلَيْها هو. فَـ (إذا) اسْمُ زَمانٍ مُطْلَقٌ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ غالِبًا. ولِذَلِكَ يُضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ غالِبًا، ويَكُونُ الفِعْلُ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الماضِي غالِبًا لِإفادَةِ التَّحَقُّقِ، وقَدْ يَكُونُ مُضارِعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] .
ويُسْتَعْمَلُ في الزَّمَنِ الماضِي وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَقَعَ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِصِيغَةِ الماضِي، ولا تُضَمَّنُ (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ حِينَئِذٍ، وإنَّما هي لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ دُونَ قَصْدِ تَعْلِيقٍ نَحْوَ ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] .
و(إذا) هُنا مُضَمَّنَةٌ الشَّرْطَ لا مَحالَةَ لِوُجُودِ الفاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] وقَضِيَّةُ الِاسْتِقْبالِ وعَدَمِهِ تَقَدَّمَتْ.
والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى العَدُوِّ. ونَصْرُ اللَّهِ يَعْقُبُهُ التَّغَلُّبُ عَلى العَدُوِّ. والفَتْحُ: امْتِلاكُ بَلَدِ العَدُوِّ وأرْضِهِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ بِفَتْحِ بابِ البَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ويَكُونُ بِاقْتِحامِ ثُغُورِ الأرْضِ ومَحارِسِها فَقَدْ كانُوا يَنْزِلُونَ بِالأرَضِينَ الَّتِي لَها شِعابٌ وثُغُورٌ، قالَ لَبِيَدٌ:
وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
وقَدْ فَتَحَ المُسْلِمُونَ خَيْبَرَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَتَعَيَّنَ أنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ فِيها فَتْحٌ آخَرُ وهو فَتْحُ مَكَّةَ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْرِيفُ بِلامِ العَهْدِ، وهو المَعْهُودُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] .
فَإضافَةُ (نَصْرٍ) إلى (اللَّهِ) تُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ هَذا النَّصْرِ، وأنَّهُ نَصْرٌ عَزِيزٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ اعْتَنى اللَّهُ بِإيجادِ أسْبابِهِ ولَمْ تَجْرِ عَلى مُتَعارَفِ تَوَلُّدِ الحَوادِثِ عَنْ أمْثالِها. و(جاءَ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى: حَصَلَ وتَحَقَّقَ مَجازًا.
صفحة ٥٩١
والتَّعْرِيفُ في (الفَتْحِ) لِلْعَهْدِ وقَدْ وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.
وقَدِ اتَّفَقَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ فَمَن بَعْدَهم عَلى أنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ في هَذِهِ السُّورَةِ هو فَتْحُ مَكَّةَ إلّا رِوايَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو فَتْحُ المَدائِنِ والقُصُورِ، يَعْنِي: الحُصُونَ. وقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ يُخالِجُ نُفُوسَ العَرَبِ كُلِّهِمْ، فالمُسْلِمُونَ كانُوا يَرْجُونَهُ ويَعْلَمُونَ ما أشارَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الوَعْدِ، وأهْلُ مَكَّةَ يَتَوَقَّعُونَهُ وبَقِيَّةُ العَرَبِ يَنْتَظِرُونَ ماذا يَكُونُ الحالُ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ ويَتَلَوَّمُونَ بِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ فَتْحَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلى قَوْمِهِ فَهو نَبِيٌّ. وتَكَرَّرَ أنْ صَدَّ بَعْضُهم بَعْضًا مِمَّنْ يُرِيدُ اتِّباعَ الإسْلامِ، عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ وإنْظارُهُ إلى ما سَيَظْهَرُ مِن غَلَبِ الإسْلامِ أوْ غَلَبِ الشِّرْكِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قالَ: ”لَمّا كانَ الفَتْحُ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَتِ الأحْياءُ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ، فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ وقَوْمَهُ، فَإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيءٌ“ .
وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: أمّا إذْ ظَفِرَ بِأهْلِ الحَرَمِ، فَلَيْسَ لَنا بِهِ يَدانِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ أفْواجًا. فَعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفَتْحَ هو فَتْحُ مَكَّةَ، يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ في وقْتِ نُزُولِها.
ويُحْتَمَلُ عَلى قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ قَدْ مَضى ويَكُونَ التَّعْلِيقُ عَلى مَجْمُوعِ فَتْحِ مَكَّةَ ومَجِيءِ نَصْرٍ مِنَ اللَّهِ آخَرَ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ، وذَلِكَ بِما فَتَحَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ودُخُولِ العَرَبِ كُلِّهِمْ في الإسْلامِ سَنَةَ الوُفُودِ.
وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أنَّها نَزَلَتْ في حِجَّةِ الوَداعِ) يَكُونُ تَعْلِيقُ جُمْلَةِ (﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]) عَلى الشَّرْطِ الماضِي مُرادًا بِهِ التَّذْكِيرُ بِأنَّهُ حَصَلَ، أيْ: إذا
صفحة ٥٩٢
تَحَقَّقَ ما وعَدْناكَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ وعُمُومِ الإسْلامِ بِلادَ العَرَبِ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وهو مُرادُ مَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ (إذا) بِمَعْنى (قَدْ)، فَهو تَفْسِيرٌ حاصِلُ المَعْنى، ولَيْسَتْ (إذا) مِمّا يَأْتِي بِمَعْنى (قَدْ) .
والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ورَأيْتَ النّاسَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، أيْ: وعَلِمْتَ عِلْمَ اليَقِينِ أنَّ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا وذَلِكَ بِالأخْبارِ الوارِدَةِ مِن آفاقِ بِلادِ العَرَبِ ومَواطِنِ قَبائِلِهِمْ وبِمَن يَحْضُرُ مِن وُفُودِهِمْ. فَيَكُونُ جُمْلَةُ (يَدْخُلُونَ) في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً بِأنْ رَأى أفْواجَ وُفُودِ العَرَبِ يَرِدُونَ إلى المَدِينَةِ يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ وذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ، وقَدْ رَأى النَّبِيءُ ﷺ بِبَصَرِهِ ما عَلِمَ مِنهُ دُخُولَهم كُلِّهِمْ في الإسْلامِ بِمَن حَضَرَ مَعَهُ المَوْقِفَ في حِجَّةِ الوَداعِ، فَقَدْ كانُوا مِائَةَ ألْفٍ مِن مُخْتَلَفِ قَبائِلِ العَرَبِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ (يَدْخُلُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ.
ودِينِ اللَّهِ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] .
والدُّخُولُ في الدِّينِ: مُسْتَعارٌ لِلنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ والتِزامِ أحْكامِ الدِّينِ النّاشِئَةِ عَنْ تِلْكَ الشَّهادَةِ. فَشُبِّهَ الدِّينُ بِبَيْتٍ أوْ حَظِيرَةٍ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ ورَمَزَ إلَيْهِ بِما هو مِن لَوازِمِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو الدُّخُولُ عَلى تَشْبِيهِ التَّلَبُّسِ بِالدِّينِ بِتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ أُخْرى تَصْرِيحِيَّةٌ.
والنّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ يَدُلُّ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإذا عُرِّفَ اسْمُ ناسٍ بِاللّامِ احْتَمَلَتِ العَهْدَ نَحْوَ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، واحْتَمَلَتِ الجِنْسَ نَحْوَ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] واحْتَمَلَتْ الِاسْتِغْراقَ نَحْوَ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ونَحْوَ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] .
والتَّعْرِيفُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، أيْ: جَمِيعَ النّاسِ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ لِعَدَمِ إرادَةِ مَعْهُودِينَ مُعَيَّنِينَ ولِاسْتِحالَةِ دُخُولِ كُلِّ إنْسانٍ في دِينِ اللَّهِ بِدَلِيلِ
صفحة ٥٩٣
المُشاهَدَةِ، فالمَعْنى: ورَأيْتَ ناسًا كَثِيرِينَ أوْ رَأيْتَ العَرَبَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ النَّمَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ الِاسْتِيعابِ في بابِ خِراشٍ الهُذَلِيِّ: ”لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ، مِنهم مَن قَدِمَ ومِنهم مَن قَدِمَ وافِدُهُ“ اهـ. وإنَّما يُرادُ عَرَبُ الحِجازِ ونَجْدٍ واليَمَنِ؛ لِأنَّ مِن عَرَبِ الشّامِ والعِراقِ مَن لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، وهم تَغْلَبُ وغَسّانُ في مَشارِفِ الشّامِ، وكَذَلِكَ لَخْمٍ وكَلْبٍ مِنَ العِراقِ، فَهَؤُلاءِ كانُوا نَصارى ولَمْ يُسْلِمْ مَن أسْلَمَ مِنهم إلّا بَعْدَ فَتْحِ الشّامِ والعِراقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أعْلَمَهُ بِذَلِكَ إنْ جَعَلْنا الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةً.
والأفْواجُ: جَمْعُ فَوْجٍ وهو الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص: ٥٩] في سُورَةِ ص، أيْ: يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ، وانْتَصَبَ (أفْواجًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَدْخُلُونَ) .
وجُمْلَةُ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وفِعْلُ (فَسَبِّحَ) هو العامِلُ في (إذا) النَّصْبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ؛ لِأنَّهُ فِعْلُ إنْشاءٍ.
وقَرَنَ التَّسْبِيحَ بِالحَمْدِ بِباءِ المُصاحَبَةِ المُقْتَضِيَةِ أنَّ التَّسْبِيحَ لاحِقٌ لِلْحَمْدِ؛ لِأنَّ باءَ المُصاحَبَةِ بِمَعْنى (مَعَ) فَهي مِثْلَ (مَعَ) في أنَّها تَدْخُلُ عَلى المَتْبُوعِ، فَكانَ حَمْدُ اللَّهِ عَلى حُصُولِ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ شَيْئًا مَفْرُوغًا مِنهُ لا يَحْتاجُ إلى الأمْرِ بِإيقاعِهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى تَذْكِيرِهِ بِتَسْبِيحٍ خاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِن قَبْلُ في تَسْبِيحاتِهِ وبِاسْتِغْفارٍ خاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِن قَبْلُ في اسْتِغْفارِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ المَأْمُورُ بِهِ تَسْبِيحَ ابْتِهاجٍ وتَعَجُّبٍ مِن تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ما لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ، فَإنَّ سُبْحانَ اللَّهَ ونَحْوَهُ يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَقَوْلِ الأعْشى:
صفحة ٥٩٤
قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
وفِي تَقْدِيمِ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ تَمْهِيدٌ لِإجابَةِ اسْتِغْفارِهِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَقْدِيمِ الثَّناءِ قَبْلَ سُؤالِ الحاجَةِ كَما قالَ ابْنُ أبِي الصَّلْتِ:
إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ∗∗∗ كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ
فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَخْلُو عَنْ تَسْبِيحِ اللَّهِ، فَأُرِيدَ تَسْبِيحٌ يُقارِنُ الحَمْدَ عَلى ما أُعْطِيَهُ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ الأُمَّةِ في الإسْلامِ.
