التفسير الكبير (المنسوب إلى الطبراني) — لقمان 31:1 – فاطر 35:45
المحتويات
- لقمان 31:1
- لقمان 31:2
- لقمان 31:3
- لقمان 31:4
- لقمان 31:5
- لقمان 31:6
- لقمان 31:7
- لقمان 31:8
- لقمان 31:9
- لقمان 31:10
- لقمان 31:11
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:20
- لقمان 31:21
- لقمان 31:22
- لقمان 31:23
- لقمان 31:24
- لقمان 31:25
- لقمان 31:26
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:29
- لقمان 31:30
- لقمان 31:31
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:1
- السجدة 32:2
- السجدة 32:3
- السجدة 32:4
- السجدة 32:5
- السجدة 32:6
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:9
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:15
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:20
- السجدة 32:21
- السجدة 32:22
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:25
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:29
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:39
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:41
- الأحزاب 33:42
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:47
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:54
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:56
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:58
- الأحزاب 33:59
- الأحزاب 33:60
- الأحزاب 33:61
- الأحزاب 33:62
- الأحزاب 33:63
- الأحزاب 33:64
- الأحزاب 33:65
- الأحزاب 33:66
- الأحزاب 33:67
- الأحزاب 33:68
- الأحزاب 33:69
- الأحزاب 33:70
- الأحزاب 33:71
- الأحزاب 33:72
- الأحزاب 33:73
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
لقمان 31:1
هذه السورة آيات الكتاب الحكيم الذي وعدك الله أن ينزله عليك.
وانتصب { هدى ورحمة } على الحال. وقرأ حمزة بالرفع على الابتداء، وقيل: على إضمار هو. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (معنى الآية: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب للموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم) وما بعد هذا قد تقدم تفسيره.
لقمان 31:2
هذه السورة آيات الكتاب الحكيم الذي وعدك الله أن ينزله عليك.
وانتصب { هدى ورحمة } على الحال. وقرأ حمزة بالرفع على الابتداء، وقيل: على إضمار هو. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (معنى الآية: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب للموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم) وما بعد هذا قد تقدم تفسيره.
لقمان 31:3
هذه السورة آيات الكتاب الحكيم الذي وعدك الله أن ينزله عليك.
وانتصب { هدى ورحمة } على الحال. وقرأ حمزة بالرفع على الابتداء، وقيل: على إضمار هو. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (معنى الآية: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب للموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم) وما بعد هذا قد تقدم تفسيره.
لقمان 31:4
هذه السورة آيات الكتاب الحكيم الذي وعدك الله أن ينزله عليك.
وانتصب { هدى ورحمة } على الحال. وقرأ حمزة بالرفع على الابتداء، وقيل: على إضمار هو. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (معنى الآية: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب للموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم) وما بعد هذا قد تقدم تفسيره.
لقمان 31:5
هذه السورة آيات الكتاب الحكيم الذي وعدك الله أن ينزله عليك.
وانتصب { هدى ورحمة } على الحال. وقرأ حمزة بالرفع على الابتداء، وقيل: على إضمار هو. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (معنى الآية: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب للموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم) وما بعد هذا قد تقدم تفسيره.
لقمان 31:6
قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم }؛ نزلت هذه الآية وما بعدها في النضر بن الحارث، كان اشترى كتبا فيها أخبار الأعاجم، ويحدث بها أهل مكة، ويتملق بها في المجالس، ويقول: إن محمدا يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم أحاديث فارس والروم، وأقرأ عليكم كما محمد يقرأ عليكم أساطير الأولين هو يأتيكم بكتاب فيه قصص الأمم الماضية، وأنا أتيت بمثله! وكانوا يستملحون حديثه، وكان إذا سمع شيئا من القرآن يهزأ به ويعرض عنه. فذلك قوله: { ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين }؛ أي ليصرف الناس عن دين الله بلا علم، ومن قرأ (ليضل) بفتح الياء، فمعناه: ليتشاغل بما يلهيه، وليصير أمره إلى الضلال والباطل.
ومعنى قوله تعالى { لهو الحديث } أي باطل الحديث، هذا قول الكلبي ومقاتل، وقيل: المراد بلهو الحديث الغناء، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن ولا شراؤهن، وثمنهن حرام، والذي نفس محمد بيده؛ ما رفع رجل قط عقيرته يتغنى إلا ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما على ظهره وصدره حتى يسكت "
، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وابن مسعود، قالوا: (هو والله الغناء، واشتراء المغنية والمغني بالمال).
وقال صلى الله عليه وسلم:
" " من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع أصوات الروحانيين يوم القيامة " قيل: وما الروحانيون يا رسول الله؟ قال: " أهل الجنة " "
، وعن إبراهيم النخعي أنه قال: (الغناء ينبت النفاق في القلب) وقال مكحول: (من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصل عليه).
قوله تعالى: { بغير علم } أي أنه جاهل فيما يفعل، لا يفعله عن علم، { ويتخذها هزوا } بالرفع عطفا على { من يشتري } ، وبالنصب عطفا على { ليضل } ، والكتابة المذكورة تعود إما إلى الآيات المذكورة في أول السورة، وإما إلى (سبيل الله)، والسبيل يؤنث لقوله
قل هذه سبيلي
[يوسف: 108].
لقمان 31:7
قوله تعالى: { وإذا تتلى عليه ءاياتنا ولى مستكبرا }؛ أي أعرض عن قبولها متعظما عن الإيمان بها، { كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا }؛ أي ثقلا يمنعه عن السماع، { فبشره بعذاب أليم }؛ وجيع في الدنيا قبل أن يصل إلى الآخرة، وهو ما روي: (أنه أخذ أسيرا يوم بدر فقتل صبرا).
لقمان 31:8
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم }؛ ظاهر المعنى.
لقمان 31:9
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم }؛ ظاهر المعنى.
لقمان 31:10
قوله تعالى: { خلق السموت بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم }؛ أي جبالا ثم أرسيت أوتاد لها لئلا تميد بأهلها، { وبث فيها من كل دآبة }؛ أي فرق الدواب الكثيرة في الأرض، { وأنزلنا من السمآء مآء }؛ يعني المطر، { فأنبتنا فيها من كل زوج كريم }؛ أي من كل نوع حسن.
لقمان 31:11
قوله تعالى: { هذا خلق الله }؛ أي هذا الذي ذكرت لكم مما تعاينون خلق الله، { فأروني }؛ أيها الكفار، { ماذا خلق الذين من دونه }؛ أي شيء خلقه الذي تعبدون من دونه، فلم تجدوا شيئا يشيرون إليه من خلق غيره، ولم يقدروا على جواب هذا الكلام، فقيل: { بل الظالمون }؛ أي الكافرون، { في ضلال مبين }.
لقمان 31:12
قوله تعالى: { ولقد آتينا لقمان الحكمة }؛ يعني العقل والعلم والعمل به، والإصابة في الأمور. واتفق العلماء على أن لقمان حكيما، ولم يكن نبيا إلا عكرمة وحده فإنه قال: (كان لقمان نبيا)، وقال بعضهم: خير لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة!
وعن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" حقا أقوله: لم يكن لقمان نبيا، ولكن عبدا صمصامة، كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمن عليه بالحكمة "
وروي أنه كان تتلمذ لألف نبي عليهم السلام.
واختلفوا في حرفته، فقال الأكثرون: كان نجارا، ويقال: كان خياطا، ويقال: كان راعيا، ويروى: كان عبدا حبشيا غليظ الشفتين مشقوق الرجلين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (مر رجل بلقمان والناس مجتمعون حوله وهو يعظهم، فقال: ألست العبد الأسود الذي كنت ترعى الغنم؟! قال: بلى، قال: فما بلغ بك إلى ما أرى؟ قال: صدق الحديث؛ وأداء الأمانة؛ وترك ما لا يعنيني).
وعن أنس: (أن لقمان كان عبد داود عليه السلام وهو يسرد درعا، فجعل لقمان يتعجب مما يرى، ويريد أن يسأله فمنعته حكمته من السؤال، فلما فرغ منها، جعلها عليه وقال: نعم درع الحرب هذا ونعم حامله، فقال لقمان: الصمت حكمة وقليل فاعله).
وقال عكرمة: (كان لقمان من أهون مماليك سيده، فبعث مولاه مع عبيد له إلى بستان لمولاهم يأتونه من ثمره، فجاءوا وليس معهم شيء، وقد أكلوا الثمرة، وأحالوا على لقمان بذلك! فقال لقمان لمولاه: إن ذا الوجهين لا يكون عند الله أمينا، فاسقني وإياهم ماء حميما، فسقاهم فجعلوا يتقيؤن الفاكهة، وجعل لقمان يتقيأ ماء بحتا، فعرف صدقه وكذبهم).
قال: (وأول ما روي من حكمته أنه جاء مع مولاه فدخل المخدع، فأطال الجلوس فيه، فناداه لقمان: إن طول الجلوس على الحاجة يتجمع منه الكدر، ويورث الباسور، وتصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هوينا وقم هوينا، قال: فخرج وكتب حكمته على باب الحش).
ومعنى الآية { ولقد آتينا لقمان } علم التوحيد والمواعظ والفقه والعقل والإصابة في القول، وألهمناه أن يشكر الله على ما أعطاه من الحكمة.
ومعنى قوله: { أن اشكر لله }؛ أي قلنا له: اشكر الله فيما أعطاك من الحكمة، { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه }؛ أي من يشكر نعم الله فإن منفعة شكره راجعة إلى نفسه، { ومن كفر }؛ فلم يوحد، { فإن الله غني }؛ عن شكره، { حميد }؛ يحمده الشاكر ويثبته على شكره.
لقمان 31:13
قوله تعالى: { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه }؛ أي واذكر: إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: { يبني لا تشرك بالله }؛ أحدا في العبادة، { إن الشرك لظلم عظيم }؛ عند الله؛ أي ليس من الذنوب شيء أعظم من الشرك بالله؛ لأن الله تعالى هو الحي المميت الخالق الرازق، فإذا أشركت به أحدا غيره فقد جعلت النعمة لغير ربها، وذلك من أعظم الظلم.
لقمان 31:14
قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه }؛ نزل في سعد بن أبي وقاص؛ لما آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حلفت أمه لا تذوق طعاما ولا شرابا ولا يظلها شيء حتى يرجع سعد إلى دينه، فمضت على هذا أياما، فبلغ من أمرها إلى أن تداخل بعض أسنانها في بعض، فأنزل الله هذه الآية، فقال سعد: (لو كان لها سبعون نفسا فخرجت ما ارتددت عن الإسلام) ففتح فاها وصب فيه الطعام والشراب. ومعنى { ووصينا الإنسان } أي أمرناه ببر والديه عطفا عليهما.
وقوله تعالى: { حملته أمه وهنا على وهن }؛ أي ضعفا على ضعف، ومشقة على مشقة، كلما ازداد الولد في الرحم كبر، ازدادت الأم ضعفا.
قوله تعالى: { وفصاله في عامين }؛ أي وفطامه في انقضاء عامين، وقدره بعامين بناء على الأغلب، ولأن الرضاع لا يستحق بعد هذه المدة. والفصال هو الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأم كي لا يرضع. والمعنى بهذا ذكر مشقة الوالدة بإرضاع الولد عامين. وروي عن يعقوب: (وفصله في عامين) بغير ألف.
قوله تعالى: { أن اشكر لي ولوالديك }؛ أي قلنا له اشكر لي على خلقي إياك، وعلى إنعامي عليك، واشكر لوالديك على تربيتهما إياك. وقال مقاتل: (اشكر لي إذ هديتك للإسلام، ولوالديك بما أولياك من النعم).
قوله تعالى: { إلي المصير }؛ أي مصيرك ومصير والديك، وعن سفيان بن عيينة في قوله: { أن اشكر لي ولوالديك } قال: (من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في إدبار الصلوات فقد شكر للوالدين).
لقمان 31:15
قوله تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما }؛ أي أجهدا عليك لتشرك بي جهلا بغير علم فلا تطعهما، فإن حقهما وإن عظم فليس بأعظم من حقي.
وقوله تعالى: { وصاحبهما في الدنيا معروفا }؛ قال صلى الله عليه وسلم:
" حسن المصاحبة أن تطعمهما إذا جاعا، وتكسوهما إذا عريا، وعاشرهما عشرة جميلة "
{ واتبع سبيل من أناب إلي }؛ أي واتبع طريق من رجع إلي؛ أي من سلك طريق محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والمعنى: واتبع دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم: (يعني أبا بكر الصديق رضي الله عنه أنه حين أتاه عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان وطلحة والزبير فقالوا: يا أبا بكر آمنت وصدقت محمدا؟ قال: نعم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا به وصدقوا، فأنزل الله تعالى يقول لسعد: (واتبع سبيل من أناب إلي) يعني أبا بكر الصديق رضي الله عنه).
ويستدل من قوله تعالى { وصاحبهما في الدنيا معروفا } على أن الابن لا يستحق القود على أبيه، ولا يحد الأب بقذفة الابن، ولا يحبس الأب بدين الابن، لأن في إيجاب القود والحد والحبس له عليه ما ينافي مصاحبتهما.
وعن أبي يوسف: (أن القاضي يأمر الأب بقضاء دين الابن، فإن تمرد حبسه لاستخفاف أمره) وقال محمد بن الحسن: (يحبس الأب في نفقة الابن الصغير، ولا يحبس بالدين الذي له عليه؛ لأنه لو لم يحبس في نفقة الصغير لتضرر الولد).
قوله تعالى: { ثم إلي مرجعكم }؛ أي مرجعكم ومرجع آبائكم، { فأنبئكم بما كنتم تعملون }؛ من الخير والشر. وقد تضمنت هذه الآية النهي عن صحبة الكفار والفساق، والترغيب في صحبة الصالحين لقوله تعالى { واتبع سبيل من أناب إلي }.
لقمان 31:16
قوله تعالى: { يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموت أو في الأرض يأت بها الله }؛ وذلك أن ابن لقمان سأل أباه فقال: أرأيت الحبة التي تكون في قعر البحار؛ أيعلمها الله؟ فأعلمه أن الله يعلم الحبة أينما كانت.
وقيل: إن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت! إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان لابنه: { إنهآ إن تك } يعني إن المعصية إن تك مثقال حبة من خردل فتكون في صخرة التي تحت الأرضين السبع أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله للجزاء عليها.
ومن قرأ برفع (مثقال) فتقديره: أن تقع مثقال حبة.
وقوله تعالى: { إن الله لطيف خبير }؛ أي قادر على الإتيان بها، خبير بموضعها، يوصلها إلى صاحبها حيث كان. واللطيف: العالم بكل دقيق وجليل. ومعنى الآية: أن الله تعالى ضرب هذا مثلا لأعمال العباد، يعني أنه يأتي بأعمالهم يوم القيامة، وإن كان العمل الصالح في الصغر بوزن حبة من خردل، فالله تعالى يحفظه ولا يخفى عليه مكانه حتى يجازيه عليه، ونظير هذا قوله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
[الزلزلة: 7-8].
لقمان 31:17
قوله تعالى: { يبني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر }؛ أي أقم الصلاة التي افترضها الله عليك، وأمر بالطاعة وانه عن المعصية، { واصبر على مآ أصابك }؛ من الأذية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقوله تعالى: { إن ذلك من عزم الأمور }؛ أي الصبر على ما أصابك في ذات الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عظام الأمور. وقيل: من حق الأمور التي أمر الله بها.
لقمان 31:18
قوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس }؛ قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (تصاعر) بالألف، وقرأ الباقون (تصعر) بغير ألف. قال ابن عباس: (معناه: لا تتكبر فتحقرك الناس، ولا تعرض عنهم بوجهك إذا كلموك)، يقال: صعر خدك وصاعر، إذا مال وأعرض تكبرا. والمعنى: لا تتعظم على خلق الله، ولا تعرض عن الناس تكبرا عليهم، بل يكون الفقير والغني عندك سواء، ولا تعبس في وجه أحد من الناس.
قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا }؛ أي ولا تمش في الأرض بالإعجاب والبطر وازدراء الناس، قال الحسن: (أنى لابن آدم الكبر وقد خرج من مخرج البول مرتين؟!).
وروي: أن المهلب بن أبي صفرة مر على مطرف بن عبدالله وهو يتبختر في جبة خز، فقال: (هذه مشية يبغضها الله ورسوله) فقال له المهلب: ما تعرفني؟! قال: (بلى؛ أعرفك، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وتحمل بين العذرة) فمضى المهلب وترك مشيته تلك.
وروي: أن عبدالله بن محمد بن واسع خرج يوما يتمشى، فقال محمد بن واسع: (من هذا؟!) قالوا: هذا ولدك عبدالله، قال: ادعوه، فجاؤا به إليه، فقال له: (يا بني! أتدري بكم اشتريت أمك؟ اشتريتها بثلاثمائة درهم، وأبوك لا كثر الله من مثله في الناس، أتمشي هذه المشية؟!).
قوله تعالى: { إن الله لا يحب كل مختال فخور }؛ الاختيال: هو التبختر في المشي، والفخور: هو المتطاول بذكر المناقب على السامع والافتخار عليه، وذلك مذموم لأن المستحق على نعم الله شكرا لا الفخر.
لقمان 31:19
قوله تعالى: { واقصد في مشيك }؛ أي تواضع ولا تتبختر، وليكن مشيك قصدا لا تبخترا ولا إسراعا. قال صلى الله عليه وسلم:
" سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن "
يقال: قصد فلان في مشيته إذا مشى مستويا، وقال مقاتل: (لا تختل في مشيتك)، وقال عطاء: (قوله تعالى: { واقصد في مشيك } أي امش بالوقار والسكينة) كقوله تعالى:
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا
[الفرقان: 63]، والمعنى: اقصد في المشي، لا تعجل ولا تمش بالهوينا.
قوله تعالى: { واغضض من صوتك }؛ أي اخفض صوتك ولا ترفعه على وجه انتهار الناس وإظهار الاستخفاف بهم، وقال عطاء: (معناه: اغضض من صوتك إذا دعوت وناجيت ربك)، وكذلك وصية الله تعالى في الإنجيل لعيسى عليه السلام: مر عبادي يخفضوا أصواتهم إذا دعوني، فإني أسمع وأعلم ما في قلوبهم.
قوله تعالى: { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }؛ أي أقبح الأصوات صوت الحمير؛ لأن أوله زفير وآخره شهيق. قال ابن زيد: (لو كان في رفع الصوت خيرا ما جعله الله للحمير)، وعن أم سعد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله تعالى يبغض ثلاثة أصوات: نهيق الحمار، ونباح الكلب، والداعية بالويل والحرب "
وقال سفيان: (صياح كل شيء تسبيحه الله إلا الحمار فإنه ينهق بلا فائدة).
لقمان 31:20
قوله تعالى: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموت وما في الأرض }؛ أي ألم تروا أن الله خلق وذلل لمنافعكم ولمصالحكم ما في السماوات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر، وفي الأرض من الأشجار والأنهار والبحار والدواب.
قوله تعالى: { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة }؛ أي أتم عليكم ووسع لكم نعمه (ظاهرة) من الخلق الحسن وسلامة الأعضاء الظاهرة، (وباطنة) من العقل والفهم والفطنة والمعرفة بالله.
وقيل: النعمة الظاهرة هي الإسلام، والباطنة ما يخفى من الذنوب ويستر من العورات. وقيل: الظاهرة ما يعلم الناس من حسناتك، والباطنة ما لا يعلمون من السيئات.
وقال الضحاك: (الظاهرة: حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة المعرفة). وقيل: الظاهرة الإسلام وما أفضل عليك من الرزق، والباطنة ما ستر من سوء عملك.
وقيل: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم العقبى. وقيل: الظاهرة تسوية الظواهر، والباطنة تصفية السرائر. وقيل: الظاهرة الرزق الذي يكتسب، والباطنة الرزق من حيث لا تحتسب. وقيل: الظاهرة المدخل للغداء، والباطنة المخرج للأذى.
وقيل: الظاهرة نعمة عليك بعد ما خرجت من بطن أمك، والباطنة نعمة عليك وأنت في بطن أمك. وقيل: الظاهرة ألوان العطايا، والباطنة غفران الخطايا. وقيل: الظاهرة المال والأولاد، والباطنة الهدى والإرشاد. وقيل: الظاهرة التوفيق للعبادات، والباطنة الإخلاص من المراءات. وقيل: الظاهرة ما أعطى من النعماء، والباطنة ما زوى من أنواع البلاء. وقيل: الظاهرة إنزال القطر والأمطار، والباطنة إحياء الأقطار والأنصار. وقيل: الظاهرة ذكر اللسان، والباطنة ذكر الجنان. وقيل: الظاهرة ضياء النهار، والباطنة ظلمة الليل للسكون والقرار.
ومن قرأ (نعمة) على التوحيد فهي واحدة تبنى على الجميع، كما في قوله
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها
[إبراهيم: 34].
قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم }؛ يعني النضر بن الحارث يخاصم في آيات الله وفي صفاته جهلا بغير علم ولا حجة، { ولا هدى ولا كتاب منير }؛ وقد تقدم تفسيره في سورة الحج.
لقمان 31:21
قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله }؛ أي اعملوا بما أنزل الله، { قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا }؛ قالوا بل نعمل بما وجدنا عليه آباءنا، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة، قوله تعالى: { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير }؛ فيتبعونه.
لقمان 31:22
قوله تعالى: { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى }؛ أي من يخلص طاعته لله وهو محسن فيها فيفعلها على موجب الشريعة فقد أخذ بالأمر الأوثق، { وإلى الله عاقبة }؛ ترجع خواتم { الأمور }؛ كلها، فيجزي كل عامل بما عمل.
قرأ السلمي: (ومن يسلم) بالتشديد. ومعنى قوله تعالى { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي اعتصم بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (هو لا إله إلا الله).
لقمان 31:23
قوله تعالى: { ومن كفر فلا يحزنك كفره }؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحزنه كفرهم مخافة أن يكون ذلك لتقصير من جهته، فأمنه الله من ذلك، والمعنى: من كفر فلا تهتم لكفره، فإن رجوعهم إلينا وحسابهم علينا، وهو قوله تعالى: { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا }؛ أي نخبرهم بقبائح أعمالهم في الدنيا، ونجزيهم عليها، { إن الله عليم بذات الصدور }؛ أي عليم بما في القلوب من خير وشر. قوله تعالى: { نمتعهم قليلا }؛ أن نمهلهم في الدنيا يسيرا، { ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ }؛ أي ثم نجليهم في الآخرة إلى عذاب شديد.
لقمان 31:24
قوله تعالى: { ومن كفر فلا يحزنك كفره }؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحزنه كفرهم مخافة أن يكون ذلك لتقصير من جهته، فأمنه الله من ذلك، والمعنى: من كفر فلا تهتم لكفره، فإن رجوعهم إلينا وحسابهم علينا، وهو قوله تعالى: { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا }؛ أي نخبرهم بقبائح أعمالهم في الدنيا، ونجزيهم عليها، { إن الله عليم بذات الصدور }؛ أي عليم بما في القلوب من خير وشر. قوله تعالى: { نمتعهم قليلا }؛ أن نمهلهم في الدنيا يسيرا، { ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ }؛ أي ثم نجليهم في الآخرة إلى عذاب شديد.
لقمان 31:25
قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * لله ما في السموت والأرض إن الله هو الغني الحميد }؛ قد تقدم تفسيره.
لقمان 31:26
قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * لله ما في السموت والأرض إن الله هو الغني الحميد }؛ قد تقدم تفسيره.
لقمان 31:27
قوله تعالى: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما:
" وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أتته أخبار اليهود فقالوا: بلغنا أنك قلت: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا } أعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال: " بل عنيت الجميع " فقالوا: ألم تعلم أن الله أنزل التوراة على موسى وفيها أنباء كل شيء وقد خلفها فينا فهي معنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله " فأنزل الله هذه الآية ".
والمعنى: لو جعل ما في الدنيا من الأشجار أقلاما يكتب بها، وصارت الجن والإنس كتابا، والبحار مدادا يمدها من بعدها سبعة أبحر؛ أي سبعة أمثال بحر الدنيا، وكتب بها كلمات الله وحكمه، لانكسرت الأقلام، وأعيت الإنس والجن، وفنيت البحار قبل أن ينقطع كلام الله وحكمه، { إن الله عزيز حكيم }؛ أي عزيز في سلطانه ذو حكمة في قوله وأفعاله.
وذهب بعضهم إلى أن معنى (كلمات الله) تعالى في هذه الآية: معاني القرآن وفوائده، وقال بعضهم: وهي نعم الله في الدنيا والآخرة، وإن نعمه في الآخرة غير متناهية.
لقمان 31:28
قوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة }؛ قال مقاتل: (قالت كفار قريش: إن الله خلقنا أطوارا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما، فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟ فأنزل الله تعالى { ما خلقكم } " أيها الناس على الله سبحانه " في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة؛ { ولا بعثكم } في قدرة الله على بعث الخلق كلهم (إلا) كقدرته على بعث نفس واحدة، { إن الله سميع }؛ لما قالوا من أمر الخلق والبعث، { بصير }؛ به.
لقمان 31:29
قوله تعالى: { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل }؛ أي ألم تعلم أن الله يزيد من ساعات الليل في ساعات النهار صيفا، ويزيد في ساعات النهار في ساعات الليل شتاء، { وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى }؛ أي ذللهما لمنافع بني آدم يجريان إلى يوم القيامة، ثم يسقطان، وينقطع جريهما، { وأن الله بما تعملون خبير }؛ أي خبير بأعمالكم في الدنيا ويجازيكم عليها.
لقمان 31:30
قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق }؛ أو لتعلموا أن عبادة الله حق، { وأن ما يدعون من دونه }؛ من عباده، { الباطل وأن الله هو العلي }؛ بصفاته، { الكبير }؛ الذي لا شيء مثله في كبريائه وعظمته.
لقمان 31:31
قوله تعالى: { ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته }؛ أي ألم تعلم أن السفن تجري في البحر بإنعام الله تعالى، لو لم يخلق الرياح والماء على الهيئة التي خلقها الله عليها لما جرت السفن على ظهر الماء، { إن في ذلك لآيات }؛ أي لدلالات على توحيد الله، { لكل صبار شكور }؛ أي كثير الصبر على الطاعات والمحن، شكورا أي كثير الشكر على نعم الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم:
" إن أحب العباد إلى الله من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر ".
لقمان 31:32
قوله تعالى: { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين }؛ أي إذا أصابهم في البحر موج كالجبال في الارتفاع دعوا الله مخلصين له الدعاء، { فلما نجاهم }؛ من البحر وأهواله، { إلى البر فمنهم مقتصد }؛ أي منهم من يثبت على ذلك، ومنهم من يجحد. ثم قال: { وما يجحد بآياتنآ }؛ أي لا ينكر دلائل توحيدنا، { إلا كل ختار }؛ أي غدار، { كفور }؛ أي أكثر الكفر بآيات الله ونعمه. والختر في اللغة: أقبح الغدر. والظلل: جمع ظلة وهي السحابة التي ترتفع فتغطي ما تحتها.
وإن هذه الآية كانت سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل، وذلك أنه لما كان يوم فتح مكة، أمن النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر، فإنه قال:
" اقتلوهم، ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبدالله بن الأخطل، ومقيس بن صبابة، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح ".
فأما عكرمة فركب في البحر، فأصابهم ريح عاصف، فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لم تغن عنكم شيئا ها هنا، فقال عكرمة: (لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره) ثم قال: (اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده) فجاء فأسلم.
لقمان 31:33
قوله تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده }؛ أي اتقوا مخافة ربكم، واخشوا عذاب يوم لا يغني والد عن ولده، { ولا مولود هو جاز عن والده شيئا }؛ لاشتغال كل منهم لنفسه.
وقيل: معنى { لا يجزي والد عن ولده } أي لا يحمل شيئا من سيئاته ولا يعطيه شيئا من طاعته، { إن وعد الله حق }؛ في البعث والجزاء أي صدق كائن، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا }؛ فلا تغتروا بالحياة الدنيا وما فيها من زينتها وزهرتها، { ولا يغرنكم بالله الغرور }؛ الشيطان، فإنه هو الغرور، وهو الذي من يشاء أن يغر، وغرور الشيطان تمنيته العبد: فإن الله تعالى غفور، فهون عليه ركوب المعاصي وما يهواه.
ومن قرأ (الغرور) بضم الغين فهي مصدر، ومعناه: الأباطيل. وعن سعيد بن جبير: (إن الغرور تمني المغفرة مع الإصرار على المعصية).
لقمان 31:34
قوله تعالى: { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت }؛ نزلت هذه الآية في البراء بن مالك، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أرضنا أجدبت، فمتى الغيث؟ وقد تركت امرأتي حبلى، فماذا تلد؟ وقد علمت بأي أرض ولدت - أي علمت أين ولدت - فبأي أرض أموت، وقد علمت ما عملت اليوم، فما أعمل غدا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقال صلى الله عليه وسلم:
" مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمهن إلا الله، لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما كسبه في غد إلا الله، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله ".
يقال: إن هذه الخمسة الأشياء التي ذكرها الله في هذه الآية هي مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا الله، استأثر الله بهن، فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا.
ومعنى الآية: { إن الله عنده علم } قيام { الساعة } ، فلا يدري أحد سواه متى تقوم، في أي سنة أو في أي شهر، ليلا أو نهارا. وقوله { وينزل الغيث } معناه: هو المختص بإنزال الغيث، وهو العالم بوقت إنزاله، (ويعلم ما في الأرض) أي لا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أم أسود، وإنما يعلمه الله عز وجل نطفة وعلقة ومضغة، وذكرا أم أنثى، وشقيا وسعيدا، ومتى ينفصل عن أمه.
وقوله تعالى { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا } يعني: ماذا تكسب من الخير والشر، أي ما تدري نفس ماذا تكسب غدا خيرا أو شرا، { وما تدري نفس بأي أرض تموت } أي في بر أو بحر أو سهل أو جبل. قال ابن عباس: (هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل مصطفى، فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر بالقرآن لأنه خالفه).
قوله تعالى: { إن الله عليم خبير }؛ أي عليم بخلقه، خبير بأعمالهم وبما يصيبهم في مستقبل عمرهم.
وروي أن يهوديا كان في المدينة يحسب حساب النجوم، فقال اليهودي لابن عباس: إن شئت أنبأتك عن ولدك وعن نفسك، إنك ترجع الى منزلك فتلقى إبنا لك محموما، ولا يمكث عشرة أيام حتى يموت الولد، وأنت لا تخرج من الدنيا حتى تعمى، فقال ابن عباس: وأنت يا يهودي، قال: لا يحول علي الحول حتى أموت؟ قال: فأين موتك يا يهودي؟ قال ما أدري، قال ابن عباس: صدق الله { وما تدري نفس بأي أرض تموت } قال فرجع ابن عباس فلقي إبنا له محموما، فلما بلغ عشرا مات الصبي، ويقال عن اليهودي " أنه مات قبل الحول " ، وما خرج ابن عباس من الدنيا حتى كف بصره.
السجدة 32:1
{ الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين }؛ أي الم هو تنزيل الكتاب، لا شك فيه أنه تنزل من رب العالمين، { أم يقولون افتراه }؛ معناه: يقول أهل مكة: اختلقه محمد من تلقاء نفسه، وليس كما يقولون، { بل هو الحق من ربك لتنذر قوما }؛ أي لتخوف بالقرآن قوما؛ { مآ أتاهم من نذير من قبلك }؛ لم يشاهدوا قبلك في زمانهم الذي هم فيه رسولا مخوفا؛ { لعلهم يهتدون }؛ أي لكي يهتدوا إلى الإيمان.
السجدة 32:2
{ الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين }؛ أي الم هو تنزيل الكتاب، لا شك فيه أنه تنزل من رب العالمين، { أم يقولون افتراه }؛ معناه: يقول أهل مكة: اختلقه محمد من تلقاء نفسه، وليس كما يقولون، { بل هو الحق من ربك لتنذر قوما }؛ أي لتخوف بالقرآن قوما؛ { مآ أتاهم من نذير من قبلك }؛ لم يشاهدوا قبلك في زمانهم الذي هم فيه رسولا مخوفا؛ { لعلهم يهتدون }؛ أي لكي يهتدوا إلى الإيمان.
السجدة 32:3
{ الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين }؛ أي الم هو تنزيل الكتاب، لا شك فيه أنه تنزل من رب العالمين، { أم يقولون افتراه }؛ معناه: يقول أهل مكة: اختلقه محمد من تلقاء نفسه، وليس كما يقولون، { بل هو الحق من ربك لتنذر قوما }؛ أي لتخوف بالقرآن قوما؛ { مآ أتاهم من نذير من قبلك }؛ لم يشاهدوا قبلك في زمانهم الذي هم فيه رسولا مخوفا؛ { لعلهم يهتدون }؛ أي لكي يهتدوا إلى الإيمان.
السجدة 32:4
قوله تعالى: { الله الذي خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام }؛ أي في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، أولها يوم الأحد، { ثم استوى على العرش }؛ أي استولى عليه، وقد تقدم في ذلك في سورة الأعراف. قوله تعالى: { ما لكم من دونه من ولي }؛ أي قريب ينفعكم، { ولا شفيع }؛ يشفع لكم، { أفلا تتذكرون }؛ أي أفلا تعتبرون.
السجدة 32:5
قوله تعالى: { يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض }؛ أي يدبر الله أمر الدنيا مدة أيامها، فينزل القضاء والقدر من السماء إلى الأرض. قوله تعالى: { ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون }؛ قال ابن عباس: معناه يعود إليه الأمر والتدبير حين ينقطع أمر الأمراء وأحكام الحكام، وينفرد الله تعالى بالأمر في يوم كان مقداره ألف سنة) يعني أن يوما من أيام الآخرة مثل ألف سنة مما تعدون من أيام الدنيا، وأراد بهذا اليوم يوم القيامة.
وقيل: معناه: يقطع الملك من المسافة نازلا وصاعدا في يوم واحد وهو مسيرة ألف عام مما يعده أهل الدنيا بمسيرهم، وذلك أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام لبني آدم، وصعوده من الأرض إلى السماء كذلك؛ والملك يقطعه في يوم واحد. ولو أراد الله من الملك الصعود والنزول بدون مقداره (اليوم) لفعله الملك.
وأما قوله
تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
[المعارج: 4] فإن كان أراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي فيها مقام جبريل، فالمعنى يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا، فيكون معنى قوله تعالى: { إليه } على هذا التأويل؛ أي إلى مكان الملك الذي أمره الله أن يعرج إليه، وكقول إبراهيم عليه السلام:
إني ذاهب إلى ربي
[الصافات: 99] أي حيث أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام. وكذلك قوله تعالى:
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله
[النساء: 100] أي إلى المدينة. ولم يكن الله عز وجل بالمدينة ولا بالشام.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أتاني ملك لم ينزل إلى الأرض قبلها قط برسالة من الله عز وجل، ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها ".
السجدة 32:6
قوله تعالى: { ذلك عالم الغيب والشهادة }؛ أي ذلك الذي صنع ما ذكرناه من خلق السماوات والأرض، هو عالم ما غاب عن الخلق وعالم ما خفي، لا يقدر عليه سواه كما لا يعلم الغيب غيره. وقوله تعالى: { العزيز الرحيم }؛ أي القادر الذي لا يقاوم، المنيع في ملكه، المنعم على عباده.
السجدة 32:7
قوله تعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه }؛ قرأ نافع وأهل الكوفة: (خلقه) بفتح اللام على الفعل؛ أي أحكم كل شيء مما خلقه. وقرأ الباقون: (خلقه) بسكون اللام؛ أي أحسن خلق كل شيء، فيكون نصب قوله: (خلقه) على البدل. وقال مقاتل: ((معناه: الذي علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعلمه أحد)). وقال السدي: ((أحسنه: لم يعلمه من أحد)).
قيل: إن الله عز وجل لما طول رجل البهيمة والطير، طول عنقه لئلا يتعذر عليه تناول قوته من الأرض، ولو لم يطول عنقه لما نال معيشته.
قوله تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين }؛ يعني آدم عليه السلام كان أول طينا، { ثم جعل نسله }؛ أي ذريته، { من سلالة من مآء مهين }؛ أي من قليل من الماء ينسل من صلب الرجل وترائب المرأة، وهي النطفة، ووصفها بال (مهين) لأنه لا خطر له عند الناس. وسميت سلالة لأنها تنسل من الإنسان؛ أي تخرج. والهين هو الضعيف.
السجدة 32:8
قوله تعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه }؛ قرأ نافع وأهل الكوفة: (خلقه) بفتح اللام على الفعل؛ أي أحكم كل شيء مما خلقه. وقرأ الباقون: (خلقه) بسكون اللام؛ أي أحسن خلق كل شيء، فيكون نصب قوله: (خلقه) على البدل. وقال مقاتل: ((معناه: الذي علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعلمه أحد)). وقال السدي: ((أحسنه: لم يعلمه من أحد)).
قيل: إن الله عز وجل لما طول رجل البهيمة والطير، طول عنقه لئلا يتعذر عليه تناول قوته من الأرض، ولو لم يطول عنقه لما نال معيشته.
قوله تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين }؛ يعني آدم عليه السلام كان أول طينا، { ثم جعل نسله }؛ أي ذريته، { من سلالة من مآء مهين }؛ أي من قليل من الماء ينسل من صلب الرجل وترائب المرأة، وهي النطفة، ووصفها بال (مهين) لأنه لا خطر له عند الناس. وسميت سلالة لأنها تنسل من الإنسان؛ أي تخرج. والهين هو الضعيف.
