Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — القارعة 101:1 – الفيل 105:5
المحتويات
- القارعة 101:1
- القارعة 101:2
- القارعة 101:3
- القارعة 101:4
- القارعة 101:5
- القارعة 101:6
- القارعة 101:7
- القارعة 101:8
- القارعة 101:9
- القارعة 101:10
- القارعة 101:11
- التكاثر 102:1
- التكاثر 102:2
- التكاثر 102:3
- التكاثر 102:4
- التكاثر 102:5
- التكاثر 102:6
- التكاثر 102:7
- التكاثر 102:8
- العصر 103:1
- العصر 103:2
- العصر 103:3
- الهمزة 104:1
- الهمزة 104:2
- الهمزة 104:3
- الهمزة 104:4
- الهمزة 104:5
- الهمزة 104:6
- الهمزة 104:7
- الهمزة 104:8
- الهمزة 104:9
- الفيل 105:1
- الفيل 105:2
- الفيل 105:3
- الفيل 105:4
- الفيل 105:5
القارعة 101:1
﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾
الِافْتِتاحُ بِلَفْظِ القارِعَةِ افْتِتاحٌ مَهَوِّلٌ، وفِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبَرُ بِهِ.
وهُوَ مَرْفُوعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ و﴿ما القارِعَةُ﴾ خَبَرُهُ ويَكُونُ هُنالِكَ مُنْتَهى الآيَةِ.
صفحة ٥١٠
فالمَعْنى: القارِعَةُ شَيْءٌ عَظِيمٌ هي. وهَذا يَجْرِي عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى تَنْتَهِي بِقَوْلِهِ: ما القارِعَةُ.
وإمّا أنْ تَكُونَ (القارِعَةُ) الأوَّلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وعُدَّ آيَةً عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ فَيُقَدَّرَ خَبَرٌ عَنْهُ مَحْذُوفٌ نَحْوَ: القارِعَةُ قَرِيبَةٌ، أوْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ نَحْوَ أتَتِ القارِعَةُ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ اسْتِئْنافًا لِلتَّهْوِيلِ، وجُعِلَ آيَةً ثانِيَةً عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ وعَلَيْهِ فالسُّورَةُ مُسَمَّطَةٌ مِن ثَلاثِ فَواصِلَ في أوَّلِها وثَلاثٍ في آخِرِها وفاصِلَتَيْنِ وسَطَها.
وإعادَةُ لَفْظِ القارِعَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: القارِعَةُ ما هِيَهْ، لِما في لَفْظِ القارِعَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ، وإعادَةُ لَفْظِ المُبْتَدَأِ أغْنَتْ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وجُمْلَةِ الخَبَرِ.
والقارِعَةُ: وصْفٌ مِنَ القَرْعِ وهو ضَرْبُ الجِسْمِ بِآخَرَ بِشِدَّةٍ لَها صَوْتٌ. وأُطْلِقَ القَرْعُ مَجازًا عَلى الصَّوْتِ الَّذِي يَتَأثَّرُ بِهِ السّامِعُ تَأثُّرَ خَوْفٍ أوِ اتِّعاظٍ، يُقالُ: قَرَعَ فُلانًا، أيْ: زَجَرَهُ وعَنَّفَهُ بِصَوْتِ غَضَبٍ. وفي المَقامَةِ الأوْلى ( ويَقْرَعُ الأسْماعَ بِزَواجِرِ وعْظِهِ.
وأُطْلِقَتِ القارِعَةُ عَلى الحَدَثِ العَظِيمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الأصْواتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] وقِيلَ: تَقُولُ العَرَبُ: قَرَعَتِ القَوْمَ قارِعَةٌ، إذا نَزَلَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ، ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ فِيما رَأيْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.
وتَأْنِيثُ (القارِعَةُ) لِتَأْوِيلِها بِالحادِثَةِ أوِ الكائِنَةِ.
و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ هَوْلَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَساؤُلَ النّاسِ عَنْهُ.
فَـ (القارِعَةُ) هَنا مُرادٌ بِها حادِثَةٌ عَظِيمَةٌ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الحادِثَةَ هي الحَشْرُ، فَجَعَلُوا القارِعَةَ مِن أسْماءِ يَوْمِ الحَشْرِ مِثْلَ القِيامَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِها صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّوَرِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: القارِعَةُ النّارُ ذاتُ الزَّفِيرِ، كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّها اسْمُ جَهَنَّمَ.
صفحة ٥١١
وهَذا التَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ.
ومَعْنى ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ زِيادَةُ تَهْوِيلِ أمْرِ القارِعَةِ و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ صادِقَةٌ عَلى شَخْصٍ، والتَّقْدِيرُ: وأيُّ شَخْصٍ أدْراكَ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في تَعْظِيمِ حَقِيقَتِها وهَوْلِها؛ لِأنَّ هَوْلَ الأمْرِ يَسْتَلْزِمُ البَحْثَ عَنْ تَعَرُّفِهِ. وأدْراكَ: بِمَعْنى أعْلَمَكَ.
و﴿ما القارِعَةُ﴾ اسْتِفْهامٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، أيْ: ما أدْراكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ. وسَدَّ الِاسْتِفْهامُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أدْراكَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما القارِعَةُ﴾ .
والخِطابُ في (أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ: وما أدْراكَ أيُّها السّامِعُ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وتَقَدَّمَ بَعْضُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
القارعة 101:2
﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾
الِافْتِتاحُ بِلَفْظِ القارِعَةِ افْتِتاحٌ مَهَوِّلٌ، وفِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبَرُ بِهِ.
وهُوَ مَرْفُوعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ و﴿ما القارِعَةُ﴾ خَبَرُهُ ويَكُونُ هُنالِكَ مُنْتَهى الآيَةِ.
صفحة ٥١٠
فالمَعْنى: القارِعَةُ شَيْءٌ عَظِيمٌ هي. وهَذا يَجْرِي عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى تَنْتَهِي بِقَوْلِهِ: ما القارِعَةُ.
وإمّا أنْ تَكُونَ (القارِعَةُ) الأوَّلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وعُدَّ آيَةً عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ فَيُقَدَّرَ خَبَرٌ عَنْهُ مَحْذُوفٌ نَحْوَ: القارِعَةُ قَرِيبَةٌ، أوْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ نَحْوَ أتَتِ القارِعَةُ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ اسْتِئْنافًا لِلتَّهْوِيلِ، وجُعِلَ آيَةً ثانِيَةً عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ وعَلَيْهِ فالسُّورَةُ مُسَمَّطَةٌ مِن ثَلاثِ فَواصِلَ في أوَّلِها وثَلاثٍ في آخِرِها وفاصِلَتَيْنِ وسَطَها.
وإعادَةُ لَفْظِ القارِعَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: القارِعَةُ ما هِيَهْ، لِما في لَفْظِ القارِعَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ، وإعادَةُ لَفْظِ المُبْتَدَأِ أغْنَتْ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وجُمْلَةِ الخَبَرِ.
والقارِعَةُ: وصْفٌ مِنَ القَرْعِ وهو ضَرْبُ الجِسْمِ بِآخَرَ بِشِدَّةٍ لَها صَوْتٌ. وأُطْلِقَ القَرْعُ مَجازًا عَلى الصَّوْتِ الَّذِي يَتَأثَّرُ بِهِ السّامِعُ تَأثُّرَ خَوْفٍ أوِ اتِّعاظٍ، يُقالُ: قَرَعَ فُلانًا، أيْ: زَجَرَهُ وعَنَّفَهُ بِصَوْتِ غَضَبٍ. وفي المَقامَةِ الأوْلى ( ويَقْرَعُ الأسْماعَ بِزَواجِرِ وعْظِهِ.
وأُطْلِقَتِ القارِعَةُ عَلى الحَدَثِ العَظِيمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الأصْواتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] وقِيلَ: تَقُولُ العَرَبُ: قَرَعَتِ القَوْمَ قارِعَةٌ، إذا نَزَلَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ، ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ فِيما رَأيْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.
وتَأْنِيثُ (القارِعَةُ) لِتَأْوِيلِها بِالحادِثَةِ أوِ الكائِنَةِ.
و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ هَوْلَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَساؤُلَ النّاسِ عَنْهُ.
فَـ (القارِعَةُ) هَنا مُرادٌ بِها حادِثَةٌ عَظِيمَةٌ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الحادِثَةَ هي الحَشْرُ، فَجَعَلُوا القارِعَةَ مِن أسْماءِ يَوْمِ الحَشْرِ مِثْلَ القِيامَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِها صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّوَرِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: القارِعَةُ النّارُ ذاتُ الزَّفِيرِ، كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّها اسْمُ جَهَنَّمَ.
صفحة ٥١١
وهَذا التَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ.
ومَعْنى ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ زِيادَةُ تَهْوِيلِ أمْرِ القارِعَةِ و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ صادِقَةٌ عَلى شَخْصٍ، والتَّقْدِيرُ: وأيُّ شَخْصٍ أدْراكَ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في تَعْظِيمِ حَقِيقَتِها وهَوْلِها؛ لِأنَّ هَوْلَ الأمْرِ يَسْتَلْزِمُ البَحْثَ عَنْ تَعَرُّفِهِ. وأدْراكَ: بِمَعْنى أعْلَمَكَ.
و﴿ما القارِعَةُ﴾ اسْتِفْهامٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، أيْ: ما أدْراكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ. وسَدَّ الِاسْتِفْهامُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أدْراكَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما القارِعَةُ﴾ .
والخِطابُ في (أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ: وما أدْراكَ أيُّها السّامِعُ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وتَقَدَّمَ بَعْضُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
القارعة 101:3
﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾
الِافْتِتاحُ بِلَفْظِ القارِعَةِ افْتِتاحٌ مَهَوِّلٌ، وفِيهِ تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبَرُ بِهِ.
وهُوَ مَرْفُوعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ و﴿ما القارِعَةُ﴾ خَبَرُهُ ويَكُونُ هُنالِكَ مُنْتَهى الآيَةِ.
صفحة ٥١٠
فالمَعْنى: القارِعَةُ شَيْءٌ عَظِيمٌ هي. وهَذا يَجْرِي عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى تَنْتَهِي بِقَوْلِهِ: ما القارِعَةُ.
وإمّا أنْ تَكُونَ (القارِعَةُ) الأوَّلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وعُدَّ آيَةً عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ فَيُقَدَّرَ خَبَرٌ عَنْهُ مَحْذُوفٌ نَحْوَ: القارِعَةُ قَرِيبَةٌ، أوْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ نَحْوَ أتَتِ القارِعَةُ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ اسْتِئْنافًا لِلتَّهْوِيلِ، وجُعِلَ آيَةً ثانِيَةً عِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ وعَلَيْهِ فالسُّورَةُ مُسَمَّطَةٌ مِن ثَلاثِ فَواصِلَ في أوَّلِها وثَلاثٍ في آخِرِها وفاصِلَتَيْنِ وسَطَها.
وإعادَةُ لَفْظِ القارِعَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: القارِعَةُ ما هِيَهْ، لِما في لَفْظِ القارِعَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّرْوِيعِ، وإعادَةُ لَفْظِ المُبْتَدَأِ أغْنَتْ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وجُمْلَةِ الخَبَرِ.
والقارِعَةُ: وصْفٌ مِنَ القَرْعِ وهو ضَرْبُ الجِسْمِ بِآخَرَ بِشِدَّةٍ لَها صَوْتٌ. وأُطْلِقَ القَرْعُ مَجازًا عَلى الصَّوْتِ الَّذِي يَتَأثَّرُ بِهِ السّامِعُ تَأثُّرَ خَوْفٍ أوِ اتِّعاظٍ، يُقالُ: قَرَعَ فُلانًا، أيْ: زَجَرَهُ وعَنَّفَهُ بِصَوْتِ غَضَبٍ. وفي المَقامَةِ الأوْلى ( ويَقْرَعُ الأسْماعَ بِزَواجِرِ وعْظِهِ.
وأُطْلِقَتِ القارِعَةُ عَلى الحَدَثِ العَظِيمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الأصْواتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١] وقِيلَ: تَقُولُ العَرَبُ: قَرَعَتِ القَوْمَ قارِعَةٌ، إذا نَزَلَ بِهِمْ أمْرٌ فَظِيعٌ، ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ فِيما رَأيْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.
وتَأْنِيثُ (القارِعَةُ) لِتَأْوِيلِها بِالحادِثَةِ أوِ الكائِنَةِ.
و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ المُرَكَّبِ؛ لِأنَّ هَوْلَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَساؤُلَ النّاسِ عَنْهُ.
فَـ (القارِعَةُ) هَنا مُرادٌ بِها حادِثَةٌ عَظِيمَةٌ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الحادِثَةَ هي الحَشْرُ، فَجَعَلُوا القارِعَةَ مِن أسْماءِ يَوْمِ الحَشْرِ مِثْلَ القِيامَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِها صَيْحَةُ النَّفْخَةِ في الصُّوَرِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: القارِعَةُ النّارُ ذاتُ الزَّفِيرِ، كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّها اسْمُ جَهَنَّمَ.
صفحة ٥١١
وهَذا التَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وقَدْ تَقَدَّمَ.
ومَعْنى ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ زِيادَةُ تَهْوِيلِ أمْرِ القارِعَةِ و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ صادِقَةٌ عَلى شَخْصٍ، والتَّقْدِيرُ: وأيُّ شَخْصٍ أدْراكَ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في تَعْظِيمِ حَقِيقَتِها وهَوْلِها؛ لِأنَّ هَوْلَ الأمْرِ يَسْتَلْزِمُ البَحْثَ عَنْ تَعَرُّفِهِ. وأدْراكَ: بِمَعْنى أعْلَمَكَ.
و﴿ما القارِعَةُ﴾ اسْتِفْهامٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، أيْ: ما أدْراكَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ. وسَدَّ الِاسْتِفْهامُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أدْراكَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما القارِعَةُ﴾ .
والخِطابُ في (أدْراكَ) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ: وما أدْراكَ أيُّها السّامِعُ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وتَقَدَّمَ بَعْضُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
القارعة 101:4
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ .
(يَوْمَ) مَفْعُولٌ فِيهِ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ القارِعَةِ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: تَقْرَعُ، أوْ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ كُلُّهُ، فَيُقَدَّرُ: تَكُونُ، أوْ تَحْصُلُ، يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ مَعَ مُتَعَلِّقِها المَحْذُوفِ بَيانٌ لِلْإبْهامَيْنِ الَّذَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٣] وقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٣] .
ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ خَبَرًا عَنِ (القارِعَةِ)، إذْ لَيْسَ سِياقُ الكَلامِ لِتَعْيِينِ يَوْمِ وُقُوعِ القارِعَةِ.
والمَقْصُودُ بِهَذا التَّوْقِيتِ زِيادَةُ التَّهْوِيلِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ (يَوْمَ) مِنَ الجُمْلَتَيْنِ المُفِيدَتَيْنِ أحْوالًا هائِلَةً إلّا أنَّ شَأْنَ التَّوْقِيتِ أنْ يَكُونَ بِزَمانٍ مَعْلُومٍ، وإذْ قَدْ كانَ هَذا الحالُ المُوَقَّتُ بِزَمانِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ مَداهُ. كانَ التَّوْقِيتُ لَهُ إطْماعًا في تَعْيِينِ وقْتِ
صفحة ٥١٢
حُصُولِهِ، إذْ كانُوا يَسْألُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ، ثُمَّ تَوْقِيتُهُ بِما هو مَجْهُولٌ لَهم إبْهامًا آخَرَ لِلتَّهْوِيلِ والتَّحْذِيرِ مِن مُفاجَأتِهِ، وأُبْرِزَ في صُورَةِ التَّوْقِيتِ لِلتَّشْوِيقِ إلى البَحْثِ عَنْ تَقْدِيرِهِ، فَإذا باءَ الباحِثُ بِالعَجْزِ عَنْ أخْذٍ بِحِيطَةِ الِاسْتِعْدادِ لِحُلُولِهِ بِما يُنْجِيهِ مِن مَصائِبِهِ الَّتِي قُرِعَتْ بِهِ الأسْماعُ في آيٍ كَثِيرَةٍ.
فَحَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ تَهْوِيلٌ شَدِيدٌ بِثَمانِيَةِ طُرُقٍ: وهي الِابْتِداءُ بِاسْمِ القارِعَةِ، المُؤْذِنِ بِأمْرٍ عَظِيمٍ، والِاسْتِفْهامُ المُسْتَعْمَلُ في التَّهْوِيلِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ أوَّلَ مَرَّةٍ، والِاسْتِفْهامُ عَمّا يُنْبِئُ بِكُنْهِ القارِعَةِ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ ثانِيَ مَرَّةٍ، والتَّوْقِيتُ بِزَمانٍ مَجْهُولٍ حُصُولِهِ وتَعْرِيفُ ذَلِكَ الوَقْتِ بِأحْوالٍ مَهُولَةٍ.
والفَراشُ: فَرْخُ الجَرادِ حِينَ يَخْرُجُ مِن بَيْضِهِ مِنَ الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] . وقَدْ يُطْلَقُ الفَراشُ عَلى ما يَطِيرُ مِنَ الحَشَراتِ، ويَتَساقَطُ عَلى النّارِ لَيْلًا، وهو إطْلاقٌ آخَرُ لا يُناسِبُ تَفْسِيرَ لَفْظِ الآيَةِ هُنا بِهِ.
والمَبْثُوثُ: المُتَفَرِّقُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] إلَخْ. وهو إدْماجٌ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ.
ووَجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةُ الِاكْتِظاظِ عَلى أرْضِ المَحْشَرِ.
والعِهْنُ: الصُّوفُ، وقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالمَصْبُوغِ الأحْمَرِ، أوْ ذِي الألْوانِ، كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ
لِأنَّ الجِبالَ مُخْتَلِفَةُ الألْوانِ بِحِجارَتِها ونَبْتِها قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧] .
والمَنفُوشُ: المُفَرَّقُ بَعْضُ أجْزائِهِ عَنْ بَعْضٍ لِيُغْزَلَ أوْ تُحْشى بِهِ الحَشايا، ووَجْهُ
صفحة ٥١٣
الشَّبَهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ؛ لِأنَّ الجِبالَ تَنْدَكُّ بِالزَّلازِلِ ونَحْوِها فَتَتَفَرَّقُ أجْزاءً.
وإعادَةُ كَلِمَةِ (تَكُونُ) مَعَ حَرْفِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ الكَوْنَيْنِ، فَإنَّ أوَّلَهُما كَوْنُ إيجادٍ، والثّانِيَ كَوْنُ اضْمِحْلالٍ، وكِلاهُما عَلامَةٌ عَلى زَوالِ عالَمٍ وظُهُورِ عالَمٍ آخَرَ.
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ في سُورَةِ المَعارِجِ.
القارعة 101:5
﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ .
(يَوْمَ) مَفْعُولٌ فِيهِ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ القارِعَةِ؛ لِأنَّهُ في تَقْدِيرِ: تَقْرَعُ، أوْ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ كُلُّهُ، فَيُقَدَّرُ: تَكُونُ، أوْ تَحْصُلُ، يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ مَعَ مُتَعَلِّقِها المَحْذُوفِ بَيانٌ لِلْإبْهامَيْنِ الَّذَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٣] وقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٣] .
ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ﴾ خَبَرًا عَنِ (القارِعَةِ)، إذْ لَيْسَ سِياقُ الكَلامِ لِتَعْيِينِ يَوْمِ وُقُوعِ القارِعَةِ.
والمَقْصُودُ بِهَذا التَّوْقِيتِ زِيادَةُ التَّهْوِيلِ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ (يَوْمَ) مِنَ الجُمْلَتَيْنِ المُفِيدَتَيْنِ أحْوالًا هائِلَةً إلّا أنَّ شَأْنَ التَّوْقِيتِ أنْ يَكُونَ بِزَمانٍ مَعْلُومٍ، وإذْ قَدْ كانَ هَذا الحالُ المُوَقَّتُ بِزَمانِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ مَداهُ. كانَ التَّوْقِيتُ لَهُ إطْماعًا في تَعْيِينِ وقْتِ
صفحة ٥١٢
حُصُولِهِ، إذْ كانُوا يَسْألُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ، ثُمَّ تَوْقِيتُهُ بِما هو مَجْهُولٌ لَهم إبْهامًا آخَرَ لِلتَّهْوِيلِ والتَّحْذِيرِ مِن مُفاجَأتِهِ، وأُبْرِزَ في صُورَةِ التَّوْقِيتِ لِلتَّشْوِيقِ إلى البَحْثِ عَنْ تَقْدِيرِهِ، فَإذا باءَ الباحِثُ بِالعَجْزِ عَنْ أخْذٍ بِحِيطَةِ الِاسْتِعْدادِ لِحُلُولِهِ بِما يُنْجِيهِ مِن مَصائِبِهِ الَّتِي قُرِعَتْ بِهِ الأسْماعُ في آيٍ كَثِيرَةٍ.
فَحَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ تَهْوِيلٌ شَدِيدٌ بِثَمانِيَةِ طُرُقٍ: وهي الِابْتِداءُ بِاسْمِ القارِعَةِ، المُؤْذِنِ بِأمْرٍ عَظِيمٍ، والِاسْتِفْهامُ المُسْتَعْمَلُ في التَّهْوِيلِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ أوَّلَ مَرَّةٍ، والِاسْتِفْهامُ عَمّا يُنْبِئُ بِكُنْهِ القارِعَةِ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ ثانِيَ مَرَّةٍ، والتَّوْقِيتُ بِزَمانٍ مَجْهُولٍ حُصُولِهِ وتَعْرِيفُ ذَلِكَ الوَقْتِ بِأحْوالٍ مَهُولَةٍ.
والفَراشُ: فَرْخُ الجَرادِ حِينَ يَخْرُجُ مِن بَيْضِهِ مِنَ الأرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] . وقَدْ يُطْلَقُ الفَراشُ عَلى ما يَطِيرُ مِنَ الحَشَراتِ، ويَتَساقَطُ عَلى النّارِ لَيْلًا، وهو إطْلاقٌ آخَرُ لا يُناسِبُ تَفْسِيرَ لَفْظِ الآيَةِ هُنا بِهِ.
والمَبْثُوثُ: المُتَفَرِّقُ عَلى وجْهِ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] إلَخْ. وهو إدْماجٌ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ.
ووَجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةُ الِاكْتِظاظِ عَلى أرْضِ المَحْشَرِ.
والعِهْنُ: الصُّوفُ، وقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالمَصْبُوغِ الأحْمَرِ، أوْ ذِي الألْوانِ، كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
كَأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الفَنا لَمْ يُحَطَّمِ
لِأنَّ الجِبالَ مُخْتَلِفَةُ الألْوانِ بِحِجارَتِها ونَبْتِها قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧] .
والمَنفُوشُ: المُفَرَّقُ بَعْضُ أجْزائِهِ عَنْ بَعْضٍ لِيُغْزَلَ أوْ تُحْشى بِهِ الحَشايا، ووَجْهُ
صفحة ٥١٣
الشَّبَهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ؛ لِأنَّ الجِبالَ تَنْدَكُّ بِالزَّلازِلِ ونَحْوِها فَتَتَفَرَّقُ أجْزاءً.
وإعادَةُ كَلِمَةِ (تَكُونُ) مَعَ حَرْفِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ الكَوْنَيْنِ، فَإنَّ أوَّلَهُما كَوْنُ إيجادٍ، والثّانِيَ كَوْنُ اضْمِحْلالٍ، وكِلاهُما عَلامَةٌ عَلى زَوالِ عالَمٍ وظُهُورِ عالَمٍ آخَرَ.
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ في سُورَةِ المَعارِجِ.
القارعة 101:6
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٦ ] ﴿فَهْوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٨ ] ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [ ٩ ] ﴿وما أدْريكَ ما هِيَهْ﴾ [ ١٠ ] ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [ ١١ ] )
تَفْصِيلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] مِن إجْمالِ حالِ النّاسِ حِينَئِذٍ، فَذَلِكَ هو المَقْصُودُ بِذِكْرِ اسْمِ النّاسِ الشّامِلِ لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاءِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْصِيلُهُ بِحالَيْنِ: حالٍ حَسَنٍ وحالٍ فَظِيعٍ.
وثِقَلُ المَوازِينِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِمَحَلِّ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِكَثْرَةِ حَسَناتِهِ؛ لِأنَّ ثِقَلَ المِيزانِ يَسْتَلْزِمُ ثِقْلَ المَوْزُونِ، وإنَّما تُوزَنُ الأشْياءُ المَرْغُوبُ في اقْتِنائِها، وقَدْ شاعَ عِنْدَ العَرَبِ الكِنايَةُ عَنِ الفَضْلِ والشَّرَفِ وأصالَةِ الرَّأْيِ بِالوَزْنِ ونَحْوِهِ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَقُولُونَ: فُلانٌ لا يُقامُ لَهُ وزْنٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقالَ النّابِغَةُ:
ومِيزانُهُ في سُورَةِ المَجْدِ ماتِعٌ
أيْ: راجِحٌ وهَذا مُتَبادِرٌ في العَرَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ في الآيَةِ بِذِكْرِ ما يُثَقِّلُ المَوازِينَ لِظُهُورِ أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ.
وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ المِيزانِ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ: لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ في المِيزانِ. والمَقْصُودُ عَدَمُ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ بِآلَةٍ أوْ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ٥١٤
والعِيشَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ العَيْشِ كالخِيفَةِ اسْمٌ لِلْخَوْفِ، أيْ: في حَياةٍ.
ووَصْفُ الحَياةِ بِـ (راضِيَةٍ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الرّاضِيَ صاحِبَها راضٍ بِها، فَوُصِفَتْ بِهِ العِيشَةُ لِأنَّها سَبَبُ الرِّضى أوْ زَمانُ الرِّضى.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ إخْبارٌ عَنْهُ بِالشَّقاءِ وسُوءِ الحالِ، فالأُمُّ هَنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها. وهاوِيَةٌ: هالِكَةٌ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَئِذٍ بِحالِ الهالِكِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ العَرَبَ يُكَنُّونَ عَنْ حالِ المَرْءِ بِحالِ أُمِّهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ؛ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِها ابْنَها، فَهي أشَدُّ سُرُورًا بِسُرُورِهِ وأشَدُّ حُزْنًا بِما يُحْزِنُهُ. صَلّى أعْرابِيٌّ وراءَ إمامٍ فَقَرَأ الإمامُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إبْراهِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ زَيّابَةَ حِينَ تَهَدَّدَهُ الحارِثُ بْنُ هَمّامٍ الشَّيْبانِيُّ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
ويَقُولُونَ في الشَّرِّ: هَوَتْ أُمُّهُ، أيْ: أصابَهُ ما تَهْلَكُ بِهِ أُمُّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، في الدُّعاءِ، ومِنهُ ما يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ وأصْلُهُ الدُّعاءُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ في رِثاءِ أخِيهِ أبِي المِغْوارِ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ
أيْ: ماذا يَبْعَثُ الصُّبْحُ مِنهُ غادِيًا وما يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ غانِمًا، وحُذِفَ مِنهُ في المَوْضِعَيْنِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ رَفْعِ الصُّبْحِ واللَّيْلِ وذِكْرِ: غادِيًا ويَئُوبُ، و(مِنَ) المُقَدَّرَةُ تَجْرِيدِيَّةٌ، فالكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ مِثْلَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا.
فاسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ حالِ الهَلاكِ وسُوءِ المَصِيرِ في الحالِ المُشَبَّهَةِ بِحالِ الهَلاكِ، ورَمَزَ إلى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ المُرَكَّبِ، كَما تُضْرَبُ الأمْثالُ السّائِرَةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُمُّهُ) مُسْتَعارًا لِمَقَرِّهِ ومَآلِهِ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْهِ كَما يَأْوِي الطِّفْلُ إلى أُمِّهِ.
و(هاوِيَةٌ) المَكانُ المُنْخَفِضُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي إذا سَقَطَ فِيهِ إنْسانٌ أوْ دابَّةٌ هَلَكَ. يُقالُ سَقَطَ في الهاوِيَةِ.
وأُرِيدَ بِها جَهَنَّمُ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أيْ: فَمَأْواهُ جَهَنَّمُ.
صفحة ٥١٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمُّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أُمُّ رَأْسِهِ، أيْ: هَلَكَ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ تَهْوِيلٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وضَمِيرُ (هِيَهْ) عائِدٌ إلى (هاوِيَةٌ)، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، إذْ مُعادُ الضَّمِيرِ وصْفُ هالِكَةٍ، والمُرادُ مِنهُ اسْمُ جَهَنَّمَ، كَما في قَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ المُلَقَّبِ مُعَوِّذَ الحُكَماءِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى (هاوِيَةٌ) وفُسِّرَتْ بِأنَّها قَعْرُ جَهَنَّمَ.
وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَكُونُ في (هِيَهْ) اسْتِخْدامٌ أيْضًا كالوَجْهِ الأوَّلِ.
والهاءُ الَّتِي لَحِقَتْ ياءَ (هي) هاءُ السَّكْتِ، هي هاءٌ تُجْلَبُ لِأجْلِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْهِ، فَمِنهُ تَخْفِيفٌ واجِبٌ تُجْلَبُ لَهُ هاءُ السَّكْتِ لُزُومًا، وبَعْضُهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِلازِمٍ وذَلِكَ في كُلِّ اسْمٍ أوْ حَرْفٍ بِآخِرِهِ حَرَكَةُ بِناءٍ دائِمَةٌ مِثْلَ: هو، وهي، وكَيْفَ، وثُمَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وجُمْهُورُ القُرّاءِ أثْبَتُوا النُّطْقَ بِهَذِهِ الهاءِ في حالَتَيِ الوَقْفِ والوَصْلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾، والمَعْنى: هي نارٌ حامِيَةٌ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ووَصْفُ (نارٌ) بِـ (حامِيَةٌ) مِن قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِأنَّ النّارَ لا تَخْلُو عَنِ الحَمْيِ فَوَصْفُها بِهِ وصْفًا بِما هو مَعْنى لَفْظِ (نارٌ) فَكانَ كَذِكْرِ المُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] .
* * *
صفحة ٥١٦
صفحة ٥١٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّكاثُرِ
قالَ الآلُوسِيُّ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمُّونَها (المَقْبَرَةَ) اهـ.
وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ التَّكاثُرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وهي كَذَلِكَ مُعَنْوَنَةٌ في بَعْضِ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِالقَيْرَوانِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ (سُورَةَ ألْهاكم) وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ لا أعْلَمُ فِيها خِلافًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في مُفاخَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ في الإسْلامِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا، وكانُوا مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ ولِأنَّ قُبُورَ أسْلافِهِمْ بِمَكَّةَ.
وفِي الإتْقانِ: المُخْتارُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. قالَ: ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ تَفاخَرُوا، وما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولَنْ يَمْلَأ فاهَهُ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» . قالَ أُبَيٌّ: كُنّا نَرى هَذا مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) اهـ. يُرِيدُ المُسْتَدِلُّ بِهَذا أنَّ أُبَيًّا أنْصارِيٌ وأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١])، أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَعُدُّونَ (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ. . . إلَخْ مِنَ القُرْآنِ) ولَيْسَ في كَلامِ أُبَيٍّ دَلِيلٌ ناهِضٌ، إذْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِضَمِيرِ (كُنّا) المُسْلِمِينَ، أيْ: كانَ مَن سَبْقَ مِنهم يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّكاثُرِ وبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
صفحة ٥١٨
والَّذِي يَظْهَرُ مِن مَعانِي السُّورَةِ وغِلْظَةِ وعِيدِها أنَّها مَكِّيَّةٌ، وأنَّ المُخاطَبَ بِها فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيها لا يَلِيقُ بِالمُسْلِمِينَ أيّامَئِذٍ.
وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوَيُّ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والقُرْطُبِيِّ عَنْهُما وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ مِن قُرَيْشٍ تَفاخَرُوا فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ مِن أيِّهِمْ أكْثَرُ عَدَدًا، فَكَثُرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ بِثَلاثَةِ أبْياتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرَيْدَةَ الجَرْمِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: بَنِي حارِثَةَ، وبَنِي الحارِثِ، تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا بِالأحْياءِ، ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ، تُشِيرُ إلى القَبْرِ. ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) .
وقَدْ عُدَّتِ السّادِسَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، ونَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَوْثَرِ وقَبْلَ سُورَةِ الماعُونِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.
وعَدَدُ آيَتِها ثَمانٍ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى التَّوْبِيخِ عَلى اللَّهْوِ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ بِإيثارِ المالِ والتَّكاثُرِ بِهِ والتَّفاخُرِ بِالأسْلافِ وعَدَمِ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرُوا في القُبُورِ كَما صارَ مَن كانَ قَبْلَهم وعَلى الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ.
وحَثَّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيما يُنْجِيهِمْ مِنَ الجَحِيمِ.
وأنَّهم مَبْعُوثُونَ ومَسْئُولُونَ عَنْ إهْمالِ شُكْرِ المُنْعِمِ العَظِيمِ.
القارعة 101:7
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٦ ] ﴿فَهْوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٨ ] ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [ ٩ ] ﴿وما أدْريكَ ما هِيَهْ﴾ [ ١٠ ] ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [ ١١ ] )
تَفْصِيلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] مِن إجْمالِ حالِ النّاسِ حِينَئِذٍ، فَذَلِكَ هو المَقْصُودُ بِذِكْرِ اسْمِ النّاسِ الشّامِلِ لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاءِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْصِيلُهُ بِحالَيْنِ: حالٍ حَسَنٍ وحالٍ فَظِيعٍ.
وثِقَلُ المَوازِينِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِمَحَلِّ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِكَثْرَةِ حَسَناتِهِ؛ لِأنَّ ثِقَلَ المِيزانِ يَسْتَلْزِمُ ثِقْلَ المَوْزُونِ، وإنَّما تُوزَنُ الأشْياءُ المَرْغُوبُ في اقْتِنائِها، وقَدْ شاعَ عِنْدَ العَرَبِ الكِنايَةُ عَنِ الفَضْلِ والشَّرَفِ وأصالَةِ الرَّأْيِ بِالوَزْنِ ونَحْوِهِ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَقُولُونَ: فُلانٌ لا يُقامُ لَهُ وزْنٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقالَ النّابِغَةُ:
ومِيزانُهُ في سُورَةِ المَجْدِ ماتِعٌ
أيْ: راجِحٌ وهَذا مُتَبادِرٌ في العَرَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ في الآيَةِ بِذِكْرِ ما يُثَقِّلُ المَوازِينَ لِظُهُورِ أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ.
وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ المِيزانِ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ: لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ في المِيزانِ. والمَقْصُودُ عَدَمُ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ بِآلَةٍ أوْ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ٥١٤
والعِيشَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ العَيْشِ كالخِيفَةِ اسْمٌ لِلْخَوْفِ، أيْ: في حَياةٍ.
ووَصْفُ الحَياةِ بِـ (راضِيَةٍ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الرّاضِيَ صاحِبَها راضٍ بِها، فَوُصِفَتْ بِهِ العِيشَةُ لِأنَّها سَبَبُ الرِّضى أوْ زَمانُ الرِّضى.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ إخْبارٌ عَنْهُ بِالشَّقاءِ وسُوءِ الحالِ، فالأُمُّ هَنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها. وهاوِيَةٌ: هالِكَةٌ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَئِذٍ بِحالِ الهالِكِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ العَرَبَ يُكَنُّونَ عَنْ حالِ المَرْءِ بِحالِ أُمِّهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ؛ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِها ابْنَها، فَهي أشَدُّ سُرُورًا بِسُرُورِهِ وأشَدُّ حُزْنًا بِما يُحْزِنُهُ. صَلّى أعْرابِيٌّ وراءَ إمامٍ فَقَرَأ الإمامُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إبْراهِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ زَيّابَةَ حِينَ تَهَدَّدَهُ الحارِثُ بْنُ هَمّامٍ الشَّيْبانِيُّ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
ويَقُولُونَ في الشَّرِّ: هَوَتْ أُمُّهُ، أيْ: أصابَهُ ما تَهْلَكُ بِهِ أُمُّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، في الدُّعاءِ، ومِنهُ ما يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ وأصْلُهُ الدُّعاءُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ في رِثاءِ أخِيهِ أبِي المِغْوارِ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ
أيْ: ماذا يَبْعَثُ الصُّبْحُ مِنهُ غادِيًا وما يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ غانِمًا، وحُذِفَ مِنهُ في المَوْضِعَيْنِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ رَفْعِ الصُّبْحِ واللَّيْلِ وذِكْرِ: غادِيًا ويَئُوبُ، و(مِنَ) المُقَدَّرَةُ تَجْرِيدِيَّةٌ، فالكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ مِثْلَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا.
فاسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ حالِ الهَلاكِ وسُوءِ المَصِيرِ في الحالِ المُشَبَّهَةِ بِحالِ الهَلاكِ، ورَمَزَ إلى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ المُرَكَّبِ، كَما تُضْرَبُ الأمْثالُ السّائِرَةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُمُّهُ) مُسْتَعارًا لِمَقَرِّهِ ومَآلِهِ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْهِ كَما يَأْوِي الطِّفْلُ إلى أُمِّهِ.
و(هاوِيَةٌ) المَكانُ المُنْخَفِضُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي إذا سَقَطَ فِيهِ إنْسانٌ أوْ دابَّةٌ هَلَكَ. يُقالُ سَقَطَ في الهاوِيَةِ.
وأُرِيدَ بِها جَهَنَّمُ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أيْ: فَمَأْواهُ جَهَنَّمُ.
صفحة ٥١٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمُّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أُمُّ رَأْسِهِ، أيْ: هَلَكَ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ تَهْوِيلٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وضَمِيرُ (هِيَهْ) عائِدٌ إلى (هاوِيَةٌ)، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، إذْ مُعادُ الضَّمِيرِ وصْفُ هالِكَةٍ، والمُرادُ مِنهُ اسْمُ جَهَنَّمَ، كَما في قَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ المُلَقَّبِ مُعَوِّذَ الحُكَماءِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى (هاوِيَةٌ) وفُسِّرَتْ بِأنَّها قَعْرُ جَهَنَّمَ.
وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَكُونُ في (هِيَهْ) اسْتِخْدامٌ أيْضًا كالوَجْهِ الأوَّلِ.
والهاءُ الَّتِي لَحِقَتْ ياءَ (هي) هاءُ السَّكْتِ، هي هاءٌ تُجْلَبُ لِأجْلِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْهِ، فَمِنهُ تَخْفِيفٌ واجِبٌ تُجْلَبُ لَهُ هاءُ السَّكْتِ لُزُومًا، وبَعْضُهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِلازِمٍ وذَلِكَ في كُلِّ اسْمٍ أوْ حَرْفٍ بِآخِرِهِ حَرَكَةُ بِناءٍ دائِمَةٌ مِثْلَ: هو، وهي، وكَيْفَ، وثُمَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وجُمْهُورُ القُرّاءِ أثْبَتُوا النُّطْقَ بِهَذِهِ الهاءِ في حالَتَيِ الوَقْفِ والوَصْلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾، والمَعْنى: هي نارٌ حامِيَةٌ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ووَصْفُ (نارٌ) بِـ (حامِيَةٌ) مِن قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِأنَّ النّارَ لا تَخْلُو عَنِ الحَمْيِ فَوَصْفُها بِهِ وصْفًا بِما هو مَعْنى لَفْظِ (نارٌ) فَكانَ كَذِكْرِ المُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] .
