Lafzullah

تفسير الشافعي — المائدة 5:1 – الإسراء 17:110

المؤلف / المصدر: الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (ت 204هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-27767)

المحتويات
  1. المائدة 5:1
  2. المائدة 5:2
  3. المائدة 5:3
  4. المائدة 5:4
  5. المائدة 5:5
  6. المائدة 5:6
  7. المائدة 5:8
  8. المائدة 5:33
  9. المائدة 5:34
  10. المائدة 5:38
  11. المائدة 5:42
  12. المائدة 5:43
  13. المائدة 5:45
  14. المائدة 5:58
  15. المائدة 5:89
  16. المائدة 5:95
  17. المائدة 5:96
  18. المائدة 5:101
  19. المائدة 5:103
  20. المائدة 5:105
  21. المائدة 5:106
  22. المائدة 5:107
  23. المائدة 5:108
  24. الأنعام 6:76
  25. الأنعام 6:102
  26. الأنعام 6:106
  27. الأنعام 6:118
  28. الأنعام 6:119
  29. الأنعام 6:141
  30. الأنعام 6:145
  31. الأنعام 6:151
  32. الأنعام 6:164
  33. الأعراف 7:27
  34. الأعراف 7:31
  35. الأعراف 7:34
  36. الأعراف 7:157
  37. الأعراف 7:163
  38. الأعراف 7:164
  39. الأعراف 7:165
  40. الأنفال 8:1
  41. الأنفال 8:38
  42. الأنفال 8:41
  43. الأنفال 8:58
  44. الأنفال 8:60
  45. الأنفال 8:65
  46. الأنفال 8:66
  47. الأنفال 8:75
  48. التوبة 9:1
  49. التوبة 9:6
  50. التوبة 9:28
  51. التوبة 9:29
  52. التوبة 9:33
  53. التوبة 9:37
  54. التوبة 9:41
  55. التوبة 9:60
  56. التوبة 9:91
  57. التوبة 9:92
  58. التوبة 9:104
  59. التوبة 9:108
  60. التوبة 9:123
  61. التوبة 9:124
  62. التوبة 9:125
  63. يونس 10:3
  64. يونس 10:15
  65. يونس 10:25
  66. يونس 10:101
  67. هود 11:3
  68. هود 11:6
  69. الرعد 13:13
  70. الرعد 13:16
  71. إبراهيم 14:1
  72. إبراهيم 14:4
  73. النحل 16:40
  74. النحل 16:43
  75. النحل 16:78
  76. النحل 16:89
  77. النحل 16:98
  78. النحل 16:106
  79. الإسراء 17:33
  80. الإسراء 17:36
  81. الإسراء 17:37
  82. الإسراء 17:48
  83. الإسراء 17:70
  84. الإسراء 17:78
  85. الإسراء 17:79
  86. الإسراء 17:88
  87. الإسراء 17:110

المائدة 5:1

١٧٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : جماع الوفاء بالنذر وبالعهد، كان بيمين أو غيرها في قوله تعالى :﴿يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وفي قوله تعالى :﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾(١) وقد ذكر الله عز وجل الوفاء بالعقود بالإيمان في غير آية من كتابه، منها قوله تعالى :﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اِللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلا تَنقُضُوا اَلاَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾(٢) قرا الربيع الآية، وقوله :﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ اَلْمِيثَاقَ﴾(٣) مع ما ذكر به الوفاء بالعهد. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وهذا من سعة لسان العرب الذي خوطبت به. وظاهره عام على كل عقد. ويشبه ـ والله تعالى أعلم ـ أن يكون أراد الله عز وجل أن يوفى بكل عقد نذر إذا كانت في العقد لله طاعة، ولم يكن فيما أمر بالوفاء منها معصية(٤). ( الأم : ٤/١٨٤-١٨٥. ون أحكام الشافعي : ٢/٦٥-٦٨ ) ــــــــــــ ١٧٣- قال الشافعي : قال الله تعالى :﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأنعام إِلا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾(٥) فلا أعلم مخالفا أنه عنى الإبل والبقر والغنم والضأن، وهي الأزواج الثمانية. قال الله تعالى :﴿مِّنَ اَلضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ اَلْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلَ ـآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين﴾ الآية(٦). وقال :﴿وَمِنَ اَلاِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ اَلْبَقَرِ اِثْنَيْنِ﴾(٧) فهي بهيمة الأنعام، وهي الأزواج الثمانية وهي الإنسية التي منها الضحايا والبدن التي يذبح المحرم، ولا يكون ذلك في غيرها من الوحش. ( الأم : ٢/١٩٤. ) ــــــــــــــــــــــــــــ ١٧٤- قال الشافعي رحمه الله : قال الله تعالى :﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ اَلاَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى اِلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾(٨) فاحتمل قول الله تبارك وتعالى :﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ اَلاَنْعَامِ﴾(٩) إحلالها دون ما سواها، واحتمل إحلالها بغير حظر ما سواها. واحتمل قول الله تبارك وتعالى :﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ إِلا مَا اَضْطُرِرْتُمُ إِلَيْهِ﴾(١٠) وقوله عز وجل :﴿قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا أهل لِغَيْرِ اِللَّهِ بِهِ﴾(١١) وقوله :﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾(١٢) وما أشبه هؤلاء الآيات، أن يكون أباح كل مأكول لم ينزل تحريمه في كتابه نصا، واحتمل كل مأكول من ذوات الأرواح لم ينزل تحريمه بعينه نصا أو تحريمه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فيحرم بنص الكتاب وتحليل الكتاب بأمر الله عز وجل بالانتهاء إلى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، فيكون إنما حرم بالكتاب في الوجهين. فلما احتمل أمر هذه المعاني، كان أولاها بنا، الاستدلال على ما يحل ويحرم بكتاب الله ثم سنة تعرب عن كتاب الله أو أمر أجمع المسلمون عليه، فإنه لا يمكن في اجتماعهم أن يجهلوا لله حراما ولا حلالا، إنما يمكن في بعضهم، وأما في عامتهم فلا. ( الأم : ٢/٢٤٧. ) ١ - الإنسان: ٧.. ٢ - النحل: ٩١.. ٣ - الرعد: ٢٠.. ٤ - أخرج البخاري في الأيمان والنذور (٨٦) باب: النذر فيما لا يملك وفي معصية (٣٠)(ر٦٣٢٦) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « مُرْهُ فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه». وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور (١٦) باب: من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية (٢٣)(ر٣٣٠٠). وأخرجه ابن ماجة في الكفارات (١١) باب: من خلط في نذره طاعة بمعصية (٢١)(ر٢١٣٦). وأخرج البخاري في نفس الكتاب باب: النذر في الطاعة (٢٧) وباب: النذر فيما لا يملك وفي معصية (٣٠) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه». وأخرجه أصحاب السنن ومالك.. ٥ - المائدة: ١.. ٦ - الأنعام: ١٤٣. وتمامها: ﴿أَمَّا اَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ اَلاُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِى بِعِلْمٍ اِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.. ٧ - الأنعام: ١٤٤.. ٨ - المائدة: ١.. ٩ - المائدة: ١.. ١٠ - الأنعام: ١١٩.. ١١ - الأنعام: ١٤٥.. ١٢ - الأنعام: ١١٨..

المائدة 5:2

١٧٥- قال الشافعي رحمه الله في قوله تعالى :﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اَللَّهِ﴾(١) يعني : لا تستحلوها، وهي كل ما كان لله عز وجل من الهدي وغيره. وفي قوله :﴿وَلا ءَآمِّينَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرَامَ﴾(٢) : من أتاه : تصدونهم عنه. وقال الشافعي رحمه الله في قوله عز وجل :﴿شَنَئَانُ قَوْمٍ﴾(٣) : على خلاف الحق. ( أحكام الشافعي : ٢/١٨٣. ) ١ - المائدة: ٢.. ٢ - المائدة: ٢.. ٣ - المائدة: ٢..

المائدة 5:3

١٧٦- قال الشافعي رحمه الله : ولو شق بطن شاة، فوصل إلى معاها ما يستيقن أنها إن لم تذك ماتت فذكيت، فلا بأس بأكلها لقول الله عز وجل :﴿وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ اَلسَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾(١) والذكاة جائزة بالقرآن. ( مختصر المزني ص : ٢٨٣. ) ـــــــــــــــ ١٧٧- قال الشافعي رحمه الله : وقوله عز وجل :﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾(٢) : فما وقع عليه اسم الذكاة من هذا فهو ذكي. وقال الشافعي : الأزلام : ليس لها معنى إلا القداح. ( أحكام الشافعي : ٢/١٨٣-١٨٤. ) ١ - المائدة: ٣.. ٢ - المائدة: ٣..

المائدة 5:4

١٧٨- قال الشافعي رحمه الله : قال الله جل ثناؤه :﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلُ اَحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبَاتُ﴾ وقال في النبي صلى الله عليه وسلم :﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث﴾(١) وإنما خوطب بذلك العرب الذين يسألون عن هذا ونزلت فيهم الأحكام ؛ وكانوا يتركون من خبيث المأكل ما لا يترك غيرهم. قال الشافعي : وسمعت أهل العلم يقولون في قول الله عز وجل :﴿قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية(٢)، يعني : مما كنتم تأكلون. ولم يكن الله عز وجل ليحرم عليهم من صيد البر في الإحرام إلا ما كان حلالا لهم في الإحلال ـ والله أعلم ـ فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الغُرَابِ والحِدَأَةِ(٣) والعقرب والحيّةِ والفأرة والكلب العقور(٤)، دل ذلك على أن هذا مخرجه. ودل على معنى آخر : أن العرب كانت لا تأكل مما أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الإحرام شيئا، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع(٥). ( مختصر المزني : ٢٨٥-٢٨٦. ون الأم : ٢/٢٤١-٢٤٢. ) ــــــــــــــــــــــــــ ١٧٩- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلُ اَحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ اَلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اَللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾(٦). قال الشافعي : فكان معقولا عن الله عز وجل إذا أذن في أكل ما أمسك الجوارح : أنهم إنما اتخذوا الجوارح لما لم ينالوه إلا بالجوارح، وإن لم ينزل ذلك نصا من كتاب الله عز وجل. فقال الله عز وجل :﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللَّهُ بشيء مِّنَ اَلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾(٧) وقال تعالى :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾(٨) وقال تعالى :﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾(٩). قال : ولما ذكر الله عز وجل أمره بالذبح وقال :﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾(١٠) كان معقولا عن الله عز وجل أنه إنما أمر به : فيما يمكن فيه الذبح والذكاة وإن لم يذكره. فلما كان معقولا في حكم الله عز وجل ما وصفتُ : انبغي لأهل العلم عندي أن يعلموا ما حل من الحيوان. فذكاة المقدور عليه منه مثلُ الذَّبح، أو النحر، وذكاة غير المقدور عليه منه ما يُقْتَلُ به جارحٌ أو سلاحٌ. قال : الكلب المعَلَّمُ : الذي إذا أُشْلِيَ : اسْتشلَى(١١)، وإذا أخذ : حَبَسْ، ولم يأكل. فإذا فعل هذا مرة بعد مرة كان مُعَلَّمًا، يأكل صاحبه مما حبس عليه ـ وإن قتل ـ ما لم يأكل. قال الشافعي : وقد تسمى جوارحَ : لأنها تجرح ؛ فيكون اسما لازما. وأُحِلَّ ما أَمْسَكْنَ مطلقًا. ( أحكام الشافعي : ٢/٨٠-٨٢. ون أحكام الشافعي : ١/١٢٥-١٢٦. ) ١ - الأعراف: ١٥٧.. ٢ - الأنعام: ١٤٥. وتمامها: ﴿إِلا أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُو رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اَهِلَّ لِغَيْرِ اِللَّهِ بِهِ فَمَنُ اَضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.. ٣ - الحِدَأةُ: طائر يطير يصيد الخِرْذان. اللسان: حدأ.. ٤ - أخرج البخاري في الإحصار وجزاء الصيد (٣٤) باب: ما يقتل المحرم من الدواب (١٨)(ر١٧٣١-١٧٣٢) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن: الغراب، والحدأة، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور». وأخرجه مسلم في الحج (١٥) باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (٩)(ر١١٩٩-١٢٠٠). وأخرجه أصحاب السنن، ومالك، والدارمي.. ٥ - رواه البخاري في الذبائح والصيد (٧٥) باب: أكل كل ذي ناب من السباع (٢٩)(ر٥٢١٠). ورواه مسلم في الصيد والذبائح (٣٤) باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع (٣)(ر١٩٣٢). ورواه مالك في الصيد (٢٥) باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع (٤)(ر١٣-١٤).. ٦ - المائدة: ٤.. ٧ - المائدة: ٩٤.. ٨ - المائدة: ٩٥.. ٩ - المائدة: ٢.. ١٠ - المائدة: ٣.. ١١ - أشلى الشاة والكلب واستشلاهما: دعاهما بأسمائهما. والإشلاء: الدعاء. وأشليت الكلب على الصيد فإنما معناه دعوته فأرسلته على الصيد. اللسان: شلا..

المائدة 5:5

١٨٠- قال الشافعي : قال الله عز وجل :﴿وَطَعَامُ اَلذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾(١) فاحتمل ذلك : الذبائح، وما سواها : من طعامهم الذي لم نعتقده محرما علينا. فآنيتهم أولى أن لا يكون في النفس منها شيء إذا غُسِلَتْ. ( أحكام الشافعي : ٢/١٠٣. ) ــــــــــــ ١٨١- قال الشافعي : في قوله عز وجل :{ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمُ }(٢) : الحرائر من أهل الكتاب، غير ذوات الأزواج ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾(٣) عفائف غير فواسق. ( أحكام الشافعي : ٢/١٨٤-١٨٥ ) ١ - المائدة: ٥.. ٢ - المائدة: ٥.. ٣ - المائدة: ٥..

المائدة 5:6

١٨٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تعالى :﴿إِذَا قُمْتُمُ إِلَى اَلصَّلَواةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمُ﴾ الآية. قال الشافعي : فكان ظاهر الآية أن من قام إلى الصلاة فعليه أن يتوضأ، وكانت محتملة أن تكون نزلت في خاص ؛ فسمعت من أرضى علمه بالقرآن يزعم أنها نزلت في القائمين من النوم(١). قال : وأحسب ما قال كما قال، لأن في السنة دليلا على أن يتوضأ من قام من نومه. أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده »(٢). أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضُوئِهِ فإنه لا يدري أين باتت يده »(٣). أخبرنا سفيان قال : أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا لأنه لا يدري أين باتت يده »(٤). قال الشافعي رحمه الله تعالى : فمن نام مضطجعا وجب عليه الوضوء لأنه قائم من مضطجع. قال : والنوم غلبة على العقل، فمن غلب على عقله بجنون أو مرض، مضطجعا كان، أو غير مضطجع، وجب عليه الوضوء، لأنه في أكثر من حال النائم. والنائم يتحرك الشيء فينتبه، وينتبه من غير تحرك الشيء. والمغلوب على عقله بجنون أو غيره يحرك فلا يتحرك. قال : وإذا نام الرجل قاعدا. فأحب إلي له أن يتوضأ. قال : ولا يبين لي أن أوجب عليه الوضوء. أخبرنا الثقة، عن حميد الطويل، عن انس بن مالك قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون، أحسبه قال : قعودا، حتى تخف رؤوسهم ثم يصلون، ولا يتوضؤون(٥). أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر : أنه كان ينام قاعدا ثم يصلي ولا يتوضأ(٦). قال الشافعي : وإن نام قاعدا مستويا لم يجب عليه عندي الوضوء، لما ذكرت من الآثار، وأن معلوما أن كانت الآية نزلت في النائمين، أن النائم مضطجع. ( الأم : ١/١٢-١٣. ون الأم : ١/٢١-٢٢. و أحكام الشافعي : ١/٤٥. ومناقب الشافعي : ١/٢٨٤-٢٨٥. ) ــــــــــــ ١٨٣- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل :﴿إِذَا قُمْتُمُ إِلَى اَلصَّلَواةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمُ إِلَى اَلْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمُ﴾(٧) الآية. قال الشافعي : فكان بينا عند من خوطب بالآية أن غسلهم إنما كان بالماء، ثم أبان في هذه الآية أن الغسل بالماء، وكان معقولا عند من خوطب بالآية أن الماء ما خلق الله تبارك وتعالى مما لا صنعة فيه للآدميين. وذكر الماء عاما فكان ماء السماء وماء الأنهار، والآبار والقلات(٨)، والبحار العذب من جميعه والأجاج سواء، في أنه يطهرُ من توضأ واغتسل منه. وظاهر القرآن يدل على أن كل ماء طاهر ماء بحر وغيره. وقد روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يوافق ظاهر القرآن في إسناده من لا أعرفه. قال الشافعي : أخبرنا مالك، عن صفوان بن سلَيْم(٩)، عن سعيد بن سلمة(١٠) رجل من آل بني الأزرق : أن المغيرة بن أبي بريدة(١١) ـ وهو من بني عبد الدار ـ أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :« هو الطهور ماؤه الحل ميتته »(١٢). ( الأم : ١/٣. ون أحكام الشافعي : ١/٤٣. ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١٨٤- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿إِذَا قُمْتُمُ إِلَى اَلصَّلَواةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمُ إِلَى اَلْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمُ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبا فَاطَّهَّرُواْ﴾(١٣) وقال :﴿وَلا جُنُبًا اِلا عابري سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾(١٤) فأبان أن طهارة الجُنًبِ الغُسلُ دون الوضوء. وسن رسول الله الوضوء كما أنزل الله : فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، وغسل رجليه إلى الكعبين. أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس عن النبي : أنه توضا مرةً مرةً(١٥). أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى(١٦)، عن أبيه : أنه قال لعبد الله بن زيد(١٧)، وهو جد عمرو بن يحيى(١٨) : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضأ ؟ فقال عبد الله : نعم. فدعا بِوَضُوءٍ، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأَدْبَرَ، بدا بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدا منه، ثم غسل رجليه(١٩). فكان ظاهر قول الله :﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾(٢٠) : أقل ما وقع عليه اسم الغَسْل، وذلك مرةً، واحتمل أكثر. فسنَّ رسول الله الوضوءَ مرةً، فوافق ذلك ظاهر القرآن، وذلك أقلَّ ما يقع عليه اسم الغَسل، واحتمل أكثر، وسنَّهُ مرتين وثلاثا. فلما سنَّهُ مرة استدللنا على أنه لو كانت مرة لا تجزئ، لم يتوضا مرة ويصلي، وأن ما جاوز مرةً اخْتِيَارٌ، لا فَرْضٌ في الوضوء لا يُجزئ أقلُّ منه. وهذا مثل ما ذكرت من الفرائض قبله : لو ترك الحديث فيه استغني فيه بالكتاب، وحين حكي الحديث فيه دلَّ على اتباع الحديث كتاب الله. ولعلهم إنما حكوا الحديث فيه لأن أكثر ما توضا رسول الله ثلاثا، فأرادوا أن الوضوء ثلاثا اختيار، لا أنه واجب لا يجزئ أقلُّ منه، ولِمَا ذُكِرَ منه في أن : من توضا وضوءه هذا ـ وكان ثلاثا ـ ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما غُفِرَ له(٢١). فأرادوا طلب الفضل في الزيادة في الوضوء، وكانت الزيادة فيه نافلة. وغسل رسول الله في الوضوء المرفقين والكعبين، وكانت الآية محتملةً أن يكونا مغسولين وأن يكون مغسولا إليهما، ولا يكونان مغسولين، ولعلهم حَكَوا الحديث إبانةً لهذا أيضا. وأشبه الأمرين بظاهر الآية أن يكونا مغسولين. وهذا بيان السنة مع بيان القرآن. ( الرسالة : ١٢١-١٢٢. ون الرسالة : ٢٨-٢٩. ) ـــــــــــــــــــــــــ ١٨٥- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل :﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمُ إِلَى اَلْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمُ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ﴾(٢٢) قال : وتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمره الله عز وجل، وبدا بما بدا الله تعالى به. قال : فأشبه ـ والله تعالى أعلم ـ أن يكون على المتوضئ في الوضوء شيئان : أن يبدأ بما بدا الله، ثم رسوله عليه الصلاة والسلام به منه، ويأتي على إكمال ما أمر به. فمن بدا بيده قبل وجهه، أو برأسه قبل يديه، أو رجليه قبل رأسه، كان عندي أن يعيد، حتى يغسل كلا في موضعه بعد الذي قبله، وقبل الذي بعده، لا يجزيه عندي غير ذلك ؛ وإن صلى أعاد الصلاة بعد أن يعيد الوضوء. ومسح الرأس وغيره في هذا، فإذا نسي مسح رأسه حتى غسل رجليه، عاد فمسح رأسه، ثم غسل رجليه بعده. ( الأم : ١/٣٠. ون مختصر المزني ص : ٣. ) ــــــــــــ ١٨٦- قال الشافعي : قال الله تعالى :﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾(٢٣) فكان معقولا أن الوجه ما دون منابت شعر الرأس إلى الأذنين واللحيين والذقن، وليس ما جاوز منابت شعر الرأس الأغم من النزعتين(٢٤) من الرأس. وكذلك أصلع مقدم الرأس ليست صلعته من الوجه، وأحب إلي لو غسل النزعتين مع الوجه، وإن ترك ذلك لم يكن عليه في تركه شيء. فإذا خرجت لحية الرجل فلم تكثر حتى تواري من وجهه شيئا فعليه غسل الوجه كما كان قبل أن تنبت، فإذا كثرت حتى تستر موضعها من الوجه فإلاحتياط غسلها كلها. ولا أعلمه يجب غسلها كلها، وإنما قلت : لا أعلم يجب غسلها كلها بقول الأكثر والأعم ممن لقيت وحكي لي عنه من أهل العلم، وبأن الوجه نفسه ما لا شعر عليه، إلا شعر الحاجب وأشفار العينين والشارب والعنفقة(٢٥). ( الأم : ١/٢٥. ون أحكام الشافعي : ١/٤٣. ومناقب الشافعي : ٢/٥٧-٥٨. ) ــــــــــــ ١٨٧- قال الشافعي : قال الله عز وجل :﴿وَأَيْدِيَكُمُ إِلَى اَلْمَرَافِقِ﴾(٢٦) فلم أعلم مخالفا في أن المرافق مما يغسل، كأنهم ذهبوا إلى أن معناها : فاغسلوا وجوهكم على أن تغسل المرافق. ولا يجزئ في غسل اليدين أبدا إلا أن يؤتى على ما بين أطراف الأصابع إلى أن تغسل المرافق، ولا يجزئ إلا أن يؤتى بالغسل على ظاهر اليدين وباطنهما وحروفهما حتى ينقضي غسلها، وإن ترك من هذا شيء ـ وإن قل ـ لم يجز. ( الأم : ١/٢٥-٢٦. ون أحكام الشافعي : ١/٤٣. ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١٨٨- قال الشافعي رحمه الله تعالى :﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾(٢٧) وكان معقولا في الآية أن من مسح شيئا فقد مسح برأسه، ولم تحتمل الآية إلا هذا، وهو أظهر معانيها ؛ أو مسح الرأس كله. ودلت السنة على أن ليس على المرء مسح الرأس كله. وإذا دلت السنة على ذلك فمعنى الآية : أن من مسح شيئا من رأسه أجزأه. قال الشافعي : إذا مسح الرجل بأي رأسه شاء، إن كان لا شعر عليه، وبأي شعر رأسه شاء أو بعض أصبع، أو بطن كفه، أو أمر من يمسح به أجزأه ذلك، فكذلك إن مسح نزعتيه، أو إحداهما، أو بعضهما أجزأه لأنه من رأسه. قال الشافعي : أخبرنا يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد وابن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي(٢٨)، عن المغيرة بن شعبة(٢٩) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضا ومسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه(٣٠). ( الأم : ١/٢٦. ون أحكام الشافعي : ١/٤٤. ) ــــــــــــــــــ ١٨٩- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى :﴿وَأَرْجُلَكُمُ إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ﴾(٣١) قال الشافعي : ونحن نقرؤها : وأَرجُلَكم على معنى : اغسلوا وجوهَكم، وأيديَكم، وأرجلَكم، وامسحوا برؤوسكم. قال الشافعي : ولم أسمع مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكر الله عز وجل في الوضوء الكعبان الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، وأن عليهما الغسل، كأنه يذهب فيهما إلى : اغسلوا أرجلكم حتى تغسلوا الكعبين. ولا يجزئ المرء إلا غسل ظاهر قدميه وباطنهما وعرقوبهما وكعبيهما، حتى يستوظف كل ما أشرف من الكعبين عن أصل الساق. فيبدأ فينصب قدميه ثم يصب عليهما الماء بيمينه، أو يصب عليه غيره، ويخلل أصابعهما حتى يأتي الماء على ما بين أصابعهما، ولا يجزئه ترك تخليل الأصابع إلا أن يعلم أن الماء قد أتى على جميع ما بين الأصابع. ( الأم : ١/٢٧. ون أحكام الشافعي : ١/٤٤. ومختصر المزني ص : ٥٢١. ومناقب الشافعي : ١/٢٧٨ و ١/٢٨٥-٢٨٦. ) ــــــــــــ ١٩٠- قال الشافعي : قرأت على إسماعيل(٣٢) :﴿وأرجُلِكُمُ﴾(٣٣) بخفض اللام، وأنا أختار النَّصْب، والسبب فيه : أن تصير الآية دليلا على وجوب غسل الرجلين. ( مناقب الإمام الشافعي ص : ١٩١. ) ـــــــــــــــــ ١٩١- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :{ ف ١ - روى مالك في الطهارة (٢) باب: وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة (٢)(ر١٠) عن زيد بن أسلم: أن تفسير هذه الآية: { يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمُو إِلَى اَلصَّلَواةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمُو إِلَى اَلْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمُو إِلَى اَلْكَعْبَيْنِ} أن ذلك إذا قمتم من المضاجع، يعني النوم. وعن زيد ين أسلم: أن عمر ابن الخطاب قال: إذا نام أحدكم مضطجعا فليتوضأ.. ٢ - رواه البخاري في الوضوء (٤) باب: الاستجمار وترا (٢٥)(ر١٦٠). ورواه مسلم في الطهارة (٢) باب: كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء (٢٦)(ر٢٧٨). ورواه أصحاب السنن، ومالك، وأحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند.. ٣ - سبق تخريجه.. ٤ - سبق تخريجه.. ٥ - رواه مسلم في الحيض (٣) باب: الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء (٣٣)(ر٣٧٦). ورواه أبو داود في أول الطهارة باب: في الوضوء من النوم (٨٠)(ر٢٠٠). ورواه الترمذي في أول الطهارة باب: ما جاء في الوضوء من النوم (٥٧)(ر٧٨). ورواه البيهقي في الطهارة باب: ترك الوضوء من النوم قاعدا ١/١١٩. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٤).. ٦ - رواه مالك في الطهارة (٢) باب: وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة (٢)(ر١١). ورواه البيهقي في الطهارة باب: ترك الوضوء من النوم قاعدا ١/١٢٠. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٣).. ٧ - المائدة: ٦.. ٨ - القلات: لم أقف عليها بهذا اللفظ، ولعلها قُلَلٌ وقِلاَلٌ جمع قُلَّةٍ: جَرَّةُ بقدر ما يطيق الإنسان المتوسط حملها إذا ملئت ماء. وقدر الشافعية القُلتين ب ١٦٠ لترا من الماء. معجم لغة الفقهاء: قلة.. ٩ - صفوان بن سليم الزهري، مولاهم المدني، الإمام القدوة، ومن يستسقى بذكره. عن: ابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وابن المسيب. وعنه: مالك، والدراوردي. يقال: إنه لم يضع جنبه أربعين سنة. وقيل: إن جبهته ثقبت من كثرة السجود. وكان قانعا لا يقبل جوائز السلطان. ثقة حجة. ولد سنة: ٦٠. وت سنة: ١٣٢. الكاشف: ٢/٢٩. ون التهذيب: ٤/٥٠. وقال في التقريب: ثقة مُفْتٍ عابد رمي بالقدر.. ١٠ - سعيد بن سلمة المخزومي. عن: المغيرة بن أبي بردة. وعنه: صفوان بن سليم، واللجلاج. وثقه النسائي. الكاشف: ١/٣١٦. ون التهذيب: ٣/٢٣٣. وقال في التقريب: وثقه النسائي.. ١١ - مُغيرة بن أبي بريدة. عن: أبي هريرة، أو عن أبيه، وقيل غير ذلك. وعنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وسعيد بن سلمة. وثق. الكاشف: ٣/١٤٩. ون التهذيب: ٨/٢٩٦. وقال في التقريب: وثقه النسائي.. ١٢ - أخرجه أبو داود في الطهارة (١) باب: الوضوء بماء البحر (٤١)(ر٨٣). وأخرجه الترمذي في الطهارة (١) باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور (٥٢)(ر٦٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في الطهارة (١) باب: في ماء البحر (٤٧)(ر٥٩)، وفي المياه (٢) باب: الوضوء بماء البحر (٤)(ر٣٣١). وأخرجه ابن ماجة في الطهارة وسننها (١) باب: الوضوء بماء البحر (٣٨)(ر٣٨٦). ورواه مالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر٤٢).. ١٣ - المائدة: ٦.. ١٤ - النساء: ٤٣.. ١٥ - أخرجه البخاري في الوضوء (٤) باب: الوضوء مرة مرة (٢١)(ر١٥٦). وأبو داود في الطهارة (١) باب الوضوء مرة مرة (٥٣)(ر١٣٨). ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، وأحمد، والبيهقي، ورواه الشافعي في المسند (ر٧٦)، وفي الأم: ١/٣١.. ١٦ - عَمْرو بن يحيى بن عَمَارَةَ بن أبي حسن. عن: أبيه، وعباد بن تميم. وعنه: مالك، ووهيب، وخلق. ثقة. الكاشف: ٢/٣٣٣. ون التهذيب: ٦/٢٢٦. وقال في التقريب: ثقة.. ١٧ - عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري. له ولأبويه صحبة. ولأخيه حبيب الذي قطعه مسيلمة وجماعة، وَهِمَ ابن عيينة فقال: أُرِيَ الأذان بل ذا حكى الوضوء. وعنه: سعيد بن المسيب، وجماعة. قتل يوم الحرة سنة: ٦٣. الكاشف: ٢/٨٤. ون التهذيب: ٤/٣٠٦. والإصابة: ٤/٩٨. وقال في التقريب: صحابي شهير.. ١٨ - وعبد الله بن زيد ليس جدًّا لعمرو بن يحيى. ن تحقيق العلامة شاكر في المسألة في الرسالة.. ١٩ - أخرجه البخاري في الوضوء (٤) باب: مسح الرأس كله (٣٧)(ر١٨٣)، وباب: غسل الرجلين إلى الكعبين (٣٨)(ر١٨٤)، وباب: من مضمض واستنشق من غرفة واحدة (٤٠)(ر١٨٨)، وباب: مسح الرأس مرة (٤١)(ر١٨٩)، وباب: الغسل والوضوء في المخضب (٤٤)(١٩٤)، وباب: الوضوء من التَّوْرِ (٤٥)(ر١٩٦). وأخرجه مسلم في الطهارة (٢) باب: في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم (٧)(ر٢٣٥). وأخرجه أصحاب السنن، ومالك، وأحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر٧٣-٧٤).. ٢٠ - المائدة: ٦.. ٢١ - أخرجه عن عثمان بن عفان: البخاري في الوضوء (٤) باب: الوضوء ثلاثا ثلاثا (٢٣)(ر١٥٨)، وفي باب: المضمضة في الوضوء (٢٧)(ر١٦٢)، وفي الصوم (٣٦) باب: السواك الرطب واليابس للصائم (٢٧)(ر١٨٣٣)، وفي الرقاق (٨٤) باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ﴾ (فاطر: ٥). (٨)(ر٦٠٦٩). ومسلم في الطهارة (٢) باب: صفة الوضوء وكماله (٣)(ر٢٢٦). وأخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، كلهم في الطهارة، وأخرجه أحمد، والدارمي.. ٢٢ - المائدة: ٦.. ٢٣ - المائدة: ٦.. ٢٤ - النَّزْعَتَانِ: مثنى نزعة: وهي موضع النزع من الرأس، وهو انحسار الشعر عن جانبي الجبهة. اللسان: نزع.. ٢٥ - العنفقة: شعيرات بين الشفة والذقن.. ٢٦ - المائدة: ٦.. ٢٧ - المائدة: ٦.. ٢٨ - عمرو بن وهب الثقفي. عن: المغيرة بن شعبة. وعنه: ابن سيرين. وثق. الكاشف: ٢/٣٣٣. ون التهذيب: ٦/٢٢٥. وقال في التقريب: ثقة.. ٢٩ - المغيرة بن شعبة الثقفي، شهد الحديبية وولي الكوفة غير مرة. عنه: بنوه، والشعبي، وزياد بن علاقة، أحصن سبعين امرأة، وبرأيه ودهائه يضرب المثل. ت سنة: ٥٠هـ. الكاشف: ٣/١٥١. ون التهذيب: ٨/٣٠٢. وقال في التقريب: صحابي مشهور.. ٣٠ - رواه مسلم في الطهارة (٢) باب: المسح على الناصية والعمامة (٢٣)(ر٢٧٤). ورواه أبو داود في الطهارة (١) باب: المسح على الخفين (٥٩)(ر١٥٠). ورواه الترمذي في الطهارة (١) باب: ما جاء في المسح على العمامة (٧٥)(ر١٠٠). ورواه النسائي في الطهارة (١) باب: كيف المسح على العمامة (٨٨)(ر١٠٩)، وباب: المسح على العمامة مع الناصية (٨٧)(ر١٠٧-١٠٨). ورواه الشافعي في المسند (ر٧٩).. ٣١ - المائدة: ٦.. ٣٢ - إسماعيل بن قسطنطين شيخ الشافعي في القراءة، وشيخ أهل مكة في زمانه. ن مناقب الإمام الشافعي ص: ١٧٣.. ٣٣ - المائدة: ٦..

المائدة 5:8

١٩٥- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى :﴿يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ وقال :﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلهِ﴾(١) إلى آخر الآية. وقال :﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى﴾(٢) وقال :﴿وَالذِينَ هُم بِشَهَادَتِهِمْ قَآئِمُونَ﴾(٣) وقال عز وجل :﴿وَلا تَكْتُمُوا اَلشَّهَادَةَ وَمَنْ يَّكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾(٤) وقال :﴿وَأَقِيمُوا اَلشَّهَادَةَ لِلهِ﴾(٥). قال الشافعي رحمه الله تعالى : والذي أحفظ عن كل من سمعت منه من أهل العلم في هذه الآيات أنه في الشاهد وقد لزمته الشهادة، وأن فرضا عليه أن يقوم بها على والديه، وولده، والقريب، والبعيد، وللبغيض القريب والبعيد، ولا يكتم عن أحد، ولا يحابي بها، ولا يمنعها أحدا. قال : ثم تتفرع الشهادات فيجتمعون ويختلفون فيما يلزم منها وما لا يلزم. ــــــــــــ ١٩٥- الأم : ٧/٩٢. ون أحكام الشافعي : ٢/١٣٨-١٣٩. والسنن الكبرى : ١٠/١٥٨. ١ - النساء: ١٣٥. وتمامها: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمُو أَوِ اِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ إِنْ يَّكُنْ غَنِيًّا اَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا اَلْهَوى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.. ٢ - الأنعام: ١٥٢.. ٣ - المعارج: ٣٣.. ٤ - البقرة: ٢٨٣.. ٥ - الطلاق: ٢..

المائدة 5:33

١٩٦- قال الشافعي رحمه الله تعالى : الحدُّ حدَّان : حد لله تبارك وتعالى لما أراد من تنكيل من غشيه عنه، وما أراد من تطهيره به، أو غير ذلك مما هو أعلم به، وليس للآدميين في هذا حق. وحد أوجبه الله تعالى على من أتاه من الآدميين فذلك إليهم، ولهما في كتاب الله تبارك وتعالى اسمه أَصْلٌ. فأما أصل حد الله تبارك وتعالى في كتابه فقوله :{ إِنَّمَا جَزَآؤُا اَلذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ } إلى قوله :﴿رَّحِيمٌ﴾ فأخبر الله تبارك اسمه بما عليهم من الحد، إلا أن يتوبوا من قبل أن يُقدر عليهم. ثم ذكر حد الزنا والسرقة ولم يذكره فيما استثنى، فاحتمل ذلك أن لا يكون إلاستثناء إلا حيث جعل في المحارب خاصة، واحتمل أن يكون كل حد لله عز وجل، فتاب صاحبه قبل أن يُقدر عليه سقط عنه كما احتمل حين قال النبي صلى الله عليه وسلم في حد الزنا في ماعز :« ألا تركتموه »(١) أن يكون كذلك عند أهل العلم السارق إذا اعترف بالسرقة، والشارب إذا اعترف بالشرب ثم رجع عنه قبل أن يقام عليه الحد، سقط عنه. ومن قال هذا قال : هذا في كل حد لله عز وجل : فتاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه حد الله تبارك وتعالى في الدنيا، وأخذ بحقوق الآدميين. ( الأم : ٧/٥٦. ون الأم : ٦/١٥٤ و ٧/١٢٣-١٢٤ و ٢/١٨٨ و ٦/١٤٦. وأحكام الشافعي : ١/١٢٨. ) ــــــــــــ ١٩٧- قال الشافعي رحمه الله : قال الله تبارك وتعالى :﴿إِنَّمَا جَزَآؤُا اَلذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَادا اَنْ يُّقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾(٢) الآية. قال الشافعي : أخبرنا إبراهيم، عن صالح مولى التوأمة(٣)، عن ابن عباس في قطاع الطريق : إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا طلبوا حتى يوجدوا، فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض(٤). قال الشافعي : وبهذا نقول، وهو موافق معنى كتاب الله تبارك وتعالى. وذلك أن الحدود إنما نزلت فيمن أسلم، فأما أهل الشرك فلا حدود فيهم إلا القتل، أو السباء، والجزية، واختلاف حدودهم باختلاف أفعالهم على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما إن شاء الله تعالى :﴿اِلا اَلذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾(٥) فمن تاب قبل أن يقدر عليه سقط حق الله عنه، وأخذ بحقوق بني آدم. ولا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قيمة ربع دينار فصاعدا(٦). قياسا على السنة في السارق. ( الأم : ٦/١٥١-١٥٢. ون أحكام الشافعي : ١/٣١٣-٣١٤. ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١٩٨- قال الشافعي : أنا سعيد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال : كل شيء في القرآن فيه : أَوْ، أَوْ، له أَيَّة شَاء، قال ابن جريج : إلا قول الله عز وجل :﴿إِنَّمَا جَزَآؤُا اَلذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى اِلاَرْضِ فَسَاداً﴾(٧) فليس بِمُخَيَّر فيها. قال الشافعي : كما قال ابن جريج وغيره، في المحارب وغيره ـ في هذه المسألة ـ أقول. ( أحكام الشافعي : ١/١٢٨. ون الأم : ٢/١٨٨. والسنن الكبرى : ٥/١٨٥. ) ١ - سبق تخريجه.. ٢ - المائدة: ٣٣. وتمامها: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّن خِلَـافٍ اَوْ يُنفَوْا مِنَ اَلاَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيُُ فِى اِلدُّنْيا وَلَهُمْ فِى اِلاَخِرَةِ عَذَابُُ عَظِيمُُ﴾.. ٣ - صالح بن نبهان مولى التوأمة. عن: عائشة، وأبي هريرة. وعنه: السفيانان. قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال أحمد: صالح الحديث. وقال ابن معين: حجة قبل أن يختلط، فرواية ابن أبي ذئب عنه قبل اختلاطه، ت سنة: ١٢٥هـ. الكاشف: ٢/٢٤.. ٤ - رواه البيهقي في كتاب السرقة باب: قطاع الطريق ٨/٢٨٣. ورواه الشافعي في المسند (ر١٢٩٤).. ٥ - المائدة: ٣٤.. ٦ - ن هامش ١ النص ١٩٩.. ٧ - المائدة: ٣٣..