وعَطْفُ الأمْرِ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ مَعَ الحَمْدِ يَقْتَضِي أنَّهُ مِن حَيِّزِ جَوابِ (إذا)، وأنَّهُ اسْتِغْفارٌ يَحْصُلُ مَعَ الحَمْدِ مِثْلَ ما قُرِّرَ في ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتِغْفارٌ خاصٌّ؛ لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ غُفْرانِ التَّقْصِيرِ ونَحْوَهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِن قَبْلُ وهو مِن شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ قالَ: («إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ) فَكانَ تَعْلِيقُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ وبِالِاسْتِغْفارِ عَلى حُصُولِ النَّصْرِ والفَتْحِ إيماءً إلى تَسْبِيحٍ واسْتِغْفارٍ يَحْصُلُ بِهِما تَقَرُّبٌ لَمْ يُنْوَ مِن قَبْلُ، وهو التَّهَيُّؤُ لِلِقاءِ اللَّهِ، وأنَّ حَياتَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ أوْشَكَتْ عَلى الِانْتِهاءِ، وانْتِهاءُ أعْمالِ الطّاعاتِ والقُرُباتِ الَّتِي تَزِيدُ النَّبِيءَ ﷺ في رَفْعِ دَرَجاتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَسْألَ رَبَّهُ التَّجاوُزَ عَمّا يَعْرِضُ لَهُ مِنِ اشْتِغالٍ بِبَعْضِ الحُظُوظِ الضَّرُورِيَّةِ لِلْحَياةِ، أوْ مِنِ اشْتِغالٍ بِمُهِمٍّ مِن أحْوالِ الأُمَّةِ يَفُوتُهُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ آخَرُ هو أهَمُّ مِنهُ، مِثْلَ فِداءِ أسْرى بَدْرٍ مَعَ فَواتِ مَصْلَحَةِ اسْتِئْصالِهِمْ الَّذِي هو أصْلَحُ لِلْأُمَّةِ، فَعُوتِبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ، أوْ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ كالنَّوْمِ والطَّعامِ الَّتِي تُنْقِصُ مِن حالَةِ شَبَهِهِ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، فَكانَ هَذا إيذانًا بِاقْتِرابِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِانْتِقالِهِ مِن حَياةٍ تَحْمِلُ أعْباءَ الرِّسالَةِ إلى حَياةٍ أبَدِيَّةٍ في العُلْوِيّاتِ المَلَكِيَّةِ.
والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ وهي لا تُنافِي إرادَةَ المَعْنى الصَّرِيحِ بِأنْ يُحْمَلَ الأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ عَلى مَعْنى الإكْثارِ مِن قَوْلِ ذَلِكَ، وقَدْ دَلَّ ذَوْقُ الكَلامِ بَعْضَ ذَوِي الأفْهامِ النّافِذَةِ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى هَذا المَعْنى وغاصَتْ عَلَيْهِ مِثْلَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ والعَبّاسِ وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ مَسْعُودٍ، فَعَنْ مُقاتِلٍ: («لَمّا نَزَلَتْ قَرَأها
صفحة ٥٩٥
النَّبِيءُ ﷺ عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وبَكى العَبّاسُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ ؟ قالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ. فَقالَ: إنَّهُ لَكَما تَقُولُ» .) وفي رِوايَةٍ: «نَزَلَتْ في مِنًى فَبَكى عُمَرُ والعَبّاسُ فَقِيلَ لَهُما، فَقالا: فِيهِ نُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: صَدَقْتُما نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي» .
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ عُمَرُ يَأْذَنُ لِأهْلِ بَدْرٍ ويَأْذَنُ لِي مَعَهم، فَوَجَدَ بَعْضُهم مِن ذَلِكَ، فَقالَ لَهم عُمَرُ: إنَّهُ مَن قَدْ عَلِمْتُمْ. قالَ: فَأذِنَ لَهم ذاتَ يَوْمٍ وأذِنَ لِي مَعَهم، فَسَألَهم عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ فَقالُوا: أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ إذا فَتَحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ ويَتُوبَ إلَيْهِ فَقالَ: ما تَقُوُلُ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟ قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَكِنْ أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ حُضُورَ أجَلِهِ فَقالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ فَذَلِكَ عَلامَةُ مَوْتِكَ، فَقالَ عُمَرُ: ما أعْلَمُ مِنها إلّا ما تَقُولُ. فَهَذا فَهْمُ عُمَرَ والعَبّاسِ وعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ.
وقالَ في الكَشّافِ: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيا وبَيْنَ ما عِنْدَ اللَّهِ فاخْتارَ ما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَعَلِمَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: فَدَيْناكَ بِأنْفُسِنا وأمْوالِنا وآبائِنا وأوْلادِنا» اهـ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ: ”الحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلّا صَدْرَهُ دُونَ أوَّلِهِ مِن كَوْنِهِ كانَ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ“ اهـ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بُكاءُ أبِي بَكْرٍ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أُولاهُما عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ النَّصْرِ كَما في رِوايَةِ الكَشّافِ والثّانِيَةُ عِنْدَ خُطْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ في مَرَضِهِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ أيْ: لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّها إيذانٌ بِقُرْبِ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ .
وتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ والحَمْدِ عَلى الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ راجِعٌ إلى وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّنَزُّهِ عَنِ النَّقْصِ وهو يَجْمَعُ صِفاتِ السَّلْبِ، فالتَّسْبِيحُ مُتَمَحِّضٌ لِجانِبِ اللَّهِ تَعالى، ولِأنَّ الحَمْدَ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ لِإنْعامِهِ، وهو أداءُ العَبْدِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ لِشُكْرِ المُنْعِمِ، فَهو مُسْتَلْزِمٌ إثْباتَ صِفاتِ الكَمالِ لِلَّهِ الَّتِي هي مَنشَأُ إنْعامِهِ عَلى عَبْدِهِ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ جانِبِ اللَّهِ وحَظِّ العَبْدِ، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو حَظٌّ لِلْعَبْدِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ طَلَبُهُ اللَّهَ أنْ يَعْفُوَ عَمّا يُؤاخِذُهُ عَلَيْهِ.
صفحة ٥٩٦
ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: فَسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، لِتَقَدُّمِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَعَدَلَ عَلى الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو رَبُّكَ لِما في صِفَةِ (رَبِّ) وإضافَتِها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ مِن حِكْمَةِ ذَلِكَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ نِعْمَةً أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ إذا حَصَلَ هَذا الخَيْرُ الجَلِيلُ بِواسِطَتِهِ، فَذَلِكَ تَكْرِيمٌ لَهُ وعِنايَةٌ بِهِ وهو شَأْنُ تَلَطُّفِ الرَّبِّ بِالمَرْبُوبِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ السِّيادَةُ المَرْفُوقَةُ بِالرِّفْقِ والإبْلاغِ إلى الكَمالِ.
وقَدِ انْتَهى الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ (واسْتَغْفِرْهُ) وقَدْ رُوِيَ (أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في قِراءَتِهِ يَقِفُ عِنْدَ ( واسْتَغْفِرْهُ) ثُمَّ يُكْمِلُ السُّورَةَ ) .
النصر 110:2
صفحة ٥٩٠
﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] .
(إذا) اسْمُ زَمانٍ مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ مِقْدارُهُ بِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ يُضافُ إلَيْها هو. فَـ (إذا) اسْمُ زَمانٍ مُطْلَقٌ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ غالِبًا. ولِذَلِكَ يُضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ غالِبًا، ويَكُونُ الفِعْلُ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الماضِي غالِبًا لِإفادَةِ التَّحَقُّقِ، وقَدْ يَكُونُ مُضارِعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] .
ويُسْتَعْمَلُ في الزَّمَنِ الماضِي وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَقَعَ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِصِيغَةِ الماضِي، ولا تُضَمَّنُ (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ حِينَئِذٍ، وإنَّما هي لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ دُونَ قَصْدِ تَعْلِيقٍ نَحْوَ ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] .
و(إذا) هُنا مُضَمَّنَةٌ الشَّرْطَ لا مَحالَةَ لِوُجُودِ الفاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] وقَضِيَّةُ الِاسْتِقْبالِ وعَدَمِهِ تَقَدَّمَتْ.
والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى العَدُوِّ. ونَصْرُ اللَّهِ يَعْقُبُهُ التَّغَلُّبُ عَلى العَدُوِّ. والفَتْحُ: امْتِلاكُ بَلَدِ العَدُوِّ وأرْضِهِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ بِفَتْحِ بابِ البَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ويَكُونُ بِاقْتِحامِ ثُغُورِ الأرْضِ ومَحارِسِها فَقَدْ كانُوا يَنْزِلُونَ بِالأرَضِينَ الَّتِي لَها شِعابٌ وثُغُورٌ، قالَ لَبِيَدٌ:
وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
وقَدْ فَتَحَ المُسْلِمُونَ خَيْبَرَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَتَعَيَّنَ أنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ فِيها فَتْحٌ آخَرُ وهو فَتْحُ مَكَّةَ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْرِيفُ بِلامِ العَهْدِ، وهو المَعْهُودُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] .
فَإضافَةُ (نَصْرٍ) إلى (اللَّهِ) تُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ هَذا النَّصْرِ، وأنَّهُ نَصْرٌ عَزِيزٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ اعْتَنى اللَّهُ بِإيجادِ أسْبابِهِ ولَمْ تَجْرِ عَلى مُتَعارَفِ تَوَلُّدِ الحَوادِثِ عَنْ أمْثالِها. و(جاءَ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى: حَصَلَ وتَحَقَّقَ مَجازًا.
صفحة ٥٩١
والتَّعْرِيفُ في (الفَتْحِ) لِلْعَهْدِ وقَدْ وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.
وقَدِ اتَّفَقَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ فَمَن بَعْدَهم عَلى أنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ في هَذِهِ السُّورَةِ هو فَتْحُ مَكَّةَ إلّا رِوايَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو فَتْحُ المَدائِنِ والقُصُورِ، يَعْنِي: الحُصُونَ. وقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ يُخالِجُ نُفُوسَ العَرَبِ كُلِّهِمْ، فالمُسْلِمُونَ كانُوا يَرْجُونَهُ ويَعْلَمُونَ ما أشارَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الوَعْدِ، وأهْلُ مَكَّةَ يَتَوَقَّعُونَهُ وبَقِيَّةُ العَرَبِ يَنْتَظِرُونَ ماذا يَكُونُ الحالُ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ ويَتَلَوَّمُونَ بِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ فَتْحَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلى قَوْمِهِ فَهو نَبِيٌّ. وتَكَرَّرَ أنْ صَدَّ بَعْضُهم بَعْضًا مِمَّنْ يُرِيدُ اتِّباعَ الإسْلامِ، عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ وإنْظارُهُ إلى ما سَيَظْهَرُ مِن غَلَبِ الإسْلامِ أوْ غَلَبِ الشِّرْكِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قالَ: ”لَمّا كانَ الفَتْحُ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَتِ الأحْياءُ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ، فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ وقَوْمَهُ، فَإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيءٌ“ .
وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: أمّا إذْ ظَفِرَ بِأهْلِ الحَرَمِ، فَلَيْسَ لَنا بِهِ يَدانِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ أفْواجًا. فَعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفَتْحَ هو فَتْحُ مَكَّةَ، يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ في وقْتِ نُزُولِها.
ويُحْتَمَلُ عَلى قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ قَدْ مَضى ويَكُونَ التَّعْلِيقُ عَلى مَجْمُوعِ فَتْحِ مَكَّةَ ومَجِيءِ نَصْرٍ مِنَ اللَّهِ آخَرَ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ، وذَلِكَ بِما فَتَحَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ودُخُولِ العَرَبِ كُلِّهِمْ في الإسْلامِ سَنَةَ الوُفُودِ.
وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أنَّها نَزَلَتْ في حِجَّةِ الوَداعِ) يَكُونُ تَعْلِيقُ جُمْلَةِ (﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]) عَلى الشَّرْطِ الماضِي مُرادًا بِهِ التَّذْكِيرُ بِأنَّهُ حَصَلَ، أيْ: إذا
صفحة ٥٩٢
تَحَقَّقَ ما وعَدْناكَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ وعُمُومِ الإسْلامِ بِلادَ العَرَبِ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وهو مُرادُ مَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ (إذا) بِمَعْنى (قَدْ)، فَهو تَفْسِيرٌ حاصِلُ المَعْنى، ولَيْسَتْ (إذا) مِمّا يَأْتِي بِمَعْنى (قَدْ) .
والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ورَأيْتَ النّاسَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، أيْ: وعَلِمْتَ عِلْمَ اليَقِينِ أنَّ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا وذَلِكَ بِالأخْبارِ الوارِدَةِ مِن آفاقِ بِلادِ العَرَبِ ومَواطِنِ قَبائِلِهِمْ وبِمَن يَحْضُرُ مِن وُفُودِهِمْ. فَيَكُونُ جُمْلَةُ (يَدْخُلُونَ) في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً بِأنْ رَأى أفْواجَ وُفُودِ العَرَبِ يَرِدُونَ إلى المَدِينَةِ يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ وذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ، وقَدْ رَأى النَّبِيءُ ﷺ بِبَصَرِهِ ما عَلِمَ مِنهُ دُخُولَهم كُلِّهِمْ في الإسْلامِ بِمَن حَضَرَ مَعَهُ المَوْقِفَ في حِجَّةِ الوَداعِ، فَقَدْ كانُوا مِائَةَ ألْفٍ مِن مُخْتَلَفِ قَبائِلِ العَرَبِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ (يَدْخُلُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ.