* * *
صفحة ٥١٦
صفحة ٥١٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّكاثُرِ
قالَ الآلُوسِيُّ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمُّونَها (المَقْبَرَةَ) اهـ.
وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ التَّكاثُرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وهي كَذَلِكَ مُعَنْوَنَةٌ في بَعْضِ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِالقَيْرَوانِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ (سُورَةَ ألْهاكم) وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ لا أعْلَمُ فِيها خِلافًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في مُفاخَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ في الإسْلامِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا، وكانُوا مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ ولِأنَّ قُبُورَ أسْلافِهِمْ بِمَكَّةَ.
وفِي الإتْقانِ: المُخْتارُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. قالَ: ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ تَفاخَرُوا، وما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولَنْ يَمْلَأ فاهَهُ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» . قالَ أُبَيٌّ: كُنّا نَرى هَذا مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) اهـ. يُرِيدُ المُسْتَدِلُّ بِهَذا أنَّ أُبَيًّا أنْصارِيٌ وأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١])، أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَعُدُّونَ (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ. . . إلَخْ مِنَ القُرْآنِ) ولَيْسَ في كَلامِ أُبَيٍّ دَلِيلٌ ناهِضٌ، إذْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِضَمِيرِ (كُنّا) المُسْلِمِينَ، أيْ: كانَ مَن سَبْقَ مِنهم يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّكاثُرِ وبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
صفحة ٥١٨
والَّذِي يَظْهَرُ مِن مَعانِي السُّورَةِ وغِلْظَةِ وعِيدِها أنَّها مَكِّيَّةٌ، وأنَّ المُخاطَبَ بِها فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيها لا يَلِيقُ بِالمُسْلِمِينَ أيّامَئِذٍ.
وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوَيُّ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والقُرْطُبِيِّ عَنْهُما وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ مِن قُرَيْشٍ تَفاخَرُوا فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ مِن أيِّهِمْ أكْثَرُ عَدَدًا، فَكَثُرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ بِثَلاثَةِ أبْياتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرَيْدَةَ الجَرْمِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: بَنِي حارِثَةَ، وبَنِي الحارِثِ، تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا بِالأحْياءِ، ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ، تُشِيرُ إلى القَبْرِ. ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) .
وقَدْ عُدَّتِ السّادِسَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، ونَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَوْثَرِ وقَبْلَ سُورَةِ الماعُونِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.
وعَدَدُ آيَتِها ثَمانٍ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى التَّوْبِيخِ عَلى اللَّهْوِ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ بِإيثارِ المالِ والتَّكاثُرِ بِهِ والتَّفاخُرِ بِالأسْلافِ وعَدَمِ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرُوا في القُبُورِ كَما صارَ مَن كانَ قَبْلَهم وعَلى الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ.
وحَثَّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيما يُنْجِيهِمْ مِنَ الجَحِيمِ.
وأنَّهم مَبْعُوثُونَ ومَسْئُولُونَ عَنْ إهْمالِ شُكْرِ المُنْعِمِ العَظِيمِ.
القارعة 101:8
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٦ ] ﴿فَهْوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٨ ] ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [ ٩ ] ﴿وما أدْريكَ ما هِيَهْ﴾ [ ١٠ ] ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [ ١١ ] )
تَفْصِيلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] مِن إجْمالِ حالِ النّاسِ حِينَئِذٍ، فَذَلِكَ هو المَقْصُودُ بِذِكْرِ اسْمِ النّاسِ الشّامِلِ لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاءِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْصِيلُهُ بِحالَيْنِ: حالٍ حَسَنٍ وحالٍ فَظِيعٍ.
وثِقَلُ المَوازِينِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِمَحَلِّ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِكَثْرَةِ حَسَناتِهِ؛ لِأنَّ ثِقَلَ المِيزانِ يَسْتَلْزِمُ ثِقْلَ المَوْزُونِ، وإنَّما تُوزَنُ الأشْياءُ المَرْغُوبُ في اقْتِنائِها، وقَدْ شاعَ عِنْدَ العَرَبِ الكِنايَةُ عَنِ الفَضْلِ والشَّرَفِ وأصالَةِ الرَّأْيِ بِالوَزْنِ ونَحْوِهِ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَقُولُونَ: فُلانٌ لا يُقامُ لَهُ وزْنٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقالَ النّابِغَةُ:
ومِيزانُهُ في سُورَةِ المَجْدِ ماتِعٌ
أيْ: راجِحٌ وهَذا مُتَبادِرٌ في العَرَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ في الآيَةِ بِذِكْرِ ما يُثَقِّلُ المَوازِينَ لِظُهُورِ أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ.
وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ المِيزانِ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ: لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ في المِيزانِ. والمَقْصُودُ عَدَمُ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ بِآلَةٍ أوْ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ٥١٤
والعِيشَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ العَيْشِ كالخِيفَةِ اسْمٌ لِلْخَوْفِ، أيْ: في حَياةٍ.
ووَصْفُ الحَياةِ بِـ (راضِيَةٍ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الرّاضِيَ صاحِبَها راضٍ بِها، فَوُصِفَتْ بِهِ العِيشَةُ لِأنَّها سَبَبُ الرِّضى أوْ زَمانُ الرِّضى.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ إخْبارٌ عَنْهُ بِالشَّقاءِ وسُوءِ الحالِ، فالأُمُّ هَنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها. وهاوِيَةٌ: هالِكَةٌ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَئِذٍ بِحالِ الهالِكِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ العَرَبَ يُكَنُّونَ عَنْ حالِ المَرْءِ بِحالِ أُمِّهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ؛ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِها ابْنَها، فَهي أشَدُّ سُرُورًا بِسُرُورِهِ وأشَدُّ حُزْنًا بِما يُحْزِنُهُ. صَلّى أعْرابِيٌّ وراءَ إمامٍ فَقَرَأ الإمامُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إبْراهِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ زَيّابَةَ حِينَ تَهَدَّدَهُ الحارِثُ بْنُ هَمّامٍ الشَّيْبانِيُّ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
ويَقُولُونَ في الشَّرِّ: هَوَتْ أُمُّهُ، أيْ: أصابَهُ ما تَهْلَكُ بِهِ أُمُّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، في الدُّعاءِ، ومِنهُ ما يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ وأصْلُهُ الدُّعاءُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ في رِثاءِ أخِيهِ أبِي المِغْوارِ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ
أيْ: ماذا يَبْعَثُ الصُّبْحُ مِنهُ غادِيًا وما يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ غانِمًا، وحُذِفَ مِنهُ في المَوْضِعَيْنِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ رَفْعِ الصُّبْحِ واللَّيْلِ وذِكْرِ: غادِيًا ويَئُوبُ، و(مِنَ) المُقَدَّرَةُ تَجْرِيدِيَّةٌ، فالكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ مِثْلَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا.
فاسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ حالِ الهَلاكِ وسُوءِ المَصِيرِ في الحالِ المُشَبَّهَةِ بِحالِ الهَلاكِ، ورَمَزَ إلى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ المُرَكَّبِ، كَما تُضْرَبُ الأمْثالُ السّائِرَةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُمُّهُ) مُسْتَعارًا لِمَقَرِّهِ ومَآلِهِ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْهِ كَما يَأْوِي الطِّفْلُ إلى أُمِّهِ.
و(هاوِيَةٌ) المَكانُ المُنْخَفِضُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي إذا سَقَطَ فِيهِ إنْسانٌ أوْ دابَّةٌ هَلَكَ. يُقالُ سَقَطَ في الهاوِيَةِ.
وأُرِيدَ بِها جَهَنَّمُ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أيْ: فَمَأْواهُ جَهَنَّمُ.
صفحة ٥١٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمُّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أُمُّ رَأْسِهِ، أيْ: هَلَكَ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ تَهْوِيلٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وضَمِيرُ (هِيَهْ) عائِدٌ إلى (هاوِيَةٌ)، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، إذْ مُعادُ الضَّمِيرِ وصْفُ هالِكَةٍ، والمُرادُ مِنهُ اسْمُ جَهَنَّمَ، كَما في قَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ المُلَقَّبِ مُعَوِّذَ الحُكَماءِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى (هاوِيَةٌ) وفُسِّرَتْ بِأنَّها قَعْرُ جَهَنَّمَ.
وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَكُونُ في (هِيَهْ) اسْتِخْدامٌ أيْضًا كالوَجْهِ الأوَّلِ.
والهاءُ الَّتِي لَحِقَتْ ياءَ (هي) هاءُ السَّكْتِ، هي هاءٌ تُجْلَبُ لِأجْلِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْهِ، فَمِنهُ تَخْفِيفٌ واجِبٌ تُجْلَبُ لَهُ هاءُ السَّكْتِ لُزُومًا، وبَعْضُهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِلازِمٍ وذَلِكَ في كُلِّ اسْمٍ أوْ حَرْفٍ بِآخِرِهِ حَرَكَةُ بِناءٍ دائِمَةٌ مِثْلَ: هو، وهي، وكَيْفَ، وثُمَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وجُمْهُورُ القُرّاءِ أثْبَتُوا النُّطْقَ بِهَذِهِ الهاءِ في حالَتَيِ الوَقْفِ والوَصْلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾، والمَعْنى: هي نارٌ حامِيَةٌ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ووَصْفُ (نارٌ) بِـ (حامِيَةٌ) مِن قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِأنَّ النّارَ لا تَخْلُو عَنِ الحَمْيِ فَوَصْفُها بِهِ وصْفًا بِما هو مَعْنى لَفْظِ (نارٌ) فَكانَ كَذِكْرِ المُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] .
* * *
صفحة ٥١٦
صفحة ٥١٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّكاثُرِ
قالَ الآلُوسِيُّ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمُّونَها (المَقْبَرَةَ) اهـ.
وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ التَّكاثُرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وهي كَذَلِكَ مُعَنْوَنَةٌ في بَعْضِ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِالقَيْرَوانِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ (سُورَةَ ألْهاكم) وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ لا أعْلَمُ فِيها خِلافًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في مُفاخَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ في الإسْلامِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا، وكانُوا مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ ولِأنَّ قُبُورَ أسْلافِهِمْ بِمَكَّةَ.
وفِي الإتْقانِ: المُخْتارُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. قالَ: ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ تَفاخَرُوا، وما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولَنْ يَمْلَأ فاهَهُ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» . قالَ أُبَيٌّ: كُنّا نَرى هَذا مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) اهـ. يُرِيدُ المُسْتَدِلُّ بِهَذا أنَّ أُبَيًّا أنْصارِيٌ وأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١])، أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَعُدُّونَ (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ. . . إلَخْ مِنَ القُرْآنِ) ولَيْسَ في كَلامِ أُبَيٍّ دَلِيلٌ ناهِضٌ، إذْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِضَمِيرِ (كُنّا) المُسْلِمِينَ، أيْ: كانَ مَن سَبْقَ مِنهم يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّكاثُرِ وبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
صفحة ٥١٨
والَّذِي يَظْهَرُ مِن مَعانِي السُّورَةِ وغِلْظَةِ وعِيدِها أنَّها مَكِّيَّةٌ، وأنَّ المُخاطَبَ بِها فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيها لا يَلِيقُ بِالمُسْلِمِينَ أيّامَئِذٍ.
وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوَيُّ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والقُرْطُبِيِّ عَنْهُما وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ مِن قُرَيْشٍ تَفاخَرُوا فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ مِن أيِّهِمْ أكْثَرُ عَدَدًا، فَكَثُرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ بِثَلاثَةِ أبْياتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرَيْدَةَ الجَرْمِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: بَنِي حارِثَةَ، وبَنِي الحارِثِ، تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا بِالأحْياءِ، ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ، تُشِيرُ إلى القَبْرِ. ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) .
وقَدْ عُدَّتِ السّادِسَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، ونَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَوْثَرِ وقَبْلَ سُورَةِ الماعُونِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.
وعَدَدُ آيَتِها ثَمانٍ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى التَّوْبِيخِ عَلى اللَّهْوِ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ بِإيثارِ المالِ والتَّكاثُرِ بِهِ والتَّفاخُرِ بِالأسْلافِ وعَدَمِ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرُوا في القُبُورِ كَما صارَ مَن كانَ قَبْلَهم وعَلى الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ.
وحَثَّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيما يُنْجِيهِمْ مِنَ الجَحِيمِ.
وأنَّهم مَبْعُوثُونَ ومَسْئُولُونَ عَنْ إهْمالِ شُكْرِ المُنْعِمِ العَظِيمِ.
القارعة 101:9
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٦ ] ﴿فَهْوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٨ ] ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [ ٩ ] ﴿وما أدْريكَ ما هِيَهْ﴾ [ ١٠ ] ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [ ١١ ] )
تَفْصِيلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] مِن إجْمالِ حالِ النّاسِ حِينَئِذٍ، فَذَلِكَ هو المَقْصُودُ بِذِكْرِ اسْمِ النّاسِ الشّامِلِ لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاءِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْصِيلُهُ بِحالَيْنِ: حالٍ حَسَنٍ وحالٍ فَظِيعٍ.
وثِقَلُ المَوازِينِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِمَحَلِّ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِكَثْرَةِ حَسَناتِهِ؛ لِأنَّ ثِقَلَ المِيزانِ يَسْتَلْزِمُ ثِقْلَ المَوْزُونِ، وإنَّما تُوزَنُ الأشْياءُ المَرْغُوبُ في اقْتِنائِها، وقَدْ شاعَ عِنْدَ العَرَبِ الكِنايَةُ عَنِ الفَضْلِ والشَّرَفِ وأصالَةِ الرَّأْيِ بِالوَزْنِ ونَحْوِهِ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَقُولُونَ: فُلانٌ لا يُقامُ لَهُ وزْنٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقالَ النّابِغَةُ:
ومِيزانُهُ في سُورَةِ المَجْدِ ماتِعٌ
أيْ: راجِحٌ وهَذا مُتَبادِرٌ في العَرَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ في الآيَةِ بِذِكْرِ ما يُثَقِّلُ المَوازِينَ لِظُهُورِ أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ.
وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ المِيزانِ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ: لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ في المِيزانِ. والمَقْصُودُ عَدَمُ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ بِآلَةٍ أوْ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ٥١٤
والعِيشَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ العَيْشِ كالخِيفَةِ اسْمٌ لِلْخَوْفِ، أيْ: في حَياةٍ.
ووَصْفُ الحَياةِ بِـ (راضِيَةٍ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الرّاضِيَ صاحِبَها راضٍ بِها، فَوُصِفَتْ بِهِ العِيشَةُ لِأنَّها سَبَبُ الرِّضى أوْ زَمانُ الرِّضى.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ إخْبارٌ عَنْهُ بِالشَّقاءِ وسُوءِ الحالِ، فالأُمُّ هَنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها. وهاوِيَةٌ: هالِكَةٌ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَئِذٍ بِحالِ الهالِكِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ العَرَبَ يُكَنُّونَ عَنْ حالِ المَرْءِ بِحالِ أُمِّهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ؛ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِها ابْنَها، فَهي أشَدُّ سُرُورًا بِسُرُورِهِ وأشَدُّ حُزْنًا بِما يُحْزِنُهُ. صَلّى أعْرابِيٌّ وراءَ إمامٍ فَقَرَأ الإمامُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إبْراهِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ زَيّابَةَ حِينَ تَهَدَّدَهُ الحارِثُ بْنُ هَمّامٍ الشَّيْبانِيُّ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
ويَقُولُونَ في الشَّرِّ: هَوَتْ أُمُّهُ، أيْ: أصابَهُ ما تَهْلَكُ بِهِ أُمُّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، في الدُّعاءِ، ومِنهُ ما يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ وأصْلُهُ الدُّعاءُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ في رِثاءِ أخِيهِ أبِي المِغْوارِ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ
أيْ: ماذا يَبْعَثُ الصُّبْحُ مِنهُ غادِيًا وما يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ غانِمًا، وحُذِفَ مِنهُ في المَوْضِعَيْنِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ رَفْعِ الصُّبْحِ واللَّيْلِ وذِكْرِ: غادِيًا ويَئُوبُ، و(مِنَ) المُقَدَّرَةُ تَجْرِيدِيَّةٌ، فالكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ مِثْلَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا.
فاسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ حالِ الهَلاكِ وسُوءِ المَصِيرِ في الحالِ المُشَبَّهَةِ بِحالِ الهَلاكِ، ورَمَزَ إلى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ المُرَكَّبِ، كَما تُضْرَبُ الأمْثالُ السّائِرَةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُمُّهُ) مُسْتَعارًا لِمَقَرِّهِ ومَآلِهِ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْهِ كَما يَأْوِي الطِّفْلُ إلى أُمِّهِ.
و(هاوِيَةٌ) المَكانُ المُنْخَفِضُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي إذا سَقَطَ فِيهِ إنْسانٌ أوْ دابَّةٌ هَلَكَ. يُقالُ سَقَطَ في الهاوِيَةِ.
وأُرِيدَ بِها جَهَنَّمُ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أيْ: فَمَأْواهُ جَهَنَّمُ.
صفحة ٥١٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمُّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أُمُّ رَأْسِهِ، أيْ: هَلَكَ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ تَهْوِيلٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وضَمِيرُ (هِيَهْ) عائِدٌ إلى (هاوِيَةٌ)، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، إذْ مُعادُ الضَّمِيرِ وصْفُ هالِكَةٍ، والمُرادُ مِنهُ اسْمُ جَهَنَّمَ، كَما في قَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ المُلَقَّبِ مُعَوِّذَ الحُكَماءِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى (هاوِيَةٌ) وفُسِّرَتْ بِأنَّها قَعْرُ جَهَنَّمَ.
وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَكُونُ في (هِيَهْ) اسْتِخْدامٌ أيْضًا كالوَجْهِ الأوَّلِ.
والهاءُ الَّتِي لَحِقَتْ ياءَ (هي) هاءُ السَّكْتِ، هي هاءٌ تُجْلَبُ لِأجْلِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْهِ، فَمِنهُ تَخْفِيفٌ واجِبٌ تُجْلَبُ لَهُ هاءُ السَّكْتِ لُزُومًا، وبَعْضُهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِلازِمٍ وذَلِكَ في كُلِّ اسْمٍ أوْ حَرْفٍ بِآخِرِهِ حَرَكَةُ بِناءٍ دائِمَةٌ مِثْلَ: هو، وهي، وكَيْفَ، وثُمَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وجُمْهُورُ القُرّاءِ أثْبَتُوا النُّطْقَ بِهَذِهِ الهاءِ في حالَتَيِ الوَقْفِ والوَصْلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾، والمَعْنى: هي نارٌ حامِيَةٌ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ووَصْفُ (نارٌ) بِـ (حامِيَةٌ) مِن قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِأنَّ النّارَ لا تَخْلُو عَنِ الحَمْيِ فَوَصْفُها بِهِ وصْفًا بِما هو مَعْنى لَفْظِ (نارٌ) فَكانَ كَذِكْرِ المُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] .
* * *
صفحة ٥١٦
صفحة ٥١٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّكاثُرِ
قالَ الآلُوسِيُّ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمُّونَها (المَقْبَرَةَ) اهـ.
وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ التَّكاثُرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وهي كَذَلِكَ مُعَنْوَنَةٌ في بَعْضِ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِالقَيْرَوانِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ (سُورَةَ ألْهاكم) وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ لا أعْلَمُ فِيها خِلافًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في مُفاخَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ في الإسْلامِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا، وكانُوا مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ ولِأنَّ قُبُورَ أسْلافِهِمْ بِمَكَّةَ.
وفِي الإتْقانِ: المُخْتارُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. قالَ: ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ تَفاخَرُوا، وما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولَنْ يَمْلَأ فاهَهُ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» . قالَ أُبَيٌّ: كُنّا نَرى هَذا مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) اهـ. يُرِيدُ المُسْتَدِلُّ بِهَذا أنَّ أُبَيًّا أنْصارِيٌ وأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١])، أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَعُدُّونَ (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ. . . إلَخْ مِنَ القُرْآنِ) ولَيْسَ في كَلامِ أُبَيٍّ دَلِيلٌ ناهِضٌ، إذْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِضَمِيرِ (كُنّا) المُسْلِمِينَ، أيْ: كانَ مَن سَبْقَ مِنهم يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّكاثُرِ وبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
صفحة ٥١٨
والَّذِي يَظْهَرُ مِن مَعانِي السُّورَةِ وغِلْظَةِ وعِيدِها أنَّها مَكِّيَّةٌ، وأنَّ المُخاطَبَ بِها فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيها لا يَلِيقُ بِالمُسْلِمِينَ أيّامَئِذٍ.
وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوَيُّ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والقُرْطُبِيِّ عَنْهُما وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ مِن قُرَيْشٍ تَفاخَرُوا فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ مِن أيِّهِمْ أكْثَرُ عَدَدًا، فَكَثُرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ بِثَلاثَةِ أبْياتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرَيْدَةَ الجَرْمِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: بَنِي حارِثَةَ، وبَنِي الحارِثِ، تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا بِالأحْياءِ، ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ، تُشِيرُ إلى القَبْرِ. ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) .
وقَدْ عُدَّتِ السّادِسَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، ونَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَوْثَرِ وقَبْلَ سُورَةِ الماعُونِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.
وعَدَدُ آيَتِها ثَمانٍ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى التَّوْبِيخِ عَلى اللَّهْوِ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ بِإيثارِ المالِ والتَّكاثُرِ بِهِ والتَّفاخُرِ بِالأسْلافِ وعَدَمِ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرُوا في القُبُورِ كَما صارَ مَن كانَ قَبْلَهم وعَلى الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ.
وحَثَّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيما يُنْجِيهِمْ مِنَ الجَحِيمِ.
وأنَّهم مَبْعُوثُونَ ومَسْئُولُونَ عَنْ إهْمالِ شُكْرِ المُنْعِمِ العَظِيمِ.
القارعة 101:10
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٦ ] ﴿فَهْوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٨ ] ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [ ٩ ] ﴿وما أدْريكَ ما هِيَهْ﴾ [ ١٠ ] ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [ ١١ ] )
تَفْصِيلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] مِن إجْمالِ حالِ النّاسِ حِينَئِذٍ، فَذَلِكَ هو المَقْصُودُ بِذِكْرِ اسْمِ النّاسِ الشّامِلِ لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاءِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْصِيلُهُ بِحالَيْنِ: حالٍ حَسَنٍ وحالٍ فَظِيعٍ.
وثِقَلُ المَوازِينِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِمَحَلِّ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِكَثْرَةِ حَسَناتِهِ؛ لِأنَّ ثِقَلَ المِيزانِ يَسْتَلْزِمُ ثِقْلَ المَوْزُونِ، وإنَّما تُوزَنُ الأشْياءُ المَرْغُوبُ في اقْتِنائِها، وقَدْ شاعَ عِنْدَ العَرَبِ الكِنايَةُ عَنِ الفَضْلِ والشَّرَفِ وأصالَةِ الرَّأْيِ بِالوَزْنِ ونَحْوِهِ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَقُولُونَ: فُلانٌ لا يُقامُ لَهُ وزْنٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقالَ النّابِغَةُ:
ومِيزانُهُ في سُورَةِ المَجْدِ ماتِعٌ
أيْ: راجِحٌ وهَذا مُتَبادِرٌ في العَرَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ في الآيَةِ بِذِكْرِ ما يُثَقِّلُ المَوازِينَ لِظُهُورِ أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ.
وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ المِيزانِ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ: لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ في المِيزانِ. والمَقْصُودُ عَدَمُ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ بِآلَةٍ أوْ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ٥١٤
والعِيشَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ العَيْشِ كالخِيفَةِ اسْمٌ لِلْخَوْفِ، أيْ: في حَياةٍ.
ووَصْفُ الحَياةِ بِـ (راضِيَةٍ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الرّاضِيَ صاحِبَها راضٍ بِها، فَوُصِفَتْ بِهِ العِيشَةُ لِأنَّها سَبَبُ الرِّضى أوْ زَمانُ الرِّضى.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ إخْبارٌ عَنْهُ بِالشَّقاءِ وسُوءِ الحالِ، فالأُمُّ هَنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها. وهاوِيَةٌ: هالِكَةٌ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَئِذٍ بِحالِ الهالِكِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ العَرَبَ يُكَنُّونَ عَنْ حالِ المَرْءِ بِحالِ أُمِّهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ؛ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِها ابْنَها، فَهي أشَدُّ سُرُورًا بِسُرُورِهِ وأشَدُّ حُزْنًا بِما يُحْزِنُهُ. صَلّى أعْرابِيٌّ وراءَ إمامٍ فَقَرَأ الإمامُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إبْراهِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ زَيّابَةَ حِينَ تَهَدَّدَهُ الحارِثُ بْنُ هَمّامٍ الشَّيْبانِيُّ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
ويَقُولُونَ في الشَّرِّ: هَوَتْ أُمُّهُ، أيْ: أصابَهُ ما تَهْلَكُ بِهِ أُمُّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، في الدُّعاءِ، ومِنهُ ما يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ وأصْلُهُ الدُّعاءُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ في رِثاءِ أخِيهِ أبِي المِغْوارِ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ
أيْ: ماذا يَبْعَثُ الصُّبْحُ مِنهُ غادِيًا وما يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ غانِمًا، وحُذِفَ مِنهُ في المَوْضِعَيْنِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ رَفْعِ الصُّبْحِ واللَّيْلِ وذِكْرِ: غادِيًا ويَئُوبُ، و(مِنَ) المُقَدَّرَةُ تَجْرِيدِيَّةٌ، فالكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ مِثْلَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا.
فاسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ حالِ الهَلاكِ وسُوءِ المَصِيرِ في الحالِ المُشَبَّهَةِ بِحالِ الهَلاكِ، ورَمَزَ إلى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ المُرَكَّبِ، كَما تُضْرَبُ الأمْثالُ السّائِرَةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُمُّهُ) مُسْتَعارًا لِمَقَرِّهِ ومَآلِهِ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْهِ كَما يَأْوِي الطِّفْلُ إلى أُمِّهِ.
و(هاوِيَةٌ) المَكانُ المُنْخَفِضُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي إذا سَقَطَ فِيهِ إنْسانٌ أوْ دابَّةٌ هَلَكَ. يُقالُ سَقَطَ في الهاوِيَةِ.
وأُرِيدَ بِها جَهَنَّمُ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أيْ: فَمَأْواهُ جَهَنَّمُ.
صفحة ٥١٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمُّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أُمُّ رَأْسِهِ، أيْ: هَلَكَ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ تَهْوِيلٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وضَمِيرُ (هِيَهْ) عائِدٌ إلى (هاوِيَةٌ)، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، إذْ مُعادُ الضَّمِيرِ وصْفُ هالِكَةٍ، والمُرادُ مِنهُ اسْمُ جَهَنَّمَ، كَما في قَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ المُلَقَّبِ مُعَوِّذَ الحُكَماءِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى (هاوِيَةٌ) وفُسِّرَتْ بِأنَّها قَعْرُ جَهَنَّمَ.
وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَكُونُ في (هِيَهْ) اسْتِخْدامٌ أيْضًا كالوَجْهِ الأوَّلِ.
والهاءُ الَّتِي لَحِقَتْ ياءَ (هي) هاءُ السَّكْتِ، هي هاءٌ تُجْلَبُ لِأجْلِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْهِ، فَمِنهُ تَخْفِيفٌ واجِبٌ تُجْلَبُ لَهُ هاءُ السَّكْتِ لُزُومًا، وبَعْضُهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِلازِمٍ وذَلِكَ في كُلِّ اسْمٍ أوْ حَرْفٍ بِآخِرِهِ حَرَكَةُ بِناءٍ دائِمَةٌ مِثْلَ: هو، وهي، وكَيْفَ، وثُمَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وجُمْهُورُ القُرّاءِ أثْبَتُوا النُّطْقَ بِهَذِهِ الهاءِ في حالَتَيِ الوَقْفِ والوَصْلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾، والمَعْنى: هي نارٌ حامِيَةٌ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ووَصْفُ (نارٌ) بِـ (حامِيَةٌ) مِن قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِأنَّ النّارَ لا تَخْلُو عَنِ الحَمْيِ فَوَصْفُها بِهِ وصْفًا بِما هو مَعْنى لَفْظِ (نارٌ) فَكانَ كَذِكْرِ المُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] .
* * *
صفحة ٥١٦
صفحة ٥١٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّكاثُرِ
قالَ الآلُوسِيُّ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمُّونَها (المَقْبَرَةَ) اهـ.
وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ التَّكاثُرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وهي كَذَلِكَ مُعَنْوَنَةٌ في بَعْضِ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِالقَيْرَوانِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ (سُورَةَ ألْهاكم) وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ لا أعْلَمُ فِيها خِلافًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في مُفاخَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ في الإسْلامِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا، وكانُوا مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ ولِأنَّ قُبُورَ أسْلافِهِمْ بِمَكَّةَ.
وفِي الإتْقانِ: المُخْتارُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. قالَ: ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ تَفاخَرُوا، وما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولَنْ يَمْلَأ فاهَهُ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» . قالَ أُبَيٌّ: كُنّا نَرى هَذا مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) اهـ. يُرِيدُ المُسْتَدِلُّ بِهَذا أنَّ أُبَيًّا أنْصارِيٌ وأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١])، أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَعُدُّونَ (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ. . . إلَخْ مِنَ القُرْآنِ) ولَيْسَ في كَلامِ أُبَيٍّ دَلِيلٌ ناهِضٌ، إذْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِضَمِيرِ (كُنّا) المُسْلِمِينَ، أيْ: كانَ مَن سَبْقَ مِنهم يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّكاثُرِ وبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
صفحة ٥١٨
والَّذِي يَظْهَرُ مِن مَعانِي السُّورَةِ وغِلْظَةِ وعِيدِها أنَّها مَكِّيَّةٌ، وأنَّ المُخاطَبَ بِها فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيها لا يَلِيقُ بِالمُسْلِمِينَ أيّامَئِذٍ.
وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوَيُّ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والقُرْطُبِيِّ عَنْهُما وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ مِن قُرَيْشٍ تَفاخَرُوا فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ مِن أيِّهِمْ أكْثَرُ عَدَدًا، فَكَثُرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ بِثَلاثَةِ أبْياتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرَيْدَةَ الجَرْمِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: بَنِي حارِثَةَ، وبَنِي الحارِثِ، تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا بِالأحْياءِ، ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ، تُشِيرُ إلى القَبْرِ. ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) .
وقَدْ عُدَّتِ السّادِسَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، ونَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَوْثَرِ وقَبْلَ سُورَةِ الماعُونِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.
وعَدَدُ آيَتِها ثَمانٍ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى التَّوْبِيخِ عَلى اللَّهْوِ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ بِإيثارِ المالِ والتَّكاثُرِ بِهِ والتَّفاخُرِ بِالأسْلافِ وعَدَمِ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرُوا في القُبُورِ كَما صارَ مَن كانَ قَبْلَهم وعَلى الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ.
وحَثَّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيما يُنْجِيهِمْ مِنَ الجَحِيمِ.
وأنَّهم مَبْعُوثُونَ ومَسْئُولُونَ عَنْ إهْمالِ شُكْرِ المُنْعِمِ العَظِيمِ.
القارعة 101:11
﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٦ ] ﴿فَهْوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [ ٨ ] ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ [ ٩ ] ﴿وما أدْريكَ ما هِيَهْ﴾ [ ١٠ ] ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [ ١١ ] )
تَفْصِيلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] مِن إجْمالِ حالِ النّاسِ حِينَئِذٍ، فَذَلِكَ هو المَقْصُودُ بِذِكْرِ اسْمِ النّاسِ الشّامِلِ لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاءِ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفْصِيلُهُ بِحالَيْنِ: حالٍ حَسَنٍ وحالٍ فَظِيعٍ.
وثِقَلُ المَوازِينِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِمَحَلِّ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى لِكَثْرَةِ حَسَناتِهِ؛ لِأنَّ ثِقَلَ المِيزانِ يَسْتَلْزِمُ ثِقْلَ المَوْزُونِ، وإنَّما تُوزَنُ الأشْياءُ المَرْغُوبُ في اقْتِنائِها، وقَدْ شاعَ عِنْدَ العَرَبِ الكِنايَةُ عَنِ الفَضْلِ والشَّرَفِ وأصالَةِ الرَّأْيِ بِالوَزْنِ ونَحْوِهِ، وبِضِدِّ ذَلِكَ يَقُولُونَ: فُلانٌ لا يُقامُ لَهُ وزْنٌ، قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وقالَ النّابِغَةُ:
ومِيزانُهُ في سُورَةِ المَجْدِ ماتِعٌ
أيْ: راجِحٌ وهَذا مُتَبادِرٌ في العَرَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ في الآيَةِ بِذِكْرِ ما يُثَقِّلُ المَوازِينَ لِظُهُورِ أنَّهُ العَمَلُ الصّالِحُ.
وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ المِيزانِ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ: لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ في المِيزانِ. والمَقْصُودُ عَدَمُ فَواتِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ، واللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ بِآلَةٍ أوْ بِعَمَلِ المَلائِكَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
صفحة ٥١٤
والعِيشَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ العَيْشِ كالخِيفَةِ اسْمٌ لِلْخَوْفِ، أيْ: في حَياةٍ.
ووَصْفُ الحَياةِ بِـ (راضِيَةٍ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الرّاضِيَ صاحِبَها راضٍ بِها، فَوُصِفَتْ بِهِ العِيشَةُ لِأنَّها سَبَبُ الرِّضى أوْ زَمانُ الرِّضى.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ إخْبارٌ عَنْهُ بِالشَّقاءِ وسُوءِ الحالِ، فالأُمُّ هَنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها. وهاوِيَةٌ: هالِكَةٌ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ يَوْمَئِذٍ بِحالِ الهالِكِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ العَرَبَ يُكَنُّونَ عَنْ حالِ المَرْءِ بِحالِ أُمِّهِ في الخَيْرِ والشَّرِّ؛ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِها ابْنَها، فَهي أشَدُّ سُرُورًا بِسُرُورِهِ وأشَدُّ حُزْنًا بِما يُحْزِنُهُ. صَلّى أعْرابِيٌّ وراءَ إمامٍ فَقَرَأ الإمامُ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إبْراهِيمَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ زَيّابَةَ حِينَ تَهَدَّدَهُ الحارِثُ بْنُ هَمّامٍ الشَّيْبانِيُّ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصّا ∗∗∗ بَحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
ويَقُولُونَ في الشَّرِّ: هَوَتْ أُمُّهُ، أيْ: أصابَهُ ما تَهْلَكُ بِهِ أُمُّهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، في الدُّعاءِ، ومِنهُ ما يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ وأصْلُهُ الدُّعاءُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ في رِثاءِ أخِيهِ أبِي المِغْوارِ:
هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ
أيْ: ماذا يَبْعَثُ الصُّبْحُ مِنهُ غادِيًا وما يَرُدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ غانِمًا، وحُذِفَ مِنهُ في المَوْضِعَيْنِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ رَفْعِ الصُّبْحِ واللَّيْلِ وذِكْرِ: غادِيًا ويَئُوبُ، و(مِنَ) المُقَدَّرَةُ تَجْرِيدِيَّةٌ، فالكَلامُ عَلى التَّجْرِيدِ مِثْلَ: لَقِيتُ مِنهُ أسَدًا.
فاسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ الَّذِي يُقالُ عِنْدَ حالِ الهَلاكِ وسُوءِ المَصِيرِ في الحالِ المُشَبَّهَةِ بِحالِ الهَلاكِ، ورَمَزَ إلى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ المُرَكَّبِ، كَما تُضْرَبُ الأمْثالُ السّائِرَةُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُمُّهُ) مُسْتَعارًا لِمَقَرِّهِ ومَآلِهِ؛ لِأنَّهُ يَأْوِي إلَيْهِ كَما يَأْوِي الطِّفْلُ إلى أُمِّهِ.
و(هاوِيَةٌ) المَكانُ المُنْخَفِضُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ الَّذِي إذا سَقَطَ فِيهِ إنْسانٌ أوْ دابَّةٌ هَلَكَ. يُقالُ سَقَطَ في الهاوِيَةِ.
وأُرِيدَ بِها جَهَنَّمُ، وقِيلَ: هي اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أيْ: فَمَأْواهُ جَهَنَّمُ.
صفحة ٥١٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمُّهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أُمُّ رَأْسِهِ، أيْ: هَلَكَ.
﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ تَهْوِيلٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وضَمِيرُ (هِيَهْ) عائِدٌ إلى (هاوِيَةٌ)، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، إذْ مُعادُ الضَّمِيرِ وصْفُ هالِكَةٍ، والمُرادُ مِنهُ اسْمُ جَهَنَّمَ، كَما في قَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ المُلَقَّبِ مُعَوِّذَ الحُكَماءِ:
إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى (هاوِيَةٌ) وفُسِّرَتْ بِأنَّها قَعْرُ جَهَنَّمَ.
وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ يَكُونُ في (هِيَهْ) اسْتِخْدامٌ أيْضًا كالوَجْهِ الأوَّلِ.
والهاءُ الَّتِي لَحِقَتْ ياءَ (هي) هاءُ السَّكْتِ، هي هاءٌ تُجْلَبُ لِأجْلِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ عِنْدَ الوَقْفِ عَلَيْهِ، فَمِنهُ تَخْفِيفٌ واجِبٌ تُجْلَبُ لَهُ هاءُ السَّكْتِ لُزُومًا، وبَعْضُهُ حَسَنٌ، ولَيْسَ بِلازِمٍ وذَلِكَ في كُلِّ اسْمٍ أوْ حَرْفٍ بِآخِرِهِ حَرَكَةُ بِناءٍ دائِمَةٌ مِثْلَ: هو، وهي، وكَيْفَ، وثُمَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ.
وجُمْهُورُ القُرّاءِ أثْبَتُوا النُّطْقَ بِهَذِهِ الهاءِ في حالَتَيِ الوَقْفِ والوَصْلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِإثْباتِ الهاءِ في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾، والمَعْنى: هي نارٌ حامِيَةٌ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ووَصْفُ (نارٌ) بِـ (حامِيَةٌ) مِن قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِأنَّ النّارَ لا تَخْلُو عَنِ الحَمْيِ فَوَصْفُها بِهِ وصْفًا بِما هو مَعْنى لَفْظِ (نارٌ) فَكانَ كَذِكْرِ المُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] .
* * *
صفحة ٥١٦
صفحة ٥١٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّكاثُرِ
قالَ الآلُوسِيُّ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمُّونَها (المَقْبَرَةَ) اهـ.
وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ التَّكاثُرِ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وهي كَذَلِكَ مُعَنْوَنَةٌ في بَعْضِ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِالقَيْرَوانِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ (سُورَةَ ألْهاكم) وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ لا أعْلَمُ فِيها خِلافًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في مُفاخَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ في الإسْلامِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا، وكانُوا مِن بُطُونِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ ولِأنَّ قُبُورَ أسْلافِهِمْ بِمَكَّةَ.