المائدة 5:34

١٩٦- قال الشافعي رحمه الله تعالى : الحدُّ حدَّان : حد لله تبارك وتعالى لما أراد من تنكيل من غشيه عنه، وما أراد من تطهيره به، أو غير ذلك مما هو أعلم به، وليس للآدميين في هذا حق. وحد أوجبه الله تعالى على من أتاه من الآدميين فذلك إليهم، ولهما في كتاب الله تبارك وتعالى اسمه أَصْلٌ. فأما أصل حد الله تبارك وتعالى في كتابه فقوله :{ إِنَّمَا جَزَآؤُا اَلذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ } إلى قوله :﴿رَّحِيمٌ﴾ فأخبر الله تبارك اسمه بما عليهم من الحد، إلا أن يتوبوا من قبل أن يُقدر عليهم. ثم ذكر حد الزنا والسرقة ولم يذكره فيما استثنى، فاحتمل ذلك أن لا يكون إلاستثناء إلا حيث جعل في المحارب خاصة، واحتمل أن يكون كل حد لله عز وجل، فتاب صاحبه قبل أن يُقدر عليه سقط عنه كما احتمل حين قال النبي صلى الله عليه وسلم في حد الزنا في ماعز :« ألا تركتموه »(١) أن يكون كذلك عند أهل العلم السارق إذا اعترف بالسرقة، والشارب إذا اعترف بالشرب ثم رجع عنه قبل أن يقام عليه الحد، سقط عنه. ومن قال هذا قال : هذا في كل حد لله عز وجل : فتاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه حد الله تبارك وتعالى في الدنيا، وأخذ بحقوق الآدميين. ( الأم : ٧/٥٦. ون الأم : ٦/١٥٤ و ٧/١٢٣-١٢٤ و ٢/١٨٨ و ٦/١٤٦. وأحكام الشافعي : ١/١٢٨. ) ــــــــــــ ١٩٧- قال الشافعي رحمه الله : قال الله تبارك وتعالى :﴿إِنَّمَا جَزَآؤُا اَلذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَادا اَنْ يُّقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾(٢) الآية. قال الشافعي : أخبرنا إبراهيم، عن صالح مولى التوأمة(٣)، عن ابن عباس في قطاع الطريق : إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا طلبوا حتى يوجدوا، فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض(٤). قال الشافعي : وبهذا نقول، وهو موافق معنى كتاب الله تبارك وتعالى. وذلك أن الحدود إنما نزلت فيمن أسلم، فأما أهل الشرك فلا حدود فيهم إلا القتل، أو السباء، والجزية، واختلاف حدودهم باختلاف أفعالهم على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما إن شاء الله تعالى :﴿اِلا اَلذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾(٥) فمن تاب قبل أن يقدر عليه سقط حق الله عنه، وأخذ بحقوق بني آدم. ولا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قيمة ربع دينار فصاعدا(٦). قياسا على السنة في السارق. ( الأم : ٦/١٥١-١٥٢. ون أحكام الشافعي : ١/٣١٣-٣١٤. ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١٩٨- قال الشافعي : أنا سعيد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال : كل شيء في القرآن فيه : أَوْ، أَوْ، له أَيَّة شَاء، قال ابن جريج : إلا قول الله عز وجل :﴿إِنَّمَا جَزَآؤُا اَلذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى اِلاَرْضِ فَسَاداً﴾(٧) فليس بِمُخَيَّر فيها. قال الشافعي : كما قال ابن جريج وغيره، في المحارب وغيره ـ في هذه المسألة ـ أقول. ( أحكام الشافعي : ١/١٢٨. ون الأم : ٢/١٨٨. والسنن الكبرى : ٥/١٨٥. ) ١ - سبق تخريجه.. ٢ - المائدة: ٣٣. وتمامها: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّن خِلَـافٍ اَوْ يُنفَوْا مِنَ اَلاَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيُُ فِى اِلدُّنْيا وَلَهُمْ فِى اِلاَخِرَةِ عَذَابُُ عَظِيمُُ﴾.. ٣ - صالح بن نبهان مولى التوأمة. عن: عائشة، وأبي هريرة. وعنه: السفيانان. قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال أحمد: صالح الحديث. وقال ابن معين: حجة قبل أن يختلط، فرواية ابن أبي ذئب عنه قبل اختلاطه، ت سنة: ١٢٥هـ. الكاشف: ٢/٢٤.. ٤ - رواه البيهقي في كتاب السرقة باب: قطاع الطريق ٨/٢٨٣. ورواه الشافعي في المسند (ر١٢٩٤).. ٥ - المائدة: ٣٤.. ٦ - ن هامش ١ النص ١٩٩.. ٧ - المائدة: ٣٣..

المائدة 5:38

١٩٩- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِّنَ اَللَّهِ وَاللهُ عَزِيزُُ حَكِيمٌ﴾. قال الشافعي : أخبرنا ابن عيينة والعمري، عن ابن شهاب، عن عمرة بنت عبد الرحمان، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« القطع في ربع دينار فصاعدا »(١). قال الشافعي : أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم(٢). قال الشافعي : فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أراد الله قطعه من السراق البالغين غير المغلوبين. وهذا مكتوب في باب غير هذا. ودلت على من أراد قطعه فكان من بلغت سرقته ربع دينار فصاعدا. وحديث ابن عمر موافق لحديث عائشة، لأن ثلاثة دراهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده ربع دينار. ( الأم : ٦/١٤٦-١٤٧. ون الأم : ٦/١٣٠. ) ــــــــــــ ٢٠٠- قال الشافعي : وقال الله تبارك وتعالى :﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِّنَ اَللَّهِ﴾(٣) وسن رسول الله أن :« لا قطع في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ »(٤) وأن لا يقطع إلا من بلغت سرقته ربع دينار فصاعدا. ( الرسالة : ٦٦-٦٧. ون الرسالة : ٥٤٧. ) ــــــــــــ ٢٠١- قال الشافعي : قال الله عز وجل :﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾(٥) فسن النبي صلى الله عليه وسلم القطع في ربع دينار، و في السرقة من الحرز. وقال تعالى :﴿اَلزَّانِيَةُ والزاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ﴾(٦) فرجم النبي صلى الله عليه وسلم الزانيين الثيبين ولم يجلدهما. فاستدللنا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المراد بالقطع من السارقين، والمائة من الزناة، بعض الزناة دون بعض، وبعض السارقين دون بعض، لا من لزمه اسم سرقةٍ وزنًا. ( الأم : ٥/٢٧. ون الأم : ٧/٨٧ و ٧/٢٨٩. و أحكام الشافعي : ١/٣١٢. والرسالة : ٢٢٣-٢٢٤. ) ١ - رواه البخاري في الحدود (٨٩) باب: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وفي كم يقطع (١٣)(ر٦٤٠٧-٦٤٠٨). ورواه مسلم في أول الحدود (٢٩) باب: حد السرقة ونصابها (ر١٦٨٤-١٦٨٥). ورواه أصحاب السنن، ومالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٢٨٢-١٢٨٤). والْمِجَنُّ من الاجتنان أي الاستتار، وهو التُّرْسُ لأنه يواري حامله أي يستره. اللسان: جنن.. ٢ - رواه البخاري في الحدود (٨٩) باب: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وفي كم يقطع (١٣)(ر٦٤٠٧-٦٤٠٨).. ٣ - المائدة: ٣٨.. ٤ - رواه عن رافع بن خديج: أبو داود في الحدود (٣٢) باب: ما لا قطع فيه (١٢)(ر٤٣٨٨). والترمذي في الحدود (١٤) باب: ما جاء لا قطع في ثمر ولا كثر (١٩)(ر١٤٤٩). والنسائي في السارق (٤٦) باب: ما لا قطع فيه (١٣)(ر٤٩٧٥ و٤٩٨٥). وابن ماجة في الحدود (٢٠) باب: لا يقطع في ثمر ولا كثر (٢٧)(ر٢٥٩٣). ورواه مالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٥٣٠-١٥٣١). قوله: « في ثمر »: أي ما دام على الشجر ولم يحرز في مواضع حفظه المعتادة. والكَثْرُ والكَثَرُ: جُمَّارُ النخل، وهو شحمه الذي يكون وسط النخلة. اللسان: كثر.. ٥ - المائدة: ٣٨.. ٦ - النور: ٢..

المائدة 5:42

٢٠٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول الله عز وجل :﴿فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(١) أنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا جزية، ولم يقروا بأن يجري عليهم الحكم. وقال بعض : نزلت في اليهوديين اللذين زنيا(٢). قال الشافعي رحمه الله تعالى : والذي قالوا يشبه ما قالوا لقول الله عز وجل :﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ اَللَّهِ﴾(٣) وقوله تبارك وتعالى :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلا تَتَّبِعَ أهواءهم وَاحْذَرْهُمُ أَنْ يَّفْتِنُوكَ﴾(٤) الآية. يعني ـ والله تعالى أعلم ـ أن يتولوا عن حكمك بغير رضاهم، وهذا يشبه أن يكون ممن أتى حاكما غير مقهور على الحكم. والذين حاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة منهم ورجل زنيا موادعون، وكان في التوراة الرجم، ورجوا أن لا يكون من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم، فجاءوا بهما فرجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم(٥). قال : وإذا وادع الإمام قوما من أهل الشرك، ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم، ثم جاءوه متحاكمين، فهو بالخيار بين أن يحكم بينهم أو يدع الحكم، فإن اختار أن يحكم بينهم حكم بينهم حكمه بين المسلمين لقول الله عز وجل :﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾(٦) والقسط حكم الله عز وجل الذي أنزله عليه صلى الله عليه وسلم. ( الأم : ٤/٢١٠. ون الأم : ٤/١٨٧ و ٦/١٣٨-١٣٩ و ٥/٢٤٣ و ٧/١٦٣ و ٧/٣١. ومختصر المزني ص : ٢٨٠. وأحكام الشافعي : ٢/٧٦-٧٨ و ٢/٧٣-٧٤ و ٢/١٢١-١٢٢. ومناقب الشافعي : ١/٣٧٢-٣٧٣. ) ــــــــــــ ٢٠٣- قال الشافعي رحمه الله تعالى : فقال لي قائل : ما الحجة في أن لا يحكم بينهم الحاكم حتى يجتمعوا على الرضا ثم يكون بالخيار إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم ؟ فقلت له : قول الله عز وجل لنبيه :﴿فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(٧) الآية. قال الشافعي رحمه الله تعالى : فإن جاءوك، وجاءوك كأنها على المتنازعين لا على بعضهم دون بعض، وجعل له الخيار فقال :﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(٨). قال : فإنا نزعم أن الخيار منسوخ لقول الله عز وجل :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾(٩). قلت له : فاقرا الآية :﴿وَلا تَتَّبِعَ اَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمُ أَنْ يَّفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمَ﴾(١٠). قال الشافعي رحمه الله تعالى : فسمعت من أرض علمه يقول : وأن احكم بينهم إن حكمت على معنى قوله :﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(١١) فتلك مفسرة وهذه جملة في قوله : ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾(١٢) دلالة على أنهم إن تولوا لم يكن عليه الحكم بينهم، ولو كان قوله :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم﴾(١٣) إلزاما منه للحكم بينهم التزم منهم الحكم متولين، لأنهم إنما تولوا بعد الإتيان. فأما ما لم يأتوا فلا يقال لهم تولوا وهم والمسلمون إذا لم يأتوا يتحاكمون لم يحكم بينهم. إلا أنه يتفقد من المسلمين ما أقاموا عليه مما يحرم عليهم فيغير عليهم، وإن كان أهل الذمة دخلوا بقول الله عز وجل :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم﴾(١٤) في معنى المسلمين انبغي للوالي أن يتفقد منهم ما أقاموا عليه مما يحرم عليهم. ( الأم : ٧/٤٢-٤٣. ون الأم : ٦/١٤١. وأحكام الشافعي : ٢/٧٥-٧٦. ) ١ - المائدة: ٤٢.. ٢ - ن لباب النقول ص: ١٢٠-١٢١.. ٣ - المائدة: ٤٣.. ٤ - المائدة: ٤٩. وتمامها: ﴿عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمَ اَنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُّصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرا مِّنَ اَلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.. ٥ - أخرج البخاري في المحاربين (٩٠) باب: أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام (٢٣)(ر٦٤٥٠) عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرا ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. وأخرجه كذلك مختصرا في الجنائز (٢٩) باب: الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد (٥٩). وفي التفسير (٦٨) آل عمران باب: ﴿قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرياةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ٩٣) (٦٤). وفي الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٩) باب: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم (١٦). وفي التوحيد (١٠٠) باب: ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها (٥١). وأخرجه مسلم في الحدود (٢٩) باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (٦)(ر١٦٩٩). وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، ومالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي. وأخرجه الشافعي في المسند (ر١٢٧٦) مختصرا، وفي الرسالة ص: ٢٥٠.. ٦ - المائدة: ٤٢.. ٧ - المائدة: ٤٢.. ٨ - المائدة: ٤٢.. ٩ - المائدة: ٤٩.. ١٠ - المائدة: ٤٩. وتمامها: ﴿اَنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُّصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرا مِّنَ اَلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.. ١١ - المائدة: ٤٢.. ١٢ - المائدة: ٤٩.. ١٣ - المائدة: ٤٩.. ١٤ - المائدة: ٤٩..

المائدة 5:43

٢٠٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وأن قول الله عز وجل :﴿فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(١) أنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا جزية، ولم يقروا بأن يجري عليهم الحكم. وقال بعض : نزلت في اليهوديين اللذين زنيا(٢). قال الشافعي رحمه الله تعالى : والذي قالوا يشبه ما قالوا لقول الله عز وجل :﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ اَللَّهِ﴾(٣) وقوله تبارك وتعالى :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلا تَتَّبِعَ أهواءهم وَاحْذَرْهُمُ أَنْ يَّفْتِنُوكَ﴾(٤) الآية. يعني ـ والله تعالى أعلم ـ أن يتولوا عن حكمك بغير رضاهم، وهذا يشبه أن يكون ممن أتى حاكما غير مقهور على الحكم. والذين حاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة منهم ورجل زنيا موادعون، وكان في التوراة الرجم، ورجوا أن لا يكون من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجم، فجاءوا بهما فرجمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم(٥). قال : وإذا وادع الإمام قوما من أهل الشرك، ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم، ثم جاءوه متحاكمين، فهو بالخيار بين أن يحكم بينهم أو يدع الحكم، فإن اختار أن يحكم بينهم حكم بينهم حكمه بين المسلمين لقول الله عز وجل :﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾(٦) والقسط حكم الله عز وجل الذي أنزله عليه صلى الله عليه وسلم. ( الأم : ٤/٢١٠. ون الأم : ٤/١٨٧ و ٦/١٣٨-١٣٩ و ٥/٢٤٣ و ٧/١٦٣ و ٧/٣١. ومختصر المزني ص : ٢٨٠. وأحكام الشافعي : ٢/٧٦-٧٨ و ٢/٧٣-٧٤ و ٢/١٢١-١٢٢. ومناقب الشافعي : ١/٣٧٢-٣٧٣. ) ــــــــــــ ٢٠٣- قال الشافعي رحمه الله تعالى : فقال لي قائل : ما الحجة في أن لا يحكم بينهم الحاكم حتى يجتمعوا على الرضا ثم يكون بالخيار إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم ؟ فقلت له : قول الله عز وجل لنبيه :﴿فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(٧) الآية. قال الشافعي رحمه الله تعالى : فإن جاءوك، وجاءوك كأنها على المتنازعين لا على بعضهم دون بعض، وجعل له الخيار فقال :﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(٨). قال : فإنا نزعم أن الخيار منسوخ لقول الله عز وجل :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾(٩). قلت له : فاقرا الآية :﴿وَلا تَتَّبِعَ اَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمُ أَنْ يَّفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمَ﴾(١٠). قال الشافعي رحمه الله تعالى : فسمعت من أرض علمه يقول : وأن احكم بينهم إن حكمت على معنى قوله :﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمُ أَوَ اَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(١١) فتلك مفسرة وهذه جملة في قوله : ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾(١٢) دلالة على أنهم إن تولوا لم يكن عليه الحكم بينهم، ولو كان قوله :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم﴾(١٣) إلزاما منه للحكم بينهم التزم منهم الحكم متولين، لأنهم إنما تولوا بعد الإتيان. فأما ما لم يأتوا فلا يقال لهم تولوا وهم والمسلمون إذا لم يأتوا يتحاكمون لم يحكم بينهم. إلا أنه يتفقد من المسلمين ما أقاموا عليه مما يحرم عليهم فيغير عليهم، وإن كان أهل الذمة دخلوا بقول الله عز وجل :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم﴾(١٤) في معنى المسلمين انبغي للوالي أن يتفقد منهم ما أقاموا عليه مما يحرم عليهم. ( الأم : ٧/٤٢-٤٣. ون الأم : ٦/١٤١. وأحكام الشافعي : ٢/٧٥-٧٦. ) ١ - المائدة: ٤٢.. ٢ - ن لباب النقول ص: ١٢٠-١٢١.. ٣ - المائدة: ٤٣.. ٤ - المائدة: ٤٩. وتمامها: ﴿عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمَ اَنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُّصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرا مِّنَ اَلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.. ٥ - أخرج البخاري في المحاربين (٩٠) باب: أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام (٢٣)(ر٦٤٥٠) عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرا ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة. وأخرجه كذلك مختصرا في الجنائز (٢٩) باب: الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد (٥٩). وفي التفسير (٦٨) آل عمران باب: ﴿قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرياةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ٩٣) (٦٤). وفي الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٩) باب: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم (١٦). وفي التوحيد (١٠٠) باب: ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها (٥١). وأخرجه مسلم في الحدود (٢٩) باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (٦)(ر١٦٩٩). وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، ومالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي. وأخرجه الشافعي في المسند (ر١٢٧٦) مختصرا، وفي الرسالة ص: ٢٥٠.. ٦ - المائدة: ٤٢.. ٧ - المائدة: ٤٢.. ٨ - المائدة: ٤٢.. ٩ - المائدة: ٤٩.. ١٠ - المائدة: ٤٩. وتمامها: ﴿اَنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُّصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرا مِّنَ اَلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.. ١١ - المائدة: ٤٢.. ١٢ - المائدة: ٤٩.. ١٣ - المائدة: ٤٩.. ١٤ - المائدة: ٤٩..

المائدة 5:45

٢٠٤- قال الشافعي رحمه الله : ذكر الله ما فرض على أهل التوراة فقال عز وجل : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله :﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾. وروي في حديث عن عمر أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي القود من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي(١). قال الشافعي : ولم أعلم مخالفا في أن القصاص في هذه الأمة كما حكم الله عز وجل : أنه حكم به بين أهل التوراة، ولم أعلم مخالفا في أن القصاص بين الحرين المسلمين في النفس وما دونها من الجراح التي يستطاع فيها القصاص بلا تلف يخاف على المستفاد منه من موضع القود. قال : والقصاص ما دون النفس شيئان : جرح يشق بجرح، وطرف يقطع بطرف. ( الأم : ٦/٥٠. ون الأم : ٧/٣٣٣. وأحكام الشافعي : ١/٢٨٠-٢٨١. ) ــــــــــــ ٢٠٥- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل في أهل التوراة :﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٢) الآية. قال : ولا يجوز ـ والله أعلم ـ في حكم الله تبارك وتعالى بين أهل التوراة أن كان حكما بينا إلا ما جاز في قوله :﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـانًا فَلا يُسْرِف فِّى اِلْقَتْلِ﴾(٣) ولا يجوز فيها إلا أن تكون كل نفس محرمة القتل، فعلى من قتلها القود. فيلزم من هذا أن يقتل المؤمن بالكافر المعاهد، والمستأمن، والصبي، والمرأة من أهل الحرب، والرجل بعبده وعبد غيره مسلما كان أو كافرا، والرجل بولده إذا قتله. قال الشافعي : أو يكون قول الله تبارك وتعالى :﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾(٤) ممن دمه مكافئ دم من قتله، وكل نفس كانت تقاد بنفس، بدلالة كتاب الله عز وجل أو سنة أو إجماع، كما كان قول الله عز وجل :﴿والأنثى بالأنثى﴾(٥) إذا كانت قاتلة خاصة، لا أن ذكرا لا يقتل بأنثى. قال الشافعي : وهذا أولى معانيه به، والله أعلم. لأن عليه دلائل منها : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لا يقتل مؤمن بكافر »(٦). والإجماع على أن لا يقتل المرء بابنه إذا قتله(٧)(٨). والإجماع على أن لا يقتل الرجل بعبده ولا بمستأمن من أهل دار الحرب، ولا بامرأة من أهل دار الحرب، ولا صبي. قال الشافعي : وكذلك لا يقتل الرجل الحر بالعبد بحال(٩). ولو قتل حر ذمي عبدا مؤمنا لم يقتل به. قال الشافعي : وعلى الحر إذا قتل العبد قيمته كاملا بالغة ما بلغت، وإن كانت مائة ألف درهم أو ألف دينار(١٠). ( الأم : ٦/٢٤-٢٥. ون أحكام الشافعي : ١/٢٧٣-٢٧٥. ١ - روى البيهقي في كتاب الجنايات باب: جماع أبواب القصاص في ما دون النفس ٨/٦٤ عن أبي النضر: أن رجلا قام إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين ظلمني عاملك وضربني، فقال عمر: والله لأقيدنك منه إذا. فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين وتقيد من عاملك؟ قال: نعم، والله لأقيدن منهم، أقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه، وأقاد أبو بكر من نفسه، أفلا أقيد؟ قال عمرو بن العاص: أو غير ذلك يا أمير المؤمنين، قال: وما هو؟ قال: أو ما يرضيه، قال: أو ذلك! قال البيهقي: وهذا منقطع وقد رويناه موصولا ومرسلا في باب قتل الإمام وجرحه ٨/٤٨. وروى أبو داود في الديات (٣٣) باب: القود من الضربة وقص الأمير من نفسه (١٥)(ر٤٥٣٧) عن أبي فراس (الربيع بن زياد بن أنس الحارثي) قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فُعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه، فقال عمرو بن العاص: لو أن رجلا أدب بعض رعيته أنقصه منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده أقصه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقص من نفسه. ورواه النسائي في القسامة (٤٥) باب: القصاص من السلاطين (٢٤-٢٥)(ر٧٤٩١) مختصرا.. ٢ - المائدة: ٤٥.. ٣ - الإسراء: ٣٣.. ٤ - الإسراء: ٣٣.. ٥ - البقرة: ١٧٨.. ٦ - سبق تخريجه.. ٧ - روى مالك في العقول (٤٣) باب: ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه (١٧)(ر١٠) عن عمرو بن شعيب: أن رجلا من بني مدلج ـ يقال له قتادة ـ حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه، فَنُزِيَ في جرحه فمات، فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فقال له عمر: اعْدُدْ عَلَى مَاء قُدَيْدٍ عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حِقَّةً، وثلاثين جَذَعَةً، وأربعين خَلِفَةً، ثم قال: أين أخو المقتول؟ قال: هأنذا، قال: خُذْهَا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس لقاتل شيء». ورواه الشافعي في المسند (ر١٣٧٨) وفي الرسالة ص: ١٧١. قال شاكر: وهو حديث منقطع لأن عمروا لم يدرك عمر بن الخطاب. ورواه البيهقي في كتاب الجنايات باب: الرجل يقتل ابنه ٨/٣٨. منقطعا كذلك. ورواه موصولا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.. ٨ - قال القاضي عبد الوهاب من المالكية: يقتل الوالد بولده إذا تعمد قتله. وحكي عن داود رحمه الله مثله. وقال أبو حنيفة، والشافعي، والشعبي رحمهم الله: لا يقاد به مطلقا، وهو قول أشهب رحمه الله. وبه قال عطاء، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق. ن عيون المجالس: ٥/١٩٨٢. ون تهذيب المسالك: ٥/٦٨٩.. ٩ - وبه قال مالك في كتاب العقول (٤٣) باب: القصاص في القتل (٢١) حديث الباب: ليس بين الحر والعبد قود في شيء من الجراح، والعبد يقتل بالحر إذا قتله عمدا، ولا يقتل الحر بالعبد، وإن قتله عمدا، وهو أحسن ما سمعتُ. قال القاضي عبد الوهاب: لا يقتل حر بعبده أصلا، سواء كان عبده أو عبد غيره. وبه قال الشافعي رحمه الله. وهو مذهب أبي بكر، وعمر، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: يقتل بعبد غيره، ولا يقتل بعبد نفسه، ووافقنا على أن لا قصاص بينهما في الأطراف. وقال النخعي رحمه الله: يقتل الحر بعبده وعبد غيره، وحكي عنه: أن بينهما القصاص في الأطراف، وما أظنه صحيحا. ن عيون المجالس: ٥/١٩٧٩-١٩٨٠. ون تهذيب المسالك: ٥/٦٧٢.. ١٠ - وبه قال مالك في كتاب العقول (٤٣) باب: ما يوجب العقل على الرجل في خاصة ماله (١٦) حديث الباب: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أن العبد إذا قتل كانت فيه القيمة يوم يقتل، ولا تحمل عاقلة قاتله من قيمة العبد شيئا، قل أو كثر، وإنما ذلك على الذي أصابه في ماله خاصة، بالغا ما بلغ، وإن كانت قيمة العبد الدية أو أكثر، فذلك عليه في ماله، وذلك لأن العبد سلعة من السلع. قال القاضي عبد الوهاب: قد ذكرنا أن الحر لا يقتل بالعبد، ولكن إذا قتل حر عبدا عمدا أو خطا فعليه قيمته، بالغة ما بلغت، وإن زادت على دية الحر أضعافا، لأنه سلعة من السلع. وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله. وقال أبو حنيفة، ومحمد رحمهما الله: إذا كانت قيمته دون عشرة آلاف درهم، وجب فيه كمال قيمته، وإن كانت قيمته عشرة آلاف درهم أو أكثر، لم يلزمه كمال قيمته، بل ينقص من قدر دية الحر عشرة دراهم، والعبد والأمة في هذا سواء في أنه ينقص من القيمة عشرة دراهم. وحكى أصحابنا عنهم أنه ينقص في الأمة خمسة دراهم. وهو خطأ، والأمة والعبد سواء، وهو عند أبي حنيفة رحمه الله في الخطأ. وأما في العمد فيقتل الحر عبده بالعبد. وبقولنا قال الشعبي، والنخعي، وأبو يوسف رحمهم الله. ن عيون المجالس: ٥/١٩٨٠-١٩٨١. ون تهذيب المسالك: ٥/٦٨٢..

المائدة 5:58

٢٠٦- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعإلى :﴿وَإِذَا نَادَيْتُمُ إِلَى اَلصَّلَواةِ اِتَّخَذُوهَا هُزُؤا وَلَعِبا﴾ وقال :﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَواةِ مِنْ يَّوْمِ اِلْجُمُعَةِ فَاسْعَوِا اِلَى ذِكْرِ اِللَّهِ﴾(١) فذكر الله عز وجل الأذان للصلاة، وذكر يوم الجمعة. فكان بينا ـ والله تعالى أعلم ـ أنه أراد المكتوبة بالآيتين معا. وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان للمكتوبات(٢)، ولم يحفظ عنه أحد علمته أنه أمر بالأذان لغير صلاة مكتوبة، بل حفظ الزهري عنه أنه كان يأمر في العيدين المؤذن فيقول : الصلاة جامعة. ولا أذان إلا لمكتوبة، وكذلك لا إقامة. فأما الأعياد والخسوف وقيام شهر رمضان، فأحبُّ إليَّ أن يقال فيه :« الصلاة جامعة »(٣) وإن لم يقل ذلك فلا شيء على من تركه إلا ترك الأفضل. والصلاة على الجنائز وكل نافلة غير الأعياد والخسوف بلا أذان فيها ولا قول :« الصلاة جامعة ». ( الأم : ١/٨٢. ون أحكام الشافعي : ١/٥٨. ) ـــــــــــــــ ٢٠٧- قال الشافعي : ذكر الله تبارك اسمه الآذان بالصلاة، فقال عز وجل :﴿وَإِذَا نَادَيْتُمُ إِلَى اَلصَّلَواةِ اِتَّخَذُوهَا هُزُؤا وَلَعِبا﴾(٤) وقال :﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَواةِ مِنْ يَّوْمِ اِلْجُمُعَةِ فَاسْعَوِا اِلَى ذِكْرِ اِللَّهِ وَذَرُوا اَلْبَيْعَ﴾(٥) فأوجب الله ـ والله أعلم ـ إتيان الجمعة. وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآذان للصلوات المكتوبات، فاحتمل أن يكون أوجب إتيان صلاة الجماعة في غير الجمعة، كما أمر بإتيان الجمعة وترك البيع، واحتمل أن يكون أذن بها لتصلى لوقتها. ( الأم : ١/١٥٣. ون أحكام الشافعي : ١/٨٤. ) ١ - الجمعة: ٩.. ٢ - أخرج البخاري في أول كتاب الأذان (١٤)(ر٥٧٩) أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال قم فناد بالصلاة». وأخرجه مسلم في أول كتاب الصلاة (٤)(ر٣٧٧). وأخرجه الترمذي والنسائي في الأذان.. ٣ - روى أبو داود في الصلاة (٢) باب: ينادي فيها بالصلاة (٢٦٤)(ر١١٩٠) عن الزهري قال: أخبرني عروة، عن عائشة قالت: كسفت الشمس، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فنادى: أن الصلاة جامعة. ورواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.. ٤ - المائدة: ٥٨.. ٥ - الجمعة: ٩..

المائدة 5:89

٢٠٨- قال الشافعي : أخبرنا سفيان قال : حدثنا عمرو بن دينار وابن جريج، عن عطاء قال : ذهبت أنا وعبيد بن عمير(١) إلى عائشة وهي معتكفة في ثبير، فسألناها عن قول الله عز وجل :﴿لا يؤاخذكم اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت : هو لا والله، وبلي والله(٢). قال الشافعي رحمه الله تعالى : ولغو اليمين كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، والله تعالى أعلم. قول الرجل : لا والله، وبلى والله. وذلك إذا كان على اللجاج والغضب والعجلة لا يعقد على ما حلف عليه. وعقد اليمين أن يثبتها على الشيء بعينه ألا يفعل الشيء فيفعله، أو ليفعلنه فلا يفعله، أو لقد كان وما كان، فهذا آثم، وعليه الكفارة لما وصفت من أن الله عز وجل قد جعل الكفارات في عمد المأثم فقال تعالى :﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾(٣) وقال :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى :﴿بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(٤) ومثل قوله في الظهار :﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ اَلْقَوْلِ وَزُورًا﴾(٥) ثم أمر فيه بالكفارة. ومثل ما وصفت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :« من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه »(٦). ( الأم : ٧/٦٣. ون أحكام الشافعي : ٢/١١٠-١١٢ و ٢/١٨٧. ) ـــــــــــــــــ ٢٠٩- فقلت للشافعي : ما لغو اليمين ؟ قال : ـ الله أعلم ـ أما الذي نذهب إليه فهو ما قالت عائشة. قال الشافعي : أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت : لغو اليمين قول الإنسان : لا والله، وبلى والله(٧). فقلت للشافعي : وما الحجة فيما قلت ؟ قال : ـ الله أعلم ـ اللغو في لسان العرب : الكلام غير المعقود عليه، وجماع اللغو يكون الخطأ. قال الشافعي : فخالفتموه(٨)، وزعمتم أن اللغو : حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كما حلف عليه، ثم يوجد على خلافه(٩). قال الشافعي : وهذا ضد اللغو، وهذا هو الإثبات في اليمين يقصدها، يحلف لا يفعله يمنعه السبب لقول الله تبارك وتعالى :﴿وَلَـاكِنْ يُّوَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الإيمان﴾(١٠) ما عقدتم : ما عقدتم به عقد الأيمان عليه. ولو احتمل اللسان ما ذهبتم إليه ما منع احتماله ما ذهبت إليه عائشة، وكانت أولى أن تتبع منكم، لأنها أعلم باللسان منكم، مع علمها بالفقه. ( الأم : ٧/٢٤٢-٢٤٣. ون مختصر المزني ص : ٢٩٠. ) ١ - عبيد بن عمير الليثي قاضي مكة. عن: عمر، وأُبي، وعائشة. وعنه: ابنه عبد الله، وابن أبي مليكة، وعمر بن دينار. ذكر ثابت البُناني أنه قص على عهد عمر وهذا بعيد. ت سنة ٦٨هـ. الكاشف: ٢/٢٣٣. ون التهذيب: ٥/٤٣٠. وقال في التقريب: مجمع على ثقته.. ٢ - رواه البيهقي في كتاب الأيمان باب: لغو اليمين ١٠/٤٩. ورواه الشافعي في المسند (ر١٢٥٧). ثبير: جبل بين مكة ومنى، وهو على يمين الداخل منها إلى مكة.. ٣ - المائدة: ٩٦.. ٤ - المائدة: ٩٥. وتمامها: ﴿وَمَن قَتَلَهُو مِنكُم مُّتَعَمِّدا فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾.. ٥ - المجادلة: ٢.. ٦ - رواه مسلم عن أبي هريرة في الأيمان (٢٧) باب: ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها (٣)(ر١٦٥٠). ورواه الترمذي في النذور والأيمان (١٧) باب: ما جاء في الكفارة قبل الحنث (٦)(ر١٥٣٠). ورواه النسائي عن عدي بن حاتم في الأيمان (٣٥) باب: الكفارة قبل الحنث (١٦)(ر٣٧٩٥-٣٧٩٦). ورواه ابن ماجة عن عدي بن حاتم في الكفارات (١١) باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها (٧)(ر٢١٠٨). ورواه مالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي.. ٧ - رواه البخاري في التفسير (٦٨) باب: ﴿لا يُوَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ﴾ (١١٥)(ر٤٣٣٧)، وفي الأيمان والنذور (٨٦) باب: ﴿لا يُوَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ﴾ (١٣)(ر٦٢٨٦). ورواه مالك في النذور والأيمان (٢٢) باب: اللغو في اليمين (٥)(ر٩). ورواه البيهقي في الأيمان باب: لغو اليمين ١٠/٤٨. والشافعي في المسند (ر١٢٥٦).. ٨ - فخالفتموه: يقصد أصحاب مالك رحمه الله.. ٩ - وهو قول مالك: قال في باب اللغو في اليمين، بعد ذكر حديث عائشة: أحسن ما سمعت في هذا: أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك، فهو اللغو. قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله: لغو اليمين عند مالك رحمه الله: هو أن يحلف الرجل على الرجل يراه مقبلا، أنه فلان، وذلك يقينه، ثم ينكشف له أنه غيره، فهذا هو اللغو وشبهه لا كفارة فيه. وبه قال أبو حنيفة رحمه الله. وقال الشافعي رحمه الله: في هذا وشبهه الكفارة، وإنما اللغو عنده: ما لم يقصده الحالف ولكن سبق على لسانه، فكأنه يريد أن يتكلم بشيء فيبدو منه يمين، سواء كانت على شيء ماض أو مستقبل. ن عيون المجالس: ٣/٩٩٤-٩٩٥. ١٠ - المائدة: ٨٩..