ودِينِ اللَّهِ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] .
والدُّخُولُ في الدِّينِ: مُسْتَعارٌ لِلنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ والتِزامِ أحْكامِ الدِّينِ النّاشِئَةِ عَنْ تِلْكَ الشَّهادَةِ. فَشُبِّهَ الدِّينُ بِبَيْتٍ أوْ حَظِيرَةٍ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ ورَمَزَ إلَيْهِ بِما هو مِن لَوازِمِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو الدُّخُولُ عَلى تَشْبِيهِ التَّلَبُّسِ بِالدِّينِ بِتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ أُخْرى تَصْرِيحِيَّةٌ.
والنّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ يَدُلُّ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإذا عُرِّفَ اسْمُ ناسٍ بِاللّامِ احْتَمَلَتِ العَهْدَ نَحْوَ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، واحْتَمَلَتِ الجِنْسَ نَحْوَ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] واحْتَمَلَتْ الِاسْتِغْراقَ نَحْوَ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ونَحْوَ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] .
والتَّعْرِيفُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، أيْ: جَمِيعَ النّاسِ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ لِعَدَمِ إرادَةِ مَعْهُودِينَ مُعَيَّنِينَ ولِاسْتِحالَةِ دُخُولِ كُلِّ إنْسانٍ في دِينِ اللَّهِ بِدَلِيلِ
صفحة ٥٩٣
المُشاهَدَةِ، فالمَعْنى: ورَأيْتَ ناسًا كَثِيرِينَ أوْ رَأيْتَ العَرَبَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ النَّمَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ الِاسْتِيعابِ في بابِ خِراشٍ الهُذَلِيِّ: ”لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ، مِنهم مَن قَدِمَ ومِنهم مَن قَدِمَ وافِدُهُ“ اهـ. وإنَّما يُرادُ عَرَبُ الحِجازِ ونَجْدٍ واليَمَنِ؛ لِأنَّ مِن عَرَبِ الشّامِ والعِراقِ مَن لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، وهم تَغْلَبُ وغَسّانُ في مَشارِفِ الشّامِ، وكَذَلِكَ لَخْمٍ وكَلْبٍ مِنَ العِراقِ، فَهَؤُلاءِ كانُوا نَصارى ولَمْ يُسْلِمْ مَن أسْلَمَ مِنهم إلّا بَعْدَ فَتْحِ الشّامِ والعِراقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أعْلَمَهُ بِذَلِكَ إنْ جَعَلْنا الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةً.
والأفْواجُ: جَمْعُ فَوْجٍ وهو الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص: ٥٩] في سُورَةِ ص، أيْ: يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ، وانْتَصَبَ (أفْواجًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَدْخُلُونَ) .
وجُمْلَةُ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وفِعْلُ (فَسَبِّحَ) هو العامِلُ في (إذا) النَّصْبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ؛ لِأنَّهُ فِعْلُ إنْشاءٍ.
وقَرَنَ التَّسْبِيحَ بِالحَمْدِ بِباءِ المُصاحَبَةِ المُقْتَضِيَةِ أنَّ التَّسْبِيحَ لاحِقٌ لِلْحَمْدِ؛ لِأنَّ باءَ المُصاحَبَةِ بِمَعْنى (مَعَ) فَهي مِثْلَ (مَعَ) في أنَّها تَدْخُلُ عَلى المَتْبُوعِ، فَكانَ حَمْدُ اللَّهِ عَلى حُصُولِ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ شَيْئًا مَفْرُوغًا مِنهُ لا يَحْتاجُ إلى الأمْرِ بِإيقاعِهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى تَذْكِيرِهِ بِتَسْبِيحٍ خاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِن قَبْلُ في تَسْبِيحاتِهِ وبِاسْتِغْفارٍ خاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِن قَبْلُ في اسْتِغْفارِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ المَأْمُورُ بِهِ تَسْبِيحَ ابْتِهاجٍ وتَعَجُّبٍ مِن تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ما لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ، فَإنَّ سُبْحانَ اللَّهَ ونَحْوَهُ يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَقَوْلِ الأعْشى:
صفحة ٥٩٤
قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
وفِي تَقْدِيمِ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ تَمْهِيدٌ لِإجابَةِ اسْتِغْفارِهِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَقْدِيمِ الثَّناءِ قَبْلَ سُؤالِ الحاجَةِ كَما قالَ ابْنُ أبِي الصَّلْتِ:
إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ∗∗∗ كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ
فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَخْلُو عَنْ تَسْبِيحِ اللَّهِ، فَأُرِيدَ تَسْبِيحٌ يُقارِنُ الحَمْدَ عَلى ما أُعْطِيَهُ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ الأُمَّةِ في الإسْلامِ.
وعَطْفُ الأمْرِ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ مَعَ الحَمْدِ يَقْتَضِي أنَّهُ مِن حَيِّزِ جَوابِ (إذا)، وأنَّهُ اسْتِغْفارٌ يَحْصُلُ مَعَ الحَمْدِ مِثْلَ ما قُرِّرَ في ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتِغْفارٌ خاصٌّ؛ لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ غُفْرانِ التَّقْصِيرِ ونَحْوَهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِن قَبْلُ وهو مِن شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ قالَ: («إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ) فَكانَ تَعْلِيقُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ وبِالِاسْتِغْفارِ عَلى حُصُولِ النَّصْرِ والفَتْحِ إيماءً إلى تَسْبِيحٍ واسْتِغْفارٍ يَحْصُلُ بِهِما تَقَرُّبٌ لَمْ يُنْوَ مِن قَبْلُ، وهو التَّهَيُّؤُ لِلِقاءِ اللَّهِ، وأنَّ حَياتَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ أوْشَكَتْ عَلى الِانْتِهاءِ، وانْتِهاءُ أعْمالِ الطّاعاتِ والقُرُباتِ الَّتِي تَزِيدُ النَّبِيءَ ﷺ في رَفْعِ دَرَجاتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَسْألَ رَبَّهُ التَّجاوُزَ عَمّا يَعْرِضُ لَهُ مِنِ اشْتِغالٍ بِبَعْضِ الحُظُوظِ الضَّرُورِيَّةِ لِلْحَياةِ، أوْ مِنِ اشْتِغالٍ بِمُهِمٍّ مِن أحْوالِ الأُمَّةِ يَفُوتُهُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ آخَرُ هو أهَمُّ مِنهُ، مِثْلَ فِداءِ أسْرى بَدْرٍ مَعَ فَواتِ مَصْلَحَةِ اسْتِئْصالِهِمْ الَّذِي هو أصْلَحُ لِلْأُمَّةِ، فَعُوتِبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ، أوْ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ كالنَّوْمِ والطَّعامِ الَّتِي تُنْقِصُ مِن حالَةِ شَبَهِهِ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، فَكانَ هَذا إيذانًا بِاقْتِرابِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِانْتِقالِهِ مِن حَياةٍ تَحْمِلُ أعْباءَ الرِّسالَةِ إلى حَياةٍ أبَدِيَّةٍ في العُلْوِيّاتِ المَلَكِيَّةِ.
والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ وهي لا تُنافِي إرادَةَ المَعْنى الصَّرِيحِ بِأنْ يُحْمَلَ الأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ عَلى مَعْنى الإكْثارِ مِن قَوْلِ ذَلِكَ، وقَدْ دَلَّ ذَوْقُ الكَلامِ بَعْضَ ذَوِي الأفْهامِ النّافِذَةِ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى هَذا المَعْنى وغاصَتْ عَلَيْهِ مِثْلَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ والعَبّاسِ وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ مَسْعُودٍ، فَعَنْ مُقاتِلٍ: («لَمّا نَزَلَتْ قَرَأها
صفحة ٥٩٥
النَّبِيءُ ﷺ عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وبَكى العَبّاسُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ ؟ قالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ. فَقالَ: إنَّهُ لَكَما تَقُولُ» .) وفي رِوايَةٍ: «نَزَلَتْ في مِنًى فَبَكى عُمَرُ والعَبّاسُ فَقِيلَ لَهُما، فَقالا: فِيهِ نُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: صَدَقْتُما نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي» .
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ عُمَرُ يَأْذَنُ لِأهْلِ بَدْرٍ ويَأْذَنُ لِي مَعَهم، فَوَجَدَ بَعْضُهم مِن ذَلِكَ، فَقالَ لَهم عُمَرُ: إنَّهُ مَن قَدْ عَلِمْتُمْ. قالَ: فَأذِنَ لَهم ذاتَ يَوْمٍ وأذِنَ لِي مَعَهم، فَسَألَهم عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ فَقالُوا: أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ إذا فَتَحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ ويَتُوبَ إلَيْهِ فَقالَ: ما تَقُوُلُ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟ قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَكِنْ أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ حُضُورَ أجَلِهِ فَقالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ فَذَلِكَ عَلامَةُ مَوْتِكَ، فَقالَ عُمَرُ: ما أعْلَمُ مِنها إلّا ما تَقُولُ. فَهَذا فَهْمُ عُمَرَ والعَبّاسِ وعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ.
وقالَ في الكَشّافِ: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيا وبَيْنَ ما عِنْدَ اللَّهِ فاخْتارَ ما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَعَلِمَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: فَدَيْناكَ بِأنْفُسِنا وأمْوالِنا وآبائِنا وأوْلادِنا» اهـ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ: ”الحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلّا صَدْرَهُ دُونَ أوَّلِهِ مِن كَوْنِهِ كانَ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ“ اهـ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بُكاءُ أبِي بَكْرٍ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أُولاهُما عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ النَّصْرِ كَما في رِوايَةِ الكَشّافِ والثّانِيَةُ عِنْدَ خُطْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ في مَرَضِهِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ أيْ: لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّها إيذانٌ بِقُرْبِ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ .
وتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ والحَمْدِ عَلى الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ راجِعٌ إلى وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّنَزُّهِ عَنِ النَّقْصِ وهو يَجْمَعُ صِفاتِ السَّلْبِ، فالتَّسْبِيحُ مُتَمَحِّضٌ لِجانِبِ اللَّهِ تَعالى، ولِأنَّ الحَمْدَ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ لِإنْعامِهِ، وهو أداءُ العَبْدِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ لِشُكْرِ المُنْعِمِ، فَهو مُسْتَلْزِمٌ إثْباتَ صِفاتِ الكَمالِ لِلَّهِ الَّتِي هي مَنشَأُ إنْعامِهِ عَلى عَبْدِهِ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ جانِبِ اللَّهِ وحَظِّ العَبْدِ، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو حَظٌّ لِلْعَبْدِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ طَلَبُهُ اللَّهَ أنْ يَعْفُوَ عَمّا يُؤاخِذُهُ عَلَيْهِ.
صفحة ٥٩٦
ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: فَسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، لِتَقَدُّمِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَعَدَلَ عَلى الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو رَبُّكَ لِما في صِفَةِ (رَبِّ) وإضافَتِها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ مِن حِكْمَةِ ذَلِكَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ نِعْمَةً أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ إذا حَصَلَ هَذا الخَيْرُ الجَلِيلُ بِواسِطَتِهِ، فَذَلِكَ تَكْرِيمٌ لَهُ وعِنايَةٌ بِهِ وهو شَأْنُ تَلَطُّفِ الرَّبِّ بِالمَرْبُوبِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ السِّيادَةُ المَرْفُوقَةُ بِالرِّفْقِ والإبْلاغِ إلى الكَمالِ.
وقَدِ انْتَهى الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ (واسْتَغْفِرْهُ) وقَدْ رُوِيَ (أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في قِراءَتِهِ يَقِفُ عِنْدَ ( واسْتَغْفِرْهُ) ثُمَّ يُكْمِلُ السُّورَةَ ) .