وفِي الإتْقانِ: المُخْتارُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. قالَ: ويَدُلُّ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ تَفاخَرُوا، وما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكُونَ لَهُ وادِيانِ، ولَنْ يَمْلَأ فاهَهُ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» . قالَ أُبَيٌّ: كُنّا نَرى هَذا مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) اهـ. يُرِيدُ المُسْتَدِلُّ بِهَذا أنَّ أُبَيًّا أنْصارِيٌ وأنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: حَتّى نَزَلَتْ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١])، أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ كانُوا يَعُدُّونَ (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ. . . إلَخْ مِنَ القُرْآنِ) ولَيْسَ في كَلامِ أُبَيٍّ دَلِيلٌ ناهِضٌ، إذْ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِضَمِيرِ (كُنّا) المُسْلِمِينَ، أيْ: كانَ مَن سَبْقَ مِنهم يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّكاثُرِ وبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ أنَّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
صفحة ٥١٨
والَّذِي يَظْهَرُ مِن مَعانِي السُّورَةِ وغِلْظَةِ وعِيدِها أنَّها مَكِّيَّةٌ، وأنَّ المُخاطَبَ بِها فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيها لا يَلِيقُ بِالمُسْلِمِينَ أيّامَئِذٍ.
وسَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ الواحِدِيُّ والبَغَوَيُّ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ والقُرْطُبِيِّ عَنْهُما وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ مِن قُرَيْشٍ تَفاخَرُوا فَتَعادُّوا السّادَةَ والأشْرافَ مِن أيِّهِمْ أكْثَرُ عَدَدًا، فَكَثُرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ بَنِي سَهْمٍ بِثَلاثَةِ أبْياتٍ؛ لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا في الجاهِلِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بُرَيْدَةَ الجَرْمِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ: بَنِي حارِثَةَ، وبَنِي الحارِثِ، تَفاخَرُوا وتَكاثَرُوا بِالأحْياءِ، ثُمَّ قالُوا: انْطَلِقُوا بِنا إلى القُبُورِ، فَجَعَلَتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ: فِيكم مِثْلُ فُلانٍ، تُشِيرُ إلى القَبْرِ. ومِثْلُ فُلانٍ، وفَعَلَ الآخَرُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ (﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]) .
وقَدْ عُدَّتِ السّادِسَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، ونَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَوْثَرِ وقَبْلَ سُورَةِ الماعُونِ بِناءً عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ.
وعَدَدُ آيَتِها ثَمانٍ.
* * *
اشْتَمَلَتْ عَلى التَّوْبِيخِ عَلى اللَّهْوِ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ بِإيثارِ المالِ والتَّكاثُرِ بِهِ والتَّفاخُرِ بِالأسْلافِ وعَدَمِ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرُوا في القُبُورِ كَما صارَ مَن كانَ قَبْلَهم وعَلى الوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ.
وحَثَّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيما يُنْجِيهِمْ مِنَ الجَحِيمِ.
وأنَّهم مَبْعُوثُونَ ومَسْئُولُونَ عَنْ إهْمالِ شُكْرِ المُنْعِمِ العَظِيمِ.
التكاثر 102:1
صفحة ٥١٩
﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [ ١ ] ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [ ٢ ] ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٣ ] ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٤ ] .
(ألْهاكم) أيْ: شَغَلَكم عَمّا يَجِبُ عَلَيْكم الِاشْتِغالُ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهْوَ شُغْلٌ يَصْرِفُ عَنْ تَحْصِيلِ أمْرٍ مُهِمٍّ.
والتَّكاثُرُ: تَفاعُلٌ في الكُثْرِ أيْ: التَّبارِي في الإكْثارِ مِن شَيْءٍ مَرْغُوبٍ في كَثْرَتِهِ، فَمِنهُ تَكاثُرٌ في الأمْوالِ، ومِنهُ تَكاثُرٌ في العَدَدِ مِنَ الأوْلادِ والأحْلافِ لِلِاعْتِزازِ بِهِمْ. وقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِهِما. قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] .
وقالَ الأعْشى:
ولَسْتَ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ: «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقُولُ (ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ) قالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ يا ابْنَ آدَمَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ» فَهَذا جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِمَعْنًى مِن مَعانِي التَّكاثُرِ اقْتَضاهُ حالُ المَوْعِظَةِ ساعَتَئِذٍ وتُحَتِّمُهُ الآيَةُ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ غِلْظَةِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] إلى آخَرِ السُّورَةِ، ولِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن خُلُقِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والمُرادُ بِالخِطابِ: سادَتُهم وأهْلُ الثَّراءِ مِنهم لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، ولِأنَّ سادَةَ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ آثَرُوا ما هم فِيهِ مِن النِّعْمَةِ عَلى التَّهَمُّمِ بِتَلَقِّي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَتَصَدَّوْا لِتَكْذِيبِهِ وإغْراءِ الدَّهْماءِ بِعَدَمِ الإصْغاءِ لَهُ. فَلَمْ يَذْكُرْ المُلْهى عَنْهُ لِظُهُورِ أنَّهُ القُرْآنُ والتَّدَبُّرُ فِيهِ، والإنْصافُ بِتَصْدِيقِهِ. وهَذا الإلْهاءُ حَصَلَ مِنهم وتَحَقَّقَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حِكايَتُهُ بِالفِعْلِ الماضِي.
وإذا كانَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ التَّلَبُّسَ بِشَيْءٍ مِن هَذا
صفحة ٥٢٠
الخُلُقِ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم مُحَذَّرُونَ مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَيَحْذَرُونَ مِن أنْ يُلْهِيَهم حُبُّ المالِ عَنْ شَيْءٍ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، ويَتَوَقَّعُونَ أنْ يُفاجِئَهُمُ المَوْتُ وهم لاهُونَ عَنِ الخَيْرِ، قالَ تَعالى يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ غايَةٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غايَةً لِفِعْلِ (ألْهاكم) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١] أيْ: دامَ إلْهاءُ التَّكاثُرِ إلى أنْ زُرْتُمُ المَقابِرَ، أيْ: اسْتَمَرَّ بِكم طُولَ حَياتِكم، فالغايَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإحاطَةِ بِأزْمانِ المُغَيّا لا في تَنْهِيَتِهِ وحُصُولِ ضِدِّهِ لِأنَّهم إذا صارُوا إلى المَقابِرِ انْقَطَعَتْ أعْمالُهم كُلُّها.
ولِكَوْنِ زِيارَةِ المَقابِرِ عَلى هَذا الوَجْهِ عِبارَةً عَنِ الحُلُولِ فِيها، أيْ: قُبُورَ المَقابِرِ. وحَقِيقَةُ الزِّيارَةِ الحُلُولُ في المَكانِ حُلُولًا غَيْرَ مُسْتَمِرٍّ، فَأُطْلِقَ فِعْلُ الزِّيارَةِ هُنا تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّ حُلُولَهم في المَقابِرِ يَعْقُبُهُ خُرُوجٌ مِنها.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ الماضِي في (زُرْتُمْ) لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ الماضِي لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الغايَةُ لِلْمُتَكاثِرِ بِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّكاثُرُ، أيْ: بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى بِالقُبُورِ تُعِدُّونَها. وهَذا يَجْرِي عَلى ما رَوى مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا بِكَثْرَةِ السّادَةِ مِنهم، كَما تَقَدَّمَ في سَبَبِ نُزُولِها آنِفًا، فَتَكُونَ الزِّيارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ، أيْ: زُرْتُمُ المَقابِرَ لِتَعُدُّوا القُبُورَ، والعَرَبُ يُكَنُّونَ بِالقَبْرِ عَنْ صاحِبِهِ قالَ النّابِغَةُ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلِّقٍ ∗∗∗ وقَبْرٍ بِصَيْداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
وقالَ عِصامُ بْنُ عُبَيْدٍ الزِّمّانِيُّ، أوْ هَمّامٌ الرَّقاشِيُّ:
لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كُنْتُ أقْرَبَهم ∗∗∗ قَبْرًا وأبْعَدَهم مِن مَنزِلِ الذّامِّ
أيْ: كُنْتُ أقْرَبَهم مِنكَ قَبْرًا، أيْ: صاحِبُ قَبْرٍ.
صفحة ٥٢١
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وبِضَمِّها. والمَقْبَرَةُ الأرْضُ الَّتِي فِيها قُبُورٌ كَثِيرَةٌ.
والتَّوْبِيخُ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ أُتْبِعَ بِالوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ، وبِحَرْفِ الزَّجْرِ والإبْطالِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَأفادَ (كَلّا) زَجْرًا وإبْطالًا لِإنْهاءِ التَّكاثُرِ.
و(سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ حُصُولِ العِلْمِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: تَعْلَمُونَ سُوءَ مَغَبَّةِ لَهْوِكم بِالتَّكاثُرِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ.
وأُكِّدَ الزَّجْرُ والوَعِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَعَطَفَ عَطْفًا لَفْظِيًّا بِحَرْفِ التَّراخِي أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى تَراخِي رُتْبَةِ هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ عَنْ رُتْبَةِ الزَّجْرِ والوَعِيدِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَهَذا زَجْرٌ ووَعِيدٌ مُماثِلٌ لِلْأوَّلِ لَكِنْ عَطْفُهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) اقْتَضى كَوْنَهُ أقْوى مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ أفادَ تَحْقِيقَ الأوَّلِ وتَهْوِيلَهُ.
فَجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يَنْزِلُ بِكم مِن عَذابٍ في القَبْرِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وُعِدْتُمْ بِهِ صِدْقٌ، أيْ: تُجْعَلُ كُلُّ جُمْلَةٍ مُرادًا بِها تَهْدِيدٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى مَعُونَةِ القَرائِنِ بِتَقْدِيرِ مَفْعُولٍ خاصٍّ لِكُلٍّ مِن فِعْلَيْ (تَعْلَمُونَ)، ولَيْسَ تَكْرِيرُ الجُمْلَةِ بِمُقْتَضٍ ذَلِكَ في أصْلِ الكَلامِ، ومُفادُ التَّكْرِيرِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
التكاثر 102:2
صفحة ٥١٩
﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [ ١ ] ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [ ٢ ] ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٣ ] ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٤ ] .
(ألْهاكم) أيْ: شَغَلَكم عَمّا يَجِبُ عَلَيْكم الِاشْتِغالُ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهْوَ شُغْلٌ يَصْرِفُ عَنْ تَحْصِيلِ أمْرٍ مُهِمٍّ.
والتَّكاثُرُ: تَفاعُلٌ في الكُثْرِ أيْ: التَّبارِي في الإكْثارِ مِن شَيْءٍ مَرْغُوبٍ في كَثْرَتِهِ، فَمِنهُ تَكاثُرٌ في الأمْوالِ، ومِنهُ تَكاثُرٌ في العَدَدِ مِنَ الأوْلادِ والأحْلافِ لِلِاعْتِزازِ بِهِمْ. وقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِهِما. قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] .
وقالَ الأعْشى:
ولَسْتَ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ: «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقُولُ (ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ) قالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ يا ابْنَ آدَمَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ» فَهَذا جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِمَعْنًى مِن مَعانِي التَّكاثُرِ اقْتَضاهُ حالُ المَوْعِظَةِ ساعَتَئِذٍ وتُحَتِّمُهُ الآيَةُ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ غِلْظَةِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] إلى آخَرِ السُّورَةِ، ولِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن خُلُقِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والمُرادُ بِالخِطابِ: سادَتُهم وأهْلُ الثَّراءِ مِنهم لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، ولِأنَّ سادَةَ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ آثَرُوا ما هم فِيهِ مِن النِّعْمَةِ عَلى التَّهَمُّمِ بِتَلَقِّي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَتَصَدَّوْا لِتَكْذِيبِهِ وإغْراءِ الدَّهْماءِ بِعَدَمِ الإصْغاءِ لَهُ. فَلَمْ يَذْكُرْ المُلْهى عَنْهُ لِظُهُورِ أنَّهُ القُرْآنُ والتَّدَبُّرُ فِيهِ، والإنْصافُ بِتَصْدِيقِهِ. وهَذا الإلْهاءُ حَصَلَ مِنهم وتَحَقَّقَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حِكايَتُهُ بِالفِعْلِ الماضِي.
وإذا كانَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ التَّلَبُّسَ بِشَيْءٍ مِن هَذا
صفحة ٥٢٠
الخُلُقِ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم مُحَذَّرُونَ مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَيَحْذَرُونَ مِن أنْ يُلْهِيَهم حُبُّ المالِ عَنْ شَيْءٍ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، ويَتَوَقَّعُونَ أنْ يُفاجِئَهُمُ المَوْتُ وهم لاهُونَ عَنِ الخَيْرِ، قالَ تَعالى يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ غايَةٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غايَةً لِفِعْلِ (ألْهاكم) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١] أيْ: دامَ إلْهاءُ التَّكاثُرِ إلى أنْ زُرْتُمُ المَقابِرَ، أيْ: اسْتَمَرَّ بِكم طُولَ حَياتِكم، فالغايَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإحاطَةِ بِأزْمانِ المُغَيّا لا في تَنْهِيَتِهِ وحُصُولِ ضِدِّهِ لِأنَّهم إذا صارُوا إلى المَقابِرِ انْقَطَعَتْ أعْمالُهم كُلُّها.
ولِكَوْنِ زِيارَةِ المَقابِرِ عَلى هَذا الوَجْهِ عِبارَةً عَنِ الحُلُولِ فِيها، أيْ: قُبُورَ المَقابِرِ. وحَقِيقَةُ الزِّيارَةِ الحُلُولُ في المَكانِ حُلُولًا غَيْرَ مُسْتَمِرٍّ، فَأُطْلِقَ فِعْلُ الزِّيارَةِ هُنا تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّ حُلُولَهم في المَقابِرِ يَعْقُبُهُ خُرُوجٌ مِنها.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ الماضِي في (زُرْتُمْ) لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ الماضِي لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الغايَةُ لِلْمُتَكاثِرِ بِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّكاثُرُ، أيْ: بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى بِالقُبُورِ تُعِدُّونَها. وهَذا يَجْرِي عَلى ما رَوى مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا بِكَثْرَةِ السّادَةِ مِنهم، كَما تَقَدَّمَ في سَبَبِ نُزُولِها آنِفًا، فَتَكُونَ الزِّيارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ، أيْ: زُرْتُمُ المَقابِرَ لِتَعُدُّوا القُبُورَ، والعَرَبُ يُكَنُّونَ بِالقَبْرِ عَنْ صاحِبِهِ قالَ النّابِغَةُ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلِّقٍ ∗∗∗ وقَبْرٍ بِصَيْداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
وقالَ عِصامُ بْنُ عُبَيْدٍ الزِّمّانِيُّ، أوْ هَمّامٌ الرَّقاشِيُّ:
لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كُنْتُ أقْرَبَهم ∗∗∗ قَبْرًا وأبْعَدَهم مِن مَنزِلِ الذّامِّ
أيْ: كُنْتُ أقْرَبَهم مِنكَ قَبْرًا، أيْ: صاحِبُ قَبْرٍ.
صفحة ٥٢١
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وبِضَمِّها. والمَقْبَرَةُ الأرْضُ الَّتِي فِيها قُبُورٌ كَثِيرَةٌ.
والتَّوْبِيخُ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ أُتْبِعَ بِالوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ، وبِحَرْفِ الزَّجْرِ والإبْطالِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَأفادَ (كَلّا) زَجْرًا وإبْطالًا لِإنْهاءِ التَّكاثُرِ.
و(سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ حُصُولِ العِلْمِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: تَعْلَمُونَ سُوءَ مَغَبَّةِ لَهْوِكم بِالتَّكاثُرِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ.
وأُكِّدَ الزَّجْرُ والوَعِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَعَطَفَ عَطْفًا لَفْظِيًّا بِحَرْفِ التَّراخِي أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى تَراخِي رُتْبَةِ هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ عَنْ رُتْبَةِ الزَّجْرِ والوَعِيدِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَهَذا زَجْرٌ ووَعِيدٌ مُماثِلٌ لِلْأوَّلِ لَكِنْ عَطْفُهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) اقْتَضى كَوْنَهُ أقْوى مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ أفادَ تَحْقِيقَ الأوَّلِ وتَهْوِيلَهُ.
فَجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يَنْزِلُ بِكم مِن عَذابٍ في القَبْرِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وُعِدْتُمْ بِهِ صِدْقٌ، أيْ: تُجْعَلُ كُلُّ جُمْلَةٍ مُرادًا بِها تَهْدِيدٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى مَعُونَةِ القَرائِنِ بِتَقْدِيرِ مَفْعُولٍ خاصٍّ لِكُلٍّ مِن فِعْلَيْ (تَعْلَمُونَ)، ولَيْسَ تَكْرِيرُ الجُمْلَةِ بِمُقْتَضٍ ذَلِكَ في أصْلِ الكَلامِ، ومُفادُ التَّكْرِيرِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
التكاثر 102:3
صفحة ٥١٩
﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [ ١ ] ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [ ٢ ] ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٣ ] ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٤ ] .
(ألْهاكم) أيْ: شَغَلَكم عَمّا يَجِبُ عَلَيْكم الِاشْتِغالُ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهْوَ شُغْلٌ يَصْرِفُ عَنْ تَحْصِيلِ أمْرٍ مُهِمٍّ.
والتَّكاثُرُ: تَفاعُلٌ في الكُثْرِ أيْ: التَّبارِي في الإكْثارِ مِن شَيْءٍ مَرْغُوبٍ في كَثْرَتِهِ، فَمِنهُ تَكاثُرٌ في الأمْوالِ، ومِنهُ تَكاثُرٌ في العَدَدِ مِنَ الأوْلادِ والأحْلافِ لِلِاعْتِزازِ بِهِمْ. وقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِهِما. قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] .
وقالَ الأعْشى:
ولَسْتَ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ: «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقُولُ (ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ) قالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ يا ابْنَ آدَمَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ» فَهَذا جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِمَعْنًى مِن مَعانِي التَّكاثُرِ اقْتَضاهُ حالُ المَوْعِظَةِ ساعَتَئِذٍ وتُحَتِّمُهُ الآيَةُ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ غِلْظَةِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] إلى آخَرِ السُّورَةِ، ولِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن خُلُقِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والمُرادُ بِالخِطابِ: سادَتُهم وأهْلُ الثَّراءِ مِنهم لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، ولِأنَّ سادَةَ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ آثَرُوا ما هم فِيهِ مِن النِّعْمَةِ عَلى التَّهَمُّمِ بِتَلَقِّي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَتَصَدَّوْا لِتَكْذِيبِهِ وإغْراءِ الدَّهْماءِ بِعَدَمِ الإصْغاءِ لَهُ. فَلَمْ يَذْكُرْ المُلْهى عَنْهُ لِظُهُورِ أنَّهُ القُرْآنُ والتَّدَبُّرُ فِيهِ، والإنْصافُ بِتَصْدِيقِهِ. وهَذا الإلْهاءُ حَصَلَ مِنهم وتَحَقَّقَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حِكايَتُهُ بِالفِعْلِ الماضِي.
وإذا كانَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ التَّلَبُّسَ بِشَيْءٍ مِن هَذا
صفحة ٥٢٠
الخُلُقِ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم مُحَذَّرُونَ مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَيَحْذَرُونَ مِن أنْ يُلْهِيَهم حُبُّ المالِ عَنْ شَيْءٍ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، ويَتَوَقَّعُونَ أنْ يُفاجِئَهُمُ المَوْتُ وهم لاهُونَ عَنِ الخَيْرِ، قالَ تَعالى يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ غايَةٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غايَةً لِفِعْلِ (ألْهاكم) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١] أيْ: دامَ إلْهاءُ التَّكاثُرِ إلى أنْ زُرْتُمُ المَقابِرَ، أيْ: اسْتَمَرَّ بِكم طُولَ حَياتِكم، فالغايَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإحاطَةِ بِأزْمانِ المُغَيّا لا في تَنْهِيَتِهِ وحُصُولِ ضِدِّهِ لِأنَّهم إذا صارُوا إلى المَقابِرِ انْقَطَعَتْ أعْمالُهم كُلُّها.
ولِكَوْنِ زِيارَةِ المَقابِرِ عَلى هَذا الوَجْهِ عِبارَةً عَنِ الحُلُولِ فِيها، أيْ: قُبُورَ المَقابِرِ. وحَقِيقَةُ الزِّيارَةِ الحُلُولُ في المَكانِ حُلُولًا غَيْرَ مُسْتَمِرٍّ، فَأُطْلِقَ فِعْلُ الزِّيارَةِ هُنا تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّ حُلُولَهم في المَقابِرِ يَعْقُبُهُ خُرُوجٌ مِنها.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ الماضِي في (زُرْتُمْ) لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ الماضِي لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الغايَةُ لِلْمُتَكاثِرِ بِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّكاثُرُ، أيْ: بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى بِالقُبُورِ تُعِدُّونَها. وهَذا يَجْرِي عَلى ما رَوى مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا بِكَثْرَةِ السّادَةِ مِنهم، كَما تَقَدَّمَ في سَبَبِ نُزُولِها آنِفًا، فَتَكُونَ الزِّيارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ، أيْ: زُرْتُمُ المَقابِرَ لِتَعُدُّوا القُبُورَ، والعَرَبُ يُكَنُّونَ بِالقَبْرِ عَنْ صاحِبِهِ قالَ النّابِغَةُ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلِّقٍ ∗∗∗ وقَبْرٍ بِصَيْداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
وقالَ عِصامُ بْنُ عُبَيْدٍ الزِّمّانِيُّ، أوْ هَمّامٌ الرَّقاشِيُّ:
لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كُنْتُ أقْرَبَهم ∗∗∗ قَبْرًا وأبْعَدَهم مِن مَنزِلِ الذّامِّ
أيْ: كُنْتُ أقْرَبَهم مِنكَ قَبْرًا، أيْ: صاحِبُ قَبْرٍ.
صفحة ٥٢١
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وبِضَمِّها. والمَقْبَرَةُ الأرْضُ الَّتِي فِيها قُبُورٌ كَثِيرَةٌ.
والتَّوْبِيخُ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ أُتْبِعَ بِالوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ، وبِحَرْفِ الزَّجْرِ والإبْطالِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَأفادَ (كَلّا) زَجْرًا وإبْطالًا لِإنْهاءِ التَّكاثُرِ.
و(سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ حُصُولِ العِلْمِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: تَعْلَمُونَ سُوءَ مَغَبَّةِ لَهْوِكم بِالتَّكاثُرِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ.
وأُكِّدَ الزَّجْرُ والوَعِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَعَطَفَ عَطْفًا لَفْظِيًّا بِحَرْفِ التَّراخِي أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى تَراخِي رُتْبَةِ هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ عَنْ رُتْبَةِ الزَّجْرِ والوَعِيدِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَهَذا زَجْرٌ ووَعِيدٌ مُماثِلٌ لِلْأوَّلِ لَكِنْ عَطْفُهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) اقْتَضى كَوْنَهُ أقْوى مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ أفادَ تَحْقِيقَ الأوَّلِ وتَهْوِيلَهُ.
فَجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يَنْزِلُ بِكم مِن عَذابٍ في القَبْرِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وُعِدْتُمْ بِهِ صِدْقٌ، أيْ: تُجْعَلُ كُلُّ جُمْلَةٍ مُرادًا بِها تَهْدِيدٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى مَعُونَةِ القَرائِنِ بِتَقْدِيرِ مَفْعُولٍ خاصٍّ لِكُلٍّ مِن فِعْلَيْ (تَعْلَمُونَ)، ولَيْسَ تَكْرِيرُ الجُمْلَةِ بِمُقْتَضٍ ذَلِكَ في أصْلِ الكَلامِ، ومُفادُ التَّكْرِيرِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
التكاثر 102:4
صفحة ٥١٩
﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [ ١ ] ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ [ ٢ ] ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٣ ] ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [ ٤ ] .
(ألْهاكم) أيْ: شَغَلَكم عَمّا يَجِبُ عَلَيْكم الِاشْتِغالُ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّهْوَ شُغْلٌ يَصْرِفُ عَنْ تَحْصِيلِ أمْرٍ مُهِمٍّ.
والتَّكاثُرُ: تَفاعُلٌ في الكُثْرِ أيْ: التَّبارِي في الإكْثارِ مِن شَيْءٍ مَرْغُوبٍ في كَثْرَتِهِ، فَمِنهُ تَكاثُرٌ في الأمْوالِ، ومِنهُ تَكاثُرٌ في العَدَدِ مِنَ الأوْلادِ والأحْلافِ لِلِاعْتِزازِ بِهِمْ. وقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِهِما. قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] .
وقالَ الأعْشى:
ولَسْتَ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ قالَ: «انْتَهَيْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَقُولُ (ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ) قالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ يا ابْنَ آدَمَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ» فَهَذا جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِمَعْنًى مِن مَعانِي التَّكاثُرِ اقْتَضاهُ حالُ المَوْعِظَةِ ساعَتَئِذٍ وتُحَتِّمُهُ الآيَةُ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ غِلْظَةِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] إلى آخَرِ السُّورَةِ، ولِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن خُلُقِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والمُرادُ بِالخِطابِ: سادَتُهم وأهْلُ الثَّراءِ مِنهم لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، ولِأنَّ سادَةَ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ آثَرُوا ما هم فِيهِ مِن النِّعْمَةِ عَلى التَّهَمُّمِ بِتَلَقِّي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَتَصَدَّوْا لِتَكْذِيبِهِ وإغْراءِ الدَّهْماءِ بِعَدَمِ الإصْغاءِ لَهُ. فَلَمْ يَذْكُرْ المُلْهى عَنْهُ لِظُهُورِ أنَّهُ القُرْآنُ والتَّدَبُّرُ فِيهِ، والإنْصافُ بِتَصْدِيقِهِ. وهَذا الإلْهاءُ حَصَلَ مِنهم وتَحَقَّقَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حِكايَتُهُ بِالفِعْلِ الماضِي.
وإذا كانَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ التَّلَبُّسَ بِشَيْءٍ مِن هَذا
صفحة ٥٢٠
الخُلُقِ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهم مُحَذَّرُونَ مِنَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَيَحْذَرُونَ مِن أنْ يُلْهِيَهم حُبُّ المالِ عَنْ شَيْءٍ مِن فِعْلِ الخَيْرِ، ويَتَوَقَّعُونَ أنْ يُفاجِئَهُمُ المَوْتُ وهم لاهُونَ عَنِ الخَيْرِ، قالَ تَعالى يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ غايَةٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غايَةً لِفِعْلِ (ألْهاكم) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١] أيْ: دامَ إلْهاءُ التَّكاثُرِ إلى أنْ زُرْتُمُ المَقابِرَ، أيْ: اسْتَمَرَّ بِكم طُولَ حَياتِكم، فالغايَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإحاطَةِ بِأزْمانِ المُغَيّا لا في تَنْهِيَتِهِ وحُصُولِ ضِدِّهِ لِأنَّهم إذا صارُوا إلى المَقابِرِ انْقَطَعَتْ أعْمالُهم كُلُّها.
ولِكَوْنِ زِيارَةِ المَقابِرِ عَلى هَذا الوَجْهِ عِبارَةً عَنِ الحُلُولِ فِيها، أيْ: قُبُورَ المَقابِرِ. وحَقِيقَةُ الزِّيارَةِ الحُلُولُ في المَكانِ حُلُولًا غَيْرَ مُسْتَمِرٍّ، فَأُطْلِقَ فِعْلُ الزِّيارَةِ هُنا تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّ حُلُولَهم في المَقابِرِ يَعْقُبُهُ خُرُوجٌ مِنها.
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ الماضِي في (زُرْتُمْ) لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ الماضِي لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ وُقُوعُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الغايَةُ لِلْمُتَكاثِرِ بِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ التَّكاثُرُ، أيْ: بِكُلِّ شَيْءٍ حَتّى بِالقُبُورِ تُعِدُّونَها. وهَذا يَجْرِي عَلى ما رَوى مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ أنَّ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي سَهْمٍ تَفاخَرُوا بِكَثْرَةِ السّادَةِ مِنهم، كَما تَقَدَّمَ في سَبَبِ نُزُولِها آنِفًا، فَتَكُونَ الزِّيارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ، أيْ: زُرْتُمُ المَقابِرَ لِتَعُدُّوا القُبُورَ، والعَرَبُ يُكَنُّونَ بِالقَبْرِ عَنْ صاحِبِهِ قالَ النّابِغَةُ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلِّقٍ ∗∗∗ وقَبْرٍ بِصَيْداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
وقالَ عِصامُ بْنُ عُبَيْدٍ الزِّمّانِيُّ، أوْ هَمّامٌ الرَّقاشِيُّ:
لَوْ عُدَّ قَبْرٌ وقَبْرٌ كُنْتُ أقْرَبَهم ∗∗∗ قَبْرًا وأبْعَدَهم مِن مَنزِلِ الذّامِّ
أيْ: كُنْتُ أقْرَبَهم مِنكَ قَبْرًا، أيْ: صاحِبُ قَبْرٍ.
صفحة ٥٢١
والمَقابِرُ جَمْعُ مَقْبَرَةٍ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وبِضَمِّها. والمَقْبَرَةُ الأرْضُ الَّتِي فِيها قُبُورٌ كَثِيرَةٌ.
والتَّوْبِيخُ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ أُتْبِعَ بِالوَعِيدِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ، وبِحَرْفِ الزَّجْرِ والإبْطالِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَأفادَ (كَلّا) زَجْرًا وإبْطالًا لِإنْهاءِ التَّكاثُرِ.
و(سَوْفَ) لِتَحْقِيقِ حُصُولِ العِلْمِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (تَعْلَمُونَ) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: تَعْلَمُونَ سُوءَ مَغَبَّةِ لَهْوِكم بِالتَّكاثُرِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ.
وأُكِّدَ الزَّجْرُ والوَعِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فَعَطَفَ عَطْفًا لَفْظِيًّا بِحَرْفِ التَّراخِي أيْضًا لِلْإشارَةِ إلى تَراخِي رُتْبَةِ هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ عَنْ رُتْبَةِ الزَّجْرِ والوَعِيدِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَهَذا زَجْرٌ ووَعِيدٌ مُماثِلٌ لِلْأوَّلِ لَكِنْ عَطْفُهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) اقْتَضى كَوْنَهُ أقْوى مِنَ الأوَّلِ لِأنَّهُ أفادَ تَحْقِيقَ الأوَّلِ وتَهْوِيلَهُ.
فَجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما يَنْزِلُ بِكم مِن عَذابٍ في القَبْرِ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عِنْدَ البَعْثِ أنَّ ما وُعِدْتُمْ بِهِ صِدْقٌ، أيْ: تُجْعَلُ كُلُّ جُمْلَةٍ مُرادًا بِها تَهْدِيدٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ. وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ والتَّعْوِيلِ عَلى مَعُونَةِ القَرائِنِ بِتَقْدِيرِ مَفْعُولٍ خاصٍّ لِكُلٍّ مِن فِعْلَيْ (تَعْلَمُونَ)، ولَيْسَ تَكْرِيرُ الجُمْلَةِ بِمُقْتَضٍ ذَلِكَ في أصْلِ الكَلامِ، ومُفادُ التَّكْرِيرِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
التكاثر 102:5
﴿كَلّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾
أُعِيدَ الزَّجْرُ ثالِثَ مَرَّةٍ زِيادَةً في إبْطالِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اللَّهْوِ عَنِ التَّدَبُّرِ في أقْوالِ القُرْآنِ لَعَلَّهم يُقْلِعُونَ عَنِ انْكِبابِهِمْ عَنِ التَّكاثُرِ مِمّا هم يَتَكاثَرُونَ فِيهِ ولَهْوِهِمْ بِهِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَةِ الحَقِّ والتَّوْحِيدِ. وحَذَفَ مَفْعُولَ (تَعْلَمُونَ) لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ تَهْوِيلٌ وإزْعاجٌ؛ لِأنَّ حَذْفَ جَوابِ (لَوْ) يَجْعَلُ النُّفُوسَ تَذْهَبُ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ. والمَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ
صفحة ٥٢٢
لَتَبَيَّنَ لَكم حالٌ مُفْظِعٌ عَظِيمٌ، وهي بَيانٌ لِما في كَلّا مِنَ الزَّجْرِ.
والمُضارِعُ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ مُرادٌ بِهِ زَمَنُ الحالِ، أيْ: لَوْ عَلِمْتُمُ الآنَ عِلْمَ اليَقِينِ لَعَلِمْتُمْ أمْرًا عَظِيمًا.
ولِفِعْلِ الشَّرْطِ مَعَ (لَوْ) أحْوالٌ كَثِيرَةٌ واعْتِباراتٌ، فَقَدْ يَقَعُ بِلَفْظِ الماضِي وقَدْ يَقَعُ بِلَفْظِ المُضارِعِ وفي كِلَيْهِما قَدْ يَكُونُ اسْتِعْمالُهُ في أصْلِ مَعْناهُ. وقَدْ يَكُونُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ غَيْرِ مَعْناهُ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ مِنَ الحالِ بِدُونِ تَنْزِيلٍ ولا تَأْوِيلٍ.
وإضافَةُ (عِلْمَ) إلى (اليَقِينِ) إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ، فَإنَّ اليَقِينَ عِلْمٌ، أيْ: لَوْ عَلِمْتُمْ عِلْمًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ لَبانَ لَكم شَنِيعُ ما أنْتُمْ فِيهِ، ولَكِنَّ عِلْمَهم بِأحْوالِهِمْ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ مِن أوْهامٍ وتَخَيُّلاتٍ، وفي هَذا نِداءٌ عَلَيْهِمْ بِالتَّقْصِيرِ في اكْتِسابِ العِلْمِ الصَّحِيحِ. وهَذا خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالجَزاءِ ولَيْسَ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ عِلْمَ اليَقِينِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا المُرَكَّبَ هو ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ نُقِلَ في الِاصْطِلاحِ العِلْمِيِّ فَصارَ لَقَبًا لِحالَةٍ مِن مُدْرَكاتِ العَقْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] في سُورَةِ الحاقَّةِ، فارْجِعْ إلَيْهِ.
التكاثر 102:6
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِنَ الزَّجْرِ والرَّدْعِ المُكَرَّرِ ومِنَ الوَعِيدِ المُؤَكَّدِ عَلى إجْمالِهِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَمّا يُتَرَقَّبُ مِن هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا عَمّا يَجِيشُ في نَفْسِ السّامِعِ.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ (لَوْ) عَلى مَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَكُنْتُمْ كَمَن تَرَوْنَ الجَحِيمَ، أيْ: لَتَرْوُنَّها بِقُلُوبِكم؛ لِأنَّ نَظْمَ الكَلامِ صِيغَةُ قَسَمٍ بِدَلِيلِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ اللّامُ لامَ جَوابِ (لَوْ)؛ لِأنَّ جَوابَ (لَوْ) مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ فَلا تَقْتَرِنُ بِهِ نُونُ التَّوْكِيدِ.
والإخْبارُ عَنْ رُؤْيَتِهِمُ الجَحِيمَ كِنايَةٌ عَنِ الوُقُوعِ فِيها، فَإنَّ الوُقُوعَ في الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُ فَيُكَنّى بِالرُّؤْيَةِ عَنِ الحُضُورِ، كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
صفحة ٥٢٣
لا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
وأُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ قَصْدًا لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ بِمَعْناهُ الكِنائِيِّ. وقَدْ عُطِفَ هَذا التَّأْكِيدُ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي هي لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]، ولَيْسَ هُنالِكَ رُؤْيَتانِ تَقَعُ إحْداهُما بَعْدَ الأُخْرى بِمُهْلَةٍ.
وعَيْنَ اليَقِينِ: اليَقِينُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ تَرَدُّدٌ. فَلَفْظُ عَيِنٍ مَجازٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الخالِصَةِ غَيْرِ النّاقِصَةِ ولا المُشابِهَةِ.
وإضافَةُ (عَيْنَ) إلى اليَقِينِ بَيانِيَّةٌ كَإضافَةِ (حَقُّ) إلى اليَقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] .
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المُثَنّاةِ مِن (أراهُ) .
وأمّا (لَتَرَوُنَّها) فَلَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ.
وأشارَ في الكَشّافِ إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُفْتَتَحَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] والمُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾، اشْتَمَلَتْ عَلى وُجُوهٍ مِن تَقْوِيَةِ الإنْذارِ والزَّجْرِ، فافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الرَّدْعِ والتَّنْبِيهِ، وجِيءَ بَعْدَهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ. وكُرِّرَ حَرْفُ الرَّدْعِ والتَّنْبِيهِ وحُذِفَ جَوابُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٥] لِما في حَذْفِهِ مِن مُبالَغَةِ التَّهْوِيلِ، وأُتِيَ بِلامِ القَسَمِ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ. وأُكِّدَ هَذا القَسَمُ بِقَسَمٍ آخَرَ، فَهَذِهِ سِتَّةُ وُجُوهٍ.
وأقُولُ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ: إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ بِأنَّها يَقِينٌ وأنَّ اليَقِينَ حَقِيقَةٌ. والقَوْلُ في إضافَةِ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ كالقَوْلِ في إضافَةِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] المَذْكُورِ آنِفًا.
التكاثر 102:7
﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِنَ الزَّجْرِ والرَّدْعِ المُكَرَّرِ ومِنَ الوَعِيدِ المُؤَكَّدِ عَلى إجْمالِهِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَمّا يُتَرَقَّبُ مِن هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابًا عَمّا يَجِيشُ في نَفْسِ السّامِعِ.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ جَوابَ (لَوْ) عَلى مَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَكُنْتُمْ كَمَن تَرَوْنَ الجَحِيمَ، أيْ: لَتَرْوُنَّها بِقُلُوبِكم؛ لِأنَّ نَظْمَ الكَلامِ صِيغَةُ قَسَمٍ بِدَلِيلِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ اللّامُ لامَ جَوابِ (لَوْ)؛ لِأنَّ جَوابَ (لَوْ) مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ فَلا تَقْتَرِنُ بِهِ نُونُ التَّوْكِيدِ.
والإخْبارُ عَنْ رُؤْيَتِهِمُ الجَحِيمَ كِنايَةٌ عَنِ الوُقُوعِ فِيها، فَإنَّ الوُقُوعَ في الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُ فَيُكَنّى بِالرُّؤْيَةِ عَنِ الحُضُورِ، كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
صفحة ٥٢٣
لا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
وأُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ قَصْدًا لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ بِمَعْناهُ الكِنائِيِّ. وقَدْ عُطِفَ هَذا التَّأْكِيدُ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي هي لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]، ولَيْسَ هُنالِكَ رُؤْيَتانِ تَقَعُ إحْداهُما بَعْدَ الأُخْرى بِمُهْلَةٍ.
وعَيْنَ اليَقِينِ: اليَقِينُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ تَرَدُّدٌ. فَلَفْظُ عَيِنٍ مَجازٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الخالِصَةِ غَيْرِ النّاقِصَةِ ولا المُشابِهَةِ.
وإضافَةُ (عَيْنَ) إلى اليَقِينِ بَيانِيَّةٌ كَإضافَةِ (حَقُّ) إلى اليَقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] .
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المُثَنّاةِ مِن (أراهُ) .
وأمّا (لَتَرَوُنَّها) فَلَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ.
وأشارَ في الكَشّافِ إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُفْتَتَحَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] والمُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾، اشْتَمَلَتْ عَلى وُجُوهٍ مِن تَقْوِيَةِ الإنْذارِ والزَّجْرِ، فافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الرَّدْعِ والتَّنْبِيهِ، وجِيءَ بَعْدَهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ. وكُرِّرَ حَرْفُ الرَّدْعِ والتَّنْبِيهِ وحُذِفَ جَوابُ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٥] لِما في حَذْفِهِ مِن مُبالَغَةِ التَّهْوِيلِ، وأُتِيَ بِلامِ القَسَمِ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ. وأُكِّدَ هَذا القَسَمُ بِقَسَمٍ آخَرَ، فَهَذِهِ سِتَّةُ وُجُوهٍ.
