تأويلات أهل السنة — طه 20:1 – الأنبياء 21:112
المحتويات
- طه 20:1
- طه 20:2
- طه 20:3
- طه 20:4
- طه 20:5
- طه 20:6
- طه 20:7
- طه 20:8
- طه 20:9
- طه 20:10
- طه 20:11
- طه 20:12
- طه 20:13
- طه 20:14
- طه 20:15
- طه 20:16
- طه 20:17
- طه 20:18
- طه 20:19
- طه 20:20
- طه 20:21
- طه 20:22
- طه 20:23
- طه 20:24
- طه 20:25
- طه 20:26
- طه 20:27
- طه 20:28
- طه 20:29
- طه 20:30
- طه 20:31
- طه 20:32
- طه 20:33
- طه 20:34
- طه 20:35
- طه 20:36
- طه 20:37
- طه 20:38
- طه 20:39
- طه 20:40
- طه 20:41
- طه 20:42
- طه 20:43
- طه 20:44
- طه 20:45
- طه 20:46
- طه 20:47
- طه 20:48
- طه 20:49
- طه 20:50
- طه 20:51
- طه 20:52
- طه 20:53
- طه 20:54
- طه 20:55
- طه 20:56
- طه 20:57
- طه 20:58
- طه 20:59
- طه 20:60
- طه 20:61
- طه 20:62
- طه 20:63
- طه 20:64
- طه 20:65
- طه 20:66
- طه 20:67
- طه 20:68
- طه 20:69
- طه 20:70
- طه 20:71
- طه 20:72
- طه 20:73
- طه 20:74
- طه 20:75
- طه 20:76
- طه 20:77
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:80
- طه 20:81
- طه 20:82
- طه 20:83
- طه 20:84
- طه 20:85
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:3
- الأنبياء 21:4
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:7
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:9
- الأنبياء 21:10
- الأنبياء 21:11
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:13
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:15
- الأنبياء 21:16
- الأنبياء 21:17
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:19
- الأنبياء 21:20
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:22
- الأنبياء 21:23
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:26
- الأنبياء 21:27
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:29
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:32
- الأنبياء 21:33
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:35
- الأنبياء 21:36
- الأنبياء 21:37
- الأنبياء 21:38
- الأنبياء 21:39
- الأنبياء 21:40
- الأنبياء 21:41
- الأنبياء 21:42
- الأنبياء 21:43
- الأنبياء 21:44
- الأنبياء 21:45
- الأنبياء 21:46
- الأنبياء 21:47
- الأنبياء 21:48
- الأنبياء 21:49
- الأنبياء 21:50
- الأنبياء 21:51
- الأنبياء 21:52
- الأنبياء 21:53
- الأنبياء 21:54
- الأنبياء 21:55
- الأنبياء 21:56
- الأنبياء 21:57
- الأنبياء 21:58
- الأنبياء 21:59
- الأنبياء 21:60
- الأنبياء 21:61
- الأنبياء 21:62
- الأنبياء 21:63
- الأنبياء 21:64
- الأنبياء 21:65
- الأنبياء 21:66
- الأنبياء 21:67
- الأنبياء 21:68
- الأنبياء 21:69
- الأنبياء 21:70
- الأنبياء 21:71
- الأنبياء 21:72
- الأنبياء 21:73
- الأنبياء 21:74
- الأنبياء 21:75
- الأنبياء 21:76
- الأنبياء 21:77
- الأنبياء 21:78
- الأنبياء 21:79
- الأنبياء 21:80
- الأنبياء 21:81
- الأنبياء 21:82
- الأنبياء 21:83
- الأنبياء 21:84
- الأنبياء 21:85
- الأنبياء 21:86
- الأنبياء 21:87
- الأنبياء 21:88
- الأنبياء 21:89
- الأنبياء 21:90
- الأنبياء 21:91
- الأنبياء 21:92
- الأنبياء 21:93
- الأنبياء 21:94
- الأنبياء 21:95
- الأنبياء 21:96
- الأنبياء 21:97
- الأنبياء 21:98
- الأنبياء 21:99
- الأنبياء 21:100
- الأنبياء 21:101
- الأنبياء 21:102
- الأنبياء 21:103
- الأنبياء 21:104
- الأنبياء 21:105
- الأنبياء 21:106
- الأنبياء 21:107
- الأنبياء 21:108
- الأنبياء 21:109
- الأنبياء 21:110
- الأنبياء 21:111
- الأنبياء 21:112
طه 20:1
سُورَةُ طه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (طه):
قَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: قوله: (طه): يا رجل بالنبطية، وقَالَ بَعْضُهُمْ: بالسريانية، وقيل: يا فلان، وقيل: هو اسم من أسماء اللَّه، وقيل: حروف من أسمائه ونحو ذلك، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) لا يحتمل أن يكون هذا نزل على الابتداء من غير سبب ولا أمر، لكنه لم يبيّن السبب الذي به نزل هذا، فيحتمل أن يكون سببه وجوهًا:
أحدها: ما حمل نفسه من الشدائد والمؤن العظام، وأجهد نفسه في ذلك؛ فنزل: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، أي: لتتعب به نفسك، كقوله: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) أي: تتعب؛ ألا ترى أنه قال: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى).
والثاني: أنه لما كف نفسه عن الشهوات ومنعها عن جميع ما تهواه من اللذات، فقال أُولَئِكَ الكفرة: إنه شقي؛ حيث رأوه لم يعط نفسه شيئًا من شهواتها ولذاتها.
والثالث: أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه واتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون، وكانت عادتهم القتل وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك، فعند ذلك قالوا: إنه شقي؛ حيث يخاطر بنفسه، فقال: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) على ما يقول أُولَئِكَ، بل أنزله عليك؛ لتسعد حيث أخبر أنه عصمه بقوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). أو ألا يفسر ولا يذكر ذلك الأمر
طه 20:2
الآية ٢ : وقوله تعالى :﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ لا يحتمل أن يكون هذا نزل على الابتداء من غير سبب ولا أمر، لكنه(١) لم يبين السبب [ الذي ] (٢) به نزل هذا، ويحتمل أن يكون سببه وجوها :
أحدها : ما حمل نفسه من الشدائد والمؤن العظام، وأجهد نفسه في ذلك. فنزل :﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ أي لتتعب به نفسك كقوله :﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ [طه: ١١٧] أي تتعب. ألا ترى أنه قال :﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨].
والثاني : أنه لما كف نفسه عن الشهوات، ومنعها عن جميع ما تهواه من اللذات، فقال أولئك الكفرة : إنه شقي [ حين رأوه لم ] (٣) يعط نفسه شيئا من شهواتها ولذاتها.
والثالث : أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه وأتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون. وكانت عادتهم قتل(٤) وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك. قالوا : إنه شقي حين(٥) يخاطر بنفسه. فقال :﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ على ما يقول أولئك، بل أنزله عليك لتسعد حين(٦) أخبر أنه عصمه بقوله :﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧].
أو ألا يفسر، ولا يذكر ذلك الأمر والسبب الذي به نزل لأنه لم يبين. ولا حاجة بنا [ إلا ] (٧) إلى معرفة ما ذكر، وهو قوله :﴿إلا تذكرة لمن يخشى﴾ أي ما أنزلناه لتسعد، وأنزلناه لتذكر به من يخشى كقوله ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمان بالغيب﴾ [يس: ١١].
١ من م، في الأصل: لمن..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل: حيث رآه، في م: حين رآه لم..
٤ في الأصل وم: القتل..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ ساقطة من الأصل وم..
طه 20:3
والسبب الذي به نزل؛ لأنه لم يبيِّن، ولا حاجة بنا إلا إلى معرفة ما ذكر، وهو قوله: (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)، أي: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، بل أنزلناه لتسعد، وأنزلناه ليتذكر به من يخشى، كقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) أي: عظة لمن يتقى ما به يخشى.
ويحتمل قوله: (لِمَنْ يَخْشَى): كل مؤمن؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه الخشية منه والاتقاء من نقمته وعذابه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)
كأن هذا نزل على إثر قول قاله أُولَئِكَ الكفرة، وهو ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، وإنه شاعر وإنما يعلمه بشر ونحوه، فقال جوابًا لقولهم: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى) وليس كما يقول أُولَئِكَ: إنه ساحر وإنه مفتر وإنما يعلمه بشر، بل تنزيلًا ممن خلق الأرض والسماوات العلا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته:
فإن كان الأول فهو إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق؛ إذ هو دونه، ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به الأمكنة لجاز أن يحيط به الأوقات؛ فيصير متناهيًا بذاته مقصرًا عن خلقه.
وإن كان على الوجه الثاني، فلو زيد في الخلق، لانتقص أيضًا، وفيه ما في الأول.
ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مما يذم ذا من فعل الملوك أن يفضل عنهم من المقاعد شيئًا.
وبعد: فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك، وذلك كله وصف الخلائق، واللَّه يتعالى عن ذلك.
وبعد: فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر؛ فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه؛ حيث فيها ذكر العظمة والجلال؛ إذ ذكر في قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) وصفه بالعظمة والسلطان، والقدرة، فكذلك على تعظيم العرش، أي شيء كان من نور أو جوهر؛ لا يبلغه علم الخلق، وإضافة الاستواء إليه لوجهين: أحدهما: على تعظيمه، بما ذكر على إثره، ذكر سلطانه في ربوبيته، وقدرته وخلقه ما ذكر.
والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله؛ على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا، واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق به؛ وعلى ذلك قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...) الآية. بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم، وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة، وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك، ولكن يذكر عظم الأمر، فمثله أمر العرش، وهو كقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا). وقوله: (أَمَرْنَا مُنزَفِيهَا) على لحوق غيرٍ بهم، ويحتمل أن يكون على المنع بوصف المكان؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول شيئًا، فأشار إليه ليعلم علوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة، وعلى ذلك قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ...) الآية، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان، ولكن يضاف إلى الإسرار فأخبر بعلوه عن الأمكنة، وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) أي: بالسلطان والقوة، وبالألوهية في البقاع كلها؛ لأنها أمكنة العادة بقوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ويملك كل شيء بقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى) وبقوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ثم بعلوه وجلاله بقوله: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك، ليعلم أنه بكل ما سمى به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه، وكذلك عزه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يريد بالعرش: الملك؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمي به السطوح ورءوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة:
أحدها: الاستيلاء، كما يقال: استوى فلان على كورة كذا، بمعنى: استولى.
والثاني: العلو والارتفاع، كقوله: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) وقوله: (إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) أي: علوتم.
والثالث: التمام، كقوله: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى)، أي: تم واستقر.
وقد قيل بالقصد، وإلى ذلك وَجَّهَ أهل الأدب قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)
طه 20:4
الآية ٤ : وقوله تعالى :﴿تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى﴾ كان هذا نزل على إثر قول قاله أولئك الكفرة، وهو ما قالوا : إنه ساحر، وإنه مفتر، وإنه شاعر، وإنه ﴿إنما يعلمه بشر﴾ [النحل: ١٠٣] ونحوه. فقال جوابا لقولهم :﴿تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى﴾ ليس كما يقول أولئك : إنه ساحر(١)، وإنه مفتر، وإنه(٢) ﴿إنما يعلمه بشر﴾ بل ﴿تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى﴾ والله أعلم.
١ في الأصل وم: سحر..
٢ في الأصل وم: و..
طه 20:5
الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿الرحمان على العرش استوى﴾ قال الشيخ، رحمه الله، القول بالكون على العرش، وهو موضع بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة، لا يعدو من إحاطة ذلك به، أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته.
فإن كان [ على الوجه ](١) الأول : فهو إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق، إذ هو دونه. ولو جاز الوصف له بذاته بما تحيط به الأمكنة [ لجاز بما ] (٢) تحيط به الأوقات، فيصير متناهيا بذاته مقصرا عن خلقه.
وإن كان على الوجه الثاني : فلو زيد في الخلق لا ينقص أيضا، وفي ما في الأول.
ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مع ما يذم ذا من فعل الملوك، أو يفضل عنهم من المقاعد شيئا. /٣٢٩-أ/.
وبعد فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي إبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك. وذلك كله من وصف الخلائق، والله يتعالى عن ذلك.
وبعد فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه. بل فيها ذكر العظمة والجلال، إذ ذكر في قوله ﴿له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما﴾ وصفه بالعظمة والسلطان والقدرة. فكذلك على تعظيم العرش أي شيء كان من نور أو جوهر، لا يبلغه علم الخلق.
وإضافة الاستواء إليه لوجهين :
أحدهما : على تعظيمه بما ذكر على أثره، ذكر سلطانه في ربوبيته وقدرته وخلقه ما ذكر.
والثاني : على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء كما يقال : ثم لفلان ملك بلد كذا، أو استوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق. ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق به.
وعلى ذلك قوله :﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ الآية [المائدة: ٣] بما صارت له أم القرى، وأيس الذين(٣) كفروا من دينهم. وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك ولكن بذكر عظم الأمر.
فمثله أمر العرش، وهو كقوله :﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها﴾ [الأنعام: ١٢٣] وقوله ﴿أمرنا مترفيها﴾ [الإسراء: ١٦] على لحوق غيرهم(٤) بهم.
ويحتمل أن يكون على المنع بوصف المكان ؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق، ولا تقدر العقول شيئا. فأشار إليه ليعلم علوه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة. وعلى ذلك قوله :﴿ما يكون من نجوى ثلاثة﴾ الآية ﴿المجادلة : ٧﴾.
والنجوى ليست من نوع ما يضاف إلى الأسرار، فأخبر بعلوه عن الأمكنة وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله :﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] أي بالسلطان والقوة، وبألوهيته في البقاع كلها لأنها أمكنة القادة بقوله :﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ [الزخرف: ٨٤]، ويملك كل شيء بقوله :﴿له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى﴾ [طه: ٦] وبقوله :﴿له ملك السماوات والأرض﴾ [ البقرة : ١٠٧ و. . . ] ثم بعلوه وجلاله بقوله :﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦] [ وقوله :﴿وهو بكل شيء عليم﴾ [ البقرة : ٢٩ و. . . ] ] (٥) وقوله(٦) :﴿والله على كل شيء قدير﴾ [ آل عمران : ٢٩ و. . . ] فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك ليعلم أنه بكل ما سمي به، ووصف، كان ذلك له بذاته، لا بشيء من خلقه. وكذلك عزه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشياء، ولا إله غيره.
وقال بعضهم : يريد بالعرش الملك ؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء، وعلا، حتى سميت به السطوح ورؤوس الأشجار والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاث(٧) :
أحدها : الاستيلاء كما يقال : استوى فلان على كورة كذا بمعنى استولى.
والثاني : العلو والارتفاع كقوله :﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقوله :﴿إذا استويتم عليه﴾ [الزخرف: ١٣] أي علوتم.
والثالث : التمام كقوله :﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾ [القصص: ١٤] أي تم، واستقر.
وقد قيل : بالقصد ؛ وإلى ذلك وجه بعض أهل الأدب قوله :﴿ثم استوى إلى السماء﴾ [ البقرة : ٢٩ و. . . ] بمعنى خلق على التمثيل بفعل الخلق في ما يتلو فعلهم فعلا أن يكون بالقصد، وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا بالله.
ثم الوجه في ذلك لو كان [ الاستواء بمعنى الاستيلاء والانفراد بالملك ](٨) أنه مستول على جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا لدل على الأمرين قوله :﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩] بمعنى الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره. فلذلك يَحتمل، ما يُحمل، وتَخُفُّ بِهِ الملائكة، والله الموفق.
وأما على تأويل التمام والعلو فهو أن الله تعالى قال :﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ الآية [فصلت: ٩] فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال :﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض﴾ إلى قوله ﴿ثم استوى﴾ [الأعراف: ٥٤] بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات ؛ فيهم ظهر تمام الملك، وعلا وارتفع ؛ إذ هم المقصودون من خلق ما بينا. فبذلك تم معنى الملك، وعلا ؛ إذ وصل إلى الذين لهم خُلقوا.
وقد قيل ذا في خلق البشر خاصة بقوله :﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ الآية [البقرة: ٢٩] وقوله :﴿سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض﴾ [لقمان: ٢٠] ونحوه.
وذُكر عن ابن عباس رضي الله عنه أن البشر خلق اليوم السابع، فيه التمام والعلو ؛ إذ خلق لهم كل شيء، وهو لعبادة الله، ولحق بهم الجن بقوله :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ الآية [الذاريات: ٥٦] لكن المقصود البشر ؛ إذ تسخير ما [ ذكر كله إنما ] (٩) يرجع إلى منافعهم. والله الموفق.
والأصل عندنا في ذلك أن الله عز وجل قال :﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشياه، فيجب القول [ في قوله ] (١٠) ﴿الرحمان على العرش استوى﴾ [طه: ٥] على ما جاء به التنزيل، إذ(١١) ينفي عنه شبه الخلق لما أضاف إليه إذ لزم القول في الله بالتعالي عن الأشباه ذاتا وفعلا، لم يجز أن يُفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، والله الموفق. وقد ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: بمجاز..
٣ من م في الأصل: الذي..
٤ ٢ في الأصل وم: غير..
٥ في م: ﴿وهو بكل شيء قدير﴾ ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: و..
٧ في م: ثلاثة..
٨ في الأصل وم: على الاستيلاء والعزيز الملك..
٩ في الأصل وم: ذكرت أما..
١٠ في الأصل وم: ب..
١١ في الأصل وم: و..
طه 20:6
بمعنى: خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم فعلًا أن يكون بالقصد، وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا باللَّه.
ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء، والعزيز الملك أنه مستولي على جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا، يدل على الأمرين قوله: (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) بمعنى: الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره، فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة، واللَّه الموفق.
وأمَّا على تأويل التمام والعلو، فهو أن اللَّه تعالى قال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...) الآية، فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...) إلى قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى) بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك، وعلا، وارتفع؛ إذ هم المقصودون من خلق ما بينا، فبذلك تم معنى الملك وعلا؛ إذ وصل إلى الذين لهم خلقوا وقد قيل ذا في خلق البشر خاصة بقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا...) الآية، وقوله: (لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، ونحوه.
وذكر عن ابن عَبَّاسٍ: أن البشر خلق اليوم السابع فبه التمام والعلو؛ إذ خلق لهم كل شيء وخلقهم لعبادة اللَّه، وألحق بهم الجن بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ...) الآية لكن المقصود البشر؛ إذ تسخير ما ذكرت كله إنما يرجع إلى منافعهم، واللَّه الموفق.
والأصل عندنا في ذلك: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه؛ فيجب القول بـ (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) على ما جاء به التنزيل، وينفي عنه شبه الخلق لما أضاف إليه، وإذ لزم القول في اللَّه بالتعالي عن الأشباه ذاتًا وفعلًا، لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، واللَّه الموفق، وقد ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن.
وفي قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) الوصف له بالسلطان والقدرة والملك على ما ذكرنا.
وفي قوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) الوصف له بالعلم في الغيب والسر والعلانية جميعًا؛ ليكونوا أبدًا على حذر وخوف ويقظة في جميع أفعالهم وأقوالهم، وفي
طه 20:7
الأوّل؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم من الخلق إلى خالقهم، وألا يطمع ولا يرجى غيره.
ثم اختلف في قوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (السِّرَّ): ما أسررت به إلى غيرك، (وَأَخَفَى): ما أضمرته وأكننته في نفسك، لم تسره إلى أحد.
قال قائلون: (السِّرَّ): ما أسررت به وحدثت به نفسك، (وَأَخفَى): ما علم الله أنه كائن يكون، ولم يكن بعد، ولم تعلم به.
وقال قائلون: (السِّرَّ): ما أسره في نفسه، (وَأخفَى): ما خطر في قلبه، وهو لا يضبطه، ونحو ذلك، وأصله في قوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ) كأنه يقول: وإن تجهر بالقول أو تسرّ (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)
قال أبو بكر الأصم: أي: من وحَّد اللَّه بأسمائه فله الحسنى، وهي الجنة، وقد ذكرناه فيما تقدم.
* * *
قوله تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا)، ظاهر، هذا سؤال واستفهام، لكن المراد منه الإيجاب، ثم اختلف في معنى الإيجاب:
قال الحسن وأبو بكر: قوله (وَهَلْ أَتَاكَ)، أي: لم يأتك حديث موسى وسيأتيك، ثم أخبره وأعلمه بحديثه ونبيه.
طه 20:8
الآية ٨ : وقوله تعالى :﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ قال أبو بكر الأصم : أي من(١) وحد الله بأسمائه فله الحسنى، وهي الجنة. وقد ذكرناه في ما تقدم.
١ من م، في الأصل: وم..
طه 20:9
الآيتان ٩ و١٠ : وقوله تعالى :﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ ﴿إذ رأى نارا﴾ ظاهر هذا سؤال واستفهام، لكن المراد منه الإيجاب. قال الحسن وأبو بكر : قوله :﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ أي لم يأتك حديث موسى، وسيأتيك. ثم أخبره، وأعلمه بحديثه ونبئه. وقال بعضهم :﴿وهل أتاك حديث موسى﴾ أي قد أتاك حديث موسى لتخبرهم عما في كتبهم ليكون ذلك آية لنبوتك ورسالتك. وقوله تعالى :﴿فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا﴾ قيل رأيت ﴿نارا لعلي آتيكم منها بقبس﴾ ليس في هذه الآية بيان أن موسى في أي حال كان، وفي أي وقت. لكن في موضع آخر بيان ذلك، وهو ما قال ﴿فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا﴾ [القصص: ٢٩] هذا يدل أنه كان في حال السير والسفر رأى /٣٢٩-ب/ ذلك، وقال(١) :﴿لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون﴾ وهذا(٢) يدل أنه كان في وقت الشتاء لأنه قال :﴿لعلكم تصطلون﴾ [القصص: ٢٩]. قال أبو عوسجة :﴿لعلي آتيكم منها بقبس﴾ القبس النار، والأقباس النيران، ويقال : قبس يقبس قبسا، أي جاء بالنار، ويقال : اقبَسْتني نارا، واقتبست أيضا : تعلمت، وهذا من ذاك، لأن العلم ضوء. ويقال : أقبستُك علمتك، واقتبست النار أو العلم.
وقال القتبي :﴿آنست نارا﴾ أبصرت، ويكون في موضع آخر : علمت كقوله :﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾ [النساء: ٦] أي علمتم منه رشدا.
وقوله تعالى :﴿أو أجد على النار هدى﴾ هذا يشبه أن يكون قد استقبلته الطرق، فلم يعلم الطريق الذي له من غيره، فقال :﴿أو أجد على النار هدى﴾ أي من يدلني، ويرشدني على الطريق، [ أو أن ] (٣) كان قد ضل الطريق، وعدل عنه، فقال عند ذلك ما قال، والله أعلم.
١ أدرج بعدها في الأصل وم: في آية أخرى..
٢ في الأصل وم: فهذا..
٣ في الأصل: والذي، في م: وأن..
طه 20:10
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَهَلْ أَتَاكَ)، أي: قد أتاك حديث موسى؛ لتخبرهم عما كان في كتبهم؛ ليكون ذلك آية لنبوتك ورسالتك.
وقواله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)
قيل: رأيت نارًا، وقيل: علمت نارًا؛ (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ) ليس في هذه الآية بيان أن موسى في أي حال كان؟ وفي أيّ وقت؟ لكن في موضع آخر بيان ذلك، وهو ما قال: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا)، هذا يدل أنه كان في حال السير والسفر رأى ذلك، وقال في آية أخرى: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، فهذا يدل أنه كان في أيام الشتاء والبرد، حيث قال: (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ).
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ) القبس: النار، والأقباس: النيران، ويقال: قبس يقبس قبسًا، أي: جاء بالنار، ويقال: اقتبست نارًا، واقتبست -أيضًا-: تعلمت، وهذا من ذاك؛ لأن العلم ضوء، ويقال: اقتبستك، أي: علمتك، واقتبستك أي النار والعلم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (آنَسْتُ نَارًا): أبصرت، ويكون في موضع آخر: علمت، كقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا)، أي: علمتم منهم رشدًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى):
هذا يشبه أن يكون قد استقبلته الطرق؛ فلم يعلم الطريق الذي له من غيره، فقال: (أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، أي: من يدلني ويرشدني على الطريق.
أو أن كان قد ضل الطريق وعدل عنه، فقال عند ذلك ما قال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ... ) نداء وحي (يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ (١٢)
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما أمره بخلع نعليه؛ لأنهما كانا من جلد ميتة.
وقال قائلون: أمره ينزع نعليه؛ ليس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أمره بذلك؛ للتواضع والخضوع له؛ لأن لبس النعل يخرج مخرج
طه 20:11
الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿فلما أتاها نودي يا موسى﴾ أي نداء وحي ﴿يا موسى﴾ ﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك﴾ قال بعضهم : إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد ميتة. وقال قائلون : أمَرَهُ بنزع نعليه لتمس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه. وقال بعضهم : أمره بذلك للتواضع والخضوع له، لأن لبس النعل يُخَرَّجُ مُخْرَجَ المباهاة. فأمر بذلك ليكون أخضع له وأكثر تواضعا، والله أعلم بذلك.
وليس لنا أن نفسر ذلك أنه لماذا أمره بذلك، إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول : أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى، فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله تعالى. وقوله تعالى :﴿إنك بالواد المقدس طوى﴾ المقدس المطهر. ولعله سماه مطهرا لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه مطهرا لمعنى خص به لفضل عبادة أو غيرها على ما خص بقاعا بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.
وقوله تعالى :﴿طوى﴾ قال بعضهم : هو من وطئ الأرض، أي وطئ الوادي المبارك حافيا. وقال بعضهم :﴿طوى﴾ قد قُدِّسَ مرتين. وهو قول الحسن. وقال بعضهم :﴿طوى﴾ يقول : يطوي مسيرة. نحو هذا قد قالوا. لكن الأصوب ألا يفسر إلا بعد حقيقة [ معروفة به، لأن أنباء ] (١) كانت في كتبهم، ذكرت لرسول الله لتكون له [ حجة ودلالة ] (٢) على رسالته عليهم ؛ ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه والتغيير(٣). فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته. كذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم.
١ في الأصل وم: به لأنه أنباء..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: وتغيير..
طه 20:12
الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿فلما أتاها نودي يا موسى﴾ أي نداء وحي ﴿يا موسى﴾ ﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك﴾ قال بعضهم : إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد ميتة. وقال قائلون : أمَرَهُ بنزع نعليه لتمس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه. وقال بعضهم : أمره بذلك للتواضع والخضوع له، لأن لبس النعل يُخَرَّجُ مُخْرَجَ المباهاة. فأمر بذلك ليكون أخضع له وأكثر تواضعا، والله أعلم بذلك.
وليس لنا أن نفسر ذلك أنه لماذا أمره بذلك، إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول : أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى، فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله تعالى. وقوله تعالى :﴿إنك بالواد المقدس طوى﴾ المقدس المطهر. ولعله سماه مطهرا لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه مطهرا لمعنى خص به لفضل عبادة أو غيرها على ما خص بقاعا بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.
وقوله تعالى :﴿طوى﴾ قال بعضهم : هو من وطئ الأرض، أي وطئ الوادي المبارك حافيا. وقال بعضهم :﴿طوى﴾ قد قُدِّسَ مرتين. وهو قول الحسن. وقال بعضهم :﴿طوى﴾ يقول : يطوي مسيرة. نحو هذا قد قالوا. لكن الأصوب ألا يفسر إلا بعد حقيقة [ معروفة به، لأن أنباء ] (١) كانت في كتبهم، ذكرت لرسول الله لتكون له [ حجة ودلالة ] (٢) على رسالته عليهم ؛ ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه والتغيير(٣). فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته. كذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم.
١ في الأصل وم: به لأنه أنباء..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: وتغيير..
الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿فلما أتاها نودي يا موسى﴾ أي نداء وحي ﴿يا موسى﴾ ﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك﴾ قال بعضهم : إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد ميتة. وقال قائلون : أمَرَهُ بنزع نعليه لتمس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه. وقال بعضهم : أمره بذلك للتواضع والخضوع له، لأن لبس النعل يُخَرَّجُ مُخْرَجَ المباهاة. فأمر بذلك ليكون أخضع له وأكثر تواضعا، والله أعلم بذلك.
وليس لنا أن نفسر ذلك أنه لماذا أمره بذلك، إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول : أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى، فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله تعالى. وقوله تعالى :﴿إنك بالواد المقدس طوى﴾ المقدس المطهر. ولعله سماه مطهرا لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه مطهرا لمعنى خص به لفضل عبادة أو غيرها على ما خص بقاعا بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.
وقوله تعالى :﴿طوى﴾ قال بعضهم : هو من وطئ الأرض، أي وطئ الوادي المبارك حافيا. وقال بعضهم :﴿طوى﴾ قد قُدِّسَ مرتين. وهو قول الحسن. وقال بعضهم :﴿طوى﴾ يقول : يطوي مسيرة. نحو هذا قد قالوا. لكن الأصوب ألا يفسر إلا بعد حقيقة [ معروفة به، لأن أنباء ] (١) كانت في كتبهم، ذكرت لرسول الله لتكون له [ حجة ودلالة ] (٢) على رسالته عليهم ؛ ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه والتغيير(٣). فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته. كذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم.
طه 20:13
المباهاة، فأمر بذلك؛ ليكون أخضع له وأكثر تواضعًا، واللَّه أعلم بذلك، وليس لنا أن نفسر ذلك أنه لماذا أمره بذلك؟ إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول: أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى؛ فيخرج ذلك مخرج الشهادة على اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى):
المقدس: المطهر، ولعله سماه مطهرًا؛ لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه: مطهرًا؛ لمعنى خصَّ به؛ لفضل عبادة أو غيرها على ما خصَّ بقاعًا بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (طُوًى):
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو من وطء الأرض، أي: طأ الوادى المبارك حافيًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (طُوًى): قد قدس مرتين، وهو قول الحسن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (طُوًى) يقول: يطوى مسيره.
نحو هذا قد قالوا، لكن الأصوب ألا يفسر إلا بعد حقيقة به؛ لأنه أنباء كانت في كتبهم ذكرت لرسول؛ لتكون له حجة ودلالة على رسالته عليهم، ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه وتغييره، فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته؛ لذلك كان السكوت عنه أولى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إما بالرسالة والنبوة، أو بأشياء أخر كقوله: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي...) الآية، وقال في آية أخرى: (إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا) أخلصه اللَّه لنفسه بأشياء.
وقوله: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى):
هذا يدل أن النداء الَّذِي نودي كان نداء وحي، وهو قوله: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي (١٤) وهو ظاهر، كذلك أمر رسله أول ما أمروا بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي):
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) لتكون ذاكرًا لي؛ لأن أكثر ما يذكر المرء به
طه 20:14
الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ فهو ظاهر. كذلك أمر رسله أول ما أمرهم(١) بذلك.
وقوله تعالى :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ لتكون ذكرا لي، لأن أكثر ما يذكر المؤمن(٢) ربه إنما يذكر في الصلاة، لأن الصلاة من أولها إلى آخرها : ذكر لله. لذلك سميت(٣) الصلاة مناجاة الرب.
ويحتمل(٤) أن يكون قوله :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ أي لتذكرني بها يا موسى. وقال قائلون :﴿وأقم الصلاة﴾ إذ أنت نسيت إذا ذكرتها. وعلى هذا رويت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال ذلك، وقرأ هذه الآية، إن ثَبَتَتْ.
وجائز أن يكون قوله :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ أي أقم الصلاة لتستوجب بها ذكري. وقال القتبي :﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ أي لتذكرني فيها.
١ في الأصل وم: أمروا..
٢ في الأصل: المرور في م: المؤ..
٣ في الأصل وم: سمى..
٤ في الأصل وم: أو..
طه 20:15
إنما يذكر في الصَّلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر لله؛ ولذلك سمى الصلاة: مناجاة الرب، أو أن يكون قوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، أي: لتذكرني بها يا موسى.
وقال قائلون: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ) إذا أنت نسيت إذا ذكرتها، وعلى هذا رويت الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال ذلك، وقرأ هذه الآية إن ثبتت.
وجائز أن يكون قوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) أي: أقم الصَّلاة لتستوجب بها ذكرى.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) أي: لتذكرني فيها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)
قال الحسن: (أَكَادُ) صلة، كأنه قال: إن الساعة آتية أخفيها، وفي حرف أُبي بن كعب: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي)، ثم يحتمل قوله: من نفسي وجهين: أحدهما: أخفيها من خلقي، ولا يجب أن يفهم من نفسه: ذاته بالإضافة إليه، كما لم يفهم من قوله: (رُوحِي) و (روحنا)، وهو أخفى من الناس: ذاته، ولكن فهم منه: خلقه؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله: من نفسي ذاته، هذا يحتمل، واللَّه أعلم.