النصر 110:3
﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾
تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ كُلِّهِ وتَعْلِيلٌ لِما يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ فِيهِ مِنَ الأمْرِ بِاسْتِغْفارِ رَبِّهِ بِاعْتِبارِ الصَّرِيحِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ كَما سَيَتَبَيَّنُ لَكَ.
وتَوّابٌ: مِثالُ مُبالَغَةٍ مِن تابَ عَلَيْهِ. وفِعْلُ تابَ المُتَعَدِّي بِحَرْفِ (عَلى) يُطْلَقُ بِمَعْنى وُفِّقَ لِلتَّوْبَةِ، أثْبَتَهُ في اللِّسانِ والقامُوسِ، وهَذا الإطْلاقُ خاصٌّ بِما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ.
وقَدِ اشْتَمَلَتِ الجُمْلَةُ عَلى أرْبَعِ مُؤَكِّداتٍ هي: إنَّ، وكانَ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ، وتَنْوِينُ التَّعْظِيمِ فِيهِ.
وحَيْثُ كانَ التَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) هُنا غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهِ رَدُّ إنْكارٍ ولا إزالَةُ تَرَدُّدٍ، إذْ لا يُفْرَضانِ في جانِبِ المُخاطَبِ ﷺ فَقَدْ تَمَحَّضَ (إنَّ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ بِتَأْكِيدِهِ. وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مِن شَأْنِ (إنَّ) إذا جاءَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ تُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ ورَبْطَ الكَلامِ بِما قَبْلَهُ كَما تُفِيدُهُ الفاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالمَعْنى: هو شَدِيدُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ عِبادِهِ كَثِيرٌ قَبُولُهُ إيّاها.
وإذْ قَدْ كانَ الكَلامُ تَذْيِيلًا وتَعْلِيلًا لِلْكَلامِ السّابِقِ تَعَيَّنَ أنَّ حَذْفَ مُتَعَلِّقِ (تَوّابًا) يُقَدَّرُ بِنَحْوِ: عَلى التّائِبِينَ. وهَذا المُقَدَّرُ مُرادٌ بِهِ العُمُومُ، وهو عُمُومٌ
صفحة ٥٩٧
مَخْصُوصٌ بِالمَشِيئَةِ تُخَصِّصُهُ أدِلَّةُ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ، ولَمّا ذُكِرَ دَلِيلُ العُمُومِ عَقِبَ أمْرِهِ بِالِاسْتِغْفارِ أفادَ أنَّهُ إذا اسْتَغْفَرَهُ غَفَرَ لَهُ، دَلالَةً تَقْتَضِيها مُسْتَتْبِعاتُ التَّراكِيبِ، فَأفادَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلَ الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ طَلَبُ الغَفْرِ، فالطّالِبُ يَتَرَقَّبُ إجابَةَ طَلَبِهِ، وأمّا ما في الجُمْلَةِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْلِيلٍ؛ لِأنَّهُما إنْشاءُ تَنْزِيهٍ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ.
ومِن وراءِ ذَلِكَ أفادَتِ الجُمْلَةُ إشارَةً إلى وعْدٍ بِحُسْنِ القَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حِينَما يَقْدُمُ عَلى العالَمِ القُدْسِيِّ، وهَذا مَعْنًى كِنائِيٌّ؛ لِأنَّ مَن عُرِفَ بِكَثْرَةِ قَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِينَ شَأْنُهُ أنْ يُكْرِمَ وِفادَةَ الوافِدِينَ الَّذِينَ سَعَوْا جُهُودَهم في مَرْضاتِهِ بِمُنْتَهى الِاسْتِطاعَةِ، أوْ هو مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ مُنْتَهى ما يَخافُهُ الأحِبَّةُ عِنْدَ اللِّقاءِ مَرارَةُ العِتابِ، فالإخْبارُ بِأنَّهُ تَوّابٌ اقْتَضى أنَّهُ لا يَخافُ عِتابًا.
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَدْلُولِها الصَّرِيحِ ومَدْلُولِها الكِنائِيِّ أوِ المَجازِيِّ ومُسْتَتْبِعاتُها تَعْلِيلٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِن مَعْنًى صَرِيحٍ أوْ كِنائِيٍّ يُناسِبُهُ التَّعْلِيلُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ بِاعْتِبارِهِما تَمْهِيدًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا لا يَحْتاجانِ إلى التَّعْلِيلِ، أوْ يُغْنِي تَعْلِيلُ المُمَهَّدِ لَهُ بِهِما عَنْ تَعْلِيلِهِما، ولَكِنَّهُما بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما رَمْزًا إلى مُداناةِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ مِنَ الوَعْدِ بِحُسْنِ القَبُولِ تَعْلِيلًا لِمَدْلُولِهِما الكِنائِيِّ، وأمّا الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ فَمُناسَبَةُ التَّعْلِيلِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ ناهِضَةٌ بِاعْتِبارِ كِلْتا دَلالَتَيْهِ الصَّرِيحَةِ والكِنائِيَّةِ، أيْ أنَّهُ مُتَقَبِّلٌ اسْتِغْفارَكَ ومُتَقَبِّلُكَ بِأحْسَنِ قَبُولٍ، شَأْنَ مَن عَهِدَ مِنَ الصَّفْحِ والتَّكَرُّمِ.
وفِعْلُ كانَ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْنى الِاتِّصافِ بِالوَصْفِ في الزَّمَنِ الماضِي، وهو أنَّ هَذا الوَصْفَ ذاتِيٌّ لَهُ لا يَتَخَلَّفُ مَعْمُولُهُ عَنْ عِبادِهِ فَقَدْ دَلَّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ عَلى إخْبارِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ مِن مَبْدَأِ الخَلِيقَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] .
ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ غَفّارًا، كَما في آيَةِ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] فَيَجْرِي الوَصْفُ عَلى ما يُناسِبُ قَوْلَهُ (واسْتَغْفِرْهُ)، فَعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ تَلَطُّفًا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لَيْسَ مُقْتَضِيًا إثْباتَ ذَنْبٍ لَهُ لِما عَلِمْتَ آنِفًا مِن أنَّ وصْفَ (تَوّابًا) جاءَ مِن تابَ عَلَيْهِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى وفَّقَهُ
صفحة ٥٩٨
لِلتَّوْبَةِ إيماءً إلى أنَّ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ إرْشادٌ إلى مَقامِ التَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ بِعِبادِهِ، لَوْلا تَفَضُّلُهُ بِما بَيَّنَ لَهم مِن مُرادِهِ، ولِأنَّ وصْفَ (تَوّابًا) أشَدُّ مُلائَمَةً لِإقامَةِ الفاصِلَةِ مَعَ فاصِلَةِ (أفْواجًا)؛ لِأنَّ حَرْفَ الجِيمِ وحَرْفَ الباءِ كِلَيْهِما حَرْفٌ مِنَ الحُرُوفِ المَوْصُوفَةِ بِالشِّدَّةِ، بِخِلافِ حَرْفِ الرّاءِ فَهو مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي صِفَتُها بَيْنَ الشِّدَّةِ والرَّخْوَةِ.
ورُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: (ما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةً بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلّا يَقُولُ: سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ) أيْ: يَتَأوَّلُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ عَلى ظاهِرِهِ كَما تَأوَّلَهُ في مَقامٍ آخَرَ عَلى مَعْنى اقْتِرابِ أجَلِهِ ﷺ .
* * *
صفحة ٥٩٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المَسَدِسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ (سُورَةَ تَبَّتْ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ وفي أكْثَرِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، تَسْمِيَةً لَها بِأوَّلِ كَلِمَةٍ فِيها.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ المَسَدِ) . واقْتَصَرَ في الإتْقانِ عَلى هَذَيْنِ.
وسَمّاها جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (سُورَةَ أبِي لَهَبٍ) عَلى تَقْدِيرِ: سُورَةِ ذِكْرِ أبِي لَهَبٍ. وعَنْوَنَها أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِهِ (سُورَةَ اللَّهَبِ) ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ.
وعَنْوَنَها ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ سُورَةَ ما كانَ مِن أبِي لَهَبٍ وهو عُنْوانٌ ولَيْسَ بِاسْمٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ السّادِسَةَ مِنَ السُّوَرِ نُزُولًا، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفاتِحَةِ وقَبْلَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وعَدَدُ آيِها خَمْسٌ.
رُوِيَ أنَّ نُزُولَها كانَ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ مِنَ البَعْثَةِ. وسَبَبُ نُزُولِها عَلى ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ عَلى الصَّفا فَنادى (يا صَباحاهُ) - (كَلِمَةٌ يُنادى بِها لِلْإنْذارِ مِن عَدُوٍّ يُصَبِّحُ القَوْمَ) فاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، أرَأيْتُمْ لَوْ أنِّي أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ مُمَسِّيكم أوْ مُصَبِّحُكم أكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي ؟ قالُوا: ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فَنَزَلَتْ تَبَّتْ يَدا
صفحة ٦٠٠
أبِي لَهَبٍ» . ووَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلِصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى صَعِدَ الصَّفا إلى آخِرَ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ آيَةَ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] مِن سُورَةِ الشُّعَراءِ وهي مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ تَبَّتْ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ أنَّ آيَةً تُشْبِهُ آيَةَ سُورَةِ الشُّعَراءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ أبِي لَهَبٍ لِما رَواهُ أبُو أُسامَةَ يَبْلُغُ ابْنَ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَتْ (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وقَوْمَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ) (ولَمْ يَقُلْ مِن سُورَةِ الشُّعَراءِ) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى صَعِدَ الصَّفا. فَتَعَيَّنَ أنَّ آيَةَ سُورَةِ الشُّعَراءِ تُشْبِهُ صَدْرَ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ أبِي لَهَبٍ.
* * *
زَجْرُ أبِي لَهَبٍ عَلى قَوْلِهِ (تَبًّا لَكَ ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟) ووَعِيدُهُ عَلى ذَلِكَ، ووَعِيدُ امْرَأتِهِ عَلى انْتِصارِها لِزَوْجِها، وبُغْضِها النَّبِيءَ ﷺ .
المسد 111:1
﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِالتَّباتِ مُشْعِرٌ بِأنَّها نَزَلَتْ لِتَوْبِيخٍ ووَعِيدٍ، فَذَلِكَ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ مِثْلَ ما تُفْتَتَحُ أشْعارُ الهِجاءِ بِما يُؤْذِنُ بِالذَّمِّ والشَّتْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، إذِ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى وعِيدِ المُطَفِّفِينَ لِلَفْظِ الوَيْلِ ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَكَمِ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
لَحا اللَّهُ قَيْسًا قَيْسَ عَيْلانِ إنَّها أضاعَتْ ثُغُورَ المُسْلِمِينَ ووَلَّتِ
وقَوْلُ أبِي تَمّامٍ في طالِعَةِ هِجاءٍ:
النّارُ والعارُ والمَكْرُوهُ والعَطَبُ
ومِنهُ أخَذَ أبُو بَكْرِ بْنُ الخازِنِ قَوْلَهُ في طالِعِ قَصِيدَةِ هَناءٍ بِمَوْلِدٍ:
مجشري فَقَدْ أنْجَزَ الإقْبالُ ما وعَدَ
صفحة ٦٠١
والتَّبُّ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، والكَلامُ دُعاءٌ وتَقْرِيعٌ لِأبِي لَهَبٍ دافَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَبِيئِهِ بِمِثالِ اللَّفْظِ الَّذِي شَتَمَ بِهِ أبُو لَهَبٍ مُحَمَّدًا ﷺ جَزاءً وِفاقًا.