وأقُولُ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ: إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ تَأْكِيدَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ بِأنَّها يَقِينٌ وأنَّ اليَقِينَ حَقِيقَةٌ. والقَوْلُ في إضافَةِ ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ كالقَوْلِ في إضافَةِ ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] المَذْكُورِ آنِفًا.
التكاثر 102:8
صفحة ٥٢٤
﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ .
أعْقَبَ التَّوْبِيخَ والوَعِيدَ عَلى لَهْوِهِمْ بِالتَّكاثُرِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَةِ الإسْلامِ مِن حَيْثُ إنَّ التَّكاثُرَ صَدَّهم عَنْ قَبُولِ ما يُنْجِيهِمْ، بِتَهْدِيدٍ وتَخْوِيفٍ مِن مُؤاخَذَتِهِمْ عَلى ما في التَّكاثُرِ مِن نَعِيمٍ تَمَتَّعُوا بِهِ في الدُّنْيا ولَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، أيْ: عَنِ النَّعِيمِ الَّذِي خُوَّلْتُمُوهُ في الدُّنْيا فَلَمْ تَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وكانَ بِهِ بَطَرُكم.
وعُطِفَ هَذا الكَلامُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ في عَطْفِهِ الجُمَلَ مِن أجْلِ أنَّ الحِسابَ عَلى النَّعِيمِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ أشُدُّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يَتَرَقَّبُونَهُ؛ لِأنَّ تَلَبُّسَهم بِالإشْراكِ وهم في نَعِيمٍ أشَدُّ كُفْرانًا لِلَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ.
والنَّعِيمُ: اسْمٌ لِما يَلِذُّ لِإنْسانٍ مِمّا لَيْسَ مُلازِمًا لَهُ، فالصِّحَّةُ وسَلامَةُ الحَواسِّ وسَلامَةُ الإدْراكِ والنَّوْمُ واليَقَظَةُ لَيْسَتْ مِنَ النَّعِيمِ، وشُرْبُ الماءِ وأكْلُ الطَّعامِ والتَّلَذُّذُ بِالمَسْمُوعاتِ وبِما فِيهِ فَخْرٌ وبِرُؤْيَةِ المَحاسِنِ، تُعَدُّ مِنَ النَّعِيمِ.
والنَّعِيمُ أخَصُّ مِنَ النِّعْمَةِ بِكَسْرِ النُّونِ ومُرادِفٌ لِلنِّعْمَةِ بِفَتْحِ النُّونِ.
وتَقَدَّمَ النَّعِيمُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] في سُورَةِ بَراءَةَ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ عَلى نَسَقِ الخِطاباتِ السّابِقَةِ.
والجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها (إذْ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَئِذٍ) مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] أيْ: يَوْمَ إذْ تَرَوْنَ الجَحِيمَ يَغْلُظُ عَلَيْكُمُ العَذابُ.
وهَذا السُّؤالُ عَنِ النَّعِيمِ المُوَجَّهُ إلى المُشْرِكِينَ هو غَيْرُ السُّؤالِ الَّذِي يُسْألُهُ كُلُّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ فِيما صَرَفَ فِيهِ النِّعْمَةَ، فَإنَّ النِّعْمَةَ لَمّا لَمْ تَكُنْ خاصَّةً بِالمُشْرِكِينَ خِلافًا لِلتَّكاثُرِ كانَ السُّؤالُ عَنْها حَقِيقًا بِكُلِّ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْوالُ الجَزاءِ المُتَرَتَّبِ عَلى هَذا السُّؤالِ.
ويُؤَيِّدُهُ ما ورَدَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فَإذا هو بِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَقاما مَعَهُ، فَأتى رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَإذا هو لَيْسَ في بَيْتِهِ، إذْ جاءَ الأنْصارِيُّ فَنَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصاحِبَيْهِ ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ
صفحة ٥٢٥
لِلَّهِ ما أحَدٌ اليَوْمَ أكْرَمَ أضْيافًا مِنِّي، فانْطَلَقَ فَجاءَهم بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطَبٌ وأخَذَ المُدْيَةَ فَذَبَحَ لَهم، فَأكَلُوا مِنَ الشّاةِ ومِن ذَلِكَ العِذْقِ وشَرِبُوا. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْألُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذا اليَوْمِ يَوْمَ القِيامَةِ» الحَدِيثَ. فَهَذا سُؤالٌ عَنِ النَّعِيمِ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وهو غَيْرُ الَّذِي جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ. والأنْصارِيُّ هو أبُو الهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهانِ واسْمُهُ مالِكٌ.
ومَعْنى الحَدِيثِ: لَتُسْألُنَّ عَنْ شُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ، أرادَ تَذْكِيرَهم بِالشُّكْرِ في كُلِّ نِعْمَةٍ. وسُؤالُ المُؤْمِنِينَ سُؤالٌ لِتَرْتِيبِ الثَّوابِ عَلى الشُّكْرِ أوْ لِأجْلِ المُؤاخَذَةِ بِالنَّعِيمِ الحَرامِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ «عَنِ الحَسَنِ لا يُسْألُ عَنِ النَّعِيمِ إلّا أهْلُ النّارِ، ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ أكْلَةً أكَلْتُها مَعَكَ في بَيْتِ أبِي الهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهانِ مِن خُبْزِ شَعِيرٍ ولَحْمٍ وبُسْرٍ قَدْ ذَنَّبَ وما عَذُبَ، أنَخافُ أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي نُسْألُ عَنْهُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ذَلِكَ لِلْكُفّارِ، ثُمَّ قَرَأ (﴿وهَلْ يُجازى إلّا الكَفُورَ﴾ [سبإ»: ١٧]) .
قالَ القُشَيْرِيُّ: والجَمْعُ بَيْنَ الأخْبارِ أنَّ الكُلَّ يُسْألُونَ، ولَكِنَّ سُؤالَ الكافِرِ سُؤالُ تَوْبِيخٍ لِأنَّهُ قَدْ تَرَكَ الشُّكْرَ، وسُؤالَ المُؤْمِنِ سُؤالُ تَشْرِيفٍ لِأنَّهُ شَكَرَ.
والجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها (إذْ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَئِذٍ) مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] أيْ: يَوْمَ إذْ تَرَوْنَ الجَحِيمَ فَيَغْلُظُ عَلَيْكُمُ العَذابُ.
* * *
صفحة ٥٢٦
صفحة ٥٢٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَصْرِ
ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ الطَّبَرانِيَّ رَوى بِسَنَدِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: " كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا التَقَيا لَمْ يَفْتَرِقا إلّا عَلى أنْ يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ العَصْرِ: إلَخْ ما سَيَأْتِي.
وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُها في مَصاحِفَ كَثِيرَةٍ وفي مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفٍ عَتِيقٍ بِالخَطِّ الكُوفِيِّ مِنَ المَصاحِفِ القَيْرَوانِيَّةِ في القَرْنِ الخامِسِ.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ والعَصْرِ) بِإثْباتِ الواوِ عَلى حِكايَةِ أوَّلِ كَلِمَةٍ فِيها، أيْ: سُورَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وإطْلاقِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وعَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يَذْكُرْها صاحِبُ الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ المُخْتَلِفِ فِيها.
وقَدْ عُدَّتِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الِانْشِراحِ وقَبْلَ سُورَةِ العادِياتِ.
وآيُها ثَلاثُ آياتٍ.
وهِيَ إحْدى سُوَرٍ ثَلاثٍ هُنَّ أقْصَرُ السُّوَرِ عَدَدَ آياتٍ: هي والكَوْثَرُ وسُورَةُ النَّصْرِ.
* * *
واشْتَمَلَتْ عَلى إثْباتِ الخُسْرانِ الشَّدِيدِ لِأهْلِ الشِّرْكِ ومَن كانَ مِثْلَهم مِن أهْلِ
صفحة ٥٢٨
الكُفْرِ بِالإسْلامِ بَعْدَ أنْ بُلِّغَتْ دَعْوَتُهُ، وكَذَلِكَ مَن تَقَلَّدَ أعْمالَ الباطِلِ الَّتِي حَذَّرَ الإسْلامُ المُسْلِمِينَ مِنها.
وعَلى إثْباتِ نَجاةِ وفَوْزِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ والدّاعِينَ مِنهم إلى الحَقِّ.
وعَلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ عَلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ ودَعْوَةِ الحَقِّ.
وقَدْ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذُوها شِعارًا لَهم في مُلْتَقاهم. رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِهِ إلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحُصَيْنِ الأنْصارِيِّ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ إذا التَقَيا لَمْ يَفْتَرِقا إلّا عَلى أنْ يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ العَصْرِ إلى آخِرِها، ثُمَّ يُسَلِّمُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ أيْ: سَلامُ التَّفَرُّقِ، وهو سُنَّةٌ أيْضًا مِثْلَ سَلامِ القُدُومِ.
وعَنِ الشّافِعِيِّ: لَوْ تَدَبَّرَ النّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَوَسِعَتْهم. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: لَوْ لَمْ يَنْزِلْ إلى النّاسِ إلّا هي لَكَفَتْهم. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّها شَمِلَتْ جَمِيعَ عُلُومِ القُرْآنِ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ.
العصر 103:1
﴿والعَصْرِ﴾ [ ١ ] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [ ٢ ] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [ ٣ ] .
أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِالعَصْرِ قَسَمًا يُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ كَما هو شَأْنُ أقْسامِ القُرْآنِ.
والمُقْسَمُ بِهِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ التَّكْوِينِ الرَّبّانِيِّ الدّالِّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ.
ولِلْعَصْرِ مَعانٍ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها لا يَعْدُوا أنْ يَكُونَ حالَةً دالَّةً عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الأفْعالِ الرَّبّانِيَّةِ، يَتَعَيَّنُ إمّا بِإضافَتِهِ إلى ما يُقَدَّرُ، أوْ بِالقَرِينَةِ، أوْ بِالعَهْدِ، وأيًّا ما كانَ المُرادُ مِنهُ هُنا فَإنَّ القَسَمَ بِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ زَمَنٌ يُذَكِّرُ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ العالَمِ وأحْوالِهِ، وبِأُمُورٍ عَظِيمَةٍ مُبارَكَةٍ مِثْلَ الصَّلاةِ المَخْصُوصَةِ أوْ عَصْرٍ مُعَيَّنٍ مُبارَكٍ.
وأشْهَرُ إطْلاقِ لَفْظِ العَصْرِ أنَّهُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِوَقْتٍ ما، بَيْنَ آخَرِ وقْتِ الظُّهْرِ وبَيْنَ
صفحة ٥٢٩
اصْفِرارِ الشَّمْسِ، فَمَبْدَؤُهُ إذا صارَ ظِلُّ الجِسْمِ مِثْلَهُ بَعْدَ القَدْرِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، ويَمْتَدُّ إلى أنْ يَصِيرَ ظِلُّ الجِسْمِ مِثْلَيْ قَدْرِهِ بَعْدَ الظِّلِّ الَّذِي كانَ لَهُ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ. وذَلِكَ وقْتُ اصْفِرارِ الشَّمْسِ، والعَصْرُ مَبْدَأُ العَشِيِّ. ويَعْقُبُهُ الأصِيلُ والِاحْمِرارُ، وهو ما قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنَّ اصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ
فَذَلِكَ وقْتٌ يُؤْذِنُ بِقُرْبِ انْتِهاءِ النَّهارِ، ويُذَكِّرُ بِخِلْقَةِ الشَّمْسِ والأرْضِ، ونِظامِ حَرَكَةِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ، وهي الحَرَكَةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنها اللَّيْلُ والنَّهارُ كُلَّ يَوْمٍ، وهو مِن هَذا الوَجْهِ كالقَسَمِ بِالضُّحى وبِاللَّيْلِ والنَّهارِ وبِالفَجْرِ مِنَ الأحْوالِ الجَوِّيَّةِ المُتَغَيِّرَةِ بِتَغَيُّرِ تَوَجُّهِ شُعاعِ الشَّمْسِ نَحْوَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ.
وفِي ذَلِكَ الوَقْتِ يَتَهَيَّأُ النّاسُ لِلِانْقِطاعِ عَنْ أعْمالِهِمْ في النَّهارِ كالقِيامِ عَلى حُقُولِهِمْ وجَنّاتِهِمْ، وتِجاراتِهِمْ في أسْواقِهِمْ، فَيُذَكِّرُ بِحِكْمَةِ نِظامِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ وما ألْهَمَ اللَّهُ في غَرِيزَتِهِ مِن دَأْبٍ عَلى عَمَلٍ ونِظامٍ لِابْتِدائِهِ وانْقِطاعِهِ. وفِيهِ يَتَحَفَّزُ النّاسُ لِلْإقْبالِ عَلى بُيُوتِهِمْ لِمَبِيتِهِمْ والتَّأنُّسِ بِأهْلِيهِمْ وأوْلادِهِمْ. وهو مِنَ النِّعْمَةِ أوْ مِنَ النَّعِيمِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى التَّذْكِيرِ بِمِثْلِ الحَياةِ حِينَ تَدْنُو آجالُ النّاسِ بَعْدَ مُضِيِّ أطْوارِ الشَّبابِ والِاكْتِهالِ والهِرَمِ.
وتَعْرِيفُهُ بِاللّامِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ: كُلِّ عَصْرٍ.
ويُطْلَقُ العَصْرُ عَلى الصَّلاةِ المُوَقَّتَةِ بِوَقْتِ العَصْرِ. وهي صَلاةٌ مُعَظَّمَةٌ. قِيلَ: هي المُرادُ بِالوُسْطى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وجاءَ في الحَدِيثِ («مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» ) . ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ («ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» ) فَذَكَرَ «ورَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا فاجِرَةً بَعْدَ العَصْرِ عَلى سِلْعَةٍ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها ما لَمْ يُعْطَ» وتَعْرِيفُهُ عَلى هَذا تَعْرِيفُ العَهْدِ، وصارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ كَما هو شَأْنُ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ الأجْناسِ المُعَرَّفَةِ بِاللّامِ مِثْلَ العَقَبَةِ.
ويُطْلَقُ العَصْرُ عَلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لِوُجُودِ جِيلٍ مِنَ النّاسِ، أوْ مَلِكٍ أوْ نَبِيٍّ، أوْ دِينٍ، ويُعَيَّنُ بِالإضافَةِ، فَيُقالُ: عَصْرُ الفِطَحْلِ، وعَصْرُ إبْراهِيمَ، وعَصْرُ الإسْكَنْدَرِ، وعَصْرُ الجاهِلِيَّةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ هَذا الإطْلاقَ هُنا، ويَكُونَ
صفحة ٥٣٠
المَعْنِيُّ بِهِ عَصْرَ النَّبِيءِ ﷺ، والتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الحُضُورِيِّ مِثْلَ التَّعْرِيفِ في اليَوْمِ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُ اليَوْمَ كَذا، فالقَسَمُ بِهِ كالقَسَمِ بِحَياتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (لَعَمْرُكَ) . قالَ الفَخْرُ: فَهو - تَعالى - أقْسَمَ بِزَمانِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبِمَكانِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، وبِعُمْرِهِ في قَوْلِهِ (لَعَمْرُكَ) . اهـ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَصْرُ الإسْلامِ كُلُّهُ وهو خاتِمَةُ عُصُورِ الأدْيانِ لِهَذا العالَمِ، وقَدْ مَثَّلَ النَّبِيءُ ﷺ عَصْرَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَصْرِ اليَهُودِ وعَصْرِ النَّصارى بِما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ يَعْمَلُونَ لَهُ إلى اللَّيْلِ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إلى نِصْفِ النَّهارِ ثُمَّ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا إلى أجْرِكَ وما عَمِلْنا باطِلٌ، واسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بَعْدَهم فَقالَ: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكم ولَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهم، فَعَمِلُوا حَتّى إذا كانَ حِينَ صَلاةِ العَصْرِ قالُوا: لَكَ ما عَمِلْنا باطِلٌ ولَكَ الأجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا، واسْتَأْجَرَ قَوْمًا أنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَأنْتُمْ هم» . فَلَعَلَّ ذَلِكَ التَّمْثِيلَ النَّبَوِيَّ لَهُ اتِّصالٌ بِالرَّمْزِ إلى عَصْرِ الإسْلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
ويَجُوزُ أنَّ يُفَسَّرَ العَصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالزَّمانِ كُلِّهِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ العَصْرِ، فَقالَ: أقْسَمَ رَبُّكم بِآخِرِ النَّهارِ» . وهَذِهِ المَعانِي لا يَفِي بِاحْتِمالِها غَيْرُ لَفْظِ العَصْرِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِالعَصْرِ لِغَرَضِ السُّورَةِ عَلى إرادَةِ عَصْرِ الإسْلامِ - ظاهِرَةٌ، فَإنَّها بَيَّنَتْ حالَ النّاسِ في عَصْرِ الإسْلامِ بَيْنَ مَن كَفَرَ بِهِ ومَن آمَنَ واسْتَوْفى حَظَّهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ، ويُعْرَفُ مِنهُ حالُ مَن أسْلَمُوا وكانَ في أعْمالِهِمْ تَقْصِيرٌ مُتَفاوِتٌ، أمّا أحْوالُ الأُمَمِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ فَكانَتْ مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلى بَعْضِ الأُمَمِ، وبَقاءِ بَعْضِ الأُمَمِ بِدُونِ شَرائِعَ مُتَمَسِّكَةٍ بِغَيْرِ دِينِ الإسْلامِ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ بِدِينٍ جاءَ الإسْلامُ بِنَسْخِهِ مِثْلَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ
صفحة ٥٣١
لِأنَّهُ يَسْتَغْرِقُ أفْرادَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ نُزُولِ الآيَةِ، وهو زَمَنُ ظُهُورِ الإسْلامِ كَما عَلِمْتَ قَرِيبًا. ومَخْصُوصٌ بِالنّاسِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ في بِلادِ العالَمِ عَلى تَفاوُتِها. ولَمّا اسْتُثْنِيَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بَقِيَ حُكْمُهُ مُتَحَقِّقًا في غَيْرِ المُؤْمِنِينَ كَما سَيَأْتِي. . .
والخُسْرُ: مَصْدَرٌ، وهو ضِدُّ الرِّبْحِ في التِّجارَةِ، اسْتُعِيرَ هُنا لِسُوءِ العاقِبَةِ لِمَن يَظُنُّ لِنَفْسِهِ عاقِبَةً حَسَنَةً، وتِلْكَ هي العاقِبَةُ الدّائِمَةُ وهي عاقِبَةُ الإنْسانِ في آخِرَتِهِ مِن نَعِيمٍ أوْ عَذابٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَكَرَّرَتْ نَظائِرُهُ في القُرْآنِ آنِفًا وبَعِيدًا.
والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ مَجازِيَّةٌ شَبَّهَتْ مُلازَمَةَ الخُسْرِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَكانَتْ أبْلَغَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْسانَ لَخاسِرٌ.
ومَجِيءُ هَذا الخَبَرِ عَلى العُمُومِ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّوْكِيدِ في جَوابِهِ، يُفِيدُ التَّهْوِيلَ والإنْذارَ بِالحالَةِ المُحِيطَةِ بِمُعْظَمِ النّاسِ.
وأعْقَبَ بِالِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. فَيَتَقَرَّرُ الحُكْمُ تَمامًا في نَفْسِ السّامِعِ مُبَيِّنًا أنَّ النّاسَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يَلْحَقُهُ الخُسْرانُ، وفَرِيقٌ لا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِنهُ، فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا يَلْحَقُهم الخُسْرانُ بِحالٍ إذا لَمْ يَتْرُكُوا شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ بِارْتِكابِ أضْدادِها وهي السَّيِّئاتُ.
ومِن أكْبَرِ الأعْمالِ الصّالِحاتِ التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ لِمُقْتَرِفِيها، فَمَن تَحَقَّقَ فِيهِ وصْفُ الإيمانِ ولَمْ يَعْمَلِ السَّيِّئاتِ أوْ عَمِلَها وتابَ مِنها، فَقَدْ تَحَقَّقَ لَهُ ضِدُّ الخُسْرانِ وهو الرِّبْحُ المَجازِيُّ، أيْ: حُسْنُ عاقِبَةِ أمْرِهِ، وأمّا مَن لَمْ يَعْمَلِ الصّالِحاتِ ولَمْ يَتُبْ مِن سَيِّئاتِهِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ حُكْمُ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو الخُسْرانُ.
وهَذا الخُسْرُ مُتَفاوِتٌ، فَأعْظَمُهُ وخالِدُهُ الخُسْرُ المُنْجَرُّ عَنِ انْتِفاءِ الإيمانِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ دُونَ ذَلِكَ تَكُونُ مَراتِبُ الخُسْرِ مُتَفاوِتَةً بِحَسَبِ كَثْرَةِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ظاهِرِها وباطِنِها. وما حَدَّدَهُ الإسْلامُ لِذَلِكَ مِن مَراتِبِ الأعْمالِ
صفحة ٥٣٢
وغُفْرانِ بَعْضِ اللَّمَمِ إذا تَرَكَ صاحِبُهُ الكَبائِرَ والفَواحِشَ، وهو ما فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
وهَذا الخَبَرُ مُرادٌ بِهِ الحُصُولُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ مَقامِ الإنْذارِ والوَعِيدِ، أيْ: لَفي خُسْرٍ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الآخِرَةِ، فَلا التِفاتَ إلى أحْوالِ النّاسِ في الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .
وتَنْكِيرُ (خُسْرٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْمِيمِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ وفي سِياقِ القَسَمِ.
والمَعْنى: إنَّ النّاسَ لَفي خُسْرانٍ عَظِيمٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (الصّالِحاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، أيْ: عَمِلُوا جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِعَمَلِها بِأمْرِ الدِّينِ، وعَمَلُ الصّالِحاتِ يَشْمَلُ تَرْكَ السَّيِّئاتِ. وقَدْ أفادَ اسْتِثْناءُ المُتَّصِفِينَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ ومَعْطُوفِها إيماءً إلى عِلَّةِ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ وهو نَقِيضُ الحُكْمِ الثّابِتِ لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، فَإنَّهم لَيْسُوا في خُسْرٍ لِأجْلِ أنَّهم آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
فَأمّا الإيمانُ فَهو حَقِيقَةٌ مَقُولٌ عَلى جُزْئِيّاتِها بِالتَواطُئِ، وأمّا الصّالِحاتُ فَعُمُومُها مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّشَكُّكِ، فَيُشِيرُ إلى أنَّ انْتِفاءَ الخُسْرانِ عَنْهم يَتَقَدَّرُ بِمِقْدارِ ما عَمِلُوهُ مِنَ الصّالِحاتِ، وفي ذَلِكَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ دَلَّ اسْتِثْناءُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن أنْ يَكُونُوا في خُسْرٍ عَلى أنَّ سَبَبَ كَوْنِ بَقِيَّةِ الإنْسانِ في خُسْرٍ هو عَدَمُ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ. وعُلِمَ مِنَ المَوْصُولِ أنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ هُما سَبَبُ انْتِفاءِ إحاطَةِ الخُسْرِ بِالإنْسانِ.
وعُطِفَ عَلى عَمَلِ الصّالِحاتِ التَّواصِي بِالحَقِّ والتَّواصِي بِالصَّبْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن عَمَلِ الصّالِحاتِ، عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ يُظَنُّ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو ما أثَرُهُ عَمَلُ المَرْءِ في خاصَّتِهِ، فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مِنَ العَمَلِ المَأْمُورِ بِهِ إرْشادَ المُسْلِمِ غَيْرَهُ ودَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ، فالتَّواصِي بِالحَقِّ يَشْمَلُ تَعْلِيمَ
صفحة ٥٣٣
حَقائِقِ الهَدْيِ وعَقائِدِ الصَّوابِ وإراضَةِ النَّفْسِ عَلى فَهْمِها بِفِعْلِ المَعْرُوفِ وتَرْكِ المُنْكَرِ.
والتَّواصِي بِالصَّبْرِ عُطِفَ عَلى التَّواصِي بِالحَقِّ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ أيْضًا وإنْ كانَ خُصُوصُهُ خُصُوصًا مِن وجْهٍ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ إقامَةِ الحَقِّ وما يَعْتَرِضُ المُسْلِمَ مِن أذًى في نَفْسِهِ في إقامَةِ بَعْضِ الحَقِّ.
وحَقِيقَةُ الصَّبْرِ أنَّهُ: مَنعُ المَرْءِ نَفْسَهُ مِن تَحْصِيلِ ما يَشْتَهِيهِ أوْ مِن مُحاوَلَةِ تَحْصِيلِهِ ( إنْ كانَ صَعْبَ الحُصُولِ، فَيَتْرُكُ مُحاوَلَةَ تَحْصِيلِهِ لِخَوْفِ ضُرٍّ يَنْشَأُ عَنْ تَناوُلِهِ كَخَوْفِ غَضَبِ اللَّهِ أوْ عِقابِ وُلاةِ الأُمُورِ أوْ لِرَغْبَةٍ في حُصُولِ نَفْعٍ مِنهُ كالصَّبْرِ عَلى مَشَقَّةِ الجِهادِ والحَجِّ رَغْبَةً في الثَّوابِ، والصَّبْرِ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ رَغْبَةً في تَحْصِيلِ مالٍ أوْ سُمْعَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
ومِنَ الصَّبْرِ عَلى ما يُلاقِيهِ المُسْلِمُ إذا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ مِنِ امْتِعاضِ بَعْضِ المَأْمُورِينَ بِهِ، أوْ مِن أذاهم بِالقَوْلِ كَمَن يَقُولُ لِآمِرِهِ: هَلّا نَظَرْتَ في أمْرِ نَفْسِكَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وأمّا تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ فِعْلِ المُنْكَراتِ كالصَّبْرِ عَلى تَجَشُّمِ السَّهَرِ في اللَّهْوِ والمَعاصِي، والصَّبْرِ عَلى بَشاعَةِ طَعْمِ الخَمْرِ لِشارِبِها، فَلَيْسَ مِنَ الصَّبْرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَمُّلَ مُنْبَعِثٌ عَنْ رُجْحانِ اشْتِهاءِ تِلْكَ المَشَقَّةِ عَلى كَراهِيَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي تَعْتَرِضُهُ في تَرْكِها.
وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى إقامَةِ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ كُلِّها، فالعَقائِدُ الإسْلامِيَّةُ والأخْلاقُ الدِّينِيَّةُ مُنْدَرِجَةٌ في الحَقِّ، والأعْمالُ الصّالِحَةُ وتَجَنُّبُ السَّيِّئاتِ مُنْدَرِجَةٌ في الصَّبْرِ.
والتَّخَلُّقُ بِالصَّبْرِ مِلاكُ فَضائِلِ الأخْلاقِ كُلِّها، فَإنَّ الِارْتِياضَ بِالأخْلاقِ الحَمِيدَةِ لا يَخْلُو مِن حَمْلِ المَرْءِ نَفْسَهُ عَلى مُخالَفَةِ شَهَواتٍ كَثِيرَةٍ، فَفي مُخالَفَتِها تَعَبٌ يَقْتَضِي الصَّبْرَ عَلَيْهِ حَتّى تَصِيرَ مَكارِمُ الأخْلاقِ مَلَكَةً لِمَن راضَ نَفْسَهُ عَلَيْها، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ:
إذا المَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعامًا يُحِبُّهُ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَ قَلْبًا غاوِيًا حَيْثُ يَمَّما
صفحة ٥٣٤
فَيُوشِكُ أنْ تُلْفى لَهُ الدَّهْرَ سُبَّةٌ ∗∗∗ إذا ذُكِرَتْ أمْثالُها تَمْلَأُ الفَماوكَذَلِكَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ كُلُّها لا تَخْلُو مِن إكْراهِ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ ما تَمِيلُ إلَيْهِ. وفي الحَدِيثِ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» . وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو.
وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى الصَّبْرِ مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأفادَتْ صِيغَةُ التَّواصِي بِالحَقِّ وبِالصَّبْرِ أنْ يَكُونَ شَأْنُ حَياةِ المُؤْمِنِينَ قائِمًا عَلى شُيُوعِ التَّآمُرِ بِهِما دَيْدَنًا لَهم. وذَلِكَ يَقْتَضِي اتِّصافَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ الحَقِّ وصَبْرَهم عَلى المَكارِهِ في مَصالِحِ الإسْلامِ وأُمَّتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ عُرْفُ النّاسِ مِن أنَّ أحَدًا لا يُوصِي غَيْرَهُ بِمُلازَمَةِ أمْرٍ إلّا وهو يَرى ذَلِكَ الأمْرَ خَلِيقًا بِالمُلازَمَةِ، إذْ قَلَّ أنْ يُقْدِمَ أحَدٌ عَلى أمْرٍ بِحَقٍّ هو لا يَفْعَلُهُ أوْ أمْرٍ بِصَبْرٍ وهو ذُو جَزَعٍ، وقَدْ قالَ تَعالى تَوْبِيخًا لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] في سُورَةِ الفَجْرِ.
* * *
صفحة ٥٣٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الهُمَزَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ الهُمَزَةِ) بِلامِ التَّعْرِيفِ. وعَنْوَنَها في صَحِيحِ البُخارِيِّ وبَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ) . وذَكَرَ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ الحُطَمَةِ) لِوُقُوعِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ الثّانِيَةَ والثَّلاثِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القِيامَةِ وقَبْلَ سُورَةِ المُرْسَلاتِ.
وآيُها تِسْعٌ بِالِاتِّفاقِ.
رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن المُشْرِكِينَ كانُوا أقامُوا أنْفُسَهم لِلَمْزِ المُسْلِمِينَ وسَبِّهِمْ واخْتِلاقِ الأُحْدُوثاتِ السَّيِّئَةِ عَنْهم. وسُمِّيَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وجَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ بَنِي جُمَحَ (وهَذا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ وشَهِدَ حُنَيْنًا) والعاصُ بْنُ وائِلٍ مِن بَنِي سَهْمٍ، وكُلُّهم مِن سادَةِ قُرَيْشٍ، وسُمِّيَ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيّانِ مِن سادَةِ ثَقِيفٍ مِن أهْلِ الطّائِفِ، وكُلُّ هَؤُلاءِ مِن أهْلِ الثَّراءِ في الجاهِلِيَّةِ والِازْدِهارِ بِثَرائِهِمْ وسُؤْدُدِهِمْ. وجاءَتْ آيَةُ السُّورَةِ عامَّةً فَعَمَّ حُكْمُها المُسَمَّيْنَ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ولَمْ تُذْكَرْ أسْماؤُهم.
* * *
فَغَرَضُ هَذِهِ السُّورَةِ وعِيدُ جَماعَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا هَمْزَ المُسْلِمِينَ ولَمْزَهم ضَرْبًا
صفحة ٥٣٦
مِن ضُرُوبِ أذاهم طَمَعًا في أنْ يُلْجِئَهُمُ المَلَلُ مِن أصْنافِ الأذى، إلى الِانْصِرافِ عَنِ الإسْلامِ والرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.
العصر 103:2
﴿والعَصْرِ﴾ [ ١ ] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [ ٢ ] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [ ٣ ] .
أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِالعَصْرِ قَسَمًا يُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ كَما هو شَأْنُ أقْسامِ القُرْآنِ.
والمُقْسَمُ بِهِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ التَّكْوِينِ الرَّبّانِيِّ الدّالِّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ.
ولِلْعَصْرِ مَعانٍ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها لا يَعْدُوا أنْ يَكُونَ حالَةً دالَّةً عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الأفْعالِ الرَّبّانِيَّةِ، يَتَعَيَّنُ إمّا بِإضافَتِهِ إلى ما يُقَدَّرُ، أوْ بِالقَرِينَةِ، أوْ بِالعَهْدِ، وأيًّا ما كانَ المُرادُ مِنهُ هُنا فَإنَّ القَسَمَ بِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ زَمَنٌ يُذَكِّرُ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ العالَمِ وأحْوالِهِ، وبِأُمُورٍ عَظِيمَةٍ مُبارَكَةٍ مِثْلَ الصَّلاةِ المَخْصُوصَةِ أوْ عَصْرٍ مُعَيَّنٍ مُبارَكٍ.
وأشْهَرُ إطْلاقِ لَفْظِ العَصْرِ أنَّهُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِوَقْتٍ ما، بَيْنَ آخَرِ وقْتِ الظُّهْرِ وبَيْنَ
صفحة ٥٢٩
اصْفِرارِ الشَّمْسِ، فَمَبْدَؤُهُ إذا صارَ ظِلُّ الجِسْمِ مِثْلَهُ بَعْدَ القَدْرِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، ويَمْتَدُّ إلى أنْ يَصِيرَ ظِلُّ الجِسْمِ مِثْلَيْ قَدْرِهِ بَعْدَ الظِّلِّ الَّذِي كانَ لَهُ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ. وذَلِكَ وقْتُ اصْفِرارِ الشَّمْسِ، والعَصْرُ مَبْدَأُ العَشِيِّ. ويَعْقُبُهُ الأصِيلُ والِاحْمِرارُ، وهو ما قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنَّ اصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ
فَذَلِكَ وقْتٌ يُؤْذِنُ بِقُرْبِ انْتِهاءِ النَّهارِ، ويُذَكِّرُ بِخِلْقَةِ الشَّمْسِ والأرْضِ، ونِظامِ حَرَكَةِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ، وهي الحَرَكَةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنها اللَّيْلُ والنَّهارُ كُلَّ يَوْمٍ، وهو مِن هَذا الوَجْهِ كالقَسَمِ بِالضُّحى وبِاللَّيْلِ والنَّهارِ وبِالفَجْرِ مِنَ الأحْوالِ الجَوِّيَّةِ المُتَغَيِّرَةِ بِتَغَيُّرِ تَوَجُّهِ شُعاعِ الشَّمْسِ نَحْوَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ.
وفِي ذَلِكَ الوَقْتِ يَتَهَيَّأُ النّاسُ لِلِانْقِطاعِ عَنْ أعْمالِهِمْ في النَّهارِ كالقِيامِ عَلى حُقُولِهِمْ وجَنّاتِهِمْ، وتِجاراتِهِمْ في أسْواقِهِمْ، فَيُذَكِّرُ بِحِكْمَةِ نِظامِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ وما ألْهَمَ اللَّهُ في غَرِيزَتِهِ مِن دَأْبٍ عَلى عَمَلٍ ونِظامٍ لِابْتِدائِهِ وانْقِطاعِهِ. وفِيهِ يَتَحَفَّزُ النّاسُ لِلْإقْبالِ عَلى بُيُوتِهِمْ لِمَبِيتِهِمْ والتَّأنُّسِ بِأهْلِيهِمْ وأوْلادِهِمْ. وهو مِنَ النِّعْمَةِ أوْ مِنَ النَّعِيمِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى التَّذْكِيرِ بِمِثْلِ الحَياةِ حِينَ تَدْنُو آجالُ النّاسِ بَعْدَ مُضِيِّ أطْوارِ الشَّبابِ والِاكْتِهالِ والهِرَمِ.
وتَعْرِيفُهُ بِاللّامِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ: كُلِّ عَصْرٍ.
ويُطْلَقُ العَصْرُ عَلى الصَّلاةِ المُوَقَّتَةِ بِوَقْتِ العَصْرِ. وهي صَلاةٌ مُعَظَّمَةٌ. قِيلَ: هي المُرادُ بِالوُسْطى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وجاءَ في الحَدِيثِ («مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» ) . ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ («ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» ) فَذَكَرَ «ورَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا فاجِرَةً بَعْدَ العَصْرِ عَلى سِلْعَةٍ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها ما لَمْ يُعْطَ» وتَعْرِيفُهُ عَلى هَذا تَعْرِيفُ العَهْدِ، وصارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ كَما هو شَأْنُ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ الأجْناسِ المُعَرَّفَةِ بِاللّامِ مِثْلَ العَقَبَةِ.
ويُطْلَقُ العَصْرُ عَلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لِوُجُودِ جِيلٍ مِنَ النّاسِ، أوْ مَلِكٍ أوْ نَبِيٍّ، أوْ دِينٍ، ويُعَيَّنُ بِالإضافَةِ، فَيُقالُ: عَصْرُ الفِطَحْلِ، وعَصْرُ إبْراهِيمَ، وعَصْرُ الإسْكَنْدَرِ، وعَصْرُ الجاهِلِيَّةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ هَذا الإطْلاقَ هُنا، ويَكُونَ
صفحة ٥٣٠
المَعْنِيُّ بِهِ عَصْرَ النَّبِيءِ ﷺ، والتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الحُضُورِيِّ مِثْلَ التَّعْرِيفِ في اليَوْمِ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُ اليَوْمَ كَذا، فالقَسَمُ بِهِ كالقَسَمِ بِحَياتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (لَعَمْرُكَ) . قالَ الفَخْرُ: فَهو - تَعالى - أقْسَمَ بِزَمانِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبِمَكانِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، وبِعُمْرِهِ في قَوْلِهِ (لَعَمْرُكَ) . اهـ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَصْرُ الإسْلامِ كُلُّهُ وهو خاتِمَةُ عُصُورِ الأدْيانِ لِهَذا العالَمِ، وقَدْ مَثَّلَ النَّبِيءُ ﷺ عَصْرَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَصْرِ اليَهُودِ وعَصْرِ النَّصارى بِما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ يَعْمَلُونَ لَهُ إلى اللَّيْلِ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إلى نِصْفِ النَّهارِ ثُمَّ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا إلى أجْرِكَ وما عَمِلْنا باطِلٌ، واسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بَعْدَهم فَقالَ: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكم ولَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهم، فَعَمِلُوا حَتّى إذا كانَ حِينَ صَلاةِ العَصْرِ قالُوا: لَكَ ما عَمِلْنا باطِلٌ ولَكَ الأجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا، واسْتَأْجَرَ قَوْمًا أنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَأنْتُمْ هم» . فَلَعَلَّ ذَلِكَ التَّمْثِيلَ النَّبَوِيَّ لَهُ اتِّصالٌ بِالرَّمْزِ إلى عَصْرِ الإسْلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
ويَجُوزُ أنَّ يُفَسَّرَ العَصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالزَّمانِ كُلِّهِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ العَصْرِ، فَقالَ: أقْسَمَ رَبُّكم بِآخِرِ النَّهارِ» . وهَذِهِ المَعانِي لا يَفِي بِاحْتِمالِها غَيْرُ لَفْظِ العَصْرِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِالعَصْرِ لِغَرَضِ السُّورَةِ عَلى إرادَةِ عَصْرِ الإسْلامِ - ظاهِرَةٌ، فَإنَّها بَيَّنَتْ حالَ النّاسِ في عَصْرِ الإسْلامِ بَيْنَ مَن كَفَرَ بِهِ ومَن آمَنَ واسْتَوْفى حَظَّهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ، ويُعْرَفُ مِنهُ حالُ مَن أسْلَمُوا وكانَ في أعْمالِهِمْ تَقْصِيرٌ مُتَفاوِتٌ، أمّا أحْوالُ الأُمَمِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ فَكانَتْ مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلى بَعْضِ الأُمَمِ، وبَقاءِ بَعْضِ الأُمَمِ بِدُونِ شَرائِعَ مُتَمَسِّكَةٍ بِغَيْرِ دِينِ الإسْلامِ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ بِدِينٍ جاءَ الإسْلامُ بِنَسْخِهِ مِثْلَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ
صفحة ٥٣١
لِأنَّهُ يَسْتَغْرِقُ أفْرادَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ نُزُولِ الآيَةِ، وهو زَمَنُ ظُهُورِ الإسْلامِ كَما عَلِمْتَ قَرِيبًا. ومَخْصُوصٌ بِالنّاسِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ في بِلادِ العالَمِ عَلى تَفاوُتِها. ولَمّا اسْتُثْنِيَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بَقِيَ حُكْمُهُ مُتَحَقِّقًا في غَيْرِ المُؤْمِنِينَ كَما سَيَأْتِي. . .