والثاني: أن يكون قوله: (أكاد أخفيها من نفسي)، أي: من أخيار عبادي، أي: أخفيها من أخيار عبادي مع عظيم قدرهم ومنزلتهم عندي من نحو الملائكة والأنبياء والرسل؛ فإن عادة ملوك الأرض: أنهم لا يكتمون سرائرهم من خواصهم، بل يطلعونهم على ذلك، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه أعلم - أنه أخفاها من خواص عباده وأخيارهم،
طه 20:16
فكيف من دونهم؛ فيكون إضافته إياهم إلى نفسه؛ لعظم قدر أُولَئِكَ وفضل منزلتهم كقوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، واللَّه لا يُنصر، ولكن إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا أولياء اللَّه ينصركم، وكذلك قوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ) واللَّه لا يخادَع، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أخفيها من نفسي): أي: من خواصي وأخيار عبادي، واللَّه أعلم.
هذا على إسقاط قوله: (أَكَادُ) وجعله صلة، وأما على إثبات (أَكَادُ) فهو على وجهين.
أحدهما: يقال: كاد: أراد، أي: أريد أخفيها، وهو معروف باللّغة.
والثاني: كاد، يقال: قارب، وهو سائغ في اللغة، جارٍ (كاد) على إرادة مقاربة: كادت الشمس أن تطلع، أو تغرب، أي: قاربت وكدت أن أسقط، أي: قاربت، وإلا لا يريد السقوط، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - واللَّه أعلم - على التعظيم لها، أي: قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره؟!.
وقال ابن عَبَّاسٍ قريبًا من هذا، أي: (أكاد أخفيها من نفسي) فكيف أعلنها لكم؟! أي: لا أظهر عليها أبدًا غيري، فكأنه استجاز الإخفاء في موضع الإظهار باللغة، نحو ما قالوا في قوله: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) أي: أظهروا، فعلى ما كان الإسرار في موضع الإظهار والكتمان، فعلى ذلك رأوا الإخفاء مستعملًا في الأمرين جميعًا، وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (أُخفِيهَا)، أي: أظهرها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)، أي: لهذا ما أخفيها (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)؛ لأنها لو كانت ظاهرة يعاينها كل أحد، ويعلمها، لما كان ذلك جزاء، ولكن كان دفعًا؛ لأنه يعاين كل إنسان ما نزل بهذه النفس بما سعت من العذاب فيمتنع هو عنه، وإذا رأى كل أحد ثواب هذا بسعيه يرغب في مثله؛ فيكون ذلك كله بحق الدفع، لا بحق الجزاء، فأخبر أنه أخفاها؛ للجزاء والمحنة، لا للدفع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) أي: عن الإيمان بها (مَن لا يُؤمِنُ بِهَا) يعني: الساعة، واللَّه أعلم.
لا يصدنك عنها بأسباب ألقاها إليك، وقد يمتنع الإنسان عن الشيء بأسباب تعترض وشبه تستقبل، وإن لم يقدر على منعه بالتصريح والإفصاح، واللَّه أعلم، أي: لا يصدنك
طه 20:17
عن الإيمان بها - يعني: الساعة - من لا يؤمن بها واتبع هواه في التكذيب بها بالشبه والأسباب التي ذكرنا (فَتَردَى) أي: فتهلك لو صدّك عنها، فالخطاب وإن كان لرسول اللَّه فهو لكل أحد من المؤمنين، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن فيما خاطب رسوله به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) كأن موسى - صلوات اللَّه عليه - لم يفهم مراده بسؤاله إياه أنه ما أراد بقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى): أنه يسأله عن اسمها وعما له فيها؛ فأجاب الأمرين جميعًا عن اسمها وعما له فيها، حيث قال: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى).
ثم قال الحسن: إنه واللَّه كان يعلم أنّ في يده عصًا، لكنه أراد أن يقرر عنده: أنها عصا لا حيّة؛ ليرى له منها آية فيعلم ذلك.
أو أن يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه؛ ليعلم أنه وقت ما أخذها عصًا، فيعلم أنها إنما صارت كذا بالآية التي جعلها له لا أنها كانت يومئذ كذلك حية، واللَّه أعلم.
(قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) ثم يحتمل: جعلها حيّة تسعى، ثم جعلها حيّة، وأراد الآية له منها؛ لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة؛ ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية؛ إذ الأعلام التي جعلها آيات وأعلامًا لرسله على رسالتهم إنما جعلها ما كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلموا بذلك أنها سماوية ربوبية، لا بشرية سحرًا ولا كهانة، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) على ما كانت في الحالة الأولى عصًا، كأن موسى خاف حين صارت حيّة، وهو ما قال في آية أخرى: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا)، فعند ذلك قال له: (خُذْهَا وَلَا تَخَفْ)، وأخبره أنه يعيدها عصًا على ما كانت، واللَّه أعلم.
وفي قوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) دلالة أن العصا إنما تمسك باليد اليمنى.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَتَرْدَى)، أي: تهلك أرداه: أهلكه، ويقال: تردى الرجل إذا
طه 20:18
الآيتان ١٧ و١٨ : وقوله تعالى :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ ﴿قال هي عصاي أتوكأ عليها﴾ الآية. كان موسى، صلوات الله عليه، لم يفهم مراده بسؤاله إياه ما أراد بقوله :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ أنه يسأله عن اسمها، أو يسأله عما له فيها. فأجاب لأمرين جميعا عن اسمها وعما له فيها حين(١) قال :﴿قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى﴾.
ثم قال الحسن : إنه : كان يعلم أن في يده عصا، لكنه أراد أن يقرر(٢) عنده أنها(٣) عصا لا حية، ليري له منها آية، فيعلم ذلك، أو إنه(٤) يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه ليعلم أنها(٥) وقت ما أخذها عصا، فيعلم أنها صارت كذا بالآية التي جعلها له [ لا ] (٦) أنها كانت يومئذ كذلك حية(٧)، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ من م، في الأصل: يقرن..
٣ في الأصل وم: أنه..
٤ في الأصل وم: أن..
٥ في الأصل وم: أنه..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ من م، في الأصل حيته..
الآيتان ١٧ و١٨ : وقوله تعالى :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ ﴿قال هي عصاي أتوكأ عليها﴾ الآية. كان موسى، صلوات الله عليه، لم يفهم مراده بسؤاله إياه ما أراد بقوله :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ أنه يسأله عن اسمها، أو يسأله عما له فيها. فأجاب لأمرين جميعا عن اسمها وعما له فيها حين(١) قال :﴿قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى﴾.
ثم قال الحسن : إنه : كان يعلم أن في يده عصا، لكنه أراد أن يقرر(٢) عنده أنها(٣) عصا لا حية، ليري له منها آية، فيعلم ذلك، أو إنه(٤) يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه ليعلم أنها(٥) وقت ما أخذها عصا، فيعلم أنها صارت كذا بالآية التي جعلها له [ لا ] (٦) أنها كانت يومئذ كذلك حية(٧)، والله أعلم.
طه 20:19
الآيتان ١٩ و٢٠ :[ وقوله تعالى ] (١) :﴿قال ألقها يا موسى﴾ ﴿فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾ [ يحتمل جعلها حية تسعى أنه ] (٢) أراد الآية له منها لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية ؛ إذ الأعلام التي جعلها الله آيات وأعلاما لرسله على رسالتهم إنما جعلها خارجة عن وسع البشر وطوقهم ليعلموا بذلك أنها سماوية لا بشرية [ من سحر أو كهانة ] (٣) والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: ثم يحتمل جعلها حية تسعى ثم جعلها حية و..
٣ في الأصل وم: سحرا ولا كهانة..
طه 20:20
الآيتان ١٩ و٢٠ :[ وقوله تعالى ] (١) :﴿قال ألقها يا موسى﴾ ﴿فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾ [ يحتمل جعلها حية تسعى أنه ] (٢) أراد الآية له منها لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية ؛ إذ الأعلام التي جعلها الله آيات وأعلاما لرسله على رسالتهم إنما جعلها خارجة عن وسع البشر وطوقهم ليعلموا بذلك أنها سماوية لا بشرية [ من سحر أو كهانة ] (٣) والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: ثم يحتمل جعلها حية تسعى ثم جعلها حية و..
٣ في الأصل وم: سحرا ولا كهانة..
الآيتان ١٩ و٢٠ :[ وقوله تعالى ] (١) :﴿قال ألقها يا موسى﴾ ﴿فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾ [ يحتمل جعلها حية تسعى أنه ] (٢) أراد الآية له منها لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية ؛ إذ الأعلام التي جعلها الله آيات وأعلاما لرسله على رسالتهم إنما جعلها خارجة عن وسع البشر وطوقهم ليعلموا بذلك أنها سماوية لا بشرية [ من سحر أو كهانة ] (٣) والله أعلم.
طه 20:21
الآية ٢١ : وقوله :﴿قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ على ما كانت في الحالة الأولى عصا. كان موسى خاف حين صارت حية، وهو ما قال في آية أخرى :﴿فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا﴾ [ النمل : ١٠ والقصص : ٣١ ] فعند ذلك قال له :﴿خذها ولا تخف﴾ وأخبره أنه يعيدها عصا على ما كانت، والله أعلم.
وفي قوله :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ دلالة أن العصا إنما تمسك باليد اليمنى.
قال أبو عوسجة :﴿فتردى﴾ أي تهلك ؛ يقال : أرداه أهلكه، ويقال : تردى الرجل إذا وقع في البئر أو من فوق حائط، ويقال : رديته، أي ألبسته الرداء، وارتديت، أي لبست الرداء، وترديت مثله. وقوله :﴿أتوكأ عليها﴾ أي أستعين بها على المشي. وقوله :﴿وأهش بها على غنمي﴾ أي أضرب الشجرة حتى ينتثر ورقها [ فتأكله غنمي ](١) والهش الكريم، والبشر من البشاشة. وقال : والمآرب الحوائج والأرب أيضا الحاجة، والأراب جميع، ويقال : أربت الشيء : قسمته، وجعلته إربا أقساما(٢) أي جزأته أجزاء. وفي قوله :﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ ﴿قال هي عصاي﴾ دلالة أن الإنسان إذا استخبر عن شيء فإن عليه أن يخبر المستخبر عما يستخبر على الإجابة له، وإن كان يعلم أن المستخبر له عن ذلك عالم بذلك ؛ لأن موسى كان يعلم أن ربه كان أعلم بما في يده منه، ولم يقل له استخبر عما في يده رب أنت أعلم بها(٣) مني. ولكنه قال : هي عصاي إجابة له وتعظيما لأمره، والله أعلم.
١ في الأصل: فتأكله غنمه..
٢ في الأصل وم: اقسما..
٣ في الأصل وم: به..
طه 20:22
وقع في البئر أو من فوق حائط، ويقال: رديته، أي: ألبسته الرداء، وارتديت: أي: لبست الرداء، وترديت: مثله.
وقوله: (أَتَوَكَّأُ)، أي: أستعين بها على المشي.
وقوله: (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي)، أي: أضرب الشجرة حتى تنثر ورقها فتأكله غنمه،
والهش: الكريم، والبش: من البشاشة، قال: والمآرب: الحوائج، والأرب -أيضًا-: الحاجة، والآراب جمع، ويقال: أربت الشيء: قسمته، وجعلته إربًا أقسامًا: أي: جزأته أجزاء.
وفي قوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ) دلالة أن الإنسان إذا استخبر عن شيء، فإن عليه أن يخبر المستخبر عما يستخبر على الإجابة له، ولو كان يعلم أن المستخبر له عن ذلك عالم بذلك؛ لأن موسى كان يعلم أن ربه كان أعلم بما في يده منه، ولم يقل له حين استخبر عما في يده: إنك أنت أعلم به مني، ولكنه قال: هي عصاي إجابة له وتعظيمًا لأمره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) وقال في آية أخرى: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)، وكأن في هذا تفسير الأول.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ): قال عامة أهل التأويل: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ)، أي: من غير برص، كأنهم ذهبوا إلى أن البياض في الإنسان إذا اشتد به حتى يغلف سائر بدنه لا يكون إلا بالبرص؛ لذلك قال: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي: من غير برص بك (آيَةً أُخْرَى) سوى آية العصا.
وجائز أن يكون (بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي: من غير آفة وعيب بك وأذى؛ لأن التغيّر إذا وقع في بعض بدن الإنسان لا يكون إلا بعيب وآفة تحل به، فبين أن ذلك البياض ليس لآفة بك، ولا عيب في بدنك، ولا فيه أذى، ولكن آية ليريها منها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)
قال قائلون: الآية في اليد أكبر من الآية في العصا؛ لأن سحر أُولَئِكَ كان في العصا.
وقال قائلون: آية العصا أكبر من آية اليد؛ لأن أُولَئِكَ كانوا أهل بصر وعلم في السحر في العصا، فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم وما لهم فيه بصر وعلم، يدل على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من اللَّه؛ لأن فضل بصر الرجل وعلمه في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك عن أهل بصر في ذلك النوع وعلم، لا يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك، فعلى ذلك أمر عصا موسى.
طه 20:23
الآية ٢٣ : وقوله تعالى :﴿لنريك من آياتنا الكبرى﴾ قال قائلون : الآية في اليد أكبر من العصا، لأن السحرة(١) أولئك أهل بصر وعلم في السحر في العصي ؛ فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم، وما به فيه بصر وعلم يدل على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من الله ؛ لأن فضل بصر الرجل وعمله في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك [ عن أهل البصر والعلم في ذلك العلم ] (٢) لا يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك. فعلى ذلك أمر عصا موسى.
وجائز أن يكون قوله :﴿لنريك من آياتنا الكبرى﴾ التي ذكر في آية أخرى وهو قوله ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾ الآيات(٣) الكبرى هي التسع التي ذكر في هذه الآية ؛ إذ كان لموسى آيات سوى التسع، لكن التسع هي أكبر، أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آي دون آية بالكبر والعظم، ولكن [ على ] (٤) وصف الكل بذلك كقوله :﴿وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها﴾ [الزخرف: ٤٨] وهو على وصف آياته كلها بالعظم والكبر، وهو كقوله :﴿لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ [النساء: ١١] هو على إثبات النفع في كل واحد [ منهم على ما في الآخر ] (٥) فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
١ في الأصل: سحرة، ساقطة من م..
٢ في الأصل وم: النوع وعلم..
٣ أدرج في الأصل قبلها: في..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل: منها على ما في الآخرة في م: منها على ما في الآخر..
طه 20:24
وجائز أن يكون قوله: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى) التي ذكر في آية أخرى، هو قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ...) الآية، الآيات الكبرى هي التسع التي ذكر في هذه الآية؛ لا أن كان لموسى آيات سوى التسع هي أكبر.
أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آية دون آية بالكبر والعظم، ولكن وصف الكل بذلك، كقوله: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)، هو على وصف آياته كلها بالكبر والعظم، وهو كقوله: (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) هو على إثبات النفع في كل واحد عليها في الآخر فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) الطغيان: هو المجاوزة عن الحدود التي جعلت، كان فرعون قد تعدى، وجاوز الحد في كل شيء، حتى أدعى لنفسه الربوبتة، حيث قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) إن موسى سأل ربه أن يشرح له صدره، وذكر مُحَمَّد أنه شرح له صدره بقوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ)، ثم جائز أن يكون شرح صدرهم لتسع ما حمل عليهم من ثقل النبوة والرسالة؛ ليتسع صدرهم لذلك، ويقدروا على القيام بذلك والوفاء به.
أو أن يكون سأله شرح صدره؛ لما كان الرسل يغضبون لله عند تكذيبهم قومهم حين دعوهم إلى دينه، ويحزنون على ذلك، فيمنعهم غضبهم وحزنهم عن القيام بتبليغ الرسالة، كقوله: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)، أخبر أنه يخاف عند تكذيب قومه ضيق صدره وثقل لسانه؛ فسأله لذلك أن يشرح له صدره، ويطلق له لسانه.
ويحتمل ما قاله بعض أهل التأويل: (اشْرَحْ لِي صَدْرِي)، أي: ليِّن لي قلبي؛ لأن الرسل قد امتحنوا في حال واحدة بشيئين متضادين: بالغضب لله عند تكذيب قومهم إياهم، والرأفة لهم، والرحمة بما حل بهم بالتكذيب من العذاب، فذلك أمران يتضادان خص الرسل بهما، فجائز أن يكون سأل ربه أن يشرح له صدره؛ ليتسع للأمرين جميعًا: الغضب له، والرحمة عليهم.
طه 20:25
الآية ٢٥ : وقوله تعالى :﴿قال رب اشرح لي صدري﴾ إن موسى سأل ربه أن يشرح له صدره. [ وذكر لمحمد أنه شرح له صدره ] (١) بقوله :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ [ الشرح : ١ و٢ ] ثم جائز أن يكون شرح صدورهم لتسع ما حمل عليهم من ثقل النبوة والرسالة، لتتسع صدورهم لذلك، ويقدروا على القيام بذلك والوفاء به، أو أن يكون سأله شرح صدره لما كان الرسل يغضبون لله عند [ تكذيب قومهم إياهم ] (٢) حين يدعونهم(٣) إلى دينه، ويحزنون على ذلك، فيمنعهم غضبهم وحزنهم عن القيام بتبليغ الرسالة مقوله :﴿قال رب إني أخاف أن يكذبون﴾ ﴿ويضيق صدري ولا ينطق لساني﴾ الآية[ الشعراء : ١١ و١٢ ] أخبر أنه يخاف عند تكذيب قومه ضيق صدره وثقل لسانه، فسأله لذلك أن يشرح له صدره، ويطلق له لسانه.
ويحتمل ما قاله بعض أهل التأويل :﴿رب اشرح لي صدري﴾ أي لين لي قلبي، لأن الرسل(٤) قد امتحنوا في حال واحدة بشيئين متضادين : بالغضب لله عند تكذيب قومهم إياهم، والرأفة لهم والرحمة بما حل بهم بالتكذيب من العذاب. فهذان(٥) أمران متضادان خص الرسل بهما. فجائز أن يكون سأل ربه أن يشرح له صدره ليتسع للأمرين جميعا : الغضب له والرحمة عليهم.
١ من م ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: تكذيبهم قومهم..
٣ في الأصل وم: دعوهم..
٤ في الأصل وم: اللسان..
٥ في الأصل وم: فذلك..
طه 20:26
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦).
يحتمل: تبليغ الرسالة إليهم، والقيام بها، أو سأله التيسير بجميع ما أمره به ونهاه عنه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)
يحتمل ما ذكرنا أنه إذا اشتد به الغضب يحبس لسانه ويثقل حتى يمنعه عن النطق به؛ فيظن ذلك اللعين أنه لخوف صار كذلك.
أو أن يكون سأل ذلك لآفة كانت بلسانه ما كان يمنعه عن التكلم به، فسأله أن يحل تلك الآفة والرتوتة التي كانت به.
وأمَّا قول أهل التأويل: إنه أخذ بلحية فرعون، فلطمه، فأراد أن يعاقبه، فقالت له امرأته: إن فعل ذلك، فإنه لا يعقل. فأتى بطشت من جمر وطشت من حلو، فهَمَّ أن يتناول من الحلو، فأهوى، جبريل بيده إلى الجمر، فأخذه وجعله في فيه، فتلك الرتوتة التي سأله أن يحلها لذلك، لكن ذلك لا يعلم إلا بالوحي عن اللَّه أنه كذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) سأل ربه أن يجعل أخاه معه وزيرًا له ويشاوره؛ ليتحمل عنه بعض ما حمل عليه من الأثقال؛ إذ قيل: الوزير: هو الذي يتحمل عن الملك بعض ثقل ما حمل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (أَزْرِي) وظهرى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) أي: عوني، وكذلك ذكر في حرف حفصة.
وقرأ بعضهم: [(أَشْدُد بِهِ أَزْرِي)] على الخبر من موسى، وكذلك في قوله: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)، وأمَّا قراءة عامة القراء فهي على الدعاء والسؤال.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي)، أي: ظهري، ويقال: آزرته: أعنته، ويقال: توازروا: أي: تعاونوا، واستوزرته: أي: استعنت به، ومن هذا أخذ الوزير.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (أَزرِي): ظهري، ويقال: آزرت فلانًا على الأمر، أي: قويته عليه، فأما وازرته: فصرت له وزيرًا، وأصل الوزارة من الوزر: وهو الحمل، كأن الوزير يتحمل عن السلطان بعض الثقل ويرفع عنه.
طه 20:27
الآيتان ٢٧ و٢٨ : وقوله تعالى :﴿واحلل عقدة من لساني﴾ ﴿يفقهوا قولي﴾ يحتمل ما ذكر أنه إذا اشتد به الغضب يَكِلُّ(١) لسانه، ويثقل حتى يمنعه عن النطق به، فيظن /٣٣٠-ب/ ذلك اللعين أنه صار كذلك، أو أن يكون سأل ذلك لآفة كانت بلسانه، كانت تمنعه عن التكلم به. فسأله أن يحل تلك الآفة الُّربَّوِيَّةَ(٢) التي كانت به.
وأما قول أهل التأويل : إنه أخذ بلحية فرعون، فلطمه، فأراد أن يعاقبه، فقالت له امرأته : إنه فعل ذلك لأنه لا يعقل. فأتى بطشت من حلي، فهم أن يتناول من الحلي، فأهوى جبريل بيده إلى الجمر فأخذه، وجعله في فيه. فتلك الرُّبَّوِيَّةُ(٣) التي سأله أن يحلها لذلك. لكن ذلك لا يعلم إلا بالوحي عن الله أنه كذلك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يحمل..
٢ في الأصل وم: الربوبية والربوية مصدر صناعي ل: الربى وهي العقدة المحكمة..
٣ في الأصل: الربوبية انظر الحاشية السابقة..
طه 20:28
الآيتان ٢٧ و٢٨ : وقوله تعالى :﴿واحلل عقدة من لساني﴾ ﴿يفقهوا قولي﴾ يحتمل ما ذكر أنه إذا اشتد به الغضب يَكِلُّ(١) لسانه، ويثقل حتى يمنعه عن النطق به، فيظن /٣٣٠-ب/ ذلك اللعين أنه صار كذلك، أو أن يكون سأل ذلك لآفة كانت بلسانه، كانت تمنعه عن التكلم به. فسأله أن يحل تلك الآفة الُّربَّوِيَّةَ(٢) التي كانت به.
وأما قول أهل التأويل : إنه أخذ بلحية فرعون، فلطمه، فأراد أن يعاقبه، فقالت له امرأته : إنه فعل ذلك لأنه لا يعقل. فأتى بطشت من حلي، فهم أن يتناول من الحلي، فأهوى جبريل بيده إلى الجمر فأخذه، وجعله في فيه. فتلك الرُّبَّوِيَّةُ(٣) التي سأله أن يحلها لذلك. لكن ذلك لا يعلم إلا بالوحي عن الله أنه كذلك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يحمل..
٢ في الأصل وم: الربوبية والربوية مصدر صناعي ل: الربى وهي العقدة المحكمة..
٣ في الأصل: الربوبية انظر الحاشية السابقة..
الآيتان ٢٧ و٢٨ : وقوله تعالى :﴿واحلل عقدة من لساني﴾ ﴿يفقهوا قولي﴾ يحتمل ما ذكر أنه إذا اشتد به الغضب يَكِلُّ(١) لسانه، ويثقل حتى يمنعه عن النطق به، فيظن /٣٣٠-ب/ ذلك اللعين أنه صار كذلك، أو أن يكون سأل ذلك لآفة كانت بلسانه، كانت تمنعه عن التكلم به. فسأله أن يحل تلك الآفة الُّربَّوِيَّةَ(٢) التي كانت به.
وأما قول أهل التأويل : إنه أخذ بلحية فرعون، فلطمه، فأراد أن يعاقبه، فقالت له امرأته : إنه فعل ذلك لأنه لا يعقل. فأتى بطشت من حلي، فهم أن يتناول من الحلي، فأهوى جبريل بيده إلى الجمر فأخذه، وجعله في فيه. فتلك الرُّبَّوِيَّةُ(٣) التي سأله أن يحلها لذلك. لكن ذلك لا يعلم إلا بالوحي عن الله أنه كذلك، والله أعلم.
طه 20:29
الآيتان ٢٩ و٣٠ : وقوله تعالى :﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ ﴿هارون أخي﴾ سأل ربه أن يجعل أخاه معه وزيرا له، يشاوره، ويستحمل عنه بعض ما حمل عليه من الأثقال ؛ إذ قيل : الوزير هو الذي يتحمل عن الملك بعض ثقل ما حمل.
طه 20:30
الآيتان ٢٩ و٣٠ : وقوله تعالى :﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ ﴿هارون أخي﴾ سأل ربه أن يجعل أخاه معه وزيرا له، يشاوره، ويستحمل عنه بعض ما حمل عليه من الأثقال ؛ إذ قيل : الوزير هو الذي يتحمل عن الملك بعض ثقل ما حمل.
الآيتان ٢٩ و٣٠ : وقوله تعالى :﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ ﴿هارون أخي﴾ سأل ربه أن يجعل أخاه معه وزيرا له، يشاوره، ويستحمل عنه بعض ما حمل عليه من الأثقال ؛ إذ قيل : الوزير هو الذي يتحمل عن الملك بعض ثقل ما حمل.
طه 20:31
الآية ٣١ : وقوله تعالى :﴿اشدد به أزري﴾ قال بعضهم : قوتي ظهري، وقال بعضهم :﴿اشدد به أزري﴾ أي عوني، وكذلك ذكر في حرف حفصة. وقرأ بعضهم أشدد(١) ﴿به أزري﴾ على الخبر من موسى.
١ انظر معجم القراءات القرآنيةج٤/٧٩..
طه 20:32
الآية ٣٢ : وكذلك في قوله : وأشركه(١) ﴿وأشركه في أمري﴾ وأما قراءة عامة القراء فهي(٢)على الدعاء والسؤال.
وقال أبو عوسجة :﴿اشدد به أزري﴾ أي ظهري، ويقال : أزرته، فصرت له وزيرا. وأصل الوزارة من الوزر، وهو الحمل ؛ كأن الوزير يحتمل عن السلطان بعض الثقل، ويرفعه عنه، موسى سأل ربه أن يعينه بأخيه، ويقويه به في ما حمله، وأن يشركه في ما قلده من الرسالة والقيام بها. فأجابه الله لذلك حين(٣) قال :﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ [القصص: ٣٥].
١ انظر معجم القراءات القرآنية٤/٨٠.
٢ في الأصل وم: فهو..
٣ في الأصل وم: حيث..
طه 20:33
موسى سأل ربه أن يعينه بأخيه، ويقويه به فيما حمله، وأن يشركه فيما قلَّده من الرسالة والقيام بها، فأجابه اللَّه لذلك، حيث قال: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) يحتمل: كي نسبّحك كثيرًا بالجماعة؛ لأن الصلاة بالجماعة تتضاعف على الصلاة وحده، وأن يعين بعضنا على التسبيح لك والذكر، ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) أي: إنك بضعفنا وعجزنا فيما حملتنا وقلدتنا بصيرًا، عالمًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) أي: أعطيت ما سألته، وكان سأله أشياء فأوفي، فقوله: (سُؤْلَكَ)، وسؤالك، ومسألتك لغات ثلاثة، كلها واحد.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى...) الآية. يشبه أن يكون المنة حين أنجاه فيما ابتلى بالرد واشتباه الطريق، حتى قال: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، فتلك المنة الأخرى.
أو أن يكون المنة التي ذكر هي ما أنجاه اللَّه حيث قتل ذلك القبطي فاشتد له ذلك الخوف حتى بلغ الإياس، فتلك المنة التي ذكر، أو ما ذكر من الوحي إلى أمه (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) مع النبوة مرة أخرى، ثم بيِّن النعمة، ثم قال: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى) إلى آخر ما ذكر، وإلى هذا ذهب أهل التأويل، وإلا قد كان منه إليه من المنن ما لا يحصى، واللَّه أعلم.
ثم الكلام فيما ألهم أمَّه في روعها أن تقذفه في البحر أنه يسع لهذا أن يفعل ذلك، ويحل أو لا؟ إذ قد يجوز أن يكون من الشيطان مثل هذا، نحو ما قال: (لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ...) الآية، فلم يعرفوا وقت ما كلمهم بهذا: هو وشيطان أو غيره؟ فعلى ذلك يجوز أن يلقي الشيطان إليها؛ فكيف وسع لها أن تعمل ما علمت من الأخطار؟ لكن يجوز أن يكون في ذلك الإلهام وما ألقي إليها - آية ومعنى،
طه 20:34
الآيتان ٣٣ و٣٤ : وقوله تعالى :﴿كي نسبحك كثيرا﴾ ﴿ونذكرك كثيرا﴾ يحتمل ﴿كي نسبحك كثيرا﴾ بالجماعة لأن الصلاة بالجماعة تتضاعف على الصلاة وحده، أو أن يعين بعضنا [ بعضا ] (١) على التسبيح لك والذكر ونحوه.
١ ساقطة من الأصل وم..
الآيتان ٣٣ و٣٤ : وقوله تعالى :﴿كي نسبحك كثيرا﴾ ﴿ونذكرك كثيرا﴾ يحتمل ﴿كي نسبحك كثيرا﴾ بالجماعة لأن الصلاة بالجماعة تتضاعف على الصلاة وحده، أو أن يعين بعضنا [ بعضا ] (١) على التسبيح لك والذكر ونحوه.
طه 20:35
الآية ٣٥ : وقوله تعالى :﴿إنك كنت بنا نصيرا﴾ أي إنك بضعفنا وعجزنا في ما حملتنا، وقلدتنا بصيرا عالما، والله أعلم.
طه 20:36
الآية ٣٦ : وقوله تعالى :﴿قال قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ أي أعطيت ما سألت. وكان سأله أشياء، فأوتي. فقوله ﴿سؤلك﴾ وسؤالك ومسألتك لغات(١) ثلاث، كلها واحد.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٨٠..
طه 20:37
الآيات ٣٧ و٣٨ و٣٩ : وقوله تعالى :﴿ولقد منّنَا عليك مرة أخرى﴾ ﴿إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى﴾ ﴿أن اقذفيه في التابوت﴾ الآية. يشبه أن تكون المنة حين أنجاه في ما ابتلي بالبرد واشتباه الطريق حين(١) قال :﴿إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون﴾ [القصص: ٢٩] فتلك المنة الأخرى، أو أن تكون المنة التي ذكر هي(٢) ما أنجاه الله [ حين قتل ] (٣) ذلك القِبطِيَّ، فاشتد له ذلك الخوف حتى بلغ الإياس.
فتلك المنة التي ذكر. أو ما ذكر من الوحي إلى أمه ﴿أن اقذفيه في التابوت﴾.
وقال بعضهم :﴿ولقد مننا عليك﴾ مع النبوة ﴿مرة أخرى﴾ ثم بين النعمة حين(٤) قال :﴿إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى﴾ إلى آخر ما ذكر. وإلى هذا ذهب أهل التأويل. وإلا قد كان منه إليه من المنن إليه ما لا يحصى، والله أعلم.
ثم الكلام في ما ألهم أمه، وألقى في روعها أن تقذفه في البحر أنه يسع لها(٥) أن تفعل ذلك، ويحل، أو لا، إذ قد يجوز أن يكون من الشيطان مثل هذا نحو ما ﴿وقال لا غالب لكم اليوم من الناس﴾ الآية [الأنفال: ٤٨] فلم يعرفوا وقت ما كلمهم بهذا الشيطان أو غيره. فعلى ذلك يجوز أن يلقي الشيطان إليها. فكيف وسع لها أن تعمل ما عملت(٦) من الأخطار ؟ [ لولا أن ] (٧) يجوز أن يكون في ذلك الإلهام، وما ألقى إليها آية ومعنى عرفت بذلك أن ذلك من الله لا من أحد سواه، أو أن يكون الله رفع الحجاب والموانع من قبلها(٨)، وصار لها ذلك كالعيان، أو صارت كالمضطرة إلى ذلك، فوسع لها ذلك لما ذكرنا. والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ قال عامة أهل التأويل : ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون حين(٩) قالت :﴿قرت عين لي ولك لا تقتلوه﴾ الآية [القصص: ٩] ولكن ألقى عليه محبة في قلب امرأته وقلب فرعون أيضا حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم بعد ما كان يقتل الولدان بسببه ليجده، ويظفر به ؛ يذكره عز وجل رحمته عليه ومنته له، وهي(١٠) المنة التي ذكر حين(١١) قال :﴿ولقد مننا عليك مرة أخرى﴾.
وقوله تعالى :﴿ولتصنع على عيني﴾ والصنع هو فعل الخير والمعروف، أي لنصنع إليك المعروف والإحسان.
وقوله تعالى :﴿على عيني﴾ قال بعضهم :[ ﴿على عيني﴾ ](١٢) على حفظي ؛ يقال : عين الله عليك، أي كن في حفظ الله، وهو قول الحسن وقتادة. وقال بعضهم : لِتُرْبَى على عيني، أي على علمي والأول أشبه.
١ في الأصل وم: حتى..
٢ في الأصل وم: هو..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: ثم..
٥ في الأصل وم: لهذا..
٦ في الأصل وم: علمت..
٧ في الأصل وم: لكن..
٨ في الأصل وم: قبلها..
٩ في الأصل وم: حيث..
١٠ في الأصل وم: وهو..
١١ في الأصل وم: حيث..
١٢ في الأصل وم: لتعدى..
طه 20:38
الآيات ٣٧ و٣٨ و٣٩ : وقوله تعالى :﴿ولقد منّنَا عليك مرة أخرى﴾ ﴿إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى﴾ ﴿أن اقذفيه في التابوت﴾ الآية. يشبه أن تكون المنة حين أنجاه في ما ابتلي بالبرد واشتباه الطريق حين(١) قال :﴿إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون﴾ [القصص: ٢٩] فتلك المنة الأخرى، أو أن تكون المنة التي ذكر هي(٢) ما أنجاه الله [ حين قتل ] (٣) ذلك القِبطِيَّ، فاشتد له ذلك الخوف حتى بلغ الإياس.