المائدة 5:95

٢١٠- قال الشافعي رحمه الله تعإلى : قال الله عز وجل :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدا فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ﴾ وكان الصيد : ما امتنع بالتوحش كله. وكانت الآية محتملة أن يحرم على المحرم ما وقع عليه اسم صيد، وهو يجزي بعض الصيد دون بعض. فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من الصيد شيئا ليس على المحرم جزاؤه، كل ما يباح للمحرم قتله، ولم يكن في الصيد شيء يتفرق إلا بأحد معنيين : إما بأن يكون الله عز وجل أراد أن يفدي الصيد المباح أكله ولا يفدي ما لا يباح أكله، وهذا أولى معنييه به، والله أعلم. لأنهم كانوا يصيدون ليأكلون، لا ليقتلوا، وهو يشبه دلالة كتاب الله عز وجل، فقال الله تعالى :﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللَّهُ بشيء مِّنَ اَلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾(١) وقال عز وجل :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾(٢) وقال :﴿اَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾(٣) فذكر جل ثناؤه إباحة صيد البحر للمحرم ومتاعا له، يعني طعاما والله أعلم، ثم حرم صيد البر فأشبه أن يكون إنما حرم عليه بالإحرام ما كان أكله مباحا قبل الإحرام. ثم أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحرم أن يقتل الغراب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور(٤)، والأسد، والنمر، والذئب الذي يعدو على الناس، فكانت محرمة الأكل على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع(٥)، فكان ما أبيح قتله معها يشبه أن يكون محرم الأكل لإباحته معها، وأنه لا يضر ضررها. وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم أَكْلَ الضَّبُعِ(٦)، وهو أعظم ضررا من الغراب والحدأة والفأرة أضعافا. والوجه الثاني : أن يقتل المحرم ما ضر، ولا يقتل ما لا يضر، ويفديه إن قتله، وليس هذا معناه، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحل أكل لحم الضبع، وأن السلف والعامة عندهم فدوها، وهي أعظم ضررا من الغراب والحدأة والفأرة. ( الأم : ٢/٢٤٤. ون الأم : ٢/١٨٢. وأحكام الشافعي : ١/١٢٦. ومختصر المزني ص : ٧٢. واختلاف الحديث ص : ٥٤٥ ) ــــــــــــــــــ ٢١١- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾(٧) قال الشافعي : يجزي الصيد من قتله عمدا أو خطأ. فإن قال قائل : إيجاب الجزاء في الآية على قاتل الصيد عمدا، وكيف أوجبته على قاتله خطأ ؟ قيل له إن شاء الله : إن إيجاب الجزاء على قاتل الصيد عمدا لا يحظر أن يوجب على قاتله خطأ. فإن قال قائل : فإذا أوجبت في العمد بالكتاب، فمن أين أوجبت الجزاء في الخطأ ؟ قيل : أوجبته في الخطا قياسا على القرآن والسنة والإجماع. فإن قال : فأين القياس على القرآن ؟ قيل : قال الله عز وجل في قتل الخطأ :﴿وَمَن قَتَلَ مُومِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ اِلَى أَهْلِهِ﴾(٨) وقال :﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ اِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ﴾(٩) فلما كانت النفسان ممنوعتين بالإسلام والعهد، فأوجب الله عز وجل فيهما بالخطأ ديتين ورقبتين، كان الصيد في الإحرام ممنوعا بقول الله عز وجل : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾(١٠) وكان لله فيه حكم فيما قتل منه عمدا بجزاء مثله، وكان المنع بالكتاب مطلقا عاما على جميع الصيد، وكان المالك لما وجب بالصيد أهل الحرم لقول الله تعالى :﴿هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(١١) ولم أعلم بين المسلمين اختلافا أن ما كان ممنوعا أن يتلف من نفس إنسان، أو طائر، أو دابة، أو غير ذلك مما يجوز ملكه، فأصابه إنسان عمدا فكان على من أصابه فيه ثمن يؤدى لصاحبه، وكذلك فيما أصاب من ذلك خطا لا فرق بين ذلك إلا المأثم في العمد. فلما كان هذا كما وصفت مع أشباه له كان الصيد كله ممنوعا في كتاب الله تعالى، قال الله عز وجل :﴿اَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾(١٢) فلما كان الصيد محرما كله في الإحرام، وكان الله عز وجل حكم في شيء منه بعدل بالغ الكعبة، كان كذلك كل ممنوع من الصيد في الإحرام لا يتفرق، كما لم يفرق المسلمون بين الغرم في الممنوع من الناس والأموال في العمد والخطأ. فإن قال قائل : فمن قال هذا معك ؟ قيل : الحجة فيه ما وصفت، وهي عندنا مكتفي بها، وقد قاله ممن قبلنا غيرنا. قال : فاذكره ؟ قلت : أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : قول الله عز وجل :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾(١٣) قلت له : فمن قتله خطا أيغرم ؟ قال : نعم يعظم بذلك حرمات الله. ومضت به السنن(١٤). أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عمرو ابن دينار قال : رأيتُ الناس يُغَرَّمُونَ في الخطأ(١٥). ( الأم : ٢/١٨٢-١٨٣. ون الأم : ٢/٢٠٧ و ٢/١٩٢ و ٧/٣١ و ٧/٣٠٠. وأحكام الشافعي : ١/١٢٤-١٢٥. ومختصر المزني ص : ٧١ ) ــــــــــــ ٢١٢- قال الشافعي : قال الله :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدا فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(١٦) فأمرهم بالمثل، وجعل المثل إلى عدلين يحكمان فيه، فلما حرم مأكول الصيد عاما كانت لدواب الصيد أمثال على الأبدان. فحكم من حكم من أصحاب رسول الله على ذلك، فقضى في الضبع بكبش(١٧)، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعَنَاقٍ(١٨)، وفي اليربوع بجفرةٍ(١٩)، والعلم يحيط أنهم أرادوا في هذا المثل بالبدن لا بالقيم، ولو حكموا على القيم اختلفت أحكامهم، لاختلاف أثمان الصيد في البلدان وفي الأزمان، وأحكامهم فيها واحدة. والعلم يحيط أن اليربوع ليس مثل الجفرة في البدن، ولكنها كانت أقرب الأشياء منه شبها، فجعلت مثله، وهذا من القياس يتقارب تقارب العنز والضبي، ويبعد قليلا بعد الجفرة من اليربوع. ولما كان المثل في الأبدان في الدواب من الصيد دون الطائر لم يجز فيه إلا ما قال عمر ـ والله أعلم ـ من أن ينظر إلى المقتول من الصيد فيجزى بأقرب الأشياء به شبها منه في البدن، فإذا فات منها شيئا رفع إلى أقرب الأشياء به شبها، كما فاتت الضبعُ العَنْزَ فرفعت إلى الكبش، وصغر اليربوع عن العناق فخُفِضَ إلى الجفرة. وكان طائر الصيد لا مثل له في النَّعَم، لاختلاف خلقته وخلقته، فجزي خبرا وقياسا على ما كان ممنوعا لإنسان فأتلفه إنسان، فعليه قيمته لمالكه. قال الشافعي : فالحكم فيه بالقيمة يجتمع في أنه يقَوَّمُ قيمة يومه وبلده، ويختلف في الأزمان والبلدان، حتى يكون الطائر ببلدٍ ثَمَنَ دِرْهَمٍ، وفي البلد الآخر ثَمَنَ بَعْضِ دِرْهَمٍ. وأُمِرْنَا بإجازة شهادة العدل، وإذا شُرط علينا أن نقبل العدل ففيه دلالة على أن نَردَّ ما خالفه. وليس للعدل علامة تفرق بينه وبين غير العدل في بدنه ولا لفظه، وإنما علامة صدقه بما يختبر من حاله في نفسه. فإذا كان الأغلب من أمره ظاهر الخير قُبل، وإن كان فيه تقصير عن بعض أمره. لأنه لا يُعَرَّى(٢٠) أحد رأيناه من الذنوب. وإذا خلط الذنوب والعمل الصالح فليس فيه إلا الاجتهاد على الأغلب من أمره، بالتمييز بين حَسنه وقبيحه، وإذا كان هذا هكذا فلا بد من أن يختلف المجتهدون فيه. وإذا ظهر حسنه فقبلنا شهادته، فجاء حاكم غيرنا فَعَلمَ منه ظهور السَّيِّءِ كان عليه ردُّهُ. وقد حكم الحاكمان في أمرٍ واحدٍ بِرَدٍّ وقبول، وهذا اختلاف، ولكن كل قد فعل ما عليه. ( الرسالة : ٤٩٠-٤٩٤. ون الأم : ٢/١٩٤-١٩٥ و ٢/١٩٨ و ٢/٢٠١ و ٧/٢٣٨. وأحكام الشافعي : ١/١٢٣-١٢١. ) ــــــــــــ ٢١٣- قال الشافعي : قال الله تعالى :﴿فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ﴾(٢١) والمثل للمقتول، وقد يكون غائبا، فإنما يُجتهد على أصل الصيد المقتول، فينظر إلى أقرب الأشياء به شبَهًا فيهديه. وفي هذا دليل على أن الله عز وجل لم يبح الاجتهاد إلا على الأصول، لأنه عز وجل إنما أمر بمثل ما قُتل، فأمر بالمثل على الأَصْلِ وليس على غير أصل. ( الأم : ٦/٢٠١. ون الأم : ٧/٢٧٧. والرسالة ص : ٣٨-٣٩. ) ــــــــــــــــــــــــــــــ ٢١٤- قال الشافعي : قال الله تعالى :﴿هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(٢٢) قال الشافعي : فلما كان كل ما أريد به هدي من ملك ابن آدم هديا، كانت الأنعام كلها، وكل ما أهدي فهو بمكة، والله أعلم. ولو خفي عن أحد أن هذا هكذا، ما انبغي ـ والله أعلم ـ أن يخفى عليه إذا كان الصيد إذا جزي بشيء من النعم، لا يجزي فيه إلا أن يجزى بمكة، فعلم أن مكة أعظم أرض الله تعالى حرمة. وأولاه أن تنزه عن الدماء، لولا ما عقلنا من حكم الله في أنه للمساكين الحاضرين بمكة(٢٣). فإذا عقلنا هذا عن الله عز وجل فكان جزاء الصيد بطعام لم يجز ـ والله أعلم ـ إلا بمكة. وكما عقلنا عن الله ذكر الشهادة في موضعين من القرآن بالعدل، وفي مواضع فلم يذكر العدل وكانت الشهادات وإن افترقت تجتمع في أنه يؤخذ بها اكتفينا أنها كلها بالعدل، ولم نزعم أن الموضع الذي لم يذكر الله عز وجل فيه العدل مَعْفُو عن العدل فيه ؛ فلو أطعم في كفارة صيد بغير مكة لم يُجْزِ عنه، وأعاد الإطعام بمكة أو بمنًى، فهو من مكة لأنه لحاضر الحرم. ومثل هذا كل ما وجب على محرم بوجه من الوجوه من فدية أذى، أو طيب، أو لبس، أو غيره، لا يخالفه في شيء لأن كله من جهة النسك، والنسك إلى الحرم، ومنافعه للمساكين الحاضرين الحرم. قال : ومن حضر الكعبة حين يبلغها الهدي من النعم أو الطعام من مسكين، كان له أهل بها أو غريب، لأنهم إنما أعطوا بحضرتها، وإن قل فكان يعطي بعضهم دون بعض أجزأه أن يعطي مساكين الغرباء دون أهل مكة، ومساكين أهل مكة دون مساكين الغرباء، وأن يخلط بينهم. ولو آثر به أهل مكة لأنهم يجمعون الحضور والمقام، لكان كأنه أسرى إلى القلب، والله أعلم. فإن قال قائل : فهل قال هذا أحدٌ يذكر قوله ؟ قيل : أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء :﴿فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾(٢٤) قال : من أجل أنه أصابه في حرم يريد البيت كفارة ذلك عند البيت(٢٥). أخبرنا سعيد، عن ابن جريج : أن عطاء قال له مرة أخرى : يتصدق الذي يصيب الصيد بمكة، قال الله عز وجل :﴿هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(٢٦) قال : فيتصدق بمكة. قال الشافعي : يريد عطاء : ما وصفت من الطعام، والنعم كله هدي، والله أعلم. ( الأم : ٢/١٨٤-١٨٥. ون أحكام الشافعي : ١/١٣٩. ) ــــــــــــ ٢١٥- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :{ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدا ١ - المائدة: ٩٤.. ٢ - المائدة: ٩٥.. ٣ - المائدة: ٩٦.. ٤ - سبق تخريجه.. ٥ - سبق تخريجه.. ٦ - روى أبو داود في الأطعمة (٢١) باب: في أكل الضبع (٣٢)(ر٣٨٠١) عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال: « هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم ». ورواه الترمذي بنحوه في الأطعمة (٢٢) باب: ما جاء في أكل الضبع (٤)(ر١٧٩١). ورواه النسائي في المناسك (٢٤) باب: ما لا يقتله المحرم (٨٩)(ر٢٨٣٦)، وفي الصيد (٤٢) باب: الضبع (٢٧)(ر٤٣٣٤). ورواه ابن ماجة في المناسك (٢٥) باب: جزاء الصيد يصيبه المحرم (٩٠)(ر٣٠٨٥). ورواه أحمد، والدارمي، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٦٢١). قال الخطابي: وقد اختلف الناس في أكل الضبع، فروي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يأكل الضبع، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه إباحة لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور. وكرهه الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، واحتجوا بأنها سبع (وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع). قال الخطابي: وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة، وخبر جابر خاص، وخبر تحريم السباع عام. ن سنن أبي داود ٤/١٠٣.. ٧ - المائدة: ٩٥.. ٨ - النساء: ٩٢.. ٩ - النساء: ٩٢.. ١٠ - المائدة: ٩٦.. ١١ - المائدة: ٩٥.. ١٢ - المائدة: ٩٦.. ١٣ - المائدة: ٩٥.. ١٤ - رواه البيهقي في كتاب الحج باب: قتل المحرم الصيد عمدا أو خطا ٥/١٨٠. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٦٥).. ١٥ - رواه البيهقي في كتاب الحج باب: قتل المحرم الصيد عمدا أو خطا ٥/١٨٠. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٦٦).. ١٦ - المائدة: ٩٥.. ١٧ - روى البيهقي في كتاب الحج باب: فدية الضبع ٥/١٨٤ عن سعيد عن ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: في الضبع كبش. وروى البيهقي في نفس الكتاب والباب ٥/١٨٣ عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عكرمة مولى ابن عباس يقول: أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبعا صيدا وقضى فيها كبشا. ورواهما الشافعي في المسند (ر٨٥٣) و(ر٨٥٤). ورواهما عبد الرزاق في مصنفه كتاب المناسك باب: الضب والضبع (ر٨٢٢٥) و (ر٨٢٢٦).. ١٨ - روى البيهقي في كتاب الحج باب: فدية الغزال ٥/١٨٤ عن جابر بن عبد الله: أن عمر ابن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٥٦-٨٥٧). ورواه عبد الرزاق في كتاب المناسك باب: الغزال واليربوع (ر٨٢١٤-٨٢١٦). وروى الشافعي في المسند (ر٨٥٨) عن ابن مسعود، عن أبيه: أنه قضى في اليربوع بجفر أو جفرة. العناق: الأنثى من ولد المعز والغنم من حين الولادة إلى تمام سنة. ن القاموس الفقهي. الجفر: من ولد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفُصِل عن أمه وأَخَذَ في الرعي، والأنثى جفرة. ن القاموس الفقهي. اليربوع: دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها ورجلاه أطول من يديه، عكس الزرافة. ن القاموس الفقهي.. ١٩ - روى البيهقي في كتاب الحج باب: فدية الغزال ٥/١٨٤ عن جابر بن عبد الله: أن عمر ابن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٥٦-٨٥٧). ورواه عبد الرزاق في كتاب المناسك باب: الغزال واليربوع (ر٨٢١٤-٨٢١٦). وروى الشافعي في المسند (ر٨٥٨) عن ابن مسعود، عن أبيه: أنه قضى في اليربوع بجفر أو جفرة. العناق: الأنثى من ولد المعز والغنم من حين الولادة إلى تمام سنة. ن القاموس الفقهي. الجفر: من ولد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفُصِل عن أمه وأَخَذَ في الرعي، والأنثى جفرة. ن القاموس الفقهي. اليربوع: دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها ورجلاه أطول من يديه، عكس الزرافة. ن القاموس الفقهي. . ٢٠ - عرَّاه من الأمر: خلَّصه وجرَّده. ويقال: ما تعرى فلان من هذا الأمر: أي ما تخلص. ن اللسان: عرى.. ٢١ - المائدة: ٩٥.. ٢٢ - المائدة: ٩٥.. ٢٣ - أخرج البيهقي في كتاب الحج باب: أَيْنَ هدي الصيد وغيره ٥/١٨٧ عن عكرمة قال: سأل مروان ابن عباس ونحن بوادي الأزرق: أرأيت ما أصبنا من الصيد لا نجد له بدلا من النعم؟ قال: تنظر ما ثمنه، فتصدق به على مساكين أهل مكة.. ٢٤ - المائدة: ٩٥. وقد سقط هنا من جميع النسخ ومن أصل المسند جملة من لفظ القرآن وهي قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}.. ٢٥ - رواه البيهقي في كتاب الحج باب: أين هدي الصيد وغيره ٥/١٨٧. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٦٨). ورواه عبد الرزاق في كتاب المناسك باب: ذكر الصيد وقتله (ر٨١٧٤).. ٢٦ - المائدة: ٩٥..

المائدة 5:96

٢١٠- قال الشافعي رحمه الله تعإلى : قال الله عز وجل :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدا فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ﴾ وكان الصيد : ما امتنع بالتوحش كله. وكانت الآية محتملة أن يحرم على المحرم ما وقع عليه اسم صيد، وهو يجزي بعض الصيد دون بعض. فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من الصيد شيئا ليس على المحرم جزاؤه، كل ما يباح للمحرم قتله، ولم يكن في الصيد شيء يتفرق إلا بأحد معنيين : إما بأن يكون الله عز وجل أراد أن يفدي الصيد المباح أكله ولا يفدي ما لا يباح أكله، وهذا أولى معنييه به، والله أعلم. لأنهم كانوا يصيدون ليأكلون، لا ليقتلوا، وهو يشبه دلالة كتاب الله عز وجل، فقال الله تعالى :﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللَّهُ بشيء مِّنَ اَلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾(١) وقال عز وجل :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾(٢) وقال :﴿اَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾(٣) فذكر جل ثناؤه إباحة صيد البحر للمحرم ومتاعا له، يعني طعاما والله أعلم، ثم حرم صيد البر فأشبه أن يكون إنما حرم عليه بالإحرام ما كان أكله مباحا قبل الإحرام. ثم أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحرم أن يقتل الغراب، والحدأة، والفأرة، والكلب العقور(٤)، والأسد، والنمر، والذئب الذي يعدو على الناس، فكانت محرمة الأكل على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع(٥)، فكان ما أبيح قتله معها يشبه أن يكون محرم الأكل لإباحته معها، وأنه لا يضر ضررها. وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم أَكْلَ الضَّبُعِ(٦)، وهو أعظم ضررا من الغراب والحدأة والفأرة أضعافا. والوجه الثاني : أن يقتل المحرم ما ضر، ولا يقتل ما لا يضر، ويفديه إن قتله، وليس هذا معناه، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحل أكل لحم الضبع، وأن السلف والعامة عندهم فدوها، وهي أعظم ضررا من الغراب والحدأة والفأرة. ( الأم : ٢/٢٤٤. ون الأم : ٢/١٨٢. وأحكام الشافعي : ١/١٢٦. ومختصر المزني ص : ٧٢. واختلاف الحديث ص : ٥٤٥ ) ــــــــــــــــــ ٢١١- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾(٧) قال الشافعي : يجزي الصيد من قتله عمدا أو خطأ. فإن قال قائل : إيجاب الجزاء في الآية على قاتل الصيد عمدا، وكيف أوجبته على قاتله خطأ ؟ قيل له إن شاء الله : إن إيجاب الجزاء على قاتل الصيد عمدا لا يحظر أن يوجب على قاتله خطأ. فإن قال قائل : فإذا أوجبت في العمد بالكتاب، فمن أين أوجبت الجزاء في الخطأ ؟ قيل : أوجبته في الخطا قياسا على القرآن والسنة والإجماع. فإن قال : فأين القياس على القرآن ؟ قيل : قال الله عز وجل في قتل الخطأ :﴿وَمَن قَتَلَ مُومِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ اِلَى أَهْلِهِ﴾(٨) وقال :﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ اِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّومِنَةٍ﴾(٩) فلما كانت النفسان ممنوعتين بالإسلام والعهد، فأوجب الله عز وجل فيهما بالخطأ ديتين ورقبتين، كان الصيد في الإحرام ممنوعا بقول الله عز وجل : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾(١٠) وكان لله فيه حكم فيما قتل منه عمدا بجزاء مثله، وكان المنع بالكتاب مطلقا عاما على جميع الصيد، وكان المالك لما وجب بالصيد أهل الحرم لقول الله تعالى :﴿هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(١١) ولم أعلم بين المسلمين اختلافا أن ما كان ممنوعا أن يتلف من نفس إنسان، أو طائر، أو دابة، أو غير ذلك مما يجوز ملكه، فأصابه إنسان عمدا فكان على من أصابه فيه ثمن يؤدى لصاحبه، وكذلك فيما أصاب من ذلك خطا لا فرق بين ذلك إلا المأثم في العمد. فلما كان هذا كما وصفت مع أشباه له كان الصيد كله ممنوعا في كتاب الله تعالى، قال الله عز وجل :﴿اَحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾(١٢) فلما كان الصيد محرما كله في الإحرام، وكان الله عز وجل حكم في شيء منه بعدل بالغ الكعبة، كان كذلك كل ممنوع من الصيد في الإحرام لا يتفرق، كما لم يفرق المسلمون بين الغرم في الممنوع من الناس والأموال في العمد والخطأ. فإن قال قائل : فمن قال هذا معك ؟ قيل : الحجة فيه ما وصفت، وهي عندنا مكتفي بها، وقد قاله ممن قبلنا غيرنا. قال : فاذكره ؟ قلت : أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : قول الله عز وجل :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾(١٣) قلت له : فمن قتله خطا أيغرم ؟ قال : نعم يعظم بذلك حرمات الله. ومضت به السنن(١٤). أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عمرو ابن دينار قال : رأيتُ الناس يُغَرَّمُونَ في الخطأ(١٥). ( الأم : ٢/١٨٢-١٨٣. ون الأم : ٢/٢٠٧ و ٢/١٩٢ و ٧/٣١ و ٧/٣٠٠. وأحكام الشافعي : ١/١٢٤-١٢٥. ومختصر المزني ص : ٧١ ) ــــــــــــ ٢١٢- قال الشافعي : قال الله :﴿لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدا فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(١٦) فأمرهم بالمثل، وجعل المثل إلى عدلين يحكمان فيه، فلما حرم مأكول الصيد عاما كانت لدواب الصيد أمثال على الأبدان. فحكم من حكم من أصحاب رسول الله على ذلك، فقضى في الضبع بكبش(١٧)، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعَنَاقٍ(١٨)، وفي اليربوع بجفرةٍ(١٩)، والعلم يحيط أنهم أرادوا في هذا المثل بالبدن لا بالقيم، ولو حكموا على القيم اختلفت أحكامهم، لاختلاف أثمان الصيد في البلدان وفي الأزمان، وأحكامهم فيها واحدة. والعلم يحيط أن اليربوع ليس مثل الجفرة في البدن، ولكنها كانت أقرب الأشياء منه شبها، فجعلت مثله، وهذا من القياس يتقارب تقارب العنز والضبي، ويبعد قليلا بعد الجفرة من اليربوع. ولما كان المثل في الأبدان في الدواب من الصيد دون الطائر لم يجز فيه إلا ما قال عمر ـ والله أعلم ـ من أن ينظر إلى المقتول من الصيد فيجزى بأقرب الأشياء به شبها منه في البدن، فإذا فات منها شيئا رفع إلى أقرب الأشياء به شبها، كما فاتت الضبعُ العَنْزَ فرفعت إلى الكبش، وصغر اليربوع عن العناق فخُفِضَ إلى الجفرة. وكان طائر الصيد لا مثل له في النَّعَم، لاختلاف خلقته وخلقته، فجزي خبرا وقياسا على ما كان ممنوعا لإنسان فأتلفه إنسان، فعليه قيمته لمالكه. قال الشافعي : فالحكم فيه بالقيمة يجتمع في أنه يقَوَّمُ قيمة يومه وبلده، ويختلف في الأزمان والبلدان، حتى يكون الطائر ببلدٍ ثَمَنَ دِرْهَمٍ، وفي البلد الآخر ثَمَنَ بَعْضِ دِرْهَمٍ. وأُمِرْنَا بإجازة شهادة العدل، وإذا شُرط علينا أن نقبل العدل ففيه دلالة على أن نَردَّ ما خالفه. وليس للعدل علامة تفرق بينه وبين غير العدل في بدنه ولا لفظه، وإنما علامة صدقه بما يختبر من حاله في نفسه. فإذا كان الأغلب من أمره ظاهر الخير قُبل، وإن كان فيه تقصير عن بعض أمره. لأنه لا يُعَرَّى(٢٠) أحد رأيناه من الذنوب. وإذا خلط الذنوب والعمل الصالح فليس فيه إلا الاجتهاد على الأغلب من أمره، بالتمييز بين حَسنه وقبيحه، وإذا كان هذا هكذا فلا بد من أن يختلف المجتهدون فيه. وإذا ظهر حسنه فقبلنا شهادته، فجاء حاكم غيرنا فَعَلمَ منه ظهور السَّيِّءِ كان عليه ردُّهُ. وقد حكم الحاكمان في أمرٍ واحدٍ بِرَدٍّ وقبول، وهذا اختلاف، ولكن كل قد فعل ما عليه. ( الرسالة : ٤٩٠-٤٩٤. ون الأم : ٢/١٩٤-١٩٥ و ٢/١٩٨ و ٢/٢٠١ و ٧/٢٣٨. وأحكام الشافعي : ١/١٢٣-١٢١. ) ــــــــــــ ٢١٣- قال الشافعي : قال الله تعالى :﴿فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ﴾(٢١) والمثل للمقتول، وقد يكون غائبا، فإنما يُجتهد على أصل الصيد المقتول، فينظر إلى أقرب الأشياء به شبَهًا فيهديه. وفي هذا دليل على أن الله عز وجل لم يبح الاجتهاد إلا على الأصول، لأنه عز وجل إنما أمر بمثل ما قُتل، فأمر بالمثل على الأَصْلِ وليس على غير أصل. ( الأم : ٦/٢٠١. ون الأم : ٧/٢٧٧. والرسالة ص : ٣٨-٣٩. ) ــــــــــــــــــــــــــــــ ٢١٤- قال الشافعي : قال الله تعالى :﴿هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(٢٢) قال الشافعي : فلما كان كل ما أريد به هدي من ملك ابن آدم هديا، كانت الأنعام كلها، وكل ما أهدي فهو بمكة، والله أعلم. ولو خفي عن أحد أن هذا هكذا، ما انبغي ـ والله أعلم ـ أن يخفى عليه إذا كان الصيد إذا جزي بشيء من النعم، لا يجزي فيه إلا أن يجزى بمكة، فعلم أن مكة أعظم أرض الله تعالى حرمة. وأولاه أن تنزه عن الدماء، لولا ما عقلنا من حكم الله في أنه للمساكين الحاضرين بمكة(٢٣). فإذا عقلنا هذا عن الله عز وجل فكان جزاء الصيد بطعام لم يجز ـ والله أعلم ـ إلا بمكة. وكما عقلنا عن الله ذكر الشهادة في موضعين من القرآن بالعدل، وفي مواضع فلم يذكر العدل وكانت الشهادات وإن افترقت تجتمع في أنه يؤخذ بها اكتفينا أنها كلها بالعدل، ولم نزعم أن الموضع الذي لم يذكر الله عز وجل فيه العدل مَعْفُو عن العدل فيه ؛ فلو أطعم في كفارة صيد بغير مكة لم يُجْزِ عنه، وأعاد الإطعام بمكة أو بمنًى، فهو من مكة لأنه لحاضر الحرم. ومثل هذا كل ما وجب على محرم بوجه من الوجوه من فدية أذى، أو طيب، أو لبس، أو غيره، لا يخالفه في شيء لأن كله من جهة النسك، والنسك إلى الحرم، ومنافعه للمساكين الحاضرين الحرم. قال : ومن حضر الكعبة حين يبلغها الهدي من النعم أو الطعام من مسكين، كان له أهل بها أو غريب، لأنهم إنما أعطوا بحضرتها، وإن قل فكان يعطي بعضهم دون بعض أجزأه أن يعطي مساكين الغرباء دون أهل مكة، ومساكين أهل مكة دون مساكين الغرباء، وأن يخلط بينهم. ولو آثر به أهل مكة لأنهم يجمعون الحضور والمقام، لكان كأنه أسرى إلى القلب، والله أعلم. فإن قال قائل : فهل قال هذا أحدٌ يذكر قوله ؟ قيل : أخبرنا سعيد، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء :﴿فَجَزَاء مِثْلِ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾(٢٤) قال : من أجل أنه أصابه في حرم يريد البيت كفارة ذلك عند البيت(٢٥). أخبرنا سعيد، عن ابن جريج : أن عطاء قال له مرة أخرى : يتصدق الذي يصيب الصيد بمكة، قال الله عز وجل :﴿هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ﴾(٢٦) قال : فيتصدق بمكة. قال الشافعي : يريد عطاء : ما وصفت من الطعام، والنعم كله هدي، والله أعلم. ( الأم : ٢/١٨٤-١٨٥. ون أحكام الشافعي : ١/١٣٩. ) ــــــــــــ ٢١٥- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :{ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدا ١ - المائدة: ٩٤.. ٢ - المائدة: ٩٥.. ٣ - المائدة: ٩٦.. ٤ - سبق تخريجه.. ٥ - سبق تخريجه.. ٦ - روى أبو داود في الأطعمة (٢١) باب: في أكل الضبع (٣٢)(ر٣٨٠١) عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال: « هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم ». ورواه الترمذي بنحوه في الأطعمة (٢٢) باب: ما جاء في أكل الضبع (٤)(ر١٧٩١). ورواه النسائي في المناسك (٢٤) باب: ما لا يقتله المحرم (٨٩)(ر٢٨٣٦)، وفي الصيد (٤٢) باب: الضبع (٢٧)(ر٤٣٣٤). ورواه ابن ماجة في المناسك (٢٥) باب: جزاء الصيد يصيبه المحرم (٩٠)(ر٣٠٨٥). ورواه أحمد، والدارمي، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٦٢١). قال الخطابي: وقد اختلف الناس في أكل الضبع، فروي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يأكل الضبع، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه إباحة لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور. وكرهه الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، واحتجوا بأنها سبع (وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع). قال الخطابي: وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة، وخبر جابر خاص، وخبر تحريم السباع عام. ن سنن أبي داود ٤/١٠٣.. ٧ - المائدة: ٩٥.. ٨ - النساء: ٩٢.. ٩ - النساء: ٩٢.. ١٠ - المائدة: ٩٦.. ١١ - المائدة: ٩٥.. ١٢ - المائدة: ٩٦.. ١٣ - المائدة: ٩٥.. ١٤ - رواه البيهقي في كتاب الحج باب: قتل المحرم الصيد عمدا أو خطا ٥/١٨٠. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٦٥).. ١٥ - رواه البيهقي في كتاب الحج باب: قتل المحرم الصيد عمدا أو خطا ٥/١٨٠. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٦٦).. ١٦ - المائدة: ٩٥.. ١٧ - روى البيهقي في كتاب الحج باب: فدية الضبع ٥/١٨٤ عن سعيد عن ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: في الضبع كبش. وروى البيهقي في نفس الكتاب والباب ٥/١٨٣ عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عكرمة مولى ابن عباس يقول: أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبعا صيدا وقضى فيها كبشا. ورواهما الشافعي في المسند (ر٨٥٣) و(ر٨٥٤). ورواهما عبد الرزاق في مصنفه كتاب المناسك باب: الضب والضبع (ر٨٢٢٥) و (ر٨٢٢٦).. ١٨ - روى البيهقي في كتاب الحج باب: فدية الغزال ٥/١٨٤ عن جابر بن عبد الله: أن عمر ابن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٥٦-٨٥٧). ورواه عبد الرزاق في كتاب المناسك باب: الغزال واليربوع (ر٨٢١٤-٨٢١٦). وروى الشافعي في المسند (ر٨٥٨) عن ابن مسعود، عن أبيه: أنه قضى في اليربوع بجفر أو جفرة. العناق: الأنثى من ولد المعز والغنم من حين الولادة إلى تمام سنة. ن القاموس الفقهي. الجفر: من ولد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفُصِل عن أمه وأَخَذَ في الرعي، والأنثى جفرة. ن القاموس الفقهي. اليربوع: دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها ورجلاه أطول من يديه، عكس الزرافة. ن القاموس الفقهي.. ١٩ - روى البيهقي في كتاب الحج باب: فدية الغزال ٥/١٨٤ عن جابر بن عبد الله: أن عمر ابن الخطاب قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٥٦-٨٥٧). ورواه عبد الرزاق في كتاب المناسك باب: الغزال واليربوع (ر٨٢١٤-٨٢١٦). وروى الشافعي في المسند (ر٨٥٨) عن ابن مسعود، عن أبيه: أنه قضى في اليربوع بجفر أو جفرة. العناق: الأنثى من ولد المعز والغنم من حين الولادة إلى تمام سنة. ن القاموس الفقهي. الجفر: من ولد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفُصِل عن أمه وأَخَذَ في الرعي، والأنثى جفرة. ن القاموس الفقهي. اليربوع: دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها ورجلاه أطول من يديه، عكس الزرافة. ن القاموس الفقهي. . ٢٠ - عرَّاه من الأمر: خلَّصه وجرَّده. ويقال: ما تعرى فلان من هذا الأمر: أي ما تخلص. ن اللسان: عرى.. ٢١ - المائدة: ٩٥.. ٢٢ - المائدة: ٩٥.. ٢٣ - أخرج البيهقي في كتاب الحج باب: أَيْنَ هدي الصيد وغيره ٥/١٨٧ عن عكرمة قال: سأل مروان ابن عباس ونحن بوادي الأزرق: أرأيت ما أصبنا من الصيد لا نجد له بدلا من النعم؟ قال: تنظر ما ثمنه، فتصدق به على مساكين أهل مكة.. ٢٤ - المائدة: ٩٥. وقد سقط هنا من جميع النسخ ومن أصل المسند جملة من لفظ القرآن وهي قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}.. ٢٥ - رواه البيهقي في كتاب الحج باب: أين هدي الصيد وغيره ٥/١٨٧. ورواه الشافعي في المسند (ر٨٦٨). ورواه عبد الرزاق في كتاب المناسك باب: ذكر الصيد وقتله (ر٨١٧٤).. ٢٦ - المائدة: ٩٥..

المائدة 5:101

٢١٩- قال الشافعي : وقد أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد(١)، عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن فحرم من أجل مسألته »(٢). وأخبرنا ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن عامر ابن سعد، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل معناه(٣). قال الله عز وجل :﴿لا تسألوا عَنَ أشياء إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(٤) إلى قوله :﴿بِهَا كَافِرِينَ﴾(٥). قال الشافعي رحمه الله : كانت المسائل فيها فيما لم ينزل إذا كان الوحي ينزل بمكروه لما ذكرت من قول الله تبارك وتعالى، ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره فيما في معناه، وفي معناه كراهية لكم أن تسألوا عما لم يحرم، فإن حرَّمَهُ الله في كتابه أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم أبدا، إلا أن ينسخ الله تحريمه في كتابه، أو ينسخ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه دلائل : على أن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن الله تعالى إلى يوم القيامة، بما وصفت وغيره من افتراض الله تعالى طاعته في غير آية من كتابه، وما جاء عنه صلى الله عليه وسلم مما قد وصفته في غير هذا الموضع. ( الأم : ٥/١٢٧. ون أحكام الشافعي : ١/٤١. ) ١ - عامر بن سعد بن أبي وقاص. عن: أبيه، وعثمان، وعائشة. وعنه: ابنه داود، وابن شهاب، وطائفة. ثقة. ت سنة: ١٠٣ وقيل: ١٠٤. الكاشف: ٢/٥١. ون التهذيب: ٤/١٥٥. وقال في التقريب: ثقة.. ٢ - أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٩) باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه (٣)(ر٦٨٥٩). وأخرجه مسلم في الفضائل (٤٣) باب: توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه (٣٧)(ر٢٣٥٨). وأخرجه أبو داود في السنة (٣٤) باب: لزوم السنة (٧)(ر٤٦١٠). والشافعي في المسند (ر٢٦).. ٣ - رواه الشافعي في المسند (ر٢٧).. ٤ - المائدة: ١٠١.. ٥ - المائدة: ١٠٢..

المائدة 5:103

٢٢٠- قال الشافعي : كان أهل الجاهلية يبحرون البحيرة، ويسبُون السائبة، ويوصلون الوصيلة، ويعفون الحام، وهذه من الإبل والغنم. فكانوا يقولون في الحام : إذا ضرب في إبل الرجل عشر سنين، وقيل : نتج له عشرة حام، أي حمى ظهره فلا يحل أن يركب. ويقولون في الوصيلة وهي من الغنم : إذا وصلت بطونا توءما، ونتج نتاجها، فكانوا يمنعونها مما يفعلون بغيرها مثلها. ويسبون السائبة فيقولون : قد أعتقناك سائبة ولا وَلاء لنا عليك ولا ميراث يرجع منك ليكون أكمل لتبررنا فيك، فأنزل الله عز وجل :﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلا سَآئِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾(١) الآية، فَرَدَّ الله ثم رسوله صلى الله عليه وسلم الغنم إلى مالكها إذا كان العتق لا يقع على غير الآدميين، وكذلك لو أنه أعتق بعيره لم يمنع بالعتق منه إذا حكم الله عز وجل أن يرد إليه ذلك ويبطل الشرط فيه. فكذلك أبطل الشروط في السائبة ورده إلى ولاء من أعتقه مع الجملة التي وصفنا لك(٢). قال الشافعي : أخبرنا إبراهيم بن محمد أن عبد الله بن أبي بكر وعبد العزيز أخبراه أن عمر بن عبد العزيز كتب في خلافته في سائبة مات أن يدفع ميراثه إلى الذي أعتقه(٣). ( الأم : ٤/٧٩. ون الأم : ٢/٢٤٣ و ٤/٥٢ و ٤/١٣٢ و ٦/١٨٣ و ٦/١٨٩-١٩٠. وأحكام الشافعي : ١/١٤٣-١٤٥ و ٢/١٠٠ و ١/١٤٢-١٤٣. ) ١ - المائدة: ١٠٣. وتمامها: ﴿وَلَـاكِنَّ اَلذِينَ كَفَرُوا يَفتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ اِلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾.. ٢ - حديث: « الولاء لمن أعتق » سبق تخريجه. وروى البيهقي في كتاب الولاء باب: من أعتق عبدا له سائبة ١٠/٣٠٠ عن أبي طوالة قال: كان سالم مولى أبي حذيفة مولى لامرأة من الأنصار يقال لها عمرة بنت يعار أعتقته سائبة، فقتل يوم اليمامة، فأتي أبو بكر رضي الله عنه بميراثه فقال: أعطوه عمرة، فأبت أن تقبله.. ٣ - لم أقف عليه..

المائدة 5:105

٢٢١- قال الشافعي رحمه الله : في قوله عز وجل :﴿عَلَيْكُمُ أَنفُسَكُمْ﴾ قال : هذا مثل قوله تعالى :﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدياهُمْ﴾(١) ومثل قوله عز وجل :﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾(٢). ومثل هذا في القرآن على ألفاظ. ( أحكام الشافعي : ٢/١٨٥-١٨٦. ) ١ - البقرة: ٢٧٢.. ٢ - النساء: ١٤٠..

المائدة 5:106

٢٢٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال بكير : قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قوله تبارك وتعالى :﴿اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمُ﴾ الآية، أن رجلين نصرانيين من أهل دارين، أحدهما : تميمي، والآخر : يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة، فركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علَّمَه أولياؤه من بين آنية، وبَزٍّ(١)، ورِّقَةٍ(٢)، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الداريين فمات، وقبض الداريان المال والوصية فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا(٣) ببعض ماله، وأنكر القوم قلة المال فقالوا للداريين : إن صاحبنا قد خرج ومعه مال أكثر مما أتيتمانا به، فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه ؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا، قالوا : فإنكما خُنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل :﴿يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ﴾ إلى آخر الآية. فلما نزلت أن يحبسا من بعد الصلاة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة فحلفا بالله رب السماوات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وأنّا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا :﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اَللَّهِ إِنَّا إِذا لَّمِنَ الآثمين﴾(٤) فلما حلفا خلَّى سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت فأخذوا الداريين فقالا : اشتريناه منه في حياته وكذبا، فكلفا البينة فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل :﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾(٥) يقول : فإن اطلع ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اَسْتَحَقَّا إِثْماً﴾(٦) يعني الداريين، أي كتما حقا ﴿فآخران﴾(٧) من أولياء الميت ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ اَلذِينَ اَسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوليان فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾(٨) فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي نطلب قبل الداريين لحق ﴿وَمَا اَعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذا لَّمِنَ اَلظَّـالِمِينَ﴾(٩) هذا قول الشاهدين أولياء الميت ﴿ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يأتوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَآ﴾(١٠) يعني الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك(١١). قال الشافعي رحمه الله تعالى : يعني من كان في مثل حال الداريين من الناس، ولا أعلم الآية تحتمل معنى غير حمله على ما قال، وإن كان لم يوضح بعضه، لأن الرجلين اللذين كشاهدي الوصية كانا أميني الميت، فيشبه أن يكون إذا كان شاهدان منكم أو من غيركم أمينين على ما شهدا عليه، فطلب ورثة الميت أيمانهما أحلفا بأنهما أمينان، لا في معنى الشهود. فإن قال : فكيف تسمى في هذا الموضع شهادة ؟ قيل : كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة، وإنما معنى شهادة بينكم أيمان بينكم إذا كان هذا المعنى والله تعالى أعلم. فإن قال قائل : فكيف لم تحتمل الشهادة ؟ قيل : ولا نعلم المسلمين اختلفوا في أنه ليس على شاهد يمين قبلت شهادته أو ردت ؟ ولا يجوز أن يكون إجماعهم خلافا لكتاب الله عز وجل، ويشبه قول الله تبارك وتعالى :﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اَسْتَحَقَّا إِثْماً﴾(١٢) يوجد من مال الميت في أيديهما ولم يذكرا قبل وجوده أنه في أيديهما، فلما وُجِدَ ادعيا ابتياعه، فأحلف أولياء الميت على مال الميت، فصار مالا من مال الميت فإقرارهما وادعيا لأنفسهما شراءه، فلم تقبل دعواهما بلا بينة، فأحلف وارثاه على ما ادعيا، وإن كان أبو سعيد لم يبينه في حديثه هذا التبيين فقد جاء بمعناه. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وليس في هذا رد اليمين، أين ما كانت يمين الداريين على ادعاء الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ما ادعى الدَّارِيَّانِ مما وُجِدَ في أيديهما، وأقرَّا أنه للميت وأنه صار لهما من قِبله، وإنما أَجَزْنَا ردَّ اليمين من غير هذه الآية. فإن قال قائل : فإن الله عز وجل يقول :﴿أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾(١٣) فذلك ـ والله تعالى أعلم ـ أن الأيمان كانت عليهم بدعوى الورثة أنهم اختانوا، ثم صار الورثة حالفين بإقرارهم أن هذا كان للميت وادعائهم شراءه منه، فجاز أن يقال : أن ترد أيمان تثنى عليهم الأيمان بما يجب عليهم إن صارت لهم الأيمان كما يجب على من حلف لهم، وذلك قول الله ـ والله تعالى أعلم ـ :﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾(١٤) يحلفان كما أحلفا، وإذا كان هذا كما وصفت فليست هذه الآية بناسخة ولا منسوخة(١٥) لأَمرِ الله عز وجل بإشهاد ذوي عدل منكم، ومن نرضى من الشهداء. ( الأم : ٤/٢٠٨-٢٠٩. ون أحكام الشافعي : ٢/١٤٧-١٥٣. ) ـــــــــــــــــــــــ ٢٢٣- قال الشافعي : ومن أجاز شهادة أهل الذمة فأَعدلهم عنده أعظمهم بالله شِرْكاً : أَسْجَدُهم للصليب وأَلْزَمُهم للكنيسة. فقال قائل : فإن الله عز وجل يقول حين الوصية : ﴿اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمُ اَوَ آخران مِنْ غَيْرِكُمُ﴾(١٦). قال الشافعي : والله أعلم بما أراد من هذا، وإنما يفسر ما احتمل الوجوه ما دلت عليه سنة أو أثر عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف له، أو أمر اجتمعت عليه عوام الفقهاء. فقد سمعت من يتأول هذه الآية : على من غير قبيلتكم من المسلمين، ويحتج فيها بقول الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ﴾ إلى :﴿اَلاَثِمِينَ﴾(١٧) فيقول : الصلاة للمسلمين والمسلمون يتأثمون من كتمان الشهادة لله، فأما المشركون فلا صلاة لهم قائمة، ولا يتأثمون من كتمان الشهادة للمسلمين، ولا عليهم. قال الشافعي : وسمعت من يذكر أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾(١٨) والله أعلم، ورأيت مفتي أهل دار الهجرة والسنة يفتون أن لا تجوز شهادة غير المسلمين العدول. قال الشافعي : وذلك قولي. ( الأم : ٦/١٤١-١٤٢. ون السنن الكبرى : ١٠/١٦٤. وأحكام الشافعي : ٢/١٤٤-١٤٦. ) ــــــــــــ ٢٢٤- قال الشافعي : والحجة فيما وصفت من أن يستحلف الناس فيما بين البيت والمقام، وعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد العصر قول الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾(١٩)، وقال المفسرون : هي صلاة العصر. وقول الله عز وجل في المتلاعنين :﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَن لَّعْنَتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ اَلْكَاذِبِينَ﴾(٢٠) فاستدللنا بكتاب الله عز وجل على تأكيد اليمين على الحالف في الوقت الذي تعظم فيه اليمين بعد الصلاة. ( الأم : ٧/٣٦. ون أحكام الشافعي : ٢/١٥٥. والسنن الكبرى : ١٠/١٧٧. ) ــــــــــــ ٢٢٥- قال الشافعي : قال : فكيف يحلف من بالأمصار على العظيم من الأمر ؟ قلنا : بعد العصر كما قال الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ﴾(٢١) وكما أمر ابن عباس ابن أبي مليكة بالطائف أن يحبس الجارية بعد العصر ثم يقرا عليها :﴿إِنَّ اَلذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾(٢٢) ففعل فاعترفت(٢٣). قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا بذلك ابن مؤمل عن ابن أبي مُليكة(٢٤) عن ابن عباس. ( الأم : ٧/٣٧. ) ١ - البَزُّ: الثياب من القطن والكتان. والبزَّاز بائع القماش. ن معجم لغة الفقهاء.. ٢ - الرِّقَةُ: الفضة. ن القاموس الفقهي.. ٣ - في جميع النسخ: « جاء » على صيغة المفرد، والصواب « جاءا » أي الداريين لأنه مثنى.. ٤ - المائدة: ١٠٦.. ٥ - المائدة: ١٠٧.. ٦ - المائدة: ١٠٧.. ٧ - المائدة: ١٠٧.. ٨ - المائدة: ١٠٧.. ٩ - المائدة: ١٠٧.. ١٠ - المائدة: ١٠٨.. ١١ - رواه البيهقي في كتاب الشهادات باب: ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو..﴾ ١٠/١٦٥. قال البيهقي: وقد ثبت معنى ما ذكره مقاتل بن حيان عن أهل التفسير بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أنه لم يحفظ فيه دعوى تميم وعدي أنهما اشترياه، وحفظه مقاتل. وأخرجه البخاري في الوصايا (٥٩) باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو.. اَلْفَاسِقِينَ﴾ (٣٦)(ر٢٦٢٨) عن ابن عباس. وأخرجه أبو داود في الأقضية (١٨) باب: شهادة أهل الذمة (١٧)(ر٣٦٠٦). وأخرجه الترمذي في التفسير (٤٤)(ر٣٠٦٠) وقال: حديث حسن غريب.. ١٢ - المائدة: ١٠٧.. ١٣ - المائدة: ١٠٨.. ١٤ - المائدة: ١٠٧.. ١٥ - قال ابن عباس وابن المسيب: إنها منسوخة. وهو ما رواه البيهقي في كتاب الشهادات باب: قول الله:﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو...﴾ ١٠/١٦٤.. ١٦ - المائدة: ١٠٦.. ١٧ - المائدة: ١٠٦.. ١٨ - الطلاق: ٢.. ١٩ - المائدة: ١٠٦.. ٢٠ - النور: ٦-٧.. ٢١ - المائدة: ١٠٦.. ٢٢ - آل عمران: ٧٧.. ٢٣ - أخرج البيهقي في كتاب الشهادات باب: تأكيد اليمين بالزمان والحلف على المصحف: ١٠/١٧٨ عن الشافعي عن عبد الله بن مؤمل عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس رضي الله عنهما من الطائف في جاريتين ضربت إحداهما الأخرى ولا شاهد عليهما، فكتب إلي: أن احبسهما بعد صلاة العصر ثم اقرا عليهما ﴿إِنَّ اَلذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ففعلت، فاعترفت. وأخرجه الشافعي في الأم: ٧/٣٤.. ٢٤ - عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي، أبو بكر، مؤذن ابن الزبير وقاضيه. سمع عائشة، وابن عباس. وعنه: أيوب والليث. قال: بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف فكنت أسأل ابن عباس. ت سنة: ١١٨هـ الكاشف: ٢/١٠٢. ون التهذيب: ٤/٣٨٥. وقال في التقريب: ثقة فقيه..