السجدة 32:9
قوله تعالى: { ثم سواه ونفخ فيه من روحه }؛ رجع إلى ذكر آدم، يعني سوى خلقه ونفخ فيه من روحه؛ ثم عاد إلى ذريته فقال: { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة }؛ بعد أن كنتم نطفا. والأفئدة هي القلوب، { قليلا ما تشكرون }؛ هذه النعم فتوحدونه. والمعنى: خلق لكم السمع فاستمعوا إلى الحق، والأبصار فأبصروا الحق، والأفئدة؛ أي القلوب؛ فاعقلوا الحق.
وقيل: معنى { ثم سواه } يعني الماء المهين جمعه وخلقه وصوره ونفخ فيه من روحه؛ أي نفخ فيه الروح الذي يحيا به الناس. أضاف الله ذلك إلى نفسه لأنه هو الخالق.
السجدة 32:10
قوله تعالى: { وقالوا أءذا ضللنا في الأرض أءنا لفي خلق جديد }؛ أي قال الكفار: إئذا هلكنا وانقطعت أوصالنا وذهبت آثارنا وصرنا ترابا، فلم يتبين شيء من خلقنا، أنبعث بعد ذلك؟! هذا لا يكون أبدا. ومعنى الضلالة في اللغة: الغيبوبة، يقال: ضل متاع فلان وضاع، بمعنى واحد.
وقوله تعالى: { بل هم بلقآء ربهم كافرون }؛ أي ليس كما يقولون أنهم لا يبعثون، بل هم بلقاء ربهم كافرون.
السجدة 32:11
قوله تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت }؛ أي يقبض أرواحكم أجمعين ملك الموت، { الذي وكل بكم }؛ قال مجاهد: ((حويت له الأرض فجعلت له مثل طست، يتناول منها حيث يشاء)). وقال الكلبي: ((اسم ملك الموت عزرائيل، وله أربعة أجنحة: جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ورأسه وجسده، وجعلت له الدنيا مثل راحة اليد لصاحبها، يأخذ منها ما أمر بقبضه من غير مشقة ولا عناء، وله أعوان من ملائكة الرحمة ومن ملائكة العذاب)).
وعن أنس بن مالك قال: [لقي جبريل ملك الموت بنهر فارس، فقال: يا ملك الموت كيف تستطيع قبض الأنفس، ها هنا عشرة آلاف، وها هنا كذا وكذا؟ قال عزرائيل: تزوى لي الأرض حتى كأنها بين فخذي فألتقطهم بيدي].
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إذا حان أجل الرجل، أتاه ملك فقال: أيها العبد كم خبر بعد خبر، وكم رسول بعد رسول؟ أنا الخبير ليس بعدي خبير، وأنا الرسول ليس بعدي رسول، أجب ربك طائعا أو مكروها. فإذا قبضت روحه وتصارخوا عليه، قال: على من تصرخون وعلى من تبكون؟ والله ما ظلمت لكم أجلا ولا أكلت لكم رزقا، بل دعاه ربه، فليبك الباكي على نفسه، فإن لي فيكم عودات وعودات حتى لا أبقي منكم أحدا ".
وقوله تعالى: { ثم إلى ربكم ترجعون }؛ أي تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم.
السجدة 32:12
قوله تعالى: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم }؛ يعني كفار مكة ناكسوا رؤوسهم حياء وندما، والمعنى: ولو ترى يا محمد إذ المجرمون مطرقوا رؤوسهم من الخزي وشدة الندم في يوم القيامة عند علمهم بأن الحجة قد قامت عليهم من كل جهة، وأنهم لا مهرب لهم من العذاب، وذلك هو الغاية في الوجل والخجل، يقولون: { ربنآ أبصرنا وسمعنا }؛ أي لك الحجة علينا لأنا أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم، { فارجعنا }؛ أي ولكن نسألك أن ترجعنا إلى الدنيا حتى، { نعمل صالحا إنا موقنون }؛ بك وبكتابك وبرسلك، وهذه الآية محذوفة الجواب؛ أي لو رأيت يا محمد، لرأيت غاية ما تعتبر به.
السجدة 32:13
قوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها }؛ قال الحسن: ((أراد به مشيئة القدر من الله تعالى؛ لأنه لم يعجز عن شيء، ولكنه لا يجبر العباد على ذلك لكي لا يبطل الثواب والعقاب)). والمعنى: ولو شئنا لآتينا كل نفس رشدها وثباتها، ومثل ذلك
ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا
[يونس: 99]
ولو شآء الله لجمعهم على الهدى
[الأنعام: 35].
وقوله تعالى: { ولكن حق القول مني }؛ معناه: ولكن وجب قولي عليهم بالعذاب، { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين }؛ بكفرهم وذنوبهم.
السجدة 32:14
قوله تعالى: { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ }؛ معناه: يقال لأهل النار إذا دخلوها: ذوقوا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم هذا؛ أي بما تركتم الإيمان بيومكم هذا. وقوله تعالى: { إنا نسيناكم }؛ أي تركناكم في العذاب وأحللناكم محل المنسي، { وذوقوا عذاب الخلد }؛ أي الذي لا ينقطع، { بما كنتم تعملون }؛ من الكفر والتكذيب.
السجدة 32:15
قوله تعالى: { إنما يؤمن بآياتنا }؛ معناه: إنما يقر ويصدق بدلائلنا، { الذين إذا ذكروا بها }؛ أي وعظوا بها، { خروا سجدا }؛ لله مصلين مع الإمام، { وسبحوا بحمد ربهم }؛ أي عظموا الله ونزهوه في صلاتهم حامدين لربهم، { وهم لا يستكبرون } أي يعفروا وجوههم صاغرين.
السجدة 32:16
قوله تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع }؛ أي ترفع لأجل الصلاة، قال مجاهد: ((هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة)). والمضاجع: هي الفرش التي يضطجعون عليها للنوم، واحدها مضجع.
وعن أنس رضي الله عنه قال: ((نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، حتى كنا نصلي المغرب فلا نرجع حتى نصلي العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وروي: أن امرأة جاءت إلى أنس بن مالك فقالت: إني أنام قبل العشاء، فقال: ((لا تنامي؛ فإن هذه الآية نزلت في الذين لا ينامون قبل العشاء، تتجافى جنوبهم عن المضاجع)).
وقال الحسن: ((المراد بالآية قيام الليل والتهجد))، وكان يقول: ((هم قوم أخفوا لله تعالى عملا، وأخفى لهم ثوابا)).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد "
وقال الضحاك: ((هو أن يصلي الرجل العشاء والفجر في جماعة)).
قوله تعالى: { يدعون ربهم خوفا وطمعا }؛ أي خوفا من عذاب الله وطمعا في رحمة الله. وانتصب (خوفا) و(طمعا) لأنه مفعول له. وقوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون }؛ أي ومما أعطيناهم من المال يتصدقون واجبا وتطوعا.
السجدة 32:17
قوله تعالى: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين }؛ أي لا يعلم أحد ما أخفى الله لهم مما تقر به أعينهم وتطيب به أنفسهم، { جزآء بما كانوا يعملون }؛ في الدنيا من الأعمال الصالحة.
قال ابن مسعود: ((إن في التوراة مكتوب: لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولا خطر على قلب بشر، وما لم يحمله ملك مقرب، وإنه في القرآن: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون } )).
قرأ حمزة: (ما أخفي لهم) بإسكان الياء؛ أي ما أخفي لهم أنا، وحجته (قرة). وقرأ عبدالله: (نخفي لهم) بالنون. وقرأ محمد بن كعب: (ما أخفى لهم) بفتح الألف والفاء، يعني أخفى الله لهم.
السجدة 32:18
قوله تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، جرى بينهما تنازع وتساب، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي وأنا والله أحد منك لسانا وأبسط منك في القول، وأملأ منك في الكتيبة. فقال له علي رضي الله عنه: أسكت فإنك فاسق تقول الكذب. فأنزل الله هذه الآية)). والمراد بالمؤمن: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبالفاسق: الوليد بن عقبة.
وقال الزجاج: ((إنه لم يرد بالمؤمن مؤمنا، ولذلك قال: (لا يستوون) ولم يقل: لا يستويان)). وقال قتادة في معنى الآية: ((والله ما استووا لا في الدنيا ولا عند الموت ولا في الآخرة)).
السجدة 32:19
قوله تعالى: { أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى }؛ التي يأوي إليها المؤمنون، وقوله: { نزلا بما كانوا يعملون }؛ أي معدة لهم بأعمالهم.
السجدة 32:20
قوله تعالى: { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار }؛ أي وأما الذين خرجوا من طاعة الله بكفرهم، فمأواهم النار، { كلمآ }؛ رفعهم لهب النار إلى أعلاها، فظنوا أنهم يخرجون منها ف، { أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها } ، ردتهم ملائكة العذاب إلى أسفلها بمقامع من حديد، { وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون }؛ في الدنيا.
السجدة 32:21
قوله تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى }؛ قيل: إن المراد بالعذاب الأدنى هو القحط والجوع الذي أصاب أهل مكة سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب. وقيل: هو القتل يوم بدر. وقيل: العذاب الأدنى هو مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها. وقيل: العذاب الأدنى هو عذاب القبر، والعذاب الأكبر هو عذاب يوم القيامة. وقوله تعالى: { دون العذاب الأكبر }؛ يعني بالعذاب الأكبر عذاب الآخرة، وقوله تعالى: { لعلهم يرجعون }؛ أي أخبرناهم ليرجعوا عن الكفر.
السجدة 32:22
قوله تعالى: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ }؛ ظاهر المعنى. قوله: { إنا من المجرمين منتقمون }؛ يعني الذين قتلوا ببدر، وعجلنا أرواحهم إلى النار. وأراد بالمجرمين المشركين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم لينصره، قال الله تعالى: { إنا من المجرمين منتقمون } ".
السجدة 32:23
قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ أعطيناه التوراة جملة واحدة، { فلا تكن في مرية من لقآئه }؛ وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء ليلة المعراج أو في بيت المقدس حين أسري به، والمعنى: فلا تكن في شك من لقاء موسى. قال ابن عباس: ((يعني ليلة الإسراء)). ويقال: أراد به لقاؤهما في الجنة. ويقال: أراد به لقاء الله. ويقال: أراد به أن يلقى محمد صلى الله عليه وسلم من قومه الأذى مثل ما لقي موسى من قومه.
قوله تعالى: { وجعلناه هدى لبني إسرائيل }؛ أي جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضلالة، { وجعلنا منهم أئمة }؛ أي جعلنا من بني إسرائيل أئمة، { يهدون بأمرنا }؛ يدلون الناس على ديننا فيقتدى بهم، فهم أنبياؤهم ومن استقام منهم على الدين. وقوله تعالى: { لما صبروا }؛ أي لما صبروا جعلناهم أئمة، كأنه قال: إن صبرتم على طاعتنا وصبرتم على معصيتنا جعلناكم أئمة.
قرأ حمزة والكسائي: (لما صبروا) بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي لصبرهم. ومعنى القراءة الأولى: حين صبروا. والمعنى: لما صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، { وكانوا بآياتنا يوقنون }؛ أي ولكونهم موقنين بآياتنا. قوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة }؛ أي هو الذي يقضي بين المؤمنين والكفار يوم القيامة، { فيما كانوا فيه يختلفون }؛ من الدين.
ثم خوف كفار مكة فقال: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم }؛ أي أولم يتبين لهم آثار عذاب الاستئصال فيمن أهلك قبلهم من الأمم الماضية المكذبة ما يكون عبرة لهم، يمشون في مساكن المهلكين على منازلهم وقراهم، مثل آثار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، { إن في ذلك }؛ أي إن في إهلاكنا إياهم بالتكذيب، { لآيات }؛ لدلالات واضحة لمن بعدهم، { أفلا يسمعون }؛ سماع القبول والطاعة. ومن قرأ (أولم نهد) بالنون، فالمعنى بإضافة الفعل إلى الله عز وجل.
السجدة 32:24
قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ أعطيناه التوراة جملة واحدة، { فلا تكن في مرية من لقآئه }؛ وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء ليلة المعراج أو في بيت المقدس حين أسري به، والمعنى: فلا تكن في شك من لقاء موسى. قال ابن عباس: ((يعني ليلة الإسراء)). ويقال: أراد به لقاؤهما في الجنة. ويقال: أراد به لقاء الله. ويقال: أراد به أن يلقى محمد صلى الله عليه وسلم من قومه الأذى مثل ما لقي موسى من قومه.
قوله تعالى: { وجعلناه هدى لبني إسرائيل }؛ أي جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضلالة، { وجعلنا منهم أئمة }؛ أي جعلنا من بني إسرائيل أئمة، { يهدون بأمرنا }؛ يدلون الناس على ديننا فيقتدى بهم، فهم أنبياؤهم ومن استقام منهم على الدين. وقوله تعالى: { لما صبروا }؛ أي لما صبروا جعلناهم أئمة، كأنه قال: إن صبرتم على طاعتنا وصبرتم على معصيتنا جعلناكم أئمة.
قرأ حمزة والكسائي: (لما صبروا) بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي لصبرهم. ومعنى القراءة الأولى: حين صبروا. والمعنى: لما صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، { وكانوا بآياتنا يوقنون }؛ أي ولكونهم موقنين بآياتنا. قوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة }؛ أي هو الذي يقضي بين المؤمنين والكفار يوم القيامة، { فيما كانوا فيه يختلفون }؛ من الدين.
ثم خوف كفار مكة فقال: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم }؛ أي أولم يتبين لهم آثار عذاب الاستئصال فيمن أهلك قبلهم من الأمم الماضية المكذبة ما يكون عبرة لهم، يمشون في مساكن المهلكين على منازلهم وقراهم، مثل آثار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، { إن في ذلك }؛ أي إن في إهلاكنا إياهم بالتكذيب، { لآيات }؛ لدلالات واضحة لمن بعدهم، { أفلا يسمعون }؛ سماع القبول والطاعة. ومن قرأ (أولم نهد) بالنون، فالمعنى بإضافة الفعل إلى الله عز وجل.
السجدة 32:25
قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ أعطيناه التوراة جملة واحدة، { فلا تكن في مرية من لقآئه }؛ وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء ليلة المعراج أو في بيت المقدس حين أسري به، والمعنى: فلا تكن في شك من لقاء موسى. قال ابن عباس: ((يعني ليلة الإسراء)). ويقال: أراد به لقاؤهما في الجنة. ويقال: أراد به لقاء الله. ويقال: أراد به أن يلقى محمد صلى الله عليه وسلم من قومه الأذى مثل ما لقي موسى من قومه.
قوله تعالى: { وجعلناه هدى لبني إسرائيل }؛ أي جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضلالة، { وجعلنا منهم أئمة }؛ أي جعلنا من بني إسرائيل أئمة، { يهدون بأمرنا }؛ يدلون الناس على ديننا فيقتدى بهم، فهم أنبياؤهم ومن استقام منهم على الدين. وقوله تعالى: { لما صبروا }؛ أي لما صبروا جعلناهم أئمة، كأنه قال: إن صبرتم على طاعتنا وصبرتم على معصيتنا جعلناكم أئمة.
قرأ حمزة والكسائي: (لما صبروا) بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي لصبرهم. ومعنى القراءة الأولى: حين صبروا. والمعنى: لما صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، { وكانوا بآياتنا يوقنون }؛ أي ولكونهم موقنين بآياتنا. قوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة }؛ أي هو الذي يقضي بين المؤمنين والكفار يوم القيامة، { فيما كانوا فيه يختلفون }؛ من الدين.
ثم خوف كفار مكة فقال: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم }؛ أي أولم يتبين لهم آثار عذاب الاستئصال فيمن أهلك قبلهم من الأمم الماضية المكذبة ما يكون عبرة لهم، يمشون في مساكن المهلكين على منازلهم وقراهم، مثل آثار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، { إن في ذلك }؛ أي إن في إهلاكنا إياهم بالتكذيب، { لآيات }؛ لدلالات واضحة لمن بعدهم، { أفلا يسمعون }؛ سماع القبول والطاعة. ومن قرأ (أولم نهد) بالنون، فالمعنى بإضافة الفعل إلى الله عز وجل.
السجدة 32:26
قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ أعطيناه التوراة جملة واحدة، { فلا تكن في مرية من لقآئه }؛ وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم لقيه في السماء ليلة المعراج أو في بيت المقدس حين أسري به، والمعنى: فلا تكن في شك من لقاء موسى. قال ابن عباس: ((يعني ليلة الإسراء)). ويقال: أراد به لقاؤهما في الجنة. ويقال: أراد به لقاء الله. ويقال: أراد به أن يلقى محمد صلى الله عليه وسلم من قومه الأذى مثل ما لقي موسى من قومه.
قوله تعالى: { وجعلناه هدى لبني إسرائيل }؛ أي جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضلالة، { وجعلنا منهم أئمة }؛ أي جعلنا من بني إسرائيل أئمة، { يهدون بأمرنا }؛ يدلون الناس على ديننا فيقتدى بهم، فهم أنبياؤهم ومن استقام منهم على الدين. وقوله تعالى: { لما صبروا }؛ أي لما صبروا جعلناهم أئمة، كأنه قال: إن صبرتم على طاعتنا وصبرتم على معصيتنا جعلناكم أئمة.
قرأ حمزة والكسائي: (لما صبروا) بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي لصبرهم. ومعنى القراءة الأولى: حين صبروا. والمعنى: لما صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، { وكانوا بآياتنا يوقنون }؛ أي ولكونهم موقنين بآياتنا. قوله تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة }؛ أي هو الذي يقضي بين المؤمنين والكفار يوم القيامة، { فيما كانوا فيه يختلفون }؛ من الدين.
ثم خوف كفار مكة فقال: { أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم }؛ أي أولم يتبين لهم آثار عذاب الاستئصال فيمن أهلك قبلهم من الأمم الماضية المكذبة ما يكون عبرة لهم، يمشون في مساكن المهلكين على منازلهم وقراهم، مثل آثار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، { إن في ذلك }؛ أي إن في إهلاكنا إياهم بالتكذيب، { لآيات }؛ لدلالات واضحة لمن بعدهم، { أفلا يسمعون }؛ سماع القبول والطاعة. ومن قرأ (أولم نهد) بالنون، فالمعنى بإضافة الفعل إلى الله عز وجل.
السجدة 32:27
قوله تعالى: { أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز }؛ معناه: أولم يعلموا أنا نسوق المطر بالسحاب والرياح إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها ولا شجر، { فنخرج به }؛ بذلك المطر، { زرعا }؛ رزقا، { تأكل منه أنعامهم }؛ أي تأكل أنعامهم من ساقها، { وأنفسهم }؛ وهم يأكلون من حبها، { أفلا يبصرون }؛ أفلا يعقلون.
والأرض الجرز: هي التي تأكل نباتها، يقال: ناقة جروز إذا كانت أكولا، وسيف جراز إذا كان مستأصلا، ورجل جرز إذا كان أكولا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((هي أرض باليمن)). وقال مجاهد: ((هي أبين)).
السجدة 32:28
قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الفتح }؛ وذلك أن كفار مكة كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: يوشك أن يكون لنا يوم نستريح فيه من شركهم، فكان الكفار يهزءون بهم ويقولون: متى هذا الفتح؛ أي الحكم الذي بيننا وبينكم، { إن كنتم صادقين }؛ فيما تقولون.
والمعنى: أن كفار مكة يقولون: متى هذا الفتح؛ أي القضاء وهو يوم البعث، يقضي فيه الله بين المؤمنين والكافرين.
فقال الله تعالى: { قل يوم الفتح }؛ يعني يوم القيامة ويوم القضاء والفصل، { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم }؛ لو آمنوا يومئذ، { ولا هم ينظرون }؛ أي ولا هم يمهلون، ولا يؤخرون لمعذرة أو توبة، ولا تؤخر عنهم عقوبتهم.
وعن ابن عباس في هذه الآية: ((المراد بالفتح فتح مكة، وأن الآية نزلت في بني خزيمة، كانوا هم الذين يستهزئون بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتذاكرون وهم بمكة فتح مكة لهم. فلما كان يوم الفتح تكلمت بنو خزيمة بكلمة الإسلام، فقتلهم خالد بن الوليد ولم يقبل منهم إسلامهم)) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ".
السجدة 32:29
قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الفتح }؛ وذلك أن كفار مكة كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: يوشك أن يكون لنا يوم نستريح فيه من شركهم، فكان الكفار يهزءون بهم ويقولون: متى هذا الفتح؛ أي الحكم الذي بيننا وبينكم، { إن كنتم صادقين }؛ فيما تقولون.
والمعنى: أن كفار مكة يقولون: متى هذا الفتح؛ أي القضاء وهو يوم البعث، يقضي فيه الله بين المؤمنين والكافرين.
فقال الله تعالى: { قل يوم الفتح }؛ يعني يوم القيامة ويوم القضاء والفصل، { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم }؛ لو آمنوا يومئذ، { ولا هم ينظرون }؛ أي ولا هم يمهلون، ولا يؤخرون لمعذرة أو توبة، ولا تؤخر عنهم عقوبتهم.
وعن ابن عباس في هذه الآية: ((المراد بالفتح فتح مكة، وأن الآية نزلت في بني خزيمة، كانوا هم الذين يستهزئون بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتذاكرون وهم بمكة فتح مكة لهم. فلما كان يوم الفتح تكلمت بنو خزيمة بكلمة الإسلام، فقتلهم خالد بن الوليد ولم يقبل منهم إسلامهم)) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ".
السجدة 32:30
قوله تعالى: { فأعرض عنهم }؛ أي عن جوابهم، { وانتظر } ، الفريضة فيهم، { إنهم منتظرون }؛ الفرصة فيك. قال ابن عباس: ((قوله تعالى: { فأعرض عنهم } نسخته آية السيف)). وقوله تعالى: { إنهم منتظرون } أي منتظرون لك حوادث الأزمان من موت أو قتل فيستريحون منك.
الأحزاب 33:1
{ يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما:
" وذلك أن أبا سفيان بن حرب؛ وعكرمة بن أبي جهل؛ وأبا الأعور السلمي قدموا فنزلوا على عبدالله بن أبي رأس المنافقين؛ وجد ابن قيس؛ ومعتب ابن قسر المنافقين.
وكان يومئذ مع المشركين عبدالله بن سعد بن أبي سرح، فطلبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانوا طلبوا منه الأمان على أن يكلموه، فقالوا له: يا محمد ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومنات، وقل: إن لها شفاعة في الآخرة ومنفعة لمن عبدها، وندعك أنت وربك! فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ائذن لي يا رسول الله في قتلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " إني قد أعطيتهم الأمان ". فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة، فقال لهم عمر رضي الله عنه: أخرجوا في لعنة الله وغضبه "
، وأنزل الله هذه الآية.
ومعناها: يا أيها النبي اتق الله في نقض العهد الذي بينك وبين أهل مكة لا تنقضه قبل أجله { ولا تطع الكافرين والمنافقين } فيما دعوك إليه، ولا تمل إليهم، ولا ترفق بهم ظنا منك أن ذلك أقرب إلى استمالتهم إلى الإيمان، فإن ذلك يؤدي إلى أن يظن بك مقارنة القوم على كفرهم، فمعنى قوله { ولا تطع الكافرين والمنافقين } يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة، والمنافقين عبدالله بن أبي وجد بن قيس وغيرهما.
قوله تعالى: { إن الله كان عليما حكيما }؛ أي عليما بأحوالهم، حكيما فيما أوجبه عليك في أمرهم وفيما يخلقه.
الأحزاب 33:2
قوله تعالى: { واتبع ما يوحى إليك من ربك }؛ أي اعمل بما أمرك الله في القرآن من مجانبة الكفار والمنافقين وترك موافقتهم، { إن الله كان بما تعملون خبيرا }؛ قرأ بالياء أبو عمرو، وقرأ الباقون بالتاء أي خبير بك وبهم.
الأحزاب 33:3
قوله تعالى: { وتوكل على الله }؛ أي فوض أمرك إلى الله واعتمد عليه في معاملتهم بما أمرت به في شأنهم، { وكفى بالله وكيلا }؛ أي حافظا وناصرا.
الأحزاب 33:4
قوله تعالى: { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: (نزلت هذه الآية في أبي معمر جميل بن أبي راشد الفهري، وكان رجلا حافظا لبيبا لما يسمع، وكان يقول: إن في جوفي لقلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد! وكانت قريش تسميه ذا القلبين لدهائه وكثرة حفظه للحديث، فأنزل الله عز وجل هذه الآية تكذيبا لهم، فأخبر أنه ما خلق لأحد قلبين.
فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم أبو معمر، تلقاه أبو سفيان وهو يعدو وإحدى نعليه في يده والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما فعل الناس؟ قال: انهزموا. فقال له: ما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟! فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده).
وقال الزهري ومقاتل: (هو مثل ضربه الله للمظاهر امرأته والمتبني ولد غيره، يقول: فكما لا يكون للرجل قلبان، لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى لا يكون له أمان، ولا يكون ولد ابن رجلين).
قوله تعالى: { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم }؛ أي ما جعل نساءكم اللائي تقولون لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا، لم نجعلهن كأمهاتكم في الحرمة. وكانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذا اللفظ، فلما جاء الإسلام نهوا عنه، وأوجبت الكفارة في سورة المجادلة.
قوله تعالى: { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم }؛ أي ما جعل من تدعونه ابنا من أبناء غيركم كأبنائكم الذين من أصلابكم في الانتساب والحرمة والحكم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة بعد أن أعتقه، فكان يقال: زيد بن محمد، فلما جاء الإسلام أمر أن تلحق الأدعياء بآبائهم، وكان يوم تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوحي.
قرأ نافع وأبو عمرو (وتظهرون) بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء من غير ألف، وقرأ الشامي كذلك إلا أنه بألف، وقرأ حمزة والكسائي مثل قراءة شامي إلا أنه بالتخفيف، وقرأ عاصم والحسن بضم التاء وتخفيف الظاء وبألف وكسر الهاء، قال أبو عمرو: (وهذا منكر؛ لأن التظاهر من التعاون).
قوله تعالى: { ذلكم قولكم بأفواهكم }؛ أي الذي تقولونه من إضافة القلبين إلى الرجل الواحد، وقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وقول الرجل لغير ابنه: هذا ابني، قوله: تقولون بأفواهكم من غير أن يكون له حقيقة ولا عليه دلالة ولا حجة، { والله }؛ تعالى: { يقول الحق }؛ أي يبين أن الذين يقولونه قول باطل، { وهو يهدي السبيل }؛ أي يدل على طريق وإلى الدين المستقيم.
الأحزاب 33:5
قوله تعالى: { ادعوهم لآبآئهم }؛ أي نسبوا هؤلاء الأدعياء إلى الآباء الذين قد ولدوا على فراشهم وقولوا: زيد بن حارثة، ولا تقولوا: زيد بن محمد. وقوله تعالى: { هو أقسط عند الله }؛ أي أعدل في حكم الله من نسبتكم إياهم إلى الذين تبنوهم. وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: (ما كنا ندعوا زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: { ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله }.
قوله تعالى: { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين }؛ فهم إخوانكم في الدين؛ أي من أسلم منهم، { ومواليكم }؛ أي وبنو أعمامكم، فقولوا: يا أخي ويا ابن عمي في الآية إباحة إطلاق اسم الأخوة وحظر اطلاق اسم الأبوة، وفي ذلك دليل على أن من قال لعبده: هذا أخي؛ لم يعتق لأنه يحتمل الأخوة في الدين، وإن قال: هذا ابني؛ عتق لأن ذلك ممنوع في غير النسب.
قوله تعالى: { وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به }؛ أي ليس عليكم إثم في نسبة الرجل إلى غير أبيه على وجه الخطأ. قال قتادة: (ولو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت تحسب أنه أبوه لم يكن عليك بأس)، { ولكن ما تعمدت قلوبكم }؛ أي ولكن الإثم عليكم فيما تعمدونه من ادعائهم إلى غير آبائهم، { وكان الله غفورا }؛ أي لمن تعمد ثم تاب، { رحيما }؛ به بعد التوبة.
قوله تعالى: { ولكن ما تعمدت قلوبكم } موضع قوله (ما) خفض عطفا على قوله { فيمآ أخطأتم } تقديره: ولكن فيما تعمدت قلوبكم.
الأحزاب 33:6
قوله تعالى: { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم }؛ أي هو أشفق وأبر وأحق بالمؤمنين من بعضهم ببعض، وهو أولى بكل إنسان منه بنفسه. وقيل: معناه: إذا حكم فيهم بشيء نفذ حكمه فيهم، ووجبت طاعته عليهم.
وقال ابن عباس: (إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من طاعة أنفسهم). وقال مقاتل: (معناه طاعته النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من طاعة بعضهم لبعض).
وقال الحكماء: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنفسهم، تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. وقال أبو بكر الوراق: (لأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى العقل، وأنفسهم تدعوهم إلى الهوى). وقال بسام بن عبدالله: (لأن أنفسهم تحرس من نار الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرسهم من نار الآخرة).
قوله تعالى: { وأزواجه أمهاتهم }؛ أي كأمهاتهم في تعظيم حقهن وفي تحريم نكاحهن، فلا يحل لأحد أن يتزوج بهن، كما لا يجوز التزويج بالأم. ولم يرد إثبات الأمية من جميع الوجوه، ألا ترى أنه لا تحل رؤيتهن ولا يرين المؤمنين بخلاف الأمهات، وكذلك لا يخلو بهن، ولا يسافر بهم، ولا يرثهن ولا يرثونه، ولو كن كالأمهات من جميع الوجوه لكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزوج بناته من أحد من الناس؛ لأن البنات يكن أخوات المؤمنين.
ومن هذا المعنى ما روي: أن امرأة قالت لعائشة: يا أم، قالت: (لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم) فبان بهذا أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. ولهذا لا يجوز أن يقال لبناتهن أنهن أخوات المؤمنين.
وفائدة تحريم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين في حياته وبعد وفاته تعظيم أمره وتفخيم شأنه، ولذلك حرم على الابن نكاح امراة أبيه.
قوله تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله }؛ أي وذو القرابة بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله، { من المؤمنين والمهاجرين }؛ إذا لم يكونوا قرابة، وذلك أنهم كانوا يتوارثون في ابتداء الإسلام بالهجرة والموآخاة.
قال الكلبي: (آخا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس، فكان يوآخي بين الرجلين، وإذا مات أحدهم ورثه الثاني دون عصبته وأهله، فمكثوا كذلك ما شاء الله حتى نزلت الآية { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } من المؤمنين الذين آخا رسول الله بينهم والمهاجرين، فنسخت هذه الآية الموارثة بالموآخاة والهجرة، وصارت للأدنى فالأدنى من القرابات).
قوله تعالى: { إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا }؛ { معروفا } استثناء ليس من الأول، ومعناه: لكن فعلكم إلى أوليائكم جائز، يريد أن يوصي الرجل لمن يتولاه ممن لا يرثه بما أحب من ثلث ماله، فيكون الموصى له أولى بقدر الوصية من القريب الوارث، وقال ابن زيد: (معناه إلا أن توصوا لأولياءكم من المهاجرين). قوله تعالى: { كان ذلك في الكتاب مسطورا }؛ أي كان الميزان للأقرباء، والوصية للأصدقاء، ونسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي الأرحام مكتوبا في اللوح المحفوظ.
الأحزاب 33:7
قوله تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم }؛ أي واذكر إذ أخذنا من النبيين عهودهم؛ أي يصدق بعضهم بعضا، ويبشر الأول بالآخر، ويأخذ كل رسول منهم على قوله بما أمر الله به، وقوله تعالى: { ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم }؛ قيل: إن الواو مقحمة؛ وتقديره: منك ومن نوح، فيكونوا (منك) ما بعده تفسير (النبيين).
والفائدة في تخصيص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر؛ لأنهم أهل الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرسل، ولهم الأمم والتبع. وقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب معه. وجاء في التفسير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إني خلقت قبل الأنبياء وبعثت بعدهم ".
قوله تعالى: { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا }؛ أي عهدا وثيقا بأن يعبدوني ولا يشركون بي شيئا. وقيل: وأخذنا منهم عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا. وقوله تعالى: { ليسأل الصادقين عن صدقهم }؛ أي لكي يسأل المبلغين عن تبليغهم وهو قوله تعالى:
ماذآ أجبتم
[القصص: 65].
وفائدة سؤال الرسل وهم صادقون؛ لتكذيب الذين كفروا بهم فيكون هذا السؤال احتجاجا على الكاذبين، وإذا سئل الصادقون، فكيف يظن بالكاذبين؟! وقوله تعالى: { وأعد للكافرين عذابا أليما }؛ أي أعد للذين كفروا بالرسل عذابا شديدا.
الأحزاب 33:8
قوله تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم }؛ أي واذكر إذ أخذنا من النبيين عهودهم؛ أي يصدق بعضهم بعضا، ويبشر الأول بالآخر، ويأخذ كل رسول منهم على قوله بما أمر الله به، وقوله تعالى: { ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم }؛ قيل: إن الواو مقحمة؛ وتقديره: منك ومن نوح، فيكونوا (منك) ما بعده تفسير (النبيين).
والفائدة في تخصيص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر؛ لأنهم أهل الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرسل، ولهم الأمم والتبع. وقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب معه. وجاء في التفسير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إني خلقت قبل الأنبياء وبعثت بعدهم ".
قوله تعالى: { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا }؛ أي عهدا وثيقا بأن يعبدوني ولا يشركون بي شيئا. وقيل: وأخذنا منهم عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا. وقوله تعالى: { ليسأل الصادقين عن صدقهم }؛ أي لكي يسأل المبلغين عن تبليغهم وهو قوله تعالى:
ماذآ أجبتم
[القصص: 65].
وفائدة سؤال الرسل وهم صادقون؛ لتكذيب الذين كفروا بهم فيكون هذا السؤال احتجاجا على الكاذبين، وإذا سئل الصادقون، فكيف يظن بالكاذبين؟! وقوله تعالى: { وأعد للكافرين عذابا أليما }؛ أي أعد للذين كفروا بالرسل عذابا شديدا.
الأحزاب 33:9
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم }؛ يذكرهم الله إنعامه عليهم في دفع الأحزاب عنهم من غير قتال، وذلك: أن الكفار جاءوا بأجمعهم في وقعة الخندق، وأحاطوا بالمدينة من أعلاها وأسفلها، طليحة بن خويلد الأسدي وأصحابه من فوق الوادي، وكان أبو الأعور السلمي وأصحابه من أسفل الوادي، وكان أبو سفيان وأصحابه ويهود بني قريظة في مواجهة المؤمنين، فاشتد الخوف بالمؤمنين وزاغت أبصارهم؛ أي مالت من الخوف، ويقال: مالت أبصار المنافقين خوفا من النظر إليهم. وكان الكفار خمسة عشر ألفا، وبلغت قلوب المسلمين الحناجر؛ أي كادت تبلغ الحلوق، وذلك أن شدة الخوف ترفع الرئة، فترفع الرئة القلب.
كما روي:
" أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله! قد بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، يكفيكهم الله تعالى " فأرسل الله على الكفار ريحا باردة منكرة شغلتهم عن الاستعداد للحرب، ومنعتهم من الثبات على المكان، وقلعت خيامهم وأكفأت أوانيهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون منها في سلامة، وليس بينهم إلا مسافة الخندق، وكان ذلك إحدى معجزاته عليه السلام كما قال صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " ".
قوله تعالى: { إذ جآءتكم جنود }؛ يعني الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وهم عيينة بن حصن وأبو سفيان بن حرب وبنو قريظة، { فأرسلنا عليهم ريحا } ، وهي الصبا، أرسلت عليهم حتى أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم، وقوله: { وجنودا لم تروها } ، يعني الملائكة؛ { وكان الله بما تعملون بصيرا }.
وروي:
" أن شابا من أهل الكوفة قال لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبدالله هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (إي والله لقد رأيته) قال: والله لو رأيناه لحملناه على رقابنا، وما تركناه يمشي على الأرض، فقال له حذيفة: (يا ابن أخي أفلا أحدثك عني وعنه؟) قال: بلى. قال: (والله لو رأيتنا يوم الخندق، وبنا من الجهد والجوع ما لا يعلمه إلا الله. قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى من الليل ما شاء الله، ثم قال: " ألا رجل يأتي بخبر القوم جعله الله رفيقي في الجنة؟ " فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجوع والجهد. ثم صلى ما شاء الله، ثم قال: " ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله رفيقي في الجنة؟ " فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الجهد والخوف والجوع. فلما لم يقم أحد، دعاني فلم أجد بدا من إجابته، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: " اذهب فجئ بخبر القوم، ولا تحدثن شيئا حتى ترجع ".
قال حذيفة: قمت وجنبي يضطربان، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسي ووجهي، ثم قال: " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته ". قال: فانطلقت أمشي حتى أتيت القوم، وإذا ريح الله وجنوده يفعل بهم ما يفعل، ما يستمسك لهم بناء، ولا تثبت لهم نار، ولا يطمئن لهم قدر. فبينما هم كذلك، إذ خرج أبو سفيان من رحله، فقال: يا معشر قريش؛ ما أنتم بدار مقام، لقد هلكت الخف والحافر وأخلفتنا بنو قريظة، وهذه الريح لا يستمسك لنا معها شيء، ولا تثبت لنا نار ولا تطمئن قدر. ثم عجل فركب راحلته، وإنها لمعقولة ما حل عقالها إلا بعدما ركبها.
فقال حذيفة: فقلت في نفسي: لو رميت عدو الله فكنت قد صنعت شيئا، فأوترت قوسي وأنا أريد أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ولا تحدثن شيئا حتى ترجع ". فحططت القوس ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فلما فرغ قال: " ما الخبر؟ " فأخبرته بذلك، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل. ثم أدناني منه وبي من البرد ما أجده، فألقى علي طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدميه وهو قائم يصلي) ".