فتلك المنة التي ذكر. أو ما ذكر من الوحي إلى أمه ﴿أن اقذفيه في التابوت﴾.
وقال بعضهم :﴿ولقد مننا عليك﴾ مع النبوة ﴿مرة أخرى﴾ ثم بين النعمة حين(٤) قال :﴿إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى﴾ إلى آخر ما ذكر. وإلى هذا ذهب أهل التأويل. وإلا قد كان منه إليه من المنن إليه ما لا يحصى، والله أعلم.
ثم الكلام في ما ألهم أمه، وألقى في روعها أن تقذفه في البحر أنه يسع لها(٥) أن تفعل ذلك، ويحل، أو لا، إذ قد يجوز أن يكون من الشيطان مثل هذا نحو ما ﴿وقال لا غالب لكم اليوم من الناس﴾ الآية [الأنفال: ٤٨] فلم يعرفوا وقت ما كلمهم بهذا الشيطان أو غيره. فعلى ذلك يجوز أن يلقي الشيطان إليها. فكيف وسع لها أن تعمل ما عملت(٦) من الأخطار ؟ [ لولا أن ] (٧) يجوز أن يكون في ذلك الإلهام، وما ألقى إليها آية ومعنى عرفت بذلك أن ذلك من الله لا من أحد سواه، أو أن يكون الله رفع الحجاب والموانع من قبلها(٨)، وصار لها ذلك كالعيان، أو صارت كالمضطرة إلى ذلك، فوسع لها ذلك لما ذكرنا. والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ قال عامة أهل التأويل : ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون حين(٩) قالت :﴿قرت عين لي ولك لا تقتلوه﴾ الآية [القصص: ٩] ولكن ألقى عليه محبة في قلب امرأته وقلب فرعون أيضا حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم بعد ما كان يقتل الولدان بسببه ليجده، ويظفر به ؛ يذكره عز وجل رحمته عليه ومنته له، وهي(١٠) المنة التي ذكر حين(١١) قال :﴿ولقد مننا عليك مرة أخرى﴾.
وقوله تعالى :﴿ولتصنع على عيني﴾ والصنع هو فعل الخير والمعروف، أي لنصنع إليك المعروف والإحسان.
وقوله تعالى :﴿على عيني﴾ قال بعضهم :[ ﴿على عيني﴾ ](١٢) على حفظي ؛ يقال : عين الله عليك، أي كن في حفظ الله، وهو قول الحسن وقتادة. وقال بعضهم : لِتُرْبَى على عيني، أي على علمي والأول أشبه.
١ في الأصل وم: حتى..
٢ في الأصل وم: هو..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: ثم..
٥ في الأصل وم: لهذا..
٦ في الأصل وم: علمت..
٧ في الأصل وم: لكن..
٨ في الأصل وم: قبلها..
٩ في الأصل وم: حيث..
١٠ في الأصل وم: وهو..
١١ في الأصل وم: حيث..
١٢ في الأصل وم: لتعدى..
طه 20:39
عرفت بذلك أن ذلك من اللَّه، لا من أحد سواه.
أو أن يكون رفع الحجاب والموأنع من قلبها، وصار لها ذلك كالعيان.
أو كانت كالمضطرة إلى ذلك؛ فوسع لها ذلك لما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي... (٣٩)
قال عامة أهل التأويل: ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون، حيث قالت: (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ...) الآية، لكن ألقى عليه محبَّة في قلب امرأته وقلب فرعون أيضًا، حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم، بعد ما كان يقتل الولدان بسببه؛ ليجده ويظفر به، يذكره - عَزَّ وَجَلَّ - رحمته عليه ومننه له، وهي المنة التي ذكر، حيث قال: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، الصنع: هو فعل الخير والمعروف، أي: لنصنع إليك المعروف والإحسان.
وقوله: (عَلَى عَيْنِي): قَالَ بَعْضُهُمْ: لتُغَذَّى على حفظي، يقال: عين اللَّه عليك: أي كن في حفظ اللَّه، وهو قول الحسن وقتادة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لتربي على عيني، أي: على علمي، والأول أشبه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) أي: من يضمه، يسمى كافل اليتيم الذي يضمه ويضمنه ويحفظه، وهو كقوله: (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) أي: يضمها ويحفظها، فهذا يدل أنه كان عندهم من أحب الناس إليهم، وأشفقهم عليه، حيث قال: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا) حيث قال لها: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) وعدٌ لها أن يرده إليها فردَّه.
وقوله: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ)، أي: يذهب حزنها الذي كان؛ لأنها قد كانت حزينة بطرحها إياه في اليم؛ ألا ترى أنه قال: (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ...) الآية وهذا يدل أن قوله: (وَلَا تَحْزَنَ)، أي: يذهب حزنها الذي كان بها.
وقود - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ):
يحتمل أن يكون الغم الذي أخبر أنه نجاه منه هو الخوف الذي كان به بعد مقتل ذلك القبطي، حيث قال: (فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ)، وقوله: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ)، ونحوه، أو نجاه من أنواع الغموم؛ إذ كان له غموم.
طه 20:40
الآية ٤٠ : وقوله تعالى :﴿إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله﴾ أي من يضمه [ ومنه ] (١) يسمى كافل اليتيم الذي يضمه، ويحفظه. وهو كقوله :﴿أيهم يكفل مريم﴾ [آل عمران: ٤٤] أي يضمها، ويحفظها. فهذا يدل أنه كان عندهم من أحب [ الناس إليهم ] (٢) أشفقهم عليه [ حين قالت ] (٣) ﴿هل أدلكم على من يكفله﴾ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها﴾ حين(٤) قال لها :﴿إنا رادوه إليك﴾ [القصص: ٧] وعدها(٥) أن يرده إليها، فرده.
وقوله تعالى :﴿كي تقر عينها ولا تحزن﴾ أي يذهب حزنها الذي كان، لأنها كانت حزينة بطرحها إياه في اليم. ألا ترى أنه قال :﴿إن كادت لتبدي به﴾ الآية ؟ [القصص: ١٠] هذا يدل أن قوله :﴿ولا تحزن﴾ أي يذهب حزنها الذي كان لها.
وقوله تعالى :﴿وقتلت نفسا فنجيناك من الغم﴾ يحتمل أن يكون الغم الذي أخبر أنه نجاه منه هو الخوف الذي كان به بقتل ذلك القبطي حين(٦) قال :﴿فأخاف أن يقتلون﴾ [ الشعراء : ١٤ والقصص : ٣٣ ] وقال(٧) :﴿فخرج منها خائفا يترقب﴾ [القصص: ٢١] ونحوه. أو نجاه من أنواع الغموم إذ كان له غموم.
وفي الآية دلالة أن لا قصاص يجب في شبيه العمد، وإن كان الضرب بشيء لا نجاة فيه، لأن موسى عليه السلام كانت له قوة أربعين نفرا على ما ذُكر. فإنما لطمه لطمة ﴿فقضى عليه﴾ ثم قوله(٨) :﴿هذا من عمل الشيطان﴾ [القصص: ١٥] هذا يدل أنه كان لا يحل له قتله. ثم قوله(٩) :﴿فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين﴾ [القصص: ٢١] سماهم ظلمة. فلو كان يحل القتل، ويجب القصاص، لكان لا يسميهم ظلمة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وفتناك فتونا﴾ قال بعضهم :﴿فتونا﴾ هو جمع فتنة، أي فتناك فتونا، هو مصدر الفتنة، أي ابتليناك ابتلاء أي بلاء. والفتنة و الشدائد و الغموم التي ذكر أنه نجاه منها. و يحتمل النعم والخيرات، إذ لم يكن الأنبياء في جميع الأوقات في البلاء. ولكن كانوا في وقت في بلاء وشدة، وفي وقت آخر في نعمة وخير أو فتنة : بهما جميعا على ما أخبر :﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقوله تعالى :﴿فلبثت سنين في أهل مدين﴾ هذا، والله أعلم من المنة التي ذكر حين(١٠) قال :﴿ولقد مننا عليك مرة أخرى﴾ ﴿ثم جئت على قدر يا موسى﴾ قال بعضهم : بالنبوة والرسالة. وقال بعضهم على موعود أو ﴿على قدر﴾ وقت المجيء. فكيف ما كان ففيه أن مجيء العبد وذهابه وجميع سعيه يكون بقدر من الله وتقديره منه. وفيه أنه يجعل الأمور /٣٣١-أ/ بأسباب، وإن كان يجعل (١١) بغير أسباب.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: إليه الناس..
٣ في الأصل وم: حيث قال..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: وعدلها..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: وقوله..
٨ في الأصل وم: قال..
٩ في الأصل وم: قال..
١٠ في الأصل وم: حيث..
١١ أدرج قبلها في الأصل: أن..
طه 20:41
وفي الآية دلالة أن لا قصاص يجب في شبه العمد وإن كان الضرب بشيء لا نجاة فيه؛ لأن موسى - صلوات اللَّه عليه - كانت له قوة أربعين نفرًا على ما ذكر، فإنما لطمه لطمة، فقضى عليه، ثم قال: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)، هذا يدل أنه كان لا يحل له قتله، ثم قال: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) سماهم: ظلمة، فلو كان يحل القتل ويجب القصاص، لكان لا يسميهم ظلمة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: (فُتُونًا): هو جمع فتنة، أي: فتناك فتونا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فُتُونًا): ، هو مصدر الفتنة، أي: ابتليناك ابتلاء، أي: بلاء، والفتنة في البلايا والشدائد: الغموم التي ذكر أنه نجاه منها.
ويحتمل: النعم والخيرات؛ إذ لم يكن الأنبياء في جميع الأوقات في البلاء، ولكن كانوا في وقت في بلاء وشدة، وفي وقت آخر في نعمة وخير.
أو فتنه بهما جميعًا، على ما أخبر: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ).
هذا - واللَّه أعلم - من المنة التي ذكر، حيث قال: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى).
قَالَ بَعْضُهُمْ: بالنبوة والرسالة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: على موعود، أو على قدر وقت المجيء، فكيفما كان ففيه أن مجيء العبد وذهابه وجميع سعيه يكون بقدر من اللَّه، وتقدير منه، وفيه أنه يجعل الأمور بأسباب، وإن كان يجعل أبعضها، بغير أسباب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) أي: اخترتك، واصطفيتك لرسالتي ونبوتي، فذكر نفسه؛ لأنه بأمره يقوم بأداء ذلك.
* * *
قوله تعالى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا
طه 20:42
لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)
وقوله: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي (٤٢)
هو ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي): أي: لا تضعفا في الدعاء إلى ديني وتوحيدي.
وحرف عبد اللَّه بن مسعود: (ولا تهينا في ذكري) وفي البلاغ (إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) أمرهما ألا يقصرا ولا يعجزا في تبليغ الرسالة إليه، والدعاء إلى دينه، حيث قال: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا).
قال أَبُو عَوْسَجَةَ؛ (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)؛ أي: تربى بعيني، وسئل عن العين، فقال: العين: العلم هاهنا، والعين في غير هذا: المال، والعين: الأديم المتخرق، والعين: المصدر من عان يعين، فهو عائن، والمفعول به معيون: إذا أصابه بعين، والعين: الحقيقة، كقولك: هذا بعينه، أي: بحقيقته، قال: والعينة: السلف، ومثله قوله: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا).
(عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ) أي: يضمه لا يضمنه.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، أي: وقت المجيء (وَاصْطَنَعْتُكَ)، أي: أخلصتك (لِنَفْسِي)، (وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) أي: لا تقصرا ولا تعجزا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا... (٤٤) لأن القول اللين يكون أقر وأثبت في القلوب، وأنجع، وأقرب إلى الإجابة والقبول من القول الخشن البارد، وخاصة في الملوك والرؤساء؛ إذ طباعهم لا تحتمل ذلك، ولا تنجع فيهم، بل أكثر صولتهم على من دونهم إنما يكون عند استقبالهم بالخلاف وبما يكرهون، فأمر - عَزَّ وَجَلَّ - رسوله موسى وهارون أن يقولا له قولًا لينًا، ويلطفا معاملته؛ ليكون أقرب وأثبث في قلبه وأنجع؛ ولذلك قال: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى).
طه 20:43
الآيتان ٤٣ و٤٤ : وقوله تعالى :﴿اذهبا إلى فرعون أنه طغى﴾ ﴿فقولا له قولا لينا﴾ لأن القول اللين يكون أقر وأثبت في القلوب من القول الخشن البارد وخاصة في الملوك والرؤساء ؛ إذ طباعهم لا تحتمل ذلك، ولا ينجع فيهم، بل أكثر صولتهم على من دونهم إنما يكون عند استقبالهم بالخلاف وبما يكرهون. فأمر عز وجل رسوليه(١) موسى وهارون. أن يقولا له قولا لينا، ويلطفا معاملته، ليكون [ ذلك ](٢) أقرب وأثبت في قلبه وأنجع. ولذلك قال :﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ قال الحسن : كل لعل [ من الله هو ](٣) على الإيجاب، لأنه تذكر، وخشي حين(٤) قال :﴿لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك﴾ الآية [الأعراف: ١٣٤] وحين(٥) قال :﴿قال آمنت أنه لا إله إلا الله الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ [يونس: ٩٠] لكن لم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت لأنه إيمان دفع واضطرار. وقال بعضهم :﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ في علومكم. فإن كان على هذا فهو يحتمل الشك. وإن كان على الأول فهو على الإيجاب، لا يحتمل(٦) الشك.
ثم اختلف في القول اللين. قال ابن عباس : هو(٧) قول الله :﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ ﴿وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ [ النازعات : ١٨ و١٩ ] فتوحد. قال : هذا القول اللين.
وعن الحسن :﴿قولا لينا﴾ أي قولا حقا ؛ قولا له : إن لك معادا، إن لك مرجعا. وقال بعضهم :﴿قولا لينا﴾ قول : لا إله إلا الله. وقال بعضهم : أي ليانا(٨) ونحوه. وأصله : ما ذكرنا(٩) بَدْيًا.
١ في الأصل وم: رسوله..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: هو من الله فهو..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: يحصل..
٧ أدرج قبلها في الأصل وم: قال..
٨ في الأصل وم: لينا..
٩ من م في الأصل: ذكره..
طه 20:44
الآيتان ٤٣ و٤٤ : وقوله تعالى :﴿اذهبا إلى فرعون أنه طغى﴾ ﴿فقولا له قولا لينا﴾ لأن القول اللين يكون أقر وأثبت في القلوب من القول الخشن البارد وخاصة في الملوك والرؤساء ؛ إذ طباعهم لا تحتمل ذلك، ولا ينجع فيهم، بل أكثر صولتهم على من دونهم إنما يكون عند استقبالهم بالخلاف وبما يكرهون. فأمر عز وجل رسوليه(١) موسى وهارون. أن يقولا له قولا لينا، ويلطفا معاملته، ليكون [ ذلك ](٢) أقرب وأثبت في قلبه وأنجع. ولذلك قال :﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ قال الحسن : كل لعل [ من الله هو ](٣) على الإيجاب، لأنه تذكر، وخشي حين(٤) قال :﴿لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك﴾ الآية [الأعراف: ١٣٤] وحين(٥) قال :﴿قال آمنت أنه لا إله إلا الله الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ [يونس: ٩٠] لكن لم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت لأنه إيمان دفع واضطرار. وقال بعضهم :﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ في علومكم. فإن كان على هذا فهو يحتمل الشك. وإن كان على الأول فهو على الإيجاب، لا يحتمل(٦) الشك.
ثم اختلف في القول اللين. قال ابن عباس : هو(٧) قول الله :﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ ﴿وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ [ النازعات : ١٨ و١٩ ] فتوحد. قال : هذا القول اللين.
وعن الحسن :﴿قولا لينا﴾ أي قولا حقا ؛ قولا له : إن لك معادا، إن لك مرجعا. وقال بعضهم :﴿قولا لينا﴾ قول : لا إله إلا الله. وقال بعضهم : أي ليانا(٨) ونحوه. وأصله : ما ذكرنا(٩) بَدْيًا.
١ في الأصل وم: رسوله..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: هو من الله فهو..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: يحصل..
٧ أدرج قبلها في الأصل وم: قال..
٨ في الأصل وم: لينا..
٩ من م في الأصل: ذكره..
الآيتان ٤٣ و٤٤ : وقوله تعالى :﴿اذهبا إلى فرعون أنه طغى﴾ ﴿فقولا له قولا لينا﴾ لأن القول اللين يكون أقر وأثبت في القلوب من القول الخشن البارد وخاصة في الملوك والرؤساء ؛ إذ طباعهم لا تحتمل ذلك، ولا ينجع فيهم، بل أكثر صولتهم على من دونهم إنما يكون عند استقبالهم بالخلاف وبما يكرهون. فأمر عز وجل رسوليه(١) موسى وهارون. أن يقولا له قولا لينا، ويلطفا معاملته، ليكون [ ذلك ](٢) أقرب وأثبت في قلبه وأنجع. ولذلك قال :﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ قال الحسن : كل لعل [ من الله هو ](٣) على الإيجاب، لأنه تذكر، وخشي حين(٤) قال :﴿لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك﴾ الآية [الأعراف: ١٣٤] وحين(٥) قال :﴿قال آمنت أنه لا إله إلا الله الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ [يونس: ٩٠] لكن لم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت لأنه إيمان دفع واضطرار. وقال بعضهم :﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ في علومكم. فإن كان على هذا فهو يحتمل الشك. وإن كان على الأول فهو على الإيجاب، لا يحتمل(٦) الشك.
ثم اختلف في القول اللين. قال ابن عباس : هو(٧) قول الله :﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ ﴿وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ [ النازعات : ١٨ و١٩ ] فتوحد. قال : هذا القول اللين.
وعن الحسن :﴿قولا لينا﴾ أي قولا حقا ؛ قولا له : إن لك معادا، إن لك مرجعا. وقال بعضهم :﴿قولا لينا﴾ قول : لا إله إلا الله. وقال بعضهم : أي ليانا(٨) ونحوه. وأصله : ما ذكرنا(٩) بَدْيًا.
طه 20:45
قال الحسن: كل (لعل) من اللَّه فهو على الإيجاب؛ لأنه قد تذكر وخشى، حيث قال: (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ...) الآية، وحيث قال: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)، لكن لم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت؛ لأنه إيمان دفع واضطرار.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) في علومكم، فإن كان على هذا فهو يحتمل الشك، وإن كان على الأوّل فهو على الإيجاب لا يحصل الشك.
ثم اختلف في القول اللين: قال ابن عَبَّاسٍ: هو قول اللَّه: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)، أي: فتوحّد، قال: هذا القول اللّين.
وعن الحسن: (قَوْلًا لَيِّنًا): قولا له: إن لك معادًا، إن لك مرجعًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (قَوْلًا لَيِّنًا): قول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: لينًا، ونحوه، وأصله ما ذكرنا بدءًا.
وقوله - عر وبئ -: (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قال أهل التأويل: قوله: (أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا)، أي: يعجل بالعقوبة من قبل أن يسمع حجتنا.
أو أن يطغى بقتلنا بعدما سمع الحجة منا.
وجائز أن يكون أحد هذين في الفعل، والآخر في القول: أن يفرط علينا أو أن يطغى أيهما كان؟ لأنه قال في الجواب لهما: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، فهذا يدل - واللَّه أعلم - أن قوله: (أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) يرجع أحدهما إلى القول، والآخر إلى الفعل؛ لأنه قال في وقت: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ)، ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَخَافَا... (٤٦) يحتمل على نفي الخوف، والأمن منه، كقوله: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)، ليس على النهي عن الحزن، فعلى ذلك الأول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّنِي مَعَكُمَا): في النصر والمعونة لكم والذب عنكم والدفع، (أَسْمَعُ) ما يقول (وَأَرَى) ما يفعل، وقد كان منه إليهما: النصر والمعونة لهما، والدفع عنهما.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ... (٤٧)
طه 20:46
الآية ٤٦ : وقوله(١) تعالى :﴿قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ أي أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما. فهذا يدل، والله أعلم، أن قوله :﴿أن يفرط علينا أو أن يطغى﴾ يرجع أحدهما إلى القول، والآخر إلى الفعل لأنه قال في وقت :﴿ذروني أقتل موسى وليدع ربه﴾ [غافر: ٢٦] ونحوه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لا تخافا﴾ يحتمل على نفي الخوف والأمن منه كقوله :﴿و لا تحزن عليهم﴾ [النحل: ١٢٧] ليس على النهي عن الحزن. فعلى ذلك الأول.
وقوله تعالى :﴿إنني معكما﴾ في النصر والمعونة لكم والذب عنكم والدفع، أسمع ما يقول، وأرى ما يفعل. وقد كانت كل منة إليهما النصر والمعونة لهما والدفع عنهما.
١ في الأصل وم: قوله..
طه 20:47
الآية ٤٧ : وقوله تعالى :﴿فأتياه فقولا إنا رسولا ربك﴾ يشبه أن يكون قوله ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ هذا، أي لا تضعفا في تبليغ الرسالة. ولكن قولا ﴿إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل﴾ لا يحتمل أن يكون أول ما أتياه قالا ﴿فأرسل معنا بني إسرائيل﴾ بل قد سبق منهما الدعاء إلى توحيد الله والإقرار له بالألوهية والربوبية. فإذا ترك الإجابة فعند ذلك قالا له ﴿فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : كأنه كان يمنع بني إسرائيل عن الإسلام، وهم أرادوا الإسلام، فقالا(١) :﴿فأرسل معنا بني إسرائيل﴾ تمنعهم عن الإسلام. وكان يستعبدهم [ فأمرهما أن يستنقذاهم ] (٢) من يديه بقوله :(٣)﴿وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٢٢]. ألا ترى أنه قال :﴿ولا تعذبهم﴾ ؟
وقوله تعالى :﴿قد جئناك بآية من ربك﴾ وهي(٤) ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ [الإسراء: ١٠٢].
وقوله تعالى :﴿والسلام على من اتبع الهدى﴾ هذا يدل أنه لا يبدأ بالسلام على أهل الكفر، ولكن بأهل الإسلام. و فيه أن تحية أهل الإسلام هو السلام لا قول الناس : أطال الله بقاءك، ونحوه.
١ في الأصل وم: فقال..
٢ في الأصل وم: فأمره أن يستنقذهم..
٣ في الأصل وم: كقوله..
٤ في الأصل وم: وهو..
طه 20:48
يشبه أن يكون (وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) هذا، أي: لا تضعفا في تبليغ الرسالة، ولكن قولا: (إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) لا يحتمل أن يكون أول ما أتياه قالا: (أَن أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) ولكن قد سبق منهما الدعاء إلى توحيد اللَّه والإفراد له بالألوهية والربوبية؛ فإذا ترك الإجابة، فعند ذلك قالا له: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ).
وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: كأنه كان يمنع بني إسرائيل عن الإسلام، وهم أرادوا الإسلام، فقالا: أرسل معنا بني إسرائيل ولا تمنعهم عن الإسلام.
أو: كان يستعبدهم، فأمره أن يستنقذهم من يديه، كقوله: (أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) ألا ترى ائه قال: (وَلَا تُعَذِّبْهُمْ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ) وهو ما قال؛ (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى).
هذا يدل أنه لا يبدأ بالسلام على أهل الكفر، ولكن يبدأ بأهل الإسلام، وفيه أن تحية أهل الإسلام هو السلام، لا قول الناس: (أطال اللَّه بقاءك)، ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) كأنه قال:
والسلام على من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب وتولى.
والسلام هو اسم كل خير وبر.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا) أي: يعجل ويقدم، قالوا: الفرط: التقدم والسبق، وفي الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أنَا فَرَطكم على الحَوض "، وهو من السبق، وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا) أي: يعجل، يقال: فرط يفرط فرطًا: أي: عجل، وقال: (وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) أي: لا تقصرا ولا تعجزا في البلاغ، (وَاصْطَنَعْتُكَ) أي: استخلصتك لنفسي، فإذا لم يفهم من قوله: (لِنَفْسِي): ذاته فكيف يفهم (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ما لم يفهم من الخلق، ولا يتصور هذا وأمثاله إلا في وهم من اعتقد التشبيه ولم يعرف ربه، وإلا لو عرف ربَّه حق معرفته، لكان لا يتصور في وهمه تشبيه الخلق به، ولا
طه 20:49
تشبيهه بخلقه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) وقال في آية أخرى: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) الآية، (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا)، سأله عن ماهيته، فأجابه موسى عن آثار صنعه في خلقه، وأنه ربُّ كل شيء، وربُّ ما ذكر، لم يجبه عما سأله من ماهيته وكيفيته، حيث قال: (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى)، فجوابه عن الماهية: ربنا فلان، وأنه كذا، ففيه دلالة أن اللَّه لا يعرف من جهة الماهية والكيفية؛ إذ لا ماهية ولا كيفية؛ إذ هما أوصاف الخلق، فاللَّه سبحانه يتعالى عن أن يوصف بشيء من صفات الخلق.
ثم يحتمل قوله: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) وجوهًا:
أحدها: أعطى كل شيء يكون، صورة ما قد كان معاشه وقوامه؛ ليعلم أنه قادر على بعثهم على الصورة التي كانت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ هَدَى) فهو على قوله: أعطى كل شيء ثم هدى، فإن كان التأويل: أعطى كل شيء صورته وهيئته، فقوله: (ثُمَّ هَدَى للنجاة، وإن كان أعطى جنسه وشكله ثم هداه للنسل، وإن كان قوله: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ) ما به معاشهم وقوامهم، ثم هداه لما يتعيشون به، ويقومون به، وهداه لما يصلح لهم وما لا يصلح لهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى؛ لأنه سمع من ذلك الرجل المؤمن حين قال: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ)، ولم يكن لموسى بهم علم، فوكل علمهم إلى اللَّه، ثم أنزل اللَّه عليه التوراة، فبين له فيها أمرهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سأل فرعون موسى ذلك؛ لأن موسى أخبر أنه يبعث، وخوفه على ذلك، فعند ذلك قال: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) لم يبعثوا منذ أهلكوا؟ فقال له ما قال.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) إنما سأله عن حال القرون الأولى أهم في الجنة أو في النار، فقال: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي... (٥٢)
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما سأله عن أعمالهم: فما أعمال القرون الأولى؟ فقال: (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) أي: أعمالهم عند ربي في كتاب مرقوم، وقوله: (سَائِقٌ وَشَهِيدٌ)، وقوله: (فِي كِتَابٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الكتاب الذي أثبتت فيه أعمالهم، وقَالَ بَعْضُهُمْ: في اللوح
طه 20:50
الآيتان ٤٩ و٥٠ : وقوله تعالى :﴿قال فمن ربكما يا موسى﴾ ﴿قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ وقال في آية أخرى :﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ ﴿قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ الآية [ الشعراء : ٢٣ و٢٤ ] [ وقال في آية أخرى ](١) ﴿قال رب المشرق والمغرب وما بينهما﴾ [الشعراء: ٢٨].
سأله عن ماهيته، فأجابه موسى عن آثار صنعه في خلقه، وأنه رب كل شيء ورب ما ذكر. لم يجبه عما سأله من ماهيته وكيفيته حين(٢) ﴿قال فمن ربكما يا موسى﴾ فجوابه عن الماهية :﴿ربنا﴾ فلان وأنه كذا. ففيه دلالة أن الله، لا يُعرف من جهة الماهية والكيفية ؛ إذ لا ماهية له، ولا كيفية، إذ هما أوصاف الخلق ؛ فالله، سبحانه، يتعالى عن أن يوصف بشيء من صفات الخلق.
ثم يحتمل قوله :﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ وجوها :
أحدها :﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ [ صورته وهيئته. والثاني :﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ جنسه وشكله. والثالث :﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ معاشه وقوامه. والرابع :﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ ما يكون بعد الفناء صورة ما قد كان ] (٣) ليُعْلَمَ أنه قادر على بعثهم على الصورة التي كانت.
وقوله تعالى :﴿ثم هدى﴾ [ هو مبني ] (٤) على قوله :﴿أعطى كل شيء خلقه﴾.
فإن كان تأويل :(٥) ﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ صورته وهيئته فقوله :﴿ثم هدى﴾ للنجاة. وإن كان [ تأويل ] (٦) ﴿أعطى كل شيء﴾ جنسه وشكله [ فقوله :﴿ثم هدى﴾ ](٧) للنسل. وإن كان تأويل :(٨) ﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ ما به معاشهم وقوامهم [ فقوله :﴿ثم هدى﴾ ](٩) لما يتعيشون به، ويقومون به، وهداهم(١٠) لما يصلح لهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: يكون صورة ما قد كان معاشه وقوامه..
٤ في الأصل وم: فهو..
٥ في الأصل وم: التأويل..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: ثم هداه..
٨ في الأصل وم: قوله..
٩ في الأصل وم: ثم هداه..
١٠ في الأصل وم: وهداه..
الآيتان ٤٩ و٥٠ : وقوله تعالى :﴿قال فمن ربكما يا موسى﴾ ﴿قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ وقال في آية أخرى :﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ ﴿قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ الآية [ الشعراء : ٢٣ و٢٤ ] [ وقال في آية أخرى ](١) ﴿قال رب المشرق والمغرب وما بينهما﴾ [الشعراء: ٢٨].
سأله عن ماهيته، فأجابه موسى عن آثار صنعه في خلقه، وأنه رب كل شيء ورب ما ذكر. لم يجبه عما سأله من ماهيته وكيفيته حين(٢) ﴿قال فمن ربكما يا موسى﴾ فجوابه عن الماهية :﴿ربنا﴾ فلان وأنه كذا. ففيه دلالة أن الله، لا يُعرف من جهة الماهية والكيفية ؛ إذ لا ماهية له، ولا كيفية، إذ هما أوصاف الخلق ؛ فالله، سبحانه، يتعالى عن أن يوصف بشيء من صفات الخلق.
ثم يحتمل قوله :﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ وجوها :
أحدها :﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ [ صورته وهيئته. والثاني :﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ جنسه وشكله. والثالث :﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ معاشه وقوامه. والرابع :﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ ما يكون بعد الفناء صورة ما قد كان ] (٣) ليُعْلَمَ أنه قادر على بعثهم على الصورة التي كانت.
وقوله تعالى :﴿ثم هدى﴾ [ هو مبني ] (٤) على قوله :﴿أعطى كل شيء خلقه﴾.
فإن كان تأويل :(٥) ﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ صورته وهيئته فقوله :﴿ثم هدى﴾ للنجاة. وإن كان [ تأويل ] (٦) ﴿أعطى كل شيء﴾ جنسه وشكله [ فقوله :﴿ثم هدى﴾ ](٧) للنسل. وإن كان تأويل :(٨) ﴿أعطى كل شيء خلقه﴾ ما به معاشهم وقوامهم [ فقوله :﴿ثم هدى﴾ ](٩) لما يتعيشون به، ويقومون به، وهداهم(١٠) لما يصلح لهم، والله أعلم.
طه 20:51
الآيتان ٥١ و٥٢ : وقوله تعالى :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ ﴿قال علمها عند ربي في كتاب﴾ قال بعضهم : إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى لأنه سمع من ذلك الرجل المؤمن حين قال :﴿يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب﴾ [غافر: ٣٠] ولم يكن لموسى بهم علم، فوكل علمهم إلى الله، ثم أنزل الله عليه التوراة، فبين له فيها أمرهم.
وقال بعضهم : سأل /٣٣١-ب/ فرعون موسى ذلك لأن موسى أخبر أنه يُبعث، وخوفه على ذلك. فعند ذلك :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ لم يُبعثوا منذ أهلكوا، فقال له ما قال.
وقال بعضهم : قوله :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ أهم في الجنة، أم في النار ؟ فقال :﴿علمها عند ربي﴾.
وقال بعضهم : إنما سأله عن أعمالهم : فما أعمال القرون الأولى ؟ فقال :﴿علمها عند ربي﴾ أي أعمالهم ﴿عند ربي﴾ [ وقوله تعالى :﴿في كتاب﴾ كقوله ] (١) :﴿كتاب مرقوم﴾ [ المطففين : ٩ و٢٠ ] وقوله :﴿سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١].
وقوله تعالى :﴿في كتاب﴾ قال بعضهم : الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم. وقال بعضهم : في اللوح المحفوظ.
[ وقوله تعالي ](٢) :﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ هما واحد [ أي ] (٣) لا يضل، ولا ينسى ذلك الكتاب.
[ وقرئ ] (٤) : لا يضل(٥) من ختم بالهدى، وقرئ(٦) : لا يضل ﴿ربي﴾ [ في ] (٧) ذلك الكتاب الذي ذكر لأنه(٨) يرجع إلى قوله :﴿فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه: ١٢٣]
١ في الأصل وم: في..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل، انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٨٥.
٥ أدرج بعدها في الأصل وم: ﴿ربي﴾..
٦ انظر المرجع السابق..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: ليس أنه..
طه 20:52
الآيتان ٥١ و٥٢ : وقوله تعالى :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ ﴿قال علمها عند ربي في كتاب﴾ قال بعضهم : إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى لأنه سمع من ذلك الرجل المؤمن حين قال :﴿يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب﴾ [غافر: ٣٠] ولم يكن لموسى بهم علم، فوكل علمهم إلى الله، ثم أنزل الله عليه التوراة، فبين له فيها أمرهم.