المائدة 5:107

٢٢٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال بكير : قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قوله تبارك وتعالى :﴿اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمُ﴾ الآية، أن رجلين نصرانيين من أهل دارين، أحدهما : تميمي، والآخر : يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة، فركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علَّمَه أولياؤه من بين آنية، وبَزٍّ(١)، ورِّقَةٍ(٢)، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الداريين فمات، وقبض الداريان المال والوصية فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا(٣) ببعض ماله، وأنكر القوم قلة المال فقالوا للداريين : إن صاحبنا قد خرج ومعه مال أكثر مما أتيتمانا به، فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه ؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا، قالوا : فإنكما خُنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل :﴿يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ﴾ إلى آخر الآية. فلما نزلت أن يحبسا من بعد الصلاة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة فحلفا بالله رب السماوات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وأنّا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا :﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اَللَّهِ إِنَّا إِذا لَّمِنَ الآثمين﴾(٤) فلما حلفا خلَّى سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت فأخذوا الداريين فقالا : اشتريناه منه في حياته وكذبا، فكلفا البينة فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل :﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾(٥) يقول : فإن اطلع ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اَسْتَحَقَّا إِثْماً﴾(٦) يعني الداريين، أي كتما حقا ﴿فآخران﴾(٧) من أولياء الميت ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ اَلذِينَ اَسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوليان فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾(٨) فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي نطلب قبل الداريين لحق ﴿وَمَا اَعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذا لَّمِنَ اَلظَّـالِمِينَ﴾(٩) هذا قول الشاهدين أولياء الميت ﴿ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يأتوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَآ﴾(١٠) يعني الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك(١١). قال الشافعي رحمه الله تعالى : يعني من كان في مثل حال الداريين من الناس، ولا أعلم الآية تحتمل معنى غير حمله على ما قال، وإن كان لم يوضح بعضه، لأن الرجلين اللذين كشاهدي الوصية كانا أميني الميت، فيشبه أن يكون إذا كان شاهدان منكم أو من غيركم أمينين على ما شهدا عليه، فطلب ورثة الميت أيمانهما أحلفا بأنهما أمينان، لا في معنى الشهود. فإن قال : فكيف تسمى في هذا الموضع شهادة ؟ قيل : كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة، وإنما معنى شهادة بينكم أيمان بينكم إذا كان هذا المعنى والله تعالى أعلم. فإن قال قائل : فكيف لم تحتمل الشهادة ؟ قيل : ولا نعلم المسلمين اختلفوا في أنه ليس على شاهد يمين قبلت شهادته أو ردت ؟ ولا يجوز أن يكون إجماعهم خلافا لكتاب الله عز وجل، ويشبه قول الله تبارك وتعالى :﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اَسْتَحَقَّا إِثْماً﴾(١٢) يوجد من مال الميت في أيديهما ولم يذكرا قبل وجوده أنه في أيديهما، فلما وُجِدَ ادعيا ابتياعه، فأحلف أولياء الميت على مال الميت، فصار مالا من مال الميت فإقرارهما وادعيا لأنفسهما شراءه، فلم تقبل دعواهما بلا بينة، فأحلف وارثاه على ما ادعيا، وإن كان أبو سعيد لم يبينه في حديثه هذا التبيين فقد جاء بمعناه. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وليس في هذا رد اليمين، أين ما كانت يمين الداريين على ادعاء الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ما ادعى الدَّارِيَّانِ مما وُجِدَ في أيديهما، وأقرَّا أنه للميت وأنه صار لهما من قِبله، وإنما أَجَزْنَا ردَّ اليمين من غير هذه الآية. فإن قال قائل : فإن الله عز وجل يقول :﴿أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾(١٣) فذلك ـ والله تعالى أعلم ـ أن الأيمان كانت عليهم بدعوى الورثة أنهم اختانوا، ثم صار الورثة حالفين بإقرارهم أن هذا كان للميت وادعائهم شراءه منه، فجاز أن يقال : أن ترد أيمان تثنى عليهم الأيمان بما يجب عليهم إن صارت لهم الأيمان كما يجب على من حلف لهم، وذلك قول الله ـ والله تعالى أعلم ـ :﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾(١٤) يحلفان كما أحلفا، وإذا كان هذا كما وصفت فليست هذه الآية بناسخة ولا منسوخة(١٥) لأَمرِ الله عز وجل بإشهاد ذوي عدل منكم، ومن نرضى من الشهداء. ( الأم : ٤/٢٠٨-٢٠٩. ون أحكام الشافعي : ٢/١٤٧-١٥٣. ) ـــــــــــــــــــــــ ٢٢٣- قال الشافعي : ومن أجاز شهادة أهل الذمة فأَعدلهم عنده أعظمهم بالله شِرْكاً : أَسْجَدُهم للصليب وأَلْزَمُهم للكنيسة. فقال قائل : فإن الله عز وجل يقول حين الوصية :﴿اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمُ اَوَ آخران مِنْ غَيْرِكُمُ﴾(١٦). قال الشافعي : والله أعلم بما أراد من هذا، وإنما يفسر ما احتمل الوجوه ما دلت عليه سنة أو أثر عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف له، أو أمر اجتمعت عليه عوام الفقهاء. فقد سمعت من يتأول هذه الآية : على من غير قبيلتكم من المسلمين، ويحتج فيها بقول الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ﴾ إلى :﴿اَلاَثِمِينَ﴾(١٧) فيقول : الصلاة للمسلمين والمسلمون يتأثمون من كتمان الشهادة لله، فأما المشركون فلا صلاة لهم قائمة، ولا يتأثمون من كتمان الشهادة للمسلمين، ولا عليهم. قال الشافعي : وسمعت من يذكر أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾(١٨) والله أعلم، ورأيت مفتي أهل دار الهجرة والسنة يفتون أن لا تجوز شهادة غير المسلمين العدول. قال الشافعي : وذلك قولي. ( الأم : ٦/١٤١-١٤٢. ون السنن الكبرى : ١٠/١٦٤. وأحكام الشافعي : ٢/١٤٤-١٤٦. ) ــــــــــــ ٢٢٤- قال الشافعي : والحجة فيما وصفت من أن يستحلف الناس فيما بين البيت والمقام، وعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد العصر قول الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾(١٩)، وقال المفسرون : هي صلاة العصر. وقول الله عز وجل في المتلاعنين :﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَن لَّعْنَتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ اَلْكَاذِبِينَ﴾(٢٠) فاستدللنا بكتاب الله عز وجل على تأكيد اليمين على الحالف في الوقت الذي تعظم فيه اليمين بعد الصلاة. ( الأم : ٧/٣٦. ون أحكام الشافعي : ٢/١٥٥. والسنن الكبرى : ١٠/١٧٧. ) ــــــــــــ ٢٢٥- قال الشافعي : قال : فكيف يحلف من بالأمصار على العظيم من الأمر ؟ قلنا : بعد العصر كما قال الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ﴾(٢١) وكما أمر ابن عباس ابن أبي مليكة بالطائف أن يحبس الجارية بعد العصر ثم يقرا عليها :﴿إِنَّ اَلذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾(٢٢) ففعل فاعترفت(٢٣). قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا بذلك ابن مؤمل عن ابن أبي مُليكة(٢٤) عن ابن عباس. ( الأم : ٧/٣٧. ) ١ - البَزُّ: الثياب من القطن والكتان. والبزَّاز بائع القماش. ن معجم لغة الفقهاء.. ٢ - الرِّقَةُ: الفضة. ن القاموس الفقهي.. ٣ - في جميع النسخ: « جاء » على صيغة المفرد، والصواب « جاءا » أي الداريين لأنه مثنى.. ٤ - المائدة: ١٠٦.. ٥ - المائدة: ١٠٧.. ٦ - المائدة: ١٠٧.. ٧ - المائدة: ١٠٧.. ٨ - المائدة: ١٠٧.. ٩ - المائدة: ١٠٧.. ١٠ - المائدة: ١٠٨.. ١١ - رواه البيهقي في كتاب الشهادات باب: ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو..﴾ ١٠/١٦٥. قال البيهقي: وقد ثبت معنى ما ذكره مقاتل بن حيان عن أهل التفسير بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أنه لم يحفظ فيه دعوى تميم وعدي أنهما اشترياه، وحفظه مقاتل. وأخرجه البخاري في الوصايا (٥٩) باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو.. اَلْفَاسِقِينَ﴾ (٣٦)(ر٢٦٢٨) عن ابن عباس. وأخرجه أبو داود في الأقضية (١٨) باب: شهادة أهل الذمة (١٧)(ر٣٦٠٦). وأخرجه الترمذي في التفسير (٤٤)(ر٣٠٦٠) وقال: حديث حسن غريب.. ١٢ - المائدة: ١٠٧.. ١٣ - المائدة: ١٠٨.. ١٤ - المائدة: ١٠٧.. ١٥ - قال ابن عباس وابن المسيب: إنها منسوخة. وهو ما رواه البيهقي في كتاب الشهادات باب: قول الله:﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو...﴾ ١٠/١٦٤.. ١٦ - المائدة: ١٠٦.. ١٧ - المائدة: ١٠٦.. ١٨ - الطلاق: ٢.. ١٩ - المائدة: ١٠٦.. ٢٠ - النور: ٦-٧.. ٢١ - المائدة: ١٠٦.. ٢٢ - آل عمران: ٧٧.. ٢٣ - أخرج البيهقي في كتاب الشهادات باب: تأكيد اليمين بالزمان والحلف على المصحف: ١٠/١٧٨ عن الشافعي عن عبد الله بن مؤمل عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس رضي الله عنهما من الطائف في جاريتين ضربت إحداهما الأخرى ولا شاهد عليهما، فكتب إلي: أن احبسهما بعد صلاة العصر ثم اقرا عليهما ﴿إِنَّ اَلذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ففعلت، فاعترفت. وأخرجه الشافعي في الأم: ٧/٣٤.. ٢٤ - عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي، أبو بكر، مؤذن ابن الزبير وقاضيه. سمع عائشة، وابن عباس. وعنه: أيوب والليث. قال: بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف فكنت أسأل ابن عباس. ت سنة: ١١٨هـ الكاشف: ٢/١٠٢. ون التهذيب: ٤/٣٨٥. وقال في التقريب: ثقة فقيه..

المائدة 5:108

٢٢٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال بكير : قال مقاتل : أخذت هذا التفسير عن مجاهد، والحسن، والضحاك في قوله تبارك وتعالى :﴿اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمُ﴾ الآية، أن رجلين نصرانيين من أهل دارين، أحدهما : تميمي، والآخر : يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة، فركبوا البحر ومع القرشي مال معلوم قد علَّمَه أولياؤه من بين آنية، وبَزٍّ(١)، ورِّقَةٍ(٢)، فمرض القرشي، فجعل وصيته إلى الداريين فمات، وقبض الداريان المال والوصية فدفعاه إلى أولياء الميت، وجاءا(٣) ببعض ماله، وأنكر القوم قلة المال فقالوا للداريين : إن صاحبنا قد خرج ومعه مال أكثر مما أتيتمانا به، فهل باع شيئا أو اشترى شيئا فوضع فيه ؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا، قالوا : فإنكما خُنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل :﴿يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ﴾ إلى آخر الآية. فلما نزلت أن يحبسا من بعد الصلاة أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقاما بعد الصلاة فحلفا بالله رب السماوات ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، وأنّا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا :﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اَللَّهِ إِنَّا إِذا لَّمِنَ الآثمين﴾(٤) فلما حلفا خلَّى سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت فأخذوا الداريين فقالا : اشتريناه منه في حياته وكذبا، فكلفا البينة فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل :﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾(٥) يقول : فإن اطلع ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اَسْتَحَقَّا إِثْماً﴾(٦) يعني الداريين، أي كتما حقا ﴿فآخران﴾(٧) من أولياء الميت ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ اَلذِينَ اَسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوليان فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾(٨) فيحلفان بالله إن مال صاحبنا كان كذا وكذا، وإن الذي نطلب قبل الداريين لحق ﴿وَمَا اَعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذا لَّمِنَ اَلظَّـالِمِينَ﴾(٩) هذا قول الشاهدين أولياء الميت ﴿ذَلِكَ أَدْنى أَنْ يأتوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَآ﴾(١٠) يعني الداريين والناس أن يعودوا لمثل ذلك(١١). قال الشافعي رحمه الله تعالى : يعني من كان في مثل حال الداريين من الناس، ولا أعلم الآية تحتمل معنى غير حمله على ما قال، وإن كان لم يوضح بعضه، لأن الرجلين اللذين كشاهدي الوصية كانا أميني الميت، فيشبه أن يكون إذا كان شاهدان منكم أو من غيركم أمينين على ما شهدا عليه، فطلب ورثة الميت أيمانهما أحلفا بأنهما أمينان، لا في معنى الشهود. فإن قال : فكيف تسمى في هذا الموضع شهادة ؟ قيل : كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة، وإنما معنى شهادة بينكم أيمان بينكم إذا كان هذا المعنى والله تعالى أعلم. فإن قال قائل : فكيف لم تحتمل الشهادة ؟ قيل : ولا نعلم المسلمين اختلفوا في أنه ليس على شاهد يمين قبلت شهادته أو ردت ؟ ولا يجوز أن يكون إجماعهم خلافا لكتاب الله عز وجل، ويشبه قول الله تبارك وتعالى :﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اَسْتَحَقَّا إِثْماً﴾(١٢) يوجد من مال الميت في أيديهما ولم يذكرا قبل وجوده أنه في أيديهما، فلما وُجِدَ ادعيا ابتياعه، فأحلف أولياء الميت على مال الميت، فصار مالا من مال الميت فإقرارهما وادعيا لأنفسهما شراءه، فلم تقبل دعواهما بلا بينة، فأحلف وارثاه على ما ادعيا، وإن كان أبو سعيد لم يبينه في حديثه هذا التبيين فقد جاء بمعناه. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وليس في هذا رد اليمين، أين ما كانت يمين الداريين على ادعاء الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ما ادعى الدَّارِيَّانِ مما وُجِدَ في أيديهما، وأقرَّا أنه للميت وأنه صار لهما من قِبله، وإنما أَجَزْنَا ردَّ اليمين من غير هذه الآية. فإن قال قائل : فإن الله عز وجل يقول :﴿أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾(١٣) فذلك ـ والله تعالى أعلم ـ أن الأيمان كانت عليهم بدعوى الورثة أنهم اختانوا، ثم صار الورثة حالفين بإقرارهم أن هذا كان للميت وادعائهم شراءه منه، فجاز أن يقال : أن ترد أيمان تثنى عليهم الأيمان بما يجب عليهم إن صارت لهم الأيمان كما يجب على من حلف لهم، وذلك قول الله ـ والله تعالى أعلم ـ :﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾(١٤) يحلفان كما أحلفا، وإذا كان هذا كما وصفت فليست هذه الآية بناسخة ولا منسوخة(١٥) لأَمرِ الله عز وجل بإشهاد ذوي عدل منكم، ومن نرضى من الشهداء. ( الأم : ٤/٢٠٨-٢٠٩. ون أحكام الشافعي : ٢/١٤٧-١٥٣. ) ـــــــــــــــــــــــ ٢٢٣- قال الشافعي : ومن أجاز شهادة أهل الذمة فأَعدلهم عنده أعظمهم بالله شِرْكاً : أَسْجَدُهم للصليب وأَلْزَمُهم للكنيسة. فقال قائل : فإن الله عز وجل يقول حين الوصية :﴿اِثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمُ اَوَ آخران مِنْ غَيْرِكُمُ﴾(١٦). قال الشافعي : والله أعلم بما أراد من هذا، وإنما يفسر ما احتمل الوجوه ما دلت عليه سنة أو أثر عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف له، أو أمر اجتمعت عليه عوام الفقهاء. فقد سمعت من يتأول هذه الآية : على من غير قبيلتكم من المسلمين، ويحتج فيها بقول الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ﴾ إلى :﴿اَلاَثِمِينَ﴾(١٧) فيقول : الصلاة للمسلمين والمسلمون يتأثمون من كتمان الشهادة لله، فأما المشركون فلا صلاة لهم قائمة، ولا يتأثمون من كتمان الشهادة للمسلمين، ولا عليهم. قال الشافعي : وسمعت من يذكر أنها منسوخة بقوله تعالى :﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾(١٨) والله أعلم، ورأيت مفتي أهل دار الهجرة والسنة يفتون أن لا تجوز شهادة غير المسلمين العدول. قال الشافعي : وذلك قولي. ( الأم : ٦/١٤١-١٤٢. ون السنن الكبرى : ١٠/١٦٤. وأحكام الشافعي : ٢/١٤٤-١٤٦. ) ــــــــــــ ٢٢٤- قال الشافعي : والحجة فيما وصفت من أن يستحلف الناس فيما بين البيت والمقام، وعلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد العصر قول الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾(١٩)، وقال المفسرون : هي صلاة العصر. وقول الله عز وجل في المتلاعنين :﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَن لَّعْنَتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ اَلْكَاذِبِينَ﴾(٢٠) فاستدللنا بكتاب الله عز وجل على تأكيد اليمين على الحالف في الوقت الذي تعظم فيه اليمين بعد الصلاة. ( الأم : ٧/٣٦. ون أحكام الشافعي : ٢/١٥٥. والسنن الكبرى : ١٠/١٧٧. ) ــــــــــــ ٢٢٥- قال الشافعي : قال : فكيف يحلف من بالأمصار على العظيم من الأمر ؟ قلنا : بعد العصر كما قال الله عز وجل :﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ اِلصَّلَواةِ﴾(٢١) وكما أمر ابن عباس ابن أبي مليكة بالطائف أن يحبس الجارية بعد العصر ثم يقرا عليها :﴿إِنَّ اَلذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾(٢٢) ففعل فاعترفت(٢٣). قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا بذلك ابن مؤمل عن ابن أبي مُليكة(٢٤) عن ابن عباس. ( الأم : ٧/٣٧. ) ١ - البَزُّ: الثياب من القطن والكتان. والبزَّاز بائع القماش. ن معجم لغة الفقهاء.. ٢ - الرِّقَةُ: الفضة. ن القاموس الفقهي.. ٣ - في جميع النسخ: « جاء » على صيغة المفرد، والصواب « جاءا » أي الداريين لأنه مثنى.. ٤ - المائدة: ١٠٦.. ٥ - المائدة: ١٠٧.. ٦ - المائدة: ١٠٧.. ٧ - المائدة: ١٠٧.. ٨ - المائدة: ١٠٧.. ٩ - المائدة: ١٠٧.. ١٠ - المائدة: ١٠٨.. ١١ - رواه البيهقي في كتاب الشهادات باب: ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو..﴾ ١٠/١٦٥. قال البيهقي: وقد ثبت معنى ما ذكره مقاتل بن حيان عن أهل التفسير بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أنه لم يحفظ فيه دعوى تميم وعدي أنهما اشترياه، وحفظه مقاتل. وأخرجه البخاري في الوصايا (٥٩) باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو.. اَلْفَاسِقِينَ﴾ (٣٦)(ر٢٦٢٨) عن ابن عباس. وأخرجه أبو داود في الأقضية (١٨) باب: شهادة أهل الذمة (١٧)(ر٣٦٠٦). وأخرجه الترمذي في التفسير (٤٤)(ر٣٠٦٠) وقال: حديث حسن غريب.. ١٢ - المائدة: ١٠٧.. ١٣ - المائدة: ١٠٨.. ١٤ - المائدة: ١٠٧.. ١٥ - قال ابن عباس وابن المسيب: إنها منسوخة. وهو ما رواه البيهقي في كتاب الشهادات باب: قول الله:﴿يَاأَيُّهَا اَلذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمُو...﴾ ١٠/١٦٤.. ١٦ - المائدة: ١٠٦.. ١٧ - المائدة: ١٠٦.. ١٨ - الطلاق: ٢.. ١٩ - المائدة: ١٠٦.. ٢٠ - النور: ٦-٧.. ٢١ - المائدة: ١٠٦.. ٢٢ - آل عمران: ٧٧.. ٢٣ - أخرج البيهقي في كتاب الشهادات باب: تأكيد اليمين بالزمان والحلف على المصحف: ١٠/١٧٨ عن الشافعي عن عبد الله بن مؤمل عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس رضي الله عنهما من الطائف في جاريتين ضربت إحداهما الأخرى ولا شاهد عليهما، فكتب إلي: أن احبسهما بعد صلاة العصر ثم اقرا عليهما ﴿إِنَّ اَلذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اِللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ففعلت، فاعترفت. وأخرجه الشافعي في الأم: ٧/٣٤.. ٢٤ - عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي، أبو بكر، مؤذن ابن الزبير وقاضيه. سمع عائشة، وابن عباس. وعنه: أيوب والليث. قال: بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف فكنت أسأل ابن عباس. ت سنة: ١١٨هـ الكاشف: ٢/١٠٢. ون التهذيب: ٤/٣٨٥. وقال في التقريب: ثقة فقيه..

الأنعام 6:76

٢٢٦- قال الشافعي : واعلموا أن العالم اسم لجميع ما سوى الله تعالى وصفات ذاته ؛ من عرشه وكرسيه وسمائه وأرضه وحيوانه وجماده، ناطقا وساكنا، إلا أنه من صفة إلى صفة، ومن حال إلى حال، ولا ينفك عن الألوان المختلفة والأكوان المتباينة والحوادث المتعاقبة، وما لم ينفك عن الحوادث لم يسبقها، وإذا لم يسبقها فهو يحدث مثلها، لأنه لا يُعقل وجود الأجزاء الكثيرة إلا مجتمعة أو متفرقة أو متقاربة أو متباعدة، والاجتماع والافتراق حوادث، وفي معنى هذه الدلالة ورد قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام :﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اِليْلُ رَءا كَوْكَبا قَالَ هذا رَبِّى﴾(١) حين نظر إلى الكوكب والشمس والقمر فوجدها مختلفة متغيرة في صفاتها، فأخرجها عن الربوبية بعلة اشتراكها في الأفول والزوال والتنقل من حال إلى حال. ثم سمى الله عز وجل استدلاله حُجَّةً وأضافه إلى نفسه، فقال عز وجل :﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾(٢) ثم بين أن من هداه الله إلى حجته ارتفعت درجته فقال :﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَاء﴾(٣). ثم قال الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾(٤). وذلك يوجب علينا أن نستدل كما استدل إبراهيم عليه السلام. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ٩-١٠. ) ١ - الأنعام: ٧٦.. ٢ - الأنعام: ٨٣.. ٣ - الأنعام: ٨٣.. ٤ - النحل: ١٢٣..

الأنعام 6:102

٢٢٧- قال الشافعي رحمه الله : قال الله تبارك وتعالى :﴿خَالِقُ كُلِّ شيء فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾(١) وقال تعالى :﴿خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ والأرض﴾(٢) وقال تعالى :﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى اِلاَرْضِ إِلا عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا﴾(٣)، فهذا عام لا خاص فيه، فكل شيء : من سماء، وأرض، وذي روح، وشجر، وغير ذلك، فالله خالقه. وكل دابة فعلى الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها. ( أحكام الشافعي : ١/٢٣. ) ١ - الأنعام: ١٠٢.. ٢ - هود: ٧.. ٣ - هود: ٦..

الأنعام 6:106

٢٢٨- قال الشافعي : قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام :﴿اَتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ وقال :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلا تَتَّبِعَ أهواءهم﴾(١) إلاية. ثم جاءه قوم فسألوه عن أصحاب الكهف وغيرهم فقال : أعلمكم غدا، يعني : أسأل جبريل، ثم أُعْلِمُكُم، فأنزل الله عز وجل :﴿وَلا تَقُولَنَّ لشيء أني فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا اِلا أَنْ يَّشَاء اَللَّهُ﴾(٢) الآية. وجاءتهُ امرأة أوس بن الصامت(٣) تشكو إليه أوسا(٤) فلم يجبها، حتى أنزل الله عز وجل :﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾(٥). وجاءه العجلاني(٦) يقذف امرأته، قال : لم ينزل فيكما، وانتظر الوحي، فلما نزل دعاهما فلاعن بينهما كما أمره الله عز وجل(٧). وقال لنبيه :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾(٨) وقال الله عز وجل :﴿يا داود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الأرض فَاحْكُم بَيْنَ اَلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾(٩) الآية، وليس يؤمر أحد أن يحكم بحقٍّ إلا وقد علم الحق، ولا يكون الحق معلوما إلا عن الله نصًّا، أو دلالة من الله، فقد جعل الله الحق في كتابه، ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ فليس تنزل بأحد نازلة إلا والكتاب يدل عليها نصًّا أو جملة. ( الأم : ٧/٢٩٨. ون أحكام الشافعي : ١/٣٧. ) ١ - المائدة: ٤٩.. ٢ - الكهف: ٢٣-٢٤.. ٣ - هي خولة بنت ثعلبة الأنصارية، المجادلة، زوجة أوس بن الصامت. عنها: أبو العالية، وقال: بنت فليح، ويوسف بن عبد الله بن سلام وقال: خويلة. الكاشف: ٣/٤١٢. ون الإصابة: ٧/٦١٨. والتهذيب: ١٠/٤٦٨.. ٤ - هو أوس بن الصامت أخو عبادة، بدري. عنه: عطاء. الكاشف: ١/٩٣. ون الإصابة: ١/١٥٦. والتهذيب: ١/٣٩٦.. ٥ - المجادلة: ١. وروى أبو داود في الطلاق (٧) باب: في الظهار (١٧)(ر٢٢١٤) عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوسُ بن الصامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول: «اتقي الله فإنه ابن عمك » فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ اَلتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ الحديث. ورواه النسائي عن عائشة في الطلاق (٢٧) باب: الظهار (٣٣)(ر٣٤٦٠). ورواه ابن ماجة في المقدمة باب: فيما أنكرت الجهمية (١٣)(ر١٨٨). وفي الطلاق (١٠) باب: الظهار (٢٥)(ر٢٠٦٣). ورواه البخاري عن عائشة تعليقا في التوحيد (١٠٠) باب: قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اَللَّهُ سَمِيعَا بَصِيرًا﴾ (٩).. ٦ - هو عُوَيْمِر بن أشقر العجلاني. بدري. عنه: عباد بن تميم، ويحيى بن أبي سعيد. الكاشف: ٢/٣٤٥. ون الإصابة: ٤/٧٤٧. والتهذيب: ٦/٢٨٩.. ٧ - رواه البخاري في الطلاق (٧١) باب: اللعان ومن طلق بعد اللعان (٢٧)(ر٥٠٠٢) و (ر٥٠٠٣). ورواه مسلم في أول اللعان (١٩)(ر١٤٩٢). ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، ومالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي.. ٨ - المائدة: ٤٩.. ٩ - سورة ص: ٢٦..

الأنعام 6:118

٢٢٩- قال الشافعي : قول الله عز وجل :﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بآياته مُومِنِينَ﴾(١) أنه إنما يعني مما أحل الله أكله، لأنه لو ذبح ما حرم الله عليه وذكر اسم الله عليه، لم يُحِلَّ الذبيحَةَ ذِكْرُ اسم الله عليه. وفي حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع(٢) دليل على ما قلنا : من أن كل ذي ناب من السباع : ما عدا على الناس مكابرة. وإذا حل أكل الضبع : وهي سبع، لكنها لا تعدو مكابرة على الناس، وهي أضر على مواشيهم من جميع السباع. فأحلت أنها لا تعدو على الناس خاصة مكابرة. وفيه دلالة على إحلال ما كانت العرب تأكل مما لم ينصّ فيه خبر، وتحريم ما كانت تحرمه مما يعدو، من قبل أنها لم تزل إلى اليوم تأكل الضبع، ولم تزل تدع أكل الأسد والنمر والذئب تحريما بالتقذر، فوافقت السنة فيما أحلوا وحرموا مع الكتاب، ما وصفت، والله أعلم. وفيه دلالة على أن المحرم إنما يجزي ما أحل أكله من الصيد دون ما لم يحل أكله. ( الأم : ٢/٢٤٩. ) ــــــــــــ ٢٣٠- قال الشافعي : قال الله عز وجل فيما حرم ولم يحل بالذكاة :﴿وَمَا لَكُمُ أَلا تأكلوا مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ إِلا مَا اَضْطُرِرْتُمُ إِلَيْهِ﴾(٣) وقال :﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ اَلْخِنزِيرِ﴾(٤) إلى قوله :﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٥) وقال في ذكر ما حرم :﴿فَمَنُ اَضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِّثْمٍ فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٦). قال الشافعي : فيحل ما حرم من ميتة ودم ولحم خنزير، وكل ما حرم مما لا يغير العقل من الخمر للمضطر. والمضطر : الرجل يكون بالموضع لا طعام فيه ولا شيء يسد فورة جوعه، من لبن وما أشبهه، ويبلغه الجوع ما يخاف منه الموت أو المرض، وإن لم يخف الموت أو يضعفه ويضره أو يعتل أو يكون ماشيا فيضعف عن بلوغ حيث يريد، أو راكبا فيضعف عن ركوب دابته، أو ما في هذا المعنى من الضرر البين، فأي هذا ناله فله أن يأكل من المحرم. وكذلك يشرب من المحرم غير المسكر، مثل الماء تقع فيه الميتة وما أشبهه. وأحب إلي أن يكون آكله إن أكل، وشاربه إن شرب، أو جمعهما، فعلى ما يقع عنه الخوف ويبلغ به بعض القوة، ولا يبين أن يحرم عليه أن يشبع و يروى، وإن أجزأه دونه، لأن التحريم قد زال عنه بالضرورة، وإذا بلغ الشبع والري فليس له مجاوزته، لأن مجاوزته حينئذ إلى الضرر أقرب منها إلى النفع. ومن بلغ إلى الشبع فقد خرج في بلوغه من حد الضرورة وكذلك الري. ولا بأس أن يتزود معه من الميتة ما اضطر إليه، فإذا وجد الغنى عنه طرحه. ( الأم : ٢/٢٥٢. ون أحكام الشافعي : ٢/٩٠-٩٢. ) ١ - الأنعام: ١١٨.. ٢ - سبق تخريجه.. ٣ - الأنعام: ١١٩.. ٤ - البقرة: ١٧٣.. ٥ - البقرة: ١٧٣.. ٦ - المائدة: ٣..

الأنعام 6:119

٢٢٩- قال الشافعي : قول الله عز وجل :﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بآياته مُومِنِينَ﴾(١) أنه إنما يعني مما أحل الله أكله، لأنه لو ذبح ما حرم الله عليه وذكر اسم الله عليه، لم يُحِلَّ الذبيحَةَ ذِكْرُ اسم الله عليه. وفي حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الضبع(٢) دليل على ما قلنا : من أن كل ذي ناب من السباع : ما عدا على الناس مكابرة. وإذا حل أكل الضبع : وهي سبع، لكنها لا تعدو مكابرة على الناس، وهي أضر على مواشيهم من جميع السباع. فأحلت أنها لا تعدو على الناس خاصة مكابرة. وفيه دلالة على إحلال ما كانت العرب تأكل مما لم ينصّ فيه خبر، وتحريم ما كانت تحرمه مما يعدو، من قبل أنها لم تزل إلى اليوم تأكل الضبع، ولم تزل تدع أكل الأسد والنمر والذئب تحريما بالتقذر، فوافقت السنة فيما أحلوا وحرموا مع الكتاب، ما وصفت، والله أعلم. وفيه دلالة على أن المحرم إنما يجزي ما أحل أكله من الصيد دون ما لم يحل أكله. ( الأم : ٢/٢٤٩. ) ــــــــــــ ٢٣٠- قال الشافعي : قال الله عز وجل فيما حرم ولم يحل بالذكاة :﴿وَمَا لَكُمُ أَلا تأكلوا مِمَّا ذُكِرَ اَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ إِلا مَا اَضْطُرِرْتُمُ إِلَيْهِ﴾(٣) وقال :﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ اَلْخِنزِيرِ﴾(٤) إلى قوله :﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٥) وقال في ذكر ما حرم :﴿فَمَنُ اَضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِّثْمٍ فَإِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٦). قال الشافعي : فيحل ما حرم من ميتة ودم ولحم خنزير، وكل ما حرم مما لا يغير العقل من الخمر للمضطر. والمضطر : الرجل يكون بالموضع لا طعام فيه ولا شيء يسد فورة جوعه، من لبن وما أشبهه، ويبلغه الجوع ما يخاف منه الموت أو المرض، وإن لم يخف الموت أو يضعفه ويضره أو يعتل أو يكون ماشيا فيضعف عن بلوغ حيث يريد، أو راكبا فيضعف عن ركوب دابته، أو ما في هذا المعنى من الضرر البين، فأي هذا ناله فله أن يأكل من المحرم. وكذلك يشرب من المحرم غير المسكر، مثل الماء تقع فيه الميتة وما أشبهه. وأحب إلي أن يكون آكله إن أكل، وشاربه إن شرب، أو جمعهما، فعلى ما يقع عنه الخوف ويبلغ به بعض القوة، ولا يبين أن يحرم عليه أن يشبع و يروى، وإن أجزأه دونه، لأن التحريم قد زال عنه بالضرورة، وإذا بلغ الشبع والري فليس له مجاوزته، لأن مجاوزته حينئذ إلى الضرر أقرب منها إلى النفع. ومن بلغ إلى الشبع فقد خرج في بلوغه من حد الضرورة وكذلك الري. ولا بأس أن يتزود معه من الميتة ما اضطر إليه، فإذا وجد الغنى عنه طرحه. ( الأم : ٢/٢٥٢. ون أحكام الشافعي : ٢/٩٠-٩٢. ) ١ - الأنعام: ١١٨.. ٢ - سبق تخريجه.. ٣ - الأنعام: ١١٩.. ٤ - البقرة: ١٧٣.. ٥ - البقرة: ١٧٣.. ٦ - المائدة: ٣..

الأنعام 6:141

٢٣١- قال الشافعي رحمه الله تعالى : إذا بلغ ما أخرجت الأرض ما يكون فيه الزكاة أخذت صدقته ولم ينتظر بها حول لقول الله عز وجل :﴿وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حِصَادِهِ﴾(١) ولم يجعل له وقتا إلا الحصاد، واحتمل قول الله عز وجل :﴿يَوْمَ حِصَادِهِ﴾(٢) : إذا صلح بعد الحصاد، واحتمل : يوم يحصد وإن لم يصلح. فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تأخذ بعدما يجف، لا يوم يحصد النخل والعنب، والأخذ منهما زبيبا وتمرا(٣)، فكان كذلك كل ما يصلح بجفوف ودرس مما فيه الزكاة مما أخرجت الأرض. وهكذا زكاة ما أخرج من الأرض من معدن، لا يؤخذ حتى يصلح فيصير ذهبا أو فضة، ويؤخذ يوم يصلح. قال الشافعي : وزكاة الركاز يوم يؤخذ لأنه صالح بحاله لا يحتاج إلى إصلاح، وكله مما أخرجت الأرض. ( الأم : ٢/٣٦-٣٧. ون مختصر المزني ص : ١٣٠ و ص : ٤٨. وأحكام الشافعي : ١/١٠٣. ) ١ - الأنعام: ١٤١.. ٢ - الأنعام: ١٤١.. ٣ - أخرج أبو داود في الزكاة (٣) باب: في خرص العنب (١٣)(ر١٦٠٣) عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا. قال أبو داود: وسعيد لم يسمع من عتاب شيئا. ورواه الترمذي في الزكاة (٤) باب: ما جاء في الخرص (١٧)(ر٦٤٤) وقال: هذا حديث حسن غريب، وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة. وسأَلْتُ محمدا ـ يعني البخاري ـ عن هذا الحديث، فقال: حديث بن جريج غير محفوظ، وحديث ابن المسيب عن عتاب بن أَسيدٍ أثْبَتُ وأَصَحُّ. ورواه النسائي في الزكاة (٢٣) باب: شراء الصدقة (١٠٠)(ر٢٦١٧). ورواه ابن ماجة في الزكاة (٨) باب: خرص النخل والعنب (١٨)(١٨١٩) بنحوه. ورواه الشافعي في المسند (ر٦٦١)، وفي الأم: ٢/٣١. ورواه البيهقي في الزكاة باب: كيف تؤخذ زكاة النخل والعنب: ٤/١٢١. والْخَرْصُ: تقدير ما على النخل من الرطب تمرا، وما على الكروم من عنب زبيبا. ليعرف مقدار ثمره، ثم يخلى بينه وبين مالكه، ويؤخذ ذلك المقدار وقت قطع الثمار. وفائدته التوسعة على أرباب الثمار في التناول منها..

الأنعام 6:145

٢٣٢- قال الشافعي : وقال الله لنبيه :﴿قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَّكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَما مَّسْفُوحا اَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقا أهل لِغَيْرِ اِللَّهِ بِهِ﴾ فاحتملت الآية معنيين : أحدهما : أن لا يَحْرُمَ على طَاعِمٍ أبدا إلا ما استثنى الله. وهذا المعنى الذي إذا وُجِّهَ رجل مخاطبا به كان الذي يسبق إليه أنه لا يَحْرُمُ غيرُ ما سمَّى الله مُحرماً، وما كان هكذا فهو الذي يقول له : أظهر المعاني وأَعَمُّهَا وأَغْلَبُهَا، والذي لو احتملت الآية معنى سواه كان هو المعنى الذي يَلزمُ أهل العِلمِ القوْلُ به، إلا أن تأتي سنةُ النبي تدل على معنى غيره، مما تحتمله الآية، فيقول : هذا معنى ما أراد الله تبارك وتعالى. ولا يقال بخاصٍّ في كتاب الله ولا سُنَّةٍ إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما. ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية. ويحتمل قول الله :﴿قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ : من شيء سئل عنه رسول الله دون غيره. ويحتمل : مما كنتم تأكلون. وهذا أولى معانيه، استدلالا بالسنة عليه دون غيره، أخبرنا سفيان، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني(١)، عن أبي ثعلبة(٢) :« أن النبي نهى عن كل ذي ناب من السباع »(٣). أخبرنا مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم(٤)، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة، عن النبي قال :« أكل كل ذي ناب من السباع حرام »(٥). ( الرسالة : ٢٠٦-٢٠٨. ون الرسالة : ٢٣١. والأم : ٤/١٥١ و ٧/٢١. ومناقب الشافعي : ١/٢٩٣. ) ــــــــــــ ٢٣٣- قال الشافعي رحمه الله تعالى : يقول الله عز وجل :﴿قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾(٦) فأهل التفسير أو ما سمعت من منهم يقول في قول الله عز وجل :﴿قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّماً﴾(٧) يعني : مما كنتم تأكلون، فإن العرب كانت تحرم أشياء على أنها من الخبائث، وتحل أشياء على أنها من الطيبات، فأحلت لهم الطيبات عندهم إلا ما استثني منها، وحرمت عليهم الخبائث عندهم، قال الله عز وجل :﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَائِثَ﴾(٨). ( الأم : ٢/٢٤١. ون أحكام الشافعي : ٢/٨٨-٨٩. والإتقان في علوم القرآن : ١/٨٩. ) ١ - عائذ الله أبو إدريس الخولاني أحد الأعلام. عن: أبي ذر، وأبي الدرداء، وحذيفة، وعبادة. وعنه: مكحول، والزهري، وربيعة ابن يزيد. قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء. وقال ابن عبد البر: سماعه من معاذ صحيح. وقيل: ولد يوم حنين، ت سنة: ٨٠هـ. الكاشف: ٢/٥٥. ون التهذيب: ٤/١٧٥.. ٢ - أبو ثعلبة الخشني الصحابي. عن ابن المسيب، وأبو إدريس. يقال: جرثوم، وقيل: جرهم. ت سنة: ٧٥هـ. الكاشف: ٣/٣٠٤. ون التهذيب: ١٠/٥٣.. ٣ - سبق تخريجه.. ٤ - إسماعيل بن أبي حكيم المدني. عن: ابن المسيب، وعروة. وعنه: ابن إسحاق، ومالك. صدوق. ت سنة: ١٣٠هـ. الكاشف: ١/٧٥. ون التهذيب: ١/٣٠٣. وقال في التقريب: ثقة.. ٥ - رواه مسلم في الصيد والذبائح (٣٤) باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع (٣)(ر١٩٣٣). ورواه الترمذي في الصيد (١٥) باب: ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مخلب (٣)(ر١٤٩٩). ورواه النسائي في الصيد (٤٢) باب: تحريم أكل السباع (٢٨)(ر٤٣٣٥). ورواه ابن ماجة، ومالك، وأحمد، والشافعي.. ٦ - الأنعام: ١٤٥.. ٧ - الأنعام: ١٤٥.. ٨ - الأعراف: ١٥٧..