وإسْنادُ التَّبِّ إلى اليَدَيْنِ لِما رُوِيَ مِن أنَّ أبا لَهَبٍ لَمّا قالَ لِلنَّبِيءِ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ أخَذَ بِيَدِهِ حَجَرًا لِيَرْمِيَهُ بِهِ. ورُوِيَ عَنْ طارِقٍ المُحارِبِيِّ قالَ: بَيْنا أنا بِسُوقِ ذِي المَجازِ، إذا أنا بَرْجَلٍ حَدِيثِ السِّنِّ يَقُولُ: أيُّها النّاسُ قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وإذا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَرْمِيهِ قَدْ أدْمى ساقَيْهِ وعُرْقُوبَيْهِ، يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تُصَدِّقُوهُ. فَقُلْتُ: مَن هَذا ؟ فَقالُوا: هَذا مُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيءٌ، وهَذا عَمُّهُ أبُو لَهَبٍ، فَوَقَعَ الدُّعاءُ عَلى يَدَيْهِ لِأنَّهُما سَبَبُ أذى النَّبِيءِ ﷺ كَما يُقالُ لِلَّذِي يَتَكَلَّمُ بِمَكْرُوهٍ: (بِفِيكَ الحِجارَةُ أوْ بِفِيكَ الكَثْكَثُ)، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
قُعُودًا لَدى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَها ∗∗∗ رَمى اللَّهُ في تِلْكَ الأكُفِّ الكَوانِعِ
ويُقالُ بِضِدِّ ذَلِكَ لِلَّذِي يَقُولُ كَلامًا حَسَنًا: لا فُضَّ فُوكَ، وقالَ أعْرابِيٌّ مِن بَنِي أسَدٍ:
دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا ∗∗∗ فَلَبِّى فَلَبِّي يَدَيْ مِسْوَرِ
لِأنَّهُ دَعاهُ لِما نابَهُ مِنَ العَدُوِّ لِلنَّصْرِ، والنَّصْرُ يَكُونُ بِعَمَلِ اليَدِ بِالضَّرْبِ أوِ الطَّعْنِ.
وأبُو لَهَبٍ: هو عَبْدُ العُزّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو عَمُّ النَّبِيءِ ﷺ، وكُنْيَتُهُ أبُو عُتْبَةَ تَكْنِيَةً بِاسْمِ ابْنِهِ، وأمّا كُنْيَتُهُ بِأبِي لَهَبٍ في الآيَةِ، فَقِيلَ كانَ يُكَنّى بِذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ (لِحُسْنِهِ وإشْراقِ وجْهِهِ) وأنَّهُ اشْتُهِرَ بِتِلْكَ الكُنْيَةِ كَما اقْتَضاهُ حَدِيثُ طارِقٍ المُحارِبِيِّ، ومِثْلُهُ حَدِيثٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبّادٍ الدَّيْلِيِّ في مُسْنَدِ أحْمَدَ، فَسَمّاهُ القُرْآنُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ؛ لِأنَّ في اسْمِهِ عِبادَةَ العُزّى، وذَلِكَ لا يُقِرُّهُ القُرْآنُ، أوْ لِأنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ العَلَمِ، أوْ لِأنَّ في كُنْيَتِهِ ما يَتَأتّى بِهِ التَّوْجِيهُ بِكَوْنِهِ صائِرًا إلى النّارِ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا؛ لِأنَّ اللَّهَبَ ألْسِنَةُ النّارِ إذا اشْتَعَلَتْ وزالَ عَنْها الدُّخانُ. والأبُ: يُطْلَقُ عَلى مُلازِمِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ (أبُوها وكَيّالُها)، وكَما كُنِّيَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبا الضِّيفانِ، وكَنّى النَّبِيءُ ﷺ عَبْدَ
صفحة ٦٠٢
الرَّحْمَنِ بْنَ صَخْرٍ الدُّوسِيَّ أبا هُرَيْرَةَ؛ لِأنَّهُ حَمَلَ هِرَّةً في كُمِّ قَمِيصِهِ، وكُنِّيَ شَهْرُ رَمَضانَ: أبا البَرَكاتِ، وكُنِّيَ الذِّئْبُ: أبا جَعْدَةَ، والجَعْدَةُ سَخْلَةُ المَعِزِ؛ لِأنَّهُ يُلازِمُ طَلَبَها لِافْتِراسِها، فَكانَتْ كُنْيَةُ أبِي لَهَبٍ صالِحَةً مُوافِقَةً لِحالِهِ مِنِ اسْتِحْقاقِهِ لَهَبَ جَهَنَّمَ، فَصارَ هَذا التَّوْجِيهُ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمِيًّا لِيَنْتَقِلَ مِن جَعْلِ أبِي لَهَبٍ بِمَعْنى مُلازِمِ اللَّهَبِ إلى لازِمِ تِلْكَ المُلازَمَةِ في العُرْفِ، وهو مِن أهْلِ جَهَنَّمَ وهو لُزُومٌ ادِّعائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى التَّفاؤُلِ بِالأسْماءِ ونَحْوِها كَما أشارَ إلَيْهِ التِّفْتَزانِيُّ في مَبْحَثِ العَلَمِيَّةِ مِن شَرْحِ المِفْتاحِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
قَصَدْتُ أبا المَحاسِنِ كَيْ أراهُ ∗∗∗ لِشَوْقٍ كانَ يَجْذِبُنِي إلِيهِ
فَلَمّا أنْ رَأيْتُ رَأيْتُ فَرْدًا ∗∗∗ ولَمْ أرَ مِن بَنِيهِ ابْنًا لَدَيْهِ
وقَدْ يَكُونُ أبُو لَهَبٍ كُنْيَتُهُ الحَطَبُ كَما أنْبَأ عَنْهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ («أنَّ ابْنَةَ أبِي لَهَبٍ قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ: إنَّ النّاسَ يَصِيحُونَ بِي ويَقُولُونَ: إنِّي ابْنَةُ حَطَبِ النّارِ» ) . الحَدِيثَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لَفَظَ (لَهَبٍ) بِفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِ الهاءِ، وهو لُغَةٌ لِأنَّهم كَثِيرًا ما يُسَكِّنُونَ عَيْنَ الكَلِمَةِ المُتَحَرِّكَةِ مَعَ الفاءِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ (لَهَبَ) صارَ جُزْءَ عَلَمٍ، والعَرَبُ قَدْ يُغَيِّرُونَ بَعْضَ حَرَكاتِ الِاسْمِ إذا نَقَلُوهُ إلى العَلَمِيَّةِ كَما قالُوا: شُمْسٌ بِضَمِّ الشِّينِ. ولِشَمْسِ بْنِ مالِكٍ الشّاعِرِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَأبَّطَ شَرًّا في قَوْلِهِ:
إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ ∗∗∗ بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مالِكِ
قالَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي في كِتابِ إعْرابِ الحَماسَةِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمُّ الشِّينِ عَلى وجْهِ تَغْيِيرِ الأعْلامِ نَحْوَ مَعْدِ يَكْرِبَ، وتَهْلُكَ ومَوْهَبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا غُيِّرَ عَلى حالِ نَظائِرِهِ لِأجْلِ العَلَمِيَّةِ الحادِثَةِ فِيهِ اهـ.
وكَما قالُوا: أبُو سُلْمى بِضَمِّ السِّينِ كُنْيَةُ والِدِ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى؛ لِأنَّهم نَقَلُوا اسْمَ سَلْمى بِفَتْحِ السِّينِ مِن أسْماءِ النِّساءِ إلى جَعْلِهِ اسْمَ رَجُلٍ يُكَنّى بِهِ؛ لِأنَّهم لا يُكَنُّونَ بِأسْماءِ النِّساءِ غالِبًا.
صفحة ٦٠٣
ولِذَلِكَ لَمْ يُسَكِّنِ ابْنُ كَثِيرٍ الهاءَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ فَلَعَلَّ أهْلَ مَكَّةَ اشْتُهِرَتْ بَيْنَهم كُنْيَةُ أبِي لَهْبٍ بِسُكُونِ الهاءِ تَحْقِيقًا لِكَثْرَةِ دَوَرانِها عَلى الألْسِنَةِ في زَمانِهِ.
وجُمْلَةُ (وتَبَّ) إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ عَطْفَ الدُّعاءِ عَلى الدُّعاءِ إذا كانَ إسْنادُ التَّباتِ إلى اليَدَيْنِ لِأنَّهُما آلَةُ الأذى بِالرَّمْيِ بِالحِجارَةِ كَما في خَبَرِ طارِقٍ المُحارِبِيِّ، فَأُعِيدَ الدُّعاءُ عَلى جَمِيعِهِ إغْلاظًا لَهُ في الشَّتْمِ والتَّفْرِيعِ، وتُفِيدُ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ لِأنَّها بِمَعْناها، وإنَّما اخْتَلَفَتا في الكُلِّيَةِ والجُزْئِيَّةِ، وذَلِكَ الِاخْتِلافُ هو مُقْتَضِي عَطْفِها، وإلّا لَكانَ التَّوْكِيدُ غَيْرَ مَعْطُوفٍ؛ لِأنَّ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ لا يُعْطَفُ بِالواوِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الكافِرُونَ.
وإمّا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ ولا تَكُونُ دُعاءً إنَّما هي تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ ما دُعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
جَزى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ ∗∗∗ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ
وقَدْ فَعَلْ فَيَكُونُ الكَلامُ قَبْلَهُ مُسْتَعْمَلًا في الذَّمِّ والشَّماتَةِ بِهِ أوْ لِطَلَبِ الإزْدِيادِ، ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وقَدْ تَبَّ فَيَتَمَحَّضُ الكَلامُ قَبْلَهُ لِمَعْنى الذَّمِّ والتَّحْقِيرِ دُونَ مَعْنى طَلَبِ حُصُولِ التَّباتِ لَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ حِينَ خُرُوجِهِ إلى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ الَّتِي اسْتُشْهِدَ فِيها:
حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشِدا
يَعْنِي: ويَقُولُوا: وقَدْ رَشِدا، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ، لِمُجَرَّدِ الثَّناءِ والغِبْطَةِ بِما حَصَّلَهُ مِنَ الشَّهادَةِ.
المسد 111:2
﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن إنْشاءِ الشَّتْمِ والتَّوْبِيخِ إلى الإعْلامِ بِأنَّهُ آيِسٌ مِنَ النَّجاةِ مِن هَذا التَّباتِ، ولا يُغْنِيهِ مالُهُ، ولا كَسْبُهُ، أيْ: لا يُغْنِي عَنْهُ ذَلِكَ في دَفْعِ شَيْءٍ عَنْهُ في الآخِرَةِ.
صفحة ٦٠٤
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: ما أغْنى لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ عَدَمِ الإغْناءِ.
و(ما) نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ.
والمالُ: المُمْتَلَكاتُ المُتَمَوِّلَةُ، وغَلَبَ عَلى العَرَبِ إطْلاقُهُ عَلى الإبِلِ، ومِن كَلامِ عُمَرَ (لَوْلا المالُ الَّذِي أحْمِلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ) إلَخْ. في اتِّقاءِ دَعْوَةِ المَظْلُومِ، مِنَ المُوَطَّأِ، وقالَ زُهَيْرٌ:
صَحِيحاتِ مالٍ طالِعاتِ بِمَخْرَمِ
وأهْلُ المَدِينَةِ وخَيْبَرَ والبَحْرَيْنِ يَغْلِبُ عِنْدَهم عَلى النَّخِيلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ.
﴿وما كَسَبَ﴾ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ جَوازًا؛ لِأنَّهُ ضَمِيرُ نَصْبٍ، والتَّقْدِيرُ: وما كَسَبَهُ، أيْ: ما جَمَعَهُ. والمُرادُ بِهِ: ما يَمْلِكُهُ مِن غَيْرِ النَّعَمِ مِن نُقُودٍ وسِلاحٍ ورَبْعٍ وعُرُوضٍ وطَعامٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِمالِهِ: جَمِيعُ مالِهِ، ويَكُونَ عَطْفُ ﴿وما كَسَبَ﴾ مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أيْ: ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ التّالِدُ وهو ما ورِثَهُ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وما كَسَبَهُ هو بِنَفْسِهِ وهو طَرِيفُهُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ أبا لَهَبٍ قالَ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا فَأنا أفْتَدِي نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ بِمالِي ووَلَدِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما كَسَبَ هو ولَدُهُ فَإنَّ الوَلَدَ مِن كَسْبِ أخِيهِ.
المسد 111:3
﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾
بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢] أيْ: لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْءٌ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ. ونَزَلَ هَذا القُرْآنُ في حَياةِ أبِي لَهَبٍ وقَدْ ماتَ بَعْدَ ذَلِكَ كافِرًا، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يُسْلِمُ، وكانَتْ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ.