والخُسْرُ: مَصْدَرٌ، وهو ضِدُّ الرِّبْحِ في التِّجارَةِ، اسْتُعِيرَ هُنا لِسُوءِ العاقِبَةِ لِمَن يَظُنُّ لِنَفْسِهِ عاقِبَةً حَسَنَةً، وتِلْكَ هي العاقِبَةُ الدّائِمَةُ وهي عاقِبَةُ الإنْسانِ في آخِرَتِهِ مِن نَعِيمٍ أوْ عَذابٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَكَرَّرَتْ نَظائِرُهُ في القُرْآنِ آنِفًا وبَعِيدًا.
والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ مَجازِيَّةٌ شَبَّهَتْ مُلازَمَةَ الخُسْرِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَكانَتْ أبْلَغَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْسانَ لَخاسِرٌ.
ومَجِيءُ هَذا الخَبَرِ عَلى العُمُومِ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّوْكِيدِ في جَوابِهِ، يُفِيدُ التَّهْوِيلَ والإنْذارَ بِالحالَةِ المُحِيطَةِ بِمُعْظَمِ النّاسِ.
وأعْقَبَ بِالِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. فَيَتَقَرَّرُ الحُكْمُ تَمامًا في نَفْسِ السّامِعِ مُبَيِّنًا أنَّ النّاسَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يَلْحَقُهُ الخُسْرانُ، وفَرِيقٌ لا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِنهُ، فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا يَلْحَقُهم الخُسْرانُ بِحالٍ إذا لَمْ يَتْرُكُوا شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ بِارْتِكابِ أضْدادِها وهي السَّيِّئاتُ.
ومِن أكْبَرِ الأعْمالِ الصّالِحاتِ التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ لِمُقْتَرِفِيها، فَمَن تَحَقَّقَ فِيهِ وصْفُ الإيمانِ ولَمْ يَعْمَلِ السَّيِّئاتِ أوْ عَمِلَها وتابَ مِنها، فَقَدْ تَحَقَّقَ لَهُ ضِدُّ الخُسْرانِ وهو الرِّبْحُ المَجازِيُّ، أيْ: حُسْنُ عاقِبَةِ أمْرِهِ، وأمّا مَن لَمْ يَعْمَلِ الصّالِحاتِ ولَمْ يَتُبْ مِن سَيِّئاتِهِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ حُكْمُ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو الخُسْرانُ.
وهَذا الخُسْرُ مُتَفاوِتٌ، فَأعْظَمُهُ وخالِدُهُ الخُسْرُ المُنْجَرُّ عَنِ انْتِفاءِ الإيمانِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ دُونَ ذَلِكَ تَكُونُ مَراتِبُ الخُسْرِ مُتَفاوِتَةً بِحَسَبِ كَثْرَةِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ظاهِرِها وباطِنِها. وما حَدَّدَهُ الإسْلامُ لِذَلِكَ مِن مَراتِبِ الأعْمالِ
صفحة ٥٣٢
وغُفْرانِ بَعْضِ اللَّمَمِ إذا تَرَكَ صاحِبُهُ الكَبائِرَ والفَواحِشَ، وهو ما فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
وهَذا الخَبَرُ مُرادٌ بِهِ الحُصُولُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ مَقامِ الإنْذارِ والوَعِيدِ، أيْ: لَفي خُسْرٍ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الآخِرَةِ، فَلا التِفاتَ إلى أحْوالِ النّاسِ في الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .
وتَنْكِيرُ (خُسْرٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْمِيمِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ وفي سِياقِ القَسَمِ.
والمَعْنى: إنَّ النّاسَ لَفي خُسْرانٍ عَظِيمٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (الصّالِحاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، أيْ: عَمِلُوا جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِعَمَلِها بِأمْرِ الدِّينِ، وعَمَلُ الصّالِحاتِ يَشْمَلُ تَرْكَ السَّيِّئاتِ. وقَدْ أفادَ اسْتِثْناءُ المُتَّصِفِينَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ ومَعْطُوفِها إيماءً إلى عِلَّةِ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ وهو نَقِيضُ الحُكْمِ الثّابِتِ لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، فَإنَّهم لَيْسُوا في خُسْرٍ لِأجْلِ أنَّهم آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
فَأمّا الإيمانُ فَهو حَقِيقَةٌ مَقُولٌ عَلى جُزْئِيّاتِها بِالتَواطُئِ، وأمّا الصّالِحاتُ فَعُمُومُها مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّشَكُّكِ، فَيُشِيرُ إلى أنَّ انْتِفاءَ الخُسْرانِ عَنْهم يَتَقَدَّرُ بِمِقْدارِ ما عَمِلُوهُ مِنَ الصّالِحاتِ، وفي ذَلِكَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ دَلَّ اسْتِثْناءُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن أنْ يَكُونُوا في خُسْرٍ عَلى أنَّ سَبَبَ كَوْنِ بَقِيَّةِ الإنْسانِ في خُسْرٍ هو عَدَمُ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ. وعُلِمَ مِنَ المَوْصُولِ أنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ هُما سَبَبُ انْتِفاءِ إحاطَةِ الخُسْرِ بِالإنْسانِ.
وعُطِفَ عَلى عَمَلِ الصّالِحاتِ التَّواصِي بِالحَقِّ والتَّواصِي بِالصَّبْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن عَمَلِ الصّالِحاتِ، عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ يُظَنُّ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو ما أثَرُهُ عَمَلُ المَرْءِ في خاصَّتِهِ، فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مِنَ العَمَلِ المَأْمُورِ بِهِ إرْشادَ المُسْلِمِ غَيْرَهُ ودَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ، فالتَّواصِي بِالحَقِّ يَشْمَلُ تَعْلِيمَ
صفحة ٥٣٣
حَقائِقِ الهَدْيِ وعَقائِدِ الصَّوابِ وإراضَةِ النَّفْسِ عَلى فَهْمِها بِفِعْلِ المَعْرُوفِ وتَرْكِ المُنْكَرِ.
والتَّواصِي بِالصَّبْرِ عُطِفَ عَلى التَّواصِي بِالحَقِّ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ أيْضًا وإنْ كانَ خُصُوصُهُ خُصُوصًا مِن وجْهٍ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ إقامَةِ الحَقِّ وما يَعْتَرِضُ المُسْلِمَ مِن أذًى في نَفْسِهِ في إقامَةِ بَعْضِ الحَقِّ.
وحَقِيقَةُ الصَّبْرِ أنَّهُ: مَنعُ المَرْءِ نَفْسَهُ مِن تَحْصِيلِ ما يَشْتَهِيهِ أوْ مِن مُحاوَلَةِ تَحْصِيلِهِ ( إنْ كانَ صَعْبَ الحُصُولِ، فَيَتْرُكُ مُحاوَلَةَ تَحْصِيلِهِ لِخَوْفِ ضُرٍّ يَنْشَأُ عَنْ تَناوُلِهِ كَخَوْفِ غَضَبِ اللَّهِ أوْ عِقابِ وُلاةِ الأُمُورِ أوْ لِرَغْبَةٍ في حُصُولِ نَفْعٍ مِنهُ كالصَّبْرِ عَلى مَشَقَّةِ الجِهادِ والحَجِّ رَغْبَةً في الثَّوابِ، والصَّبْرِ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ رَغْبَةً في تَحْصِيلِ مالٍ أوْ سُمْعَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
ومِنَ الصَّبْرِ عَلى ما يُلاقِيهِ المُسْلِمُ إذا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ مِنِ امْتِعاضِ بَعْضِ المَأْمُورِينَ بِهِ، أوْ مِن أذاهم بِالقَوْلِ كَمَن يَقُولُ لِآمِرِهِ: هَلّا نَظَرْتَ في أمْرِ نَفْسِكَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وأمّا تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ فِعْلِ المُنْكَراتِ كالصَّبْرِ عَلى تَجَشُّمِ السَّهَرِ في اللَّهْوِ والمَعاصِي، والصَّبْرِ عَلى بَشاعَةِ طَعْمِ الخَمْرِ لِشارِبِها، فَلَيْسَ مِنَ الصَّبْرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَمُّلَ مُنْبَعِثٌ عَنْ رُجْحانِ اشْتِهاءِ تِلْكَ المَشَقَّةِ عَلى كَراهِيَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي تَعْتَرِضُهُ في تَرْكِها.
وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى إقامَةِ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ كُلِّها، فالعَقائِدُ الإسْلامِيَّةُ والأخْلاقُ الدِّينِيَّةُ مُنْدَرِجَةٌ في الحَقِّ، والأعْمالُ الصّالِحَةُ وتَجَنُّبُ السَّيِّئاتِ مُنْدَرِجَةٌ في الصَّبْرِ.
والتَّخَلُّقُ بِالصَّبْرِ مِلاكُ فَضائِلِ الأخْلاقِ كُلِّها، فَإنَّ الِارْتِياضَ بِالأخْلاقِ الحَمِيدَةِ لا يَخْلُو مِن حَمْلِ المَرْءِ نَفْسَهُ عَلى مُخالَفَةِ شَهَواتٍ كَثِيرَةٍ، فَفي مُخالَفَتِها تَعَبٌ يَقْتَضِي الصَّبْرَ عَلَيْهِ حَتّى تَصِيرَ مَكارِمُ الأخْلاقِ مَلَكَةً لِمَن راضَ نَفْسَهُ عَلَيْها، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ:
إذا المَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعامًا يُحِبُّهُ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَ قَلْبًا غاوِيًا حَيْثُ يَمَّما
صفحة ٥٣٤
فَيُوشِكُ أنْ تُلْفى لَهُ الدَّهْرَ سُبَّةٌ ∗∗∗ إذا ذُكِرَتْ أمْثالُها تَمْلَأُ الفَماوكَذَلِكَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ كُلُّها لا تَخْلُو مِن إكْراهِ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ ما تَمِيلُ إلَيْهِ. وفي الحَدِيثِ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» . وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو.
وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى الصَّبْرِ مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأفادَتْ صِيغَةُ التَّواصِي بِالحَقِّ وبِالصَّبْرِ أنْ يَكُونَ شَأْنُ حَياةِ المُؤْمِنِينَ قائِمًا عَلى شُيُوعِ التَّآمُرِ بِهِما دَيْدَنًا لَهم. وذَلِكَ يَقْتَضِي اتِّصافَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ الحَقِّ وصَبْرَهم عَلى المَكارِهِ في مَصالِحِ الإسْلامِ وأُمَّتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ عُرْفُ النّاسِ مِن أنَّ أحَدًا لا يُوصِي غَيْرَهُ بِمُلازَمَةِ أمْرٍ إلّا وهو يَرى ذَلِكَ الأمْرَ خَلِيقًا بِالمُلازَمَةِ، إذْ قَلَّ أنْ يُقْدِمَ أحَدٌ عَلى أمْرٍ بِحَقٍّ هو لا يَفْعَلُهُ أوْ أمْرٍ بِصَبْرٍ وهو ذُو جَزَعٍ، وقَدْ قالَ تَعالى تَوْبِيخًا لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] في سُورَةِ الفَجْرِ.
* * *
صفحة ٥٣٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الهُمَزَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ الهُمَزَةِ) بِلامِ التَّعْرِيفِ. وعَنْوَنَها في صَحِيحِ البُخارِيِّ وبَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ) . وذَكَرَ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ الحُطَمَةِ) لِوُقُوعِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ الثّانِيَةَ والثَّلاثِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القِيامَةِ وقَبْلَ سُورَةِ المُرْسَلاتِ.
وآيُها تِسْعٌ بِالِاتِّفاقِ.
رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن المُشْرِكِينَ كانُوا أقامُوا أنْفُسَهم لِلَمْزِ المُسْلِمِينَ وسَبِّهِمْ واخْتِلاقِ الأُحْدُوثاتِ السَّيِّئَةِ عَنْهم. وسُمِّيَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وجَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ بَنِي جُمَحَ (وهَذا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ وشَهِدَ حُنَيْنًا) والعاصُ بْنُ وائِلٍ مِن بَنِي سَهْمٍ، وكُلُّهم مِن سادَةِ قُرَيْشٍ، وسُمِّيَ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيّانِ مِن سادَةِ ثَقِيفٍ مِن أهْلِ الطّائِفِ، وكُلُّ هَؤُلاءِ مِن أهْلِ الثَّراءِ في الجاهِلِيَّةِ والِازْدِهارِ بِثَرائِهِمْ وسُؤْدُدِهِمْ. وجاءَتْ آيَةُ السُّورَةِ عامَّةً فَعَمَّ حُكْمُها المُسَمَّيْنَ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ولَمْ تُذْكَرْ أسْماؤُهم.
* * *
فَغَرَضُ هَذِهِ السُّورَةِ وعِيدُ جَماعَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا هَمْزَ المُسْلِمِينَ ولَمْزَهم ضَرْبًا
صفحة ٥٣٦
مِن ضُرُوبِ أذاهم طَمَعًا في أنْ يُلْجِئَهُمُ المَلَلُ مِن أصْنافِ الأذى، إلى الِانْصِرافِ عَنِ الإسْلامِ والرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.
العصر 103:3
﴿والعَصْرِ﴾ [ ١ ] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [ ٢ ] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [ ٣ ] .
أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِالعَصْرِ قَسَمًا يُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ كَما هو شَأْنُ أقْسامِ القُرْآنِ.
والمُقْسَمُ بِهِ مِن مَظاهِرِ بَدِيعِ التَّكْوِينِ الرَّبّانِيِّ الدّالِّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ عِلْمِهِ.
ولِلْعَصْرِ مَعانٍ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها لا يَعْدُوا أنْ يَكُونَ حالَةً دالَّةً عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الأفْعالِ الرَّبّانِيَّةِ، يَتَعَيَّنُ إمّا بِإضافَتِهِ إلى ما يُقَدَّرُ، أوْ بِالقَرِينَةِ، أوْ بِالعَهْدِ، وأيًّا ما كانَ المُرادُ مِنهُ هُنا فَإنَّ القَسَمَ بِهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ زَمَنٌ يُذَكِّرُ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ العالَمِ وأحْوالِهِ، وبِأُمُورٍ عَظِيمَةٍ مُبارَكَةٍ مِثْلَ الصَّلاةِ المَخْصُوصَةِ أوْ عَصْرٍ مُعَيَّنٍ مُبارَكٍ.
وأشْهَرُ إطْلاقِ لَفْظِ العَصْرِ أنَّهُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِوَقْتٍ ما، بَيْنَ آخَرِ وقْتِ الظُّهْرِ وبَيْنَ
صفحة ٥٢٩
اصْفِرارِ الشَّمْسِ، فَمَبْدَؤُهُ إذا صارَ ظِلُّ الجِسْمِ مِثْلَهُ بَعْدَ القَدْرِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، ويَمْتَدُّ إلى أنْ يَصِيرَ ظِلُّ الجِسْمِ مِثْلَيْ قَدْرِهِ بَعْدَ الظِّلِّ الَّذِي كانَ لَهُ عِنْدَ زَوالِ الشَّمْسِ. وذَلِكَ وقْتُ اصْفِرارِ الشَّمْسِ، والعَصْرُ مَبْدَأُ العَشِيِّ. ويَعْقُبُهُ الأصِيلُ والِاحْمِرارُ، وهو ما قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنَّ اصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ
فَذَلِكَ وقْتٌ يُؤْذِنُ بِقُرْبِ انْتِهاءِ النَّهارِ، ويُذَكِّرُ بِخِلْقَةِ الشَّمْسِ والأرْضِ، ونِظامِ حَرَكَةِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ، وهي الحَرَكَةُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنها اللَّيْلُ والنَّهارُ كُلَّ يَوْمٍ، وهو مِن هَذا الوَجْهِ كالقَسَمِ بِالضُّحى وبِاللَّيْلِ والنَّهارِ وبِالفَجْرِ مِنَ الأحْوالِ الجَوِّيَّةِ المُتَغَيِّرَةِ بِتَغَيُّرِ تَوَجُّهِ شُعاعِ الشَّمْسِ نَحْوَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ.
وفِي ذَلِكَ الوَقْتِ يَتَهَيَّأُ النّاسُ لِلِانْقِطاعِ عَنْ أعْمالِهِمْ في النَّهارِ كالقِيامِ عَلى حُقُولِهِمْ وجَنّاتِهِمْ، وتِجاراتِهِمْ في أسْواقِهِمْ، فَيُذَكِّرُ بِحِكْمَةِ نِظامِ المُجْتَمَعِ الإنْسانِيِّ وما ألْهَمَ اللَّهُ في غَرِيزَتِهِ مِن دَأْبٍ عَلى عَمَلٍ ونِظامٍ لِابْتِدائِهِ وانْقِطاعِهِ. وفِيهِ يَتَحَفَّزُ النّاسُ لِلْإقْبالِ عَلى بُيُوتِهِمْ لِمَبِيتِهِمْ والتَّأنُّسِ بِأهْلِيهِمْ وأوْلادِهِمْ. وهو مِنَ النِّعْمَةِ أوْ مِنَ النَّعِيمِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى التَّذْكِيرِ بِمِثْلِ الحَياةِ حِينَ تَدْنُو آجالُ النّاسِ بَعْدَ مُضِيِّ أطْوارِ الشَّبابِ والِاكْتِهالِ والهِرَمِ.
وتَعْرِيفُهُ بِاللّامِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ: كُلِّ عَصْرٍ.
ويُطْلَقُ العَصْرُ عَلى الصَّلاةِ المُوَقَّتَةِ بِوَقْتِ العَصْرِ. وهي صَلاةٌ مُعَظَّمَةٌ. قِيلَ: هي المُرادُ بِالوُسْطى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وجاءَ في الحَدِيثِ («مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» ) . ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ («ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» ) فَذَكَرَ «ورَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا فاجِرَةً بَعْدَ العَصْرِ عَلى سِلْعَةٍ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها ما لَمْ يُعْطَ» وتَعْرِيفُهُ عَلى هَذا تَعْرِيفُ العَهْدِ، وصارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ كَما هو شَأْنُ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ الأجْناسِ المُعَرَّفَةِ بِاللّامِ مِثْلَ العَقَبَةِ.
ويُطْلَقُ العَصْرُ عَلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لِوُجُودِ جِيلٍ مِنَ النّاسِ، أوْ مَلِكٍ أوْ نَبِيٍّ، أوْ دِينٍ، ويُعَيَّنُ بِالإضافَةِ، فَيُقالُ: عَصْرُ الفِطَحْلِ، وعَصْرُ إبْراهِيمَ، وعَصْرُ الإسْكَنْدَرِ، وعَصْرُ الجاهِلِيَّةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُ هَذا الإطْلاقَ هُنا، ويَكُونَ
صفحة ٥٣٠
المَعْنِيُّ بِهِ عَصْرَ النَّبِيءِ ﷺ، والتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الحُضُورِيِّ مِثْلَ التَّعْرِيفِ في اليَوْمِ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُ اليَوْمَ كَذا، فالقَسَمُ بِهِ كالقَسَمِ بِحَياتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: (لَعَمْرُكَ) . قالَ الفَخْرُ: فَهو - تَعالى - أقْسَمَ بِزَمانِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وبِمَكانِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢]، وبِعُمْرِهِ في قَوْلِهِ (لَعَمْرُكَ) . اهـ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ عَصْرُ الإسْلامِ كُلُّهُ وهو خاتِمَةُ عُصُورِ الأدْيانِ لِهَذا العالَمِ، وقَدْ مَثَّلَ النَّبِيءُ ﷺ عَصْرَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَصْرِ اليَهُودِ وعَصْرِ النَّصارى بِما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِقَوْلِهِ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَراءَ يَعْمَلُونَ لَهُ إلى اللَّيْلِ، فَعَمِلَتِ اليَهُودُ إلى نِصْفِ النَّهارِ ثُمَّ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا إلى أجْرِكَ وما عَمِلْنا باطِلٌ، واسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بَعْدَهم فَقالَ: أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكم ولَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهم، فَعَمِلُوا حَتّى إذا كانَ حِينَ صَلاةِ العَصْرِ قالُوا: لَكَ ما عَمِلْنا باطِلٌ ولَكَ الأجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنا، واسْتَأْجَرَ قَوْمًا أنْ يَعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَأنْتُمْ هم» . فَلَعَلَّ ذَلِكَ التَّمْثِيلَ النَّبَوِيَّ لَهُ اتِّصالٌ بِالرَّمْزِ إلى عَصْرِ الإسْلامِ في هَذِهِ الآيَةِ.
ويَجُوزُ أنَّ يُفَسَّرَ العَصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالزَّمانِ كُلِّهِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ العَصْرِ، فَقالَ: أقْسَمَ رَبُّكم بِآخِرِ النَّهارِ» . وهَذِهِ المَعانِي لا يَفِي بِاحْتِمالِها غَيْرُ لَفْظِ العَصْرِ.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِالعَصْرِ لِغَرَضِ السُّورَةِ عَلى إرادَةِ عَصْرِ الإسْلامِ - ظاهِرَةٌ، فَإنَّها بَيَّنَتْ حالَ النّاسِ في عَصْرِ الإسْلامِ بَيْنَ مَن كَفَرَ بِهِ ومَن آمَنَ واسْتَوْفى حَظَّهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ، ويُعْرَفُ مِنهُ حالُ مَن أسْلَمُوا وكانَ في أعْمالِهِمْ تَقْصِيرٌ مُتَفاوِتٌ، أمّا أحْوالُ الأُمَمِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ فَكانَتْ مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلى بَعْضِ الأُمَمِ، وبَقاءِ بَعْضِ الأُمَمِ بِدُونِ شَرائِعَ مُتَمَسِّكَةٍ بِغَيْرِ دِينِ الإسْلامِ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ بِدِينٍ جاءَ الإسْلامُ بِنَسْخِهِ مِثْلَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ
صفحة ٥٣١
لِأنَّهُ يَسْتَغْرِقُ أفْرادَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ نُزُولِ الآيَةِ، وهو زَمَنُ ظُهُورِ الإسْلامِ كَما عَلِمْتَ قَرِيبًا. ومَخْصُوصٌ بِالنّاسِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ في بِلادِ العالَمِ عَلى تَفاوُتِها. ولَمّا اسْتُثْنِيَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بَقِيَ حُكْمُهُ مُتَحَقِّقًا في غَيْرِ المُؤْمِنِينَ كَما سَيَأْتِي. . .
والخُسْرُ: مَصْدَرٌ، وهو ضِدُّ الرِّبْحِ في التِّجارَةِ، اسْتُعِيرَ هُنا لِسُوءِ العاقِبَةِ لِمَن يَظُنُّ لِنَفْسِهِ عاقِبَةً حَسَنَةً، وتِلْكَ هي العاقِبَةُ الدّائِمَةُ وهي عاقِبَةُ الإنْسانِ في آخِرَتِهِ مِن نَعِيمٍ أوْ عَذابٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَكَرَّرَتْ نَظائِرُهُ في القُرْآنِ آنِفًا وبَعِيدًا.
والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ مَجازِيَّةٌ شَبَّهَتْ مُلازَمَةَ الخُسْرِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَكانَتْ أبْلَغَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْسانَ لَخاسِرٌ.
ومَجِيءُ هَذا الخَبَرِ عَلى العُمُومِ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّوْكِيدِ في جَوابِهِ، يُفِيدُ التَّهْوِيلَ والإنْذارَ بِالحالَةِ المُحِيطَةِ بِمُعْظَمِ النّاسِ.
وأعْقَبَ بِالِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. فَيَتَقَرَّرُ الحُكْمُ تَمامًا في نَفْسِ السّامِعِ مُبَيِّنًا أنَّ النّاسَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يَلْحَقُهُ الخُسْرانُ، وفَرِيقٌ لا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِنهُ، فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا يَلْحَقُهم الخُسْرانُ بِحالٍ إذا لَمْ يَتْرُكُوا شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ بِارْتِكابِ أضْدادِها وهي السَّيِّئاتُ.
ومِن أكْبَرِ الأعْمالِ الصّالِحاتِ التَّوْبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ لِمُقْتَرِفِيها، فَمَن تَحَقَّقَ فِيهِ وصْفُ الإيمانِ ولَمْ يَعْمَلِ السَّيِّئاتِ أوْ عَمِلَها وتابَ مِنها، فَقَدْ تَحَقَّقَ لَهُ ضِدُّ الخُسْرانِ وهو الرِّبْحُ المَجازِيُّ، أيْ: حُسْنُ عاقِبَةِ أمْرِهِ، وأمّا مَن لَمْ يَعْمَلِ الصّالِحاتِ ولَمْ يَتُبْ مِن سَيِّئاتِهِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ حُكْمُ المُسْتَثْنى مِنهُ وهو الخُسْرانُ.
وهَذا الخُسْرُ مُتَفاوِتٌ، فَأعْظَمُهُ وخالِدُهُ الخُسْرُ المُنْجَرُّ عَنِ انْتِفاءِ الإيمانِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ دُونَ ذَلِكَ تَكُونُ مَراتِبُ الخُسْرِ مُتَفاوِتَةً بِحَسَبِ كَثْرَةِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ظاهِرِها وباطِنِها. وما حَدَّدَهُ الإسْلامُ لِذَلِكَ مِن مَراتِبِ الأعْمالِ
صفحة ٥٣٢
وغُفْرانِ بَعْضِ اللَّمَمِ إذا تَرَكَ صاحِبُهُ الكَبائِرَ والفَواحِشَ، وهو ما فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
وهَذا الخَبَرُ مُرادٌ بِهِ الحُصُولُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ مَقامِ الإنْذارِ والوَعِيدِ، أيْ: لَفي خُسْرٍ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الآخِرَةِ، فَلا التِفاتَ إلى أحْوالِ النّاسِ في الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .
وتَنْكِيرُ (خُسْرٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْمِيمِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ وفي سِياقِ القَسَمِ.
والمَعْنى: إنَّ النّاسَ لَفي خُسْرانٍ عَظِيمٍ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (الصّالِحاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، أيْ: عَمِلُوا جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِعَمَلِها بِأمْرِ الدِّينِ، وعَمَلُ الصّالِحاتِ يَشْمَلُ تَرْكَ السَّيِّئاتِ. وقَدْ أفادَ اسْتِثْناءُ المُتَّصِفِينَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ ومَعْطُوفِها إيماءً إلى عِلَّةِ حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ وهو نَقِيضُ الحُكْمِ الثّابِتِ لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، فَإنَّهم لَيْسُوا في خُسْرٍ لِأجْلِ أنَّهم آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ.
فَأمّا الإيمانُ فَهو حَقِيقَةٌ مَقُولٌ عَلى جُزْئِيّاتِها بِالتَواطُئِ، وأمّا الصّالِحاتُ فَعُمُومُها مَقُولٌ عَلَيْهِ بِالتَّشَكُّكِ، فَيُشِيرُ إلى أنَّ انْتِفاءَ الخُسْرانِ عَنْهم يَتَقَدَّرُ بِمِقْدارِ ما عَمِلُوهُ مِنَ الصّالِحاتِ، وفي ذَلِكَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ.
وقَدْ دَلَّ اسْتِثْناءُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن أنْ يَكُونُوا في خُسْرٍ عَلى أنَّ سَبَبَ كَوْنِ بَقِيَّةِ الإنْسانِ في خُسْرٍ هو عَدَمُ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ. وعُلِمَ مِنَ المَوْصُولِ أنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ هُما سَبَبُ انْتِفاءِ إحاطَةِ الخُسْرِ بِالإنْسانِ.
وعُطِفَ عَلى عَمَلِ الصّالِحاتِ التَّواصِي بِالحَقِّ والتَّواصِي بِالصَّبْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن عَمَلِ الصّالِحاتِ، عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ يُظَنُّ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ هو ما أثَرُهُ عَمَلُ المَرْءِ في خاصَّتِهِ، فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مِنَ العَمَلِ المَأْمُورِ بِهِ إرْشادَ المُسْلِمِ غَيْرَهُ ودَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ، فالتَّواصِي بِالحَقِّ يَشْمَلُ تَعْلِيمَ
صفحة ٥٣٣
حَقائِقِ الهَدْيِ وعَقائِدِ الصَّوابِ وإراضَةِ النَّفْسِ عَلى فَهْمِها بِفِعْلِ المَعْرُوفِ وتَرْكِ المُنْكَرِ.
والتَّواصِي بِالصَّبْرِ عُطِفَ عَلى التَّواصِي بِالحَقِّ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ أيْضًا وإنْ كانَ خُصُوصُهُ خُصُوصًا مِن وجْهٍ؛ لِأنَّ الصَّبْرَ تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ إقامَةِ الحَقِّ وما يَعْتَرِضُ المُسْلِمَ مِن أذًى في نَفْسِهِ في إقامَةِ بَعْضِ الحَقِّ.
وحَقِيقَةُ الصَّبْرِ أنَّهُ: مَنعُ المَرْءِ نَفْسَهُ مِن تَحْصِيلِ ما يَشْتَهِيهِ أوْ مِن مُحاوَلَةِ تَحْصِيلِهِ ( إنْ كانَ صَعْبَ الحُصُولِ، فَيَتْرُكُ مُحاوَلَةَ تَحْصِيلِهِ لِخَوْفِ ضُرٍّ يَنْشَأُ عَنْ تَناوُلِهِ كَخَوْفِ غَضَبِ اللَّهِ أوْ عِقابِ وُلاةِ الأُمُورِ أوْ لِرَغْبَةٍ في حُصُولِ نَفْعٍ مِنهُ كالصَّبْرِ عَلى مَشَقَّةِ الجِهادِ والحَجِّ رَغْبَةً في الثَّوابِ، والصَّبْرِ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ رَغْبَةً في تَحْصِيلِ مالٍ أوْ سُمْعَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
ومِنَ الصَّبْرِ عَلى ما يُلاقِيهِ المُسْلِمُ إذا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ مِنِ امْتِعاضِ بَعْضِ المَأْمُورِينَ بِهِ، أوْ مِن أذاهم بِالقَوْلِ كَمَن يَقُولُ لِآمِرِهِ: هَلّا نَظَرْتَ في أمْرِ نَفْسِكَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وأمّا تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ فِعْلِ المُنْكَراتِ كالصَّبْرِ عَلى تَجَشُّمِ السَّهَرِ في اللَّهْوِ والمَعاصِي، والصَّبْرِ عَلى بَشاعَةِ طَعْمِ الخَمْرِ لِشارِبِها، فَلَيْسَ مِنَ الصَّبْرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَمُّلَ مُنْبَعِثٌ عَنْ رُجْحانِ اشْتِهاءِ تِلْكَ المَشَقَّةِ عَلى كَراهِيَةِ المَشَقَّةِ الَّتِي تَعْتَرِضُهُ في تَرْكِها.
وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عَلى إقامَةِ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ كُلِّها، فالعَقائِدُ الإسْلامِيَّةُ والأخْلاقُ الدِّينِيَّةُ مُنْدَرِجَةٌ في الحَقِّ، والأعْمالُ الصّالِحَةُ وتَجَنُّبُ السَّيِّئاتِ مُنْدَرِجَةٌ في الصَّبْرِ.
والتَّخَلُّقُ بِالصَّبْرِ مِلاكُ فَضائِلِ الأخْلاقِ كُلِّها، فَإنَّ الِارْتِياضَ بِالأخْلاقِ الحَمِيدَةِ لا يَخْلُو مِن حَمْلِ المَرْءِ نَفْسَهُ عَلى مُخالَفَةِ شَهَواتٍ كَثِيرَةٍ، فَفي مُخالَفَتِها تَعَبٌ يَقْتَضِي الصَّبْرَ عَلَيْهِ حَتّى تَصِيرَ مَكارِمُ الأخْلاقِ مَلَكَةً لِمَن راضَ نَفْسَهُ عَلَيْها، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ:
إذا المَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعامًا يُحِبُّهُ ∗∗∗ ولَمْ يَنْهَ قَلْبًا غاوِيًا حَيْثُ يَمَّما
صفحة ٥٣٤
فَيُوشِكُ أنْ تُلْفى لَهُ الدَّهْرَ سُبَّةٌ ∗∗∗ إذا ذُكِرَتْ أمْثالُها تَمْلَأُ الفَماوكَذَلِكَ الأعْمالُ الصّالِحَةُ كُلُّها لا تَخْلُو مِن إكْراهِ النَّفْسِ عَلى تَرْكِ ما تَمِيلُ إلَيْهِ. وفي الحَدِيثِ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» . وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لا تَكْبُو.
وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى الصَّبْرِ مُشْبَعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأفادَتْ صِيغَةُ التَّواصِي بِالحَقِّ وبِالصَّبْرِ أنْ يَكُونَ شَأْنُ حَياةِ المُؤْمِنِينَ قائِمًا عَلى شُيُوعِ التَّآمُرِ بِهِما دَيْدَنًا لَهم. وذَلِكَ يَقْتَضِي اتِّصافَ المُؤْمِنِينَ بِإقامَةِ الحَقِّ وصَبْرَهم عَلى المَكارِهِ في مَصالِحِ الإسْلامِ وأُمَّتِهِ لِما يَقْتَضِيهِ عُرْفُ النّاسِ مِن أنَّ أحَدًا لا يُوصِي غَيْرَهُ بِمُلازَمَةِ أمْرٍ إلّا وهو يَرى ذَلِكَ الأمْرَ خَلِيقًا بِالمُلازَمَةِ، إذْ قَلَّ أنْ يُقْدِمَ أحَدٌ عَلى أمْرٍ بِحَقٍّ هو لا يَفْعَلُهُ أوْ أمْرٍ بِصَبْرٍ وهو ذُو جَزَعٍ، وقَدْ قالَ تَعالى تَوْبِيخًا لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] في سُورَةِ الفَجْرِ.
* * *
صفحة ٥٣٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الهُمَزَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ الهُمَزَةِ) بِلامِ التَّعْرِيفِ. وعَنْوَنَها في صَحِيحِ البُخارِيِّ وبَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ) . وذَكَرَ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ أنَّها تُسَمّى (سُورَةَ الحُطَمَةِ) لِوُقُوعِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِيها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ الثّانِيَةَ والثَّلاثِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ القِيامَةِ وقَبْلَ سُورَةِ المُرْسَلاتِ.
وآيُها تِسْعٌ بِالِاتِّفاقِ.
رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن المُشْرِكِينَ كانُوا أقامُوا أنْفُسَهم لِلَمْزِ المُسْلِمِينَ وسَبِّهِمْ واخْتِلاقِ الأُحْدُوثاتِ السَّيِّئَةِ عَنْهم. وسُمِّيَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وجَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ بَنِي جُمَحَ (وهَذا أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ وشَهِدَ حُنَيْنًا) والعاصُ بْنُ وائِلٍ مِن بَنِي سَهْمٍ، وكُلُّهم مِن سادَةِ قُرَيْشٍ، وسُمِّيَ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ الثَّقَفِيّانِ مِن سادَةِ ثَقِيفٍ مِن أهْلِ الطّائِفِ، وكُلُّ هَؤُلاءِ مِن أهْلِ الثَّراءِ في الجاهِلِيَّةِ والِازْدِهارِ بِثَرائِهِمْ وسُؤْدُدِهِمْ. وجاءَتْ آيَةُ السُّورَةِ عامَّةً فَعَمَّ حُكْمُها المُسَمَّيْنَ ومَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ ولَمْ تُذْكَرْ أسْماؤُهم.
* * *
فَغَرَضُ هَذِهِ السُّورَةِ وعِيدُ جَماعَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا هَمْزَ المُسْلِمِينَ ولَمْزَهم ضَرْبًا
صفحة ٥٣٦
مِن ضُرُوبِ أذاهم طَمَعًا في أنْ يُلْجِئَهُمُ المَلَلُ مِن أصْنافِ الأذى، إلى الِانْصِرافِ عَنِ الإسْلامِ والرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.
الهمزة 104:1
﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسِبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا﴾ [الهمزة: ٤] .
كَلِمَةُ (ويْلٌ لَهُ) دُعاءٌ عَلى المَجْرُورِ اسْمُهُ بِاللّامِ بِأنْ يَنالَهُ الوَيْلُ، وهو سُوءُ الحالِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والدُّعاءُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ بِالعِقابِ.
وكَلِمَةُ (كُلِّ) تُشْعِرُ بِأنَّ المُهَدَّدِينَ بِهَذا الوَعِيدِ جَماعَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا هَمْزَ المُسْلِمِينَ ولَمْزَهم دَيْدَنًا لَهم. أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ.
وهُمَزَةٌ ولُمَزَةٌ، بِوَزْنِ فُعَلَةٍ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ صُدُورِ الفِعْلِ المُصاغِ مِنهُ، وأنَّهُ صارَ عادَةً لِصاحِبِهِ كَقَوْلِهِمْ: ضُحَكَةٌ لِكَثِيرِ الضَّحِكِ، ولُعَنَةٌ لِكَثِيرِ اللَّعْنِ. وأصْلُها: أنَّ صِيغَةَ فُعَلٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ تَرِدُ لِلْمُبالَغَةِ في فاعِلٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الكافِيَةِ يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ إذا كانَ قَلِيلَ الرَّحْمَةِ لِلْماشِيَةِ أيِ: والدَّوابِّ.
ومِنهُ قَوْلُهم: خُتَعٌ (بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ ومُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ) وهو الدَّلِيلُ الماهِرُ بِالدِّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ، فَإذا أُرِيدَتْ زِيادَةُ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ أُلْحِقَ بِهِ الهاءُ كَما أُلْحِقَتْ في: عَلّامَةٍ ورَحّالَةٍ، فَيَقُولُونَ: رَجُلٌ حُطَمَةٌ وضُحَكَةٌ ومِنهُ هُمَزَةٌ، وبِتِلْكَ المُبالَغَةِ الثّانِيَةِ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ تَفاقَمَ مِنهُ حَتّى صارَ لَهُ عادَةً قَدْ ضُرِيَ بِها كَما في الكَشّافِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ عُيَبَةً مُساوٍ لِعَيّابَةٍ، فَمِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ الوَصْفُ بِصِيغَتَيْ فُعَلٍ وفُعَلَةٍ نَحْوَ حُطَمٍ وحُطَمَةٍ بِدُونِ هاءٍ وبِهاءٍ، ومِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ فُعَلَةٌ دُونَ فُعَلٍ نَحْوَ رَجُلٍ ضُحَكَةٍ، ومِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ فُعَلٌ دُونَ فُعَلَةٍ وذَلِكَ في الشَّتْمِ مَعَ حَرْفِ النِّداءِ يا غُدَرُ ويا فُسَقُ ويا خُبَثُ ويا لُكَعُ.
قالَ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ قالَ: بَعْضُهم ولَمْ يُسْمَعْ غَيْرُها ولا يُقاسُ
صفحة ٥٣٧
عَلَيْها، وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أجازَ القِياسَ عَلَيْها في النِّداءِ اهـ. قُلْتُ: وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ بَنى الحَرِيرِيُّ قَوْلَهُ في المَقامَةِ السّابِعَةِ والثَّلاثِينَ: صَهْ يا عُقَقُ، يا مَن هو الشَّجا والشَّرَقُ.
وهُمَزَةٌ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الهَمْزِ. وهو أنْ يَعِيبَ أحَدٌ أحَدًا بِالإشارَةِ بِالعَيْنِ أوْ بِالشِّدْقِ أوْ بِالرَّأْسِ بِحَضْرَتِهِ أوْ عِنْدَ تَوَلِّيهِ، ويُقالُ: هامِزٌ وهَمّازٌ، وصِيغَةُ فُعَلَةٍ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ.
ووَقَعَ (هُمَزَةٌ) وصَفًا لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ويْلٌ لِكُلِّ شَخْصٍ هُمَزَةٍ، فَلَمّا حُذِفَ مَوْصُوفُهُ صارَ الوَصْفُ قائِمًا مَقامَهُ فَأُضِيفَ إلَيْهِ (كُلِّ) .
ولُمَزَةٌ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّمْزِ، وهو المُواجَهَةُ بِالعَيْبِ، وصِيغَتُهُ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ مَلَكَةٌ لِصاحِبِهِ كَما في هُمَزَةٍ.
وهَذانِ الوَصْفانِ مِن مُعامَلَةِ أهْلِ الشِّرْكِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، ومَن عامَلَ مِنَ المُسْلِمِينَ أحَدًا مِن أهْلِ دِينِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن هَذا الوَعِيدِ.
فَمَنِ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِن هَذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ مِنَ المُسْلِمِينَ مَعَ أهْلِ دِينِهِ، فَإنَّها خَصْلَةٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ، وهي ذَمِيمَةٌ تَدْخُلُ في أذى المُسْلِمِ، ولَهُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ الأذى وتَكَرُّرِهِ، ولَمْ يَعُدْ مِنَ الكَبائِرِ إلّا ضَرْبُ المُسْلِمِ، وسَبُّ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وإدْمانُ هَذا الأذى بِأنْ يَتَّخِذَهُ دَيْدَنًا، فَهو راجِعٌ إلى إدْمانِ الصَّغائِرِ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الكَبائِرِ.
وأتْبَعَ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ صِفَتَيْهِ الذَّمِيمَتَيْنِ بِصِفَةِ الحِرْصِ عَلى المالِ، وإنَّما يَنْشَأُ ذَلِكَ مِن بُخْلِ النَّفْسِ والتَّخَوُّفِ مِنَ الفَقْرِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ دُخُولُ أُولَئِكَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِهَمْزِ المُسْلِمِينَ ولَمْزِهِمُ، الَّذِينَ قِيلَ إنَّهم سَبَبُ نُزُولِ السُّورَةِ لِتَعْيِينِهِمْ في هَذا الوَعِيدِ.
واسْمُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا﴾ نَعْتٌ آخَرُ، ولَمْ يُعْطَفِ الَّذِي بِالواوِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأوْصافِ المُتَعَدِّدَةِ لِلْمَوْصُوفِ الواحِدِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ عَطْفٍ
صفحة ٥٣٨
نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] .
والمالُ: مَكاسِبُ الإنْسانِ الَّتِي تَنْفَعُهُ وتَكْفِي مَئُونَةَ حاجَتِهِ مِن طَعامٍ ولِباسٍ وما يُتَّخَذُ مِنهُ ذَلِكَ، كالأنْعامِ والأشْجارِ ذاتِ الثِّمارِ المُثْمِرَةِ، وقَدْ غَلَبَ لَفْظُ المالِ في كُلِّ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ عَلى ما هو كَثِيرٌ مِن مَشْمُولاتِهِمْ، فَغَلَبَ اسْمُ المالِ بَيْنَ أهْلِ الخِيامِ عَلى الإبِلِ قالَ زُهَيْرٌ:
فَكُلًّا أراهم أصْبَحُوا يَعْقِلُونَهُ صَحِيحاتِ مالٍ طالِعاتٍ بِمَخْزَمِ
يُرِيدُ إبِلَ الدِّيَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: طالِعاتٍ بِمَخْرَمِ.
وهُوَ عِنْدَ أهْلِ القُرى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الحَوائِطَ يَغْلِبُ عَلى النَّخْلِ، يَقُولُونَ خَرَجَ فُلانٌ إلى مالِهِ، أيْ: إلى جَنّاتِهِ. وفي كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ: ”وإنَّ إخْوانِي الأنْصارَ شَغَلَهُمُ العَمَلُ في أمْوالِهِمْ“ . وقالَ أبُو طَلْحَةَ: " وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَئْرُحاءُ. وغَلَبَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الدَّراهِمِ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ أهْلُ تَجْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلْعَبّاسِ أيْنَ المالُ الَّذِي عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ.
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] سُورَةُ آلِ عِمْرانَ.
ومَعْنى (عَدَّدَهُ) أكْثَرُ مِن عَدَّهُ، أيْ: حِسابُهُ لِشِدَّةِ ولَعِهِ بِجَمْعِهِ، فالتَّضْعِيفُ لِلْمُبالَغَةِ في (عَدَّ) ومُعاوَدَتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿جَمَعَ مالًا﴾ بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِتَشْدِيدِ المِيمِ مُزاوِجًا لِقَوْلِهِ (عَدَّدَهُ) وهو مُبالَغَةٌ في (جَمَعَ) . وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ دَلَّ تَضْعِيفُ عَدَّدَهُ عَلى مَعْنى تَكَلُّفِ جَمْعِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُكَرِّرُ عَدَّهُ إلّا لِيَزِيدَ جَمْعُهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عَدَّدَهُ) بِمَعْنى أكْثَرَ إعْدادَهُ، أيْ: إعْدادَ أنْواعِهِ، فَيَكُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن هُمَزَةٍ فَيَكُونَ
صفحة ٥٣٩
مُسْتَعْمَلًا في التَّهَكُّمِ عَلَيْهِ في حِرْصِهِ عَلى جَمْعِ المالِ وتَعْدِيدِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ مَن يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يُخْلِدُهُ، فَيَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أوْ تَكُونَ الحالُ مُرادًا بِها التَّشْبِيهُ وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ والخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في الإنْكارِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ مُسْتَعْمَلًا في التَّهَكُّمِ بِهِ بِأنَّهُ مُوقِنٌ بِأنَّ مالَهُ يُخْلِدُهُ حَتّى كَأنَّهُ حَصَلَ إخْلادُهُ وثَبَتَ.
والهَمْزَةُ في (أخْلَدَهُ) لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلَهُ خالِدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْسِبُ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا المالَ يُشْبِهُ حالُهم حالَ مَن يَحْسَبُ أنَّ المالَ يَقِيهِمُ المَوْتَ ويَجْعَلُهم خالِدِينَ؛ لِأنَّ الخُلُودَ في الدُّنْيا أقْصى مُتَمَنّاهم، إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِحَياةٍ أُخْرى خالِدَةٍ.
و(كَلّا) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ المالُ مُخَلِّدًا لَهم. وزَجْرٌ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالحالَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي جَعَلَتْهم في حالِ مَن يَحْسَبُ أنَّ المالَ يُخْلِدُ صاحِبَهُ، أوْ إبْطالٌ لِلْحِرْصِ في جَمْعِ المالِ جَمْعًا يَمْنَعُ بِهِ حُقُوقَ اللَّهِ في المالِ مِن نَفَقاتٍ وزَكاةٍ.
الهمزة 104:2
﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسِبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا﴾ [الهمزة: ٤] .
كَلِمَةُ (ويْلٌ لَهُ) دُعاءٌ عَلى المَجْرُورِ اسْمُهُ بِاللّامِ بِأنْ يَنالَهُ الوَيْلُ، وهو سُوءُ الحالِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والدُّعاءُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ بِالعِقابِ.
وكَلِمَةُ (كُلِّ) تُشْعِرُ بِأنَّ المُهَدَّدِينَ بِهَذا الوَعِيدِ جَماعَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا هَمْزَ المُسْلِمِينَ ولَمْزَهم دَيْدَنًا لَهم. أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ.
وهُمَزَةٌ ولُمَزَةٌ، بِوَزْنِ فُعَلَةٍ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ صُدُورِ الفِعْلِ المُصاغِ مِنهُ، وأنَّهُ صارَ عادَةً لِصاحِبِهِ كَقَوْلِهِمْ: ضُحَكَةٌ لِكَثِيرِ الضَّحِكِ، ولُعَنَةٌ لِكَثِيرِ اللَّعْنِ. وأصْلُها: أنَّ صِيغَةَ فُعَلٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ تَرِدُ لِلْمُبالَغَةِ في فاعِلٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الكافِيَةِ يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ إذا كانَ قَلِيلَ الرَّحْمَةِ لِلْماشِيَةِ أيِ: والدَّوابِّ.
ومِنهُ قَوْلُهم: خُتَعٌ (بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ ومُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ) وهو الدَّلِيلُ الماهِرُ بِالدِّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ، فَإذا أُرِيدَتْ زِيادَةُ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ أُلْحِقَ بِهِ الهاءُ كَما أُلْحِقَتْ في: عَلّامَةٍ ورَحّالَةٍ، فَيَقُولُونَ: رَجُلٌ حُطَمَةٌ وضُحَكَةٌ ومِنهُ هُمَزَةٌ، وبِتِلْكَ المُبالَغَةِ الثّانِيَةِ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ تَفاقَمَ مِنهُ حَتّى صارَ لَهُ عادَةً قَدْ ضُرِيَ بِها كَما في الكَشّافِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ عُيَبَةً مُساوٍ لِعَيّابَةٍ، فَمِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ الوَصْفُ بِصِيغَتَيْ فُعَلٍ وفُعَلَةٍ نَحْوَ حُطَمٍ وحُطَمَةٍ بِدُونِ هاءٍ وبِهاءٍ، ومِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ فُعَلَةٌ دُونَ فُعَلٍ نَحْوَ رَجُلٍ ضُحَكَةٍ، ومِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ فُعَلٌ دُونَ فُعَلَةٍ وذَلِكَ في الشَّتْمِ مَعَ حَرْفِ النِّداءِ يا غُدَرُ ويا فُسَقُ ويا خُبَثُ ويا لُكَعُ.
قالَ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ قالَ: بَعْضُهم ولَمْ يُسْمَعْ غَيْرُها ولا يُقاسُ
صفحة ٥٣٧
عَلَيْها، وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أجازَ القِياسَ عَلَيْها في النِّداءِ اهـ. قُلْتُ: وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ بَنى الحَرِيرِيُّ قَوْلَهُ في المَقامَةِ السّابِعَةِ والثَّلاثِينَ: صَهْ يا عُقَقُ، يا مَن هو الشَّجا والشَّرَقُ.
وهُمَزَةٌ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الهَمْزِ. وهو أنْ يَعِيبَ أحَدٌ أحَدًا بِالإشارَةِ بِالعَيْنِ أوْ بِالشِّدْقِ أوْ بِالرَّأْسِ بِحَضْرَتِهِ أوْ عِنْدَ تَوَلِّيهِ، ويُقالُ: هامِزٌ وهَمّازٌ، وصِيغَةُ فُعَلَةٍ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ.
ووَقَعَ (هُمَزَةٌ) وصَفًا لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ويْلٌ لِكُلِّ شَخْصٍ هُمَزَةٍ، فَلَمّا حُذِفَ مَوْصُوفُهُ صارَ الوَصْفُ قائِمًا مَقامَهُ فَأُضِيفَ إلَيْهِ (كُلِّ) .
ولُمَزَةٌ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّمْزِ، وهو المُواجَهَةُ بِالعَيْبِ، وصِيغَتُهُ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ مَلَكَةٌ لِصاحِبِهِ كَما في هُمَزَةٍ.
وهَذانِ الوَصْفانِ مِن مُعامَلَةِ أهْلِ الشِّرْكِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، ومَن عامَلَ مِنَ المُسْلِمِينَ أحَدًا مِن أهْلِ دِينِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن هَذا الوَعِيدِ.
فَمَنِ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِن هَذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ مِنَ المُسْلِمِينَ مَعَ أهْلِ دِينِهِ، فَإنَّها خَصْلَةٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ، وهي ذَمِيمَةٌ تَدْخُلُ في أذى المُسْلِمِ، ولَهُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ الأذى وتَكَرُّرِهِ، ولَمْ يَعُدْ مِنَ الكَبائِرِ إلّا ضَرْبُ المُسْلِمِ، وسَبُّ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وإدْمانُ هَذا الأذى بِأنْ يَتَّخِذَهُ دَيْدَنًا، فَهو راجِعٌ إلى إدْمانِ الصَّغائِرِ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الكَبائِرِ.
وأتْبَعَ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ صِفَتَيْهِ الذَّمِيمَتَيْنِ بِصِفَةِ الحِرْصِ عَلى المالِ، وإنَّما يَنْشَأُ ذَلِكَ مِن بُخْلِ النَّفْسِ والتَّخَوُّفِ مِنَ الفَقْرِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ دُخُولُ أُولَئِكَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِهَمْزِ المُسْلِمِينَ ولَمْزِهِمُ، الَّذِينَ قِيلَ إنَّهم سَبَبُ نُزُولِ السُّورَةِ لِتَعْيِينِهِمْ في هَذا الوَعِيدِ.
واسْمُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا﴾ نَعْتٌ آخَرُ، ولَمْ يُعْطَفِ الَّذِي بِالواوِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأوْصافِ المُتَعَدِّدَةِ لِلْمَوْصُوفِ الواحِدِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ عَطْفٍ
صفحة ٥٣٨
نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] .
والمالُ: مَكاسِبُ الإنْسانِ الَّتِي تَنْفَعُهُ وتَكْفِي مَئُونَةَ حاجَتِهِ مِن طَعامٍ ولِباسٍ وما يُتَّخَذُ مِنهُ ذَلِكَ، كالأنْعامِ والأشْجارِ ذاتِ الثِّمارِ المُثْمِرَةِ، وقَدْ غَلَبَ لَفْظُ المالِ في كُلِّ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ عَلى ما هو كَثِيرٌ مِن مَشْمُولاتِهِمْ، فَغَلَبَ اسْمُ المالِ بَيْنَ أهْلِ الخِيامِ عَلى الإبِلِ قالَ زُهَيْرٌ:
فَكُلًّا أراهم أصْبَحُوا يَعْقِلُونَهُ صَحِيحاتِ مالٍ طالِعاتٍ بِمَخْزَمِ
يُرِيدُ إبِلَ الدِّيَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: طالِعاتٍ بِمَخْرَمِ.
وهُوَ عِنْدَ أهْلِ القُرى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الحَوائِطَ يَغْلِبُ عَلى النَّخْلِ، يَقُولُونَ خَرَجَ فُلانٌ إلى مالِهِ، أيْ: إلى جَنّاتِهِ. وفي كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ: ”وإنَّ إخْوانِي الأنْصارَ شَغَلَهُمُ العَمَلُ في أمْوالِهِمْ“ . وقالَ أبُو طَلْحَةَ: " وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَئْرُحاءُ. وغَلَبَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الدَّراهِمِ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ أهْلُ تَجْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلْعَبّاسِ أيْنَ المالُ الَّذِي عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ.
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] سُورَةُ آلِ عِمْرانَ.
ومَعْنى (عَدَّدَهُ) أكْثَرُ مِن عَدَّهُ، أيْ: حِسابُهُ لِشِدَّةِ ولَعِهِ بِجَمْعِهِ، فالتَّضْعِيفُ لِلْمُبالَغَةِ في (عَدَّ) ومُعاوَدَتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿جَمَعَ مالًا﴾ بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِتَشْدِيدِ المِيمِ مُزاوِجًا لِقَوْلِهِ (عَدَّدَهُ) وهو مُبالَغَةٌ في (جَمَعَ) . وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ دَلَّ تَضْعِيفُ عَدَّدَهُ عَلى مَعْنى تَكَلُّفِ جَمْعِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُكَرِّرُ عَدَّهُ إلّا لِيَزِيدَ جَمْعُهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عَدَّدَهُ) بِمَعْنى أكْثَرَ إعْدادَهُ، أيْ: إعْدادَ أنْواعِهِ، فَيَكُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن هُمَزَةٍ فَيَكُونَ
صفحة ٥٣٩
مُسْتَعْمَلًا في التَّهَكُّمِ عَلَيْهِ في حِرْصِهِ عَلى جَمْعِ المالِ وتَعْدِيدِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ مَن يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يُخْلِدُهُ، فَيَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أوْ تَكُونَ الحالُ مُرادًا بِها التَّشْبِيهُ وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ والخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في الإنْكارِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ مُسْتَعْمَلًا في التَّهَكُّمِ بِهِ بِأنَّهُ مُوقِنٌ بِأنَّ مالَهُ يُخْلِدُهُ حَتّى كَأنَّهُ حَصَلَ إخْلادُهُ وثَبَتَ.
والهَمْزَةُ في (أخْلَدَهُ) لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلَهُ خالِدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْسِبُ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا المالَ يُشْبِهُ حالُهم حالَ مَن يَحْسَبُ أنَّ المالَ يَقِيهِمُ المَوْتَ ويَجْعَلُهم خالِدِينَ؛ لِأنَّ الخُلُودَ في الدُّنْيا أقْصى مُتَمَنّاهم، إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِحَياةٍ أُخْرى خالِدَةٍ.
و(كَلّا) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ المالُ مُخَلِّدًا لَهم. وزَجْرٌ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالحالَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي جَعَلَتْهم في حالِ مَن يَحْسَبُ أنَّ المالَ يُخْلِدُ صاحِبَهُ، أوْ إبْطالٌ لِلْحِرْصِ في جَمْعِ المالِ جَمْعًا يَمْنَعُ بِهِ حُقُوقَ اللَّهِ في المالِ مِن نَفَقاتٍ وزَكاةٍ.
الهمزة 104:3
﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ ﴿يَحْسِبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ ﴿كَلّا﴾ [الهمزة: ٤] .
كَلِمَةُ (ويْلٌ لَهُ) دُعاءٌ عَلى المَجْرُورِ اسْمُهُ بِاللّامِ بِأنْ يَنالَهُ الوَيْلُ، وهو سُوءُ الحالِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والدُّعاءُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ بِالعِقابِ.
وكَلِمَةُ (كُلِّ) تُشْعِرُ بِأنَّ المُهَدَّدِينَ بِهَذا الوَعِيدِ جَماعَةٌ، وهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا هَمْزَ المُسْلِمِينَ ولَمْزَهم دَيْدَنًا لَهم. أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ.
وهُمَزَةٌ ولُمَزَةٌ، بِوَزْنِ فُعَلَةٍ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ صُدُورِ الفِعْلِ المُصاغِ مِنهُ، وأنَّهُ صارَ عادَةً لِصاحِبِهِ كَقَوْلِهِمْ: ضُحَكَةٌ لِكَثِيرِ الضَّحِكِ، ولُعَنَةٌ لِكَثِيرِ اللَّعْنِ. وأصْلُها: أنَّ صِيغَةَ فُعَلٍ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ تَرِدُ لِلْمُبالَغَةِ في فاعِلٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الكافِيَةِ يُقالُ: رَجُلٌ حُطَمٌ إذا كانَ قَلِيلَ الرَّحْمَةِ لِلْماشِيَةِ أيِ: والدَّوابِّ.
ومِنهُ قَوْلُهم: خُتَعٌ (بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ ومُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ) وهو الدَّلِيلُ الماهِرُ بِالدِّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ، فَإذا أُرِيدَتْ زِيادَةُ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ أُلْحِقَ بِهِ الهاءُ كَما أُلْحِقَتْ في: عَلّامَةٍ ورَحّالَةٍ، فَيَقُولُونَ: رَجُلٌ حُطَمَةٌ وضُحَكَةٌ ومِنهُ هُمَزَةٌ، وبِتِلْكَ المُبالَغَةِ الثّانِيَةِ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ تَفاقَمَ مِنهُ حَتّى صارَ لَهُ عادَةً قَدْ ضُرِيَ بِها كَما في الكَشّافِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ عُيَبَةً مُساوٍ لِعَيّابَةٍ، فَمِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ الوَصْفُ بِصِيغَتَيْ فُعَلٍ وفُعَلَةٍ نَحْوَ حُطَمٍ وحُطَمَةٍ بِدُونِ هاءٍ وبِهاءٍ، ومِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ فُعَلَةٌ دُونَ فُعَلٍ نَحْوَ رَجُلٍ ضُحَكَةٍ، ومِنَ الأمْثِلَةِ ما سُمِعَ فِيهِ فُعَلٌ دُونَ فُعَلَةٍ وذَلِكَ في الشَّتْمِ مَعَ حَرْفِ النِّداءِ يا غُدَرُ ويا فُسَقُ ويا خُبَثُ ويا لُكَعُ.
قالَ المُرادِيُّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ قالَ: بَعْضُهم ولَمْ يُسْمَعْ غَيْرُها ولا يُقاسُ
صفحة ٥٣٧
عَلَيْها، وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أجازَ القِياسَ عَلَيْها في النِّداءِ اهـ. قُلْتُ: وعَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ بَنى الحَرِيرِيُّ قَوْلَهُ في المَقامَةِ السّابِعَةِ والثَّلاثِينَ: صَهْ يا عُقَقُ، يا مَن هو الشَّجا والشَّرَقُ.
وهُمَزَةٌ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الهَمْزِ. وهو أنْ يَعِيبَ أحَدٌ أحَدًا بِالإشارَةِ بِالعَيْنِ أوْ بِالشِّدْقِ أوْ بِالرَّأْسِ بِحَضْرَتِهِ أوْ عِنْدَ تَوَلِّيهِ، ويُقالُ: هامِزٌ وهَمّازٌ، وصِيغَةُ فُعَلَةٍ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ.
ووَقَعَ (هُمَزَةٌ) وصَفًا لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ويْلٌ لِكُلِّ شَخْصٍ هُمَزَةٍ، فَلَمّا حُذِفَ مَوْصُوفُهُ صارَ الوَصْفُ قائِمًا مَقامَهُ فَأُضِيفَ إلَيْهِ (كُلِّ) .
ولُمَزَةٌ: وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّمْزِ، وهو المُواجَهَةُ بِالعَيْبِ، وصِيغَتُهُ دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ مَلَكَةٌ لِصاحِبِهِ كَما في هُمَزَةٍ.
وهَذانِ الوَصْفانِ مِن مُعامَلَةِ أهْلِ الشِّرْكِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، ومَن عامَلَ مِنَ المُسْلِمِينَ أحَدًا مِن أهْلِ دِينِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن هَذا الوَعِيدِ.
فَمَنِ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِن هَذا الخُلُقِ الذَّمِيمِ مِنَ المُسْلِمِينَ مَعَ أهْلِ دِينِهِ، فَإنَّها خَصْلَةٌ مِن خِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ، وهي ذَمِيمَةٌ تَدْخُلُ في أذى المُسْلِمِ، ولَهُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ الأذى وتَكَرُّرِهِ، ولَمْ يَعُدْ مِنَ الكَبائِرِ إلّا ضَرْبُ المُسْلِمِ، وسَبُّ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وإدْمانُ هَذا الأذى بِأنْ يَتَّخِذَهُ دَيْدَنًا، فَهو راجِعٌ إلى إدْمانِ الصَّغائِرِ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الكَبائِرِ.
وأتْبَعَ ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ﴾ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ صِفَتَيْهِ الذَّمِيمَتَيْنِ بِصِفَةِ الحِرْصِ عَلى المالِ، وإنَّما يَنْشَأُ ذَلِكَ مِن بُخْلِ النَّفْسِ والتَّخَوُّفِ مِنَ الفَقْرِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ دُخُولُ أُولَئِكَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِهَمْزِ المُسْلِمِينَ ولَمْزِهِمُ، الَّذِينَ قِيلَ إنَّهم سَبَبُ نُزُولِ السُّورَةِ لِتَعْيِينِهِمْ في هَذا الوَعِيدِ.
واسْمُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَمَعَ مالًا﴾ نَعْتٌ آخَرُ، ولَمْ يُعْطَفِ الَّذِي بِالواوِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الأوْصافِ المُتَعَدِّدَةِ لِلْمَوْصُوفِ الواحِدِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ عَطْفٍ
صفحة ٥٣٨
نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] .
والمالُ: مَكاسِبُ الإنْسانِ الَّتِي تَنْفَعُهُ وتَكْفِي مَئُونَةَ حاجَتِهِ مِن طَعامٍ ولِباسٍ وما يُتَّخَذُ مِنهُ ذَلِكَ، كالأنْعامِ والأشْجارِ ذاتِ الثِّمارِ المُثْمِرَةِ، وقَدْ غَلَبَ لَفْظُ المالِ في كُلِّ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ عَلى ما هو كَثِيرٌ مِن مَشْمُولاتِهِمْ، فَغَلَبَ اسْمُ المالِ بَيْنَ أهْلِ الخِيامِ عَلى الإبِلِ قالَ زُهَيْرٌ:
فَكُلًّا أراهم أصْبَحُوا يَعْقِلُونَهُ صَحِيحاتِ مالٍ طالِعاتٍ بِمَخْزَمِ
يُرِيدُ إبِلَ الدِّيَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: طالِعاتٍ بِمَخْرَمِ.
وهُوَ عِنْدَ أهْلِ القُرى الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الحَوائِطَ يَغْلِبُ عَلى النَّخْلِ، يَقُولُونَ خَرَجَ فُلانٌ إلى مالِهِ، أيْ: إلى جَنّاتِهِ. وفي كَلامِ أبِي هُرَيْرَةَ: ”وإنَّ إخْوانِي الأنْصارَ شَغَلَهُمُ العَمَلُ في أمْوالِهِمْ“ . وقالَ أبُو طَلْحَةَ: " وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَئْرُحاءُ. وغَلَبَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الدَّراهِمِ؛ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ أهْلُ تَجْرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلْعَبّاسِ أيْنَ المالُ الَّذِي عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ.
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] سُورَةُ آلِ عِمْرانَ.
ومَعْنى (عَدَّدَهُ) أكْثَرُ مِن عَدَّهُ، أيْ: حِسابُهُ لِشِدَّةِ ولَعِهِ بِجَمْعِهِ، فالتَّضْعِيفُ لِلْمُبالَغَةِ في (عَدَّ) ومُعاوَدَتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿جَمَعَ مالًا﴾ بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِتَشْدِيدِ المِيمِ مُزاوِجًا لِقَوْلِهِ (عَدَّدَهُ) وهو مُبالَغَةٌ في (جَمَعَ) . وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ دَلَّ تَضْعِيفُ عَدَّدَهُ عَلى مَعْنى تَكَلُّفِ جَمْعِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُكَرِّرُ عَدَّهُ إلّا لِيَزِيدَ جَمْعُهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عَدَّدَهُ) بِمَعْنى أكْثَرَ إعْدادَهُ، أيْ: إعْدادَ أنْواعِهِ، فَيَكُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن هُمَزَةٍ فَيَكُونَ
صفحة ٥٣٩
مُسْتَعْمَلًا في التَّهَكُّمِ عَلَيْهِ في حِرْصِهِ عَلى جَمْعِ المالِ وتَعْدِيدِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ مَن يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ يُخْلِدُهُ، فَيَكُونَ الكَلامُ مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أوْ تَكُونَ الحالُ مُرادًا بِها التَّشْبِيهُ وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ والخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في الإنْكارِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ مُسْتَعْمَلًا في التَّهَكُّمِ بِهِ بِأنَّهُ مُوقِنٌ بِأنَّ مالَهُ يُخْلِدُهُ حَتّى كَأنَّهُ حَصَلَ إخْلادُهُ وثَبَتَ.
والهَمْزَةُ في (أخْلَدَهُ) لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلَهُ خالِدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَحْسِبُ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ.
ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا المالَ يُشْبِهُ حالُهم حالَ مَن يَحْسَبُ أنَّ المالَ يَقِيهِمُ المَوْتَ ويَجْعَلُهم خالِدِينَ؛ لِأنَّ الخُلُودَ في الدُّنْيا أقْصى مُتَمَنّاهم، إذْ لا يُؤْمِنُونَ بِحَياةٍ أُخْرى خالِدَةٍ.
و(كَلّا) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ المالُ مُخَلِّدًا لَهم. وزَجْرٌ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالحالَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي جَعَلَتْهم في حالِ مَن يَحْسَبُ أنَّ المالَ يُخْلِدُ صاحِبَهُ، أوْ إبْطالٌ لِلْحِرْصِ في جَمْعِ المالِ جَمْعًا يَمْنَعُ بِهِ حُقُوقَ اللَّهِ في المالِ مِن نَفَقاتٍ وزَكاةٍ.
الهمزة 104:4
﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] مِنَ التَّهَكُّمِ والإنْكارِ، وما أفادَهُ حَرْفُ الزَّجْرِ مِن مَعْنى التَّوَعُّدِ.
والمَعْنى: لَيُهْلَكَنَّ فَلَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ.
واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الهُمَزَةِ.
صفحة ٥٤٠
والنَّبْذُ: الإلْقاءُ والطَّرْحُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في إلْقاءِ ما يُكْرَهُ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] شَبَّهَهُمُ اسْتِحْقارًا لَهم بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخِذٌ بِكَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ اهـ.
والحُطَمَةُ: صِفَةٌ بِوَزْنِ فُعَلَةٍ، مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في الهُمَزَةِ، أيْ: لَيُنْبَذَنَّ في شَيْءٍ يُحَطِّمُهُ، أيْ: يَكْسِرُهُ ويَدُقُّهُ.
والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ؛ لِأنَّهُ اعْتَبَرَ الوَصْفَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى شَيْءٍ يُحَطِّمُ وأُرِيدَ بِذَلِكَ جَهَنَّمُ، وأنَّ إطْلاقَ هَذا الوَصْفِ عَلى جَهَنَّمَ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ عَلى النّارِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ في مَوْضِعِ حالٍ مِن قَوْلِهِ (الحُطَمَةُ) والرّابِطُ إعادَةُ لَفْظِ الحُطَمَةِ، وذَلِكَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّهْوِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وما فِيها مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وفِعْلِ الدِّرايَةِ يُفِيدُ تَهْوِيلَ الحُطَمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما أدْراكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ جَوابٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ مُفِيدُ مَجْمُوعِهِما بَيانُ الحُطَمَةِ ما هي، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، والتَّقْدِيرُ هي، أيِ: الحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ مِنَ الجُمْلَةِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ أمْثالِهِ مِن كُلِّ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ حَدِيثٍ عَنْهُ وأوْصافٍ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإضافَةُ (نارٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّرْوِيعِ بِها بِأنَّها نارٌ خَلَقَها القادِرُ عَلى خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ.
ووَصْفُ (نارٍ) بِـ (مُوقَدَةٍ) وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن: أوْقَدَ النّارَ، إذا أشْعَلَها وألْهَبَها. والتَّوَقُّدُ: ابْتِداءُ التِهابِ النّارِ، فَإذا صارَتْ جَمْرًا فَقَدْ خَفَّ لَهَبُها، أوْ زالَ، فَوَصْفُ (نارٍ) بِـ (مُوقَدَةٍ) يُفِيدُ أنَّها لا تَزالُ تَلْتَهِبُ ولا يَزُولُ لَهِيبُها. وهَذا كَما وُصِفَتْ نارُ الأُخْدُودِ بِذاتِ الوَقُودِ، (بِفَتْحِ الواوِ) في سُورَةِ البُرُوجِ، أيْ: النّارُ الَّتِي يُجَدَّدُ اتِّقادُها بِوَقُودٍ وهو الحَطَبُ الَّذِي يُلْقى في النّارِ لِتَتَّقِدَ، فَلَيْسَ الوَصْفُ بِالمُوقَدَةِ هُنا تَأْكِيدًا.
صفحة ٥٤١
ووُصِفَتْ ﴿نارُ اللَّهِ﴾ وصْفًا ثانِيًا بِـ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ .
والِاطِّلاعُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإتْيانِ مُبالَغَةً في طَلَعَ، أيْ: الإتْيانُ السَّرِيعُ بِقُوَّةٍ واسْتِيلاءٍ، فالمَعْنى: الَّتِي تَنْفُذُ إلى الأفْئِدَةِ فَتَحْرِقُها في وقْتِ حَرْقِ ظاهِرِ الجَسَدِ.
وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ قالَ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] فَيُفِيدُ أنَّ النّارَ تَحْرِقُ الأفْئِدَةَ إحْراقَ العالِمِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأفْئِدَةُ مِنَ الكُفْرِ، فَتُصِيبُ كُلَّ فُؤادٍ بِما هو كِفاؤُهُ مِن شِدَّةِ الحَرْقِ عَلى حَسَبِ مَبْلَغِ سُوءِ اعْتِقادِهِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللَّهِ بَيْنَ شِدَّةِ النّارِ وقابِلِيَّةِ المُتَأثِّرِ بِها لا يَعْلَمُهُ إلّا مُقَدِّرُهُ.
الهمزة 104:5
﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] مِنَ التَّهَكُّمِ والإنْكارِ، وما أفادَهُ حَرْفُ الزَّجْرِ مِن مَعْنى التَّوَعُّدِ.
والمَعْنى: لَيُهْلَكَنَّ فَلَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ.
واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الهُمَزَةِ.
صفحة ٥٤٠
والنَّبْذُ: الإلْقاءُ والطَّرْحُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في إلْقاءِ ما يُكْرَهُ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] شَبَّهَهُمُ اسْتِحْقارًا لَهم بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخِذٌ بِكَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ اهـ.
والحُطَمَةُ: صِفَةٌ بِوَزْنِ فُعَلَةٍ، مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في الهُمَزَةِ، أيْ: لَيُنْبَذَنَّ في شَيْءٍ يُحَطِّمُهُ، أيْ: يَكْسِرُهُ ويَدُقُّهُ.
والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ؛ لِأنَّهُ اعْتَبَرَ الوَصْفَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى شَيْءٍ يُحَطِّمُ وأُرِيدَ بِذَلِكَ جَهَنَّمُ، وأنَّ إطْلاقَ هَذا الوَصْفِ عَلى جَهَنَّمَ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ عَلى النّارِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ في مَوْضِعِ حالٍ مِن قَوْلِهِ (الحُطَمَةُ) والرّابِطُ إعادَةُ لَفْظِ الحُطَمَةِ، وذَلِكَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّهْوِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وما فِيها مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وفِعْلِ الدِّرايَةِ يُفِيدُ تَهْوِيلَ الحُطَمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما أدْراكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ جَوابٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ مُفِيدُ مَجْمُوعِهِما بَيانُ الحُطَمَةِ ما هي، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، والتَّقْدِيرُ هي، أيِ: الحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ مِنَ الجُمْلَةِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ أمْثالِهِ مِن كُلِّ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ حَدِيثٍ عَنْهُ وأوْصافٍ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإضافَةُ (نارٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّرْوِيعِ بِها بِأنَّها نارٌ خَلَقَها القادِرُ عَلى خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ.
ووَصْفُ (نارٍ) بِـ (مُوقَدَةٍ) وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن: أوْقَدَ النّارَ، إذا أشْعَلَها وألْهَبَها. والتَّوَقُّدُ: ابْتِداءُ التِهابِ النّارِ، فَإذا صارَتْ جَمْرًا فَقَدْ خَفَّ لَهَبُها، أوْ زالَ، فَوَصْفُ (نارٍ) بِـ (مُوقَدَةٍ) يُفِيدُ أنَّها لا تَزالُ تَلْتَهِبُ ولا يَزُولُ لَهِيبُها. وهَذا كَما وُصِفَتْ نارُ الأُخْدُودِ بِذاتِ الوَقُودِ، (بِفَتْحِ الواوِ) في سُورَةِ البُرُوجِ، أيْ: النّارُ الَّتِي يُجَدَّدُ اتِّقادُها بِوَقُودٍ وهو الحَطَبُ الَّذِي يُلْقى في النّارِ لِتَتَّقِدَ، فَلَيْسَ الوَصْفُ بِالمُوقَدَةِ هُنا تَأْكِيدًا.
صفحة ٥٤١
ووُصِفَتْ ﴿نارُ اللَّهِ﴾ وصْفًا ثانِيًا بِـ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ .
والِاطِّلاعُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإتْيانِ مُبالَغَةً في طَلَعَ، أيْ: الإتْيانُ السَّرِيعُ بِقُوَّةٍ واسْتِيلاءٍ، فالمَعْنى: الَّتِي تَنْفُذُ إلى الأفْئِدَةِ فَتَحْرِقُها في وقْتِ حَرْقِ ظاهِرِ الجَسَدِ.
وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ قالَ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] فَيُفِيدُ أنَّ النّارَ تَحْرِقُ الأفْئِدَةَ إحْراقَ العالِمِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأفْئِدَةُ مِنَ الكُفْرِ، فَتُصِيبُ كُلَّ فُؤادٍ بِما هو كِفاؤُهُ مِن شِدَّةِ الحَرْقِ عَلى حَسَبِ مَبْلَغِ سُوءِ اعْتِقادِهِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللَّهِ بَيْنَ شِدَّةِ النّارِ وقابِلِيَّةِ المُتَأثِّرِ بِها لا يَعْلَمُهُ إلّا مُقَدِّرُهُ.
الهمزة 104:6
﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] مِنَ التَّهَكُّمِ والإنْكارِ، وما أفادَهُ حَرْفُ الزَّجْرِ مِن مَعْنى التَّوَعُّدِ.
والمَعْنى: لَيُهْلَكَنَّ فَلَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ.
واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الهُمَزَةِ.
صفحة ٥٤٠
والنَّبْذُ: الإلْقاءُ والطَّرْحُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في إلْقاءِ ما يُكْرَهُ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] شَبَّهَهُمُ اسْتِحْقارًا لَهم بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخِذٌ بِكَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ اهـ.
والحُطَمَةُ: صِفَةٌ بِوَزْنِ فُعَلَةٍ، مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في الهُمَزَةِ، أيْ: لَيُنْبَذَنَّ في شَيْءٍ يُحَطِّمُهُ، أيْ: يَكْسِرُهُ ويَدُقُّهُ.
والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ؛ لِأنَّهُ اعْتَبَرَ الوَصْفَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى شَيْءٍ يُحَطِّمُ وأُرِيدَ بِذَلِكَ جَهَنَّمُ، وأنَّ إطْلاقَ هَذا الوَصْفِ عَلى جَهَنَّمَ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ عَلى النّارِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ في مَوْضِعِ حالٍ مِن قَوْلِهِ (الحُطَمَةُ) والرّابِطُ إعادَةُ لَفْظِ الحُطَمَةِ، وذَلِكَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّهْوِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وما فِيها مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وفِعْلِ الدِّرايَةِ يُفِيدُ تَهْوِيلَ الحُطَمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما أدْراكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ جَوابٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ مُفِيدُ مَجْمُوعِهِما بَيانُ الحُطَمَةِ ما هي، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، والتَّقْدِيرُ هي، أيِ: الحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ مِنَ الجُمْلَةِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ أمْثالِهِ مِن كُلِّ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ حَدِيثٍ عَنْهُ وأوْصافٍ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإضافَةُ (نارٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّرْوِيعِ بِها بِأنَّها نارٌ خَلَقَها القادِرُ عَلى خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ.
ووَصْفُ (نارٍ) بِـ (مُوقَدَةٍ) وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن: أوْقَدَ النّارَ، إذا أشْعَلَها وألْهَبَها. والتَّوَقُّدُ: ابْتِداءُ التِهابِ النّارِ، فَإذا صارَتْ جَمْرًا فَقَدْ خَفَّ لَهَبُها، أوْ زالَ، فَوَصْفُ (نارٍ) بِـ (مُوقَدَةٍ) يُفِيدُ أنَّها لا تَزالُ تَلْتَهِبُ ولا يَزُولُ لَهِيبُها. وهَذا كَما وُصِفَتْ نارُ الأُخْدُودِ بِذاتِ الوَقُودِ، (بِفَتْحِ الواوِ) في سُورَةِ البُرُوجِ، أيْ: النّارُ الَّتِي يُجَدَّدُ اتِّقادُها بِوَقُودٍ وهو الحَطَبُ الَّذِي يُلْقى في النّارِ لِتَتَّقِدَ، فَلَيْسَ الوَصْفُ بِالمُوقَدَةِ هُنا تَأْكِيدًا.
صفحة ٥٤١
ووُصِفَتْ ﴿نارُ اللَّهِ﴾ وصْفًا ثانِيًا بِـ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ .
والِاطِّلاعُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإتْيانِ مُبالَغَةً في طَلَعَ، أيْ: الإتْيانُ السَّرِيعُ بِقُوَّةٍ واسْتِيلاءٍ، فالمَعْنى: الَّتِي تَنْفُذُ إلى الأفْئِدَةِ فَتَحْرِقُها في وقْتِ حَرْقِ ظاهِرِ الجَسَدِ.
وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ قالَ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] فَيُفِيدُ أنَّ النّارَ تَحْرِقُ الأفْئِدَةَ إحْراقَ العالِمِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأفْئِدَةُ مِنَ الكُفْرِ، فَتُصِيبُ كُلَّ فُؤادٍ بِما هو كِفاؤُهُ مِن شِدَّةِ الحَرْقِ عَلى حَسَبِ مَبْلَغِ سُوءِ اعْتِقادِهِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللَّهِ بَيْنَ شِدَّةِ النّارِ وقابِلِيَّةِ المُتَأثِّرِ بِها لا يَعْلَمُهُ إلّا مُقَدِّرُهُ.
الهمزة 104:7
﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] مِنَ التَّهَكُّمِ والإنْكارِ، وما أفادَهُ حَرْفُ الزَّجْرِ مِن مَعْنى التَّوَعُّدِ.
والمَعْنى: لَيُهْلَكَنَّ فَلَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ.
واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الهُمَزَةِ.
صفحة ٥٤٠
والنَّبْذُ: الإلْقاءُ والطَّرْحُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في إلْقاءِ ما يُكْرَهُ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠] شَبَّهَهُمُ اسْتِحْقارًا لَهم بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ آخِذٌ بِكَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ اهـ.
والحُطَمَةُ: صِفَةٌ بِوَزْنِ فُعَلَةٍ، مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في الهُمَزَةِ، أيْ: لَيُنْبَذَنَّ في شَيْءٍ يُحَطِّمُهُ، أيْ: يَكْسِرُهُ ويَدُقُّهُ.
والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ؛ لِأنَّهُ اعْتَبَرَ الوَصْفَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى شَيْءٍ يُحَطِّمُ وأُرِيدَ بِذَلِكَ جَهَنَّمُ، وأنَّ إطْلاقَ هَذا الوَصْفِ عَلى جَهَنَّمَ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ عَلى النّارِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ في مَوْضِعِ حالٍ مِن قَوْلِهِ (الحُطَمَةُ) والرّابِطُ إعادَةُ لَفْظِ الحُطَمَةِ، وذَلِكَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّهْوِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] وما فِيها مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وفِعْلِ الدِّرايَةِ يُفِيدُ تَهْوِيلَ الحُطَمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما أدْراكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.
وجُمْلَةُ ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ جَوابٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أدْراكَ ما الحُطَمَةُ﴾ مُفِيدُ مَجْمُوعِهِما بَيانُ الحُطَمَةِ ما هي، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، والتَّقْدِيرُ هي، أيِ: الحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ مِنَ الجُمْلَةِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ أمْثالِهِ مِن كُلِّ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ تَقَدُّمِ حَدِيثٍ عَنْهُ وأوْصافٍ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإضافَةُ (نارٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّرْوِيعِ بِها بِأنَّها نارٌ خَلَقَها القادِرُ عَلى خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ.
ووَصْفُ (نارٍ) بِـ (مُوقَدَةٍ) وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن: أوْقَدَ النّارَ، إذا أشْعَلَها وألْهَبَها. والتَّوَقُّدُ: ابْتِداءُ التِهابِ النّارِ، فَإذا صارَتْ جَمْرًا فَقَدْ خَفَّ لَهَبُها، أوْ زالَ، فَوَصْفُ (نارٍ) بِـ (مُوقَدَةٍ) يُفِيدُ أنَّها لا تَزالُ تَلْتَهِبُ ولا يَزُولُ لَهِيبُها. وهَذا كَما وُصِفَتْ نارُ الأُخْدُودِ بِذاتِ الوَقُودِ، (بِفَتْحِ الواوِ) في سُورَةِ البُرُوجِ، أيْ: النّارُ الَّتِي يُجَدَّدُ اتِّقادُها بِوَقُودٍ وهو الحَطَبُ الَّذِي يُلْقى في النّارِ لِتَتَّقِدَ، فَلَيْسَ الوَصْفُ بِالمُوقَدَةِ هُنا تَأْكِيدًا.
صفحة ٥٤١
ووُصِفَتْ ﴿نارُ اللَّهِ﴾ وصْفًا ثانِيًا بِـ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ .
والِاطِّلاعُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإتْيانِ مُبالَغَةً في طَلَعَ، أيْ: الإتْيانُ السَّرِيعُ بِقُوَّةٍ واسْتِيلاءٍ، فالمَعْنى: الَّتِي تَنْفُذُ إلى الأفْئِدَةِ فَتَحْرِقُها في وقْتِ حَرْقِ ظاهِرِ الجَسَدِ.
وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ قالَ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] فَيُفِيدُ أنَّ النّارَ تَحْرِقُ الأفْئِدَةَ إحْراقَ العالِمِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأفْئِدَةُ مِنَ الكُفْرِ، فَتُصِيبُ كُلَّ فُؤادٍ بِما هو كِفاؤُهُ مِن شِدَّةِ الحَرْقِ عَلى حَسَبِ مَبْلَغِ سُوءِ اعْتِقادِهِ، وذَلِكَ بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللَّهِ بَيْنَ شِدَّةِ النّارِ وقابِلِيَّةِ المُتَأثِّرِ بِها لا يَعْلَمُهُ إلّا مُقَدِّرُهُ.
الهمزة 104:8
( ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٌ﴾ .
هَذِهِ جُمْلَةٌ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ثالِثَةً لِـ ﴿نارُ اللَّهِ﴾ [الهمزة: ٦] بِدُونِ عاطِفٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وتَأْكِيدُها بِـ (إنَّ) لِتَهْوِيلِ الوَعِيدِ بِما يَنْفِي عَنْهُ احْتِمالَ المَجازِ أوِ المُبالَغَةِ.
ومُوصَدَةٌ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أوْصَدَ البابَ، إذا أغْلَقَهُ غَلْقًا مُطْبَقًا. ويُقالُ: آصَدَ بِهَمْزَتَيْنِ إحْداهُما أصْلِيَّةٌ والأُخْرى هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ، ويُقالُ: أصَدَ البابَ فِعْلًا ثُلاثِيًّا، ولا يُقالُ: وصَدَ بِالواوِ بِمَعْنى أغْلَقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُوصَدَةٌ) بِواوٍ بَعْدَ المِيمِ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ.
ومَعْنى إيصادِها عَلَيْهِمْ: مُلازَمَةُ العَذابِ واليَأْسُ مِنَ الإفْلاتِ مِنهُ، كَحالِ المَساجِينِ الَّذِينَ أُغْلِقَ عَلَيْهِمْ بابُ السِّجْنِ، تَمْثِيلُ تَقْرِيبٍ لِشِدَّةِ العَذابِ بِما هو مُتَعارَفٌ في أحْوالِ النّاسِ، وحالُ عَذابِ جَهَنَّمَ أشَدُّ مِمّا يَبْلُغُهُ تَصَوُّرُ العُقُولِ المُعْتادُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ حالٌ: إمّا مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) أيْ: في حالِ كَوْنِهِمْ في عَمَدٍ، أيْ: مَوْثُوقِينَ في عَمَدٍ كَما يُوثَقُ المَسْجُونُ المُغْلَظُ عَلَيْهِ مِن رِجْلَيْهِ في فَلْقَةٍ ذاتِ ثَقْبٍ يُدْخَلُ في رِجْلِهِ أوْ في عُنُقِهِ كالقِرامِ. وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ (إنَّها)
صفحة ٥٤٢
أيْ أنَّ النّارَ المُوقَدَةَ في عَمَدٍ، أيْ: مُتَوَسِّطَةٌ عَمَدًا كَما تَكُونُ نارُ الشِّواءِ، إذْ تُوضَعُ عُمَدٌ وتُجْعَلُ النّارُ تَحْتَها تَمْثِيلًا لِأهْلِها بِالشِّواءِ.
و(عَمَدٍ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعِ عَمُودٍ مِثْلَ: أدِيمٍ وأُدُمٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ وهو جَمْعُ عَمُودٍ، والعَمُودُ: خَشَبَةٌ غَلِيظَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ.
والمُمَدَّدَةُ: المَجْعُولَةُ طَوِيلَةً جِدًّا، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن مَدَّدَهُ، إذا بالَغَ في مَدِّهِ، أيِ: الزِّيادَةُ فِيهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ تَقْوِيَةٌ لِتَمْثِيلِ شِدَّةِ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ بِأقْصى ما يَبْلُغُهُ مُتَعارَفُ النّاسِ مِنَ الأحْوالِ.
* * *
صفحة ٥٤٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفِيلِ
ورَدَتْ تَسْمِيَتُها في كَلامِ بَعْضِ السَّلَفِ سُورَةَ (ألَمْ تَرَ) . رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ قُرَيْشٍ) عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: صَلَّيْتُ المَغْرِبَ خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ (ألَمْ تَرَ) و(لِإيلافِ قُرَيْشٍ) . وكَذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ. وسُمِّيَتْ في جَمِيعِ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الفِيلِ) .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وقَدْ عُدَّتِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ) وقَبْلَ (سُورَةِ الفَلَقِ) . وقِيلَ: قَبْلَ (سُورَةِ قُرَيْشٍ) لِقَوْلِ الأخْفَشِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] ولِأنَّ أُبِيَّ بْنَ كَعْبٍ جَعَلَها وسُورَةَ قُرَيْشٍ سُورَةً واحِدَةً في مُصْحَفِهِ ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ، ولِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ المَذْكُورِ آنِفًا: رَوى أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ مَرَّةً في المَغْرِبِ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ سُورَةَ الفِيلِ وسُورَةَ قُرَيْشٍ، أيْ: ولَمْ يَكُنِ الصَّحابَةُ يَقْرَءُونَ في الرَّكْعَةِ مِن صَلاةِ الفَرْضِ سُورَتَيْنِ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ قِراءَةُ الفاتِحَةِ وسُورَةٍ، فَدَلَّ أنَّهُما عِنْدَهُ سُورَةٌ واحِدَةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ سُورَةُ قُرَيْشٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَلَقِ وأُلْحِقَتْ بِسُورَةِ الفِيلِ، فَلا يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ بِما في مُصْحَفِ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ولا بِما رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.
وآيُها خَمْسٌ.
* * *
وقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّذْكِيرَ بِأنَّ الكَعْبَةَ حَرَمُ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ حَماهُ مِمَّنْ أرادُوا بِهِ سُوءًا أوْ
صفحة ٥٤٤
أظْهَرَ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ فَعَذَّبَهم لِأنَّهم ظَلَمُوا بِطَمَعِهِمْ في هَدْمِ مَسْجِدِ إبْراهِيمَ وهو عِنْدَهم في كِتابِهِمْ، وذَلِكَ ما سَمّاهُ اللَّهُ كَيْدًا، ولِيَكُونَ ما حَلَّ بِهِمْ تَذْكِرَةً لِقُرَيْشٍ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو رَبُّ ذَلِكَ البَيْتِ وأنْ لا حَظَّ فِيهِ لِلْأصْنامِ الَّتِي نَصَبُوها حَوْلَهُ.
وتَنْبِيهُ قُرَيْشٍ أوْ تَذْكِيرُهم بِما ظَهَرَ مِن كَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ، إذْ أهْلَكَ أصْحابَ الفِيلِ في عامِ وِلادَتِهِ.
ومِن وراءِ ذَلِكَ تَثْبِيتُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْهُ كَيْدَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ الَّذِي دَفَعَ كَيْدَ مَن يَكِيدُ لِبَيْتِهِ لَأحَقُّ بِأنْ يَدْفَعَ كَيْدَ مَن يَكِيدُ لِرَسُولِهِ ﷺ ودِينِهِ ويُشْعِرُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: ٢] .
ومِن وراءِ ذَلِكَ كُلِّهِ التَّذْكِيرُ بِأنَّ اللَّهَ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، وأنْ لا تَغُرَّ المُشْرِكِينَ قُوَّتُهم ووَفْرَةُ عَدَدِهِمْ ولا يُوهِنُ النَّبِيءَ ﷺ تَألَّبُ قَبائِلِهِمْ عَلَيْهِ فَقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ مَن هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا.
ولَمْ يَتَكَرَّرْ في القُرْآنِ ذِكْرُ إهْلاكِ أصْحابِ الفِيلِ خِلافًا لِقِصَصِ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ هَلاكَ أصْحابِ الفِيلِ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ تَكْذِيبِ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ، وثانِيهِما أنْ لا يَتَّخِذَ مِنهُ المُشْرِكُونَ غُرُورًا بِمَكانَةٍ لَهم عِنْدَ اللَّهِ كَغُرُورِهِمْ بِقَوْلِهِمْ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] .
الهمزة 104:9
( ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٌ﴾ .
هَذِهِ جُمْلَةٌ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً ثالِثَةً لِـ ﴿نارُ اللَّهِ﴾ [الهمزة: ٦] بِدُونِ عاطِفٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وتَأْكِيدُها بِـ (إنَّ) لِتَهْوِيلِ الوَعِيدِ بِما يَنْفِي عَنْهُ احْتِمالَ المَجازِ أوِ المُبالَغَةِ.
ومُوصَدَةٌ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أوْصَدَ البابَ، إذا أغْلَقَهُ غَلْقًا مُطْبَقًا. ويُقالُ: آصَدَ بِهَمْزَتَيْنِ إحْداهُما أصْلِيَّةٌ والأُخْرى هَمْزَةُ التَّعْدِيَةِ، ويُقالُ: أصَدَ البابَ فِعْلًا ثُلاثِيًّا، ولا يُقالُ: وصَدَ بِالواوِ بِمَعْنى أغْلَقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُوصَدَةٌ) بِواوٍ بَعْدَ المِيمِ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ المَضْمُومَةِ.
ومَعْنى إيصادِها عَلَيْهِمْ: مُلازَمَةُ العَذابِ واليَأْسُ مِنَ الإفْلاتِ مِنهُ، كَحالِ المَساجِينِ الَّذِينَ أُغْلِقَ عَلَيْهِمْ بابُ السِّجْنِ، تَمْثِيلُ تَقْرِيبٍ لِشِدَّةِ العَذابِ بِما هو مُتَعارَفٌ في أحْوالِ النّاسِ، وحالُ عَذابِ جَهَنَّمَ أشَدُّ مِمّا يَبْلُغُهُ تَصَوُّرُ العُقُولِ المُعْتادُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ حالٌ: إمّا مِن ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) أيْ: في حالِ كَوْنِهِمْ في عَمَدٍ، أيْ: مَوْثُوقِينَ في عَمَدٍ كَما يُوثَقُ المَسْجُونُ المُغْلَظُ عَلَيْهِ مِن رِجْلَيْهِ في فَلْقَةٍ ذاتِ ثَقْبٍ يُدْخَلُ في رِجْلِهِ أوْ في عُنُقِهِ كالقِرامِ. وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ (إنَّها)
صفحة ٥٤٢
أيْ أنَّ النّارَ المُوقَدَةَ في عَمَدٍ، أيْ: مُتَوَسِّطَةٌ عَمَدًا كَما تَكُونُ نارُ الشِّواءِ، إذْ تُوضَعُ عُمَدٌ وتُجْعَلُ النّارُ تَحْتَها تَمْثِيلًا لِأهْلِها بِالشِّواءِ.
و(عَمَدٍ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعِ عَمُودٍ مِثْلَ: أدِيمٍ وأُدُمٍ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ (عُمُدٍ) بِضَمَّتَيْنِ وهو جَمْعُ عَمُودٍ، والعَمُودُ: خَشَبَةٌ غَلِيظَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ.
والمُمَدَّدَةُ: المَجْعُولَةُ طَوِيلَةً جِدًّا، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن مَدَّدَهُ، إذا بالَغَ في مَدِّهِ، أيِ: الزِّيادَةُ فِيهِ.
وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ تَقْوِيَةٌ لِتَمْثِيلِ شِدَّةِ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ بِأقْصى ما يَبْلُغُهُ مُتَعارَفُ النّاسِ مِنَ الأحْوالِ.
* * *
صفحة ٥٤٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفِيلِ
ورَدَتْ تَسْمِيَتُها في كَلامِ بَعْضِ السَّلَفِ سُورَةَ (ألَمْ تَرَ) . رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ (سُورَةِ قُرَيْشٍ) عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: صَلَّيْتُ المَغْرِبَ خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ (ألَمْ تَرَ) و(لِإيلافِ قُرَيْشٍ) . وكَذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ. وسُمِّيَتْ في جَمِيعِ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الفِيلِ) .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وقَدْ عُدَّتِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ) وقَبْلَ (سُورَةِ الفَلَقِ) . وقِيلَ: قَبْلَ (سُورَةِ قُرَيْشٍ) لِقَوْلِ الأخْفَشِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] ولِأنَّ أُبِيَّ بْنَ كَعْبٍ جَعَلَها وسُورَةَ قُرَيْشٍ سُورَةً واحِدَةً في مُصْحَفِهِ ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ، ولِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ المَذْكُورِ آنِفًا: رَوى أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ مَرَّةً في المَغْرِبِ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ سُورَةَ الفِيلِ وسُورَةَ قُرَيْشٍ، أيْ: ولَمْ يَكُنِ الصَّحابَةُ يَقْرَءُونَ في الرَّكْعَةِ مِن صَلاةِ الفَرْضِ سُورَتَيْنِ؛ لِأنَّ السُّنَّةَ قِراءَةُ الفاتِحَةِ وسُورَةٍ، فَدَلَّ أنَّهُما عِنْدَهُ سُورَةٌ واحِدَةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ سُورَةُ قُرَيْشٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفَلَقِ وأُلْحِقَتْ بِسُورَةِ الفِيلِ، فَلا يَتِمُّ الِاحْتِجاجُ بِما في مُصْحَفِ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ ولا بِما رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.
وآيُها خَمْسٌ.
* * *
وقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّذْكِيرَ بِأنَّ الكَعْبَةَ حَرَمُ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ حَماهُ مِمَّنْ أرادُوا بِهِ سُوءًا أوْ
صفحة ٥٤٤
أظْهَرَ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ فَعَذَّبَهم لِأنَّهم ظَلَمُوا بِطَمَعِهِمْ في هَدْمِ مَسْجِدِ إبْراهِيمَ وهو عِنْدَهم في كِتابِهِمْ، وذَلِكَ ما سَمّاهُ اللَّهُ كَيْدًا، ولِيَكُونَ ما حَلَّ بِهِمْ تَذْكِرَةً لِقُرَيْشٍ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو رَبُّ ذَلِكَ البَيْتِ وأنْ لا حَظَّ فِيهِ لِلْأصْنامِ الَّتِي نَصَبُوها حَوْلَهُ.
وتَنْبِيهُ قُرَيْشٍ أوْ تَذْكِيرُهم بِما ظَهَرَ مِن كَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ، إذْ أهْلَكَ أصْحابَ الفِيلِ في عامِ وِلادَتِهِ.
ومِن وراءِ ذَلِكَ تَثْبِيتُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْهُ كَيْدَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ الَّذِي دَفَعَ كَيْدَ مَن يَكِيدُ لِبَيْتِهِ لَأحَقُّ بِأنْ يَدْفَعَ كَيْدَ مَن يَكِيدُ لِرَسُولِهِ ﷺ ودِينِهِ ويُشْعِرُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: ٢] .
ومِن وراءِ ذَلِكَ كُلِّهِ التَّذْكِيرُ بِأنَّ اللَّهَ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، وأنْ لا تَغُرَّ المُشْرِكِينَ قُوَّتُهم ووَفْرَةُ عَدَدِهِمْ ولا يُوهِنُ النَّبِيءَ ﷺ تَألَّبُ قَبائِلِهِمْ عَلَيْهِ فَقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ مَن هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا.
ولَمْ يَتَكَرَّرْ في القُرْآنِ ذِكْرُ إهْلاكِ أصْحابِ الفِيلِ خِلافًا لِقِصَصِ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ هَلاكَ أصْحابِ الفِيلِ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ تَكْذِيبِ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ، وثانِيهِما أنْ لا يَتَّخِذَ مِنهُ المُشْرِكُونَ غُرُورًا بِمَكانَةٍ لَهم عِنْدَ اللَّهِ كَغُرُورِهِمْ بِقَوْلِهِمْ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] .
الفيل 105:1
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ .
اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ، وقَدْ بَيَّنّا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ كَثِيرٌ ما يَكُونُ عَلى نَفْيِ المُقَرَّرِ بِإثْباتِهِ لِلثِّقَةِ، فَإنَّ المُقَرَّرَ لا يَسَعُهُ إلّا إثْباتُ المَنفِيِّ، وانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ هُنا مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وهو مَجازٌ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ فَصارَ كالحَقِيقَةِ لِشُهْرَتِهِ، وعَلَيْهِ فالتَّقْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّكْرِيمِ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ إرْهاصًا لِلنَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢]
صفحة ٥٤٥
وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِكُفْرانِ قُرَيْشٍ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يَزالُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (رَبُّكَ) . فَمَهْيَعُ هَذِهِ الآيَةِ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] الآياتِ، وقَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ.
فالرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَجازِيَّةً مُسْتَعارَةً لِلْعِلْمِ البالِغِ مِنَ اليَقِينِ حَدَّ الأمْرِ المَرْئِيِّ لِتَواتُرِ ما فَعَلَ اللَّهُ بِأصْحابِ الفِيلِ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وبَقاءِ بَعْضِ آثارِ ذَلِكَ يُشاهِدُونَهُ. وقالَ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ في بَيْتِ أُمِّ هانِئِ بِنْتِ أبِي طالِبٍ نَحْوًا مِن قَفِيزَيْنِ مِن تِلْكَ الحِجارَةِ سُودًا مُخَطَّطَةً بِحُمْرَةٍ. وقالَ عَتّابُ بْنُ أسْيَدٍ: أدْرَكْتُ سائِسَ الفِيلِ وقائِدَهُ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ النّاسَ. وقالَتْ عائِشَةُ: لَقَدْ رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِقَهُ أعْمَيَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ النّاسَ، وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً بِالنَّسَبِ لِمَن تَجاوَزَ سِنُّهُ نَيِّفًا وخَمْسِينَ سَنَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ مِمَّنْ شَهِدَ حادِثَ الفِيلِ غُلامًا أوْ فَتًى مِثْلَ أبِي قُحافَةَ وأبِي طالِبٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ أوْ مَفْعُولِ (تَرَ)، أيْ: ألَمْ تَرَ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ هَلْ زِيدٌ قائِمٌ ؟ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (تَرَ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كَيْفَ) مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ مُرادًا مِنهُ مُجَرَّدُ الكَيْفِيَّةِ، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ.
وإيثارُ (كَيْفَ) دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْماءِ الِاسْتِفْهامِ أوِ المَوْصُولِ فَلَمْ يَقُلْ: ألَمْ تَرَ ما فَعَلَ رَبُّكَ، أوِ الَّذِي فَعَلَ رَبُّكَ، لِلدَّلالَةِ عَلى حالَةٍ عَجِيبَةٍ يَسْتَحْضِرُها مَن يَعْلَمُ تَفْصِيلَ القِصَّةِ.
وأُوثِرَ لَفْظُ ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ مَدْلُولَ هَذا الفِعْلِ يَعُمُّ أعْمالًا كَثِيرَةً لا يَدُلُّ عَلَيْها غَيْرُهُ.
وجِيءَ في تَعْرِيفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِوَصْفِ (رَبُّ) مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ
صفحة ٥٤٦
إيماءً إلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ القِصَّةِ تَكْرِيمُ النَّبِيءِ ﷺ إرْهاصًا لِنُبُوَّتِهِ، إذْ كانَ ذَلِكَ عامَ مَوْلِدِهِ.
وأصْحابُ الفِيلِ: الحَبَشَةُ الَّذِينَ جاءُوا مَكَّةَ غازِينَ مُضْمِرِينَ هَدْمَ الكَعْبَةِ انْتِقامًا مِنَ العَرَبِ مِن أجْلِ ما فَعَلَهُ أحَدُ بَنِي كِنانَةَ الَّذِينَ كانُوا أصْحابَ النَّسِيءِ في أشْهُرِ الحَجِّ. وكانَ خَبَرُ ذَلِكَ وسَبَبُهُ أنَّ الحَبَشَةَ قَدْ مَلَكُوا اليَمَنَ بَعْدَ واقِعَةِ الأُخْدُودِ الَّتِي عَذَّبَ فِيها المَلِكُ ذُو نُواسٍ النَّصارى، وصارَ أمِيرُ الحَبَشَةِ عَلى اليَمَنِ رَجُلًا يُقالُ لَهُ أبْرَهَةُ، وأنَّ أبْرَهَةَ بَنى كَنِيسَةً عَظِيمَةً في صَنْعاءَ دَعاها القَلِيسَ (بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ اللّامِ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ، وبَعْضُهم يَقُولُها بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، وفي القامُوسِ بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ اللّامِ مَفْتُوحَةً وسُكُونِ الياءِ، وكَتَبَهُ السُّهَيْلِيُّ بِنُونٍ بَعْدَ اللّامِ ولَمْ يَضْبُطْهُ وزَعَمَ أنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِن مَعانِي القَلْسِ لِلِارْتِفاعِ، ومِنهُ القَلَنْسُوَةُ واقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ ولَمْ أعْرِفْ أصْلَ هَذا اللَّفْظِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ لِلْكَنِيسَةِ، ولَعَلَّ لَفْظَ كَنِيسَةٍ في العَرَبِيَّةِ مُعْرَّبٌ مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَلَمًا وضَعُوهُ لِهَذِهِ الكَنِيسَةِ الخاصَّةِ) وأرادَ أنْ يَصْرِفَ حَجَّ العَرَبِ إلَيْها دُونَ الكَعْبَةِ، فَرُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي فُقَيْمٍ مِن بَنِي كِنانَةَ وكانُوا أهْلَ النَّسِيءِ لِلْعَرَبِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] في سُورَةِ بَراءَةَ، قَصَدَ الكِنانِيُّ صَنْعاءَ حَتّى جاءَ القَلِيسَ فَأحْدَثَ فِيها تَحْقِيرًا لَها لِيَتَسامَعَ العَرَبُ بِذَلِكَ، فَغَضِبَ أبْرَهَةُ وأزْمَعَ غَزْوَ مَكَّةَ لِيَهْدِمَ الكَعْبَةَ، وسارَ حَتّى نَزَلَ خارِجَ مَكَّةَ لَيْلًا بِمَكانٍ يُقالُ لَهُ المُغَمَّسُ (كَمُعَظَّمٍ) مَوْضِعٌ قُرْبَ مَكَّةَ في طَرِيقِ الطّائِفِ ) أوْ ذُو الغَمِيسِ لَمْ أرَ ضَبْطَهُ وأرْسَلَ إلى عَبَدِ المُطَّلِبِ لِيُحَذِّرَهُ مِن أنْ يُحارِبُوهُ وجَرى بَيْنَهُما كَلامٌ، وأمَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ آلَهُ وجَمِيعَ أهْلِ مَكَّةَ بِالخُرُوجِ مِنها إلى الجِبالِ المُحِيطَةِ بِها خَشْيَةً مِن مَعَرَّةِ الجَيْشِ إذا دَخَلُوا مَكَّةَ، فَلَمّا أصْبَحَ هَيَّأ جَيْشَهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وكانَ أبْرَهَةُ راكِبًا فِيلًا وجَيْشُهُ مَعَهُ، فَبَيْنا هو يَتَهَيَّأُ لِذَلِكَ إذْ أصابَ جُنْدَهُ داءٌ عُضالٌ هو الجُدَرِيُّ الفَتّاكُ يَتَساقَطُ مِنهُ الأنامِلُ، ورَأوْا قَبْلَ ذَلِكَ طَيْرًا تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ لا تُصِيبُ أحَدًا إلّا هَلَكَ وهي طَيْرٌ مِن جُنْدِ اللَّهِ، فَهَلَكَ مُعْظَمُ الجَيْشِ وأدْبَرَ بَعْضُهم، ومَرِضَ أبْرَهَةُ فَقَفَلَ راجِعًا إلى صَنْعاءَ مَرِيضًا، فَهَلَكَ في صَنْعاءَ وكَفى اللَّهُ أهْلَ مَكَّةَ أمْرَ عَدُوِّهِمْ. وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ مُحَرَّمٍ المُوافِقِ لِشَهْرِ شُباطَ (فِبْرايِرَ)
صفحة ٥٤٧
سَنَةَ ٥٧٠ بَعْدَ مِيلادِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَعْدَ هَذا الحادِثِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا وُلِدَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى أصَحِّ الأخْبارِ وفِيها اخْتِلافٌ كَثِيرٌ.
والتَّعْرِيفُ في (الفِيلِ) لِلْعَهْدِ، وهو فِيلُ أبْرَهَةَ قائِدِ الجَيْشِ كَما قالُوا لِلْجَيْشِ الَّذِي خَرَجَ مَعَ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أصْحابُ الجَمَلِ يُرِيدُونَ الجَمَلَ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ عائِشَةُ، مَعَ أنَّ في الجَيْشِ جِمالًا أُخْرى. وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَيْشَ أبْرَهَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا فِيلٌ واحِدٌ، هو فِيلُ أبْرَهَةَ وكانَ اسْمُهُ مَحْمُودًا. وقِيلَ: كانَ فِيهِ فِيَلَةٌ أُخْرى، قِيلَ ثَمانِيَةٌ، وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ. وقالَ بَعْضٌ: ألْفُ فِيلٍ ووَقَعَ في رَجَزٍ يُنْسَبُ إلى عَبْدِ المُطَّلِبِ:
أنْتَ مَنَعَتَ الحُبْشَ والأفْيالا
فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ الجِنْسِ ويَكُونُ العَهْدُ مُسْتَفادًا مِنَ الإضافَةِ.
والفِيلُ: حَيَوانٌ عَظِيمٌ مِن ذَواتِ الأرْبَعِ ذَواتِ الخُفِّ، مِن حَيَوانِ البِلادِ الحارَّةِ ذاتِ الأنْهارِ مِنَ الهِنْدِ والصِّينِ والحَبَشَةِ والسُّودانِ، ولا يُوجَدُ في غَيْرِ ذَلِكَ إلّا مَجْلُوبًا، وهو ذَكِيٌّ قابِلٌ لِلتَّأنُّسِ والتَّرْبِيَةِ، ضَخْمُ الجُثَّةِ أضْخَمُ مِنَ البَعِيرِ، وأعْلى مِنهُ بِقَلِيلٍ وأكْثَرُ لَحْمًا وأكْبَرُ بَطْنًا. وخُفُّ رِجْلِهِ يُشْبِهُ خُفَّ البَعِيرِ وعُنُقُهُ قَصِيرٌ جِدًّا لَهُ خُرْطُومٌ طَوِيلٌ هو أنْفُهُ يَتَناوَلُ بِهِ طَعامَهُ ويَنْتَشِقُ بِهِ الماءَ فَيُفْرِغُهُ في فِيهِ، ويَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، يَخْتَطِفُ بِهِ ويَلْوِيهِ عَلى ما يُرِيدُ أذاهُ مِنَ الحَيَوانِ ويُلْقِيهِ عَلى الأرْضِ ويَدُوسُهُ بِقَوائِمِهِ. وفي عَيْنَيْهِ خَزَرٌ وأُذُناهُ كَبِيرَتانِ مُسْتَرْخِيَتانِ، وذَنَبُهُ قَصِيرٌ أقْصَرُ مِن ذَنَبِ البَعِيرِ وقَوائِمُهُ غَلِيظَةٌ، ومَناسِمُهُ كَمَناسِمِ البَعِيرِ ولِلذَّكَرِ مِنهُ نابانِ طَوِيلانِ بارِزانِ مِن فَمِهِ يَتَّخِذُ النّاسُ مِنها العاجَ، وجِلْدُهُ أجْرَدُ مِثْلَ جِلْدِ البَقَرِ، أصْهَبُ اللَّوْنِ قاتِمٌ كَلَوْنِ الفارِ، ويَكُونُ مِنهُ الأبْيَضُ الجِلْدِ. وهو مَرْكُوبٌ وحامِلُ أثْقالٍ وأهْلُ الهِنْدِ والصِّينِ يَجْعَلُونَ الفِيلَ كالحِصْنِ في الحَرْبِ يَجْعَلُونَ مَحَفَّةً عَلى ظَهْرِهِ تَسَعُ سِتَّةَ جُنُودٍ. ولَمْ يَكُنِ الفِيلُ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، فَلِذَلِكَ قَلَّ أنَّ يُذْكَرَ في كَلامِهِمْ وأوَّلُ فِيلٍ دَخَلَ بِلادَ العَرَبِ هو الفِيلُ المَذْكُورُ في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقَدْ ذُكِرَتْ أشْعارٌ لَهم في ذِكْرِ هَذِهِ الحادِثَةِ في السِّيرَةِ، ولَكِنَّ العَرَبَ كانُوا يَسْمَعُونَ أخْبارَ الفِيلِ ويَتَخَيَّلُونَهُ عَظِيمًا قَوِيًّا، قالَ لَبِيدٌ:
ومَقامٍ ضَيِّقٍ فَرَّجْتُهُ ∗∗∗ بِبَيانٍ ولِسانٍ وجَدَلْ
صفحة ٥٤٨
لَوْ يَقُومُ الفِيلُ أوْ فَيّالُهُ ∗∗∗ زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقامِي ورَحَلْوقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ في قَصِيدَتِهِ:
لَقَدْ أقُومُ مَقامًا لَوْ يَقُومُ بَهِ ∗∗∗ أرى وأسْمَعُ ما لَوْ يَسْمَعُ الفِيلُ
لَظَلَّ يَرْعَدُ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ ∗∗∗ مِن الرَّسُولِ بِإذْنِ اللَّهِ تَنْوِيلُ
وكُنْتُ رَأيْتُ أنَّ. . . قالَ إنَّ أُمَّهُ أرَتْهُ أوْ حَدَّثَتْهُ أنَّها رَأتْ رَوَثَ الفِيلِ بِمَكَّةَ حَوْلَ الكَعْبَةِ، ولَعَلَّهم تَرَكُوا إزالَتَهُ لِيَبْقى تَذْكِرَةً.
وعَنْ عائِشَةَ وعَتّابِ بْنِ أسِيدٍ: رَأيْتُ قائِدَ الفِيلِ وسائِسَهُ بِمَكَّةَ أعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمانِ النّاسَ.
والمَعْنى: ألَمْ تَعْلَمِ الحالَةَ العَجِيبَةَ الَّتِي فَعَلَها اللَّهُ بِأصْحابِ الفِيلِ، فَهَذا تَقْرِيرٌ عَلى إجْمالٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ.
الفيل 105:2
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ بَيانٌ لِما في جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١] مِنَ الإجْمالِ، وسَمّى حَرْبَهم كَيْدًا؛ لِأنَّهُ عَمَلٌ ظاهِرُهُ الغَضَبُ مِن فِعْلِ الكِنانِيِّ الَّذِي قَعَدَ في القَلِيسِ، وإنَّما هو تَعِلَّةٌ تَعَلَّلُوا بِها لِإيجادِ سَبَبٍ لِحَرْبِ أهْلِ مَكَّةَ وهَدْمِ الكَعْبَةِ لِيَنْصَرِفَ العَرَبُ إلى حَجِّ القَلِيسِ في صَنْعاءَ فَيَتَنَصَّرُوا.
أوْ أُرِيدَ بِكَيْدِهِمْ بِناؤْهُمُ القَلِيسِ مُظْهِرِينَ أنَّهم بَنَوْا كَنِيسَةً وهم يُرِيدُونَ أنْ يُبْطِلُوا الحَجَّ إلى الكَعْبَةِ ويَصْرِفُوا العَرَبَ إلى صَنْعاءَ.
والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ عَلى إلْحاقِ ضُرٍّ بِالغَيْرِ ومُعالَجَةِ إيقاعِهِ.
والتَّضْلِيلُ: جَعْلُ الغَيْرِ ضالًّا، أيْ: لا يَهْتَدِي لِمُرادِهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الإبْطالِ وعَدَمِ نَوالِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ عَدَمُ وُصُولِ السّائِرِ.
وظَرْفِيَّةُ الكَيْدِ في التَّضْلِيلِ مَجازِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ لِمَعْنى المُصاحَبَةِ
صفحة ٥٤٩
الشَّدِيدَةِ، أيْ: أبْطَلَ كَيْدَهم بِتَضْلِيلٍ، أيْ: مُصاحِبًا لِلتَّضْلِيلِ لا يُفارِقُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ أبْطَلَهُ إبْطالًا شَدِيدًا، إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِقُوَّتِهِمْ مَعَ ضَعْفِ أهْلِ مَكَّةَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: ضَياعٍ وتَلَفٍ، وقَدْ شَمِلَ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ جَمِيعَ ما حَلَّ بِهِمْ مِن أسْبابِ الخَيْبَةِ وسُوءِ المُنْقَلَبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، أيْ: وكَيْفَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِن صِفَتِها كَيْتُ وكَيْتُ، فَبَعْدَ أنْ وقَعَ التَّقْرِيرُ عَلى ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ عُطِفَ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ بِعِلْمِ ما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العِقابِ عَلى كَيْدِهِمْ تَذْكِيرًا بِما حَلَّ بِهِمْ مِن نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى، لِقَصْدِهِمْ تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ، فَذَلِكَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِبَيْتِهِ لِإظْهارِ تَوْطِئَتِهِ لِبَعْثَةِ رَسُولِهِ ﷺ بِدِينِهِ في ذَلِكَ البَلَدِ، إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكَما كانَ إرْسالُ الطَّيْرِ عَلَيْهِمْ مِن أسْبابِ تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ، كانَ فِيهِ جَزاءٌ لَهم، لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مانِعٌ بَيْتَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ فَيَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ الثّانِي بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِكَيْدِهِمْ وكَوْنِهِ عُقُوبَةً لَهم، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الماضِي بِاعْتِبارِ أنَّ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ قُلِبَ زَمانُهُ إلى المُضِيِّ لِدُخُولِ حَرْفِ (لَمْ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] في سُورَةِ الضُّحى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ.
والطَّيْرُ: اسْمٌ، جَمْعُ طائِرٍ، وهو الحَيَوانُ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالجَوِّ بِعَمَلِ جَناحَيْهِ. وتَنْكِيرُهُ لِلنَّوْعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ. وقَدِ اخْتَلَفَ القَصّاصُونَ في صِفَتِهِ اخْتِلافًا خَيالِيًّا. والصَّحِيحُ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخَطاطِيفِ، وعَنْ غَيْرِها أنَّها تُشْبِهُ الوَطْواطَ.
وأبابِيلُ: جَماعاتٌ. قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أبابِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظَهِ مِثْلَ عَبادِيدَ وشَماطِيطَ وتَبِعَهُما الجَوْهَرِيُّ، وقالَ الرُّؤاسِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: واحِدُ
صفحة ٥٥٠
أبابِيلَ إبّالَةٌ مُشَدَّدَةَ المُوَحَّدَةِ مَكْسُورَةَ الهَمْزَةِ. ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةَ، وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَطَبِ، وعَلَيْهِ فَوَصْفُ الطَّيْرِ بِأبابِيلَ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وجُمْلَةُ (تَرْمِيهِمْ) حالٌ مِن (طَيْرًا) وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ بِحَيْثُ تُخُيِّلَ لِلسّامِعِ كالحادِثَةِ في زَمَنِ الحالِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّيحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]) الآيَةَ.
وحِجارَةٌ: اسْمُ جَمْعِ حَجَرٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: طِينٌ في حِجارَةٍ، وعَنْهُ أنَّ سِجِّيلَ مُعَرَّبُ (سَنْكِ كِلْ) مِنَ الفارِسِيَّةِ، أيْ: عَنْ كَلِمَةِ (سَنْكِ) وضُبِطَ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ، اسْمُ الحَجَرِ، وكَلِمَةُ (كِلْ) بِكَسْرِ الكافِ اسْمُ الطِّينِ وجُمُوعُ الكَلِمَتَيْنِ يُرادُ بِهِ الآجُرُّ.
وكِلْتا الكَلِمَتَيْنِ بِالكافِ الفارِسِيَّةِ المُعَمَّدَةِ وهي بَيْنَ مَخْرَجِ الكافِ ومَخْرَجِ القافِ، ولِذَلِكَ تَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةً، أيْ: حِجارَةٌ هي سِجِّيلٌ، وقَدْ عَدَّ السُّبْكِيُّ كَلِمَةَ سِجِّيلٍ في مَنظُومَتِهِ في المُعَرَّبِ الواقِعِ في القُرْآنِ.
وقَدْ أشارَ إلى أصْلِ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] مَعَ قَوْلِهِ في آياتٍ أُخَرَ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَعُلِمَ أنَّهُ حَجَرٌ أصْلُهُ طِينٌ.
وجاءَ نَظِيرُهُ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الحِجارَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلى أصْحابِ الفِيلِ مِن جِنْسِ الحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، أيْ: لَيْسَتْ حَجَرًا صَخْرِيًّا ولَكِنَّها طِينٌ مُتَحَجِّرٌ دَلالَةً عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِعَذابِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجْرُ إذا وقَعَ عَلى أحَدِهِمْ نَفِطَ جِلْدُهُ، فَكانَ ذَلِكَ أوَّلَ الجُدَرِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: إذا أصابَ أحَدَهم مِنها خَرَجَ بِهِ الجُدَرِيُّ.
صفحة ٥٥١
وقَدْ قِيلَ: إنَّ الجُدَرِيَّ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا في مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ الحَجَرَ كانَ قَدْرَ الحِمَّصِ، رَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ أبِي مُعاوِيَةَ الدَّيْلَمِيِّ قالَ: رَأيْتُ الحَصى الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ حَصًى مِثْلَ الحِمَّصِ حُمْرًا بِحُتْمَةٍ (أيْ سَوْداءَ) كَأنَّها جِزْعُ ظَفارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رَأى مِن هَذِهِ الحِجارَةِ عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مُخَطَّطَةٍ بِحُمْرَةٍ بِالجِزْعِ الظَّفارِيِّ.
والعَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ وهو جَمْعُ عَصْفَةٍ. والعَصْفُ إذا دَخَلَتْهُ البَهائِمُ فَأكَلَتْهُ داسَتْهُ بِأرْجُلِها وأكَلَتْ أطْرافَهُ وطَرَحَتْهُ عَلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا. وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ أصْحابِ الفِيلِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ والقُوَّةِ كَيْفَ صارُوا مُتَساقِطِينَ عَلى الأرْضِ هالِكِينَ.
* * *
صفحة ٥٥٢
صفحة ٥٥٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في عَهْدِ السَّلَفِ (سُورَةَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ) قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأوْدِيُّ صَلّى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ المَغْرِبَ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ (ألَمْ تَرَ كَيْفَ) و(لِإيلافِ قُرَيْشٍ) وهَذا ظاهِرٌ في إرادَةِ التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنَ اسْمٍ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ قُرَيْشٍ) لِوُقُوعِ اسْمِ قُرَيْشٍ فِيها ولَمْ يَقَعْ في غَيْرِها، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ. وفي القُرْطُبِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ المُخْتَلَفِ فِيها.
وقَدْ عُدَّتِ التّاسِعَةَ والعِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التِّينِ وقَبْلَ سُورَةِ القارِعَةِ.
وهِيَ سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّها سُورَةٌ خاصَّةٌ.
وجَعَلَها أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَعَ سُورَةِ الفِيلِ سُورَةً واحِدَةً ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في مُصْحَفِهِ بِالبَسْمَلَةِ الَّتِي كانُوا يَجْعَلُونَها عَلامَةَ فَصْلٍ بَيْنَ السُّوَرِ، وهو ظاهِرُ خَبَرِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ قِراءَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. والإجْماعُ الواقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ نَقَضَ ذَلِكَ.
وعَدَدُ آياتِها أرْبَعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ العادِّينَ. وعْدَّها أهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ خَمْسَ آياتٍ.
ورَأيْتُ في مُصْحَفٍ عَتِيقٍ مِنَ المَصاحِفِ المَكْتُوبَةِ في القَيْرَوانِ عَدَدُها أرْبَعُ آياتٍ مَعَ أنَّ قِراءَةَ أهْلِ القَيْرَوانِ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
* * *
صفحة ٥٥٤
أمْرُ قُرَيْشٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَةِ أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ لَهُمُ السَّيْرَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ بِرِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ لا يَخْشَوْنَ عادِيًا يَعْدُو عَلَيْهِمْ.
وبِأنَّهُ أمَّنَهم مِنَ المَجاعاتِ وأمَّنَهم مِنَ المَخاوِفِ لِما وقَرَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَتِهِمْ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الحَرَمِ وعُمّارُ الكَعْبَةِ.
وبِما ألْهَمَ النّاسَ مِن جَلْبِ المِيرَةِ إلَيْهِمْ مِنَ الآفاقِ المُجاوِرَةِ كَبِلادِ الحَبَشَةِ.
ورَدِّ القَبائِلِ فَلا يُغِيرُ عَلى بَلَدِهِمْ أحَدٌ. قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] فَأكْسَبَهم ذَلِكَ مَهابَةً في نُفُوسِ النّاسِ وعَطْفًا مِنهم.
الفيل 105:3
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ بَيانٌ لِما في جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١] مِنَ الإجْمالِ، وسَمّى حَرْبَهم كَيْدًا؛ لِأنَّهُ عَمَلٌ ظاهِرُهُ الغَضَبُ مِن فِعْلِ الكِنانِيِّ الَّذِي قَعَدَ في القَلِيسِ، وإنَّما هو تَعِلَّةٌ تَعَلَّلُوا بِها لِإيجادِ سَبَبٍ لِحَرْبِ أهْلِ مَكَّةَ وهَدْمِ الكَعْبَةِ لِيَنْصَرِفَ العَرَبُ إلى حَجِّ القَلِيسِ في صَنْعاءَ فَيَتَنَصَّرُوا.
أوْ أُرِيدَ بِكَيْدِهِمْ بِناؤْهُمُ القَلِيسِ مُظْهِرِينَ أنَّهم بَنَوْا كَنِيسَةً وهم يُرِيدُونَ أنْ يُبْطِلُوا الحَجَّ إلى الكَعْبَةِ ويَصْرِفُوا العَرَبَ إلى صَنْعاءَ.
والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ عَلى إلْحاقِ ضُرٍّ بِالغَيْرِ ومُعالَجَةِ إيقاعِهِ.
والتَّضْلِيلُ: جَعْلُ الغَيْرِ ضالًّا، أيْ: لا يَهْتَدِي لِمُرادِهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الإبْطالِ وعَدَمِ نَوالِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ عَدَمُ وُصُولِ السّائِرِ.
وظَرْفِيَّةُ الكَيْدِ في التَّضْلِيلِ مَجازِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ لِمَعْنى المُصاحَبَةِ
صفحة ٥٤٩
الشَّدِيدَةِ، أيْ: أبْطَلَ كَيْدَهم بِتَضْلِيلٍ، أيْ: مُصاحِبًا لِلتَّضْلِيلِ لا يُفارِقُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ أبْطَلَهُ إبْطالًا شَدِيدًا، إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِقُوَّتِهِمْ مَعَ ضَعْفِ أهْلِ مَكَّةَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: ضَياعٍ وتَلَفٍ، وقَدْ شَمِلَ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ جَمِيعَ ما حَلَّ بِهِمْ مِن أسْبابِ الخَيْبَةِ وسُوءِ المُنْقَلَبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، أيْ: وكَيْفَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِن صِفَتِها كَيْتُ وكَيْتُ، فَبَعْدَ أنْ وقَعَ التَّقْرِيرُ عَلى ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ عُطِفَ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ بِعِلْمِ ما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العِقابِ عَلى كَيْدِهِمْ تَذْكِيرًا بِما حَلَّ بِهِمْ مِن نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى، لِقَصْدِهِمْ تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ، فَذَلِكَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِبَيْتِهِ لِإظْهارِ تَوْطِئَتِهِ لِبَعْثَةِ رَسُولِهِ ﷺ بِدِينِهِ في ذَلِكَ البَلَدِ، إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكَما كانَ إرْسالُ الطَّيْرِ عَلَيْهِمْ مِن أسْبابِ تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ، كانَ فِيهِ جَزاءٌ لَهم، لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مانِعٌ بَيْتَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ فَيَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ الثّانِي بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِكَيْدِهِمْ وكَوْنِهِ عُقُوبَةً لَهم، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الماضِي بِاعْتِبارِ أنَّ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ قُلِبَ زَمانُهُ إلى المُضِيِّ لِدُخُولِ حَرْفِ (لَمْ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] في سُورَةِ الضُّحى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ.
والطَّيْرُ: اسْمٌ، جَمْعُ طائِرٍ، وهو الحَيَوانُ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالجَوِّ بِعَمَلِ جَناحَيْهِ. وتَنْكِيرُهُ لِلنَّوْعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ. وقَدِ اخْتَلَفَ القَصّاصُونَ في صِفَتِهِ اخْتِلافًا خَيالِيًّا. والصَّحِيحُ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخَطاطِيفِ، وعَنْ غَيْرِها أنَّها تُشْبِهُ الوَطْواطَ.
وأبابِيلُ: جَماعاتٌ. قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أبابِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظَهِ مِثْلَ عَبادِيدَ وشَماطِيطَ وتَبِعَهُما الجَوْهَرِيُّ، وقالَ الرُّؤاسِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: واحِدُ
صفحة ٥٥٠
أبابِيلَ إبّالَةٌ مُشَدَّدَةَ المُوَحَّدَةِ مَكْسُورَةَ الهَمْزَةِ. ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةَ، وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَطَبِ، وعَلَيْهِ فَوَصْفُ الطَّيْرِ بِأبابِيلَ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وجُمْلَةُ (تَرْمِيهِمْ) حالٌ مِن (طَيْرًا) وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ بِحَيْثُ تُخُيِّلَ لِلسّامِعِ كالحادِثَةِ في زَمَنِ الحالِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّيحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]) الآيَةَ.
وحِجارَةٌ: اسْمُ جَمْعِ حَجَرٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: طِينٌ في حِجارَةٍ، وعَنْهُ أنَّ سِجِّيلَ مُعَرَّبُ (سَنْكِ كِلْ) مِنَ الفارِسِيَّةِ، أيْ: عَنْ كَلِمَةِ (سَنْكِ) وضُبِطَ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ، اسْمُ الحَجَرِ، وكَلِمَةُ (كِلْ) بِكَسْرِ الكافِ اسْمُ الطِّينِ وجُمُوعُ الكَلِمَتَيْنِ يُرادُ بِهِ الآجُرُّ.
وكِلْتا الكَلِمَتَيْنِ بِالكافِ الفارِسِيَّةِ المُعَمَّدَةِ وهي بَيْنَ مَخْرَجِ الكافِ ومَخْرَجِ القافِ، ولِذَلِكَ تَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةً، أيْ: حِجارَةٌ هي سِجِّيلٌ، وقَدْ عَدَّ السُّبْكِيُّ كَلِمَةَ سِجِّيلٍ في مَنظُومَتِهِ في المُعَرَّبِ الواقِعِ في القُرْآنِ.
وقَدْ أشارَ إلى أصْلِ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] مَعَ قَوْلِهِ في آياتٍ أُخَرَ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَعُلِمَ أنَّهُ حَجَرٌ أصْلُهُ طِينٌ.
وجاءَ نَظِيرُهُ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الحِجارَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلى أصْحابِ الفِيلِ مِن جِنْسِ الحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، أيْ: لَيْسَتْ حَجَرًا صَخْرِيًّا ولَكِنَّها طِينٌ مُتَحَجِّرٌ دَلالَةً عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِعَذابِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجْرُ إذا وقَعَ عَلى أحَدِهِمْ نَفِطَ جِلْدُهُ، فَكانَ ذَلِكَ أوَّلَ الجُدَرِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: إذا أصابَ أحَدَهم مِنها خَرَجَ بِهِ الجُدَرِيُّ.
صفحة ٥٥١
وقَدْ قِيلَ: إنَّ الجُدَرِيَّ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا في مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ الحَجَرَ كانَ قَدْرَ الحِمَّصِ، رَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ أبِي مُعاوِيَةَ الدَّيْلَمِيِّ قالَ: رَأيْتُ الحَصى الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ حَصًى مِثْلَ الحِمَّصِ حُمْرًا بِحُتْمَةٍ (أيْ سَوْداءَ) كَأنَّها جِزْعُ ظَفارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رَأى مِن هَذِهِ الحِجارَةِ عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مُخَطَّطَةٍ بِحُمْرَةٍ بِالجِزْعِ الظَّفارِيِّ.
والعَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ وهو جَمْعُ عَصْفَةٍ. والعَصْفُ إذا دَخَلَتْهُ البَهائِمُ فَأكَلَتْهُ داسَتْهُ بِأرْجُلِها وأكَلَتْ أطْرافَهُ وطَرَحَتْهُ عَلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا. وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ أصْحابِ الفِيلِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ والقُوَّةِ كَيْفَ صارُوا مُتَساقِطِينَ عَلى الأرْضِ هالِكِينَ.
* * *
صفحة ٥٥٢
صفحة ٥٥٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في عَهْدِ السَّلَفِ (سُورَةَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ) قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأوْدِيُّ صَلّى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ المَغْرِبَ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ (ألَمْ تَرَ كَيْفَ) و(لِإيلافِ قُرَيْشٍ) وهَذا ظاهِرٌ في إرادَةِ التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنَ اسْمٍ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ قُرَيْشٍ) لِوُقُوعِ اسْمِ قُرَيْشٍ فِيها ولَمْ يَقَعْ في غَيْرِها، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ. وفي القُرْطُبِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ المُخْتَلَفِ فِيها.
وقَدْ عُدَّتِ التّاسِعَةَ والعِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التِّينِ وقَبْلَ سُورَةِ القارِعَةِ.
وهِيَ سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّها سُورَةٌ خاصَّةٌ.
وجَعَلَها أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَعَ سُورَةِ الفِيلِ سُورَةً واحِدَةً ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في مُصْحَفِهِ بِالبَسْمَلَةِ الَّتِي كانُوا يَجْعَلُونَها عَلامَةَ فَصْلٍ بَيْنَ السُّوَرِ، وهو ظاهِرُ خَبَرِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ قِراءَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. والإجْماعُ الواقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ نَقَضَ ذَلِكَ.
وعَدَدُ آياتِها أرْبَعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ العادِّينَ. وعْدَّها أهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ خَمْسَ آياتٍ.
ورَأيْتُ في مُصْحَفٍ عَتِيقٍ مِنَ المَصاحِفِ المَكْتُوبَةِ في القَيْرَوانِ عَدَدُها أرْبَعُ آياتٍ مَعَ أنَّ قِراءَةَ أهْلِ القَيْرَوانِ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
* * *
صفحة ٥٥٤
أمْرُ قُرَيْشٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَةِ أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ لَهُمُ السَّيْرَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ بِرِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ لا يَخْشَوْنَ عادِيًا يَعْدُو عَلَيْهِمْ.
وبِأنَّهُ أمَّنَهم مِنَ المَجاعاتِ وأمَّنَهم مِنَ المَخاوِفِ لِما وقَرَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَتِهِمْ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الحَرَمِ وعُمّارُ الكَعْبَةِ.
وبِما ألْهَمَ النّاسَ مِن جَلْبِ المِيرَةِ إلَيْهِمْ مِنَ الآفاقِ المُجاوِرَةِ كَبِلادِ الحَبَشَةِ.
ورَدِّ القَبائِلِ فَلا يُغِيرُ عَلى بَلَدِهِمْ أحَدٌ. قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] فَأكْسَبَهم ذَلِكَ مَهابَةً في نُفُوسِ النّاسِ وعَطْفًا مِنهم.
الفيل 105:4
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ بَيانٌ لِما في جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١] مِنَ الإجْمالِ، وسَمّى حَرْبَهم كَيْدًا؛ لِأنَّهُ عَمَلٌ ظاهِرُهُ الغَضَبُ مِن فِعْلِ الكِنانِيِّ الَّذِي قَعَدَ في القَلِيسِ، وإنَّما هو تَعِلَّةٌ تَعَلَّلُوا بِها لِإيجادِ سَبَبٍ لِحَرْبِ أهْلِ مَكَّةَ وهَدْمِ الكَعْبَةِ لِيَنْصَرِفَ العَرَبُ إلى حَجِّ القَلِيسِ في صَنْعاءَ فَيَتَنَصَّرُوا.
أوْ أُرِيدَ بِكَيْدِهِمْ بِناؤْهُمُ القَلِيسِ مُظْهِرِينَ أنَّهم بَنَوْا كَنِيسَةً وهم يُرِيدُونَ أنْ يُبْطِلُوا الحَجَّ إلى الكَعْبَةِ ويَصْرِفُوا العَرَبَ إلى صَنْعاءَ.
والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ عَلى إلْحاقِ ضُرٍّ بِالغَيْرِ ومُعالَجَةِ إيقاعِهِ.
والتَّضْلِيلُ: جَعْلُ الغَيْرِ ضالًّا، أيْ: لا يَهْتَدِي لِمُرادِهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الإبْطالِ وعَدَمِ نَوالِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ عَدَمُ وُصُولِ السّائِرِ.
وظَرْفِيَّةُ الكَيْدِ في التَّضْلِيلِ مَجازِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ لِمَعْنى المُصاحَبَةِ
صفحة ٥٤٩
الشَّدِيدَةِ، أيْ: أبْطَلَ كَيْدَهم بِتَضْلِيلٍ، أيْ: مُصاحِبًا لِلتَّضْلِيلِ لا يُفارِقُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ أبْطَلَهُ إبْطالًا شَدِيدًا، إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِقُوَّتِهِمْ مَعَ ضَعْفِ أهْلِ مَكَّةَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: ضَياعٍ وتَلَفٍ، وقَدْ شَمِلَ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ جَمِيعَ ما حَلَّ بِهِمْ مِن أسْبابِ الخَيْبَةِ وسُوءِ المُنْقَلَبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، أيْ: وكَيْفَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِن صِفَتِها كَيْتُ وكَيْتُ، فَبَعْدَ أنْ وقَعَ التَّقْرِيرُ عَلى ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ عُطِفَ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ بِعِلْمِ ما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العِقابِ عَلى كَيْدِهِمْ تَذْكِيرًا بِما حَلَّ بِهِمْ مِن نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى، لِقَصْدِهِمْ تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ، فَذَلِكَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِبَيْتِهِ لِإظْهارِ تَوْطِئَتِهِ لِبَعْثَةِ رَسُولِهِ ﷺ بِدِينِهِ في ذَلِكَ البَلَدِ، إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكَما كانَ إرْسالُ الطَّيْرِ عَلَيْهِمْ مِن أسْبابِ تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ، كانَ فِيهِ جَزاءٌ لَهم، لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مانِعٌ بَيْتَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ فَيَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ الثّانِي بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِكَيْدِهِمْ وكَوْنِهِ عُقُوبَةً لَهم، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الماضِي بِاعْتِبارِ أنَّ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ قُلِبَ زَمانُهُ إلى المُضِيِّ لِدُخُولِ حَرْفِ (لَمْ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] في سُورَةِ الضُّحى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ.
والطَّيْرُ: اسْمٌ، جَمْعُ طائِرٍ، وهو الحَيَوانُ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالجَوِّ بِعَمَلِ جَناحَيْهِ. وتَنْكِيرُهُ لِلنَّوْعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ. وقَدِ اخْتَلَفَ القَصّاصُونَ في صِفَتِهِ اخْتِلافًا خَيالِيًّا. والصَّحِيحُ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخَطاطِيفِ، وعَنْ غَيْرِها أنَّها تُشْبِهُ الوَطْواطَ.
وأبابِيلُ: جَماعاتٌ. قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أبابِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظَهِ مِثْلَ عَبادِيدَ وشَماطِيطَ وتَبِعَهُما الجَوْهَرِيُّ، وقالَ الرُّؤاسِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: واحِدُ
صفحة ٥٥٠
أبابِيلَ إبّالَةٌ مُشَدَّدَةَ المُوَحَّدَةِ مَكْسُورَةَ الهَمْزَةِ. ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةَ، وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَطَبِ، وعَلَيْهِ فَوَصْفُ الطَّيْرِ بِأبابِيلَ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وجُمْلَةُ (تَرْمِيهِمْ) حالٌ مِن (طَيْرًا) وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ بِحَيْثُ تُخُيِّلَ لِلسّامِعِ كالحادِثَةِ في زَمَنِ الحالِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّيحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]) الآيَةَ.
وحِجارَةٌ: اسْمُ جَمْعِ حَجَرٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: طِينٌ في حِجارَةٍ، وعَنْهُ أنَّ سِجِّيلَ مُعَرَّبُ (سَنْكِ كِلْ) مِنَ الفارِسِيَّةِ، أيْ: عَنْ كَلِمَةِ (سَنْكِ) وضُبِطَ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ، اسْمُ الحَجَرِ، وكَلِمَةُ (كِلْ) بِكَسْرِ الكافِ اسْمُ الطِّينِ وجُمُوعُ الكَلِمَتَيْنِ يُرادُ بِهِ الآجُرُّ.
وكِلْتا الكَلِمَتَيْنِ بِالكافِ الفارِسِيَّةِ المُعَمَّدَةِ وهي بَيْنَ مَخْرَجِ الكافِ ومَخْرَجِ القافِ، ولِذَلِكَ تَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةً، أيْ: حِجارَةٌ هي سِجِّيلٌ، وقَدْ عَدَّ السُّبْكِيُّ كَلِمَةَ سِجِّيلٍ في مَنظُومَتِهِ في المُعَرَّبِ الواقِعِ في القُرْآنِ.
وقَدْ أشارَ إلى أصْلِ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] مَعَ قَوْلِهِ في آياتٍ أُخَرَ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَعُلِمَ أنَّهُ حَجَرٌ أصْلُهُ طِينٌ.
وجاءَ نَظِيرُهُ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الحِجارَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلى أصْحابِ الفِيلِ مِن جِنْسِ الحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، أيْ: لَيْسَتْ حَجَرًا صَخْرِيًّا ولَكِنَّها طِينٌ مُتَحَجِّرٌ دَلالَةً عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِعَذابِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجْرُ إذا وقَعَ عَلى أحَدِهِمْ نَفِطَ جِلْدُهُ، فَكانَ ذَلِكَ أوَّلَ الجُدَرِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: إذا أصابَ أحَدَهم مِنها خَرَجَ بِهِ الجُدَرِيُّ.
صفحة ٥٥١
وقَدْ قِيلَ: إنَّ الجُدَرِيَّ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا في مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ الحَجَرَ كانَ قَدْرَ الحِمَّصِ، رَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ أبِي مُعاوِيَةَ الدَّيْلَمِيِّ قالَ: رَأيْتُ الحَصى الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ حَصًى مِثْلَ الحِمَّصِ حُمْرًا بِحُتْمَةٍ (أيْ سَوْداءَ) كَأنَّها جِزْعُ ظَفارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رَأى مِن هَذِهِ الحِجارَةِ عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مُخَطَّطَةٍ بِحُمْرَةٍ بِالجِزْعِ الظَّفارِيِّ.
والعَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ وهو جَمْعُ عَصْفَةٍ. والعَصْفُ إذا دَخَلَتْهُ البَهائِمُ فَأكَلَتْهُ داسَتْهُ بِأرْجُلِها وأكَلَتْ أطْرافَهُ وطَرَحَتْهُ عَلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا. وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ أصْحابِ الفِيلِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ والقُوَّةِ كَيْفَ صارُوا مُتَساقِطِينَ عَلى الأرْضِ هالِكِينَ.
* * *
صفحة ٥٥٢
صفحة ٥٥٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في عَهْدِ السَّلَفِ (سُورَةَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ) قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأوْدِيُّ صَلّى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ المَغْرِبَ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ (ألَمْ تَرَ كَيْفَ) و(لِإيلافِ قُرَيْشٍ) وهَذا ظاهِرٌ في إرادَةِ التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنَ اسْمٍ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ قُرَيْشٍ) لِوُقُوعِ اسْمِ قُرَيْشٍ فِيها ولَمْ يَقَعْ في غَيْرِها، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ. وفي القُرْطُبِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ المُخْتَلَفِ فِيها.
وقَدْ عُدَّتِ التّاسِعَةَ والعِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التِّينِ وقَبْلَ سُورَةِ القارِعَةِ.
وهِيَ سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّها سُورَةٌ خاصَّةٌ.
وجَعَلَها أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَعَ سُورَةِ الفِيلِ سُورَةً واحِدَةً ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في مُصْحَفِهِ بِالبَسْمَلَةِ الَّتِي كانُوا يَجْعَلُونَها عَلامَةَ فَصْلٍ بَيْنَ السُّوَرِ، وهو ظاهِرُ خَبَرِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ قِراءَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. والإجْماعُ الواقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ نَقَضَ ذَلِكَ.
وعَدَدُ آياتِها أرْبَعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ العادِّينَ. وعْدَّها أهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ خَمْسَ آياتٍ.
ورَأيْتُ في مُصْحَفٍ عَتِيقٍ مِنَ المَصاحِفِ المَكْتُوبَةِ في القَيْرَوانِ عَدَدُها أرْبَعُ آياتٍ مَعَ أنَّ قِراءَةَ أهْلِ القَيْرَوانِ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
* * *
صفحة ٥٥٤
أمْرُ قُرَيْشٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَةِ أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ لَهُمُ السَّيْرَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ بِرِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ لا يَخْشَوْنَ عادِيًا يَعْدُو عَلَيْهِمْ.
وبِأنَّهُ أمَّنَهم مِنَ المَجاعاتِ وأمَّنَهم مِنَ المَخاوِفِ لِما وقَرَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَتِهِمْ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الحَرَمِ وعُمّارُ الكَعْبَةِ.
وبِما ألْهَمَ النّاسَ مِن جَلْبِ المِيرَةِ إلَيْهِمْ مِنَ الآفاقِ المُجاوِرَةِ كَبِلادِ الحَبَشَةِ.
ورَدِّ القَبائِلِ فَلا يُغِيرُ عَلى بَلَدِهِمْ أحَدٌ. قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] فَأكْسَبَهم ذَلِكَ مَهابَةً في نُفُوسِ النّاسِ وعَطْفًا مِنهم.
الفيل 105:5
﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ بَيانٌ لِما في جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل: ١] مِنَ الإجْمالِ، وسَمّى حَرْبَهم كَيْدًا؛ لِأنَّهُ عَمَلٌ ظاهِرُهُ الغَضَبُ مِن فِعْلِ الكِنانِيِّ الَّذِي قَعَدَ في القَلِيسِ، وإنَّما هو تَعِلَّةٌ تَعَلَّلُوا بِها لِإيجادِ سَبَبٍ لِحَرْبِ أهْلِ مَكَّةَ وهَدْمِ الكَعْبَةِ لِيَنْصَرِفَ العَرَبُ إلى حَجِّ القَلِيسِ في صَنْعاءَ فَيَتَنَصَّرُوا.
أوْ أُرِيدَ بِكَيْدِهِمْ بِناؤْهُمُ القَلِيسِ مُظْهِرِينَ أنَّهم بَنَوْا كَنِيسَةً وهم يُرِيدُونَ أنْ يُبْطِلُوا الحَجَّ إلى الكَعْبَةِ ويَصْرِفُوا العَرَبَ إلى صَنْعاءَ.
والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ عَلى إلْحاقِ ضُرٍّ بِالغَيْرِ ومُعالَجَةِ إيقاعِهِ.
والتَّضْلِيلُ: جَعْلُ الغَيْرِ ضالًّا، أيْ: لا يَهْتَدِي لِمُرادِهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الإبْطالِ وعَدَمِ نَوالِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ عَدَمُ وُصُولِ السّائِرِ.
وظَرْفِيَّةُ الكَيْدِ في التَّضْلِيلِ مَجازِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ لِمَعْنى المُصاحَبَةِ
صفحة ٥٤٩
الشَّدِيدَةِ، أيْ: أبْطَلَ كَيْدَهم بِتَضْلِيلٍ، أيْ: مُصاحِبًا لِلتَّضْلِيلِ لا يُفارِقُهُ، والمَعْنى: أنَّهُ أبْطَلَهُ إبْطالًا شَدِيدًا، إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِقُوَّتِهِمْ مَعَ ضَعْفِ أهْلِ مَكَّةَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلّا في تَبابٍ﴾ [غافر: ٣٧] أيْ: ضَياعٍ وتَلَفٍ، وقَدْ شَمِلَ تَضْلِيلُ كَيْدِهِمْ جَمِيعَ ما حَلَّ بِهِمْ مِن أسْبابِ الخَيْبَةِ وسُوءِ المُنْقَلَبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ يَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ، أيْ: وكَيْفَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِن صِفَتِها كَيْتُ وكَيْتُ، فَبَعْدَ أنْ وقَعَ التَّقْرِيرُ عَلى ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِن تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ عُطِفَ عَلَيْهِ تَقْرِيرٌ بِعِلْمِ ما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العِقابِ عَلى كَيْدِهِمْ تَذْكِيرًا بِما حَلَّ بِهِمْ مِن نِقْمَةِ اللَّهِ تَعالى، لِقَصْدِهِمْ تَخْرِيبَ الكَعْبَةِ، فَذَلِكَ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِبَيْتِهِ لِإظْهارِ تَوْطِئَتِهِ لِبَعْثَةِ رَسُولِهِ ﷺ بِدِينِهِ في ذَلِكَ البَلَدِ، إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكَما كانَ إرْسالُ الطَّيْرِ عَلَيْهِمْ مِن أسْبابِ تَضْلِيلِ كَيْدِهِمْ، كانَ فِيهِ جَزاءٌ لَهم، لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مانِعٌ بَيْتَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ فَيَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ التَّقْرِيرِ الثّانِي بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِكَيْدِهِمْ وكَوْنِهِ عُقُوبَةً لَهم، ومَجِيئُهُ بِلَفْظِ الماضِي بِاعْتِبارِ أنَّ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ﴾ قُلِبَ زَمانُهُ إلى المُضِيِّ لِدُخُولِ حَرْفِ (لَمْ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] في سُورَةِ الضُّحى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَ جَعَلَ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ.
والطَّيْرُ: اسْمٌ، جَمْعُ طائِرٍ، وهو الحَيَوانُ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِالجَوِّ بِعَمَلِ جَناحَيْهِ. وتَنْكِيرُهُ لِلنَّوْعِيَّةِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ. وقَدِ اخْتَلَفَ القَصّاصُونَ في صِفَتِهِ اخْتِلافًا خَيالِيًّا. والصَّحِيحُ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ: أنَّها أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخَطاطِيفِ، وعَنْ غَيْرِها أنَّها تُشْبِهُ الوَطْواطَ.
وأبابِيلُ: جَماعاتٌ. قالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أبابِيلُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظَهِ مِثْلَ عَبادِيدَ وشَماطِيطَ وتَبِعَهُما الجَوْهَرِيُّ، وقالَ الرُّؤاسِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: واحِدُ
صفحة ٥٥٠
أبابِيلَ إبّالَةٌ مُشَدَّدَةَ المُوَحَّدَةِ مَكْسُورَةَ الهَمْزَةِ. ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: ضِغْثٌ عَلى إبّالَةَ، وهي الحُزْمَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَطَبِ، وعَلَيْهِ فَوَصْفُ الطَّيْرِ بِأبابِيلَ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وجُمْلَةُ (تَرْمِيهِمْ) حالٌ مِن (طَيْرًا) وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ بِحَيْثُ تُخُيِّلَ لِلسّامِعِ كالحادِثَةِ في زَمَنِ الحالِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّيحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩]) الآيَةَ.
وحِجارَةٌ: اسْمُ جَمْعِ حَجَرٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: طِينٌ في حِجارَةٍ، وعَنْهُ أنَّ سِجِّيلَ مُعَرَّبُ (سَنْكِ كِلْ) مِنَ الفارِسِيَّةِ، أيْ: عَنْ كَلِمَةِ (سَنْكِ) وضُبِطَ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ النُّونِ وكَسْرِ الكافِ، اسْمُ الحَجَرِ، وكَلِمَةُ (كِلْ) بِكَسْرِ الكافِ اسْمُ الطِّينِ وجُمُوعُ الكَلِمَتَيْنِ يُرادُ بِهِ الآجُرُّ.
وكِلْتا الكَلِمَتَيْنِ بِالكافِ الفارِسِيَّةِ المُعَمَّدَةِ وهي بَيْنَ مَخْرَجِ الكافِ ومَخْرَجِ القافِ، ولِذَلِكَ تَكُونُ (مِن) بَيانِيَّةً، أيْ: حِجارَةٌ هي سِجِّيلٌ، وقَدْ عَدَّ السُّبْكِيُّ كَلِمَةَ سِجِّيلٍ في مَنظُومَتِهِ في المُعَرَّبِ الواقِعِ في القُرْآنِ.
وقَدْ أشارَ إلى أصْلِ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] مَعَ قَوْلِهِ في آياتٍ أُخَرَ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [هود: ٨٢] فَعُلِمَ أنَّهُ حَجَرٌ أصْلُهُ طِينٌ.
وجاءَ نَظِيرُهُ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ في سُورَةِ هُودٍ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الحِجارَةُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلى أصْحابِ الفِيلِ مِن جِنْسِ الحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، أيْ: لَيْسَتْ حَجَرًا صَخْرِيًّا ولَكِنَّها طِينٌ مُتَحَجِّرٌ دَلالَةً عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِعَذابِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الحَجْرُ إذا وقَعَ عَلى أحَدِهِمْ نَفِطَ جِلْدُهُ، فَكانَ ذَلِكَ أوَّلَ الجُدَرِيِّ. وقالَ عِكْرِمَةُ: إذا أصابَ أحَدَهم مِنها خَرَجَ بِهِ الجُدَرِيُّ.
صفحة ٥٥١
وقَدْ قِيلَ: إنَّ الجُدَرِيَّ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا في مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ الحَجَرَ كانَ قَدْرَ الحِمَّصِ، رَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ أبِي مُعاوِيَةَ الدَّيْلَمِيِّ قالَ: رَأيْتُ الحَصى الَّتِي رُمِيَ بِها أصْحابُ الفِيلِ حَصًى مِثْلَ الحِمَّصِ حُمْرًا بِحُتْمَةٍ (أيْ سَوْداءَ) كَأنَّها جِزْعُ ظَفارِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ رَأى مِن هَذِهِ الحِجارَةِ عِنْدَ أُمِّ هانِئٍ نَحْوَ قَفِيزٍ مُخَطَّطَةٍ بِحُمْرَةٍ بِالجِزْعِ الظَّفارِيِّ.
والعَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ وهو جَمْعُ عَصْفَةٍ. والعَصْفُ إذا دَخَلَتْهُ البَهائِمُ فَأكَلَتْهُ داسَتْهُ بِأرْجُلِها وأكَلَتْ أطْرافَهُ وطَرَحَتْهُ عَلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ أخْضَرَ يانِعًا. وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ أصْحابِ الفِيلِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ والقُوَّةِ كَيْفَ صارُوا مُتَساقِطِينَ عَلى الأرْضِ هالِكِينَ.
* * *
صفحة ٥٥٢
صفحة ٥٥٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ قُرَيْشٍ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في عَهْدِ السَّلَفِ (سُورَةَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ) قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأوْدِيُّ صَلّى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ المَغْرِبَ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ (ألَمْ تَرَ كَيْفَ) و(لِإيلافِ قُرَيْشٍ) وهَذا ظاهِرٌ في إرادَةِ التَّسْمِيَةِ ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في السُّوَرِ الَّتِي لَها أكْثَرُ مِنَ اسْمٍ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ قُرَيْشٍ) لِوُقُوعِ اسْمِ قُرَيْشٍ فِيها ولَمْ يَقَعْ في غَيْرِها، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ. وفي القُرْطُبِيِّ عَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ مَعَ السُّوَرِ المُخْتَلَفِ فِيها.
وقَدْ عُدَّتِ التّاسِعَةَ والعِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التِّينِ وقَبْلَ سُورَةِ القارِعَةِ.
وهِيَ سُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّها سُورَةٌ خاصَّةٌ.
وجَعَلَها أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مَعَ سُورَةِ الفِيلِ سُورَةً واحِدَةً ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في مُصْحَفِهِ بِالبَسْمَلَةِ الَّتِي كانُوا يَجْعَلُونَها عَلامَةَ فَصْلٍ بَيْنَ السُّوَرِ، وهو ظاهِرُ خَبَرِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ قِراءَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. والإجْماعُ الواقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ نَقَضَ ذَلِكَ.
وعَدَدُ آياتِها أرْبَعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ العادِّينَ. وعْدَّها أهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ خَمْسَ آياتٍ.
ورَأيْتُ في مُصْحَفٍ عَتِيقٍ مِنَ المَصاحِفِ المَكْتُوبَةِ في القَيْرَوانِ عَدَدُها أرْبَعُ آياتٍ مَعَ أنَّ قِراءَةَ أهْلِ القَيْرَوانِ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ.
* * *
صفحة ٥٥٤
أمْرُ قُرَيْشٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعْمَةِ أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ لَهُمُ السَّيْرَ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ بِرِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ لا يَخْشَوْنَ عادِيًا يَعْدُو عَلَيْهِمْ.
وبِأنَّهُ أمَّنَهم مِنَ المَجاعاتِ وأمَّنَهم مِنَ المَخاوِفِ لِما وقَرَ في نُفُوسِ العَرَبِ مِن حُرْمَتِهِمْ؛ لِأنَّهم سُكّانُ الحَرَمِ وعُمّارُ الكَعْبَةِ.
وبِما ألْهَمَ النّاسَ مِن جَلْبِ المِيرَةِ إلَيْهِمْ مِنَ الآفاقِ المُجاوِرَةِ كَبِلادِ الحَبَشَةِ.
ورَدِّ القَبائِلِ فَلا يُغِيرُ عَلى بَلَدِهِمْ أحَدٌ. قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ أفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧] فَأكْسَبَهم ذَلِكَ مَهابَةً في نُفُوسِ النّاسِ وعَطْفًا مِنهم.