الأنعام 6:151

٢٣٤- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿قُلْ تَعَالَوَا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمُو أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَـادَكُم مِّنِ إملاق نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا اَلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الآية. وقال جل ثناؤه :﴿وَإِذَا اَلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بأي ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾(١) وقال :﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾(٢). قال الشافعي : كان العرب تقتل الإناث من ولدها صغارا خوف العيْلَة عليهم والعَارِ بِهم، فلما نهى الله عز ذكره عن ذلك من أولاد المشركين، دلَّ على تثبيت النهي عن قتل أطفال المشركين في دار الحرب، وكذلك دلت عليه السنة مع ما دل عليه الكتاب من تحريم القتل بغير حق، قال الله عز وجل :﴿قَدْ خَسِرَ اَلذِينَ قَتَلُوا أَوْلَـادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(٣) الآية. قال الشافعي : وأخبرنا سفيان بن عيينة، عن أبي معاوية عمرو النخعي(٤) قال : سمعت أبا عمرو الشيباني(٥) يقول : سمعت ابن مسعود يقول : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الكبائر أكبر ؟ فقال :« أن تجعل لله ندا وهو خلقك » قلت : ثم أي ؟ قال :« أن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك »(٦). ( الأم : ٦/٣. ون أحكام الشافعي : ١/٢٦٦-٢٦٧. ) ١ - التكوير: ٨-٩.. ٢ - الأنعام: ١٣٧.. ٣ - الأنعام: ١٤٠.. ٤ - عمرو بن عبد الله بن وهب النخعي. عن: أبي عمرو الشيباني، والشعبي. وعنه: وكيع، وأبو نعيم، وطائفة. صدوق. الكاشف: ٢/٣٢٣. ون التهذيب: ٦/١٧٦. وقال في التقريب: ثقة.. ٥ - إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني، كوفي نزل بغداد، وكان نحويا لغويا. صدوق. مات سنة عشر أو ست ومائتين، وقد قارب مائة وعشرين سنة. التقريب: ٢/٧٤٩.. ٦ - أخرجه البيهقي في كتاب الجنايات باب: قتل الولدان: ٨/١٨. وأخرجه البخاري في التفسير (٦٨) باب: قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٢)عن أبي وائل، عن عمرو ابن شرحبيل، عن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، قلت: إن ذلك لعظيم. قلتُ: ثم أي؟ قال: «وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك ». وأخرجه في الأدب، والتوحيد، والديات، والحدود. وأخرجه مسلم في الإيمان (١) باب: كون الشرك أقبح الذنوب (٣٧)(ر٨٦). وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، والبيهقي..

الأنعام 6:164

٢٣٥- قال الشافعي رحمه الله تعالى : وأرخص في البكاء بلا ندب ولا نياحة، لما في النوح من تجديد الحزن ومنع الصبر وعظيم الإثم. وروي عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ». وذكر ذلك ابن عباس لعائشة فقالت : رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الله ليعذب الميت ببكاء أهله عليه » ولكن قال :« إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ». وقالت عائشة حسبكم القرآن :﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وقال ابن عباس عند ذلك : الله أضحك وأبكى (١). قال الشافعي : ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بدلالة الكتاب والسنة. قال الله عز وجل :﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وقال :﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعى﴾(٢) وقال عليه السلام لرجل(٣) في ابنه :« إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه »(٤). وما زيد في عذاب الكافر فباستيجابه له لا بذنب غيره. ( مختصر المزني : ون اختلاف الحديث ص : ٥٢٧. والسنن الكبرى : ٤/٧٣. ) ١ - أخرجه عن ابن أبي مليكة: البخاري في الجنائز (٢٩) باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه (٣٢)(ر١٢٢٦). ومسلم في الجنائز (١١) باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه (٩)(ر٩٢٩). والنسائي في الجنائز (٢١) باب: النياحة على الميت (١٥)(ر١٨٥٧). والبيهقي في الجنائز باب: سياق أخبار تدل على أن الميت يعذب بالنياحة عليه ٤/٧٣. والشافعي في المسند (ر٥٥٨). قال ابن القيم: هذا أحد الأحاديث التي روتها عائشة واستدركتها، وَوَهَّمَتْ فيه ابن عمر، والصواب فيه مع ابن عمر فإنه حفظه ولم يتهم فيه، وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أبوه عمر، وهو في الصحيحين، وقد وافقه من حضره من جماعة الصحابة، كما أخرج في الصحيحين عن ابن عمر قال: لما طعن عمر أغمي عليه، فصيح عليه فلما أفاق قال: أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي» ن سنن أبي داود: ٣/٣٢٤.. ٢ - طه: ١٥.. ٣ - هو أبو رمثة ون النص رقم: ٢٩٧.. ٤ - رواه البيهقي في كتاب الجنائز باب: سياق أخبار تدل على أن الميت يعذب بالنياحة عليه ٤/٧٣، وفي كتاب الأشربة والحد فيها باب: أخذ الولي بالولي ٨/٣٤٥. ورواه أحمد في مسند أبي رمثة. قال شاكر: إسناده صحيح. والشافعي في الأم: ٤/٢٥٣..

الأعراف 7:27

٢٣٦- قال الشافعي رحمه الله : من زعم ـ من أهل العدالة ـ أنه يرى الجن، أبطلت شهادته، لأن الله عز وجل يقول :﴿إِنَّهُ يَرياكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمُ﴾ إلا أن يكون نبيًّا. ( أحكام الشافعي : ٢/١٩٤-١٩٥. ون مناقب الإمام الشافعي ص : ٣٠٥. )

الأعراف 7:31

٢٣٧- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل :﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال الشافعي : فقيل ـ والله سبحانه وتعالى أعلم ـ إنه الثياب، وهو يشبه ما قيل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه(١) منه شيء »(٢). فدل على أن ليس لأحد أن يصلي إلا لابسا إذا قدر على ما يلبس. ( الأم : ١/٨٨-٨٩. ) ــــــــــــ ٢٣٨- قال الشافعي : وفي الثياب زينتان ؛ إحداهما(٣) : جمال الثياب على اللابس التي تجمع الجمال، وتستر العورة، قال الله تعالى :﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(٤) فقال بعض أهل العلم بالقرآن : الثياب، فالثياب زينة لمن لبسها. وإذا أفردت العرب التزيين على بعض اللابسين دون بعض، فإنما تقول : تزين : من زين الثياب التي هي الزينة، بأن يدخل عليها شيء من غيرها من الصبغ خاصة. ( الأم : ٥/٢٣٢. ون مختصر المزني ص : ٢٢٣. ) ١ - العاتق: هو ما بين المنكب والعنق. وقيل: مُعْوَجُّ مَوْضِعِ الرداء. اللسان: عتق.. ٢ - أخرجه عن أبي هريرة: البخاري في الصلاة في الثياب (٩) باب: إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه (٤)(ر٣٥٢). ومسلم في الصلاة (٤) باب: الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (٥٢)(ر٥١٦). وأبو داود في الصلاة (٢) باب: جماع أبواب ما يصلى فيه (٧٨)(ر٦٢٦). والنسائي في القبلة (٩) باب: صلاة الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء (١٨)(ر٧٦٨). وأخرجه أحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٨٥) و (ر١٨٦).. ٣ - اكتفى الشافعي بالحديث عن الزينة الأولى، ولم يتحدث عن الثانية ؟!. ٤ - الأعراف: ٣١..

الأعراف 7:34

٢٣٩- قال الشافعي : واعلموا أن آجال الناس وسائر الحيوانات واحدة. ومعناه : أن من كان في معلوم الله تعالى أن يموت أو يقتل في وقت معلوم، لا يجوز أن يتأخر عن وقته، لأنه محال أن يكون الأمر بخلاف معلومه، قال الله تعالى :﴿فَإِذَا جَاء اجَلُهُمْ لا يستأخرون سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾(١). ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ٢٣. ) ١ - الأعراف: ٣٤..

الأعراف 7:157

٢٤٠- قال الشافعي رحمه الله تعالى : أصل التحريم نص كتاب أو سنة، أو جُملةُ كتاب أو سنة، أو إجماع، قال الله تبارك وتعالى :﴿اَلذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِىءَ الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل يأمرهم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَياهُمْ عَنِ اِلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَائِثَ﴾ وقال عز وجل :﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾(١) الآية، وإنما تكون الطيبات والخبائث عند الآكلين كانوا لها، وهم العرب الذين سألوا عن هذا، ونزلت فيهم الأحكام، وكانوا يكرهون من خبيث المأكل ما لا يكرهها غيرهم. ــــــــــــ ٢٤٠- الأم : ٢/٢٤٧. ١ - المائدة: ٤..

الأعراف 7:163

٢٤١- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ اِلْقَرْيَةِ التي كَانَتْ حَاضِرَةَ اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى اِلسَّبْتِ إِذْ تأتيهم حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ فابتدأ جل ثناؤه ذِكْرَ الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال :﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى اِلسَّبْتِ﴾ الآية، دل على أنه إنما أراد أهل القرية، لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بَلاَهم بما كانوا يفسقون. وقال :﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَت ظَّالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخرين فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾(١) وهذه الآية في مثل معنى الآية قبلها، فذكر قَصْمَ القرية فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هم أهلها، دون منازلها التي لا تظلم، ولما ذكر القوم المنشئين بعدها، وذكر إحساسهم البأس عند القصم، أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين. ــــــــــــ ٢٤١- الرسالة : ٦٢-٦٣. ٢٤٢- قال الشافعي : أخبرني يحيى بن سُلَيْم(٢)، نا ابن جريج، عن عكرمة قال : دخلت على ابن عباس وهو يقرا في المصحف، قبل أن يذهب بصره، وهو يبكي، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس ؟ جعلني الله فداك. فقال : هل تعرف أيْلَةَ(٣) ؟ قلت : وما أيلةُ ؟ قال : قرية كان بها ناس من اليهود، فحرم الله عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا(٤) بيضٌ سِمَانٌ كأمثال المخاض، بأفنياتهم وأبنياتهم(٥)، فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها، ولم يدركوها إلا في مشقة ومونة(٦) شديدة : فقال بعضهم أو من قال ذلك منهم : لَعَلَّنَا لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت ؟ ! ففعل ذلك أهل بيت منهم، فَأَخَذُوا فَشَوَوْا ؛ فوجد جيرانهم ريح الشَّوِيْ، فقالوا : والله ما نرى إلا أصاب بني فلان شيء ! فأخذها آخرون حتى فشا ذلك فيهم فكثر ؛ فافترقوا فرقا ثلاثا : فرقة أكلت، وفرقة نَهَتْ، وفرقة قالت :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اِللَّهُ مُهْلِكُهُمُ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابا شَدِيداً﴾(٧) فقالت الفرقة التي نهت : إنا نحذركم غضب الله وعقابه ؛ أن يصيبكم الله بخسف أو قذف أو ببعض ما عنده من العذاب ؛ والله لا نبايتكم في مكان وأنتم فيه. قال : فخرجوا من البيوت، فغدوا عليهم من الغد، فضربوا باب البيوت، فلم يجبهم أحد، فأتوا بسُلَّم فأسندوه إلى البيوت، ثم رَقَى منهم راق على السور، فقال : يا عباد الله، قردة والله، لها أذناب تعاوى ثلاث مرات. ثم نزل من السور، ففتح البيوت، فدخل الناس عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولم يعرف الإنس أنسابها من القرود. قال : فيأتي القرد إلى نسيبه وقريبه من الإنس، فيحتك به ويلصق، ويقول الإنسان : أنت فلان ؟ فيشير برأسه : أي نعم، ويبكي. وتأتي القردة إلى نسيبها وقريبها من الإنس فيقول لها الإنسان : أنت فلانة ؟ فتشير برأسها : أي نعم، وتبكي. فيقول لها الإنسان : إنا حذرناكم غضب الله وعقابه : أن يصيبكم بخسف أو مسخ أو ببعض ما عنده من العذاب. قال ابن عباس : واسمع الله عز وجل يقول :﴿أَنجَيْنَا اَلذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اِلسُّوءِ وَأَخَذْنَا اَلذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾(٨) فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة ؟ قال ابن عباس : فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه. قال عكرمة : ألا ترى ـ جعلني الله فداك ـ أنهم أنكروا وكرهوا حين قالوا :{ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اِللَّهُ مُهْلِكُهُمُ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً }(٩) فأعجبه قولي ذلك، وأمر لي ببردين غليظين كسانيهما(١٠). ــــــــــــــــــــــ ٢٤٢- أحكام الشافعي : ٢/١٧٣-١٧٧. ١ - الأنبياء: ١١-١٢.. ٢ - يحيى بن سليم الطائفي مولى قريش. عن: عبد الله بن عثمان بن خثعم، وداود بن أبي هند. وعنه: أحمد، وإسحاق. ثقة. قال أبو حاتم لا يحتج به. وقال النسائي: منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر، ت سنة: ١٩٥هـ. الكاشف: ٣/٢٤٤. ون التهذيب: ٩/٢٤٢. وقال في التقريب: صدوق سيئ الحفظ. وتعقبه صاحب التحرير ٤/٨٦ فقال: بل صدوق حسن الحديث، ضعيف في روايته عن عبيد الله بن عمر.. ٣ - أيلة: قرية عربية فيما بين مصر والشام. ن اللسان: أيم.. ٤ - شرعا: قيل معناه رافعة رؤوسها، وقيل: خافضة لها للشرب. وحيتان شُرَّعٌ أي شارعات من غمرة الماء إلى الجُدِّ. اللسان: شرع.. ٥ - أي: على كثرة أنواعها وأشكالها.. ٦ - المونة: القوت. اللسان: مأن.. ٧ - الأعراف: ١٦٤.. ٨ - الأعراف: ١٦٥.. ٩ - الأعراف: ١٦٤.. ١٠ - أخرجه البيهقي في كتاب آداب القاضي باب: ما يستدل به على أن القضاء وسائر أعمال الولاة مما يكون أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر من فروض الكفايات ١٠/٩٢-٩٣. وأخرجه الطبري في التفسير: ٦/٩٥..

الأعراف 7:164

٢٤١- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ اِلْقَرْيَةِ التي كَانَتْ حَاضِرَةَ اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى اِلسَّبْتِ إِذْ تأتيهم حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ فابتدأ جل ثناؤه ذِكْرَ الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال :﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى اِلسَّبْتِ﴾ الآية، دل على أنه إنما أراد أهل القرية، لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بَلاَهم بما كانوا يفسقون. وقال :﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَت ظَّالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخرين فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾(١) وهذه الآية في مثل معنى الآية قبلها، فذكر قَصْمَ القرية فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هم أهلها، دون منازلها التي لا تظلم، ولما ذكر القوم المنشئين بعدها، وذكر إحساسهم البأس عند القصم، أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين. ــــــــــــ ٢٤١- الرسالة : ٦٢-٦٣. ٢٤٢- قال الشافعي : أخبرني يحيى بن سُلَيْم(٢)، نا ابن جريج، عن عكرمة قال : دخلت على ابن عباس وهو يقرا في المصحف، قبل أن يذهب بصره، وهو يبكي، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس ؟ جعلني الله فداك. فقال : هل تعرف أيْلَةَ(٣) ؟ قلت : وما أيلةُ ؟ قال : قرية كان بها ناس من اليهود، فحرم الله عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا(٤) بيضٌ سِمَانٌ كأمثال المخاض، بأفنياتهم وأبنياتهم(٥)، فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها، ولم يدركوها إلا في مشقة ومونة(٦) شديدة : فقال بعضهم أو من قال ذلك منهم : لَعَلَّنَا لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت ؟ ! ففعل ذلك أهل بيت منهم، فَأَخَذُوا فَشَوَوْا ؛ فوجد جيرانهم ريح الشَّوِيْ، فقالوا : والله ما نرى إلا أصاب بني فلان شيء ! فأخذها آخرون حتى فشا ذلك فيهم فكثر ؛ فافترقوا فرقا ثلاثا : فرقة أكلت، وفرقة نَهَتْ، وفرقة قالت :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اِللَّهُ مُهْلِكُهُمُ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابا شَدِيداً﴾(٧) فقالت الفرقة التي نهت : إنا نحذركم غضب الله وعقابه ؛ أن يصيبكم الله بخسف أو قذف أو ببعض ما عنده من العذاب ؛ والله لا نبايتكم في مكان وأنتم فيه. قال : فخرجوا من البيوت، فغدوا عليهم من الغد، فضربوا باب البيوت، فلم يجبهم أحد، فأتوا بسُلَّم فأسندوه إلى البيوت، ثم رَقَى منهم راق على السور، فقال : يا عباد الله، قردة والله، لها أذناب تعاوى ثلاث مرات. ثم نزل من السور، ففتح البيوت، فدخل الناس عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولم يعرف الإنس أنسابها من القرود. قال : فيأتي القرد إلى نسيبه وقريبه من الإنس، فيحتك به ويلصق، ويقول الإنسان : أنت فلان ؟ فيشير برأسه : أي نعم، ويبكي. وتأتي القردة إلى نسيبها وقريبها من الإنس فيقول لها الإنسان : أنت فلانة ؟ فتشير برأسها : أي نعم، وتبكي. فيقول لها الإنسان : إنا حذرناكم غضب الله وعقابه : أن يصيبكم بخسف أو مسخ أو ببعض ما عنده من العذاب. قال ابن عباس : واسمع الله عز وجل يقول :﴿أَنجَيْنَا اَلذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اِلسُّوءِ وَأَخَذْنَا اَلذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾(٨) فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة ؟ قال ابن عباس : فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه. قال عكرمة : ألا ترى ـ جعلني الله فداك ـ أنهم أنكروا وكرهوا حين قالوا :{ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اِللَّهُ مُهْلِكُهُمُ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً }(٩) فأعجبه قولي ذلك، وأمر لي ببردين غليظين كسانيهما(١٠). ــــــــــــــــــــــ ٢٤٢- أحكام الشافعي : ٢/١٧٣-١٧٧. ١ - الأنبياء: ١١-١٢.. ٢ - يحيى بن سليم الطائفي مولى قريش. عن: عبد الله بن عثمان بن خثعم، وداود بن أبي هند. وعنه: أحمد، وإسحاق. ثقة. قال أبو حاتم لا يحتج به. وقال النسائي: منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر، ت سنة: ١٩٥هـ. الكاشف: ٣/٢٤٤. ون التهذيب: ٩/٢٤٢. وقال في التقريب: صدوق سيئ الحفظ. وتعقبه صاحب التحرير ٤/٨٦ فقال: بل صدوق حسن الحديث، ضعيف في روايته عن عبيد الله بن عمر.. ٣ - أيلة: قرية عربية فيما بين مصر والشام. ن اللسان: أيم.. ٤ - شرعا: قيل معناه رافعة رؤوسها، وقيل: خافضة لها للشرب. وحيتان شُرَّعٌ أي شارعات من غمرة الماء إلى الجُدِّ. اللسان: شرع.. ٥ - أي: على كثرة أنواعها وأشكالها.. ٦ - المونة: القوت. اللسان: مأن.. ٧ - الأعراف: ١٦٤.. ٨ - الأعراف: ١٦٥.. ٩ - الأعراف: ١٦٤.. ١٠ - أخرجه البيهقي في كتاب آداب القاضي باب: ما يستدل به على أن القضاء وسائر أعمال الولاة مما يكون أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر من فروض الكفايات ١٠/٩٢-٩٣. وأخرجه الطبري في التفسير: ٦/٩٥..

الأعراف 7:165

٢٤١- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ اِلْقَرْيَةِ التي كَانَتْ حَاضِرَةَ اَلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى اِلسَّبْتِ إِذْ تأتيهم حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ فابتدأ جل ثناؤه ذِكْرَ الأمر بمسألتهم عن القرية الحاضرة البحر، فلما قال :﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى اِلسَّبْتِ﴾ الآية، دل على أنه إنما أراد أهل القرية، لأن القرية لا تكون عادية ولا فاسقة بالعدوان في السبت ولا غيره، وأنه إنما أراد بالعدوان أهل القرية الذين بَلاَهم بما كانوا يفسقون. وقال :﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَت ظَّالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخرين فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾(١) وهذه الآية في مثل معنى الآية قبلها، فذكر قَصْمَ القرية فلما ذكر أنها ظالمة بان للسامع أن الظالم إنما هم أهلها، دون منازلها التي لا تظلم، ولما ذكر القوم المنشئين بعدها، وذكر إحساسهم البأس عند القصم، أحاط العلم أنه إنما أحس البأس من يعرف البأس من الآدميين. ــــــــــــ ٢٤١- الرسالة : ٦٢-٦٣. ٢٤٢- قال الشافعي : أخبرني يحيى بن سُلَيْم(٢)، نا ابن جريج، عن عكرمة قال : دخلت على ابن عباس وهو يقرا في المصحف، قبل أن يذهب بصره، وهو يبكي، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس ؟ جعلني الله فداك. فقال : هل تعرف أيْلَةَ(٣) ؟ قلت : وما أيلةُ ؟ قال : قرية كان بها ناس من اليهود، فحرم الله عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا(٤) بيضٌ سِمَانٌ كأمثال المخاض، بأفنياتهم وأبنياتهم(٥)، فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها، ولم يدركوها إلا في مشقة ومونة(٦) شديدة : فقال بعضهم أو من قال ذلك منهم : لَعَلَّنَا لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت ؟ ! ففعل ذلك أهل بيت منهم، فَأَخَذُوا فَشَوَوْا ؛ فوجد جيرانهم ريح الشَّوِيْ، فقالوا : والله ما نرى إلا أصاب بني فلان شيء ! فأخذها آخرون حتى فشا ذلك فيهم فكثر ؛ فافترقوا فرقا ثلاثا : فرقة أكلت، وفرقة نَهَتْ، وفرقة قالت :﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اِللَّهُ مُهْلِكُهُمُ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابا شَدِيداً﴾(٧) فقالت الفرقة التي نهت : إنا نحذركم غضب الله وعقابه ؛ أن يصيبكم الله بخسف أو قذف أو ببعض ما عنده من العذاب ؛ والله لا نبايتكم في مكان وأنتم فيه. قال : فخرجوا من البيوت، فغدوا عليهم من الغد، فضربوا باب البيوت، فلم يجبهم أحد، فأتوا بسُلَّم فأسندوه إلى البيوت، ثم رَقَى منهم راق على السور، فقال : يا عباد الله، قردة والله، لها أذناب تعاوى ثلاث مرات. ثم نزل من السور، ففتح البيوت، فدخل الناس عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولم يعرف الإنس أنسابها من القرود. قال : فيأتي القرد إلى نسيبه وقريبه من الإنس، فيحتك به ويلصق، ويقول الإنسان : أنت فلان ؟ فيشير برأسه : أي نعم، ويبكي. وتأتي القردة إلى نسيبها وقريبها من الإنس فيقول لها الإنسان : أنت فلانة ؟ فتشير برأسها : أي نعم، وتبكي. فيقول لها الإنسان : إنا حذرناكم غضب الله وعقابه : أن يصيبكم بخسف أو مسخ أو ببعض ما عنده من العذاب. قال ابن عباس : واسمع الله عز وجل يقول :﴿أَنجَيْنَا اَلذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اِلسُّوءِ وَأَخَذْنَا اَلذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾(٨) فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة ؟ قال ابن عباس : فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه. قال عكرمة : ألا ترى ـ جعلني الله فداك ـ أنهم أنكروا وكرهوا حين قالوا :{ لِمَ تَعِظُونَ قَوْما اِللَّهُ مُهْلِكُهُمُ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً }(٩) فأعجبه قولي ذلك، وأمر لي ببردين غليظين كسانيهما(١٠). ــــــــــــــــــــــ ٢٤٢- أحكام الشافعي : ٢/١٧٣-١٧٧. ١ - الأنبياء: ١١-١٢.. ٢ - يحيى بن سليم الطائفي مولى قريش. عن: عبد الله بن عثمان بن خثعم، وداود بن أبي هند. وعنه: أحمد، وإسحاق. ثقة. قال أبو حاتم لا يحتج به. وقال النسائي: منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر، ت سنة: ١٩٥هـ. الكاشف: ٣/٢٤٤. ون التهذيب: ٩/٢٤٢. وقال في التقريب: صدوق سيئ الحفظ. وتعقبه صاحب التحرير ٤/٨٦ فقال: بل صدوق حسن الحديث، ضعيف في روايته عن عبيد الله بن عمر.. ٣ - أيلة: قرية عربية فيما بين مصر والشام. ن اللسان: أيم.. ٤ - شرعا: قيل معناه رافعة رؤوسها، وقيل: خافضة لها للشرب. وحيتان شُرَّعٌ أي شارعات من غمرة الماء إلى الجُدِّ. اللسان: شرع.. ٥ - أي: على كثرة أنواعها وأشكالها.. ٦ - المونة: القوت. اللسان: مأن.. ٧ - الأعراف: ١٦٤.. ٨ - الأعراف: ١٦٥.. ٩ - الأعراف: ١٦٤.. ١٠ - أخرجه البيهقي في كتاب آداب القاضي باب: ما يستدل به على أن القضاء وسائر أعمال الولاة مما يكون أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر من فروض الكفايات ١٠/٩٢-٩٣. وأخرجه الطبري في التفسير: ٦/٩٥..

الأنفال 8:1

٢٤٣- قال الشافعي رحمه الله تعالى : غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر بسَيْرٍ : شعْبٌ من شِعَاب الصفراء قريب من بدر. وكانت غنائم بدر كما يروي عبادة ابن الصامت غنمها المسلمون قبل تنزل الآية في سورة الأنفال(١)، فلما تشاحوا عليها انتزعها الله من أيديهم بقوله عز وجل :﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اِلاَنفَالِ قُلِ اِلاَنفَالُ لِلهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اَللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾(٢). فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كلها خالصة، وقسمها بينهم، وأدخل معهم ثمانية نفر(٣) لم يشهدوا الوقعة من المهاجرين والأنصار، وهم بالمدينة، وإنما أعطاهم من ماله. وإنما نزلت :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ﴾(٤) بعد غنيمة بدر. ولم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسْهم لخلق لم يشهدوا الوقعة بعد نزول الآية(٥). ومن أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤلفة(٦) وغيرهم، فإنما من ماله أعطاهم لا من شيء من أربعة الأخماس. ( الأم : ٧/٣٣٥. ون مختصر المزني ص : ٢٧٠-٢٧١. والسنن الكبرى : ٩/٥٧. ) ـــــــــــــــــــــــــــــــ ٢٤٤- قال الشافعي : وأما ما ذكر من أمر بدر، فإنما كانت الأنفال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل :﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اِلاَنفَالِ قُلِ اِلاَنفَالُ لِلهِ وَالرَّسُولِ﴾(٧) فردَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، ثم نزل عليه منصرفه من بدر :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾(٨) فجعل الله له ولمن سمى معه الخمس(٩). وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن أوْجَفَ الأربعة الأخماس بالحضور، للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم(١٠). ( الأم : ٧/٣٥٢. ون الأم : ٢/٩٠ و ٤/١٨١ و ٧/٣٤٠. ) ١ - اختلف في معنى الأنفال، فقال ناس: هي الغنائم. وقال آخرون: هي أنفال السرايا. وقال بعض آخر: هي الخُمُس. وقد حكى ابن جرير الطبري هذه الأقوال ثم قال: « وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى: "الأنفال" قول من قال: هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سهمه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل أو ببعض أسبابه، ترغيبا له، وتحريضا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين ». ن التفسير: ٦/١٧٠. والأنفال: جمع نفل.. ٢ - الأنفال: ١. والحديث رواه أحمد في مسنده مطولا ومختصرا من حديث عبادة بن الصامت قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة ابن الصامت عن الأنفال؟ فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء يقول على السواء. (قال شاكر: إسناده صحيح). ورواه البيهقي في كتاب السير باب: قسمة الغنيمة في دار الحرب: ٩/٥٧. ورواه الشافعي في الأم: ٧/٣٣٤.. ٣ - قال الشافعي: وهم: عثمان بن عفان وقد تخلف على امرأته رقية، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان وقد كان بالشام، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قدم من الشام بعدما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. ومن الأنصار: أبو لبابة، والحارث بن حاطب، وعاصم بن عدي، وخوات بن جبير بن النعمان، والحارث بن الصمة.. ٤ - الأنفال: ٤١.. ٥ - أخرج البخاري في المغازي (٦٧) باب غزوة خيبر (٣٦)(ر٣٩٩٢) عن أبي موسى قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا، ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا. وأخرجه في كتاب الخمس (٦١) باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين (١٥)(ر٢٩٦٧).. ٦ - المؤلفة قلوبهم: المستمالة قلوبهم بالإحسان والمودة. وهم أصناف مختلفة عند أئمة الفقه كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيهم من الغنائم والصدقات ليؤلف قلوبهم على الإسلام. ن القاموس الفقهي: ألف.. ٧ - الأنفال: ١.. ٨ - الأنفال: ٤١.. ٩ - وهم المذكورون في الآية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُو وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى وَالْيَتَامى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ اِلسَّبِيلِ﴾. الأنفال: ٤١.. ١٠ - أخرج البخاري في المغازي (٦٧) باب: غزوة خيبر (٣٦)(ر٣٩٨٨) عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما. قال: فسَّرَه نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم ». وأخرجه في الجهاد (٦٠) باب: سهام الفرس (٥١)(ر٢٧٠٨). وأخرجه مسلم في الجهاد والسير (٣٢) باب: كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين (١٧)(ر١٧٦٢). وأخرجه أبو داود في الجهاد (٩) باب: في سهمان الخيل (١٥٤)(ر٢٧٣٣). وأخرجه الترمذي في السير (١٨) باب: ما جاء في سهم الخيل (٦)(ر١٥٥٤). وأخرجه ابن ماجة في الجهاد (٢٤) باب: قسمة الغنائم (٣٦)(ر٢٨٥٤). وأخرجه أحمد، والدارمي، والبيهقي..

الأنفال 8:38

٢٤٥- قال الشافعي : قال الله عز وجل :{ قُل لِّلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَّنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ } وما قد سلف تقضى وذهب، ودلت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه يطرح عنهم ما بينهم وبين الله عز ذكره والعباد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« الإيمان يجب ما قبله »(١). وقال الله تبارك وتعالى :﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبَاواْ﴾(٢) ولم يأمرهم برد ما مضى منه. وقتل وحشي(٣) حمزة فأسلم، ولم يُقَدْ منه، ولم يتبع له بعقل، ولم يؤمر له بكفارة لطرح الإسلام ما فات من الشرك. وكذلك إن أصابه بجرح لأن الله عز وجل قد أمر بقتال المشركين الذين كفروا من أهل الأوثان ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ اَلدِّينُ لِلهِ﴾(٤) وقال عز وجل :﴿قَاتِلُوا اَلذِينَ لا يُومِنُونَ بِاللَّهِ﴾(٥) إلى قوله :﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾(٦) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله »(٧) يعني بما أحدثوا بعد الإسلام، لأنهم يلزمهم لو كفروا بعد الإسلام القتل، والحدود، ولا يلزمهم ما مضى قبله. ( الأم : ٦/٣٦-٣٧. ون الأم : ٤/١٨٧. و أحكام الشافعي : ٢/٤٥-٤٦. ) ١ - لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ وإنما بلفظ: « إن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله ». وقد روى أحمد في مسنده من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: حدثنا حسن قال: ثنا ابن لهيعة قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب قال: أخبرني سويد بن قيس، عن قيس بن سمي أن عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها» قال عمرو: فوالله إن كنت لأشد الناس حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ملأت عيني من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا راجعته بما أريد حتى لحق بالله عز وجل حياء منه. قال شاكر: إسناده حسن. ورواه مسلم في الإيمان (١) باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (٥٤)(ر١٢١) بلفظ: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله». ورواه البيهقي في كتاب السير باب: ترك أخذ المشركين بما أصابوا: ٩/١٢٣. بلفظ آخر.. ٢ - البقرة: ٢٧٨.. ٣ - وحشي بن حرب الحبشي الصحابي، قاتل حمزة ومسيلمة.. ٤ - البقرة: ١٩٣.. ٥ - التوبة: ٢٩.. ٦ - التوبة: ٢٩.. ٧ - سبق تخريجه..

الأنفال 8:41

٢٤٦- قال الشافعي : وإنما نزلت :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شيء فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى﴾ بعد بَدْرٍ على ما وصفت لك(١)، يرفع خمسها، ويقسم أربعة أخماسها وافرا على من حضر الحرب من المسلمين ؛ إلا السَلَبُ(٢) فإنه سنَّ أنه للقاتل في الإقبال، فكان السلب خارجا منه ؛ وإلا الصَّفِيّ(٣) فإنه قد اختلف فيه، فقيل : كان يأخذه من سهمه من الخمس ؛ وإلا البالغين من السبي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن فيهم سننا فقتل بعضهم، وفادى ببعضهم أسرى المسلمين. ( الأم : ٧/٣٤٠. ون الأم : ٤/١٤٣. وأحكام الشافعي : ٢/٣٦-٣٨. ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــ ٢٤٧- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ﴾(٤) الآية. وقال الله تعالى :﴿مَّا أَفَاء اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ أهل اِلْقُرى﴾(٥) الآية. وقال عز وجل :﴿وَمَا أَفَاء اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾(٦) الآية. قال الشافعي : فالغنيمة والفيء يجتمعان في أن فيهما معا الخمس من جميعهما لمن سماه الله تعالى له، ومن سماه الله عز وجل في الآيتين معا سواء مجتمعين غير مفترقين. قال : ثم يتعرف الحكم في الأربعة الأخماس بما بين الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي فعله، فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة، والغنيمة هي المُوجَفُ عليها بالخيل والركاب لمن حضر من غني وفقير، والفيءُ : وهو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قرى عرينة التي أفاءها الله عليه : أن أربعة أخماسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله عز وجل. أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان(٧). قال : سمعت عمر ابن الخطاب، وعلي والعباس رحمة الله عليهم يختصمان إليه في أموال النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خالصا دون المسلمين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضُل جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل. ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم فولِيَها أبو بكر بمثل ما وليها به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وليها عمر بمثل ما وليها به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ثم سألتماني أن أوليكماها على أن تعملا فيها بمثل ما وليها به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وليها أبو بكر، ثم وليتها به، فجئتماني تختصمان أتريدان أن أدفع إلى كل واحد منكما نصفا ؟ أتريدان مني قضاء غير ما قضيت به بينكما أولا ؟ فلا والله الذي به تقوم السماء والأرض لا أقضي بينكما قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي أكفكماها(٨). قال الشافعي : فقال لي سفيان : لم أسمعه من الزهري ولكن أخبرنيه عمرو بن دينار عن الزهري، قلت : كما قصصت ؟ قال : نعم(٩). ( الأم : ٤/١٣٩. ون أحكام الشافعي : ١/١٥٣-١٥٥. ومختصر المزني : ١٤٧-١٤٨. ) ــــــــــــ ٢٤٨- قال الشافعي رحمه الله : قال الله تعالى :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾(١٠) الآية. وروي أن جبير بن مطعم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان رضي الله عنه، فقلنا : يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة(١١) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد(١٢) هكذا وشبك بين أصابعه »(١٣). وروى جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُعط بني عبد شمس ولا بني نوفل من ذلك شيئا. قال الشافعي : فيعطى سهم ذي القربى في ذي القربى حيث كانوا، ولا يفضل أحد على أحد حضر القتال أو لم يحضر إلا سهمه في الغنيمة كسهم العامة. ولا فقير على غني ؛ ويعطى الرجل سهمين والمرأة سهما لأنهم أعطوا باسم القرابة. فإن قيل : فقد أعطى صلى الله عليه وسلم بعضهم مائة وسق(١٤) وبعضهم أقل ؟ قيل : لأن بعضهم كان ذا وَلَدٍ فإذا أعطاه حظه وحظ غيره فقد أعطاه أكثر من غيره. والدلالة على صحة ما حكيت من التسوية أن كل من لقيت من علماء أصحابنا لم يختلفوا في ذلك، وأن باسم القرابة أَعْطُوا، وأن حديث جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب. قال الشافعي رحمه الله : ويفرق ثلاثة أخماس الخمس على من سمى الله تعالى : على اليتامى والمساكين وابن السبيل في بلاد الإسلام، يُحْصَوْنَ ثم يوزع بينهم لكل صنف منهم سهمه لا يعطى لأحد منهم سهم صاحبه. ( مختصر المزني ص : ١٥٠. ون الأم : ٤/١٤٦-١٤٧. و ٤/١٥٤. والرسالة : ٦٧-٧١. ) ــــــــــــ ٢٤٩- قال الشافعي : وقال الله عز وجل :﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى﴾(١٥) فكانت هذه الآية في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :« إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد »(١٦) وكان الدليل عليه : أن لا يوجد أمر يقطع العَنَتَ، ويُلزم أهل العلم ـ والله أعلم ـ إلا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فرض الله على نبيه صلى الله عليه وسلم : أن يؤتي ذا القربى حقَّهُ، وأَعْلَمَهُ أن لله خمسه وللرسول ولذي القربى فأعطى سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، دلَّ على أن الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس، هم : آل محمد الذين أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليهم معه، والذين اصطفاهم من خلقه بعد نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه يقول :﴿إِنَّ اَللَّهَ اَصْطَفى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى اَلْعَالَمِينَ﴾(١٧) فأعلم أنه اصطفى الأنبياء صلوات الله عليهم وآلهم. ( أحكام الشافعي : ١/٧٦-٧٧. ) ١ - أي عند تفسير الآية الأولى من السورة.. ٢ - السَلَبُ: ما يركب عليه المحارب من فرس ونحوه، وما يحمله من سلاح وما يلبسه من درع وثياب وما يتبع ذلك من لجام وسرج وأزرار ونحو ذلك. ن معجم لغة الفقهاء: سلب. وروى البخاري في الخمس (٦١) باب: من لم يخمس الأسلاب (١٨)(ر٢٩٧٣) عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني. فلحقت عمر بن الخطاب فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه.. » الحديث. وأخرجه في المغازي (٦٧) باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ اِذَ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ..﴾ (٥١)(ر٤٠٦٦-٤٠٦٧). وفي الأحكام (٩٧) باب: الشهادة تكون عند الحاكم (٢١)(ر٦٧٤٩). ورواه مسلم في الجهاد والسير (٣٢) باب: استحقاق القاتل سلب القتيل (١٣)(ر١٧٥١). ورواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، كلهم في الجهاد. ورواه مالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي.. ٣ - روى أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: ما جاء في سهم الصفي (٢١)(ر٢٩٩١) عن عامر الشعبي قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصَّفِيَّ، إن شاء عبدا، وإن شاء أمة، وإن شاء فرسا، يختاره قبل الخمس. وروى في نفس الباب (ر٢٩٩٢) عن ابن عون قال: سألت محمدا (يعني ابن سيرين) عن سهم النبي صلى الله عليه وسلم والصَّفِيَّ، قال: كان يضرب له بسهم من المسلمين وإن لم يشهد، والصفي يؤخذ له رأس من الخمس قبل كل شيء. وروى في نفس الباب (ر٢٩٩٣) عن قتادة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث شاء، فكانت صفية من ذلك السهم، وكان إذا لم يغز بنفسه ضرب له بسهمه ولم يُخير. قال المنذري: وهذه الأحاديث كلها مرسلة. ن سنن أبي داود ٣/٢٦٤.. ٤ - الأنفال: ٤١. وتمامها: ﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى وَالْيَتَامى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ اِلسَّبِيلِ﴾.. ٥ - الحشر: ٧. وتمامها: ﴿فَلِلهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى اِلْقُرْبى وَالْيَتَامى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ اِلسَّبِيلِ كَىْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ اَلاَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا ءَاتياكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهياكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اَللَّهَ إِنَّ اَللَّهَ شَدِيدُ اَلْعِقَابِ﴾.. ٦ - الحشر: ٦. وتمامها: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَـاكِنَّ اَللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُو عَلَى مَنْ يَّشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.. ٧ - مالك بن أوس بن الحدثان، أبو سعيد. قيل: رأى الصديق. سمع عمر وعثمان. وعنه: الزهري، وابن المنكدر. ت سنة: ٩٢هـ. الكاشف: ٣/٩٣. ون التهذيب: ٨/١٠. وقال في التقريب: له رؤية.. ٨ - أخرجه البخاري مختصرا ومطولا في الجهاد (٦٠) باب: الْمِجَنُّ ومن يَتَتَرَّسُ بِتُرْسِ صاحبه (٧٩)(ر٢٧٤٨)، وفي الخمس (٦١) باب: فرض الخمس (١)(ر٢٩٢٧)، وفي المغازي (٦٧) باب: حديث بني النظير (١١)(ر٣٨٠٩). وفي تفسير الحشر (٦٨) باب قوله: ﴿وَمَا أَفَاء اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٣٦٣)(ر٤٦٠٣)، وفي النفقات (٧٢) باب: حبس نفقة الرجل قوتَ سنةٍ على أهله وكيف نفقات العيال (٣)(ر٥٠٤٣)، وفي الفرائض (٨٨) باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا نورث ما تركنا صدقة » (٢)(ر٦٣٤٧)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٩) باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع (٥)(ر٦٨٧٥). وأخرجه مسلم في الجهاد والسير (٣٢) باب: حكم الفيء (١٥)(ر١٧٥٧). وأخرجه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: صفايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأموال (١٩)(ر٢٩٦٣ و ٢٩٦٤ و ٢٩٦٥). وأخرجه الترمذي في السير (١٨) باب: ما جاء في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم (٤٤)(ر١٦١٠)، وفي الجهاد (٢٠) باب: ما جاء في الفيء (٣٩)(ر١٧١٩). وأخرجه النسائي في قسم الفيء (٣٨) الباب الأول (ر٤١٥١).. ٩ - رواه الشافعي في المسند (ر١٤٢٠) بهذا اللفظ. ورواه البيهقي في كتاب قسم الفيء والغنيمة باب: بيان معرفة أربعة أخماس الفيء في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٦/٢٩٦.. ١٠ - الأنفال: ٤١.. ١١ - أي لأن الجميع من بني عبد مناف، ولكن عثمان رضي الله عنه من بني عبد شمس، وجبير بن مطعم رضي الله عنه من بني نوفل.. ١٢ - أي في الاستحقاق لنصرتهم له صلى الله عليه وسلم قبل إسلامهم وبعده.. ١٣ - أخرجه البخاري في الخمس (٦١) باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام (١٧)(ر٣٩٧١). وفي المناقب (٦٥) باب: مناقب قريش (٢)(ر٣٣١١). وفي المغازي (٦٧) باب: غزوة خيبر (٣٦)(ر٣٩٨٩). زاد البخاري: وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. وأخرجه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى (٢٠)(ر٢٩٧٨). وأخرجه النسائي في الفيء (٣٨)(ر٤١٤٧ و ٤١٤٨). وأخرجه ابن ماجة في الجهاد (٢٤) باب: قسمة الفيء (٤٦)(ر٢٨٨١). ورواه أحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٤٢٤).. ١٤ - الوَسْقُ: مكيال قدره حمل بعير أو ستون صاعا أي ١٦٥ لترا. ن معجم لغة الفقهاء: وسق.. ١٥ - الأنفال: ٤١.. ١٦ - لم أقف عليه بهذا اللفظ. وقد رواه مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بلفظ « إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد..» الحديث. كتاب الزكاة (١٢) باب: ترك استعمال آل النبي على الصدقة (٥١)(ر١٠٧٢). ورواه أحمد في مسنده من حديث عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب بلفظ « لا تحل لمحمد ولا لآل محمد » وبلفظ: « ألا إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد ». ورواه البيهقي عن أبي رافع في كتاب الصدقات باب: موالي بني هاشم وبني المطلب ٧/٣٢. بلفظ: « إن الصدقة لا تحل لنا »، وعن مهران مولى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: « إنا أهل بيت نهينا عن الصدقة ».. ١٧ - آل عمران: ٣٣..