والسِّينُ لِلتَّحْقِيقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] .
ويَصْلى نارًا يُشْوى بِها ويَحِسُّ بِإحْراقِها. وأصَّلُ الفِعْلِ: صَلاهُ بِالنّارِ، إذا
صفحة ٦٠٥
شَواهُ ثُمَّ جاءَ مِنهُ صَلِيَ كَأفْعالِ الإحْساسِ مِثْلَ فَرِحَ ومَرِضَ. ونُصِبَ (نارًا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ.
ووَصْفُ النّارِ بِـ ﴿ذاتَ لَهَبٍ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ المُناسَبَةِ بَيْنَ اسْمِهِ وبَيْنَ كُفْرِهِ، إذْ هو أبُو لَهَبٍ والنّارُ ذاتُ لَهَبٍ.
وهُوَ ما تَقَدَّمَ الإيماءُ إلَيْهِ بِذِكْرِ كُنْيَتِهِ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا، وفي وصْفِ النّارِ بِذَلِكَ زِيادَةُ كَشْفٍ بِحَقِيقَةِ النّارِ وهو مِثْلَ التَّأْكِيدِ.
وبَيْنَ لَفْظَيْ (لَهَبٍ) الأوَّلِ (ولَهَبٍ) الثّانِي الجِناسُ التّامُّ.
المسد 111:4
﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةُ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾
أعْقَبَ ذَمَّ أبِي لَهَبٍ ووَعِيدَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ لِأنَّها كانَتْ تُشارِكُهُ في أذى النَّبِيءِ ﷺ وتُعِينُهُ عَلَيْهِ.
وامْرَأتُهُ: أيْ: زَوْجُهُ. قالَ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ [هود: ٧١] وفي قِصَّةِ لُوطٍ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ وفي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠] .
وامْرَأةُ أبِي لَهَبٍ هي أُمُّ جَمِيلٍ، واسْمُها أرْوى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وهي أُخْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقِيلَ: اسْمُها العَوْراءُ، فَقِيلَ: هو وصْفٌ وأنَّها كانَتْ عَوْراءَ، وقِيلَ: اسْمُها، وذَكَرَ بَعْضُهِمْ: أنَّ اسْمَها العَوّاءُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الواوِ.
وكانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ تَحْمِلُ حَطَبَ العِضاهِ والشَّوْكَ فَتَضَعُهُ في اللَّيْلِ في طَرِيقِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي يَسْلُكُ مِنهُ إلى بَيْتِهِ لِيَعْقِرَ قَدَمَيْهِ.
فَلَمّا حَصَلَ لِأبِي لَهَبٍ وعِيدٌ مُقْتَبَسٌ مِن كُنْيَتِهِ جُعِلَ لِامْرَأتِهِ وعِيدٌ مُقْتَبَسٌ لَفْظُهُ مِن فِعْلِها وهو حَمْلُ الحَطَبِ في الدُّنْيا، فَأُنْذِرَتْ بِأنَّها تَحْمِلُ الحَطَبَ في جَهَنَّمَ لِيُوقَدَ بِهِ عَلى زَوْجِها، وذَلِكَ خِزْيٌ لَها ولِزَوْجِها، إذْ جَعَلَ شِدَّةَ عَذابِهِ عَلى يَدِ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ، وجَعَلَها سَبَبًا لِعَذابِ أعَزِّ النّاسِ عَلَيْها.
صفحة ٦٠٦
فَقَوْلُهُ (وامْرَأتُهُ) عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (سَيَصْلى) أيْ: وتَصْلى امْرَأتُهُ نارًا.
وقَوْلُهُ: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ (حَمّالَةَ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِامْرَأتِهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها صِفَتُها في جَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنَّها صِفَتُها الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِجَلْبِ حَطَبِ العِضاهِ لِتَضَعَهُ في طَرِيقِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ والإيماءِ إلى تَعْلِيلِ تَعْذِيبِها بِذَلِكَ.
وقَرَأهُ عاصِمٌ بِنَصْبِ (حَمّالَةَ) عَلى الحالِ مِنَ امْرَأتِهِ. وفِيهِ مِنَ التَّوْجِيهِ والإيماءِ ما في قِراءَةِ الرَّفْعِ.
وجُمْلَةُ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ وذَلِكَ إخْبارٌ بِما تُعامَلُ بِهِ في الآخِرَةِ، أيْ: يُجْعَلُ لَها حَبْلٌ في عُنُقِها تَحْمِلُ فِيهِ الحَطَبَ في جَهَنَّمَ لِإسْعارِ النّارِ عَلى زَوْجِها جَزاءً مُماثِلًا لِعَمَلِها في الدُّنْيا الَّذِي أغْضَبَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْها.
والجِيدُ: العُنُقُ، وغَلَبَ في الِاسْتِعْمالِ عَلى عُنُقِ المَرْأةِ وعَلى مَحَلِّ القِلادَةِ مِنهُ، فَقَلَّ أنْ يُذْكَرَ العُنُقُ في وصْفِ النِّساءِ في الشِّعْرِ العَرَبِيِّ إلّا إذا كانَ عُنُقًا مَوْصُوفًا بِالحُسْنِ، وقَدْ جَمَعَهُما امْرُؤُ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
قالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: ”والمَعْرُوفُ أنْ يُذْكَرَ العُنُقُ إذا ذُكِرَ الحُلِيُّ أوِ الحُسْنُ، فَإنَّما حَسُنَ هُنا ذِكْرُ الجِيدِ في حُكْمِ البَلاغَةِ؛ لِأنَّها امْرَأةٌ والنِّساءُ تَحُلِّي أجْيادَهُنَّ، وأُمُّ جَمِيلٍ لا حُلِيَّ لَها في الآخِرَةِ إلّا الحَبْلَ المَجْعُولَ في عُنُقِها، فَلَمّا أُقِيمَ لَها ذَلِكَ مَقامَ الحُلِيِّ ذُكِرَ الجِيدُ مَعَهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الأعْشى:
يَوْمَ تُبْدِي لَنا قَتِيلَةُ عَنْ جِيـ ∗∗∗ دٍ أسِيلٍ تَزِينُهُ الأطْواقُ
ولَمْ يَقُلْ عَنْ عُنُقٍ، وقَوْلُ الآخَرِ:
وأحْسَنُ مِن عِقْدِ المَلِيحَةِ جِيدُها
ولَمْ يَقُلْ عُنُقُها ولَوْ قالَ لَكانَ غَثًّا مِنَ الكَلامِ“ . اهـ.
صفحة ٦٠٧
قُلْتُ: وأمّا قَوْلُ المَعَرِّيِّ:
الحَجْلُ لِلرِّجْلِ والتّاجُ المُنِيفُ لِما ∗∗∗ فَوْقَ الحِجاجِ وعِقْدُ الدُّرِّ لِلْعُنُقِ
فَإنَّما حَسَّنَهُ ما بَيْنَ العِقْدِ والعُنُقِ مِنِ الجِناسِ إتْمامًا لِلْمُجانَسَةِ الَّتِي بَيْنَ الحَجْلِ والرِّجْلِ، والتّاجِ والحِجاجِ، وهو مَقْصُودُ الشّاعِرِ.
والحَبْلُ: ما يُرْبَطُ بِهِ الأشْياءُ الَّتِي يُرادُ اتِّصالُ بَعْضِها بِبَعْضٍ وتُقَيَّدُ بِهِ الدّابَّةُ والمَسْجُونُ كَيْ لا يَبْرَحَ مِنَ المَكانِ، وهو ضَفِيرٌ مِنَ اللِّيفِ أوْ مِن سُيُورِ جِلْدٍ في طُولٍ مُتَفاوِتٍ عَلى حَسَبِ قُوَّةِ ما يُشَدُّ بِهِ أوْ يُرْبَطُ في وتْدٍ أوْ حَلْقَةٍ أوْ شَجَرَةٍ بِحَيْثُ يُمْنَعُ المَرْبُوطُ بِهِ مِن مُغادَرَةِ مَوْضِعِهِ إلى غَيْرِهِ إلى بُعْدٍ يُرادُ، وتُرْبَطُ بِهِ قُلُوعُ السُّفُنِ في الأرْضِ في الشَّواطِئِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] كِلاها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ويُقالُ: حَبَلَهُ إذا رَبَطَهُ.
والمَسَدُ: لِيفٌ مِن لِيفِ اليَمَنِ شَدِيدٌ، والحِبالُ الَّتِي تُفْتَلُ مِنهُ تَكُونُ قَوِيَّةً وصُلْبَةً.
وقُدِّمَ الخَبَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي جِيدِها﴾ لِلِاهْتِمامِ بِوَصْفِ تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ الَّتِي عُوِّضَتْ فِيها بِحَبْلٍ في جِيدِها عَنِ العِقْدِ الَّذِي كانَتْ تُحَلِّي بِهِ جِيدَها في الدُّنْيا فَتُرْبَطُ بِهِ إذا كانَتْ هي وزَوْجُها مِن أهْلِ الثَّراءِ وسادَةِ أهْلِ البَطْحاءِ، وقَدْ ماتَتْ أُمُّ جَمِيلٍ عَلى الشِّرْكِ.
* * *
صفحة ٦٠٨
صفحة ٦٠٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الإخْلاصِ
المَشْهُورُ في تَسْمِيَتِها في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وفِيما جَرى مِن لَفْظِهِ وفي أكْثَرِ ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ تَسْمِيَتُها (سُورَةَ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ) .
رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ورَوى أحْمَدُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ وعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: («قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» ) وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ أرادَ تَسْمِيَتَها بِتِلْكَ الجُمْلَةِ لِأجْلِ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ (تَعْدِلُ) فَإنَّهُ عَلى تَأْوِيلِها بِمَعْنى السُّورَةِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ ما فِيهِ تَسْمِيَتُها بِذَلِكَ، فَذَلِكَ هو الِاسْمُ الوارِدُ في السُّنَّةِ.
ويُؤْخَذُ مِن حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: («اللَّهُ الواحِدُ الصَّمَدُ) ثُلُثُ القُرْآنِ» فَذَكَرَ ألْفاظًا تُخالِفُ ما تُقْرَأُ بِهِ، ومَحْمَلُهُ عَلى إرادَةِ التَّسْمِيَةِ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ رَجُلًا لَمْ يُسَمِّهِ قَرَأ كَذَلِكَ والنّاسُ يَسْتَمِعُونَ وادَّعى أنَّ ما قَرَأ بِهِ هو الصَّوابُ وقَدْ ذَمَّهُ القُرْطُبِيُّ وسَبَّهُ.
وسُمِّيَتْ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الإخْلاصِ) واشْتُهِرَ هَذا الِاسْمُ لِاخْتِصارِهِ وجَمْعِهِ مَعانِي هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ فِيها تَعْلِيمَ النّاسِ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى، أيْ: سَلامَةَ الِاعْتِقادِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ التُّونِسِيَّةِ سُورَةَ التَّوْحِيدِ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى إثْباتِ أنَّهُ تَعالى واحِدٌ.
وفِي الإتْقانِ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ الأساسِ لِاشْتِمالِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وهو
صفحة ٦١٠
أساسُ الإسْلامِ. وفي الكَشّافِ (رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وأنَسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أُسَّتِ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ عَلى ( قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ») . يَعْنِي: ما خُلِقَتْ إلّا لِتَكَوُنَ دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ صِفاتِهِ.
وذَكَرَ في الكَشّافِ: أنَّها وسُورَةَ الكافِرُونَ تُسَمَّيانِ المُقَشْقِشَتَيْنِ، أيِ: المُبْرِئَتَيْنِ مِنَ الشِّرْكِ ومِنَ النِّفاقِ.