الأحزاب 33:10
قوله تعالى: { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار } أي مالت عن كل شيء، فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب، { وبلغت القلوب الحناجر } ، والحنجرة جوف الحلق. قال قتادة: (شخصت القلوب من مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت).
وقوله تعالى: { وجنودا لم تروها } يعني الملائكة، بعث الله ملائكة على المشركين فقلعت أوتاد الخيل وأطناب الفساطيط، وأطفأت النيران وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى وقع بهم الرعب فانهزموا من غير قتال.
قوله تعالى: { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } ، أي من فوق الوادي من قبل المشرق عليهم مالك بن عوف البصري، وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان، { ومن أسفل منكم } ، يعني من قبل المغرب فيهم أبو سفيان في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور السلمي من قبل الخندق.
وكان من حديث الخندق:
" أن نفرا من اليهود منهم حيي بن أخطب وكنانة بن الربيع وهوذة بن قيس وأبو عمارة الوائلي، وجماعة من بني النضير خرجوا حتى قدموا على قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوهم فاجتمعوا مع قريش. فسارت وقائدها عيينة بن حصين الفزاري، وسارت بنو مرة وقائدها الحارث بن عوف، وسارت بنو أشجع وقائدها مسعر بن رخيلة الأشجعي، وسارت قريش وقائدها أبو سفيان.
فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي أشار بالخندق على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان، فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا. فحفره رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أحكموه.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفر الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجمع الأسيال من رومة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وهم ثلاثة آلاف من المسلمين، فكان الخندق بينهم وبين المشركين، وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وظهر النفاق في المنافقين، حتى قال معتب بن بشير المنافق: كان محمد وعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، فأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. فذلك قوله تعالى: { وتظنون بالله الظنونا }.
فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأقام الكفار معه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم إلا الرمي بالنبل والحصى والحصار.
فلما اشتد البلاء على الناس واستطال، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصين وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما من القوم، فجرى بينهما الصلح حتى وقع الكتاب ولم تقع الشهادة، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما في ذلك، فقالا: يا رسول الله؛ أهذا شيء أمرك الله به أم أمر تحبه أنت أم أمر تصنعه لنا؟ فإن كان أمرا من الله لك فلا بد لنا من العمل به، وإن كان أمرا تحبه فاصنع ما شئت، وإن كان شيئا تصنعه لنا فعرفنا به، فقال صلى الله الله عليه وسلم: " بل والله ما صنعت ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم بقوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم ".
فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من ثمارنا تمرة إلا قراء أو شراء، فكيف وقد أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا بك نعطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " فأنت وذاك ". فتناول سعد الصحيفة التي كتبوا فيها صلحهم فمحاها.
ثم إنهم تراموا بالنبل، فوقعت رمية في أكحل سعد بن معاذ فقطعته، رماه ابن الغرفة من قريش، فما زال أكحله يسيل دما حتى خيف عليه، فقال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش فأبقني لها، فإنه لا شيء أحب إلي من جهاد قوم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لنا شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
ثم أتى نعيم بن مسعود الغطفاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ قد أسلمت وإن قومي من غطفان لم يعلموا بإسلامي، فمرني فيهم بما شئت، فقال عليه السلام: " إنما أنت رجل واحد فخذل عنا إن استطعت ". فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة؛ لقد علمتم ودي لكم وما بيني وبينكم من المحبة. قالوا: صدقت؛ لست عندنا بمتهم.
فقال لهم: إن قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمد، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم؛ لأن هذه بلدكم وبها أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا إلى غيركم، وإن قريشا وغطفان أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدون، إن رأوا لهم ها هنا صولة وغنيمة أخذوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين هذا الرجل وهو رجل ببلدكم لا طاقة لكم به، فلا تقاتلوه حتى تأخذوا رهنا من أشراف قريش وغطفان يكونون بأيديكم ثقة على أن يقاتلوا معكم. فقالوا له: لقد أشرت برأي ونصيحة.
ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال: يا معشر قريش؛ قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا، وقد بلغني أمرا رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا علي. قالوا: نفعل! قال: اعلموا أن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: أنا قد ندمنا على فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب رقابهم، ثم نكون معك على من بقي منهم، فقال لهم: نعم، وأنتم إذا بعثت اليهود إليكم يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم: يا معشر غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت! قال: فاكتموا علي، قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
فأرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى يهود بني قريظة نفرا من قريش وغطفان، فأتوهم وقالوا لهم: قد هلك الخف والحافر، فأعدوا للقتال حتى يفرغ ما بيننا وبين محمد. فقال بنو قريظة: لسنا بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم تكون ثقة بأيدينا، فإنا نخاف أنكم إذا اشتد عليكم الحرب والقتال أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا، وهذا الرجل قريب من بلادنا، ولا طاقة لنا به.
فرجعت الرسل بما قالت بنو قريظة، فقالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثنا به نعيم بن مسعود لحق. وأرسلوا إلى بني قريظة: والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، ولكنكم إن كنتم تريدون الحرب فاخرجوا معنا فقاتلوا ونحن معكم. قالت بنو قريظة: لا نقاتل إلا إذا أعطيتمونا رهنا من رجالكم. فقالوا لهم: حدثنا نعيم بن مسعود بذلك فلم نصدقه، فقالوا لهم: إن الذي ذكره لكم حق. وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الريح في ليلة شاتية شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين، والحمد لله رب العالمين ".
قوله تعالى: { وتظنون بالله الظنونا } ، فأما المنافقون فظنوا أن محمدا وأصحابه سيغلبون ويستأصلون، وأما المؤمنون فأيقنوا أن ما وعدهم الله تعالى حق، وأنه سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون. قال الحسن في معنى: { وتظنون بالله الظنونا }: (يعني ظن المؤمنون بالله خيرا، وظن المنافقون أن الكافرين ظهروا على المؤمنين).
قرأ نافع وعاصم وابن عامر: (الظنونا) و(الرسولا) و(السبيلا) بإثبات الألف فيها وقفا ووصلا لأنه من أواخر الآي، وقرأ أبو عمرو بغير ألف وقفا ووصلا، وقرأ الباقون بالألف في الوقف دون الوصل.
الأحزاب 33:11
قوله تعالى: { هنالك ابتلي المؤمنون } أي في تلك الحال اختبر المؤمنون بالقتال ليتبين المخلص من المنافق. وقيل: معناه: امتحن المؤمنون بالخوف الشديد الذي عنده يظهر المؤمن القوي من المؤمن الضعيف، وذووا العزم الصحيح من غيرهم. وقوله: { وزلزلوا زلزالا شديدا }؛ أزعجوا وحركوا تحريكا شديدا، وذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا لا يستقر على مكانه.
الأحزاب 33:12
قوله تعالى: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } معناه: وإذ يقول الذين يستبطنون الكفر والذين في قلوبهم شك وضعف اعتقاد: ما وعدنا محمد أن فارس والروم يفتحان علينا ونحن في مكاننا هذا الذي لا يقدر أحد أن يبرز لحاجته إلا باطلا. قال قتادة: (قال ناس من المنافقين: يعدنا محمد أن نفتح قصور الشام وفارس، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله الغرور).
الأحزاب 33:13
قوله تعالى: { وإذ قالت طآئفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا }؛ قال مقاتل: (هم بنو سالم من المنافقين)، وقال السدي: (عبدالله بن أبي وأصحابه). (يا أهل يثرب) أي يا أهل المدينة، قال أبو عبيدة: (يثرب اسم أرض، ومدينة الرسول في ناحية منها). وقوله تعالى: { لا مقام لكم } أي لا موقف لكم في هذا الموضع، فارجعوا إلى المدينة.
وقرأ عاصم (لا مقام) بضم الميم؛ أي لا إقامة لكم ها هنا؛ لكثرة العدو وغلبة الحراب، فارجعوا إلى منازلكم، أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: { ويستأذن فريق منهم النبي }؛ معناه: ويستأذن فريق منهم النبي عليه السلام في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة؛ وهم: بنو حارثة وبنو سلمة، وكانوا يعتلون في الاستئذان بقولهم: { يقولون إن بيوتنا عورة }؛ أي بيوتنا خالية من الرجال نخاف عليها، وقيل: معناه: إن بيوتنا ليست بجديدة. وقال مقاتل والحسن: (معناه: قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق). وقال قتادة: (قالوا بيوتنا مما يلي العدو ولا نأمن على أهلنا). فكذبهم الله تعالى وأعلم أن قصدهم الهرب، فقال عز وجل: { وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا }؛ من القتال ونصرة المؤمنين.
وقرأ ابن عباس وأبو رجاء: (إن بيوتنا عورة) بكسر الواو؛ أي قصيرة الجدران، فيها خلل وفرجة. قال الزجاج: (يقال: عور المكان يعور عورا وعورة، وبيوت عورة وعورة، وهي مصدر). والعورة في اللغة: ما ذهب عنه الستر والحفظ، تقول العرب: اعور الفارس إذا كان فيه موضع خلل للضرب، وعور المكان إذا بدت منه عورة. قال الشاعر:
متى تلقهم، لا تلق للبيت عورة
ولا الضيف محروما ولا الجار مرملا
يقال: أرمل القوم إذا فرغ زادهم.
الأحزاب 33:14
قوله تعالى: { ولو دخلت عليهم من أقطارها }؛ أي لو دخلت المدينة على هؤلاء المنافقين من أطرافها، يعني: لو دخل عليهم هؤلاء الأحزاب من نواحيها، { ثم سئلوا الفتنة لآتوها }؛ أي ثم دعوا إلى الشرك لأجابوها سريعا وأعطوها من أنفسهم. والمعنى: لو أن الأحزاب دخلوا المدينة، ثم أمروهم بالشرك لأشركوا.
وقرأ أهل المدينة (لأتوها) بالقصر؛ أي لفعلوها بأنفسهم، { وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا }؛ أي وما يلبثون بإجابتها إلا قليلا حتى يقبلوا. قال قتادة: (وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا)، ويقال: ما يتلبثون بالمدينة بعد إجابتهم إلا يسيرا حتى يهلكوا.
الأحزاب 33:15
قوله تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار }؛ قيل: إنهم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل، عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها. وقال قتادة: (هم قوم كانوا غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فلما كان يوم الأحزاب لم يفوا بذلك العهد).
ومعنى الآية: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل غزوة الخندق { لا يولون الأدبار } أي لا ينهزمون ولا يولون العدو ظهورهم. وقوله تعالى: { وكان عهد الله مسئولا }؛ أي مطالبا مسؤولا عنه محاسبا عليه، يسألون عنه في الآخرة.
ثم أخبر الله أن الفرار لا يزيدهم في آجالهم؛ فقال: { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل }؛ أي من حضر أجله مات أو قتل، فكلاهما مكتوب عليكم. وقوله تعالى: { وإذا لا تمتعون إلا قليلا }؛ أي إن فررتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم يمتعوا إلا قليلا حتى يلحقكم أحد الأمرين. والمعنى: لا تمتعون بعد الفرار في الدنيا إلا مدة أجلكم.
ثم أخبر الله تعالى أن ما قدره عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم، قوله تعالى: { قل من ذا الذي يعصمكم من الله }؛ أي من الذي يجيركم ويمنعكم من الله، { إن أراد بكم سوءا }؛ أي هلاكا وهزيمة، { أو أراد بكم رحمة }؛ أي خيرا وهو النصر. وهذا كله أمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم بهذه الأشياء.
ثم أخبر الله أنه لا ينفعهم قريب ولا ناصر ينصرهم من الله، فقال تعالى: { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا }.
الأحزاب 33:16
قوله تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار }؛ قيل: إنهم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل، عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها. وقال قتادة: (هم قوم كانوا غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فلما كان يوم الأحزاب لم يفوا بذلك العهد).
ومعنى الآية: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل غزوة الخندق { لا يولون الأدبار } أي لا ينهزمون ولا يولون العدو ظهورهم. وقوله تعالى: { وكان عهد الله مسئولا }؛ أي مطالبا مسؤولا عنه محاسبا عليه، يسألون عنه في الآخرة.
ثم أخبر الله أن الفرار لا يزيدهم في آجالهم؛ فقال: { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل }؛ أي من حضر أجله مات أو قتل، فكلاهما مكتوب عليكم. وقوله تعالى: { وإذا لا تمتعون إلا قليلا }؛ أي إن فررتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم يمتعوا إلا قليلا حتى يلحقكم أحد الأمرين. والمعنى: لا تمتعون بعد الفرار في الدنيا إلا مدة أجلكم.
ثم أخبر الله تعالى أن ما قدره عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم، قوله تعالى: { قل من ذا الذي يعصمكم من الله }؛ أي من الذي يجيركم ويمنعكم من الله، { إن أراد بكم سوءا }؛ أي هلاكا وهزيمة، { أو أراد بكم رحمة }؛ أي خيرا وهو النصر. وهذا كله أمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم بهذه الأشياء.
ثم أخبر الله أنه لا ينفعهم قريب ولا ناصر ينصرهم من الله، فقال تعالى: { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا }.
الأحزاب 33:17
قوله تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار }؛ قيل: إنهم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل، عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها. وقال قتادة: (هم قوم كانوا غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فلما كان يوم الأحزاب لم يفوا بذلك العهد).
ومعنى الآية: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل غزوة الخندق { لا يولون الأدبار } أي لا ينهزمون ولا يولون العدو ظهورهم. وقوله تعالى: { وكان عهد الله مسئولا }؛ أي مطالبا مسؤولا عنه محاسبا عليه، يسألون عنه في الآخرة.
ثم أخبر الله أن الفرار لا يزيدهم في آجالهم؛ فقال: { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل }؛ أي من حضر أجله مات أو قتل، فكلاهما مكتوب عليكم. وقوله تعالى: { وإذا لا تمتعون إلا قليلا }؛ أي إن فررتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم يمتعوا إلا قليلا حتى يلحقكم أحد الأمرين. والمعنى: لا تمتعون بعد الفرار في الدنيا إلا مدة أجلكم.
ثم أخبر الله تعالى أن ما قدره عليهم وأراده بهم لا يدفع عنهم، قوله تعالى: { قل من ذا الذي يعصمكم من الله }؛ أي من الذي يجيركم ويمنعكم من الله، { إن أراد بكم سوءا }؛ أي هلاكا وهزيمة، { أو أراد بكم رحمة }؛ أي خيرا وهو النصر. وهذا كله أمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يخاطبهم بهذه الأشياء.
ثم أخبر الله أنه لا ينفعهم قريب ولا ناصر ينصرهم من الله، فقال تعالى: { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا }.
الأحزاب 33:18
قوله تعالى: { قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا }؛ قال المفسرون: هؤلاء قوم من المنافقين، كانوا يبطئون المجاهدين ويمنعونهم عن الجهاد. يقال: عاق يعوق؛ إذا منع، وعوق إذا اعتاد المنع، وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده.
قال قتادة: (هم قوم من المنافقين، كانوا يقولون: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وحزبه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك، فخلوهم وتعالوا إلينا).
وقوله تعالى: { والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا } أي ويعلم القائلين لإخوانهم تعالوا إلينا ودعوا محمدا فلا تشهدوا معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك، وقوله: { ولا يأتون البأس إلا قليلا }؛ أي لا يحضرون القتال في سبيل الله إلا قليلا؛ أي لا يقاتلون إلا رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا.
الأحزاب 33:19
قوله: { أشحة عليكم }؛ أي بخلاء عليكم بأنفسهم وأموالهم، لا ينفقون شيئا منها في سبيل الله ونصرة المؤمنين. ثم أخبر عن جبنهم فقال تعالى: { فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت } ، من الخوف والفزع كما تدور أعين الذي يحضره الموت فيغشى عليه، ويذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم وتحار أعينهم لما يلحقهم من الخوف، { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد }؛ أي بسطوا ألسنتهم وأرسلوها، طاغين عليكم. قال الفراء: (معناه: آذوكم بالكلام وعضوكم بألسنة سليطة ذربة) يقال: خطيب مسلاق إذا كان بليغا في خطابه.
وقوله تعالى: { أشحة على الخير }؛ أي بخلاء بالغنيمة، يخاصمون فيها ويشاحون المؤمنين عليها عند القسمة، فيقولون: أعطونا فلستم أحق منا! وقوله تعالى: { أولئك لم يؤمنوا }؛ أي هم وإن أظهروا الإيمان ونافقوا فليسوا بمؤمنين، { فأحبط الله أعمالهم }؛ أي أبطل جهادهم وثواب أعمالهم؛ لأنه لم يكن في إيمان، { وكان ذلك } الإحباط، { على الله يسيرا }؛ قال مقاتل: (معنى الآية: فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن والغنيمة، سلقوكم بألسنة حداد؛ أي بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، وسيقولون: أعطونا فلستم أحق بها منا! فأما عند البأس والقتال فأجبن قوم وأخذلهم، وأما عند الغنيمة فأشح قوم).
الأحزاب 33:20
قوله تعالى: { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } أي يظن المنافقون من جبنهم وخبثهم أن الأحزاب لم يذهبوا إلى مكة وقد ذهبوا، { وإن يأت الأحزاب }؛ في المرة الثانية؛ أي يرجعون إلى القتال، { يودوا لو أنهم بادون في الأعراب }؛ داخلون في البادية مع الأعراب، { يسألون عن أنبآئكم }؛ أي يتمنون لو كانوا في بادية بالبعد منكم، يسألون عن أخباركم يقولون: ما فعل محمد وأصحابه؟! فيعرفون حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة. والمعنى بسؤالهم: أنه إذا كان الظفر لكم شاركوكم، وإن كان للمشركين شاركوهم، كل هذا من الخوف والجبن. قرأ يعقوب (يساءلون) بالتشديد والمد، بمعنى يتساءلون؛ أي يسأل بعضهم بعضا عن أخباركم، { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا }؛ لو كان هؤلاء المنافقون فيكم ما قاتلوا إلا رميا بالحجارة من غير احتساب.
الأحزاب 33:21
قوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة }؛ أي لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنة في الصبر على القتال والثبات عليه واحتمال الشدائد في ذات الله، { لمن كان يرجوا الله }؛ يرجو ثواب الله، { واليوم الآخر } ، وثواب الدنيا والآخرة، { وذكر الله كثيرا } ، وذلك: أن كل من ذاد أو ذكر الله في لسانه ازدادت رغبته في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ومعنى الآية: لقد كان لكم في رسول الله اقتداء لو اقتديتم به، والصبر معه في مواطن القتال كما فعل هو يوم أحد إذ كسرت رباعيته وشج حاجبه وقتل عمه، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلا فعلتم مثل ما فعل هو. وقوله تعالى: { لمن كان يرجوا الله } يدل من قوله (لكم) وهو تخصيص بعد التعميم للمؤمنين.
الأحزاب 33:22
قوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله }؛ وذلك أن الله تعالى كان قد وعدهم في سورة البقرة
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء
[البقرة: 214]... إلى قوله
ألا إن نصر الله قريب
[البقرة: 214] وقوله تعالى:
ليظهره على الدين كله
[الفتح: 28]. وقوله تعالى: { وما زادهم إلا إيمانا وتسليما }؛ أي ما زادهم ما رأوه إلا إيمانا وتصديقا بوعد الله وتسليما لآخره.
الأحزاب 33:23
قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه }؛ أي من جملة المؤمنين رجال وافوا ما عاهدوا الله عليه بالثبات على الدين والعمل بموجبه من الصبر على القتال وغير ذلك، { فمنهم من قضى نحبه }؛ أي من وفى بنذره، ومنهم من أقام على ذلك العهد حتى قتل شهيدا في سبيل الله. قيل: إن المراد به حمزة ابن عبد المطلب وأصحابه الذين قتلوا يوم أحد.
والنحب في اللغة: النذر، وقيل: النحب هو النفس، ومنه النحيب: وهو التنفس الشديد والنشج في البكاء. والمعنى على هذا القول: (منهم من قضى نحبه) { ومنهم من ينتظر }؛ الموت على ذلك العهد. وقيل: معناه: (فمنهم من قضى نحبه) أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنى، فذلك قضاء النحب. وقيل: فرغ من عمله، ورجع إلى الله. وقال الحسن: (قضى أجله على الوفاء والصدق)، قال ابن قتيبة: (قضى نحبه: قتل).
وأصل النحب: النذر، كان قوم نذروا أنهم إن لقوا العدو قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله تعالى فقتلوا. يقال: فلان قضى نحبه، إذا قتل. وقال محمد بن اسحاق: (فمنهم من قضى نحبه، من استشهد يوم بدر وأحد، ومنهم من ينتظر ما وعد الله من نصر أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه).
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
" طلحة بن عبيدالله ممن قضى نحبه، ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيبت يده، فقال صلى الله عليه وسلم: " أوجب طلحة الجنة " "
وعن أبي نجيح: أن طلحة بن عبيد الله كان يوم أحد عند النبي صلى الله عليه وسلم في الجبل، فجاء سهم متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتقاه طلحة بيده فأصاب خنصره.
وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله ".
قوله تعالى: { وما بدلوا تبديلا }؛ أي ما غيروا عهد الله الذي عاهدوه عليه كما غيره المنافقون. وقوله تعالى: { ليجزي الله الصادقين بصدقهم }؛ أي صدق المؤمنون في عهدهم ليجزيهم الله بصدقهم، { ويعذب المنافقين }؛ بنقض العهد، { إن شآء }؛ قال السدي: (يميتهم الله على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم العذاب). فمعنى شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذبهم، { أو يتوب عليهم }؛ فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا يعذبهم إذا ماتوا على النفاق، { إن الله كان غفورا }؛ لمن تاب { رحيما }؛ بمن مات على التوبة.
الأحزاب 33:24
قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه }؛ أي من جملة المؤمنين رجال وافوا ما عاهدوا الله عليه بالثبات على الدين والعمل بموجبه من الصبر على القتال وغير ذلك، { فمنهم من قضى نحبه }؛ أي من وفى بنذره، ومنهم من أقام على ذلك العهد حتى قتل شهيدا في سبيل الله. قيل: إن المراد به حمزة ابن عبد المطلب وأصحابه الذين قتلوا يوم أحد.
والنحب في اللغة: النذر، وقيل: النحب هو النفس، ومنه النحيب: وهو التنفس الشديد والنشج في البكاء. والمعنى على هذا القول: (منهم من قضى نحبه) { ومنهم من ينتظر }؛ الموت على ذلك العهد. وقيل: معناه: (فمنهم من قضى نحبه) أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما تمنى، فذلك قضاء النحب. وقيل: فرغ من عمله، ورجع إلى الله. وقال الحسن: (قضى أجله على الوفاء والصدق)، قال ابن قتيبة: (قضى نحبه: قتل).
وأصل النحب: النذر، كان قوم نذروا أنهم إن لقوا العدو قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله تعالى فقتلوا. يقال: فلان قضى نحبه، إذا قتل. وقال محمد بن اسحاق: (فمنهم من قضى نحبه، من استشهد يوم بدر وأحد، ومنهم من ينتظر ما وعد الله من نصر أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه).
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
" طلحة بن عبيدالله ممن قضى نحبه، ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيبت يده، فقال صلى الله عليه وسلم: " أوجب طلحة الجنة " "
وعن أبي نجيح: أن طلحة بن عبيد الله كان يوم أحد عند النبي صلى الله عليه وسلم في الجبل، فجاء سهم متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتقاه طلحة بيده فأصاب خنصره.
وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة "
وقال صلى الله عليه وسلم:
" من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله ".
قوله تعالى: { وما بدلوا تبديلا }؛ أي ما غيروا عهد الله الذي عاهدوه عليه كما غيره المنافقون. وقوله تعالى: { ليجزي الله الصادقين بصدقهم }؛ أي صدق المؤمنون في عهدهم ليجزيهم الله بصدقهم، { ويعذب المنافقين }؛ بنقض العهد، { إن شآء }؛ قال السدي: (يميتهم الله على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم العذاب). فمعنى شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على النفاق إن شاء ثم يعذبهم، { أو يتوب عليهم }؛ فيغفر لهم، ليس أنه يجوز أن لا يعذبهم إذا ماتوا على النفاق، { إن الله كان غفورا }؛ لمن تاب { رحيما }؛ بمن مات على التوبة.
الأحزاب 33:25
قوله تعالى: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا }؛ معناه: وصرف الله الكفار عن المؤمنين مغتاظين لم يكن فيهم من شفا غيظه، ولم ينالوا منهم مالا ولا غنيمة، ولم يروا سرورا، { وكفى الله المؤمنين القتال }؛ بالريح والملائكة التي أرسلت عليهم، { وكان الله قويا }؛ أي لم يزل قويا في ملكه، { عزيزا } ، في قدرته منيعا بالنقمة من أعدائه.
الأحزاب 33:26
قوله تعالى: { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم }؛ معناه: وأنزل الذين عاونوا المشركين من أهل الكتاب وهم بنو قريظة، نقضوا العهد وأعانوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزلهم الله من حصونهم مع شدة شوكتهم، وألقى في قلوبهم الرعب.
" وذلك أن بني قريظة كانوا قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينصروا أعداءه عليه، فلما رأوا الأحزاب وكثرتهم ظنوا أنهم يستأصلون المؤمنين، فنقضوا العهد ولحقوا بهم.
فلما هزم الله المشركين ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته، أراد أن ينزع لامته، فسمع هسيسا، فنظر فإذا جبريل عليه السلام في درعه وسلاحه، فقال له جبريل: أتنزع لامتك يا رسول الله والملائكة لم ينزعوا حتى يقاتلوا بني قريظة ويصلى فيهم العصر؟! فقال صلى الله عليه وسلم: " وكيف لي بقتالهم وهم في حصونهم؟! " فقال جبريل: لألهمنك ذلك، فوالله لأدقنهم اليوم كما يدق البيض على الصفا. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصحاب، فخرجوا إلى حصون بني قريظة، فألقي الرعب في قلوب القوم حتى طلبوا الصلح، وأبوا إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله في حرب الخندق، فسأل الله أن يؤخره إلى أن يرى قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم، فاستجاب الله دعاءه. فلما طلبت بنو قريظة النزول على حكم سعد، رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمل سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد احتبس أكحله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " احكم فيهم ". فقال: حكمت فيهم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم. فقال صلى الله عليه وسلم: " حكمت فيهم مثل ما حكم الله فيهم ". فلما قتلت مقاتلتهم وسبيت نساؤهم وذراريهم، انفجر أكحل سعد فمات رحمه الله ".
والصياصي: جمع صيصة، وصيصة الثور قرنه، سمي بذلك؛ لأن قرنه حصنه الذي يتحصن به.
وروي:
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الليلة التي انصرف فيها الأحزاب، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم السلاح، أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش يغسل رأسه وقد مشطت عقصته، فقال جبريل: قد وضعت السلاح يا رسول الله؟! قال: " نعم " قال: عفا الله عنك يا رسول الله! فوالله ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة.
وكان هذا في وقت الظهر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: " من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ". وقدم النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إليهم، فسار إليهم علي رضي الله عنه حتى إذا دنا من الحصون سمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع علي رضي الله عنه حتى لقي النبي صلى الله عليه وسلم بالطريق. فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الخبائث، قال: " أظنك سمعت منهم أذى؟ " قال: نعم. فسار النبي صلى الله عليه وسلم نحوهم حتى دنا من حصونهم، فقال لهم: " يا إخوان القردة أخزاكم الله، وأنزل فيكم نقمته " قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا.
فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف في قلوبهم الرعب. فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راجع عنهم، قال لهم كعب بن أسد: يا معشر اليهود؛ إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني سأعرض عليكم ثلاث خصال، فخذوا بأيها شئتم. قالوا: وما هي؟
قال: أما الأولى فنبايع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق ديننا أبدا، ولا نستبدل به غيره.
قال: فإن أبيتم هذه علي، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف، ولم يكن وراءنا ثقل يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فلا خير في العيش بعدهم.
قال: فإن أبيتم هذه، فاعلموا أن هذه ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا، وقد علمت أن الذين أحدثوا فيه الأحداث مسخوا، ولم يخف عليك من هم.
قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره في أمرنا، فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. فسألوه إن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: أنه الذبح. قال أبو لبابة: فعلمت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من أعمدته، وقال: لا أبرح حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله تعالى أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا، وقال: لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد مضى على وجهه ولم يأته قال: " أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه. ثم إن الله تعالى أنزل توبته، فقال صلى الله عليه وسلم: " تبت على أبي لبابة " فثار الناس إلى أبي لبابة ليطلقوه، فقال: والله لا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقه.
قال: فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس وقالوا: يا رسول الله؛ إنهم موالينا - أي حلفاؤنا - دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج ما قد علمت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسألهم إياه عبدالله بن أبى سلول فوهبهم له. فلما كلمه الأوس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الأوس؛ أما ترضون أن أحكم فيهم رجلا منكم؟ " قالوا: بلى، قال: " فذاك " إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من أسلم يقال لها رفيدة، تداوي الجرحى وتخدم المرضى.
فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قوم فاحتملوه على حمار، وقد وطأوا له وسادة من أدم، وكان رجلا جسيما. ثم أقبلوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه؛ قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أن بني قريظة مقتولون.
فلما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قوموا إلى سيدكم، فأنزلوه " فقاموا إليه، فقال: يا أبا عمرو؛ إن رسول الله قد ولاك مواليك لتحكم بينهم، فقال سعد: عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم ما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ". ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار " ابنة الحارث " امرأة من بني النجار، ثم بعث إليهم من يخرجهم إليه إرسالا، وأمر بضرب أعناقهم.
وكان فيهم يومئذ عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم في سبعمائة. وقيل: من ثمانمائة إلى تسعمائة، فقالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب ما ترى ما يصنع بنا؟ قال: ما لكم لا تعقلون! ألا ترون من ذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتي بحيي بن أخطب عدو الله وعليه حلة له فقاحية ويداه مغلولتان إلى عنقه بحبل، ثم أجلس فضرب عنقه ".
قالت عائشة رضي الله عنها: (كان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هناك)، قالت عائشة: ولم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة، كانت والله عندي تتحدث معي وتضحك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها، فبينا هي كذلك إذ هاتف يهتف باسمها: أين فلانة. قالت: هي أنا والله. قالت عائشة: فقلت لها: ويلك وما تلك؟ قالت: طلبت لأقتل، قلت: ولم؟ قالت: حدثا أحدثته، قالت: فانطلق بها فضرب عنقها. قالت عائشة: ما أنسى عجبا منها، طيب نفس وكثرة ضحك، وقد علمت أنها تقتل). قال الواقدي: (واسم تلك المرأة نباتة) امرأة الحكم القرظي، وكانت قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه رحى فقتله، فقتلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاد بن سويد.
وعن الزهري رضي الله عنه قال:
" كان رجل من قريظة يقال له الزبير بن باطا ويكنى أبا عبدالرحمن، مر يوما على ثابت بن قيس بن ثابت بن شماس في الجاهلية يوم بغاث، أخذه وحز ناصيته ثم خلى سبيله. فجاء ثابت بن قيس يوم بني قريظة فوجده قد صار شيخا كبيرا، فقال له ثابت: يا زبير هل تعرفني؟ قال: نعم؛ وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: فإني أريد أن أجازيك بما لك عندي من اليد، قال: افعل، فإن الكريم يجزي الكريم.
قال ثابت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله؛ قد كان للزبير عندي يد وصنيعة وله علي منة وقد أحببت أن أجزيه، فهب لي دمه، فقال صلى الله عليه وسلم: " هو لك " فأتاه، فقال له: يا شيخ؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك. فقال: إني شيخ كبير، فإن ذهب أهلي وأولادي فما أصنع بالحياة؟ قال ثابت: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته أهله وولده، فقال: " هم لك " فقلت: يا شيخ؛ قد وهب لي رسول الله امرأتك وأولادك. فقال: يا ثابت؛ كيف يكون أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ماله، فقال: " هو لك " فأعلمته بذلك.
فقال لي: يا ثابت؛ ما فعل الذي وجهه مرآة مضيئة كعب بن أسد؟ قلت: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قلت: قتل، قال: فما فعل مقدمنا إذا شددنا وحامينا إذا كررنا غزال بن شموال؟ قلت: قتل. قال: فما فعل ببني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قلت: قتلوا كلهم.
قال: فإني أسألك يا ثابت بما بيني وبينك من الصنيعة واليد إلا ما ألحقتني بالقوم فوالله ما لي في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصائر حتى ألقى الأحبة. فضرب ثابت عنقه "
فلما بلغ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قوله: ألقى الأحبة، قال: تلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها أبدا.
قوله تعالى: { وقذف في قلوبهم الرعب }؛ أي ألقى في قلوبهم الخوف، { فريقا تقتلون }؛ يعني المقاتلة، { وتأسرون فريقا }؛ يعني الذراري، { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم }؛ يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء، { وأرضا لم تطئوها }؛ يعني أرض بني النضير، وقيل: أرض خيبر.
والمعنى: سيفتح الله لكم أرضا لم تطأوها الآن بأقدامكم يعني خيبر، ففتحها الله عليهم بعد بني قريظة. وقال الحسن: (هي فارس والروم)، وقال قتادة: (هي مكة). قوله تعالى: { وكان الله على كل شيء قديرا }؛ فيه بيان أن الله قادر على إظهار الإسلام بغير القتال، وإنما أمر المؤمنين بالقتال ليعرضهم لجزيل الثواب.
الأحزاب 33:27
قوله تعالى: { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم }؛ معناه: وأنزل الذين عاونوا المشركين من أهل الكتاب وهم بنو قريظة، نقضوا العهد وأعانوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزلهم الله من حصونهم مع شدة شوكتهم، وألقى في قلوبهم الرعب.
" وذلك أن بني قريظة كانوا قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ينصروا أعداءه عليه، فلما رأوا الأحزاب وكثرتهم ظنوا أنهم يستأصلون المؤمنين، فنقضوا العهد ولحقوا بهم.
فلما هزم الله المشركين ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته، أراد أن ينزع لامته، فسمع هسيسا، فنظر فإذا جبريل عليه السلام في درعه وسلاحه، فقال له جبريل: أتنزع لامتك يا رسول الله والملائكة لم ينزعوا حتى يقاتلوا بني قريظة ويصلى فيهم العصر؟! فقال صلى الله عليه وسلم: " وكيف لي بقتالهم وهم في حصونهم؟! " فقال جبريل: لألهمنك ذلك، فوالله لأدقنهم اليوم كما يدق البيض على الصفا. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصحاب، فخرجوا إلى حصون بني قريظة، فألقي الرعب في قلوب القوم حتى طلبوا الصلح، وأبوا إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.
وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله في حرب الخندق، فسأل الله أن يؤخره إلى أن يرى قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم، فاستجاب الله دعاءه. فلما طلبت بنو قريظة النزول على حكم سعد، رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمل سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد احتبس أكحله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " احكم فيهم ". فقال: حكمت فيهم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم ونساؤهم وأموالهم. فقال صلى الله عليه وسلم: " حكمت فيهم مثل ما حكم الله فيهم ". فلما قتلت مقاتلتهم وسبيت نساؤهم وذراريهم، انفجر أكحل سعد فمات رحمه الله ".
والصياصي: جمع صيصة، وصيصة الثور قرنه، سمي بذلك؛ لأن قرنه حصنه الذي يتحصن به.
وروي:
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الليلة التي انصرف فيها الأحزاب، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم السلاح، أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش يغسل رأسه وقد مشطت عقصته، فقال جبريل: قد وضعت السلاح يا رسول الله؟! قال: " نعم " قال: عفا الله عنك يا رسول الله! فوالله ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة.
وكان هذا في وقت الظهر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: " من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ". وقدم النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إليهم، فسار إليهم علي رضي الله عنه حتى إذا دنا من الحصون سمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع علي رضي الله عنه حتى لقي النبي صلى الله عليه وسلم بالطريق. فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الخبائث، قال: " أظنك سمعت منهم أذى؟ " قال: نعم. فسار النبي صلى الله عليه وسلم نحوهم حتى دنا من حصونهم، فقال لهم: " يا إخوان القردة أخزاكم الله، وأنزل فيكم نقمته " قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت جهولا.
فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف في قلوبهم الرعب. فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راجع عنهم، قال لهم كعب بن أسد: يا معشر اليهود؛ إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني سأعرض عليكم ثلاث خصال، فخذوا بأيها شئتم. قالوا: وما هي؟
قال: أما الأولى فنبايع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق ديننا أبدا، ولا نستبدل به غيره.
قال: فإن أبيتم هذه علي، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف، ولم يكن وراءنا ثقل يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فلا خير في العيش بعدهم.
قال: فإن أبيتم هذه، فاعلموا أن هذه ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا، وقد علمت أن الذين أحدثوا فيه الأحداث مسخوا، ولم يخف عليك من هم.
قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره في أمرنا، فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. فسألوه إن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: أنه الذبح. قال أبو لبابة: فعلمت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من أعمدته، وقال: لا أبرح حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله تعالى أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا، وقال: لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد مضى على وجهه ولم يأته قال: " أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه. ثم إن الله تعالى أنزل توبته، فقال صلى الله عليه وسلم: " تبت على أبي لبابة " فثار الناس إلى أبي لبابة ليطلقوه، فقال: والله لا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقه.
