التفسير الكبير (المنسوب إلى الطبراني) — الأنبياء 21:1 – المؤمنون 23:118
المحتويات
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:3
- الأنبياء 21:4
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:7
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:9
- الأنبياء 21:10
- الأنبياء 21:11
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:13
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:15
- الأنبياء 21:16
- الأنبياء 21:17
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:19
- الأنبياء 21:20
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:22
- الأنبياء 21:23
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:26
- الأنبياء 21:27
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:29
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:32
- الأنبياء 21:33
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:35
- الأنبياء 21:36
- الأنبياء 21:37
- الأنبياء 21:38
- الأنبياء 21:39
- الأنبياء 21:40
- الأنبياء 21:41
- الأنبياء 21:42
- الأنبياء 21:43
- الأنبياء 21:44
- الأنبياء 21:45
- الأنبياء 21:46
- الأنبياء 21:47
- الأنبياء 21:48
- الأنبياء 21:49
- الأنبياء 21:50
- الأنبياء 21:51
- الأنبياء 21:52
- الأنبياء 21:53
- الأنبياء 21:54
- الأنبياء 21:55
- الأنبياء 21:56
- الأنبياء 21:57
- الأنبياء 21:58
- الأنبياء 21:59
- الأنبياء 21:60
- الأنبياء 21:61
- الأنبياء 21:62
- الأنبياء 21:63
- الأنبياء 21:64
- الأنبياء 21:65
- الأنبياء 21:66
- الأنبياء 21:67
- الأنبياء 21:68
- الأنبياء 21:69
- الأنبياء 21:70
- الأنبياء 21:71
- الأنبياء 21:72
- الأنبياء 21:73
- الأنبياء 21:74
- الأنبياء 21:75
- الأنبياء 21:76
- الأنبياء 21:77
- الأنبياء 21:78
- الأنبياء 21:79
- الأنبياء 21:80
- الأنبياء 21:81
- الأنبياء 21:82
- الأنبياء 21:83
- الأنبياء 21:84
- الأنبياء 21:85
- الأنبياء 21:86
- الأنبياء 21:87
- الأنبياء 21:88
- الأنبياء 21:89
- الأنبياء 21:90
- الأنبياء 21:91
- الأنبياء 21:92
- الأنبياء 21:93
- الأنبياء 21:94
- الأنبياء 21:95
- الأنبياء 21:96
- الأنبياء 21:97
- الأنبياء 21:98
- الأنبياء 21:99
- الأنبياء 21:100
- الأنبياء 21:101
- الأنبياء 21:102
- الأنبياء 21:103
- الأنبياء 21:104
- الأنبياء 21:105
- الأنبياء 21:106
- الأنبياء 21:107
- الأنبياء 21:108
- الأنبياء 21:109
- الأنبياء 21:110
- الأنبياء 21:111
- الأنبياء 21:112
- الحج 22:1
- الحج 22:2
- الحج 22:3
- الحج 22:4
- الحج 22:5
- الحج 22:6
- الحج 22:7
- الحج 22:8
- الحج 22:9
- الحج 22:10
- الحج 22:11
- الحج 22:12
- الحج 22:13
- الحج 22:14
- الحج 22:15
- الحج 22:16
- الحج 22:17
- الحج 22:18
- الحج 22:19
- الحج 22:20
- الحج 22:21
- الحج 22:22
- الحج 22:23
- الحج 22:24
- الحج 22:25
- الحج 22:26
- الحج 22:27
- الحج 22:28
- الحج 22:29
- الحج 22:30
- الحج 22:31
- الحج 22:32
- الحج 22:33
- الحج 22:34
- الحج 22:35
- الحج 22:36
- الحج 22:37
- الحج 22:38
- الحج 22:39
- الحج 22:40
- الحج 22:41
- الحج 22:42
- الحج 22:43
- الحج 22:44
- الحج 22:45
- الحج 22:46
- الحج 22:47
- الحج 22:48
- الحج 22:49
- الحج 22:50
- الحج 22:51
- الحج 22:52
- الحج 22:53
- الحج 22:54
- الحج 22:55
- الحج 22:56
- الحج 22:57
- الحج 22:58
- الحج 22:59
- الحج 22:60
- الحج 22:61
- الحج 22:62
- الحج 22:63
- الحج 22:64
- الحج 22:65
- الحج 22:66
- الحج 22:67
- الحج 22:68
- الحج 22:69
- الحج 22:70
- الحج 22:71
- الحج 22:72
- الحج 22:73
- الحج 22:74
- الحج 22:75
- الحج 22:76
- الحج 22:77
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:6
- المؤمنون 23:7
- المؤمنون 23:8
- المؤمنون 23:9
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:11
- المؤمنون 23:12
- المؤمنون 23:13
- المؤمنون 23:14
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:16
- المؤمنون 23:17
- المؤمنون 23:18
- المؤمنون 23:19
- المؤمنون 23:20
- المؤمنون 23:21
- المؤمنون 23:22
- المؤمنون 23:23
- المؤمنون 23:24
- المؤمنون 23:25
- المؤمنون 23:26
- المؤمنون 23:27
- المؤمنون 23:28
- المؤمنون 23:29
- المؤمنون 23:30
- المؤمنون 23:31
- المؤمنون 23:32
- المؤمنون 23:33
- المؤمنون 23:34
- المؤمنون 23:35
- المؤمنون 23:36
- المؤمنون 23:37
- المؤمنون 23:38
- المؤمنون 23:39
- المؤمنون 23:40
- المؤمنون 23:41
- المؤمنون 23:42
- المؤمنون 23:43
- المؤمنون 23:44
- المؤمنون 23:45
- المؤمنون 23:46
- المؤمنون 23:47
- المؤمنون 23:48
- المؤمنون 23:49
- المؤمنون 23:50
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:52
- المؤمنون 23:53
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:56
- المؤمنون 23:57
- المؤمنون 23:58
- المؤمنون 23:59
- المؤمنون 23:60
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:63
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:65
- المؤمنون 23:66
- المؤمنون 23:67
- المؤمنون 23:68
- المؤمنون 23:69
- المؤمنون 23:70
- المؤمنون 23:71
- المؤمنون 23:72
- المؤمنون 23:73
- المؤمنون 23:74
- المؤمنون 23:75
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:77
- المؤمنون 23:78
- المؤمنون 23:79
- المؤمنون 23:80
- المؤمنون 23:81
- المؤمنون 23:82
- المؤمنون 23:83
- المؤمنون 23:84
- المؤمنون 23:85
- المؤمنون 23:86
- المؤمنون 23:87
- المؤمنون 23:88
- المؤمنون 23:89
- المؤمنون 23:90
- المؤمنون 23:91
- المؤمنون 23:92
- المؤمنون 23:93
- المؤمنون 23:94
- المؤمنون 23:95
- المؤمنون 23:96
- المؤمنون 23:97
- المؤمنون 23:98
- المؤمنون 23:99
- المؤمنون 23:100
- المؤمنون 23:101
- المؤمنون 23:102
- المؤمنون 23:103
- المؤمنون 23:104
- المؤمنون 23:105
- المؤمنون 23:106
- المؤمنون 23:107
- المؤمنون 23:108
- المؤمنون 23:109
- المؤمنون 23:110
- المؤمنون 23:111
- المؤمنون 23:112
- المؤمنون 23:113
- المؤمنون 23:114
- المؤمنون 23:115
- المؤمنون 23:116
- المؤمنون 23:117
- المؤمنون 23:118
الأنبياء 21:1
{ اقترب للناس حسابهم }؛ أي اقترب لأهل مكة حسابهم، والمعنى: اقتربت القيامة، واقترب للناس حسابهم، والحساب هنا: إظهار ما للعبد وما عليه ليجازى على ذلك.
قوله تعالى: { وهم في غفلة معرضون }؛ أي في غفلة عما يفعل الله بهم ذلك اليوم، معرضون عن التأهب له بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل: معناه: وهم في غفلة عن قرب الحساب والموت، معرضون عن الفكرة في ذلك، والتأهب له، وهذا من الله تنبيه وعظة؛ لئلا يغفلوا عن الآخرة.
الأنبياء 21:2
قوله تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم }؛ أي ما يأتيهم من وحي، { محدث }؛ تنزيله، والإحداث يعود إلى الانزال. قوله تعالى: { إلا استمعوه وهم يلعبون }؛ قال ابن عباس: (يستمعون القرآن مستهزئين).
الأنبياء 21:3
قوله تعالى: { لاهية قلوبهم }؛ منصوب بقوله (يلعبون)، ومعناه: غافلة قلوبهم عما يراد بهم، معرضة عن ذكر الله. قوله تعالى: { وأسروا النجوى }؛ أي تناجوا فيما بينهم سرا.
ثم بين من هم فقال: { الذين ظلموا }؛ أي الذين أشركوا بالله، و(الذين) في موضع الرفع بدل من الضمير في (أسروا) كما في قوله تعالى
ثم عموا وصموا كثير منهم
[المائدة: 71]، ويجوز أن يكون (الذين) خفض نعتا للناس؛ أي اقترب للناس الذين هذا حالهم.
ثم بين النجوى الذي أسروه بقوله: { هل هذآ إلا بشر مثلكم } أطلع الله النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، فإذن تتبعون بشر مثلكم، { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون }؛ وأنتم تعلمون أنه سحر. قال السدي: (قالوا متابعة محمد متابعة السحر)، والمعنى: أتقبلوا السحر، وأنتم تعلمون أنه سحر.
الأنبياء 21:4
قوله تعالى: { قال ربي يعلم القول في السمآء والأرض }؛ أي قل لهم يا محمد: ربي الذي أعبده وأدعوا إلى عبادته هو الله الذي يعلم ما تسره العباد من القول في السماء والأرض، { وهو السميع العليم }؛ لذلك كله، العالم بما يجري عليه، ومن هذه صفته، فهو الذي يجب أن يعبد دون الأصنام. وقرأ أهل الكوفة: (قال ربي) على الخير. قوله تعالى: { وهو السميع العليم } أي السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم.
الأنبياء 21:5
قوله تعالى: { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر }؛ أي قال الكفار: إن ما أتي به محمد تخاليط رؤيا رآها في المنام، و (بل) ها هنا انتقال إلى خبر آخر عنهم.
قوله تعالى: { بل افتراه } أي قالوا اختلقه كذبا من تلقاء نفسه، ثم قالوا: (بل هو شاعر) فجعلوا ينقضون أقوالهم قول متحير لا يمكنه الجزم على أمر واحد. قوله تعالى: { فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون }؛ بالآيات، نحو انقلاب البحر، وإحياء الموتى، والناقة والعصا.
فقال الله تعالى مجيبا لهم: { مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون }؛ أي ما آمنت قبل مشركي مكة { من قرية } يعني أهلها، والمعنى: ما آمنت من قرية مهلكة بالآيات المرسلة، فكيف يؤمن هؤلاء؟ والمعنى: أن مجيء الآيات لو كان سببا للإيمان من غير إرادة الله لكان سببا لإيمان أولئك، فلما بطل ذلك بطل هذا.
الأنبياء 21:6
قوله تعالى: { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر }؛ أي قال الكفار: إن ما أتي به محمد تخاليط رؤيا رآها في المنام، و (بل) ها هنا انتقال إلى خبر آخر عنهم.
قوله تعالى: { بل افتراه } أي قالوا اختلقه كذبا من تلقاء نفسه، ثم قالوا: (بل هو شاعر) فجعلوا ينقضون أقوالهم قول متحير لا يمكنه الجزم على أمر واحد. قوله تعالى: { فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون }؛ بالآيات، نحو انقلاب البحر، وإحياء الموتى، والناقة والعصا.
فقال الله تعالى مجيبا لهم: { مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون }؛ أي ما آمنت قبل مشركي مكة { من قرية } يعني أهلها، والمعنى: ما آمنت من قرية مهلكة بالآيات المرسلة، فكيف يؤمن هؤلاء؟ والمعنى: أن مجيء الآيات لو كان سببا للإيمان من غير إرادة الله لكان سببا لإيمان أولئك، فلما بطل ذلك بطل هذا.
الأنبياء 21:7
قوله تعالى: { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم }؛ يعني ما أرسلنا قبلك من الرسل إلا رجالا مثلك، وهذا جواب لقولهم
هل هذآ إلا بشر مثلكم
[الأنبياء: 3]، فقال الله تعالى: لم أرسل قبل محمد إلا رجالا من بني آدم لا الملائكة، { فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }؛ وأراد بأهل الذكر علماء أهل الكتاب؛ لأن اليهود النصارى لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرا، وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد بالذكر القرآن، والمعنى: فاسألوا المؤمنين من أهل القرآن إن كنتم يا أهل مكة لا تعلمون. قال علي (كرم الله وجهه): لما نزلت هذه الآية قال: (نحن أهل الذكر).
الأنبياء 21:8
قوله تعالى: { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام }؛ أي وما جعلنا الأنبياء ذوي أجساد لا يأكلون الطعام، ولا يشربون الشراب، { وما كانوا خالدين }؛ لا يموتون، وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟ فأعلموا أن الرسل جميعا كانوا يأكلون الطعام، وأنهم يموتون كسائر البشر، وإنما وحد الجسد؛ لأنه مصدر كالخلق.
الأنبياء 21:9
قوله تعالى: { ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين }؛ أي ثم أنجزنا وعد الأنبياء في إنجائنا إياهم، وإهلاك الكفار المكذبين بهم، وأراد بالمسرفين الكفار، لأن المسرف في اللغة هو الذي يتجاوز حد الحق بما تباعد عنه، فالكافر أحق بهذه الصفة. قوله تعالى: { فأنجيناهم } أي من العذاب { ومن نشآء } يعني الذين صدقوهم.
الأنبياء 21:10
قوله تعالى: { لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم }؛ أي لقد أنزلنا إليكم كتابا يا معشر قريش، كتابا فيه شرفكم وعزكم أن يمسكم به يعني القرآن، والذكر هو الشرف، قوله تعالى:
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف: 44] أي شرف، يقال: فلان مذكور في العلا؛ إذا كان رفيعا. وقال الحسن: (معنى قوله تعالى { ذكركم } أي ما تحتاجون إليه من أمر دينكم)، { أفلا تعقلون } ، ما فضلكم به على غيركم، أنزلتكم حرمي، وبعثت فيكم نبيا.
الأنبياء 21:11
قوله تعالى: { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة }؛ أي كم أهلكنا من أهل قرية كانوا مشركين، والقصم: الكسر والدق، { وأنشأنا بعدها قوما آخرين }؛ أي وأحدثنا من بعد إهلاكهم قوما آخرين، فسكنوا ديارهم.
الأنبياء 21:12
قوله تعالى: { فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون }؛ أي فلما أحس أهل القرية الكافرة عذابنا إذا هم منها يهربون سراعا هرب المنهزم من عدوه. ومعنى قوله { أحسوا } أي رأوا، وقيل: معناه: لما ذاقوا. والإحساس: هو الإدراك بحاسة من الحواس الخمس.
الأنبياء 21:13
قوله تعالى: { لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم }؛ أي قيل لهم: لا تركضوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه وإلى منازلكم، تقول الملائكة ذلك استهزاء بهم وتقريعا على ما فرط منهم بحيث يسمعون النداء.
قوله تعالى: { لعلكم تسألون }؛ يقال لهم ذلك على طريق الهزؤ بهم وهو توبيخ في الحقيقة، والمعنى: لكي تسألوا شيئا من دنياكم فأنتم أهل بر ونعمة، ف { قالوا } عند ذلك: { يويلنآ إنا كنا ظالمين }؛ لأنفسنا حيث كذبنا الرسل، اعترفوا بالذنب حين رأوا العذاب، فقالوا هذا على سبيل الندم، ولم ينفعهم حينئذ الندم. والويل: الوقوع في الهلكة.
الأنبياء 21:14
قوله تعالى: { لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم }؛ أي قيل لهم: لا تركضوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه وإلى منازلكم، تقول الملائكة ذلك استهزاء بهم وتقريعا على ما فرط منهم بحيث يسمعون النداء.
قوله تعالى: { لعلكم تسألون }؛ يقال لهم ذلك على طريق الهزؤ بهم وهو توبيخ في الحقيقة، والمعنى: لكي تسألوا شيئا من دنياكم فأنتم أهل بر ونعمة، ف { قالوا } عند ذلك: { يويلنآ إنا كنا ظالمين }؛ لأنفسنا حيث كذبنا الرسل، اعترفوا بالذنب حين رأوا العذاب، فقالوا هذا على سبيل الندم، ولم ينفعهم حينئذ الندم. والويل: الوقوع في الهلكة.
الأنبياء 21:15
قوله تعالى: { فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين }؛ أي فما زالت تلك الكلمة وهو قولهم: { يويلنآ إنا كنا ظالمين } لم يزالوا يرددنها إلى أن ماتوا وخمدوا فصاروا كالزرع الحصيد، والحصيد: هو الزرع المحصود، والمخمود: وهو المهمود كخمود النار إذا أطفيت.
قيل: نزلت هذه الآية في أهل خضور وهي قرية من اليمن كان أهلها من العرب، بعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله فكذبوه وقتلوه، فسلط الله بختنصر حتى قتلهم وسباهم ونكل بهم، فلما أثخن فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا، فقالت لهم الملائكة على طريق الاستهزاء: لا تركضوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم، فاتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من السماء: يا ثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حيث لم ينفعهم، فقالوا: يا ويلنا إنا كنا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا بالسيوف، كما يحصد الزرع، خامدين أي ميتين.
الأنبياء 21:16
قوله تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لعبين }؛ أي ما خلقناهما عبثا ولا باطلا بل خلقناهما لأمر؛ أي لأجازي أوليائي، وأعذب أعدائي. وقيل: معناه: خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا؛ ليعتبروا بخلقهما ويتفكروا فيهما، فيعلمون أن العبادة لا تكون إلا لخالقهما.
الأنبياء 21:17
قوله تعالى: { لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنآ }؛ قال قتادة: (اللهو بلغة اليمن المرأة)، وقال ابن عباس: (يريد النساء)، وقيل: جاء طاووس وعطاء ومجاهد إلى الحسن فسألوه عن هذه الآية، فقال: (اللهو المرأة). وفي رواية الكلبي: (اللهو الولد). وقيل: معناه: لو أردنا أن نتخذ شريكا أو ولدا أو امرأة لم يكن لنتخذها مما نسبتمونا إليه من الذي لا يسمع ولا يعقل ولا من هذه النساء والولدان، بل كما نتخذه من جنس أشرف من هذا الجنس كما قال تعالى في آية أخرى
لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء
[الزمر: 4]. وقيل: معناه: لو أردنا أن نتخذ ولدا نلهو به لاتخذناه عندنا لا عندكم؛ لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده وبحضرته.
نزلت هذه الآية في الذين قالوا اتخذ الله ولدا، ولو كان ذلك جائزا في صفة الله تعالى لم يتخذ بحيث لم يظهر لكم، ويستره حتى لا تطلعوا عليه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. قوله تعالى: { إن كنا فاعلين }؛ أي كنا ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله، وقيل: (إن) هنا بمعنى (ما) أي ما كنا فاعلين.
الأنبياء 21:18
قوله تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه }؛ أراد بالحق القرآن، وبالباطل الكفر، وقيل: معناه: دع ذاك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، بل نقذف بالحق على الباطل من كذبهم، { فيدمغه } أي فيهلكه ويذهبه، { فإذا هو زاهق }؛ أي زائل ذاهب، والمعنى: إنا نبطل كذبهم مما تبين من الحق حتى يضمحل ويذهب، ثم أوعدهم على قولهم فقال: { ولكم الويل مما تصفون }؛ أي لكم العذاب مما تصفون الله تعالى به من الصاحبة والولد.
ثم بين أن جميع الخلق عبيده، فقال: { وله من في السموت والأرض }؛ عبيدا وملكا، { ومن عنده }؛ يعني الملائكة، { لا يستكبرون عن عبادته }؛ قال الزجاج: (إن الذين ذكرتموهم بأنهم أولاد الله هم عباده ولا يأنفون عن عبادته، ولا يتعظمون عنها)، { ولا يستحسرون }؛ أي ينقطعون عن العبادة من الإعياء والتعب، من قولهم: بعير حسير اذا أعيا وقام.
الأنبياء 21:19
قوله تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه }؛ أراد بالحق القرآن، وبالباطل الكفر، وقيل: معناه: دع ذاك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، بل نقذف بالحق على الباطل من كذبهم، { فيدمغه } أي فيهلكه ويذهبه، { فإذا هو زاهق }؛ أي زائل ذاهب، والمعنى: إنا نبطل كذبهم مما تبين من الحق حتى يضمحل ويذهب، ثم أوعدهم على قولهم فقال: { ولكم الويل مما تصفون }؛ أي لكم العذاب مما تصفون الله تعالى به من الصاحبة والولد.
ثم بين أن جميع الخلق عبيده، فقال: { وله من في السموت والأرض }؛ عبيدا وملكا، { ومن عنده }؛ يعني الملائكة، { لا يستكبرون عن عبادته }؛ قال الزجاج: (إن الذين ذكرتموهم بأنهم أولاد الله هم عباده ولا يأنفون عن عبادته، ولا يتعظمون عنها)، { ولا يستحسرون }؛ أي ينقطعون عن العبادة من الإعياء والتعب، من قولهم: بعير حسير اذا أعيا وقام.
الأنبياء 21:20
قوله تعالى: { يسبحون اليل والنهار }؛ أي يصلون لله تعالى الليل والنهار، { لا يفترون }؛ أي لا يضعفون عن عبادته ولا يملون، وقيل: معناه: ينزهون الله، وإنما يقولون سبحان الله لا يملون. قال الزجاج: (مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا، كما لا يشغلنا عن النفس شيء فكذلك تسبيحهم دائم).
الأنبياء 21:21
قوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون }؛ استفهام بمعنى الإنكار؛ أي أعبد أهل مكة أصناما يحيون الموتى؟! وفيه تقريع لهم بأنهم كاذبون أنها آلهة، لأن الإله يحيي الموتى، وهي لا تحيي، فكيف يستحق العبادة؟ قيل: معنى الآية: لم تتخذون آلهة من الأرض، وأصنامهم كانت من الأرض؛ من أي شيء كانت، من خشب أو حجارة أو فضة أو ذهب، هم ينشرون، أيحيون الموتى.
الأنبياء 21:22
قوله تعالى: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا }؛ لخربتا وهلك من فيهما، وعين صفة الآلهة؛ أي لو كان فيهما آلهة غير الله؛ أي لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله لما قامت السماوات والأرض؛ لأنه لو أراد أحدهما اتخاذ جسم في مكان، وأراد آخر اتخاذ جسم آخر في ذلك المكان لم يخل: إما أن يوجد مرادهما أو لا يوجد مرادهما، أو يوجد مراد أحدهما دون الآخر.
فالأول باطل؛ لأن في وجود جسمين في مكان واحد. والثاني باطل؛ لأن في ذلك كونهما عاجزين، والعاجز لا يستحق الألوهية، وإن وجد مراد أحدهما دون الآخر، فالذي لا يوجد مراده يكون عاجزا لا يصلح أن يكون إلها.
والمعنى: لو كان فيهما آلهة غير الله كما يزعم المشركون، هذا قول جميع النحويين؛ قالوا: (إلا) ليس ها هنا باستثناء، ولكنه مع ما بعده صفة للآلهة في معنى (غير). قال الزجاج: (فلذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، قال الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه
لعمرو أبيك إلا الفرقدان
قوله تعالى: { فسبحان الله رب العرش عما يصفون }؛ أي تنزيها عما يقولون عليه من الولد والشريك، { لا يسأل عما يفعل }؛ أي لا يسأل عن أفعاله وقضائه في خلقه من إعزاز وإذلال، وهداية وإضلال، وإسعاد وإشقاء؛ لأنه الرب مالك الخلق. قوله تعالى: { وهم يسألون }؛ أي يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله سبحانه وتعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته.
الأنبياء 21:23
قوله تعالى: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا }؛ لخربتا وهلك من فيهما، وعين صفة الآلهة؛ أي لو كان فيهما آلهة غير الله؛ أي لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله لما قامت السماوات والأرض؛ لأنه لو أراد أحدهما اتخاذ جسم في مكان، وأراد آخر اتخاذ جسم آخر في ذلك المكان لم يخل: إما أن يوجد مرادهما أو لا يوجد مرادهما، أو يوجد مراد أحدهما دون الآخر.
فالأول باطل؛ لأن في وجود جسمين في مكان واحد. والثاني باطل؛ لأن في ذلك كونهما عاجزين، والعاجز لا يستحق الألوهية، وإن وجد مراد أحدهما دون الآخر، فالذي لا يوجد مراده يكون عاجزا لا يصلح أن يكون إلها.
والمعنى: لو كان فيهما آلهة غير الله كما يزعم المشركون، هذا قول جميع النحويين؛ قالوا: (إلا) ليس ها هنا باستثناء، ولكنه مع ما بعده صفة للآلهة في معنى (غير). قال الزجاج: (فلذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، قال الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه
لعمرو أبيك إلا الفرقدان
قوله تعالى: { فسبحان الله رب العرش عما يصفون }؛ أي تنزيها عما يقولون عليه من الولد والشريك، { لا يسأل عما يفعل }؛ أي لا يسأل عن أفعاله وقضائه في خلقه من إعزاز وإذلال، وهداية وإضلال، وإسعاد وإشقاء؛ لأنه الرب مالك الخلق. قوله تعالى: { وهم يسألون }؛ أي يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله سبحانه وتعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته.
الأنبياء 21:24
قوله تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة }؛ هذا إنكار عليهم وتوبيخ، { قل هاتوا برهانكم }؛ أي حجتكم بأن رسولا من رسل الله أنبأ أمته بأن لهم إلها غير الله.
قوله تعالى: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي }؛ معناه: هذا القرآن فيه ذكر من معي لما يلزمهم من الحلال والحرام والخطأ والصواب. وقيل: خبر من معي على ديني بما لهم من الثواب والعقاب، وذكر من قبلي من الأمم من نجا منهم بالإيمان، وأهلك بالشرك. وقيل: معناه: هذا القرآن الذي هو ذكر من معي، والتوراة والإنجيل هما ذكر من قبلي، هل في جميع ذلك غير توحيد الله تعالى؟
والمعنى: هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت من قبلي، فانظروا هل في واحد منهم أن الله أمر باتخاذ آلهة سواه؟ قوله تعالى: { بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون }؛ عن النظر في دلائل الله مقصرين على جهلهم وتقليدهم.
الأنبياء 21:25
قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }؛ أي ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا يوحى إليه أن يقول لقومه أنه لا إله إلا هو فاعبدوه أي وحدوه.
الأنبياء 21:26
قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه }؛ أراد به قولهم إن المسيح ابن الله، والملائكة بنات الله. قوله تعالى: { بل عباد مكرمون }؛ معناه: بل هم عبيد أكرمهم الله بالطاعة واصطفاهم.
الأنبياء 21:27
قوله تعالى: { لا يسبقونه بالقول }؛ لا يخرجون بقولهم عن حد ما أمرهم، { وهم بأمره يعملون }؛ قوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }؛ أي يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم، ويقال: { ما بين أيديهم } من الدنيا { وما خلفهم } من الآخرة، ويقال: يعلم ما عملوا وما هم عاملون.
قوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى }؛ أي لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنه وارتضى عمله، قال ابن عباس: (لمن قال لا إله إلا الله)، قوله تعالى: { وهم من خشيته مشفقون }؛ أي وهم من خشيتهم منه، فأضاف المصدر إلى المفعول. قوله تعالى: { مشفقون } أي خائفون، لا يأمنون مكره، وفي هذا بيان أن من هذه صفته لا يكون إلها مع الله ولا ولدا له.
الأنبياء 21:28
قوله تعالى: { لا يسبقونه بالقول }؛ لا يخرجون بقولهم عن حد ما أمرهم، { وهم بأمره يعملون }؛ قوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }؛ أي يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم، ويقال: { ما بين أيديهم } من الدنيا { وما خلفهم } من الآخرة، ويقال: يعلم ما عملوا وما هم عاملون.
قوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى }؛ أي لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنه وارتضى عمله، قال ابن عباس: (لمن قال لا إله إلا الله)، قوله تعالى: { وهم من خشيته مشفقون }؛ أي وهم من خشيتهم منه، فأضاف المصدر إلى المفعول. قوله تعالى: { مشفقون } أي خائفون، لا يأمنون مكره، وفي هذا بيان أن من هذه صفته لا يكون إلها مع الله ولا ولدا له.
الأنبياء 21:29
قوله تعالى: { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم }؛ أي من يقل من الملائكة إني إله من دون الله فذلك يجزيه جهنم، قال المفسرون: يعني إبليس لأنه أمر بطاعة نفسه، ودعا إلى نفسه. قوله تعالى: { كذلك نجزي الظالمين }؛ أي كما جزيناه جهنم، نجزي الظالمين المشركين.
الأنبياء 21:30
قوله تعالى: { أولم ير الذين كفروا أن السموت والأرض كانتا رتقا ففتقناهما }؛ قال ابن عباس وعطاء والضحاك: (يعني كانتا شيئا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء)، قال كعب: (خلق الله السماوات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحا وسطهما، ففتحمها بها).
وقال مجاهد: (كانت السماوات طبقة واحدة ففتقها، فجعلها سبع سماوات، وكانت الأرضون مرتفعة طبقة واحدة ففتقها الله تعالى، فجعلها سبع أرضين)، وقال عكرمة: (كانت السماء رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات).
وأصل الرتق السد، ومنه قيل للمرأة التي فرجها ملتحم: رتقاء. وأصل الفتق الفتح، وذلك أن السماوات والأرض كانت مستويتين لا فتق فيهما لخروج الزرع ونزول الغيث، ففتقت السماء بالمطر، والأرض بالنبات.
قوله تعالى: { وجعلنا من المآء كل شيء حي }؛ أي أحيينا بالمطر والنبات كل ما على الأرض من حيوان، يعني أنه سبب كل شيء. وقال بعضهم: يعني أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء لقوله تعالى
والله خلق كل دآبة من مآء
[النور: 45].
قال أبو العالية: (يعني النطفة)، فعلى هذا لا يتعلق هذا بما قبله، وهو احتجاج على المشركين بقدرة الله تعالى، { أفلا يؤمنون }؛ أي أفلا يصدقون بالإله الذي فعل ذلك؛ ليعلموا أنه الإله دون غيره. وإنما قال (رتقا) ولم يقل رتقين؛ لأن الرتق مصدر. المعنى: كانتا ذوي رتق فجعلناهما ذواتي فتق.
الأنبياء 21:31
قوله تعالى: { وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم }؛ أي جعلنا فيها جبالا أوتادا فهي راسية كي لا تميد بهم الأرض، والميد: الاضطراب بالذهاب في الجهات، قال ابن عباس: (إن الأرض بسطت على وجه الماء، فكانت تميد بأهلها كما تميد السفينة، فأرساها الله بالجبال الثقال).
قوله تعالى: { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون }؛ أي جعلنا في الأرض طرقا واسعة ليهتدوا إلى مواطنهم، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين. قوله تعالى: { سبلا } تفسير الفجاج.
الأنبياء 21:32
قوله تعالى: { وجعلنا السمآء سقفا محفوظا }؛ أي محفوظا من السقوط، وقيل: محفوظا من الشياطين بالنجوم، قال الله تعالى:
وحفظناها من كل شيطان رجيم
[الحجر: 17]. قوله تعالى: { وهم عن آياتها معرضون }؛ يعني المشركين يعرضون عن آياتها، يعني شمسها وقمرها ونجومها، لا يتفكرون فيها فيعلمون أن خالقها لا شريك له.
الأنبياء 21:33
قوله تعالى: { وهو الذي خلق الليل والنهار }؛ أي خلقهما بعد رفع السماء عن وجه الأرض وسخر { والشمس والقمر كل في فلك }؛ من الشمس والقمر في مواضعها التي ركبت فيها، { يسبحون }؛ أي يجرون بسرعة كالسابح في الماء، وقد قال في مواضع آخر
والسابحات سبحا
[النازعات: 3] يعني النجوم، قال الضحاك: (الفلك هو المجرى الذي يجري فيه الشمس والقمر)، ويقال: هو موج كغرف يجريان فيه. قال القتيبي: (الفلك القطب الذي تدور به النجوم، وهو كوكب خفي بقرب الفرقدين، وبنات نعش عليه تدور السماء). وقال الحسن: (هو الطاحونة كهيأة فلكة المغزل)، فالفلك في كلام العرب: هو كل شيء دائر، وجمعه أفلاك.
الأنبياء 21:34
قوله تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد }؛ روي أن هذا نزل جوابا لقول الكفار: ننتظر بمحمد ريب المنون فنستريح منه، والمعنى: وما جعلنا لبشر من قبلك البقاء الدائم؛ يعني أن سبيله سبيل من مضى من بني آدم في الموت، { أفإن مت فهم الخالدون }؛ يعني مشركي مكة لما قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، { كل نفس ذآئقة الموت } ، فقيل لهم: إن مات فأنتم أيضا تموتون؛ لأن كل نفس ذائقة الموت.
قالت عائشة: استأذن أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مات وأسجي عليه الثوب، فكشف عن وجهه ووضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدغيه وقال: وا نبياه؛ وا خليلاه؛ وا صفياه، صدق الله ورسوله { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ذآئقة الموت }.
قوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة }؛ أي نبلوكم بالشدة والرخاء؛ والمرض والعافية؛ والفقر والغنى، كلاهما ابتلاء من الله، وتشديد في التعبد؛ ليظهر شكرهم فيما يحبون، وصبرهم فيما يكرهون { وإلينا ترجعون }؛ للجزاء.
الأنبياء 21:35
قوله تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد }؛ روي أن هذا نزل جوابا لقول الكفار: ننتظر بمحمد ريب المنون فنستريح منه، والمعنى: وما جعلنا لبشر من قبلك البقاء الدائم؛ يعني أن سبيله سبيل من مضى من بني آدم في الموت، { أفإن مت فهم الخالدون }؛ يعني مشركي مكة لما قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون، { كل نفس ذآئقة الموت } ، فقيل لهم: إن مات فأنتم أيضا تموتون؛ لأن كل نفس ذائقة الموت.
قالت عائشة: استأذن أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مات وأسجي عليه الثوب، فكشف عن وجهه ووضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدغيه وقال: وا نبياه؛ وا خليلاه؛ وا صفياه، صدق الله ورسوله { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ذآئقة الموت }.
قوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة }؛ أي نبلوكم بالشدة والرخاء؛ والمرض والعافية؛ والفقر والغنى، كلاهما ابتلاء من الله، وتشديد في التعبد؛ ليظهر شكرهم فيما يحبون، وصبرهم فيما يكرهون { وإلينا ترجعون }؛ للجزاء.
الأنبياء 21:36
قوله تعالى: { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا }؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأبي سفيان وأبي جهل، فقال أبو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، كالمستهزئ، فنزلت هذه الآية، ومعناها: وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا، يستهزؤن بك.
وقوله تعالى: { أهذا الذي يذكر آلهتكم }؛ أي يقول بعضهم لبعض: أهذا الذي يعيب آلهتكم ويلومكم على عبادتها، تقول العرب: فلان يذكر الناس؛ أي يغتابهم ويعيبهم، وفلان يذكر الله؛ أي يصفه بالعظمة ويثني عليه، فيحذفون من الذكر ما يعقل معناه، فيكون معنى قوله: { يذكر آلهتكم } أي يذكر آلهتكم بسوء. قوله تعالى: { وهم بذكر الرحمن هم كافرون }؛ أي يجحدون الألوهية ممن هو منعم عليهم، المحيي المميت، وهذا في نهاية جهلهم.
الأنبياء 21:37
قوله تعالى: { خلق الإنسان من عجل }؛ أي خلق الله الإنسان من عجل مشتهيا للعجلة فيها هواه، ولذلك تستعجل أهل مكة الوعد والوعيد، يقال: فلان خلق من كذا؛ أي أكثر ذلك الشيء كما يقال: خلق فلان من اللعب واللهو، والإنسان اسم جنس.
وقال عكرمة: (لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح وصار في رأسه، أراد أن ينهض قبل أن تبلغ رجليه فسقط، فقيل: خلق الإنسان من عجل). وقال السدي: (لما دخل الروح عيني آدم نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلا إلى ثمار الجنة فلم يقدر، فذلك قوله تعالى: { خلق الإنسان من عجل } ). وإذا كان خلق آدم من عجل وجد ذلك في أولاده، وأورث أولاده العجلة حتى استعجلوا في كل شيء. قوله تعالى: { سأوريكم آياتي }؛ يعني القتل ببدر، { فلا تستعجلون }؛ إنه نازل بكم.
الأنبياء 21:38
قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }؛ أي يقول المشركون متى هذا الوعد الذي تعدنا، يريدون وعدهم يوم القيامة إن كنت من الصادقين في هذا الوعد، قال الله تعالى: { لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون }؛ أي لو يعلمون ذلك ما استعجلوه ولا قالوا متى هذا الوعد. وقيل: معناه: لو علموا ذلك لعلموا صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما توعدهم به.
الأنبياء 21:39
قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين }؛ أي يقول المشركون متى هذا الوعد الذي تعدنا، يريدون وعدهم يوم القيامة إن كنت من الصادقين في هذا الوعد، قال الله تعالى: { لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون }؛ أي لو يعلمون ذلك ما استعجلوه ولا قالوا متى هذا الوعد. وقيل: معناه: لو علموا ذلك لعلموا صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما توعدهم به.
الأنبياء 21:40
قوله تعالى: { بل تأتيهم بغتة }؛ معناه: بل تأتيهم الساعة فجأة وهم غافلون، { فتبهتهم }؛ أي تحيرهم، يقال: بهته؛ إذا واجهه بشيء فحيره، { فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون }؛ يمهلون التوبة، أو عذرا، أو صلاح عمل.
الأنبياء 21:41
قوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك }؛ أي ولقد استهزأت الأمم من قبلك برسلهم، كما استهزأ بك قومك، { فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون }؛ بهم؛ أي فحل بهم وبال استهزائهم، وكان ما أرادوه بالداعي عائدا عليهم، كما قال تعالى:
ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله
[فاطر: 43]، وقيل في الفرق بين الهزؤ وبين السخرية: أن في السخرية طلب الذلة؛ لأن التسخير هو التذليل، وأما الهزؤ فهو استصغار القدر بضرب من القول.
الأنبياء 21:42
قوله تعالى: { قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن }؛ أي قل من يحفظكم من بأس الرحمن، وعوارض الآفات في الليل والنهار وعقوبات الدنيا والآخرة، { بل هم عن ذكر ربهم معرضون }؛ لا يلتفتون إلى شيء من الحجج والمواعظ.
الأنبياء 21:43
قوله تعالى: { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا }؛ من عذابنا، { لا يستطيعون نصر أنفسهم }؛ معناه: أن آلهتهم لا يقدرون على الدفع عن أنفسهم في درء ما ينزل بهم من كسر أو فساد، فكان ينصرهم ويمنع عنهم ما ينزل بهم، وقوله تعالى: { ولا هم منا يصحبون }؛ يعني الكفار. قال الكلبي: (معناه: ولا هم مجارون من عذابنا) أي لا يجيرهم منا أحد، لأن المجير صاحب الجار، يقال: صحبك الله؛ أي حفظك الله وأجارك. وقال قتادة: (معناه: ولا هم يصحبون من الله بخير) يقال أصحبت الرجل إذا أعطيته أمانا يأمن به.
الأنبياء 21:44
وقوله: { بل متعنا هؤلاء وآبآءهم }؛ يعني أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم، { حتى طال عليهم العمر }؛ فاغتروا بذلك، والمعنى ما حملهم على الإعراض إلا الاغترار بطول الإمهال.
وقوله تعالى: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ }؛ معناه: أفلا يشاهدون أنا نفتح الأرض من جوانبها، وننقص من الشرك بإهلاك أهلها، فيزداد هو كل يوم تمكنا، وتزدادون ضعفا ونقصا؟ والمعنى: ألم ير المشركون الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وسلم ويقاتلونه أنا ننقصهم، ونأخذ ما حولهم من قراهم وأرضهم؟ أفلا يرون أنهم هم المنقوصون والمغلوبون؟
ومعنى قوله تعالى: { أفهم الغالبون } أي هم الغالبون للنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو الغالب لهم. وعن ابن عباس في معنى نقصها من أطرافها: (أي بذهاب فقهائها وخيار أهلها، فكيف يأمن الرذال؟).
الأنبياء 21:45
قوله تعالى: { قل إنمآ أنذركم بالوحي }؛ أي قل لهم يا محمد: إنما أخوفكم من عذاب الله بالقرآن الذي يوحى إلي لا من قبل نفسي، وذلك أن الله أمره بإنذارهم، كقوله
وأنذر به الذين يخافون
[الأنعام: 51].
قوله تعالى: { ولا يسمع الصم الدعآء إذا ما ينذرون }؛ هذا تمثيل للكفار بالصم الذين لا يسمعون النداء، والمعنى أنهم معاندون، فإذا أسمعتهم لم يعملوا بما سمعوه. قوله تعالى: { إذا ما ينذرون } أي اذا ما يخافون.
الأنبياء 21:46
قوله تعالى: { ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين }؛ أي لو أصابهم أدنى عذاب لأيقنوا بالهلاك، وقال ابن كيسان: (معناه: ولئن مسهم قليل من عذاب الله)، وقال ابن جريج: (نصيب من عذاب الله)، والمعنى: ولئن مسهم طرف من العذاب لأيقنوا بالهلاك، ودعوا على أنفسهم بالويل مع الإقرار أنهم ظلموا أنفسهم بالشرك، وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم. والنفحة: هي الدفعة اليسيرة الواقعة من الشيء دون معظمه، يقال: نفحه نفحة بالسيف؛ أي ضربه ضربة خفيفة.
الأنبياء 21:47
قوله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا }؛ أي نضع الموازين ذوات القسط لأهل يوم القيامة. قال الحسن: (هي ميزان له كفتان ولسان، لا يوزن فيها غير الحسنات والسيئات، يجاء بالحسنات في أحسن صورة، وبالسيئات في أقبح صورة، فلا ينقص من حسنات أحد، ولا يزاد في سيئات أحد). وقال مجاهد: (هذا مثل، وإنما أراد بالميزان العدل).
ويروى: أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم أفاق، فقال: إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتهما بتمرة. ويقال: إنما يوزن خاتمة العمل، فمن كان خاتمة عمله خيرا، جوزي بخير، ومن كان شرا جوزي بشر.
قوله تعالى: { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها }؛ وإن كان العمل الذي عمله وزن حبة من خردل أتينا بها للجزاء، وقيل: معناه: وإن كان الظلامة مثقال حبة من خردل أحضرناها للمجازاة حتى لا يبقى لأحد عند أحد ظلامة.
قرأ أهل المدينة (مثقال) بالرفع على (إن كان) بمعنى وقع لا خبر لها، وقرأ العامة بالنصب على معنى وإن كان ذلك الشيء، ومثله في لقمان. قوله تعالى: { وكفى بنا حاسبين }؛ أي محفظين، وقيل: حافظين؛ لأن من حسب شيئا علمه وحفظه.
الأنبياء 21:48
قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان }؛ أي التوراة يفرق بها بين الحق والباطل؛ والحلال والحرام، { وضيآء وذكرا للمتقين }؛ من صفة التوراة مثل قوله تعالى:
هدى ونور
[المائدة: 44]، والمعنى: أنهم استضاؤا بها حتى اهتدوا في دينهم، وقوله تعالى: { وذكرا للمتقين } أي موعظة للمتقين الكبائر والفواحش. وعن ابن عباس: أنه كان يقرأ (ضياء) بحذف الواو، وكان يقول: (آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء).
الأنبياء 21:49
قوله تعالى: { الذين يخشون ربهم بالغيب }؛ في الدنيا غائبين عن الآخرة، { وهم من الساعة مشفقون }؛ أي خائفون من أن تلحقهم الساعة، مما يجري فيها من المحاسبة قبل إصلاح أعمالهم.
الأنبياء 21:50
قوله تعالى: { وهذا ذكر مبارك أنزلناه }؛ أي هذا القرآن الذي أنزلناه عليك يا محمد، ذكر يتبرك به قارئه فيجزيه الأجر العظيم، { أفأنتم له منكرون }؛ يا أهل مكة، وهذا توبيخ لهم.
الأنبياء 21:51
قوله تعالى: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل }؛ أي من قبل بلوغه، وقيل: معناه: من قبل موسى وهارون، والمعنى: آتيناه هداه وهو صغير حين كان في السرب حتى عرف الحق من الباطل، { وكنا به عالمين }؛ أي آتيناه رشده، { إذ } ، حين، { قال لأبيه وقومه } ، في الوقت الذي خرج من السرب فرآهم يعكفون على الأصنام: { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } أي التصاوير التي لأجلها مقيمون عليها، { قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين }؛ بينوا بهذا الجواب أنه لا حجة لهم في عبادة الأصنام إلا تقليدهم لآبائهم، فأجابهم إبراهيم، { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم }؛ في عبادة الأصنام، { في ضلال مبين }؛ عن الحق ظاهر.
الأنبياء 21:52
قوله تعالى: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل }؛ أي من قبل بلوغه، وقيل: معناه: من قبل موسى وهارون، والمعنى: آتيناه هداه وهو صغير حين كان في السرب حتى عرف الحق من الباطل، { وكنا به عالمين }؛ أي آتيناه رشده، { إذ } ، حين، { قال لأبيه وقومه } ، في الوقت الذي خرج من السرب فرآهم يعكفون على الأصنام: { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } أي التصاوير التي لأجلها مقيمون عليها، { قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين }؛ بينوا بهذا الجواب أنه لا حجة لهم في عبادة الأصنام إلا تقليدهم لآبائهم، فأجابهم إبراهيم، { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم }؛ في عبادة الأصنام، { في ضلال مبين }؛ عن الحق ظاهر.
الأنبياء 21:53
قوله تعالى: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل }؛ أي من قبل بلوغه، وقيل: معناه: من قبل موسى وهارون، والمعنى: آتيناه هداه وهو صغير حين كان في السرب حتى عرف الحق من الباطل، { وكنا به عالمين }؛ أي آتيناه رشده، { إذ } ، حين، { قال لأبيه وقومه } ، في الوقت الذي خرج من السرب فرآهم يعكفون على الأصنام: { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } أي التصاوير التي لأجلها مقيمون عليها، { قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين }؛ بينوا بهذا الجواب أنه لا حجة لهم في عبادة الأصنام إلا تقليدهم لآبائهم، فأجابهم إبراهيم، { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم }؛ في عبادة الأصنام، { في ضلال مبين }؛ عن الحق ظاهر.
الأنبياء 21:54
قوله تعالى: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل }؛ أي من قبل بلوغه، وقيل: معناه: من قبل موسى وهارون، والمعنى: آتيناه هداه وهو صغير حين كان في السرب حتى عرف الحق من الباطل، { وكنا به عالمين }؛ أي آتيناه رشده، { إذ } ، حين، { قال لأبيه وقومه } ، في الوقت الذي خرج من السرب فرآهم يعكفون على الأصنام: { ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون } أي التصاوير التي لأجلها مقيمون عليها، { قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين }؛ بينوا بهذا الجواب أنه لا حجة لهم في عبادة الأصنام إلا تقليدهم لآبائهم، فأجابهم إبراهيم، { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم }؛ في عبادة الأصنام، { في ضلال مبين }؛ عن الحق ظاهر.
الأنبياء 21:55
قوله تعالى: { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين }؛ قالوا له أجاد أنت فيما تقول؟ محق أم لاعب مازح؟ وذلك لأنهم كانوا يستبعدون إنكار عبادتها، { قال بل ربكم رب السموت والأرض الذي فطرهن }؛ أي بل إلهكم مالك السماوات والأرض الذي خلقهن { وأنا على ذلكم }؛ ما قلت لكم؛ { من الشاهدين }.
الأنبياء 21:56
قوله تعالى: { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين }؛ قالوا له أجاد أنت فيما تقول؟ محق أم لاعب مازح؟ وذلك لأنهم كانوا يستبعدون إنكار عبادتها، { قال بل ربكم رب السموت والأرض الذي فطرهن }؛ أي بل إلهكم مالك السماوات والأرض الذي خلقهن { وأنا على ذلكم }؛ ما قلت لكم؛ { من الشاهدين }.
الأنبياء 21:57
قوله تعالى: { وتالله لأكيدن أصنامكم }؛ أي لأبطلنها ولأكسرنها ولأمكرن بها وقت مغيبكم عنها، وذلك لأنهم كانوا يعزمون على الذهاب إلى عيدهم، فقال لهم عند ذلك هذا القول. والكيد في اللغة: هو الإضرار بالشيء، قال مجاهد وقتادة: (إنما قال إبراهيم هذا القول في نفسه من قومه سرا، ولم يسمع ذلك إلا رجل منهم، وهو الذي أفشاه سره عليه، وهو الذي قال: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم).
قال الشعبي: (كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا! فخرج إبراهيم معهم، فلما كان في بعض الطريق ألقى نفسه، وقال: إني سقيم؛ أي اشتكي رجلي، فربطوا رجله وهو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم: وتالله لأكيدن أصنامكم، { بعد أن تولوا مدبرين }.
ثم رجع إبراهيم إلى بيت أصنامهم، فوجد معهم صنما كبيرا إلى جنبه أصنام أصغر منه، وإذا هم قد جمعوا طعاما فوضعوه بين يدي الأصنام وقالوا: إذا كان وقت رجوعنا رجعنا وقد باركت الآلهة لنا في طعامنا فأكلنا، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم على طريق الاستهزاء بهم: ألا تأكلون؟ فلما لم يجيبوه، قال لهم: ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضربا باليمين، وجعل يكسرهم بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم العظيم، فعلق الفأس في عنقه ثم خرج). فذلك قوله تعالى: { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم }؛ فإنه لم يكسره.
قوله تعالى: { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم } فيه إضمار؛ أي لما ولوا مدبرين جعلهم جذاذا. قرأ الكسائي بكسر الجيم أي كسرا وقطعا، جمع جذيذ وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف وكريم وكرام، وقرأ الباقون بضم الجيم؛ أي جعلهم حطاما ورفاتا.
قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } فإنه لم يكسره، { لعلهم إليه يرجعون } فيحتج عليهم إبراهيم ويبرهن لهم على أن أصنامهم لم لم تقدر على دفع الكسر عن أنفسها؟ فلم يعبدوها؟ وكيف يكون إلها من لا يقدر على دفع ما نزل به؟. وقيل: معناه: لعلهم يرجعون؛ أي إلى دين إبراهيم، وإلى ما يدعوهم إليه بوجوب الحجة عليهم في عبادة ما لا يدفع الضر عن نفسه، وينتهوا عن جهلهم وعظم خطاياهم.
الأنبياء 21:58
قوله تعالى: { وتالله لأكيدن أصنامكم }؛ أي لأبطلنها ولأكسرنها ولأمكرن بها وقت مغيبكم عنها، وذلك لأنهم كانوا يعزمون على الذهاب إلى عيدهم، فقال لهم عند ذلك هذا القول. والكيد في اللغة: هو الإضرار بالشيء، قال مجاهد وقتادة: (إنما قال إبراهيم هذا القول في نفسه من قومه سرا، ولم يسمع ذلك إلا رجل منهم، وهو الذي أفشاه سره عليه، وهو الذي قال: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم).
قال الشعبي: (كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا! فخرج إبراهيم معهم، فلما كان في بعض الطريق ألقى نفسه، وقال: إني سقيم؛ أي اشتكي رجلي، فربطوا رجله وهو صريع، فلما مضوا نادى في آخرهم: وتالله لأكيدن أصنامكم، { بعد أن تولوا مدبرين }.
ثم رجع إبراهيم إلى بيت أصنامهم، فوجد معهم صنما كبيرا إلى جنبه أصنام أصغر منه، وإذا هم قد جمعوا طعاما فوضعوه بين يدي الأصنام وقالوا: إذا كان وقت رجوعنا رجعنا وقد باركت الآلهة لنا في طعامنا فأكلنا، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم على طريق الاستهزاء بهم: ألا تأكلون؟ فلما لم يجيبوه، قال لهم: ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضربا باليمين، وجعل يكسرهم بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم العظيم، فعلق الفأس في عنقه ثم خرج). فذلك قوله تعالى: { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم }؛ فإنه لم يكسره.
قوله تعالى: { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم } فيه إضمار؛ أي لما ولوا مدبرين جعلهم جذاذا. قرأ الكسائي بكسر الجيم أي كسرا وقطعا، جمع جذيذ وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف وكريم وكرام، وقرأ الباقون بضم الجيم؛ أي جعلهم حطاما ورفاتا.
قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } فإنه لم يكسره، { لعلهم إليه يرجعون } فيحتج عليهم إبراهيم ويبرهن لهم على أن أصنامهم لم لم تقدر على دفع الكسر عن أنفسها؟ فلم يعبدوها؟ وكيف يكون إلها من لا يقدر على دفع ما نزل به؟. وقيل: معناه: لعلهم يرجعون؛ أي إلى دين إبراهيم، وإلى ما يدعوهم إليه بوجوب الحجة عليهم في عبادة ما لا يدفع الضر عن نفسه، وينتهوا عن جهلهم وعظم خطاياهم.
الأنبياء 21:59
قوله تعالى: { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ }؛ فلما رجعوا من عيدهم ورأوا أصنامهم مكسرة، قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ { إنه لمن الظالمين } أي فعل ما لم يكن له أن يفعل، فقال الذي سمع إبراهيم؛ { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم }؛ وذلك أن بعضهم كانوا قد سمعوه يذكر أصنامهم بالعيب ويقول: إنها ليست بآلهة.
فقالوا: ينبغي أن يكون ذلك الفتى هو الذي كسرها، { قالوا فأتوا به }؛ بذلك الفتى، { على أعين }؛ أي مرأى من، { الناس }؛ لكي يشهد الذين عرفوه أنه يعيب الأصنام. وقيل: إنه لما بلغ النمرود وأشراف قومه ما فعل بأصنامهم وما قالوه، في إبراهيم أنه هو الذي فعل ذلك، قال النمرود ومن معه: فأتوا به على أعين الناس، { لعلهم يشهدون }؛ أنه هو الذي فعل ذلك بهم، وكرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يشهدون ما يصنع به من العقوبة؛ أي يحضرون.
الأنبياء 21:60
قوله تعالى: { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ }؛ فلما رجعوا من عيدهم ورأوا أصنامهم مكسرة، قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ { إنه لمن الظالمين } أي فعل ما لم يكن له أن يفعل، فقال الذي سمع إبراهيم؛ { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم }؛ وذلك أن بعضهم كانوا قد سمعوه يذكر أصنامهم بالعيب ويقول: إنها ليست بآلهة.
فقالوا: ينبغي أن يكون ذلك الفتى هو الذي كسرها، { قالوا فأتوا به }؛ بذلك الفتى، { على أعين }؛ أي مرأى من، { الناس }؛ لكي يشهد الذين عرفوه أنه يعيب الأصنام. وقيل: إنه لما بلغ النمرود وأشراف قومه ما فعل بأصنامهم وما قالوه، في إبراهيم أنه هو الذي فعل ذلك، قال النمرود ومن معه: فأتوا به على أعين الناس، { لعلهم يشهدون }؛ أنه هو الذي فعل ذلك بهم، وكرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يشهدون ما يصنع به من العقوبة؛ أي يحضرون.
الأنبياء 21:61
قوله تعالى: { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ }؛ فلما رجعوا من عيدهم ورأوا أصنامهم مكسرة، قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ { إنه لمن الظالمين } أي فعل ما لم يكن له أن يفعل، فقال الذي سمع إبراهيم؛ { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم }؛ وذلك أن بعضهم كانوا قد سمعوه يذكر أصنامهم بالعيب ويقول: إنها ليست بآلهة.
فقالوا: ينبغي أن يكون ذلك الفتى هو الذي كسرها، { قالوا فأتوا به }؛ بذلك الفتى، { على أعين }؛ أي مرأى من، { الناس }؛ لكي يشهد الذين عرفوه أنه يعيب الأصنام. وقيل: إنه لما بلغ النمرود وأشراف قومه ما فعل بأصنامهم وما قالوه، في إبراهيم أنه هو الذي فعل ذلك، قال النمرود ومن معه: فأتوا به على أعين الناس، { لعلهم يشهدون }؛ أنه هو الذي فعل ذلك بهم، وكرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يشهدون ما يصنع به من العقوبة؛ أي يحضرون.
الأنبياء 21:62
قوله تعالى: { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يإبراهيم }؛ أي فلما أتوا به قالوا: أنت فعلت هذا الكسر بآلهتنا، { قال بل فعله كبيرهم هذا }؛ الذي الفأس في عنقه، { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } حتى يخبروكم، وأراد بهذا تقريرهم بأنهم ظالمون في عبادتهم ما لا يدفع عن نفسه؛ لأن جماعتهم كانوا يعلمون أن الصنم لا يعقل ولا ينطق، فأراد إبراهيم بذلك تبكيت القوم وتوبيخهم على عبادة من لا يعقل ولا يفعل، ولذلك قال: فاسألوهم إن كانوا يقدرون على النطق.
الأنبياء 21:63
قوله تعالى: { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يإبراهيم }؛ أي فلما أتوا به قالوا: أنت فعلت هذا الكسر بآلهتنا، { قال بل فعله كبيرهم هذا }؛ الذي الفأس في عنقه، { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } حتى يخبروكم، وأراد بهذا تقريرهم بأنهم ظالمون في عبادتهم ما لا يدفع عن نفسه؛ لأن جماعتهم كانوا يعلمون أن الصنم لا يعقل ولا ينطق، فأراد إبراهيم بذلك تبكيت القوم وتوبيخهم على عبادة من لا يعقل ولا يفعل، ولذلك قال: فاسألوهم إن كانوا يقدرون على النطق.
الأنبياء 21:64
قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم }؛ أي فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة، { فقالوا إنكم أنتم الظالمون }؛ في سؤاله؛ لأنها لو كانت آلهة لم يصل إلى كسرها أحد؛ { ثم نكسوا على رءوسهم }؛ أي أدركتهم حيرة فنكسوا لأجلها رؤوسهم، وأقروا بما هو حجة عليهم، فقالوا: { لقد علمت }؛ يا إبراهيم، { ما هؤلاء ينطقون }؛ فكسرتهم لذلك.
وقيل: معنى الآية: تذكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم، فقالوا: ما نراه إلا كما قال إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم آلهة لا تنطق ولا تبطش، ثم أدركتهم الشقاوة، فعادوا إلى قولهم الأول وضلالهم القديم، وهو قوله { ثم نكسوا على رءوسهم } أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، فقالوا لإبراهيم: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فلذلك كسرتهم.
فلما اتجهت الحجة عليهم بإقرارهم، وبخهم إبراهيم و { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا }؛ ولا يرزقكم { ولا يضركم }؛ إذا لم تعبدوه، { أف لكم }؛ أي تبا لكم، { ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون }؛ أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، إذ هي أحجار لا حركة لها ولا بيان، أفليس لكم ذهن الإنسانية.
الأنبياء 21:65
قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم }؛ أي فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة، { فقالوا إنكم أنتم الظالمون }؛ في سؤاله؛ لأنها لو كانت آلهة لم يصل إلى كسرها أحد؛ { ثم نكسوا على رءوسهم }؛ أي أدركتهم حيرة فنكسوا لأجلها رؤوسهم، وأقروا بما هو حجة عليهم، فقالوا: { لقد علمت }؛ يا إبراهيم، { ما هؤلاء ينطقون }؛ فكسرتهم لذلك.
وقيل: معنى الآية: تذكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم، فقالوا: ما نراه إلا كما قال إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم آلهة لا تنطق ولا تبطش، ثم أدركتهم الشقاوة، فعادوا إلى قولهم الأول وضلالهم القديم، وهو قوله { ثم نكسوا على رءوسهم } أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، فقالوا لإبراهيم: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فلذلك كسرتهم.
فلما اتجهت الحجة عليهم بإقرارهم، وبخهم إبراهيم و { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا }؛ ولا يرزقكم { ولا يضركم }؛ إذا لم تعبدوه، { أف لكم }؛ أي تبا لكم، { ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون }؛ أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، إذ هي أحجار لا حركة لها ولا بيان، أفليس لكم ذهن الإنسانية.
الأنبياء 21:66
قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم }؛ أي فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة، { فقالوا إنكم أنتم الظالمون }؛ في سؤاله؛ لأنها لو كانت آلهة لم يصل إلى كسرها أحد؛ { ثم نكسوا على رءوسهم }؛ أي أدركتهم حيرة فنكسوا لأجلها رؤوسهم، وأقروا بما هو حجة عليهم، فقالوا: { لقد علمت }؛ يا إبراهيم، { ما هؤلاء ينطقون }؛ فكسرتهم لذلك.
وقيل: معنى الآية: تذكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم، فقالوا: ما نراه إلا كما قال إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم آلهة لا تنطق ولا تبطش، ثم أدركتهم الشقاوة، فعادوا إلى قولهم الأول وضلالهم القديم، وهو قوله { ثم نكسوا على رءوسهم } أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، فقالوا لإبراهيم: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فلذلك كسرتهم.
فلما اتجهت الحجة عليهم بإقرارهم، وبخهم إبراهيم و { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا }؛ ولا يرزقكم { ولا يضركم }؛ إذا لم تعبدوه، { أف لكم }؛ أي تبا لكم، { ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون }؛ أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، إذ هي أحجار لا حركة لها ولا بيان، أفليس لكم ذهن الإنسانية.
الأنبياء 21:67
قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم }؛ أي فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة، { فقالوا إنكم أنتم الظالمون }؛ في سؤاله؛ لأنها لو كانت آلهة لم يصل إلى كسرها أحد؛ { ثم نكسوا على رءوسهم }؛ أي أدركتهم حيرة فنكسوا لأجلها رؤوسهم، وأقروا بما هو حجة عليهم، فقالوا: { لقد علمت }؛ يا إبراهيم، { ما هؤلاء ينطقون }؛ فكسرتهم لذلك.
وقيل: معنى الآية: تذكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم، فقالوا: ما نراه إلا كما قال إنكم أنتم الظالمون بعبادتكم آلهة لا تنطق ولا تبطش، ثم أدركتهم الشقاوة، فعادوا إلى قولهم الأول وضلالهم القديم، وهو قوله { ثم نكسوا على رءوسهم } أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، فقالوا لإبراهيم: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فلذلك كسرتهم.
فلما اتجهت الحجة عليهم بإقرارهم، وبخهم إبراهيم و { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا }؛ ولا يرزقكم { ولا يضركم }؛ إذا لم تعبدوه، { أف لكم }؛ أي تبا لكم، { ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون }؛ أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، إذ هي أحجار لا حركة لها ولا بيان، أفليس لكم ذهن الإنسانية.
الأنبياء 21:68
قوله تعالى: { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم }؛ أي لما ألزمتهم الحجة، وعجزوا عن الجواب غضبوا فقالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم بتحريقه؛ لأنه يعيبها ويطعن فيها، فإذا حرقتموه كان ذلك نصرا منكم إياها. وقيل: معناه: وانتقموا لآلهتكم وعظموها، { إن كنتم فاعلين }؛ في هذا شيئا.
فاشتغلوا بجمع الحطب حتى كان الشيخ الكبير يأتي بالحطب تقربا إلى آلهتهم، وحتى أن المريض كان يوصي بكذا وكذا من ماله فيشتري به حطبا فيلقى في النار، وحتى أن المرأة لتغزل فتشتري به حطبا، وتلقيه في النار. قال ابن عمر: (إن الذي أشار عليهم بتحريق إبراهيم رجل يسمى (هيزن) فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).
فلما أجمع النمرود وقومه على إحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بيتا كالحظيرة، فلذلك قوله تعالى:
قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم
[الصافات: 97] ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أنواع الخشب، حتى أن المرأة كانت إذا مرت تقول: إذا عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم التي يحرق فيها احتسابا لدينها.
قال ابن اسحاق: (كانوا يجمعون الحطب شهرا، فلما أجمعوا الحطب شعلوا في كل ناحية نارا، فاشتعلت النار واشتدت حتى أن الطائر كان إذا مر بها احترق من شدة وهجها، ثم عمدوا إلى إبراهيم وقيدوه، ثم اتخذوا منجنيقا ووضعوه فيه مقيدا مغلولا.
فصاحت السماوات والأرض والملائكة صيحة واحدة: يا ربنا إن إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره، أيحرق؟! فأذن لنا في نصرته، فقال الله: إن استعاذ بشيء منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع أحدا غيري فأنا أعلم به، فأنا وليه، فخلوا بيني وبينه.
فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خازن الماء فقال له: إن أذنت أخمدت النار، فإن خزائن المياه والأمطار بيدي، وأتاه خازن الرياح وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل).
وروي: أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك. قال: ثم رموا به في المنجنيق، فاستقبله جبريل عليه السلام وقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.
قال جبريل: قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال الله عز وجل: { قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم }؛ قال ابن عباس: (لو لم يتبع بردها سلاما لمات من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت وخمدت).
قال السدي: (وأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس). قال كعب: (ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه).
قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام، قال إبراهيم: ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار، ثم يصف الله ملك الظل في صورة إبراهيم فأقعده فيها إلى جنب إبراهيم وهو يؤنسه، وبعث الله بقميص من حرير الجنة، قال: فنظر النمرود من طرح له فأشرف على إبراهيم، وما يشك في موته، فرأى إبراهيم في روضة ورأى الملك قاعدا إلى جنبه والنار حواليه، فناداه النمرود: يا إبراهيم كبيرا إلهك الذي بلغت قدرته إلى أن حال بينك وبين ناري حتى لم تضرك.
قال قتادة والزهري: (ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار ولا أحرقت شيئا إلا وثاق إبراهيم، ولم تبق يومئذ دابة إلا أطفأت عن إبراهيم النار إلا الوزع، فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم بقتله، وسماه فاسقا). قال شعيب الجبائي: (ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح اسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، ولما علمت سارة بما أراد الله باسحاق اضطربت يومين، وماتت اليوم الثالث).
الأنبياء 21:69
قوله تعالى: { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم }؛ أي لما ألزمتهم الحجة، وعجزوا عن الجواب غضبوا فقالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم بتحريقه؛ لأنه يعيبها ويطعن فيها، فإذا حرقتموه كان ذلك نصرا منكم إياها. وقيل: معناه: وانتقموا لآلهتكم وعظموها، { إن كنتم فاعلين }؛ في هذا شيئا.
فاشتغلوا بجمع الحطب حتى كان الشيخ الكبير يأتي بالحطب تقربا إلى آلهتهم، وحتى أن المريض كان يوصي بكذا وكذا من ماله فيشتري به حطبا فيلقى في النار، وحتى أن المرأة لتغزل فتشتري به حطبا، وتلقيه في النار. قال ابن عمر: (إن الذي أشار عليهم بتحريق إبراهيم رجل يسمى (هيزن) فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).
فلما أجمع النمرود وقومه على إحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بيتا كالحظيرة، فلذلك قوله تعالى:
قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم
[الصافات: 97] ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أنواع الخشب، حتى أن المرأة كانت إذا مرت تقول: إذا عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم التي يحرق فيها احتسابا لدينها.
قال ابن اسحاق: (كانوا يجمعون الحطب شهرا، فلما أجمعوا الحطب شعلوا في كل ناحية نارا، فاشتعلت النار واشتدت حتى أن الطائر كان إذا مر بها احترق من شدة وهجها، ثم عمدوا إلى إبراهيم وقيدوه، ثم اتخذوا منجنيقا ووضعوه فيه مقيدا مغلولا.
فصاحت السماوات والأرض والملائكة صيحة واحدة: يا ربنا إن إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره، أيحرق؟! فأذن لنا في نصرته، فقال الله: إن استعاذ بشيء منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع أحدا غيري فأنا أعلم به، فأنا وليه، فخلوا بيني وبينه.
فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خازن الماء فقال له: إن أذنت أخمدت النار، فإن خزائن المياه والأمطار بيدي، وأتاه خازن الرياح وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم أنت الواحد في السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل).
وروي: أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك. قال: ثم رموا به في المنجنيق، فاستقبله جبريل عليه السلام وقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.
قال جبريل: قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال الله عز وجل: { قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم }؛ قال ابن عباس: (لو لم يتبع بردها سلاما لمات من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت وخمدت).
قال السدي: (وأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس). قال كعب: (ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه).
قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام، قال إبراهيم: ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار، ثم يصف الله ملك الظل في صورة إبراهيم فأقعده فيها إلى جنب إبراهيم وهو يؤنسه، وبعث الله بقميص من حرير الجنة، قال: فنظر النمرود من طرح له فأشرف على إبراهيم، وما يشك في موته، فرأى إبراهيم في روضة ورأى الملك قاعدا إلى جنبه والنار حواليه، فناداه النمرود: يا إبراهيم كبيرا إلهك الذي بلغت قدرته إلى أن حال بينك وبين ناري حتى لم تضرك.
قال قتادة والزهري: (ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار ولا أحرقت شيئا إلا وثاق إبراهيم، ولم تبق يومئذ دابة إلا أطفأت عن إبراهيم النار إلا الوزع، فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم بقتله، وسماه فاسقا). قال شعيب الجبائي: (ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح اسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، ولما علمت سارة بما أراد الله باسحاق اضطربت يومين، وماتت اليوم الثالث).
الأنبياء 21:70
قوله تعالى: { وأرادوا به كيدا }؛ أي وأرادوا الحيلة في الإضرار، { فجعلناهم }؛ الكفار الذين أرادوا إحراقه، { الأخسرين }؛ بأن لم يتم ما عزموا عليه، وتبين عجزهم عن نصرهم لآلهتهم، فخسر سعيهم. وقال ابن عباس: (هو أن الله سلط البعوض على النمرود وجنده حتى أخذت لحومهم وشربت دماءهم، ووقفت واحدة في دماغه حتى أهلكته).
الأنبياء 21:71
قوله تعالى: { ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين }؛ أي نجينا إبراهيم من كيد النمرود، ونجينا لوطا معه؛ أي ورفعنا إبراهيم من الهلكة إلى الأرض المباركة وهي أرض الشام. وسميت أرض الشام مباركة؛ لكثرة الأنبياء الذين بعثهم الله فيها. وعن أبي العالية: (أنه ليس ماء عذب إلا وهو يجري من الصخرة التي ببيت المقدس).
الأنبياء 21:72
قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة }؛ أي ووهبنا لإبراهيم ولده اسحاق وولده يعقوب، سمي يعقوب (نافلة) لأنه ولد ولده، والنافلة في اللغة: زيادة على الأصل، ونوافل: الصلاة ما تطوع به المصلي. ويقال: إنهما جميعا نافلة؛ لأنهما عطية زائدة على ما تقدم من النعم. قال ابن عباس وقتادة: (سأل إبراهيم ربه ولدا واحدا، فقال: رب هب لي من الصالحين، فأعطاه الله اسحاق ولدا وزاده يعقوب)، قال ابن عباس: (نفله يعقوب؛ أي زاده إياه على ما سأل). قوله تعالى: { وكلا جعلنا صالحين }؛ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وجعلناهم أنبياء عاملين بطاعتنا.
الأنبياء 21:73
قوله تعالى: { وجعلناهم أئمة } أي قادة في الخير، { يهدون بأمرنا }؛ أي يدعون الخلق إلى أمرنا وديننا، { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات }؛ أي شرائع النبوة، وقيل: أمرناهم بفعل الخيرات، { وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة وكانوا لنا عابدين }؛ أي خاضعين مطيعين. وإنما قال (وإقام الصلاة) بغير (هاء)؛ لأن الإضافة صارت عوضا عن الهاء.
الأنبياء 21:74
قوله تعالى: { ولوطا آتيناه حكما وعلما }؛ أي وآتينا لوطا النبوة والعلم، { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث }؛ يعني سدوم، كان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم، ويتضارطون في مجالسهم. قوله تعالى: { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين }؛ قيل: إنهم كانوا يعملون مع ذلك أشياء أخر من المنكرات. قوله تعالى: { وأدخلناه في رحمتنآ }؛ بإنجائنا إياه من القوم السوء وهلاكهم، { إنه من الصالحين }؛ أي من الأنبياء.
الأنبياء 21:75
قوله تعالى: { ولوطا آتيناه حكما وعلما }؛ أي وآتينا لوطا النبوة والعلم، { ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث }؛ يعني سدوم، كان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم، ويتضارطون في مجالسهم. قوله تعالى: { إنهم كانوا قوم سوء فاسقين }؛ قيل: إنهم كانوا يعملون مع ذلك أشياء أخر من المنكرات. قوله تعالى: { وأدخلناه في رحمتنآ }؛ بإنجائنا إياه من القوم السوء وهلاكهم، { إنه من الصالحين }؛ أي من الأنبياء.
الأنبياء 21:76
قوله تعالى: { ونوحا إذ نادى من قبل }؛ أي واذكر نوحا إذ نادى ربه من قبل إبراهيم ولوط يعني دعا على قومه بالهلاك، فقال:
رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا
[نوح: 26]، { فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم }؛ ومن معه من غم الغرق وكربه، والكرب أشد الغم. { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا }؛ أي منعناهم من أن يصلوا اليه بسوء، { إنهم كانوا قوم سوء }؛ أي كفارا، { فأغرقناهم أجمعين }؛ بالطوفان.
الأنبياء 21:77
قوله تعالى: { ونوحا إذ نادى من قبل }؛ أي واذكر نوحا إذ نادى ربه من قبل إبراهيم ولوط يعني دعا على قومه بالهلاك، فقال:
رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا
[نوح: 26]، { فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم }؛ ومن معه من غم الغرق وكربه، والكرب أشد الغم. { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا }؛ أي منعناهم من أن يصلوا اليه بسوء، { إنهم كانوا قوم سوء }؛ أي كفارا، { فأغرقناهم أجمعين }؛ بالطوفان.
الأنبياء 21:78
قوله تعالى: { وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم }؛ أي وأكرمنا داود وسليمان بالنبوة والحكمة إذ يحكمان في الحرث، وقال قتادة: (زرعا)، وقال ابن مسعود: (كان كرما قد نبت عنبا)، قيده قوله تعالى: { إذ نفشت فيه غنم القوم } أي وقعت فيه بالليل ورعته وأفسدته، والنفش في اللغة: الرعي بالليل، يقال: نفشت السائمة بالليل، وهملت بالنهار إذا رعت، والهمل الرعي بالنهار، وكلاهما الرعي بلا راع.
قوله تعالى: { وكنا لحكمهم شاهدين }؛ أي لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب عن علمنا، وإنما قال (لحكمهم) بلفظ الجمع لإضافة الحكم إلى من حكم وإلى المحكوم لهم، وقد يذكر لفظ الجمع في موضع التثنية
فإن كان له إخوة فلأمه السدس
[النساء: 11] أي أخوان.
الأنبياء 21:79
قوله تعالى: { ففهمناها سليمان }؛ أي فهمنا القصة سليمان دون داود، { وكلا }؛ منهما؛ { آتينا حكما وعلما }؛ العلم والفصل بين الخصوم.
قال ابن مسعود وقتادة والزهري: (وذلك أن رجلين دخلا على داود عليه السلام، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع والكرم: إن هذا نفشت غنمه ليلا فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئا. فقال: لك رقاب الغنم - وكانا في القيمة سواء - فأعطاه الغنم بالحرث وخرجا.
فمرا على سليمان وهو يومئذ ابن أحد عشر سنة، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال سليمان: نعم ما قضى، وغير هذا كان أرفق بالكل، ولو وليت أمركما لقضيت بغير ما قضى. فأخبر داود بذلك فدعا فقال: كيف تقضي بينهما؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له نسلهما ورسلهما ومنافعها وسمنها وصوفها إلى الحول، ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى يعود كهيأته يوم أفسد، ثم يدفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ويدفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم.
فقال داود عليه السلام: نعم ما قضيت فيه، فالقضاء قضاؤك. وحكم داود بينهم بذلك، فقوم بعد ذلك الكرم وما أصابوه من الغنم فوجدوه مثل ثمر الكرم)، وهكذا روي عن ابن عباس.
قال الحسن: (كان الحكم ما قضى به سليمان، ولم يعف الله داود في حكمه) وهذا يدل على أن كل مجتهد يصيب، وإلى هذا ذهب بعض الناس فقالوا: إذا نفشت الغنم ليلا في الزرع فأفسدته، كان على صاحب الغنم ضمان ما أفسدته، وإن كان نهارا لم يضمن شيئا، واستدلوا أيضا بما روي:
" أن ناقة كانت للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل ".
وأما أصحابنا فلا يرون في هذه المسألة ضمانا ليلا ولا نهارا، إذا لم يكن صاحبه هو الذي أرسله فيه، ولا حجة لهم في هذه الآية؛ لأنه لا خلاف أن من نفشت إبله أو غنمه في حرث رجل أنه لا يجب عليه أن يسلم الغنم، ولا يسلم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحكمين اللذين حكم بهما داود وسليمان (عليهما السلام) منسوخان بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" العجماء جبار "
وهذا خبر مستعمل متفق على استعماله في البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنسانا أو مالا أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو عليه، وليس في قصة البراء بن عازب إيجاب الضمان، ولأن الأشياء الموجبة للضمان لا تختلف بالليل والنهار.
قوله تعالى: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير }؛ أي وسخرنا الجبال والطير يسبحن مع داود؛ أي أن الجبال كانت تسير مع داود أين يذهب، ومما يؤيد هذا قوله تعالى:
يجبال أوبي معه والطير
[سبأ: 10]، قوله تعالى: { وكنا فاعلين }؛ هذه الأشياء دلالة على نبوته. قوله تعالى: { وعلمناه صنعة لبوس لكم }؛ أي وعلمنا داود صنعة الدرع، وسمي الدرع لبوسا؛ لأنها تلبس، كما يقال للبعير: ركوب؛ لأنه يركب، والسلاح كله لبوس عند العرب درعا كان أم جوشنا أو سيفا أم رمحا، والجوشن هو الدرع الصغيرة. قال قتادة: (أول من صنع الدرع داود، وإنما كانت من صفائح، فهو أول من سردها وحلفها).
قوله تعالى: { لتحصنكم من بأسكم }؛ أي ليحرزكم من شدة القتال. قرأ شيبة وأبو بكر ويعقوب (لنحصنكم) بالنون، لقوله (وعلمناه). وقرأ ابن عامر وحفص بالتاء، يعني الصنعة. وقرأ الباقون بالياء على معنى ليحصنكم اللبوس. وقيل: على معنى ليحصنكم الله عز وجل (من بأسكم) أي من حربكم، وقيل: من وقع السلاح فيكم. قوله تعالى: { فهل أنتم شاكرون }؛ يا أهل مكة.
الأنبياء 21:80
قوله تعالى: { ففهمناها سليمان }؛ أي فهمنا القصة سليمان دون داود، { وكلا }؛ منهما؛ { آتينا حكما وعلما }؛ العلم والفصل بين الخصوم.
قال ابن مسعود وقتادة والزهري: (وذلك أن رجلين دخلا على داود عليه السلام، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع والكرم: إن هذا نفشت غنمه ليلا فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئا. فقال: لك رقاب الغنم - وكانا في القيمة سواء - فأعطاه الغنم بالحرث وخرجا.
فمرا على سليمان وهو يومئذ ابن أحد عشر سنة، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال سليمان: نعم ما قضى، وغير هذا كان أرفق بالكل، ولو وليت أمركما لقضيت بغير ما قضى. فأخبر داود بذلك فدعا فقال: كيف تقضي بينهما؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له نسلهما ورسلهما ومنافعها وسمنها وصوفها إلى الحول، ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى يعود كهيأته يوم أفسد، ثم يدفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ويدفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم.
فقال داود عليه السلام: نعم ما قضيت فيه، فالقضاء قضاؤك. وحكم داود بينهم بذلك، فقوم بعد ذلك الكرم وما أصابوه من الغنم فوجدوه مثل ثمر الكرم)، وهكذا روي عن ابن عباس.
قال الحسن: (كان الحكم ما قضى به سليمان، ولم يعف الله داود في حكمه) وهذا يدل على أن كل مجتهد يصيب، وإلى هذا ذهب بعض الناس فقالوا: إذا نفشت الغنم ليلا في الزرع فأفسدته، كان على صاحب الغنم ضمان ما أفسدته، وإن كان نهارا لم يضمن شيئا، واستدلوا أيضا بما روي:
" أن ناقة كانت للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل ".
وأما أصحابنا فلا يرون في هذه المسألة ضمانا ليلا ولا نهارا، إذا لم يكن صاحبه هو الذي أرسله فيه، ولا حجة لهم في هذه الآية؛ لأنه لا خلاف أن من نفشت إبله أو غنمه في حرث رجل أنه لا يجب عليه أن يسلم الغنم، ولا يسلم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحكمين اللذين حكم بهما داود وسليمان (عليهما السلام) منسوخان بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" العجماء جبار "
وهذا خبر مستعمل متفق على استعماله في البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنسانا أو مالا أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو عليه، وليس في قصة البراء بن عازب إيجاب الضمان، ولأن الأشياء الموجبة للضمان لا تختلف بالليل والنهار.
قوله تعالى: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير }؛ أي وسخرنا الجبال والطير يسبحن مع داود؛ أي أن الجبال كانت تسير مع داود أين يذهب، ومما يؤيد هذا قوله تعالى:
يجبال أوبي معه والطير
[سبأ: 10]، قوله تعالى: { وكنا فاعلين }؛ هذه الأشياء دلالة على نبوته. قوله تعالى: { وعلمناه صنعة لبوس لكم }؛ أي وعلمنا داود صنعة الدرع، وسمي الدرع لبوسا؛ لأنها تلبس، كما يقال للبعير: ركوب؛ لأنه يركب، والسلاح كله لبوس عند العرب درعا كان أم جوشنا أو سيفا أم رمحا، والجوشن هو الدرع الصغيرة. قال قتادة: (أول من صنع الدرع داود، وإنما كانت من صفائح، فهو أول من سردها وحلفها).
قوله تعالى: { لتحصنكم من بأسكم }؛ أي ليحرزكم من شدة القتال. قرأ شيبة وأبو بكر ويعقوب (لنحصنكم) بالنون، لقوله (وعلمناه). وقرأ ابن عامر وحفص بالتاء، يعني الصنعة. وقرأ الباقون بالياء على معنى ليحصنكم اللبوس. وقيل: على معنى ليحصنكم الله عز وجل (من بأسكم) أي من حربكم، وقيل: من وقع السلاح فيكم. قوله تعالى: { فهل أنتم شاكرون }؛ يا أهل مكة.
الأنبياء 21:81
قوله تعالى: { ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها }؛ أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة؛ أي شديد الهبوب. قال ابن عباس: (إن أمر الريح أن تعصف عصفت، وإذا أراد أن ترخى أرخت). وذلك قوله تعالى:
رخآء حيث أصاب
[ص: 36].
قوله تعالى: { تجري بأمره إلى الأرض } أي تجري بأمر سليمان من اصطخر إلى الأرض التي بارك الله فيها بالماء والشجر وهي الأرض المقدسة. روي: أن الريح كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان، ثم يعود إلى منزله بالشام. قوله تعالى: { وكنا بكل شيء عالمين }؛ بصحة التدبير فيه، علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه.
الأنبياء 21:82
قوله تعالى: { ومن الشياطين من يغوصون له }؛ أي وسخرنا له من الشياطين في البحر لاستخراج ما شاء من لؤلؤ ومرجان وغير ذلك من الجواهر. قوله تعالى: { ويعملون عملا دون ذلك }؛ أي ويعملون دون الغواصة من أعمال البناء، قوله تعالى: { وكنا لهم حافظين }؛ أي من أن يفسدوا ما عملوا، ومن أن يهيجوا على أحد في زمانه.
الأنبياء 21:83
قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر }؛ أي دخل الضر في جسدي، { وأنت أرحم الراحمين }؛ بالعباد، فكان هذا تعريضا منه بالدعاء لله لإزالة ما به من الضر، { فاستجبنا له } دعاءه، { فكشفنا ما به من ضر }؛ وقوله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم }؛ قال ابن مسعود وقتادة والحسن: (أحيا الله له أولاده الذين هلكوا في الدنيا بأعيانهم ورددنا له مثلهم).
ويقال: أبدله الله بكل شيء ذهب عنه ضعف، وعن ابن عباس قال:
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } فقال: " يا ابن عباس، رد الله امرأته وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ذكرا " "
قوله تعالى: { رحمة من عندنا }؛ أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، { وذكرى للعابدين }؛ أي وموعظة للمطيعين.
قال وهب بن منبه: (كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم من ذرية اسحاق بن إبراهيم وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله قد اصطفاه وبناه وبسط عليه الدنيا، وآتاه من أصناف المال من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يؤتيه أحدا، وكان قد أعطاه الله أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان له خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال.
وكان أيوب عليه السلام برا تقيا رحيما بالمساكين، يكرم الأرامل والأيتام ويكفلهم، ويكرم الضيف، وكان شاكرا لأنعم الله، مؤديا لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الفتنة والغفلة والشهوة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان كثير الذكر لله تعالى مجتهدا في العبادة، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات.
ومن هنا وصل إلى آدم عليه السلام حين أخرجه من الجنة، فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله عيسى عليه السلام فحجب من أربع، وكان يصعد في الثلاث، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقيات، فهو وجنوده محجوبون من جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق فأتبعه شهاب ثاقب.
فلما كان إبليس في زمان أيوب يصعد إلى السماء، سمع تحاديث الملائكة بصلاة أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه الحسد بأيوب، فصعد سريعا حتى وقف من السماوات موقفا كان يقفه، وقال: إلهي؛ عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجربه بشدة ولا بلاء، وأنا لك زعيم لئن جربته بالبلاء ليكفرن بك.
فقال الله تعالى: انطلق؛ فقد سلطتك على ماله، فانقض إبليس حتى وقع على الأرض وجمع عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الكبرى والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الجن: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من النار، وأحرقت كل شيء أتى عليه، فقال له ابليس: إذهب إلى الإبل ورعاتها، فذهب إلى الإبل فوجدها في المرعى، فلم يشعر الناس حتى ثار إعصار تنفخ منه السموم، لا يدنو منه أحد إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.
فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها كراعيها، وانطلق إلى أيوب فوجده قائما يصلي، فقال: يا أيوب؛ هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعاتها؟ فقال أيوب: إنها ماله أعارنيها وهو أولى به مني إذا شاء نزعه، وقد وطئت نفسي ومالي على أنهما للفناء.
فقال إبليس: إن ربك أرسل عليها نارا فاحترقت هي ورعاتها، فصارت الناس مبهوتون يتعجبون منهم، ويقولون: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع عن إبل وليه، وقوم منهم يقولون: بل إله أيوب هو الذي فعل ذلك، أشمت به عدوه وتجمع به صديقه.
فقال أيوب: الحمد لله على ما قضى الله وقدر، ولو علم الله منك أيها العبد خيرا لتقبل روحك مع تلك الأرواح، فيأجرني الله فيك وتموت شهيدا، ولكنه علم منك شرا فأخرك وخلصك.
فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ إني لم أخرج قلبه، فقال عفريت: عندي من القوة ما إذا شئت ضجت صوتا ما سمعه ذو روح إلا خرجت روحه، فقال إبليس: إذهب إلى الغنم ورعاتها، فانطلق إليهم، فلما توسط الغنم والرعاة صاح صوتا فماتوا جميعا.
ثم خرج إبليس متمثلا براع من رعاتها إلى أيوب فأخبره بذلك، فحمد الله وقال له مثل ما قال في المرة الأولى، فرجع إبليس إلى أصحابه ذليلا خاسئا وأمرهم إلى أصحاب الحرث والزروع فأهلكوهم. وكان أيوب عليه السلام كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأثنى عليه ورضي بالقضاء، وألزم نفسه الصبر على البلاء حتى لم يبق له مال.
فلما رأى إبليس أم ماله قد فني، وأنه لم يصب منه حاجته صعد إلى السماء وقال: يا رب؛ إن أيوب يرى أنك ما أهلكت من ماله أخلفته عليه، فهل أنت مسلطني على أولاده؟ فإنها الفتنة المضلة والمصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم، فسلطه الله على ذلك.
فانقض إبليس حتى جاء إلى أولاد أيوب وهم في قصورهم، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يرقبهم بالخشب والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة، ثم ذهب إبليس إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو مجروح يسيل دمه ودماغه، فأخبره بذلك، فقال له: يا أيوب؛ لو رأيت بنيك كيف حالهم، منكسين على رؤوسهم يسيل دماغهم من أنوفهم، ولو رأيت كيف شققت بطونهم، وتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك عليهم، ولم يزل يردد هذا القول حتى رق قلبه وبكى، فقبض قبضة من التراب ووضعه على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب، ثم لم يلبث أيوب أن ندم على ذلك واستغفر ربه، فصعدت الملائكة بتوبته فسبقوا إبليس.
فوقف إبليس خازيا ذليلا، وقال: إلهي هل أنت مسلطني على جسده فإني زعيم لك إن سلطتني عليه ليكفرن بك، فقال الله تعالى: قد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، ولم يسلطه الله عليه إلا ليعظم له الثواب، ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين؛ ليقتدوا به في الصبر.
فانقض إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا، فأتاه من قبل الأرض في وجهه، فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده، فذهل وخرج به من قرنه إلى قدمه مثل ثآئيل ووقعت عليه حكة لا يملكها، فحك بأظفار حتى سقطت كلها، ثم حكها بالفخار والحجارة، فلم يزل يحكها حتى نزل لحمه وتقطع وتغير وانتن، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، واعتزله جميع الناس إلا امرأته (رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب) فإنها كانت تتخلف إليه بما يصلحه ويلزمه.
فلما طال عليه البلاء، وتمادى عليه الضر، ورفضه جميع الناس حتى أهل دينه تركوه ولم يتركوا دينه، فأقبل على الدعاء متضرعا، وقال: إلهي؛ لأي شيء خلقتني؟ ليتك لم تخلقني، بل ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، فلو كنت أمتني كان أجمل بي، إلهي أنا عبد ذليل، إن أحسنت إلي فالمن لك، وإن عاقبتني فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا، وقد وقع بي بلاء لو سلطته على جبل أضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي؟
إلهي تقطعت أصابعي فإني لا أقدر أحمل اللقمة بيدي، إلهي تساقطت لهواتي ولحم رأسي، وما يراد بي، وسال دماغي من فمي، وتساقط شعر عيني، وكانما أحرق وجهي، فحدقتاي متدليتان على وجهي، وورم لساني حتى ملأ فمي فما أدخل فيه طعامي إلا غصها، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي، وغطت السفلى ذقني، وتقطعت أمعائي في بطني. إلهي ذهبت قوة رجلاي حتى لا أطيق حملها، وذهب المال حتى صرت أسأل اللقمة من كنت أعوله فيمنها علي ويعيرني.
إلهي هلك أولادي ولم تبق منهم واحدا لإعانتي ونفعني، إلهي قد ملني أهلي وعفني أرحامي وأنكرني معارفي، وأعرض عني صديقي وهجرني أصحابي، وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي. أصرخ فلا أحد يصرخني، وأعتذر فلا أحد يعذرني، وأدعو فلا أحد يجيب. إن فضلك هو الذي أذلني وأعماني، وسلطانك هو الذي أسقمني وأنحلني، فلو أن ربي فرغ الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بما ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يصافيني، ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه لا هو نظر إلي فرحمني ولا هو أدناني منه فأتكلم بحاجتي، وأنطق ببراءتي وأخاصم عن نفسي.
فلما قال ذلك أيوب، نودي: يا أيوب؛ إني لم أزل منك قريبا، فقم خاصم عن نفسك، وتكلم ببراءتك، وشد إزارك، وقم مقام جبار لتخاصمني. يا أيوب؛ إنك أردت أن تخاصمني بعيبك، وتحاجني بخطئك، أم أردت أن تكاثرني بضعفك، أين أنت مني يوم خلقت السماوات والأرض؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها، أم كنت معي يوم مددت أطرافها، أم هل علمت ما في زواياها؟
أين أنت مني يوم سخرت البحار وانبعثت الأنهار، أقدرتك حبست البحار وأمواجها؟ أم قدرتك محت الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت يوم نصبت شوامخ الجبال، ويوم صببت الماء على التراب؟ أبحكمتك أحصيت القطر وقسمت الأرزاق؟ أم قدرتك تسير السحاب؟ أم هل خزنت أرواح الأموات خزانة الثلج وجبال البرد؟ وهل تدري أين خزانة الليل والنهار؟ وأين طريق النور، ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ أين أنت يا أيوب يوم خلقت التنين رزقه في البحر ومسكنه في السحاب، عيناه توقدان نارا ومنخراه يثوران دخانا، يثور منهما لهبا كأنه إعصار، النار جوفه يحترق ونفسه تلتهب، كأن صريف أسنانه أصوات الصواعق، وكأن وسط عينه لهيب البرق، لا يفزعه شيء، ويهلك كل شيء يمر عليه، هل أنت يا أيوب آخذه بأحبولتك، أو واضع اللجام في شدقه؟ هل تحصي عمره أو تعرف أجله أو تعطيه رزقه؟.
فقال عند ذلك أيوب: قصرت عن هذا الأمر، ليت الأرض تنشق لي فأذهب فيها، اجتمع علي البلاء الحي، قد جعلتني لك كالعدو، وقد كنت تكرمني إلهي، هذه كلمة زلت على لساني فلن أعود بشيء تكرهه مني، قد وضعت يدي على فمي، وعضضت على لساني، وألصقت خدي بالتراب ودسيت فيه وجهي لذلي وسكت كما أسكتتني خطيئتي، ربي اغفر لي ما قلت فلا أعود لمثله أبدا.
فقال الله عز وجل: يا أيوب؛ قد نفد فيك علمي، وسبقت رحمتي غضبي، إن أخطأت فقد غفرت لك، ورددت عليك مالك وأهلك مثلهم معهم؛ لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء وعبرة للصابرين، اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك فاركض برجلك، فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل منها، فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء.
فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده، فقامت كالوالهة فوجدته جالسا عند العين فلم تعرفه، فقالت له: يا عبد الله؛ هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ فقال: وهل تعرفينه؟ قالت: نعم؛ وما لي لا أعرفه؟ فتبسم فقال أنه هو، فعرفته بمضحكه، فاعتنقته).
قال ابن عباس: (فوا الذي نفسي بيده؛ ما فارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أقام أيوب في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد "
وقال الحسن: (مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة سبع سنين، وكان مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله والثناء عليه، والصبر على بلائه.
فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب، فلما اجتمعوا إليه قالوا له: ما أصابك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده، فلم أدع له مالا ولا ولدا، فلم يزدد إلا صبرا وثناء على الله، ثم سلطت على جسده فتركته جيفة ملقى على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلا امرأته، فاستغثت بكم لتقووني عليه.
فقالوا له: وأين مكرك وأين خداعك الذي أهلكت بها من مضى من الأمم؟ قال: بطل ذلك كله مع أيوب، فأشيروا علي. قالوا: أنت حين أخرجت آدم من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته، فإنه لا يعصيها وليس يقربه أحد غيرها.
قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحك قروحه والدود يتردد في جسده، فوسوس إليها وذكرها بأيام شباب أيوب وجماله، وما كانا فيه من النعم والحال الطيب، وكيف تقلب عليهم الزمان حتى صار أيوب في هذا الضرر العظيم، ولم يزل يذكرها بأيام قد مضت حتى أبكاها، فلما علم أنها قد جزعت وحزنت، أتاها بسخلة وقال لها: قولي لأيوب يذبح هذه الشاة لي وهو يبرأ.
قال: فجاءت إلى أيوب وقالت له: إلى متى يعذبك الله ألا يرحمك؟ أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين لونك الحسن؟ قد تغير وصار كما ترى، أين جسمك الحسن؟ قد بلي وتردد فيه الديدان، فاذبح هذه السخلة لمن أمرني واسترح.
فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك فاحشه، ويلك أرأيت الذي تبكين عليه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فكم ابتلانا الله؟ قالت: سبع سنين، قال: وتلك ما عدلت ولا أنصفت، ألا صبرت حتى تكون في البلاء ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، كيف تأمريني أن أذبح لغير الله؟ طعامك وشرابك علي حرام أن أذوق شيئا مما تأتيني به بعد إذا قلت لي هذا القول، فاعتزلي عني ولا أراك، فطردها فذهبت.
وقال وهب: (لم يأمرها إبليس بذبح السخلة، وإنما قال لها: لو أن بعلك أكل طعاما، ولم يسم عليه لعوفي من البلاء).
وروي: أن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة وأرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فأنا الذي صنعت بكم ما صنعت، فرجعت إليه فأخبرته بذلك، فقال لها: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، وحلف إن عافاه الله ليضربنها مائة جلدة، وحرم طعامها وشرابها وطردها، فلما نظر أيوب إلى أنه قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا لله عز وجل، وقال: إلهي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، من طمع إبليس في سجود امرأتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر).
وإنما قال (مسني الضر) حين قصدت الدودة إلى قلبه ولسانه، فخشي أن يفتر عن ذكر الله، وقيل: إنما قال ذلك حين أتاه صديقان فقاما من بعيد لا يقدرون على الدنو منه من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه بما ترى، قال: فما سمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، يدل عليه ما روي أنه قيل له بعد ما عوفي، ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء، وأنشدوا في معناه:
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الحساد
كل المصائب تنقضي أيامها
وشماتة الحساد بالمرصاد
قال وهب: (فلما طرد أيوب امرأته، وبقي وحيدا ليس معه من يطعمه ويسقيه، قال عند ذلك: يا رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فقال له الله: إرفع رأسك؛ فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط عنه، وأذهب الله عنه كل ألم وسقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن مما كان وأفضل، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منه، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحا وكسي حلة، ثم التفت عن يمينه فرأى جميع ما كان له من أهل ومال وولد، وقد صار معهم مثلهم، قال الله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا }.
قال وهب: (كان له سبع بنات وثلاثة بنين)، وقال ابن يسار: (سبعة بنين وسبع بنات، فردهم الله بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم) وهذا قول ابن مسعود وقتادة وكعب، قالوا: (أحياهم الله عز وجل، وأبدله بكل شيء ذهب عنه ضعفين)، قال ابن عباس: (رد الله امرأته في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا).
قوله تعالى: { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل }؛ أي واذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، واختلفوا في ذكر ذي الكفل، قال أبو موسى الأشعري وقتادة ومجاهد: (كان ذو الكفل رجلا صالحا تكفل لنبي من الأنبياء أنه يصوم النهار ويقوم الليل، وأن لا يغضب ويقضي بالحق، فوفى بذلك كله، فأثنى الله عليه وذكره مع الأنبياء.
وذلك أن نبيا من بني إسرائيل أوحى الله إليه: أني أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم النهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى به، فشكره الله وأثنى عليه، ولذلك سمي ذا الكفل). وقال الحسن: (هو نبي اسمه ذو الكفل) ومعنى ذو الكفل؛ أي ضوعف ثوابه على ثواب غيره ممن آمن به في زمانه.
وقال مجاهد أيضا: (لما كبر اليسع عليه السلام قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس وقال: من يتكفل لي بثلاثة استخلفته: يصوم النهار، ويقوم الليل، ويحكم بين الناس ولا يغضب؟ فقام رجل ترد به العيون فقال: أنا، فرده في ذلك اليوم، ثم قال كذلك في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فرده، فقال مثل ذلك في اليوم الثالث، فقام ذلك الرجل، فاستخلفه فوفى بذلك كله).
قوله تعالى: { كل من الصابرين }؛ أي على طاعة الله وعن معاصيه، { وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين }؛ يعني ما أنعم الله عليهم من النبوة، وما صيرهم اليه في الجنة من الثواب.
الأنبياء 21:84
قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر }؛ أي دخل الضر في جسدي، { وأنت أرحم الراحمين }؛ بالعباد، فكان هذا تعريضا منه بالدعاء لله لإزالة ما به من الضر، { فاستجبنا له } دعاءه، { فكشفنا ما به من ضر }؛ وقوله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم }؛ قال ابن مسعود وقتادة والحسن: (أحيا الله له أولاده الذين هلكوا في الدنيا بأعيانهم ورددنا له مثلهم).
ويقال: أبدله الله بكل شيء ذهب عنه ضعف، وعن ابن عباس قال:
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } فقال: " يا ابن عباس، رد الله امرأته وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ذكرا " "
قوله تعالى: { رحمة من عندنا }؛ أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، { وذكرى للعابدين }؛ أي وموعظة للمطيعين.
قال وهب بن منبه: (كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم من ذرية اسحاق بن إبراهيم وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله قد اصطفاه وبناه وبسط عليه الدنيا، وآتاه من أصناف المال من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يؤتيه أحدا، وكان قد أعطاه الله أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان له خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال.
وكان أيوب عليه السلام برا تقيا رحيما بالمساكين، يكرم الأرامل والأيتام ويكفلهم، ويكرم الضيف، وكان شاكرا لأنعم الله، مؤديا لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الفتنة والغفلة والشهوة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان كثير الذكر لله تعالى مجتهدا في العبادة، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات.
ومن هنا وصل إلى آدم عليه السلام حين أخرجه من الجنة، فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله عيسى عليه السلام فحجب من أربع، وكان يصعد في الثلاث، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقيات، فهو وجنوده محجوبون من جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق فأتبعه شهاب ثاقب.
فلما كان إبليس في زمان أيوب يصعد إلى السماء، سمع تحاديث الملائكة بصلاة أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه الحسد بأيوب، فصعد سريعا حتى وقف من السماوات موقفا كان يقفه، وقال: إلهي؛ عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجربه بشدة ولا بلاء، وأنا لك زعيم لئن جربته بالبلاء ليكفرن بك.
فقال الله تعالى: انطلق؛ فقد سلطتك على ماله، فانقض إبليس حتى وقع على الأرض وجمع عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الكبرى والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الجن: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من النار، وأحرقت كل شيء أتى عليه، فقال له ابليس: إذهب إلى الإبل ورعاتها، فذهب إلى الإبل فوجدها في المرعى، فلم يشعر الناس حتى ثار إعصار تنفخ منه السموم، لا يدنو منه أحد إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.
فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها كراعيها، وانطلق إلى أيوب فوجده قائما يصلي، فقال: يا أيوب؛ هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعاتها؟ فقال أيوب: إنها ماله أعارنيها وهو أولى به مني إذا شاء نزعه، وقد وطئت نفسي ومالي على أنهما للفناء.
فقال إبليس: إن ربك أرسل عليها نارا فاحترقت هي ورعاتها، فصارت الناس مبهوتون يتعجبون منهم، ويقولون: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع عن إبل وليه، وقوم منهم يقولون: بل إله أيوب هو الذي فعل ذلك، أشمت به عدوه وتجمع به صديقه.
فقال أيوب: الحمد لله على ما قضى الله وقدر، ولو علم الله منك أيها العبد خيرا لتقبل روحك مع تلك الأرواح، فيأجرني الله فيك وتموت شهيدا، ولكنه علم منك شرا فأخرك وخلصك.
فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ إني لم أخرج قلبه، فقال عفريت: عندي من القوة ما إذا شئت ضجت صوتا ما سمعه ذو روح إلا خرجت روحه، فقال إبليس: إذهب إلى الغنم ورعاتها، فانطلق إليهم، فلما توسط الغنم والرعاة صاح صوتا فماتوا جميعا.
ثم خرج إبليس متمثلا براع من رعاتها إلى أيوب فأخبره بذلك، فحمد الله وقال له مثل ما قال في المرة الأولى، فرجع إبليس إلى أصحابه ذليلا خاسئا وأمرهم إلى أصحاب الحرث والزروع فأهلكوهم. وكان أيوب عليه السلام كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأثنى عليه ورضي بالقضاء، وألزم نفسه الصبر على البلاء حتى لم يبق له مال.
فلما رأى إبليس أم ماله قد فني، وأنه لم يصب منه حاجته صعد إلى السماء وقال: يا رب؛ إن أيوب يرى أنك ما أهلكت من ماله أخلفته عليه، فهل أنت مسلطني على أولاده؟ فإنها الفتنة المضلة والمصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم، فسلطه الله على ذلك.
فانقض إبليس حتى جاء إلى أولاد أيوب وهم في قصورهم، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يرقبهم بالخشب والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة، ثم ذهب إبليس إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو مجروح يسيل دمه ودماغه، فأخبره بذلك، فقال له: يا أيوب؛ لو رأيت بنيك كيف حالهم، منكسين على رؤوسهم يسيل دماغهم من أنوفهم، ولو رأيت كيف شققت بطونهم، وتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك عليهم، ولم يزل يردد هذا القول حتى رق قلبه وبكى، فقبض قبضة من التراب ووضعه على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب، ثم لم يلبث أيوب أن ندم على ذلك واستغفر ربه، فصعدت الملائكة بتوبته فسبقوا إبليس.
فوقف إبليس خازيا ذليلا، وقال: إلهي هل أنت مسلطني على جسده فإني زعيم لك إن سلطتني عليه ليكفرن بك، فقال الله تعالى: قد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، ولم يسلطه الله عليه إلا ليعظم له الثواب، ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين؛ ليقتدوا به في الصبر.
فانقض إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا، فأتاه من قبل الأرض في وجهه، فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده، فذهل وخرج به من قرنه إلى قدمه مثل ثآئيل ووقعت عليه حكة لا يملكها، فحك بأظفار حتى سقطت كلها، ثم حكها بالفخار والحجارة، فلم يزل يحكها حتى نزل لحمه وتقطع وتغير وانتن، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، واعتزله جميع الناس إلا امرأته (رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب) فإنها كانت تتخلف إليه بما يصلحه ويلزمه.
فلما طال عليه البلاء، وتمادى عليه الضر، ورفضه جميع الناس حتى أهل دينه تركوه ولم يتركوا دينه، فأقبل على الدعاء متضرعا، وقال: إلهي؛ لأي شيء خلقتني؟ ليتك لم تخلقني، بل ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، فلو كنت أمتني كان أجمل بي، إلهي أنا عبد ذليل، إن أحسنت إلي فالمن لك، وإن عاقبتني فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا، وقد وقع بي بلاء لو سلطته على جبل أضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي؟
إلهي تقطعت أصابعي فإني لا أقدر أحمل اللقمة بيدي، إلهي تساقطت لهواتي ولحم رأسي، وما يراد بي، وسال دماغي من فمي، وتساقط شعر عيني، وكانما أحرق وجهي، فحدقتاي متدليتان على وجهي، وورم لساني حتى ملأ فمي فما أدخل فيه طعامي إلا غصها، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي، وغطت السفلى ذقني، وتقطعت أمعائي في بطني. إلهي ذهبت قوة رجلاي حتى لا أطيق حملها، وذهب المال حتى صرت أسأل اللقمة من كنت أعوله فيمنها علي ويعيرني.
إلهي هلك أولادي ولم تبق منهم واحدا لإعانتي ونفعني، إلهي قد ملني أهلي وعفني أرحامي وأنكرني معارفي، وأعرض عني صديقي وهجرني أصحابي، وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي. أصرخ فلا أحد يصرخني، وأعتذر فلا أحد يعذرني، وأدعو فلا أحد يجيب. إن فضلك هو الذي أذلني وأعماني، وسلطانك هو الذي أسقمني وأنحلني، فلو أن ربي فرغ الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بما ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يصافيني، ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه لا هو نظر إلي فرحمني ولا هو أدناني منه فأتكلم بحاجتي، وأنطق ببراءتي وأخاصم عن نفسي.
فلما قال ذلك أيوب، نودي: يا أيوب؛ إني لم أزل منك قريبا، فقم خاصم عن نفسك، وتكلم ببراءتك، وشد إزارك، وقم مقام جبار لتخاصمني. يا أيوب؛ إنك أردت أن تخاصمني بعيبك، وتحاجني بخطئك، أم أردت أن تكاثرني بضعفك، أين أنت مني يوم خلقت السماوات والأرض؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها، أم كنت معي يوم مددت أطرافها، أم هل علمت ما في زواياها؟
أين أنت مني يوم سخرت البحار وانبعثت الأنهار، أقدرتك حبست البحار وأمواجها؟ أم قدرتك محت الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت يوم نصبت شوامخ الجبال، ويوم صببت الماء على التراب؟ أبحكمتك أحصيت القطر وقسمت الأرزاق؟ أم قدرتك تسير السحاب؟ أم هل خزنت أرواح الأموات خزانة الثلج وجبال البرد؟ وهل تدري أين خزانة الليل والنهار؟ وأين طريق النور، ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ أين أنت يا أيوب يوم خلقت التنين رزقه في البحر ومسكنه في السحاب، عيناه توقدان نارا ومنخراه يثوران دخانا، يثور منهما لهبا كأنه إعصار، النار جوفه يحترق ونفسه تلتهب، كأن صريف أسنانه أصوات الصواعق، وكأن وسط عينه لهيب البرق، لا يفزعه شيء، ويهلك كل شيء يمر عليه، هل أنت يا أيوب آخذه بأحبولتك، أو واضع اللجام في شدقه؟ هل تحصي عمره أو تعرف أجله أو تعطيه رزقه؟.
فقال عند ذلك أيوب: قصرت عن هذا الأمر، ليت الأرض تنشق لي فأذهب فيها، اجتمع علي البلاء الحي، قد جعلتني لك كالعدو، وقد كنت تكرمني إلهي، هذه كلمة زلت على لساني فلن أعود بشيء تكرهه مني، قد وضعت يدي على فمي، وعضضت على لساني، وألصقت خدي بالتراب ودسيت فيه وجهي لذلي وسكت كما أسكتتني خطيئتي، ربي اغفر لي ما قلت فلا أعود لمثله أبدا.
فقال الله عز وجل: يا أيوب؛ قد نفد فيك علمي، وسبقت رحمتي غضبي، إن أخطأت فقد غفرت لك، ورددت عليك مالك وأهلك مثلهم معهم؛ لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء وعبرة للصابرين، اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك فاركض برجلك، فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل منها، فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء.
فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده، فقامت كالوالهة فوجدته جالسا عند العين فلم تعرفه، فقالت له: يا عبد الله؛ هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ فقال: وهل تعرفينه؟ قالت: نعم؛ وما لي لا أعرفه؟ فتبسم فقال أنه هو، فعرفته بمضحكه، فاعتنقته).
قال ابن عباس: (فوا الذي نفسي بيده؛ ما فارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أقام أيوب في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد "
وقال الحسن: (مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة سبع سنين، وكان مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله والثناء عليه، والصبر على بلائه.
فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب، فلما اجتمعوا إليه قالوا له: ما أصابك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده، فلم أدع له مالا ولا ولدا، فلم يزدد إلا صبرا وثناء على الله، ثم سلطت على جسده فتركته جيفة ملقى على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلا امرأته، فاستغثت بكم لتقووني عليه.
فقالوا له: وأين مكرك وأين خداعك الذي أهلكت بها من مضى من الأمم؟ قال: بطل ذلك كله مع أيوب، فأشيروا علي. قالوا: أنت حين أخرجت آدم من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته، فإنه لا يعصيها وليس يقربه أحد غيرها.
قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحك قروحه والدود يتردد في جسده، فوسوس إليها وذكرها بأيام شباب أيوب وجماله، وما كانا فيه من النعم والحال الطيب، وكيف تقلب عليهم الزمان حتى صار أيوب في هذا الضرر العظيم، ولم يزل يذكرها بأيام قد مضت حتى أبكاها، فلما علم أنها قد جزعت وحزنت، أتاها بسخلة وقال لها: قولي لأيوب يذبح هذه الشاة لي وهو يبرأ.
قال: فجاءت إلى أيوب وقالت له: إلى متى يعذبك الله ألا يرحمك؟ أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين لونك الحسن؟ قد تغير وصار كما ترى، أين جسمك الحسن؟ قد بلي وتردد فيه الديدان، فاذبح هذه السخلة لمن أمرني واسترح.
فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك فاحشه، ويلك أرأيت الذي تبكين عليه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فكم ابتلانا الله؟ قالت: سبع سنين، قال: وتلك ما عدلت ولا أنصفت، ألا صبرت حتى تكون في البلاء ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، كيف تأمريني أن أذبح لغير الله؟ طعامك وشرابك علي حرام أن أذوق شيئا مما تأتيني به بعد إذا قلت لي هذا القول، فاعتزلي عني ولا أراك، فطردها فذهبت.
وقال وهب: (لم يأمرها إبليس بذبح السخلة، وإنما قال لها: لو أن بعلك أكل طعاما، ولم يسم عليه لعوفي من البلاء).
وروي: أن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة وأرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فأنا الذي صنعت بكم ما صنعت، فرجعت إليه فأخبرته بذلك، فقال لها: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، وحلف إن عافاه الله ليضربنها مائة جلدة، وحرم طعامها وشرابها وطردها، فلما نظر أيوب إلى أنه قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا لله عز وجل، وقال: إلهي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، من طمع إبليس في سجود امرأتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر).
وإنما قال (مسني الضر) حين قصدت الدودة إلى قلبه ولسانه، فخشي أن يفتر عن ذكر الله، وقيل: إنما قال ذلك حين أتاه صديقان فقاما من بعيد لا يقدرون على الدنو منه من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه بما ترى، قال: فما سمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، يدل عليه ما روي أنه قيل له بعد ما عوفي، ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء، وأنشدوا في معناه:
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الحساد
كل المصائب تنقضي أيامها
وشماتة الحساد بالمرصاد
قال وهب: (فلما طرد أيوب امرأته، وبقي وحيدا ليس معه من يطعمه ويسقيه، قال عند ذلك: يا رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فقال له الله: إرفع رأسك؛ فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط عنه، وأذهب الله عنه كل ألم وسقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن مما كان وأفضل، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منه، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحا وكسي حلة، ثم التفت عن يمينه فرأى جميع ما كان له من أهل ومال وولد، وقد صار معهم مثلهم، قال الله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا }.
قال وهب: (كان له سبع بنات وثلاثة بنين)، وقال ابن يسار: (سبعة بنين وسبع بنات، فردهم الله بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم) وهذا قول ابن مسعود وقتادة وكعب، قالوا: (أحياهم الله عز وجل، وأبدله بكل شيء ذهب عنه ضعفين)، قال ابن عباس: (رد الله امرأته في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا).
قوله تعالى: { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل }؛ أي واذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، واختلفوا في ذكر ذي الكفل، قال أبو موسى الأشعري وقتادة ومجاهد: (كان ذو الكفل رجلا صالحا تكفل لنبي من الأنبياء أنه يصوم النهار ويقوم الليل، وأن لا يغضب ويقضي بالحق، فوفى بذلك كله، فأثنى الله عليه وذكره مع الأنبياء.
وذلك أن نبيا من بني إسرائيل أوحى الله إليه: أني أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم النهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى به، فشكره الله وأثنى عليه، ولذلك سمي ذا الكفل). وقال الحسن: (هو نبي اسمه ذو الكفل) ومعنى ذو الكفل؛ أي ضوعف ثوابه على ثواب غيره ممن آمن به في زمانه.
وقال مجاهد أيضا: (لما كبر اليسع عليه السلام قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس وقال: من يتكفل لي بثلاثة استخلفته: يصوم النهار، ويقوم الليل، ويحكم بين الناس ولا يغضب؟ فقام رجل ترد به العيون فقال: أنا، فرده في ذلك اليوم، ثم قال كذلك في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فرده، فقال مثل ذلك في اليوم الثالث، فقام ذلك الرجل، فاستخلفه فوفى بذلك كله).
قوله تعالى: { كل من الصابرين }؛ أي على طاعة الله وعن معاصيه، { وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين }؛ يعني ما أنعم الله عليهم من النبوة، وما صيرهم اليه في الجنة من الثواب.
الأنبياء 21:85
قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر }؛ أي دخل الضر في جسدي، { وأنت أرحم الراحمين }؛ بالعباد، فكان هذا تعريضا منه بالدعاء لله لإزالة ما به من الضر، { فاستجبنا له } دعاءه، { فكشفنا ما به من ضر }؛ وقوله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم }؛ قال ابن مسعود وقتادة والحسن: (أحيا الله له أولاده الذين هلكوا في الدنيا بأعيانهم ورددنا له مثلهم).
ويقال: أبدله الله بكل شيء ذهب عنه ضعف، وعن ابن عباس قال:
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } فقال: " يا ابن عباس، رد الله امرأته وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ذكرا " "
قوله تعالى: { رحمة من عندنا }؛ أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، { وذكرى للعابدين }؛ أي وموعظة للمطيعين.
قال وهب بن منبه: (كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم من ذرية اسحاق بن إبراهيم وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله قد اصطفاه وبناه وبسط عليه الدنيا، وآتاه من أصناف المال من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يؤتيه أحدا، وكان قد أعطاه الله أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان له خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال.
وكان أيوب عليه السلام برا تقيا رحيما بالمساكين، يكرم الأرامل والأيتام ويكفلهم، ويكرم الضيف، وكان شاكرا لأنعم الله، مؤديا لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الفتنة والغفلة والشهوة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان كثير الذكر لله تعالى مجتهدا في العبادة، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات.
ومن هنا وصل إلى آدم عليه السلام حين أخرجه من الجنة، فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله عيسى عليه السلام فحجب من أربع، وكان يصعد في الثلاث، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقيات، فهو وجنوده محجوبون من جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق فأتبعه شهاب ثاقب.
فلما كان إبليس في زمان أيوب يصعد إلى السماء، سمع تحاديث الملائكة بصلاة أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه الحسد بأيوب، فصعد سريعا حتى وقف من السماوات موقفا كان يقفه، وقال: إلهي؛ عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجربه بشدة ولا بلاء، وأنا لك زعيم لئن جربته بالبلاء ليكفرن بك.
فقال الله تعالى: انطلق؛ فقد سلطتك على ماله، فانقض إبليس حتى وقع على الأرض وجمع عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الكبرى والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الجن: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من النار، وأحرقت كل شيء أتى عليه، فقال له ابليس: إذهب إلى الإبل ورعاتها، فذهب إلى الإبل فوجدها في المرعى، فلم يشعر الناس حتى ثار إعصار تنفخ منه السموم، لا يدنو منه أحد إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.
فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها كراعيها، وانطلق إلى أيوب فوجده قائما يصلي، فقال: يا أيوب؛ هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعاتها؟ فقال أيوب: إنها ماله أعارنيها وهو أولى به مني إذا شاء نزعه، وقد وطئت نفسي ومالي على أنهما للفناء.
فقال إبليس: إن ربك أرسل عليها نارا فاحترقت هي ورعاتها، فصارت الناس مبهوتون يتعجبون منهم، ويقولون: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع عن إبل وليه، وقوم منهم يقولون: بل إله أيوب هو الذي فعل ذلك، أشمت به عدوه وتجمع به صديقه.
فقال أيوب: الحمد لله على ما قضى الله وقدر، ولو علم الله منك أيها العبد خيرا لتقبل روحك مع تلك الأرواح، فيأجرني الله فيك وتموت شهيدا، ولكنه علم منك شرا فأخرك وخلصك.
فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ إني لم أخرج قلبه، فقال عفريت: عندي من القوة ما إذا شئت ضجت صوتا ما سمعه ذو روح إلا خرجت روحه، فقال إبليس: إذهب إلى الغنم ورعاتها، فانطلق إليهم، فلما توسط الغنم والرعاة صاح صوتا فماتوا جميعا.
ثم خرج إبليس متمثلا براع من رعاتها إلى أيوب فأخبره بذلك، فحمد الله وقال له مثل ما قال في المرة الأولى، فرجع إبليس إلى أصحابه ذليلا خاسئا وأمرهم إلى أصحاب الحرث والزروع فأهلكوهم. وكان أيوب عليه السلام كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأثنى عليه ورضي بالقضاء، وألزم نفسه الصبر على البلاء حتى لم يبق له مال.
فلما رأى إبليس أم ماله قد فني، وأنه لم يصب منه حاجته صعد إلى السماء وقال: يا رب؛ إن أيوب يرى أنك ما أهلكت من ماله أخلفته عليه، فهل أنت مسلطني على أولاده؟ فإنها الفتنة المضلة والمصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم، فسلطه الله على ذلك.
فانقض إبليس حتى جاء إلى أولاد أيوب وهم في قصورهم، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يرقبهم بالخشب والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة، ثم ذهب إبليس إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو مجروح يسيل دمه ودماغه، فأخبره بذلك، فقال له: يا أيوب؛ لو رأيت بنيك كيف حالهم، منكسين على رؤوسهم يسيل دماغهم من أنوفهم، ولو رأيت كيف شققت بطونهم، وتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك عليهم، ولم يزل يردد هذا القول حتى رق قلبه وبكى، فقبض قبضة من التراب ووضعه على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب، ثم لم يلبث أيوب أن ندم على ذلك واستغفر ربه، فصعدت الملائكة بتوبته فسبقوا إبليس.
فوقف إبليس خازيا ذليلا، وقال: إلهي هل أنت مسلطني على جسده فإني زعيم لك إن سلطتني عليه ليكفرن بك، فقال الله تعالى: قد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، ولم يسلطه الله عليه إلا ليعظم له الثواب، ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين؛ ليقتدوا به في الصبر.
فانقض إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا، فأتاه من قبل الأرض في وجهه، فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده، فذهل وخرج به من قرنه إلى قدمه مثل ثآئيل ووقعت عليه حكة لا يملكها، فحك بأظفار حتى سقطت كلها، ثم حكها بالفخار والحجارة، فلم يزل يحكها حتى نزل لحمه وتقطع وتغير وانتن، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، واعتزله جميع الناس إلا امرأته (رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب) فإنها كانت تتخلف إليه بما يصلحه ويلزمه.
فلما طال عليه البلاء، وتمادى عليه الضر، ورفضه جميع الناس حتى أهل دينه تركوه ولم يتركوا دينه، فأقبل على الدعاء متضرعا، وقال: إلهي؛ لأي شيء خلقتني؟ ليتك لم تخلقني، بل ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، فلو كنت أمتني كان أجمل بي، إلهي أنا عبد ذليل، إن أحسنت إلي فالمن لك، وإن عاقبتني فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا، وقد وقع بي بلاء لو سلطته على جبل أضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي؟
إلهي تقطعت أصابعي فإني لا أقدر أحمل اللقمة بيدي، إلهي تساقطت لهواتي ولحم رأسي، وما يراد بي، وسال دماغي من فمي، وتساقط شعر عيني، وكانما أحرق وجهي، فحدقتاي متدليتان على وجهي، وورم لساني حتى ملأ فمي فما أدخل فيه طعامي إلا غصها، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي، وغطت السفلى ذقني، وتقطعت أمعائي في بطني. إلهي ذهبت قوة رجلاي حتى لا أطيق حملها، وذهب المال حتى صرت أسأل اللقمة من كنت أعوله فيمنها علي ويعيرني.
إلهي هلك أولادي ولم تبق منهم واحدا لإعانتي ونفعني، إلهي قد ملني أهلي وعفني أرحامي وأنكرني معارفي، وأعرض عني صديقي وهجرني أصحابي، وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي. أصرخ فلا أحد يصرخني، وأعتذر فلا أحد يعذرني، وأدعو فلا أحد يجيب. إن فضلك هو الذي أذلني وأعماني، وسلطانك هو الذي أسقمني وأنحلني، فلو أن ربي فرغ الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بما ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يصافيني، ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه لا هو نظر إلي فرحمني ولا هو أدناني منه فأتكلم بحاجتي، وأنطق ببراءتي وأخاصم عن نفسي.
فلما قال ذلك أيوب، نودي: يا أيوب؛ إني لم أزل منك قريبا، فقم خاصم عن نفسك، وتكلم ببراءتك، وشد إزارك، وقم مقام جبار لتخاصمني. يا أيوب؛ إنك أردت أن تخاصمني بعيبك، وتحاجني بخطئك، أم أردت أن تكاثرني بضعفك، أين أنت مني يوم خلقت السماوات والأرض؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها، أم كنت معي يوم مددت أطرافها، أم هل علمت ما في زواياها؟
أين أنت مني يوم سخرت البحار وانبعثت الأنهار، أقدرتك حبست البحار وأمواجها؟ أم قدرتك محت الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت يوم نصبت شوامخ الجبال، ويوم صببت الماء على التراب؟ أبحكمتك أحصيت القطر وقسمت الأرزاق؟ أم قدرتك تسير السحاب؟ أم هل خزنت أرواح الأموات خزانة الثلج وجبال البرد؟ وهل تدري أين خزانة الليل والنهار؟ وأين طريق النور، ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ أين أنت يا أيوب يوم خلقت التنين رزقه في البحر ومسكنه في السحاب، عيناه توقدان نارا ومنخراه يثوران دخانا، يثور منهما لهبا كأنه إعصار، النار جوفه يحترق ونفسه تلتهب، كأن صريف أسنانه أصوات الصواعق، وكأن وسط عينه لهيب البرق، لا يفزعه شيء، ويهلك كل شيء يمر عليه، هل أنت يا أيوب آخذه بأحبولتك، أو واضع اللجام في شدقه؟ هل تحصي عمره أو تعرف أجله أو تعطيه رزقه؟.
فقال عند ذلك أيوب: قصرت عن هذا الأمر، ليت الأرض تنشق لي فأذهب فيها، اجتمع علي البلاء الحي، قد جعلتني لك كالعدو، وقد كنت تكرمني إلهي، هذه كلمة زلت على لساني فلن أعود بشيء تكرهه مني، قد وضعت يدي على فمي، وعضضت على لساني، وألصقت خدي بالتراب ودسيت فيه وجهي لذلي وسكت كما أسكتتني خطيئتي، ربي اغفر لي ما قلت فلا أعود لمثله أبدا.
فقال الله عز وجل: يا أيوب؛ قد نفد فيك علمي، وسبقت رحمتي غضبي، إن أخطأت فقد غفرت لك، ورددت عليك مالك وأهلك مثلهم معهم؛ لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء وعبرة للصابرين، اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك فاركض برجلك، فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل منها، فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء.
فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده، فقامت كالوالهة فوجدته جالسا عند العين فلم تعرفه، فقالت له: يا عبد الله؛ هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ فقال: وهل تعرفينه؟ قالت: نعم؛ وما لي لا أعرفه؟ فتبسم فقال أنه هو، فعرفته بمضحكه، فاعتنقته).
قال ابن عباس: (فوا الذي نفسي بيده؛ ما فارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أقام أيوب في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد "
وقال الحسن: (مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة سبع سنين، وكان مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله والثناء عليه، والصبر على بلائه.
فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب، فلما اجتمعوا إليه قالوا له: ما أصابك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده، فلم أدع له مالا ولا ولدا، فلم يزدد إلا صبرا وثناء على الله، ثم سلطت على جسده فتركته جيفة ملقى على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلا امرأته، فاستغثت بكم لتقووني عليه.
فقالوا له: وأين مكرك وأين خداعك الذي أهلكت بها من مضى من الأمم؟ قال: بطل ذلك كله مع أيوب، فأشيروا علي. قالوا: أنت حين أخرجت آدم من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته، فإنه لا يعصيها وليس يقربه أحد غيرها.
قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحك قروحه والدود يتردد في جسده، فوسوس إليها وذكرها بأيام شباب أيوب وجماله، وما كانا فيه من النعم والحال الطيب، وكيف تقلب عليهم الزمان حتى صار أيوب في هذا الضرر العظيم، ولم يزل يذكرها بأيام قد مضت حتى أبكاها، فلما علم أنها قد جزعت وحزنت، أتاها بسخلة وقال لها: قولي لأيوب يذبح هذه الشاة لي وهو يبرأ.
قال: فجاءت إلى أيوب وقالت له: إلى متى يعذبك الله ألا يرحمك؟ أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين لونك الحسن؟ قد تغير وصار كما ترى، أين جسمك الحسن؟ قد بلي وتردد فيه الديدان، فاذبح هذه السخلة لمن أمرني واسترح.
فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك فاحشه، ويلك أرأيت الذي تبكين عليه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فكم ابتلانا الله؟ قالت: سبع سنين، قال: وتلك ما عدلت ولا أنصفت، ألا صبرت حتى تكون في البلاء ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، كيف تأمريني أن أذبح لغير الله؟ طعامك وشرابك علي حرام أن أذوق شيئا مما تأتيني به بعد إذا قلت لي هذا القول، فاعتزلي عني ولا أراك، فطردها فذهبت.
وقال وهب: (لم يأمرها إبليس بذبح السخلة، وإنما قال لها: لو أن بعلك أكل طعاما، ولم يسم عليه لعوفي من البلاء).
وروي: أن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة وأرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فأنا الذي صنعت بكم ما صنعت، فرجعت إليه فأخبرته بذلك، فقال لها: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، وحلف إن عافاه الله ليضربنها مائة جلدة، وحرم طعامها وشرابها وطردها، فلما نظر أيوب إلى أنه قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا لله عز وجل، وقال: إلهي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، من طمع إبليس في سجود امرأتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر).