وسَمّاها البِقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ سُورَةَ الصَّمَدِ، وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي جَمَعَها الفَخْرُ. وقَدْ عَقَدَ الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَصْلًا لِأسْماءِ هَذِهِ السُّورَةِ فَذَكَرَ لَها عِشْرِينَ اسْمًا بِإضافَةِ عُنْوانِ سُورَةُ إلى كُلِّ اسْمٍ مِنها ولَمْ يَذْكُرْ أسانِيدَها، فَعَلَيْكَ بِتَتَبُّعِها عَلى تَفاوُتٍ فِيها وهي: التَّفْرِيدُ، والتَّجْرِيدُ؛ (لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيها سِوى صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي هي صِفاتُ الجَلالِ)، والتَّوْحِيدُ (كَذَلِكَ)، والإخْلاصُ (لِما ذَكَرْناهُ آنِفًا)، والنَّجاةُ (لِأنَّها تُنْجِي مِنَ الكُفْرِ في الدُّنْيا ومِنَ النّارِ في الآخِرَةِ)، والوِلايَةُ؛ (لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ بِوَحْدانِيَّتِهِ فَهو مِن أوْلِيائِهِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَتَوَلَّوْنَ غَيْرَ اللَّهِ)، والنِّسْبَةُ (لِما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، كَما سَيَأْتِي)، والمَعْرِفَةُ (لِأنَّها أحاطَتْ بِالصِّفاتِ الَّتِي لا تَتِمُّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ إلّا بِمَعْرِفَتِها)، والجَمالُ (لِأنَّها جَمَعَتْ أُصُولَ صِفاتِ اللَّهِ وهي أجْمَلُ الصِّفاتِ وأكْمَلُها، ولِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ» ) . والمُقَشْقِشَةُ (يُقالُ: قَشْقَشَ الدَّواءُ الجَرَبَ إذا أبْرَأهُ لِأنَّها تُقَشْقِشُ مِنَ الشِّرْكِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ اسْمٌ لِسُورَةِ الكافِرُونَ أيْضًا)، والمُعَوِّذَةُ (لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وهو مَرِيضٌ فَعَوَّذَهُ بِها وبِالسُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَها وقالَ لَهُ: تَعَوَّذْ بِها) . والصَّمَدُ (لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ خُصَّ بِها)، والأساسُ (لِأنَّها أساسُ العَقِيدَةِ الإسْلامَيَّةِ)، والمانِعَةُ (لِما رُوِيَ أنَّها تَمْنَعُ عَذابَ القَبْرِ ولَفَحاتِ النّارِ) والمَحْضَرُ؛ (لِأنَّ المَلائِكَةَ تَحْضُرُ لِاسْتِماعِها إذا قُرِئَتْ)، والمُنَفِّرَةُ (لِأنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ عِنْدَ قِراءَتِها)، والبَرّاءَةُ (لِأنَّها تُبْرِئُ مِنَ الشِّرْكِ)، والمُذَكِّرَةُ (لِأنَّها تَذْكُرُ خالِصَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُودَعٌ في الفِطْرَةِ)، والنُّورُ (لِما رُوِيَ أنَّ نُورَ القُرْآنِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ)، والأمانُ ( لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ما فِيها أمِنَ مِنَ العَذابِ.
صفحة ٦١١
وبِضَمِيمَةِ اسْمِها المَشْهُورِ (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) تَبْلُغُ أسْماؤُها اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، وقالَ الفَيْرُوزَ آبادِيُّ في بَصائِرِ التَّمْيِيزِ: إنَّها تُسَمّى الشّافِيَةَ فَتَبْلُغُ واحِدًا وعِشْرِينَ اسْمًا.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ والسَّدِّيُّ وأبُو العالِيَةِ والقُرَظِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ ونُسِبَ كِلا القَوْلَيْنِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
ومَنشَأُ هَذا الخِلافِ الِاخْتِلافُ في سَبَبِ نُزُولِها، فَرَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ورَوى عُبَيْدٌ العَطّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبُو يَعْلى عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ. فَنَزَلَتْ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ إلى آخِرِها»، فَتَكُونُ مَكِّيَّةً.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أخا لَبِيَدٍ أتَيا النَّبِيءَ ﷺ فَقالَ عامِرٌ: إلامَ تَدْعُونا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ، قالَ: صِفْهُ لَنا أمِن ذَهَبٍ هو أمْ مِن فِضَّةٍ أمْ مِن حَدِيدٍ أمْ مِن خَشَبٍ ؟ (يَحْسَبُ لِجَهْلِهِ أنَّ الإلَهَ صَنَمٌ كَأصْنامِهِمْ مِن مَعْدِنٍ أوْ خَشَبٍ أوْ حِجارَةٍ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ»، فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً لِأنَّهُما ما أتَياهُ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ أحْبارَ اليَهُودِ ( مِنهم حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: صِفْ لَنا رَبَّكَ لَعَلَّنا نُؤْمِنُ بِكَ، فَنَزَلَتْ.
والصَّحِيحُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، فَإنَّها جَمَعَتْ أصْلَ التَّوْحِيدِ وهو الأكْثَرُ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ، ولَعَلَّ تَأْوِيلَ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ حِينَما سَألَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وأرْبَدُ، أوْ حِينَما سَألَ أحْبارُ اليَهُودِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السُّورَةَ، فَظَنَّها الرّاوِي مِنَ الأنْصارِ نَزَلَتْ ساعَتَئِذٍ، أوْ لَمْ يَضْبِطِ الرُّواةُ عَنْهم عِبارَتَهم تَمامَ الضَّبْطِ.
قالَ في الإتْقانِ: وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ بِتَكَرُّرِ نُزُولِها، ثُمَّ ظَهَرَ لِيَ تَرْجِيحُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ كَما بَيَّنْتُهُ في أسْبابِ النُّزُولِ اهـ.
وعَلى الأصَحِّ مِن أنَّها مَكِّيَّةٌ عُدَّتِ السُّورَةَ الثّانِيَةَ والعِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النّاسِ وقَبْلَ سُورَةِ النَّجْمِ.
صفحة ٦١٢
وآياتُها عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ أرْبَعٌ، وعِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ والشّامِ خَمْسٌ بِاعْتِبارِ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] آيَةً ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] آيَةً.
* * *
إثْباتُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
وأنَّهُ لا يُقْصَدُ في الحَوائِجِ غَيْرُهُ وتَنْزِيهُهُ عَنْ سِماتِ المُحْدَثاتِ وإبْطالُ أنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ.
وإبْطالُ أنْ يَكُونَ المَوْلُودُ إلَهًا مِثْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والأحادِيثُ في فَضائِلِها كَثِيرَةٌ وقَدْ صَحَّ أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. وتَأْوِيلُ هَذا الحَدِيثِ مَذْكُورٌ في شَرْحِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ.
المسد 111:5
﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةُ الحَطَبِ﴾ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾
أعْقَبَ ذَمَّ أبِي لَهَبٍ ووَعِيدَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِامْرَأتِهِ لِأنَّها كانَتْ تُشارِكُهُ في أذى النَّبِيءِ ﷺ وتُعِينُهُ عَلَيْهِ.
وامْرَأتُهُ: أيْ: زَوْجُهُ. قالَ تَعالى في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ [هود: ٧١] وفي قِصَّةِ لُوطٍ إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ وفي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠] .
وامْرَأةُ أبِي لَهَبٍ هي أُمُّ جَمِيلٍ، واسْمُها أرْوى بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وهي أُخْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، وقِيلَ: اسْمُها العَوْراءُ، فَقِيلَ: هو وصْفٌ وأنَّها كانَتْ عَوْراءَ، وقِيلَ: اسْمُها، وذَكَرَ بَعْضُهِمْ: أنَّ اسْمَها العَوّاءُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الواوِ.
وكانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ تَحْمِلُ حَطَبَ العِضاهِ والشَّوْكَ فَتَضَعُهُ في اللَّيْلِ في طَرِيقِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِي يَسْلُكُ مِنهُ إلى بَيْتِهِ لِيَعْقِرَ قَدَمَيْهِ.
فَلَمّا حَصَلَ لِأبِي لَهَبٍ وعِيدٌ مُقْتَبَسٌ مِن كُنْيَتِهِ جُعِلَ لِامْرَأتِهِ وعِيدٌ مُقْتَبَسٌ لَفْظُهُ مِن فِعْلِها وهو حَمْلُ الحَطَبِ في الدُّنْيا، فَأُنْذِرَتْ بِأنَّها تَحْمِلُ الحَطَبَ في جَهَنَّمَ لِيُوقَدَ بِهِ عَلى زَوْجِها، وذَلِكَ خِزْيٌ لَها ولِزَوْجِها، إذْ جَعَلَ شِدَّةَ عَذابِهِ عَلى يَدِ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ، وجَعَلَها سَبَبًا لِعَذابِ أعَزِّ النّاسِ عَلَيْها.
صفحة ٦٠٦
فَقَوْلُهُ (وامْرَأتُهُ) عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (سَيَصْلى) أيْ: وتَصْلى امْرَأتُهُ نارًا.
وقَوْلُهُ: ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ (حَمّالَةَ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِامْرَأتِهِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها صِفَتُها في جَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنَّها صِفَتُها الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ في الدُّنْيا بِجَلْبِ حَطَبِ العِضاهِ لِتَضَعَهُ في طَرِيقِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ والإيماءِ إلى تَعْلِيلِ تَعْذِيبِها بِذَلِكَ.
وقَرَأهُ عاصِمٌ بِنَصْبِ (حَمّالَةَ) عَلى الحالِ مِنَ امْرَأتِهِ. وفِيهِ مِنَ التَّوْجِيهِ والإيماءِ ما في قِراءَةِ الرَّفْعِ.
وجُمْلَةُ ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ وذَلِكَ إخْبارٌ بِما تُعامَلُ بِهِ في الآخِرَةِ، أيْ: يُجْعَلُ لَها حَبْلٌ في عُنُقِها تَحْمِلُ فِيهِ الحَطَبَ في جَهَنَّمَ لِإسْعارِ النّارِ عَلى زَوْجِها جَزاءً مُماثِلًا لِعَمَلِها في الدُّنْيا الَّذِي أغْضَبَ اللَّهَ تَعالى عَلَيْها.
والجِيدُ: العُنُقُ، وغَلَبَ في الِاسْتِعْمالِ عَلى عُنُقِ المَرْأةِ وعَلى مَحَلِّ القِلادَةِ مِنهُ، فَقَلَّ أنْ يُذْكَرَ العُنُقُ في وصْفِ النِّساءِ في الشِّعْرِ العَرَبِيِّ إلّا إذا كانَ عُنُقًا مَوْصُوفًا بِالحُسْنِ، وقَدْ جَمَعَهُما امْرُؤُ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
قالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: ”والمَعْرُوفُ أنْ يُذْكَرَ العُنُقُ إذا ذُكِرَ الحُلِيُّ أوِ الحُسْنُ، فَإنَّما حَسُنَ هُنا ذِكْرُ الجِيدِ في حُكْمِ البَلاغَةِ؛ لِأنَّها امْرَأةٌ والنِّساءُ تَحُلِّي أجْيادَهُنَّ، وأُمُّ جَمِيلٍ لا حُلِيَّ لَها في الآخِرَةِ إلّا الحَبْلَ المَجْعُولَ في عُنُقِها، فَلَمّا أُقِيمَ لَها ذَلِكَ مَقامَ الحُلِيِّ ذُكِرَ الجِيدُ مَعَهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الأعْشى:
يَوْمَ تُبْدِي لَنا قَتِيلَةُ عَنْ جِيـ ∗∗∗ دٍ أسِيلٍ تَزِينُهُ الأطْواقُ
ولَمْ يَقُلْ عَنْ عُنُقٍ، وقَوْلُ الآخَرِ:
وأحْسَنُ مِن عِقْدِ المَلِيحَةِ جِيدُها
ولَمْ يَقُلْ عُنُقُها ولَوْ قالَ لَكانَ غَثًّا مِنَ الكَلامِ“ . اهـ.
صفحة ٦٠٧
قُلْتُ: وأمّا قَوْلُ المَعَرِّيِّ:
الحَجْلُ لِلرِّجْلِ والتّاجُ المُنِيفُ لِما ∗∗∗ فَوْقَ الحِجاجِ وعِقْدُ الدُّرِّ لِلْعُنُقِ
فَإنَّما حَسَّنَهُ ما بَيْنَ العِقْدِ والعُنُقِ مِنِ الجِناسِ إتْمامًا لِلْمُجانَسَةِ الَّتِي بَيْنَ الحَجْلِ والرِّجْلِ، والتّاجِ والحِجاجِ، وهو مَقْصُودُ الشّاعِرِ.