قال: فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس وقالوا: يا رسول الله؛ إنهم موالينا - أي حلفاؤنا - دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج ما قد علمت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسألهم إياه عبدالله بن أبى سلول فوهبهم له. فلما كلمه الأوس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الأوس؛ أما ترضون أن أحكم فيهم رجلا منكم؟ " قالوا: بلى، قال: " فذاك " إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من أسلم يقال لها رفيدة، تداوي الجرحى وتخدم المرضى.
فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قوم فاحتملوه على حمار، وقد وطأوا له وسادة من أدم، وكان رجلا جسيما. ثم أقبلوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه؛ قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أن بني قريظة مقتولون.
فلما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قوموا إلى سيدكم، فأنزلوه " فقاموا إليه، فقال: يا أبا عمرو؛ إن رسول الله قد ولاك مواليك لتحكم بينهم، فقال سعد: عليكم عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم ما حكمت؟ قالوا: نعم. قال: أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ". ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار " ابنة الحارث " امرأة من بني النجار، ثم بعث إليهم من يخرجهم إليه إرسالا، وأمر بضرب أعناقهم.
وكان فيهم يومئذ عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم في سبعمائة. وقيل: من ثمانمائة إلى تسعمائة، فقالوا لكعب وهو يذهب بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب ما ترى ما يصنع بنا؟ قال: ما لكم لا تعقلون! ألا ترون من ذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل، فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتي بحيي بن أخطب عدو الله وعليه حلة له فقاحية ويداه مغلولتان إلى عنقه بحبل، ثم أجلس فضرب عنقه ".
قالت عائشة رضي الله عنها: (كان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هناك)، قالت عائشة: ولم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة، كانت والله عندي تتحدث معي وتضحك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها، فبينا هي كذلك إذ هاتف يهتف باسمها: أين فلانة. قالت: هي أنا والله. قالت عائشة: فقلت لها: ويلك وما تلك؟ قالت: طلبت لأقتل، قلت: ولم؟ قالت: حدثا أحدثته، قالت: فانطلق بها فضرب عنقها. قالت عائشة: ما أنسى عجبا منها، طيب نفس وكثرة ضحك، وقد علمت أنها تقتل). قال الواقدي: (واسم تلك المرأة نباتة) امرأة الحكم القرظي، وكانت قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه رحى فقتله، فقتلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاد بن سويد.
وعن الزهري رضي الله عنه قال:
" كان رجل من قريظة يقال له الزبير بن باطا ويكنى أبا عبدالرحمن، مر يوما على ثابت بن قيس بن ثابت بن شماس في الجاهلية يوم بغاث، أخذه وحز ناصيته ثم خلى سبيله. فجاء ثابت بن قيس يوم بني قريظة فوجده قد صار شيخا كبيرا، فقال له ثابت: يا زبير هل تعرفني؟ قال: نعم؛ وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: فإني أريد أن أجازيك بما لك عندي من اليد، قال: افعل، فإن الكريم يجزي الكريم.
قال ثابت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله؛ قد كان للزبير عندي يد وصنيعة وله علي منة وقد أحببت أن أجزيه، فهب لي دمه، فقال صلى الله عليه وسلم: " هو لك " فأتاه، فقال له: يا شيخ؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك. فقال: إني شيخ كبير، فإن ذهب أهلي وأولادي فما أصنع بالحياة؟ قال ثابت: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته أهله وولده، فقال: " هم لك " فقلت: يا شيخ؛ قد وهب لي رسول الله امرأتك وأولادك. فقال: يا ثابت؛ كيف يكون أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ماله، فقال: " هو لك " فأعلمته بذلك.
فقال لي: يا ثابت؛ ما فعل الذي وجهه مرآة مضيئة كعب بن أسد؟ قلت: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قلت: قتل، قال: فما فعل مقدمنا إذا شددنا وحامينا إذا كررنا غزال بن شموال؟ قلت: قتل. قال: فما فعل ببني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قلت: قتلوا كلهم.
قال: فإني أسألك يا ثابت بما بيني وبينك من الصنيعة واليد إلا ما ألحقتني بالقوم فوالله ما لي في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصائر حتى ألقى الأحبة. فضرب ثابت عنقه "
فلما بلغ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قوله: ألقى الأحبة، قال: تلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها أبدا.
قوله تعالى: { وقذف في قلوبهم الرعب }؛ أي ألقى في قلوبهم الخوف، { فريقا تقتلون }؛ يعني المقاتلة، { وتأسرون فريقا }؛ يعني الذراري، { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم }؛ يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء، { وأرضا لم تطئوها }؛ يعني أرض بني النضير، وقيل: أرض خيبر.
والمعنى: سيفتح الله لكم أرضا لم تطأوها الآن بأقدامكم يعني خيبر، ففتحها الله عليهم بعد بني قريظة. وقال الحسن: (هي فارس والروم)، وقال قتادة: (هي مكة). قوله تعالى: { وكان الله على كل شيء قديرا }؛ فيه بيان أن الله قادر على إظهار الإسلام بغير القتال، وإنما أمر المؤمنين بالقتال ليعرضهم لجزيل الثواب.
الأحزاب 33:28
قوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا }؛ قال المفسرون:
" كان بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى منهن شهرا أن لا يقربهن ولم يخرج إلى أصحابه للصلوات.
فقالت الصحابة: ما شأن رسول الله؟ فقال عمر رضي الله عنه: إن شئتم ذهبت إليه لأعلمكم ما شأنه؟ فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له. قال عمر: فجعلت أقول في نفسي: أي شيء أكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله ينبسط؟ فقلت: يا رسول الله؛ لو رأيت فلانة وهي تسألني النفقة فصككتها صكة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " فذلك الذي أجلسني عنكم ". فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فما كان من حاجته لك فأولى.
ثم جعل يتتبع نساء النبي صلى الله عليه وسلم يكلمهن، حتى قال لعائشة رضي الله عنها: يغرك أنك امرأة حسناء وإن زوجك يحبك لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن. فقالت أم سلمة: يا ابن الخطاب؛ أوما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ونسائه! فمن تسأل المرأة إلا زوجها؟ فأنزل الله هذه الآية { يأيها النبي قل لأزواجك } "
إلى آخرها.
وكان يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة؛ خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، فهؤلاء من قريش. وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث المصطلقية.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا مع حفصة، فتشاجرا فيما بينهما، فقال لها: هل لك أن أجعل بيني وبينك رجلا؟ قالت: نعم، قال: فأبوك إذا، فأرسل إلى عمر رضي الله عنه، فلما دخل عليها قال: تكلمي، قالت: يا رسول الله تكلم ولا تقل إلا حقا! فرفع عمر يده فوجى وجهها ثم رفع فوجى وجهها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كف ".
فقال عمر: يا عدوة الله! أويقول رسول الله إلا حقا، والذي بعثه بالحق لولا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي. فقام صلى الله عليه وسلم فصعد إلى غرفة، فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه، يتغدى ويتعشى فيها، فأنزل الله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } الآية، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فعرض ذلك عليهن كلهن، فلم يخترن إلا الله ورسوله، وكان آخر من عرض عليها حفصة، فقالت: يا رسول الله؛ إني في مكان العائذة بك من النار، والله لا أعود لشيء تكرهه أبدا، بل أختار الله ورسوله، فرضي عنها ".
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه آية التخيير بدأ بعائشة أحبهن إليه، فخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجهه عليه السلام، وتابعها جميع نسائه على ذلك، فشكرهن الله وقصر نبيه صلى الله عليه وسلم عليهن، فقال
لا يحل لك النسآء من بعد
[الأحزاب: 52].
قيل:
" لما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة؛ إني ذاكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستأمري فيه أبوك " ثم قرأ هذه الآية، فقال: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } إلى قوله: { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة }؛ فقالت عائشة رضي الله عنها: قد علم الله أنه أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقك، وهل أستأمر في هذا؟! إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم قالت: يا رسول الله؛ لا تخبر أزواجك أني اخترتك. ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعلت ".
وقيل:
" لما نزلت آية التخيير، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه وخيرهن، وقال لعائشة: " أما أنت فلا تحدثي من أمرك شيئا حتى تشاوري أبويك " فقالت: أفيك أشاورهما؟! أنا أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ما لنا والدنيا؟! فتبعها سائر أزواجه، ولم تختر واحدة منهن نفسها إلا المرأة الحميرية ".
قوله تعالى: { فتعالين أمتعكن } أي أعطيكن مهركن { وأسرحكن سراحا جميلا } أي أطلقكن على وجه السنة. وقيل: معناه: أخرجكن من البيوت، لأنه ذكر المتعة قبل التسريح. قوله تعالى: { وإن كنتن تردن الله ورسوله }؛ أي ثواب الله ورضى رسوله { والدار الآخرة } أي الجنة، { فإن الله أعد للمحسنات منكن }؛ باختيار ثواب الله ورضى رسوله، { أجرا عظيما } ، في الآخرة.
الأحزاب 33:29
قوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا }؛ قال المفسرون:
" كان بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى منهن شهرا أن لا يقربهن ولم يخرج إلى أصحابه للصلوات.
فقالت الصحابة: ما شأن رسول الله؟ فقال عمر رضي الله عنه: إن شئتم ذهبت إليه لأعلمكم ما شأنه؟ فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له. قال عمر: فجعلت أقول في نفسي: أي شيء أكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله ينبسط؟ فقلت: يا رسول الله؛ لو رأيت فلانة وهي تسألني النفقة فصككتها صكة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " فذلك الذي أجلسني عنكم ". فأتى عمر حفصة فقال لها: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فما كان من حاجته لك فأولى.
ثم جعل يتتبع نساء النبي صلى الله عليه وسلم يكلمهن، حتى قال لعائشة رضي الله عنها: يغرك أنك امرأة حسناء وإن زوجك يحبك لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن. فقالت أم سلمة: يا ابن الخطاب؛ أوما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول الله ونسائه! فمن تسأل المرأة إلا زوجها؟ فأنزل الله هذه الآية { يأيها النبي قل لأزواجك } "
إلى آخرها.
وكان يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة؛ خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، فهؤلاء من قريش. وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث المصطلقية.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا مع حفصة، فتشاجرا فيما بينهما، فقال لها: هل لك أن أجعل بيني وبينك رجلا؟ قالت: نعم، قال: فأبوك إذا، فأرسل إلى عمر رضي الله عنه، فلما دخل عليها قال: تكلمي، قالت: يا رسول الله تكلم ولا تقل إلا حقا! فرفع عمر يده فوجى وجهها ثم رفع فوجى وجهها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كف ".
فقال عمر: يا عدوة الله! أويقول رسول الله إلا حقا، والذي بعثه بالحق لولا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي. فقام صلى الله عليه وسلم فصعد إلى غرفة، فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه، يتغدى ويتعشى فيها، فأنزل الله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } الآية، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فعرض ذلك عليهن كلهن، فلم يخترن إلا الله ورسوله، وكان آخر من عرض عليها حفصة، فقالت: يا رسول الله؛ إني في مكان العائذة بك من النار، والله لا أعود لشيء تكرهه أبدا، بل أختار الله ورسوله، فرضي عنها ".
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه آية التخيير بدأ بعائشة أحبهن إليه، فخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجهه عليه السلام، وتابعها جميع نسائه على ذلك، فشكرهن الله وقصر نبيه صلى الله عليه وسلم عليهن، فقال
لا يحل لك النسآء من بعد
[الأحزاب: 52].
قيل:
" لما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عائشة؛ إني ذاكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستأمري فيه أبوك " ثم قرأ هذه الآية، فقال: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } إلى قوله: { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة }؛ فقالت عائشة رضي الله عنها: قد علم الله أنه أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقك، وهل أستأمر في هذا؟! إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم قالت: يا رسول الله؛ لا تخبر أزواجك أني اخترتك. ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعلت ".
وقيل:
" لما نزلت آية التخيير، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه وخيرهن، وقال لعائشة: " أما أنت فلا تحدثي من أمرك شيئا حتى تشاوري أبويك " فقالت: أفيك أشاورهما؟! أنا أختار الله ورسوله والدار الآخرة، ما لنا والدنيا؟! فتبعها سائر أزواجه، ولم تختر واحدة منهن نفسها إلا المرأة الحميرية ".
قوله تعالى: { فتعالين أمتعكن } أي أعطيكن مهركن { وأسرحكن سراحا جميلا } أي أطلقكن على وجه السنة. وقيل: معناه: أخرجكن من البيوت، لأنه ذكر المتعة قبل التسريح. قوله تعالى: { وإن كنتن تردن الله ورسوله }؛ أي ثواب الله ورضى رسوله { والدار الآخرة } أي الجنة، { فإن الله أعد للمحسنات منكن }؛ باختيار ثواب الله ورضى رسوله، { أجرا عظيما } ، في الآخرة.
الأحزاب 33:30
قوله تعالى: { ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يعني النشوز وسوء الخلق) { يضاعف لها العذاب ضعفين }؛ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين. والمعنى: يزيد في عذابها ضعفا، كما زيد في ثوابها ضعفا في قوله
نؤتهآ أجرها مرتين
[الأحزاب: 31].
وإنما ضوعف عذابهن على الفاحشة لأنهن يشاهدن من الزواجر ما يردع عن مواقعة الذنوب ما لا يشاهد غيرهن، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب. وقوله تعالى: { وكان ذلك على الله يسيرا }؛ أي وكان عذابها على الله هينا.
وقوله تعالى { يضاعف لها العذاب ضعفين } ، قرأ ابن كثير وابن عامر (نضعف) بالنون وكسر العين مشددة من غير ألف (العذاب) بالنصب، وقرأ أبو عمرو (يضعف) بالياء وفتح العين والتشديد، ورفع (العذاب)، قال أبو عمرو: (وإنما قرأت هكذا مشددا من غير ألف لقوله (ضعفين)، يقال: ضعفت الشيء إذا جعلته مثله وضاعفته إذا جعلته أمثاله). وقرأ الباقون (يضاعف) بالألف ورفع (العذاب).
الأحزاب 33:31
قوله تعالى: { ومن يقنت منكن لله ورسوله }؛ أي ومن يطع منكن لله ورسوله. وقيل: ومن تقم منكن على طاعة الله وطاعة رسوله، { وتعمل صالحا }؛ فيما بينها وبين ربها، { نؤتهآ أجرها مرتين }؛ أي نعطيها مكان كل حسنة عشرين حسنة، { وأعتدنا لها رزقا كريما }؛ أي حسنا؛ يعني الجنة. والرزق الكريم: ما سلم من كل آفة، ولا يكون ذلك إلا في الجنة.
قرأ يعقوب (تقنت) بالتاء ومثله روي عن ابن عامر، وقوله { وتعمل صالحا } ، قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف (ويعمل صالحا يؤتها) بالياء فيهما. وقرأ غيرهم (وتعمل) بالتاء (ونؤتها) بالنون. قال الفراء: (وإنما قرئ (يقنت) بالياء لأن (من) أداة تقوم مقام الاسم، يعبر به عن الواحد والاثنين والجمع والمؤنث والمذكر، قال الله تعالى:
ومنهم من ينظر إليك
[يونس: 43]
ومنهم من يستمعون إليك
[يونس: 42]، { ومن يقنت منكن لله } ).
الأحزاب 33:32
قوله تعالى: { ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء }؛ معناه: ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، وأنا بكن أرحم وثوابكن أعظم، { إن اتقيتن }؛ الله. وشرط عليهن التقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى لا باتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: معناه: ليست حالتكن كحالة النساء غيركن في الطاعة والمعصية والثواب والعقاب إن كنتن متقيات عن المعاصي مطيعات لله تعالى.
قوله تعالى: { فلا تخضعن بالقول }؛ أي فلا تلن القول للرجال على وجه يورث ذلك الطمع فيكن، فيطمع المنافقون في مواقعتكن، فقوله تعالى: { فيطمع الذي في قلبه مرض }؛ يعني زنى وفجور ونفاق. والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة؛ لأن ذلك أبعد من الطمع من الزينة.
وإنما قال { لستن كأحد من النسآء } ولم يقل كواحدة؛ لأن أحدا عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى:
لا نفرق بين أحد من رسله
[البقرة: 285] وقال تعالى
فما منكم من أحد عنه حاجزين
[الحاقة: 47].
قوله تعالى: { وقلن قولا معروفا }؛ أي قلن قولا حسنا لا يؤدي إلى الزينة، وقيل: معناه: وقلن ما يوجبه الدين والإسلام بغير خضوع فيه، بل بتصريح وبيان. قوله تعالى: { وقرن في بيوتكن }؛ أي إلزمن بيوتكن ولا تخرجن إلا في ضرورة.
قرأ نافع وعاصم (وقرن) بفتح القاف، وهو من قررت في المكان أقر، وكان الأصل اقررن في بيوتكن، فحذفت الراء الأولى التي هي عين الفعل لأجل نقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف كقوله
فظلتم تفكهون
[الواقعة: 65] و
ظلت عليه عاكفا
[طه: 97]، والأصل ظللت وظللتم. وقرأ الباقون (وقرن) بكسر القاف من الوقار؛ أي كن أهل سكينة ووقار، والأمر منه للرجل قر، وللمرأة قري، ولجماعة النساء قرن، كما يقال من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن.
وعن محمد بن سيرين قال: (قيل لسودة بنت زمعة: ألا تحجين؛ ألا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، ثم أمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج منه حتى أموت. فوالله ما أخرجت من باب بيتها حتى أخرجوا جنازتها رضي الله عنها).
قوله تعالى: { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى }؛ التبرج: التبختر وإظهار الزينة، وما يستدعي به من شهوة الرجال وإبراز المحاسن للناس. والجاهلية الأولى: هي ما بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، كانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وتعرض نفسها للرجال. وقال بعضهم: الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح، كان نساؤهم أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان، وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه. فنهى الله تعالى هؤلاء عن فعل أهل الجاهلية وأمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله في باقي الآية.
قوله تعالى: { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله }؛ أي إنما أمركن الله بما أمركن من الطاعة ولزوم البيوت { ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } ، يعني رجس الذنوب والعيوب، { ويطهركم تطهيرا }. وقال ابن عباس: (عمل الشيطان وما ليس فيه رضى). ومعنى الرجس: السوء وما يوجب العقوبة. والمراد بأهل البيت ها هنا نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته. وقيل: أهل البيت كل من اتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم من جهة نسب علي أو نسب على العموم. وعن أبي سعيد الخدري: (أن الآية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين).
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية،
" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين، فجمعهم وأتى بقطيفة خيبرية فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى السماء، فقال: " اللهم هؤلاء أهلي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فقالت أم سلمة: أولست من أهلك؟ قال: " نعم " فدخلت الكساء بعدما دعا وانقضى دعاؤه ".
وعن عكرمة رضي الله عنه أنه قال: (نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وليس هو الذي تذهبون إليه)، وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق، واحتج بقوله في الخطاب
واذكرن ما يتلى في بيوتكن
[الأحزاب: 34] وكلا الخطابين لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الخطاب الأول { وقرن في بيوتكن } ، وهذا الخطاب الثاني. وإنه ذكر الخطاب في قوله { عنكم } و { ويطهركم } لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهن فغلب المذكر.
الأحزاب 33:33
قوله تعالى: { ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء }؛ معناه: ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، وأنا بكن أرحم وثوابكن أعظم، { إن اتقيتن }؛ الله. وشرط عليهن التقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى لا باتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: معناه: ليست حالتكن كحالة النساء غيركن في الطاعة والمعصية والثواب والعقاب إن كنتن متقيات عن المعاصي مطيعات لله تعالى.
قوله تعالى: { فلا تخضعن بالقول }؛ أي فلا تلن القول للرجال على وجه يورث ذلك الطمع فيكن، فيطمع المنافقون في مواقعتكن، فقوله تعالى: { فيطمع الذي في قلبه مرض }؛ يعني زنى وفجور ونفاق. والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة؛ لأن ذلك أبعد من الطمع من الزينة.
وإنما قال { لستن كأحد من النسآء } ولم يقل كواحدة؛ لأن أحدا عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى:
لا نفرق بين أحد من رسله
[البقرة: 285] وقال تعالى
فما منكم من أحد عنه حاجزين
[الحاقة: 47].
قوله تعالى: { وقلن قولا معروفا }؛ أي قلن قولا حسنا لا يؤدي إلى الزينة، وقيل: معناه: وقلن ما يوجبه الدين والإسلام بغير خضوع فيه، بل بتصريح وبيان. قوله تعالى: { وقرن في بيوتكن }؛ أي إلزمن بيوتكن ولا تخرجن إلا في ضرورة.
قرأ نافع وعاصم (وقرن) بفتح القاف، وهو من قررت في المكان أقر، وكان الأصل اقررن في بيوتكن، فحذفت الراء الأولى التي هي عين الفعل لأجل نقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف كقوله
فظلتم تفكهون
[الواقعة: 65] و
ظلت عليه عاكفا
[طه: 97]، والأصل ظللت وظللتم. وقرأ الباقون (وقرن) بكسر القاف من الوقار؛ أي كن أهل سكينة ووقار، والأمر منه للرجل قر، وللمرأة قري، ولجماعة النساء قرن، كما يقال من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن.
وعن محمد بن سيرين قال: (قيل لسودة بنت زمعة: ألا تحجين؛ ألا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، ثم أمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج منه حتى أموت. فوالله ما أخرجت من باب بيتها حتى أخرجوا جنازتها رضي الله عنها).
قوله تعالى: { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى }؛ التبرج: التبختر وإظهار الزينة، وما يستدعي به من شهوة الرجال وإبراز المحاسن للناس. والجاهلية الأولى: هي ما بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، كانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وتعرض نفسها للرجال. وقال بعضهم: الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح، كان نساؤهم أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان، وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه. فنهى الله تعالى هؤلاء عن فعل أهل الجاهلية وأمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله في باقي الآية.
قوله تعالى: { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله }؛ أي إنما أمركن الله بما أمركن من الطاعة ولزوم البيوت { ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } ، يعني رجس الذنوب والعيوب، { ويطهركم تطهيرا }. وقال ابن عباس: (عمل الشيطان وما ليس فيه رضى). ومعنى الرجس: السوء وما يوجب العقوبة. والمراد بأهل البيت ها هنا نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته. وقيل: أهل البيت كل من اتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم من جهة نسب علي أو نسب على العموم. وعن أبي سعيد الخدري: (أن الآية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين).
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية،
" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة والحسن والحسين، فجمعهم وأتى بقطيفة خيبرية فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى السماء، فقال: " اللهم هؤلاء أهلي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فقالت أم سلمة: أولست من أهلك؟ قال: " نعم " فدخلت الكساء بعدما دعا وانقضى دعاؤه ".
وعن عكرمة رضي الله عنه أنه قال: (نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وليس هو الذي تذهبون إليه)، وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق، واحتج بقوله في الخطاب
واذكرن ما يتلى في بيوتكن
[الأحزاب: 34] وكلا الخطابين لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الخطاب الأول { وقرن في بيوتكن } ، وهذا الخطاب الثاني. وإنه ذكر الخطاب في قوله { عنكم } و { ويطهركم } لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهن فغلب المذكر.
الأحزاب 33:34
قوله تعالى: { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة }؛ أي واحفظن ما يقرأ عليكن في بيوتكن من القرآن والمواعظ. وهذا حث لهن على حفظ القرآن والأخبار ومذاكرتهن بهما للإحاطة بحدود الشريعة. وقوله تعالى: { إن الله كان لطيفا خبيرا }؛ أي لطيفا بأوليائه، خبيرا بجميع خلقه وبجميع مصالحهم.
الأحزاب 33:35
قوله تعالى: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات }؛ الآية، قال قتادة: (لما ذكر الله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم دخل نساء من المسلمات عليهن؛ فقلن: ذكرتن ولم نذكر! فأنزل الله هذه الآية).
وقال مقاتل:
" لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، دخلت على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسارة! قال: " ومم ذلك؟ " قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال. فأنزل الله هذه الآية ".
وقال مقاتل: (قالت أم سلمة بنت أبي أمية ونسيبة بنت كعب الأنصارية للنبي صلى الله عليه وسلم: ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه، فعسى أن لا يكون فيهن خير، ولا لله فيهن حاجة. فأنزل الله هذه الآية).
وقيل: إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: (يا رسول الله! ذكر الله عز وجل الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا يتقبل منا طاعة). فأنزل الله هذه الآية.
واعلم: أن الرجال والنساء يجازون بأعمالهم الصالحة مغفرة لذنوبهم وأجرا عظيما.
ومعنى الآية: { إن المسلمين والمسلمات } يعني المخلصين بالتوحيد والمخلصات { والمؤمنين والمؤمنات } أي المصدقين بالتوحيد والمصدقات. والإسلام في اللغة: هو الانقياد والاستسلام. والإيمان في اللغة: هو التصديق، غير أن معنى الإسلام والإيمان في هذه الآية واحد.
قوله تعالى: { والقانتين والقانتات }؛ أي المطيعين لله في أوامره ونواهيه والمطيعات. والقانت: هو المواظب على الطاعة، والقنوت: طول القيام في الصلوات. وقوله تعالى: { والصادقين والصادقات }؛ يعني الصادقين في إيمانهم والصادقات. وقوله تعالى: { والصابرين والصابرات }؛ الصابر: هو الذي يحبس نفسه عن جميع ما يجب الصبر عنه، ويصبر على جميع ما يجب الصبر عليه.
وقوله تعالى: { والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات }؛ يعني بالمتصدقين الذين يؤدون ما عليهم من الصدقة المفروضة. ويقال: أراد به جميع الصدقات. وأما الخاشع: فهو المتواضع لله تعالى وللناس.
وقوله تعالى: { والصائمين والصائمات }؛ يعني الصائمين صوم الفرض بنية صادقة، ولكن فطرهم على حلال. قال ابن عباس: (من صام شهر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر الغر البيض، كان من أهل هذه الآية، ويؤتون يوم القيامة بمائدة من الجنة، يأكلون منها والناس في شدة، ويظلهم الله تحت ظل عرشه والناس في شدة، وينفح من أفواههم ريح المسك).
وقوله تعالى: { والحافظين فروجهم والحافظات }؛ أي عما لا يحل، وقوله تعالى: { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات }؛ قيل: أراد به الذكر في الصلوات الخمس. وقيل: أراد به الذكر باللسان والقلب في جميع الأحوال. قال ابن عباس: (يريد في أدبار الصلوات غدوا وعشيا وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله). وقال مجاهد: (لا يكون الرجل من الذاكرين كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا). وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات "
وقوله تعالى: { أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما }؛ وهو الجنة.
الأحزاب 33:36
قوله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم }؛ نزلت هذه الآية في عبدالله بن جحش وأخته زينب، وكانت أمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم،
" خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد ابن حارثة مولاه، فكره أخوها عبدالله أن يزوجها من زيد، وكان زيد عربيا في الجاهلية مولاه في الإسلام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابه من سبي الجاهلية فأعتقه وتبناه.
فقالت زينب: لا أرضاه لنفسي، ثم قالت: يا رسول الله! أنا أتم نساء قريش من ابنة عمك، فلم أكن لأفعل ولا أرضاه يا رسول الله، وقال أخوها عبدالله كذلك أيضا، وكانت زينب بيضاء جميلة، وكان فيها حدة، فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد رضيته لك " فأنزل الله هذه الآية ".
{ وما كان لمؤمن } أي ما ينبغي لمؤمن { ولا مؤمنة } يعني عبدالله بن جحش وأخته زينب إذا اختار الله تعالى ورسوله أمرا { أن يكون لهم الخيرة } بخلاف ما اختار الله ورسوله.
قرأ أهل الكوفة (أن يكون لهم الخيرة) بالياء للحائل بين التأنيث والفعل، وقرأ الباقون بالتاء. وقوله تعالى { الخيرة } قراءة العامة بفتح الياء؛ أي الاختيار، وقرأ ابن السميقع (الخيرة) بسكون الياء, وهما لغتان. وإنما جمع الضمير في قوله { لهم الخيرة } لأن المراد بقوله { لمؤمن ولا مؤمنة } كل مؤمن ومؤمنة في الدنيا.
قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله }؛ أي فيما أمرته، { فقد ضل ضلالا مبينا }؛ أي فقد أخطأ خطأ، وذهب عن الحق والصواب ذهابا بينا.
فلما نزلت الآية قالت: قد رضيت يا رسول الله. وكذلك رضي أخوها، فجعلت أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زيد وساق إليهما عليه السلام عشرة مثاقيل وستين درهما؛ وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا؛ وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر.
الأحزاب 33:37
قوله تعالى: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه }؛ أي واذكر يا محمد قولك { للذي أنعم الله عليه } بالإسلام وغيره، { وأنعمت عليه }؛ بالإعتاق؛ وهو زيد ابن حارثة؛ وقع بينه وبين امرأته زينب تشاجر، فجاء زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكوها بما كانت تستطيل عليه بشرفها.
فقال صلى الله عليه وسلم لزيد على سبيل الأمر بالمعروف: { أمسك عليك زوجك }؛ امرأتك ولا تطلقها، { واتق الله }؛ فيها ولا تفعل في أمرها ما تأثم به. قوله تعالى: { وتخفي في نفسك ما الله مبديه }؛ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أضمر في نفسه أنه إن طلقها زيد، تزوجها هو وضمها إلى نفسه صلة لرحمها وشفقة عليها، فعاتبه الله على ذلك وإخفائه؛ لكي لا يكون ظاهر الأنبياء عليهم السلام إلا كباطنهم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنهما لا يتفقان لكثرة ما كان يجري بينهما من الخصومة، فجعل يخفيه عن زيد، وكان الأولى بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوهما إلى الخلع فلم يفعل، وقال له: { أمسك عليك زوجك } خشية أنه لو خالعها ثم تزوجها النبي عليه السلام أن يطعن الناس عليه فيقال: تزوج بحليلة ابنه بعد ما بين للناس أن حليلة الابن حرام على الأب، فهذا معنى قوله تعالى: { وتخشى الناس }؛ أي تخاف لائمتهم أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها. قال ابن عباس في هذه الآية: (أراد بالناس اليهود، خشي أن يقول اليهود: تزوج محمد امرأة ابنه). وقوله تعالى: { والله أحق أن تخشاه }؛ أي هو أولى بأن تخشاه في كل الأحوال.
وعن علي بن الحسن: أن سئل عن هذه الآية فقال: (كان الله تعالى قد أعلم نبيه عليه السلام أن زينب ستكون من أزواجه، وأن زيدا سيطلقها، فعلى هذا يكون النبي عليه السلام معاتبا على قوله: { أمسك عليك زوجك } مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله به، وإنما كتم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه استحيا أن يقول لزيد: إن زوجتك ستكون امرأتي).
وقيل:
" إن زيد بن حارثة لما أراد فراقها، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: " ما لك؟ أرابك منها شيء؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك زوجك واتق الله ".
ثم إن زيدا طلقها، فلما انقضت عدتها قال صلى الله عليه وسلم لزيد: " ما أجد في نفسي أحدا أوثق منك، إذهب إلى زينب فاخطبها لي " قال زيد: فذهبت فإذا هي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى لم أستطع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك؛ ففرحت بذلك، ونزل القرآن { زوجناكها } فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، أطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار ".
قوله تعالى: { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها }؛ قضاء الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، يقال: قضى وطرا منها؛ إذا بلغ ما أراد من حاجته فيها، ثم صار عبارة عن الطلاق؛ لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة.
وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: (لما انقضت عدة زينب بنت جحش خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل قوله تعالى { زوجناكها } فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها بغير إذن لقوله تعالى { زوجناكها }. وكانت زينب تفاخر نساء النبي صلى لله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله عز وجل).
ومعنى الآية: { فلما قضى زيد منها وطرا } وطلقها { زوجناكها }. وقوله تعالى: { لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا }؛ أي زوجناك زينب لكيلا يظن أن امرأة المتبنى لا تحل. والأدعياء: جمع دعي؛ وهو الذي يدعى ابنا من غير ولادة.
قال الحسن: (كانت العرب تظن أن حرمة المتبنى كحرمة الابن، فبين الله " أن نساء " الأدعياء غير محرمة على المتبنى وإن أصابوهن، وهو قوله { إذا قضوا منهن وطرا } بخلاف ابن الصلب، فإن امرأته تحرم بنفس العقد).
وقوله تعالى: { وكان أمر الله مفعولا }؛ معناه: وكان تزويج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب قضاء كائنا مكتوبا في اللوح المحفوظ.
الأحزاب 33:38
قوله تعالى: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله } أي ما كان عليه من ضيق وإثم فيما شرعه الله تعالى وأحله له كسنة الله، { في الذين خلوا من قبل } ، أي سائر الأنبياء الماضين في التوسعة عليهم في النكاح، فقوله: { سنة الله } منصوب بنزع الخافض، وقوله تعالى: { وكان أمر الله قدرا مقدورا }؛ أي قضاء مقضيا، أخبر الله تعالى أن أمر زينب كان من حكم الله وقدره.
الأحزاب 33:39
قوله تعالى: { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه }؛ موضع { الذين } الخفض؛ لأنه نعت الأنبياء عليهم السلام الذين خلوا من قبل، كانوا يبلغون الرسالة، { ولا يخشون أحدا إلا الله }؛ ويخشون الله ولا يخشون أحدا سواه، أي لا يخشون مقالة الناس، { وكفى بالله حسيبا }؛ أي مجازيا لمن يخشاه، وقيل: حفيظا لأعمال العباد، مجازيا لهم.
الأحزاب 33:40
قوله تعالى: { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم }؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب، قال الناس: إن محمدا تزوج امرأة ابنه! فأنزل الله تعالى { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } ، يعني أنه ليس بأبي زيد حتى تحرم عليه زوجته، { ولكن رسول الله وخاتم النبيين }؛ فعظموه وأقروا به.
قرأ الحسن وعاصم (وخاتم النبيين) بفتح التاء؛ أي آخر النبيين، وقرأ الباقون بكسر التاء على الفاعل؛ أي إنه ختم النبيين بالنبوة، { وكان الله بكل شيء عليما }؛ أي لم يزل عالما بكل شيء من أقوالكم وأفعالكم.
الأحزاب 33:41
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا }؛ اختلفوا في المراد بالذكر الكثير في هذه الآية. قال الكلبي: (المراد به الصلوات الخمس، وهي تتضمن أذكارا كثيرة، وأراد بالتسبيح التنزيه في الصلاة). وقال مجاهد: (هو أن لا ينساه أبدا). وقال مقاتل: (هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال، وهو أن يقول: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر. وهذه الكلمات يتكلم بهن صاحب الجنابة والغائط والحدث).
قال صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفاهه ".
قوله تعالى: { وسبحوه بكرة وأصيلا } بالغداة والعشي، قال الكلبي: (أما بكرة فصلاة الفجر، وأما أصيلا فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء). وقال بعضهم: أراد بذلك صلاة الصبح وصلاة العصر على قول قتادة، وصلاة المغرب على قول غيره. وخص طرفي النهار بالذكر؛ لأنه يجتمع عندهما ملائكة الليل والنهار، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون. وقيل: خص التسبيح بطرفي النهار؛ لأن صحيفة العبد إذا كان في أولها وآخرها ذكر وتسبيح يرجى أن يغفر له ما بين طرفي الصحيفة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ما جلس قوم قط يذكرون الله تعالى، إلا نادى منادي السماء: أن قوموا فقد غفرت لكم ذنوبكم، وبدلت سيئاتكم حسنات "
وقيل: معنى قوله { اذكروا الله ذكرا كثيرا } أي بالليل والنهار، وفي البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال مجاهد: (الكثير هو الذي لا يتناهى أبدا).
الأحزاب 33:42
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا }؛ اختلفوا في المراد بالذكر الكثير في هذه الآية. قال الكلبي: (المراد به الصلوات الخمس، وهي تتضمن أذكارا كثيرة، وأراد بالتسبيح التنزيه في الصلاة). وقال مجاهد: (هو أن لا ينساه أبدا). وقال مقاتل: (هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال، وهو أن يقول: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر. وهذه الكلمات يتكلم بهن صاحب الجنابة والغائط والحدث).
قال صلى الله عليه وسلم:
" يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفاهه ".
قوله تعالى: { وسبحوه بكرة وأصيلا } بالغداة والعشي، قال الكلبي: (أما بكرة فصلاة الفجر، وأما أصيلا فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء). وقال بعضهم: أراد بذلك صلاة الصبح وصلاة العصر على قول قتادة، وصلاة المغرب على قول غيره. وخص طرفي النهار بالذكر؛ لأنه يجتمع عندهما ملائكة الليل والنهار، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون. وقيل: خص التسبيح بطرفي النهار؛ لأن صحيفة العبد إذا كان في أولها وآخرها ذكر وتسبيح يرجى أن يغفر له ما بين طرفي الصحيفة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ما جلس قوم قط يذكرون الله تعالى، إلا نادى منادي السماء: أن قوموا فقد غفرت لكم ذنوبكم، وبدلت سيئاتكم حسنات "
وقيل: معنى قوله { اذكروا الله ذكرا كثيرا } أي بالليل والنهار، وفي البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال مجاهد: (الكثير هو الذي لا يتناهى أبدا).
الأحزاب 33:43
قوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته }؛ أي يرحمكم ويغفر لكم، وقوله { وملائكته } أي يدعون لكم. وقيل: يأمر الملائكة بالاستغفار لكم. والصلاة من الله الرحمة بالثواب، ومن المؤمنين الدعاء، ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين.
وقوله تعالى: { ليخرجكم من الظلمات }؛ أي من ظلمات المعاصي والجهل { إلى النور }؛ العلم والطاعة، وقيل: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وقوله تعالى: { وكان بالمؤمنين رحيما }؛ أي لم يزل رحيما بهم إذ رضي عنهم وأمر الملائكة بالاستغفار لهم.