الأنفال 8:58

٢٥٠- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى :﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذِ اِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء اِنَّ اَللَّهَ لا يُحِبُّ اَلْخَآئِنِينَ﴾ قال الشافعي : نزلت في أهل هدنة(١)، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عنهم شيء استدل به على خيانتهم. قال الشافعي : فإذا جاءت دلالة على أن لم يوف أهل هدنة بجميع ما هادنهم عليه فله أن ينبذ إليهم، ومن قلت له أن ينبذ إليه فعليه أن يلحقه بمأمنه، ثم له أن يحاربه كما يحارب من لا هدنة له. قال الشافعي رحمه الله تعالى : فإن قال الإمام : أخاف خيانة قوم ولا دلالة له على خيانتهم من خبرٍ، ولا عيان، فليس له ـ والله تعالى أعلم ـ نقض مدتهم إذا كانت صحيحة، لأن معقولا أن الخوف من خيانتهم الذي يجوز به النبذ إليهم لا يكون إلا بدلالة على الخوف. ألا ترى أنه لو لم يكن بما يخطر عل القلوب قبل العقد لهم ومعه وبعده من أن يخطر عليها أن يخونوا(٢) ؟ فإن قال قائل : فما يشبهه ؟ قيل : قول الله عز وجل :﴿وَالَّـاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى اِلْمَضَاجِعِ﴾(٣) فكان معلوما أن الرجل إذا عقد على المرأة النكاح ولم يرها، فقد يخطر على باله أن تنشز منه بدلالة، ومعقولا عنده أنه إذا أَمَرَهُ بالعظة والهجر والضرب لم يؤمر به إلا عند دلالة النشوز، وما يجوز به من بعلها ما أُبيح له فيها. ( الأم : ٤/١٨٥. ون الأم : ٤/١٨٦. و ٤/١٨٨. وأحكام الشافعي : ٢/٧٢. ومختصر المزني ص : ٢٨٠. ) ١ - روى أبو الشيخ عن ابن شهاب قال: دخل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت السلاح وما زلت في طلب القوم، فاخرج فإن الله قد أذن لك في قريظة، وأنزل فيهم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذِ اِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء اِنَّ اَللَّهَ لا يُحِبُّ اَلْخَآئِنِينَ﴾. لباب النقول ص: ١٥١. ون تفسير الطبري: ٦/٢٧٢.. ٢ - قوله: ألا ترى، إلى قوله: أن يخونوا، كذا في النسخ، وهو غير واضح المراد منه، ولم أهتد إلى إقامته.. ٣ - النساء: ٣٤..

الأنفال 8:60

٢٥١- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى فيما ندب إليه أهل دينه :﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اِلْخَيْلِ﴾ فزعم أهل العلم بالتفسير أن القوة هي الرمي، وقال الله تبارك وتعالى :﴿وَمَا أَفَاء اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾(١). قال الشافعي رحمه الله تعالى : أخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع ابن أبي نافع(٢)، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« لا سَبَقَ(٣) إلا في نَصْلٍ أو حَافِرٍ أو خُفٍّ »(٤). قال الشافعي : وأخبرني ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« لا سبق إلا في حافر أو خف »(٥). قال : وأخبرنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب قال : مضت السنة في النصل والإبل والخيل والدواب حلال. قال : وأخبرنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي قد أضمرت(٦). قال الشافعي رحمه الله تعالى : وقول النبي صلى الله عليه وسلم :« لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل » يجمع معنيين : أحدهما : أن كل نصل رمي به من سهم، أو نشابة، أو ما ينكأ العدو نكايتهما، وكل حافر من خيل وحمير وبغال، وكل خف من إبل بخت أو عراب داخل في هذا المعنى الذي يحل فيه السبق. والمعنى الثاني : أنه يحرم أن يكون السبق إلا في هذا، وهذا داخل في معنى ما ندب الله عز وجل إليه وحَمَدَ عليه أهل دينه من الإعداد لعدوه القوة ورباط الخيل. والآية الأخرى :﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾(٧) لأن هذه الركاب لما كان السبق عليها يُرغب أهلها في اتخاذها لآمالهم إدراك السبق فيها والغنيمة عليها، كانت من العطايا الجائزة بما وصفتها، فالاستباق فيها حلال، وفيما سواها حرام. ( الأم : ٤/٢٢٩-٢٣٠. ون أحكام الشافعي : ٢/١٠٦-١٠٧. ) ١ - الحشر: ٦.. ٢ - نافع بن أبي نافع البزار. عن: أبي هريرة، ومعقل بن يسار. وعنه: خالد بن طهمان، وابن أبي ذئب. ثقة. الكاشف: ٣/١٨٢. ون التهذيب: ٨/٤٧١. وقال في التقريب: ثقة.. ٣ - السَّبَقُ: ما يتراهن عليه المتسابقون. فالعطاء والجُعْلُ لا يستحق إلا في سباق الخيل والإبل والرمي (النصل). والسَّبْقُ: المسابقة. ن القاموس الفقهي: سبق.. ٤ - رواه أبو داود في الجهاد (٩) باب: في السّبق (٦٧)(ر٢٥٧٤). ورواه الترمذي في الجهاد (٢٠) باب: ما جاء في الرهان والسّبق (٢٢)(ر١٧٠٠) وقال: حديث حسن. ورواه النسائي في الخيل (٢٨) باب: السّبق (١٤)(ر٣٥٨٧ و ٣٥٨٨). ورواه ابن ماجة في الجهاد (٢٤) باب: السّبق والرهان (٤٤)(ر٢٨٧٨). ورواه أحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٤٣٥).. ٥ - رواه البيهقي في كتاب السّبق والرمي باب: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل ١٠/١٦. ورواه الشافعي في المسند (ر١٤٣٦).. ٦ - رواه البخاري في المساجد (١١) باب: هل يقال مسجد بني فلان (٩)(ر٤١٠). وفي الجهاد (٦٠) باب: السبق بين الخيل (٥٦)(ر٢٧١٣). وباب: غاية السبق للخيل المضمرة (٥٨)(ر٢٧١٥). وفي الاعتصام بالكتاب والسنة (٩٩) باب: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض على اتفاق أهل العلم (١٦)(ر٦٩٠٥). ورواه مسلم في الإمارة (٣٣) باب: المسابقة بين الخيل وتضميرها (٢٥)(ر١٨٧٠). ورواه أصحاب السنن، ومالك، وأحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٤٣٧). وضَمَّر الحيوان: جعله يَضْمُرُ. يقال: ضمَّر الفرس للسباق ونحوه: ربطه، وعلفه، وسقاه كثيرا، مدة، وركضه في الميدان حتى يخف ويدق. ومدة التضمير عند العرب أربعين يوما. ن القاموس الفقهي: ضمر.. ٧ - الحشر: ٦..

الأنفال 8:65

٢٥٢- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿يا أيها اَلنَّبِىءُ حَرِّضِ اِلْمُومِنِينَ عَلَى اَلْقِتَالِ إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ وقال عز وجل :﴿الآن خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفا فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ الآية، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال : لما نزلت :﴿إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ فكتب عليهم أن لا يفر العشرون من المائتين، فأنزل الله عز وجل :﴿اَلَـانَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفا فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ فخفف عنهم، وكتب عليهم أن لا يفر المائة من المائتين(١). قال الشافعي : وهذا كما قال ابن عباس ـ إن شاء الله تعالى ـ مستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل. وقال الله تعالى :﴿إِذَا لَقِيتُمُ اَلذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾(٢) الآية. فإذا غزا المسلمون، أو غُزُوا، فيهيئوا للقتال فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا عنهم إلا متحرفين إلى فئة، فإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا عنهم(٣). ولا يستوجب السخط عندي من الله عز وعلا لو ولوا عنهم إلى غير التحرف للقتال والتحيز إلى فئة، لأن بينا أن الله عز وجل إنما يوجب سخطه على من ترك فرضه، وأن فرض الله عز وجل في الجهاد إنما هو على أن يجاهد المسلمون ضعفهم من العدو، ويأثم المسلمون لو أطل عدو على أحد من المسلمين وهم يقدرون على الخروج إليه بلا تضييع لما خلفهم من ثغرهم إذا كان العدو ضعفهم وأقل. ( الأم : ٤/١٦٩-١٧٠. ون الأم : ٤/٢٤٢-٢٤٣. والرسالة : ١٢٧-١٢٨. وأحكام الشافعي : ٢/٣٩-٤٠ و ٢/٤٠-٤٢. ) ١ - أخرجه البخاري في التفسير (٦٨) باب: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّبِىءُ حَرِّضِ اِلْمُومِنِينَ عَلَى اَلْقِتَالِ﴾. (١٤٦)(٤٣٧٥) وقال: زاد سفيان مرة نزلت: ﴿حَرِّضِ اِلْمُومِنِينَ عَلَى اَلْقِتَالِ إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾. قال سفيان: وقال ابن شُبرمة: وأترى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا. وأخرجه البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه (ر٤٣٧٦). وأخرجه أبو داود في الجهاد (٩) باب: في التولي يوم الزحف (١٠٦)(ر٢٦٤٦). وأخرجه البيهقي في كتاب السير باب: تحريم الفرار من الزحف ٩/٧٦. وأخرجه الشافعي في المسند (ر١٣٩٩). ون تفسير ابن جرير ٦/٢٨٣. و لباب النقول ص: ١٥٢.. ٢ - الأنفال: ١٥.. ٣ - أخرج البيهقي في كتاب السير باب: تحريم الفرار من الزحف ٩/٧٦ عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن فر رجل من اثنين فقد فر، وإن فر من ثلاثة لم يفر. وأخرجه الشافعي في المسند (ر١٤٠٠)..

الأنفال 8:66

٢٥٢- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿يا أيها اَلنَّبِىءُ حَرِّضِ اِلْمُومِنِينَ عَلَى اَلْقِتَالِ إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ وقال عز وجل :﴿الآن خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفا فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ الآية، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال : لما نزلت :﴿إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ فكتب عليهم أن لا يفر العشرون من المائتين، فأنزل الله عز وجل :﴿اَلَـانَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفا فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ﴾ فخفف عنهم، وكتب عليهم أن لا يفر المائة من المائتين(١). قال الشافعي : وهذا كما قال ابن عباس ـ إن شاء الله تعالى ـ مستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل. وقال الله تعالى :﴿إِذَا لَقِيتُمُ اَلذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدبار﴾(٢) الآية. فإذا غزا المسلمون، أو غُزُوا، فيهيئوا للقتال فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا عنهم إلا متحرفين إلى فئة، فإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا عنهم(٣). ولا يستوجب السخط عندي من الله عز وعلا لو ولوا عنهم إلى غير التحرف للقتال والتحيز إلى فئة، لأن بينا أن الله عز وجل إنما يوجب سخطه على من ترك فرضه، وأن فرض الله عز وجل في الجهاد إنما هو على أن يجاهد المسلمون ضعفهم من العدو، ويأثم المسلمون لو أطل عدو على أحد من المسلمين وهم يقدرون على الخروج إليه بلا تضييع لما خلفهم من ثغرهم إذا كان العدو ضعفهم وأقل. ( الأم : ٤/١٦٩-١٧٠. ون الأم : ٤/٢٤٢-٢٤٣. والرسالة : ١٢٧-١٢٨. وأحكام الشافعي : ٢/٣٩-٤٠ و ٢/٤٠-٤٢. ) ١ - أخرجه البخاري في التفسير (٦٨) باب: ﴿يَاأَيُّهَا اَلنَّبِىءُ حَرِّضِ اِلْمُومِنِينَ عَلَى اَلْقِتَالِ﴾. (١٤٦)(٤٣٧٥) وقال: زاد سفيان مرة نزلت: ﴿حَرِّضِ اِلْمُومِنِينَ عَلَى اَلْقِتَالِ إِنْ يَّكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾. قال سفيان: وقال ابن شُبرمة: وأترى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا. وأخرجه البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه (ر٤٣٧٦). وأخرجه أبو داود في الجهاد (٩) باب: في التولي يوم الزحف (١٠٦)(ر٢٦٤٦). وأخرجه البيهقي في كتاب السير باب: تحريم الفرار من الزحف ٩/٧٦. وأخرجه الشافعي في المسند (ر١٣٩٩). ون تفسير ابن جرير ٦/٢٨٣. و لباب النقول ص: ١٥٢.. ٢ - الأنفال: ١٥.. ٣ - أخرج البيهقي في كتاب السير باب: تحريم الفرار من الزحف ٩/٧٦ عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن فر رجل من اثنين فقد فر، وإن فر من ثلاثة لم يفر. وأخرجه الشافعي في المسند (ر١٤٠٠)..

الأنفال 8:75

٢٥٣- قال الشافعي : قلنا توارث الناس بالحِلْفِ والنُّصْرَة(١)، ثم توارثوا بالإسلام والهجرة(٢)، ثم نسخ ذلك فنزل قول الله عز وجل :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمُ أَوْلى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اِللَّهِ﴾ على معنى ما فرض الله عز ذكره وسن رسوله صلى الله عليه وسلم لا مطلقا هكذا. ألا ترى أن الزوج يرث أكثر مما يرث ذوو الأرحام ولا رَحِمَ له ؟ ! أو لا ترى أن ابن العم البعيد يرث المال كله ولا يرثه الخال، والخال أقرب رحما منه ؟ ! فإنما معناها على ما وصفت لك من أنها على ما فرض الله لهم وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ( الأم : ٤/٨٠. ون أحكام الشافعي : ١/١٤٦. ومختصر المزني ص : ١٤١. والرسالة : ٥٨٩-٥٩٠. ) ١ - أخرج أبو داود في الفرائض (١٣) باب: نسخ ميراث العقد بميراث الرحم (١٦)(ر٢٩٢١) عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿وَالذِينَ عَاقَدَتَ اَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمُو﴾. (النساء: ٣٣). كان الرجل يحالف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك الأنفال فقال تعالى: ﴿وَأُوْلُوا اَلاَرْحَامِ بَعْضُهُمُو أَوْلى بِبَعْضٍ﴾. وأخرجه البيهقي في كتاب الفرائض باب: نسخ التوارث بالتحالف وغيره ٦/٢٦٢. والمعاقدة هو الحلف الذي كانوا يتوارثون به.. ٢ - أخرج البخاري في الفرائض (١٨٠) باب: ذوي الأرحام (١٥)(ر٦٣٦٦) عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ ﴿وَالذِينَ عَاقَدَتَ اَيْمَانُكُمْ﴾. قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة، يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾. قال: نسختها: ﴿وَالذِينَ عَاقَدَتَ اَيْمَانُكُمْ﴾. وفي الكفالة (٤٤) باب: قول الله تعالى: ﴿وَالذِينَ عَاقَدَتَ اَيْمَانُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمُو﴾ (٢)(ر٢١٧٠). وفي التفسير (٦٨) باب: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٨٦)(ر٤٣٠٤). وأخرجه أبو داود في الفرائض (١٣) باب: نسخ ميراث العقد بميراث الرحم (١٦)(ر٢٩٢٢). وأخرجه البيهقي في كتاب الفرائض باب: نسخ التوارث بالتحالف وغيره ٦/٢٦٢. وأخرج في نفس الباب عن عكرمة، عن ابن عباس قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وورث بعضهم من بعض حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَأُوْلُوا اَلاَرْحَامِ بَعْضُهُمُو أَوْلى بِبَعْضٍ﴾. فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب..

التوبة 9:1

٢٥٤- قال الشافعي رحمه الله تعالى : لما قوي أهل إلاسلام أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم مرجعَه من تبُوك :﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فأرسل بهذه الآيات مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقرأها على الناس في الموسم(١)، وكان فرضا أن لا يعطى لأحدٍ مدة بعد هذه الآيات إلا أربعة أشهر، لأنها الغاية التي فرضها الله عز وجل. قال : وجعل النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية(٢) بعد فتح مكة بسنين، أربعة أشهر(٣)، لم أعلمه زاد أحدا بعد أن قوي المسلمون على أربعة أشهر. قال الشافعي رحمه الله تعالى : فقيل : كان الذين عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم قوما موادعين إلى غير مدة معلومة، فجعلها الله عز وجل أربعة أشهر، ثم جعلها رسوله كذلك، وأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في قوم عاهدوهم إلى مدة قبل نزول الآية أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم ما استقاموا له، ومن خاف منه خيانة نبذ إليه، فلم يجز أن يستأنف مدة بعد نزول الآية وبالمسلمين قوة إلى أكثر من أربعة أشهر، لما وصفت من فرض الله عز وجل فيهم، وما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : ولا أعرف كم كانت مدة النبي صلى الله عليه وسلم ومدة من أمر أن يتم إليه عهده إلى مدته. قال : ويجعل الإمام المدة إلى أقل من أربعة أشهر إن رأى ذلك، وليس بلازم له أن يهادن بحال إلا على النظر للمسلمين ويبين لمن هادن، ويجوز له في النظر لمن رجا إسلامه، وإن تكن له شوكة أن يعطيه مدة أربعة أشهر إذا خاف إن لم يفعل أن يلحق بالمشركين، وإن ظهر على بلاده، فقد صنع النبي صلى الله عليه وسلم بصفوان حين خرج هاربا إلى اليمن من الإسلام، ثم أنعم الله عز وجل عليه بالإسلام من قبل أن تأتي مدته، ومدته أشهر. ( الأم : ٤/١٩٠-١٩١. ون الأم : ٧/٣٢٢ و ٤/١٨٣. وأحكام الشافعي : ٢/٦٣-٦٤. ومختصر المزني ص : ٢٧٩. ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٢٥٥- قال الشافعي : فأحب للإمام إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وأرجو أن لا ينزلها الله عز وجل بهم ـ إن شاء الله تعالى ـ مهادنة يكون النظر لهم فيها، ولا يهادن إلا إلى مدة، ولا يجاوز بالمدة مدة أهل الحديبية كانت النازلة ما كانت. فإن كانت للمسلمين قوة قاتلوا المشركين بعد انقضاء المدة، فإن لمن يقو الإمام فلا بأس أن يجدد مدة مثلها أو دونها، ولا يجاوزها من قبل أن القوة للمسلمين والضعف لعدوهم قد يحدث في أقل منها، وإن هادنهم إلى أكثر منها فمنتقضة، لأن أصل الفرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية، فإن الله عز وجل أذن بالهدنة فقال :﴿إِلَى اَلذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ﴾(٤) وقال تبارك وتعالى :﴿اِلا اَلذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ﴾(٥) فلما لم يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدة أكثر من مدة الحديبية لم يجز أن يهادن إلا على النظر للمسلمين ولا تجاوز. قال : وليس للإمام أن يهادن القوم من المشركين على النظر إلى غير مدة هدنة مطلقة، فإن الهدنة المطلقة على الأبد وهي لا تجوز لما وصفتُ، ولكن يهادنهم على أن الخيار إليه حتى إن شاء أن ينبذ إليهم، فإن رأى نظر للمسلمين أن ينبذ فَعَل. ( الأم : ٤/١٨٩. ) ــــــــــــ ٢٥٦- قال الشافعي : قال الله عز وجل :﴿فَإِذَا اَنسَلَخَ الأشهر اَلْحُرُمُ فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾(٦) الآية وقال الله جل ثناؤه :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ﴾(٧). أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عمرو بن علقمة(٨)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن النبي قال :« لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله »(٩). أخبرنا الثقة عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة : أن عمر قال لأبي بكر فيمن منع الصدقة : أليس قد قال رسول الله : لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، فقال أبو بكر : هذا من حقها يعني منعهم الصدقة(١٠)، وقال الله :﴿قَاتِلُوا اَلذِينَ لا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخر وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهَ وَرَسُولُهُ﴾(١١) الآية. أخبرنا الثقة، عن محمد بن أبان(١٢)، عن علقمة بن مرثد(١٣)، عن سليمان بن بريدة(١٤)، عن أبيه(١٥) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشا أمَّر عليهم أميرا وقال :« فإذا لقيت عددا من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، أو ثلاث خصال ـ شك علقمة ـ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم إن هم فعلوا أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما عليهم، فإن اختاروا المقام في دارهم فأخبرهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله كما يجري على المسلمين وليس لهم من الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن لم يجيبوك إلى الإسلام فادعهم إلى أن يعطوا الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم ودعهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم »(١٦). قال الشافعي : وليست واحدة من الآيتين ناسخة للأخرى ولا واحد من الحديثين ناسخا للآخر ولا مخالفا له، ولكن أحد الحديثين والآيتين من الكلام الذي مخرجه عام يراد به الخاص ومن المجمل الذي يدل عليه المفسر. فأمر الله بقتال المشركين حتى يؤمنوا، والله تعالى أعلم أمره بقتال المشركين من أهل الأوثان وهم أكثر من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حديث أبي هريرة عن النبي وذكر أبي بكر وعمر إياهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين من أهل الأوثان دون أهل الكتاب. وفرض الله قتال أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إن لم يؤمنوا، وكذلك حديث ابن بريدة في أهل الكتاب خاصة كما كان حديث أبي هريرة في أهل الأوثان خاصة. قال : والفرض في قتال من دان وآباؤه دين أهل الأوثان من المشركين أن يقاتلوا إذا قُدر عليهم حتى يسلموا، ولا يحل أن تقبل منهم جزية بكتاب الله وسنة نبيه. قال : والفرض في أهل الكتاب ومن دان قبل نزول القرآن كله دينهم أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية أو يسلموا، وسواء كانوا عربا أو عجما. قال : ولله كتب نزلت قبل نزول القرآن المعروف منها عند العامة التوراة والإنجيل، وقد أخبر الله أنه أنزل غيرهما فقال :﴿أَمْ لَمْ ينبأ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسى وَإِبْرَاهِيمَ الذي وَفّى﴾(١٧) وليس تعرف تلاوة كتب إبراهيم. وذكر زابور داود فقال :﴿وَإِنَّهُ لفي زُبُرِ الأولين﴾(١٨) قال : والمجوس أهل كتاب غير التوراة والإنجيل، وقد نسوا كتابهم وبدلوه، فأذن رسول الله في أخذ الجزية منهم. أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع بجالة يقول : ولم يكن عمر بن الخطاب أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمان بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هَجَرَ(١٩). ( اختلاف الحديث : ٥٠٩-٥١٠. ون اختلاف الحديث : ٤٨٣. والأم : ١/٢٥٧ و٤/١٧٢-١٧٣ و ٤/٢٣٨ و ٤/٢٤٠-٢٤١. وأحكام الشافعي : ٢/٥٠-٥٥. ومختصر المزني ص : ٢٧٠. ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٢٥٧- قال الشافعي رحمه الله تعالى : وأباح دماء أهل الكفر من خلقه فقال :﴿اقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾(٢٠) وحرم دماءهم إن أظهروا الإسلام فقال :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ﴾(٢١) وقال :﴿وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ اَنْ يَّقْتُلَ مُومِنًا اِلا خَطَأً﴾(٢٢) وقال :﴿وَمَنْ يَّقْتُلْ مُومِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾(٢٣) فجعل حينئذ دماء المشركين مباحة وقتالهم حتما وفرضا عليهم إن لم يظهروا الإيمان. ثم أظهره قوم من المنافقين، فأخبر الله نبيه عنهم أن ما يخفون خلاف ما يعلنون فقال :﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ اَلْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَـامِهِمْ﴾(٢٤) وقال :﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمُ إِذَا اَنقَلَبْتُمُ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمُ﴾(٢٥) مع ما ذكر به المنافقين، فلم يجعل لنبيه قتلهم إذا أظهروا الإيمان، ولم يمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مناكحة المسلمين ولا موارثتهم. قال الشافعي رحمه الله : ورأيت مثل هذا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله »(٢٦). قال المقداد(٢٧) : أرأيت يا رسول الله لو أن مشركا قاتلني فقطع يدي، ثم لاذ مني بشجرة فأسلم، أفأقتله ؟ قال :« لا تقتله »(٢٨). ( الأم : ٧/٣٠٤. ) ١ - أخرج البخاري في الصلاة في الثياب (٩) باب: ما يستر من العورة (٩)(ر٣٦٢) عن ابن شهاب، عن عمه قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أن أبا هريرة قال: « بعتني أبو بكر في تلك الحجة، في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد ابن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، فأمره أن يؤذن ب « براءة » قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ». وفي الحج (٣٢) باب: لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك (٦٦)(ر١٥٤٣). وفي المغازي (٦٧) باب: حج أبي بكر بالناس في سنة تسع (٢٣)(ر٤١٠٥). وفي التفسير (٦٨) باب: قوله: ﴿فَسِيحُوا فِى اِلاَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (١٥٠)(ر٤٣٧٨ و ٤٣٨٠). وأخرجه أبو داود في المناسك (٥) باب: يوم الحج الأكبر (٦٧)(ر١٩٤٦). وأخرجه البيهقي عن ابن عباس في كتاب الجزية باب: مهادنة من يقوى على قتاله ٩/٢٢٤.. ٢ - صفوان بن أمية بن خلف الجمحي. أحد أشراف الطلقاء، شهد اليرموك أميرا. وعنه: بنوه، وسعيد بن المسيب. ت سنة: ٤١. الكاشف: ٢/٢٩. ون الإصابة: ٣/٤٣٢. والتهذيب: ٤/٥٠. وقال في التقريب: صحابي، من المؤلفة.. ٣ - أخرج مالك في النكاح (٢٨) باب: نكاح المشرك إذا أسلمت زوجه قبله (٢٠)(ر٤٤) عن ابن شهاب أنه بلغه: أن نساء كن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلمن بأرضهن، وهن غير مهاجرات، وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانا لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضي أمرا قبله، وإلا سَيَّرَهُ شهرين. فلما قدم صفوان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه، ناداه على رؤوس الناس فقال: يا محمد! إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيت أمرا قبلته وإلا سيّرتني شهرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « انزل أبا وهب» فقال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بل لك تسير أربعة أشهر». فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبل هوازن بِحُنَيْنٍ، فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره أداة وسلاحا عنده. فقال صفوان: أطوعا أم كرها؟ فقال: «بل طوعا». فأعاره الأداة والسلاح التي عنده. ثم خرج صفوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر. فشهد حنينا، والطائف، وهو كافر، وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته، حتى أسلم صفوان، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح. قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح. وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهلها، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده، إن شاء الله. ن الموطا ص: ٤٧٣. وأخرج مسلم جزءا منه في الفضائل (٤٣) باب: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قط فقال: لا، وكثرة عطائه (١٤)(ر٢٣١٣).. ٤ - التوبة: ١.. ٥ - التوبة: ٤.. ٦ - التوبة: ٥.. ٧ - الأنفال: ٣٩.. ٨ - محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي. عن: أبيه، وأبي سلمة. وعنه: شعبة، ومالك، ومحمد الأنصاري. قال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال النسائي وغيره ليس به بأس. ت سنة: ١٤٤هـ. الكاشف: ٣/٦٧. ون التهذيب: ٧/٣٠٢. وقال في التقريب: صدوق له أوهام. وتعقبه صاحب التحرير ٣/٢٩٩ فقال: بل صدوق حسن الحديث كما قال الذهبي، فقد وثقه النسائي وابن معين في أكثر الروايات، وقال يحيى بن سعيد القطان: صالح ليس بأحفظ الناس للحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه، وهو شيخ. وقال ابن عدي: له حديث صالح، وقد حدث عنه جماعة من الثقات.. وأرجو أنه لا بأس به. وقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه. وإنما روى له البخاري مقرونا بغيره، ومسلم في المتابعات.. ٩ - سبق تخريجه.. ١٠ - سبق تخريجه.. ١١ - التوبة: ٢٩. وتمامها: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.. ١٢ - محمد بن أبان بن وزير البلخي، أبو بكر مستملي وكيع. روى عنه: الجماعة سوى مسلم، وابن خزيمة، وخلق. حجة صنّف وجمع، مات سنة ٢٤٤. الكاشف: ٣/٣. ون التهذيب: ٧/٣. وقال في التقريب: ثقة حافظ.. ١٣ - علقمة بن مرثد. عن أبي عبد الرحمن السلمي، وسويد بن غفلة. وعنه: سفيان، وشعبة، وآخرون. ثقة. الكاشف: ٢/٢٧٢. ون التهذيب: ٥/٦٤٤. وقال في التقريب: ثقة.. ١٤ - سليمان بن بريدة الأسلمي. عن: أبيه، وعمران بن حصين. وعنه: علقمة بن مرثد، ومحمد بن جحادة. ثقة. ت سنة: ١٠٥. الكاشف: ١/٣٤٣. ون التهذيب: ٣/٤٦١. وقال في التقريب: ثقة.. ١٥ - بريدة بن حصين الأسلمي. شهد خيبر. وعنه: ابناه، والشعبي، وعدة. ت سنة: ٦٢. الكاشف: ١/١٠٣. ون الإصابة: ١/٢٨٦. والتهذيب: ١/٤٥٢. وقال في التقريب: صحابي.. ١٦ - سبق تخريجه في النص: ١٥٣ مختصرا.. ١٧ - النجم: ٣٦.. ١٨ - الشعراء: ١٩٦.. ١٩ - أخرجه البخاري بتمامه في أول أبواب الجزية والموادعة (٦٢)(ر٢٩٨٧). وأخرجه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: في أخذ الجزية من المجوس (٣١)(ر٣٠٤٣). وأخرجه الترمذي في السير (١٨) باب: ما جاء في أخذ الجزية من المجوس (٣١)(ر١٥٨٦). وأخرجه أحمد، والدارمي، والبيهقي. والمجوس: عبدة النار. وهجر: بلد معروفة في البحرين. ن معجم البلدان.. ٢٠ - التوبة: ٥ والصواب: ﴿فَاقْتُلُوا﴾.. ٢١ - الأنفال: ٣٩.. ٢٢ - النساء: ٩٢.. ٢٣ - النساء: ٩٣.. ٢٤ - التوبة: ٧٤.. ٢٥ - التوبة: ٩٥.. ٢٦ - سبق تخريجه.. ٢٧ - المقداد بن عمرو الكندي، وهو ابن الأسود، لأن الأسود بن عبد يغوث تبناه أو تزوج بأمه. كان المقداد سادسا في الإسلام. وعنه: جبير بن نفير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ت سنة: ٣٣هـ. الكاشف: ٣/١٥٤. ون الإصابة: ٦/٢٠٢. والتهذيب: ٨/٣٢٧.. ٢٨ - سبق تخريجه..

التوبة 9:6

٢٥٨- قال الشافعي رحمه الله تعالى : ومن جاء من المشركين يريد الإسلام فحق على الإمام أن يؤمنه حتى يتلو عليه كتاب الله عز وجل، ويدعوه إلى الإسلام بالمعنى الذي يرجو أن يدخل الله عز وجل به عليه الإسلام، لقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿وَإِنَ اَحَدٌ مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ اَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَـامَ اَللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مأمنه﴾(١) الآية. قال الشافعي رحمه الله تعالى : ومن قلت ينبذ إليه أبلغه مأمنه، وإبلاغه مأمنه أن يمنعه من المسلمين والمعاهدين ما كان في بلاد الإسلام، أو حيث يتصل ببلاد الإسلام، وسواء قرب ذلك أم بعد. قال الشافعي :﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾(٢) يعني ـ والله تعالى أعلم ـ منك أو ممن يقتله على دينك ممن يطيعك لا أمانة من غيرك من عدوك وعدوه الذي لا يأمنه ولا يطيعك ؛ فإذا أبلغه الإمام أدنى بلاد المشركين شيئا فقد أبلغه مأمنه الذي كلف إذا أخرجه سالما من أهل الإسلام، ومن يجري عليه حكم الإسلام من أهل عهدهم. ( الأم : ٤/١٩٠. ون أحكام الشافعي : ٢/٦٤-٦٥. ) ــــــــــــ ٢٥٩- قال الشافعي : وإنما أمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام فقال :﴿وَإِنَ اَحَدٌ مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ اَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَـامَ اَللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾(٣) ولم أعلم أمر بذلك في أحد من أهل الإسلام. فإن قال قائل : فلم لا تجعل ذلك في أهل الإسلام الممتنعين كما تجعله في المشركين الممتنعين ؟ قيل : لما وصفنا من سقوط ما أصاب المشرك في شركه، وامتناعه من دم أو مال عنه، وثبوت ما أصاب المسلم في امتناعه مع إسلامه ؛ فإن الحدود إنما هي على المؤمنين لا على المشركين. ( الأم : ٤/٢٩٣. ) ١ - التوبة: ٦.. ٢ - التوبة: ٦.. ٣ - التوبة: ٦..

التوبة 9:28

٢٦٠- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية. قال : فسمعت بعض أهل العلم يقول : المسجد الحرام : الحَرَم، قال الشافعي : وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك أن يدخل الحرم »(١). قال : وسمعت عددا من أهل العلم بالمغازي يروون أنه كان في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم :« لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا »(٢). فإن سأل أحد ممن تؤخذ منه الجزية أن يعطيها ويجزي عليه الحكم على أن يترك يدخل الحرم بحال، فليس للإمام أن يقبل منه على ذلك شيئا، ولا أن يدع مشركا يطأ الحرم بحال من الحالات طبيبا كان أو صانعا بنيانا، أو غيره، لتحريم الله عز وجل دخول المشركين المسجد الحرام، وبعده تحريم رسوله ذلك. ( الأم : ٤/١٧٧-١٧٨. ون أحكام الشافعي : ٢/٦١. ) ١ - لم أقف عليه بهذا اللفظ، وهو طرف بصيغة الجمع من حديث رواه الترمذي في التفسير (٤٤) باب: (٧)(ر٣٠٩٢) قال: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن بثيع، قال: سألنا عليا بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أحمد في مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال شاكر إسناده صحيح. ورواه البيهقي في الدلائل، والحاكم في المستدرك، وابن كثير في التفسير.. ٢ - ن النص رقم: ٢٥٤. هامش: ٢. وروى البيهقي في كتاب الجزية باب: لا يقرب الناس المسجد الحرام وهو الحرم كله مشرك ٩/٢٠٧ عن سفيان، عن أبي إسحاق الهمداني، عن زيد بن يشيع قال: سألنا عليا رضي الله عنه: بأي شيء بعثت؟ قال: بأربع، فذكرهن إلا أنه قال: ولا يجتمع مسلم ومشرك بعد عامهم هذا في الحج. وزاد: ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر..

التوبة 9:29

٢٦١- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿قَاتِلُوا اَلذِينَ لا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخر وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهَ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ قال : فكان بينا في الآية ـ والله تعالى أعلم ـ أن الذين فرض الله عز وجل قتالهم حتى يعطوا الجزية الذين قامت عليهم الحجة بالبلوغ، فتركوا دين الله عز وجل، وأقاموا على ما وجدوا عليه آباءهم من أهل الكتاب. وكان بينا أن الذين أمر الله بقتالهم الذين فيهم القتال وهم الرجال البالغون. قال الشافعي رحمه الله تعالى : ثم أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل معنى كتاب الله عز وجل، فأخذ الجزية من المحتلمين دون من دونهم ودون النساء(١). وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تقتل النساء من أهل الحرب ولا الولدان(٢)، وسباهم، فكان ذلك دليلا على خلاف بين النساء والصبيان والرجال، ولا جزية على من لم يبلغ من الرجال، ولا على امرأة، وكذلك لا جزية على مغلوب على عقله من قبل أنه لا دين له تمسك به ترك له الإسلام، وكذلك لا جزية على مملوك لأنه لا مال له يعطي منه الجزية. ( الأم : ٤/١٧٥. ون أحكام الشافعي : ٢/٦٠-٦١. ) ــــــــــــ ٢٦٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل :﴿حَتَّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ﴾(٣) وكان معقولا أن الجزية شيء يؤخذ في أوقات، وكانت الجزية محتملة للقليل و الكثير. قال الشافعي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله عز وجل معنى ما أراد، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزية أهل اليمن دينارا في كل سنة أو قيمته من المعافري وهي الثياب(٤). وكذلك روي أنه أخذ من أهل أيلة(٥). ومن نصارى مكة دينارا عن كل إنسان(٦). قال : وأخذ الجزية من أهل نجران فيها كسوة(٧)، ولا أدري ما غاية ما أخذ منهم. وقد سمعت بعض أهل العلم من المسلمين ومن أهل الذمة من أهل نجران يذكر أن قيمته ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار، وأخذها من أُكَيْدَر(٨)، ومن مجوس البحرين(٩)، لا أدري كم غاية ما أخذ منهم، ولم أعلم أحدا قط حكي عنه أنه أخذ من أحد أقل من دينار. ( الأم : ٤/١٧٩. ون الأم : ٤/١٩٩. ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٢٦٣- قال الشافعي : ولو حاصرنا أهل مدينة من أهل الكتاب فعرضوا علينا أن يعطونا الجزية لم يكن لنا قتالهم إذا أعطوناها، وأن يجري عليهم حكمنا. وإن قالوا : نعطيك موها ولا يجري علينا حكمكم لم يلزمنا أن نقبلها منهم، لأن الله عز وجل قال :﴿حَتَّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَّدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾(١٠) فلم أسمع مخالفا أن الصغَار : أن يعلو حكم الإسلام على حكم الشرك ويجري عليهم. ولنا أن نأخذ منهم متطوعين وعلى النظر للإسلام وأهله، وإن لم يجر عليهم الحكم كما يكون لنا ترك قتالهم. ولو عرضوا علينا أن يعطونا الجزية ويجري عليهم الحكم فاختلفنا نحن وهم في الجزية فقلنا : لا نقبل إلا كذا، وقالوا : لا نعطيكم إلا كذا، رأيت ـ والله تعالى أعلم ـ أن يلزمنا أن نقبل منهم دينارا دينارا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذه من نصراني بمكة مقهور، ومن ذمة اليمن وهم مقهورون، ولم يلزمنا أن نأخذ منهم أقل منه، والله تعالى أعلم. لأنا لم نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدا من الأئمة أخذ منهم أقل منه. ( الأم : ٤/٢٧٩. ون الأم : ٤/١٧٦ و ٤/٢١٠ و ٤/٢٨٤. و أحكام الشافعي : ٢/٥٩-٦٠. ) ١ - قال مالك في الزكاة (١٧) باب: جزية أهل الكتاب والمجوس (٢٤)(ر٤٥): مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب، ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تأخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم.. ٢ - أخرج البخاري في الجهاد (٦٠) باب: قتل الصبيان في الحرب (١٤٥) و باب: قتل النساء في الحرب (١٤٦)(ر٢٨٥١) و (ر٢٨٥٢) عن نافع: أن عبد رضي الله عنه أخبره: أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان. وأخرجه مسلم في الجهاد والسير (٣٢) باب: تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب (٨)(ر١٧٤٤). وأخرجه أبو داود في الجهاد، والترمذي في السير، وابن ماجة في الجهاد.. ٣ - التوبة. ٢٩.. ٤ - أخرج أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: في أخذ الجزية (٣٠)(ر٣٠٣٨-٣٠٣٩) عن معاذ: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وجَّهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ـ يعني محتلما ـ دينارا، أو عدله من المعافري، ثياب تكون باليمن». وأخرجه الترمذي في الزكاة (٤) باب: ما جاء في زكاة البقر (٥)(ر٦٢٣) وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه النسائي في الزكاة (٢٣) باب: زكاة البقر (٨)(ر٢٤٤٩ و ٢٤٥٠ و ٢٤٥١). وأخرجه ابن ماجة في الزكاة (٨)(ر١٨٠٣). وأخرجه أحمد، ومالك، والدارمي، والبيهقي في كتاب الجزية.. ٥ - روى البيهقي في كتاب الجزية باب: كم الجزية ٩/١٩٥ عن أبي الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على نصراني بمكة يقال له موهب دينارا كل سنة. وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا، وأن لا يغشوا مسلما.. ٦ - روى البيهقي في كتاب الجزية باب: كم الجزية ٩/١٩٥ عن أبي الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على نصراني بمكة يقال له موهب دينارا كل سنة. وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار كل سنة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا، وأن لا يغشوا مسلما.. ٧ - روى أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: في أخذ الجزية (٣٠)(ر٣٠٤١) عن ابن عباس قال: صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران على ألفي حلة، النصف في صفر والبقية في رجب، يؤدونها إلى المسلمين.. الحديث ورواه البيهقي في كتاب الجزية باب: كم الجزية ٩/١٩٥.. ٨ - روى أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب: في أخذ الجزية (٣٠)(ر٣٠٣٧) عن أنس بن مالك، وعن عثمان بن أبي سليمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أُكَيْدَرِ دُومَةَ، فأُخذ، فأتوه به، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية. وأكيدر دومة: رجل من العرب يقال: هو من غسان.. ٩ - سبق تخريجه.. ١٠ - التوبة: ٢٩..