والحَبْلُ: ما يُرْبَطُ بِهِ الأشْياءُ الَّتِي يُرادُ اتِّصالُ بَعْضِها بِبَعْضٍ وتُقَيَّدُ بِهِ الدّابَّةُ والمَسْجُونُ كَيْ لا يَبْرَحَ مِنَ المَكانِ، وهو ضَفِيرٌ مِنَ اللِّيفِ أوْ مِن سُيُورِ جِلْدٍ في طُولٍ مُتَفاوِتٍ عَلى حَسَبِ قُوَّةِ ما يُشَدُّ بِهِ أوْ يُرْبَطُ في وتْدٍ أوْ حَلْقَةٍ أوْ شَجَرَةٍ بِحَيْثُ يُمْنَعُ المَرْبُوطُ بِهِ مِن مُغادَرَةِ مَوْضِعِهِ إلى غَيْرِهِ إلى بُعْدٍ يُرادُ، وتُرْبَطُ بِهِ قُلُوعُ السُّفُنِ في الأرْضِ في الشَّواطِئِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] كِلاها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، ويُقالُ: حَبَلَهُ إذا رَبَطَهُ.
والمَسَدُ: لِيفٌ مِن لِيفِ اليَمَنِ شَدِيدٌ، والحِبالُ الَّتِي تُفْتَلُ مِنهُ تَكُونُ قَوِيَّةً وصُلْبَةً.
وقُدِّمَ الخَبَرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي جِيدِها﴾ لِلِاهْتِمامِ بِوَصْفِ تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ الَّتِي عُوِّضَتْ فِيها بِحَبْلٍ في جِيدِها عَنِ العِقْدِ الَّذِي كانَتْ تُحَلِّي بِهِ جِيدَها في الدُّنْيا فَتُرْبَطُ بِهِ إذا كانَتْ هي وزَوْجُها مِن أهْلِ الثَّراءِ وسادَةِ أهْلِ البَطْحاءِ، وقَدْ ماتَتْ أُمُّ جَمِيلٍ عَلى الشِّرْكِ.
* * *
صفحة ٦٠٨
صفحة ٦٠٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الإخْلاصِ
المَشْهُورُ في تَسْمِيَتِها في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وفِيما جَرى مِن لَفْظِهِ وفي أكْثَرِ ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ تَسْمِيَتُها (سُورَةَ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ) .
رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ورَوى أحْمَدُ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ وعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: («قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» ) وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ أرادَ تَسْمِيَتَها بِتِلْكَ الجُمْلَةِ لِأجْلِ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ (تَعْدِلُ) فَإنَّهُ عَلى تَأْوِيلِها بِمَعْنى السُّورَةِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ ما فِيهِ تَسْمِيَتُها بِذَلِكَ، فَذَلِكَ هو الِاسْمُ الوارِدُ في السُّنَّةِ.
ويُؤْخَذُ مِن حَدِيثِ البُخارِيِّ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: («اللَّهُ الواحِدُ الصَّمَدُ) ثُلُثُ القُرْآنِ» فَذَكَرَ ألْفاظًا تُخالِفُ ما تُقْرَأُ بِهِ، ومَحْمَلُهُ عَلى إرادَةِ التَّسْمِيَةِ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّ رَجُلًا لَمْ يُسَمِّهِ قَرَأ كَذَلِكَ والنّاسُ يَسْتَمِعُونَ وادَّعى أنَّ ما قَرَأ بِهِ هو الصَّوابُ وقَدْ ذَمَّهُ القُرْطُبِيُّ وسَبَّهُ.
وسُمِّيَتْ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وفي مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ (سُورَةَ الإخْلاصِ) واشْتُهِرَ هَذا الِاسْمُ لِاخْتِصارِهِ وجَمْعِهِ مَعانِي هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ فِيها تَعْلِيمَ النّاسِ إخْلاصَ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى، أيْ: سَلامَةَ الِاعْتِقادِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ التُّونِسِيَّةِ سُورَةَ التَّوْحِيدِ لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى إثْباتِ أنَّهُ تَعالى واحِدٌ.
وفِي الإتْقانِ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ الأساسِ لِاشْتِمالِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وهو
صفحة ٦١٠
أساسُ الإسْلامِ. وفي الكَشّافِ (رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ وأنَسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أُسَّتِ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ عَلى ( قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ») . يَعْنِي: ما خُلِقَتْ إلّا لِتَكَوُنَ دَلائِلَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ومَعْرِفَةِ صِفاتِهِ.
وذَكَرَ في الكَشّافِ: أنَّها وسُورَةَ الكافِرُونَ تُسَمَّيانِ المُقَشْقِشَتَيْنِ، أيِ: المُبْرِئَتَيْنِ مِنَ الشِّرْكِ ومِنَ النِّفاقِ.
وسَمّاها البِقاعِيُّ في نَظْمِ الدُّرَرِ سُورَةَ الصَّمَدِ، وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي جَمَعَها الفَخْرُ. وقَدْ عَقَدَ الفَخْرُ في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ فَصْلًا لِأسْماءِ هَذِهِ السُّورَةِ فَذَكَرَ لَها عِشْرِينَ اسْمًا بِإضافَةِ عُنْوانِ سُورَةُ إلى كُلِّ اسْمٍ مِنها ولَمْ يَذْكُرْ أسانِيدَها، فَعَلَيْكَ بِتَتَبُّعِها عَلى تَفاوُتٍ فِيها وهي: التَّفْرِيدُ، والتَّجْرِيدُ؛ (لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيها سِوى صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي هي صِفاتُ الجَلالِ)، والتَّوْحِيدُ (كَذَلِكَ)، والإخْلاصُ (لِما ذَكَرْناهُ آنِفًا)، والنَّجاةُ (لِأنَّها تُنْجِي مِنَ الكُفْرِ في الدُّنْيا ومِنَ النّارِ في الآخِرَةِ)، والوِلايَةُ؛ (لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ بِوَحْدانِيَّتِهِ فَهو مِن أوْلِيائِهِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَتَوَلَّوْنَ غَيْرَ اللَّهِ)، والنِّسْبَةُ (لِما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، كَما سَيَأْتِي)، والمَعْرِفَةُ (لِأنَّها أحاطَتْ بِالصِّفاتِ الَّتِي لا تَتِمُّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ إلّا بِمَعْرِفَتِها)، والجَمالُ (لِأنَّها جَمَعَتْ أُصُولَ صِفاتِ اللَّهِ وهي أجْمَلُ الصِّفاتِ وأكْمَلُها، ولِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: أحَدٌ صَمَدٌ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ» ) . والمُقَشْقِشَةُ (يُقالُ: قَشْقَشَ الدَّواءُ الجَرَبَ إذا أبْرَأهُ لِأنَّها تُقَشْقِشُ مِنَ الشِّرْكِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ اسْمٌ لِسُورَةِ الكافِرُونَ أيْضًا)، والمُعَوِّذَةُ (لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وهو مَرِيضٌ فَعَوَّذَهُ بِها وبِالسُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَها وقالَ لَهُ: تَعَوَّذْ بِها) . والصَّمَدُ (لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ خُصَّ بِها)، والأساسُ (لِأنَّها أساسُ العَقِيدَةِ الإسْلامَيَّةِ)، والمانِعَةُ (لِما رُوِيَ أنَّها تَمْنَعُ عَذابَ القَبْرِ ولَفَحاتِ النّارِ) والمَحْضَرُ؛ (لِأنَّ المَلائِكَةَ تَحْضُرُ لِاسْتِماعِها إذا قُرِئَتْ)، والمُنَفِّرَةُ (لِأنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ عِنْدَ قِراءَتِها)، والبَرّاءَةُ (لِأنَّها تُبْرِئُ مِنَ الشِّرْكِ)، والمُذَكِّرَةُ (لِأنَّها تَذْكُرُ خالِصَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو مُودَعٌ في الفِطْرَةِ)، والنُّورُ (لِما رُوِيَ أنَّ نُورَ القُرْآنِ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ)، والأمانُ ( لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ما فِيها أمِنَ مِنَ العَذابِ.
صفحة ٦١١
وبِضَمِيمَةِ اسْمِها المَشْهُورِ (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) تَبْلُغُ أسْماؤُها اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، وقالَ الفَيْرُوزَ آبادِيُّ في بَصائِرِ التَّمْيِيزِ: إنَّها تُسَمّى الشّافِيَةَ فَتَبْلُغُ واحِدًا وعِشْرِينَ اسْمًا.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ والسَّدِّيُّ وأبُو العالِيَةِ والقُرَظِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ ونُسِبَ كِلا القَوْلَيْنِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
ومَنشَأُ هَذا الخِلافِ الِاخْتِلافُ في سَبَبِ نُزُولِها، فَرَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ورَوى عُبَيْدٌ العَطّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبُو يَعْلى عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ. فَنَزَلَتْ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ إلى آخِرِها»، فَتَكُونُ مَكِّيَّةً.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنَ رَبِيعَةَ أخا لَبِيَدٍ أتَيا النَّبِيءَ ﷺ فَقالَ عامِرٌ: إلامَ تَدْعُونا ؟ قالَ: إلى اللَّهِ، قالَ: صِفْهُ لَنا أمِن ذَهَبٍ هو أمْ مِن فِضَّةٍ أمْ مِن حَدِيدٍ أمْ مِن خَشَبٍ ؟ (يَحْسَبُ لِجَهْلِهِ أنَّ الإلَهَ صَنَمٌ كَأصْنامِهِمْ مِن مَعْدِنٍ أوْ خَشَبٍ أوْ حِجارَةٍ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ»، فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً لِأنَّهُما ما أتَياهُ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ أحْبارَ اليَهُودِ ( مِنهم حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: صِفْ لَنا رَبَّكَ لَعَلَّنا نُؤْمِنُ بِكَ، فَنَزَلَتْ.
والصَّحِيحُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، فَإنَّها جَمَعَتْ أصْلَ التَّوْحِيدِ وهو الأكْثَرُ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِمَكَّةَ، ولَعَلَّ تَأْوِيلَ مَن قالَ: إنَّها نَزَلَتْ حِينَما سَألَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وأرْبَدُ، أوْ حِينَما سَألَ أحْبارُ اليَهُودِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السُّورَةَ، فَظَنَّها الرّاوِي مِنَ الأنْصارِ نَزَلَتْ ساعَتَئِذٍ، أوْ لَمْ يَضْبِطِ الرُّواةُ عَنْهم عِبارَتَهم تَمامَ الضَّبْطِ.
قالَ في الإتْقانِ: وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ بِتَكَرُّرِ نُزُولِها، ثُمَّ ظَهَرَ لِيَ تَرْجِيحُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ كَما بَيَّنْتُهُ في أسْبابِ النُّزُولِ اهـ.
وعَلى الأصَحِّ مِن أنَّها مَكِّيَّةٌ عُدَّتِ السُّورَةَ الثّانِيَةَ والعِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النّاسِ وقَبْلَ سُورَةِ النَّجْمِ.
صفحة ٦١٢
وآياتُها عِنْدَ أهْلِ العَدَدِ بِالمَدِينَةِ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ أرْبَعٌ، وعِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ والشّامِ خَمْسٌ بِاعْتِبارِ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣] آيَةً ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] آيَةً.
* * *
إثْباتُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
وأنَّهُ لا يُقْصَدُ في الحَوائِجِ غَيْرُهُ وتَنْزِيهُهُ عَنْ سِماتِ المُحْدَثاتِ وإبْطالُ أنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ.
وإبْطالُ أنْ يَكُونَ المَوْلُودُ إلَهًا مِثْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والأحادِيثُ في فَضائِلِها كَثِيرَةٌ وقَدْ صَحَّ أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. وتَأْوِيلُ هَذا الحَدِيثِ مَذْكُورٌ في شَرْحِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ.