لباب التأويل في معاني التنزيل — طه 20:86 – طه 20:135
المحتويات
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
طه 20:86
فسر الدرجات بقوله { جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى } يعني تطهر من الذنوب، وقيل أعطى زكاة نفسه وقال لا إله إلا الله عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما " أخرجه الترمذي. قوله وأنعما يقال أحسن فلان إلى فلان وأنعم يعني أفضل وزاد في الإحسان، والمعنى أنهما منهم وزادوا تناهياً إلى غايته. قوله تعالى { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } يعني أسر بهم ليلاً من أرض مصر { فاضرب لهم طريقاً } يعني اجعل لهم طريقاً { في البحر } بالضرب بالعصا { يبساً } يعني يابساً ليس فيه ماء ولا طين وذلك أن الله تعالى أيبس لهم الطريق في البحر { لا تخاف دركاً ولا تخشى } يعني لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن يغرقك البحر أمامك { فأتبعهم } يعني فلحقهم { فرعون بجنوده فغشيهم } يعني أصابهم { من اليم ما غشيهم } وهو الغرق وقيل علاهم وسترهم من اليم ما لم يعلم كنهه إلا الله تعالى فغرق فرعون وجنوده ونجا موسى وقومه { وأضل فرعون قومه وما هدى } يعني وما أرشدهم وهو تكذيب لفرعون في قوله{ وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } [غافر: 29].قوله عز وجل { يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى } ذكرهم الله النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم وفيما وعد موسى من المناجاة بجانب الطور وكتب التوراة في الألواح. وإنما قال وواعدناكم لأنها اتصلت بهم حيث كانت لنبيهم، ورجعت منافعها إليهم وبها قوام دينهم وشريعتهم وفيها أفاض الله عليهم من سائر نعمه وأرزاقه { كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه } قال ابن عباس لا تظلموا، وقيل لا تكفروا النعمة فتكونوا طاغين، وقيل لا تتقووا بنعمتي على المعاصي، وقيل لا تدخروا { فيجعل عليكم غضبي } يعني يجب عليكم غضبي { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } يعني هلك وسقط في النار { وإني لغفار لمن تاب } قال ابن عباس تاب عن الشرك { وآمن } يعني وحد الله وصدق رسوله { وعمل صالحاً } يعني أدى الفرائض { ثم اهتدى } قال ابن عباس علم أن ذلك توفيق من الله تعالى، وقيل لزم الإسلام حتى مات عليه، وقيل علم أن لذلك ثواباً، وقيل أقام على السنة. قوله عز وجل { وما أعجبك } يعني وما حملك على العجلة { عن قومك يا موسى } وذلك أن موسى اختار من قومه سبعين رجلاً يذهبوا معه إلى الطور ليأخذوا التوراة. فسار بهم ثم عدل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه، وخلف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل فقال الله له وما أعجلك عن قومك يا موسى؟ فأجاب ربه فـ { قال هم أولاء على أثري } أي هم بالقرب مني يأتون على أثري من بعدي.
فإن قلت لم يطابق السؤال الجواب فإنه سأله عن سبب العجلة فعدل عن الجواب، فقال هم أولاء بأنه لم يوجد منه إلا تقدم سيره ثم أعقبه بجواب السؤال فقال { وعجلت إليك رب لترضى } أي لتزداد رضاً { قال فإنا قد فتنا قومك } أي فإنا ابتلينا الذين خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفاً { من بعدك } أي من بعد انطلاقك إلى الجبل { وأضلهم السامري } أي دعاهم وصرفهم إلى الضلال وهو عبادة العجل، وإنما أضاف الضلال إلى السامري لأنهم ضلوا بسببه وقيل إن جميع المنشآت تضاف إلى منشئها في الظاهر، وإن كان الموجد لها في الأصل هو الله تعالى فذلك قوله هنا وأضلهم السامري، قيل كان السامري من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة، وقيل كان من القبط وكان جاراً لموسى وآمن به، وقيل كان علجاً من علوج كرمان رفع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً } أي حزيناً جزعاً { قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً } أي صدقاً يعطيكم التوراة { أفطال عليكم العهد } أي مدة مفارقتي إياكم { أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } أي أردتم أن تفعلوا فعلاً يجب عليكم الغضب من ربكم بسببه { فأخلفتم موعدي } يعني ما وعدوه من الإقامة على دينه إلى أن يرجع.
طه 20:87
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:88
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:89
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:90
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:91
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:92
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:93
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:94
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:95
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:96
{ قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي بملك أمرنا، وقيل باختيارنا وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } أي حملنا مع أنفسنا ما كان قد استعرناه من قوم فرعون، والأوزار الأثقال سميت أوزاراً لكثرتها وثقلها وقيل الأوزار الآثام، أي حملنا آثاماً وذلك أن بني إسرائيل استعاروا حلياً من القبط ولم يردوها وبقيت معهم إلى حين خروجهم من مصر وقيل إن الله لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذها بنو إسرائيل فكانت غنيمة ولم تكن الغنائم تحل لهم { فقذفناها } أي ألقيناها قيل إن السامري قال لهم احفروا حفيرة وألقوها فيها حتى يرجع موسى فيرى رأيه فيها. وقيل إن هارون أمرهم بذلك ففعلوا { فكذلك ألقى السامري } أي ما كان معه من الحلي فيها، قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وقال اقذفوا ما معكم فيها، وقيل إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له ما هذا قال أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال هارون اللهم اعطه ما سألك على ما في نفسه. فألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل في فم العجل وقال كن عجلاً يخور فكان كذلك. بدعوة من هارون فذلك قوله تعالى { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } اختلفوا هل كان الجسد حياً أم لا على قولين أحدهما لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد ضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيه منافذ ومخاريق بحيث إذا دخل فيها الريح صوت كصوت العجل. الثاني: أنه صار حياً وخار كما يخور العجل { فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } يعني قال ذلك السامري ومن تابعه من افتتن به. وقيل عكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط مثله { فنسي } قيل هو إخبار عن قول السامري أي إن موسى نسي إلهه وتركه ها هنا وذهب يطلبه. وقيل معناه أن موسى إنما طلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر فأخطأ الطريق وضل. وقيل هو من كلام الله تعالى وكأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث الأجسام وأن الإله لا يحل في شيء. ولا يحل فيه شيء ثم بين سبحانه وتعالى المعنى الذي يجب الاستدلال به فقال { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً } أي إن العجل لا يرد لهم جواباً إذ دعوه ولا يكلمهم { ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } هذا توبيخ لهم إذ عبدوا ما لا يملك ضر من ترك عبادته ولا ينفع من عبده وكان العجل فتنة من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل. قوله عز وجل { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي من قبل رجوع موسى { يا قوم إنما فتنتم به } أي ابتليتم بالعجل { وإن ربكم الرحمن فاتبعوني } على ديني في عبادة الله { وأطيعوا أمري } يعني في ترك عبادة العجل.
اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم أولاً عن الباطل بقوله { إنما فتنتم به } ثم دعا إلى معرفة الله تعالى بقوله { إن ربكم الرحمن } ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله { فاتبعوني } ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله { وأطيعوا أمري } فهذا هو الترتيب الجيد لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق وهي إزالة الشبهات ثم معرفة الله فإنها هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة. وإنما قال وإن ربكم الرحمن فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو التواب الرحيم فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود { قالوا لن نبرح } يعني لن نزال { عليه } يعني على عبادة العجل { عاكفين } يعني مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا لن نقبل حجتك ولا نقبل إلا قول موسى فاعتزلهم هارون ومعه اثنا عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل. فلما رجع موسى سمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل فقال للسبعين الذين معه هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله و { قال } له { يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } أي أشركوا { ألا تتبعن } أي تتبع أمري ووصيتي وهلا قاتلتهم وقد علمت أني ولو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل معناه ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إياهم زجراً لهم عما أتوه { أفعصيت أمري } يعني خالفت أمري { قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي } يعني بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه { إني خشيت أن تقول } يعني لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً فتقول { فرقت بين بني إسرائيل } يعني خشيت إن فارقتهم واتبعتك أن يصيروا أحزاباً فيتقاتلون، فتقول فرقت بني إسرائيل { ولم ترقب قولي } يعني لم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي أصلح وأرفق بهم ثم أقبل موسى على السامري { قال فما خطبك } يعني فما أمرك وشأنك وما الذي حملك على ما صنعت { يا سامري قال } يعني السامري { بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول } يعني من تراب حافر فرس جبريل { فنبذتها } يعني فقذفتها في فم العجل فخار. فإن قلت كيف عرف السامري جبريل ورآه من بين سائر النار. قلت ذكروا فيه وجهين. أحدهما: أن أمه ولدته في السنة التي كان يقتل فيها البنون فوضعته في كهف حذراً عليه من القتل فبعث الله إليه جبريل ليربيه لما قضى الله على يديه من الفتنة. الوجه الثاني: أنه لما نزل جبريل إلى موسى ليذهب به إلى الطور رآه السامري من بين سائر الناس، فلما رآه قال إن لهذا لشأناً فقبض القبضة من أصل تربة أثر موطئه، فلما سأله موسى قال قبضت قبضة من أثر الرسول إليك يوم جاء للميعاد. وقيل رآه يوم فلق البحر فأخذ القبضة وجعلها في عمامته لما يريد الله أن يظهره من الفتنة على يديه وهو قوله { وكذلك سولت } يعني زينت { لي نفسي } وقيل إنه من السؤال والمعنى أنه لم يدعني إلى فعلة غيري واتبعت فيه هواي.
طه 20:97
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:98
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:99
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:100
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:101
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:102
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:103
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:104
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:105
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:106
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:107
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:108
{ قال } يعني موسى للسامري { فاذهب فإن لك في الحياة } يعني ما دمت حياً { أن تقول لا مساس } يعني لا تخالط أحداً ولا يخالطك أحد فعوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أوحش منها ولا أعظم وذلك أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته ومواجهته. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا مساس لك ولولدك. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحداً وقيل كان إذا مس أحداً. أو مسه أحد حما جميعاً فتحامى الناس وتحاموه وكان لا مساس حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك { وإن لك } يا سامري { موعداً } يعني بعذابك في الآخرة { لن تخلفه } قرىء بكسر اللام ومعناه لن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه بل توافيه يوم القيامة، وقرىء بالفتح أي لن تكذبه ولم يخلفكه الله بل يكافئك على فعلك { وانظر لننسفنه } أي لنذرينه { في اليم } يعني في البحر { نسفاً } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم وحرقه في النار ثم ذراه في البحر وقيل معناه لنحرقنه أي لنبردنه فعلى هذا التأويل لم ينقلب لحماً ودماً فإن ذلك لا يمكن أن يبرد بالمبرد ويمكن أن يقال صار لحماً ودماً ثم بردت عظامه بالمبرد حتى صارت بحيث يمكن نسفها في البحر فلما فرغ موسى من أمر العجل وإبطال ما ذهب إليه السامري رجع إلى بيان الدين الحق فقال مخاطباً لبني إسرائيل { إنما إلهكم الله } يعني المستحق للعبادة والتعظيم هو الله { الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً } يعني وسع علمه كل شيء وقيل يعلم من يعبده. قوله عز وجل: { كذلك نقص عليك من أنباء } يعني من أخبار { ما قد سبق } يعني الأمم الخالية وقيل ما سبق من الأمور { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } وهو القرآن { من أعرض عنه } يعني عن القرآن ولم يؤمن به ولم يعمل بما فيه { فإنه يحمل يوم القيامة وزراً } يعني حملاً ثقيلاً من الإثم { خالدين فيه } يعني مقيمين في عذاب الوزر { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يعني بئس ما حملوا أنفسهم من الإثم { يوم ينفخ في الصور } قيل هو قرن ينفخ فيه يدعي به الناس للمحشر والمراد بهذه النفخة النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } يعني نحشر المجرمين زرق العيون سود الوجوه وقيل عمياً وقيل عطشاً { يتخافتون } يعني يتشاورون { بينهم } ويتكلمون خفية { إن لبثتم } يعني مكثتم في الدنيا { إلا عشراً } يعني عشر ليال وقيل في القبور وقيل بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة وذلك أن العذاب رفع عنهم بين النفختين فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا فقال الله تعالى { نحن أعلم بما يقولون } يعني يتشاورون فيما بينهم { إذ يقول أمثلهم طريقة } أي أوفاهم وأعدلهم قولاً { إن لبثتم إلا يوماً } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة وقيل نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم قوله عز وجل { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً }.
قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف تكون الجبال يوم القيامة فأنزل الله تعالى هذه الآية والنسف هو القلع أي يقلعها من أصولها ويجعلها هباء منثوراً { فيذرها } أي يدع أماكن الجبال من الأرض { قاعاً صفصفاً } أي أرضاً ملساء مستوية لا نبات فيها { لا ترى فيها جوعاً ولا أمتاً } يعني لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً يعني لا ترى وادياً ولا رابية { يومئذ يتبعون الداعي } أي صوت الداعي ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن { لا عوج له } أي لا عوج لهم عن دعائه ولا يزيعون عنه يميناً ولا شمالاً بل يتبعونه سراعاً { وخشعت الأصوات للرحمن } يعني سكنت وذلت وخضعت وضعفت والمراد به أصحاب الأصوات وقيل خضعت الأصوات من شدة الفزع { فلا تسمع إلا همساً } وهو الصوت الخفي قال ابن عباس: هو تحريك الشفاه من غير نطق وقيل أراد بالهمس صوت وطء الأقدام إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل.
طه 20:109
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:110
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:111
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:112
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:113
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:114
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:115
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:116
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:117
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:118
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:119
{ يومئذ لا تنفع الشفاعة } لأحد من الناس { إلا من أذن له الرحمن } يعني إلا من أذن له أن يشفع { ورضي له قولاً } قال ابن عباس: يعني قال لا إله إلا الله، وفيه دليل على أنه لا يشفع غير المؤمن، وقيل إن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن يأذن الله له فيها وكان عند الله مرضياً { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } قيل الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله ما قدموا من الأعمال وما خلفوا من الدنيا وقيل الضمير يرجع إلى من أذن له الرحمن وهو الشافع، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع ثم قال يعلم ما بين أيديهم أي أيدي الشافعين وما خلفهم { ولا يحيطون به علماً } قيل الكناية ترجع إلى ما أي هو يعلم ما بين راجعة إلى الله تعالى أي ولا يحيطون بالله علماً { وعنت الوجوه } يعني ذلت وخضعت في ذلك اليوم ويصير الملك والقهر لله تعالى دون غيره وذكر الوجوه وأراد بها المكلفين لأن عنت من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وإنما خص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وفيها يظهر وقوله تعالى { للحي القيوم } تقدم تفسيره { وقد خاب من حمل ظلماً }. قال ابن عباس خسر من أشرك بالله { ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال ابن عباس معناه لا يخاف أن يزاد على سيئاته ولا ينقص من حسناته، وقيل لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها قوله تعالى { وكذلك أنزلناه } أي كما بينا في هذه السورة أو هذه الآية المتضمنة للوحيد أنزلنا القرآن كله كذلك وقوله { قرآناً عربياً } أي بلسان العرب ليفهموا ويقفوا على إعجازه وحسن نظمه وخروجه عن كلام البشر { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررنا وفصلنا القول فيه بذكر الوعيد ويدخل تحت الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد بهما يتعلق فتكريره وتصريفه يقتضي بيان الأحكام فلذلك قال تعالى { لعلهم يتقون } أي يجتنبون الشرك والمحارم وترك الواجبات { أو يحدث لهم ذكراً } أي إنما أنزلنا القرآن ليصبروا متقين مجتنبين ما لا ينبغي ويحدث لهم القرآن ذكراً يرغبهم في الطاعات وفعل ما ينبغي، وقيل معناه يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبرون ويتعظون بذكر عقاب الله الأمم قوله تعالى { فتعالى الله الملك الحق } أي جل الله وعظم عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون والجاحدون وقيل فيه تنبيه على ما يلزم خلقه من تعظيمه وتمجيده، وقيل إنما وصف نفسه بالملك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره وأولى به منه { ولا تعجل بالقرآن } أراد النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه قبل أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى { ولا تعجل بالقرآن } أي ولا تعجل بقراءته { من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ وقيل معناه لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه { وقل رب زدني علماً } فيه التواضع والشكر لله والمعنى زدني علماً إلى ما علمت فإن لك في كل شيء علماً وحكمة، قيل ما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً قوله عزّ وجلّ { ولقد عهدنا إلى آدم } يعني أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة { من قبل } أي من هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى { لعلهم يتقون } { فنسي } أي فترك ما عهدنا إليه من الاحتراز عن أكل هذه الشجرة وأكل منها، وقيل أراد النسيان الذي هو ضد الذكر { ولم نجد له عزماً } أي صبراً عما نهي عنه وحفظاً لما أمر به، وقيل معناه لم نجد له رأياً معزوماً حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وقيل معناه لم نجد له عزماً على المقام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب قوله عز وجل { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس إبى } أن يسجد { فقلنا يا آدم إن هذا } أي إبليس { عدو لك ولزوجتك } أي حواء وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أسند الخروج إليه، وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان بوسوسته وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك. ومعنى تشقى تتعب وتنصب ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك، وهو الحرث والزرع والحصد والطحن والخبز قيل أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فكان ذلك شقاءه. فإن قلت لم أسند الشقاء إلى آدم دون حواء. قلت فيه وجهان أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم. الثاني: إنه أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته { إن لك أن لا تجوع فيها } يعني الجنة { ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها } أي تعطش { ولا تضحى } أي تبرز للشمس فيؤذيك حرها لأنه ليس في الجنة شمس وأهلها في ظل ممدود والمعنى أن الشبع والري والكسوة والسكن هي الأمور التي يدور عليها كفاف الإنسان. فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء في الجنة وإنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى أهل الدنيا.
طه 20:120
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:121
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:122
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:123
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:124
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:125
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:126
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:127
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:128
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:129
{ فوسوس إليه الشيطان } أي أنهى إليه الوسوسة فأسر إليه ثم بين تلك الوسوسة ما هي فقال { قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد } أي على الشجرة التي إن أكلت منها بقيت مخلداً { وملك لا يبلى } أي لا يبيد ولا يفنى رغبة في دوام الراحة فكان الشيء الذي رغب الله فيه آدم رغبة إبليس فيه، إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراز عن تلك الشجرة وإبليس وقفه على الإقدام عليها وآدم مع كمال علمه بأن الله تعالى هو خالقه وربه ومولاه وناصره، وإبليس هو عدوه أعرض عن قول الله تعالى ولم يرد المخالفة ومن تأمل هذا السر عرف أنه لا دفع لقضاء الله ولا مانع منه. وقوله تعالى { فأكلا منها } يعني أكل آدم وحواء من الشجرة { فبدت لهما سوءاتهما } أي عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى بدت فروجهما وظهرت عوراتهما { وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } أي يلزقان بسوءاتهما من ورق التين { وعصى آدم ربه } أي بأكل الشجرة { فغوى } أي فعل ما لم يكن له فعله وقيل أخطأ طريق الحق وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عنه فخاب ولم ينل مراده وصار من العز إلى الذل ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم ولايجوز أن يقال آدم عاص، لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية كالرجل يخيط ثوبه يقال خاط ثوبه ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك مراراً ويعتاده. ق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فحج آدم موسى ". وفي رواية لمسلم " قال آدم بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى. قال له نعم قال فهل تلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحج آدم موسى ". الكلام على معنى الحديث وشرحه قوله احتج آدم وموسى: المجادلة والمخاصمة يقال حاججت فلاناً فحججته أي جادلته فغلبته. قال أبو سليمان الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر والقضاء من الله تعالى على معنى الإجبار والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله فحج آدم وموسى من هذا الوجه وليس كذلك.
وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله بما يكون من أفعال العباد وإكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر والقضاء في هذا معناه الخلق وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختبار. فالحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس والآخر بمنزلة البناء. فمن رام الفصل بينهما فقد رام هذا البناء ونقضه وإنما موضع الحجة لآدم على موسى أن الله تعالى كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يرد علم الله فيه وأن يبطله بعد ذلك. وإنما كان تناوله الشجرة سبباً لنزوله إلى الأرض التي خلق لها وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه ولذلك قال أتلومني على أمر الله علي من قبل أن يخلقني. فصل: في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك قال الإمام فخر الدين الرازي: اختلف الناس في عصمة الأنبياء وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة، أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد وهو اعتقاد الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عليهم. والثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب مواظبين على التبليغ والتحريض. وإلا لارتفع الوثوق بالأداء واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً ولا سهواً ومن الناس من جوز ذلك سهواً قالوا لأن الاحتراز عنه غير ممكن. الثالث: ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد وأجازه لبعضهم على سبيل السهو. الرابع: ما يقع في أفعالهم فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر. الثاني: قول من منع من الكبائر وجوز الصغائر على جهة العمد وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة ألبتة بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ. الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة لا على سبيل العمد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة. واختلفت الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة وهو قول الشيعة. الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم وهو قول أكثر المعتزلة. الثالث قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة وهو قول أكثر أصحابنا وأبي الهزيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإمام والمختار عندنا لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة من حين جاءتهم النبوة. ويدل عليه وجوه أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من أحد الأمة وذلك غير جائز لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف. الثاني: لو صدر منه وجب أن لا يكون مقبول الشهادة فكان أقل حالاً من عدول الأمة وذلك غير جائز أيضاً لأن معنى النبوة والرسالة هو أنه يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضاً فإنه يوم القيامة شاهد على الكل. الثالث: لو صدر من النبي ذنب وجب الاقتداء به فيه وذلك محال. الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح بمن رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفته في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه لا تفعل كذا فيقدم عليه ويفعله ترجيحاً لغرضه. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة: 44] وقال{ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } [هود: 88]. الخامس: قال الله تعالى{ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات } [الأَنبياء: 90] ولفظه للعموم فيتناول الكل ويدل على فعل ما ينبغي فعله وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير وتاركين لكل منهي وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. السادس: قال الله تعالى:{ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير } [الحج: 75]وقال تعالى:{ إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33] وقال تعالى في حق موسى:{ إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأَعراف: 144] وقال تعالى:{ واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 45-46] وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه. قال وأما المخالف فقد تمسك بآيات منها قصة آدم هذه. والجواب عنها أن نقول إن كلامهم إنما يتم أن لو بينوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة وذلك ممنوع ولم لا يجوز أن يقال إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبياً وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة وإن الله تعالى قبل توبته وشرفه بالنبوة والرسالة. وقال القاضي عياض وأما قصة آدم { وعصى آدم ربه فغوى } أي جهل وقيل أخطأ فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله:{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ولكنه اغتر بحلف إبليس له إني لكما لمن الناصحين وتوهم أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، وقيل نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال ولم نجد له عزماً أي قصداً للمخالفة، وقيل بل أكل من الشجرة متأولاً وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة وقيل تأويل أن الله تعالى لم ينه نهي تحريم.
فإن قلت إذا نفيت عنهم الذنوب والمعاصي فما معنى قوله: { وعصى آدم ربه فغوى } وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم واستغفارهم وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه. قلت إن درجة الأنبياء من الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وإنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولم يؤمروا، وآتوها على وجه التأويل أو السهو وتزيدوا من أمور الدنيا المباحة أوخذوا عليها وعوتبوا بسببها أو حذروا من المؤاخذة بها فهم خائفون وجلون، وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم كان هذا أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه إن شاء الله تعالى. قوله عز وجل: { ثم اجتباه ربه } أي اختاره واصطفاه { فتاب عليه } أي عاد بالعفو والمغفرة { وهدى } أي هداه لرشده حتى رجع إلى الندم والاستغفار { قال اهبطا منه جميعاً } قيل الخطاب لآدم ومعه ذريته ولإبلس ومعه ذريته فصح قوله اهبطا لاشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة، وقيل الخطاب لآدم وحواء لأنهما أصل البشر فجعلا كأنهما البشر فخوطبا بلفظ الجمع { بعضكم لبعض عدو } وقيل في تقوية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء الناس، ويحتمل أن يكون بعض الفريقين لبعض عدواً { فأما يأتينكم مني هدى } أي كتاب ورسول { فمن اتبع هدايَ } أي الكتاب والرسول { فلا يضل ولا يشقى } قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب وذلك لأن الله تعالى يقول فمن اتبع هداي فلا يضل أي في الدنيا ولا يشقى أي في الآخرة { ومن أعرض عن ذكري } يعني القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه { فإن له معيشة ضنكاً } روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أنهم قالوا هو عذاب القبر. قال ابو سعيد يضغط في القبر حتى تخلتف أضلاعه. وفي بعض المسانيد مرفوعاً يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال يعذب حتى يبعث وقيل الزقوم والضريع والغسلين في النار، وقيل الحرام والكسب الخبيث.
وقال ابن عباس الشقاء وعنه قال كل ما أعطي العبد قل أم كثر فلم يتق فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة. وإن قوماً أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين منها فكانت معيشتهم وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف لهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله تعالى. وقيل يسلب القناعة حتى لا يشبع { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال ابن عباس أعمى البصر وقيل أعمى عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } يعني بصيراً العين أو بصير بالحجة { قال كذلك } يعني كما { أتتك آياتنا فنسيتها } يعني فطردتها وأعرضت عنها { وكذلك اليوم تنسى } يعني تترك في النار وقيل نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب { وكذلك نجزي من أسرف } يعني كما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك نجزي من أسرف أي أشرك { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد } يعني مما يعذبهم الله به في الدنيا والقبر { وأبقى } يعني وأدوم قوله تعالى: { أفلم يهد لهم } يعني أفلم يبين القرآن لكفار مكة { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } يعني في ديارهم ومنازلهم إذ سافروا وذلك أن قريشاً كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وهم ثمود وقريات قوم لوط { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي لذوي العقول { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم { لكان لزاماً وأجل مسمى } تقديره ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى وهو القيامة لكان العذاب لازماً لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.
طه 20:130
{ فاصبر على ما يقولون } نسختها آية السيف { وسبح بحمد ربك } أي صل بأمر ربك { قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر { وقبل غروبها } أي صلاة العصر { ومن آناء الليل } أي ومن ساعاته { فسبح } يعني فصل المغرب والعشاء قال ابن عباس يريد أول الليل { وأطراف النار } يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء { لعلك ترضى } أي ترضى ثوابه في المعادن وقيل معناه لعلك ترضى بالشفاعة، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك ق عن جرير بن عبد الله قال: " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه جميعاً لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته وروي بتشديد الميم من الانضمام والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته والكاف في قوله كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي وهي فعل الرائي، ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ليلة البدر ولا ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: { ولا تمدن عينيك } " قال أبو رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض أذهب بدرعي الحديد إليه " " فنزلت هذه الآية: { ولا تمدن عينيك } أي لا تنظر نظراً تكاد تردده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به وتمنياً له { إلى ما متعنا به } أي أعطينا { أزواجاً } أي أصنافاً { منهم زهرة الحياة الدنيا } أي زينتها وبهجتها { لنفتنهم فيه } أي لنجعل ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً { ورزق ربك } أي في المعاد في الجنة { خير وأبقى } أي أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: { وأمر أهلك } أي قومك وقيل من كان على دينك { بالصلاة } يعني بالمحافظة عليها { واصطبر عليها } يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول { لا نسألك رزقاً } أي لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملاً { نحن نرزقك } أي بل نحن نرزقك ونرزق أهلك { والعاقبة للتقوى } أي الخصلة المحمودة لأهل التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية قوله تعالى { وقالوا } يعني المشركين { لولا يأتينا بآية من ربه } أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي بيان ما فيها وهو القرآن لأنه أقوى دلالة وأوضح آية وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما من أخبار الأمم أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم العذاب والهلاك فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل بينة ما في الصحف الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وبعثته { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } أي من قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسلاً } أي لقالوا يوم القيامة أولاً أرسلت إلينا رسولاً يدعونا { فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } بالعذاب والهوان والافتضاح { قل كل متربص } أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخصلنا قال الله تعالى: { فتربصوا } أي فانتظروا { فستعلمون } أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة { ومن أصحاب الصراط السوي } يعني المستقيم { ومن اهتدى } يعني من الضلالة نحن أم أنتم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
طه 20:131
{ فاصبر على ما يقولون } نسختها آية السيف { وسبح بحمد ربك } أي صل بأمر ربك { قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر { وقبل غروبها } أي صلاة العصر { ومن آناء الليل } أي ومن ساعاته { فسبح } يعني فصل المغرب والعشاء قال ابن عباس يريد أول الليل { وأطراف النار } يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء { لعلك ترضى } أي ترضى ثوابه في المعادن وقيل معناه لعلك ترضى بالشفاعة، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك ق عن جرير بن عبد الله قال: " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه جميعاً لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته وروي بتشديد الميم من الانضمام والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته والكاف في قوله كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي وهي فعل الرائي، ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ليلة البدر ولا ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: { ولا تمدن عينيك } " قال أبو رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض أذهب بدرعي الحديد إليه " " فنزلت هذه الآية: { ولا تمدن عينيك } أي لا تنظر نظراً تكاد تردده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به وتمنياً له { إلى ما متعنا به } أي أعطينا { أزواجاً } أي أصنافاً { منهم زهرة الحياة الدنيا } أي زينتها وبهجتها { لنفتنهم فيه } أي لنجعل ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً { ورزق ربك } أي في المعاد في الجنة { خير وأبقى } أي أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: { وأمر أهلك } أي قومك وقيل من كان على دينك { بالصلاة } يعني بالمحافظة عليها { واصطبر عليها } يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول { لا نسألك رزقاً } أي لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملاً { نحن نرزقك } أي بل نحن نرزقك ونرزق أهلك { والعاقبة للتقوى } أي الخصلة المحمودة لأهل التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية قوله تعالى { وقالوا } يعني المشركين { لولا يأتينا بآية من ربه } أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي بيان ما فيها وهو القرآن لأنه أقوى دلالة وأوضح آية وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما من أخبار الأمم أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم العذاب والهلاك فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل بينة ما في الصحف الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وبعثته { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } أي من قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسلاً } أي لقالوا يوم القيامة أولاً أرسلت إلينا رسولاً يدعونا { فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } بالعذاب والهوان والافتضاح { قل كل متربص } أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخصلنا قال الله تعالى: { فتربصوا } أي فانتظروا { فستعلمون } أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة { ومن أصحاب الصراط السوي } يعني المستقيم { ومن اهتدى } يعني من الضلالة نحن أم أنتم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
طه 20:132
{ فاصبر على ما يقولون } نسختها آية السيف { وسبح بحمد ربك } أي صل بأمر ربك { قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر { وقبل غروبها } أي صلاة العصر { ومن آناء الليل } أي ومن ساعاته { فسبح } يعني فصل المغرب والعشاء قال ابن عباس يريد أول الليل { وأطراف النار } يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء { لعلك ترضى } أي ترضى ثوابه في المعادن وقيل معناه لعلك ترضى بالشفاعة، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك ق عن جرير بن عبد الله قال: " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه جميعاً لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته وروي بتشديد الميم من الانضمام والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته والكاف في قوله كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي وهي فعل الرائي، ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ليلة البدر ولا ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: { ولا تمدن عينيك } " قال أبو رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض أذهب بدرعي الحديد إليه " " فنزلت هذه الآية: { ولا تمدن عينيك } أي لا تنظر نظراً تكاد تردده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به وتمنياً له { إلى ما متعنا به } أي أعطينا { أزواجاً } أي أصنافاً { منهم زهرة الحياة الدنيا } أي زينتها وبهجتها { لنفتنهم فيه } أي لنجعل ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً { ورزق ربك } أي في المعاد في الجنة { خير وأبقى } أي أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: { وأمر أهلك } أي قومك وقيل من كان على دينك { بالصلاة } يعني بالمحافظة عليها { واصطبر عليها } يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول { لا نسألك رزقاً } أي لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملاً { نحن نرزقك } أي بل نحن نرزقك ونرزق أهلك { والعاقبة للتقوى } أي الخصلة المحمودة لأهل التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية قوله تعالى { وقالوا } يعني المشركين { لولا يأتينا بآية من ربه } أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي بيان ما فيها وهو القرآن لأنه أقوى دلالة وأوضح آية وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما من أخبار الأمم أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم العذاب والهلاك فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل بينة ما في الصحف الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وبعثته { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } أي من قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسلاً } أي لقالوا يوم القيامة أولاً أرسلت إلينا رسولاً يدعونا { فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } بالعذاب والهوان والافتضاح { قل كل متربص } أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخصلنا قال الله تعالى: { فتربصوا } أي فانتظروا { فستعلمون } أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة { ومن أصحاب الصراط السوي } يعني المستقيم { ومن اهتدى } يعني من الضلالة نحن أم أنتم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
طه 20:133
{ فاصبر على ما يقولون } نسختها آية السيف { وسبح بحمد ربك } أي صل بأمر ربك { قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر { وقبل غروبها } أي صلاة العصر { ومن آناء الليل } أي ومن ساعاته { فسبح } يعني فصل المغرب والعشاء قال ابن عباس يريد أول الليل { وأطراف النار } يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء { لعلك ترضى } أي ترضى ثوابه في المعادن وقيل معناه لعلك ترضى بالشفاعة، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك ق عن جرير بن عبد الله قال: " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه جميعاً لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته وروي بتشديد الميم من الانضمام والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته والكاف في قوله كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي وهي فعل الرائي، ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ليلة البدر ولا ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: { ولا تمدن عينيك } " قال أبو رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض أذهب بدرعي الحديد إليه " " فنزلت هذه الآية: { ولا تمدن عينيك } أي لا تنظر نظراً تكاد تردده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به وتمنياً له { إلى ما متعنا به } أي أعطينا { أزواجاً } أي أصنافاً { منهم زهرة الحياة الدنيا } أي زينتها وبهجتها { لنفتنهم فيه } أي لنجعل ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً { ورزق ربك } أي في المعاد في الجنة { خير وأبقى } أي أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: { وأمر أهلك } أي قومك وقيل من كان على دينك { بالصلاة } يعني بالمحافظة عليها { واصطبر عليها } يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول { لا نسألك رزقاً } أي لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملاً { نحن نرزقك } أي بل نحن نرزقك ونرزق أهلك { والعاقبة للتقوى } أي الخصلة المحمودة لأهل التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية قوله تعالى { وقالوا } يعني المشركين { لولا يأتينا بآية من ربه } أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي بيان ما فيها وهو القرآن لأنه أقوى دلالة وأوضح آية وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما من أخبار الأمم أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم العذاب والهلاك فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل بينة ما في الصحف الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وبعثته { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } أي من قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسلاً } أي لقالوا يوم القيامة أولاً أرسلت إلينا رسولاً يدعونا { فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } بالعذاب والهوان والافتضاح { قل كل متربص } أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخصلنا قال الله تعالى: { فتربصوا } أي فانتظروا { فستعلمون } أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة { ومن أصحاب الصراط السوي } يعني المستقيم { ومن اهتدى } يعني من الضلالة نحن أم أنتم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
طه 20:134
{ فاصبر على ما يقولون } نسختها آية السيف { وسبح بحمد ربك } أي صل بأمر ربك { قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر { وقبل غروبها } أي صلاة العصر { ومن آناء الليل } أي ومن ساعاته { فسبح } يعني فصل المغرب والعشاء قال ابن عباس يريد أول الليل { وأطراف النار } يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء { لعلك ترضى } أي ترضى ثوابه في المعادن وقيل معناه لعلك ترضى بالشفاعة، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك ق عن جرير بن عبد الله قال: " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه جميعاً لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته وروي بتشديد الميم من الانضمام والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته والكاف في قوله كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي وهي فعل الرائي، ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ليلة البدر ولا ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: { ولا تمدن عينيك } " قال أبو رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض أذهب بدرعي الحديد إليه " " فنزلت هذه الآية: { ولا تمدن عينيك } أي لا تنظر نظراً تكاد تردده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به وتمنياً له { إلى ما متعنا به } أي أعطينا { أزواجاً } أي أصنافاً { منهم زهرة الحياة الدنيا } أي زينتها وبهجتها { لنفتنهم فيه } أي لنجعل ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً { ورزق ربك } أي في المعاد في الجنة { خير وأبقى } أي أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: { وأمر أهلك } أي قومك وقيل من كان على دينك { بالصلاة } يعني بالمحافظة عليها { واصطبر عليها } يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول { لا نسألك رزقاً } أي لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملاً { نحن نرزقك } أي بل نحن نرزقك ونرزق أهلك { والعاقبة للتقوى } أي الخصلة المحمودة لأهل التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية قوله تعالى { وقالوا } يعني المشركين { لولا يأتينا بآية من ربه } أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي بيان ما فيها وهو القرآن لأنه أقوى دلالة وأوضح آية وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما من أخبار الأمم أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم العذاب والهلاك فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل بينة ما في الصحف الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وبعثته { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } أي من قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسلاً } أي لقالوا يوم القيامة أولاً أرسلت إلينا رسولاً يدعونا { فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } بالعذاب والهوان والافتضاح { قل كل متربص } أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخصلنا قال الله تعالى: { فتربصوا } أي فانتظروا { فستعلمون } أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة { ومن أصحاب الصراط السوي } يعني المستقيم { ومن اهتدى } يعني من الضلالة نحن أم أنتم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
طه 20:135
{ فاصبر على ما يقولون } نسختها آية السيف { وسبح بحمد ربك } أي صل بأمر ربك { قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الفجر { وقبل غروبها } أي صلاة العصر { ومن آناء الليل } أي ومن ساعاته { فسبح } يعني فصل المغرب والعشاء قال ابن عباس يريد أول الليل { وأطراف النار } يعني صلاة الظهر سمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء { لعلك ترضى } أي ترضى ثوابه في المعادن وقيل معناه لعلك ترضى بالشفاعة، وقرىء ترضى بضم التاء أي تعطى ثوابه، وقيل يرضاك ربك ق عن جرير بن عبد الله قال: " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " قوله لا تضامون بتخفيف الميم من الضيم، وهو الظلم والمعنى أنكم ترونه جميعاً لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته وروي بتشديد الميم من الانضمام والازدحام، أي لا يزدحم ولا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته والكاف في قوله كما ترون هذا القمر كاف التشبيه للرؤية لا للمرئي وهي فعل الرائي، ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم هذا القمر ليلة البدر ولا ترتابون فيه ولا تشكون قوله عز وجل: { ولا تمدن عينيك } " قال أبو رافع نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بعني كذا وكذا من الدقيق أو سلفني إلى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لئن باعني أو أسلفني لقضيته إني لأمين في السماء وأمين في الأرض أذهب بدرعي الحديد إليه " " فنزلت هذه الآية: { ولا تمدن عينيك } أي لا تنظر نظراً تكاد تردده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به وتمنياً له { إلى ما متعنا به } أي أعطينا { أزواجاً } أي أصنافاً { منهم زهرة الحياة الدنيا } أي زينتها وبهجتها { لنفتنهم فيه } أي لنجعل ذلك فتنة بأن تزيد النعمة فيزيدوا كفراً وطغياناً { ورزق ربك } أي في المعاد في الجنة { خير وأبقى } أي أدوم وقال أبي بن كعب من لم يعتز بالله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه ومن ظن أن نعمة الله عليه في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه. ف قوله تعالى: { وأمر أهلك } أي قومك وقيل من كان على دينك { بالصلاة } يعني بالمحافظة عليها { واصطبر عليها } يعني اصبر على الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وقيل اصبر عليها فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول { لا نسألك رزقاً } أي لا نكلفك أن ترزق أحداً من خلقنا ولا أن ترزق نفسك بل نكلفك عملاً { نحن نرزقك } أي بل نحن نرزقك ونرزق أهلك { والعاقبة للتقوى } أي الخصلة المحمودة لأهل التقوى قال ابن عباس الذين صدقوك واتبعوك وآمنوا بك وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهله ضر أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية قوله تعالى { وقالوا } يعني المشركين { لولا يأتينا بآية من ربه } أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة { أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } أي بيان ما فيها وهو القرآن لأنه أقوى دلالة وأوضح آية وقيل معنى ما في الصحف ما في التوراة والإنجيل وغيرهما من أخبار الأمم أنهم اقترحوا الآيات فلما أتتهم لم يؤمنوا فعجلنا لهم العذاب والهلاك فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك وقيل بينة ما في الصحف الأولى هي البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وبعثته { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله } أي من قبل إرسال الرسل وإنزال القرآن { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسلاً } أي لقالوا يوم القيامة أولاً أرسلت إلينا رسولاً يدعونا { فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } بالعذاب والهوان والافتضاح { قل كل متربص } أي منتظر دوائر الزمان وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون وحوادث الدهر فإذا مات تخصلنا قال الله تعالى: { فتربصوا } أي فانتظروا { فستعلمون } أي إذا جاء أمر الله وقامت القيامة { ومن أصحاب الصراط السوي } يعني المستقيم { ومن اهتدى } يعني من الضلالة نحن أم أنتم والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.