وإنما قال (مسني الضر) حين قصدت الدودة إلى قلبه ولسانه، فخشي أن يفتر عن ذكر الله، وقيل: إنما قال ذلك حين أتاه صديقان فقاما من بعيد لا يقدرون على الدنو منه من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه بما ترى، قال: فما سمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، يدل عليه ما روي أنه قيل له بعد ما عوفي، ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء، وأنشدوا في معناه:
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الحساد
كل المصائب تنقضي أيامها
وشماتة الحساد بالمرصاد
قال وهب: (فلما طرد أيوب امرأته، وبقي وحيدا ليس معه من يطعمه ويسقيه، قال عند ذلك: يا رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فقال له الله: إرفع رأسك؛ فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط عنه، وأذهب الله عنه كل ألم وسقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن مما كان وأفضل، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منه، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحا وكسي حلة، ثم التفت عن يمينه فرأى جميع ما كان له من أهل ومال وولد، وقد صار معهم مثلهم، قال الله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا }.
قال وهب: (كان له سبع بنات وثلاثة بنين)، وقال ابن يسار: (سبعة بنين وسبع بنات، فردهم الله بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم) وهذا قول ابن مسعود وقتادة وكعب، قالوا: (أحياهم الله عز وجل، وأبدله بكل شيء ذهب عنه ضعفين)، قال ابن عباس: (رد الله امرأته في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا).
قوله تعالى: { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل }؛ أي واذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، واختلفوا في ذكر ذي الكفل، قال أبو موسى الأشعري وقتادة ومجاهد: (كان ذو الكفل رجلا صالحا تكفل لنبي من الأنبياء أنه يصوم النهار ويقوم الليل، وأن لا يغضب ويقضي بالحق، فوفى بذلك كله، فأثنى الله عليه وذكره مع الأنبياء.
وذلك أن نبيا من بني إسرائيل أوحى الله إليه: أني أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم النهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى به، فشكره الله وأثنى عليه، ولذلك سمي ذا الكفل). وقال الحسن: (هو نبي اسمه ذو الكفل) ومعنى ذو الكفل؛ أي ضوعف ثوابه على ثواب غيره ممن آمن به في زمانه.
وقال مجاهد أيضا: (لما كبر اليسع عليه السلام قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس وقال: من يتكفل لي بثلاثة استخلفته: يصوم النهار، ويقوم الليل، ويحكم بين الناس ولا يغضب؟ فقام رجل ترد به العيون فقال: أنا، فرده في ذلك اليوم، ثم قال كذلك في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فرده، فقال مثل ذلك في اليوم الثالث، فقام ذلك الرجل، فاستخلفه فوفى بذلك كله).
قوله تعالى: { كل من الصابرين }؛ أي على طاعة الله وعن معاصيه، { وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين }؛ يعني ما أنعم الله عليهم من النبوة، وما صيرهم اليه في الجنة من الثواب.
الأنبياء 21:86
قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر }؛ أي دخل الضر في جسدي، { وأنت أرحم الراحمين }؛ بالعباد، فكان هذا تعريضا منه بالدعاء لله لإزالة ما به من الضر، { فاستجبنا له } دعاءه، { فكشفنا ما به من ضر }؛ وقوله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم }؛ قال ابن مسعود وقتادة والحسن: (أحيا الله له أولاده الذين هلكوا في الدنيا بأعيانهم ورددنا له مثلهم).
ويقال: أبدله الله بكل شيء ذهب عنه ضعف، وعن ابن عباس قال:
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } فقال: " يا ابن عباس، رد الله امرأته وزاد في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ذكرا " "
قوله تعالى: { رحمة من عندنا }؛ أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا، { وذكرى للعابدين }؛ أي وموعظة للمطيعين.
قال وهب بن منبه: (كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم من ذرية اسحاق بن إبراهيم وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله قد اصطفاه وبناه وبسط عليه الدنيا، وآتاه من أصناف المال من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يؤتيه أحدا، وكان قد أعطاه الله أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان له خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال.
وكان أيوب عليه السلام برا تقيا رحيما بالمساكين، يكرم الأرامل والأيتام ويكفلهم، ويكرم الضيف، وكان شاكرا لأنعم الله، مؤديا لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الفتنة والغفلة والشهوة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان كثير الذكر لله تعالى مجتهدا في العبادة، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات.
ومن هنا وصل إلى آدم عليه السلام حين أخرجه من الجنة، فلم يزل على ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله عيسى عليه السلام فحجب من أربع، وكان يصعد في الثلاث، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقيات، فهو وجنوده محجوبون من جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق فأتبعه شهاب ثاقب.
فلما كان إبليس في زمان أيوب يصعد إلى السماء، سمع تحاديث الملائكة بصلاة أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه الحسد بأيوب، فصعد سريعا حتى وقف من السماوات موقفا كان يقفه، وقال: إلهي؛ عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ولم تجربه بشدة ولا بلاء، وأنا لك زعيم لئن جربته بالبلاء ليكفرن بك.
فقال الله تعالى: انطلق؛ فقد سلطتك على ماله، فانقض إبليس حتى وقع على الأرض وجمع عفاريت الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الكبرى والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الجن: أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من النار، وأحرقت كل شيء أتى عليه، فقال له ابليس: إذهب إلى الإبل ورعاتها، فذهب إلى الإبل فوجدها في المرعى، فلم يشعر الناس حتى ثار إعصار تنفخ منه السموم، لا يدنو منه أحد إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على آخرها.
فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها كراعيها، وانطلق إلى أيوب فوجده قائما يصلي، فقال: يا أيوب؛ هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعاتها؟ فقال أيوب: إنها ماله أعارنيها وهو أولى به مني إذا شاء نزعه، وقد وطئت نفسي ومالي على أنهما للفناء.
فقال إبليس: إن ربك أرسل عليها نارا فاحترقت هي ورعاتها، فصارت الناس مبهوتون يتعجبون منهم، ويقولون: لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع عن إبل وليه، وقوم منهم يقولون: بل إله أيوب هو الذي فعل ذلك، أشمت به عدوه وتجمع به صديقه.
فقال أيوب: الحمد لله على ما قضى الله وقدر، ولو علم الله منك أيها العبد خيرا لتقبل روحك مع تلك الأرواح، فيأجرني الله فيك وتموت شهيدا، ولكنه علم منك شرا فأخرك وخلصك.
فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، فقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ إني لم أخرج قلبه، فقال عفريت: عندي من القوة ما إذا شئت ضجت صوتا ما سمعه ذو روح إلا خرجت روحه، فقال إبليس: إذهب إلى الغنم ورعاتها، فانطلق إليهم، فلما توسط الغنم والرعاة صاح صوتا فماتوا جميعا.
ثم خرج إبليس متمثلا براع من رعاتها إلى أيوب فأخبره بذلك، فحمد الله وقال له مثل ما قال في المرة الأولى، فرجع إبليس إلى أصحابه ذليلا خاسئا وأمرهم إلى أصحاب الحرث والزروع فأهلكوهم. وكان أيوب عليه السلام كلما انتهى إليه هلاك مال من ماله حمد الله وأثنى عليه ورضي بالقضاء، وألزم نفسه الصبر على البلاء حتى لم يبق له مال.
فلما رأى إبليس أم ماله قد فني، وأنه لم يصب منه حاجته صعد إلى السماء وقال: يا رب؛ إن أيوب يرى أنك ما أهلكت من ماله أخلفته عليه، فهل أنت مسلطني على أولاده؟ فإنها الفتنة المضلة والمصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم، فسلطه الله على ذلك.
فانقض إبليس حتى جاء إلى أولاد أيوب وهم في قصورهم، فلم يزل يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يرقبهم بالخشب والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة، ثم ذهب إبليس إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو مجروح يسيل دمه ودماغه، فأخبره بذلك، فقال له: يا أيوب؛ لو رأيت بنيك كيف حالهم، منكسين على رؤوسهم يسيل دماغهم من أنوفهم، ولو رأيت كيف شققت بطونهم، وتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك عليهم، ولم يزل يردد هذا القول حتى رق قلبه وبكى، فقبض قبضة من التراب ووضعه على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب، ثم لم يلبث أيوب أن ندم على ذلك واستغفر ربه، فصعدت الملائكة بتوبته فسبقوا إبليس.
فوقف إبليس خازيا ذليلا، وقال: إلهي هل أنت مسلطني على جسده فإني زعيم لك إن سلطتني عليه ليكفرن بك، فقال الله تعالى: قد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، ولم يسلطه الله عليه إلا ليعظم له الثواب، ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين؛ ليقتدوا به في الصبر.
فانقض إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا، فأتاه من قبل الأرض في وجهه، فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده، فذهل وخرج به من قرنه إلى قدمه مثل ثآئيل ووقعت عليه حكة لا يملكها، فحك بأظفار حتى سقطت كلها، ثم حكها بالفخار والحجارة، فلم يزل يحكها حتى نزل لحمه وتقطع وتغير وانتن، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، واعتزله جميع الناس إلا امرأته (رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب) فإنها كانت تتخلف إليه بما يصلحه ويلزمه.
فلما طال عليه البلاء، وتمادى عليه الضر، ورفضه جميع الناس حتى أهل دينه تركوه ولم يتركوا دينه، فأقبل على الدعاء متضرعا، وقال: إلهي؛ لأي شيء خلقتني؟ ليتك لم تخلقني، بل ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، فلو كنت أمتني كان أجمل بي، إلهي أنا عبد ذليل، إن أحسنت إلي فالمن لك، وإن عاقبتني فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا، وقد وقع بي بلاء لو سلطته على جبل أضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي؟
إلهي تقطعت أصابعي فإني لا أقدر أحمل اللقمة بيدي، إلهي تساقطت لهواتي ولحم رأسي، وما يراد بي، وسال دماغي من فمي، وتساقط شعر عيني، وكانما أحرق وجهي، فحدقتاي متدليتان على وجهي، وورم لساني حتى ملأ فمي فما أدخل فيه طعامي إلا غصها، وورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي، وغطت السفلى ذقني، وتقطعت أمعائي في بطني. إلهي ذهبت قوة رجلاي حتى لا أطيق حملها، وذهب المال حتى صرت أسأل اللقمة من كنت أعوله فيمنها علي ويعيرني.
إلهي هلك أولادي ولم تبق منهم واحدا لإعانتي ونفعني، إلهي قد ملني أهلي وعفني أرحامي وأنكرني معارفي، وأعرض عني صديقي وهجرني أصحابي، وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي. أصرخ فلا أحد يصرخني، وأعتذر فلا أحد يعذرني، وأدعو فلا أحد يجيب. إن فضلك هو الذي أذلني وأعماني، وسلطانك هو الذي أسقمني وأنحلني، فلو أن ربي فرغ الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بما ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يصافيني، ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه لا هو نظر إلي فرحمني ولا هو أدناني منه فأتكلم بحاجتي، وأنطق ببراءتي وأخاصم عن نفسي.
فلما قال ذلك أيوب، نودي: يا أيوب؛ إني لم أزل منك قريبا، فقم خاصم عن نفسك، وتكلم ببراءتك، وشد إزارك، وقم مقام جبار لتخاصمني. يا أيوب؛ إنك أردت أن تخاصمني بعيبك، وتحاجني بخطئك، أم أردت أن تكاثرني بضعفك، أين أنت مني يوم خلقت السماوات والأرض؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها، أم كنت معي يوم مددت أطرافها، أم هل علمت ما في زواياها؟
أين أنت مني يوم سخرت البحار وانبعثت الأنهار، أقدرتك حبست البحار وأمواجها؟ أم قدرتك محت الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت يوم نصبت شوامخ الجبال، ويوم صببت الماء على التراب؟ أبحكمتك أحصيت القطر وقسمت الأرزاق؟ أم قدرتك تسير السحاب؟ أم هل خزنت أرواح الأموات خزانة الثلج وجبال البرد؟ وهل تدري أين خزانة الليل والنهار؟ وأين طريق النور، ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ أين أنت يا أيوب يوم خلقت التنين رزقه في البحر ومسكنه في السحاب، عيناه توقدان نارا ومنخراه يثوران دخانا، يثور منهما لهبا كأنه إعصار، النار جوفه يحترق ونفسه تلتهب، كأن صريف أسنانه أصوات الصواعق، وكأن وسط عينه لهيب البرق، لا يفزعه شيء، ويهلك كل شيء يمر عليه، هل أنت يا أيوب آخذه بأحبولتك، أو واضع اللجام في شدقه؟ هل تحصي عمره أو تعرف أجله أو تعطيه رزقه؟.
فقال عند ذلك أيوب: قصرت عن هذا الأمر، ليت الأرض تنشق لي فأذهب فيها، اجتمع علي البلاء الحي، قد جعلتني لك كالعدو، وقد كنت تكرمني إلهي، هذه كلمة زلت على لساني فلن أعود بشيء تكرهه مني، قد وضعت يدي على فمي، وعضضت على لساني، وألصقت خدي بالتراب ودسيت فيه وجهي لذلي وسكت كما أسكتتني خطيئتي، ربي اغفر لي ما قلت فلا أعود لمثله أبدا.
فقال الله عز وجل: يا أيوب؛ قد نفد فيك علمي، وسبقت رحمتي غضبي، إن أخطأت فقد غفرت لك، ورددت عليك مالك وأهلك مثلهم معهم؛ لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء وعبرة للصابرين، اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك فاركض برجلك، فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل منها، فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء.
فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده، فقامت كالوالهة فوجدته جالسا عند العين فلم تعرفه، فقالت له: يا عبد الله؛ هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ فقال: وهل تعرفينه؟ قالت: نعم؛ وما لي لا أعرفه؟ فتبسم فقال أنه هو، فعرفته بمضحكه، فاعتنقته).
قال ابن عباس: (فوا الذي نفسي بيده؛ ما فارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أقام أيوب في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد "
وقال الحسن: (مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة سبع سنين، وكان مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله والثناء عليه، والصبر على بلائه.
فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيوب، فلما اجتمعوا إليه قالوا له: ما أصابك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده، فلم أدع له مالا ولا ولدا، فلم يزدد إلا صبرا وثناء على الله، ثم سلطت على جسده فتركته جيفة ملقى على كناسة بني إسرائيل لا يقربه إلا امرأته، فاستغثت بكم لتقووني عليه.
فقالوا له: وأين مكرك وأين خداعك الذي أهلكت بها من مضى من الأمم؟ قال: بطل ذلك كله مع أيوب، فأشيروا علي. قالوا: أنت حين أخرجت آدم من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته، فإنه لا يعصيها وليس يقربه أحد غيرها.
قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحك قروحه والدود يتردد في جسده، فوسوس إليها وذكرها بأيام شباب أيوب وجماله، وما كانا فيه من النعم والحال الطيب، وكيف تقلب عليهم الزمان حتى صار أيوب في هذا الضرر العظيم، ولم يزل يذكرها بأيام قد مضت حتى أبكاها، فلما علم أنها قد جزعت وحزنت، أتاها بسخلة وقال لها: قولي لأيوب يذبح هذه الشاة لي وهو يبرأ.
قال: فجاءت إلى أيوب وقالت له: إلى متى يعذبك الله ألا يرحمك؟ أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين لونك الحسن؟ قد تغير وصار كما ترى، أين جسمك الحسن؟ قد بلي وتردد فيه الديدان، فاذبح هذه السخلة لمن أمرني واسترح.
فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك فاحشه، ويلك أرأيت الذي تبكين عليه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فكم ابتلانا الله؟ قالت: سبع سنين، قال: وتلك ما عدلت ولا أنصفت، ألا صبرت حتى تكون في البلاء ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، كيف تأمريني أن أذبح لغير الله؟ طعامك وشرابك علي حرام أن أذوق شيئا مما تأتيني به بعد إذا قلت لي هذا القول، فاعتزلي عني ولا أراك، فطردها فذهبت.
وقال وهب: (لم يأمرها إبليس بذبح السخلة، وإنما قال لها: لو أن بعلك أكل طعاما، ولم يسم عليه لعوفي من البلاء).
وروي: أن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة وأرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فأنا الذي صنعت بكم ما صنعت، فرجعت إليه فأخبرته بذلك، فقال لها: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، وحلف إن عافاه الله ليضربنها مائة جلدة، وحرم طعامها وشرابها وطردها، فلما نظر أيوب إلى أنه قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خر ساجدا لله عز وجل، وقال: إلهي مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، من طمع إبليس في سجود امرأتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر).
وإنما قال (مسني الضر) حين قصدت الدودة إلى قلبه ولسانه، فخشي أن يفتر عن ذكر الله، وقيل: إنما قال ذلك حين أتاه صديقان فقاما من بعيد لا يقدرون على الدنو منه من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه بما ترى، قال: فما سمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، يدل عليه ما روي أنه قيل له بعد ما عوفي، ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء، وأنشدوا في معناه:
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الحساد
كل المصائب تنقضي أيامها
وشماتة الحساد بالمرصاد
قال وهب: (فلما طرد أيوب امرأته، وبقي وحيدا ليس معه من يطعمه ويسقيه، قال عند ذلك: يا رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فقال له الله: إرفع رأسك؛ فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل منها، فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط عنه، وأذهب الله عنه كل ألم وسقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن مما كان وأفضل، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منه، فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، فقام صحيحا وكسي حلة، ثم التفت عن يمينه فرأى جميع ما كان له من أهل ومال وولد، وقد صار معهم مثلهم، قال الله تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا }.
قال وهب: (كان له سبع بنات وثلاثة بنين)، وقال ابن يسار: (سبعة بنين وسبع بنات، فردهم الله بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم) وهذا قول ابن مسعود وقتادة وكعب، قالوا: (أحياهم الله عز وجل، وأبدله بكل شيء ذهب عنه ضعفين)، قال ابن عباس: (رد الله امرأته في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا).
قوله تعالى: { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل }؛ أي واذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، واختلفوا في ذكر ذي الكفل، قال أبو موسى الأشعري وقتادة ومجاهد: (كان ذو الكفل رجلا صالحا تكفل لنبي من الأنبياء أنه يصوم النهار ويقوم الليل، وأن لا يغضب ويقضي بالحق، فوفى بذلك كله، فأثنى الله عليه وذكره مع الأنبياء.
وذلك أن نبيا من بني إسرائيل أوحى الله إليه: أني أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم النهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى به، فشكره الله وأثنى عليه، ولذلك سمي ذا الكفل). وقال الحسن: (هو نبي اسمه ذو الكفل) ومعنى ذو الكفل؛ أي ضوعف ثوابه على ثواب غيره ممن آمن به في زمانه.
وقال مجاهد أيضا: (لما كبر اليسع عليه السلام قال: لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس وقال: من يتكفل لي بثلاثة استخلفته: يصوم النهار، ويقوم الليل، ويحكم بين الناس ولا يغضب؟ فقام رجل ترد به العيون فقال: أنا، فرده في ذلك اليوم، ثم قال كذلك في اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فرده، فقال مثل ذلك في اليوم الثالث، فقام ذلك الرجل، فاستخلفه فوفى بذلك كله).
قوله تعالى: { كل من الصابرين }؛ أي على طاعة الله وعن معاصيه، { وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين }؛ يعني ما أنعم الله عليهم من النبوة، وما صيرهم اليه في الجنة من الثواب.
الأنبياء 21:87
قوله تعالى: { وذا النون إذ ذهب مغاضبا }؛ يعني يونس بن متى أحبسه الله في بطن النون، وهو الحوت، ومعنى الآية: واذكر ذا الحوت إذ ذهب مغاضبا لقومه. روي: أنه خرج من بينهم قبل أن يؤذن له في الخروج، وكان خروجه من بينهم خطيئة، وإنما خرج منهم على تركهم الإيمان به، هكذا روي عن ابن عباس والضحاك.
وقيل: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فعداهم ملك فسبى منهم خلقا كثيرا، فأوحى الله إلى أشعيا النبي عليه السلام: إذهب إلى الملك حزقيا فقل له: توجه نبيا قويا أمينا، فإني ألقي في قلوب أولئك التخلية حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال الملك: من ترى يرسل؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال له: أرسل يونس فإنه قوي أمين، فأتى الملك يونس فأخبره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، فقال: فهل سماني لك؟ قال: لا، قال: فهنا أنبياء غيري أقوياء أمناء، فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي والملك ولقومه.
فأتى بحر الروم، فإذا سفينة مشحونة فركب مع أصحابها، فلما صارت في لجة البحر انكفأت حتى كادوا يغرقون، فقال الملاحون: ها هنا عبد آبق عاص، فاقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، لئن يغرق واحد منا خير من أن تغرق السفينة بما فيها. فاقترعوا ثلاثا فوقعت القرعة كلها على يونس، فقال يونس: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى نفسه في الماء. فجاء حوت فابتلعه، ثم جاء حوت آخر أكبر منه فابتلع الحوت أيضا. فأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة، فإني قد جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله رزقا لك.
قوله تعالى: { فظن أن لن نقدر عليه } ، بالعقوبة، يقال قدر الله الشيء وقدره؛ أي قضاه. وقيل: معناه: فظن أن لن نضيق عليه السجن، من قوله تعالى:
ومن قدر عليه رزقه
[الطلاق: 7] أي ضيق، وقوله
يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر
[الروم: 37]، وقد ضيق الله على يونس أشد تضييق. وقيل: معناه: { فظن أن لن نقدر عليه } ما قدرنا من كونه في بطن الحوت.
قوله تعالى: { فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك }؛ قال ابن عباس: (هي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت)، وقال سالم ابن أبي الجعد: (كان حوتا في بطن حوت).
قوله تعالى: { إني كنت من الظالمين }؛ أي الظالمين لنفسي في خروجي من قومي قبل الإذن. قال الحسن: (وهذا من يونس اعتراف بذنبه، وتوبته من خطيئته، تاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عليه، كلمة أخي يونس: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ".
وقال وهب بن منبه: (إن يونس بن متى عليه السلام كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة، تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل فقذفها بين يديه، وخرج هاربا منها فلذلك أخرجه الله من أولي العزم قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم:
فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل
[الأحقاف: 35] وقال
فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت
[القلم: 48] أي لا تلق قولي كما ألقاه). قوله تعالى: { فظن أن لن نقدر عليه } أي ظن أن لن نقضي عليه بما قضينا من العقوبة، ودليله قراءة الزهري: (أن لن نقدر عليه) مشددا. وقرأ عبيد بن عمير: (يقدر عليه) بالتشديد على المجهول.
واختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت، فقيل: أربعون يوما، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة أيام، وأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما. فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: أن هذا تسبيح دواب البحر، قال: فسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: ربنا إنا سمعنا صوتا ضعيفا بأرض غريبة؟ قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد له إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم. فشفعوا له، فأمر الله الحوت، فقذفه على الساحل وهو سقيم ".
وعن ابن عباس قال: أتى جبريل إلى يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، قال: حتى ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، فانطلق إلى السفينة فركبها فأخشبت السفينة، فساهموا فخرج السهم عليه، فجاء الحوت ينصص بذنبه فالتقمه، فنودي الحوت: إنا لم نجعله رزقا لك، وإنما جعلناك له سجنا، وانطلق الحوت من ذلك المكان حتى مر به على الأيكة، ثم مر على دجلة).
وكان ابن عباس يقول: (كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ودليل هذا أن الله ذكر قصة يونس في سورة الصافات، ثم عقبها بقوله
وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون
[الصافات: 147]). وقال آخرون: بل كانت قصة الحوت بعد دعائه قومه، وتبليغه الرسالة.
الأنبياء 21:88
قوله تعالى: { فاستجبنا له ونجيناه من الغم }؛ أي أجبنا دعوته ونجيناه من تلك الظلمات، { وكذلك ننجي المؤمنين }؛ إذا دعوني، كما نجينا ذا النون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" " اسم الله إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي: دعوة يونس بن متى " قيل: يا رسول الله؛ هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: ليونس خاصة، وله وللمؤمنين عامة، أدعوا بها، ألم تسمع إلى قوله تعالى { وكذلك ننجي المؤمنين } ".
واختلفت القراءات في قوله { وكذلك ننجي المؤمنين } ، قرأ ابن عامر وأبو بكر: (نجي المؤمنين) بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء. وجميع النحويين حكموا على هذه القراءة باللفظ، وقالوا: هي لحن، ثم ذكر الفراء لها وجها فقال: أضمر المصدر في (نجي) أي نجي النجاء المؤمنين، كقولك: ضربت الضرب زيدا على إضمار المصدر؛ أي ضرب الضرب زيدا، وقال الشاعر:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب
لسب بذلك الجرو الكلابا
وممن صوب هذه القراءة أبو عبيد، وأما أبو حاتم السجستاني فإنه لحنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال: (هذا لحن لا يجوز في اللغة، ولا يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله، إلا أن تقول: وكذك نجي المؤمنون، ولو قرأ ذلك لكان صوابا).
قال أبو علي الفارسي: (هذا إنما يجوز في سورة الشعراء، فإن قيل: لم كتب في المصاحف بنون واحدة؟ قيل: لأن الثانية لما سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفه، كما فعل ذلك في (ألا) فحذفوا النون من (أن لا) لخفائها إذا كانت مدغمة في اللام).
الأنبياء 21:89
وقوله تعالى: { وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين }؛ أي واذكر دعاء زكريا إذ نادى ربه فقال رب لا تتركني وحيدا؛ أي ارزقني ولدا آنس به ويعينني على أمر الدين والدنيا، ويقوم بأمر الدين بعد وفاتي، وأنت وارث جميع الخلق؛ لأن مردهم صائرون إليك. قوله تعالى: { فاستجبنا له }؛ أي فأجبنا له دعاءه هذا، { ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه }؛ عقر امرأته، قال قتادة: (كانت عقيما فجعلناها ولودا)، وقيل: كانت سيئة الخلق فرزقها الله حسن الخلق.
وقوله تعالى: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات }؛ أي يبادرون إلى الطاعات مخافة أن يعرض لهم ما يشغلهم عنها، ويعني بذلك زكريا وامرأته ويحيى، وقال بعض المفسرين: الكناية تعود على الأنبياء الذين ذكرهم الله في هذه السورة. قوله تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا }؛ أي طمعا في ثوابنا وخوفا من عقابنا، { وكانوا لنا خاشعين }؛ أي خاضعين حذرين.
الأنبياء 21:90
وقوله تعالى: { وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين }؛ أي واذكر دعاء زكريا إذ نادى ربه فقال رب لا تتركني وحيدا؛ أي ارزقني ولدا آنس به ويعينني على أمر الدين والدنيا، ويقوم بأمر الدين بعد وفاتي، وأنت وارث جميع الخلق؛ لأن مردهم صائرون إليك. قوله تعالى: { فاستجبنا له }؛ أي فأجبنا له دعاءه هذا، { ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه }؛ عقر امرأته، قال قتادة: (كانت عقيما فجعلناها ولودا)، وقيل: كانت سيئة الخلق فرزقها الله حسن الخلق.
وقوله تعالى: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات }؛ أي يبادرون إلى الطاعات مخافة أن يعرض لهم ما يشغلهم عنها، ويعني بذلك زكريا وامرأته ويحيى، وقال بعض المفسرين: الكناية تعود على الأنبياء الذين ذكرهم الله في هذه السورة. قوله تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا }؛ أي طمعا في ثوابنا وخوفا من عقابنا، { وكانوا لنا خاشعين }؛ أي خاضعين حذرين.
الأنبياء 21:91
قوله تعالى: { والتي أحصنت فرجها }؛ وهي مريم بنت عمران، { فنفخنا فيها من روحنا }؛ أي نفخ جبريل في جيب درعها بأمرنا، والمعنى: واذكر التي حفظت فرجها مما لا يحل.
وقوله تعالى: { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين }؛ أي دلالة للعالمين من حيث أنها جاءت بالولد من غير بعل، تكلم في المهد بما يوجب براءة شأنها من العيب، وفي ذلك دليل على مقدورات الله، وعلى هذا لم يقل آيتين؛ لأن شأنهما في الدلالة كان واحدا.
الأنبياء 21:92
قوله تعالى: { إن هذه أمتكم أمة واحدة } قال ابن عباس ومجاهد والحسن: (معناه إن هذا دينكم دين واحد) والأمة الدين، ومنه قوله
إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة
[الزخرف: 22] أي على دين. الأصل أنه يقال للقوم الذين يجتمعون على دين واحد: أمة، فتقوم الأمة مقام الدين. وهو نصب على الحال؛ أي حال اجتماعها على الحق. قوله تعالى: { وأنا ربكم فاعبدون }؛ أي لا دين سوى ديني ولا رب غيري.
الأنبياء 21:93
قوله تعالى: { وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون }؛ معناه: كان أمرهم في الدين واحدا، ولكن تفرقوا واختلفوا بما لا يجوز؛ وهم اليهود والنصارى والمجوس. قوله تعالى: { كل إلينا راجعون } أي جميع أهل هذه الأديان راجعون إلى حكمنا يوم القيامة، فنجزيهم بأعمالهم.
الأنبياء 21:94
قوله تعالى: { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه }؛ أي لا جحود لعمله، بل يتقبلها الله ويثني عليها، والمعنى: لا يمنع ثواب عمله، ولا يجحد إحسانه. قوله تعالى: { وإنا له كاتبون }؛ أي نأمر الحفظة أن يكتبوا لذلك العامل عمله لنجازيه عليه.
الأنبياء 21:95
قوله تعالى: { وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون }؛ أي واجب على كل قرية اذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها. قال الكلبي: (يعني بقوله { أهلكناهآ } عذبناها أنهم لا يرجعون إلى الدنيا). والمعنى: أن الله تعالى حكم على من أهلك أن يبقى في الأرض مدفونا إلى يوم القيامة، وأن لا يرجع إلى الدنيا. قرأ حمزة والكسائي: (وحرم) بكسر الحاء وجزم الراء من غير ألف، وهما لغتان مثل حل وحلان.
الأنبياء 21:96
قوله تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج }؛ أي إذا فتحت جهة يأجوج ومأجوج، وفتحها إخراجها من السد. قرأ ابن عامر ويعقوب: (فتحت) بالتشديد على التكثير.
وقوله تعالى: { وهم من كل حدب ينسلون }؛ أي من كل أكمة وربوة مرتفعة من الأرض يخرجون بإسراع، والحدب: الارتفاع ومنه الحدبة خروج الظهر، وتبينه. والنسول: هو الخروج بسرعة كنسلان الذئب يعني مشيه اذا أسرع فيها.
والمعنى: أنهم من كل نشر من الأرض يسرعون ويتفرقون في الأرض، فلا يرى أكمة إلا وفوقها قوم منهم يهبطون منها مسرعين، فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا بشيء إلا أفسدوه.
قال المفسرون: أولاد آدم عشرة أجزاء، تسعة يأجوج ومأجوج، وقد ذكرنا قصتهم في سورة الكهف.
الأنبياء 21:97
قوله تعالى: { واقترب الوعد الحق }؛ قيل: إن الواو ها هنا مقحمة، والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، يكون ذلك عند اقتراب الساعة، وذكر الوعد والمراد به الموعد.
روي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (لو أن رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة).
قوله تعالى: { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا }؛ أي تشخص أبصارهم يوم القيامة نحو الجهة التي يتوقعون نزول العذاب بهم منها. وقيل: خشعت أبصارهم من شدة الأهوال ذلك اليوم. قال الكلبي: (شخصت أبصارهم فلا تطيق تطرف من شدة الأهوال)، فأما الضمير في قوله { فإذا هي شاخصة } يعود إلى معلوم قد بينه وهو قوله { أبصار الذين كفروا } ، كقول الشاعر:
لعمر أبيها لا تقول ظعينتي
إلا فر عني مالك بن أبي كعب
فكنى عن الظعينة ثم أظهرها ويكون تقدير الكلام: فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا. وقيل: يكون قوله (هي) عماد مثل قوله
فإنها لا تعمى الأبصار
[الحج: 46]. قوله تعالى: { يويلنا }؛ أي قالوا يا ويلنا؛ { قد كنا في غفلة من هذا }؛ اليوم في الدنيا، { بل كنا ظالمين }؛ لأنفسنا بالكفر.
الأنبياء 21:98
قوله تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون }؛ معناه: إنكم يا أهل مكة وما تعبدون من الأصنام وقود جهنم. والحصب في اللغة: هو كل ما يرمى به، يقال: حصبة بالحصا إذا رماه بها، وفي القراءة الشاذة: (حضب جهنم) وهي قراءة ابن عباس، والحضب: ما يهيج به النار، ومنه قيل لدقاق النار حصب. وقرأ علي وعائشة: (حطب جهنم).
قوله تعالى: { أنتم لها واردون } أي فيها خالدون، والحكمة في إدخال الأصنام النار مع أنها لا ذنب لها في عبادة من يعبدها: أن يقصد بإدخالها تعذيب عبادها، فما كان منها حجرا أو حديدا يحمى فيلتزق بعبادها، وما كان منها خشبا جعل جمرة فيعذبون بها، أو يكون في إدخال معبودهم معهم في النار زيادة ذل وصغار عليهم.
الأنبياء 21:99
قوله تعالى: { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها }؛ استجهالا لهم في عبادة الأصنام؛ أي لو كان الأصنام آلهة كما يزعم الكفار ما وردوها؛ أي دخل عابدوها النار، { وكل فيها خالدون }؛ يعني العابد والمعبود.
الأنبياء 21:100
قوله تعالى: { لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون }؛ الزفير شدة النفس بهول ما يرد على صاحبه، وهم فيها لا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره. قال ابن مسعود: (يجعلون في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى فلا يسمعون شيئا).
" وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أتى قريشا وهم في المسجد مجتمعون وحولهم ثلاثمائة وستون صنما مصفوفة، لكل قوم صنم لهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " ثم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق عليهم ذلك، فأتاهم عبدالله بن الزبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم حوصكم؟! فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته.
فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبعرى: أنت قلت أنا وما نعبد في النار؟ قال: خصمتك ورب الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح، وبني مليح يعبدون الملائكة! أفترى أن هؤلاء لا يكونون في النار؟ فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أراد به الأوثان "
وفي الآية ما يدل على ذلك؛ لأن قوله تعالى
وما تعبدون
[الأنبياء: 98] لا يكون إلا لما لا يعقل، إذ لو أراد الملائكة والناس لقال (ومن تعبدون). ثم أنزل الله تعالى:
قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون }؛ معناه: أن عيسى وعزيرا والملائكة هم الذين سبقت لهم منا الحسنى؛ أي وجبت لهم العدة من الله تعالى بالبشرى والسعادة.
ويدخل في هذه الآية جملة المؤمنين؛ لما روي أن عثمان سمع عليا كرم الله وجهه يقرأ هذه الآية { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } قال: (أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبدالرحمن وأبو عبيدة). وقال الجنيد: (سبقت لهم من الله العناية في الهداية، فظهرت الولاية في النهاية).
الأنبياء 21:101
قوله تعالى: { لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون }؛ الزفير شدة النفس بهول ما يرد على صاحبه، وهم فيها لا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره. قال ابن مسعود: (يجعلون في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى فلا يسمعون شيئا).
" وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أتى قريشا وهم في المسجد مجتمعون وحولهم ثلاثمائة وستون صنما مصفوفة، لكل قوم صنم لهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " ثم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق عليهم ذلك، فأتاهم عبدالله بن الزبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم حوصكم؟! فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته.
فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبعرى: أنت قلت أنا وما نعبد في النار؟ قال: خصمتك ورب الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح، وبني مليح يعبدون الملائكة! أفترى أن هؤلاء لا يكونون في النار؟ فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أراد به الأوثان "
وفي الآية ما يدل على ذلك؛ لأن قوله تعالى
وما تعبدون
[الأنبياء: 98] لا يكون إلا لما لا يعقل، إذ لو أراد الملائكة والناس لقال (ومن تعبدون). ثم أنزل الله تعالى:
قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون }؛ معناه: أن عيسى وعزيرا والملائكة هم الذين سبقت لهم منا الحسنى؛ أي وجبت لهم العدة من الله تعالى بالبشرى والسعادة.
ويدخل في هذه الآية جملة المؤمنين؛ لما روي أن عثمان سمع عليا كرم الله وجهه يقرأ هذه الآية { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } قال: (أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبدالرحمن وأبو عبيدة). وقال الجنيد: (سبقت لهم من الله العناية في الهداية، فظهرت الولاية في النهاية).
الأنبياء 21:102
قوله تعالى:
أولئك عنها مبعدون
[الأنبياء: 101] منحون عن النار، { لا يسمعون حسيسها }؛ أي حسها وحركة تلهبها، والمعنى: لا يسمعون صوت النار، { وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون }؛ أي في ما اشتهت أنفسهم من نعيم الجنة مقيمون دائمون.
الأنبياء 21:103
قوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر }؛ قال أكثر المفسرين: يعني إطباق جهنم على أهلها، وقال ابن عباس: (النفخة الأخيرة). وقيل: هو ذبح الموت بين الفريقين. وقيل: هو حين يؤمر بأهل النار إلى النار، وذلك حين يقال
وامتازوا اليوم أيها المجرمون
[يس: 59]. قوله تعالى: { وتتلقاهم الملائكة }؛ أي بالتهنئة على باب الجنة، فيقولون لهم: { هذا يومكم الذي كنتم توعدون }.
الأنبياء 21:104
قوله تعالى: { يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب }؛ قال ابن عباس ومجاهد: (السجل هو الصحيفة تطوى بما فيها من الكتابة) واللام في قوله (للكتب): بمعنى (على)، وقال السدي: (هو ملك موكل بالصحف، إذا مات الإنسان رفع كتابه إليه فطواه). وقيل: إن السجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقال: هو الرجل بلغة الحبشة.
قرأ أبو جعفر: (تطوى السماء) بالتاء، ورفع (السماء) على ما لم يسم فاعله. وقرأ أهل الكوفة: (للكتب) على الجمع.
والمراد بطي السماء أن الله تعالى يطويها، ثم يفتحها ثم يعيدها، ولذلك قال: { كما بدأنآ أول خلق نعيده }؛ أي كما بدأناها أول مرة، نعيدها إلى الحالة الأولى. ويجوز أن يكون معنى قوله { كما بدأنآ أول خلق نعيده } نعيد الخلق للبعث كما بدأناه في النطفة، ودليل هذا القول قوله تعالى:
كما بدأكم تعودون
[الأعراف: 29].
والطي في هذه الآية يحتمل معنيين؛ أحدهما: الدرج الذي هو ضد النشر، قال الله تعالى:
والسموت مطويات بيمينه
[الزمر: 67]. والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو والطمس؛ لأن الله تعالى يمحو رسومها ويكدر نجومها. وقيل: معنى قوله تعالى { كما بدأنآ أول خلق نعيده }: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا، كذلك نعيدهم يوم القيامة.
قوله تعالى: { وعدا علينآ }؛ نصب على المصدر بمعنى: قد وعدناهم هذا وعدا، قوله تعالى: { إنا كنا فاعلين }؛ ما وعدناكم من ذلك، وقيل: فاعلين الإعادة والبعث.
الأنبياء 21:105
قوله تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }؛ أي كتبنا في زبور داود من بعد توراة موسى. وقال ابن عباس والضحاك: (الذكر التوراة، والزبور الكتب المنزلة من بعد التوراة). وقيل: الزبور زبور داود، والذكر الفرقان، و(بعد) بمعنى (قبل) كقوله تعالى
وكان ورآءهم ملك
[الكهف: 79] أي أمامهم، وقوله
والأرض بعد ذلك دحاها
[النازعات: 30] أي قبل ذلك. قوله تعالى: { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } يعني أرض الجنة يرثها عبادي الصالحون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: جميع المؤمنين العاملين بطاعة الله.
الأنبياء 21:106
قوله تعالى: { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين }؛ أي إن في هذا القرآن بلاغا للكفاية، والمعنى: أن من اتبع القرآن وعمل به كان بلاغه في الجنة، وقوله تعالى { لقوم عابدين }؛ قال كعب: (هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر رمضان). وروي:
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين } ، ثم قال: " هي الصلوات الخمس في الجماعة في المسجد الحرام " ".
الأنبياء 21:107
قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين }؛ معناه: وما أرسلناك يا محمد إلا نعمة للعالمين. قال ابن زيد: (يعني للمؤمنين خاصة)، وقال ابن عباس: (هو عام، فمن آمن به كتب له من الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما أصاب الأمم من المسخ والخسف والغرق). والمعنى: أنه كان إذا أرسل نبي من الأنبياء؛ فإن آمن به قومه وإلا عذبوا، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فكان كل من كفر به يؤخر إلى يوم القيامة فهو نعمة على الكافر إذ عوفي مما أصاب الأمم من المسخ.
الأنبياء 21:108
قوله تعالى: { قل إنمآ يوحى إلي }؛ أي قل لهم يا محمد: إنما يوحى إلي في القرآن؛ { أنمآ إلهكم إله واحد } وهو الله لا شريك له؛ { فهل أنتم مسلمون } يا أهل مكة مسلمون مخلصون له بالعبادة والتوحيد.
الأنبياء 21:109
قوله تعالى: { فإن تولوا }؛ أي فإن أعرضوا عن قبول قولك، { فقل ءاذنتكم على سوآء }؛ أي أعلمتكم بالوحي من الله على سواء في الإعلام؛ أي لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره. وقيل: على سواء في العلم، إني حرب لكم لا صلح بيننا، وإني مخالف لدينكم فتأهبوا لما يراد بكم؛ إذ ليس العناد من أخلاق الأنبياء صلوات الله عليهم.
قوله تعالى: { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون }؛ أي ما أدري متى توعدون به من العذاب.
الأنبياء 21:110
قوله تعالى: { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون }؛ معناه: إن الله يعلم ما تعلنون به من القول، ويعلم ما تكتمون من سركم، لا يغيب من علمه شيء منكم. قوله تعالى: { وإن أدري لعله فتنة لكم }؛ أي وما أدري لعل تأخير العذاب اختبار لكم؛ ليرى كيف صنعكم، { ومتاع إلى حين }؛ آجالكم؛ أي تمتعون إلى انقضاء آجالكم.
الأنبياء 21:111
قوله تعالى: { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون }؛ معناه: إن الله يعلم ما تعلنون به من القول، ويعلم ما تكتمون من سركم، لا يغيب من علمه شيء منكم. قوله تعالى: { وإن أدري لعله فتنة لكم }؛ أي وما أدري لعل تأخير العذاب اختبار لكم؛ ليرى كيف صنعكم، { ومتاع إلى حين }؛ آجالكم؛ أي تمتعون إلى انقضاء آجالكم.
الأنبياء 21:112
قوله تعالى: { قال رب احكم بالحق }؛ أي قل لهم يا محمد: رب احكم بعذاب أهل مكة الذي هو حق نازل بهم، والحق: ها هنا هو العذاب، كأنه استعجل العذاب لقومه، فعذبوا يوم بدر. قال قتادة:
" كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال: " رب احكم بالحق "
، قال الكلبي: (فحكم عليهم بالقتل يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، ويوم الخندق). والمعنى: أفصل بيني وبين المشركين بما يظهر به من الحق للجميع.
وقرأ حفص: (قل رب احكم بالحق) على الخبر؛ أي قال الرسول ذلك. وقرأ الضحاك ويعقوب: (قيل رب احكم بالحق) بإثبات الياء على وجه الخبر؛ أي هو أحكم الحاكمين، وكيف يجوز أن يسأله أن يحكم بالحق، وهو لا يحكم إلا به.
قوله تعالى: { وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون }؛ أي على كذبكم وباطلكم وقولكم: ما هذا إلا بشر مثلكم، وقولكم: اتخذ الرحمن ولدا. والوصف بمعنى المكذب كقوله تعالى
سيجزيهم وصفهم
[الأنعام: 139]، وقوله
ولكم الويل مما تصفون
[الأنبياء: 18].
الحج 22:1
{ يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم }؛ قال ابن عباس: (يريد يا أهل مكة اتقوا ربكم، واحذروا عقابه إن زلزلة قيام الساعة شيء عظيم) أي هول عظيم، لا يوصف لفظه، والزلزلة: شدة الحركة مع الحال الهائلة.
الحج 22:2
قوله تعالى: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت }؛ أي يوم ترون تلك الزلزلة تذهل في ذلك اليوم كل مرضعة عما أرضعت؛ أي تنسى. وقيل: تشتغل، وقيل: تترك، يقال: ذهلت عن كذا إذا تركته. وقيل: معنى الآية: يوم ترون الزلزلة تشتغل كل مرضعة عن ولدها بغير فطام، { وتضع كل ذات حمل حملها } ، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام. وهذا إنما يكون على وجه التشبيه، والمعنى: أن لو كانت ثم مرضعة لذهلت عن ولدها، وحامل لوضعت حملها.
قوله تعالى: { وترى الناس سكارى }؛ أي من شدة الفزع والخوف من عذاب الله يتحيرون كأنهم سكارى، { وما هم بسكارى }؛ من الشراب، { ولكن عذاب الله شديد } والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم فيضطربون اضطراب السكران، وسكارى جمع سكران. وقرأ أهل الكوفة (سكري وسكرى) بغير ألف. قال الفراء: هو وجه جيد في العربية؛ لأنه بمنزلة الهلكى والجرحى والمرضى).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" " يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: يا آدم؛ قم فابعث بعث النار. فيقول: لبيك وسعديك؛ وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. فعند ذلك يشيب الصغير، وتضع الحامل ما في بطنها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ".
قالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الرجل الذي يبقى؟ قال: " أبشروا؛ إني لأرجو أن يكون من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد " ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " فكبرنا وحمدنا، ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " فكبرنا وحمدنا، ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، وأهل الجنة مائة وعشرون صفا، ثمانون منها أمتي " ثم قال صلى الله عليه وسلم: " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، مع كل واحد سبعون ألفا " فقال عكاشة بن محيص: أدع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت منهم " فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم، فقال: " سبقك بها عكاشة " ".
الحج 22:3
قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم }؛ قال ابن عباس: (نزلت في النضر بن الحارث: كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه من أساطير الأولين، وكان كثير الجدل، ويقول: الملائكة بنات الله، ويزعم أن الله غير قادر على إحياء الموتى). والمعنى: ومن الناس من يخاصم في دين الله بغير علم ولا حجة، { ويتبع كل شيطان مريد }؛ أي متمرد على الله. قوله تعالى: { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله }؛ أي كتب عليه الشيطان إضلال من تولاه؛ { ويهديه } وهدايته إياه { إلى عذاب السعير }؛ وقيل: الهاء في قوله { كتب عليه } راجعة إلى من يتبع الشيطان فيتقبل منه.
الحج 22:4
قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم }؛ قال ابن عباس: (نزلت في النضر بن الحارث: كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه من أساطير الأولين، وكان كثير الجدل، ويقول: الملائكة بنات الله، ويزعم أن الله غير قادر على إحياء الموتى). والمعنى: ومن الناس من يخاصم في دين الله بغير علم ولا حجة، { ويتبع كل شيطان مريد }؛ أي متمرد على الله. قوله تعالى: { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله }؛ أي كتب عليه الشيطان إضلال من تولاه؛ { ويهديه } وهدايته إياه { إلى عذاب السعير }؛ وقيل: الهاء في قوله { كتب عليه } راجعة إلى من يتبع الشيطان فيتقبل منه.
الحج 22:5
قوله تعالى: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث }؛ معناه: يا أهل مكة إن كنتم في شك من البعث بعد الموت، فتفكروا في ابتداء خلقكم فإن إعادتكم ليست بأشد من أول خلقكم، ثم بين ابتداء خلقهم فقال: { فإنا خلقناكم من تراب } أي خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه لحما ودما.
قوله تعالى: { ثم من نطفة }؛ أي ثم جعلناكم بعد ذلك من النطفة التي تكون من الذكر والأنثى، { ثم } خلقنا { من } تلك النطفة؛ { علقة }؛ وهي قطعة من الدم { ثم }؛ جعلنا العلقة { من مضغة }؛ وهي القطعة من اللحم، تسمى مضغة؛ لأنها مقدار ما يمضغ من اللحم.
قوله تعالى: { مخلقة وغير مخلقة }؛ أي تامة الخلق وغير تامة الخلق، وقيل: مصورة وغير مصورة، وهي السقط. قال عبدالله بن مسعود:
" إذا وقعت النطفة في الرحم؛ بعث الله ملكا يأخذها بكفه فيقول: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة؛ مجتها الأرحام دما، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ وما رزقها وما أجلها؟ وشقي أم سعيد؟ وبأي أرض تموت؟
فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد ذلك، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق فيستنسخها. فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، حتى إذا جاء أجلها ماتت، فتذهب إلى المكان الذي كتب لها "
قوله تعالى: { لنبين لكم }؛ أي لنبين لكم كمال قدرتنا وحكمنا في تصريفنا في الخلق.
وقوله تعالى: { ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى }؛ أي ونترك في الأرحام ما نشاء من الولد إلى وقت التمام ولا نسقطه. وروي عن عاصم: (ونقر) بالنصب على العطف، وقراءة الباقين بالرفع على معنى: ونحن نقر. قوله تعالى: { ثم نخرجكم طفلا }؛ أي ثم نخرجكم من الأرحام طفلا صغارا، وإنما لم يقل أطفالا لأنه لم يخرجهم من أم واحدة، ولكن يخرجهم من أمهات شتى، كأنه قال: ثم نخرج كل واحد منكم طفلا.
قوله تعالى: { ثم لتبلغوا أشدكم }؛ أي ثم لنعمركم لتبلغوا أشدكم بمعنى الكمال والقوة، { ومنكم من يتوفى }؛ قبل بلوغ الأشد، { ومنكم من }؛ يعمر حتى { يرد إلى أرذل العمر }؛ أي هوانه وأخسه وهو الهرم والخرف. قوله تعالى: { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا }؛ أي لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئا.
قوله تعالى: { وترى الأرض هامدة }؛ هذه دلالة أخرى تدلهم على إحياء الموتى بإحياء الأرض الميتة، والهامدة: هي اليابسة الجافة، كأنه قال: وترى الأرض يابسة جافة ذات تراب كالنار إذا اطفئت ورمدت، { فإذآ أنزلنا عليها المآء }؛ أي على الأرض، { اهتزت وربت }؛ أي تحركت بالنبات، وازدادت وأضعفت النبات، وذلك أن الأرض ترتفع على النبات، فذلك تحريكها، وهو معنى قوله { وربت } أي ارتفعت وزادت وانتفخت للنبات، من ربا يربو إذا ازداد.
قوله تعالى: { وأنبتت من كل زوج بهيج }؛ أي وأخرجت أكما من كل لون حسن البهجة، ومن كل صنف مؤنق العين، والبهيج الحسن. قال الله تعالى:
وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة
[النمل: 60].
الحج 22:6
قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى }؛ أي ذلك الذي وصفناه من تعريف الخلق على هذه الأحوال في إحياء الأرض الميتة؛ لتعلموا وتقروا بأن الله هو المستحق لصفات التعظيم، وهو الإله الواحد الذي يقدر على كل شيء.
قوله تعالى: { وأنه يحيي الموتى } أي ويدلكم على أنه يحيي الموتى كما أحياكم ابتداء، { وأنه على كل شيء قدير } ، وبأنه على كل شيء من الإيجاد والإعدام قدير، ويدلكم { وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور }؛ للحسنات والجزاء.
الحج 22:7
قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى }؛ أي ذلك الذي وصفناه من تعريف الخلق على هذه الأحوال في إحياء الأرض الميتة؛ لتعلموا وتقروا بأن الله هو المستحق لصفات التعظيم، وهو الإله الواحد الذي يقدر على كل شيء.
قوله تعالى: { وأنه يحيي الموتى } أي ويدلكم على أنه يحيي الموتى كما أحياكم ابتداء، { وأنه على كل شيء قدير } ، وبأنه على كل شيء من الإيجاد والإعدام قدير، ويدلكم { وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور }؛ للحسنات والجزاء.
الحج 22:8
قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير }؛ نزلت في النضر بن الحارث أيضا، وقيل: نزلت في أبي جهل، ومعناه: يجادل ليحق الباطل، ويبطل ما دل عليه الدليل بغير معرفة ودليل ولا كتاب منير فيه حجة ما يقول.
الحج 22:9
قوله تعالى: { ثاني عطفه }؛ أي لاوي عنقه متكبرا معرضا عن ما يدعى إليه كبرا، وهو منصوب على الحال، والمعنى: ومن الناس من يجادل في الله متكبرا شامخا بأنفه، { ليضل عن سبيل الله }؛ أي عن دين الله وطاعته.
وقوله تعالى: { له في الدنيا خزي }؛ أي عقوبة بالمذمة والقتل، { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق }؛ أي عذاب النار، فقتل النضر بن الحارث يوم بدر أسيرا، ومن قال: نزلت في أبي جهل فهو قتل أيضا يوم بدر.
الحج 22:10
قوله تعالى: { ذلك بما قدمت يداك }؛ مبالغة في إضافة الخزي إليه، { وأن الله ليس بظلم للعبيد }؛ ظاهر المعنى، فإن قيل: لم قال الله تعالى { بظلام } على صفة المبالغة وهو لا يظلم مثقال ذرة؟ فقيل: تعالى إنه لو فعل أقل قليل الظلم، لكان عظيما منه.
الحج 22:11
قوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآيات في أناس من بني أسد بن خزيمة، أصابتهم سنة شديدة فأجدبوا فيها، فمضوا بعيالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرين، فكانوا إذا أعطوا من الصدقة، وأصابوا خيرا اطمأنوا بذلك وفرحوا به، وإن أصابهم وجع وآفة، وولدت نساؤهم البنات، وتأخرت عنهم الصدقة، قالوا: ما أصابنا مذ كنا على هذا الدين إلا شر، فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة).
ومعنى الآية { ومن الناس من يعبد الله على حرف } أي على ضعف في العبادة، لضعف القيام على الأحرف لا يدخل في الدين على ثبات وتمكن. وقيل: معناه: على شك كأنه قائم على حرف جدار وطرف جبل، لا يدخل في الدين على ثبات ويقين وطمأنينة، فهو كالمضطرب على شفا جرف، { فإن أصابه خير }؛ رخاء وعافية وسعة، { اطمأن به } على عبادة الله بذلك الخير، { وإن أصابته فتنة }؛ أي محنة تضييق العيش ونحو ذلك، { انقلب على وجهه }؛ أي رجع إلى دينه الأول وهو الشرك بالله. قوله تعالى: { خسر الدنيا والأخرة }؛ أي خسر في الدنيا العز والغنيمة، وفي الآخرة الجنة، { ذلك هو الخسران المبين }؛ أي الظاهر. قرأ الأعرج ويعقوب: (انقلب على وجهه خاسرا الدنيا والآخرة) بالألف (والآخرة) بالخفض، ونصب (خاسر) على الحال.
الحج 22:12
قوله تعالى: { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه }؛ أي يعبد من دون الله ما لا يضره إن ترك عبادته، ولا ينفعه إن عبده، { ذلك هو الضلال البعيد }؛ عن الحق والرشد، { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه }؛ أي يدعو ما لا نفع له أصلا، ومن عادة العرب أنهم يقولون لشيء لا منفعة فيه: لضرره أكثر من نفعه، كما يقولون لشيء لا يكون أصلا: هذا بعيد. قوله تعالى: { لبئس المولى }؛ أي بئس الناصر، وقوله تعالى: { ولبئس العشير }؛ أي بئس الصاحب والمعاشر، يعني الصنم.
واختلفوا في اللام في قوله { لمن ضره }: قيل معناه التأخير كأنه قال: يدعو من والله لضره أقرب من نفعه، وإنما قدمت اللام للتأكيد، ونظير هذا قولهم: عندي لما غيره خير منه، معناه: عندي ما لغيره خير منه. وقيل { لمن ضره } كلام مبتدأ وخبره { لبئس المولى ولبئس العشير } ، ويكون المعنى الذي هو الضلال البعيد يدعوه، فهذا حد الكلام وما بعده كلام مستأنف. وقيل: هذه اللام صلة؛ أي يدعو من ضره أقرب من نفعه.
الحج 22:13
قوله تعالى: { يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه }؛ أي يعبد من دون الله ما لا يضره إن ترك عبادته، ولا ينفعه إن عبده، { ذلك هو الضلال البعيد }؛ عن الحق والرشد، { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه }؛ أي يدعو ما لا نفع له أصلا، ومن عادة العرب أنهم يقولون لشيء لا منفعة فيه: لضرره أكثر من نفعه، كما يقولون لشيء لا يكون أصلا: هذا بعيد. قوله تعالى: { لبئس المولى }؛ أي بئس الناصر، وقوله تعالى: { ولبئس العشير }؛ أي بئس الصاحب والمعاشر، يعني الصنم.
واختلفوا في اللام في قوله { لمن ضره }: قيل معناه التأخير كأنه قال: يدعو من والله لضره أقرب من نفعه، وإنما قدمت اللام للتأكيد، ونظير هذا قولهم: عندي لما غيره خير منه، معناه: عندي ما لغيره خير منه. وقيل { لمن ضره } كلام مبتدأ وخبره { لبئس المولى ولبئس العشير } ، ويكون المعنى الذي هو الضلال البعيد يدعوه، فهذا حد الكلام وما بعده كلام مستأنف. وقيل: هذه اللام صلة؛ أي يدعو من ضره أقرب من نفعه.
الحج 22:14
قوله تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ ظاهر المعنى، { إن الله يفعل ما يريد }؛ بأوليائه وأهل طاعته من الكرامة، وبأهل معصيته من الهوان.
الحج 22:15
قوله تعالى: { من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء }؛ الآية، معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وسلم فليطلب سببا يصل به إلى السماء، { ثم ليقطع }؛ نصرة الله لنبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، { فلينظر هل يذهبن كيده }؛ أي يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة، فكما لا يمكنه أن يحتال في الوصول إلى السماء، كذا لا يمكنه الحيلة في قطع نصر الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله النبي صلى الله عليه وسلم حتى يظهر على الدين، فليمت غيظا. وقيل: إن الهاء راجعة إلى { من كان يظن } كأنه قال: من كان يظن أن لن يرزقه الله فليمدد بحبل إلى سقف بيته وأضفى ذلك على حلقه مخنقا نفسه ليذهب غيظ نفسه.
وهذا مثل ضرب لهذا الجاهل؛ أي مثل هذا الذي يظن أن لن يرزقه الله على سبيل السخط مثل من فعل هذا الفعل بنفسه، هل كان ذلك إلا زائدا في ثلاثة؟ وهل تذهب حقيقة نفسه غيظه في رزقه؟ وإنما ذكر النصرة بمعنى الرزق؛ لأن العرب تقول: من ينصرني نصره الله؛ أي من يعطيني أعطاه الله. قوله تعالى: { ما يغيظ }؛ (ما) بمعنى المصدر؛ أي هل يذهبن كيده وحيلته غيظه.
الحج 22:16
قوله تعالى: { وكذلك أنزلناه آيات بينات }؛ أي وكذلك أنزلنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم دلالات واضحات، { وأن الله يهدي }؛ إلى النبوة، { من يريد }؛ وقيل: يهدي إلى الدين وإلى الثواب.
الحج 22:17
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا }؛ أي إن الذين آمنوا بمحمد والقرآن وجميع أصناف الكفار من اليهود، { والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم }؛ بين هؤلاء الفرق الخمس وبين المؤمنين، { يوم القيامة }؛ بأن يدخل المؤمنين الجنة، وتلك الفرق النار، { إن الله على كل شيء شهيد }؛ أي عليم بكل شيء من أعمال هؤلاء.
الحج 22:18
قوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من في السموت }؛ ألم تعلم يا محمد أن الله يسجد له أهل السماوات من الملائكة، { ومن في الأرض }؛ من الجن والإنس من المؤمنين.
قوله تعالى: { والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب }؛ يسجدون لله؛ أي يخضعون؛ لأن سجود هذه الأشياء خضوعها وانقيادها لخالقها فيما يريد منها. وقال أبو العالية: (ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا وهو يسجد لله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له).
قوله تعالى: { وكثير من الناس }؛ أي وكثير من الكفار الذين سيؤمنون من بعد، وانقطع ذكر الساجدين ثم استثناه فقال: { وكثير حق عليه العذاب }؛ أي ممن لا يوحده وأبى السجود، وقوله تعالى: { ومن يهن الله فما له من مكرم }؛ أي من يهن الله بالشقاء، فما أحد يكرمه بالسعادة، { إن الله يفعل ما يشآء }؛ من الإهانة والكرامة والشقاوة والسعادة، وهو المالك للعقوبة والمثوبة.
الحج 22:19
قوله تعالى: { هذان خصمان اختصموا في ربهم }؛ أراد بالخصمين المؤمنين والكفار، وقيل: أهل الكتاب وأهل القرآن، والمعنى: اختصموا في دين ربهم، فقالت اليهود والنصارى: نحن أولى بالله منكم؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وقال المسلمون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بكتابنا وكتابكم ونبينا ونبيكم، وأنتم كفرتم بنبينا حسدا.
وقيل: أراد بالخصمين الفريقين الذين تبارزوا يوم بدر. والخصم يقع على الواحد والجميع، ألا ترى أنه جعل الكفار خصما، والمؤمنين خصما، ولهذا قال (اختصموا)؛ لأنهما جمعان وليس برجلين. وكان أبو ذر رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر بثلاثة من المؤمنين وهم: (حمزة؛ وعلي؛ وعبيدة بن الحارث) وثلاثة من المشركين وهم: (عتبة؛ وشيبة؛ والوليد بن عتبة)، قال: وقال علي رضي الله عنه: (إني لأول من يبعث للخصومة يوم القيامة بين يدي الله عزوجل).
قوله تعالى: { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار }؛ أي نحاس قد أذيب في النار فيجعل على أبدانهم بمنزلة الثياب، وليس شيء إذا حمي أشد حرا من النحاس، { يصب من فوق رءوسهم الحميم }؛ وهو الماء الحار الذي قد انتهى حره، قوله تعالى: { يصهر به ما في بطونهم والجلود }؛ أي يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم ما في بطونهم من الشحوم حتى يخرج من أدبارهم، وتذاب به الجلود أيضا، فإن جلودهم تتساقط من حر الحميم. والصهر الإذابة، يقال: صهرت الإلية بالنار أصهرها؛ أي أذبتها.
الحج 22:20
قوله تعالى: { هذان خصمان اختصموا في ربهم }؛ أراد بالخصمين المؤمنين والكفار، وقيل: أهل الكتاب وأهل القرآن، والمعنى: اختصموا في دين ربهم، فقالت اليهود والنصارى: نحن أولى بالله منكم؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وقال المسلمون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بكتابنا وكتابكم ونبينا ونبيكم، وأنتم كفرتم بنبينا حسدا.
وقيل: أراد بالخصمين الفريقين الذين تبارزوا يوم بدر. والخصم يقع على الواحد والجميع، ألا ترى أنه جعل الكفار خصما، والمؤمنين خصما، ولهذا قال (اختصموا)؛ لأنهما جمعان وليس برجلين. وكان أبو ذر رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر بثلاثة من المؤمنين وهم: (حمزة؛ وعلي؛ وعبيدة بن الحارث) وثلاثة من المشركين وهم: (عتبة؛ وشيبة؛ والوليد بن عتبة)، قال: وقال علي رضي الله عنه: (إني لأول من يبعث للخصومة يوم القيامة بين يدي الله عزوجل).
قوله تعالى: { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار }؛ أي نحاس قد أذيب في النار فيجعل على أبدانهم بمنزلة الثياب، وليس شيء إذا حمي أشد حرا من النحاس، { يصب من فوق رءوسهم الحميم }؛ وهو الماء الحار الذي قد انتهى حره، قوله تعالى: { يصهر به ما في بطونهم والجلود }؛ أي يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤوسهم ما في بطونهم من الشحوم حتى يخرج من أدبارهم، وتذاب به الجلود أيضا، فإن جلودهم تتساقط من حر الحميم. والصهر الإذابة، يقال: صهرت الإلية بالنار أصهرها؛ أي أذبتها.
الحج 22:21
قوله تعالى: { ولهم مقامع من حديد }؛ المقامع جمع مقمعة؛ وهي مدقة الرأس. روي أن الملائكة يضربون وجوههم بأعمدة من حديد، فيهوون في النار سبعين خريفا. قال مقاتل: (تضرب الملائكة رأس الكافر بالمقمعة فينقب رأسه، ثم يصب فيه الحميم الذي انتهى حره، فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوف الكافر، فيسلت ما في جوفه من الأمعاء حتى يحرق قدميه).
الحج 22:22
قوله تعالى: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها }؛ أي كلما رفعتهم النار بلهبها فحاولوا الخروج منها في غم العذاب أعيدوا في النار بضرب المقامع، وقيل لهم: { وذوقوا عذاب الحريق }؛ أي المحرق مثل الأليم بمعنى المؤلم.
" وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى { ولهم مقامع من حديد } قال: " لو وضع مقمع من حديد على الأرض، ثم اجتمع عليه الثقلان ما رفعوه من الأرض " ".
ثم ذكر الله الخصم الآخر فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا }؛ قد تقدم تفسيره في سورة الكهف.
قرأ أهل المدينة وعاصم: (ولؤلؤا) بالنصب على معنى (يحلون فيها لؤلؤا)، ومن قرأ بالخفض كان المعنى (يحلون فيها من أساور من لؤلؤ).
وقوله تعالى: { ولباسهم فيها حرير }؛ ظاهر المراد. قال أبو سعيد الخدري:
" من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو "
الحج 22:23
قوله تعالى: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها }؛ أي كلما رفعتهم النار بلهبها فحاولوا الخروج منها في غم العذاب أعيدوا في النار بضرب المقامع، وقيل لهم: { وذوقوا عذاب الحريق }؛ أي المحرق مثل الأليم بمعنى المؤلم.
" وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى { ولهم مقامع من حديد } قال: " لو وضع مقمع من حديد على الأرض، ثم اجتمع عليه الثقلان ما رفعوه من الأرض " ".
ثم ذكر الله الخصم الآخر فقال: { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا }؛ قد تقدم تفسيره في سورة الكهف.
قرأ أهل المدينة وعاصم: (ولؤلؤا) بالنصب على معنى (يحلون فيها لؤلؤا)، ومن قرأ بالخفض كان المعنى (يحلون فيها من أساور من لؤلؤ).
وقوله تعالى: { ولباسهم فيها حرير }؛ ظاهر المراد. قال أبو سعيد الخدري:
" من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو "
الحج 22:24
قوله تعالى: { وهدوا إلى الطيب من القول }؛ أي هدوا في الدنيا إلى القول الطيب، وهو قول لا إله إلا الله، وقيل: إلى القرآن. قوله تعالى: { وهدوا إلى صراط الحميد }؛ فالله الحميد، والصراط: طريق الجنة. والمعنى: أرشدوا إلى الإسلام. ويجوز أن يكون (الحميد) نعتا للصراط كما في قوله تعالى
حق اليقين
[الواقعة: 95]. وقيل: معنى الآية: وأرشدوا إلى القول الطيب في الآخرة مثل قول الله تعالى:
الحمد لله الذي صدقنا وعده
[الزمر: 74].
الحج 22:25
قوله تعالى: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله }؛ معناه: إن الذين كفروا بمحمد والقرآن { ويصدون عن سبيل الله } عطف المضارع على المضاف؛ لأن المراد بالمضارع الماضي أيضا. ويجوز أن يكون المعنى الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون عن سبيل الله مع كفرهم، والمعنى: يمنعون الناس عن طاعة الله وعن الطواف في { والمسجد الحرام }؛ وهم أبو سفيان وأصحابه الذين صدوا النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية.
قوله تعالى: { الذي جعلناه للناس سوآء العاكف فيه والباد }؛ معناه: الذي جعلناه للناس كلهم، لم يخص به بعضهم دون بعض سوى المقيم فيه، والذي يأتي من غير أهله، وليس الذين صدوا عنه بأحق به من غيرهم.
قيل: المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية الحرم كله، كما في قوله تعالى:
إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام
[التوبة: 7] وكان العهد بالحديبية. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن مكة لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها "
وقيل: إن المراد بالمسجد الحرام نفس المسجد سوى المعتكف فيه: المجاور والبادي الذي يكون ملازما له في حرمته وحق الله عليهما فيه سواء.
قرأ حفص: (سواء) بالنصب بإيقاع الجعل عليه، لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين. وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء، وما بعده خبره. وقيل: (سواء) خبر مبتدأ متقدم تقديره: العاكف فيه والبادي سواء.
قوله تعالى: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم }؛ معناه: ومن يرد فيه إلحادا بظلم، وفي هذا دليل أن المراد بالمسجد الحرام كل الحرم، فإن الذنب في الحرم أعظم منه في غيره، فعلى هذا يكون قوله { سوآء العاكف فيه والباد } أي سواء في النزول، فليس أحدهما أحق بالمنزل يكون فيه. وحرموا بهذه الآية كراء دور مكة وإجارتها في أيام الموسم.
قال عبدالله بن أسباط: (كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة أحق بمنزله منهم)، روي: (أنها كانت تدعى السوائب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن). والإلحاد هو الشرك بالله تعالى، وقيل: كل ظالم فيه ملحد. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" احتكار الطعام بمكة إلحاد "
وأما دخول الباء في قوله: (بإلحاد) فعلى معنى: ومن إرادته فيه بأن يلحد بظلم. وقيل: الإلحاد دخول مكة بغير إحرام، وأخذ حمام مكة وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها. قوله تعالى: { نذقه من عذاب أليم } خبر لكل ما تقدم من الجملتين من قوله تعالى { إن الذين كفروا ويصدون } ، ومن قوله تعالى { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم }.
الحج 22:26
قوله تعالى: { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا }؛ معناه: واذكروا إذ جعلنا البيت مثوى لإبراهيم ومنزلا. قال الحسن: (بوأناه نزلناه)، وقال مقاتل: (دللناه عليه)، وقيل: هيأنا، نظيره
تبوىء المؤمنين
[آل عمران: 121]،
وبوأكم في الأرض
[الأعراف: 74]،
لنبوئنهم من الجنة غرفا
[العنكبوت: 58]، وقيل: معنى (بوأنا) أي بينا له مكان البيت.
قال السدي: (لما أمر الله تعالى ببناء البيت لم يدر إبراهيم أين يبني، فبعث الله إليه ريحا، فكشفت له ما حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل أن يرفع أيام الطوفان)، وقال الكلبي: (فبعث الله إليه سحابة على قدر البيت فيها رأس يتكلم فقامت بحيال البيت، وقالت: يا إبراهيم إبن على قدري)، قوله تعالى: { أن لا تشرك بي شيئا } أي قلنا له وأوحينا إليه أن لا تعبد معي غيري.
قوله تعالى: { وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين والركع السجود } أي طهر من ذبائح المشركين، ومما كانوا يطرحون حوله من الدم والفرث، وقيل: طهره من عبادة الأوثان، ومن دخول المشركين فيه. قوله تعالى: { للطآئفين } الذين يطوفون حوله، وأما القائمون الركع السجود فهم المصلون.
الحج 22:27
قوله تعالى: { وأذن في الناس بالحج }؛ أي وعهدنا إلى إبراهيم أيضا أن أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا، فقال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعلي البلاغ، فصعد أبا قبيس، ونادى في الناس: ألا إن ربكم قد بنى بيتا، وأمركم أن تحجوه فحجوه، فاسمع الله نداءه جميع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وما بين المشرق والمغرب، والبر والبحر، فلباه كل حجر ومدر، وكل مؤمن ومؤمنة في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، قالوا: لبيك اللهم لبيك، فجعل الله التلبية شعارا للحج، فكل من حج فهو ممن أجاب إبراهيم عليه السلام.
قوله تعالى: { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر }؛ معناه: يأتوك مشاة على أرجلهم وعلى كل جمل مهزول أضمره السفر، ورجال جمع راجل، نحو صاحب وأصحاب. وعن ابن عباس أنه قال: (ما ندمت على شيء فاتني إلا أني لم أحج راجلا)، وقد حج الحسن بن علي رضي الله عنهما خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة، وأن النجائب لتقاد معه.
وعن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال للحجاج:
" " للراكب كل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم " قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: " الحسنة بمائة ألف " ".
قوله تعالى: { يأتين من كل فج عميق }؛ أي من بلدان شتى، من كل طريق بعيد، يقال عميقة إذا كانت بعيدة القرار. وإنما قال (يأتين)؛ لأنه في معنى الجمع، وقيل: معناه: وعلى ناقة ضامرة.
وعن بشر بن محمد قال: رأيت في الطواف كهلا قد أجهدته العبادة، واصفر لونه، وبيده عصا وهو يطوف معتمدا عليها، فتقدمت إليه لأسأله، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان، قال: من أي ناحية هي؟ قلت: من نواحي المشرق، فقال لي: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: شهرين أو ثلاثة، قال: أفلا تحجون في كل عام وأنتم جيران البيت؟ قلت: وأنتم كم بينكم وبين هذا البيت؟ فقال: مسيرة خمس سنين، فقلت: والله إن هذا الجهد لبين، والطاعة الجميلة والمحبة الصادقة، فضحك في وجهي وأنشأ يقول:
زر من هويت وإن شاطت بك الدار
وحال من زرته حجب وأستار
لا يمنعنك بعدا من زيارته
إن المحب لمن يهواه زوار
الحج 22:28
وقوله تعالى: { ليشهدوا منافع لهم }؛ أي ليشهدوا ما ندبهم الله إليه مما لهم فيه نفع آخرتهم، ويدخل في ذلك منافع الدنيا من التجارة بيعا ورخصة. قال ابن جبير: (يعني بالمنافع التجارة)، وقال مجاهد: (هي التجارة وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة).
وعن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يقول إذا وقف بعرفة: (اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك، وذكرت المنفعة على شهود مناسكك، وقد جئتك فاجعل منفعة ما تنفعني به أن تؤتيني في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وأن تقيني عذاب النار).
قوله تعالى: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }؛ قال الحسن: (الأيام المعلومات العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق)، وإنما قال لها معدودات؛ لأنها قليلة، وقيل لتلك المعلومات الحرص على علمنا بحسابها من أجل وقف الحج في آخرها، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف: (الأيام المعلومات أيام النحر وهي ثلاثة أيام، والأيام المعدودات أيام التشريق وهي ثلاثة بعد اليوم الأول من أيام النحر، فيكون اليوم الأول من أيام النحر من المعلومات دون المعدودات، واليوم الآخر من أيام التشريق من المعدودات دون المعلومات، ويومين من وسطها من المعلومات والمعدودات جميعا)، وكان يستدل على هذا القول في الأيام بهذه الآية، فإنه تعالى قال: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ، فاقتضى ظاهره أن المراد التسمية على ما ذبح من بهيمة بالمتعة والقران.
وأما على قول أبي حنيفة، فالمراد بالذكر إكثار الذكر في أيام العشر، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ما من أيام العمل الصالح أفضل فيهن من أيام التشريق، فأكثروا فيها من التحميد والتكبير والتهليل "
وعلى هذا يكون معنى { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } لما رزقتهم من بهيمة الأنعام، كما قال
ولتكبروا الله على ما هداكم
[البقرة: 185] أي لما هداكم، وقال محمد بن كعب: المعلومات والمعدودات واحد). قوله تعالى: { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني الهدايا والضحايا من الإبل والبقر والغنم.
قوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير }؛ قال الحسن: (وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا ذبحوا لطخوا وجه الكعبة، وشرحوا اللحم فوضعوه على الحجارة حتى تأكله السباع والطير، وقالوا: لا يحل لنا أن نأكل شيئا جعلناه لله.
فلما جاء الإسلام قال الناس: يا رسول الله كنا نضعه في الجاهلية ألا نضعه الآن؟ فنزلت هذه الآية). { فكلوا منها } يعني الأنعام التي تنحرون، { وأطعموا البآئس } وهو الذي قد أصابه ضرر الجوع، و { الفقير } الذي لا شيء له. وقيل: البائس الذي بين عليه أثر البؤس بأن يمد يده إليك. وقيل: البائس الزمن. وإنما خصص البائس الفقير؛ لأنه أحوج من غيره.
الحج 22:29
قوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم }؛ قال ابن عباس: (التفث هو المناسك كلها)، والمراد ها هنا رمي الجمار والحلق، ويقال: قضاء التفث إزالة الشعث، وفي هذا دليل على أن المراد بقوله { على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } دم المتعة والقران؛ لأن الله تعالى رتب عليه قضاء التفث والطواف بالبيت الحرام، لا دم ترتب على هذه الأفعال إلا دم المتعة والقران، فذكر هذه الآية في جواز الأكل مما يذبح. وقيل: التفث هو الوسخ والقذر من طول الشعر والأظفار، وقضاؤه وإذهابه وإزالته.
قوله تعالى: { وليوفوا نذورهم }؛ يعني نحر ما نذروا من البدن، وقيل: يعني ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج، وربما نذر الرجل أن يتصدق إن رزقه الله لقاء الكعبة. قوله تعالى: { وليطوفوا بالبيت العتيق }؛ يعني طواف الزيارة بعد التروية، أما يوم النحر وما بعده فيسمى طواف الإفاضة. والعتيق القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس. وقيل:
" أعتق من أيدي الجبابرة، فلا يظهر عليه جبار قط إلا أذله الله "
وعن ابن عباس قال:
" حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أتى وادي عسفان قال: " لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات حمر خطمهن الليف، يحجون البيت العتيق " ".
الحج 22:30
قوله تعالى: { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه }؛ أي ذلك الذي أمرتم به، ومن يعظم حرمات الله باجتناب ما حرم الله تعظيما لله فهو خير له في الآخرة من ترك استعظامه. وقال بعضهم: الحرمات ها هنا البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام. قوله تعالى: { فهو خير له } أي قال: المعظم خير له عند ربه من التهاون، يعني في الآخرة.
قوله تعالى: { وأحلت لكم الأنعام }؛ أي رخصت لكم بهيمة الأنعام أن تأكلوها، { إلا ما يتلى عليكم }؛ في كتاب الله من الميتة والدم وغير ذلك مما بينه الله في سورة المائدة من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومما لم يذكر اسم الله عليه. وقيل: معناه: وأحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم إلا ما يتلى عليكم من الصيد، فإنه حرام في حال الإحرام.
قوله تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان }؛ أي فاجتنبوا عبادتها وتعظيمها وأن تذبحوا لها، كما يفعل المشركون، سماها رجسا استقذارا لها واستخفافا لها، وذلك أن المشركين كانوا ينحرون هداياهم، ويصبون عليها الدماء، وكانوا مع هذه النجاسات يعظمونها.
ويجوز أن يكون سماها رجسا للزوم اجتنابها كاجتناب الأنجاس. وأما حرف (من) في قوله (من الأوثان) لتخصيص جنس من الأجناس، والمعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو من وثن.
قوله تعالى: { واجتنبوا قول الزور }؛ يعني قول الكذب، ومن أعظم وجوه الكذب الكفر بالله، والكذب على الله، ويدخل في ذلك شهادة الزور، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" شاهد الزور لا تزول قدماه من مكانها حتى تجب له النار ".
الحج 22:31
قوله تعالى: { حنفآء لله غير مشركين به }؛ أي مخلصين لله مستقيمين على أمره غير مشركين في تلبية ولا حج، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكا تملكه يعنون الصنم. وانتصب قوله: { حنفآء } على الحال.
قوله تعالى: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء }؛ أي سقط من السماء، { فتخطفه الطير }؛ في الهواء فتمزقه، أو تذهب به الريح في موضع بعيد؛ أي منحدر فيقع على رأسه فيهلك، أي كما أن الذي سقط من السماء لا يملك نفعا ولا دفع ضر، وكذلك الذي تهوي به الريح في مكان سحيق، وكذلك المشرك لا ينتفع بشيء من أحماله ولا يقدر على شيء منها.
قرأ أهل المدينة (فتخطفه الطير) بالتشديد أي فتتخطفه، فأدغم أحد التائين في الأخرى، والخطف: الأخذ بسرعة. قال ابن عباس: (يريد يخطف لحمه)، { أو تهوي به الريح }؛ أي تسقطه، { في مكان سحيق }؛ أي بعيد. شبه حال المشرك بحال هذا الهاوي من السماء في أنه لا يملك حيلة حتى يسقط فهو هالك لا محالة، إما بإسلاب الطير، وإما بالسقوط في المكان السحيق.
الحج 22:32
قوله تعالى: { ذلك ومن يعظم شعائر الله }؛ أي ذلك التباعد والهلاك لمن أشرك بالله، من يعظم شعائر الله؛ أي مناسك الله. وقيل: أراد بالشعيرة البدن، فمن عظمها باستمنانها واستحسانها، { فإنها من تقوى القلوب }؛ يعني من صفاوة القلوب. وإنما أضاف التقوى إلى القلوب؛ لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب.
الحج 22:33
قوله تعالى: { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى }؛ أي لكم في بهيمة الأنعام المنافع تركبوها، وتشربون ألبانها قبل أن تشعروها وتسموها هديا إلى أن تقادوها، وسموها هديا، وأما إذا قلدوها وسموها هديا انقطعت هذه المنافع فلا يجوز له حينئذ شرب ألبانها ولا خز أصوافها ولا بيع أولادها.
وأما ركوبها عند الشافعي يجوز إذا لم يضر بها، وعندنا لا يجوز إلا اذا اضطر إليه. وعن أبي هريرة
" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يسوق بدنة، فقال له: " ويحك! اركبها " فقال له: إنها بدنة، فقال: " ويحك! اركبها " "
، وهذا عندنا محمول على أنه عليه السلام إنما أباحه لضرورة علمه من الرجل فأذن له في ذلك إن لم يجد ظهرا غيرها، يدل على ذلك أنه لا يجوز له أن يوجهها للركوب.
قوله تعالى: { ثم محلهآ إلى البيت العتيق }؛ يعني أن نحرها إلى الحرم، وعبر عن الحرم بالبيت؛ لأن حرمة الحرم متعلقة بالبيت، كما قال تعالى
هديا بالغ الكعبة
[المائدة: 95]، ومن المعلوم أنه لا يذبح عند البيت.
الحج 22:34
قوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا }؛ أي لكل أمة مسلمة سبقت قبلكم جعلنا لها عيدا، قوله تعالى: { ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }؛ عند الذبح. وقيل: معناه: ولكل أمة جعلنا عبادة في الذبح. وقيل: معناه: جعلنا متعبدا يعبدون الله فيه.
قرأ أهل الكوفة (منسكا) بكسر السين؛ أي مذبحا وهو موضع القربان، وقرأ الباقون بفتح السين على المصدر مثل المدخل والمخرج؛ أي هراقة الدم أو ذبح القربات، فمن فتح السين أخذه من نسك ينسك مثل دخل يدخل، ويستوي فيه المكان والمصدر، ومن كسرها أخذه من نسك ينسك مثل جلس يجلس.
قوله تعالى: { فإلهكم إله واحد فله أسلموا }؛ أي أخلصوا دينكم وأعمالكم لله تعالى، { وبشر المخبتين }؛ أي المتواضعين بالجنة، واشتقاق المخبتين من الخبت وهو المكان المطمئن، وقال مجاهد: (يعني المخبتين: المطمئنين إلى الله)، وقال الأخفش: (الخاشعين)، وقيل: الخائفين، وقيل: هم الذين إذا ظلموا لا ينصرون.
الحج 22:35
قوله تعالى: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم }؛ أي إذا خوفوا بالله خافوا. قوله تعالى: { والصابرين على مآ أصابهم }؛ أي وبشر الصابرين على ما أصابهم من البلايا والنوائب الشدائد، وبشر { والمقيمي الصلاة }؛ في أوقاتها، وحذفت النون لطول الاسم، قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون }؛ أي يتصدقون من الواجب وغيره.
الحج 22:36
قوله تعالى: { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله }؛ جمع بدنة وهي الناقة والبقرة، والبدانة الضخامة، والمعنى: والإبل جعلناها لكم من أعلام دين الله؛ أي جعلناها لكم فيها عبادة لله من سوقها إلى البيت وتقليدها وإشعارها ونحرها والإطعام منها، قوله تعالى: { لكم فيها خير }؛ يعني النفع في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صوآف }؛ أي عند نحرها، وصواف جمع الصافة وهي القائمة على ثلاث قوائم قد عقلت، وكذا السنة في الإبل، ومعنى الآية: فاذكروا اسم الله على نحرها قياما معقولة إحدى يديها وهي اليسرى. وعن يحيى بن سالم قال: (رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته، فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها) يعني اليسرى.
وروي عن ابن مسعود كان يقول: (صوافن) بالنون وهي المعقولة، من قولهم: صفن الفرس إذا قام على ثلاث قوائم، قال الله تعالى:
الصافنات الجياد
[ص: 31]. وقرأ الحسن ومجاهد: (صوافي) بالياء أي صافية خالصة لله تعالى.
قوله تعالى: { فإذا وجبت جنوبها }؛ أي سقطت بعد النحر، فوضعت جنوبها على الأرض وخرجت روحها، { فكلوا منها }؛ ولا يجوز الأكل من البدن إلا بعد خروج الروح، لأن ما بين عن الحي فهو ميت. وأصل الوجوب الوقوع، ومنه وجبت الشمس إذا وقعت في المغيب، ووجب الحائط إذا وقع، ووجب القلب إذا وقع فيه الفزع، ووجب الفعل إذا وجب ما يلزم به فعله. قوله تعالى: { فكلوا منها } أمرنا بإباحة ورخصة مثل قوله:
وإذا حللتم فاصطادوا
[المائدة: 2]، وقوله تعالى
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض
[الجمعة: 10].
قوله تعالى: { وأطعموا القانع والمعتر }؛ اختلفوا في معناها، فروي عن ابن عباس ومجاهد: (أن القانع هو الذي يقنع ويرضى بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يعترض لك أن تطعمه من اللحم)، يقال: قنع قناعة إذا رضي قانع، وعراه واعتراه إذا سأله، وكذلك قال عكرمة وقتادة: (إن القانع هو المتعفف الجالس في بيته، والمعتر السائل الذي يعتريك ويسألك).
قال سعيد بن جبير والكلبي: (القانع هو الذي يسأل، والمعتر هو الذي يتعرض لك ويريك نفسه ولا يسألك)، فعلى هذا يكون القانع من القنوع وهو السؤال، يقال منه: قنع الرجل يقنع إذا ذهب يسأل، مثل ذهب فهو قانع. قال الشماخ:
كمال المرء يصلحه فيغنى
مفاقره أعف من القنوع
أي من السؤال. وقال زيد بن أسلم: (القانع هو المسكين الذي يطوف فيسأل، والمعتر الصديق الزائر، والمعتر الذي يعتري القوم للحمهم وليس بمسكين إلا أنه ليست له ذبيحة، يأتي القوم لأجل لحمهم).
وقرأ الحسن: (والمعتري) بالياء من قولهم: اعتراه إذا غشيه لحاجته. وروى عطاء عن ابن عباس: (أن القانع الذي يسأل، والمعتر الذي يأتيك بالسلام، ويريك وجهه، ولا يسأل)، وعن مجاهد: (أن القانع جارك الغني، والمعتر الذي يعتريك من الناس).
فعلى هذا تقتضي الآية: أن المستحب أن يتصدق بالثلث؛ لأن في الآية أمر بالأكل وإعطاء الغني وإعطاء الفقير السائل.
" وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحرم: " الأضاحي كلوا وادخروا " "
، وقال تعالى:
فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير
[الحج: 28]، فإذا جمعت بين الآية والخبر جعل الثلث للصدقة. قوله تعالى: { كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون }؛ أي مثل ما وصفنا من نحرها وقيامها سخرناها لكم؛ أي ذللناها لكم؛ لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون؛ لكي تشكروا نعم الله تعالى.
الحج 22:37
قوله تعالى: { لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله التقوى منكم } قال الكلبي: (كان أهل الجاهلية ينحرون البدن للأصنام ويلطخون البيت بدمائها قربة إلى الله فنهى عن ذلك). والمعنى: لن يرفع الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يرفع إلى الله منكم الأعمال الصالحة والتقوى، وهو ما أريد به وجهه الكريم.
ويقال: إنما لا يتقبل الله اللحوم والدماء لأنها فعل الله، ولكن يتقبل التقوى الذي هو فعل العبد، فيوجب الثواب على ذاك، والمعنى: لن يتقبل الله اللحوم والدماء اذا كانت من غير تقوى، وإنما يتقبل منكم التقوى والطاعة في ما أمركم به، بالنية والإخلاص به.
قوله تعالى: { كذلك سخرها لكم }؛ أي ذللها لكم، { لتكبروا الله }؛ أي لتعظموه، { على ما هداكم }؛ لدينه، { وبشر المحسنين }؛ بالجنة يعني الموحدين المخلصين. ويقال: معنى قوله { على ما هداكم } يعني ما بين لكم وأرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه.
الحج 22:38
قوله تعالى: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا }؛ أي إذا ما أمرتم فعلتم به وخالفتم فعل الجاهلية في نحرهم وإشراكهم بالله، فإن الله يدفع عنكم غائلة المشركين وأذاهم وينصركم عليهم، { إن الله لا يحب كل خوان كفور } أي لا يحب كل مظهر للنصيحة مضمر للغش والنفاق كافر بالله وبنعمته.
قال ابن عباس: (يريد الذين خانوا الله بأن جعلوا معه شريكا وكفروا نعمه)، قال الزجاج: (من ذكر غير اسم الله وتقرب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوان كفور)، قرأ أبو عمرو وابن كثير: (يدفع)، وقرأ الباقون: (يدافع)، وهو بمعنى واحد.
الحج 22:39
قوله تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا }؛ قال ابن عباس: (هذه أول آية نزلت في الإذن بالقتال، أذن الله تعالى للمؤمنين المهاجرين أن يقاتلوا كفار مكة بسبب ما ظلموا بأن أخرجوا من مكة) { وإن الله على نصرهم لقدير }؛ هذا وعد لهم بالنصر.
وقيل: كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون محزونين من " بين " مشجوج ومضروب، ويشكون ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: " اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال " حتى هاجروا، فأنزل الله هذه الآية بالمدينة.
قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم: (أذن) بضم الألف وكسر الذال، وقرأ الباقون (أذن) بالفتح؛ أي أذن الله لهم، وقوله (يقاتلون)، قرأ نافع وابن عامر وحفص: بفتح التاء؛ أي أذن للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، وقرأ الباقون بكسرها، يعني أذن لهم في الجهاد يقاتلون المشركين.
الحج 22:40
قوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله }؛ أول آية بدل من { الذين يقاتلون } أي أخرجهم أهل مكة من منازلهم بغير جرم منهم.
قوله تعالى: { إلا أن يقولوا ربنا الله } معناه: لم يخرجوهم إلا بأن كانوا يوحدون الله تعالى فأخرجوهم لتوحيدهم، المعنى: لم يخرجوهم من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله، فيكون (أن) في موضع الخفض ردا على الباء في قوله { بغير حق } ، ويجوز أن تكون (أن) في موضع نصب على الاستثناء.
قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد }؛ أي لولا أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في زمن كل شيء ما بني للصلاة والعبادة نحو الصوامع، { يذكر فيها اسم الله كثيرا }.
قال مجاهد والضحاك: (يعني صوامع الرهبان)، وقال قتادة: (الصوامع للصابئين؛ وهي متعبداتهم، والبيع جمع بيعة؛ وهي متعبد النصارى، والصلوات هي كنائس اليهود، وكان اليهود يسمونها بالعبرانية صلواتا، والمساجد التي يصلي فيها المسلمون).
والمعنى: لولا كف الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد، وكف الظلم لحرب في كل شريعة، كل بنى المكان الذي يصلى فيه، فكان لولا الدفع لهدم في زمن موسى عليه السلام الكنائس، وفي زمن عيسى عليه السلام الصوامع والبيع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد. وعن مجاهد أنه قال: (البيع لليهود يسمونها صلوات)، وقال أبو العالية: (هي مساجد للصابئين). فعلى هذا يكون المعنى: لهدمت صوامع الصلوات. ويقال: أراد بالصلوات الصلوات المعهودة التي للمسلمين، وهدمها إبطالها وإهلاك من يفعلها.
والأولى أن يستدل بهذه الآية على أن هذه المواضع المذكورة التي يجري فيها اسم الله تعالى لا يجوز أن تهدم في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على كل من كان له ذمة، أو جهاد من الكفار، فأما في ديار الحرب فيجوز للمسلمين هدمها إذا فتحت دارهم عنوة، ولم يقروا عليها بالجزية، كما يجوز هدم سائر دورهم.
قوله تعالى: (لهدمت) الهدم هو نقض البناء. قرأ أهل الحجاز (لهدمت) بالتخفيف. فإن قيل: لم قدم مصليات الكافرين على مساجد المؤمنين؟ قيل: لأنها أقدم، وقيل: لقربها من الهدم، وقرب المساجد من الذكر، كما خرج السابق في قوله تعالى
فمنهم ظالم لنفسه
[فاطر: 32] إلى قوله تعالى:
بالخيرات
[فاطر: 32].
قوله تعالى: { ولينصرن الله من ينصره }؛ أي لينصرن الله تعالى من ينصر دينه، { إن الله لقوي عزيز }؛ أي لقوي على أخذ الأعداء، عزيز أي ممتنع بالنعمة منهم.
الحج 22:41
قوله تعالى: { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة }؛ نعت للذين ينصرون بدين الله؛ أي هم الذين إن مكنهم الله في الأرض ينصرهم الله في عدوهم حتى يمكنوا في البلاد، لم يعملوا ما عمله الذين من قبلهم، ولكن أقاموا الصلاة المكتوبة، { وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر }؛ وأعطوا الزكاة المفروضة، وأمروا بالحق ونهوا عن الباطل. قال مقاتل: (هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)، وقال الحسن: (هم هذه الأمة أهل الصلوات الخمس). وقوله تعالى: { ولله عاقبة الأمور }؛ بطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور كلها إليه بلا منازع ولا مدع.
الحج 22:42
قوله تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين }؛ في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن يكذبوك - قومك - فقد كذبت الأمم أنبياءهم من قبلك، وقوله: { وكذب موسى }؛ أي كذبه فرعون، { فأمليت للكافرين }؛ أي أمهلتهم، وأخرت عقوبتهم، { ثم أخذتهم }؛ بالعقوبة، { فكيف كان نكير } أي فكيف كان إنكاري عليهم حتى بيدوا أو خربت قراهم، فأبدلتهم بالنعمة نقمة؛ وبالكثرة قلة؛ وبالحياة هلاكا. قال الزجاج: (معناه: فأنكرت أبلغ الإنكار).
الحج 22:43
قوله تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين }؛ في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن يكذبوك - قومك - فقد كذبت الأمم أنبياءهم من قبلك، وقوله: { وكذب موسى }؛ أي كذبه فرعون، { فأمليت للكافرين }؛ أي أمهلتهم، وأخرت عقوبتهم، { ثم أخذتهم }؛ بالعقوبة، { فكيف كان نكير } أي فكيف كان إنكاري عليهم حتى بيدوا أو خربت قراهم، فأبدلتهم بالنعمة نقمة؛ وبالكثرة قلة؛ وبالحياة هلاكا. قال الزجاج: (معناه: فأنكرت أبلغ الإنكار).
الحج 22:44
قوله تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط * وأصحاب مدين }؛ في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن يكذبوك - قومك - فقد كذبت الأمم أنبياءهم من قبلك، وقوله: { وكذب موسى }؛ أي كذبه فرعون، { فأمليت للكافرين }؛ أي أمهلتهم، وأخرت عقوبتهم، { ثم أخذتهم }؛ بالعقوبة، { فكيف كان نكير } أي فكيف كان إنكاري عليهم حتى بيدوا أو خربت قراهم، فأبدلتهم بالنعمة نقمة؛ وبالكثرة قلة؛ وبالحياة هلاكا. قال الزجاج: (معناه: فأنكرت أبلغ الإنكار).
الحج 22:45
قوله تعالى: { فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة }؛ أي كم من قرية أهلكناها بالعذاب بكفرهم. وقرى أهلكناها، والاختيار أهلكتها بالتاء لقوله
فأمليت
[الحج: 44]، قوله: { فهي خاوية على عروشها }؛ أي ساقطة على سقوفها، وذلك أن السقف يقع قبل الحيطان، ثم تقع الحيطان عليه، قوله تعالى: { وبئر معطلة }؛ أي كم بئر عطلها أربابها وكم من { وقصر مشيد }؛ عطله أهله. والمشيد هو المجصص، والشيد الجص والنورة، ويجوز أن يكون معنى المشيد الرفيع، يقال: شاد البناء وأشاده إذا أطلاه بالشيد.
الحج 22:46
قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها }؛ أي أفلم يسر قومك يا محمد في أرض اليمن والشام؛ لينظروا آثار المهلكين، فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب من قبلهم، ويسمعوا بآذانهم خبر الأمم المكذبة. قوله تعالى: { فتكون لهم } نصب على جواب الجحد.
قوله تعالى: { فإنها لا تعمى الأبصار }؛ الهاء في قوله { فإنها } عماد، وهو إضمار على شريطة التفسير، والمعنى: فإن الأبصار لا تعمى؛ أي يرون بأبصارهم، { ولكن تعمى القلوب التي في الصدور }؛ قلوبهم بذهابها عن إدراك الحق بما يؤدي إليه الدليل.
وفي الآية دليل أن العقل في القلب بخلاف ما قاله الفلاسفة والأطباء: أن محل العقل الرأس الدماغ؛ لأن العقل لو لم يكن في القلب لم يوصف القلب بأن يعمى، كما لا توصف بذلك اليد والرجل، وأما وصف القلوب بأنها في الصدور فعلى وجه التأكيد، كما في قوله تعالى
يقولون بأفواههم
[آل عمران: 167]، وقوله تعالى
ولا طائر يطير بجناحيه
[الأنعام: 38].
الحج 22:47
قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده }؛ أي ويستعجلونك يا محمد بالعذاب، كما قالوا:
فأسقط علينا كسفا من السمآء
[الشعراء: 187]، وقالوا
فأمطر علينا حجارة من السمآء
[الأنفال: 32]، ولن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بهم في الدنيا. قال ابن عباس: (يعني يوم بدر).
قوله تعالى: { وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون }؛ معناه: إنهم يستعجلون بالعذاب، وإن يوما من أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة، فكيف يستعجلونه؟! قال الفراء في هذه الآية: (وعيد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة).
وقيل: معناه: وإن يوما عند الله وألف سنة في قدرته لواحد، فليس تأخر العذاب عنهم إلا تفضلا من الله عليهم. قال الزجاج: (أعلم الله أنه لا يفوته شيء، وإن يوما عنده وألف سنة سواء، ولا فرق بين إيقاع ما يستعجلونه من العذاب في تأخيره في القدرة، إلا أن الله تفضل بالإمهال، فسواء عنده في الإمهال يوم وألف سنة؛ لأنه قادر عليهم متى شاء أخذهم)، قال الكوفيون وابن كثير: (مما يعدون) بالياء، وقرأ الباقون بالتاء.
الحج 22:48
قوله تعالى: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير }؛ ظاهر المعنى.
الحج 22:49
قوله تعالى: { قل يأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين }؛ أي قل لهم يا محمد: يا أهل مكة إنما أنا لكم رسول مخوف بالنار لمن عصى الله بلغة يعرفونها، { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة }؛ لدينهم، { ورزق كريم }؛ حسن في الجنة.
الحج 22:50
قوله تعالى: { قل يأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين }؛ أي قل لهم يا محمد: يا أهل مكة إنما أنا لكم رسول مخوف بالنار لمن عصى الله بلغة يعرفونها، { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة }؛ لدينهم، { ورزق كريم }؛ حسن في الجنة.
الحج 22:51
قوله تعالى: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين }؛ أي والذين أسرعوا في تكذيب آياتنا، وإبطال الدين مبالغين لله ظانين أن يعودنا ويفوتنا بقولهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور، { أولئك أصحاب الجحيم }؛ قال قتادة: (ظنوا بجهلهم أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم، وهيهات). وهذا كقوله
أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا
[العنكبوت: 4]، ومن قرأ (معجزين) فمعناه: أنهم كانوا يعجزون مع من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم أي ينسبونهم إلى العجز.
الحج 22:52
وقوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته }؛ قال ابن عباس وابن جبير والضحاك: (وذلك أن الشيطان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل وهو قائم يصلي عند الكعبة يقرأ سورة
والنجم
[النجم: 1] حتى اذا انتهى إلى قوله تعالى
أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى
[النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى)، فلما سمع المشركون أعجبهم ذلك، فلما انتهى إلى آخر السورة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن المغيرة، فإنه لم يقدر على السجود لكبره، فقال: ائتوني بالتراب، فأتوه بالتراب فوضعه على كفه، ثم سجد على كفه، فلما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له ذلك، فقال جبريل: ما جئتك بهذه ولا أنزله الله تعالى، فقال: أتاني شيء في مثل صورتك فألقاه علي).
وهذا حديث أنكر أهل العلم إجراءه على ظاهره، وقالوا: كيف يجوز أن يجعل الله للشيطان على رسوله هذا السلطان، أو يختار لرسالته من لا يميز بين وحي الله ووساوس الشيطان؟! ومن المعلوم أن من نسب النبي صلى الله عليه وسلم به إلى ما يرجع إلى تعظيم الأصنام فقد كفر، إلا أنه يحتمل أن يكون الشيطان ألقى في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وخيل إلى من سمع تلاوته من الذين كانوا بالبعد منه أنه جرى على لسانه، وإنما هو من لسان الشيطان، وكان ذلك فتنة للتابعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما من أن يجري على لسانه ما لم ينزله الله. وقد يذكر التمني ويراد به القراءة كما قال الشاعر:
تمنى كتاب الله أول ليله
وآخره لاقي حمام المقادر
وقال جماعة من المفسرين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان قومه، وتمنى في نفسه من الله أن يأتيه ما يقارب بينه وبين قومه، فجلس ذات مرة بهم في مجلس كثير أهله، وأحب يومئذ أن يأتيه من الله شيء فقرأ عليهم سورة النجم، فلما بلغ
أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى
[النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترتجى) فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته، فلما ختم السورة سجد في آخرها وسجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها؛ لأنهما كانا شيخين كبيرين لم يستطيعا أن يسجدا.
وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا: قد عرفنا أن آلهتنا تشفع لنا، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد لقد تلوت قومك ما لم آتك به عن الله عز وجل، فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وحزن حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله هذه الآية تطيب نفس محمد صلى الله عليه وسلم وتخبره بأن الأنبياء قبله كانوا مثله، ولم يبعث نبيا إلا تمنى أن يؤمن قومه، ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكره من منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك وجاء بغيره.
وقال عطاء عن ابن عباس: (إن شيطانا يقال له الأبيض أتى النبي صلى الله عليه وسلم فألقى في قرآنه: إنها الغرانيق العلى وأن شفاعتها لتترجى، ولم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم، بل سمعه القوم من الشيطان، وكل ذلك فتنة من الله تعالى لعباده المسلمين والمشركين، فالمشركون ازدادوا كفرا بذلك، والمسلمون اشتد عليهم الأمر).
ومعنى الآية: وما أرسلنا من قبلك من رسول وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا وشفاها، ولا نبي وهو الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما، فكل رسول نبي، وليس كل نبي مرسل. قوله تعالى: { إلا إذا تمنى } أي أحب شيئا واشتهاه وحدث نفسه من غير أن يؤمر به { ألقى الشيطان في أمنيته } أي في قراءته وتلاوته، ونظيره قوله تعالى:
لا يعلمون الكتاب إلا أماني
[البقرة: 78] أي قراءة تقرأ عليهم. قال الشاعر في عثمان رضي الله عنه:
تمنى كتاب الله أول ليلة
وآخرها لاقى حمام المقادر
وقال الحسن: (أراد بالغرانيق الملائكة) يعني أن شفاعتهم ترتجى منهم لا من الأصنام. قوله تعالى: { فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي يبطله ويزيله ثم يحكم الله آياته فيثبتها، { والله عليم }؛ بمصالح عباده، { حكيم }؛ في تدبيره.
الحج 22:53
قوله تعالى: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض }؛ أي ليجعل ما يلقي الشيطان في قراءته فتنة للذين في قلوبهم شك ونفاق؛ لأنهم افتتنوا بما سمعوا فازدادوا عتوا، وظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول الشيء من عند نفسه فيبطله.
قوله تعالى: { والقاسية قلوبهم }؛ يعني المشركين كذلك ازدادوا فتنة وضلالة وتكذيبا، سماهم قاسية قلوبهم؛ لأنها لا تلين لتوحيد الله، وقوله تعالى: { وإن الظالمين }؛ يعني أهل مكة، { لفي شقاق بعيد }؛ أي مشاقة بعيدة عن الحق.
الحج 22:54
قوله تعالى: { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك }؛ معناه: وليعلم المؤمنون رجوعك إلى الصواب، إن ذلك حق من ربك فتخضع وتذل له قلوبهم. وقيل: معناه: وليعلم الذين أوتوا العلم التوحيد والقرآن.
قال السدي: (التصديق أنه الحق) أي إن نسخ ذلك وإبطاله حق من الله، { فيؤمنوا به }؛ وتصديق النسخ، { فتخبت له قلوبهم }؛ أي ترق قلوبهم للقرآن فينقادوا لأحكامه، بخلاف المشركين الذين قيل: لهم
والقاسية قلوبهم
[الحج: 53].
قوله تعالى: { وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم }؛ فيه بيان أن هذا الايمان والإخبات إنما هو بلطف الله وهدايته إياهم، والمعنى: وإن الله لهاديهم إلى دين يرضاه.
الحج 22:55
قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا في مرية منه }؛ أي في شك من القرآن، { حتى تأتيهم الساعة بغتة }؛ يعني ساعة موتهم، { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم }؛ يعني يوم بدر في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد، سماه الله العقيم الذي لا يأتي بخير. وقيل: يوم القيامة سماه الله عقيما لأنه لا مثال له في عظم أمره.
الحج 22:56
قوله تعالى: { الملك يومئذ لله يحكم بينهم }؛ أي الملك يوم القيامة لله تعالى من غير منازع ولا مدع، لا يظهر الأمر فيه إلا لله تعالى، { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم * والذين كفروا وكذبوا بآيتنا فأولئك لهم عذاب مهين }؛ فيقضي فيه بين المؤمنين والكافرين بإدخال المؤمنين الجنة، وإدخال الكافرين النار.
الحج 22:57
قوله تعالى: { الملك يومئذ لله يحكم بينهم }؛ أي الملك يوم القيامة لله تعالى من غير منازع ولا مدع، لا يظهر الأمر فيه إلا لله تعالى، { فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم * والذين كفروا وكذبوا بآيتنا فأولئك لهم عذاب مهين }؛ فيقضي فيه بين المؤمنين والكافرين بإدخال المؤمنين الجنة، وإدخال الكافرين النار.
الحج 22:58
قوله تعالى: { والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا }؛ معناه: والذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوطانهم في طاعة الله من مكة إلى المدينة، ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وهو نعيم الجنة، { وإن الله لهو خير الرازقين }.
الحج 22:59
قوله تعالى: { ليدخلنهم مدخلا يرضونه }؛ يعني به المنازل التي أعدها الله لهم في الجنة، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، خالدين فيها لا يبغون عنها حولا، قوله تعالى: { وإن الله لعليم }؛ أي عليم بمصالح عباده ونياتهم، { حليم }؛ لا يعجل بعقوبة أعدائه.
الحج 22:60
قوله تعالى: { ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به }؛ الآية؛ أي ذلك الأمر الذي قصصنا عليك، ثم قال { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } ، { ثم بغي عليه لينصرنه الله }؛ نزلت هذه الآية في قوم من المشركين لقوا جماعة من المسلمين فقاتلوهم في الشهر الحرام، فنهاهم المسلمون عن ذلك فأبوا، فلما أبوا قاتلهم المسلمون فنصروا؛ أي ومن عاقب بالقتال بمثل ما عوقب به؛ أي بالقتال في الشهر الحرام ثم بغي على الدافع لينصرنه الله على من بغى عليه، { إن الله لعفو }؛ أي متجاوز عن من فات { غفور }؛ لمن مات على التوبة.
الحج 22:61
قوله تعالى: { ذلك بأن الله يولج الليل في النهار }؛ أي ذلك النصر بأنه القادر على ما يشاء، فمن قدرته أنه يولج الليل في النهار، { ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير }؛ أي سميع لمن دعاه بصير بعباده.
الحج 22:62
قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق }؛ أي ذلك الذي نقلته من نصرة المؤمنين بأن الله ذو الحق في فعله وقدرته، { وأن ما يدعون }؛ المشركون؛ { من دونه هو الباطل }؛ ليس فيه نفع ولا ضرر، { وأن الله هو العلي }؛ على كل شيء بقدرته، { الكبير }؛ الذي يصغر كل شيء سواه.
الحج 22:63
قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة }؛ أي ألم تعلم وتشاهد أن الله أنزل من السماء ماء؛ يعني المطر، فتصبح الأرض ذات خضرة بالنبات، { إن الله لطيف }؛ بأرزاق عباده واستخراج النبات من الأرض، { خبير }؛ بما في قلوب العباد وبما يصلح لهم.
الحج 22:64
قوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض }؛ عبدا وملكا، { وإن الله لهو الغني }؛ عن عباده، { الحميد }؛ إلى أوليائه وأهل طاعته، وقيل: الغني عن إيمان الخلق وطاعتهم، المحمود في أفعاله.
الحج 22:65
قوله تعالى: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض }؛ أي ألم تعلم أن الله ذلل لكم ما في الأرض؛ يعني البهائم التي تركب، وسخر لكم { والفلك }؛ أي السفن؛ { تجري في البحر بأمره }.
قوله تعالى: { ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه }؛ أي حبس عنكم السماء حتى لا تقع عليكم فتهلكوا. قوله تعالى: { إلا بإذنه } أي إلا بإرادته، { إن الله بالناس لرءوف رحيم }؛ أي متفضل على عباده، منعم عليهم.
الحج 22:66
قوله تعالى: { وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم }؛ أي أحياكم في أرحام أمهاتكم، ولم تكونوا شيئا. وقيل: معناه: أحياكم بعد أن كنتم نطفة ميتة، ثم يميتكم بعد إنقضاء آجالكم، ثم يحييكم بعد الموت عند البعث للحساب، { إن الإنسان لكفور }؛ يعني المشرك الجحود لنعم الله حتى ترك توحيده بعد ظهور الآيات الداعية إلى الحق.
الحج 22:67
قوله تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه }؛ أي لكل أهل دين جعلنا شريعة هم عاملون بها، وقيل: موضعا تعتادونه لعبادة الله، ومكانا تعيشونه وتعملون الخير فيه. وقيل: معناه: لكل أمة جعلنا عبرا. وقال قتادة: (موضع قربان يذبحون فيه)، وقيل: المنسك جميع العبادات التي أمر الله بها، كما قال صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى:
" إن أول نسك في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح "
وقيل: أراد بالمنسك في هذه الآية المذبح الذي يتقربون فيه بذبائحهم إلى الله تعالى، كما جعل مكانا منحرا للإنسان؛ لأن النسك إذا أطلق أريد به الذبح من جهة القربة، كما قال
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك
[البقرة: 196].
قوله تعالى: { فلا ينازعنك في الأمر }؛ معناه: النهي عن المنازعة بعد ظهور ما يوجب نسخ الشرائع المتقدمة، كما يقال: لا يخاصمك فلان في هذا الأمر. وقيل: معناه: لا ينازعنك في أمر الذبح، وذلك أن كفار قريش خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أمر الذبيحة؛ وقالوا: ما لكم تأكلون ما قتلتم بأيديكم، ولا تأكلون ما قتله الله؟
قوله تعالى: { وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم }؛ أي أدع إلى دين ربك وطاعته إنك على هدى مستقيم، وقيل: على دلالة ودين مستقيم. { وإن جادلوك }؛ على سبيل المراء والتعنت كما يفعله السفهاء، { فقل الله أعلم بما تعملون }؛ أي إدفعهم بهذا القول، ولا تجادل إلا لتبيين الحق، والمعنى: وإن خاصموك في أمر الذبيحة فقل الله أعلم بما تعملون من التكذيب فهو يجازيكم به، وهذا قبل الأمر بالقتال. وقوله تعالى: { الله يحكم بينكم يوم القيامة }؛ أي يقضي بينكم يوم القيامة، { فيما كنتم فيه تختلفون } من الدين والذبيحة.
الحج 22:68
قوله تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه }؛ أي لكل أهل دين جعلنا شريعة هم عاملون بها، وقيل: موضعا تعتادونه لعبادة الله، ومكانا تعيشونه وتعملون الخير فيه. وقيل: معناه: لكل أمة جعلنا عبرا. وقال قتادة: (موضع قربان يذبحون فيه)، وقيل: المنسك جميع العبادات التي أمر الله بها، كما قال صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى:
" إن أول نسك في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح "
وقيل: أراد بالمنسك في هذه الآية المذبح الذي يتقربون فيه بذبائحهم إلى الله تعالى، كما جعل مكانا منحرا للإنسان؛ لأن النسك إذا أطلق أريد به الذبح من جهة القربة، كما قال
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك
[البقرة: 196].
قوله تعالى: { فلا ينازعنك في الأمر }؛ معناه: النهي عن المنازعة بعد ظهور ما يوجب نسخ الشرائع المتقدمة، كما يقال: لا يخاصمك فلان في هذا الأمر. وقيل: معناه: لا ينازعنك في أمر الذبح، وذلك أن كفار قريش خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أمر الذبيحة؛ وقالوا: ما لكم تأكلون ما قتلتم بأيديكم، ولا تأكلون ما قتله الله؟
قوله تعالى: { وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم }؛ أي أدع إلى دين ربك وطاعته إنك على هدى مستقيم، وقيل: على دلالة ودين مستقيم. { وإن جادلوك }؛ على سبيل المراء والتعنت كما يفعله السفهاء، { فقل الله أعلم بما تعملون }؛ أي إدفعهم بهذا القول، ولا تجادل إلا لتبيين الحق، والمعنى: وإن خاصموك في أمر الذبيحة فقل الله أعلم بما تعملون من التكذيب فهو يجازيكم به، وهذا قبل الأمر بالقتال. وقوله تعالى: { الله يحكم بينكم يوم القيامة }؛ أي يقضي بينكم يوم القيامة، { فيما كنتم فيه تختلفون } من الدين والذبيحة.
الحج 22:69
قوله تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه }؛ أي لكل أهل دين جعلنا شريعة هم عاملون بها، وقيل: موضعا تعتادونه لعبادة الله، ومكانا تعيشونه وتعملون الخير فيه. وقيل: معناه: لكل أمة جعلنا عبرا. وقال قتادة: (موضع قربان يذبحون فيه)، وقيل: المنسك جميع العبادات التي أمر الله بها، كما قال صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى:
" إن أول نسك في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح "
وقيل: أراد بالمنسك في هذه الآية المذبح الذي يتقربون فيه بذبائحهم إلى الله تعالى، كما جعل مكانا منحرا للإنسان؛ لأن النسك إذا أطلق أريد به الذبح من جهة القربة، كما قال
ففدية من صيام أو صدقة أو نسك
[البقرة: 196].
قوله تعالى: { فلا ينازعنك في الأمر }؛ معناه: النهي عن المنازعة بعد ظهور ما يوجب نسخ الشرائع المتقدمة، كما يقال: لا يخاصمك فلان في هذا الأمر. وقيل: معناه: لا ينازعنك في أمر الذبح، وذلك أن كفار قريش خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أمر الذبيحة؛ وقالوا: ما لكم تأكلون ما قتلتم بأيديكم، ولا تأكلون ما قتله الله؟
قوله تعالى: { وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم }؛ أي أدع إلى دين ربك وطاعته إنك على هدى مستقيم، وقيل: على دلالة ودين مستقيم. { وإن جادلوك }؛ على سبيل المراء والتعنت كما يفعله السفهاء، { فقل الله أعلم بما تعملون }؛ أي إدفعهم بهذا القول، ولا تجادل إلا لتبيين الحق، والمعنى: وإن خاصموك في أمر الذبيحة فقل الله أعلم بما تعملون من التكذيب فهو يجازيكم به، وهذا قبل الأمر بالقتال. وقوله تعالى: { الله يحكم بينكم يوم القيامة }؛ أي يقضي بينكم يوم القيامة، { فيما كنتم فيه تختلفون } من الدين والذبيحة.
الحج 22:70
قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله يعلم ما في السمآء والأرض }؛ أي قد علمت وأيقنت ذلك، وهذا استفهام يراد به التقرير، وقيل: معناه: ألم تعلم يا محمد أن الله يعلم أعمال أهل السماء والأرض وأسرارهم؟ { إن ذلك في كتاب }؛ يعني ما يجري في السماء والأرض، كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، { إن ذلك على الله يسير }؛ أي أن علم الله بجميع ذلك عليه يسير سهل.
الحج 22:71
قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم }؛ معناه: ويعبدون من دونه الأصنام ما لم ينزل به كتابا ولا حجة، وما ليس لهم به علم أنها آلهة، { وما للظالمين من نصير }؛ أي وما للمشركين من مانع يمنع عذابا عنهم، نزلت هذه الآية في أهل مكة.
الحج 22:72
قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر }؛ أي وإذا يقرأ عليهم القرآن تعرف في وجوههم الإنكار للقرآن من الكراهة والعبوس، { يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آيتنا }؛ أي يكادون يسطون بالمؤمنين ليردوهم. وقيل: معناه: يكادون يقعون بمحمد صلى الله عليه وسلم من شدة الغيظ. وقيل: يكادون يسطون إلى المؤمنين أيديهم بالسوء. يقال: سطا فلان على فلان إذا تناوله بالسطو والعنف، وأخذه بالشدة والإخافة.
قوله تعالى: { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم }؛ أي قل يا محمد أفأخبركم بشر عليكم من غيظكم على التالي لآيات الله وهو { النار وعدها الله الذين كفروا }؛ يصيرون إليها، { وبئس المصير }؛ وقيل: إن الكفار قالوا: والله ما رأينا قوما أقل حظا منكم يا أصحاب محمد، قال الله تعالى: قل يا محمد: أفأخبركم بشر من ذلكم؛ أي بشر مما قلتم: النار من دخلها فحاله شر من حالنا.
الحج 22:73
قوله تعالى: { يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له }؛ معناه: يا أهل مكة بين مثل آلهتكم فاستمعوا له: { إن الذين تدعون من دون الله }؛ من الأصنام، { لن يخلقوا }؛ أي لن يقدروا أن يخلقوا، { ذبابا }؛ مع صغره وقلته، { ولو اجتمعوا له }؛ العابد والمعبود على ذلك، وكان لهم ثلاثمائة وستون صنما حول الكعبة.
قوله تعالى: { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه }؛ قال ابن عباس: (كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران والعسل، فيأتي الذباب فيحمله فلا يقدرون أن يستردوه من الذباب). وقال السدي: (كانوا يجعلون للأصنام طعاما، فيقع عليه الذباب فيأكل منه فلا يستطيعون إنقاذه منه) ف { ضعف الطالب }؛ من الأصنام، { والمطلوب }؛ هو الذباب. وقال الضحاك: (معناه ضعف العابد والمعبود). وقيل: معناه: ضعف الذباب الطالب لما يأخذه من الصنم، وضعف المطلوب يعني الصنم. وقيل: ضعف الطالب من هذا الصنم المتقرب إليه، والصنم المطلوب منه ذلك.
وقيل: إن المشركين كانوا خرجوا في عيد لهم بأصنامهم، وقد زينوها باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر، وطيبوها بأنواع الطيب وغشوها بالحلي والحلل، فجاء ذباب فأخذ شطبة من تلك الزينة - أي قطعة - فطار بها في الهواء، فأراهم الله تعالى العبرة في ضعفهم وضعف معبودهم، فلا أحد مما لا يمكنه الاستنقاذ من الضعيف.
الحج 22:74
قوله تعالى: { ما قدروا الله حق قدره }؛ أي ما عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه حيث عدلوا به من لا يقدر أن يخلق ذبابا، أو يستنفذ من ذباب ما ذهب به منه، { إن الله لقوي عزيز }؛ أي قوي على خلقه، عزيز في ملكه، لا يقدر أحد على مغالبته.
الحج 22:75
قوله تعالى: { الله يصطفي من الملائكة رسلا }؛ معناه: الله يختار من الملائكة رسلا يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، { ومن الناس } يعني من النبيين. أخبر الله عز وجل أن الاختيار إليه، ويختار من يشاء ممن خلقه، فيجعلهم رسله وأنبياءه يبعثهم إلى خلقه، فأطيعوهم واحذروا معصيتهم، { إن الله سميع }؛ بمقالتكم، { بصير }؛ بأعمالكم وضمائركم.
الحج 22:76
قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }؛ أي يعلم ما بين أيدي الملائكة ورسله قبل أن يخلقهم، { وما خلفهم } أي ما يكون بعد فنائهم { وإلى الله ترجع الأمور }؛ عواقب الأمور.
الحج 22:77
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا }؛ أي صلوا، قوله تعالى: { واعبدوا ربكم }؛ أي بجميع العبادات، { وافعلوا الخير }؛ من أنواع البر مثل صلة الرحم، وبر الوالدين، ومكارم الأخلاق، { لعلكم تفلحون }؛ روي أنهم كانوا في أول الإسلام يسجدون بغير ركوع، حتى نزلت هذه الآية.
الحج 22:78
قوله تعالى: { وجاهدوا في الله حق جهاده }؛ أي جاهدوا المشركين بحسب الطاقة واستفراغها، ولا تخافوا في الله لومة لائم، وقال بعض المفسرين: معناه: اعبدوا الله حق عبادته وأطيعوه حق طاعته. قال السدي: (هو أن يطاع فلا يعصى) وقال مقاتل: (نسختها آية التغابن
فاتقوا الله ما استطعتم
[التغابن: 16])، وقيل: هو مجاهدة النفس والهوى، وذلك حق الجهاد وهو الجهاد الأكبر.
وقال بعضهم: هو حق الجهاد؛ لما
" روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين رجع من بعض غزواته: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " "
وقال بعضهم: في حق الجهاد أنه
" كلمة عدل عند سلطان جائر "
وقال الحسن: (هو أن تؤدي جميع ما أمرك الله به، وتجتنب جميع ما نهاك الله عنه، وتترك رغبة الدنيا). وقال الضحاك: (معناه: جاهدوا بالسيف من كفر بالله، وإن كانوا الآباء والأبناء).
قوله تعالى: { هو اجتباكم }؛ أي اختاركم لدينه وجهاد أعدائه، والاجتباء: هو اختيار الشيء بما فيه من الصلاح، يقال: الحق يجتبى، والباطل يتقى. قوله تعالى: { وما جعل عليكم في الدين من حرج }؛ أي ما جعل عليكم في شرائع دينكم من ضيق، وذلك أنه ما يتخلص منه بالتوبة، وما يتخلص منه برد المظلمة، ويتخلص منه بالقصاص، وليس في دين الإسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من العقاب به، بل من أذنب ذنبا جعل الله له مخرجا منه بالتوبة والكفارات، ولم يبق في ضيق ذلك الذنب. وقال مجاهد: (يعني الرخص عند الضرورات كالقصر؛ والتيمم؛ وأكل الميتة؛ والإفطار عند المرض والسفر).
قوله تعالى: { ملة أبيكم إبراهيم }؛ أي إلزموا واتبعوا ملته، وقيل: معناه: وسع عليكم في الدين كملة أبيكم إبراهيم، إلا أنه لما حذف حرف الجر نصب الملة، وإنما أمر باتباع ملة إبراهيم؛ لأنها داخلة في ملة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وإنما قال: (أبيكم إبراهيم) وإن لم يكن جميعهم من نسبه؛ لأن حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على الولد، وحقه كحق الوالد، كما قال تعالى:
وأزواجه أمهاتهم
[الأحزاب: 6].
قوله تعالى: { هو سماكم المسلمين من قبل }؛ نزول القرآن، { وفي هذا }؛ القرآن، كما روي أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم: يبعث بعدك نبي فيكون قومه مسلمين. وقيل: معناه: إن إبراهيم سماكم المسلمين، كما قال في دعائه
ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك
[البقرة: 128].
قوله تعالى: { ليكون الرسول شهيدا عليكم }؛ أي ليكون محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم يوم القيامة بطاعة من أطاع في تبليغه، وعصيان من عصى، { وتكونوا شهدآء على الناس }؛ أن الرسل بلغتهم.
قوله تعالى: { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }؛ أي أدوهما كما وجبتا. قوله تعالى: { واعتصموا بالله }؛ أي واعتصموا بدين الله وتمسكوا به. وقيل: معناه: اتقوا بالله وتوكلوا عليه، { هو مولاكم }؛ أي هو ربكم وحافظكم، { فنعم المولى ونعم النصير }؛ أي فنعم الحافظ لكم، ونعم الناصر.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من قرأ سورة الحج؛ أعطي من أجر حجة وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما يبقى ".
المؤمنون 23:1
{ قد أفلح المؤمنون }؛ أي فاز ونجا وسعد المصدقون بالله ورسوله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لما خلق الله جنة عدن، فيها ما لا عين رأت؛ ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر، قال لها: تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون - ثلاثا - ثم قالت: أنا حرام على كل بخيل ومراء "
قرأ طلحة بن مصرف: (قد أفلح المؤمنون) على المجهول؛ أي أبقوا في الثواب، وحرف (قد) في اللغة لتزيين الكلام وتحسينه، وقيل: لتقريب الحالة الماضية الى الحالة الآتية، فدل على أن فلاحهم قد حصل وهم عليه في الحال، وهو أبلغ في الصفة من تجريد ذكر الفعل، والفلاح هو البقاء والنجاح.
المؤمنون 23:2
قوله تعالى: { الذين هم في صلاتهم خاشعون }؛ أي متواضعون خائفون، ويقال: ساكنون بالقلب والجوارح فلا يلتفتون يمينا ولا شمالا، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
" أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: " ولو خشع قلبه لخشعت جوارحه " "
، وعنه صلى الله عليه وسلم:
" أنه كان إذا وقف في الصلاة رفع بصره نحو السماء، فلما نزلت هذه الآية جعل نظره إلى موضع سجوده "
وحقيقة الخشوع: هو جمع الهمة لتدبر الأفعال والأذكار.
وعن الحسن أنه قال: (إن الخاشعين هم الذين لا يرفعون أيديهم في الصلاة إلا في التكبيرة الأولى) وقال ابن عباس: (معنى قوله تعالى: { خاشعون } أي أذلاء)، وقال مجاهد: (الخشوع هو غض البصر وخفض الجناح). وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يخاف الرحمن أن يسند بصره إلى شيء، وأن يحدث نفسه بشيء من الدنيا. وقال عمرو بن دينار: (ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة).
وقال عطاء: (هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة)، وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه، فلا يحركن الحصى "
وقيل: نظر الحسن إلى رجل يعبث ويقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقال له الحسن: (بئس الخاطب أنت، تخطب وأنت تعبث). وقال قتادة: (الخشوع هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة). وقال بعضهم: (هو جمع الهمة لها والإعراض عما سواها).
المؤمنون 23:3
قوله تعالى: { والذين هم عن اللغو معرضون }؛ قال الحسن: (معناه: عن المعاصي معرضون)، وقال الزجاج: (اللغو هو كل باطل ولهو ولعب وهزل). وقيل: اللغو الذي يعرضون عنه: هو كل ما لا فائدة فيه، ومنه قوله تعالى:
وإذا مروا باللغو مروا كراما
[الفرقان: 72] أي شغلهم الجد فيما أمرهم الله به عن كل باطل ولهو ولعب، وعن كل ما لا فائدة فيه من قول وفعل. وقال مقاتل: اللغو (هو الشتم والأذى).
المؤمنون 23:4
قوله تعالى: { والذين هم للزكاة فاعلون }؛ أي مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل لأنه فعل. قال ابن عباس: (يعني به الصدقة الواجبة)، وقيل: معناه: والذين هم للعمل الصالح فاعلون، ويدخل في هذا كل فعل يذكر به الإنسان ويحمد عليه، كما يقال: ما أعطى الله أحدا نعمة إلا أوجب عليه فيها زكاة، فزكاة العلم نشره وتعليمه، وزكاة الجاه إعانة الملهوف.
المؤمنون 23:5
قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون }؛ أي يحفظونها عن الحرام، ويغضون البصر عما لا يحل لهم. قوله تعالى: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين }؛ أي يلامون في إطلاق ما حرم عليهم إلا على أزواجهم وإمائهم فإنهم لا يلامون فيه. قال مجاهد: (يفرض على الرجل حفظ فرجه إلا من امرأته وأمته، فإنه لا يلام على ذلك).
المؤمنون 23:6
قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون }؛ أي يحفظونها عن الحرام، ويغضون البصر عما لا يحل لهم. قوله تعالى: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين }؛ أي يلامون في إطلاق ما حرم عليهم إلا على أزواجهم وإمائهم فإنهم لا يلامون فيه. قال مجاهد: (يفرض على الرجل حفظ فرجه إلا من امرأته وأمته، فإنه لا يلام على ذلك).
المؤمنون 23:7
قوله تعالى: { فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون }؛ أي من طلب للوطئ طريقا سوى ما أحل الله من النساء الأربع أو ما ملكت أيمانهم فأولئك هم المجاوزون من الحلال إلى الحرام، فمن زنى فهو عاد.
المؤمنون 23:8
قوله تعالى: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون }؛ أي الذين هم لما ائتمنوا عليه فيما بينهم وبين الله وبين الناس حافظون حتى يؤدوه على وجهه. والرعي: هو القيام على إصلاح ما يتولاه، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته "
، وقال الله تعالى
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها
[النساء: 58]. وقرأ ابن كثير: (لأمانتهم) بالتوحيد لأنه مصدر واسم جنس فيقع على الكثير، والأمانة قد تكون بين العبيد، كالودائع وأشباهها، وتكون بين الله وعبيده كالصيام والاغتسال من الجنابة والصلاة، فيجب على المؤمنين الوفاء بجميع حقوق الأمانات. قوله تعالى: { وعهدهم راعون } يشتمل على طاعة الله تعالى التي يجب الوفاء بها، وعلى جميع العقود والأيمان والنذور.
المؤمنون 23:9
قوله تعالى: { والذين هم على صلواتهم يحافظون }؛ أي يواظبون على الصلوات، ويجتهدون في أوقاتها المداومون فيها بفرائضها وسننها وآدابها.
المؤمنون 23:10
قوله تعالى: { أولئك هم الوارثون }؛ أي أهل هذه الصفات التي ذكرها الله من أول هذه السورة إلى هاهنا هم الوارثون الذين يرثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة التي كانت لهم لو أطاعوا الله ورسوله. قال صلى الله عليه وسلم:
" ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله ".
المؤمنون 23:11
قوله تعالى: { الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون }؛ الفردوس في اللغة: هو البستان الجامع لمحاسن أجناس الكروم وغيرها. وقال عكرمة: (الفردوس هو الجنة بلغة الحبشة).
وفي الحديث:
" أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، فقالت أمه: يا رسول الله إن كان ابني من أهل الجنة لم أبك عليه، وإن كان من أهل النار بالغت في البكاء عليه، فقال: " يا أم حارثة! إن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى من الجنة " ".
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" " لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة " ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } إلى آخر الآيات العشر "
وقال مجاهد: (من حفظ العشر من سورة المؤمنين ورث الفردوس). قال ابن عباس: (الفردوس خير الجنان)، وقال صلى الله عليه وسلم:
" " إن الله غرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي وجلالي؛ لا يدخلها مدمن خمر وديوث " قالوا: ما الديوث يا رسول الله؟ قال: " الذي يرضى الفواحش لأهله " ".
المؤمنون 23:12
قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين }؛ أي خلقنا آدم من سلالة سلت من طين، والسلالة: ما سل من الشيء؛ أي نزع واستخرج منه، يقال للنطفة: سلالة، والولد سليل وسلالة. قال مجاهد: (السلالة مني بني آدم)، وقال عكرمة: (هو الماء سل من الظهر سلا)، والمراد بالانسان ولد آدم، وهو اسم جنس يقع على الجميع. والمعنى: خلقنا ابن آدم من سلالة من طين؛ أي من صفوة ماء آدم الذي هو من طين.
المؤمنون 23:13
قوله تعالى: { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين }؛ ثم خلقنا ولد آدم من نطفة في موضع حرير يعني الرحم، مكن فيه الماء بأن هيأ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمره الذي جعل له. وإنما سمي المني سلالة؛ لأنه سل من أصلاب الرجل وترائب النساء، ثم يكون قراره في أرحام الأمهات.
المؤمنون 23:14
قوله تعالى: { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة }؛ أي صيرنا النطفة دما منعقدا، ثم صيرنا الدم لحما بلا عظم، والمضغة: هي القطعة الصغيرة من اللحم. وقوله تعالى: { فخلقنا المضغة عظاما }؛ أي حولنا المضغة عظاما، { فكسونا العظام لحما }؛ أي ثم ألبسنا العظام لحما؛ ليكون أبهى في النظر وليكون اللحم وقاية للعظم. وقرأ ابن عامر: (فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما).
قوله تعالى: { ثم أنشأناه خلقا آخر }؛ بأن جعلنا فيه الروح بعد أن لم يكن، ثم جعلناه ذكرا أو أنثى إلى أن أعطيناه الفهم والتمييز ليأخذ ثدي أمه عند الحاجة فيرتضع ويشتكي إذا تضرر بشيء. وقال مجاهد: (معنى قوله: { ثم أنشأناه خلقا آخر } يعني سوينا شبابه). وقال قتادة: (يعني أنبتنا شعره وأسنانه). وقيل: معناه: أعطيناه العقل والقوة والفهم، وربيناه حالا بعد حال إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد.
وقيل: إذا اجتمع الماء المتخلق منه الولد، فأول الحالات أن يزيد، ثم يستحيل ذلك الماء علقة، وهو دم غبيط، ثم يصير مضغة، وفي تلك الحالة تظهر الأعضاء النفيسة كالقلب والدماغ والكبد، فالقلب أول عضو مكون ثم الدماغ ثم الكبد، ثم ينحى بعضها عن بعض، وتخطط الأطراف، ثم يصير لحما على عظام، وعظام البدن مائتان وأربعون عظما، فإذا نفخ فيه الروح لأربعة أشهر انقسم دم الحيض ثلاثة أقسام: قسم يتغذى به الولد، وقسم يحتبس إلى النفاس، وقسم يصعد إلى الثدي.
وإنما ينفخ الروح في الجنين لأربعة أشهر؛ لأنه يكون نطفة أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم يصير مضغة أربعين يوما، ثم ينفخ فيه الروح. ويكون الولد في بطن أمه معتمدا على رجليه وراحة يديه على ركبتيه وظهره إلى وجه الأم، ووجهه إلى ظهرها حتى لا تتأذى الأم بنفسه.
وإنما خلق الله عينيه في رأسه لتكون مشرفة على جميع الأعضاء في الجهات كلها، كالطليعة للعسكر، وأصلح المواضع للطلائع المكان المشرف، وجعلهما في كهفين حراسة لهما وتوفيرا لضوئهما، وجعل لهما الهدب ليدفع ما نظر إليهما.
وخلق الله الأنف لينحصر فيه الهواء المستنشق لترويح الرئة والدماغ. وخلق الفم وعاء لجميع الكلام، وخلق اللسان آلة للنطق، ولتقليب الطعام الممضوغ، والمضغ يكون في جانبي الفم حراسة لأداة النطق. وخلق الشفتين غطاء للفم والأسنان، ويحجب اللعاب، ومعينا على الكلام، وجمالا في الصورة، والأسنان تقطع؛ والأنياب تكسر؛ والأضراس تطحن. وخص الفك الأسفل بالتحريك؛ لأن تحريك الأخف أحسن، لأن الأعلى يشتمل على الأعضاء الشريفة فلم يخاطرها في الحركة؛ لأن الحركة تضعفها. وجعل ماء الأذن مرا لئلا يقيم فيه الهوام، فإذا دخل الأذن دابة لم يكن لها هم إلا الخروج. وجعل ماء العين مالحا لئلا يذوب، وجعل ماء الفم عذبا ليطيب طعم الطعام.
وخلق الله الأصابع آلة لعمل الأشياء كالكتابة والصناعة والخياطة، وجعلها على الكف لتحفظ ما يجعل فيها، ولم يخلق الأصابع خالية من العظام لتكون أفعالها قوية، ولم يجعل عظامها مجوفة لتكون أقوى على القبض والحركات. وجعل القلب في وسط الصدر لأنه أعدل الأماكن وقد ميل قليلا إلى اليسار ليبعد عن الكبد، والرئة، وغطاء للقلب ووقاية له، وهو بيت النفس ومنزل الفرح. وخلق الله الأمعاء كثيرة التلافيف ليطول ستر الغذاء، فلا يحتاج الإنسان إلى الغذاء في كل وقت، وخلق الله القدم أخمص ليمسك الماشي في الدرج.
قوله تعالى: { فتبارك الله أحسن الخالقين }؛ أي المصورين المحولين من حال إلى حال، ومعنى قوله { فتبارك الله } أي استحق التعظيم والثناء، وقيل: دام لم يزل ولا يزال. وقوله تعالى: { أحسن الخالقين } لا يقتضي أن يكون معه خالق آخر كما قال
أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا
[الفرقان: 24]، ويقال: { أحسن الخالقين } أي أحسن المقدرين، فإن الخلق هو التقدير كما قال تعالى مخبرا عن عيسى عليه السلام
أني أخلق لكم من الطين
[آل عمران: 49] أي أقدر لكم من الطير.
قال ابن عباس: (كان عبدالله بن شريح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأملى عليه هذه الآية، فلما بلغ إلى قوله { آخر } خطر بباله { فتبارك الله أحسن الخالقين } ، فلما أملاها عليه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، قال عبدالله: إن محمدا نبي يوحى إليه، وأنا نبي يوحى إلي. فلحق بمكة فمات كافرا).
المؤمنون 23:15
قوله تعالى: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون }؛ أي بعد الحياة والخلق الحسن والصورة الحسنة ميتون عند انقضاء آجالكم. قرأ أشهب العقيلي: (لمائتون) بالألف، والميت والمائت الذي لم تفارقه الروح وهو سيموت، والميت بالتخفيف الذي فارقه الروح، فلذلك لم يخفف كقول
إنك ميت وإنهم ميتون
[الزمر: 30]. قوله تعالى: { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون }؛ يعني من قبوركم للجزاء والحساب.
المؤمنون 23:16
قوله تعالى: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون }؛ أي بعد الحياة والخلق الحسن والصورة الحسنة ميتون عند انقضاء آجالكم. قرأ أشهب العقيلي: (لمائتون) بالألف، والميت والمائت الذي لم تفارقه الروح وهو سيموت، والميت بالتخفيف الذي فارقه الروح، فلذلك لم يخفف كقول
إنك ميت وإنهم ميتون
[الزمر: 30]. قوله تعالى: { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون }؛ يعني من قبوركم للجزاء والحساب.
المؤمنون 23:17
قوله تعالى: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق }؛ أي سبع سماوات، سميت طرائق؛ لأن كل شيء فوق شيء فهو طريقة، يقال: طارقت نعلي إذا جعلت جلدا فوق جلد. ويقال: سميت طرائق لأنها طرق الملائكة. قوله تعالى: { وما كنا عن الخلق غافلين }؛ أي وما كنا عن حفظ السماوات، وعن إنزال المطر على العباد وقت الحاجة غافلين، ولو جازت الغفلة لسقطت السماوات بعضها على بعض.
المؤمنون 23:18
قوله تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكنه في الأرض }؛ أي أنزلنا المطر من السماء بقدر الحاجة إليه؛ أي بقدر ما يكفيهم للمعيشة، وقيل: بقدر يعلمه الله. قوله تعالى: { فأسكنه في الأرض } أي جعلنا سكناه ومستقره في الأرض مثل العيون والغدران والركايا. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" أنزل الله من الجنة خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل. وذلك قوله { فأسكنه في الأرض }. فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر الأسود وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: { وإنا على ذهاب به لقدرون }؛ فإذا رفعت هذه الأشياء فقد أهلها خير الدين والدنيا ".
المؤمنون 23:19
قوله تعالى: { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب }؛ أي أخرجنا لكم بذلك المطر بساتين من نخيل وكروم، وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الثمار، وقوله تعالى: { لكم فيها فواكه كثيرة }؛ سوى النخيل والأعناب، { ومنها تأكلون }؛ بإباحة الله لكم تأكلونها صيفا وشتاء.
المؤمنون 23:20
قوله تعالى: { وشجرة تخرج من طور سينآء }؛ أي وأنبتنا بذلك المطر شجرة وهي الزيتونة تخرج من جبل سيناء للبركة، كأنه قال: من جبل البركة. وقرئ (طور سيناء) بفتح السين. واختلفوا في المراد بالطور، قال بعضهم: هذا الجبل الذي نادى موسى ربه عنده. يقال: إن أصل شجرة الزيتون من ذلك الجبل؛ أي أول ما غرست فيه. وقال بعضهم: هو جبل بالشام كثير الأشجار والأثمار. وقيل عن الزيتونة: أول شجرة نبتت في الأرض بعد الطوفان. قوله تعالى: { تنبت بالدهن وصبغ للآكلين }؛ قرأ أكثر القراء (تنبت) بفتح التاء وضم الباء؛ أي تنبت بثمار الدهن يعني الزيت. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء، ومعناه معنى الأول. والباء في قوله تعالى (بالدهن) للتعدي، يقال: أنبته ونبت به، ونبت الشيء وأنبت بمعنى واحد، قال الشاعر:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم
قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل
ويجوز أن تكون الباء زائدة على قراءة من ضم التاء، كقوله
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
[البقرة: 195]. قوله تعالى: { وصبغ للآكلين } يعني الإدام، لأن الزيت إدام يصبغ به الخبز، يقال: صبغ وصباغ كما يقال: لبس ولباس.
المؤمنون 23:21
قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة }؛ أي لعظة ودلالة على وحدانيتنا لو اعتبرتم واستدللتم، { نسقيكم مما في بطونها } يعني اللبن، { ولكم فيها منافع كثيرة }؛ من الأولاد والأوتار والأصواف والأشعار والركوب على الإبل، { ومنها تأكلون }؛ يعني لحومها.
المؤمنون 23:22
قوله تعالى: { وعليها وعلى الفلك تحملون }؛ أي تحملون على الإبل في البر وعلى السفن في البحر، وهذا كقوله تعالى
وحملناهم في البر والبحر
[الاسراء: 70] يقال: إن الله تعالى جعل للناس مركبين، مركبا لينا لسير البر، ومركبا يابسا لسير البحر.
المؤمنون 23:23
قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }؛ أي أرسلناه إليهم ليدعوهم إلى عبادتنا، { فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عبادة غيره. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه }؛ أي الأشراف منهم والرؤساء قالوا لسفائهم: { ما هذا }؛ الذي يدعوكم إلى التوحيد، { إلا بشر مثلكم }؛ أي آدمي مثلكم، { يريد أن يتفضل عليكم }؛ أي يتقدم عليكم بدعوى النبوة ليكون له الفضل عليكم فتكونوا له تبعا، { ولو شآء الله }؛ أن يرسل إلينا رسولا من عنده، { لأنزل }؛ أي لأرسل { ملائكة }؛ من عنده، { ما سمعنا بهذا }؛ بمثل هذه الدعوة، { في آبآئنا الأولين }؛ ولا أرسل إليهم بشرا، { إن هو إلا رجل به جنة }؛ أي قالوا: ما نوح إلا رجل به جنون، { فتربصوا به حتى حين }؛ أي فانتظروا حتى يموت فنستريح منه.
فلما يئس من إيمانهم؛ { قال رب انصرني بما كذبون }؛ أي أعني عليهم بتكذيبهم إياي وجحودهم نبوتي، والمعنى: انصرني عليهم بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم.
المؤمنون 23:24
قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }؛ أي أرسلناه إليهم ليدعوهم إلى عبادتنا، { فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عبادة غيره. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه }؛ أي الأشراف منهم والرؤساء قالوا لسفائهم: { ما هذا }؛ الذي يدعوكم إلى التوحيد، { إلا بشر مثلكم }؛ أي آدمي مثلكم، { يريد أن يتفضل عليكم }؛ أي يتقدم عليكم بدعوى النبوة ليكون له الفضل عليكم فتكونوا له تبعا، { ولو شآء الله }؛ أن يرسل إلينا رسولا من عنده، { لأنزل }؛ أي لأرسل { ملائكة }؛ من عنده، { ما سمعنا بهذا }؛ بمثل هذه الدعوة، { في آبآئنا الأولين }؛ ولا أرسل إليهم بشرا، { إن هو إلا رجل به جنة }؛ أي قالوا: ما نوح إلا رجل به جنون، { فتربصوا به حتى حين }؛ أي فانتظروا حتى يموت فنستريح منه.
فلما يئس من إيمانهم؛ { قال رب انصرني بما كذبون }؛ أي أعني عليهم بتكذيبهم إياي وجحودهم نبوتي، والمعنى: انصرني عليهم بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم.
المؤمنون 23:25
قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }؛ أي أرسلناه إليهم ليدعوهم إلى عبادتنا، { فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عبادة غيره. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه }؛ أي الأشراف منهم والرؤساء قالوا لسفائهم: { ما هذا }؛ الذي يدعوكم إلى التوحيد، { إلا بشر مثلكم }؛ أي آدمي مثلكم، { يريد أن يتفضل عليكم }؛ أي يتقدم عليكم بدعوى النبوة ليكون له الفضل عليكم فتكونوا له تبعا، { ولو شآء الله }؛ أن يرسل إلينا رسولا من عنده، { لأنزل }؛ أي لأرسل { ملائكة }؛ من عنده، { ما سمعنا بهذا }؛ بمثل هذه الدعوة، { في آبآئنا الأولين }؛ ولا أرسل إليهم بشرا، { إن هو إلا رجل به جنة }؛ أي قالوا: ما نوح إلا رجل به جنون، { فتربصوا به حتى حين }؛ أي فانتظروا حتى يموت فنستريح منه.
فلما يئس من إيمانهم؛ { قال رب انصرني بما كذبون }؛ أي أعني عليهم بتكذيبهم إياي وجحودهم نبوتي، والمعنى: انصرني عليهم بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم.
المؤمنون 23:26
قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }؛ أي أرسلناه إليهم ليدعوهم إلى عبادتنا، { فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } عبادة غيره. { فقال الملأ الذين كفروا من قومه }؛ أي الأشراف منهم والرؤساء قالوا لسفائهم: { ما هذا }؛ الذي يدعوكم إلى التوحيد، { إلا بشر مثلكم }؛ أي آدمي مثلكم، { يريد أن يتفضل عليكم }؛ أي يتقدم عليكم بدعوى النبوة ليكون له الفضل عليكم فتكونوا له تبعا، { ولو شآء الله }؛ أن يرسل إلينا رسولا من عنده، { لأنزل }؛ أي لأرسل { ملائكة }؛ من عنده، { ما سمعنا بهذا }؛ بمثل هذه الدعوة، { في آبآئنا الأولين }؛ ولا أرسل إليهم بشرا، { إن هو إلا رجل به جنة }؛ أي قالوا: ما نوح إلا رجل به جنون، { فتربصوا به حتى حين }؛ أي فانتظروا حتى يموت فنستريح منه.
فلما يئس من إيمانهم؛ { قال رب انصرني بما كذبون }؛ أي أعني عليهم بتكذيبهم إياي وجحودهم نبوتي، والمعنى: انصرني عليهم بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم.
المؤمنون 23:27
قوله تعالى: { فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا }؛ أي وأرسلنا إليه جبريل أن يعلمه صنعة الفلك ليصنعها بمرأى منا، { فإذا جآء أمرنا }؛ بنجاتك وإهلاكهم، { وفار التنور }؛ ونبع الماء من تنور الخسارة. وعن علي رضي الله عنه: (أن معنى قوله { وفار التنور } أي طلع الفجر).
قوله تعالى: { فاسلك فيها من كل زوجين اثنين }؛ أي احمل في السفينة من كل ذكر وأنثى، كما روي أن الله تعالى حشر إليه جميع الحيوانات حتى أخذ من كل جنس زوجا، ويقرأ (من كل زوجين) بالتنوين، فعلى هذه القراءة يكون الفعل واقعا على زوجين، وأما على القراءة الثانية فالفعل واقع على اثنين.
قوله تعالى: { وأهلك }؛ معناه: واحمل فيها أهلك، { إلا من سبق عليه القول }؛ أي إلا من حق عليه العذاب { منهم } ، لكفره وهو ابنه كنعان وامرأته وأهله. قوله تعالى: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا }؛ أي لا تسألني نجاة الذين ظلموا من أهلك، { إنهم مغرقون }؛ مع الأجانب.
المؤمنون 23:28
قوله تعالى: { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك }؛ أي إذا اعتدلت في السفينة راكبا واستقر بك ولمن معك الفلك في الماء، { فقل الحمد لله }؛ أي أحمد الله، { الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلني منزلا مباركا }؛ أي أنزلني من السفينة موضعا مباركا. وقال بعضهم: أراد به الإنزال في السفينة وهو الأقرب؛ لأنه إنما أمر بهذا الدعاء في حال استوائه على السفينة، فاقتضى أن السفينة هي المنزل دون منزل آخر.
وقرأ العامة (منزلا) بضم الميم على المصدر؛ أي إنزالا مباركا، وقرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي؛ أي موضعا مباركا، قال مقاتل: (يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا).
وقوله تعالى: { وأنت خير المنزلين }؛ أي أنت خير المنزلين في الدنيا والآخرة، وهذا اللفظ سنة لكل من أراد أن ينزل منزلا.
المؤمنون 23:29
قوله تعالى: { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك }؛ أي إذا اعتدلت في السفينة راكبا واستقر بك ولمن معك الفلك في الماء، { فقل الحمد لله }؛ أي أحمد الله، { الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلني منزلا مباركا }؛ أي أنزلني من السفينة موضعا مباركا. وقال بعضهم: أراد به الإنزال في السفينة وهو الأقرب؛ لأنه إنما أمر بهذا الدعاء في حال استوائه على السفينة، فاقتضى أن السفينة هي المنزل دون منزل آخر.
وقرأ العامة (منزلا) بضم الميم على المصدر؛ أي إنزالا مباركا، وقرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي؛ أي موضعا مباركا، قال مقاتل: (يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا).
وقوله تعالى: { وأنت خير المنزلين }؛ أي أنت خير المنزلين في الدنيا والآخرة، وهذا اللفظ سنة لكل من أراد أن ينزل منزلا.
المؤمنون 23:30
قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات }؛ معناه: أن في أمر نوح والسفينة وهلاك أعداء الله لدلالات على قدرة الله ووحدانيته، { وإن كنا لمبتلين } أي ما كنا إلا مبتلين بإرسال الرسل إليهم؛ أي مختبرين إياهم كيف نرى طاعة المطيعين ومعصية العاصين.
المؤمنون 23:31
قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين }؛ أي ثم خلقنا من بعد هلاك قوم نوح قوما آخرين يعني: عادا، { فأرسلنا فيهم رسولا منهم }؛ يعني هودا عليه السلام فإن أول نبي بعد نوح هود عليه السلام فقال لهم: { أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون }؛ إلى آخر الآية.
المؤمنون 23:32
قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين }؛ أي ثم خلقنا من بعد هلاك قوم نوح قوما آخرين يعني: عادا، { فأرسلنا فيهم رسولا منهم }؛ يعني هودا عليه السلام فإن أول نبي بعد نوح هود عليه السلام فقال لهم: { أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون }؛ إلى آخر الآية.
المؤمنون 23:33
قوله تعالى: { وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة }؛ أي جحدوا البعث والنشور، { وأترفناهم في الحياة الدنيا }؛ أي متعناهم في الحياة الدنيا وأعطيناهم من نعيم العيش ووسعنا عليهم ونعمناهم؛ أي قال أشراف قوم هود ورؤساؤهم الذين جحدوا بالبعث والنشور ومتعناهم في الحياة الدنيا: { ما هذا }؛ أي ما هو { إلا بشر مثلكم }؛ أي آدمي مثلكم، { يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون }؛ أي يأكل من الطعام الذي تأكلون منه؛ ويشرب من الذي تشربون، فليس هو بأولى بالرسالة منكم.
المؤمنون 23:34
قوله تعالى: { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون }؛ معناه: لئن أطعتم آدميا بشرا مثلكم إنكم إذا لمبعوثون، وهذا القول منهم دليل على غاية جهلهم حيث عبدوا أصناما لا تضر ولا تنفع، ولم يعدوا ذلك خسرانا، والأصنام أجسام مثلهم بل دونهم.
ثم عدوا عبادة الله وطاعته هو خسرانا، قالوا: { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم }؛ أي وصرتم، { ترابا وعظاما }؛ بالية؛ { أنكم مخرجون }؛ أي أن تخرجوا من قبوركم، { هيهات هيهات لما توعدون }؛ أي بعدا بعدا لما تحاولون من البعث بعد الموت، وهذه كلمة استنكار واستبعاد، ويقرأ (هيهات) سبع قراءات بالنصب والكسر والرفع والتنوين وغير التنوين والسكون، فمن نصب جعلها مثل (أين وكيف)، وقيل: لأنها أداة مثل خمسة عشر وبعلبك، ومن رفع جعله مثل (منذ وقط وحيث)، ومن كسر جعله مثل أمس. قال الشاعر:
تذكرت أياما مضين من الصبا
وهيهات هيهاتا إليك رجوعها
وقال آخر:
لقد باعدت أم الحمارس دارها
وهيهات من أم الحمارس هيهاتا هيهات
ومعنى (هيهات) بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو اسم سمي به الفعل، وهو بعد كما قالوا: صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى لا تفعل، وليس له اشتقاق وفيه ضمير مرتفع عائد إلى قوله (مخرجون)، والتقدير (هيهات) أي هو الإخراج، والمعنى: بعد إخراجكم للوعد؛ أي الذي توعدون. قال أبو عمرو: (إذا وقفت فقل هيهاه بالهاء) وقال الفراء: (كان الكسائي يختار الوقف عليها بالهاء، وأنا أختار التاء لأنها ليست هاء التأنيث). وروي أن سيبويه قال: (هي بمنزلة بيضات) يعني في التأنيث، فإذا كان كذلك كان الوقف بالهاء.
المؤمنون 23:35
قوله تعالى: { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون }؛ معناه: لئن أطعتم آدميا بشرا مثلكم إنكم إذا لمبعوثون، وهذا القول منهم دليل على غاية جهلهم حيث عبدوا أصناما لا تضر ولا تنفع، ولم يعدوا ذلك خسرانا، والأصنام أجسام مثلهم بل دونهم.
ثم عدوا عبادة الله وطاعته هو خسرانا، قالوا: { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم }؛ أي وصرتم، { ترابا وعظاما }؛ بالية؛ { أنكم مخرجون }؛ أي أن تخرجوا من قبوركم، { هيهات هيهات لما توعدون }؛ أي بعدا بعدا لما تحاولون من البعث بعد الموت، وهذه كلمة استنكار واستبعاد، ويقرأ (هيهات) سبع قراءات بالنصب والكسر والرفع والتنوين وغير التنوين والسكون، فمن نصب جعلها مثل (أين وكيف)، وقيل: لأنها أداة مثل خمسة عشر وبعلبك، ومن رفع جعله مثل (منذ وقط وحيث)، ومن كسر جعله مثل أمس. قال الشاعر:
تذكرت أياما مضين من الصبا
وهيهات هيهاتا إليك رجوعها
وقال آخر:
لقد باعدت أم الحمارس دارها
وهيهات من أم الحمارس هيهاتا هيهات
ومعنى (هيهات) بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو اسم سمي به الفعل، وهو بعد كما قالوا: صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى لا تفعل، وليس له اشتقاق وفيه ضمير مرتفع عائد إلى قوله (مخرجون)، والتقدير (هيهات) أي هو الإخراج، والمعنى: بعد إخراجكم للوعد؛ أي الذي توعدون. قال أبو عمرو: (إذا وقفت فقل هيهاه بالهاء) وقال الفراء: (كان الكسائي يختار الوقف عليها بالهاء، وأنا أختار التاء لأنها ليست هاء التأنيث). وروي أن سيبويه قال: (هي بمنزلة بيضات) يعني في التأنيث، فإذا كان كذلك كان الوقف بالهاء.
المؤمنون 23:36
قوله تعالى: { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون }؛ معناه: لئن أطعتم آدميا بشرا مثلكم إنكم إذا لمبعوثون، وهذا القول منهم دليل على غاية جهلهم حيث عبدوا أصناما لا تضر ولا تنفع، ولم يعدوا ذلك خسرانا، والأصنام أجسام مثلهم بل دونهم.
ثم عدوا عبادة الله وطاعته هو خسرانا، قالوا: { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم }؛ أي وصرتم، { ترابا وعظاما }؛ بالية؛ { أنكم مخرجون }؛ أي أن تخرجوا من قبوركم، { هيهات هيهات لما توعدون }؛ أي بعدا بعدا لما تحاولون من البعث بعد الموت، وهذه كلمة استنكار واستبعاد، ويقرأ (هيهات) سبع قراءات بالنصب والكسر والرفع والتنوين وغير التنوين والسكون، فمن نصب جعلها مثل (أين وكيف)، وقيل: لأنها أداة مثل خمسة عشر وبعلبك، ومن رفع جعله مثل (منذ وقط وحيث)، ومن كسر جعله مثل أمس. قال الشاعر:
تذكرت أياما مضين من الصبا
وهيهات هيهاتا إليك رجوعها
وقال آخر:
لقد باعدت أم الحمارس دارها
وهيهات من أم الحمارس هيهاتا هيهات
ومعنى (هيهات) بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو اسم سمي به الفعل، وهو بعد كما قالوا: صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى لا تفعل، وليس له اشتقاق وفيه ضمير مرتفع عائد إلى قوله (مخرجون)، والتقدير (هيهات) أي هو الإخراج، والمعنى: بعد إخراجكم للوعد؛ أي الذي توعدون. قال أبو عمرو: (إذا وقفت فقل هيهاه بالهاء) وقال الفراء: (كان الكسائي يختار الوقف عليها بالهاء، وأنا أختار التاء لأنها ليست هاء التأنيث). وروي أن سيبويه قال: (هي بمنزلة بيضات) يعني في التأنيث، فإذا كان كذلك كان الوقف بالهاء.
المؤمنون 23:37
قوله تعالى: { إن هي إلا حياتنا الدنيا }؛ أي قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، { نموت ونحيا }؛ أي يموت قوم ويحيا قوم آخرون، { وما نحن بمبعوثين }؛ بعد الموت. قوله تعالى: { إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا }؛ أي قالوا: ما هود إلا رجل اختلق على الله كذبا بأنه رسول إلينا، وأنا نبعث، { وما نحن له بمؤمنين }؛ أي بمصدقين فيما يقول.
المؤمنون 23:38
قوله تعالى: { إن هي إلا حياتنا الدنيا }؛ أي قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، { نموت ونحيا }؛ أي يموت قوم ويحيا قوم آخرون، { وما نحن بمبعوثين }؛ بعد الموت. قوله تعالى: { إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا }؛ أي قالوا: ما هود إلا رجل اختلق على الله كذبا بأنه رسول إلينا، وأنا نبعث، { وما نحن له بمؤمنين }؛ أي بمصدقين فيما يقول.
المؤمنون 23:39
قوله تعالى: { قال رب انصرني بما كذبون }؛ أي قال هود: رب أعني عليهم بتكذيبهم إياي، { قال }؛ الله: { عما قليل }؛ على تكذيبهم أي عما قليل من الزمان والوقت، يعني عند الموت وعند نزول العذاب بهم، { ليصبحن نادمين }؛ على الكفر والتكذيب، { فأخذتهم الصيحة بالحق }؛ أي صاح بهم جبريل صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم. قوله تعالى: { بالحق } أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم.
قوله تعالى: { فجعلناهم غثآء }؛ أي صيرناهم بعد الهلاك كغثاء السيل، وهو ما يكون على وجه السيل من القصب والحطب والحشيش والأشجار اليابسة المتبقية البالية، إذا جرى السيل رأيت ذلك مخالطا زبد السيل، والمعنى: صيرناهم هلكا فيبسوا كما يبس الغثاء من نبت الأرض. وقوله تعالى: { فبعدا للقوم الظالمين }؛ أي بعدا من رحمة الله للقوم الكافرين.
المؤمنون 23:40
قوله تعالى: { قال رب انصرني بما كذبون }؛ أي قال هود: رب أعني عليهم بتكذيبهم إياي، { قال }؛ الله: { عما قليل }؛ على تكذيبهم أي عما قليل من الزمان والوقت، يعني عند الموت وعند نزول العذاب بهم، { ليصبحن نادمين }؛ على الكفر والتكذيب، { فأخذتهم الصيحة بالحق }؛ أي صاح بهم جبريل صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم. قوله تعالى: { بالحق } أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم.
قوله تعالى: { فجعلناهم غثآء }؛ أي صيرناهم بعد الهلاك كغثاء السيل، وهو ما يكون على وجه السيل من القصب والحطب والحشيش والأشجار اليابسة المتبقية البالية، إذا جرى السيل رأيت ذلك مخالطا زبد السيل، والمعنى: صيرناهم هلكا فيبسوا كما يبس الغثاء من نبت الأرض. وقوله تعالى: { فبعدا للقوم الظالمين }؛ أي بعدا من رحمة الله للقوم الكافرين.
المؤمنون 23:41
قوله تعالى: { قال رب انصرني بما كذبون }؛ أي قال هود: رب أعني عليهم بتكذيبهم إياي، { قال }؛ الله: { عما قليل }؛ على تكذيبهم أي عما قليل من الزمان والوقت، يعني عند الموت وعند نزول العذاب بهم، { ليصبحن نادمين }؛ على الكفر والتكذيب، { فأخذتهم الصيحة بالحق }؛ أي صاح بهم جبريل صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم. قوله تعالى: { بالحق } أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم.
قوله تعالى: { فجعلناهم غثآء }؛ أي صيرناهم بعد الهلاك كغثاء السيل، وهو ما يكون على وجه السيل من القصب والحطب والحشيش والأشجار اليابسة المتبقية البالية، إذا جرى السيل رأيت ذلك مخالطا زبد السيل، والمعنى: صيرناهم هلكا فيبسوا كما يبس الغثاء من نبت الأرض. وقوله تعالى: { فبعدا للقوم الظالمين }؛ أي بعدا من رحمة الله للقوم الكافرين.
المؤمنون 23:42
قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين }؛ أي ثم خلقنا بعد هلاك قوم هود أهل أعصار آخرين فسكنوا ديارهم إلى أن هلكوا، { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون }؛ أي لا تموت أمة قبل أجلها ولا يتأخر موعدهم عنه، وقوله تعالى: { من أمة } من ها هنا صلة.
المؤمنون 23:43
قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين }؛ أي ثم خلقنا بعد هلاك قوم هود أهل أعصار آخرين فسكنوا ديارهم إلى أن هلكوا، { ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون }؛ أي لا تموت أمة قبل أجلها ولا يتأخر موعدهم عنه، وقوله تعالى: { من أمة } من ها هنا صلة.
المؤمنون 23:44
قوله تعالى: { ثم أرسلنا رسلنا تترا }؛ أي بعضها في إثر بعض مترادفين، { كل ما جآء أمة }؛ أي قوما، { رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا }؛ في الهلاك والتعذيب، { وجعلناهم أحاديث }؛ لمن بعدهم من الناس يتحدثون بأمرهم وشأنهم ويتمثل بهم في السر. { فبعدا لقوم لا يؤمنون }.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (تترا) بالتنوين، وقرأ الباقون بغير تنوين مثل سكرى وشكوى، فمن نون كان الألف فيه كالألف في أنت زيدا أو عمرا، فإذا وقفت كان ألفا، يعني توقف عليه بالألف، ومن لم ينون كتبها بالياء.
المؤمنون 23:45
قوله تعالى: { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين }؛ ظاهر المعنى. قوله تعالى: { إلى فرعون وملئه فاستكبروا }؛ أي تكبروا عن الإيمان بالله وعبادته، { وكانوا قوما عالين } ، أي وكانوا قوما قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم كما قال الله تعالى:
إن فرعون علا في الأرض
[القصص: 4]، وقال مقاتل: (معنى قوله { عالين } أي متكبرين عن توحيد الله).
المؤمنون 23:46
قوله تعالى: { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين }؛ ظاهر المعنى. قوله تعالى: { إلى فرعون وملئه فاستكبروا }؛ أي تكبروا عن الإيمان بالله وعبادته، { وكانوا قوما عالين } ، أي وكانوا قوما قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم كما قال الله تعالى:
إن فرعون علا في الأرض
[القصص: 4]، وقال مقاتل: (معنى قوله { عالين } أي متكبرين عن توحيد الله).
المؤمنون 23:47
قوله تعالى: { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا }؛ أي ليس لهم فضل علينا، { وقومهما لنا عابدون }؛ يعني بني إسرائيل لنا مطيعون، { فكذبوهما فكانوا من المهلكين }؛ بتكذيبهما. قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ يعني التوراة، { لعلهم يهتدون }؛ لكي يهتدوا به من الضلالة.
المؤمنون 23:48
قوله تعالى: { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا }؛ أي ليس لهم فضل علينا، { وقومهما لنا عابدون }؛ يعني بني إسرائيل لنا مطيعون، { فكذبوهما فكانوا من المهلكين }؛ بتكذيبهما. قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ يعني التوراة، { لعلهم يهتدون }؛ لكي يهتدوا به من الضلالة.
المؤمنون 23:49
قوله تعالى: { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا }؛ أي ليس لهم فضل علينا، { وقومهما لنا عابدون }؛ يعني بني إسرائيل لنا مطيعون، { فكذبوهما فكانوا من المهلكين }؛ بتكذيبهما. قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ يعني التوراة، { لعلهم يهتدون }؛ لكي يهتدوا به من الضلالة.
المؤمنون 23:50
قوله تعالى: { وجعلنا ابن مريم وأمه آية }؛ أي جعلنا ولادة عيسى من غير أب دلالة على التوحيد والبعث، ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الآية فيهما واحدة. وقيل: معنى كل واحد منهما آية، كما قال
كلتا الجنتين آتت أكلها
[الكهف: 33] أي آتت كل واحدة أكلها، وقال تعالى:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس
[المائدة: 90] ولم يقل أرجاس. وقيل: معناه: جعلنا شأنهما واحدا؛ لأن عيسى ولد من غير أب، وأمه ولدت من غير مسيس ذكر.
قوله تعالى: { وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين }؛ أي جعلناهما يأويان إلى بقعة مرتفعة ذات استواء واستقرار، ومكان ظاهر. والربوة: المكان المرتفع من الأرض.
واختلفوا في هذه البقعة، قال قتادة: (يعني بيت المقدس، وهو أرفع موضع في الأرض وأقرب موضع إلى السماء ثمانية عشر ميلا)، وقال أبو هريرة: (هي رملة بأرض فلسطين)، وروى الحسن وابن المسيب: (أنها دمشق). وقوله تعالى { ذات قرار } أي مستوية ليستقر عليها ساكنوها، وهي مع ذلك ساحة واسعة، والمعين الماء الجاري الطاهر الذي تراه العيون، يقال عانت الركبة إذا سالت بالماء.
المؤمنون 23:51
قوله: { يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا }؛ قال الحسن ومجاهد والسدي والكلبي وقتادة ومقاتل: (الخطاب في هذه الآية لمحمد صلى الله عليه وسلم وحده، إلا أنه ذكره بلفظ الجماعة، لما في الخطاب من تضمين أن الرسل جميعا أمروا بهذا الخطاب، وقيل لهم: كلوا من الطيبات؛ أي من الحلال، أمرهم الله أن لا يأكلوا إلا حلالا).
قال الحسن: (أما والله ما عنى به أصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكنه قال: انتهوا إلى الحلال منه). قوله تعالى: { واعملوا صالحا } أي اعملوا ما أمركم به الله وأطيعوه في أمره ونهيه. قوله تعالى: { إني بما تعملون عليم }؛ ظاهر المعنى.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى { يأيها الرسل كلوا من الطيبات } وقال { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ، - ثم ذكر - الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب! مطعمه حرام؛ ومشربه حرام؛ وملبسه حرام؛ وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟! "
ويروى عن عيسى: كان يأكل من غزل أمه، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم كان يقول:
" جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالفني "
فبين أن رزقه من الغنيمة وأطيب الطيبات الغنيمة.
المؤمنون 23:52
قوله تعالى: { وإن هذه أمتكم أمة واحدة }؛ أي دينكم ودين من قبلكم دين واحد. وقيل: جماعتكم جماعة واحدة كلكم عباد الله، { وأنا ربكم فاتقون }؛ أي فاتقوا عذابي، وافعلوا ما أمرتكم به واتركوا ما نهيتكم عنه.
قرأ الكوفيون: (وإن هذه أمتكم) بكسر الهمزة على الابتداء. وقرأ الباقون بفتحها مع التشديد، وخفف النون ابن عامر مع فتح الهمزة، فمن فتح الهمزة وشدد النون فمعناه: وبأن هذه، وقيل: واعلموا إن هذه أمتكم أمة واحدة، أي ملتكم ملة واحدة وهي دين الإسلام، ومن خفف مع الفتح جعل (أن) صلة، وتقديره: وهذه أمتكم، وقيل: تكون مخففة من الثقيلة كقوله تعالى
وآخر دعواهم أن الحمد لله
[يونس: 10].
المؤمنون 23:53
قوله تعالى: { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا }؛ معناه: أنتم أهل ملة واحدة فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا؛ أي فرقا، وقيل: معناه: كتبا مختلفة ديوانها، فكفروا بما سواها كاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن، والنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالقرآن. وقرئ (زبرا) بفتح الباء ومعناه قطعا وجماعات، ومنه زبر الحديد قطعه.
قوله تعالى: { كل حزب بما لديهم فرحون }؛ أي كل طائفة بما عندهم من الاعتقاد معجبون، فاتركهم في ضلالتهم وجهالتهم إلى أن يأتيهم ما وعدوا به من العذاب. وقيل: إلى أن يموتوا فيظهر لهم الحق من الباطل عند المعاينة في القيامة. وقيل: كل حزب من المشركين واليهود والنصارى بما عندهم من الدين راضون، يرون أنهم على الحق، { فذرهم في غمرتهم حتى حين }؛ أي في ضلالتهم وجهالتهم وغفلتهم حتى يرون العذاب بالسيف أو بالموت، يعني: كفار مكة.
المؤمنون 23:54
قوله تعالى: { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا }؛ معناه: أنتم أهل ملة واحدة فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا؛ أي فرقا، وقيل: معناه: كتبا مختلفة ديوانها، فكفروا بما سواها كاليهود آمنوا بالتوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن، والنصارى آمنوا بالإنجيل وكفروا بالقرآن. وقرئ (زبرا) بفتح الباء ومعناه قطعا وجماعات، ومنه زبر الحديد قطعه.
قوله تعالى: { كل حزب بما لديهم فرحون }؛ أي كل طائفة بما عندهم من الاعتقاد معجبون، فاتركهم في ضلالتهم وجهالتهم إلى أن يأتيهم ما وعدوا به من العذاب. وقيل: إلى أن يموتوا فيظهر لهم الحق من الباطل عند المعاينة في القيامة. وقيل: كل حزب من المشركين واليهود والنصارى بما عندهم من الدين راضون، يرون أنهم على الحق، { فذرهم في غمرتهم حتى حين }؛ أي في ضلالتهم وجهالتهم وغفلتهم حتى يرون العذاب بالسيف أو بالموت، يعني: كفار مكة.
المؤمنون 23:55
قوله تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات }؛ أي يظنون أن إمدادنا إياهم بالمال والبنين مسارعة منا لهم في الخيرات لكرامتهم علينا ومنزلتهم عندنا، { بل لا يشعرون } أن ذلك استدراج لهم وإملاء إلى حين.
المؤمنون 23:56
قوله تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات }؛ أي يظنون أن إمدادنا إياهم بالمال والبنين مسارعة منا لهم في الخيرات لكرامتهم علينا ومنزلتهم عندنا، { بل لا يشعرون } أن ذلك استدراج لهم وإملاء إلى حين.
المؤمنون 23:57
قوله تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون }؛ أي حذرون من عذابه، والإشفاق هو الخوف، يقال: أنا مشفق من هذا الأمر؛ أي خائف، { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون }؛ أي يصدقون بالقرآن أنه من عند الله، { والذين هم بربهم لا يشركون }؛ معه غيره، { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة }؛ أي والذين يتصدقون بالأموال، ويعملون ما عملوا من الصالحات، وقلوبهم فزعة خائفة أن لا يقبل منهم ذلك. قال مجاهد: (المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل).
" وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } ، فقال: " لا يا ابنة الصديق، الذين يصومون ويتصدقون ويخافون أن لا تقبل منهم، ويصلون ويعرفون ألا تقبل منهم، ويتصدقون ويعرفون ألا تقبل منهم " "
وقال الحسن: (والذين يؤتون ما آتوا؛ أي يعملون ما عملوا من البر وهم يرون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله)، قال الزجاج: وقلوبهم وجلة { أنهم إلى ربهم راجعون }؛ أي لأنهم يوقنون برجوعهم إلى الله.
المؤمنون 23:58
قوله تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون }؛ أي حذرون من عذابه، والإشفاق هو الخوف، يقال: أنا مشفق من هذا الأمر؛ أي خائف، { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون }؛ أي يصدقون بالقرآن أنه من عند الله، { والذين هم بربهم لا يشركون }؛ معه غيره، { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة }؛ أي والذين يتصدقون بالأموال، ويعملون ما عملوا من الصالحات، وقلوبهم فزعة خائفة أن لا يقبل منهم ذلك. قال مجاهد: (المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل).
" وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } ، فقال: " لا يا ابنة الصديق، الذين يصومون ويتصدقون ويخافون أن لا تقبل منهم، ويصلون ويعرفون ألا تقبل منهم، ويتصدقون ويعرفون ألا تقبل منهم " "
وقال الحسن: (والذين يؤتون ما آتوا؛ أي يعملون ما عملوا من البر وهم يرون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله)، قال الزجاج: وقلوبهم وجلة { أنهم إلى ربهم راجعون }؛ أي لأنهم يوقنون برجوعهم إلى الله.
المؤمنون 23:59
قوله تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون }؛ أي حذرون من عذابه، والإشفاق هو الخوف، يقال: أنا مشفق من هذا الأمر؛ أي خائف، { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون }؛ أي يصدقون بالقرآن أنه من عند الله، { والذين هم بربهم لا يشركون }؛ معه غيره، { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة }؛ أي والذين يتصدقون بالأموال، ويعملون ما عملوا من الصالحات، وقلوبهم فزعة خائفة أن لا يقبل منهم ذلك. قال مجاهد: (المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل).
" وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } ، فقال: " لا يا ابنة الصديق، الذين يصومون ويتصدقون ويخافون أن لا تقبل منهم، ويصلون ويعرفون ألا تقبل منهم، ويتصدقون ويعرفون ألا تقبل منهم " "
وقال الحسن: (والذين يؤتون ما آتوا؛ أي يعملون ما عملوا من البر وهم يرون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله)، قال الزجاج: وقلوبهم وجلة { أنهم إلى ربهم راجعون }؛ أي لأنهم يوقنون برجوعهم إلى الله.
المؤمنون 23:60
قوله تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون }؛ أي حذرون من عذابه، والإشفاق هو الخوف، يقال: أنا مشفق من هذا الأمر؛ أي خائف، { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون }؛ أي يصدقون بالقرآن أنه من عند الله، { والذين هم بربهم لا يشركون }؛ معه غيره، { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة }؛ أي والذين يتصدقون بالأموال، ويعملون ما عملوا من الصالحات، وقلوبهم فزعة خائفة أن لا يقبل منهم ذلك. قال مجاهد: (المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل).
" وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة } ، فقال: " لا يا ابنة الصديق، الذين يصومون ويتصدقون ويخافون أن لا تقبل منهم، ويصلون ويعرفون ألا تقبل منهم، ويتصدقون ويعرفون ألا تقبل منهم " "
وقال الحسن: (والذين يؤتون ما آتوا؛ أي يعملون ما عملوا من البر وهم يرون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله)، قال الزجاج: وقلوبهم وجلة { أنهم إلى ربهم راجعون }؛ أي لأنهم يوقنون برجوعهم إلى الله.
المؤمنون 23:61
قوله تعالى: { أولئك يسارعون في الخيرات }؛ أي أهل هذه الصفة هم الذين يسارعون في الأعمال الصالحة، { وهم لها سابقون }؛ أي إليها سابقون، يكون (لها) بمعنى إليها، كقوله:
بأن ربك أوحى لها
[الزلزلة: 5] أي إليها. وقيل: معناه: وهم لها سابقون في الجنة؛ أي من أجل مسارعتهم في الخيرات سابقون في الجنة.
المؤمنون 23:62
وقوله تعالى: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها }؛ أي إلا طاقتها من العمل، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فيصلي قاعدا. وقوله تعالى: { ولدينا كتاب }؛ أي عند ملائكتنا المقربين كتاب يشهد لكم وعليكم، يريد به صحائف الأعمال، وقيل: يعني اللوح المحفوظ، فيه كل شيء مكتوب، سبق في علم الله، { ينطق بالحق }؛ أي يبين الصدق، { وهم لا يظلمون }؛ لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ولا يزاد على سيئاتهم.
المؤمنون 23:63
قوله تعالى: { بل قلوبهم في غمرة }؛ أي قلوب أهل مكة في غفلة وجهالة، { من هذا } الذي تقدم ذكره من أعمال البر. وقيل: في غفلة من القرآن، { ولهم أعمال }؛ خبيثة لا يرضاها الله من المعاصي والخطايا، { من دون ذلك }؛ أي من دون أعمال المؤمنين، { هم لها عاملون }؛ ويجوز أن يكون قوله { من هذا } إشارة إلى الكتاب الذي ينطق بالحق؛ أي قلوبهم في غفلة من ذلك الكتاب، وأعمالهم التي عملوها محصاة فيه، ولهم أعمال من دون ما هم عليه لا بد أن يعملوها، وهو ما سبق في علم الله أنهم يعملونه. والغمرة: الغفلة التي تغطي القلب وتغلب عليه.
المؤمنون 23:64
قوله تعالى: { حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون }؛ أي حتى إذا أخذنا أعيانهم ورؤساءهم بالقتل يوم بدر وبما يرون من العذاب وقت المعاينة، وقال الضحاك: (بالجوع حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم:
" اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسنين يوسف "
فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا العظام والجيف والكلاب والأولاد والقذر). قوله تعالى: { إذا هم يجأرون } أي يصيحون ويصرخون بالتوبة، وقيل: يجرعون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع.
المؤمنون 23:65
قوله تعالى: { لا تجأروا اليوم }؛ وعيدا بهم كالاستهزاء مثل قوله
لا تركضوا وارجعوا
[الأنبياء: 13]، قوله تعالى: { إنكم منا لا تنصرون }؛ أي لا تمنعون من عذابنا. قوله تعالى: { قد كانت آياتي تتلى عليكم }؛ أي تقرأ عليكم في الدنيا، يعني القرآن، { فكنتم على أعقابكم تنكصون }؛ أي تولون مدبرين وتعرضون عن الإيمان به، قوله تعالى: { مستكبرين به }؛ أي متعظمين ببيت الله الكعبة. وقيل: بحرم الله أنه لا يظهر عليكم أحد، فالكناية تعود إلى الحرم وهو كناية من غير مذكور، والمعنى: والمستكبرين في البيت الحرام لأمنهم فيه مع خوف سائر الناس في مواضعهم.
قوله تعالى: { سامرا تهجرون }؛ أي سمارا تهجرون القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، والهجر: هجر الحق بالإعراض عنه، وقد يقال: هجر المريض إذا هدأ في كلامه. والسمر: الحديث بالليل، كانوا يتحدثون حول الكعبة في أوائل الليل بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام والمسلمين، وإنما وحد (سامرا) لأنه في موضع المصدر.
قال الحسن ومقاتل: (المعنى: يهجرون القرآن ويرفضونه فلا يلتفتون إليه، كما قال تعالى { قد كانت آياتي تتلى عليكم } الآية). ويجوز أن يكون معناه من الهجر؛ وهو الكلام القبيح، يقال: هجر هجرا؛ إذا قال غير الحق، وهو قول السدي والكلبي وقتادة ومجاهد، وكانوا إذا دخلوا البيت سبوا النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. ويقال أيضا في هذا المعنى: أهجر هجرا؛ إذا أفحش في منطقه، ومنه قراءة نافع: (تهجرون) أي يفحشون في الكلام، ويقولون الخنا، وذلك أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم، والهجر هو الفحش من الكلام، يقال في المثل: (من كثر هجره وجب هجره).
المؤمنون 23:66
قوله تعالى: { لا تجأروا اليوم }؛ وعيدا بهم كالاستهزاء مثل قوله
لا تركضوا وارجعوا
[الأنبياء: 13]، قوله تعالى: { إنكم منا لا تنصرون }؛ أي لا تمنعون من عذابنا. قوله تعالى: { قد كانت آياتي تتلى عليكم }؛ أي تقرأ عليكم في الدنيا، يعني القرآن، { فكنتم على أعقابكم تنكصون }؛ أي تولون مدبرين وتعرضون عن الإيمان به، قوله تعالى: { مستكبرين به }؛ أي متعظمين ببيت الله الكعبة. وقيل: بحرم الله أنه لا يظهر عليكم أحد، فالكناية تعود إلى الحرم وهو كناية من غير مذكور، والمعنى: والمستكبرين في البيت الحرام لأمنهم فيه مع خوف سائر الناس في مواضعهم.
قوله تعالى: { سامرا تهجرون }؛ أي سمارا تهجرون القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، والهجر: هجر الحق بالإعراض عنه، وقد يقال: هجر المريض إذا هدأ في كلامه. والسمر: الحديث بالليل، كانوا يتحدثون حول الكعبة في أوائل الليل بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام والمسلمين، وإنما وحد (سامرا) لأنه في موضع المصدر.
قال الحسن ومقاتل: (المعنى: يهجرون القرآن ويرفضونه فلا يلتفتون إليه، كما قال تعالى { قد كانت آياتي تتلى عليكم } الآية). ويجوز أن يكون معناه من الهجر؛ وهو الكلام القبيح، يقال: هجر هجرا؛ إذا قال غير الحق، وهو قول السدي والكلبي وقتادة ومجاهد، وكانوا إذا دخلوا البيت سبوا النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. ويقال أيضا في هذا المعنى: أهجر هجرا؛ إذا أفحش في منطقه، ومنه قراءة نافع: (تهجرون) أي يفحشون في الكلام، ويقولون الخنا، وذلك أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم، والهجر هو الفحش من الكلام، يقال في المثل: (من كثر هجره وجب هجره).
المؤمنون 23:67
قوله تعالى: { لا تجأروا اليوم }؛ وعيدا بهم كالاستهزاء مثل قوله
لا تركضوا وارجعوا
[الأنبياء: 13]، قوله تعالى: { إنكم منا لا تنصرون }؛ أي لا تمنعون من عذابنا. قوله تعالى: { قد كانت آياتي تتلى عليكم }؛ أي تقرأ عليكم في الدنيا، يعني القرآن، { فكنتم على أعقابكم تنكصون }؛ أي تولون مدبرين وتعرضون عن الإيمان به، قوله تعالى: { مستكبرين به }؛ أي متعظمين ببيت الله الكعبة. وقيل: بحرم الله أنه لا يظهر عليكم أحد، فالكناية تعود إلى الحرم وهو كناية من غير مذكور، والمعنى: والمستكبرين في البيت الحرام لأمنهم فيه مع خوف سائر الناس في مواضعهم.
قوله تعالى: { سامرا تهجرون }؛ أي سمارا تهجرون القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، والهجر: هجر الحق بالإعراض عنه، وقد يقال: هجر المريض إذا هدأ في كلامه. والسمر: الحديث بالليل، كانوا يتحدثون حول الكعبة في أوائل الليل بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام والمسلمين، وإنما وحد (سامرا) لأنه في موضع المصدر.
قال الحسن ومقاتل: (المعنى: يهجرون القرآن ويرفضونه فلا يلتفتون إليه، كما قال تعالى { قد كانت آياتي تتلى عليكم } الآية). ويجوز أن يكون معناه من الهجر؛ وهو الكلام القبيح، يقال: هجر هجرا؛ إذا قال غير الحق، وهو قول السدي والكلبي وقتادة ومجاهد، وكانوا إذا دخلوا البيت سبوا النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. ويقال أيضا في هذا المعنى: أهجر هجرا؛ إذا أفحش في منطقه، ومنه قراءة نافع: (تهجرون) أي يفحشون في الكلام، ويقولون الخنا، وذلك أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم، والهجر هو الفحش من الكلام، يقال في المثل: (من كثر هجره وجب هجره).
المؤمنون 23:68
قوله تعالى: { أفلم يدبروا القول }؛ أي أفلم يدبروا القرآن في حسن لفظه ونظمه، وكثرة فوائده ومعانيه، مع سلامته من التناقض والاختلاف، فتعلموا أنه من عند الله، ويقال: معناه: أفلم يدبروا القرآن فيعرفوا ما فيه من العبر والدلالات على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: { أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين }؛ معناه: أم جاءهم أمر بديع لم يأت آباءهم؛ أي ألم يعلموا أن الرسل قد أرسلوا إلى من قبلهم؟ والمعنى: أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فأنكروه وأعرضوا عنه. ويحتمل أن يكون معناه: بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فأنكروه وتركوا التدبر له. لأن (أم) بمعنى: (بل).
المؤمنون 23:69
قوله تعالى: { أم لم يعرفوا رسولهم }؛ بالصدق والأمانة قبل إظهار الدعوة؟ { فهم له منكرون }. قال ابن عباس: (كانوا يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم صغيرا وكبيرا صادق اللسان وفي العهد) وفي هذا توبيخ لهم بالإعراض عنه بعد ما عرفوا صدقه وأمانته.
المؤمنون 23:70
قوله تعالى: { أم يقولون به جنة }؛ أي قالوا: إن محمدا مجنون ليصدوا الوجوه ويصرفوها عنه، وقد كذبوا في ذلك، فإن المجنون يهذي ويقول ما لا يفعل، { بل جآءهم }؛ النبي صلى الله عليه وسلم { بالحق }؛ أي بالقرآن الذي لا تخفى صحته وحسنه على أحد، { وأكثرهم للحق كارهون }.
المؤمنون 23:71
قوله تعالى: { ولو اتبع الحق أهوآءهم }؛ قال مقاتل والسدي: (الحق هو الله) والمعنى: لو جعل مع نفسه شريكا كما تحبون، { لفسدت السموت والأرض ومن فيهن }؛ كقوله
لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا
[الأنبياء: 22]. وقيل: معناه: لو وضع الحق على أهوائهم لهلك أهل السماوات والأرض؛ لأن الحق يدعو إلى المحاسن، والهوى يدعو إلى القبائح، ولو جعل الهوى متبوعا لبقيت الأمور على الظلم والجهالات، فتخلط الأمور أقبح الاختلاط، ولم يوثق بالوعد والوعيد، فأدى ذلك إلى الفساد؛ لأن الهوى هو ميل النفس إلى المشتهى من غير داعي الهوى.
قوله تعالى: { بل أتيناهم بذكرهم }؛ أي أعطيناهم القرآن الذي فيه عزهم وشرفهم، وأمروا بالعمل بما فيه، { فهم عن ذكرهم }؛ القرآن، { معرضون }؛ وهو نظير قوله
وإنه لذكر لك ولقومك
[الزخرف: 44] وقوله
كتابا فيه ذكركم
[الأنبياء: 10] والمعنى: تولوا عما جاءهم به من شرف الدنيا والآخرة.
المؤمنون 23:72
قوله تعالى: { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير }؛ معناه: أم تسألهم على تبليغ الرسالة الجعل فيتثاقلون لذلك، قوله تعالى: { فخراج ربك } أي ما وعد الله لك من الأجر والثواب في الآخرة، { وهو خير الرازقين }؛ أي أفضل المعطين. وأصل الخرج والخراج: الضريبة والعلة، كخراج الأرض.
وقال النضر بن شميل: (سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج، فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرعت به من غير وجوب)، قوله تعالى: { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم }؛ أي إلى طريق قائم يرضاه الله وهو الإسلام.
المؤمنون 23:73
قوله تعالى: { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير }؛ معناه: أم تسألهم على تبليغ الرسالة الجعل فيتثاقلون لذلك، قوله تعالى: { فخراج ربك } أي ما وعد الله لك من الأجر والثواب في الآخرة، { وهو خير الرازقين }؛ أي أفضل المعطين. وأصل الخرج والخراج: الضريبة والعلة، كخراج الأرض.
وقال النضر بن شميل: (سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج، فقال: الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرعت به من غير وجوب)، قوله تعالى: { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم }؛ أي إلى طريق قائم يرضاه الله وهو الإسلام.
المؤمنون 23:74
قوله تعالى: { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون }؛ معناه: وإن الذين لا يصدقون بالقيامة عن دين الحق لناكبون؛ أي مائلون عادلون، ومنه النكباء. وقيل: معناه: إنهم في الآخرة عن صراط جهنم يسقطون يمنة ويسرة.
المؤمنون 23:75
قوله تعالى: { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون }؛ أي ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من الشدة التي أصابت أهل مكة من الجوع والقحط الذي أخذهم سبع سنين للجوا في طغيانهم؛ أي لتمادوا في ضلالتهم يتحيرون ويترددون. وقيل: ولو رحمناهم في الآخرة فرددناهم إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر كما كانوا. قال الله تعالى:
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه
[الأنعام: 28].
المؤمنون 23:76
قوله تعالى: { ولقد أخذناهم بالعذاب }؛ يعني الجوع الذي أصابهم بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم:
" اللهم سنين كسني يوسف "
فجاعوا حتى أكلوا الوبر والدم، { فما استكانوا لربهم وما يتضرعون }؛ أي فما خضعوا لربهم وما تضرعوا ولا انقادوا في الأمر لله وما رغبوا إليه في الدعاء، ولو كشف عنهم العذاب لم يشكروا، والاستكانة: طلب السكون، والتضرع: طلب كشف البلاء من القادر عليه.
المؤمنون 23:77
قوله تعالى: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد }؛ قيل: إنه القتل يوم بدر، وقيل: إنه عذاب الآخرة، { إذا هم فيه مبلسون }؛ أي آيسون يتحيرون، والإبلاس: اليأس مع التحير. وقيل: لما أصابهم من الجوع ما أصابهم،
" جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: " بلى " قال: فإنك قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع "
، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المؤمنون 23:78
قوله تعالى: { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون }؛ أي خلق لكم السمع تسمعون به، والأبصار تبصرون بها، والقلوب تعقلون بها، فشكركم فيما أعطي إليكم قليل، والأفئدة هي القلوب. قوله تعالى: { وهو الذي ذرأكم في الأرض }؛ أي خلقكم في الأرض، { وإليه تحشرون }؛ أي تجمعون إلى موضع الحساب والجزاء.
المؤمنون 23:79
قوله تعالى: { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون }؛ أي خلق لكم السمع تسمعون به، والأبصار تبصرون بها، والقلوب تعقلون بها، فشكركم فيما أعطي إليكم قليل، والأفئدة هي القلوب. قوله تعالى: { وهو الذي ذرأكم في الأرض }؛ أي خلقكم في الأرض، { وإليه تحشرون }؛ أي تجمعون إلى موضع الحساب والجزاء.
المؤمنون 23:80
قوله تعالى: { وهو الذي يحيي ويميت }؛ أي يحييكم في أرحام أمهاتكم، ويميتكم عند انقضاء آجالكم، { وله اختلاف الليل والنهار }؛ أي له ملك اختلافهما ومرورهما يوما بعد ليلة، وليلة بعد يوم، { أفلا تعقلون }؛ أدلة الله تعالى تستدلون به على وحدانية الله تعالى.
المؤمنون 23:81
قوله: { بل قالوا مثل ما قال الأولون }؛ أي لم يعقلوا أدلتنا ولم يستدلوا بها علينا، بل كذبوا بالبعث كما كذب آباؤهم قبلهم، والمعنى: كذبت قريش بالبعث مثل ما كذب الأولون، { قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون }؛ بعد الموت.
المؤمنون 23:82
قوله: { بل قالوا مثل ما قال الأولون }؛ أي لم يعقلوا أدلتنا ولم يستدلوا بها علينا، بل كذبوا بالبعث كما كذب آباؤهم قبلهم، والمعنى: كذبت قريش بالبعث مثل ما كذب الأولون، { قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون }؛ بعد الموت.
المؤمنون 23:83
قوله تعالى: { لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من قبل }؛ أي خوفنا بهذا الذي تخوفنا به من قبل أن تخوفنا به، { إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي ما هذا الذي تخوفنا به يا محمد إلا أحاديث الأولين.
المؤمنون 23:84
قوله تعالى: { قل }؛ لهم يا محمد: { لمن الأرض ومن فيهآ }؛ من الخلق والعجائب، أجيبوا { إن كنتم تعلمون }؛ خالقها. ثم أجاب الله عنهم لما علم أنهم لا يجيبون فقال: { سيقولون لله قل } لهم يا محمد: { أفلا تذكرون }؛ فتستدلون على أن من له ملك السماوات والأرض وما فيهما قادر على البعث والنشور، فإن من ملك الأرض ومن فيها ملك إنشاءها بعد هلاكها.
المؤمنون 23:85
قوله تعالى: { قل }؛ لهم يا محمد: { لمن الأرض ومن فيهآ }؛ من الخلق والعجائب، أجيبوا { إن كنتم تعلمون }؛ خالقها. ثم أجاب الله عنهم لما علم أنهم لا يجيبون فقال: { سيقولون لله قل } لهم يا محمد: { أفلا تذكرون }؛ فتستدلون على أن من له ملك السماوات والأرض وما فيهما قادر على البعث والنشور، فإن من ملك الأرض ومن فيها ملك إنشاءها بعد هلاكها.
المؤمنون 23:86
قوله تعالى: { قل من رب السموت السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون }؛ عقابه على إنكار البعث. ومن قرأ { سيقولون لله } ومعناه: كأنه قال: لمن السماوات؟ فقال: لله.
المؤمنون 23:87
قوله تعالى: { قل من رب السموت السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون }؛ عقابه على إنكار البعث. ومن قرأ { سيقولون لله } ومعناه: كأنه قال: لمن السماوات؟ فقال: لله.
المؤمنون 23:88
قوله تعالى: { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه }؛ أي من ذا الذي له خزائن كل شيء وهو يغيث ويمنع من السوء، ولا يمنع منه من أراد به سوء، أجيبوا { إن كنتم تعلمون * سيقولون لله }؛ ملكوت كل شيء، { قل } لهم يا محمد { فأنى تسحرون }؛ أي تصرفون عن الحق إلى ما ليس له أصل ولا حقيقة، وقد ألقي إليكم حقائق الأدلة. والمعنى بقوله: { فأنى تسحرون } أي كيف يخيل لكم الحق باطلا، والصحيح فاسدا.
المؤمنون 23:89
قوله تعالى: { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه }؛ أي من ذا الذي له خزائن كل شيء وهو يغيث ويمنع من السوء، ولا يمنع منه من أراد به سوء، أجيبوا { إن كنتم تعلمون * سيقولون لله }؛ ملكوت كل شيء، { قل } لهم يا محمد { فأنى تسحرون }؛ أي تصرفون عن الحق إلى ما ليس له أصل ولا حقيقة، وقد ألقي إليكم حقائق الأدلة. والمعنى بقوله: { فأنى تسحرون } أي كيف يخيل لكم الحق باطلا، والصحيح فاسدا.
المؤمنون 23:90
قوله تعالى: { بل أتيناهم بالحق }؛ أي جئناهم بالحق وبينا لهم، يعني أتيناهم بالتوحيد والقرآن، { وإنهم لكاذبون }؛ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك.
المؤمنون 23:91
قوله تعالى: { ما اتخذ الله من ولد }؛ هذا رد على اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، وعلى من قال من المشركين: الملائكة بنات الله، { وما كان معه من إله } ، هذا رد على عبدة الأوثان. وقوله تعالى: { إذا لذهب كل إله بما خلق }؛ معناه: لو كان معه آلهة لانفرد كل إله بخلقه، لا يرضى أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، { ولعلا بعضهم على بعض }؛ أي لطلب بعضهم قهر بعض، فلم ينتظم أمرهما كما لا ينتظم أمر بلد فيه ملكان قاهران.
قوله تعالى: { سبحان الله }؛ أي تنزيها لله { عما يصفون }؛ من اتخاذ الولد والشريك، { عالم الغيب والشهادة }؛ من خفضه جعله نعت الله، ومن رفعه كان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم، فقراءة الخفض هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة الباقين بالرفع. ومعنى الآية: عالم ما غاب عن العباد وما علمه العباد، { فتعالى عما يشركون }.
المؤمنون 23:92
قوله تعالى: { ما اتخذ الله من ولد }؛ هذا رد على اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، وعلى من قال من المشركين: الملائكة بنات الله، { وما كان معه من إله } ، هذا رد على عبدة الأوثان. وقوله تعالى: { إذا لذهب كل إله بما خلق }؛ معناه: لو كان معه آلهة لانفرد كل إله بخلقه، لا يرضى أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، { ولعلا بعضهم على بعض }؛ أي لطلب بعضهم قهر بعض، فلم ينتظم أمرهما كما لا ينتظم أمر بلد فيه ملكان قاهران.
قوله تعالى: { سبحان الله }؛ أي تنزيها لله { عما يصفون }؛ من اتخاذ الولد والشريك، { عالم الغيب والشهادة }؛ من خفضه جعله نعت الله، ومن رفعه كان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم، فقراءة الخفض هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة الباقين بالرفع. ومعنى الآية: عالم ما غاب عن العباد وما علمه العباد، { فتعالى عما يشركون }.
المؤمنون 23:93
قوله تعالى: { قل رب إما تريني ما يوعدون }؛ معناه: قل يا محمد رب أرني ما يوعدون من العذاب والنقمة؛ يعني القتل ببدر. وقيل: معناه: قل يا محمد: يا { رب }؛ إن أريتني ما يوعدون من العذاب، { فلا تجعلني في القوم الظالمين }؛ أي منهم. قوله تعالى: { وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون }؛ أي نحن قادرون على تعذيبهم، لكن الإمهال لحكمة تقتضي ذلك.
المؤمنون 23:94
قوله تعالى: { قل رب إما تريني ما يوعدون }؛ معناه: قل يا محمد رب أرني ما يوعدون من العذاب والنقمة؛ يعني القتل ببدر. وقيل: معناه: قل يا محمد: يا { رب }؛ إن أريتني ما يوعدون من العذاب، { فلا تجعلني في القوم الظالمين }؛ أي منهم. قوله تعالى: { وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون }؛ أي نحن قادرون على تعذيبهم، لكن الإمهال لحكمة تقتضي ذلك.
المؤمنون 23:95
قوله تعالى: { قل رب إما تريني ما يوعدون }؛ معناه: قل يا محمد رب أرني ما يوعدون من العذاب والنقمة؛ يعني القتل ببدر. وقيل: معناه: قل يا محمد: يا { رب }؛ إن أريتني ما يوعدون من العذاب، { فلا تجعلني في القوم الظالمين }؛ أي منهم. قوله تعالى: { وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون }؛ أي نحن قادرون على تعذيبهم، لكن الإمهال لحكمة تقتضي ذلك.
المؤمنون 23:96
قوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة }؛ يعني بالإحسان الإعراض والصفح، والسيئة: أذى المشركين إياه، وهذا قبل الأمر بالقتال، والمعنى: اذكر لهم المقاتلة والحجة على طريق التلطف والاستدعاء إلى الحق كما قال تعالى
فقولا له قولا لينا
[طه: 44]. قوله تعالى: { نحن أعلم بما يصفون }؛ أي بما يكذبون وبما يقولونه من الشرك فيجازيهم عليه.
المؤمنون 23:97
قوله تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين }؛ أي اعتصم بك وأمتنع بك من همزات الشياطين، وهمزات الشياطين: دفعهم الناس إلى المعاصي بالإغواء، ويقال: الهمزة هي الوسوسة الشاغلة عن أمر الله تعالى، { وأعوذ بك رب أن يحضرون }؛ عند القراءة وعند الموت وعند الغضب. وعن الحسن:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة فهلل وكبر ثلاثا؛ وقال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ولمزه ونفثه ونفخه " فسئل عن همزه؛ فقال: " هو أخذ الشيطان للإنسان حتى يصرع ويجن " وسئل عن نفثه؛ فقال: " هو الشعر " وسئل عن نفخه؛ فقال: " إنه الكبر " ".
المؤمنون 23:98
قوله تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين }؛ أي اعتصم بك وأمتنع بك من همزات الشياطين، وهمزات الشياطين: دفعهم الناس إلى المعاصي بالإغواء، ويقال: الهمزة هي الوسوسة الشاغلة عن أمر الله تعالى، { وأعوذ بك رب أن يحضرون }؛ عند القراءة وعند الموت وعند الغضب. وعن الحسن:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة فهلل وكبر ثلاثا؛ وقال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ولمزه ونفثه ونفخه " فسئل عن همزه؛ فقال: " هو أخذ الشيطان للإنسان حتى يصرع ويجن " وسئل عن نفثه؛ فقال: " هو الشعر " وسئل عن نفخه؛ فقال: " إنه الكبر " ".
المؤمنون 23:99
قوله تعالى: { حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون }؛ أخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت. والمعنى: حتى إذا عاين أحدهم الموت وأعوانه قال: رب ارجعون إلى الدنيا.
وإنما قال: { رب ارجعون } بلفظ الجماعة لأن الله تعالى يخبر عن نفسه بما يخبر به عن الجماعة في قوله تعالى
إنا نحن نحيي ونميت
[ق: 43] وأمثاله، وكذلك العرب تخاطب الرجل الواحد بلفظ الجماعة كما يقول الرجل لآخر: أنتم تفعلون كذا ونحن نفعل كذا، ومنه قوله تعالى:
قرت عين لي ولك لا تقتلوه
[القصص: 9].
المؤمنون 23:100
قوله تعالى: { لعلي أعمل صالحا }؛ قال ابن عباس: (معناه: أشهد أن لا إله إلا الله وأعمل طاعة الله) { فيما تركت }؛ أي في ما مضى من عمري، قال الله تعالى: { كلا } لا يرجع إلى الدنيا، ولا يجوز أن يكون (لعل) في هذه الآية للشك؛ لأنه لا معنى لذلك مع حرصه على الرجعة والنجاة من الموت والعذاب، وإنما المعنى: لكي أعمل صالحا، و(كلا) كلمة ردع وزجر وتنبيه أي لا يكون له ذلك.
قوله تعالى: { إنها }؛ أي من مسألة الرجوع إلى الدنيا، { كلمة هو قآئلها } ، عند موته ولا فائدة في ذلك، { ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون }؛ أي من أمامهم حاجز وحجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، وهم فيه إلى يوم يبعثون، فالقبر حاجز، وكل فصل بين شيئين برزخ.
المؤمنون 23:101
قوله تعالى: { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون }؛ قال ابن عباس: (يعني النفخة الأولى). وقيل: هي النفخة الثانية. وقوله تعالى: { فلا أنساب بينهم يومئذ } ، قال الحسن: (والله إن أنسابهم لقائمة بينهم كما قال الله تعالى
يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه
[عبس: 34-35] ولكنهم لا ينتفعون بأنسابهم ولا يتعاطفون عليها، فكأنهم لا أنساب لهم).
وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم كما يتفاخرون في الدنيا، ولا يتساءلون كما تسأل العرب في الدنيا: من أي قبيل أنت؟ وقيل: لا يسأل بعضهم بعضا عن خبره وحاله كما كانوا في الدنيا؛ لشغل كل واحد منهما بنفسه، ولا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل شيئا من ذنوبه.
المؤمنون 23:102
قوله تعالى: { فمن ثقلت موازينه }؛ يعني بالطاعات؛ { فأولئك هم المفلحون }؛ وقيل: فمن ثقلت موازينه بكلمة التوحيد، فأولئك هم المفلحون، قال صلى الله عليه وسلم:
" ولو وضعت السماوات السبع وما فيهن والأرض في كفة، رجحت بجميع ذلك ".
المؤمنون 23:103
قوله تعالى: { ومن خفت موازينه }؛ يعني بكلمة الشرك { فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون }؛ ظاهر المعنى. قوله تعالى: { تلفح وجوههم النار }؛ قيل: الفلح هو الإحراق، يقال: لفحته النار إذا أحرقته، وتأثير الفلح أعظم من تأثير النفح، والنفح مذكور في قوله
نفحة من عذاب ربك
[الأنبياء: 46]. قوله تعالى: { وهم فيها كالحون }؛ الكلوح: تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان.
قال الحسن: (تغلظ شفاههم، وترتفع شفته العليا، وتنزل شفته السفلى، فتظهر الأسنان، فهو أقبح ما يكون). قال صلى الله عليه وسلم:
" وتشويه النار حتى تقلص شفته العليا فتبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته "
، قال ابن مسعود: (ألم تر إلى الرأس المسموط بالنار كيف بدت أسنانه وقلصت شفتاه).
المؤمنون 23:104
قوله تعالى: { ومن خفت موازينه }؛ يعني بكلمة الشرك { فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون }؛ ظاهر المعنى. قوله تعالى: { تلفح وجوههم النار }؛ قيل: الفلح هو الإحراق، يقال: لفحته النار إذا أحرقته، وتأثير الفلح أعظم من تأثير النفح، والنفح مذكور في قوله
نفحة من عذاب ربك
[الأنبياء: 46]. قوله تعالى: { وهم فيها كالحون }؛ الكلوح: تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان.
قال الحسن: (تغلظ شفاههم، وترتفع شفته العليا، وتنزل شفته السفلى، فتظهر الأسنان، فهو أقبح ما يكون). قال صلى الله عليه وسلم:
" وتشويه النار حتى تقلص شفته العليا فتبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته "
، قال ابن مسعود: (ألم تر إلى الرأس المسموط بالنار كيف بدت أسنانه وقلصت شفتاه).
المؤمنون 23:105
قوله تعالى: { ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون }؛ أي تجحدون، { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا }؛ بكثرة معاصينا، { وكنا قوما ضآلين }؛ في الدنيا فلم نهتد. قرأ الكوفيون غير عاصم: (شقاوتنا) بالألف وفتح الشين، وهما بمعنى واحد. الشقوة: هي المضرة اللاحقة في العاقبة، والسعادة: هي المنفعة التي تكون في العاقبة. والشقوة بفتح الشين بمنزلة الفعلة الواحدة، وكسر الشين في هذا دال على الكثرة واللزوم.
المؤمنون 23:106
قوله تعالى: { ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون }؛ أي تجحدون، { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا }؛ بكثرة معاصينا، { وكنا قوما ضآلين }؛ في الدنيا فلم نهتد. قرأ الكوفيون غير عاصم: (شقاوتنا) بالألف وفتح الشين، وهما بمعنى واحد. الشقوة: هي المضرة اللاحقة في العاقبة، والسعادة: هي المنفعة التي تكون في العاقبة. والشقوة بفتح الشين بمنزلة الفعلة الواحدة، وكسر الشين في هذا دال على الكثرة واللزوم.
المؤمنون 23:107
قوله تعالى: { ربنآ أخرجنا منها }؛ أي من النار إلى الدنيا، { فإن عدنا }؛ إلى التكذيب والمعاصي، { فإنا ظالمون }.
المؤمنون 23:108
قوله تعالى: { قال اخسئوا فيها ولا تكلمون }؛ { اخسئوا } كلمة إهانة ومذلة؛ وهي في الأصل لطرد الكلاب، تقول: خسأت الكلب إذا طردته؛ فخسأ أي تباعد. قال الزجاج: (معناه تباعدوا تباعد سخط، وابعدوا بعد الكلب، ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم، ولا تسألون الخروج من النار، فإني لا أدفع عنكم العذاب، ولا أهونه عليكم).
قال عبدالله بن عمرو: (أن أهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما فلا يجيبهم، ثم يقول: إنكم ماكثون، ثم ينادون ربهم: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. فلا يجيبهم مقدار عمر الدنيا، ثم يرد عليهم: إخسئوا فيها ولا تكلمون بعد ذلك، ويكون لهم زفير كزفير الحمير، وشهيق كشهيق البغال، وعوي كعوي الكلاب).
المؤمنون 23:109
قوله تعالى: { إنه كان فريق من عبادي يقولون }؛ أي يقال لهم: إنه كان طائف من عبادي يقولون: { ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين }؛ وهم الأنبياء والمؤمنون، وهذا تعليل لاستحقاقهم العذاب بما عاملوا الأنبياء والمؤمنين باتخاذهم سخريا.
المؤمنون 23:110
قوله تعالى: { فاتخذتموهم سخريا }؛ أي تسخرون منهم وتستهزئون بهم. قرأ نافع وحمزة والكسائي: بضم السين ها هنا وفي ص، وقرأ الباقون بكسرها وهما لغتان، ولم يختلفوا في الزخرف أنه بالضم؛ لأنه بمعنى التسخير.
قوله تعالى: { حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون }؛ لاشتغالكم بالسخرية منهم وبالضحك، فنسب الأنبياء إلى عبادة المؤمنين، وإن لم يفعلوا؛ لما أنهم كانوا السبب فيه.
المؤمنون 23:111
قوله تعالى: { إني جزيتهم اليوم بما صبروا }؛ على أذيتكم واستهزائكم، { أنهم هم الفآئزون }؛ في الجنة. قرأ حمزة والكسائي (إنهم) بالكسر على الاستئناف، وقرأ الباقون بالفتح على معنى جزيتهم بالفوز.
المؤمنون 23:112
قوله تعالى: { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين }؛ أي كم لبثتم في القبور؟ وقيل المكث في الدنيا، يقول الله تعالى للكفار يوم البعث: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم }؛ فيرون أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم لعظم ما هم فيه من العذاب، نسوا ذلك. ويقال: يلحقهم دهشة وحيرة فينسون ذلك. وقوله تعالى: { فسئل العآدين }؛ يعني الملائكة الذين يحفظون عليهم آجالهم. وقرأ ابن كثير: (قل كم لبثتم) على فعل الأمر، وقوله: { قال إن لبثتم إلا قليلا }؛ في جنب لبثكم في العذاب؛ { لو أنكم كنتم تعلمون }.
المؤمنون 23:113
قوله تعالى: { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين }؛ أي كم لبثتم في القبور؟ وقيل المكث في الدنيا، يقول الله تعالى للكفار يوم البعث: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم }؛ فيرون أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم لعظم ما هم فيه من العذاب، نسوا ذلك. ويقال: يلحقهم دهشة وحيرة فينسون ذلك. وقوله تعالى: { فسئل العآدين }؛ يعني الملائكة الذين يحفظون عليهم آجالهم. وقرأ ابن كثير: (قل كم لبثتم) على فعل الأمر، وقوله: { قال إن لبثتم إلا قليلا }؛ في جنب لبثكم في العذاب؛ { لو أنكم كنتم تعلمون }.
المؤمنون 23:114
قوله تعالى: { قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين }؛ أي كم لبثتم في القبور؟ وقيل المكث في الدنيا، يقول الله تعالى للكفار يوم البعث: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم }؛ فيرون أنهم لم يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم لعظم ما هم فيه من العذاب، نسوا ذلك. ويقال: يلحقهم دهشة وحيرة فينسون ذلك. وقوله تعالى: { فسئل العآدين }؛ يعني الملائكة الذين يحفظون عليهم آجالهم. وقرأ ابن كثير: (قل كم لبثتم) على فعل الأمر، وقوله: { قال إن لبثتم إلا قليلا }؛ في جنب لبثكم في العذاب؛ { لو أنكم كنتم تعلمون }.
المؤمنون 23:115
قوله تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا }؛ أي أظننتم أنا خلقناكم للعبث تأكلون وتشربون وتفعلون ما تريدون وتموتون، { وأنكم إلينا لا ترجعون }؛ أي فلا تحشرون للحساب، ولا ترجعون إلى موضع لا تملكون فيه لأنفسكم ضرا ولا نفعا؟
قال ابن عباس: (معناه: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا كما خلقنا البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب عليها لما قال
أيحسب الإنسان أن يترك سدى
[القيامة: 36] أي يهمل كما تهمل البهائم؟ قوله تعالى: { فتعالى الله الملك الحق }؛ أي هو الملك الحق الذي له الملك؛ لأنه ملك غيره، وكل من ملك غيره فملكه مستعار له، فإنه لا يملك إلا بتمليكه الله إياه، فكأنه لا يعتد بملكه في ملك الله.
قوله تعالى: { لا إله إلا هو رب العرش الكريم }؛ سمي العرش كريما لكثرة خيره بمن حوله، يقال: فلان كريم؛ أي كثير الخير.
المؤمنون 23:116
قوله تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا }؛ أي أظننتم أنا خلقناكم للعبث تأكلون وتشربون وتفعلون ما تريدون وتموتون، { وأنكم إلينا لا ترجعون }؛ أي فلا تحشرون للحساب، ولا ترجعون إلى موضع لا تملكون فيه لأنفسكم ضرا ولا نفعا؟
قال ابن عباس: (معناه: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا كما خلقنا البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب عليها لما قال
أيحسب الإنسان أن يترك سدى
[القيامة: 36] أي يهمل كما تهمل البهائم؟ قوله تعالى: { فتعالى الله الملك الحق }؛ أي هو الملك الحق الذي له الملك؛ لأنه ملك غيره، وكل من ملك غيره فملكه مستعار له، فإنه لا يملك إلا بتمليكه الله إياه، فكأنه لا يعتد بملكه في ملك الله.
قوله تعالى: { لا إله إلا هو رب العرش الكريم }؛ سمي العرش كريما لكثرة خيره بمن حوله، يقال: فلان كريم؛ أي كثير الخير.
المؤمنون 23:117
قوله تعالى: { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه }؛ أي من يدع مع الله إلها آخر لم ينزل بعبادته كتاب ولا بعث لها رسول ولا حجة له عليه، فإنما حسابه عند ربه، فهو يجازيه بما يستحق كما قال تعالى:
ثم إن علينا حسابهم
[الغاشية: 26]، وقوله تعالى: { إنه لا يفلح الكافرون }؛ أي لا يسعد من جحد وكذب، ولا يأمن ولا ينجو من عذاب الله الكافرون.
المؤمنون 23:118
قوله تعالى: { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين }؛ يحتمل أن يكون أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار منه، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" " إني لأستغفر الله كل يوم سبعين مرة " ، ويروى " مائة مرة " ".
وعن ابن مسعود:
" أنه مر بشاب مبتلى، فقرأت في أذنه { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } حتى ختم السورة فبرئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وماذا قرأت في أذنه؟ " فأخبره، فقال: " والذي بعثني بالحق نبيا؛ لو أن رجلا مؤمنا قرأها على جبل لزال " ".