الأحزاب 33:44
قوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام }؛ أي تحية المؤمنين من الله تعالى { يوم يلقونه } أن يسلم عليهم، يقول لهم الملائكة بأمر الله. السلام عليكم؛ مرحبا بعبادي المؤمنين الذين أرضوني في دار الدنيا باتباع أمري. ونظير هذا قوله تعالى:
وقال لهم خزنتها سلام عليكم
[الزمر: 73]. وقوله تعالى: { وأعد لهم أجرا كريما }؛ أي رزقا حسنا في الجنة، وقيل: الأجر الكريم هو الذي يكون عظيم القدر.
الأحزاب 33:45
قوله تعالى: { يأيها النبي إنآ أرسلنك شهدا }؛ على أمتك وعلى جميع الأمم بتبليغ الرسالة، { ومبشرا }؛ للخلق بالجنة والثواب لمن أطاع الله وصدقك، { ونذيرا }؛ أي ومخوفا بالنار والعقاب لمن عصى الله تعالى وكذبك. وقوله تعالى: { وداعيا إلى الله بإذنه }؛ أي وأرسلناك للناس راعيا للخلق إلى دين الله تعالى بأمره، يعني إنه أمرك بهذا. وقوله تعالى: { وسراجا منيرا }؛ أي وأرسلناك سراجا مضيئا لمن تبعك واهتدى بك، كالسراج في الظلمة يستضاء به.
وإنما سمي النبي عليه السلام سراجا؛ لأنه بعث والأرض في ظلمة الشرك، فكان حين بعث كالسراج في الظلمة. وقوله تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا }؛ أراد بالفضل الكبير مغفرة الله لهم، وما أعد لهم في الجنة.
الأحزاب 33:46
قوله تعالى: { يأيها النبي إنآ أرسلنك شهدا }؛ على أمتك وعلى جميع الأمم بتبليغ الرسالة، { ومبشرا }؛ للخلق بالجنة والثواب لمن أطاع الله وصدقك، { ونذيرا }؛ أي ومخوفا بالنار والعقاب لمن عصى الله تعالى وكذبك. وقوله تعالى: { وداعيا إلى الله بإذنه }؛ أي وأرسلناك للناس راعيا للخلق إلى دين الله تعالى بأمره، يعني إنه أمرك بهذا. وقوله تعالى: { وسراجا منيرا }؛ أي وأرسلناك سراجا مضيئا لمن تبعك واهتدى بك، كالسراج في الظلمة يستضاء به.
وإنما سمي النبي عليه السلام سراجا؛ لأنه بعث والأرض في ظلمة الشرك، فكان حين بعث كالسراج في الظلمة. وقوله تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا }؛ أراد بالفضل الكبير مغفرة الله لهم، وما أعد لهم في الجنة.
الأحزاب 33:47
قوله تعالى: { يأيها النبي إنآ أرسلنك شهدا }؛ على أمتك وعلى جميع الأمم بتبليغ الرسالة، { ومبشرا }؛ للخلق بالجنة والثواب لمن أطاع الله وصدقك، { ونذيرا }؛ أي ومخوفا بالنار والعقاب لمن عصى الله تعالى وكذبك. وقوله تعالى: { وداعيا إلى الله بإذنه }؛ أي وأرسلناك للناس راعيا للخلق إلى دين الله تعالى بأمره، يعني إنه أمرك بهذا. وقوله تعالى: { وسراجا منيرا }؛ أي وأرسلناك سراجا مضيئا لمن تبعك واهتدى بك، كالسراج في الظلمة يستضاء به.
وإنما سمي النبي عليه السلام سراجا؛ لأنه بعث والأرض في ظلمة الشرك، فكان حين بعث كالسراج في الظلمة. وقوله تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا }؛ أراد بالفضل الكبير مغفرة الله لهم، وما أعد لهم في الجنة.
الأحزاب 33:48
قوله تعالى: { ولا تطع الكافرين والمنافقين }؛ فيما يطلبونه منك، فقد ذكرنا تفسيره في أول السورة. وقوله تعالى: { ودع أذاهم } أي اصبر على أذاهم واحتمل منهم، ولا تشتغل بمجازاتهم إلى أن تؤمر فيهم بأمر، وهذا منسوخ بآية السيف. وقوله تعالى: { وتوكل على الله }؛ أي فوض أمورك إليه. فإنه سيكفيك أمرهم إذا توكلت عليه؛ أي توكل عليه في كفاية شرهم وأذاهم، { وكفى بالله وكيلا }؛ إذا وكلت أمرك إليه.
الأحزاب 33:49
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن }؛ أي إذا تزوجتموهن من قبل أن تجامعوهن، { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } ، تستوفونها بالعدد لا بالحيض ولا بالشهور. والاعتداد هو استيفاء العدد، أسقط الله العدة من المطلقة قبل الدخول لبراءة رحمها، فلو شاءت تزوجت من يومها.
قوله تعالى: { فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا }؛ أي أعطوهن متعة الطلاق، وهذا على سبيل الوجوب فيمن يدخل بها ولم يسم لها مهرا، وعلى الندب في من سمى لها مهرا ثم طلقها قبل الدخول.
وقال سعيد بن المسيب: (نسخ حكم هذه الآية بقوله في سورة البقرة
فنصف ما فرضتم
[البقرة: 237]). وقال الحسن: (المتعة واجبة لكل مطلقة ومختلعة وملتعنة، ولكن لا يجير عليها الزوج).
وقوله تعالى: { وسرحوهن } أراد له التسريح عن المنزل لا عن النكاح؛ لأن حق الحبس لا يثبت إلا بأحد الأمرين: إما النكاح؛ وإما العدة، وقد عد ما جميع في هذا الموضع بعدد الطلاق المذكور.
والسراح الجميل: هو الذي لا يكون فيه جفوة ولا أذى ولا منع حق. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فمتعوهن }: (أي أعطوهن المتعة، قال: وهذا إذا لم يكن سمى لها صداقا، فأما إذا فرض لها صداقا فلها نصف).
الأحزاب 33:50
قوله تعالى: { يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } أي أبحنا لك نساءك اللاتي تزوجتهن بمهور مسماة، وأعطيت مهورهن، وسمى المهر أجرا لأنه يجب بدلا عن منافع البضع، كما أن الأجر يجب بدلا عن منافع الدار والعبد.
قوله تعالى: { وما ملكت يمينك }؛ أي وأبحنا لك ما ملكت يمينك؛ يعني الجواري التي يملكها. وقوله تعالى: { ممآ أفآء الله عليك }؛ أي مما أعطاك الله من الغنيمة جويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب. ويدخل في هذه اللفظة الشراء والتزوج، كما روي في صفية
" أنه عليه السلام أعتقها ثم تزوجها، وجعل عتقها صداقها ".
قوله تعالى: { وبنات عمك وبنات عماتك }؛ أراد به إباحة تزويج بنات عمه وبنات عماته من بني عبد المطلب، { وبنات خالك وبنات خالاتك } ، وبنات خاله وبنات خالاته؛ يعني نساء بني زهرة من بني عبد مناف. وقوله تعالى: { اللاتي هاجرن معك }؛ أي هاجرن معك من مكة إلى المدينة، وهذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل.
قوله تعالى: { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي }؛ بلا مهر إن أراد النبي أن يتزوجها، ومن قرأ (وهبت) بالفتح، فمعناه: أحللناها أن وهبت، وهي قراءة الحسن، فالفتح على الماضي والكسر على الاستئناف، وقوله تعالى: { إن أراد النبي أن يستنكحها }؛ أي إن أراد النبي أن يتزوجها فله ذلك. وقوله تعالى: { خالصة لك }؛ أي خاصة لك، { من دون المؤمنين }؛ فليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير شهود ولا ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من خصائصه في النكاح، كالتخيير والعدد في النساء.
ولو تزوجها بلفظ الهبة وقبلها بشهود ومهر انعقد النكاح ولزم المهر، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال الشافعي ومالك: (لا ينعقد النكاح بلفظ الهبة إلا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأنه تعالى قال { إن وهبت نفسها للنبي } ولم يقل لك، لأنه لو قال: إن وهبت نفسها لك، كان يجوز أن يتوهم أنه يجوز ذلك لغيره عليه السلام كما جاز في قوله تعالى: { وبنات عمك وبنات عماتك } ، لأنه قال تعالى { خالصة لك من دون المؤمنين }.
وحجة أبي حنيفة وأصحابه: أن إضافة الهبة إلى المرأة دليلا أن النبي لم يكن مخصوصا بالنكاح بلفظة الهبة، وإنما كانت خصوصية في جواز النكاح بغير بدل، ولو لم يكن بلفظ الهبة نكاحا لما قال تعالى { إن أراد النبي أن يستنكحها } ، فلما جعل الله الهبة جوابا للاستنكاح، علم أن لفظ الهبة نكاح.
وقوله { خالصة } نعت مصدر؛ تقديره: إن وهبت نفسها هبة خالصة لك بغير عوض، أحللنا لك ذلك من دون المؤمنين، فأما المؤمنون إذا قبلوا هذه الهبة على وجه النكاح لزمهم المهر.
ويقال: إن الخالصة نعت للمرأة؛ أي جعلناها خالصة لك فلا تحل لغيرك من بعدك.
وقد اختلفوا في هذه المرأة التي وهبت نفسها للنبي من هي؟ فقال قتادة: (هي ميمونة بنت الحارث). وقال الشافعي: (زينب بنت خزيمة، امرأة من الأنصار، وكانت تسمى أم المساكين). وقال الضحاك ومقاتل: (هي أم شريك بن جابر من بني أسد). وقال عروة بن الزبير: (هي خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم).
قوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم } ، أي قد علمنا المصلحة للمؤمنين في أن لا يتزوجوا أكثر من الأربع، ولا يتزوجوا بغير مهر ولا ولي ولا شهود. والمعنى: أوجبنا عليهم أن لا يتزوجوا أكثر من أربع بمهر وولي وشهود. وقوله تعالى: { وما ملكت أيمانهم } ، أي وقد علمنا ما فرضنا عليهم فيما ملكت أيمانهم حتى لا يجوز لهم التزويج بالمعتقة من غير مهر، وحتى لا يباح لهم بملك اليمين كما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان له الصفي من الغنيمة ولم يكن لغيره. وقيل: معناه وما ملكت أيمانهم ممن يجوز سبيه وحربه، فأما ما كان له عهد فلا.
قوله تعالى: { لكيلا يكون عليك حرج } ، أي ضيق في أمر النكاح ومنع من شيء تريده، وهذا فيه تقديم؛ تقديره: خالصة لك من دون المؤمنين لكيلا يكون عليك حرج، أي أحللنا لك ما ذكرنا؛ ليرتفع عنك الحرج والضيق. قوله تعالى: { وكان الله غفورا } ، أي غفورا للنبي صلى الله عليه وسلم في التزويج بغير مهر، { رحيما } ، به في تحليل ذلك له. وقيل: غفور لمن يستحق المغفرة، رحيم بالعباد فيما يتصل بالدين والدنيا.
الأحزاب 33:51
قوله تعالى: { ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء } ، معناه: تؤخر من تشاء من فراشك من نسائك، وتضم إلى فراشك من تشاء منهن من غير حرج عليك. وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم تفضيلا له، أبيح له أن يجعل لمن أحب منهن يوما أو أكثر، ويعطل من شاء منهن فلا يأتيها. وكان القسم واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم والتسوية بينهن، فلما " نزلت " هذه الآية سقط الوجوب، وصار الاختيار إليه فيهن. قال منصور عن أبي رزين: (وكان ممن آوى عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة رضي الله عنهن، وكان يسوي بينهن في القسم، وكان ممن أرجى سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء، وكان قد أراد أن يفارقهن، فقلن له: اقسم لنا ما شئت من نفسك، ودعنا على حالنا).
قوله تعالى: { ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك } ، معناه: إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن من القسمة وتضمها إليه، فلا عتب عليك ولا لوم.
وقوله تعالى: { ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ آتيتهن كلهن } ، أي ذلك التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذا كان ذلك منزلا من الله عليك، ويرضيهن كلهن بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء وإيواء. قال قتادة: (إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن).
قوله تعالى: { والله يعلم ما في قلوبكم } ، والله يعلم ما في قلوبكم من أمر النساء والميل إلى بعضهن، ويعلم ما في قلوبكم من الرضا والسخط وغير ذلك، { وكان الله عليما } ، بمصالح العباد، { حليما } ، على جهلهم ولا يعاقبهم بكل ذنب.
الأحزاب 33:52
قوله تعالى: { لا يحل لك النسآء من بعد } ، قال قتادة: (وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير نساءه فاخترن الله ورسوله، شكر الله لهن فقصره الله عليهن وحرم عليه سواهن). وكن يؤمئذ تسعا: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة، وجويرية، وسودة.
ومعنى الآية: لا يحل لك من النساء سوى هؤلاء اللاتي اخترنك، { ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن } ، وليس لك أن تطلق واحدة منهن وتزوج بدلها. وقوله: { إلا ما ملكت يمينك } ، يعني مارية القبطية وغيرها من السبايا. وقوله تعالى: { وكان الله على كل شيء رقيبا } ، أي حفيظا. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: [ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حلت له النساء].
الأحزاب 33:53
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه } ، نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب، قال أنس ابن مالك:
" لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، أولم عليها بتمر وسويق وذبح شاة، وبعثت إليه أمي أم سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدعو أصحابه إلى الطعام فدعوتهم، فجعل القوم يدخلون فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم آخرون فيأكلون ويخرجون، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام ودعا فيه، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، وبقيت طائفة منهم لم يخرجوا.
فقال صلى الله عليه وسلم: " ارفعوا طعامكم " فرفعوا وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وبقي أولئك القوم يتحدثون في البيت فأطالوا المكث. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يخرجوا، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع بيوت أزواجه، ثم رجع فإذا القوم جلوس يتحدثون في بيته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فأنزل الله هذه الآية ".
قال أنس:
" فلما نزلت آية الحجاب جئت لأدخل كما كنت، فقال صلى الله عليه وسلم: " وراءك يا أنس " ".
ومعنى الآية: { لا تدخلوا بيوت النبي } صلى الله عليه وسلم { إلا أن يؤذن لكم } أي إلا أن يدعوا إلى الضيافة أو يؤذن لكم في الدخول، من غير أن يجتنبوا وقت الطعام فيستأذنوا في ذلك الوقت، ثم تقعدوا انتظارا لبلوغ الطعام ونضجه.
ومعنى: { غير ناظرين } أي منتظرين نضجه وإدراكه، يقال أنى يأني إناه، إذا حان وأدرك، وكانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين إدراك الطعام، فنهوا عن ذلك.
قوله تعالى: { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا } ، أي فتفرقوا، { ولا مستأنسين لحديث } ، ولا تجلسوا مستأنسين لحديث بعد أن تأكلوا، { إن ذلكم } ، إن طول مقامكم بعد في منزل النبي عليه السلام، { كان يؤذي النبي } ، صلى الله عليه وسلم، { فيستحيي منكم } ، أن يأمركم بالخروج، { والله } ، عز وجل، { لا يستحيي من الحق } ، أي لا يمنعه عن بيان ما هو الحق استحياء منكم، وإن كان رسوله يفعل ذلك.
قوله تعالى: { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب } ، أي إذا سألتم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من متاع البيت، فخاطبوهم من وراء الباب والستر، قال مقاتل: (أمر الله المؤمنين أن لا يكلموا نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا من وراء حجاب). وعن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر: (يا رسول الله إنه يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان عمر يقول: يا رسول الله احجب نساءك، فلم يفعل حتى نزلت هذه الآية). وعن عامر رضي الله عنه قال: (مر عمر رضي الله عنه على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهن: احتجبن؛ فإن لكن على النساء فضلا كما أن لزوجكن على الرجال فضلا. فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى نزلت آية الحجاب).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (أمر عمر بن الخطاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟!). وقال أنس:
" كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فجئت يوما لأدخل فقال: " مكانك يا بني، قد حدث بعد أن لا يدخل علينا إلا بإذن " ".
وعن اسماعيل بن أبي حكيم في قوله تعالى: { فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث } قال: (هذا أدب أدب الله به الثقلاء). وقالت عائشة رضي الله عنها: (حسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم فقال: { فإذا طعمتم فانتشروا }.
قوله تعالى: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ، أي سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الريبة. وهذا الحكم في الحجاب وإن نزل في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى عام فيه وفي غيره، ونحن مأمورون باتباعه والاقتداء به، إلا فيما خصه الله به دون أمته.
قوله تعالى: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله } ، أي ليس لكم أن تؤذوه بالدخول في منزله بغير إذنه، ولا بالحديث مع أزواجه ولا بشيء من الأشياء، ولا يحل لكم ذلك.
قوله تعالى: { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } ، نزل في طلحة بن عبيد الله، قال: (ينهانا محمد صلى الله عليه وسلم أن ندخل على بنات أعمامنا - يعني عائشة وهما من بني تيم بن مرة - فلأن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حي لأتزوجن عائشة). فحرم الله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على عامة الناس، وجعلهن كأمهاتهم في الإكرام والتحريم. وقوله تعالى: { إن ذلكم كان عند الله عظيما } ، أي إن الذي قلتم وتمنيتم من تزويج أزواجه بعد موته كان عند الله عظيما في الوزر والعقوبة.
الأحزاب 33:54
قوله تعالى: { إن تبدوا شيئا أو تخفوه } ، أي إن تظهروا قولا أو تضمروه، فإن الله عالم بالظواهر والبواطن والضمائر. وقيل: معناه: إن تظهروا أشياء من أمرهن، يعني طلحة، قوله تعالى: { أو تخفوه } أي تسرونه في أنفسكم، وذلك أن نفسه حدثته بتزويج عائشة. قوله تعالى: { فإن الله كان بكل شيء عليما } ، أي عليم بكل شيء من السر والعلانية.
فلما نزلت آية الحجاب قال الأباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله:
قوله تعالى: { لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن } ، الآية. أي لا حرج عليهن في إذن آبائهن بالدخول عليهن، ولا في إذن الأبناء والإخوان وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات.
فإن قيل: فهلا ذكر الأعمام والأخوال؟ قيل: إن العم والخال يجريان مجرى الوالدين في الرؤية، وكان ذكر الأباء يتضمن ثبات حكم الأعمام والأخوال. وقيل: إنما لم يذكر الأعمام والأخوال لكي لا يدخل أبناؤهما، ولا يطمعا فيهن.
قوله تعالى: { ولا نسآئهن } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يعني نساء المؤمنين، لا نساء اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رأينهن). وقوله تعالى: { ولا ما ملكت أيمانهن } ، يعني العبيد والإماء، قيل: حمله على الإماء أولى؛ لأن الحر والعبيد يختلفان فيما يباح لهما من النظر، فلا يجوز للبالغين من العبيد أن ينظروا إلى شيء منهن.
قوله تعالى: { واتقين الله } ، أي واتقين الله أن يراكن غير هؤلاء، وقيل: اتقين الله في الإذن لغير المحارم في الدخول عليكن، { إن الله كان على كل شيء } ، من أعمال العباد، { شهيدا } ، لم يغب عنه شيء.
الأحزاب 33:55
قوله تعالى: { إن تبدوا شيئا أو تخفوه } ، أي إن تظهروا قولا أو تضمروه، فإن الله عالم بالظواهر والبواطن والضمائر. وقيل: معناه: إن تظهروا أشياء من أمرهن، يعني طلحة، قوله تعالى: { أو تخفوه } أي تسرونه في أنفسكم، وذلك أن نفسه حدثته بتزويج عائشة. قوله تعالى: { فإن الله كان بكل شيء عليما } ، أي عليم بكل شيء من السر والعلانية.
فلما نزلت آية الحجاب قال الأباء والأبناء والأقارب: يا رسول الله ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله:
قوله تعالى: { لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن } ، الآية. أي لا حرج عليهن في إذن آبائهن بالدخول عليهن، ولا في إذن الأبناء والإخوان وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات.
فإن قيل: فهلا ذكر الأعمام والأخوال؟ قيل: إن العم والخال يجريان مجرى الوالدين في الرؤية، وكان ذكر الأباء يتضمن ثبات حكم الأعمام والأخوال. وقيل: إنما لم يذكر الأعمام والأخوال لكي لا يدخل أبناؤهما، ولا يطمعا فيهن.
قوله تعالى: { ولا نسآئهن } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يعني نساء المؤمنين، لا نساء اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رأينهن). وقوله تعالى: { ولا ما ملكت أيمانهن } ، يعني العبيد والإماء، قيل: حمله على الإماء أولى؛ لأن الحر والعبيد يختلفان فيما يباح لهما من النظر، فلا يجوز للبالغين من العبيد أن ينظروا إلى شيء منهن.
قوله تعالى: { واتقين الله } ، أي واتقين الله أن يراكن غير هؤلاء، وقيل: اتقين الله في الإذن لغير المحارم في الدخول عليكن، { إن الله كان على كل شيء } ، من أعمال العباد، { شهيدا } ، لم يغب عنه شيء.
الأحزاب 33:56
قوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي } ، معناه: أن الله يترحم على النبي ويثني عليه، وقوله: { وملائكته } أي والملائكة يدعون له بالرحمة، وقوله تعالى: { يصلون } الضمير فيه يعود على الملائكة دون اسم الله تعالى؛ لأن الله عز وجل يفرد ذكره عن ذكر غيره إعظاما كما تقدم في قوله:
والله ورسوله أحق أن يرضوه
[التوبة: 62]. وقرأ ابن عباس: (وملائكته) بالرفع عطفا على محل قوله تعالى قبل دخول (إن)، ونظيره قوله تعالى:
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون
[المائدة: 69] وقد مضى ذلك.
وقيل: معنى قوله: { وملائكته يصلون } أي يثنون ويترحمون ويدعون له. وقال مقاتل: (أما صلاة الله فالمغفرة، وأما صلاة الملائكة فالاستغفار له). وقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا صلوا عليه } ، أي قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، تعظيما وإجلالا وتفضيلا.
وعن كعب بن عجرة قال: لما نزلت هذه الآية، قيل:
" يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: " قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد " ".
وعن عبدالله بن مسعود أنه قال: (إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه؛ فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا: فعلمنا ذلك. قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
قوله تعالى: { وسلموا تسليما } ، يجوز أن يكون معناه: واخضعوا لأمره خضوعا، ويجوز أن يكون معناه: الدعاء بالسلام، يقول: السلام عليك يا رسول الله. وعن الحسن قال:
" سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: " قولوا: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد "
والأفضل في هذا الباب أن تصلي على محمد وعلى آله، فتقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. فإن اقتصر على أحدهما جاز.
واختلفوا في كيفية وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: تجب في العمر مرة واحدة بمنزلة الشهادتين، وإلى هذا ذهب الكرخي قال: (إذا صلى عليه في عمره مرة واحدة فقد أدى فرضه، إلا أن المستحب لكل مسلم أن يكثر من الصلاة عليه في مقابلة حقه في الدين علينا، كما يلزم المرء الدعاء لأبويه المؤمنين ليقضي بذلك الدعاء حقهما عليه).
وقال بعضهم: تجب عليه في كل مجلس مرة بمنزلة سجدة التلاوة. وقال الطحاوي: (تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما ذكر) واستدل بما روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم:
" من ذكرت عنده فلم يصل عليك فلا غفر الله له "
وقال الشافعي رضي الله عنه: (الصلاة عليه فرض في كل صلاة) وهذا قول لم يقل به أحد غيره.
الأحزاب 33:57
قوله تعالى: { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة } ، قال المفسرون: هم المشركون واليهود والنصارى، وصفوا الله بالولد فقالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسوله وشجوا وجهه وكسروا رباعيته، وقالوا: مجنون، وشاعر، وساحر كذاب. قال صلى الله عليه وسلم:
" ما من أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، جعلوا له ندا وجعلوا له ولدا، وهو مع ذلك يعافيهم ويعطيهم ويرزقهم "
وكذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير.
ومعنى يؤذون الله، أي يخالفون أمر الله ويعصونه ويصفونه بما هو منزه عنه، والله تعالى لا يلحقه أذى. وقوله تعالى: { لعنهم الله } أي باعدهم الله يعني بالقتل والجلاء في الدنيا والعذاب بالنار في الآخرة، وهو قوله تعالى: { وأعد لهم عذابا مهينا } ، أي ذي هوان.
الأحزاب 33:58
قوله تعالى: { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } ، أي يرمونهم بما ليس فيهم، قال قتادة والحسن: (إياكم وإيذاء المؤمن؛ فإن الله يغضب له ويؤذي من آذاه). وعن عبدالرحمن بن سمرة قال:
" خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " رأيت الليلة عجبا، رأيت رجالا معلقون بألسنتهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " ".
قوله تعالى: { فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } ، أي فقد قالوا كذبا وجنوا على أنفسهم وزرا وعقوبة.
الأحزاب 33:59
قوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } ، أي قل لنسائك وبناتك والحرائر من النساء يلقين على رؤوسهن ووجوههن من جلابيبهن، والجلباب: هو المقنعة التي تستر بها المرأة ما يظهر من العنق والصدر، وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة.
قال المفسرون: يغطين رؤوسهن ووجوههن إلا عينا واحدة. وظاهر الآية يقتضي أن يكن مأمورات بالستر التام عند الخروج إلى الطرق، فعليهن أن يستترن إلا بمقدار ما يعرفن به الطريق.
وقوله تعالى: { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما } ، معناه: ذلك أقرب أن يعرفن الحرائر من الإماء فلا يؤذي الحرائر؛ لأن الناس كانوا يومئذ يمازحون الإماء ولا يمازحون الحرائر، وكان المنافقون يمازحون الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: حسبنا أنهن إماء. فأمر الله الحرائر بهذا النوع من الستر قطعا لأعذار المنافقين.
وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان يضرب الإماء ويقول: (اكشفن رؤوسكن ولا تتشبهن بالحرائر). ومرت جارية بعمر رضي الله عنه متقنعة، فعلاها بالدرة وقال: (يا لكاع، أتتشبهين بالحرائر، ألقي القناع).
ويقال في معنى ذلك: { أدنى أن يعرفن } أي أقرب إلى أن يعرفن بالستر والصلاح؛ فييئس منهن فساق الرجال، فلا يطمعون فيهن كطمعهم فيمن تتبرج وتتكشف.
الأحزاب 33:60
قوله تعالى: { لئن لم ينته المنافقون } ، أي لإن لم ينته المنافقون عن نفاقهم، { والذين في قلوبهم مرض } ، يعني الفجور وهم الزناة وضعفاء الدين عن أذى المؤمنين، { والمرجفون في المدينة } ، وهم قوم كانوا يوقعون الأخبار بما يكره المؤمنون، ويقولون: قد أتاكم العدو، ويقولون لسراياهم: أنهم قتلوا وهزموا، يخيفون المؤمنين بذلك. لئن لم ينتهوا عن هذه الأفعال القبيحة، { لنغرينك بهم } ، أي لنسلطنك عليهم، ونأمرك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلو منهم المدينة، وهو قوله تعالى: { ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } ، أي في المدينة، والمعنى: لا يساكنونك في المدينة إلا يسيرا حتى يهلكوا، { ملعونين } ، مطرودين مبعدين عن الرحمة، { أينما ثقفوا } ، أي أينما وجدوا وأدركوا.
قوله تعالى: { ملعونين } نصب على الحال، وقيل: على الذم، وتقدير النصب على الحال: لا يجاورونك إلا وهم ملعونون مطرودون مخذولون.
وقوله تعالى: { أخذوا وقتلوا تقتيلا } ، أي أخذوا وقتلوا مرة بعد مرة؛ لأنه إذا ظهر أمر المنافقين كانوا بمنزلة الكفار، ومن حق الكفار أن يقتلوا حيث يوجدون. قال قتادة: (أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق، فلما وعدهم الله في هذه الآية فكتموه).
الأحزاب 33:61
قوله تعالى: { لئن لم ينته المنافقون } ، أي لإن لم ينته المنافقون عن نفاقهم، { والذين في قلوبهم مرض } ، يعني الفجور وهم الزناة وضعفاء الدين عن أذى المؤمنين، { والمرجفون في المدينة } ، وهم قوم كانوا يوقعون الأخبار بما يكره المؤمنون، ويقولون: قد أتاكم العدو، ويقولون لسراياهم: أنهم قتلوا وهزموا، يخيفون المؤمنين بذلك. لئن لم ينتهوا عن هذه الأفعال القبيحة، { لنغرينك بهم } ، أي لنسلطنك عليهم، ونأمرك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلو منهم المدينة، وهو قوله تعالى: { ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } ، أي في المدينة، والمعنى: لا يساكنونك في المدينة إلا يسيرا حتى يهلكوا، { ملعونين } ، مطرودين مبعدين عن الرحمة، { أينما ثقفوا } ، أي أينما وجدوا وأدركوا.
قوله تعالى: { ملعونين } نصب على الحال، وقيل: على الذم، وتقدير النصب على الحال: لا يجاورونك إلا وهم ملعونون مطرودون مخذولون.
وقوله تعالى: { أخذوا وقتلوا تقتيلا } ، أي أخذوا وقتلوا مرة بعد مرة؛ لأنه إذا ظهر أمر المنافقين كانوا بمنزلة الكفار، ومن حق الكفار أن يقتلوا حيث يوجدون. قال قتادة: (أراد المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق، فلما وعدهم الله في هذه الآية فكتموه).
الأحزاب 33:62
قوله تعالى: { سنة الله في الذين خلوا من قبل } ، أراد بالسنة الطريقة التي أمر الله بلزومها واتباعها، وقد كانت هذه السنة في الأمم الماضية، لما آذى المنافقون أنبياءهم، أمر الله أنبياءه بقتالهم.
قال الزجاج: (سن الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا) ولا يبدل الله سنته فيهم، وهو قوله تعالى: { ولن تجد لسنة الله تبديلا } ، أي هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق.
الأحزاب 33:63
قوله تعالى: { يسألك الناس عن الساعة } ، قال الكلبي: (سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة وعن قيامها) فقال الله تعالى: { قل إنما علمها عند الله } ، أي قل لهم يا محمد: إنما العلم بوقت قيامها عند الله، لا يطلع أحدا عليها. وقوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ، أي أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثم قال: { لعل الساعة تكون قريبا }.
وما بعد هذه الآية: { إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيهآ أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا } ، ظاهر المعنى.
الأحزاب 33:64
قوله تعالى: { يسألك الناس عن الساعة } ، قال الكلبي: (سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة وعن قيامها) فقال الله تعالى: { قل إنما علمها عند الله } ، أي قل لهم يا محمد: إنما العلم بوقت قيامها عند الله، لا يطلع أحدا عليها. وقوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ، أي أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثم قال: { لعل الساعة تكون قريبا }.
وما بعد هذه الآية: { إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيهآ أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا } ، ظاهر المعنى.
الأحزاب 33:65
قوله تعالى: { يسألك الناس عن الساعة } ، قال الكلبي: (سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة وعن قيامها) فقال الله تعالى: { قل إنما علمها عند الله } ، أي قل لهم يا محمد: إنما العلم بوقت قيامها عند الله، لا يطلع أحدا عليها. وقوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ، أي أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثم قال: { لعل الساعة تكون قريبا }.
وما بعد هذه الآية: { إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيهآ أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا } ، ظاهر المعنى.
الأحزاب 33:66
قوله تعالى: { يوم تقلب وجوههم في النار } ، أي تقلب وجوه الكفار ظهر البطن، وقيل: تقلب إلى سواد، وقيل: تقلب إلى الأقفية.
وقرأ أبو جعفر: (تقلب) بفتح التاء بمعنى تتقلب. وقرأ عيسى بن عمر: (نقلب) بالنون وكسر اللام (وجوههم) بالنصب. وقوله تعالى: { يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا } ، في الدنيا.
الأحزاب 33:67
قوله تعالى: { وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا } أي صرفونا عن الدين وعن سبيل الهدى. قرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: (سادتنا) بالألف وكسر التاء على جمع الجمع.
الأحزاب 33:68
قوله تعالى: { ربنآ آتهم ضعفين من العذاب } ، أي عذبهم مثلي عذابنا، فيكون ضعف على كفرهم وضعف على دعائهم لنا إلى الضلال. وقوله: { والعنهم لعنا كبيرا } ، قرأ عاصم (كبيرا) بالباء؛ أي عظيما، وقرأ الباقون بالثاء من الكثرة، وإنما اختاروا الكثرة لقوله:
ويلعنهم اللاعنون
[البقرة: 159] وقوله تعالى:
عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين
[البقرة: 161] فهذا يشهد للكثرة.
حدثنا محمد بن الحسن العسقلاني، قال: (سمعت محمد بن السري يقول: رأيت في المنام كأني في مسجد عسقلان؛ وكأن رجلا يناظرني ويقول: (والعنهم لعنا كبيرا) وأنا أقول: (كثيرا). وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم فدخل علينا المسجد، وكان في وسط المسجد منارة لها باب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقصدها.
فقلت: هذا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: السلام عليك يا رسول الله استغفر لي. فأمسك عني، فجئته عن يمينه فقلت: يا رسول الله استغفر لي، فأعرض عني، فقمت من تلقاء صدره، حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر وعن جابر بن عبدالله: " أنك ما سئلت شيئا قط فقلت لا " فتبسم عليه السلام وقال: " اللهم اغفر له ". فقلت: يا رسول الله إني وهذا نتكلم في قوله تعالى: (والعنهم لعنا كثيرا)، فأنا أقول: (كثيرا) وهذا يقول: (كبيرا)، قال: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم المنارة وهو يقول: كثيرا، كثيرا، بالثاء إلى أن غاب عني صوته).
الأحزاب 33:69
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا } ، أي لا تكونوا في أذى محمد صلى الله عليه وسلم كبني إسرائيل، الذين آذوا موسى بعيب أضافوه إليه، فبرأه الله مما قالوا عليه، { وكان عند الله وجيها } ، أي رفيع القدر والمنزلة.
واختلفوا في العيب الذي أضافه بنوا إسرائيل إلى موسى، قال بعضهم: كان هارون أحب إلى بني إسرائيل من موسى لزيادة رفقه بهم، فلما مات هارون في حال غيبتهما عنهم، قالوا: إن موسى قتله لتخلص له النبوة، فأحياه الله تعالى حتى كذبهم.
وقال بعضهم: كان أذاهم له أنهم رموه بالأدرة لكثرة حيائه واستتاره عن الناس، وكانت بنوا إسرائيل عراة ينظر بعضهم إلى سوءة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر.
قال: فذهب يغتسل مرة، فوضع ثوبه على حجر، فذهب الحجر بثوبه، فخرج موسى من الماء في إثر الحجر، يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنوا إسرائيل إلى سوأته عليه السلام، فقالوا: والله ما به من بأس. فقام الحجر بعدما نظروا إليه وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا. قال أبو هريرة:
" والله إن بالحجر ندب ستة أو سبعة من ضرب موسى "
قوله تعالى: { وكان عند الله وجيها } أي حظيا لا يسأله شيئا إلا أعطاه.
الأحزاب 33:70
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله } ، أي اتقوا عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، { وقولوا قولا سديدا } ، قال ابن عباس: (صوابا)، وقال الحسن: (صادقا) يعني كلمة التوحيد: لا إله إلا الله.
الأحزاب 33:71
قوله تعالى: { يصلح لكم أعمالكم } ، قال ابن عباس: (معناه يتقبل حسناتكم) { ويغفر لكم ذنوبكم } ، بسداد قولكم، { ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } ، أي فقد نال الخير كله وظفر به، والفوز العظيم هو الظفر بالكرامة والرضوان من الله تعالى.
الأحزاب 33:72
قوله تعالى: { إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال } ، معناه: إنا عرضنا الأمانة التي هي الشرائع والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتركها العقاب. قال ابن عباس: (عرضت الأمانة على السماوات السبع التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن بأخذ الأمانة بما فيها، قلن: وما فيها، قيل: إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا. ثم عرضت الأمانة على الجبال الصم الشوامخ الصلاب البواذح)، { فأبين أن يحملنها وأشفقن منها }. قال ابن جريج: (قالت السماء: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظا، وأجريت في الشمس والقمر والنجوم، لا أعمل فريضة ولا أبتغي ثوابا. وقالت الأرض: يا رب جعلتني بساطا ومهادا، وشققت في الأنهار، وأنبت في الأشجار، لا أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابا ولا عقابا).
ومعنى قوله: { فأبين أن يحملنها } أي مخافة وخشية لا معصية ولا مخالفة، والعرض كان تخييرا لا إلزاما، قوله: { وأشفقن منها } أي خفن من الأمانة أن لا توفيها، فيلحقهن العقاب، فأبوا ذلك تعظيما لدين الله وخوفا أن لا يقوموا به، وقالوا: نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا.
قوله تعالى: { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } ، يعني: وحملها آدم عليه السلام قال الله له: يا آدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ولم يطقنها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فتحملها آدم، وقال: حملتها بين أذني وعاتقي.
قال ابن عباس: (عرض الله على آدم أداء الصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصيام رمضان، وحج البيت، على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي).
وقال مقاتل: (قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت معذبك ومعاقبك. قال: قد رضيت يا رب، وتحملها. فقال الله عز وجل: قد حملتكها. فذلك قوله تعالى: { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا }.
قال الكلبي: (ظلمه حيث عصى ربه وأخرج من الجنة، وجهله حيث تحملها). وقال مقاتل: (ظلوما لنفسه، جهولا بعاقبة ما حمل). وقال مجاهد: (لما خلق الله السماوات والأرض والجبال، عرضت الأمانة عليها فلم تقبلها فلما خلق الله آدم عرضها عليه فقال: قد تحملتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا قدر ما بين العصر والظهر).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن الله قال لآدم: إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض فلم يطقنها، فهل أنت حاملها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن حفظتها أجرت، وإن ضيعتها عوقبت، قال: قد تحملتها.
فما بقي في الجنة إلا كقدر ما بين الظهر والعصر حتى خرج منها).
وقال زيد بن أسلم: (الأمانة هي الصوم والغسل من الجنابة)، وقال بعضهم: (هي أمانات الناس والوفاء بالعهود. فحق على كل مؤمن أن لا يغش مسلما في شيء لا قليل ولا كثير).
وقال السدي: (هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وذلك أن آدم عليه السلام لما أراد أن يحج إلى مكة، قال: يا سماء احفظي أولادي بالأمانة، فأبت وقال للأرض كذلك، فأبت. وقال للجبال كذلك، فأبت. ثم قال لابنه قابيل: أتحفظهم بالأمانة؟ قال: نعم، تذهب وترجع فتجد أهلك كما يسرك. فانطلق آدم ورجع وقد قتل قابيل هابيل، فذلك قوله تعالى: { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } يعني قابيل حين حمل أمانة أبيه ثم لم يحفظها).
الأحزاب 33:73
قوله تعالى: { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } ، أي ليعذبهم الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل، ونقض الميثاق الذي أقروا به حين أخرجوا من ظهر آدم. قال الحسن: (هؤلاء الذين خانوها، وهم الذين ظلموها).
قوله تعالى: { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } ، لأنهم أدوا الأمانة، وهي الفرائض. وقيل: معنى الآية: إنا عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق، وشرك المشرك فيعذبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم، أي يعود عليهم بالمغفرة والرحمة إن حصل منهم تقصير في بعض الطاعات، وكذلك ذكر بلفظ التوبة، فدل على أن المؤمن العاصي خارج من العذاب، { وكان الله غفورا } ، للمؤمنين إذا تابوا، { رحيما } ، بمن مات على التوبة.
سبأ 34:1
{ الحمد لله الذي له ما في السموت وما في الأرض }؛ الحمد: الوصف بالجميل على جهة التعظيم، وقوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض } المعنى: له ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا، { وله الحمد في الآخرة }؛ أي يحمده أهل الآخرة على دوام نعمه عليهم كما يحمده أهل الدنيا، ولكن الحمد في الدنيا تعبد، وفي الآخرة شكر على سبيل السرور؛ لأنه لا يكلف في الآخرة، يقول أهل الآخرة: الحمد لله الذي صدقنا وعده، والحمد لله الذي هدانا لهذا، والحمد لله الذي أذهب عنا الحزن والنقم في الدارين كلها منه. قوله: { وهو الحكيم الخبير }؛ أي الحكيم في أفعاله، الخبير بأحوال عباده.
سبأ 34:2
قوله تعالى: { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها }؛ أي ما يدخل في الأرض ويغيب فيها من المطر والحيوانات من الميتة، ويعلم ما يخرج منها من أنواع النبات والزروع وغير ذلك مما لا يعلمه إلا هو، ويعلم { وما ينزل من السمآء }؛ من الأمطار التي هي سبب أرزاق العباد، ويعلم { وما يعرج }؛ في السماء؛ أي من يصعد، { فيها }؛ من الملائكة الحفظة لديوان العباد، وما يرتفع فيها من الرياح والحر والبرد، ويعلم ما يصعد فيها من أعمال العباد. يقال:عرج يعرج؛ إذا صعد، وعرج يعرج إذا صار أعرجا.
وقوله تعالى: { وهو الرحيم الغفور }؛ أي الرحيم بعباده، الغفور لمن استحق المغفرة.
سبأ 34:3
قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة }؛ أي قال الكفار: لا تأتينا القيامة، { قل }؛ لهم يا محمد: { بلى وربي لتأتينكم }؛ على ما أخبر الله تعالى، { عالم الغيب }.
قرأ حمزة والكسائي (عالم الغيب) بخفض الميم على وزن فعال على المبالغة، كقوله: علام الغيوب، وقرأ نافع وابن عامر: (عالم) برفع الميم على تقدير: هو عالم، وقرأ ابن كثير وأبو عمر وعاصم (عالم) بالكسر نعت لقوله (وربي).
قوله تعالى: { لا يعزب عنه مثقال ذرة }؛ أي لا يغيب عنه ولا يبعد عليه معرفة وزن ذرة، { في السموت ولا في الأرض }؛ وخص الذرة بالذكر لأنها أصغر شيء يدخل في أوهام البشر، وهذا مثل؛ لأنه سبحانه لا يخفى عليه ما هو دون الذرة، والمعنى: الله يعلم كل شيء دق أو جل. قوله تعالى: { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين }؛ الكتاب المبين في هذه الآية هو اللوح المحفوظ.
سبأ 34:4
قوله تعالى: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم }؛ معناه: لتأتينكم الساعة ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات على أعمالهم بالمغفرة والرزق الكريم؛ أي الثواب الحسن في الجنة.
سبأ 34:5
قوله تعالى: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين }؛ أي سعوا فيها بعد ظهورها ووضوحها بالتكذيب لها والجحود بها، مقدرين أنهم سيفوتوننا، ويعاجزون الرسول صلى الله عليه وسلم، { أولئك لهم عذاب من رجز أليم }؛ من عذاب مؤلم، والرجز: أسوأ العذاب.
قرأ ابن كثير (أليم) بالرفع على نعت العذاب، وقرأ الباقون بالخفض على نعت الرجز.
سبأ 34:6
قوله تعالى: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد }؛ أول هذه الآية عطف على قوله { ليجزي } أي ولكي يعلم الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك وهو القرآن وآيه يهدي إلى صراط العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن به، الحميد لمن وحده، أي يهدي إلى دين الله.
وقوله تعالى { الذين أوتوا العلم } يعني مؤمني أهل الكتاب. وقال قتادة: (يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقوله { هو الحق } إنما دخلت (هو) في هذا الموضع للفصل عند البصريين، ويسمى ذلك عمادا، ولا يدخل العماد إلا في المعرفة، قال الشاعر:
ليت الشباب هو الرجيع على الفتى
والشيب كان هو البدئ الأول
سبأ 34:7
قوله تعالى: { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد }؛ أي قال الكفار على وجه التعجب والإنكار؛ أي قال بعضهم لبعض: هل ندلكم على رجل يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنكم تبعثون بعد أن تكونوا عظاما ورفاتا! وذلك قوله تعالى: { ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } أي يقول لكم إذا بليتم وتقطعت أجسامكم واندرست آثاركم تعودون. وقوله تعالى { كل ممزق } أي إذا تفرقتم في الأرض وتفرقت العظام والجلود كل تفريق، { إنكم لفي خلق جديد } أي نجدد خلقكم بأن تبعثوا.
سبأ 34:8
قوله تعالى: { أفترى على الله كذبا }؛ هذا من قول الكفار بعضهم لبعض؛ قالوا: افترى محمد على الله كذبا حين زعم أنا نبعث بعد الموت! { أم به جنة }؛ أي جنون، يقولون: زعم كذبا أم به جنون.
فرد الله عليهم مقالتهم بقوله: { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد }؛ أي ليس الأمر على ما قالوا من افتراء وجنون، كأنه قال: لا هذا ولا ذاك، ولكن الذين لا يؤمنون بالبعث في الآخرة، والخطأ البعيد في الدنيا.
سبأ 34:9
قوله تعالى: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السمآء والأرض }؛ معناه: إن سماءنا محيطة بهم والأرض حاملة لهم، { إن نشأ نخسف بهم }؛ هذه، { الأرض أو نسقط عليهم } تلك، { كسفا من السمآء } فما يحذرون هذا فيرتدعون عن التكذيب بآياتنا.
والمعنى: أن الإنسان حيث ما نظر رأى السماء فوقه، والأرض قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، فكأنه تعالى قال: إن أرضي وسمائي محيطة بهم، وأنا القادر عليهم، إن شئت خسفت بهم، وإن شئت أسقط عليهم قطعة من السماء.
قرأ حمزة والكسائي وخلف: (إن يشأ) و(يخسف) و(يسقط) في ثلاثتها بالياء لذكر الله تعالى قبله، وقوله تعالى (أفترى) ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك سقطت.
وقوله: { إن في ذلك لآية لكل عبد منيب }؛ أي إن فيما ذكر من منيعه وقدرته وفيما ترون من السماء والأرض لعلامة تدل على قدرة الله تعالى على البعث، وعلى من يشاء من الخسف بهم، لكل عبد أناب إلى الله ورجع إلى طاعته وتأمل ما خلق. قال الحسن: (المنيب: الراجع إلى الله تعالى بقلبه وقوله وفعله، فإذا نوى نوى لله، وإذا قال قال لله، وإذا عمل عمل لله).
سبأ 34:10
قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود منا فضلا }؛ يعني النبوة والكتاب والملك. قوله تعالى: { يجبال أوبي معه والطير }؛ أي سبحي معه إذا سبح، فكان داود عليه السلام إذا سبح سبحت الجبال معه حتى يسمع صوت تسبيحها. وقرئ (أوبي معه) أي عودي في التسبيح معه كلما عاد فيه.
وقال القتيبي: (أصله من التأويب، وهو السير بالليل كله، كأنه أراد ادني النهار كله بالتسبيح معه). وقيل: تسير معه كيف شاء.
وقوله { والطير } ، قرأ العامة بالنصب، وله وجوه؛ أحدها: بالفعل؛ تقديره: وسخرنا له الطير، تقول: أطعمته طعاما وماء أي وسقيته ماء. والثاني: بالنداء، يعني بالعطف على موضع النداء، لأن موضع كل منادى النصب. والثالث: بنزع الخافض، كأنه قال: أوبي معه الطير، كما يقال: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها؛ أي مع فصيلها. وقرأ يعقوب (والطير) بالرفع عطفا على الجبال. وقيل: على الابتداء، قال الشاعر:
ألا يا زيد والضحاك سيرا
فقد جاوزتما خمر الطريق
يروى هذا البيت بنصب (الضحاك) ورفعه.
وقوله تعالى: { وألنا له الحديد }؛ أي جعلنا له الحديد لينا يضربه كيف شاء من غير نار ولا مطرقة، وكان عنده مثل الشمع والطين المسلول والعجين. قوله تعالى: { أن اعمل سابغات }؛ أي قلنا له اعمل دروعا واسعات تامات يجرها لابسها على الأرض، فكان داود عليه السلام أول من عمل الدروع، والسابغ: هو الذي يغطي كل ما على الرجل حتى يفضل، فكان داود يبيع كل درع بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله ويتصدق على الفقراء والمساكين.
قوله تعالى: { وقدر في السرد }؛ أي اجعل حلق الدرع متتابعة متناسقة بعضها إلى بعض على مقدار معلوم لا يتفاوت على وجه، ولا تنفذ فيه السهام ولا السنان. يقال: سرد الكلام يسرده إذا ذكره بالتأليف على وجه تحصل به الفائدة، ومن هذا يقال لصانع الدروع: سراد وزراد. والسرود والزرد للوصل.
وقال بعضهم: السرد سمرك طرفي الحلق؛ أي لا تجعل المسامير دقاقا فتنغلق، ولا غلاظا فتكسر الحلق، واجعل ذلك على قدر الحاجة. والقول الأول أقرب إلى الآية، لأن الدروع التي عملها داود كانت بغير المسامير؛ لأنه كانت معجزة.
قوله تعالى: { واعملوا صالحا }؛ أي قال الله لآل داود: اعملوا صالحا فيما بينكم وبين ربكم، { إني بما تعملون بصير }؛ من شكر وطاعة.
سبأ 34:11
قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود منا فضلا }؛ يعني النبوة والكتاب والملك. قوله تعالى: { يجبال أوبي معه والطير }؛ أي سبحي معه إذا سبح، فكان داود عليه السلام إذا سبح سبحت الجبال معه حتى يسمع صوت تسبيحها. وقرئ (أوبي معه) أي عودي في التسبيح معه كلما عاد فيه.
وقال القتيبي: (أصله من التأويب، وهو السير بالليل كله، كأنه أراد ادني النهار كله بالتسبيح معه). وقيل: تسير معه كيف شاء.
وقوله { والطير } ، قرأ العامة بالنصب، وله وجوه؛ أحدها: بالفعل؛ تقديره: وسخرنا له الطير، تقول: أطعمته طعاما وماء أي وسقيته ماء. والثاني: بالنداء، يعني بالعطف على موضع النداء، لأن موضع كل منادى النصب. والثالث: بنزع الخافض، كأنه قال: أوبي معه الطير، كما يقال: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها؛ أي مع فصيلها. وقرأ يعقوب (والطير) بالرفع عطفا على الجبال. وقيل: على الابتداء، قال الشاعر:
ألا يا زيد والضحاك سيرا
فقد جاوزتما خمر الطريق
يروى هذا البيت بنصب (الضحاك) ورفعه.
وقوله تعالى: { وألنا له الحديد }؛ أي جعلنا له الحديد لينا يضربه كيف شاء من غير نار ولا مطرقة، وكان عنده مثل الشمع والطين المسلول والعجين. قوله تعالى: { أن اعمل سابغات }؛ أي قلنا له اعمل دروعا واسعات تامات يجرها لابسها على الأرض، فكان داود عليه السلام أول من عمل الدروع، والسابغ: هو الذي يغطي كل ما على الرجل حتى يفضل، فكان داود يبيع كل درع بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله ويتصدق على الفقراء والمساكين.
قوله تعالى: { وقدر في السرد }؛ أي اجعل حلق الدرع متتابعة متناسقة بعضها إلى بعض على مقدار معلوم لا يتفاوت على وجه، ولا تنفذ فيه السهام ولا السنان. يقال: سرد الكلام يسرده إذا ذكره بالتأليف على وجه تحصل به الفائدة، ومن هذا يقال لصانع الدروع: سراد وزراد. والسرود والزرد للوصل.
وقال بعضهم: السرد سمرك طرفي الحلق؛ أي لا تجعل المسامير دقاقا فتنغلق، ولا غلاظا فتكسر الحلق، واجعل ذلك على قدر الحاجة. والقول الأول أقرب إلى الآية، لأن الدروع التي عملها داود كانت بغير المسامير؛ لأنه كانت معجزة.
قوله تعالى: { واعملوا صالحا }؛ أي قال الله لآل داود: اعملوا صالحا فيما بينكم وبين ربكم، { إني بما تعملون بصير }؛ من شكر وطاعة.
سبأ 34:12
قوله تعالى: { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر }؛ أي وسخرنا لسليمان الريح كانت تحمل سريره فتذهب في الغدو مسيرة شهر، وترجع في الرواح مسيرة شهر.
قال الفراء: (نصب (الريح) على المفعول؛ أي وسخرنا لسليمان الريح). وقرأ عاصم (الريح) بالرفع على معنى: وله تسخير الريح، والمعنى أن الريح كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب المسرع.
قوله تعالى: { وأسلنا له عين القطر }؛ أي أذبنا له عين النحاس، فسالت له ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وإنما انتفع الناس بما أخرج الله لسليمان، وكان قبل سليمان لا يذوب. والقطر هو الرصاص.
قوله تعالى: { ومن الجن من يعمل بين يديه }؛ أي وسخرنا له من الجن { من يعمل بين يديه } من القصور والبنيان، { بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا }؛ أي من يمل من الشياطين عن أمرنا الذي أمرناه من الطاعة لسليمان، { نذقه من عذاب السعير }؛ أي من عذاب النار الموقدة. وقيل: إن الله تعالى وكل ملكا بيده سوط من نار، فمن زاغ منهم من طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته.
سبأ 34:13
قوله تعالى: { يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل }؛ أي يعملون لسليمان ما يشاء { من محاريب } أي مساجد، كان هو والمؤمنون يصلون فيها. ويقال: أراد بالمحاريب الغرف والمواضع الشريفة، يقال لأشرف موضع في الدار محراب، والمحراب مقدم كل مسجد ومجلس وبيت.
وقوله تعالى: { وتماثيل } أي تماثيل كل شيء، يعني صورا من نحاس وزجاج ورخام، كانت الجن تعملها، وكانوا يصورون له الأنبياء والملائكة في المسجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان، ثم صار حراما في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما روي في الحديث:
" إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة "
وروي:
" لعن الله المصورين بما صوروا ".
قوله تعالى: { وجفان كالجواب }؛ الجفان جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة من الصفر. وقوله { كالجواب } أي كالحياض العظام، فهي كحياض الإبل، والجواب جمع الجابية، وسمي الحوض جابية؛ لأنه يجبي الماء؛ أي يجمعه، والجباية جمع الماء. يقال: إنه كان يجتمع على جفنة واحدة ألف رجل يأكلون بين يديه.
قوله تعالى: { وقدور راسيات }؛ أي ثابتات عظام من الحجر كالجبال لا ترفع من أماكنها، ولكن يوقد تحتها حتى ينطبخ ما فيها من الأطعمة فيأكل منها الألوف، وكانت هذه الأعمال التي يعملونها معجزة لسليمان عليه السلام.
وقوله تعالى: { اعملوا آل داوود شكرا }؛ أي قلنا لهم: اعملوا بطاعة الله شكرا له على هذه النعم التي من بها عليكم. وقيل: انتصب قوله (شكرا) على المصدرية. وقوله تعالى: { وقليل من عبادي الشكور }؛ أي قليل من عبادي من يشكر لي؛ لأن الشاكرين وإن كثروا فقليل في جنب من لم يشكر.
سبأ 34:14
قوله تعالى: { فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته }؛ وذلك أن سليمان عليه السلام كان يعتاد طول القيام في الصلاة، وكان إذا أعيا اتكأ على عصاه، فاتكأ ذات يوم على عصاه، فقبض الله روحه، فبقي على تلك الحالة سنة، والعملة في أعمالهم يعملون كما هم ولم يجترئ أحد أن يدنو منه هيبة له.
وقوله { ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته } دابة الأرض هي الأرضة التي تأكل الخشب، وقوله تعالى { منسأته } أي عصاه التي كان يتكئ عليها.
وقوله تعالى: { فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين }؛ أي فلما سقط سليمان لتآكل المنسأة، تبين الجن للإنس؛ أي ظهروا أنهم لا يعلمون الغيب، فلو علموا ما عملوا له سنة وهو ميت، فذلك قوله تعالى: { ما لبثوا في العذاب المهين } أي في العذاب من أعمالهم الشاقة التي كانوا يعملونها في بناء بيت المقدس وغيره، فلما علموا بموته لسقوط العصا تركوا الأعمال.
ثم أن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام لآتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب لآتيناك بأطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الطين والماء، فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، فما رأيتموه من الطين في جوف الخشب فهو مما ينقله الشياطين إليها شكرا لها!
وسميت العصا منسأة لأنه ينسأ بها الغنم وغيره؛ أي يؤخر ويطرد، يقال: أنسأ الله في أجله؛ أي أخر الله في أجله. وأكثر القراء يقرأون (منسأته) بالهمزة، وقرأ أبو عمرو ونافع بترك الهمزة، وهما لغتان.
وقوله تعالى { أن لو كانوا يعلمون الغيب } أي ظهر أمرهم. وقيل: في موضع النصب تقديره: علمت وأيقنت الجن { أن لو كانوا يعلمون الغيب } ، وكان الإنس قبل هذا يظنون أن الشياطين يعلمون السر يكون بين اثنين، فظهر لهم يومئذ أنهم لا يعلمون ذلك.
قال أهل التاريخ: كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه، وكان عمر داود مائة وأربعون سنة.
سبأ 34:15
قوله تعالى: { لقد كان لسبإ في مسكنهم آية }؛ قال فروة بن مسيك:
" أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن سبأ ما هو؟ فقال: " رجل من العرب أولد عشرة أولاد، تيامن منهم ستة، وتشام منهم أربعة. فأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة وحمير ومذحج والأشعريون وإنمار ومنهم بجيلة. وأما الذين شاموا فعاملة وغسان ولخم وجذام "
والمراد بسبأ القبيلة الذين هم من أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وقوله تعالى: { في مسكنهم } أنه كانت مساكنهم بمأرب من اليمن (آية) أي علامة يدل على قدرة الله وأن المنعم عليهم هو الله تعالى. ثم فسر تلك الآية فقال: { جنتان عن يمين وشمال }؛ أي عن يمين واديهم وشماله قد أحاطتا بذلك الوادي الذي بين مساكنهم.
والمعنى: لقد كان لأهل سبأ في مواضعهم علامة، وهي جنتان؛ أي بستانان؛ إحداهما عن يمين الطريق، وأخرى عن يسار الطريق، ويقال: كان بستانين عن يمين الطريق وبستانين عن شمال الطريق، إلا أن البساتين كل واحد من الجانبين سمي جنة لاتصال بعضها ببعض، وكانوا في النعمة بحيث كانت المرأة تمشي في تلك الطريق بين البساتين وعلى رأسها الزنبيل فيمتلئ من ألوان الفاكهة من غير أن تمس شيئا بيدها.
قرأ حمزة والنخعي وحفص (في مسكنهم) بفتح الكاف على الواحد، وقرأ الأعمش والكسائي وخلف: (مسكنهم) بكسر الكاف على الواحد أيضا، وقرأ الباقون: (مساكنهم) على الجمع.
قوله تعالى: { كلوا من رزق ربكم }؛ أي قيل لهم: (كلوا من رزق ربكم) يعني هذه النعم، { واشكروا له }؛ أي لله على نعمة هذه، وهذا حد الكلام، اثم ابتدأ فقال: { بلدة طيبة }؛ أي هذه بلدة طيبة أو لكم بلدة طيبة، يعني ليست بسبخة، ولم يكن يرى بعوضة قط، ولا ذباب ولا برغوث ولا حية ولا عقرب، وأن الرجل الغريب ليأتيها وفي ثوبه القمل والدواب، فحين يرى بيوتهم تموت الدواب والقمل. والمعنى: بلدة طيبة الهواء. وقوله تعالى: { ورب غفور }؛ أي غفور الخطايا، كثير العطايا.
سبأ 34:16
قوله تعالى: { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم }؛ أي فأعرضوا عن الحق وكفروا وكذبوا أنبيائهم، ولم يشكروا نعم الله، وقالوا: لا نعرف لله تعالى نعمة علينا! وقالوا لأنبياءهم: قولوا لربكم الذي يزعمون أنه منعم فليحبس عنا نعمه إن استطاع!
قال وهب: (بعث الله تعالى إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا، فدعوهم إلى الله وذكروهم نعمه، وخوفوهم عقابه، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة).
قوله تعالى: { فأرسلنا عليهم سيل العرم } ، قال ابن الأعرابي: (العرم: السيل الذي لا يطاق)، وقال مقاتل: (العرم وادي سبأ). وقيل: العرم: المطر الشديد الذي يأتي منه سيل لا يطاق دفعه، وعرمة الماء ذهابه في كل مذهب.
وقيل: العرم هو الفأر الذي نقب السد عليهم، وصفة ذلك: أن الماء كان يأتي أرض سبأ من الشجر وأودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء في ذلك الردم، وجعلوا لذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الباب الثاني، ثم من الباب الأسفل، فلا ينفذ الماء حتى يأتي ماء السنة الثانية، فأخصبوا وكثرت أموالهم. فلما كذبوا الرسل بعث الله عليهم جرذا نقب ذلك الردم، فاندفع الماء عليهم وعلى جنتيهم، فدفن السيل بيوتهم وأغرق جنتيهم وخرب أراضيهم.
قوله تعالى: { وبدلناهم بجنتيهم جنتين }؛ أي بدلناهم بالجنتين اللتين أهلكناهما جنتين، { ذواتي أكل خمط }؛ الأكل: اسم لما يؤكل. والخمط: شجر الأراك، ويقال: الخمط كل نبت قد أخذ طعما من مرارة حتى لا يمكن أكله. وقيل: هو شجر ذات شوك.
قرأ أبو عمرو ويعقوب (أكل خمط) بالإضافة، وقرأ الباقون (أكل) بالتنوين، وهما متقاربان في المعنى.
وقوله تعالى: { وأثل }؛ الأثل: ما عظم من شجر الطرفاء، وقوله تعالى: { وشيء من سدر قليل }؛ والسدر إذا كان بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول، كما يكون ورق السدر الذي نبت على الماء. ومعنى قوله تعالى { وشيء من سدر قليل } يعني أن الخمط والأثل كان أكثر في الجنتين المبدلتين من السدر. قال قتادة: (كان شجر القوم من خير الشجر، فبدله الله من شر الشجر بأعمالهم)، والسدر هو شجر النبق.
سبأ 34:17
قوله تعالى: { ذلك جزيناهم بما كفروا }؛ أي جزيناهم ذلك التبديل والتخريب بكفرهم بنعم الله تعالى، { وهل نجزي }؛ بمثل هذه العقوبة وتعجيل سلب النعمة، { إلا الكفور }؛ أي الكافر المعاند، وقيل: معناه: إن المؤمن نكفر عنه ذنوبه بطاعاته، والكافر يجازى على كل سوء يعمله. وقال الفراء: (المؤمن يجزى ولا يجازى) أي يجزى الثواب بعمله، ولا يكافؤ بسيئاته.
قرأ أهل الكوفة: (نجازي) بالنون وكسر الزاي. ونصب (الكفور) لقوله (جزيناهم) ولم يقل جوزوا، وقرأ الآخرون (يجازي) بياء مضمومة ورفع (الكفور).
وقوله تعالى { لقد كان لسبإ } من قرأ بالنصب فهو اسم قبيلة، فلهذا لم ينصرف، ومن نونه وخفضه فهو اسم لرجل.
سبأ 34:18
قوله تعالى: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة } أي جعلنا بين أهل سبأ وبين قرى الأرض التي باركنا فيها وهي الأرض المقدسة باركنا فيها بالماء والشجر، يعني قرى الشام ومصر، وقوله { قرى ظاهرة } أي قرى متقاربة متصلة، إذا خرج الرجل من واحدة من القرى ظهرت له الأخرى، فكانوا لا يحتاجون في سيرهم إلى الشام إلى زاد، وكانت المرأة تخرج ومعها مغزلها، وعلى رأسها مكتلها، ثم تغزل ساعة فلا ترجع بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، وكان ما بين الشام وأرض سبأ على تلك الصفة.
قوله تعالى: { وقدرنا فيها السير }؛ أي جعلنا القرى مواصلة بقدر السير المتصل على قدر المقيل والمبيت من قرية إلى قرية، أنعمنا عليهم في مسيرهم كما أنعمنا عليهم في مساكنهم، فقلنا لهم: { سيروا فيها ليالي وأياما }؛ إن شئتم بالليالي وإن شئتم بالأيام، { آمنين }؛ من الظلم والجوع والعطش وعن جميع ما يخاف في الطريق.
ومعنى الآية: { وقدرنا فيها السير } من القرية إلى القرية مقدارا واحدا، نصف يوم، وقلنا لهم: { سيروا فيها } في تلك القرى، { ليالي وأياما }؛ ليلا شئتم السير أو نهارا { آمنين } من الجوع والعطش والسباع والتعب ومن كل خوف.
ثم إنهم بطروا النعمة، وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض، { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا }؛ أي اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب عليها الرواحل ونتزود الأزواد، ذلك أنهم قالوا لو كانت ثمارنا أبعد مما هي لكان أجدر أن نشتهيها، فاجعل بين منازلنا وبين مقصدنا المفاوز. ويقال: كانت هذه المسألة من تجارهم ليربحوا في أمولهم.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو (بعد) على وجه الدعاء. وقرأ ابن الحنفية ويعقوب (ربنا) برفع الباء (باعد) بألف وفتح العين والدلالة على الخبر، استبعدوا أسفارهم بطرا منهم وأشرا. وقرأ الباقون (ربنا) بفتح الباء و(باعد) بالألف وكسر العين وجزم الدال على الدعاء. وقد قرئ (بعد) بضم العين و(بين) بالرفع؛ أي بعد ما يتصل بسفرنا.
قوله تعالى: { وظلموا أنفسهم }؛ يعني بترك الشكر والطاعة، وقيل: بالكفر، { فجعلناهم أحاديث }؛ لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم، ولم يبق منهم ولا من ديارهم أثر. وقوله تعالى: { ومزقناهم كل ممزق }؛ أي فرقناهم في البلاد المختلفة كل تفريق، وذلك أنهم شردوا في البلاد، وصاروا بحيث يتمثل بهم العرب يقولون: تفرق القوم أيدي سبأ وأيادي سبأ.
قال الشعبي: (أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان) وكانت غسان ملوك الشام.
قوله تعالى: { إن في ذلك }؛ أي فيما فعل بسبأ { لآيات }؛ لعبر ودلالات { لكل صبار } ، عن معاصي الله، { شكور }؛ لأنعمه.
سبأ 34:19
قوله تعالى: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة } أي جعلنا بين أهل سبأ وبين قرى الأرض التي باركنا فيها وهي الأرض المقدسة باركنا فيها بالماء والشجر، يعني قرى الشام ومصر، وقوله { قرى ظاهرة } أي قرى متقاربة متصلة، إذا خرج الرجل من واحدة من القرى ظهرت له الأخرى، فكانوا لا يحتاجون في سيرهم إلى الشام إلى زاد، وكانت المرأة تخرج ومعها مغزلها، وعلى رأسها مكتلها، ثم تغزل ساعة فلا ترجع بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، وكان ما بين الشام وأرض سبأ على تلك الصفة.
قوله تعالى: { وقدرنا فيها السير }؛ أي جعلنا القرى مواصلة بقدر السير المتصل على قدر المقيل والمبيت من قرية إلى قرية، أنعمنا عليهم في مسيرهم كما أنعمنا عليهم في مساكنهم، فقلنا لهم: { سيروا فيها ليالي وأياما }؛ إن شئتم بالليالي وإن شئتم بالأيام، { آمنين }؛ من الظلم والجوع والعطش وعن جميع ما يخاف في الطريق.
ومعنى الآية: { وقدرنا فيها السير } من القرية إلى القرية مقدارا واحدا، نصف يوم، وقلنا لهم: { سيروا فيها } في تلك القرى، { ليالي وأياما }؛ ليلا شئتم السير أو نهارا { آمنين } من الجوع والعطش والسباع والتعب ومن كل خوف.
ثم إنهم بطروا النعمة، وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض، { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا }؛ أي اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب عليها الرواحل ونتزود الأزواد، ذلك أنهم قالوا لو كانت ثمارنا أبعد مما هي لكان أجدر أن نشتهيها، فاجعل بين منازلنا وبين مقصدنا المفاوز. ويقال: كانت هذه المسألة من تجارهم ليربحوا في أمولهم.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو (بعد) على وجه الدعاء. وقرأ ابن الحنفية ويعقوب (ربنا) برفع الباء (باعد) بألف وفتح العين والدلالة على الخبر، استبعدوا أسفارهم بطرا منهم وأشرا. وقرأ الباقون (ربنا) بفتح الباء و(باعد) بالألف وكسر العين وجزم الدال على الدعاء. وقد قرئ (بعد) بضم العين و(بين) بالرفع؛ أي بعد ما يتصل بسفرنا.
قوله تعالى: { وظلموا أنفسهم }؛ يعني بترك الشكر والطاعة، وقيل: بالكفر، { فجعلناهم أحاديث }؛ لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم، ولم يبق منهم ولا من ديارهم أثر. وقوله تعالى: { ومزقناهم كل ممزق }؛ أي فرقناهم في البلاد المختلفة كل تفريق، وذلك أنهم شردوا في البلاد، وصاروا بحيث يتمثل بهم العرب يقولون: تفرق القوم أيدي سبأ وأيادي سبأ.
قال الشعبي: (أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان) وكانت غسان ملوك الشام.
قوله تعالى: { إن في ذلك }؛ أي فيما فعل بسبأ { لآيات }؛ لعبر ودلالات { لكل صبار } ، عن معاصي الله، { شكور }؛ لأنعمه.
سبأ 34:20
قوله تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين }؛ قرأ أهل الكوفة (صدق) بالتشديد؛ أي ظن فيهم ظنا حيث قال:
قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]
ولا تجد أكثرهم شاكرين
[الأعراف: 17] فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك واتباعهم إياه. وقرأ الآخرون (صدق) بالتخفيف؛ أي صدق عليهم في ظنه بهم.
وقوله تعالى { عليهم } أي على أهل سبأ، وقال مجاهد: على الناس كلهم إلا من أطاع الله عز وجل { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } وهم الذين قال الله تعالى فيهم
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان
[الاسراء: 65].
وقيل: إن إبليس لما وسوس إلى آدم وعملت فيه وسوسته، طمع في ذريته؛ فقال: إنه مع فضله وعقله، وعملت فيه وسوستي؛ فكيف لا تعمل في ذريته؟ فأخبر الله في هذه الآية: أن القوم اتبعوه فصدقوا ظنه، إلا طائفة من المؤمنين لم يتبعوه في شيء.
وقيل: إن ابليس لما سأل النظرة فأنظره الله تعالى قال: لأضلنهم ولأمنينهم ولأموهنهم، ولم يكن في وقت هذه المقالة مستيقنا، وإنما قال ظنا منه، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم.
وقوله تعالى: { وما كان له عليهم من سلطان }؛ أي ما كان لأبليس عليهم من حجة ولا نفاذ أمر إلا بالتزيين والوسوسة. وقوله: { إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك }؛ أي ما كان تسليطنا إياه عليهم إلا لنعلم المؤمنين من الشاكرين.
والمعنى: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمن ظاهرا وكفر الكافر ظاهرا، وقد يذكر العلم ويراد به الإظهار. وقوله تعالى: { وربك على كل شيء حفيظ }؛ أي عالم بكل شيء من الإيمان وشك وغير ذلك.
سبأ 34:21
قوله تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين }؛ قرأ أهل الكوفة (صدق) بالتشديد؛ أي ظن فيهم ظنا حيث قال:
قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين
[ص: 82]
ولا تجد أكثرهم شاكرين
[الأعراف: 17] فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك واتباعهم إياه. وقرأ الآخرون (صدق) بالتخفيف؛ أي صدق عليهم في ظنه بهم.
وقوله تعالى { عليهم } أي على أهل سبأ، وقال مجاهد: على الناس كلهم إلا من أطاع الله عز وجل { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } وهم الذين قال الله تعالى فيهم
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان
[الاسراء: 65].
وقيل: إن إبليس لما وسوس إلى آدم وعملت فيه وسوسته، طمع في ذريته؛ فقال: إنه مع فضله وعقله، وعملت فيه وسوستي؛ فكيف لا تعمل في ذريته؟ فأخبر الله في هذه الآية: أن القوم اتبعوه فصدقوا ظنه، إلا طائفة من المؤمنين لم يتبعوه في شيء.
وقيل: إن ابليس لما سأل النظرة فأنظره الله تعالى قال: لأضلنهم ولأمنينهم ولأموهنهم، ولم يكن في وقت هذه المقالة مستيقنا، وإنما قال ظنا منه، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم.
وقوله تعالى: { وما كان له عليهم من سلطان }؛ أي ما كان لأبليس عليهم من حجة ولا نفاذ أمر إلا بالتزيين والوسوسة. وقوله: { إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك }؛ أي ما كان تسليطنا إياه عليهم إلا لنعلم المؤمنين من الشاكرين.
والمعنى: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمن ظاهرا وكفر الكافر ظاهرا، وقد يذكر العلم ويراد به الإظهار. وقوله تعالى: { وربك على كل شيء حفيظ }؛ أي عالم بكل شيء من الإيمان وشك وغير ذلك.
سبأ 34:22
قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض }؛ أي قل لكفار مكة: أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله، قال مقاتل: (أي ادعوهم ليكشفوا عنكم الضرر الذي نزل بكم في سنين الجوع).
وقيل: معناه: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم لكي يرزقوكم ويدفعوا عنكم الشدائد، ثم إنهم لا يملكون مثقال ذرة؛ أي لم يخلقوا زنة ذرة في السماوات ولا في الأرض، فمن أين يستحقون العبادة؟!
وقوله تعالى: { وما لهم فيهما من شرك }؛ أي ما لهم في السماوات والأرض من شرك في خلقهما، وقوله تعالى: { وما له منهم من ظهير }؛ أي وما الله تعالى منهم من معين فيما خلق.
وقوله تعالى: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له }؛ أي ولا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي ولا أحد حتى يأذن الله له في الشفاعة. وهذا تكذيب من الله لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (أذن) بضم الألف، وقرأ غيرهم بالفتح، فمن فتح كان المعنى لمن أذن الله له في الشفاعة، وكذلك من قرأ بالضم لأن الآذن هو الله تعالى في القراءتين جميعا.
سبأ 34:23
قوله تعالى: { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير }؛ قرأ ابن عامر ويعقوب: (فزع) بفتح الفاء والزاي، وقرأ غيرهما بضم الفاء وكسر الزاي. والمعنى: حتى إذا كشف الفزع والجزع عن قلوبهم. ومن قرأ بالفتح فالمعنى: حتى إذا كشف الله الفزع عن قلوبهم.
واختلفوا في هذه الكتابة والموصوفين بهذه الصفة، من هم؟ ومن النصب الذي من أجله فزع عن قلوبهم؟ فقال قوم: هم الملائكة. واختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم: إنما فزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل.
قال عبدالله بن مسعود: (إذا تكلم الله تعالى بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة مثل صلصلة السلسلة على الصفوان، فيصعقون لذلك ويخرون سجدا، فإذا علموا أنه وحي فزع عن قلوبهم فترد إليهم، فينادي أهل السماوات بعضهم بعضا: (ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير).
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فيقولون له: ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق ".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضوعا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق ".
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إذا تكلم الله بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من الله تعالى، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجدا، فيكون أول من رفع رأسه جبريل عليه السلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل بالملائكة، فكلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقول مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر الله ".