وقال بعضهم : سأل /٣٣١-ب/ فرعون موسى ذلك لأن موسى أخبر أنه يُبعث، وخوفه على ذلك. فعند ذلك :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ لم يُبعثوا منذ أهلكوا، فقال له ما قال.
وقال بعضهم : قوله :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ أهم في الجنة، أم في النار ؟ فقال :﴿علمها عند ربي﴾.
وقال بعضهم : إنما سأله عن أعمالهم : فما أعمال القرون الأولى ؟ فقال :﴿علمها عند ربي﴾ أي أعمالهم ﴿عند ربي﴾ [ وقوله تعالى :﴿في كتاب﴾ كقوله ] (١) :﴿كتاب مرقوم﴾ [ المطففين : ٩ و٢٠ ] وقوله :﴿سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١].
وقوله تعالى :﴿في كتاب﴾ قال بعضهم : الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم. وقال بعضهم : في اللوح المحفوظ.
[ وقوله تعالي ](٢) :﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ هما واحد [ أي ] (٣) لا يضل، ولا ينسى ذلك الكتاب.
[ وقرئ ] (٤) : لا يضل(٥) من ختم بالهدى، وقرئ(٦) : لا يضل ﴿ربي﴾ [ في ] (٧) ذلك الكتاب الذي ذكر لأنه(٨) يرجع إلى قوله :﴿فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه: ١٢٣]
١ في الأصل وم: في..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل، انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٨٥.
٥ أدرج بعدها في الأصل وم: ﴿ربي﴾..
٦ انظر المرجع السابق..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: ليس أنه..
الآيتان ٥١ و٥٢ : وقوله تعالى :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ ﴿قال علمها عند ربي في كتاب﴾ قال بعضهم : إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى لأنه سمع من ذلك الرجل المؤمن حين قال :﴿يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب﴾ [غافر: ٣٠] ولم يكن لموسى بهم علم، فوكل علمهم إلى الله، ثم أنزل الله عليه التوراة، فبين له فيها أمرهم.
وقال بعضهم : سأل /٣٣١-ب/ فرعون موسى ذلك لأن موسى أخبر أنه يُبعث، وخوفه على ذلك. فعند ذلك :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ لم يُبعثوا منذ أهلكوا، فقال له ما قال.
وقال بعضهم : قوله :﴿قال فما بال القرون الأولى﴾ أهم في الجنة، أم في النار ؟ فقال :﴿علمها عند ربي﴾.
وقال بعضهم : إنما سأله عن أعمالهم : فما أعمال القرون الأولى ؟ فقال :﴿علمها عند ربي﴾ أي أعمالهم ﴿عند ربي﴾ [ وقوله تعالى :﴿في كتاب﴾ كقوله ] (١) :﴿كتاب مرقوم﴾ [ المطففين : ٩ و٢٠ ] وقوله :﴿سائق وشهيد﴾ [ق: ٢١].
وقوله تعالى :﴿في كتاب﴾ قال بعضهم : الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم. وقال بعضهم : في اللوح المحفوظ.
[ وقوله تعالي ](٢) :﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ هما واحد [ أي ] (٣) لا يضل، ولا ينسى ذلك الكتاب.
[ وقرئ ] (٤) : لا يضل(٥) من ختم بالهدى، وقرئ(٦) : لا يضل ﴿ربي﴾ [ في ] (٧) ذلك الكتاب الذي ذكر لأنه(٨) يرجع إلى قوله :﴿فلا يضل ولا يشقى﴾ [طه: ١٢٣]
طه 20:53
المحفوظ، (لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) قال: هما واحد: لا يضل ولا ينسى ذلك الكتاب، وقرئ: (يَضِلُّ) ولا يُضِلُّ من ختم بالهدى، و (لَا يَضِلُّ) أي: لا يَضِلُّ ذلك الكتاب الذي ذكر، ليس أنه يرجع إلى قوله: (لَا يَضِلُّ رَبِّي).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا... (٥٣) هو على قوله: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) أي: فراشًا، والذي (سَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) يذكر نعمه التي أنعمها عليهم؛ يقول: جعل لكم الأرض بحيث تفترشون، وتعيشون فيها، وتقرون عليها بعدما كانت تميد بكم، (وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا) أي: طرقًا تسلكون فيها، وتختلفون إلى البلدان النائية في حوائجكم وما به معاشكم وقوامكم ما لولا ذلك ما قام معاشكم، ولا قضيت حوائجكم (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ) أي: الماء (أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى): ما به معاشكم وقوامكم وقوام أنعامكم، على اختلاف ما جعل لكل دابة من ذلك قوتًا وغذاء، ولم يجعل ذلك لغيرها؛ لأن من الدواب ما يأكل النبات، ومنها ما يأكل الحب، ومنها ما يأكل اللحم، ونحوه.
قوله تعالى: (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ... (٥٤) أي: كلوا أنتم وارعوا أنعامكم فيما به قوامها.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى):
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لِأُولِي النُّهَى) أي: لأولي العقول.
وقال الحسن: إن في ذلك لآيات للذين يتناهون عما نهوا عنه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لآيات لأولي الورع، وأولي النهي: هم أهل العقول؛ لأنه بالعقل ينهى، وبه ينتهي، وبه يؤمر ويؤتمر، فذلك آيات لهم، وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ: لأولى النهي: أولي العقول، وقال: النهية: العقل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى)، أي: ما حالها؟ يقال: أصلح اللَّه بالك، أي: حالك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)
يحتمل قوله: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ) وجوهًا:
أحدها: منها خلقنا أصلكم، وهو خلق آدم، لكنه أضاف خلقنا إليها وإن لم نخلق منها كما أضاف الإنسان إلى النطفة وإن لم يكن الإنسان منها، لكنه أضاف إليها؛ لأنها أصل
طه 20:54
الآية ٥٤ :[ وقوله تعالى :] (١) ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ في ما به قوامها ﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهى﴾ أي لأولي العقول. وقال الحسن :﴿إن في ذلك لآيات﴾ للذين يتناهون عما نهوا عنه. وقال بعضهم :﴿لآيات﴾ لأولي الورع. وأولوا النهى، هم أهل العقول، لأنه بالعقل ينهى، وبه يؤمر. فذلك آيات لهم. وكذلك قال القتبي :﴿لأولي النهى﴾ [ لأولي العقول، وقال : النهية العقل.
وقال بعضهم :﴿فما بال القرون الأولى﴾ [طه: ٥١] ] (٢) أي ما حالها ؟ يقال : أصلح الله بالك أي حالك.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
طه 20:55
الآية ٥٥ : وقوله تعالى :﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم﴾ يحتمل قوله :﴿منها خلقناكم﴾ وجوها :
أحدها : منها خلقنا أصلكم، وهو خلق آدم. لكنه أضاف خلقنا إليه، وإن لم يخلقنا منها كما أضاف الإنسان إلى النطفة، وإن لم يكن الإنسان منها، لكنه أضاف إليها لأنها أصل الإنسان. فعلى ذلك إضافة خلق أنفسنا إلى الأرض.
والثاني : نسبنا إليها لأنا من أول من ننشأ إلى آخر ما ننتهي إليه يكون قوامنا ومعاشنا من الخارج من الأرض. فنسب خلقنا إليه، وهو ما قال :﴿أنزلنا عليكم لباسا﴾ [الأعراف: ٢٦] واللباس على هيئة ما هو [ لم ] (١) ينزل من السماء. لكنه أضاف إليه لأنه كان بأسباب من السماء، وأصله(٢) منه.
وقال بعضهم : ذكر أن الملك ينطلق، فيأخذ من تراب ذلك المكان الذي يدفن فيه الإنسان، فيذره على النطفة التي قضى الله منها الولد، فيخلق من التراب والنطفة. فذلك معنى الإضافة إليها. لكن هذا سمعة(٣)، لا يعرف إلا بالخبر. فإن ثبت فهو هو، وإلا يجوز أن يقال ذلك رأيا.
وقوله تعالى :﴿وفيها نعيدكم﴾ يحتمل قوله :﴿وفيها نعيدكم﴾ إذا متم، أي تُقبرون فيها، فَيُخَرَّجُ مُخْرَجَ الامتنان عليها. وذلك لنا خاصة دون غيرنا من الحيوان لئلا يتأذى بهم كقوله :﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١] أو أن يكون قوله :﴿وفيها نعيدكم﴾ أي تصيرون ترابا إذا متم، فيخبر عن قدرته وسلطانه، أي [ إن ] (٤) من قدر على أن صير الإنسان ترابا بعد أن لم يكن ترابا لقادر على أن يصير إنسانا على ما كان بعد ما صار ترابا، وهو ما قال :﴿ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ أي منها نبعثكم، وننشئكم مرة أخرى، والله أعلم.
١ من م ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: وأصل.
٣ في الأصل وم: سمعتي..
٤ ساقطة من الأصل وم..
طه 20:56
الإنسان؛ فعلى ذلك إضافة خلق أنفسنا إلى الأرض.
والثاني: نسب إليها؛ لأنا من أول ما ننشأ إلى آخر ما ننتهي إليه يكون قوامنا ومعاشنا من الخارج من الأرض؛ فنسب خلقنا إليه، وهو ما قال: (قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا) واللّباس على هيئته ما هو لم ينزل من السماء، لكنه أضافه إليها؛ لأنه كان بأسباب من السماء وأصله منها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب ذلك المكان الذي يدفن فيه الإنسان فيذره على النطفة التي قضى اللَّه منها الولد؛ فيخلق من التراب والنطفة، قذلك معنى الإضافة إليهما، لكن هذا سمعي لا يعرف إلا بالخبر، فإن ثبث فهو هو، وإلا لا يجوز أن يقال ذلك رأيًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ).
قوله: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) إذا متم، أي: تقبرون فيها، فيخرج مخرج الامتنان علينا، وذلك لنا خاصة دون غيرنا من الحيوان، لئلا نتأذى بهم، كقوله: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ)، أو أن يكون قوله: (وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)، أي: تصيرون ترابًا إذا متم، فيخبر عن قدرته وسلطانه، أي: من قدر على أن صيَّر الإنسان ترابًا، بعد أن لم يكن ترابًا لقادر على أن يصيره إنسانًا على ما كان بعدما صار ترابًا، وهو ما قال: (وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) أي: منها نبعثكم وننشئكم مرة أخرى، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا) ولم يره جميع آياته، إنما أراه بعض آياته، لكن إن كان المراد منها الإعلام له، فقد أعلم الآيات كلها؛ لأنه إنما أراه آية واحدة أو بعض الآيات، فرؤية آية واحدة وبعضها يدل على إعلام غيرها من الآيات، فهو على
طه 20:57
الإعلام قد أعلمه كلها، وهو ما قال له موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، علم اللعين أنها الآيات وليست بسحر.
أو أن يكون يريد بالآيات كلها الآيات التي أرسلها إلى موسى، فقد أراه آياته كلها، فكذب بتلك الآيات وأبى أن يصدقها ويقبلها فيسلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) قد علم التعين أنه لم يجئهم ليخرجهم من أرضهم، ولكنه يريد منهم الإسلام، لكنه أراد أن يغري قومه عليه، كقوله: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ)، فهذا إغراء منه قومه عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (سُوًى) المكان الذي نحن فيه الآن، وغير هذا المجلس.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مكانًا عدلًا لا نخلف نحن ولا أنت ذلك المكان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَكَانًا سُوًى) أي: منصفا.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (مَكَانًا سُوًى)، أي: وسطا بين فريقين.
وقال الكسائى: سُوًى وسِوًى يريد به سواء، وهما لغتان، إلا أنه يقرأ: " سوى " وقال أبو عبيدة: هو مثل (طُوًى) وهو المنصف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)
قَالَ بَعْضُهُمْ: يوم عاشوراء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يوم العيد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يوم سوقهم، لكا لا نعلم ذلك، وليس بنا إلى ص معرفة ذلك حاجة،
طه 20:58
الآية ٥٨ : وقوله تعالى :﴿فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى﴾ قال بعضهم :﴿سوى﴾ المكان الذي نحن فيه أو(١) غير هذا المجلس. وقال بعضهم :﴿مكانا سوى﴾ عدلا ؛ لا نخلف نحن [ ولا ] (٢) أنت ذلك المكان. وقال بعضهم :﴿مكانا سوى﴾ أي منصفا.
وقال القتبي :﴿مكانا سوى﴾ أي وسطا بين فريقين. وقال الكسائي : سُوًى وسِوًى، يريد به سواء، وهما لغتان(٣). إلا أنه يقرأ ﴿سوى﴾ وقال أبو عبيدة : هو مثل ﴿طوى﴾(٤) [ طه : ١٢ والنازعات : ١٦ ] وهو النصف.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: و..
٣ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٨٦..
٤ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٧٢..
طه 20:59
الآية ٥٩ : وقوله تعالى :﴿قال موعدكم يوم الزينة﴾ قال بعضهم : يوم عاشوراء. وقال بعضهم : يوم العيد. وقال بعضهم : يوم سوقهم. لكنا لا نعلم ذلك، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة ؛ وهم قوم قد عرفوا ذلك حين(١) رضوا بذلك، ولم يتنازعوا فيه.
وقوله تعالى :﴿وأن يحشر الناس ضحى﴾ بينوا اليوم، وبينوا الوقت، وهو وقت الضحى ﴿وأن يحشر الناس ضحى﴾ وقال بعضهم : أي نهارا جهارا كقوله :﴿أن يأتيهم بأسنا ضحى﴾ [الأعراف: ٩٨] نهارا ؛ يعني جهارا.
١ في الأصل وم: حيث..
طه 20:60
وهم قوم قد عرفوا ذلك، حيث رضوا بذلك ولم يتنازعوا فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) بينوا اليوم، وبينوا الوقت، وهو وقت الضحى.
(وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: نهارًا جهارًا، كقوله: (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى)، نهارًا، يعني: جهارًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ... (٦٠) أي: أقبل على أمره، وجمع كيده، ليس على الإعراض عما دعوا إليه، ثم أتى بهم، وهو كقوله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ) أي: أقبل على السعي في الأرض بالفساد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: لا تفتروا على اللَّه كذبًا فيما بأن لكم الحق، وظهر لكم الحجة باتخاذكم فرعون إلهًا؛ لأنكم إذا اتخذتم دونه سواه إلهًا - ولا إله غيره - فقد افتريتم عليه.
والثاني: لا تفتروا على اللَّه كذبًا فيما بأن لكم الحق وظهر لكم الحجة، فلا تفتروا على اللَّه كذبًا بقوله: إنه سحر، وإنه كذاب.
وقوله - عَزَّ وَجَلََّّ -: (فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ) برفع الياء ونصبها جميعًا.
(فَيُسْحِتَكُمْ): قال أبو معاذ: يقال: أسحته وسحته، قهره وأقهره.
وقال أهل التأويل: أي: يهلككم ويستأصلكم بعذاب.
ثم يحتمل ذلك العذاب في الدُّنيَا، أوعدهم بعذاب يأتيهم إذا افتروا على اللَّه كذبًا بعدما بأن الحق، وظهر لهيم البرهان والحجة.
وقوله: (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) في الدنيا والآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) أي: تناجى السحرة فيما بينهم سرا من فرعون، فذلك قوله: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) من فرعون، فقال لهم: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) يعنون: موسى وهارون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) من موسى وهارون، فنجواهم أن قالوا: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) والأشبه هنا أنهم اعتزلوا قومهم وأسروا النجوى عنهم فيما بينهم أنهما كذا.
ثم قوله: (إِنْ هَذَانِ) بالألف، قال أبو عبيدة: هذه لغة قوم من العرب، يقال: مررت ورأيت رجلان، فهو على تلك اللغة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن هذه الألف لا تسقط في الوحدان بحال، يقال: مررت بهذا ورأيت هذا، ونحوه، فهو الأصل لا يحتمل السقوط في الأحوال كلها في الوحدان والتثنية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ)، أي: نعم هذان، وذلك لغة قوم أيضًا، يقولون: (إن) مكان (نعم)، كقول القائل في آخر بيته:
............ فقُلْتُ إِنَّهْ
أي: نعم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن هذا خطأ من الكاتب، وكذلك عن عثمان: أنه لما نظر في الكتاب فقال: إني أَرَى فِيهِ [لَحْنًا وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَ] (١)، أو نحو هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا) هذا القول إنما أخذوا من فرعون، حيث قال: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ...) الآية، وقوله أيضًا حيث قال: (أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى)، علم فرعون أن ذلك ليس بسحر لكنه أراد أن يغري قومه عليه؛ لئلا يتبعوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) اختلف فيه:
قال الحسن: قوله: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، أي: بعيشكم أمثل العيش؛ لأنهم كانوا جبابرة وفراعنة، وكانوا بنو إسرائيل لهم خدمًا وخولًا يستخدمونهم ويستعملونهم في حوائجهم، فكان تعيشهم بهم، فقال (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، أي: يذهبا بأمثل عيشكم، حيث قال له موسى: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، أي: يذهبا بدينكم ومذهبكم الأمثل؛ لأنه يقول: إن الذي يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعوهم موسى إليه هو باطل، وإنه سحر
(١) في النسخة المطبوعة هكذا [خطابًا فيقومها العرب بألسنتها] والتصويب السمرقندي والقرطبي.
وهذا القول من أخبث ما وضع الوضاعون على عثمان رضى اللَّه عنه، وقد أنكر العلماء صحة نسبته إليه. على أن عثمان لم يستقل بجمع المصحف بل شاركه؟؟ الصحابة في جمعه وكتابته ولم ينشروه بين المسلمين حتى قابلوه على الصحف التي جمع القرآن فيها عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فلم يتداوله المسلمون إلا وهو بإجماع الصحابة موافق تمام الموافقة للعرضة الأخيرة التي عرض فيها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن على جبريل عليه السلام. وهل يظن ظان أن عثمان رضى اللَّه عنه وهو ثالث الخلفاء الراشدين يرى في المصحف لحنا يخالف ما أنزل اللَّه ويتركه ويقول: ستقيمه العرب بألسنتها! وكيف يفعل أن يقول ذلك في حضرة الصحابة ولا يقفون في وجهه ويردون عليه قوله وهم أنصار الدين وحماته. وممن أنكر نسبة هذا القول إلى عثمان المصنف والزمخشري وأبو حيان والآلوسي في سورة " النساء " عند قوله تعالى: " وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ " آية ١٦٢، راجع ج ٦ ص ١٣.
طه 20:61
الآية ٦١ : وقوله تعالى :﴿قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما :﴿لا تفتروا على الله كذبا﴾ في ما بان لكم الحق، وظهر لكم الحجة باتخاذكم فرعون إلها، لأنكم إذا اتخذتم دونه سواه إلها، ولا إله غيره، فقد افتريتم عليه.
والثاني :﴿لا تفتروا على الله كذبا﴾ في ما بان لكم الحق، وظهر لكم الحجة، فلا تفتروا على الله كذبا بقولكم : إنه سحر، وإنه كذب.
وقوله تعالى :﴿فيسحتكم بعذاب﴾ برفع الياء ونصبها(١) جميعا. قال أبو معاذ : يقال : أَسْحَتَهُ، وسَحَتَهُ، وقَهَرَهُ، وأَقْهَرَهُ. وقال أهل التأويل : أي يهلككم، ويستأصلكم بعذاب.
ثم يحتمل ذلك العذاب في الدنيا، أوعدهم بعذاب، يأتيهم إذا افتروا على الله كذبا بعدما بان الحق، وظهر لهم بالبرهان(٢) والحجة.
وقوله تعالى :﴿وقد خاب من افترى﴾ في الدنيا والآخرة.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٨٨..
٢ في الأصل وم: البرهان..
طه 20:62
الآية ٦٢ : وقوله تعالى :﴿فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى﴾ قال بعضهم : قوله :﴿فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى﴾ أي السحرة في ما بينهم سرا من فرعون. فذلك قوله :﴿وأسروا النجوى﴾ من فرعون.
طه 20:63
الآية ٦٣ :[ وقوله تعالى ](١) :﴿قالوا إن هذان لساحران﴾ يعنون موسى وهارون. وقال بعضهم :﴿فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى﴾ من موسى وهارون. فنجواهم أن ﴿قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما﴾ والأشبه بهذا أنهم اعتزلوا قومهم ﴿وأسروا النجوى﴾ /٣٣٢-أ/ عنهم في ما بينهم أنهما كذا.
ثم قوله :﴿إن هذان لساحران﴾ بالألف(٢). قال أبو عبيدة : هذه لغة قوم من العرب [ يقول : مررت برجلان ] (٣) ورأيت رجلان. فهو على تلك اللغة. وقال بعضهم : إن هذه الألف، لا تسقط في الوحدان بحال ؛ يقال : مررت بهذا، ورأيت هذا، ونحوه. فهو كالأصل، لا يحتمل السقوط في الأحوال كلها الوحدان والتثنية. وقال بعضهم :﴿إن هذان لساحران﴾ أي : نعم هذان لساحران، وتلك لغة قوم أيضا ؛ يقولون : إن مكان نعم كقول القائل في آخر بيته : فقلت : إنه(٤)، أي : نعم. وقال بعضهم : لا، ولكن هذا خطأ من الكاتب، فقال : إني أرى فيه خطايا، فيقومها العرب بألسنتها، أو نحو ذلك.
وقوله تعالى :﴿يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما﴾ هذا القول إنما أخذ من فرعون حين(٥) قال :﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم﴾ الآية [الأعراف: ١١٠] وقوله أيضا حين(٦) ﴿قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى﴾ [طه: ٥٧] علم فرعون أن ذلك ليس بسحر، لكنه أراد أن يغري قومه عليه لئلا يتبعوه.
وقوله تعالى :﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ اختلف فيه. قال الحسن : قوله :﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ أي بعيشكم أمثل العيش، لأنهم كانوا جبابرة وفراعنة، وكان(٧) بنو إسرائيل لهم خدما وخولا، يستخدمونهم، ويستعملونهم في حوائجهم، فكان تعيشهم بهم. فقال :﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ أي يذهبا بدينكم ومذهبكم الأمثل، لأنه يقول : إن الذي يدعوهم هو إليه، هو الرشاد، وإن الذي يدعوهم موسى إليه، هو باطل، وإنه سحر وفساد كقوله :﴿ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾ [غافر: ٢٦] وقوله(٨) ﴿وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩] وقوله(٩) ﴿وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك﴾ [الأعراف: ١٢٧] ونحوه : يدعي أن ما يدعوهم إليه، هو الرشاد، وأن الذي يدعو موسى إليه السحر والفساد.
وقال بعضهم : قوله :﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ أي خياركم وأشرافكم والأمثل منكم.
قال القتبي : قوله :﴿فيسحتكم﴾ أي يهلككم، ويستأصلكم ؛ يقال : سحته الله، وأسحته، وقال :﴿ويذهبا بطريقتكم المثلى﴾ أي الأشراف، ويقال : هؤلاء طريقة قومهم، أي أشرافهم، واشتقاق(١٠) الطريقة من الشريف، ويقال : أراد بسنتكم ودينكم. والمثلى مؤنث أمثل، مثل كبرى وأكبر ﴿فاجمعوا كيدكم﴾ أي حيلتكم.
وقال أبو عوسجة :﴿بطريقتكم المثلى﴾ أي بدينكم الأفضل، وهو من الأمثل.
١ في الأصل وم: فقال لهم..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٨٩..
٣ في الأصل وم: يقال: مررت..
٤ القائل هو الشاعر عبيد الله ابن قيس الرقيات، والبيت:
ويقلن شيب قد علا ** ك وقد كبرت فقلت إنه
أنظر الديوان ٢١٢..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: وكانوا..
٨ أدرج بعدها في الأصل: لأن. في الأصل وم: وحيث قال..
٩ في الأصل وم: وحيث قالوا..
١٠ الواو ساقطة من الأصل وم..
طه 20:64
وفساد، كقوله: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)، وحيث قال: (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، وحيث قالوا: (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، ونحوه، يدعى أن ما يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعو موسى إليه هو السحر والفساد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، أي: خياركم وأشرافكم والأمثل منكم.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (فَيُسْحِتَكُمْ)، أي: يهلككم ويستأصلكم، يقال: سحته اللَّه، وأسحته، وقال: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، أي: الأشراف، ويقال: هَؤُلَاءِ طريقة قومهم: أي: أشرافهم، اشتقاق الطريقة من الشريف، ويقال: أراد: بسنتكم ودينكم، و (الْمُثْلَى): مؤنت أمثل، مثل كبرى وأكبر.
(فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ... (٦٤) أي: حيلتكم.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (طَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، أي: بدينكم الأفضل، وهو من الأمثل.
وقال أبو عبيدة: (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) أي: مصلى، والصف: المصلى، وقال: حكى عن بعضهم أنه قال: ما استطعت أن آتى الصف اليوم أي: المصلى.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (صَفًّا): أي: جميعًا، وكذلك قال غيره من أهل التأويل.
وقوله: (مَنِ اسْتَعْلَى) أي: غلب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ) حرف الإجماع يستعمل في العزم مرة والاجتماع ثانيًا:
أما في العزم فما ذكر في الخبر: " لَا صَوْمَ لِمَنْ لَم يَجْمَع رَأيَهُ مِنَ اللَّيل " أي: لمن لم يعزم، على ما روى في الخبر: " لا صَوْمَ لمن لم يَعْزِمْ مِنَ الليل ".
وأما الاجتماع فظاهر، فإن كان على الاجتماع، فكأنه قال: فاجتمعوا على عمل واحد لا تختلفوا فيه.
وعلى العزم، أي: اعرفوا شيئا واحدًا؛ واقصدوا أمرًا واحدًا لكي تغلبوا.
طه 20:65
(ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) قَالَ بَعْضُهُمْ: جميعًا غير متفرقين، وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) أي: المصلى الذي كان موعود الاجتماع، وهو يوم الزينة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى) قيل: من غلب، كقوله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ)، أي: غلب.
وجائز أن يكون قوله: (اسْتَعْلَى)، أي: من طلب العلو، وأراد أن يسعد بما وعد فرعون للسحرة من الأجر إذا كانوا هم الغالبين، كقوله: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)، فذلك هو ما طلبوا منه، فأخبر أنهم يظفرون بذلك، هذا إذا كان القول من فرعون، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى. قَالَ بَلْ أَلْقُوا)، إنما ألقوا بأمر من اللَّه وإذن منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ (٦٦) إلى موسى (مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) أي: وقع في قلبه الخوف، وخاف إذ صنع القوم ما صنعوا من الشحر، ثم يحتمل ذلك الخوف منه وجهين:
أحدهما: خاف على ما طبع البشر عليه من خوف الطبع، لا خوف غلبة؛ لأنه قال لهم: (مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ)، كان يعلم - صلوات اللَّه عليه - أن تمويهات السحر لا تبطل حجج اللَّه وآياته، فدل ذلك أنه خاف خوف الطبع والجِبِلَّة، لا خوف القهر والغلبة.
أو أن يكون خوفه لما أخذ سحر أُولَئِكَ أعين الناس؛ خاف موسى أن يمنعهم ذلك عن أن يبصروا ما جاء هو من الآية والبرهان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: خاف أن يشكوا فيه فلا يتابعوه، ويشك فيه من تابعه، وهو ما ذكرنا
طه 20:66
الآيتان ٦٥ و٦٦ : وقوله تعالى :﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى﴾ ﴿قال بل ألقوا﴾ بأمر من الله وإذن منه. وقوله تعالى :﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه﴾ إلى موسى ﴿من سحرهم أنها تسعى﴾.
وقوله تعالى :﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى﴾ ﴿قال بل ألقوا﴾ بأمر من الله وإذن منه. وقوله تعالى :﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه﴾ إلى موسى ﴿من سحرهم أنها تسعى﴾.
طه 20:67
الآية ٦٧ :[ وقوله تعالى ] (١) :﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ أي وقع في قلبه الخوف، وخاف إذ صنع القوم ما صنعوا من السحر. ثم يحتمل ذلك الخوف منه وجهين :
أحدهما : خاف على ما طبع البشر عليه من خوف الطبع لا خوف غلبة، لأنه قال لهم :﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله﴾ [يونس: ٨١] كان يعلم عليه السلام أن تمويهات السحر لا تبطل حجج الله وآياته. فدل ذلك أنه خاف خوف الطبع والجبلة لا خوف القهر والغلبة.
[ والثاني ] (٢) : أن يكون خوفه لما أخذ سحر أولئك أعين الناس خاف موسى أن يمنعهم ذلك أن يبصروا ما جاء هو به من الآية والبرهان.
وقال بعضهم : خاف أن يشكوا فيه، فلا يتابعوا، ويشك فيه من تابعه، وهو ما ذكرنا قريبا منه، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أو..
طه 20:68
قريبًا منه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)
أي: الغالب، فإن كان الخوف الذي ذكر خوف طبع وما جبل عليه المرء، فيكون قوله: (لَا تَخَفْ) على تسكين القلب وتثبيته، وإن كان الثاني فهو على البشارة له، والإخبار على ألا يمنع سحر أُولَئِكَ عن أن يبصروا ما تأتي به أنت من الآية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا (٦٩) هذا يدل أن سحر أُولَئِكَ إنما صار بعدما ألقوا ما في أيديهم، لم يكن سحرًا وقت كونه في أيديهم، وكذلك عصا موسى إنما صارت آية وحجة بعدما ألقاها من يده لم تكن وقت كونها في يده، وكذلك حيث قال: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا)، أي: تلقم وتأكل ما صنعوا (إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) أي: لا يفلح الساحر حيث أتى بسحره، وإلا قد أفلح سحرة فرعون، وفي حرف ابن مسعود: (أين أتى).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: حيث كان. وحيث وحوث لغتان، وهو قول الكسائي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠) لأنهم عرفوا حقيقة ما أتى به موسى، فعلموا أنه سماوي وأنه آية ليس بسحر، فآمنوا إيمانا لم يرتابوا فيه قط، وهذا يدل أن كل ذي بصر وعلم في شيء يكون أبصر وأعلم في ذلك الشيء من غيره؛ حيث لم ينظروا لما رأوا ما أتى به موسى وعاينوا وقتًا ينظروا فيه، بل لسرعة معرفتهم، لم يملكوا أنفسهم، بل ألقوا على وجوههم على ما أخبر؛ حيث قال: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا)، و (سُجَّدًا).
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى): أي: أضمر خوفًا.
وقال غيره: وقع في قلبه حيث أنَى كان.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ)، أي: يظن، يقول: يخيل إلى، أي: يريني فهمي وعلمي أن هذا الشيء كذا وكذا، (فَأَوْجَسَ) أي: أحس. (تَلْقَفْ) وتلقم: واحد.
وقوله تعالى: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ... (٧١)
قَالَ بَعْضُهُمْ: يعني: موسى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كبير السحرة الذي علم غيره السحر.
وقال في آية أخرى: (إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا...) الآية. قد علم اللعين أن ذلك ليس بسحر ولا مكر مكروا به، لكنه أراد أن
طه 20:69
الآية ٦٩ : وقوله تعالى :﴿وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا﴾ هذا يدل أن سحر أولئك إنما صار بعدما ألقوا ما في أيديهم، وكذلك عصا موسى إنما صارت آية وحجة بعدما ألقاها من يده. لم تكن وقت كونها في يده كذلك حين(١) قال :﴿وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا﴾ أي تلقم، وتأكل ﴿ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ بسحره. وإلا قد أفلح سحرة فرعون.
وفي حرف ابن مسعود : أين أتى. وقال بعضهم : حيث كان وحيث وحوث لغتان، وهو قول الكسائي.
١ في الأصل وم: حيث.
في الأصل وم: حيث..
طه 20:70
الآية ٧٠ : وقوله تعالى :﴿فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى﴾ لأنهم عرفوا حقيقة ما أتى به(١) موسى فعلموا أنه آية، ليس بسحر، فآمنوا إيمانا، لم يرتابوا فيه قط.
وهذا يدل أن كل ذي بصر وعلم في شيء يكون أبصر وأعلم في ذلك الشيء من غيره [ ألا ترى أنهم ](٢) لم ينظروا لما رأوا ما أتى به موسى، وعاينوا وقتا ينظرون(٣) فيه ؟ بل لسرعة معرفتهم ذلك لم يملكوا أنفسهم، بل ألقوا على وجوههم على ما أخبر حين(٤) قال :﴿فألقي السحرة سجدا﴾ [ وقال :] (٥) ﴿وألقي السحرة ساجدين﴾ [ الأعراف : ١٢٠ والشعراء : ٤٦ ].
وقال القتبي :﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ أي أضمر خوفا. وقال غيره : وقع في قلبه [ حين رأى ما كان ] (٦).
وقال أبو عوسجة :﴿يخيل إليه﴾ أي يظن ؛ يقال(٧) : يخيل إلي، أي يريني فهمي وعلمي أن هذا الشيء كذا وكذا. ﴿فأوجس﴾ أي أحس ﴿تلقف﴾ وتلقم واحد.
١ في الأصل وم: بهم..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: ينظروا..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: حيث أتى كان..
٧ في الأصل وم: يقول..