التوبة 9:33

٢٦٤- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ اِلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾ أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« إذا هلك كسرى(١) فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر(٢) فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله »(٣). قال الشافعي : لما أُتِيَ كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« يمزق ملكه »(٤). قال الشافعي : وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ووضعه في مسك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يثبت ملكه »(٥). قال الشافعي : ووعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فتح فارس والشام(٦). فأغزى أبو بكر الشام على ثقة من فتحها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح بعضها، وتم فتحها في زمان عمر وفتح العراق وفارس(٧). قال الشافعي : فقد أظهر الله عز وجل دينه الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان، بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره بأن جماع الشرك دينان : دين أهل الكتاب، ودين الأميين. فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه صلى الله عليه وسلم وهذا ظهور الدين كله. قال : وقد يقال : ليظهرن الله عز وجل دينه على الأديان حتى لا يدان لله عز وجل إلا به، وذلك متى شاء الله تبارك وتعالى. قال الشافعي : وكانت قريش تنتاب(٨) الشام انتيابا كثيرا مع معايشها منه، وتأتي العراق. قال : فلما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم خوفها من انقطاع معايشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :« إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ». قال الشافعي : لم يكن بأرض العراق كسرى بعده ثبت له أمر بعده، قال :« وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده » فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده، وأجابهم على ما قالوا له، وكان كما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس، وقيصر ومن قام بالأمر بعده عن الشام. قال الشافعي : قال النبي صلى الله عليه وسلم في كسرى :« يمزق ملكه » فلم يبق للأكاسرة ملك. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وقال في قيصر :« يثبت ملكه » فثبت له ملك ببلاد الروم إلى اليوم، وتنحى ملكه عن الشام، وكل هذا أمر يصدقُ بعضه بعضا. ـــــــــــــــــــــــــــ ٢٦٤- الأم : ٤/١٧١. ون أحكام الشافعي : ٢/٤٩-٥٠. ومختصر المزني ص : ٢٧٦. والسنن الكبرى : ٩/١٨١ و ٩/١٧٩. ١ - كسرى: لقب ملك الفرس.. ٢ - قيصر: لقب ملك الروم.. ٣ - رواه البخاري في بلفظ مغاير في الجهاد (٦٠) باب: الحرب خدعة (١٥٤)(ر٢٨٦٤). وفي الخمس (٦١) باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « أحلت لكم الغنائم » (٨)(ر٢٩٥٢ و ٢٩٥٣). وفي المناقب: (٦٥) باب: علامات النبوة في الإسلام (٢٢)(ر٣٤٢٢ و ٣٤٢٣). وفي الأيمان والنذر (٨٦) باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم (٢)(ر٦٢٥٤ و ٦٢٥٥). ورواه مسلم بنحوه في الفتن وأشراط الساعة (٥٢) باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل (١٨)(ر٢٩١٨). ورواه الترمذي، وأحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٦٧٣).. ٤ - أخرج البخاري في العلم (٣) باب: ما يذكر في المناولة (٧)(ر٦٤) عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق. ورواه كذلك في الجهاد باب: دعوت اليهود والنصارى. وفي المغازي باب: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر. وفي التمني باب: ما كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم من الأمراء والرسل. ورواه البيهقي في كتاب السير باب: إظهار النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان ٩/١٧٧ عن الشافعي.. ٥ - رواه البيهقي في كتاب السير باب: إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان ٩/١٧٧ عن الشافعي.. ٦ - روى البيهقي في كتاب السير باب: بيان النية التي يقاتل عليها ٩/١٦٩ عن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال: «... ليفتحن لكم الشام ثم لتقسمن كنوز فارس والروم... » الحديث. ورواه في باب: إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان ٩/١٧٩. وروى البخاري في فضائل المدينة (٣٥) باب: من رغب عن المدينة (٥)(ر١٧٧٦) عن سفيان ابن أبي زهير رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح اليمن والشام والعراق.. ٧ - روى البيهقي في كتاب السير باب: إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان ٩/١٧٩-١٨٠ عن محمد ابن إسحاق في قصة خالد بن الوليد حين فرغ من اليمامة قال: فكتب أبو بكر إلى خالد ابن الوليد والذين معه من المهاجرين والأنصار وهو باليمامة، وفيها: «... ألا وقد أمرت خالد بن الوليد بالمسير إلى العراق فلا يبرحها حتى يأتيه أمري، فسيروا معه ولا تثاقلوا عنه.. » قال البيهقي: ثم بين في التواريخ ورود كتابه عليه بالسير إلى الشام، وإمداد من بها من أمراء الأجناد وما كان من الظفر للمسلمين يوم أجنادين في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وما كان من خروج هرقل متوجها نحو الروم، وما كان من الفتوح بها وبالعراق وبأرض فارس وهلاك كسرى وحمل كنوزه إلى المدينة في أيام عمر رضي الله عنه.. ٨ - انتاب الرجل القوم انتيابا: إذا قصدهم وأتاهم مرة بعد مرة، وهو ينتابهم. اللسان: نوب..

التوبة 9:37

٢٦٥- قال الشافعي رحمه الله : أكره أن يقال للمحرَّم : صفر، ولكن يقال له : المحرم. وإنما كرهت أن يقال للمحرم صفر، من قبل أن أهل الجاهلية كانوا يعدون، فيقولون : صَفَرَان، للمحرم وصفر، وينسئون، فيحجون عاما في شهر وعاما في غيره. ويقولون : إن أخطأنا موضع المحرم في عام أصبناه في غيره، فأنزل الله عز وجل :﴿إِنَّمَا النسي زِيَادَةٌ فِى اِلْكُفْرِ﴾. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السَّنَةُ : اثنا عشر شهرا منها أربع حُرُم : ثلاثة متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب شهر مُضَر(١) الذي بين جمادى وشعبان »(٢). قال الشافعي : فلا شهر ينسأ. وسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم المحرَّم. ( أحكام الشافعي : ٢/١٩٥-١٩٧. ون السنن الكبرى : ٥/١٦٥. ) ١ - إذ كانت قبيلة ربيعة تخالف فيه قبيلة مضر فتجعله في رمضان. ونسب رجب إلى مضر لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من غيرها. اللسان: رجب.. ٢ - رواه البخاري عن أبي بكرة في بدء الخلق (٦٣) باب: ما جاء في سبع أرضين (٢)(ر٣٠٢٥). ورواه مسلم في القسامة (٢٨) باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (٩)(ر١٦٧٩)..

التوبة 9:41

٢٦٦- قال الشافعي رحمه الله تعالى : فلما فرض الله تعالى الجهاد دلَّ في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرض الخروج إلى الجهاد على مملوك(١)، أو أنثى بالغ(٢)، ولا حرٍّ لم يبلغ(٣)، لقول الله عز وجل :﴿اِنفِرُوا خِفَافا وَثِقَالا وَجَاهِدُواْ﴾ وقرا الربيع الآية. فكأن الله عز وجل حكم أن لا مال للمملوك، ولم يكن مجاهد إلا ويكون عليه للجهاد مؤنة من المال ولم يكن للمملوك مال. وقد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿حَرِّضِ اِلْمُومِنِينَ عَلَى اَلْقِتَالِ﴾(٤) فدل على أنه أراد بذلك الذكور دون الإناث، لأن الإناث : المؤمنات. وقال عز وجل :﴿وَمَا كَانَ اَلْمُومِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً﴾(٥) وقال :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتَالُ﴾(٦) وكل هذا يدل على أنه أراد به الذكور دون الإناث. وقال عز وجل ـ إذ أمر بالاستئذان ـ :﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ اَلْحُلُمَ فليستأذنوا كَمَا استأذن اَلذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾(٧) فأعلم أن فرض الاستئذان إنما هو على البالغين. وقال :﴿وَابْتَلُوا اَلْيَتَامى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا اَلنِّكَاحَ فَإِنَ آنستم مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾(٨) فلم يجعل لرشدهم حكما تصير به أموالهم إليهم إلا بعد البلوغ، فدل على أن الفرض في العمل إنما هو على البالغين، ودلت السنة، ثم ما لم أعلم فيه مخالفا من أهل العلم على مثل ما وصفت. قال الشافعي رحمه الله تعال : أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله أبو عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ـ شك الربيع ـ قال : عُرضتُ على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردَّني، وعُرضْتُ عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني(٩). قال الشافعي رحمه الله تعالى : وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم القتال عبيد ونساء وغير بالغين فرضخ لهم ولم يُسْهم(١٠). وأسهم لضعفاء أحرار بالغين شهدوا معه، فدل ذلك على أن السهمان إنما تكون فيمن شهد القتال من الرجال الأحرار، ودلَّ ذلك على أن لا فرض في الجهاد على غيرهم. ( الأم : ٤/١٦٢. ون مناقب الإمام الشافعي ص : ٢٣٨. ) ١ - أخرج مسلم في الجهاد والسير (٣٢) باب: النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم (٤٨)(ر١٨١٢) عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما؟.. فقال ابن عباس: إنك كتبت تسألني عن المرأة والعبد يحضران المغنم، هل يقسم لهما شيء؟ وأنه ليس لهما شيء إلا أن يُحذَيا.. الحديث. ويحذيا من الْحُذْوَةِ: وهي العطية وتسمى الرضخ، والرضخ: العطية القليلة. إذ لو كان الجهاد فرضا على النساء والعبيد، لكان يسهم لهما من الغنائم. وأخرجه أبو داود في الجهاد (٩) باب: في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة (١٥٢)(ر٢٧٢٧ و ٢٧٢٨). وأخرجه الترمذي في السير (١٨) باب: من يعطي الفيء (٨) وباب: هل يسهم للعبد (٩)(ر ١٥٥٦ و ١٥٥٧). وأخرجه البخاري في الجهاد (٦٠) باب: جهاد النساء (٦١)(ر٢٧٢٠ و ٢٧٢١) عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: « جهادكن الحج ».. ٢ - أخرج مسلم في الجهاد والسير (٣٢) باب: النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم (٤٨)(ر١٨١٢) عن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة بن عامر الحروري إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم هل يقسم لهما؟.. فقال ابن عباس: إنك كتبت تسألني عن المرأة والعبد يحضران المغنم، هل يقسم لهما شيء؟ وأنه ليس لهما شيء إلا أن يُحذَيا.. الحديث. ويحذيا من الْحُذْوَةِ: وهي العطية وتسمى الرضخ، والرضخ: العطية القليلة. إذ لو كان الجهاد فرضا على النساء والعبيد، لكان يسهم لهما من الغنائم. وأخرجه أبو داود في الجهاد (٩) باب: في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة (١٥٢)(ر٢٧٢٧ و ٢٧٢٨). وأخرجه الترمذي في السير (١٨) باب: من يعطي الفيء (٨) وباب: هل يسهم للعبد (٩)(ر ١٥٥٦ و ١٥٥٧). وأخرجه البخاري في الجهاد (٦٠) باب: جهاد النساء (٦١)(ر٢٧٢٠ و ٢٧٢١) عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: « جهادكن الحج ».. ٣ - إشارة إلى حديث ابن عمر كما سيأتي.. ٤ - الأنفال: ٦٥.. ٥ - التوبة: ١٢٢.. ٦ - البقرة: ٢١٦.. ٧ - النور: ٥٩.. ٨ - النساء: ٦.. ٩ - سبق تخريجه.. ١٠ - سبق تخريجه..

التوبة 9:60

٢٦٧- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿إِنَّمَا اَلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية. فبين الله عز وجل لمن الصدقات، ثم وكَّدَها وشددها فقال :﴿فَرِيضَةً مِّنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فقسم كل ما أخذ من مسلم، على قسم الله عز وجل، وهي سهمان ثمانية لا يصرف منهم سهم، ولا شيء منه عن أهله ما كان من أهله أحد يستحقه. ولا تخرج صدقت قوم منهم عن بلدهم وفي بلدهم من يستحقها. أخبرنا وكيع(١)، عن زكريا بن إسحاق(٢)، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي(٣)، عن أبي معبد(٤)، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه : « فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم »(٥). أخبرنا يحيى بن حسان الثقة من أصحابنا، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن شريك بن أبي نمر(٦)، عن أنس بن مالك : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نشدتك الله آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتردها على فقرائنا ؟ قال :« نعم »(٧). قال الشافعي : والفقراء ههنا كل من لزمه اسم حاجة ممن سمى الله تعالى من الأصناف الثمانية، وذلك أن كلهم إنما يعطى بموضع الحاجة لا بالاسم. فلو أن ابن السبيل كان غنيا لم يعط، وإنما يعطى ابن السبيل المحتاج إلى السلاح في وقته الذي يعطى فيه. فإن لم يوجد من أهل الصدقات الذين يوجد منهم أحد من أهل السهمان الذين سمى الله عز وجل، ردت حصة من لم يوجد على من وجد، كأن وجد فيهم فقراء، ومساكين، وغارمون، ولم يوجد غيرهم، فقسم الثمانية الأسهم على ثلاثة أسهم، وبيان هذا في أسفل الكتاب(٨). فأهل السهمان يجمعهم أنهم أهل حاجة إلى مالهم منها كلهم، وأسباب حاجاتهم مختلفة، وكذلك أسباب استحقاقهم بمعَانٍ مختلفة، يجمعها الحَاجَةُ، ويفرق بينها صفاتها. ( الأم : ٢/٨٣. ون الأم : ٢/٧١ و ٤/١٢٦ و ٧/٢٣. ومختصر المزني ص : ١٥٥. وأحكام الشافعي : ١/١٦٠-١٦١. ) ١ - وكيع بن الجراح، أبو سفيان الرؤاسي أحد الأعلام. عن: العمش، وهشام بن عروة. وعنه: أحمد، وإسحاق، وإبراهيم بن عبد الله القصار. ولد سنة: ١٢٨. قال أحمد: ما رأيت أوعى للعلم منه ولا أحفظ، كان أحفظ من ابن مهدي. وقال حماد بن زيد: لو شئت لقلت: إنه أرجح من سفيان. وقال أحمد: لما ولي حفص بن غياث القضاء هجره وكيع. مات بفيد يوم عاشوراء سنة: ١٩٧. الكاشف: ٣/١٢٥. ون التهذيب: ٩/١٣٩. وقال في التقريب: ثقة حافظ عابد.. ٢ - زكريا بن إسحاق. عن: عطاء، وأبي الزبير. وعنه: روح، وعبد الرزاق. ثقة. الكاشف: ١/٢٧٦. ون التهذيب: ٣/١٥٥. وقال في التقريب: ثقة رمي بالقدر.. ٣ - يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي، ويقال: يحيى بن محمد. عن أبي معبد، وعكرمة. وعنه: ابن جريج، وعبد الله بن المؤمل. ثقة. الكاشف: ٣/٢٤٧. ون التهذيب: ٩/٢٥٨. وقال في التقريب: ثقة.. ٤ - نافذ، أبو معبد. عن: مولاه ابن عباس. وعنه: أبو الزبير، وسليمان الحول. مات سنة: ١٠٤. الكاشف: ٣/١٨٠. ون التهذيب: ٨/٤٦٤. وقال في التقريب: ثقة.. ٥ - أخرجه البخاري في الزكاة (٣٠) باب: وجوب الزكاة (١)(ر١٣٣١) وفي باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة (٤٠)(ر١٣٨٩). وفي باب: أخذالصدقة من الأغنياء (٦٢)(ر١٤٢٥). وفي المغازي (٦٧) باب: بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل (٥٧)(ر٤٠٩٠). وفي أول التوحيد (١٠٠)(ر٦٩٣٧). وأخرجه مسلم في الإيمان (١) باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (٧)(ر١٩). وأخرجه أصحاب السنن.. ٦ - شريك بن عبد الله بن أبي نمر المدني. عن: أنس، وابن المسيب. وعنه: مالك، وأنس ابن عياض. قال ابن معين: لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. الكاشف: ٢/١٠. ون التهذيب: ٣/٦٢٦. وقال في التقريب: صدوق يخطئ. وتعقبه صاحب التحرير ٢/١١٤ فقال: بل صدوق حسن الحديث، فقد وثقه أبو داود، وابن سعد، والعجلي، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن الجارود: ليس به بأس وليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وقال ابن عدي: وشريك رجل مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك، وغير مالك من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته إلا أن يروي عنه ضعيف. قلنا: وإنما أنزل إلى مرتبة «صدوق» بسبب خطئه في حديث المعراج، قال المؤلف في مقدمة «الفتح»: احتج به الجماعة، إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة. قلنا: مجموع هذه المواضع تزيد على عشرة ذكرها في «الفتح».. ٧ - أخرجه البخاري مطولا في العلم (٣) باب: ما جاء في العلم (٦)(ر٦٣). وأخرجه مسلم في الإيمان (١) باب: السؤال عن أركان الإسلام (٣)(ر١٢). وأخرجه أصحاب السنن.. ٨ - قوله: وبيان هذا في أسفل الكتاب، كذا في جميع النسخ التي بيدنا، وليس لهذا البيان أثر في شيء منها، فلعله كان في أصل الأم الذي كتبه الربيع أو كتب من نسخته. كتبه مصححه..

التوبة 9:91

٢٦٨- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل في الجهاد :﴿لَّيْسَ عَلَى اَلضُّعَفَاء وَلا عَلَى اَلْمَرْضى وَلا عَلَى اَلذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلهِ وَرَسُولِهِ﴾الآية، وقال :﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلا عَلَى اَلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾(١). قال الشافعي رحمه الله تعالى : وقيل : الأعرج : المقعد، والأغلب أنه الأعرج في الرِّجلِ الواحدة، وقيل : نزلت في أن لا حرج أن لا يجاهدوا، وهو أشبه ما قالوا وغير محتمل غيره، وهم داخلون في حد الضعفاء وغير خارجين من فرض الحج ولا الصلاة ولا الصوم ولا الحدود، ولا يحتمل ـ والله تعالى أعلم ـ أن يكون أريد بهذه الآية إلا وضع الحرج في الجهاد دون غيره من الفرائض. قال الشافعي رحمه الله تعالى : الغزو غزوان : غزو يبعد عن المغازي وهو ما بلغ مسيرة ليلتين قاصدتين حيث تقصر الصلاة وتقدم مواقيت الحج من مكة، وغزو يقرب وهو ما كان دون ليلتين مما لا تقصر فيه الصلاة وما هو أقرب من المواقيت إلى مكة. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وإذا كان الغزو البعيد لم يلزم القوي السالم البدن كله إذا لم يجد مركبا وسلاحا ونفقة، ويدع لمن تلزمه نفقته قوته إذن قدر ما يرى أنه يلبث، وإن وجد بعض هذا دون بعض فهو ممن لا يجد ما ينفق(٢). قال الشافعي رحمه الله تعالى : نزلت :﴿وَلا عَلَى اَلذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ حَزَناً﴾(٣) الآية. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وإذا وجد هذا كله دخل في جملة من يلزمه فرض الجهاد، فإن تهيا للغزو ولم يخرج، أو خرج ولم يبلغ موضع الغزو، أو بلغه ثم أصابه مرض، أو صار ممن لا يجد في أي هذه المواضيع كان، فله أن يرجع وقد صار من أهل العذر، فإن ثبت كان أحبَّ إليَّ ووسعه الثبوت. وإذا كان ممن لم يكن لهم قُوتهم لم يحل له أن يغزو على الابتداء، ولا يثبت في الغزو إن غزا، ولا يكون له أن يضيع فرضا ويتطوع لأنه إذا لم يجد فهو متطوع بالغزو، ومن قلت له : أن لا يغزو فله أن يرجع إذا غزا بالعذر، وكان ذلك له ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقيا لم يكن له ذلك حتى يتفرقا. ( الأم : ٤/١٦٢-١٦٣. ون أحكام الشافعي : ٢/٢٣-٢٥. ومختصر المزني ص : ٢٦٩. ) ١ - النور: ٦١. و الفتح: ١٧.. ٢ - أخرج البخاري في الجهاد (٦٠) باب: تمني الشهادة (٧)(ر٢٦٤٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ». وأخرجه مسلم في الإمارة (٣٣) باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (٢٨)(ر١٨٧٦).. ٣ - التوبة: ٩٢..

التوبة 9:92

٢٦٨- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل في الجهاد :﴿لَّيْسَ عَلَى اَلضُّعَفَاء وَلا عَلَى اَلْمَرْضى وَلا عَلَى اَلذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلهِ وَرَسُولِهِ﴾الآية، وقال :﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلا عَلَى اَلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾(١). قال الشافعي رحمه الله تعالى : وقيل : الأعرج : المقعد، والأغلب أنه الأعرج في الرِّجلِ الواحدة، وقيل : نزلت في أن لا حرج أن لا يجاهدوا، وهو أشبه ما قالوا وغير محتمل غيره، وهم داخلون في حد الضعفاء وغير خارجين من فرض الحج ولا الصلاة ولا الصوم ولا الحدود، ولا يحتمل ـ والله تعالى أعلم ـ أن يكون أريد بهذه الآية إلا وضع الحرج في الجهاد دون غيره من الفرائض. قال الشافعي رحمه الله تعالى : الغزو غزوان : غزو يبعد عن المغازي وهو ما بلغ مسيرة ليلتين قاصدتين حيث تقصر الصلاة وتقدم مواقيت الحج من مكة، وغزو يقرب وهو ما كان دون ليلتين مما لا تقصر فيه الصلاة وما هو أقرب من المواقيت إلى مكة. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وإذا كان الغزو البعيد لم يلزم القوي السالم البدن كله إذا لم يجد مركبا وسلاحا ونفقة، ويدع لمن تلزمه نفقته قوته إذن قدر ما يرى أنه يلبث، وإن وجد بعض هذا دون بعض فهو ممن لا يجد ما ينفق(٢). قال الشافعي رحمه الله تعالى : نزلت :﴿وَلا عَلَى اَلذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ حَزَناً﴾(٣) الآية. قال الشافعي رحمه الله تعالى : وإذا وجد هذا كله دخل في جملة من يلزمه فرض الجهاد، فإن تهيا للغزو ولم يخرج، أو خرج ولم يبلغ موضع الغزو، أو بلغه ثم أصابه مرض، أو صار ممن لا يجد في أي هذه المواضيع كان، فله أن يرجع وقد صار من أهل العذر، فإن ثبت كان أحبَّ إليَّ ووسعه الثبوت. وإذا كان ممن لم يكن لهم قُوتهم لم يحل له أن يغزو على الابتداء، ولا يثبت في الغزو إن غزا، ولا يكون له أن يضيع فرضا ويتطوع لأنه إذا لم يجد فهو متطوع بالغزو، ومن قلت له : أن لا يغزو فله أن يرجع إذا غزا بالعذر، وكان ذلك له ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقيا لم يكن له ذلك حتى يتفرقا. ( الأم : ٤/١٦٢-١٦٣. ون أحكام الشافعي : ٢/٢٣-٢٥. ومختصر المزني ص : ٢٦٩. ) ١ - النور: ٦١. و الفتح: ١٧.. ٢ - أخرج البخاري في الجهاد (٦٠) باب: تمني الشهادة (٧)(ر٢٦٤٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ». وأخرجه مسلم في الإمارة (٣٣) باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (٢٨)(ر١٨٧٦).. ٣ - التوبة: ٩٢.. ٢٦٩- قال الشافعي : فرض الله عز وجل على أهل دينه المسلمين في أموالهم حقا لغيرهم من أهل دينه المسلمين المحتاجين إليه، لا يسع أهل الأموال حبسه عمن أمروا بدفعه إليه من أهله، أو وُلاته، ولا يسع الولاة تركه لأهل الأموال لأنهم أمناء على أخذه لأهله منهم، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمُ إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ ففي هذه الآية دلالة على ما وصفت من أن ليس لأهل الأموال منع ما جعل الله عز وجل عليهم ولا لمن وليهم ترك ذلك لهم، ولا عليهم. أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب قال : لم يبلغنا أن أبا بكر وعمر أخذا الصدقة مثناة، ولكن كانا يبعثان عليهما في الخصب، والجدب، والسمن، والعجف، ولا يضمنانها أهلها، ولا يؤخرانها عن كل عام، لأن أخذها في كل عام سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم(١). قال الشافعي رحمه الله تعالى : ولم نعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها عاما لا يؤخذها فيه، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها، لا تفرقوا بين ما جمع الله(٢). قال الشافعي : هذا إنما هو فيما أخذ من المسلمين خاصة لأن الزكاة والطهور إنما هو للمسلمين والدعاء بالأجر والبركة. قال الشافعي : وإذا أخذ صدقة مسلم دعا له بالأجر والبركة كما قال الله عز وجل :﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمُ﴾(٣) أي ادْعُ لهم، فما أخذ من مسلم فهو زكاة، والزكاة صدقة، والصدقة زكاة وطهور، أمرُهُما واحد ومعناهما واحد وإن سميت مرة زكاة ومرة صدقة هما اسمان لها بمعنى واحد، وقد تسمي العرب الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وهذا بين في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي لسان العرب. قال الله عز وجل :﴿وَأَقِيمُوا اَلصَّلَواةَ وَءَاتُوا اَلزَّكَواةَ﴾(٤) قال أبو بكر :« لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، لا تفرقوا بين ما جمع الله »(٥) يعني ـ والله أعلم ـ قول الله عز وجل :﴿وَأَقِيمُوا اَلصَّلَواةَ وَءَاتُوا اَلزَّكَواةَ﴾(٦) واسم ما أخذ من الزكاة صدقة، وقد سماها الله تعالى في القسم صدقة فقال :﴿إِنَّمَا اَلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾(٧) الآية ؛ تقول : إذا جاء المصدق يعني الذي يأخذ الماشية، وتقول : إذا جاء الساعي، وإذا جاء العامل. قال الشافعي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، ولا فيما دون خمس أواق من الورق صدقة »(٨). قال الشافعي : والأغلب على أفواه العامة أن في التمر العُشر، وفي الماشية الصدقة، وفي الورق الزكاة، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كله صدقة، والعرب تقول له : صدقة وزكاة، ومعناهما عندهم معنى واحد ؛ فما أخذ من مسلم من صدقة ماله ناضا كان أو ماشية أو زرعا أو زكاة فطر، أو خمس ركاز، أو صدقة معدن، أو غيره مما وجب عليه في ماله، في كتاب أو سنة أو أمرٍ أجمع عليه عوام المسلمين، فمعناه واحد أنه زكاة. والزكاة صدقة وقسمة واحد لا يختلف كما قسمه الله. الصدقات ما فرض الله عز وجل على المسلمين في طهور. ( الأم : ٢/٨٢-٨٣. ون الأم : ٢/٦٠. ومختصر المزني ص : ٥٣ و ص : ١٥٥. ) ــــــــــــ ٢٧٠- قال الشافعي : أما أهل الامتناع فقالوا : قد فرض الله علينا أن نؤديها إلى رسوله، كأنهم ذهبوا إلى قول الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم :﴿خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾(٩) وقالوا : لا نعلمه يجب علينا أن نؤديها إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. ( الأم : ٤/٢١٦. ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٢٧١- قال الشافعي : ونجد الزكاة فرضا تجامع الصلاة وتخالفها، ولا نجد الزكاة تكون إلا ثابتة أو ساقطة، فإذا ثبتت لم يكن فيها إلا أداؤها مما وجبت في جميع الحالات مستويا، ليست تختلف بعذرٍ كما اختلفت تأدية الصلاة قائما أو قاعدا. ونجد المرء إذا كان له مال حاضر تجب فيه الزكاة، وكان عليه دين مثله زالت عنه الزكاة حتى لا يكون عليه منها شيء في تلك الحال(١٠). والصلاة لا تزول في حال، يؤديها كما أطاقها. قال الربيع : وللشافعي قول آخر : إذا كان عليه دين عشرين دينارا وله مثلها، فعليه الزكاة يؤديها من قبل أن الله عز وجل قال :{ خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا }(١١) فلما كانت هذه العشرون لو وهبها جازت هبته، ولو تصدق بها جازت صدقته، ولو تلفت كانت منه، فلما كانت أحكامها كلها تدل على أنها مال من ماله وجبت عليه فيها الزكاة لقول الله تبارك وتعالى :﴿خُذْ مِنَ اَمْوَالِهِمْ﴾(١٢) الآية. قال الشافعي رحمه الله تعالى : ونجد المرأة ذات المال تزول عنها الصلاة في أيام حيضها ولا تزول عنها الزكاة، وكذلك الصبي والمغلوب على عقله. ( الأم : ٧/٢٨٧. ) ١ - رواه البيهقي في كتاب الزكاة باب: ما على الإمام من بعث السعاة على الصدقة ٤/١١٠. وروى مالك في الزكاة (١٧)باب: الزكاة في العين من الذهب والورق (٢)(ر٤)، قال القاسم: إن أبا بكر الصديق لم يكن يأخذ من مال زكاة حتى يحول عليه الحول. وفي نفس الباب (ر٦) عن نافع، عن ابن عمر كان يقول: لا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. وروى البيهقي في كتاب الزكاة باب: الوقت الذي تجب فيه الصدقة ٤/١٠٩ عن عاصم بن ضمرة والحارث عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول».. ٢ - سبق تخريجه.. ٣ - التوبة: ١٠٣.. ٤ - البقرة: ٤٣.. ٥ - سبق تخريجه.. ٦ - البقرة: ٤٣.. ٧ - التوبة: ٦٠. والآية بتمامها: ﴿إِنَّمَا اَلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى اِلرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اِللَّهِ وَابْنِ اِلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اَللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.. ٨ - سبق تخريجه.. ٩ - التوبة: ١٠٣.. ١٠ - أخرج مالك في الزكاة (١٧) باب: الزكاة في الدين (٨)(ر١٧) عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيدة: أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منه الزكاة. وأخرجه البيهقي في كتاب الزكاة باب: الدين مع الصدقة ٤/١٤٨. وأخرجه الشافعي في الأم: ٢/٥٠ وفي المسند (ر٦٢٠). وروى مالك في الزكاة (١٧) باب: الزكاة في الدين (٨)(ر١٩) عن يزيد بن خصيفة: أنه سأل سليمان بن يسار عن رجل له مال وعليه دين مثله: أعليه زكاة؟ فقال: لا.. ١١ - التوبة: ١٠٣.. ١٢ - التوبة: ١٠٣..

التوبة 9:104

٢٧٢- قال الشافعي : أخبرنا سفيان، عن ابن عجلان، عن سعيد بن يسار(١)، عن أبي هريرة قال : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول :« والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب، إلا كان كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فُلُوَّهُ، حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل العظيم » ثم قرأ :﴿اَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأخذ الصَّدَقَاتِ﴾. (٢) ( الأم : ٢/٦٠. ) ١ - سعيد بن يسار أبو الحباب، من علماء المدينة. عن: عائشة، وأبي هريرة. وعنه: ربيعة، ويحيى بن سعيد. ت سنة: ١١٧هـ. الكاشف: ١/٣٢٩. ون التهذيب: ٣/٣٨٧. وقال في التقريب: ثقة متقن.. ٢ - سبق تخريجه..

التوبة 9:108

قوله عز وجل { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُطَّهِّرِينَ { ١٠٨ } } ٢٧٣- قال الشافعي : وإذا استنجى رجل بشيء غير الماء لم يجزه أقل من ثلاثة أحجار وإن أنقى والاستنجاء كان، ولو جمعه رجل ثم غسل بالماء كان أحب إلي، ويقال إن قوما من الأنصار استنجوا بالماء، فنزلت فيهم :﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ اَلْمُطَّهِّرِينَ﴾. ( الأم : ١/٢٢. ون أحكام الشافعي : ١/٤٥. )

التوبة 9:123

٢٧٤- قال الشافعي : قال الله عز وجل :﴿قَاتِلُوا اَلذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ اَلْكُفّارِ﴾ قال : ففرض الله جهاد المشركين ثم أبان من الذين نبدأ بجهادهم من المشركين، فأعلمهم أنهم الذين يلون المسلمين، وكان معقولا في فرض الله جهادهم أن أولاهم بأن يجاهد أقربهم بالمسلمين دارا، لأنهم إذا قووا على جهادهم وجهاد غيرهم كانوا على جهاد من قرب منهم أقوى، وكان من قرب أولى أن يجاهد من قربه من عورات المسلمين، وأن نكاية من قرب أكثر من نكاية من بعد. قال : فيجب على الخليفة إذا استوت حال العدو، أو كانت بالمسلمين عليهم قوة، أن يبدأ بأقرب العدو من ديار المسلمين لأنهم الذين يلونهم، ولا يتناول من خلفهم من طريق المسلمين على عدو دونه حتى يحكم أمر العدو دونه بأن يسلموا، أو يعطوا الجزية إن كانوا أهل كتاب. وأحب له إن لم يرد تناول عدو وراءهم، ولم يطل على المسلمين عدو، أن يبدا بأقربهم من المسلمين لأنهم أولى باسم الذين يلون المسلمين. وإن كان كل يلي طائفة من المسلمين فلا أحب أن يبدا بقتال طائفة تلي قوما من المسلمين دون آخرين، وإن كانت أقرب منهم من الأخرى إلى قوم غيرهم. فإن اختلف حال العدو، فكان بعضهم أنكى من بعض، أو أخوف من بعض، فليبدأ الإمام بالعدو الأخوف أو الأنكى، ولا بأس أن يفعل وإن كانت داره أبعد إن شاء الله تعالى حتى يخاف ممن بدا به مما لا يخاف من غيره مثله، وتكون هذه بمنزلة ضرورة، لأنه يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها. وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحرث بن أبي ضرار أنه يجمع له، فأغار النبي صلى الله عليه وسلم عليه وقربه عدو أقرب منه(١). وبلغه أن خالد بن سفيان بن شح يجمع له، فأرسل ابن أنيس(٢) فقتله، وقربه عدو أقرب(٣). ( الأم : ٤/١٦٨. ون أحكام الشافعي : ٢/٢٩-٣٠. ) ١ - روى البيهقي في كتاب السير باب: من يبدا بجهاده من المشركين ٩/٣٨ عن محمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالمريسيع ماء من مياه بني المصطلق فأعدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتزاحم الناس فاقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم وأموالهم ونساءهم، وأقام عليه من ناحية قديد إلى الساحل. قال ابن إسحاق: غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة ستين.. ٢ - عبد الله بن أنيس الجهني، حليف الأنصار، عقبي بطل شجاع. وعنه: بنوه، وجابر، وبسر بن سعيد. ت سنة: ٥٤هـ. الكاشف: ٢/٦٨. ون الإصابة: ٤/١٥. والتهذيب: ٤/٢٣٧.. ٣ - أخرج أبو داود في الصلاة (٢) باب: صلاة الطالب (٢٨٩)(ر١٢٤٩) عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه قال: بعتني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي، وكان نحو عُرنة وعرفات، فقال: اذهب فاقتله، قال: فرأيته وحضرت صلاة العصر، فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما إن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد. وهذا الحديث تفرد به أبو داود من بين أصحاب الكتب الستة. ورواه البيهقي في كتاب السير باب: من يبدا بجهاده من المشركين ٩/٣٨. وعُرَنَةُ: واد بإزاء عرفات. ن معجم البلدان..

التوبة 9:124

٢٧٥- قال الشافعي : قال الله جل ذكره :﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَّقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَاذِهِ إِيـمَانا فَأَمَّا اَلذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمُ إِيـمَانا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا اَلذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسا إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وقال :﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ـامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾(١). قال الشافعي : ولو كان هذا الإيمان كله واحدا لا نقصان فيه ولا زيادة، لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل. ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله في الجنة، وبالنقصان من الإيمان دخل المفرطون النار. قال الشافعي : إن الله عز وجل سابق بين عباده كما سوبق بين الخيل يوم الرهان. ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل امرئ على درجة سبقه، لا ينقصه فيها حقه، ولا يقدم مسبوق على سابق، ولا مفضول على فاضل. وبذلك فضل أول هذه الأمة على آخرها. ولو لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطا عنه، للحق أخر هذه الأمة بأولها. ( مناقب الشافعي : ١/٣٩٣. ) ١ - الكهف: ١٣..

التوبة 9:125

٢٧٥- قال الشافعي : قال الله جل ذكره :﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّنْ يَّقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَاذِهِ إِيـمَانا فَأَمَّا اَلذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمُ إِيـمَانا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا اَلذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسا إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وقال :﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ـامَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾(١). قال الشافعي : ولو كان هذا الإيمان كله واحدا لا نقصان فيه ولا زيادة، لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل. ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله في الجنة، وبالنقصان من الإيمان دخل المفرطون النار. قال الشافعي : إن الله عز وجل سابق بين عباده كما سوبق بين الخيل يوم الرهان. ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل امرئ على درجة سبقه، لا ينقصه فيها حقه، ولا يقدم مسبوق على سابق، ولا مفضول على فاضل. وبذلك فضل أول هذه الأمة على آخرها. ولو لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطا عنه، للحق أخر هذه الأمة بأولها. ( مناقب الشافعي : ١/٣٩٣. ) ١ - الكهف: ١٣..

يونس 10:3

٢٧٦- قال الشافعي : واستنبطت البارحة آيتين، فما أشتهي باستنباطهما الدنيا وما فيها : ﴿يُدَبِّرُ الأمر مَا مِن شَفِيعٍ اِلا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ وفي كتاب الله هذا كثير :﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾(١). فَتَعَطَّلَ الشفعاء إلا بإذن الله. ( أحكام الشافعي : ٢/١٨٠. ) ١ - البقرة: ٢٥٥..

يونس 10:15

٢٧٧- قال الشافعي : إن الله خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة، وفرض فيه فرائض أثبتها، وأخرى نسخها : رحمة لخلقه، بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم، زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه. فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ. فله الحمد على نعمه. وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب، بمثل ما نزل نصا. ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جُملا. قال الله : ﴿وَإِذَا تُتْلى عَلَيْهِمُ آياتنا بَيِّنأت قَالَ اَلذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائت بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىَ أَنُ اَبَدِّلَهُ مِن تلقائي نَفْسِىَ إِنَ اَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحى إِلَىَّ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فأخبر الله أنه فرض على نبيه اتباع ما يوحى إليه، ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه. وفي قوله :﴿مَا يَكُونُ لِىَ أَنُ اَبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءىْ نَفْسِىَ﴾(١) بيان ما وصفت : من أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه. كما كان المبتدئ لفرضه، فهو المزيل المثبت لما شاء منه، جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحدٍ من خلقه. وكذلك قال :﴿يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثَبِّتُ وَعِندَهُ أُمُّ اَلْكِتَابِ﴾(٢) وقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية ـ والله أعلم ـ دلالة على أن الله جعل لرسوله أن يقول من تلقاء نفسه بتوفيقه فيما لم ينزل به كتابا، والله أعلم. وقيل في قوله :﴿يَمْحُوا اَللَّهُ مَا يَشَاء﴾(٣) يمحو فَرْضَ ما يشاء، ويثبت فرض ما يشاء. وهذا يشبه ما قيل، والله أعلم. وفي كتاب الله دلالة عليه، قال الله :﴿مَا نَنسَخْ مِنَ آية اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ﴾(٤) فأخبر الله أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله. وقال :{ وَإِذَا بَدَّلْنَا ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مفترٍ }(٥). ( الرسالة : ١٠٦-١٠٨. ون أحكام الشافعي : ١/٣٣-٣٤. ) ١ - يونس: ١٥.. ٢ - الرعد: ٣٩.. ٣ - الرعد: ٣٩.. ٤ - البقرة: ١٠٦.. ٥ - النحل: ١٠١..

يونس 10:25

٢٧٨- قال الشافعي : فهدى بكتابه ثم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من أنعم عليه، يعني : من أنعم عليه بالسعادة والتوفيق دون من حرمها. فبين بهذا أن الدعوة عامةٌ، والهداية ـ التي هي التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية ـ خاصةٌ، كما قال الله عز وجل :﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دارِ اِلسَّلَـامِ وَيَهْدِى مَنْ يَّشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. ( مناقب الشافعي : ١/٤١٥. )

يونس 10:101

٢٧٩- قال الشافعي : واعلموا أن أول الواجبات على المكلف : النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله سبحانه وتعالى. ومعنى النظر : هو الفكر بالقلب وتأمله في حال المنظور فيه طلبا لمعرفة ربه، وليتوصل إلى معرفة ما غاب عن الحس والضرورة، وهو واجب في أصول الدين لقول الله عز وجل :﴿اَنظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾(١) وقوله سبحانه : ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أولى الأبصار﴾(٢) وقوله تعالى :﴿قُلُ اَنظُرُوا مَاذَا فِى اِلسَّمَاوَاتِ والأرض وَمَا تُغْنِى الآيات وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لا يُومِنُونَ﴾. وإنما قلنا : إن أول الواجبات النظر، لأن أكثر العبادات منوطة بالنيات. والنية : هي القصد بالعبادة إلى معبود مخصوص. والقصد على هذا الوجه لا يمكن إلا بعد معرفة المعبود، ولا يوصل إلى معرفته إلا بالنظر والاستدلال، فلهذا قلنا : إن ذلك أول الواجبات. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص. ٩. ) ١ - الأنعام: ٩٩.. ٢ - الحشر: ٢..

هود 11:3

٢٨٠- قال الشافعي : وقال في سورة هود ـ عليه السلام ـ :﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا اِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ فوعد الله كل من تاب ـ مستغفرا ـ التمتع إلى الموت، ثم قال :﴿ويؤت كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي : في الآخرة. قال الشافعي رحمه الله تعإلى : فلسنا نحن تائبين على حقيقة، ولكن علمٌ عَلِمَهُ الله، ما حقيقة التائبين، وقد مُتِّعنا في هذه الدنيا تمتعا حسنا. ( أحكام الشافعي : ٢/١٨١. )

هود 11:6

٢٨١- قال الشافعي : واعلموا أن الرزق عند بعض أصحابنا : ما جعله الله قواما لبدن الناس وسائر الحيوانات، مما يتغدى به ويتنفس ويكون سببا لحياتهم. ومن أصحابنا من قال : أن الرزق ما يمكن الانتفاع به، وكل ما ينتفع به فهو رزقه من غذاء وغيره. وهذا المعنى أعمَ من الأول. ولا يفترق الحال من أن يكون من حلال وحرام، ولا يأكل أحد ولا ينتفع بشيء إلا ما رزقه الله تعالى. وقالت المعتزلة : الرزق هو الملك، والحرام ليس برزق، وهذا خطا عظيم، والدليل عليه قوله تعالى :﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الأرض إِلا عَلَى اَللَّهِ رِزْقُهَا﴾ فلو كان كما قالوه، لكان الغَاصِبُ إذا أكل طول عمره غَصْبًا لم يأكل من رزق الله شيئا، وذلك خروج عن الدين. ولأنه لو كان الرزق هو الملك، لوجب أن تكون البهائم لم تأكل أرزاقها لأنها غير مالكة ولا ملك لها، ولوجب أن الطفل لم يرزق من ثدي أمه لأنه لا يملك ما فيها من اللبن، فلما لم يكن كذلك بان فساد ما قالوه على الوجه الذي بيناه من معنى الرزق، ولا يخالف في ذلك عاقل، ومن خالف فيه كان من المعقول خارجا، وفي تيه الجهل راكبا. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ٢٢-٢٣. )

الرعد 13:13

٢٨٢- قال الشافعي : وبلغني عن مجاهد أنه قال : وقد سمعتُ من تصيبه الصواعق كأنه ذهب إلى قول الله عز وجل :﴿وَيُرْسِلُ اَلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَّشَاء﴾. وسمعت من يقول : الصواعق(١) ربما قتلت وأحرقت(٢). ــــــــــــ ٢٨٢- الأم : ١/٢٥٤. ون أحكام الشافعي : ١/٩٩. ١ - الصواعق: جمع صاعقة: الصوت الشديد من الرعدة يسقط معها قطعة نار، ويقال: إنها الْمِخْرَاقُ الذي بيد المَلَكُ لا يأتي عليه شيء إلا أحرقه. اللسان: صعق.. ٢ - روى الترمذي في الدعوات (٤٥) باب: ما يقول إذا سمع الرعد (٥١)(ر٣٤٥٠) عن سالم بن عبد الله ابن عمر، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: « اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك » قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ورواه أحمد في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. قال شاكر: إسناده صحيح. ورواه البيهقي في كتاب صلاة الاستسقاء باب: ما يقول إذا سمع الرعد: ٣/٣٦٢. ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص: ١١٠ باب: ما يقول إذا سمع الرعد والصواعق..

الرعد 13:16

٢٨٣- قال الشافعي : واعلموا أن الله خالق أكساب الخلق ومحدثها من العدم إلى الوجود، وجاعلها كسبا لهم بأن خلق لهم قدرة معها. والعبد مكتسب غير خالق، والباري تعالى خالق غير مكتسب. ومعنى الخلق هو الإحداث من العدم إلى الوجود. ومعنى الكسب ما تعلقت به قدرة حادثة، والدليل عليه قوله تعالى :﴿أَمْ جَعَلُوا لِلهِ شُرَكَاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ اَلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، فبين أن كل مخلوق فالله تعالى خالقه ولا خالق غيره. وقال تعالى :﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾(١) فأخبر الله سبحانه بأنه خالق أعمالهم، كما أنه خالق أنفسهم وأعيانهم. ولأن من شرط الخالق أن يكون عالما بما خلق، فلو كان العبد خالقا لكسبه وفعله لكان يعلم عدد حركاته وسكناته وسائر أوصاف كسبه الراجعة إلى ذاته، وإذا رجع إلى نفسه علم بالضرورة أنه لا يعلم ذلك، فثبت أن الخالق هو الله تعالى. وفي هذا المعنى قوله تعالى :﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمُ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اِلصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ﴾(٢) فبان أن الخالق لا بد أن يكون عالما بما خلق، لأنه لو صح وجود الخلق ممن لا يعلم خلقه لصح وجود الأفعال ممن ليس بعالم أصلا، فيؤدي إلى إبطال الإلهية وذلك محال. فإذا ثبت بأن أكساب العبد كلها مخلوقة لله تعالى، ويدل عليه إطلاق السلف بأن : لا خالق إلا الله، كإطلاقهم لا إله إلا الله. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ١٨. ) ١ - الصافات: ٩٥-٩٦.. ٢ - الملك: ١٣-١٤..

إبراهيم 14:1

٢٨٤- قال الشافعي : فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، قال الله تبارك وتعالى :﴿كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنَّاسَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمُ إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ﴾ وقال :﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(١) وقال :﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شيء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾(٢) وقال :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا اَلْكِتَابُ وَلا الإيمان وَلَـاكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾(٣). ( الرسالة ص : ٢٠. ون أحكام الشافعي : ١/٢١. ) ١ - النحل: ٤٤.. ٢ - النحل: ٨٩.. ٣ - الشورى: ٥٢..

إبراهيم 14:4

٢٨٥- قال الشافعي : فإن قال قائل : ما الحجة في أن كتاب الله مَحْضٌ بلسان العرب، لا يَخْلِطُهُ فيه غيره ؟ فالحجة فيه كتاب الله، قال الله :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾(١). فإن قال قائل : فإن الرسل قبل محمد كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وإن محمدا بُعث إلى الناس كافة، فقد يحتمل أن يكون بُعث بلسان قومه خاصة، ويكون على الناس كافة أن يتعلموا لسانه وما أطاقوا منه، ويحتمل أن يكون بُعث بألسنتهم، فهل من دليل على أنه بُعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم ؟ فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض، فلا بدَّ أن يكون بعضهم تبعا لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المُتَّبع على التابع. وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسانُ النبي. ولا يجوز ـ والله أعلم ـ أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرفٍ واحد، بل كل لسان تبعٌ للسانه، وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه. وقد بين الله ذلك في غير آية من كتابه، قال الله :﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ اِلرُّوحُ الأمين عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾(٢) وقال :﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾(٣) وقال :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قرآنا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ اَلْقُرى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾(٤) وقال :﴿حمِ وَالْكِتَابِ اِلْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(٥) وقال :﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾(٦). قال الشافعي : فأقام حجته بأن كتابه عربي، في كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه ـ جل ثناؤه ـ كل لسان غير لسان العرب، في آيتين من كتابه : فقال تبارك وتعالى :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أعجمي وَهَاذَا لِسَانٌ عربي مُّبِينٌ﴾(٧) وقال :﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا اَعْجَمِيَّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتَ آياته ءَآعْجَمِىٌّ وعربي﴾(٨). ( الرسالة : ٤٥-٤٧. ون أحكام الشافعي : ١/٢٢-٢٣. ) ١ - إبراهيم: ٤.. ٢ - الشعراء: ١٩٢-١٩٥.. ٣ - الرعد: ٣٧.. ٤ - الشورى: ٧.. ٥ - الزخرف: ١-٣.. ٦ - الزمر: ٢٨.. ٧ - النحل: ١٠٣.. ٨ - فصلت: ٤٤..

النحل 16:40

٢٨٦- قال الشافعي : واعلموا أن كلام الباري سبحانه وتعالى قديم أزلي موجود بذاته ليس بمخلوق ولا محدث. ومن قال : إنه مخلوق فهو كافر لا محالة(١). وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، متلو في محاريبنا، مسموع بأسماعنا، ليس بكتابة ولا حفظ ولا قراءة ولا تلاوة ولا سمع، لأن ذلك محدث عن عدم، وكلام الله تعالى قديم، كما أن الباري سبحانه وتعالى مكتوب في كتابنا، معلوم في قلوبنا، مذكور بألسنتنا، وليس ذات الباري سبحانه وتعالى كتابة ولا ذكرا. والدليل على أن كلامه تعالى قديم قوله تعالى :﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إذا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ فأثبت أن المخلوق مقولا له : كن، فلو كان قوله :« كن » مخلوقا لكان مقولا له : كن، وكان يؤدي إلى أن يتصل كل قول بقول آخر إلى ما لا يتناهى، وذلك يوجب بطلان القول. فلما كان ذلك باطلا، وجب أن يكون قوله تعالى أزليا غير مخلوق ولا محدث(٢). ولأن الحيَّ الذي يصح عليه الكلام لا يصح أن يعرى عنه أو عن الآفات المانعة من الكلام كواحد منا، والباري سبحانه وتعالى حي يصح أن يكون متكلما، والآفات المانعة من الكلام عليه محال، فثبت أنه متكلم لم يزل، وكلامه قديم. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ١٦. ) ١ - ن شرح العقيدة الطحاوية ص: ١٧٦ وما بعدها.. ٢ - ن الإبانة عن أصول الديانة للأشعري ص: ٦٢..

النحل 16:43

٢٨٧- قال الشافعي : واعلموا أن من أشكل عليه شيء من أمرِ دينه، وجب عليه السؤال والبحث عنه ممن هو أعلم من عنده، ويلزمه العمل بما يفتيه، لقوله عز وجل :﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ٣٢. )

النحل 16:78

٢٨٨- قال الشافعي : فعرف جميع خلقه في كتابه : أن لا علم إلا ما علمهم، فقال عز وجل :﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وقال :﴿وَلا يُحِيطُونَ بشيء مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاء﴾(١). قال الشافعي : ثم منَّ عليهم بما آتاهم من العلم، وأمرهم بإلاقتصار عليه، وأن لا يتولوا غيره إلا بما علَّمهم. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنَ اَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا اَلْكِتَابُ وَلا الإيمان﴾(٢) وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم :﴿وَلا تَقُولَنَّ لشيء أني فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا اِلا أَنْ يَّشَاء اَللَّهُ﴾(٣) وقال لنبيه :{ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ اَلرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمُ }(٤). ( الأم : ٧/٢٩٤. ون أحكام الشافعي : ١/٣٠٠-٣٠١. ) ١ - البقرة: ٢٥٥.. ٢ - الشورى: ٥٢.. ٣ - الكهف: ٢٣.. ٤ - الأحقاف: ٩..

النحل 16:89

٢٨٩- قال الشافعي : قال الله جل ثناؤه :﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شيء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقال :﴿كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنَّاسَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمُ إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ﴾(١) وقال :﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(٢). قال الشافعي : فجماع ما أبان الله عز وجل لخلقه في كتابه مما تعبدهم به لما مضى في حكمه جل ثناؤه، من وجوه : فمنها : ما أبانه لخلقه نصا، مثل : جُمَلُ فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا وصوما، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونصَّ على الزنا والخمور وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبين لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بين نصا. ومنه : ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، مثل : عدد الصلاة والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه. ومنه : ما سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما ليس لله فيه نصُّ حُكْم. وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى حكمه، قال الله تعالى :﴿يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ﴾(٣) وقال :﴿مَّنْ يُّطِعِ اِلرَّسُولَ فَقَدَ أطاع اَللَّهَ﴾(٤). وقال :﴿اِنَّ اَلذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾(٥) فأعلمهم أن بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعتُه، وكذلك أعلمهم أن طاعته طاعتُه، وقال :﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(٦) مع سائر ما ورد في معنى هذه الآيات. قال الشافعي : فمن قَبِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبفرض الله قَبِلَ. ثم قال : ومنه ما فرض على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض الله عليهم، فإنه يقول :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمُ﴾(٧) وقال :﴿وَلِيَبْتَلِىَ اَللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ﴾(٨) وقال :﴿عَسى رَبُّكُمُ أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾(٩). قال الشافعي : فليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حلَّ أو حَرُمَ إلا من جهة العلم، وجهة العلم في الخبر : في الكتاب، والسنة، أو الإجماع، أو القياس. والقياس : ما طلب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم من الكتاب والسنة، لأنهما علم الحق المفترض طلبه، وموافقته تكون من وجهين : أحدهما، أن يكون الله أو رسوله حرَّم الشيء منصوصا أو أحلَّه لمعنى، فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم ينص فيه بعيْنه كتاب ولا سنة، أحللناه أو حرَّمناه، لأنه في معنى الحلال أو الحرام. ونجد الشيء يشبه الشيء منه والشيء من غيره، ولا نجد شيئا أقرب به شبها من أحدهما فلنلحقه بأولى الأشياء شبها به. ( مناقب الشافعي : ١/٣٦٩-٣٧١. ون الرسالة : ٢١-٢٣. ) ــــــــــــ ٢٩٠- قال الشافعي : وأقام الحجة على خلقه لئلا يكون لله على الناس حجة بعد الرسل وقال :﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾(١٠) وقال :﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾(١١)، وفرض عليهم اتباع ما أنزل عليه وسنَّ رسوله لهم فقال :﴿وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلا مُومِنَةٍ اِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرا اَن تَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنَ أمرهم وَمَنْ يَّعْصِ اِللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾(١٢) فأعلم أن معصيته في ترك أمره وأمر رسوله ولم يجعل لهم إلا اتباعه. وكذلك قال لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال :﴿وَلَـاكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اِللَّهِ﴾(١٣) مع ما أعلم نبيه بما فرض من اتباع كتابه فقال :﴿فَاسْتَمْسِكْ بالذي أُوحِىَ إِلَيْكَ﴾(١٤) وقال :﴿وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلا تَتَّبِعَ أهواءهم﴾(١٥) وأعلمهم أنه أكمل لهم دينهم، فقال عز وجل :﴿اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾(١٦). ( الأم : ٧/٢٩٤. ) ١ - إبراهيم: ١.. ٢ - النحل: ٤٤.. ٣ - النساء: ٥٩.. ٤ - النساء: ٨٠.. ٥ - الفتح: ١٠.. ٦ - النساء: ٦٥.. ٧ - محمد: ٣١.. ٨ - آل عمران: ١٥٤.. ٩ - الأعراف: ١٢٩.. ١٠ - النحل: ٨٩.. ١١ - النحل: ٤٤.. ١٢ - الأحزاب: ٣٦.. ١٣ - الشورى: ٥٢.. ١٤ - الزخرف: ٤٣.. ١٥ - المائدة: ٤٩.. ١٦ - المائدة: ٣..

النحل 16:98

٢٩١- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل :﴿فَإِذَا قَرَأْتَ اَلْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ اَلشَّيْطَـانِ اِلرَّجِيمِ﴾. أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن سعد بن عثمان(١)، عن صالح بن أبي صالح(٢) : أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعا صوته : ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم في المكتوبة وإذا فرغ من أم القرآن(٣). قال الشافعي : وكان ابن عمر يتعوذ في نفسه(٤). قال الشافعي : وأيهما فعل الرجل أجزأه، إن جهر أو أخفى. وكان بعضهم يتعوذ حين يفتتح قبل أم القرآن، وبذلك أقول. وأحب أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، [وإذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ] (٥)، وأي كلام استعاذ به، أجزأه، ويقوله في أول ركعة(٦). وقد قيل : إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل القراءة فَحَسَنٌ، ولا آمر به في شيء من الصلاة، أمرت به في أول ركعة. وإن تركه ناسيا أو جاهلا أو عامدا، لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو. وأكره له تركه عامدا، وأحب إذا تركه في أول ركعة أن يقوله في غيرها. وإنما منعني أن آمره أن يعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّمَ رجلا ما يكفيه في الصلاة، فقال :« كبر ثم اقرأ »(٧). قال : ولم يرو عنه أنه أمره بتعوذ ولا افتتاح. فدل على أنه افتتاح رسول الله صلى الله عليه وسلم اختيار، وأن التعوذ مما لا يفسد الصلاة إن تركه. ( الأم : ١/١٠٧. ون أحكام الشافعي : ١/٦٢. ) ١ - سعد بن عثمان. رأى صحابيا ببخارى وهو عبد الله بن حازم. وعنه: ابنه عبد الله. وثق. الكاشف: ١/٣٠٦. ون التهذيب: ٣/٢٨٨. وقال في التقريب: مقبول. وتعقبه صاحب التحرير ٢/١٨ بقوله: بل مجهول، تفرد بالرواية عنه ابنه عبد الله بن سعد، ولم يوثقه سوى ابن حبان. وقال الذهبي عنه وعن الصحابي الذي روى عنه: لا يدرى من هما.. ٢ - صالح بن أبي صالح الكوفي. عن: أبي هريرة. وعنه: أبو بكر بن عياش. واهٍ. الكاشف: ٢/٢١. ون التهذيب: ٤/١٧. وقال في التقريب: ضعيف.. ٣ - رواه البيهقي في كتاب الصلاة باب: الجهر بالتعوذ والإسرار به ٢/٣٦. ورواه الشافعي في المسند (ر٢١٨).. ٤ - رواه البيهقي عن الشافعي في نفس الباب والصفحة.. ٥ - قوله: وإذا استعاذ إلخ كذا في النسخ، ولعله زيادة من الناسخ.. ٦ - قال البيهقي: وبه قال الحسن وعطاء وإبراهيم النخعي.. ٧ - رواه أبو داود في الصلاة (٢) باب: صلاة من لا يقيم صلبه (١٤٨)(ر٢٥٩) عن رفاعة بن رافع بلفظ: « إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرا بأم القرآن... الحديث. ورواه الترمذي في الصلاة (٢) باب: ما جاء في وصف الصلاة (٢٢٦)(ر٣٠٢) وقال: حديث حسن. ورواه النسائي في التطبيق (١٢) باب: الرخصة في ترك الذكر في الركوع (١٥)(ر١٠٥٢). ورواه ابن ماجة في الطهارة وسننها (١) باب: ما جاء في الوضوء على أمر الله تعالى (٥٧)(ر٤٦٠). ورواه الدارمي، وأحمد، والبيهقي. ورواه الشافعي في المسند (ر٢٠٨)..

النحل 16:106

قوله عز وجل { مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيـمَانِهِ إِلا مَنُ اَكْرِهَ وقلبه مُطْمَئِنٌّ بالإيمان وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اَللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ { ١٠٦ } } ٢٩٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : ولما فرض الله عز وجل الجهاد على رسوله صلى الله عليه وسلم، وجاهد المشركين بعد إذ كان أباحه، وأثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل مكة، ورأوا كثرة من دخل في دين الله عز وجل، اشتدوا على من أسلم منه، ففتنوهم عن دينهم أو من فتنوا منهم، فعذر الله من لم يقدر على الهجرة من المفتونين فقال :﴿إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ﴾. وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الله عز وجل قد جعل لكم مخرجا وفرض على من قدر على الهجرة الخروج إذا كان ممن يفتن عن دينه ولا يمتنع »(١). ( الأم : ٤/١٦١. ون الأم : ٦/١٦٢. ) ــــــــــــ ٢٩٣- قال الشافعي : وأبان الله عز وجل لخلقه أنه تولى الحكم ـ فيما أثابهم وعاقبهم عليه ـ على ما علم من سرائرهم ووافقت سرائرهم علانيتهم أو خالفتها، وإنما جزاهم بالسرائر، فأحبط عمل كل من كفر به، ثم قال تبارك وتعالى فيمن فتن عن دينه :﴿إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ﴾(٢) فطرح عنهم حبوط أعمالهم والمأثم بالكفر إذا كانوا مكرهين وقلوبهم على الطمأنينة بالإيمان وخلاف الكفر. ( الأم : ٧/٢٩٤. ون أحكام الشافعي : ١/٢٩٩. ) ــــــــــــ ٢٩٤- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل :﴿إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ﴾(٣) الآية. قال الشافعي : وللكفر أحكام : كفراق الزوجة، وأن يقتل الكافر ويغنم ماله، فلما وضع الله عنه سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله، لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه. قال الشافعي : والإكراه : أن يصير الرجل في يدي من لا يقدر على الامتناع منه : من سلطان أو لصٍّ، أو متغلب على واحد من هؤلاء، ويكون المكره يخاف خوفا عليه دلالة : أنه إن امتنع من قول ما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم، أو أكثر منه، أو إتلاف نفسه. قال الشافعي : فإذا خاف هذا يسقط عنه حكم ما أكره عليه من قول ما كان القول شراء أو بيعا أو إقرارا لرجل بحقٍّ أو حدٍّ، أو إقرار بنكاح أو عتق أو طلاق، أو إحداث واحدٍ من هذا وهو مكره، فأي هذا أحدث وهو مكره لم يلزمه. ( الأم : ٣/٢٣٦. ون أحكام الشافعي : ١/٢٢٤. ) ـــــــــــــ ٢٩٥- قال الشافعي : فأما ما فرض الله على القلب من الإيمان : فالإقرار والمعرفة والعقد، والرضا والتسليم، بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبيّ أو كتاب. فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب، وهو عمله :﴿إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرا﴾(٤) وقال :﴿أَلا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ﴾(٥) وقال :﴿مِنَ اَلذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُومِن قُلُوبُهُمْ﴾(٦) وقال :﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمُ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اِللَّهُ﴾(٧) فذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان. ( ٢٩٥- مناقب الشافعي : ١/٣٨٩. ) ١ - أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة، أخذ المشركون بلالا وخبابا وعمار بن ياسر، فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه فقال: « كيف كان قلبك حين قلت، أكان منشرحا بالذي قلت؟ » قال: لا، فأنزل الله: ﴿إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُو مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ﴾. وأخرج عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة أن هاجروا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. لباب النقول ص: ١٨٧. ون تفسير ابن جرير: ٧/٦٥١.. ٢ - النحل: ١٠٦.. ٣ - النحل: ١٠٦.. ٤ - النحل: ١٠٦.. ٥ - الرعد: ٢٨.. ٦ - المائدة: ٤١.. ٧ - البقرة: ٢٨٤..

الإسراء 17:33

٢٩٦- قال الشافعي رحمه الله : قال الله تعالى :﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـانًا فَلا يُسْرِف فِّى اِلْقَتْلِ﴾ قال الشافعي : فكان معلوما عند أهل العلم ممن خوطب بهذه الآية : أن وَلي المقتول من جعل الله تعالى له ميراثا منه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين : إن أحبُّوا فالقود، وإن أحبوا فالعقل »(١). ولم يختلف المسلمون علمته في أن العقل موروث كما يورث المال، وإذا كان هكذا فكل وارث ولي الدم كما كان لكل وارث ما جعل الله له من ميراث الميت، زوجة كانت له، أو ابنة، أو أمّا، أو ولدا، أو والدا، لا يخرج أحد منهم من ولاية الدم إذا كان لهم أن يكونوا بالدم مالا(٢)، كما لا يخرجون من سواه من ماله. قال الشافعي : فإذا قتل رجل رجلا فلا سبيل إلى القصاص، إلا بأن يجمع جميع ورثة الميت من كانوا وحيث كانوا على القصاص، فإذا فعلوا فلهم القصاص، وإذا كان على الميت دين ولا مال له، أو كانت له وصايا، كان للورثة القتل، وإن كره أهل الدين والوصايا لأنهم ليسوا من أوليائه. وأن الورثة إن شاءوا ملكوا المال بسببه، وإن شاءوا ملكوا القود، وكذلك إن شاءوا عَفَوْا على غير مال ولا قود، لأن المال لا يملك بالعمد إلا بمشيئة الورثة، أو بمشيئة المجني عليه إن كان حيا. ( الأم : ٦/١٢-١٣. ون أحكام الشافعي : ١/٢٨٠. ) ــــــــــــ ٢٩٧- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى :﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـانًا فَلا يُسْرِف فِّى اِلْقَتْلِ﴾(٣). قال الشافعي في قول الله عز وجل : ﴿فَلا يُسْرِف فِّى اِلْقَتْلِ﴾(٤) : لا يقتل غير قاتله، وهذا يشبه ما قيل ـ والله أعلم ـ قال الله عز وجل :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصَاصُ فِى اِلْقَتْلَى﴾(٥) فالقصاص إنما يكون ممن فعل ما فيه القصاص لا ممن لم يفعله، فأحكم الله عز ذكره فرض القصاص في كتابه وأبانت السنة لمن هو، وعلى من هو. قال الشافعي : أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال : وُجِدَ في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب :« إن أعدى الناس على الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير مواليه، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم »(٦). قال الشافعي : أخبرنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن إسحاق قال : قلت لأبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه : ما كان في الصحيفة التي كانت في قراب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كان فيها : لعن الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولى غير ولي نعمته فقد كفر بما أنزل الله جل ذكره على محمد صلى الله عليه وسلم (٧). قال الشافعي : أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، أو عن عيسى بن أبي ليلى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« من اعتبط مؤمنا بقتل فهو قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول، فمن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولا عدل »(٨). أخبرنا سفيان ابن عيينة، عن عبد الملك بن سعيد بن أبجر(٩)، عن إياد بن لقيط(١٠)، عن أبي رمثة(١١) قال : دخلت مع أبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أبي الذي بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : دعني أعالج هذا الذي بظهرك فإني طبيب، فقال : أنت « رفيق »، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من هذا معك ؟ فقال : ابني أشهد به، فقال : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه »(١٢). ( الأم : ٦/٤-٥. ون أحكام الشافعي : ١/٢٦٧-٢٦٨. ) ــــــــــــــــــ ٢٩٨- قال الشافعي : فكل مقتول قتله غير المحارب، فالقتل فيه إلى ولي المقتول، من قبل أن الله جل وعلا يقول :﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـانًا﴾(١٣). وقال عز وجل :﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنَ أخيه شيء فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾(١٤) فبين في حكم الله عز وجل أنه جعل العفو أو القتل إلى ولي الدم دون السلطان إلا في المحارب، فإنه قد حكم في المحاربين أن يقتلوا أو يصلبوا، فجعل ذلك حكما مطلقا لم يذكر فيه أولياء الدم. ( الأم : ٤/٢٩٢. ) ــــــــــــ ٢٩٩- قال الشافعي : ولو أن إماما أقر عنده رجل بقتل رجلٍ بلا قطع طريق عليه، فعجل فقتله، كان على الإمام القصاص، إلا أن تشاء ورثته الدية، لأن الله عز وجل لم يجعل للإمام قتله، وإنما جعل ذلك لوليه لقول الله عز وجل :﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـانًا فَلا يُسْرِف فِّى اِلْقَتْلِ﴾(١٥) الآية، قال الشافعي : الإسراف في القتل : أن يقتل غير قاتله، والله أعلم. وكذلك لو قضى عليه بالقتل ودفعه إلى أولياء المقتول وقالوا : نحن نقتله، فقتله الإمام، فعليه القود، لأنه قد كان لهم تركه من القود. وأيهم شاء تركه فلا يكون إلى قتله سبيل، والإمام في هذا مخالف أحد ولاة الميت يقتله(١٦)، لأن لكلهم حقًّا في دمه، ولا حق للإمام ولا غيره في دمه. ( الأم : ٦/٧١. ) ١ - سبق تخريجه.. ٢ - قوله: إذا كان لهم أن يكونوا بالدم مالا، كذا في النسخ، والله أعلم بالصواب.. ٣ - الإسراء: ٣٣.. ٤ - الإسراء: ٣٣.. ٥ - البقرة: ١٧٨.. ٦ - سبق تخريجه.. ٧ - سبق تخريجه.. ٨ - سبق تخريجه.. ٩ - عبد الملك بن سعيد بن حيان الكوفي، عرف بابن أبجر. عن: أبي الطفيل، والشعبي. وعنه: عبيد الله الأشجعي، وأبو أسامة. ثقة. الكاشف: ٢/٢٠٣. ون التهذيب: ٥/٢٩٦. وقال في التقريب: ثقة عابد.. ١٠ - إياد بن لقيط السدوسي. عن: البراء، وأبي رمثة. وعنه: مسعر والثوري. ثقة. الكاشف: ١/٩٤. ون التهذيب: ١/٤٠١. وقال في التقريب ثقة.. ١١ - أبو رِمثة البلوي، صحابي. رفاعة، وقيل: يثربي، وغير ذلك. عنه: إياد بن لقيط، وثابت بن أبي منقذ. الكاشف: ٣/٣١٧. ون الإصابة: ٧/١٤٠. والتهذيب: ١٠/١٠٩. وقال في التقريب: صحابي.. ١٢ - سبق تخريجه في النص: ٢٣٥.. ١٣ - الإسراء: ٣٣.. ١٤ - البقرة: ١٧٨.. ١٥ - الإسراء: ٣٣.. ١٦ - في النسخ « يقتله » وهو خطأ، والصواب بقتله، والله أعلم..

الإسراء 17:36

٣٠٠- قال الشافعي : قال الله عز وجل :﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اِنَّ اَلسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾(١) وقال الله عز وجل :﴿إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(٢). قال الشافعي رحمه الله تعالى : وحكي أن إخوة يوسف وصَفُوا أن شهادتهم كما ينبغي لهم، فحكى أن كبيرهم قال :﴿اَرْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاا بَانَا إِنَّ اَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾(٣). قال : ولا يسع شاهدا أن يشهد إلا بما علم، والعلم من ثلاثة وجوه : منها ما عاينه الشاهد فيشهد بالمعاينة، ومنها ما سمعه فيشهد ما أثبت سمعا من المشهود عليه، ومنها ما تظاهرت الأخبار مما لا يمكن في أكثره العيان وتثبت معرفته في القلوب فيشهد عليه بهذا الوجه. وما شهد به رجل على رجل أنه فعله أو أقر به، لم يجز إلا أن يجمع أمرين : أحدهما : أن يكون يثبته بمعاينة، والآخر : أن يكون يثبته سمعا مع إثبات بصرٍ حين يكون الفعل. وبهذا قلت : لا يجوز شهادة الأعمى إلا أن يكون أثبت شيئا معاينة، أو معاينة وسمعا ثم عمي، فتجوز شهادته، لأن الشهادة إنما تكون يوم يكون الفعل الذي يراه الشاهد، أو القول الذي أثبته سمعا وهو يعرف وجه صاحبه، فإذا كان ذلك قبل يعمى، ثم شهد عليه حافظا له بعد العمى جاز، وإذا كان القول والفعل وهو أعمى لم يجز من قبل أن الصوت يشبه الصوت. ( الأم : ٧/٩٠-٩١. ون أحكام الشافعي : ٢/١٣٦-١٣٧. ومختصر المزني : ٣٠٤-٣٠٥. ) ١ - روى ابن جرير في التفسير ٨/٨٠ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. عن ابن عباس: لا تقل. وعن قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، فإن الله تبارك وتعالى سائلك عن ذلك. وعن ابن الحنفية: شهادة الزور. وعن ابن عباس ومجاهد: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم. قال ابن كثير: ومضمون ما ذكره أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: ﴿اَجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ﴾. (الحجرات: ١٢). وأخرج البخاري في النكاح (٧٠) باب: لا يخطب على خطبة أخيه (٤٦)(ر٤٨٤٩) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث.. » الحديث. ورواه في الأدب، وفي الفرائض. وأخرجه مسلم في البر والصلة والأدب (٤٥) باب: تحريم الظن (٩)(ر٢٥٦٣).. ٢ - الزخرف: ٨٦.. ٣ - يوسف: ٨١..

الإسراء 17:37

٣٠١- قال الشافعي : وفرض على الرجلين أن لا يمشى بهما إلى ما حرم الله جل ذكره، فقال في ذلك :{ وَلا تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا اِنَّكَ لَن تَخْرِقَ اَلاَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ اَلْجِبَالَ طُولا }. ( مناقب الشافعي : ١/٢٩٣. )

الإسراء 17:48

٣٠٢- قال الشافعي : واعلموا أن الاستطاعة واحدة لا تصلح للضدين. فاستطاعة الإيمان لا تصلح للكفر، واستطاعة الكفر لا تصلح للإيمان. واستطاعة الإيمان والطاعة توفيق من الله تعالى وتقديس وتأييد ونصرة. واستطاعة الكفر خذلان وإبعاد نعوذ بالله. واستطاعة المعصية التي هي دون الكفر حرمان. والدليل عليه قوله تعالى :﴿فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ أي لا يستطيعون سبيل الهدى، فدل على أن استطاعة الهدى مع الهدى، ولأنه قد ثبت وتقرر أن الاستطاعة مع الفعل(١). فثبت أنها لا تصلح للضدين لاستحالة المتضادين معا. ـــــــــــــ ٣٠٢- الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر ص : ١٩. ١ - ن تفسير الآية: ٦٧. من سورة الكهف..

الإسراء 17:70

٣٠٣- قال الشافعي رحمه الله تعالى : المني ليس بنجس(١)، لأن الله جل ثناؤه أكرم من أن يبتدئ خلق من كرَّمهم، وجعل منهم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأهل جنته، من نجس، فإنه يقول :﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ﴾ وقال جل ثناؤه :﴿خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ﴾(٢)، ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾(٣). ولو لم يكن في هذا خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكان ينبغي أن تكون العقول تعلم : أنَّ الله لا يبتدئ خلق من كرمه وأسكنه جنته من نجس. فكيف مع ما فيه من الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان يصلي في الثوب قد أصابه المني فلا يغسله، إنما يمسح رطباً، أو يحث يابسا. على معنى التنظيف، مع أن هذا قول : سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وعائشة، وغيرهم رضي الله عنهم(٤). ( أحكام الشافعي : ١/٨٢-٨٣. ) ١ - قال الشافعي في الأم ١/٥٥: كل ما خرج من ذكر، من رطوبة بول، أو مذي، أو بول، أو ما لا يعرف أو يعرف، فهو نجس كله، ما خلا المني. والمني الثخين الذي يكون منه الولد الذي يكون له رائحة كرائحة الطلع، ليس لشيء من ذكر رائحة طيبة غيره.. ٢ - النحل: ٤.. ٣ - المرسلات: ٢٠.. ٤ - أخرج مسلم في الطهارة (٢) باب: حكم المني (٣٢)(ر٢٨٨) عن عقلمة والأسود: أن رجلا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه. فقالت عائشة: إنما كان يجزيك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه. وأخرجه أصحاب السنن كلهم في الطهارة بألفاظ مختلفة. قال الخطابي: وفي هذا دليل على أن المني طاهر، ولو كان عينه نجسا لكان لا يطهر الثوب بفركه إذا يبس كالعذرة إذا يبست لم تطهر بالفرك. وممن كان يرى فرك المني ولا يأمر بغسله سعد بن أبي وقاص. وقال ابن عباس: امسحه عنك بإذخرة (حشيش طيب الريح) أو خرقة، ولا تغسله إن شئت، إنما هو كالبزاق أو المخاط، وكذلك قال عطاء. وقال الشافعي: المني طاهر، وقال أحمد: يجزيه أن يعركه. ن سنن أبي داود: ١/١٨٦..

الإسراء 17:78

٣٠٤- قال الشافعي : قال الله تبارك وتعالى :﴿وَقُرْءَانَ اَلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ اَلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ وقال صلى الله عليه وسلم :« من أدرك ركعة من الصبح » والصبح : الفجر فلها اسمان : الصبح والفجر لا أحب أن تسمى إلا بأحدهما. وإذا بان الفجر الأخير معترضا، حلت صلاة الصبح. ومن صلاها قبل تبيين الفجر الأخير معترضا، أَعَاد ؛ ويصليها أول ما يستيقن الفجر معترضا، حتى يخرج منها مغلسا. قال الشافعي : وأخبرنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمان، عن عائشة قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس(١). ولا تفوت حتى تطلع الشمس قبل أن يصلي منها ركعة. والركعة ركعة بسجودها، فمن لم يكمل ركعة بسجودها قبل طلوع الشمس، فقد فاتته الصبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم :« من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح »(٢). ( الأم : ١/٧٤-٧٥. ) ١ - أخرجه البخاري في الصلاة في الثياب (٩) باب: في كم تصلي المرأة من الثياب (١٢)(ر٣٦٥)، وفي مواقيت الصلاة باب: وقت الفجر، وفي صفة الصلاة باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم، وباب: سرعة انصراف النساء من الصبح. وأخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥) باب: استحباب التبكير بالصبح (٤٠)(ر٦٤٥). وأخرجه أصحاب السنن، ومالك، وأحمد، والدارمي، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٤٦).. ٢ - أخرجه البخاري عن أبي هريرة بنحوه في مواقيت الصلاة (١٣) باب: من أدرك من الفجر ركعة (٢٧)(ر٥٥٤). وأخرجه مسلم عن عائشة في المساجد ومواضع الصلاة (٥) باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة (٣٠)(ر٦٠٩). وأخرجه أصحاب السنن، ومالك، وأحمد، والبيهقي، والشافعي في المسند (ر١٦١). .

الإسراء 17:79

٣٠٥- قال الشافعي : واعلموا أن شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته في يوم القيامة حق، والدليل عليه قوله تعالى :﴿عَسى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ يعني الشفاعة العظمى، وقوله صلى الله عليه وسلم :« ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي »(١) وقوله عليه الصلاة والسلام :« أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : أوتيت جوامع الكلم، ونصرتُ بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا، وأعطيت الشفاعة »(٢). ولأنه حسن المغفرة عنها بالتوبة، فبأن تحسن المغفرة بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، لأن فيه رفعة لمنزلته، وترغيبا في الطاعة والإيمان به. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر : ٢٩-٣٠. ) ١ - لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد أخرجه بلفظ آخر: البخاري في أول الدعوات (٨٣)(ر٥٩٤٥ و ٥٩٤٦) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لكل نبي دعوة مستجابة يدعوا بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة ». وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كل نبي سأل سؤالا أو قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ». ومسلم في الإيمان (١) باب: اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته (٨٦)(ر١٩٨-١٩٩-٢٠٠-٢٠١).. ٢ - أخرجه البخاري بلفظ مغاير عن جابر بن عبد الله في أول التيمم (٧)(ر٣٢٨). وفي المساجد (١١) باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا »(٢٣)(ر٤٢٧). وأخرجه مسلم في أول المساجد ومواضيع الصلاة (٥)(ر٥٢١). وأخرجه النسائي، وأحمد، والدارمي، والبيهقي..

الإسراء 17:88

٣٠٦- قال الشافعي : واعلموا أن نبينا المصطفى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم رسول رب العالمين، مبعوث إلى الخلق أجمعين، وأنه خاتم النبيين لا نبي بعده وإلى يوم القيامة. والدليل عليه ظهور المعجزات الباهرة على يده الدالة على صدقه عليه الصلاة والسلام، فثبتت نبوته بما ثبتت به نبوة سائر الأنبياء قبله. ومعجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة ـ لا نحصيها في هذا المختصر ـ إلا أنا نذكر منها ما يتعلق بالقرآن، لأن ذلك أظهر ولا مجال للإنكار والجحود فيه، فما هو أبلغ على هذا الوجه من النظم المباين لنظم الشعر والخطب ومنثور الكلام والرجز وأسجاع الكهان، مع التحدي به للخلق، قال تعالى :﴿قُل لَّئِنِ اِجْتَمَعَتِ الإنس وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يأتوا بِمِثْلِ هذا اَلْقُرْءَانِ لا يأتون بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ثم بالغ في غاية التحدي إلى أن قال : ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾(١) ولم يمكنهم الإتيان بسورة مثل ذلك، مع أن هذه اللغة لسانهم، والفصاحة جبلتهم، فكانت المعارضة أيسر عليهم من المقابلة بالسيف وإعطاء الأموال وبذل النفوس والمهج. وإلى يومنا هذا لم تظهر معارضة سورة من قصار السور من أحدٍ، مع كثرة الكفار وأعداء دين الإسلام، وذلك أدل دليل على صحة معجزته وصدق نبوته صلى الله عليه وسلم. ( الكوكب الأزهر شرح الفقه الأكبر : ٢٦-٢٧. ) ١ - البقرة: ٢٣..

الإسراء 17:110

٣٠٧- قال الشافعي : إن الله عز وجل يقول :﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ يعني ـ والله تعالى أعلم ـ الدعاء، ولا تجهر : ترفع، ولا تخافت : حتى لا تسمع نفسك. ( الأم : ١/١٣٧. )