وقال مقاتل والكلبي: (لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة وخمسون عاما، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كلم الله تعالى جبريل بالرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فسمعت الملائكة الصوت بالوحي، فظنوا أنها القيامة قامت، فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل بالرسالة، جعل أهل كل سماء يسألونه على وجه التعرف بعد ما انكشف الفزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال جبريل ومن معه: قال الحق).
وقيل: لما سمعت الملائكة الوحي صعقوا فخروا سجدا ظانين أنها القيامة، فلما نزل جبريل بالوحي انكشف فزعهم فرفعوا رؤوسهم، وقال بعضهم لبعض: (ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق) يعني الوحي { وهو العلي الكبير } أي الغالب القاهر السيد المطاع الكبير العظيم، فلا شيء أعظم منه.
وقرأ الحسن (حتى إذا فزع عن قلوبهم) بالعين المعجمة والزاي بمعنى فزعت قلوبهم من الفزع، وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله { حتى إذا فزع عن قلوبهم } راجع إلى المشركين، فإنهم إذا شاهدوا أهوال يوم القيامة غشي عليهم، فيزيل الله ذلك عن قلوبهم، ثم تقول لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا والآخرة؟ فيقولون: الحق، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار.
سبأ 34:24
قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السموت والأرض قل الله }؛ أي قل يا محمد لكفار مكة: من يرزقكم من السماوات المطر، ومن الأرض النبات والثمر؟ وإنما أمر بهذا السؤال احتجاجا عليهم؛ لأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة لا غيره، وذلك أنه إذا استفهمهم عن الرزق لم يمكنهم أن يبينوا رازقا غير الله، فيتحيروا في الجواب فيؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجواب، فيقول لهم: إن الذي يرزقكم هو الله عز وجل، وتم الكلام.
ثم أمر بأن يخبرهم أنهم على الضلال بعبادة غير الله تعالى بقوله تعالى: { وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين }؛ وهذا على وجه الإنصاف في الحجة لاستمالة قلوبهم، كما يقول القائل من المسارعين: أحدنا كاذب؛ وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب.
والمعنى: ما نحن وأنتم إلا على أمر واحد؛ أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال مبين.
سبأ 34:25
قوله تعالى: { قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون } أي قل يا محمد للكفار لا تؤاخذون بجرمنا، ولا نؤاخذ بجرمكم، فانظروا لأنفسكم واعلموا أن حرصنا على إيمانكم لا ينفعكم، وهذا على وجه التبرؤ منهم ومن كفرهم.
سبأ 34:26
قوله تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا }؛ يعني بعد البعث في الآخرة في المحشر، { ثم يفتح بيننا بالحق }؛ أي ثم يقضي بيننا ويحكم بيننا بالعدل، { وهو الفتاح العليم }؛ أي وهو القاضي العليم بما يقضي.
سبأ 34:27
قوله تعالى: { قل أروني الذين ألحقتم به شركآء كلا }؛ أي قل لهم أروني الذين ألحقتموهم بالله تعالى وجعلتموهم شركاء الله في العبادة؛ هل لهم قدرة على الخلق والأمر، وهل يرزقون ويخلقون؟ وقوله تعالى { كلا } كلمة ردع وزجر؛ أي ارتدعوا عن مقالتكم وانزجروا؛ فإنكم لا تقدرون أن تجعلوا لله شركاء، { بل هو الله العزيز الحكيم }؛ أي المنيع الغالب لكل شيء، الحكيم في تدبيره لخلقه، فأنى يكون له شريك في ملكه. وقيل: معناه: قل أروني الذين ألحقتموهم بالله في العبادة شركاء هل يرزقون ويخلقون؟ كلا؛ لا يرزقون ولا يخلقون، بل الذي يخلق ويرزق هو الله العزيز في ملكه، الحكيم في أمره.
سبأ 34:28
قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا }؛ أي ما أرسلناك يا محمد إلا للناس كافة أي كلهم، أحمرهم وأسودهم. وقيل: معناه: إلا مانعا للناس من الكفر والضلال، والكف على هذا هو المنع. وأدخلت الهاء ها هنا للمبالغة كالرواية والعلامة، (بشيرا) بالخير لمن أطاع الله، (ونذيرا) أي ومخوفا بالنار لمن كفر بالله، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ يعني كفار مكة لا يتدبرون القرآن، فلو تدبروا لعلموا.
سبأ 34:29
قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد }؛ أي يقول الكفار: متى هذا الوعد الذي تخوفونا به من البعث والعذاب، { إن كنتم صادقين }؛ في مقالتكم، { قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون }؛ أي قل لبعثكم وعذابكم ميقات يوم لا يؤخر عن وقت الوعد ولا يقدم وهو يوم القيامة.
سبأ 34:30
قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد }؛ أي يقول الكفار: متى هذا الوعد الذي تخوفونا به من البعث والعذاب، { إن كنتم صادقين }؛ في مقالتكم، { قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون }؛ أي قل لبعثكم وعذابكم ميقات يوم لا يؤخر عن وقت الوعد ولا يقدم وهو يوم القيامة.
سبأ 34:31
قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه }؛ أي قال الكفار: لن نؤمن بصدق هذا القرآن ولا بالذي بين يديه من أمر الآخرة، والنشأة الثانية.
وقيل: معنى { ولا بالذي بين يديه } يعنون التوراة والإنجيل، وذلك: أنه لما قال مؤمنوا أهل الكتاب: إن صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابنا وهو نبي مبعوث، كفر أهل مكة بكتابهم.
وقوله تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا }؛ أي ولو ترى يا محمد مشركي مكة محبوسون في المحشر للحساب يوم القيامة، يتجاوبون فيما بينهم يرد بعضهم على بعض القول في الجدال، ويحمل كل واحد منهم الذنب على صاحبه، فيقول الأتباع لرؤسائهم: { لولا أنتم }؛ ودعاؤكم إيانا إلى الكفر، { لكنا مؤمنين }؛ كغيرنا، بل أنتم منعتمونا وصددتمونا عن الإيمان.
فأجابهم رؤساؤهم على وجه الإنكار: { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين } باختياركم الكفر على الإيمان.
فقال الأتباع للرؤساء: { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا }؛ قال الأخفش: (الليل والنهار لا يمكران بأحد، ولكن يمكر فيهما، وهذا كقوله
من قريتك التي أخرجتك
[محمد: 13] وهذا من سعة العربية).
والمعنى: بل مكركم بنا في الليل والنهار إذ تأمروننا، وكذلك يقال: فلان نهار صائم وليله قائم، وقال الشاعر: (ما ليل المطي بنائم). ومثله قوله تعالى:
فإذا عزم الأمر
[محمد: 21]. وقيل: مكر الليل والنهار بهم طول السلامة فيهما، كقوله
فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم
[الحديد: 16].
قوله تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب }؛ أي أضمروها في أنفسهم؛ لأن موضع الندامة القلب. وقيل: أظهروها فيما بينهم، أقبل بعضهم يلوم بعضا، ويعرض بعضهم بعضا الندامة، وهذا من ألفاظ الأضداد، يقال: أسر إذا كتم، وأسر إذا أظهر.
وقوله تعالى: { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا }؛ أي غلت أيمانهم إلى أعناقهم، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون }؛ من الشرك في الدنيا.
سبأ 34:32
قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه }؛ أي قال الكفار: لن نؤمن بصدق هذا القرآن ولا بالذي بين يديه من أمر الآخرة، والنشأة الثانية.
وقيل: معنى { ولا بالذي بين يديه } يعنون التوراة والإنجيل، وذلك: أنه لما قال مؤمنوا أهل الكتاب: إن صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابنا وهو نبي مبعوث، كفر أهل مكة بكتابهم.
وقوله تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا }؛ أي ولو ترى يا محمد مشركي مكة محبوسون في المحشر للحساب يوم القيامة، يتجاوبون فيما بينهم يرد بعضهم على بعض القول في الجدال، ويحمل كل واحد منهم الذنب على صاحبه، فيقول الأتباع لرؤسائهم: { لولا أنتم }؛ ودعاؤكم إيانا إلى الكفر، { لكنا مؤمنين }؛ كغيرنا، بل أنتم منعتمونا وصددتمونا عن الإيمان.
فأجابهم رؤساؤهم على وجه الإنكار: { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين } باختياركم الكفر على الإيمان.
فقال الأتباع للرؤساء: { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا }؛ قال الأخفش: (الليل والنهار لا يمكران بأحد، ولكن يمكر فيهما، وهذا كقوله
من قريتك التي أخرجتك
[محمد: 13] وهذا من سعة العربية).
والمعنى: بل مكركم بنا في الليل والنهار إذ تأمروننا، وكذلك يقال: فلان نهار صائم وليله قائم، وقال الشاعر: (ما ليل المطي بنائم). ومثله قوله تعالى:
فإذا عزم الأمر
[محمد: 21]. وقيل: مكر الليل والنهار بهم طول السلامة فيهما، كقوله
فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم
[الحديد: 16].
قوله تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب }؛ أي أضمروها في أنفسهم؛ لأن موضع الندامة القلب. وقيل: أظهروها فيما بينهم، أقبل بعضهم يلوم بعضا، ويعرض بعضهم بعضا الندامة، وهذا من ألفاظ الأضداد، يقال: أسر إذا كتم، وأسر إذا أظهر.
وقوله تعالى: { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا }؛ أي غلت أيمانهم إلى أعناقهم، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون }؛ من الشرك في الدنيا.
سبأ 34:33
قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه }؛ أي قال الكفار: لن نؤمن بصدق هذا القرآن ولا بالذي بين يديه من أمر الآخرة، والنشأة الثانية.
وقيل: معنى { ولا بالذي بين يديه } يعنون التوراة والإنجيل، وذلك: أنه لما قال مؤمنوا أهل الكتاب: إن صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابنا وهو نبي مبعوث، كفر أهل مكة بكتابهم.
وقوله تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا }؛ أي ولو ترى يا محمد مشركي مكة محبوسون في المحشر للحساب يوم القيامة، يتجاوبون فيما بينهم يرد بعضهم على بعض القول في الجدال، ويحمل كل واحد منهم الذنب على صاحبه، فيقول الأتباع لرؤسائهم: { لولا أنتم }؛ ودعاؤكم إيانا إلى الكفر، { لكنا مؤمنين }؛ كغيرنا، بل أنتم منعتمونا وصددتمونا عن الإيمان.
فأجابهم رؤساؤهم على وجه الإنكار: { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين } باختياركم الكفر على الإيمان.
فقال الأتباع للرؤساء: { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا }؛ قال الأخفش: (الليل والنهار لا يمكران بأحد، ولكن يمكر فيهما، وهذا كقوله
من قريتك التي أخرجتك
[محمد: 13] وهذا من سعة العربية).
والمعنى: بل مكركم بنا في الليل والنهار إذ تأمروننا، وكذلك يقال: فلان نهار صائم وليله قائم، وقال الشاعر: (ما ليل المطي بنائم). ومثله قوله تعالى:
فإذا عزم الأمر
[محمد: 21]. وقيل: مكر الليل والنهار بهم طول السلامة فيهما، كقوله
فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم
[الحديد: 16].
قوله تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب }؛ أي أضمروها في أنفسهم؛ لأن موضع الندامة القلب. وقيل: أظهروها فيما بينهم، أقبل بعضهم يلوم بعضا، ويعرض بعضهم بعضا الندامة، وهذا من ألفاظ الأضداد، يقال: أسر إذا كتم، وأسر إذا أظهر.
وقوله تعالى: { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا }؛ أي غلت أيمانهم إلى أعناقهم، { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون }؛ من الشرك في الدنيا.
سبأ 34:34
قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ }؛ أي ما أرسلنا في أهل قرية من رسول إلا قال رؤساؤها وأعيانها وأولو النعمة فيها: { إنا بمآ أرسلتم به }؛ من الإيمان والتوحيد، { كافرون * وقالوا }؛ للرسل: { نحن أكثر أموالا وأولادا }؛ فكما فضلنا عليكم في الدنيا لن نعذب بذنوبنا في الآخرة! افتخر مشركوا مكة على رسول الله والمؤمنين بأموالهم وأولادهم، وظنوا أن الله إنما خولهم المال والولد كرامة لهم عنده، فقالوا { وما نحن بمعذبين }؛ أي إن الله أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا!
فقال الله تعالى لنبيه عليه السلام: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر }؛ يعني أن بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى بفعله إبتلاء وامتحانا، ولا يدل البسط على رضا الله تعالى، ولا التضييق على سخطه، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ يعني أهل مكة لا يعلمون حين ظنوا أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة الله لهم.
سبأ 34:35
قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ }؛ أي ما أرسلنا في أهل قرية من رسول إلا قال رؤساؤها وأعيانها وأولو النعمة فيها: { إنا بمآ أرسلتم به }؛ من الإيمان والتوحيد، { كافرون * وقالوا }؛ للرسل: { نحن أكثر أموالا وأولادا }؛ فكما فضلنا عليكم في الدنيا لن نعذب بذنوبنا في الآخرة! افتخر مشركوا مكة على رسول الله والمؤمنين بأموالهم وأولادهم، وظنوا أن الله إنما خولهم المال والولد كرامة لهم عنده، فقالوا { وما نحن بمعذبين }؛ أي إن الله أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا!
فقال الله تعالى لنبيه عليه السلام: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر }؛ يعني أن بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى بفعله إبتلاء وامتحانا، ولا يدل البسط على رضا الله تعالى، ولا التضييق على سخطه، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ يعني أهل مكة لا يعلمون حين ظنوا أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة الله لهم.
سبأ 34:36
قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ }؛ أي ما أرسلنا في أهل قرية من رسول إلا قال رؤساؤها وأعيانها وأولو النعمة فيها: { إنا بمآ أرسلتم به }؛ من الإيمان والتوحيد، { كافرون * وقالوا }؛ للرسل: { نحن أكثر أموالا وأولادا }؛ فكما فضلنا عليكم في الدنيا لن نعذب بذنوبنا في الآخرة! افتخر مشركوا مكة على رسول الله والمؤمنين بأموالهم وأولادهم، وظنوا أن الله إنما خولهم المال والولد كرامة لهم عنده، فقالوا { وما نحن بمعذبين }؛ أي إن الله أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا!
فقال الله تعالى لنبيه عليه السلام: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر }؛ يعني أن بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى بفعله إبتلاء وامتحانا، ولا يدل البسط على رضا الله تعالى، ولا التضييق على سخطه، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ يعني أهل مكة لا يعلمون حين ظنوا أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة الله لهم.
سبأ 34:37
قوله تعالى: { ومآ أموالكم ولا أولادكم }؛ أي ليست كثرة أموالكم ولا أولادكم ب الخصلة { بالتي تقربكم عندنا زلفى }؛ أي بالتي تقربكم إلى الثواب والكرامة قربة. وقيل: معناه: بالتي تقربكم عندنا قربى. قال الأخفش: (زلفى: اسم المصدر؛ كأنه أراد: بالتي تقربكم عندنا تقريبا). { إلا من آمن وعمل صالحا }؛ بصرف المال في وجوه الخير، وبصرف الأولاد في طاعة الله تعالى. وقيل: معناه: إلا من آمن وعمل صالحا فإن إيمانه وعمله يقربه مني.
وقوله تعالى: { فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا }؛ أي لهم الجزاء المضاعف على حسناتهم بالحسنة الواحدة عشرا، { وهم في الغرفات }؛ الجنة، { آمنون }؛ من كل آفة ومكروه. والغرفة: هي البيوت فوق الأبنية.
قرأ حمزة (وهم في الغرفة) على الواحدة، لقوله
أولئك يجزون الغرفة
[الفرقان: 75]، وقرأ الباقون (في الغرفات) على الجمع، لقوله
لنبوئنهم من الجنة غرفا
[العنكبوت: 58]، وقرأ يعقوب (فأولئك لهم جزاء) بالنصب منونا (الضعف) بالرفع تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاء على التقدير والتأخير.
سبأ 34:38
قوله تعالى: { والذين يسعون في آياتنا معاجزين }؛ أي يسعون في دلائل التوحيد والنبوة معاندين، يحسبون أنهم يفوتوننا ويعجزوننا، { أولئك في العذاب محضرون }؛ أي محبوسون.
سبأ 34:39
قوله تعالى: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له }؛ قد تقدم تفسيره.
وقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه }؛ أي ما أنفقتم من مال في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه في الدنيا بالعوض، وفي الآخرة بالحسنات والدرجات.
وقوله تعالى { فهو يخلفه } لكم أو عليكم، يقال: أخلف الله له وعليه؛ إذا أبدل الله له ما ذهب عنه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من فقه المراد فقه في معيشته ".
وقال الكلبي: (معناه: وما أنفقتم في الخير والبر فهو يخلفه، إما أن يعجله في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة). وعن سعيد بن بشار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان أحدهما يقول: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا "
وقوله تعالى: { وهو خير الرازقين }؛ أي وهو خير المخلفين، وإنما خير الرازقين لأنه قد يقال: رزق السلطان الجند.
سبأ 34:40
قوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا }؛ يعني المشركين، { ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }؛ هذا استفهام توبيخ للعابدين كقوله تعالى لعيسى:
أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله
[المائدة: 116]. فنزهت الملائكة ربهم عن الشرك و { قالوا سبحانك }؛ تنزيها لك مما أضافوا إليك من الشركاء، { أنت ولينا من دونهم }؛ أي ما اتخذناهم عابدين، ولا توليناهم ولسنا نريد غيرك وليا، وأنت العالم بأمورنا وافترائهم علينا، كنا نواليك ولا نواليهم، { بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } ، أي أطاعوا الشياطين في عبادتهم إيانا؛ لأن الشياطين كانت دعوتهم إلى ذلك، فكان أكثرهم بالشياطين مؤمنين.
سبأ 34:41
قوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا }؛ يعني المشركين، { ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }؛ هذا استفهام توبيخ للعابدين كقوله تعالى لعيسى:
أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله
[المائدة: 116]. فنزهت الملائكة ربهم عن الشرك و { قالوا سبحانك }؛ تنزيها لك مما أضافوا إليك من الشركاء، { أنت ولينا من دونهم }؛ أي ما اتخذناهم عابدين، ولا توليناهم ولسنا نريد غيرك وليا، وأنت العالم بأمورنا وافترائهم علينا، كنا نواليك ولا نواليهم، { بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } ، أي أطاعوا الشياطين في عبادتهم إيانا؛ لأن الشياطين كانت دعوتهم إلى ذلك، فكان أكثرهم بالشياطين مؤمنين.
سبأ 34:42
قوله تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا }؛ أي يقال لهم: اليوم لا يقدر بعضكم لبعض جر نفع ولا دفع ضر، { ونقول } ، خزنه النار بأمر الله، { للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } في الدنيا.
سبأ 34:43
قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات }؛ معناه: إذا يقرأ على أهل مكة آياتنا وهي القرآن واضحات الحجج، { قالوا ما هذا }؛ يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم { إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى } ، وقالوا: ما هذا الذي أتانا به إلا كذب مفترى؟ يعنون القرآن، { وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم }؛ وهو القرآن: ما هذا القرآن؟ { إن هذآ إلا سحر مبين }.
سبأ 34:44
قوله تعالى: { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير }؛ أي ما آتينا أهل مكة من كتب يقرؤنها. والمعنى: من أين كذبوك، ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه، وما أرسلنا إليهم قبلك يا محمد من رسول.
ثم خوفهم وأخبر عن عاقبة من كذب قبلهم فقال: { وكذب الذين من قبلهم }؛ يعني أمم كافرة، { وما بلغوا }؛ يعني أهل مكة، { معشار مآ آتيناهم }؛ أي ما بلغ هؤلاء الذين أرسلت إليهم عشر ما أوتي الأمم قبلهم من القوة والعدة، { فكذبوا رسلي فكيف كان نكير }؛ فانظر كيف كان إنكاري عليهم وتعذيبي لهم، أليسوا مهلكين بالعذاب إذ لم يؤمنوا به معشار. والعشر والعشير جزء من عشرة. قال ابن عباس: (المعنى: وما بلغ قومك معشار ما آتيناهم من القوة وكثرة المال وطول العمر فأهلكهم الله).
سبأ 34:45
قوله تعالى: { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير }؛ أي ما آتينا أهل مكة من كتب يقرؤنها. والمعنى: من أين كذبوك، ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه، وما أرسلنا إليهم قبلك يا محمد من رسول.
ثم خوفهم وأخبر عن عاقبة من كذب قبلهم فقال: { وكذب الذين من قبلهم }؛ يعني أمم كافرة، { وما بلغوا }؛ يعني أهل مكة، { معشار مآ آتيناهم }؛ أي ما بلغ هؤلاء الذين أرسلت إليهم عشر ما أوتي الأمم قبلهم من القوة والعدة، { فكذبوا رسلي فكيف كان نكير }؛ فانظر كيف كان إنكاري عليهم وتعذيبي لهم، أليسوا مهلكين بالعذاب إذ لم يؤمنوا به معشار. والعشر والعشير جزء من عشرة. قال ابن عباس: (المعنى: وما بلغ قومك معشار ما آتيناهم من القوة وكثرة المال وطول العمر فأهلكهم الله).
سبأ 34:46
قوله تعالى: { قل إنمآ أعظكم بواحدة }؛ أي آمركم وأوصيكم بخصلة واحدة، وهي: { أن تقوموا لله مثنى وفرادى }؛ أي تقوموا لله اثنين اثنين وواحدا واحدا، { ثم تتفكروا } , فيناظروا ويذكروا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، هل ترون في فعله وقوله ودعائه إلى توحيد الله ما يكون من كلام المجانين وأفعالهم، وهو كلام عالم حازم؟ قال مقاتل: (والمعنى: ألا يتفكر منكم واحد ومع صاحبه ينظروا أن خلق السماوات والأرض دليل على أن خالقها واحد لا شريك له).
قوله تعالى: { ما بصاحبكم من جنة }؛ وذلك أن المشركين قالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ساحر مجنون! فقال الله تعالى: { ما بصاحبكم من جنة } وما صاحبكم بمجنون، فعلى هذا المعنى يكون قوله { ما بصاحبكم من جنة } ابتداء كلام من الله تعالى، ويجوز أن يكون المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا بطلان قولكم في نسبته إلى الجنون. وقوله تعالى: { إن هو إلا نذير لكم }؛ أي ما هو إلا رسول مخوف، { بين يدي عذاب شديد }؛ أي بين يدي القيامة لكي تخلصوا أنفسكم من عذاب الله بالتلافي والتوبة.
سبأ 34:47
قوله تعالى: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم }؛ معناه: قل لهم يا محمد: ما سألتكم على تبليغ الرسالة أجرا فتتهموني، وقوله تعالى { فهو لكم } هذا الرجل يقول لغيره: ما أعطيتني فخذه، يريد بذلك لم يعطه شيئا، وقوله تعالى: { إن أجري إلا على الله }؛ أي ما ثوابي إلا على الله، { وهو على كل شيء }؛ من أعمال العباد { شهيد }.
سبأ 34:48
قوله تعالى: { قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب }؛ القذف: هو الرمي بألسنتهم والحصى والكلام، قال الكلبي: (فمعنى الآية: قل إنه يأتي بالحق؛ أي يتكلم بالوحي وهو القرآن يلقيه إلى نبيه عليه السلام). والمعنى: قل إن ربي ينزل الوحي من السماء فيقذفه ويلقيه إلى الأنبياء عليهم السلام، وقوله تعالى: { علام الغيوب } ظاهر المعنى.
سبأ 34:49
قوله تعالى: { قل جآء الحق }؛ يعني الإيمان والقرآن؛ أي ظهر الإسلام والقرآن، { وما يبدىء الباطل وما يعيد }؛ معناه: ذهب الباطل وزهق، فلم يبق له بقية يبدئ بها ولا يعيد. قال الحسن: (الباطل: كل معبود سوى الله، فإن كل معبود سوى الله لا يبدئ لأهله خيرا في الدنيا، ولا يعيد بخيره في الآخرة). فقال قتادة: (الباطل إبليس؛ أي ما يخلق إبليس أحدا ولا يبعثه).
ويجوز أن يكون هذا استفهاما، كأنه قال: وأي شيء يبدئ الباطل؟ وأي شيء يعيده؟ وعن ابن مسعود قال:
" دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود معه ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد "
أي ذهب الباطل بحيث لا يبقى له بقية، لا إقبال ولا إدبار ولا إبداء ولا إعادة كما قال تعالى
بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه
[الأنبياء: 18]. ويقال: فلان ظهرت عليه الحجة، فما يبدئ وما يعيد، وما يحل وما يمر.
سبأ 34:50
قوله تعالى: { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي }؛ وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد ضللت حين تركت دين آبائك! فقال الله تعالى { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي } أي ضرر ذلك راجع إلى نفسي، { وإن اهتديت }؛ إلى الحق، { فبما يوحي إلي ربي }؛ من القرآن والبيان، { إنه سميع }؛ لكل ما يقوله الخلق من حق وباطل، { قريب }؛ مني، لا تخفى عليه خافية.
سبأ 34:51
قوله تعالى: { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت }؛ ولو ترى يا محمد الكفار، يعني عند البعث، فلا يمكنهم الغوث ولا الهرب من ما هو نازل بهم، لرأيت ما يعتبر به غاية الاعتبار. ومعنى الآية: { ولو ترى إذ فزعوا } عند البعث فلا يفوتونني؛ أي لا يفوتني أحد ولا ينجوا مني ظالم.
وقوله تعالى: { وأخذوا من مكان قريب }؛ يعني من القبور حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا يفوتونه. تعني هذه الآية؛ قال بعضهم: أراد بقوله { إذ فزعوا فلا فوت } مما أصابهم يوم بدر عند القتال. وقال بعضهم: أراد به يوم القيامة إذ فزعوا من مشاهدة عذاب جهنم، وعلموا أنهم لا يفوتون لله، وأخذوا بالعذاب من مكان قريب إلى جهنم فقذفوا فيها.
{ وقالوا } ، عند رؤية العذاب: { آمنا به } ، أي آمنا بالله تعالى وبرسوله، يقول الله تعالى: { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد }؛ أي أين لهم تناول ما أرادوا بلوغه من مكان بعيد، يعني من الآخرة وقد تركوه في الدنيا؟ يعني أنهم قد تعذر عليهم تناول الإيمان كما يتعذر على الإنسان تناول النجوم.
والتناوش هو التناول، نشته أنوشه نوشا، إذا تناوله، كأنه قال: وأنى لهم التوبة. وقيل: ما يتمنون. قال ابن عباس: (يتمنون الرد حين لا رد).
قرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (التناؤش) بالمد والهمزة، وهو الإبطاء والبعد؛ أي من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه. يقال: أنشت الشيء؛ إذا أخذته من بعيد، والنيش: الشيء البطيء. وقرأ الباقون بغير همزة من التناول، يقال: نشته إذا تناولته، وتناوش القوم في الحرب إذا تدانوا وتناول بعضهم بعضا.
واختار أبو عبيد ترك الهمز؛ لأنه قال: (معناه من التناول، فإذا همز كان معناه البعد فكيف يقول: { وأنى لهم } البعد من مكان بعيد). قوله تعالى: { من مكان بعيد } يعني أنهم يريدون أن يتناولوا التوبة، وقد صاروا في الآخرة، وإنما تقبل التوبة " في الدنيا " وقد ذهبت الدنيا فصارت بعيدا من الآخرة.
سبأ 34:52
قوله تعالى: { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت }؛ ولو ترى يا محمد الكفار، يعني عند البعث، فلا يمكنهم الغوث ولا الهرب من ما هو نازل بهم، لرأيت ما يعتبر به غاية الاعتبار. ومعنى الآية: { ولو ترى إذ فزعوا } عند البعث فلا يفوتونني؛ أي لا يفوتني أحد ولا ينجوا مني ظالم.
وقوله تعالى: { وأخذوا من مكان قريب }؛ يعني من القبور حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا يفوتونه. تعني هذه الآية؛ قال بعضهم: أراد بقوله { إذ فزعوا فلا فوت } مما أصابهم يوم بدر عند القتال. وقال بعضهم: أراد به يوم القيامة إذ فزعوا من مشاهدة عذاب جهنم، وعلموا أنهم لا يفوتون لله، وأخذوا بالعذاب من مكان قريب إلى جهنم فقذفوا فيها.
{ وقالوا } ، عند رؤية العذاب: { آمنا به } ، أي آمنا بالله تعالى وبرسوله، يقول الله تعالى: { وأنى لهم التناوش من مكان بعيد }؛ أي أين لهم تناول ما أرادوا بلوغه من مكان بعيد، يعني من الآخرة وقد تركوه في الدنيا؟ يعني أنهم قد تعذر عليهم تناول الإيمان كما يتعذر على الإنسان تناول النجوم.
والتناوش هو التناول، نشته أنوشه نوشا، إذا تناوله، كأنه قال: وأنى لهم التوبة. وقيل: ما يتمنون. قال ابن عباس: (يتمنون الرد حين لا رد).
قرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (التناؤش) بالمد والهمزة، وهو الإبطاء والبعد؛ أي من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه. يقال: أنشت الشيء؛ إذا أخذته من بعيد، والنيش: الشيء البطيء. وقرأ الباقون بغير همزة من التناول، يقال: نشته إذا تناولته، وتناوش القوم في الحرب إذا تدانوا وتناول بعضهم بعضا.
واختار أبو عبيد ترك الهمز؛ لأنه قال: (معناه من التناول، فإذا همز كان معناه البعد فكيف يقول: { وأنى لهم } البعد من مكان بعيد). قوله تعالى: { من مكان بعيد } يعني أنهم يريدون أن يتناولوا التوبة، وقد صاروا في الآخرة، وإنما تقبل التوبة " في الدنيا " وقد ذهبت الدنيا فصارت بعيدا من الآخرة.
سبأ 34:53
قوله تعالى: { وقد كفروا به من قبل }؛ أي كانوا كافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن في الدنيا قبل ما عاينوا من العذاب وأهوال القيامة. قوله تعالى: { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد }؛ أي ينسبون محمدا صلى الله عليه وسلم إلى السحر والجنون والكهانة رجما منهم بالغيب والقذف. والرجم بالغيب: أن يلفظ الإنسان شيئا لا يتحقق، ومنه سمي الرمي بالفاحشة قذفا.
ومعنى قوله تعالى { بالغيب } أن يقذفون محمدا صلى الله عليه وسلم بالظن لا باليقين، والغيب على هذا الظن، وهو ما غاب علمه عنهم. وقوله تعالى: { من مكان بعيد } يعني بعدهم عن الحق. وقال قتادة: (معنى { ويقذفون بالغيب } يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار).
سبأ 34:54
قوله تعالى: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون }: أي حيل بين هؤلاء الكفار وبين الرجعة إلى الدنيا، وقال الحسن: (معناه: حيل بينهم وبين الإيمان والتوبة)، { كما فعل بأشياعهم }؛ أي كما فعل بنظرائهم أو أشياعهم، ومن كان على مثل حالهم من الكفار، { من قبل } ، أي قبل هؤلاء، { إنهم كانوا في شك }؛ من البعث ونزول العذاب بهم، { مريب } ، أي ظاهر الشك.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبي إلا كان له يوم القيامة رفيقا ومصافحا ".
فاطر 35:1
{ الحمد لله فاطر السموت والأرض }؛ أي خالقهما، مبتدئا من غير مثال سبق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما كنت أعرف ما معنى فاطر حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي بدأتها).
قوله تعالى: { جاعل الملائكة رسلا }؛ قال بعضهم: أراد به بالملائكة كلهم، فإنهم كلهم رسل الله بعضهم إلى بعض وبعضهم إلى الإنس، وقال بعضهم: أراد بذلك جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والحفظة، يرسلهم إلى النبيين وإلى ما شاء من الأمور.
قوله تعالى: { أولي أجنحة }؛ صفة الملائكة أي ذوي أجنحة، { مثنى وثلاث ورباع } ، منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، اختارهم الله تعالى لرسالته من حيث علم أنهم لا يبدلون.
وقوله تعالى: { يزيد في الخلق ما يشآء }؛ أي يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء، فمنهم من له مائة ألف جناح، ومنهم من له أكثر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال:
" رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح ".
وعن ابن شهاب قال:
" سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتراءى له في صورته، فقال له جبريل: إنك لن تطيق ذلك يا رسول الله، قال: " إني أحب أن تفعل " فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه، ثم أفاق وجبريل مسنده إليه واضع إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا " فقال جبريل عليه السلام: كيف لو رأيت إسرافيل يا رسول الله؟! له اثنا عشر جناحا، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش على كاهله ".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إن لله تعالى ملكا يسع البحار كلها في نقرة إبهامه). وقيل: معنى قوله { يزيد في الخلق ما يشآء } يعني حسن الصوت، كذلك قال الزهري، وقال قتادة: (هي الملاحة في العينين والشعر الحسن والوجه الحسن والخط الحسن).
وقوله تعالى { وثلاث ورباع } في موضع خفض؛ لأنه لا يتصرف. وقوله تعالى: { إن الله على كل شيء قدير }؛ أي قادر على ما يزيد على الزيادة والنقصان.
فاطر 35:2
قوله تعالى: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها }؛ أي ما يرسل الله إلى الناس من رسول فلا مانع له، وذلك لأن إرسال الرسول من الله تعالى رحمة لعباده كما قال تعالى:
ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107].
وقيل: أراد بالرحمة ها هنا المطر والرزق والعافية وجميع النعم، ما يفتح الله من ذلك فلا مانع له، ولا يستطيع أحد من الخلق حبسه ولا إمساكه، وقوله تعالى: { وما يمسك فلا مرسل له من بعده }؛ أي وما يمسك الله من ذلك فلا يقدر أحد على إرساله، { وهو العزيز الحكيم }؛ أي العزيز فيما أمسك، الحكيم فيما أرسل.
فاطر 35:3
قوله تعالى: { يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم }؛ يعني أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم إذ أسكنكم الحرم ومنعكم من الغارات، { هل من خالق غير الله }؛ هذا استفهام، ومعناه التوبيخ؛ أي لا خالق سواه. وقوله تعالى: { يرزقكم من السمآء والأرض }؛ أي من السماء بإنزال المطر ومن الأرض بإخراج النبات، { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون }؛ أي فأنى تصرفون عن الإله الذي هذه صفته إلى معبود لا يقدر على شيء.
فاطر 35:4
قوله تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك }؛ في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يجزع على تكذيب قومه، ويصبر كما صبر على تكذيب الأمم الرسل، { وإلى الله ترجع }؛ عواقب { الأمور }؛ في مجازاة المكذبين ونصرة المسلمين.
فاطر 35:5
قوله تعالى: { يأيها الناس إن وعد الله حق }؛ معناه إن الذي وعده الله المجازاة والبعث بعد الموت حق كائن، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا }؛ بزينتها وزهرتها حتى تشتغلوا بها عن أمر دينكم، { ولا يغرنكم بالله الغرور }؛ أي ولا يستزلكم عن طاعة الله الشيطان الذي من عادته الغرور. وقرأ ابن سماك العدوي: (الغرور) بضم الغين، وهو أباطيل الدنيا، وأما (الغرور) بفتح الغين فيه، الشيطان.
فاطر 35:6
قوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا }؛ أي احترزوا من كيده، ولا تقبلوا منه وتطيعوه، { إنما يدعوا حزبه }؛ أي أهل طاعته ليكون معه، { ليكونوا من أصحاب السعير }؛ أي ليسوقهم إلى النار، { الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير }.
فاطر 35:7
قوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا }؛ أي احترزوا من كيده، ولا تقبلوا منه وتطيعوه، { إنما يدعوا حزبه }؛ أي أهل طاعته ليكون معه، { ليكونوا من أصحاب السعير }؛ أي ليسوقهم إلى النار، { الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير }.
فاطر 35:8
قوله تعالى: { أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا }؛ نزلن في أبي جهل ومشركي مكة. وقيل: نزلت في أصحاب الأهواء والملل التي خالفت الهدى، والمعنى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا كمن هداه الله، ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: { فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء }.
قوله: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات }؛ أي لا تغتم، ولا تهلك نفسك عليهم حسرات على تركهم الإسلام، { إن الله عليم بما يصنعون }؛ في كفرهم فيجازيهم بما هو أولى بهم، قرأ أبو جعفر (فلا تذهب) بضم التاء وكسر الهاء، نصب السين.
فاطر 35:9
قوله تعالى: { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا }؛ معناه: الله الذي أرسل الرياح لإثارة السحاب، { فسقناه إلى بلد ميت } ، فأجريناه الى بلد ميت ليس فيه نبات ولا شجر، { فأحيينا به الأرض بعد موتها } ، فأحيا " الله " بالمطر الأرض بإخراج الزرع والأشجار منها بعد يبسها وذهاب النبات منها، { كذلك النشور }؛ كذلك البعث في القيامة.
وهذا احتجاج على منكري البعث، فإن موتهم كموت الأرض، وذهاب أثرهم كذهاب أثر الأشجار والزروع، والقادر على إخراج الأشجار والزروع من الأرض قادر على إخراج الموتى من الأرض.
ومعنى الآية: { والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا } أي تزعجه من حيث هو { فسقناه إلى بلد ميت } أي مكان ليس فيه نبات { فأحيينا به الأرض بعد موتها } أي أنبتنا فيها الزرع والكلأ بعد أن لم يكن، { كذلك النشور } أي الإحياء والبعث.
وعن أبي رزين العقيلي قال:
" قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ " أوما مررت بوادي قومك ممحلا ثم مررت به خضرا؟ " قلت: بلى، قال: " فكذلك يحيي الله الموتى " وقال: " كذلك النشور " ".
فاطر 35:10
قوله تعالى: { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا }؛ أي من كان يطلب العزة بعبادة الأصنام فليطلبها بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، العزيز من أعزه الله. وذلك أن الكفار كانوا يعبدون الأصنام طمعا في العزة كما قال الله تعالى:
واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا
[مريم: 81]. أو قيل: معناه: من كان يريد أن يعلم العزة لمن هي فليعلم أنها لله تعالى.
قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب }؛ إلى الله تصعد كلمة التوحيد وهو قوله لا إله إلا الله، ومعنى { إليه يصعد } أي يعلم ذلك كما يقال: ارتفع الأمر إلى القاضي والسلطان أي علمه. وقيل: صعود الكلم الطيب أن يرفع ذلك مكتوبا أو مقبولا إلى حيث لا مالك إلا الله؛ أي إلى سمائه يصعد الكلم الطيب.
قوله تعالى: { والعمل الصالح يرفعه }؛ قال الحسن: (معناه: ذو العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى بعرض القول على الفعل، فإن وافق القول الفعل قبل، وإن خالف رد، لأن العبد إذا وحد الله وأخلص في عمله ارتفع العمل إلى الله تعالى). قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، من قال حسنا وعمل غير صالح رده الله تعالى، ومن عمل صالحا رفعه العمل).
وقرأ أبو عبدالرحمن (الكلام الطيب). وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله علي وسلم في قوله { إليه يصعد الكلم }:
" هو قول الرجل: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها ملك إلى السماء ".
وقيل: الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه، ومن لا يؤدي فرضه رد كلامه. وجاء في الخبر:
" طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب "
، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" لا يقبل الله قولا بلا عمل "
، وعلى هذا المعنى قول الشاعر:
لا ترض من رجل حلاوة قوله
حتى يصدق ما يقول فعال
فإذا وزنت فعاله بمقاله
فتوازنا فإخاء ذاك جمال
وقال ابن المقفع: (قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر). وقيل: معناه: والعمل الصالح يرفعه الله؛ أي يقبله.
قوله تعالى: { والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد }؛ أي يفعلونها على وجه المخادعة كما كان الكفار يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة. وقيل: معناه: الذين يشركون بالله وبعمل السيئات لهم عذاب شديد في الآخرة. وقيل: أراد بقوله { يمكرون السيئات } يعملون عملا على وجه الرياء.
" كما روي أن رجلا قال: يا رسول الله؛ فيم النجاة غدا؟ فقال: " لا تخادع الله، فإنه من يخادع الله يخدعه ويخلعه من الإيمان ". فقال رجل: يا رسول الله فكيف يخادع الله؟ فقال: " أن تعمل بما أمرك الله، لا يقبل مع الرياء عمل، فإن المرائي ينادى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء: يا كافر؛ يا فاجر؛ يا غادر؛ يا خاسر؛ ضل عملك "
قوله تعالى: { ومكر أولئك هو يبور }؛ أي يفسد ويهلك ويكسر ولا يكون شيئا.
فاطر 35:11
قوله تعالى: { والله خلقكم من تراب }؛ أي خلق أصلكم وأباكم آدم من تراب، { ثم من نطفة }؛ أي ثم خلق نسل آدم من نطفة، { ثم جعلكم أزواجا }؛ يعني ذكرانا وإناثا، { وما تحمل من أنثى }؛ أو تلد لتمام وغير تمام، { ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب }؛ أي ما يطول عمر أحد، ولا ينقص من عمر أحد إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ، وقوله: { إن ذلك على الله يسير }؛ أي كتابة الآجال والأعمال وحفظها من غير كتابة على الله هين.
فاطر 35:12
قوله تعالى: { وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج }؛ قيل: هذه مثل ضربه الله، يقول: كما لا يستوي البحران أحدهما عذب في غاية العذوبة هنيء شرابه مريء، والآخر مر زعاف لا يستطاع شرابه، فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر، والتقي والفاسق. والسائغ: هو السالك في الحلق. والأجاج: شديد الملوحة. وقرأ عيسى (سيغ شرابه) مثل ميت وسيد.
قوله تعالى: { ومن كل تأكلون لحما طريا }؛ أي ومن كل البحرين تأكلون السمك لا يختلف طعم السمك لاختلاف ماء البحرين، فكذلك قد يولد للكافر ولد مسلم مثل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما.
وقوله تعالى: { وتستخرجون حلية تلبسونها }؛ قيل: أراد به إخراج اللؤلؤ والمرجان من أحدهما خاصة وهو الملح. والمعنى: تستخرجون من الملح دون العذب. قيل: إن اللؤلؤ قطر المطر يقع في جوف الصدف فيكون منه اللؤلؤ.
قوله تعالى: { وترى الفلك فيه مواخر }؛ أي ترى السفن جواري في البحر، قال مقاتل: (هو أن ترى سفينتين، أحدهما مقبلة والأخرى مدبرة، وهذه تستقبل تلك، وتلك تستدبر هذه، تجريان بريح واحدة).
قوله تعالى: { لتبتغوا من فضله }؛ لتطلبوا من رزقه التجارة، فتحمل النعم فيها من بلد إلى بلد، قوله تعالى: { ولعلكم تشكرون }؛ أي فعل ذلك لتعلموا أن هذه النعم من الله، ولكي تشكرونه عليها.
فاطر 35:13
قوله تعالى: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى }؛ قد تقدم تفسيره.
وقوله تعالى: { ذلكم الله ربكم }؛ أي الذي يفعل هذه الأشياء هو الله ربكم، و؛ { له الملك }؛ الدائم الذي لا يزول، { والذين تدعون من دونه }؛ من الأصنام، { ما يملكون من قطمير }؛ لا يقدرون على أن ينفعوكم بقدر قطمير، وهو القشرة الدقيقة الملتزقة بنواة الثمرة كاللفافة عليها.
فاطر 35:14
قوله تعالى: { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم }؛ ولو كانوا سامعين ما أجابوكم بإغاثة ولا نصرة، والمعنى: إن تدعوهم لكشف ضر لا يسمعوا دعاءكم لأنها جماد لا تنفع ولا تضر، { ولو سمعوا }؛ بأن الله خلق فيهم السمع، { ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم }؛ أي يتبرؤن منكم ومن عبادتكم كما قال الله تعالى:
إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا
[البقرة: 166] والمعنى بقوله: { يكفرون بشرككم } أي يتبرؤن من عبادتكم، يقولون: ما كنتم إيانا تعبدون.
قوله تعالى: { ولا ينبئك مثل خبير }؛ معناه: لا يخبرك بحقائق الأمور وعواقبها إلا الله؛ لأنه عالم بكل الأشياء، لا يخفى عليه منها شيء، ولا تلحقه المضار والمنافع.
فاطر 35:15
قوله تعالى: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله }؛ أي المحتاجون إليه وإلى نعمه ومغفرته حالا بعد حال، { والله هو الغني }؛ عن إيمانكم وطاعتكم، { الحميد }؛ أي المحمود في أفعاله عند خلقه. وإنما أمركم بطاعته لتنتفعوا بها لا حاجة به إليها، { إن يشأ يذهبكم }؛ أي إن يشأ يهلككم، { ويأت بخلق جديد } ، ويأت بخلق أطوع منكم، { وما ذلك على الله بعزيز }؛ أي ليس إهلاككم وإتيانه بمثلكم على الله ممتنع.
فاطر 35:16
قوله تعالى: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله }؛ أي المحتاجون إليه وإلى نعمه ومغفرته حالا بعد حال، { والله هو الغني }؛ عن إيمانكم وطاعتكم، { الحميد }؛ أي المحمود في أفعاله عند خلقه. وإنما أمركم بطاعته لتنتفعوا بها لا حاجة به إليها، { إن يشأ يذهبكم }؛ أي إن يشأ يهلككم، { ويأت بخلق جديد } ، ويأت بخلق أطوع منكم، { وما ذلك على الله بعزيز }؛ أي ليس إهلاككم وإتيانه بمثلكم على الله ممتنع.
فاطر 35:17
قوله تعالى: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله }؛ أي المحتاجون إليه وإلى نعمه ومغفرته حالا بعد حال، { والله هو الغني }؛ عن إيمانكم وطاعتكم، { الحميد }؛ أي المحمود في أفعاله عند خلقه. وإنما أمركم بطاعته لتنتفعوا بها لا حاجة به إليها، { إن يشأ يذهبكم }؛ أي إن يشأ يهلككم، { ويأت بخلق جديد } ، ويأت بخلق أطوع منكم، { وما ذلك على الله بعزيز }؛ أي ليس إهلاككم وإتيانه بمثلكم على الله ممتنع.
فاطر 35:18
قوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى }؛ أي لا تحمل يوم القيامة حمل حاملة أخرى؛ أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، { وإن تدع مثقلة }؛ بالذنوب، { إلى حملها لا يحمل منه شيء } ، إلى أن يحمل عنها شيء من ذنوبها لا تحمل من ذنوبها شيء، { ولو كان ذا قربى } ، ولو كانت المدعوة ذات قرابة من الداعية لما في ذلك من غلط حمل الآثام، ولو تحملته لا يقبل حملها؛ لأن كل نفس بما كسبت رهينة، فلا يؤخذ أحد بذنب غيره.
وسئل الحسن بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وبين قوله
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
[العنكبوت: 13] فقال (قوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } يعني طوعا، وقوله
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
[العنكبوت: 13] يعني كرها). قال ابن عباس: في قوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء } قال: (يقول الأب والأم: يا بني احمل عني، فيقول: حسبي ما علي).
قوله تعالى: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب }؛ يقول: إنما ينتفع بإنذارك ووعظك الذين يطيعون ربهم في السر، { وأقاموا الصلاة }؛ المفروضة، ولأن من خشي الله واجتنب المعاصي في السر من خشية الله تعالى، اجتنبها لا محالة في العلانية.
ويقال: إن الخشية في السر، والإقدام على الطاعة في السر، واجتناب المعصية في السر، أعظم عند الله ثوابا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما تقرب امرئ بشيء أفضل من سجود خفي في الليلة المظلمة "
وأما عطف الماضي في قوله تعالى { وأقاموا الصلاة } على المستقبل في قوله { يخشون } ، ففائدة ذلك أن وجوب خشية الله لا تختص بزمان دون زمان ولا بمكان دون مكان، ووجوب إقامة الصلاة يختص ببعض الأوقات.
قوله تعالى: { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه }؛ أي ومن تطهر من دنس الذنوب والشرك ليكون عند ربه زكيا، فإن منفعة تطهره راجعة إلى نفسه، { وإلى الله المصير }؛ أي إليه يرجع الخلق كلهم في الآخرة، { وما يستوي الأعمى والبصير }؛ يعني المشرك والمؤمن، { ولا الظلمات ولا النور }؛ أي ولا الشرك ولا الضلال كالنور والهدى والإيمان.
فاطر 35:19
قوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى }؛ أي لا تحمل يوم القيامة حمل حاملة أخرى؛ أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، { وإن تدع مثقلة }؛ بالذنوب، { إلى حملها لا يحمل منه شيء } ، إلى أن يحمل عنها شيء من ذنوبها لا تحمل من ذنوبها شيء، { ولو كان ذا قربى } ، ولو كانت المدعوة ذات قرابة من الداعية لما في ذلك من غلط حمل الآثام، ولو تحملته لا يقبل حملها؛ لأن كل نفس بما كسبت رهينة، فلا يؤخذ أحد بذنب غيره.
وسئل الحسن بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وبين قوله
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
[العنكبوت: 13] فقال (قوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } يعني طوعا، وقوله
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
[العنكبوت: 13] يعني كرها). قال ابن عباس: في قوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء } قال: (يقول الأب والأم: يا بني احمل عني، فيقول: حسبي ما علي).
قوله تعالى: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب }؛ يقول: إنما ينتفع بإنذارك ووعظك الذين يطيعون ربهم في السر، { وأقاموا الصلاة }؛ المفروضة، ولأن من خشي الله واجتنب المعاصي في السر من خشية الله تعالى، اجتنبها لا محالة في العلانية.
ويقال: إن الخشية في السر، والإقدام على الطاعة في السر، واجتناب المعصية في السر، أعظم عند الله ثوابا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما تقرب امرئ بشيء أفضل من سجود خفي في الليلة المظلمة "
وأما عطف الماضي في قوله تعالى { وأقاموا الصلاة } على المستقبل في قوله { يخشون } ، ففائدة ذلك أن وجوب خشية الله لا تختص بزمان دون زمان ولا بمكان دون مكان، ووجوب إقامة الصلاة يختص ببعض الأوقات.
قوله تعالى: { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه }؛ أي ومن تطهر من دنس الذنوب والشرك ليكون عند ربه زكيا، فإن منفعة تطهره راجعة إلى نفسه، { وإلى الله المصير }؛ أي إليه يرجع الخلق كلهم في الآخرة، { وما يستوي الأعمى والبصير }؛ يعني المشرك والمؤمن، { ولا الظلمات ولا النور }؛ أي ولا الشرك ولا الضلال كالنور والهدى والإيمان.
فاطر 35:20
قوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى }؛ أي لا تحمل يوم القيامة حمل حاملة أخرى؛ أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، { وإن تدع مثقلة }؛ بالذنوب، { إلى حملها لا يحمل منه شيء } ، إلى أن يحمل عنها شيء من ذنوبها لا تحمل من ذنوبها شيء، { ولو كان ذا قربى } ، ولو كانت المدعوة ذات قرابة من الداعية لما في ذلك من غلط حمل الآثام، ولو تحملته لا يقبل حملها؛ لأن كل نفس بما كسبت رهينة، فلا يؤخذ أحد بذنب غيره.
وسئل الحسن بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وبين قوله
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
[العنكبوت: 13] فقال (قوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } يعني طوعا، وقوله
وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم
[العنكبوت: 13] يعني كرها). قال ابن عباس: في قوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء } قال: (يقول الأب والأم: يا بني احمل عني، فيقول: حسبي ما علي).
قوله تعالى: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب }؛ يقول: إنما ينتفع بإنذارك ووعظك الذين يطيعون ربهم في السر، { وأقاموا الصلاة }؛ المفروضة، ولأن من خشي الله واجتنب المعاصي في السر من خشية الله تعالى، اجتنبها لا محالة في العلانية.
ويقال: إن الخشية في السر، والإقدام على الطاعة في السر، واجتناب المعصية في السر، أعظم عند الله ثوابا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ما تقرب امرئ بشيء أفضل من سجود خفي في الليلة المظلمة "
وأما عطف الماضي في قوله تعالى { وأقاموا الصلاة } على المستقبل في قوله { يخشون } ، ففائدة ذلك أن وجوب خشية الله لا تختص بزمان دون زمان ولا بمكان دون مكان، ووجوب إقامة الصلاة يختص ببعض الأوقات.
قوله تعالى: { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه }؛ أي ومن تطهر من دنس الذنوب والشرك ليكون عند ربه زكيا، فإن منفعة تطهره راجعة إلى نفسه، { وإلى الله المصير }؛ أي إليه يرجع الخلق كلهم في الآخرة، { وما يستوي الأعمى والبصير }؛ يعني المشرك والمؤمن، { ولا الظلمات ولا النور }؛ أي ولا الشرك ولا الضلال كالنور والهدى والإيمان.
فاطر 35:21
قوله تعالى: { ولا الظل ولا الحرور }؛ ولا الجنة ولا النار. وقال عطاء: (يعني ظل الليل وسموم النهار)، { وما يستوي الأحيآء ولا الأموات }؛ يعني المؤمنين والكافرين، وهذه أمثال ضربها الله تعالى، كما لا تستوي هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.
وقوله تعالى: { إن الله يسمع من يشآء }؛ أي يسمع كلامه من يشاء؛ أي يتعظ ويهتدي، قال عطاء: (يعني أولياءه الذين خلقهم لجنته). قوله تعالى: { ومآ أنت بمسمع من في القبور }؛ أي كما لا تقدر تسمع من في القبور، فكذلك لا تقدر أن تسمع الكفار، شبههم بالموتى لأنهم لا ينتفعون كالموتى.
وقرأ أبو رزين العقيلي (ما أنت بمسمع من في القبور) بلا تنوين بالإضافة، وقوله تعالى: { إن أنت إلا نذير }؛ أي ما أنت إلا رسول تنذرهم النار وتخوفهم، وليس عليك غير ذلك.
فاطر 35:22
قوله تعالى: { ولا الظل ولا الحرور }؛ ولا الجنة ولا النار. وقال عطاء: (يعني ظل الليل وسموم النهار)، { وما يستوي الأحيآء ولا الأموات }؛ يعني المؤمنين والكافرين، وهذه أمثال ضربها الله تعالى، كما لا تستوي هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.
وقوله تعالى: { إن الله يسمع من يشآء }؛ أي يسمع كلامه من يشاء؛ أي يتعظ ويهتدي، قال عطاء: (يعني أولياءه الذين خلقهم لجنته). قوله تعالى: { ومآ أنت بمسمع من في القبور }؛ أي كما لا تقدر تسمع من في القبور، فكذلك لا تقدر أن تسمع الكفار، شبههم بالموتى لأنهم لا ينتفعون كالموتى.
وقرأ أبو رزين العقيلي (ما أنت بمسمع من في القبور) بلا تنوين بالإضافة، وقوله تعالى: { إن أنت إلا نذير }؛ أي ما أنت إلا رسول تنذرهم النار وتخوفهم، وليس عليك غير ذلك.
فاطر 35:23
قوله تعالى: { ولا الظل ولا الحرور }؛ ولا الجنة ولا النار. وقال عطاء: (يعني ظل الليل وسموم النهار)، { وما يستوي الأحيآء ولا الأموات }؛ يعني المؤمنين والكافرين، وهذه أمثال ضربها الله تعالى، كما لا تستوي هذه الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.
وقوله تعالى: { إن الله يسمع من يشآء }؛ أي يسمع كلامه من يشاء؛ أي يتعظ ويهتدي، قال عطاء: (يعني أولياءه الذين خلقهم لجنته). قوله تعالى: { ومآ أنت بمسمع من في القبور }؛ أي كما لا تقدر تسمع من في القبور، فكذلك لا تقدر أن تسمع الكفار، شبههم بالموتى لأنهم لا ينتفعون كالموتى.
وقرأ أبو رزين العقيلي (ما أنت بمسمع من في القبور) بلا تنوين بالإضافة، وقوله تعالى: { إن أنت إلا نذير }؛ أي ما أنت إلا رسول تنذرهم النار وتخوفهم، وليس عليك غير ذلك.
فاطر 35:24
قوله تعالى: { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير }؛ أي ما من أمة إلا سلف فيها نبي، { وإن يكذبوك }؛ فلست بأول رسول كذب، { فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم بالبينات }؛ الواضحات، { وبالزبر }؛ وهي الكتب، وقوله تعالى: { وبالكتاب المنير }؛ يعني التوراة. وقيل: إنما كرر الزبور هي الكتب أيضا لاختلاف صفات الكتاب؛ لأن الزبور هو الكتابة الثابتة كالنقرة في الصخرة، ثم قال { وبالكتاب المنير } الموصوف واحد والصفات مختلفة. وقوله تعالى: { ثم أخذت الذين كفروا }؛ أي أخذتهم بالعقوبة, { فكيف كان نكير }؛ أي إنكاري عليهم وتعذيبي لهم.
فاطر 35:25
قوله تعالى: { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير }؛ أي ما من أمة إلا سلف فيها نبي، { وإن يكذبوك }؛ فلست بأول رسول كذب، { فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم بالبينات }؛ الواضحات، { وبالزبر }؛ وهي الكتب، وقوله تعالى: { وبالكتاب المنير }؛ يعني التوراة. وقيل: إنما كرر الزبور هي الكتب أيضا لاختلاف صفات الكتاب؛ لأن الزبور هو الكتابة الثابتة كالنقرة في الصخرة، ثم قال { وبالكتاب المنير } الموصوف واحد والصفات مختلفة. وقوله تعالى: { ثم أخذت الذين كفروا }؛ أي أخذتهم بالعقوبة, { فكيف كان نكير }؛ أي إنكاري عليهم وتعذيبي لهم.
فاطر 35:26
قوله تعالى: { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير }؛ أي ما من أمة إلا سلف فيها نبي، { وإن يكذبوك }؛ فلست بأول رسول كذب، { فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم بالبينات }؛ الواضحات، { وبالزبر }؛ وهي الكتب، وقوله تعالى: { وبالكتاب المنير }؛ يعني التوراة. وقيل: إنما كرر الزبور هي الكتب أيضا لاختلاف صفات الكتاب؛ لأن الزبور هو الكتابة الثابتة كالنقرة في الصخرة، ثم قال { وبالكتاب المنير } الموصوف واحد والصفات مختلفة. وقوله تعالى: { ثم أخذت الذين كفروا }؛ أي أخذتهم بالعقوبة, { فكيف كان نكير }؛ أي إنكاري عليهم وتعذيبي لهم.
فاطر 35:27
قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء }؛ يعني المطر، { فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها }؛ وطعمها. قوله تعالى: { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود }؛ أي وخلقنا من الجبال (جدد بيض) أي طرق يكون في الجبال كالعروق بيض وسود وحمر، واحدها جدة، قال المبرد: (جدد: طرق وخطوط ونحو هذا، والجدد الجدة، وهي الطريقة كالمدة والمدد والعدة والعدد، وأما الجدد بضمتين فهي جمع الجديد مثل سرير وسرر).
وقوله تعالى { وغرابيب سود } يجوز أن يكون الغرابيب هي الجبال السود، كأنه قال: ومن الجبال غرابيب، والغرابيب الذي لونه كلون الغراب، ولذلك حسن أن يقال سود، وقال الفراء: (هذا على التقديم والتأخير، تقديره: وسود غرابيب).
فاطر 35:28
قوله تعالى: { ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه }؛ كاختلاف الثمار والجبال، وتم الكلام على، { كذلك }.
قوله تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء }؛ قال ابن عباس: (معناه: إنما يخافون من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني)، وقال مقاتل: (أشد الناس لله خشية أعلمهم به)، وقال مسروق: (كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا). قوله تعالى: { إن الله عزيز }؛ أي عزيز قاهر وغالب في ملكه، { غفور }؛ لذنوب المؤمنين.
فاطر 35:29
قوله تعالى: { إن الذين يتلون كتاب الله }؛ يعني القرآن في الصلاة وغيرها، { وأقاموا الصلاة }؛ المفروضة، { وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية }؛ أي وأنفقوا مما أعطيناهم من الأموال تطوعا سرا فيسلموا بذلك عن تهمة الرياء، وفريضة جهرا فيسلمون بذلك عن تهمة المنع، ويقال أراد بذلك النفقة في الجهاد، { يرجون }؛ بذلك، { تجارة لن تبور }؛ أي لن تكسد ولا يرد عليها الفساد والبطلان.
فاطر 35:30
قوله تعالى: { ليوفيهم أجورهم }؛ ليعطيهم أجر أعمالهم كاملة، { ويزيدهم من فضله }؛ فوق ما يستحقوه، قال ابن عباس: (يعني سوى الثواب)، وقوله تعالى: { إنه غفور شكور }؛ إنه غفور لذنوبهم، شكور يعامل بالأحسن معاملة الشاكر، قال ابن عباس: (غفر العظيم من ذنوبهم، وشكر اليسير من أعمالهم).
فاطر 35:31
قوله تعالى: { والذي أوحينآ إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه }؛ أي موافقا لما قبله من الكتب، لأن كتب الله تعالى كلها دالة على توحيده وإن اختلفت بالشرائع، { إن الله بعباده لخبير بصير }؛ أي خبير بأقوالهم وأفعالهم ونياتهم فيجزيهم بما يستحقون.
فاطر 35:32
قوله تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا }؛ قال مقاتل: (يعني القرآن)، وقوله تعالى: { الذين اصطفينا من عبادنا } يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قسمهم ورتبهم فقال تعالى: { فمنهم ظالم لنفسه }؛ وهو الذي مات على كبره ولم يتب عنها، { ومنهم مقتصد }؛ وهو الذي لم يصب كبيرة، { ومنهم سابق بالخيرات }؛ يعني المقربين الذين سبقوا إلى أعمال، وقال الحسن: (الظالم: الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد: الذي استوت حسناته سيئاته، والسابق: من رجحت حسناته على سيئاته).
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سابقنا سابق "
أي إلى الجنة أو إلى رحمة الله تعالى بالخيرات؛ أي بالأعمال الصالحة، { بإذن الله }؛ أي بإرادة الله، { ذلك هو الفضل الكبير }؛ معناه: إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير، وسمي إعطاء الكتاب إيراثا لأنهم أعطوه بغير مسألة ولا اكتساب.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا:
" السابقون يدخلون الجنة بغير حساب، والمقتصدون يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة، والظالمون يحاسبو ما شاء الله أن يحاسبوا، ثم يرحمهم الله تعالى فيدخلهم الجنة، وهم الذين يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن... "
إلى آخر الآيتين.
وعن الحسن أنه قال: (السابق الذي ترك الدنيا، والمقتصد الذي أخذ الحلال، والظالم الذي لا يبالي من أين أخذ). ويقال: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد صاحب الصغائر، والسابق الذي اتقى سيئاته.
فإن قيل ما الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق؟ قيل: الواو لا توجب الترتيب كما قال تعالى
فمنكم كافر ومنكم مؤمن
[التغابن: 2]. وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته، وأخر السابق لئلا يعجب بنفسه. وقيل: قدم الظالم فإذا لم يكن له شيء يتكل عليه إلا رحمة الله تعالى، وثنى بالمقتصد لحسن ظنه بربه. وقيل: لأنه بين الخوف والرجاء، وأخر السابق لأنه اتكل على حسناته. وقيل: لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص.
وعن عقبة بن صهبان قال: (سألت عائشة عن قوله: { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } فقالت: يا بني كلهم في الجنة، وأما السابق فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم فمثلي ومثلك). وقال سهل بن عبدالله: (السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل).
وقيل: السابق الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد بمعاده ومعاشه، والظالم الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم طالب الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والسابق طالب المولى. وقيل: الظالم المرائي في جميع أفعاله، والمقتصد المرائي في بعض أفعاله دون بعض، والسابق المخلص في أفعاله كلها.
وقيل: الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه، والمقتصد من استوى ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: الظالم الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد الذي يصبر عند البلاء، والسابق الذي يتلذذ بالبلاء!
وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد الذي يعبده طمعا في الجنة، والسابق الذي يعبده لا لسبب من الأسباب إلا لرحمته الكريم! وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة, والسابق الذي يعبده على الهيبة. وقيل: الظالم الذي أعطي فمنع، والمقتصد الذي أعطي فبذل، والسابق الذي أعطي فشكر.
وقيل: الظالم غافل، والمقتصد طالب، والسابق واصل. وقيل: الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من استغنى بدينه، والسابق من استغنى بربه. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل الأذان، والمقتصد الذي يدخل وقت الأذان، والظالم الذي يدخل وقت أقيمت الصلاة! وقيل: الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ربه. وقيل: الظالم مدعو، والمقتصد مأذون له، والسابق مقرب.
فاطر 35:33
قوله تعالى: { جنات عدن يدخلونها }؛ يعني الأصناف الثلاثة: الظالم؛ والمقتصد؛ والسابق. ومعنى الآية: { جنات عدن } أي بساتين إقامة لا تزول, { يحلون فيها من أساور من ذهب }؛ أي يلبسون أقلبة من ذهب وسوار القلب. وقوله تعالى: { ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير }؛ من قرأ بالكسر فالمعنى من ذهب ومن لؤلؤ، ومن قرأ بالنصب فمعناه: ويحلون لؤلؤا.
فاطر 35:34
قوله تعالى: { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن }؛ أي يقولون بعد دخولهم الجنة: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } أي حزن الموت وأهوال يوم القيامة، وقيل: حزن المعاش وهموم الدنيا، فإن الدنيا سجن المؤمن. وقال عكرمة: (حزن الذنوب والسيئات)،
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في محشرهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ".
قوله تعالى: { إن ربنا لغفور شكور }؛ أي متجاوز عن الذنوب، يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب. قوله تعالى: { الذي أحلنا دار المقامة }؛ أي دار المقام وهي الجنة، { من فضله } ، بتفضله لا بالأعمال. وسمي دار المقامة لأن من دخلها يخلد لا يموت، ويقيم فيها لا يحول. قوله تعالى: { لا يمسنا فيها نصب }؛ أي لا يمسنا فيها تعب؛ { ولا يمسنا فيها لغوب }؛ أي مشقة وتعب وإعياء وقبور.
فاطر 35:35
قوله تعالى: { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن }؛ أي يقولون بعد دخولهم الجنة: { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } أي حزن الموت وأهوال يوم القيامة، وقيل: حزن المعاش وهموم الدنيا، فإن الدنيا سجن المؤمن. وقال عكرمة: (حزن الذنوب والسيئات)،
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في محشرهم، كأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وهم يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ".
قوله تعالى: { إن ربنا لغفور شكور }؛ أي متجاوز عن الذنوب، يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب. قوله تعالى: { الذي أحلنا دار المقامة }؛ أي دار المقام وهي الجنة، { من فضله } ، بتفضله لا بالأعمال. وسمي دار المقامة لأن من دخلها يخلد لا يموت، ويقيم فيها لا يحول. قوله تعالى: { لا يمسنا فيها نصب }؛ أي لا يمسنا فيها تعب؛ { ولا يمسنا فيها لغوب }؛ أي مشقة وتعب وإعياء وقبور.
فاطر 35:36
قوله تعالى: { والذين كفروا لهم نار جهنم }؛ أي الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن لهم في الآخرة نار جهنم، { لا يقضى عليهم فيموتوا }؛ فلا يقضى عليهم بموت فيستريحون من العذاب، { ولا يخفف عنهم من عذابها }؛ من عذاب النار طرفة عين. قرأ الحسن: (فيموتون) بالنون ولا يكون حينئذ جوابا للنفي، والمعنى: لا يقضى عليهم ولا يموتون كقوله
ولا يؤذن لهم فيعتذرون
[المرسلات: 36].
قوله تعالى: { كذلك نجزي كل كفور }؛ أي هكذا يجزى في الآخرة كل كفور بنعم الله تعالى. قرأ العامة (نجزي) بالنون ونصب اللام، وقرأ أبو عمرو وحده بضم الياء وفتح الزاي على ما لم يسم فاعله ورفع اللام.
فاطر 35:37
قوله تعالى: { وهم يصطرخون فيها }؛ أي يستغيثون في النار وهو افتعال من الصراخ يقولون: { ربنآ أخرجنا }؛ من النار، { نعمل صالحا }؛ أي بقول لا إله إلا الله، وقوله تعالى: { غير الذي كنا نعمل }؛ أي غير الشرك. فوبخهم الله تعالى فقال: { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } ، معناه: أولم نعمركم مقدار ما يتعظ فيه من كان يريد أن يتعظ ويؤمن. قال عطاء: (يريد ثمانية عشر سنة)، وقال الحسن: (أربعين سنة)، وقال ابن عباس: (ستين سنة).
قال: (هو العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" من عمره الله تعالى ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر "
). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك "
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" منزل منايا أمتي ما بين الستين إلى السبعين ".
قوله تعالى: { وجآءكم النذير }؛ قال جمهور المفسرين: يريد النبي صلى الله عليه وسلم. وروي عن عكرمة وسفيان بن عيينة: (المراد من النذير الشيب) ومعناه: أولم نعمركم حتى شبتم؟. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" من أناف سنه على أربعين سنة ولم تغلب حسناته على سيئاته فليتجهز إلى النار ".
قوله تعالى: { فذوقوا فما للظالمين من نصير }؛ أي فذوقوا العذاب فما للمشركين من مانع يمنعهم من العذاب.
فاطر 35:38
قوله تعالى: { إن الله عالم غيب السموت والأرض إنه عليم بذات الصدور }؛ أي عالم سر أهل السماوات والأرض، إنه عليم بما في القلوب من الخير والشر.
فاطر 35:39
قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض }؛ أي جعلكم خلفاء عن من كان قبلكم أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، { فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا }؛ أي إلا نقصا، { قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموت أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه }؛ أي خبروني عن شركائكم الذين أشركتموهم مع الله في العبادة؛ بأي شيء أوجبتهم لهم شركاء مع الله تعالى؟ بخلق خلقوه من الأرض؛ أم لهم نصيب في خلق السماوات؛ أم أعطيناهم كتابا فيه ما يدعونه فهم على بينة منه. قوله تعالى: { بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا }؛ ولكن ما يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا خداعا وأباطيل.
فاطر 35:40
قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض }؛ أي جعلكم خلفاء عن من كان قبلكم أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، { فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا }؛ أي إلا نقصا، { قل أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموت أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه }؛ أي خبروني عن شركائكم الذين أشركتموهم مع الله في العبادة؛ بأي شيء أوجبتهم لهم شركاء مع الله تعالى؟ بخلق خلقوه من الأرض؛ أم لهم نصيب في خلق السماوات؛ أم أعطيناهم كتابا فيه ما يدعونه فهم على بينة منه. قوله تعالى: { بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا }؛ ولكن ما يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا خداعا وأباطيل.
فاطر 35:41
قوله تعالى: { إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا }؛ أي منعهما من الزوال والذهاب، { ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده }؛ أي ولو زالتا عن أماكنها لم يمسكهما أحد غير الله. قوله تعالى: { إنه كان حليما غفورا }؛ أي حليما عن مقالة الكفار، غفورا لمن تاب منهم، والحكيم هو القادر الذي لا يعجل بالعقوبة، والغفور كثير الغفران.
فاطر 35:42
قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم }؛ أي حلف كفار مكة بالله غاية أيمانهم قبل أن يأتيهم محمدا صلى الله عليه وسلم، { لئن جآءهم نذير }؛ أي رسول، { ليكونن أهدى من إحدى الأمم }؛ أي ليكونن أسرع إجابة وأصوب دينا من إحدى الأمم، اليهود والنصارى والصابئين وغيرهم، { فلما جآءهم نذير }؛ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، { ما زادهم إلا نفورا }؛ عن الحق وتباعدا عن الهدى، وقوله تعالى: { استكبارا في الأرض }؛ منصوب على أنه مفعول له (أي ما زادهم إلا نفورا). الاستكبار في الأرض عتوا على الله وتكبرا عن الإيمان، وقيل: على البدل من قوله (نفورا). وقيل: على المصدر.
وقوله تعالى: { ومكر السيىء }؛ أي القصد أي الإضرار بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حيث لا يشعرون. قوله تعالى: { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله }؛ أي لا يحيق ضرر المكر السي إلا بفاعله، فقتلوا يوم بدر، والمكر السيء هو العمل القبيح، وقوله تعالى { ولا يحيق } أي ولا يحل ولا ينزل إلا بأهله.
قوله تعالى: { فهل ينظرون إلا سنت الأولين }؛ أي ما ينظر أهل مكة إلا أن ينزل بهم العذاب مثل ما نزل بمن قبلهم من الأمم السالفة المكذبة. قوله تعالى: { فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا }؛ أي لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم.
فاطر 35:43
قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم }؛ أي حلف كفار مكة بالله غاية أيمانهم قبل أن يأتيهم محمدا صلى الله عليه وسلم، { لئن جآءهم نذير }؛ أي رسول، { ليكونن أهدى من إحدى الأمم }؛ أي ليكونن أسرع إجابة وأصوب دينا من إحدى الأمم، اليهود والنصارى والصابئين وغيرهم، { فلما جآءهم نذير }؛ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، { ما زادهم إلا نفورا }؛ عن الحق وتباعدا عن الهدى، وقوله تعالى: { استكبارا في الأرض }؛ منصوب على أنه مفعول له (أي ما زادهم إلا نفورا). الاستكبار في الأرض عتوا على الله وتكبرا عن الإيمان، وقيل: على البدل من قوله (نفورا). وقيل: على المصدر.
وقوله تعالى: { ومكر السيىء }؛ أي القصد أي الإضرار بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حيث لا يشعرون. قوله تعالى: { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله }؛ أي لا يحيق ضرر المكر السي إلا بفاعله، فقتلوا يوم بدر، والمكر السيء هو العمل القبيح، وقوله تعالى { ولا يحيق } أي ولا يحل ولا ينزل إلا بأهله.
قوله تعالى: { فهل ينظرون إلا سنت الأولين }؛ أي ما ينظر أهل مكة إلا أن ينزل بهم العذاب مثل ما نزل بمن قبلهم من الأمم السالفة المكذبة. قوله تعالى: { فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا }؛ أي لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم.
فاطر 35:44
قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } معناه: أولم يسافروا في الأرض فينظروا كيف صار آخر أمر الذين من قبلهم عند تكذيبهم الرسل كيف فعل الله بهم؟ { وكانوا أشد منهم }؛ من أهل مكة، { قوة }؛ ومكن لهم ما لم يمكن لهؤلاء. قوله تعالى: { وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض }؛ أي لن يعجزه أحد من الخلق في السماوات ولا في الأرض، { إنه كان عليما قديرا }؛ أي عليما بخلقه، قادرا عليهم.
فاطر 35:45
قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة }؛ أي لو يؤاخذهم بما كسبوا من المعاصي ما ترك على ظهر الأرض من دابة، { ولكن يؤخرهم }؛ بفضله، { إلى أجل مسمى }؛ إلى وقت معلوم، { فإذا جآء أجلهم }؛ فإذا جاء ذلك الوقت، { فإن الله كان بعباده بصيرا }؛ يفعل به ما يستحقونه من ثواب وعقاب.