طه 20:71
الآية٧١ : وقوله تعالى :﴿قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر﴾ قال بعضهم : يعني موسى : وقال بعضهم : كبير السحرة الذي علم السحر. وقال في آية أخرى :﴿إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها﴾ /٣٢٢- ب/ الآية [الأعراف: ١٢٣] قد علم فرعون أن ذلك ليس بسحر ولا مكر، مكروا به. لكنه أراد أن يموه على قومه، ويُلبس عليهم أمر موسى وما جاء [ به ] (١) من الآيات والحجج لأنه هو الذي رباه، ونشأ بين ظهرانيه وأهله. فعلم أنه لم يتعلم السحر من أحد، لما فارقه، وخرج من عندهم إلى مدين، لم يكن هناك [ ساحر ] (٢) يتعلم منه السحر لكنه أراد التمويه والتلبيس على قومه. وكذلك أهل مكة حين(٣) نسبوا رسول الله إلى السحر والكهانة والافتراء والجنون وغيره علموا أنه ليس بساحر ولا كاهن ولا مجنون ولا مفتر لأنه نشأ بين أظهرهم صغيرا، لم يؤخذ عليه كذب قط على أحد من الخلائق، فكيف على الله تعالى ؟ ولا رأوه اختلف إلى أحد من السحرة والكهنة في تعلم ذلك. لكنهم أرادوا التمويه والتلبيس على الناس لئلا يتبعوه إلى ما دعاهم إليه من دين الله وتوحيده.
ثم الرسل، صلوات الله تعالى عليهم، لو لم يكن معهم الآيات المعجزة ولا الحجج النيرة كانت أنفسهم وما عليه طبعوا من السيرة الحسنة والأخلاق الكريمة الجميلة وما اختاروا من الأمور العظيمة الرفيعة دالة على رسالتهم ونبوتهم. فكيف وقد جاؤوا بالآيات المعجزة والبراهين المنيرة ؟ وما طبع السحرة من السيرة المذمومة و الأخلاق الدنية والأمور الخسيسة يدل على كذبهم وافتعالهم. فكيف أشكل عليهم معرفة(٤) السحر من الرسالة والتمويه من الحجة ؟ لكنهم أرادوا بذلك ما ذكرنا من التمويه على قومهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ يشبه أن يكون ذلك الوعيد منه في وقتين. أوعدهم أولا بقطع اليد والرجل من خلاف على الإبقاء رجاء أن ينتهوا عما اختاروا. فإذا لم ينتهوا عنه فعند ذلك أوعدهم بالقتل والصلب، إذ في القتل والصلب إتلاف ما دونه من الجوارح. فإن كان على هذا ففيه أن كل حد، يراد به الإبقاء [ فإنه لا يؤتى على الجوارح كلها، والقطع في السرقة قد يراد به الإبقاء لذلك لا يؤتى على الجوارح كلها، وكذلك [ حد(٥) قطاع الطرق ؛ إذ يراد به الإبقاء ] (٦) لم يزد على قطع اليد والرجل من خلاف.
وقوله تعالى :﴿ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى﴾ لو ذاق اللعين شيئا من عذاب ربه لم يقل مثل هذه المقالة، ولولا ما عرف من حلم ربه، وإلا لم يتجاسر أن يتكلم بمثل هذا، ويوعدهم أن عذابه أشد من عذاب الله.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: معجزة..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
طه 20:72
يموه على قومه ويلبس عليهم أمر موسى وما جاء به من الآيات والحجج؛ لأنه هو الذي رباه ونشأ بين ظهرانيه وأهله، فعلم أنه لم يتعلم السحر من أحد، ولما فارقه وخرج من عندهم إلى مدين لم يكن هناك من يتعلم منه السحر، لكنه أراد التمويه والتلبيس على قومه، وكذلك أهل مكة حيث نسبوا رسول اللَّه إلى السحر والكهانة والافتراء والجنون وغيره، علموا أنه ليس بساحر ولا كاهن ولا مجنون ولا مفتر؛ لأنه نشأ بين أظهرهم صغيرًا لم يؤخذ عليه كذب قط على أحد من الخلائق، فكيف على اللَّه تعالى؟ ولا رأوه اختلف إلى أحد من السحرة والكهنة في تعلم ذلك، لكنهم أرادوا بذلك التمويه والتلبيس على الناس؛ لئلا يتبعوه ولا يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من دين اللَّه وتوحيده.
ثم الرسل - صلوات اللَّه عليهم - لو لم يكن معهم الآيات المعجزة ولا الحجج النيرة، كانت أنفسهم وما طبعوا عليه من السيرة الحسنة والأخلاق الكريمة الجميلة وما اختاروا من الأمور العظيمة الرفيعة - دالة على رسالتهم ونبوتهم، فكيف وقد جاءوا بالآيات المعجزة والبراهين المنيرة؟ وما بطبع السحرة من السيرة المذمومة والأخلاق الدنيئة والأمور الخسيسة، يدل على كذبهم وافتعالهم، فكيف أشكل عليهم صرفة السحر من الرسالة والتمويه من الحجة، لكنهم أرادوا بذلك ما ذكرنا من التمويه على قومهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ).
يشبه أن يكون هذا الوعيد منه في وقتين: أوعدهم أولا بقطع اليد والرجل من خلاف على الإبقاء؛ رجاء أن ينتهوا عما اختاروا، فإذا لم ينتهوا عنه، فعند ذلك أوعدهم بالقتل والصلب؛ إذ في القتل والصلب إتلاف ما دونه من الجوارح، فإن كان على هذا ففيه أن كل حد يراد به الإبقاء، فإنه لا يؤتى على الجوارح كلها، والقطع في السرقة قد يراد به الإبقاء؛ لذلك لا يؤتى على الجوارح كلها، وكذلك حد قطاع الطريق؛ إذ يراد به الإبقاء لم يزد على قطع اليد والرجل من خلاف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى).
لو ذاق اللعين شيئًا من عذاب ربه لم يقل مثل هذه المقالة، ولولا ما عرف من حلم ربه، وإلا لم يتجاسر أن يتكلم بمثل هذا ويوعدهم أن عذابه أشد من عذاب اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)
أي: لن نؤثرك بالربوبية والعبادة لك والطاعة على ما جاءنا من البينات على ربوبية الله وألوهيته وعبادته.
طه 20:73
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِي فَطَرَنَا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: لو نؤثرك على الذي خلقنا، لكن غيره كأنه أشبه، وهو أن قوله: (وَالَّذِي فَطَرَنَا) على القسم، أي: بالذي فطرنا، كأنهم أيأسوه عن العود إلى عبادته وخدمته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) ليس على الأمر لكن على عناد لك، أي: إنك وإن فعلت بنا ما أوعدت فإنا لا نؤثرك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) أي: إنما تقضي في هذه الحياة الدنيا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)
يحتمل قوله: (وَاللَّهُ خَيْرٌ) معبود وثوابه أبقى من ثواب غيره.
أو أن يكون هذا جواب قوله: (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) فيقول: عذاب اللَّه أبقى، واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: جذوع النخل: ساق النخل وأصله.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥).
أصل هذا - واللَّه أعلم -: أن من قبل من اللَّه حياته بالشكر وطيبها بالأعمال الصالحات، طيب اللَّه حياته وعيشه في الآخرة، ومن لم يقبل حياته من اللَّه بالشكر في الدنيا، بل كفر بها وخبثها وقبحها بالأعمال القبيحة الخبيثة الدنية خبث حياته في الآخرة وعيشه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)
هى ما يرتفع ويعلو، والدركات: ما يتسفل وينحدر في الأرض، والدرجات للمؤمنين في الآخرة؛ لاختيارهم في الدنيا الأعمال الصالحة الرفيعة العالية، فعلى ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الرفيعة العلية، فلهم في الآخرة مقابل ذلك الدرجات العلا، وأما الدركات فهي لأهل الكفر مقابل ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الدنية الخبيثة أخزاهم،
طه 20:74
الآيات ٧٤ و٧٥ : وقوله تعالى :﴿إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ ﴿ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ أصل هذا، والله أعلم، أن من قبل من الله حياته بالشكر، وطيبها بالأعمال الصالحات طيب الله حياته وعيشه في الآخرة. ومن لم يقبل حياته من الله تعالى بالشكر في الدنيا، بل كفر بها، وخبثها، وقبحها بالأعمال القبيحة الخبيثة الدنية، خبثت حياته وعيشه(١) في الآخرة.
وقوله تعالى :﴿فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ هي ما ترتفع، وتعلو. والدركات ما تتسفل، وتنحدر في الأرض. والدرجات للمؤمنين في الآخرة لاختيارهم في الدنيا الأعمال الصالحة الرفيعة العالية. فعلى ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الرفيعة [ العلوية ﴿لهم﴾ ](٢) في الآخرة مقابل ذلك ﴿الدرجات العلى﴾. وأما الدركات فهي لأهل الكفر مقابل ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الدنية الخبيثة، وأخزاهم كمثل من زرع بذور(٣) الشوك لم يحصد برا قط.
١ أدرجت في الأصل وم بعد: الآخرة..
٢ في الأصل وم: العلوة فلهم..
٣ في الأصل وم: بذر..
طه 20:75
الآيات ٧٤ و٧٥ : وقوله تعالى :﴿إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ ﴿ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ أصل هذا، والله أعلم، أن من قبل من الله حياته بالشكر، وطيبها بالأعمال الصالحات طيب الله حياته وعيشه في الآخرة. ومن لم يقبل حياته من الله تعالى بالشكر في الدنيا، بل كفر بها، وخبثها، وقبحها بالأعمال القبيحة الخبيثة الدنية، خبثت حياته وعيشه(١) في الآخرة.
وقوله تعالى :﴿فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ هي ما ترتفع، وتعلو. والدركات ما تتسفل، وتنحدر في الأرض. والدرجات للمؤمنين في الآخرة لاختيارهم في الدنيا الأعمال الصالحة الرفيعة العالية. فعلى ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الرفيعة [ العلوية ﴿لهم﴾ ](٢) في الآخرة مقابل ذلك ﴿الدرجات العلى﴾. وأما الدركات فهي لأهل الكفر مقابل ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الدنية الخبيثة، وأخزاهم كمثل من زرع بذور(٣) الشوك لم يحصد برا قط.
١ أدرجت في الأصل وم بعد: الآخرة..
٢ في الأصل وم: العلوة فلهم..
٣ في الأصل وم: بذر..
وقوله تعالى :﴿إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ ﴿ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ أصل هذا، والله أعلم، أن من قبل من الله حياته بالشكر، وطيبها بالأعمال الصالحات طيب الله حياته وعيشه في الآخرة. ومن لم يقبل حياته من الله تعالى بالشكر في الدنيا، بل كفر بها، وخبثها، وقبحها بالأعمال القبيحة الخبيثة الدنية، خبثت حياته وعيشه(١) في الآخرة.
وقوله تعالى :﴿فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ هي ما ترتفع، وتعلو. والدركات ما تتسفل، وتنحدر في الأرض. والدرجات للمؤمنين في الآخرة لاختيارهم في الدنيا الأعمال الصالحة الرفيعة العالية. فعلى ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الرفيعة [ العلوية ﴿لهم﴾ ](٢) في الآخرة مقابل ذلك ﴿الدرجات العلى﴾. وأما الدركات فهي لأهل الكفر مقابل ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الدنية الخبيثة، وأخزاهم كمثل من زرع بذور(٣) الشوك لم يحصد برا قط.
طه 20:76
كمثل من زرع بذر الشوك لم يحيصد بُرًّا قط.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)
أي: ذلك الذي ذكر جزاء من صلح عمله وأنماه، والزكاة: هي النماء في اللغة.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي): وهو السير بالليل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا) أي: اضرب بعصاك البحر، اجعل لهم طريقا في البحر يابسًا؛ كقوله: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى).
أي: لا تخاف لحوق فرعون وجنوده، ولا تخشى غرق البحر، ليس على النهي، ولكن على رفع الخوف عنه والأمن عن أن يدركهم ويلحقهم؛ ألا ترى أنه قال: (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)
دل قوله: (بِجُنُودِهِ) على أن كان معه جنود لا جند واحد، وأما العدد فإنهم كذا وكذا ألفا وقوم موسى كذا وكذا ألفا، فذلك لا يعلم إلا بالخبر وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ)؛ أي: من الغرق والهلاك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)
قَالَ بَعْضُهُمْ: وأضل فرعون قومه وما هداه اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: وأضل فرعون قومه وما هداهم حيث قال: (وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).
وقيل: أضل قومه وما هدى نفسه.
وقال - بعضهم: (وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) أي: آمن؛ وذلك أنه بالإيمان تزكو الأعمال وتنمو، وبه يثاب عليها ويؤجر.
طه 20:77
الآية ٧٧ : وقوله تعالى :﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي﴾ وهو السير بالليل.
وقوله تعالى :﴿فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا﴾ أي اضرب بعصاك البحر، فيصير(١) لهم طريقا في البحر يابسا كقوله ﴿فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ الآية [الشعراء: ٦٣].
وقوله تعالى :﴿لا تخاف دركا ولا تخشى﴾ أي لا تخاف لحوق فرعون وجنوده، ولا تخشى غرق البحر. ليس على النهي، ولكن على رفع الخوف عنه، والأمن عن أن يدركهم، ويلحقهم. ألا ترى أنه ﴿قال أصحاب موسى إنا لمدركون﴾ ﴿قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾ ؟ [ الشعراء : ٦١ و٦٢ ].
١ في الأصل وم: اجعل..
طه 20:78
الآية ٧٨ : وقوله تعالى :﴿فأتبعهم فرعون بجنوده﴾ دل قوله ﴿بجنوده﴾ على أن كان معه جنود لا جند واحد. وأما العدد فإنهم كانوا كذا وكذا ألفا، وقوم موسى كذا وكذا ألفا. فذلك لا يعلم إلا بالخبر، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله تعالى :﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ أي من الغرق والهلاك.
طه 20:79
الآية ٧٩ : وقوله تعالى :﴿وأضل فرعون قومه وما هدى﴾ قال بعضهم :﴿وأضل فرعون قومه وما﴾ هداه الله. وقال بعضهم :﴿وأضل فرعون قومه وما﴾ هداهم حين(١) قال :﴿وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩] وقيل :﴿وأضل فرعون قومه وما هدى﴾ نفسه. وقال بعضهم :﴿وذلك جزاء من تزكى﴾ [طه: ٧٦] أي من آمن، وذلك أنه بالإيمان تزكو الأعمال، وتنمو، وبه يثاب عليها، ويؤجر.
وقال القتبي :﴿لا تخاف دركا﴾ أي لحاقا، وقوله :﴿فأتبعهم فرعون وجنوده﴾ أي لحقهم.
١ في الأصل وم: حيث..
طه 20:80
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (لَا تَخَافُ دَرَكًا) أي: لحاقًا.
وقوله: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) أي: لحقهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)
هذا خبر يخبر عما أنعم عليهم ومن على أوائلهم وآبائهم من حضر رسول اللَّه، يذكر هَؤُلَاءِ بما أنعم ومَنَّ على أُولَئِكَ، وإلا لم يكن هَؤُلَاءِ يومئذ، وفيه تذكير النعم والمنن على الصحابة في أواخر أمورهم؛ لأنه أمنهم في آخر أمرهم من عدوهم وأيأسهم عن عود هَؤُلَاءِ إلى دينهم.
وفيه تذكير لنا فيما أنعم علينا ومَنَّ في أوائل أمورنا وآخرها، ليس التذكير لبني إسرائيل خاصة، ولكن لكل من أنعم عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ).
لسنا ندري أن الأيمن هو اسم ذلك الجبل، أو سماه الأيمن؛ ليمنه وبركته، وقال - عز وجل - في آية أخرى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ).
أو سماه الأيمن من يمين موسى عليه السلام.
فإن كان هو من اليمن والبركة فهو كذلك؛ لأنه به كان بدء وحي موسى عليه السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى).
يذكر هَؤُلَاءِ ما وسع على أوائلهم من الرزق وأخصهم؛ ليستأدي بذلك الشكر على ما أنعم عليهم، وذلك تذكير لنا ولمن وسع عليه ذلك؛ إذ لم يزل علينا يوسع الرزق من أول عمرنا إلى آخره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)
أي: قلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم.
ثم يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون قوله: (طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أي: من حلالات ما رزقناكم، فإن كان على هذا ففيه دلالة أنه يرزق ما ليس بحلال.
والثاني: (مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أي: ما تطيب به أنفسكم، ففيه دلالة أنه يجوز لنا أن نختار من الأطعمة ما هو أطيب إن كان على ما تستطيب به الأنفس.
وقوله تعالى: (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ).
الطغيان: هو المجاوزة عن الحدود التي جعلت، أي: لا تطغوا فيما رزقكم من
طه 20:81
الآية ٨١ : وقوله تعالى :﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [ يحتمل وجهين :
أحدهما ] (١) ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ أي من حلالات ما رزقناكم. فإن كان على هذا ففيه دلالة أن [ من الرزق ] (٢) ما ليس بحلال.
والثاني :﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ أي ما تطيب به أنفسكم. ففيه دلالة أنه يجوز لنا أن نختار(٣) من الأطعمة ما هو أطيب إن كان على ما تستطيب به الأنفس.
وقوله تعالى :﴿ولا تطغوا فيه﴾ الطغيان هو المجاوزة عن الحدود التي جعلت، أي لا تطغوا في ما رزقناكم من الطيبات، وتجعلونه في غير ما جعل، وتتجاوزون عن القدر الذي جعل.
وقوله تعالى :﴿فيحل عليكم غضبي﴾ برفع الحاء والخفض(٤) جميعا، يحل أن ينزل عليكم غضبي، ويحل بالرفع يجب.
وقوله تعالى :﴿ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى﴾ قيل : هوى هلك ؛ أي من يجب عليه عذابي فقد هلك. وكذلك قال القتبي : هوى أي هلك ؛ يقال : هوت أمه، أي هلكت. وقيل ﴿فقد هوى﴾ أي سقط في النار ؛ يقال : هوى في موضع كذا.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: يرزق..
٣ من م في الأصل: المختار..
٤ انظر معجم القراءات القرآنية ح٤/١٠٠..
طه 20:82
الطيبات وتجعلونه في غير ما جعل وتتجاوزوا عن القدر الذي جعل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) برفع الحاء والخفض جميعًا، يحل أن ينزل عليكم غضبي، ويحل بالرفع: يجب.
وقوله: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى).
قيل: (هَوَى): هلك، أي: من يجب عليه عذابي فقد هلك، وكذلك قال الْقُتَبِيّ: (هَوَى)، أي هلك، يقال: هوت أمه: هلكت.
وقيل: (فَقَدْ هَوَى)، أي: سقط في النار، يقال: هوى في موضع كذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)
يحتمل قوله: (لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ) عن الشرك، ورجع عنه، وآمن بتوحيده، وعمل صالحًا فيما بين ذلك، (ثُمَّ اهْتَدَى): في حفظ أمره والنهي عما نهى.
والثاني: (لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ): عن جميع المناهي وآمن بجميع ما أمر.
وقوله: (ثُمَّ اهْتَدَى) أي: دام على ذلك وثبت؛ كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا).
* * *
قوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى).
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن موسى - صلوات اللَّه عليه - خرج بنفر من قومه إلى الجبل؛ ليأخذ التوراة، فعجل حتى خلفهم وتركهم وراءه، فعند ذلك قال له ربه: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لم يخرج بنفر، ولكن خرج وحده وترك قومه، فأصابهم ما أصاب من
طه 20:83
الآية ٨٣ : وقوله تعالى :﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى﴾ قال بعضهم : إن موسى عليه السلام خرج بنفر من قومه إلى الجبل ليأخذ التوراة، فعجل حتى خلفهم وتركهم وراءه. فعند ذلك قال له ربه :﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى﴾ وقال بعضهم : لم يخرج بنفر، ولكن خرج وحده، وترك قومه، فأصابهم ما أصاب من الافتنان بالعجل الذي اتخذه السامري.
طه 20:84
الافتتان بالعجل الذي اتخذه السامري.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي... (٨٤)
هذا على التأويل الأول، أي: هم يجيئون على أثري.
وعلى التأويل الثاني، أي: تركتهم على ديني وسبيلي، وهو قول الحسن وقتادة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى).
أي: عجلت إليك رب فيما دعوتني إجابة وطاعة فيما أمرتني؛ لترضى، هذا على التأويل الذي قال: إنه خرج وحده.
وعلى التأويل الذي يقول: إنه خرج بنفر يقول - واللَّه أعلم -: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)؛ إذ لم يكن لي سبب ولا معنى يمنعني عن الإسراع إلى ما دعوتني وأمرتني.
وهكذا عندنا أن من لزمه أمر اللَّه وفرضه، لزمه الإسراع والعجلة إلى القيام بأدائه، إذا لم يكن هناك سبب يمنعه عن التعجيل له والقيام به، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)
الفتنة: هي المحنة التي فيها شدائد وبلايا، ومعنى الافتتان هاهنا: هو ما فتنهم بالعجل الذي اتخذه السامري، جعله جسدًا بدم ولحم على ما ذكر، ونفخ فيه الروح، وجعل له خوار، فذلك معنى الافتتان منه إياهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ).
أضاف الإضلال إلى السامري؛ لأنه كان سبب إضلالهم حيث اتخذ لهم العجل، ودعاهم إلى عبادته، وقال: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى)، فأضاف الإضلال إليه؛ لما ذكرنا من دعائه إليه والسبب الذي كان منه، وإلا لم يكن لأحد إضلال أحد، وأضاف الافتتان إلى نفسه؛ لما ذكرنا من جعل العجل جسداني من لحم ودم وروحاني.
فَإِنْ قِيلَ: ما معنى إجراء ما أجرى على يدي السامري مع ضلالة من الآية؟
قيل: هو - واللَّه أعلم - أنه لو ادعى لنفسه الرسالة، لكان لا يتهيأ له ذلك، لكنه إنما ادعى أنه إله وآثار العبودية فيه ظاهرة قائمة يعرف كل أحد أنه ليس بإله، وأما الرسالة فإنه يجوز أن تشتبه على الناس وتلتبس عليهم، فيمنع اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - من ليس برسول إذا ادعى الرسالة إقامة دلالة الرسالة لاشتباهها على الناس، وأما الألوهية فلا يمنع عن إجراء ذلك؛ لأن آثار العبودة وأعلام العجز فيها ظاهرة يعرفها كل أحد.
وهكذا من أتى أهل قرية لم يبلغهم هذا القرآن فقرأ هذا القرآن وقال: إني رسول الله إليكم لم يقدره اللَّه على قراءته، ولو ادعى الربوبية لم يمنع؛ لأن آثار العجز عن إتيان
طه 20:85
الآية ٨٥ : وقوله تعالى :﴿قال فإنما قد فتنا قومك من بعدك﴾ الفتنة هي المحنة التي فيها شدائد وبلايا. ومعنى الافتتان هاهنا هو ما افتتنوا(١) بالعجل الذي اتخذه السامري ؛ جعله جسدا بدم ولحم على ما ذكر، ونفخ فيه الروح، وجعل له خوارا. فذلك معنى الافتتان منه إياهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وأضلهم السامري﴾ أضاف الإضلال إلى السامري لأنه كان سبب إضلالهم حين(٢) اتخذ لهم العجل، ودعاهم إلى عبادته، وقال :﴿هذا إلهكم وإله موسى﴾ [طه: ٨٨] فأضاف الإضلال إليه لما ذكرنا من دعائه [ إياهم ] (٣) إليه والسبب الذي كان منه. وإلا لم يكن لأحد(٤) إضلال أحد. وأضاف الافتتان إلى نفسه لما ذكرنا من جعل العجل [ جسدانيا من لحم ودم وروحانيا ] (٥) فإن قيل : ما معنى إجراء ما أجرى على يدي السامري مع ضلاله من الآية ؟ قيل : هو، والله أعلم، أنه لو ادعى لنفسه الرسالة لكان لا يتهيأ له ذلك. لكنه إنما ادعى أنه إله، وآثار العبودية فيه ظاهرة قائمة، يعرفه كل أحد أنه ليس بإله.
وأما الرسالة فإنه يجوز أن تشتبه على الناس، وتلتبس عليهم، فيمنع الله عز وجل من ليس برسول إذا ادعى الرسالة إقامة دلالة الرسالة لاشتباهها على الناس.
وأما الألوهية فلا [ يمنعه الله عن إجراء ] (٦) ذلك لأن آثار العبودة وأعلام العجز فيها ظاهرة يعرفها(٧) كل أحد. وهكذا من أتى قرية، لم يبلغهم هذا القرآن، فقرأ هذا القرآن، وقال : إني رسول الله إليكم، يقدره الله على قراءته. فلو ادعى الربوبية لم [ يمنعه الله ] (٨). لأن آثار العجز عن إتيان مثله ظاهرة، وفي الرسالة لا، لذلك افترقا، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: فتنتم..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: أحد..
٥ في الأصل وم: جسداني من لحم ودم وروحاني..
٦ من الأصل يمنع عن جزاء في..
٧ في الأصل وم: يعرفه..
٨ في الأصل وم: يمنع..
طه 20:86
مثله ظاهرة وفي الرسالة لا؛ لذلك افترقا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)
والأسف: هو النهاية في الغضب، والنهاية في الحزن، وهكذا جبل اللَّه رسله وأنشأهم على نهاية الغضب لله والأسف له عند معاينتهم الخلاف لله والتكذيب له؛ كقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ...) الآية، وقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا).
على تأويل الحسن: وعدًا حسنا، هو الثواب الذي وعد لهم بالدِّين والسبيل.
(قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي)، أي: على ديني وسبيلي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَعْدًا حَسَنًا) أي: عدلا وصدقا؛ حيث وعد لهم أنه يرجع إليهم عند رأس أربعين أو ثلاثين ليلة، على ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) على تأويل الحسن: أفطال عليكم عهد ما وعد لكم من دون الثواب والجزاء على دينه وسبيله حتى نسيتم ذلك.
وعلى تأويل من قال: إن الوعد هو ما وعد أنه يرجع إليهم على رأس كذا يقول: أفطال عليكم ومضى وعدي حتى فعلتم ما فعلتم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ).
أي: أم تعمدتم الخلاف فيحل عليكم غضب من ربكم.
(فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) يحتمل الموعد الوجهين اللذين ذكرناهما فيما مضى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا... (٨٧) برفع الميم وكسره: فمن قرأه بمُلْكِنَا برفع الميم، أي: بسلطاننا وطاقتنا، أي: لم نفعل بسلطاننا وطاقتنا.
ومن قرأه: (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم أي: بما ملكت أيدينا.
وقال الكسائي: من قرأ (بِمُلْكِنَا)، معناه: بسلطاننا، ومن قرأه: (بِمَلْكِنَا) بكسر الميم ونصبه معناهما: وهو ما ملكت أيدينا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ).
قيل: أثقالا من زينة القوِمِ، أي: من حلى القبط.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَذَفْنَاهَا)، أي: قذفنا ما حملنا من حليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ).
أي: كذلك قذف ما حمل السامري من حليهم.
طه 20:87
الآية ٨٧ : وقوله تعالى :﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾ برفع الميم وكسره(١). فمن قرأ بملكنا برفع الميم أي بسلطاننا وطاقتنا، أي لم نفعل بسلطاننا وطاقتنا. ومن قرأ بملكنا الميم [ أي بما ] (٢) ملكت أيدينا.
وقال الكسائي : من قرأ بملكنا فمعناه(٣) بسلطاننا، ومن قرأ بملكنا بكسر الميم ونصبه فمعناها ما ملكت أيدينا.
وقوله تعالى :﴿ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم﴾ قيل أثقالا ﴿من زينة القوم﴾ أي من حلي القبط.
وقوله تعالى :﴿فقذفناها﴾ أي قذفنا ما حملنا من حليهم.
وقوله تعالى :﴿فكذلك ألقى السامري﴾ أي كذلك قذف ما حمل السامري من حليهم.
وجائز أن يكون قوله :﴿فكذلك ألقى السامري﴾ ما أخذ من قبضته من أثر الرسول كقوله :﴿فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها﴾ [طه: ٩٦].
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٨٧..
٢ في الأصل وم: ما..
٣ في الأصل وم: معناهما، وهو..
طه 20:88
وجائز أن يكون قوله: (فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) ما أخذ من قبضته من أثر الرسول؛ كقوله: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)
أي: عجلا جسده جسد عجل، وليس هو بعجل في الحقيقة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: عجلا جسدًا لا يتعيش كما يتعيش العجل المولود من البقر، والأول أشبه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ).
هذا القول إنما قاله السامري.
وقوله: (فَنَسِيَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: نسي السامري حيث قال لهم: هذا إلهكم فنسي هذا القول، فيكون النسيان على هذا التأويل التضييع والترك؛ كأنه قال: ضيع السامري بعد ما علم وعرف رب العالمين ونسب الألوهية إلى العجل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ؛ إن السامري لما قال: هذا إلهكم وإله موسى، لكن موسى نسي هذا حيث خرج في طلب غيره، ولا يحتمل أن يقبلوا هذا القول منه، ويجعلوا العجل الذي اتخذه السامري إلها، وقد علموا أنه إنما اتخذه من حلي حملوه من القبط، لكنه كان في عقدهم أنه يجوز اتخاذ إله دون إله رب العالمين والعبادة له؛ رجاء أن تقرب عبادتهم تلك الآلهة إلى اللَّه، وعلى هذا كانوا يعبدون الأصنام دون اللَّه؛ كقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، و (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، وكذلك قالوا: (يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، وكذلك ما اتخذ لهم فرعون من آلهة عبدوها دونه، وإلا لم يحتمل أن يقع عندهم أن رب العالمين هو ذلك العجل، لكنه ما ذكرنا أنهم كانوا يستجيزون في اعتقادهم عبادة من دونه، فقال عند ذلك ورد عليهم اعتقادهم فقال: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) أي: ألا يرون أن لا إذن في عبادة من يرجع إليه القول ويملك النفع والضر وهو البشر، فكيف أذن في عبادة من لا يملك شيئًا من ذلك، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ
طه 20:89
الآية ٨٩ : فقال عند ذلك، ورد عليهم اعتقادهم(١) :﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾ أي ألا يرون أن لا أذن في عبادة من [ لا ] (٢) يرجع إليه القول [ ولا ] (٣) يملك النفع والضر. فكيف إذن في عبادة من لا يملك شيئا من ذلك ؟ والله أعلم.
١ أدرج بعدها في الأصل وم: فقال..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
طه 20:90
فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)
يذكر - واللَّه أعلم - بهذا رسوله: أن الذين كذبوك وجحدوا رسالتك لم يكذبوك لجهلهم بالرسالة، ولكن لتعنتهم وعنادهم على ما ذكروا نبأه من قول هارون لقومه لما عبدوا العجل حيث قال: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ) فكأنه يؤيسه عن إيمان أُولَئِكَ لعنادهم، وهو ما قال: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ).
وقوله: (إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: (فُتِنْتُمْ)، أي: صرتم مفتونين بالعجل بصوته وخواره أو بغيره.
والثاني: (فُتِنْتُمْ) أي: ضللتم به، أي: بالعجل وإن ربكم الرحمن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّبِعُونِي)، أي: أجيبوا لي إلى ما أدعوكم به (وَأَطِيعُوا أَمْرِي)، أي: ما آمركم به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَنْ نَبْرَحَ)، أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين حتى يرجع إلينا موسى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَنْ نَبْرَحَ)، أي: لن نفارق عبادته، ثم قال موسى: (يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢)
هذا يدل أن قول هارون لهم: (إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ) أراد به: الضلال؛ حيث قال له موسى: (إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) يحتمل (أَلَّا تَتَّبِعَنِ)، أي: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا صرت إلى ما كنت صرت أنا؟ وقد علمت إلى أين صرت أنا، أو أن يكون قوله: (أَلَّا تَتَّبِعَنِ)، أي: ألا تتبع ديني وسنتي وكانت سنته ومذهبه القتال والحرب معهم إذا ضلوا وتركوا دين اللَّه.
فاعتذر إليه هارون فقال: (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)
هذا أيضًا يخرج على وجهين:
أحدهما: أني خشيت إن اتبعتك وصرت إلى ما صرت أنت تقول لي: (فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)؛ لأنك لو نهيتهم عما اختاروا من عبادة العجل وبينت لهم السبيل لعلهم
طه 20:91
الآية ٩١ : وقوله تعالى :﴿قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ قال بعضهم :﴿لن نبرح عليه﴾ أي لن نزال على عبادة العجل ﴿عاكفين﴾ مقيمين ﴿حتى يرجع إلينا موسى﴾ وقال بعضهم :﴿لن نبرح عليه﴾ أي لن نفارق عبادته.
طه 20:92
الآية ٩٢ : ثم قال موسى ﴿قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا﴾ هذا يدل أن قول هارون لهم :﴿إنما فتنتم به﴾ أراد به الضلال حين(١) قال له موسى ﴿إذ رأيتهم ضلوا﴾.
١ في الأصل وم: حيث..
طه 20:93
الآية ٩٣ :﴿ألا تتبعن أفعصيت أمري﴾ يحتمل ﴿ألا تتبعن﴾ أي ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ؛ ألا صرت إلى ما كنت صرت أنا، وقد علمت إلى أين صرت أنا. أو أن يكون قوله :﴿ألا تتبعن﴾ أي ألا تتبع ديني وسنتي وكانت سنته ومذهبه القتال والحرب معهم إذا ضلوا وتركوا دين الله.
طه 20:94
الآية ٩٤ : فاعتذر إليه هارون، فقال ﴿إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾ هذا أيضا يخرج أيضا على وجهين :
أحدهما :﴿إني خشيت﴾ إن اتبعتك، وصرت ما صرت أنت ﴿أن تقول فرقت بين بني إسرائيل﴾ لأنك لو نهيتهم عما اختاروا من عبادة العجل، وبينت لهم السبيل، لعلهم يتبعونك. فحين(١) لم تفعل فأنت الذي فرقت بينهم.
والثاني : على تأويل القتال والحرب في قوله :﴿ألا تتبعن﴾ ﴿إني خشيت﴾ لو قاتلتهم، ونصبت الحرب بينهم، صاروا فريقين. فإذا تفرقوا اقتتلوا، وسفكوا الدماء، وتفانوا. فترك القتال لما أطمعوه الإيمان إذا رجع إليهم موسى، ونهاهم عن ذلك. فلعل سنته في القتال مع من لم يطمع منه الإيمان.
هذا على تأويل من يقول بأن هارون اعتزلهم لما عبدوا العجل مع عشرة آلاف نفر أكثر أو أقل على ما ذُكر.
وأما الحسن فإنه يقول : كلهم قد عبدوا العجل إلا هارون. فعلى قوله : لا يحتمل الحرب والقتال معهم.
وقوله تعالى :﴿ولم ترقب قولي﴾ قيل : هو ما قال ﴿اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ودل قوله :﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ أنه(٢) كان له الشعر، فكَنَّى بالرأس عن الشعر.
١ في الأصل وم: فحيث..
٢ في الأصل وم: بأن..
طه 20:95
يتبعونك، فحيث لم تفعل فأنت الذي فرقت بينهم.
والثاني: على تأويل القتال والحرب في قوله: (أَلَّا تَتَّبِعَنِ) إني خشيت لو فاتلتهم ونصبت الحرب بينهم صاروا فريقين، فإذا تفرقوا اقتتلوا وسفكوا الدماء وتفانوا، فترك القتال لما أطمعوه الإيمان إذا رجع إليهم موسى ونهاهم عن ذلك، فلعل سنته في القتال مع من لم يطمع منه الإيمان، هذا على تأويل من يقول بأن هارون اعتزلهم لما عبدوا العجل مع عشرة آلاف نفر وأكثر أو أقل على ما ذكر.
وأما الحسن فإنه يقول: كلهم قد عبدوا العجل إلا هارون، فعلى قوله لا يحتمل الحرب والقتال معهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي).
قيل: هو ما قال: (وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)، ودل قوله: (لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) بأن كان له الشعر، فكنى بالرأس عن الشعر.
* * *
قوله تعالى: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ).
قال الحسن: ما حجتك يا سامري على ما فعلت؟ ولا حجة كانت له قط.
وقال غيره: (فَمَا خَطْبُكَ) ما شأنك وما أمرك، والخطب هو الشأن والأمر في اللغة.
وتأويله - واللَّه أعلم -: فما شأنك؟ أي: ما الذي حملك على صنيعك الذي صنعت؟ ثم قوله: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ... (٩٦) بالياء والتاء جميعًا، ثم بين ما الذي بصر هو ما لم يبصروا هم؟ فقال: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا)، أما عامة أهل التأويل: فإنهم يقولون: إنه قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل فنبذتها، وليس في الآية ذكر التراب ولا ذكر الفرس، ولا أن ذلك الرسول جبريل أو غيره.
طه 20:96
الآية ٩٦ : ثم قوله تعالى :﴿بصرت بما لم يبصروا به﴾ بالياء والتاء جميعا(١). ثم بين ما الذي بصر هو ما لم يبصروا هم، فقال :﴿فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها﴾.
أما عامة أهل التأويل فإنهم يقولون : إنه قبض من تراب من أثر فرس جبريل، فنبذها. وليس في الآية ذكر التراب ولا ذكر الفرس ولا أن ذلك الرسول جبريل أو غيره. ويشبه أن يكون الذي قبضه هو تراب من أثر الفرس على ما قاله أهل التأويل. وقد ذُكر في حرف أبي : فقبضت قبضة من أثره فرس الرسول.
فإن ثبت ما قالوا، وإلا لم نزد على ما ذكر في الكتاب لأن هذه الأشياء والقصص كانت في كتبهم، فذكرت في القرآن ليحتج بها رسول الله على أولئك ليعرفوا أنه إما عرف ذلك بالله تعالى. فلو زيد، أو نقص عما في كتبهم لذهب موضع الاحتجاج عليهم، بل يوجب ذلك شبه الكذب عليهم. لذلك وجب حفظ ما حكي في الكتاب من الأنباء والأخبار من غير زيادة ولا نقصان مخافة الكذب إلا أن يثبت شيء يذكر عن رسول الله أنه كان، فعند ذلك يقال، وإلا فالكف أولى لما ذكرناه في قراءة الحسن وقتادة : فقَبَصْتُ قَبْصَة بالصاد. والقبصة [ بالصاد، وهو الأخذ بأطراف الأصابع، والقبضة بالضاد ](٢) هو بالكف. فلا يحتمل أن يصح الحرفان جميعا، لأن الأخذ بأطراف الأصابع دون الكف هو(٣)خبر، يخبر عما في كتبهم. فإما أن يكون ذا أو ذا، وإما أن يكونا جميعا، فلا يحتمل إلا أن يقال : إنه أخذه بأطراف الأصابع، ثم رده إلى الكف. فحينئذ يكون ثم بمرتين، والله أعلم. قوله تعالى :﴿وكذلك سولت لي نفسي﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : أي كذلك سولت لي نفسي : أنك متى تأخذ قبضة من أثر الرسول، فتنبذها في الحلي، يحيى.
[ والثاني ] (٤) : أن يكون سولت له نفسه على ما كانت عادتهم وطبيعتهم أنهم لا يعبدون [ إلها ] (٥) لا يرونه، ولا يقع بصرهم عليه حين(٦) ﴿قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقالوا(٧) ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥] فقال(٨) :﴿سولت لي نفسي﴾ أن أتخد لهم عجلا يرونه، فيعبدونه، أو ﴿سولت لي نفسي﴾أن في أخذ قبضة من أثر الرسول نبأ عظيما أو قال ذلك اعتذارا لجميع ما كان منه من أول الأمر إلى آخره أمره، والله أعلم.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/١٠٧..
٢ في الأصل: بالضاد، والقبضة هو الأخذ بأطراف الأصابع والقبضة، في م: هو الأخذ بأطراف الأصابع والقبضة، انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/١٠٨..
٣ في الأصل وم: فهو..
٤ في الأصل وم: أو..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: كقوله..
٨ في الأصل وم: فقالت..
طه 20:97
ويشبه أن يكون الذي قبضه هو تراب من أثر الفرس، على ما قاله أهل التأويل، وقد ذكر في حرف أبي: (فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول)، فإن ثبت ما قالوا، وإلا لم نزد على ما ذكر في الكتاب من هذه الأنباء والقصص التي كانت في كتبهم، فذكرت في القرآن؛ ليحتج بها رسول اللَّه على أُولَئِكَ؛ ليعرفوا أنه إنما عرف باللَّه تعالى، فلو زيد أو نقص عما في كتبهم، لذهب موضع الاحتجاج عليهم، بل يوجب ذلك شبه الكذب عليهم؛ لذلك وجب حفظ ما حكى في الكتاب من الأنباء والأخبار من غير زيادة ولا نقصان مخافة الكذب، إلا إن ثبت شيء يذكر عن رسول اللَّه أنه كان، فعند ذلك يقال، وإلا الكف أولى لما ذكرناه.
وفي قراءة الحسن وقتادة: (فقبصت قبصة) بالصاد، والقبصة: هو الأخذ بأطراف الأصابع، والقبضة: هو بالكف؛ فلا يحتمل أن يصح الحرفان جميعًا؛ لأن الأخذ بأطراف الأصابع دون الكف فهو خبر يخبر عما في كتبهم، فإما أن يكون ذا أو ذا؟ فأما أن يكونا جميعًا فلا يحتمل، إلا أن يقال: إنه أخذه بأطراف الأصابع، ثم رده إلى الكف؛ فحينئذ يكون، أو أن يكون ثَمَّ مرتان، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: كذلك سولت لي نفسي أنك متى تأخذ قبضة من أثر الرسول فنبذتها في الحلي يحيا.
أو أن يكون سولت له نفسه على ما كان عادتهم وطبيعتهم أنهم لا يعبدون ما لا يرونه ولا يقع بصرهم عليه؛ حيث قالوا: (يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) وكقولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)، فقال: سولت لي نفسي أن أتخذ لهم عجلا يرونه فيعبدونه.
أو سولت لي نفسي أن في قبضة أثر الرسول بناءً عظيمًا.
أو قال ذلك اعتذارًا لجميع ما كان منه من أول الأمر إلى آخر أمره، واللَّه أعلم.
وقوله تعالى: (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ... (٩٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: لا تزال تقول: لا مساس، لا تقول غيره؛ عقوبة له وجزاء لصنيعه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أن تقول: لا مساس لم تمسني، ولا أمسك، أي: لا تمسني أبدًا، أخرجه من بين أظهرهم؛ لما علم موسى منه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ).
يحتمل: أن لك موعدا لعذابك لن تخلفه، يحتمل ذلك في الدنيا والآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا).
قوله: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ) الذي تزعم أنه إله، لا أن موسى سمى ذلك، وهو كما قال: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)، التي في زعمهم آلهة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا) فقوله: (ظَلْتَ) يقال بالنهار، وفي الليل يقال: بات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا).
وفي هذا إثبات آية لموسى؛ حيث قال: (لَنُحَرِّقَنَّهُ)، والعجل الذي هو من لحم ودم ليس من طبع النار إحراقه، وكذلك الحلي والذهب والفضة ليس من طبع النار إحراقهما حتى تصير رمادًا، ولكن من طبعهما الإذابة، ثم أخبر أنه محرقه، فدل أنه آية.
وفي قوله: (لَنُحَرِّقَنَّهُ) لغتان: (لَنُحَرِّقَنَّهُ) بالتشديد وبرفع النون وهو التحريق بالنار، و (لَنَحْرُقَنَّه) بنصب النون وهو القطع بالمبرد.
وقال أبو معاذ: فمن قرأه (لَنَحْرُقَنَّه) بنصب النون، فقد كان العجل من الحلي فلم يقدر على تحريقه بالنار فحرق بالمبرد.
ومن قرأه: (لَنُحَرِّقَنَّهُ) برفع النون والتشديد يقول: كان لحمًا ودمًا فأحرق بالنار صار رمادًا ثم نسف في اليم.
قال أبو معاذ: يا سُبْحَانَ اللَّهِ، إن كنت أحرقته بالنار فما حاجتك إلى المبرد، لكن أراد مقاتل أن يجمع القراءتين والتأويلين في قراءة واحدة.
لكنه عندنا لا يجوز أن يكون العجل من لحم ودم في إحدى القراءتين وفي الأخرى من الحلي لا لحم فيه ولا دم، وتكون القراءتان جميعًا منزلتين.
وما قاله مقاتل: إنه حرق بالنار ثم حرق بالمبرد حسن؛ لأن النار لا تحرق العجل إذا كان لحمًا ودما، ولكنها تذيبه، فأبرد بالمبرد، فعند ذلك نسف في اليم.
قال أبو معاذ: تقول العرب: نسفت البرد أنسفته نسفًا: إذا أخرجت المنسفة فطيرت غباره، ويقال في المشي: ما زلنا ننسف يومنا كله نسفا، أي: نمشي.
طه 20:98
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (لَنَنْسِفَنَّهُ)، أي: لنرمين به نسفًا، أي: رميا، والنسف: القلع من الأصل، وصرفه: نسف ينسفه نسفًا.
وقال: (لَن نَبْرَحَ)، أي: لن نزال.
قوله تعالى: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) يقال: بصرت وأبصرت، بصر يبصر بصرًا.
وقبصت قبصة، والقبص بأطراف الأصابع.
وقال: (لَا مِسَاسَ) أي: لا يمسك أحد ولا يؤذيك.
وقال: " ظلت عليه " لغة سوء، وإنما هو: ظلت، وظَلِلْتَ.
وروى في حرف ابن مسعود: (بصرت بما لم يبصروا به إذ جاء الرسول فقبضت قبضة فألقيتها)، وفي حرف حفصة: (إذ مَرَّ الرسول)، وفي حرف أبي بن كعب: (إن لك في الحياة أن لا مساس)، ليس فيه (أَن تقُولَ)، وفي حرف حفصة: (إن لك في الحياة الدنيا أن تقول لا مساس).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تأويله: لا تخالط الناس ولا يخالطونك.
قال أبو معاذ: المساس: مصدر ماسه مماسا ومماسة، كما يقال: ضاره ضرارًا ومضارة، وساره سرارا ومسارة، ومن قرأه: (لَا مِسَاسَ) كان كقولك: نزال ودراك.
وفي حرف ابن مسعود وأُبي: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا وانظر كيف يفعل بإلهك الذي ظلت).
وقوله: (سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) قَالَ بَعْضُهُمْ: شجعت، وظاهره: زينت لي نفسي.
وقيل: سُمي السامري: سامريًّا؛ لأنه كان من قبيلة يقال لها: السامرة.
وقول هارون لموسى: (يَبْنَؤُمَّ) وكان أخاه لأبيه وأمه، قيل: أراد بذلك أن يرفقه عليه فتركه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)
جائز أن يكون موسى لما أحرق العجل ونسفه في البحر قال عند ذلك: إنما إلهكم الله الذي تعرفونه لا إله إلا هو وسع كل شيء علما، لا يعزب عنه شيء ولا يخفى عليه شيء، فيشبه أن يكون موسى ذكر هذا لهم لما أضمروا هم وأسروا حب العجل في قلوبهم، على ما أخبر اللَّه عنهم بقوله: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ)، فقال لهم: (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) يعلم ما تسرون وما تظهرون.
طه 20:99
أو أن يكون لا يعلمون أنه يعلم ما يسرون وما يضمرون وما يغيب عن الخلق ويكون عندهم كملوك الأرض يعلمون الظاهر من الأمور الحاضرة منها ولا يعلمون الغائب، فأخبر أنه عَزَّ وَجَلَّ يعلم الظاهر والباطن والسر والعلانية والحاضرة والغائبة، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ).
أي: هكذا نقص عليك من أنباء ما قد سبق؛ ليكون آية لرسالتك ونبوتك.
أو أن يقول: كما قصصنا عليك هذا النبأ كذلك نقص عليك سائر النبأ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا).
قال أهل التأويل: الذكر هاهنا: القرآن، وهو الظاهر؛ ألا ترى أنه قال على أثره: من أعرض عنه فإنه كذا، وجائز أن يكون قوله: (آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا) أي: شرفا وذكرا، يذكر هو بعده أبدًا، ومن اتبعه وأجابه إلى ما دعاه يصير مذكورًا به.
وقوله: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)
والوزر: الحمل، وسميت، الآثام: حملا؛ لأن الآثام تنقض ظهور أصحابها في النار وتكسرها؛ كالحمل في الدنيا ينقض ظهر صاحبه ويكسره، وهو ما ذكر: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَالِدِينَ فِيهِ... (١٠١) أي: في ذلك الوزر، أي: لن تقارقهم أوزارهم أبد الآبدين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا).
حمل السوء، حمل يورد صاحبه النار، بئس الحمل حمل يورد صاحبه النار، ويقال: بئسما حملوا على أنفسهم من الأعمال.
وقوله: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا) يحتمل الإعراض عنه وجهين:
أحدهما: (أَعْرَضَ عَنْهُ)، أي: كفر به وكذبه ولم يلتفت إليه.
والثاني: (أَعْرَضَ عَنْهُ)، أي: لم يعمل بما فيه، ومن لم يعمل من المسلمين بما فيه
طه 20:100
الآية ١٠٠ : وقوله تعالى :﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ الوزر الحمل، وسميت الآثام حملا، لأن الآثام تنقض ظهور أصحابها في النار، وتكسرها كالحمل ينقض ظهر صاحبه، ويكسره، وهو كما(١) ذكر :﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ ﴿الذي أنقض ظهرك﴾ [ الشرح : ٢ و٣ ].
وقوله تعالى :﴿من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا﴾ يحتمل الإعراض عنه وجهين :
أحدهما :﴿أعرض عنه﴾ أي كفر به، وكذبه، ولم يلتفت إليه. والثاني :﴿أعرض عنه﴾ أي لم يعمل بما فيه. ومن لم يعمل من المسلمين بما فيه يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية.
١ في الأصل وم: ما..
طه 20:101
الآية ١٠١ : وقوله تعالى :﴿خالدين فيه﴾ أي في ذلك الوزر، أي لن تفارقهم أوزارهم أبد الآبدين.
وقوله تعالى :﴿وساء لهم يوم القيامة حملا﴾ حمل السوء حمل يورد صاحبه النار، بئس الحمل حمل يورد صاحبه النار. ويقال : بئس ما حملوا على أنفسهم من الأعمال.
طه 20:102
يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)
قيل: يتسارون بينهم ويتكلمون فيما بينهم كلاما خفيا (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا) مثل هذا الكلام، إنما يقولون تلهفا وتحزنا على ما كان منهم في وقت قليل؛ لاستقلالهم واستصغارهم الدنيا، يقولون: كيف كان منا كل هذا العمل في ذلك الوقت القليل؟!
ثم اختلفوا في ذلك اللبث الذي قالوا ذلك؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: في الدنيا، استقلوا مقام الدنيا؛ لما عاينوا الآخرة، وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك في القبور، ويستدل من ينكر عذاب القبر بهذه الآية، يقول: لأنهم استقلوا مقامهم في القبور، ولو كان لهم عذاب في ذلك لاستعظموا ذلك واستكثروا؛ لأن قليل اللبث في العذاب يستعظم ويستكثر لا يستقل ولا يستحقر، فلما استقلوا ذلك، دل أنهم لا يعذبون في القبور.
واستدلوا أيضًا لنفي العذاب فيه بقوله: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا).
ومن يقول بعذاب القبر يزعم أن ذلك إنما قالوا في القبر يقول: ذلك بين النفختين، يقول: هم يعذبون ويكونون في العذاب إلى النفخة الأولى، ثم يرفع عنهم العذاب إلى النفخة الثانية، عند ذلك يرقدون فيستصغرون مقامهم للنوم، وقد يستصغر الوقت الطويل ويستقل في حال النوم على ما ذكر في قصة أصحاب الكهف حين قالوا: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، وهم قد ناموا ثلاثمائة سنة وزيادة.
وجائز أن يكون عذاب القبر عذاب عرض وعذاب الآخرة عذاب عين؛ كقوله: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، فاستصغروا عذاب العرض واستقلوه عند معاينة عذاب العين.
ومن يقول ذلك في الدنيا، يقول: تحاقرت الدنيا في أعينهم ومقامهم فيها حين عاينوا الآخرة وأهوالها.
وقوله تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)
قوله: (أَمْثَلُهُمْ) قيل: أعقلهم، وقيل: أفضلهم (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) من كان أبصر وأعلم بأمور الآخرة وأهوالها، كان أكثر استخفافا بالدنيا واستحقارًا لها.
طه 20:103
الآيتان ١٠٢ و١٠٣ : وقوله تعالى :﴿يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا﴾ ﴿يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا﴾ قيل : يتسارون بينهم، ويتكلمون في ما بينهم كلاما خفيا ﴿إن لبثتم إلا عشرا﴾ مثل هذا الكلام إنما يقولونه تلهفا وتحزنا على ما كان منهم في وقت قليل لاستقلالهم واستصغارهم الدنيا ؛ يقولون : كيف كان منا كل هذا العمل في ذلك الوقت القليل ؟ ثم اختلفوا في ذلك اللبث الذي قالوا(١). قال بعضهم :[ ذلك ] (٢) في الدنيا : استقلوا مقام الدنيا لما عاينوا الآخرة. وقال بعضهم : ذلك في القبور. ويستدل من ينكر عذاب القبر بهذه الآية ؛ يقول لأنهم استقلوا مقامهم في القبور، ولو كان لهم عذاب في ذلك لاستعظموا ذلك، واستكثروا، لأن قليل اللبث في العذاب يستعظم، ويستكثر(٣)، لا يستقل، ولا يستحقر. فلما استقلوا ذلك دل أنهم لا يعذبون في القبور.
واستدلوا أيضا بنفي العذاب [ في القبر ] (٤) بقوله :﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ [يس: ٥٢].
ومن يقول بعذاب القبر يزعم أن ذلك إنما قالوه في القبر ؛ يقول : ذلك بين النفختين، يقول : هم يعذبون، ويكونون في العذاب إلى النفخة الأولى، ثم يرفع عنهم العذاب إلى النفخة الثانية. عند ذلك يرقدون، فيستصغرون مقامهم للنوم ؛ وقد يستصغر الوقت الطويل، ويستقل في حال النوم على ما ذُكر في قصة أصحاب الكهف حين قالوا :﴿لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩] وهم قد أقاموا ثلاث مائة سنة وزيادة. وجائز أن يكون [ عذاب القبر ] (٥) عذاب عرض، وعذاب الآخرة عذاب عين كقوله :﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ [غافر: ٤٦] فاستصغروا عذاب العرض، واستقلوه عند معاينة عذاب العين.
ومن يقول ذلك في الدنيا يقول : تحاقرت الدنيا في أعينهم ومقامهم فيها حين /٣٣٤- ب/ عاينوا الآخرة وأهوالها.
١ أدرج في الأصل وم بعدها: ذلك..
٢ ساقطة من الأصل وم...
٣ في الأصل: ويستنكر..
٤ في الأصل وم: فيه..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
وقوله تعالى :﴿يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا﴾ ﴿يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا﴾ قيل : يتسارون بينهم، ويتكلمون في ما بينهم كلاما خفيا ﴿إن لبثتم إلا عشرا﴾ مثل هذا الكلام إنما يقولونه تلهفا وتحزنا على ما كان منهم في وقت قليل لاستقلالهم واستصغارهم الدنيا ؛ يقولون : كيف كان منا كل هذا العمل في ذلك الوقت القليل ؟ ثم اختلفوا في ذلك اللبث الذي قالوا(١). قال بعضهم :[ ذلك ] (٢) في الدنيا : استقلوا مقام الدنيا لما عاينوا الآخرة. وقال بعضهم : ذلك في القبور. ويستدل من ينكر عذاب القبر بهذه الآية ؛ يقول لأنهم استقلوا مقامهم في القبور، ولو كان لهم عذاب في ذلك لاستعظموا ذلك، واستكثروا، لأن قليل اللبث في العذاب يستعظم، ويستكثر(٣)، لا يستقل، ولا يستحقر. فلما استقلوا ذلك دل أنهم لا يعذبون في القبور.
واستدلوا أيضا بنفي العذاب [ في القبر ] (٤) بقوله :﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ [يس: ٥٢].
ومن يقول بعذاب القبر يزعم أن ذلك إنما قالوه في القبر ؛ يقول : ذلك بين النفختين، يقول : هم يعذبون، ويكونون في العذاب إلى النفخة الأولى، ثم يرفع عنهم العذاب إلى النفخة الثانية. عند ذلك يرقدون، فيستصغرون مقامهم للنوم ؛ وقد يستصغر الوقت الطويل، ويستقل في حال النوم على ما ذُكر في قصة أصحاب الكهف حين قالوا :﴿لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩] وهم قد أقاموا ثلاث مائة سنة وزيادة. وجائز أن يكون [ عذاب القبر ] (٥) عذاب عرض، وعذاب الآخرة عذاب عين كقوله :﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ [غافر: ٤٦] فاستصغروا عذاب العرض، واستقلوه عند معاينة عذاب العين.
ومن يقول ذلك في الدنيا يقول : تحاقرت الدنيا في أعينهم ومقامهم فيها حين /٣٣٤- ب/ عاينوا الآخرة وأهوالها.
طه 20:104
الآية ١٠٤ : وقوله تعالى :﴿نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما﴾ قوله :﴿أمثلهم﴾ قيل أعقلهم، وقيل : أفضلهم ﴿إن لبثتم إلا يوما﴾ من كان أبصر وأعلم بأمور الآخرة وأهوالها كان أكثر استخفافا بالدنيا واستحقارا لها.
وفي [ حرف ] (١) ابن مسعود ﴿نحن أعلم بما يقولون إذ﴾ عيل عليهم أن ﴿يقول أمثلهم طريقة﴾. قال أبو معاذ : قوله : عيل عليهم أي اشتبه، وخفي، وفاتهم علمه، وقال : ومنه يقال : عالت الفريضة. يقول : هؤلاء إذا جاوزت السهام فأشكل على الفارض، واشتبه، ومنه قيل : عيل صبري.
١ من م، ساقطة من الأصل..
طه 20:105
وفي حرف ابن مسعود: (نحن أعلم بما يقولون إذ عيل عليهم إذ يقول أمثلهم طريقة) قال أبو معاذ: قوله: (عيل عليهم) أي: اشتبه وخفي وفاتهم علمه، وقال: ومنه يقول: عالت الفريضة تعول عولا: إذا جاوزت السهام فأشكل على الفارض واشتبه، ومنه قيل: عيل صبري.
* * *
قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا).
يشبه أن يكون سؤالهم عن أحوال الجبال في ذلك اليوم لما بين أحوال الناس في الساعة بقوله: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ...) الآية، وكقوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى...) الآية، وصف لهم أحوال الخلق في ذلك اليوم، ولم يصف أحوال الجبال والأرض، فعند ذلك سألوه عن أحوال الجبال، فأمر رسوله أن يخبرهم بما ذكر أنه (يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)، وما ذكر أيضًا في آية أخرى: (هَبَاءً مَنْثُورًا)، قوله تعالى: (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)، (كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)، ونحوه، فجائز أن يكون ذلك على اختلاف الأحوال، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (قَاعًا صَفْصَفًا) أي: مستوية، والقاع والصفصف واحد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا زرع.
وقوله: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) قيل: لا واديا ولا أمتا ولا رابية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: العوج: الارتفاع، والأمت: الهبوط.
طه 20:106
الآيتان ١٠٦ و١٠٧ : وقوله تعالى :﴿فيذرها قاعا صفصفا﴾ ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ قيل : لا واديا ﴿ولا أمتا﴾ ولا رابية.
وقال بعضهم : العوج الارتفاع، والأمت الهبوط. وقال بعضهم : العوج انحناء الأودية، والأمت التلال. وقيل : لا انخفاضا ولا ارتفاعا [ وقيل ] (١) : والقاع الصفصف، هو تفسير ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ [ وقوله :﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمات﴾ تفسير قوله :﴿قاعا صفصفا﴾ ](٢).
وقال أبو عبيدة : الهضم النقصان، وقال :﴿قاعا صفصفا﴾ [طه: ١٠٦] القاع الأرض التي يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
طه 20:107
الآيتان ١٠٦ و١٠٧ : وقوله تعالى :﴿فيذرها قاعا صفصفا﴾ ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ قيل : لا واديا ﴿ولا أمتا﴾ ولا رابية.
وقال بعضهم : العوج الارتفاع، والأمت الهبوط. وقال بعضهم : العوج انحناء الأودية، والأمت التلال. وقيل : لا انخفاضا ولا ارتفاعا [ وقيل ] (١) : والقاع الصفصف، هو تفسير ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ [ وقوله :﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمات﴾ تفسير قوله :﴿قاعا صفصفا﴾ ](٢).
وقال أبو عبيدة : الهضم النقصان، وقال :﴿قاعا صفصفا﴾ [طه: ١٠٦] القاع الأرض التي يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
وقوله تعالى :﴿فيذرها قاعا صفصفا﴾ ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ قيل : لا واديا ﴿ولا أمتا﴾ ولا رابية.
وقال بعضهم : العوج الارتفاع، والأمت الهبوط. وقال بعضهم : العوج انحناء الأودية، والأمت التلال. وقيل : لا انخفاضا ولا ارتفاعا [ وقيل ] (١) : والقاع الصفصف، هو تفسير ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ [ وقوله :﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمات﴾ تفسير قوله :﴿قاعا صفصفا﴾ ](٢).
طه 20:108
وقَالَ بَعْضُهُمْ: العوج: أَحْناء الأودية، والأمت: التلال.
وقيل: لا انخفاضا ولا ارتفاعًا، والقاع الصفصف: هو تفسير (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا)، و (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) تفسير قوله: (قَاعًا صَفْصَفًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) لا خلاف له، ليس كالداعي في الدنيا منهم من يطيعه ويجيبه ومنهم من لا يطيعه ولا يجيبه، فأخبر أنهم في الآخرة يجيبون الداعي في أي حال كانوا لا يخالفونه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ): لا تخشع، لكن تنخفض وتلين عند خوف أهلها، وترتفع عند الأمن.
أو أن يكون خشوع الأصوات كناية عنهم، أي يخشعون ويذلون لشدة فزعهم لأهوال ذلك اليوم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا).
قيل: الهمس: الكلام الخفي الذي لا يكاد يسمعه.
وقيل: رفع الأقدام ونقلها وهو تحريكها.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ) أي: أخفى صوته.
وقوله: (أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً) أي: أفضلهم.
فأما (قَاعًا صَفْصَفًا)، قال: القاع: الأرض الصلبة التي لا شيء فيها، والصفصف: المستوية، والصفاصف جمع، والقيعان: جمع القاع، و (عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) والأمت: هو العوج وهو التل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ)، أي: سكنت (فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)، والهمس: الخفى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: لا تنفع الشفاعة، ليس أن يكون لهم الشفاعة فلا تنفع، ولكن لا شافع لهم إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة أنه لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه، فضلا أن يؤذن لأحد
طه 20:109
الآية ١٠٩ : وقوله تعالى :﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ورضي له قولا﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما :﴿لا تنفع الشفاعة﴾ ليس أن يكون لهم الشفاعة، فلا تنفع، ولكن لا شافع لهم ﴿إلا من أذن له الرحمان﴾ بالشفاعة، إذ(١) لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه فضلا ألا(٢) يؤذن لأحد بالشفاعة كقوله :﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان﴾ بقول الشفاعة ﴿وقال صوابا﴾ [النبأ: ٣٨].
والثاني :﴿لا تنفع الشفاعة إلا من﴾ [ وفقه الرحمان ] (٣) بما يستوجب الشفاعة له ﴿ورضي له قولا﴾ وسأله ذلك، وهو قول الشهادة والتوحيد.
فيرجع أحد التأويلين إلى الشفعاء : أنه لا أحد يشفع لأحد إلا من وفق له الرحمان في الدنيا بالتوحيد وشهادة الإخلاص، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أنه..
٢ في الأصل وم: أن..
٣ في الأصل وم: قوله.
طه 20:110
بالشفاعة؛ كقوله: (لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)، يقول: الشفاعة أنه لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه فضلا، وقال: صوابا.
والثاني: لا تنفع الشفاعة إلا من وفق له بما يستوجب الشفاعة له ورضي له قولا وسأله ذلك، وهو قول الشهادة والتوحيد.
فيرجع أحد التأويلين إلى الشفعاء: أنه لا أحد يشفع لأحد إلا بإذنه ورضاه بالقول: قول الشفاعة، والثاني: يرجع إلى المشفوع له: أنه لا أحد يستوجب شفاعة إلا من وفق له الرحمن في الدنيا بالتوحيد وشهادة الإخلاص، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)
يحتمل قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) قبل أن يخلقوا، (وَمَا خَلْفَهُمْ) بعد ما خلقوا وكانوا.
أو أن يكون قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ): ما قدموا من الأعمال، (وَمَا خَلْفَهُمْ): من بعدهم.
أو أن يكون قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) كناية عن الخيرات، أي: لا يعلم ما يعملون من الخيرات، (وَمَا خَلْفَهُمْ) من الشرور، وما نبذوا وراء ظهورهم.
وجائز أن يكون المراد من البين والخلف: الأحوال كلها، أي: عالم بجميع أحوالهم وبكل شيء يكون منهم، وهو كقوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، أي: لا يأتيه الباطل ألبتَّة؛ لأنه ليس للقرآن بين ولا خلف، ولكن المراد ما ذكرنا، فعلى ذلك الأول.
وجائز أن يكون المراد منه: ليس البين ولا الخلف، ولكن إخبار عن إحاطة علمه بهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا).
هذا يحتمل وجهين:
لا يحيطون باللَّه علما، ولكن إنما يعرفونه على ما تشهد لهم الشواهد من خلقه؛ لأن الخلق إنما يعرفون ربهم من جهة ما يشهد ويدل لهم من الدلالات من خلقه، والإحاطة بالشيء إنما تكون فيما كان سبيل معرفته الحس والمشاهدات، فأما ما كان سبيل معرفته الاستدلال فإنه لا يحاط به العلم.
والثاني: لا يحيطون به علما، أي: بعلمه؛ كقوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)؛ وكقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى
طه 20:111
مِنْ رَسُولٍ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)
قيل: (عَنَتِ): ذلت وخضعت الوجوه.
وجائز أن يكون ذكر الوجوه، كناية عن أنفسهم؛ لما بالوجوه يظهر الذلة والخضوع، فكنى بها عنهم.
فإن كان ما أخبر من خضوعهم وذلهم في الآخرة، فهو على ما أخبر من خضوع الخلائق له في الآخرة.
وإن كان بعضهم يتكبر في الدنيا، وإن كان في الدنيا فهو على خضوع الخلقة له خضعت خلقة الخلائق كلهم له.
وقوله: (لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) قد ذكرنا تأويل الحي القيوم فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا).
أي: قد خاب من حمل الشرك، والظلم هاهنا الشرك، وقد خاب من حمل ما ذكر من الحمل والوزر، وهو ما ذكر في قوله: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا)، أي: خاب من حمل ذلك الحمل، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) من أمر الآخرة، (وَمَا خَلْفَهُمْ) من أمر الدنيا، (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ) يعني: ألا يحيط، الملائكة به (عِلْمًا)، يقول: هم لا يعلمون من كلامه إلا ما علمهم إياه، فإن كان هذا في الملائكة خاصة، فإنه لا يحتمل ما ذكرنا من التأويل في قوله: (وَمَا خَلْفَهُمْ) من الشرور وما نبذوه وراء ظهورهم؛ لأنهم مطيعون لله لا يعصونه طرفة عين، ويحتمل غيره من التأويلات التي ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ): في الشفاعة، (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا): قول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مسلمًا في الدنيا مؤمنا حقا، فذلك الذي رضي، والشفاعة تحل لهم، فأما غيرهم فلا يشفع لهم، وهو ما ذكرنا فيما تقدم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) أي: عملت الوجوه للحي القيوم، قالوا: وتأويل (عَنَتِ) العمل، أي: خضعت له بالعمل الصالح في الدنيا، على ما ذكر
طه 20:112
بعضهم من الركوع والسجود وغيره، وهو في المؤمنين خاصة ليس أن يكون تأويل قوله: (وَعَنَتِ) أي: عملت حقيقة، ولكن من الوجه الذي ذكرنا.
وإن كان التأويل في الآخرة فهو في الفريقين جميعًا يذلون له جميعًا ويخضعون في الآخرة، وإن كان من بعضهم التكبر في الدنيا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)
فيه دلالة أنه قد يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحات؛ حيث قال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ).
وفيه أن الإيمان شرط في قبول الطاعات وجعلها طاعة لله؛ حيث شرط الإيمان فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا).
الظلم هاهنا على مذهبنا: النقصان، لا ظلم الجور؛ لأن الثواب على الأعمال بحق الإفضال لا بحق العدل، فإذا كان على هذا فيخرج قوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ) أن ينقص من حسناته شيئًا أو يزيد في سيئاته شيئًا، ويجوز في اللغة ذكر الظلم على إرادة النقصان؛ كقوله في ذكر الجنتين: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)، والجنة لا توصف بالظلم الذي هو ظلم جور؛ فدل أنه أراد بالظلم هاهنا النقصان، أي: لم تنقص، بل أتت بثمارها وافية وافرة.
وإن كان على الظلم الذي هو ظلم الجور فهو على النهي، أي: لا تخف منه الظلم والجور.
* * *
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا).
أي: كما ذكرنا: أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما، كذلك أنزلناه في القرآن العربى.
(وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).
حرف (لعل) في جميع ما ذكر في القرآن يحتمل وجهين:
أحدهما: على الوعد أنهم يتقون فهو على الإيجاب.
طه 20:113
الآية ١١٣ : وقوله تعالى :﴿وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا﴾ أي كما ذكرنا أن ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾ ﴿وكذلك أنزلناه﴾ في القرآن العربي ﴿وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون﴾.
حرف لعل في جميع ما ذكر في القرآن يحتمل وجهين.
أحدهما : على الوعد أنهم يتقون، فهو على الإيجاب.
والثاني :﴿لعلهم يتقون﴾ أي ألزمهم أن يتقوا بما صرف فيه من الوعيد.
وإن كان على الوعد والإيجاب منه فهو لمن علم أنهم يتقون. وإن كان على الإلزام، أي ألزمهم فهو في الكل. ثم إن كان على الوعد فيخرج قوله :﴿أو يحدث لهم ذكرا﴾ فيكون كقوله تعالى :﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤] إذا تذكر خشي، وإذا خشي تذكر. فعلى ذلك إذ اتقى فقد أحدث له الذكر، وإذا أحدث له الذكر اتقى. وإن كان ألزمهم أن يتقوا فهو [ على ] (١) أو. ثم قال بعضهم :﴿ذكرا﴾ أي عذابا.
١ من م، ساقطة من الأصل..
طه 20:114
والثاني: لعلهم يتقون، أي: ألزمهم أن يتقوا بما صرف من الوعيد.
وإن كان على الوعد والإيجاب منه فهو لمن علم أنهم يتقون.
وإن كان على الإلزام - أي: ألزمهم - فهو في الكل.
ثم إن كان على الوعد فيخرج قوله: (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا)، فيكون كقوله: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)، إذا تذكر خشي، وإذا خشي تذكر؛ فعلى ذلك إذا اتقى فقد أحدث له الذكر، وإذا أحدث له الذكر اتقى، وإن كان ألزمهم أن يتقوا فهو على أو ثم.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: (ذِكْرًا)، أي: عذابًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)
مثل هذا إنما يذكر على نوازل كانت إما قولا أو فعلا، يقال: فتعالى اللَّه عن ذلك، لكن لم يذكر النوازل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ).
يحتمل ما قاله أهل التأويل أن جبريل كان إذا أتاه بالسورة وبالآي فيتلوها عليه، فلا يفرغ جبريل من التلاوة حتى يتكلم رسول اللَّه بأولها؛ مخافة أن ينساها؛ فأنزل اللَّه: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ) فتمْرأه من قبل أن يفرغ من تلاوته عليك، وقد أمنه عن النسيان بقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى...) الآية، وكذلك: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) الآية. ثم أمره عَزَّ وَجَلَّ أن يسأله أن يزيد له علما.
ويحتمل أن يكون قوله: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ).
أي: لا تعجل بما ذكر من الوعيد لهم في القرآن من قبل أن يأتي وقته؛ كقوله: (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا).
وقوله: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) جائز ما قال أهل التأويل: إنه كان يتلو مع تلاوة جبريل، فقال له: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)، إن ثبت عنه أنه كان يتلو مع تلاوة جبريل.
وجائز النهي من غير أن كان منه ما ذكر - واللَّه أعلم - على ما نهى عن أشياء من غير أن كان منه ذلك.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ
طه 20:115
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)
قال الحسن وعامة أهل التأويل: إن قوله " (فَنَسِيَ)، أي: ضيع وترك، ليس نسيان السهو؛ لأنه عوتب عليه وعوقب به، ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو والنسيان؛ فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو، إلى هذا يذهب هَؤُلَاءِ، لكن يقبح هذا أن يقال في آدم، أو في نبي من أنبيائه، أو في رسول من رسله - صلوات الله عليهم -: إنه ضيع، والنسيان عندنا على قسمين:
نسيان يكون عن غفلة منه وشغل، ما لولا ذلك الشغل منه والغفلة، لحفظه وذكره ولا ينساه، وجائز المعاتبة على هذا النسيان؛ إذ لو كان تكلف لكان لا ينساه ولا يقع فيه.
ونسيان آخر يقع فيه من غير سبب كان منه لا يملك دفعه، وذلك نسيان ما لا يعاتب عليه ولا يعاقب به، وهكذا الكلفة من اللَّه تعالى والمحنة: أنه جائز أن يكلف ويمتحن من لا يعلم ولا يعقل الكلفة وقت تكليفه إياه بعد أن يحتمل عقله إدراك ذلك لو استعمله، فأما من كان عقله لا يحتمل إدراك ما كلفه وإن استعمله وأجهد نفسه فيه، فإنه لا يكلف ألبتَّة؛ فعلى ذلك النسيان الذي ذكر من آدم جائز أنه لو تكلف، حفظه وذكره؛ فإنما عوتب لذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا).
قال الحسن: أي: منعًا من الشيطان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: حفظا لم يحفظ أمره.
طه 20:116
وقَالَ بَعْضُهُمْ: صبرًا، ونحوه.
والعزم: حقيقة القصد والقطع على الشيء، وهو ضد النسيان الذي ذكر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: العزم: هو المحافظة على أمر اللَّه والتمسك به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦)
أي: قَالَ بَعْضُهُمْ: لولا قول أهل التأويل في سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود، وإلا جائز أن يصرف الأمر بالسجود إلى الخضوع له، والسجود: هو الخضوع؛ حيث قال: (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ)، وقد يؤمر الإنسان بالخضوع لمن يتعلم منه العلم.
وقوله تعالى: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)
قال أهل التأويل: ليس شقاء الدِّين، ولكن تعب النفس والنصب في العمل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)
أي: لا تصيبك الشمس.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)
أي: لا يفنى.
قوله تعالى: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ... (١٢١) قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ)، أي: ذلت، يقال: عنا يعنو عنوا، وقال: (وَلَا هَضْمًا)، أي: ظلما، يقال: هضمته، أي: ظلمته، وأهضمته مثله.
وقال أبو عبيدة: الهضم: النقصان، وقال: (قَاعًا صَفْصَفًا): القاع: الأرض التي يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).
كل من عصى ربه فقد غوى، العصيان والغواية واحد.
وقوله: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)
طه 20:117
الآية ١١٧ : وقوله تعالى :﴿فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى﴾ قال أهل التأويل : ليس شقاء الدين، ولكن تعب النفس والنصب في العمل.
طه 20:118
الآيتان ١١٨ و١١٩ : وقوله تعالى :﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ أي لا تصيبك [ الشمس ] (١).
١ من م، ساقطة من الأصل..
طه 20:119
الآيتان ١١٨ و١١٩ : وقوله تعالى :﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ أي لا تصيبك [ الشمس ] (١).
١ من م، ساقطة من الأصل..
وقوله تعالى :﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ أي لا تصيبك [ الشمس ] (١).
قال أبو عوسجة :﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ [طه: ١١٩] أي لا تظهر للشمس، والظمأ العطش، والضحى الحر، [ وكذلك ] (٦) قال أبو عبيدة.
طه 20:120
الآية ١٢٠ : وقوله تعالى :﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ أي لا يفنى.
طه 20:121
الآية١٢١ :[ وقوله تعالى ] (١) :﴿فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ قد ذكرنا هذا في ما تقدم.
وقوله تعالى :﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ كل من عصى ربه فقد غوى. العصيان والغواية واحد.
وقال أبو عوسجة :﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [طه: ١٢١] ﴿وطفقا﴾ وعلقا واحد ؛ يقال : علق يعلق علقا فهو عالق وطافق. وقال : يقال : من الخصف خصفت الخف إذا أنعلته، ونعلت الخف، وتسمى تلك [ القطعة التي يخصف بها ] (٧) النعيلة، والنعايل جمع.
١ ساقطة من الأصل و م..
طه 20:122
الآية ١٢٢ : وقوله تعالى :﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ يحتمل وجوها : أحدها : اجتباه للتوبة وهداه لها. [ والثاني ](١) اجتباه ربه للرسالة، وهداه لها. [ والثالث ] (٢) اجتباه ربه للدين، وهداه للتوحيد. وهذا جائز عندنا [ لأن ] (٣) للتوحيد والإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة لأنه مأمور بترك الكفر ونفيه في كل وقت. فإذا كان مأمورا بترك الكفر في كل وقت منهيا عنه كان مأمورا بالإيمان والتوحيد. فإذا كان ما ذكرنا دل أن للإيمان والتوحيد حكم التجدد والحدوث، وفي كل وقت. وإلا ظاهر قوله :﴿ثم اجتباه ربه﴾ أنه لم يكن اجتباه قبل ذلك، فاجتباه من بعد. لكن الوجه ما ذكرنا من اجتبائه إياه للرسالة واجتبائه للتوحيد والطاعات والخيرات ونحوه، والله أعلم.
١ في الأصل و م: أو..
٢ في الأصل و م: أو..
٣ ساقطة من الأصل و م..
طه 20:123
قوله: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ) يحتمل وجوها:
أحدها: اجتباه للتوبة وهداه لها.
أو اجتباه ربه للرسالة وهداه لها.
أو اجتباه ربه للدِّين وهداه للتوحيد، وهذا جائز عندنا، للتوحيد والإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة؛ لأنه مأمور بترك الكفر ونفيه في كل وقت، فإذا كان مأمورًا بترك الكفر في كل وقت منهيا عنه كان مأمورًا بالإيمان والتوحيد، فإذا كان ما ذكرنا دل أن للإيمان والتوحيد حكم التجدد والحدوث في كل وقت، وإلا ظاهر قوله: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ): أنه لم يكن يجتبيه قبل ذلك فاجتباه من بعد، لكن الوجه ما ذكرنا من اجتبائه إياه للرسالة، واجتبائه للتوحيد والطاعات والخيرات ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)
قال الحسن: قوله: (اهْبِطَا) أي: آدم والشيطان، (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)، يعني: ذرية آدم وذرية إبليس بعضهم لبعض عدو.
وقال فيما قال: (اهْبِطُوا)، عنى: آدم وحواء وإبليس، والهبوط: ليس هو الانحدار والتسفل من المكان العالي المرتفع، إنما هو النزول في المكان، فجائز أن يكون قوله: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)، أراد ذريتهما: ذرية آدم وذرية إبليس، وعلى ذلك يخرج قوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) يعني: الذرية، (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) وقت اتباعه الهدى، أو لا يضل ولا يشقى إذا ختم بالهدى، أو لا يضل طريق الجنة ولا يشقى في النار، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا؍ (١٢٤) هو الشدة والضيق، ثم اختلفوا فيه.؍
قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) في الدنيا، وإن كانت في الظاهر واسعة عليه؛ لأنهم ينفقون ولا يرون لنفقتهم خلفا ولا عاقبة، ويريدون الدنيا أنها تدوم، فذلك يمنعهم عن التوسيع في الإنفاق؛ خوفًا لنفاد ذلك المال وبقاء أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم لا يرون لنفقتهم خلفا ولا عوضًا ولا عاقبة لها، فذلك الضنك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)؛ لأنهم يعصون بما أعطوا من المال وأنعموا فيه؛ لأن توسعهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السمع والبصر
طه 20:124
الآية ١٢٤ : وقوله تعالى :﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾ الضنك هو الشدة والضيق. ثم اختلفوا فيه : قال بعضهم :﴿فإن له معيشة ضنكا﴾ في الدنيا، وإن كانت واسعة عليه، لأنهم ينفقون، ولا يرون لنفقتهم خلفا ولا عاقبة، ويرون(١) الدنيا تدوم. فذلك يمنعهم عن التوسيع في الإنفاق خوفا [ من نفاد ] (٢) ذلك المال وبقاء أنفسهم لما ذكرنا أنهم لا يرون لنفقتهم خلفا ولا عوضا ولا عاقبة لها، فذلك الضنك.
وقال بعضهم :﴿فإن له معيشة ضنكا﴾ لأنهم ينغصون(٣)بما أعطوا من المال، وأنعموا فيه، لأن توسعهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها لما ذهبت منافعها فيها(٤).
وقال بعضهم :﴿فإن له معيشة ضنكا﴾ في عذاب القبر. لكن لا يقال لمن في القبر : إن له معيشة ضنكا حتى يوصف بالضيق. وعذاب القبر سبيل معرفته السمع. فإن ثبت السمع. وإلا بالترك أولى.
وقال قائلون : ذلك في الآخرة، والله أعلم، كقوله ﴿مكانا ضيقا مقرنين﴾ [الفرقان: ١٣].
وقوله تعالى :﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ قال بعضهم : نحشره أعمى عن حججه في دينه. لكن متى كانت له الحجج في الدنيا حتى يعمى عنها في الآخرة ؟ وقال بعضهم :﴿ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ عمى الحقيقة كقوله :﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾ [الإسراء: ٩٧] فهو على حقيقة عمى البصر، وهو أشبه، والله أعلم.
وقال ﴿معيشة ضنكا﴾ [طه: ١٢٤] أي ضيقة. قال أبو عبيدة : وكل ضيق منزل أو غيره فهو ضنك.
١ في الأصل و م: يريدون..
٢ في الأصل و م: النفاذ..
٣ في الأصل و م: يغصون..
٤ في الأصل و م: في الطاعة..
طه 20:125
واللسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطاعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) في عذاب القبر، لكن لا يقال لمن في القبر: إن له معيشة ضنكا حتى يوصف بالضيق، وعذاب القبر سبيل معرفته السمع، فإن ثبت السمع وإلا فالترك أولى.
وقال قائلون: ذلك في الآخرة - واللَّه أعلم - كقوله: (مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).
قَالَ بَعْضُهُمْ: نحشره أعمى عن حججه في دينه، لكن متى كانت له الحجج في الدنيا حتى يعمى عنها في الآخرة؟!
وقَالَ بَعْضُهُمْ: نحشره يوم القيامة أعمى: عمى الحقيقة؛ كقوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا)، فهو على حقيقة عمى البصر، وهو أشبه، واللَّه أعلم.
وقال مجاهد: قوله: (رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى (١٢٥) قال: بلا حجة لي، (وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا) في الدنيا لكن الأشبه هو ما ذكرنا من حقيقة ذهاب البصر؛ إذ لم يكن للكافر حجة في الدنيا حتى يقول: (وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا).
ثم اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك بعد ما حوسبوا وسيقوا إلى النار - نعوذ باللَّه من النار - فعند ذلك يعمى عليه البصر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا ولكن يبعثون من قبورهم ويحشرون عميانًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)
أي: كما أتتك آياتنا فصيرتها كالشيء المنسي، لم تكترث إليها ولم تنظر فيها ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته، لا يكترث إليك ولا ينظر إليك.
أو أن يقول: كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت وتترك في النار لا
طه 20:126
الآية ١٢٦ : وقوله تعالى :﴿قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ أي كما أتتك آياتنا، فصيرتها كالشيء المنسي عن رحمته [ لم تكترث إليها، ولم تنظر فيها، ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته ] (١) لا يكترث إليك، ولا ينظر إليك. أو يقول : كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت، وتترك في النار، لا نجاة لك.
١ من م، سقطة من الأصل..
طه 20:127
نجاة لك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)
أي: كذلك نجزي كل من أسرف في الدنيا ولم يؤمن بآيات ربه، ليس أحد المخصوص بذلك دون غيره، ولكن كل من كان هذا صنيعه في الدنيا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى).
كأنه قد سبق منه الوعيد لهم بعذاب، ثم قال: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) من العذاب الذي أوعدتم، وإلا فعلى الابتداء لا يقال هذا.
* * *
قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُم) جميع ما ذكر في القرآن مثل هذا (أَفَلَمْ يَهدِ لَهُم)، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا) (أَوَلَمْ يَرَوا)، وأمثاله كله أنه قد بين لهم وراء ذلك، أي: قد بين لهَؤُلَاءِ أنهم قد وافقوا أُولَئِكَ الذين أهلكهم من القرون الماضية وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل والآيات التي أتوا بها، وهم آمنون يمشون في مساكنهم، فكيف أمن هَؤُلَاءِ من عذاب الله مع موافقتهم أُولَئِكَ في جميع صنيعهم.
أو يقول: أفلم نبين لهم سنتي فيمن كان قبلهم من القرون الماضية بتكذيبهم الرسل وردهم الآيات، وهم كانوا آمنين في مساكنهم فكيف أمن هَؤُلَاءِ من عذابه وقد ساووا أُولَئِكَ في جميع عمنيعهم وفعلهم، وهما واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى).
قال بعضهم: (لِأُولِي النُّهَى): هم الذين انتهوا عما نهاهم اللَّه عنه، وهم ذوو العقول، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) أي: لا تظهر
للشمس، والظمأ: العطش، والضحى: الحر.
قال أبو عبيدة: وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: وطفقا وعلقا واحد، يقال علق يعلق علقا فهو
طه 20:128
الآية ١٢٨ : وقوله تعالى :﴿أفلم يهد لهم﴾ جميع ما ذكر في القرآن مثل هذا :[ قوله ] (١) ﴿أفلم يهد لهم﴾ [ السجدة : ٢٦ و. . ] [ وقوله ] (٢) ﴿أفلم يسيروا﴾ [ يوسف : ١٠٩ و. . ] [ وقوله ] (٣) ﴿ألم يروا﴾ [ الأنعام : ٦ و. . ] وأمثاله. كله أنه قد تبين لهم [ ما ] (٤) وراء ذلك، أي قد بين لهؤلاء أنهم قد وافقوا أولئك الذين أهلكهم من القرون الماضية وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل والآيات التي أتوا بها، وهم آمنون ﴿يمشون في مساكنهم﴾.
فكيف أمن هؤلاء من عذاب الله وموافقتهم أولئك في جميع صنيعهم ؟ أو يقول : أفلم تتبين لهم سنتي في من كان قبلهم من القرون الماضية بتكذيبهم الرسل وردهم الآيات، وهم كانوا آمنين في مساكنهم ؟ فكيف أمن هؤلاء من عذابه، وقد ساووا أولئك في جميع صنيعهم وفعلهم. وهما واحد.
وقوله تعالى :﴿إن في ذلك لآيات لأولي النهى﴾ قال بعضهم : أولو(٥) النهى هم الذين انتهوا عما نهاهم الله عنه، وهم ذَوُو العقول. وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: لأولى..
طه 20:129
عالق وطافق.
وقال: يقال من الخصف: خصفت الخف، إذا أنعلته، ونعلت الخف، ويسمى ذلك: النعيلة، والنعائل جمع.
وقال: قوله: (مَعِيشَةً ضَنْكًا)، أي: ضيقة.
قال أبو عبيدة: وكل ضيق - منزل أو غيره - فهو ضنك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)
هو على التقديم والتأخير، أي: لولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى، لكان العذاب لازمًا لهم، يقول - واللَّه أعلم -: يلزم كل إنسان بما عمل.
قال: والأجل المسمى: الساعة التي قال: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ).
وجائز أن يكون قوله على غير التقديم والتأخير، لكنه على الإضمار، أي: لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ولكن سيلزمهم إلى أجل مسمى، وهو ما ذكر في آية أخرى: (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
وقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) بما يكون بحق الإفضال أو توجبه الحكمة، لكان العذاب لازمًا لهم، وحق الإفضال ما سبق منه من الوعيد أنه يؤخر، ولا يقال فيما كان طريقه الإفضال: لم تفضلت؟ وأصل هذا: لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما، لولا ما سبق من وعده: أنه لا يعذب هذه الأمة تعذيب إهلاك وقت ثكذيبهم الرسل وردهم الآيات، ولكن يؤخوهم إلى أجل مسمى، وهو ما ذكرنا، وهو قوله: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) يصبر رسوله على أذاهم يلسانهم من السب والنسبة إلى السحر والجنون والافتراء على اللَّه ونحوه، وإن كان وعد أنه يعصمه منهم حتى لا يقدروا على إتلافه وإهلاكه؛ لأن في حفظ نفسه من الإتلاف والإهلاك آية من آيات رسالته؛ إذ بعثه إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم وعادتهم قتل من يخالفهم في شيء وإهلاك من يستقبلهم بما يكرهون؛ فدل عجزهم عن إتلافه وإهلاكه وحفظ نفسه منهم: أنه كان ذلك لآية في نفسه، وأما أذاهم إياه باللسان ليس في حفظه عنه آية؛ لأن ذلك لو كان آية، لمنعهم وذلك مما لم يؤثر نقصًا في نفسه أو شيئًا؛ ألا ترى أنهم قالوا في اللَّه ما لا يليق به من الولد وغيره، فدل أنه ليس في حفظ نفسه عن أذاهم بلسانهم آية، إنما الآية فيما ذكرنا من حفظ نفسه من الإتلاف، واللَّه أعلم.
طه 20:130
الآية ١٣٠ : وقوله تعالى :﴿فاصبر على ما يقولون﴾ يصبر رسوله على أذاهم بلسانهم من السب والنسبة إلى السحر والجنون والافتراء على الله تعالى ونحوه، وإن كان وعده(١) أنه يعصمه منهم حتى لا يقدروا على إتلافه وإهلاكه، لأن في حفظ نفسه من الإتلاف والإهلاك آية من آيات رسالته ؛ إذ بعثه إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم وعادتهم قتل من يخالفهم في شيء وإهلاك من يستقبلهم بما يكرهون. فدل عجزهم عن إتلافه وإهلاكه وحفظ نفسه منهم أنه كان ذلك لآية في نفسه.
وأما أذاهم إياه باللسان فليس(٢) في حفظه عنه آية، لأن ذلك ما(٣) كان آية. فهم وذلك مما لا يؤثر نقصا في نفسه أو شيئا. ألا ترى أنهم قالوا في الله ما لا يليق به من الولد وغيره ؟ فدل أنه ليس في حفظ نفسه عن أذاهم بلسانهم آية. إنما الآية في ما ذكرنا من حفظ نفسه من الإتلاف، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وسبح بحمد ربك﴾ قال أهل التأويل : صل بأمر ربك. وتأويل قولهم هذا : صل بأمر ربك لأنه أمره أن يصلي له(٤) بقوله :﴿وأقم الصلاة﴾ [ هود : ١١٤ و. . ] وقوله :﴿وأقيموا الصلاة﴾ [ البقرة : ٤٣ و. . ] فيكون قوله :﴿وسبح﴾ أي صل بأمر ربك الذي أمرك بقوله :﴿وأقم الصلاة﴾ ولولا صرف أهل التأويل /٣٣٦-أ/ التسبيح في هذه الآية إلى الصلاة، وإلا يجوز أن يصرف إلى غيرها من الأذكار في كل وقت. لكن صرفوه إلى الصلاة، لأن الصلاة تشتمل على معان قولا وفعلا، وسائر الأذكار لا تشتمل إلا على معنى الذكر قولا. فهي أجمع وأشمل لذكره، والله أعلم.
ثم قوله :﴿قبل طلوع الشمس﴾ قبل صلاة الفجر ﴿وقبل غروبها﴾ صلاة العصر. وقال بعضهم :﴿وقبل غروبها﴾ [ صلاة ] (٥) الظهر والعصر.
وقوله تعالى :﴿ومن أناء الليل﴾ قيل : صلاة الفجر والعصر، فهو على التكرار والإعادة تأكيدا كقوله ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] [ ذكر الصلوات كلها ] (٦) ثم خص الصلاة [ الوسطى بالذكر لتأكيد المعنى ] (٧) وجائز أن يكون قوله ﴿وأطراف النهار﴾ تكرارا منه لصلاة الفجر والعصر [ لتأكيد المعنى ] (٨) وجائز أن يكون قوله ﴿وأطراف النهار﴾ ليس(٩) على إرادة وقت دون وقت، ولكن يريد به الأوقات كلها. وعلى ذلك يخرج قول من قال في قوله :﴿وقبل غروبها﴾ صلاة الظهر والعصر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لعلك ترضى﴾ بالنصب والرفع جميعا(١٠) أي يرضيك ربك بما عملت، أو يرضى بذلك.
١ الهاء ساقطة من الأصل و م..
٢ الفاء ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: لو..
٤ من م، في الأصل: لله..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ من م: ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل: لمعنى، في م: بالذكر لمعنى..
٨ في الأصل و م: لمعنى..
٩ أدرج قبلها في الأصل و م: أنه..
١٠ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/١٢٠..
طه 20:131
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ):
قال أهل التأويل: صل بأمر ربك، وتأويل قولهم هذا صل بأمر ربك؛ لأنه أمره أن يصلي لله بقوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ)، وقوله: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، فيكون قوله: (وَسَبِّحْ) أي: صلِّ بأمر ربك الذي أمرك بقوله: (أَقِمِ الصَّلَاةَ)، ولولا صرف أهل التأويل التسبيح في هذه الآية إلى الصلاة وإلا يجوز أن يصرف إلى غيرها من الأذكار في كل وقت، لكن صرفوا إلى الصلاة؛ لأن الصلاة تشتمل على معان: قولا وفعلا، وسائر الأذكار لا تشتمل إلا معنى الذكر قولا، فهي أجمع وأشمل لذكره، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ): قبل صلاة الفجر، (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) وصلاة العصر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) الظهر والعصر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) قيل: صلاة المغرب والعشاء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ)؛ قيل: صلاة الفجر والعصر؛ فهو على التكرار والإعادة تأكيدًا؛ كقوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى)، ذكر الصلوات بجملتها، ثم خص الصلاة الوسطى، بالذكر لمعنى؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) تكرارا منه لصلاة الفجر والعصر لمعنى.
وجائز أن يكون قوله: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) أنه ليس على إرادة وقت دون وقت، ولكن يريد به الأوقات كلها، وعلى ذلك يخرج قول من قال في قوله: (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا): صلاة الظهر والعصر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَلَّكَ تَرْضَى) بالنصب والرفع جميعًا، أي: يرضيك ربك بما عملت أو يرضى بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)
هذه الآية تحتمل وجهين:
أحدهما: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) أي: لا ترغبن في هذه الدنيا، ولا تركنن إلى ما متع به هَؤُلَاءِ من ألوانها وزهرتها، وهو كقوله تعالى: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ...) الآية.
والثاني: قوله: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) على حقيقة مد البصر، أي: لا تمدن بصرك إلى أعين الدنيا وإلى ظاهر ما هم عليه من الغرور والتزيين، ولكن انظر إلى الدنيا إلى ما جعلت الدنيا؛ وإلى ما فيها من سمومها وتنغيصها على أهلها، فإن من نظر إليها لما فيها من سمومها وتنغيصها، لزهد فيها ورغب عنها، ومن نظر إليها وإلى عينها وظاهرها وما هي عليها من الغرور والتزيين، لاغتر بها ورغب فيها وركن إليها، ومن نظر إلى حقيقة ما هي عليه وجعلت على ما ذكرنا لزهد فيها ورغب عنها.
ثم معلوم أن رسول اللَّه لم يكن يمد بصره إلى الدنيا أو يركن إليها ويرغب فيها لها، وإنما هو ابتداء نهي رسوله.
ومعلوم أيضًا أنه لو رغب في شيء منها لم يكن يرغب ليتمتع هو به، إنما يرغب ويتناوله ليوسع به على أهل الحاجة والفقر، ثم نهاه عن ذلك؛ فدل أن الزهد فيها والرغبة عنها خير من الأخذ منها والوضع في حق؛ حيث نهاه عن ذلك على علم منه أنه لا يتناولها ليتمتع هو بها وليوسع بها على نفسه، ولكن يأخذها؛ ليضعها في المستحقين لها.
ثم اختلف أهل التأويل في التقديم والتأخير:
قال الحسن: هو على تقديم قوله: (مِنْهُمْ) على قوله: (أَزْوَاجًا) يقول: تأويله: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به منهم أزواجًا (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
فعلى تأويله: أزواجًا: زهرة الحياة الدنيا، أي: ألوانا وأصنافًا من النبات؛ فذلك زهرة الدنيا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: على غير تقديم، ولكن على سياق ما ذكر في الآية؛ فعلى هذا يكون تأويل الأزواج، أي: رجالا منهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ).
قال أهل التأويل: أي: لنبتليهم ونختبرهم، وكأن الفتنة هي المحنة التي فيها شدة وبلاء، كأنه أخبر أنه إنما متعهم بما متع من زهرة الحياة الدنيا ليمتحنهم فيها بالشدائد؛ كقوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ...) الآية، وقال في آية أخرى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وقال: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) ففي هذه الآيات دلالة أن السعة والضيق فيها ليس لفضل أهلها ولا لهواهم، ولكن إنما هو محنة يمتحنهم، فيمتحن بعضهم بالسعة والغناء وبعضهم بالشدة والضيق، فالتكلم بأن هذا خير من هذا كلام لا معنى له مع ما ذكرنا من البينات في قوله: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ) أن الزهد في الدنيا وترك التناول منها حلالًا خير من التناول منها حلالا ووضعها موضعها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى).
طه 20:132
أي: ما رزق ربك من النبوة والرسالة والتوحيد له والإيمان به خير وأبقى مما متع به هَؤُلَاءِ من ألوان زهرة الحياة الدنيا وأصنافها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) أي: حظك من ربك خير في البقاء مما متع به هَؤُلَاءِ من زهرة الدنيا، وهو قول أهل التأويل: إن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نزل به ضيف فاستسلف من يهودي طعامًا، فأبى أن يعطيه إلا برَهْن، فرهن درعه عنده، فنزل قوله: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...) الآية؛ تعزية له عن الدنيا، لكن لسنا نعرف نزول الآية على ما ذكر إلا أن يثبت، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)
قَالَ بَعْضُهُمْ: أراد بأهله: قومه، وقد يسمى قوم الرسل: أهلهم، وجائز أن يكون المراد بالأهل: الذين تأهلهم وكانوا في عياله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)، أي: داوم عليها والزمها، وفيه أن الصلاة فرضت على الدوام عليها واللزوم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: لا نسألك جعلا وأجرًا على نبوتك ورسالتك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: لا نسألك للخلق رزقًا بل نحن نرزقهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)؛ كقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَقِينَ).
* * *
قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ).
سألوه أن يأتيهم بآية من عند ربه على رسالته ونبوته، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى)، أي: قد أتاهم بينة على رسالته ونبوته ما في الصحف الأولى؛ لأن الكتب المتقدمة كانت بغير لسان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولم يكن يعرف الكتابة بلسانه فضلا
طه 20:133
الآية ١٣٣ : وقوله تعالى :﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه﴾ سألوه أن يأتيهم بآية من عند ربه على رسالته ونبوته، فقال عز وجل ﴿أولم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ أي قد أتاهم ببينة على رسالته ونبوته ﴿ما في الصحف الأولى﴾ لأن الكتب المتقدمة كانت بغير لسان رسول الله، ولم يكن يعرف الكتابة بلسانه فضلا [ عن أنه لم ](١) يعرف غيرها من الكتب التي كانت على غير لسانه.
ثم أخبر عن الأنباء التي كانت في الكتب المتقدمة على ما كانت. دل أنه إنما عرف تلك الأنباء والقصص التي كانت في كتبهم بالله تعالى. فهذا، والله أعلم، تأويل قوله :﴿أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ أي قد أتاهم على ما ذكرنا.
١ في الأصل و م: من أن..
طه 20:134
عن أن يعرف غيرها من الكتب التي كانت على غير لسانه، ثم أخبر عن الأنباء التي كانت في الكتب المتقدمة على ما كانت فيها؛ دل أنه إنما عرف تلك الأنباء والقصص التي كانت في كتبهم باللَّه تعالى، فهذا - واللَّه أعلم - تأويل قوله: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) أي: قد أتاهم على ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) أي: من قبل رسوله، (لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ)، من الناس من يقول: ليس لله أن يعذبهم تعذيب إهلاك قبل أن يبعث رسولا، ويحتج بظاهر هذه الآية: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا).
وعندنا: له أن يهلكهم بعذاب قبل بعث الرسول إليهم؛ لأنه تعالى قد أقام عليهم حجة العقل ما لو تأملوا أو نظروا فيه، لعرفوا وأدركوا حق اللَّه عليهم، فإذا كان كذلك فكان إهلاكه إياهم إهلاكًا عن بينة وحجة، لكنه بفضله ورحمته لا يهلكهم بأول آية يرسل عليهم حتى يرسل الآيات؛ إفضالا منه ومنة، وإلا كان له إهلاكهم بآية واحدة؛ فيكون قوله: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا...) كذا، إنما ذلك لقطع ذلك القول منهم، لا أن كان لهم ذلك القول والاحتجاج بذلك؛ ولأن قوله: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا...) كذا يخرج مخرج الامتنان به أنه لم يهلكهم قبل بعث الرسول؛ فدل أن له إهلاكهم قبل بعث الرسول؛ لما ذكرنا من إقامة حجة العقل عليهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥) كانوا يتربصون هلاك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وانقلاب أمره، ورسول اللَّه يتربص بهم عذاب اللَّه ومواعيده فيهم.
قال الحسن: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا)، أي: تربصوا أنتم مواعيد الشيطان، ونحن نتربص مواعيد اللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى).
قوله: (فَسَتَعْلَمُونَ) في الآخرة علم عيان (مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) نحن أو أنتم، وفي الدنيا لو تأملوا ونظروا، لعلموا علم استدلال وإدراك من أصحاب الصراط السوي؟
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الصِّرَاطِ السَّوِيِّ): العدل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: السوي: القيم.
وفي حرف ابن مسعود وأُبي (وَمَنِ اهْتَدَى ومن على الهدى)
طه 20:135
الآية ١٣٥ : وقوله تعالى :﴿قل كل متربص﴾ كانوا يتربصون هلاك رسول الله وانقلاب /٣٣٦- ب/ أمره، ورسول الله يتربص بهم عذاب الله ومواعيده فيهم.
قال الحسن :﴿قل كل متربص فتربصوا﴾ أي تربصوا مواعيد الشيطان، ونحن نتربص مواعيد الله.
وقوله تعالى :﴿فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى﴾ [ أي(١) فستعلمون في الآخرة علم عيان ﴿من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى﴾ ](٢) نحن أو أنتم.
وفي الدنيا لو تأملوا، ونظروا، لعلموا علم الاستدلال وإدراك ﴿من أصحاب الصراط السوي﴾ والصراط السوي : قال بعضهم : العدل، وقيل(٣) : السوي القيم.
وفي حرف ابن مسعود وأُبَيٍّ :﴿ومن اهتدى﴾ ومن على الهدى، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين.
١ من م، في الأصل : وقوله.
٢ في الأصل وم : بعضهم من.
٣ في الأصل وم : حروف.
١ في م: قوله..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: قال..
الأنبياء 21:1
سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ
وهي كلها مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ).
قال الحسن: أي: محاسبتهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ).
ظاهر هذا أنه نزل في المشركين؛ لأنها نزلت بمكة وكان أكثر أهلها أهل شرك، لكن لأهل الإسلام في ذلك حظ وشرك فيما وصفهم بالغفلة عن ذلك والإعراض عنه، وأهل الإسلام قد يغفلون عن الحساب إلا أن غفلة الكفرة غفلة تكذيب وإعراضهم إعراض تكذيب بالحساب والآيات التي أنزلها عليهم، وغفلة أهل الإسلام ليست كذا، قد آمنوا بالحساب وصدقوا بآياته وعرفوها، لكنهم غفلوا عن الحساب؛ لشهوات مكنت فيهم وغلبت شهواتهم وأغفلتهم عنه، فمن هذه الجهة كانوا كأُولَئِكَ، فأما من جهة الإيمان به والتصديق بالآيات فليسوا كأُولَئِكَ.
ثم وصف الحساب والساعة بالقرب والدنو والإتيان؛ كقوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)، وقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، و (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) وأمثاله: هي قريبة كالماهية عند اللَّه؛ لأن اللَّه تعالى عرف جملة الأوقات فهي في جملة ما عرف قريبة كالماهية، وأما الخلق فإنهم قد استبعدوها؛ لأنهم إنما يقدرون ذلك بآجالهم وأعمارهم وما جاوز أعمارهم، فهو عندهم بعيد ليس بقريب، وهذا إنما يكون بعد ذهاب أعمارهم.
وقال قتادة: ذكر أنه لما نزلت هذه الآية (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ)، و (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)، قال ناس من أهل الضلال: يزعم هذا الرجل أن الساعة قد اقتربت
الأنبياء 21:2
فتناهوا قليلا، ثم عادوا إلى أعمالهم، وكذلك قالوا في قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، تناهوا عنها، ثم لما تأخر ذلك عنهم عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ هذا لأنهم فهموا من قرب الساعة وإتيان أمره وقتًا يقرب ومدة تدنو، فلما مضى ذلك وقع عندهم أن الخبر كذب فكذبوه؛ لأنهم إنما قدروه بآجالهم وما عرفوا هم من القرب والدنو.
وقوله: (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) ما ذكرنا من غفلة تكذيب وإعراض، تكذيب بعد ما عرفوا أنها آيات، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)
قوله: (مِنْ ذِكْرٍ) ما يذكرهم ما يأتون وما يتقون.
أو ما يذكر ما أوعدوا وخوفوا.
أو (مِنْ ذِكْرٍ) يذكرهم ما لهم وما عليهم.
وقوله: (مُحْدَثٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: محدث: محكم أحكمه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأحكمه لما أعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: محدث؛ لأن اللَّه أنزل هذا القرآن بالتفاريق وأحدث إنزاله في كل وقت على قدر الحاجة، فعلى ما نزل بالتفاريق أحدثوا هم - أعني الكفرة - تكذيبه ورده على ما ذكر، فزادهم رجسًا إلى رجسهم ونحوه، فهو محدث من الوجوه التي ذكرنا؛ لأن كل موصوف بالإتيان فهو محدث.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ).
دل قوله: (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) أن استماعهم إياه استماع استهزاء به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) هذا الذي أسووا فيما بينهم (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ)، هذا كان نجواهم.
وقوله: (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)، قيل: غافلة قلوبهم عن الذكر، (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) الذي أسروه هو ما ذكرنا قولهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) السحر.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وأسروا النجوى الذين كفروا منهم)، وقال الكسائى: وفي بعض الحروف: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)، قال: وفي حرفنا: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى).
الأنبياء 21:3
الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ هذا الذي أسروا في ما بينهم ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر﴾ هذا كان نجواهم.
وقوله تعالى :﴿لاهية قلوبهم﴾ قيل : غافلة قلوبهم عن الذكر ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ الذي أسروه هو ما ذكرنا قولهم :﴿هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ السحر.
وفي حرف ابن مسعود وأبي : وأسروا النجوى الذين كفروا منهم. وقال الكسائي : وبعض الحروف ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ قال : وفي حرفنا ﴿وأسروا النجوى﴾ ثم أخبر عز وجل عنهم خبرا مستأنفا، فقال :﴿الذين ظلموا﴾ كقول الله تعالى :﴿ثم عموا وصموا﴾ [المائدة: ٧١] ثم قال :﴿كثير منهم﴾ وهذا على كلامين، والله أعلم.
الأنبياء 21:4
ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عنهم خبرًا مستأنفًا فقال: (الَّذِينَ ظَلَمُوا)؛ كقول اللَّه تعالى: (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا) ثم قال: (كَثِيرٌ مِنْهُمْ)، وهذا على كلامين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)
يشبه أن يكون قوله: (يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) القول الذي أسروا فيما بينهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)، وقوله: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)، وقوله: (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ)، وأمثال ما قالوا فيه ونسبوه إليه، أي: قل لهم: ربي يعلم ذلك القول منكم في السماء والأرض لينتهوا عن ذلك؛ لأن من يعلم في الشاهد أن أحدًا يطلع على جميع ما يختاره من القول والفعل، ترك ذلك وامتنع عن التفوه به والإقدام على ما يختاره.
أو أن يكون قال ذلك على الابتداء والاستئناف أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): السميع لقولهم، العليم بأفعالهم.
ثم أخبر عن سفههم وقلة نظرهم في قولهم وكلامهم وحفظهم عن التناقض فقال: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ... (٥) فيما نسبوه إلى الشعر والسحر والافتراء وأنه أضغاث أحلام تناقض في قولهم؛ لأن السحر هو غير الافتراء، والسحر غير أضغاث الأحلام، كل حرف من هذه الحروف التي نسبوه إليها يناقض الآخر ويبطله؛ فدل أنهم إنما قالوا ذلك ونسبوه إلى ما نسبوا متعنتين مكابرين لا عن معرفة وعلم قالوا ذلك؛ إذ تناقض قواطم وكلامهم؛ إلأ السحر لا يدوم ولا يبقى في وقت آخر، فإذا عرفوا وعلموا أنه دام وبقي إلى آخر الدهر، وكذلك ما قالوا من أضغاث أحلام والافتراء، أعني: ما أتى رسول اللَّه به، وبعد فإنه لو كان ما أتاهم به سحرا كان ذلك آية وعلامة على صدقه ونبوته؛ لأن السحر لا يعرفه أحد إلا بالتعليم، فإذا رأوه نشأ بين أظهرهم ولم يكن في قومه ساحر حتى يتعلم منه، ولا اختلف إلى أحد من السحرة يتعلم منهم السحر، ثم أتى به - لكان ذلك يدل على أنه إنما عرف ذلك باللَّه تعالى، فكيف وقد أتاهم بالحجج المنيرة الواضحة والآيات المعجزة الخارجة عن وسع البشر وطوقهم؟ لكنهم كابروا وعاندوا في ردها وتكذيبها، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ).
قد علموا علم حقيقة أنه قد أتاهم بآيات وحجج ما لو تأملوا فيها ولم يكابروا، لدلهم على صدقه ورسالته، وقد عرفوا أنه صادق، لكنهم سألوا في قولهم: (فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ) الآية التي تنزل عند المكابرة والعناد، وهي الآية التي نزلت في الأمم الخالية عند مكابرتهم
الأنبياء 21:5
الآية ٥ : ثم أخبر عن سفههم وقلة نظرهم في قولهم وكلامهم وحفظهم عن التناقض، فقال :﴿بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر﴾ في ما نسبوه إلى الشعر والسحر والافتراء وأنه أضغاث أحلام : تناقض في قولهم، لأن السحر هو غير الافتراء، والسحر غير أضغاث أحلام، كل حرف من هذه الحروف التي نسبوها(١) إليه يناقض الآخر، ويبطله. فدل أنهم إنما قالوا ذلك، ونسبوه إلى ما نسبوا متعنتين مكابرين لا عن معرفة علم قالوا ذلك. وتناقض(٢) قولهم وكلامهم ؛ إذ السحر لا يدوم، ولا يبقى في وقت آخر.
فإذا عرفوا، وعلموا أنه دائم، ويبقى إلى آخر الدهر، وكذلك ما قالوا من أضغاث أحلام، والافتراء، أعني ما أتى رسول الله ﷺ [ دام، وبقي، وأنه ] (٣) لو كان ما أتاهم به سحرا كان ذلك آية وعلامة على صدقه ونبوته، لأن السحر لا يعرفه أحد إلا بالتعليم. فإذا رأوه أنشأ بين أظهرهم، ولم يكن في قومه ساحر حتى يتعلم منه /٣٣٧-أ/ ولا(٤) اختلف إلى أحد من السحرة يتعلم منه السحر، ثم أتى به، كان(٥) ذلك يدل على أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى.
فكيف وقد أتاهم بالحجج النيرة الواضحة والآيات المعجزة الخارجة عن وسع البشر وطوقهم ؟ لكنهم كابروا، وعاندوا في ردها وتكذيبها، والله الموفق.
وقوله تعالى :﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون﴾ قد علموا علم حقيقة أنه قد أتاهم بآيات وحجج ما لو تأملوا فيها، ولم يكابروا، لدلهم على صدقه ورسالته، وقد عرفوا أنه صادق. لكنهم سألوا في قولهم :﴿فليأتنا بآية﴾ الآية التي تنزل عند المكابرة والعناد، وهي الآية التي نزلت في الأمم الخالية عند مكابرتهم الآيات والحجج، وهي إهلاكهم واستئصالهم ؛ إذ من سنته وحكمه في الأولين الإهلاك والاستئصال عند مكابرتهم الآيات والحجج. وسنته وحكمه في هذه الأمة ختم النبوة بهم وإبقاء شريعة محمد، صلوات الله عليه، إلى الساعة.
وسنته في الأمم الماضية نسخ شرائعهم واستبدال أحكامهم. فإذا كان ما ذكرنا جعل وقت إهلاكهم الساعة، وهو ما قال :﴿بل الساعة موعدهم﴾ الآية[القمر: ٤٦].
١ في الأصل و م: نسبوه..
٢ في الأصل و م: إذ تناقض..
٣ في الأصل و م: بهم وبعد فإنه..
٤ من م، في الأصل: ولما..
٥ في الأصل و م: لكان..
الأنبياء 21:6
الآيات والحجج، وهو إهلاكهم واستئصالهم؛ إذ من سنته وحكمه في الأولين الإهلاك والاستئصال عند مكابرتهم الآيات والحجج، وسنته وحكمه في هذه الآية ختم النبوة بهم وإبقاء شريعة مُحَمَّد - صلوات اللَّه عليه - إلى الساعة، وسنته في الأمم الماضية نسخ شرائعهم واستبدال أحكامهم، فإذا كان ما ذكرنا جعل وقت إهلاكهم الساعة، وهو ما قال: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)
أي: ما آمنت قبلهم من قرية سألوا الآية سؤال مكابرة وعناد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ).
أي: لا يؤمن هَؤُلَاءِ وإن أتاهم بآية فإنهم لا يؤمنون، كما لم يؤمن أُولَئِكَ المتقدمون؛ لأنهم يسألون سؤال عناد ومكابرة لا سؤال استرشاد واستهداء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)
كان هذا خرج جوابًا لقولهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ...) كذا، وجواب قولهم: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، وجواب قولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)، فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا)، أي: بشرًا، (نُوحِي إِلَيْهِمْ) إلى عامة الخلق، أي: الرسالة في الأمم الذين من قبله إلى عامة الخلق كانت في البشر لم تكن في الملائكة، وإلا كانت الرسالة إلى الخواص في الملاثكة وهم الرسل، فعلى ذلك لا تجعل الرسالة في هذه الأمة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن تجعل في البشر على ما جعلت في الأمم الأولى في البشر.
وجائز أن يكون قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ)، أي: جعلها في الذكور منهم لم يجعلها في النساء والإناث؛ لما لم يستكملن شرائط الرسالة والنبوة، فكأن الأول في بيان الجنس، أي: لم يجعل الرسالة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن جعلها في البشر، والثاني في بيان استكمال شرائط الرسالة واستحقاقها.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وما أرسلنا قبله إلا رجالا نوحي إليهم)، فعلى حرفهما كأنه خاطب به أُولَئِكَ الكفرة، أي: ما أرسلنا قبل مُحَمَّد إلا رجالا نوحى إليهم، وفي القراءة الظاهرة المشهورة يكون الخطاب لرسول اللَّه، أي: قل لهم: إنه ما أرسل الله من قبلك إلا رجالا يوحي إليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
الأنبياء 21:7
الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم﴾ كان هذا خرج جوابا لقولهم :﴿هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾ كذا، وجواب قولهم :﴿أبعث الله بشرا رسولا﴾ [الإسراء: ٩٤] وجواب قولهم :﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك﴾ فقال :﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا﴾ أي بشرا نوحي إليهم إلى عامة الخلق ؛ أي الرسالة في الأمم الذين من قبله إلى عامة الخلق كانت في البشر. لم تكن في الملائكة، وإلا كانت الرسالة إلى الخواص في الملائكة، وهم الرسل. فعلى ذلك لا تجعل الرسالة في هذه الأمة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن تجعل في البشر على ما جعل في الأمم الأولى في البشر.
وجائز أن يكون قوله :﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم﴾ أي [ جعلنا الرسالة ](١) في الذكور منهم، لم يجعلها في النساء والإناث لما لم يستكملن شرائط الرسالة والنبوة. فكان الأول في بيان الجنس ؛ أي لم يجعل الرسالة إلى عامة الخلق إلى الملائكة، ولكن جعلها في البشر. والثاني في بيان استكمال شرائط الرسالة واستحقاقها.
وفي حرف ابن مسعود وأبي : وما أرسلنا قبله إلا رجالا نوحي إليهم. فعلى حرفهما كأنه خاطب به أولئك الكفرة، أي ما أرسلنا قبل محمد إلا رجالا نوحي إليهم. وفي القراءة الظاهرة المشهورة يكون الخطاب لرسول الله، أي قل لهم : إنه ما أرسل الله من قبلك إلا رجالا يوحى(٢) إليهم.
وقوله تعالى :﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ قال بعضهم : إنما خاطب به مشركي العرب، وأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالرسل المتقدمة ليخبروكم أنه لم تجعل الرسالة فيهم إلى عامة الخلق إلا في البشر. وقال بعضهم : إنما خاطب به من كفر من أهل الكتاب من لا يعرف الكتاب وغيره بمحمد أن اسألوا أهل الذكر أي من آمن منهم ليخبروكم أن محمدا رسول الله إليكم ﴿إن كنتم لا تعلمون﴾ أنتم أنه رسول الله ﷺ خاصة. والتأويل الأول في جميع الرسل.
١ في الأصل: جعلنا، في م: جعلها..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/١٣٠..
الأنبياء 21:8
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما خاطب به مشرير العرب وأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالرسل المتقدمة؛ ليخبروكم: أنه لم تجعل الرسالة فيهم إلى عامة الخلق إلا في البشر، وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما خاطب من كفر من أهل الكتاب - من لا يعرف الكتاب وغيره - بمُحَمَّد أن اسألوا أهل الذكر، أي: من آمن منهم؛ ليخبروكم أن محمدا رسول اللَّه إليكم إن كنتم لا تعلمون أنتم أنه رسول اللَّه، فهذا التأويل في مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة والتأويل الأول في جميع الرسل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)
قَالَ بَعْضُهُمْ: ما جعلنا أجسادًا لا أرواح فيها لا يأكلون ولا يشربون، ولكن جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق.
وجائز أن يكون قوله: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ) من نحو الملائكة والجن، ولكن جعلناهم بشرًا.
وحاصله: أنهم كانوا يطعنون الرسل بأشياء، مرة قالوا: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، وقالوا: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ونحوه، كانوا لا يرون الرسالة في البشر، ولا يرون الرسول يكون من نوع المبعوث إليه، فألزمهم أن الرسل الذين كانوا من قبل الذين صدقهم آباؤهم وآمنوا بهم كانوا من البشر بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ)، ومرة طعنوا الرسل أنهم يأكلون الطعام ويشربون وينكحون ويمشون في الأسواق كغيرهم من الناس؛ كقولهم: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)، ونحوه، فألزمهم - عَزَّ وَجَلَّ - وأخبرهم أن الرسل الذين كانوا من قيل كانوا يأكلون ويشربون ويقضون حوائجهم؛ حيث قال: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) في الدنيا، وما قال في آية أخرى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)؛ فعلى ذلك الرسول المبعوث إليكم هو كسائر الرسل الذين كانوا من قبل، هو ممن يأكل ويشرب وينكح وهو رسول، وأنه بشر كسائر الرسل، وهو رسول اللَّه؛ على هذا يخرج تأويل الآية.
وهذه الآية ترد على الباطنية قولهم ومذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الرسالة لا تكون في الجوهر الكثيف الجسداني الذي يأكل ويشرب ويفنى ويبيد، إنما تكون في الجوهر البسيط الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يبيد ولا يفنى، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه لم يجعلهم جسدًا لا
الأنبياء 21:9
يأكلون الطعام ولا يبيدون، بل جعلهم أجسادًا يأكلون ويموتون بقوله: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)
أخبر أنه وعد الرسل وعدًا، لكنه لم يبين ما كان ذلك الوعد الذي وعد رسله؛ لكن في آخره بيان أن الوعد الذي وعدهم كان وعد أهلاك وتعذيب؛ لأنه قال: (فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ)، دل قوله: (فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ): أن الوعد كان وعد إهلاك، فنقول: كان وعد - عَزَّ وَجَلَّ - الرسل الذين من قبل إهلاك من كذبهم، فكان كما وعدوا، وإن تأخر ذلك الموعود عن وقت الوعد؛ فعلى ذلك ما وعدكم مُحَمَّد من العذاب فإنه نازل بكم وإن تأخر نزوله، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)
يحتمل قوله: (ذِكْرُكُمْ) ما يذكركم ما تأتون وتتقون، أو يذكركم ما لكم وما عليكم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فِيهِ ذِكْرُكُمْ)، أي: شرفكم ونبلكم لو اتبعتم.
وقال الحسن في قوله: (فِيهِ ذِكْرُكُمْ) أي: فيه دينكم الذي أمسك عليكم به.
وقال غيره: فيه شرفكم ونبلكم لو اتبعتموه؛ كقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) أي: شرف لك.
* * *
قوله تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً).
قصمنا: أهلكنا، وأصل القصم: الكسر، يخوف أهل مكة بتكذيبهم محمدًا ما نزل بأُولَئِكَ بتكذيبهم الرسل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)
قوله: (أَحَسُّوا) قَالَ بَعْضُهُمْ: علموا بالعذاب، إذا هم يركضون، أي: يفرون ويهربون.
الأنبياء 21:10
الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم﴾ يحتمل قوله :﴿ذكركم﴾ ما يذكركم ما تأتون، وتتقون، أو يذكركم مالكم وما عليكم. وقال بعضهم :﴿ذكركم﴾ أي شرفكم ونبلكم لو اتبعتم.
وقال الحسن في قوله :﴿فيه ذكركم﴾ أي فيه دينكم الذي أمسك عليكم به. وقال غيره : فيه شرفكم ونبلكم لو اتبعتموه كقوله :﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ [الزخرف: ٤٤] أي شرف لك.
الأنبياء 21:11
الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة﴾ قصمنا : أهلكنا. وأصل القصم الكسر. يخوف أهل مكة بتكذيبهم محمدا ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل وقوله تعالى :﴿وأنشأنا بعدها قوما آخرين﴾.
الأنبياء 21:12
الآية ١٢ : وقوله تعالى :﴿فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون﴾ قوله ﴿أحسوا﴾ : قال بعضهم : علموا بالعذاب ﴿إذا هم منها يركضون﴾ أي يفرون، ويهربون. وقال بعضهم : يعدون، وهو واحد.
الأنبياء 21:13
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يعدون، وهو واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)
أي: أنعمتم فيه: مساكنكم، مثل هذا يخرج مخرج الاستهزاء بهم.
ْوقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: تعذبون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تحاسبون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لعلكم تسألون الإيمان كما سئلتموه قبل نزول العذاب.
وقيل: لعلكم تسألون عن قتل نبيكم؛ لأنهم قتلوا نبيهم، تسألون فيم قتلتموه؟
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان هذا في نازلة - واللَّه أعلم - تلقتهم الملائكة وهم هاربون فارون، فقالوا لهم: (لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) استهزاء بهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ): تفقهون.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ): قال: الضغث: ما لا تأويل له، ويقال: حلم وأحلام، ويقال: حلم يحلم حلما فهو حالم: إذا رأى شيئًا في النوم، واحتلم يحتلم، لا يكون مثل حلم يحلم، ويقال من الحلم: حلم حلما فهو حليم، ويقال: حلمته، أي: جعلته حليما، والافتراء: الكذب، والشاعر: إنما سمى: شاعرًا؛ لأنه يشعر من الكلام ما لا يشعر به غيره، والقصم: الكسر، والمراد منه الهلاك، قصمه غيره وانقصم بنفسه، أي: انكسر، وقال: (أَحَسُّوا)، أي: استيقنوا بعذابنا، ويقال: أحسست، أي: وجدت، وأحسست: علمت واستيقنت، يقال: أحسست: قطعت، وتحسست، أي: تخبرت، والمحسسة الفِرْجَون.
وقال: يركضون: يهربون (إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ)، أي: أنعمتم ومتعتم، والإتراف: الإكرام.
الأنبياء 21:14
وقال أبو عبيدة: (يَرْكُضُونَ) يعدون، وقوله: (لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ)، ليس على الأمر، ولكن أي: لو رجعتم إلى ما أترفتم فيه، وكذلك (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا..)، كذا، ليس على الأمر، ولكن لو سرتم فانظروا كذا؛ فعلى ذلك قوله: (وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ)، أي: لو رجعتم لعلكم تسألون كما كنتم تسألون من قبل، فيخرج ذلك مخرج الاستهزاء جزاء لصنيعهم، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)
يقرون يومئذ بالظلم، لكن لا ينفعهم ذلك ويندمون على سوء صنيعهم، فيطلبون العودة إلى دنياهم؛ كقوله: (يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ... (١٥)
أي: ما زالت تلك، أي قولهم: (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) دعواهم، (حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ)، فإن كان هذا القول منهم في الدنيا فيكون قوله: (حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ) بالقتل بالسيف والإهلاك.
وإن كان ذلك في الآخرة فيكون قوله: (حَصِيدًا خَامِدِينَ) في النار في الآخرة، والله أعلم.
و (حَصِيدًا)، أي: هالكًا وهو محصود، و (خَامِدِينَ): كما يقال: خمدت النار: إذا طفيت.
* * *
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ).
أخبر أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما لتكونا سماء وأرضًا على ما هما عليه ثم تفنيان، ولكن خلقهما لعاقبة قصدها، وهو أن يمتحن أهلها؛ لأن من عمل في الشاهد عملا لا يقصد به عاقبة يأمل ويرجو أمرًا فهو في عمله عابث لاهٍ؛ ولو كان على ما عند أُولَئِكَ الكفرة بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا ثواب لكان إنشاؤهما وما بينهما باطلا
الأنبياء 21:15
الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿فما زالت تلك دعواهم﴾ أي مازالت تلك أقوالهم :﴿يا ويلنا إنا كنا ظالمين﴾ ﴿حتى جعلناهم حصيدا خامدين﴾ في النار في الآخرة، والله أعلم. و﴿حصيدا﴾ أي هالكا، وهو محصود. و﴿خامدين﴾ كما يقال : خمدت النار إذا طفئت.
الأنبياء 21:16
الآية ١٦ : وقوله تعالى :﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ أخبر أنه لم يخلق السماء والأرض وما بينهما [ لتكونا ] (١) سماء وأرضا على ما هما عليه، ثم تفنيان، وتبيدان. ولكن خلقهما لعاقبة قصدها، وهي(٢) أن يمتحن أهلها، لأن من عمل في الشاهد عملا، لا يقصد به عاقبة يأمل، ويرجو أمرا، فهو في عمله عابث لاه(٣)، ولو كان على ما عند أولئك الكفرة بأن لا بعث، ولا حساب، ولا جزاء، ولا ثواب، لكان إنشاؤها وما بينهما باطلا لعبا كقوله :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ [المؤمنون: ١١٥] صير عدم الرجوع إليه خلقهم شيئا باطلا.
وقال الحسن : لم يخلقهما عبثا، ولكن خلقهما لحكمة ؛ من نظر إليهما دلاه(٤) على وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و م: وهو..
٣ في الأصل و م: لاغ..
٤ في الأصل و م: دالان..
الأنبياء 21:17
لعبًا؛ كقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، صير عدم الرجوع إليه بعد خلقهم عبثًا باطلا.
وقال الحسن: لم يخلقهما عبثا، ولكن خلقهما لحكمة من نظر إليهما دلَّاهُ على وحدانية منشئهما وسلطانه وقدرته وحكمته وعلى علمه وتدبيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَهْوًا) أي: زوجة، لكن هذا بعيد؛ لأنه احتج عليهم على نفي الولد بنفي الصاحبة بقوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَ)، فلولا أنهم أقروا وعرفوا أن لا صاحبة له، وإلا لم يكن للاحتجاج عليهم على نفي الولد بنفي الصاحبة معنى، ويكون قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا) أي: ولدًا؛ لأن الناس يتلهون بالولد فسماه: لهوًا لذلك، قال: (لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: (لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا) بحيث لا تبلغه أفهامكم ولا يدركه علمكم؛ لأن الولد يكون من جنس الوالدين ومن شكلهما، وسبيل معرفته وعلمه الاستدلال الحسي، فإذا لم يعرفوه هو بالحسي فكيف يعرفون من هو يكون منه لو كان؟!
والثاني: أن الغائب إنما يعرف بالاستدلال بالشاهد، فلو كان له الولد على ما تزعمون لكان لا يعرف؛ لأنه لا صنع للولد في الشاهد، إذ هو الواحد المتفرد بإنشاء العالم، فيذهب معرفة الولد إدراكه لو كان على ما تزعمون.
وقوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا)، ليس على أنه يحتمل أن يكون له الولد، أو أن يحتمل أن يتخذ ولدًا، ولكن لو احتمل أن يكون لم يحتمل أن يدرك ويعلم، وكذلك يخرج قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، ليس أنه يحتمل أن يكون فيهما آلهة، ولكن لو احتمل أن يكون فيهما آلهة لفسدتا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)
يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على رسوله أو الرسول نفسه، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته أو ألوهيته.
(فَيَدْمَغُهُ)، أي: يبطل ذلك الذي قالوا في اللَّه ما قالوا من الولد والصاحبة وغيره مما لا يليق به.
(فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)، أي: هو ذاهب متلاشٍ.
الأنبياء 21:18
الآية ١٨ : وقوله تعالى :﴿بل نقذف بالحق على الباطل﴾ يشبه أن يكون الحق الذي أخبر أنه يقذف على الباطل القرآن الذي أنزله على رسوله، والرسول نفسه، أو الآيات التي جعلها لوحدانيته وألوهيته ﴿فيدمغه﴾ أي يبطل ذلك الذي قالوا في الله ما قالوا من الولد والصاحبة وغيره مما لا يليق به. فإذن هو زاهق، أي هو ذاهب متلاش.
وقوله تعالى :﴿ولكم الويل مما تصفون﴾ من الولد و الصاحبة وجميع ما وصفوه مما لا يليق به.
الأنبياء 21:19
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ): من الولد والصاحبة وجميع ما وصفوه مما لايليق به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) كأنه ذكر هذا جوابا لقولهم، وردًّا على وصفهم إياه بالذي وصفوه، فقال: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: له من في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ولا أحد في الشاهد يتخذ لنفسه ولدًا من عبيده وإمائه، فإذا لم تروا هذا في الخلق أنفًا من ذلك واستنكافًا، فكيف قلتم ذلك في الله سبحانه وتعالى، وأضفتم إليه.
أو أن يخبر غناه عن الخلق بأن له من في السماوات والأرض والولد في الشاهد إنما يطلب لحاجة تسبق، فإذا كان اللَّه - سبحانه وتعالى - غنيًّا بذاته بما ذكر أن له كذا لا حاجة تقع له إلى الولد، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ).
يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: " الملائكة بنات اللَّه "، فأخبر أنهم ليسوا كما وصفوهم ولكنهم عبيد لي، هم لا يستريحون عن عبادتي ولا يفترون.
أو أن يكون ذكر هذا لمكان من عبد الملائكة واتخذهم آلهة دونه، فأخبر أنهم لا يستكبرون عن عبادتي ولا يفترون، ولم يدعوا هم الألوهية لأنفسهم، فكيف نسبتم الألوهية إليهم وعبدتموهم دوني؟ أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن استكبرتم عن عبادتي، فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدرًا منكم، (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) ينزهون اللَّه ويبرئونه عما وصفه الملحدة من الولد وجميع ما قالوا فيه مما لا يليق به.
وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حيث قالوا: إن الأعمال لأنفسها متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا، لكان البشر والملائكة فيها شرعًا سواء، فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون ولا يفترون ولا تتعبهم العبادة؛ دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها، وهذه المسألة في خلق أفعال العباد: هم ينكرون خلقها، ونحن نقول: هي خلق اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كسب للعباد، وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلامًا كافيًا.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَيَدْمَغُهُ) أي: يبطله.
وقال غيره: يهلكه، وهو من قولك: ضربت الرجل فدمغته: إذا وصلت الضربة إلى
الأنبياء 21:20
الآية ٢٠ :[ وهو قوله تعالى ] (١) :﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ ينزهون الله، ويبرؤونه عما وصفه الملحدة من الولد وجميع ما قالوا ففيه مما لا يليق به.
وهذه الآية تنقض قول المعتزلة ومذهبهم حين قالوا : إن الأعمال لأنفسها متعبة منصبة، ولو كانت الأفعال لأنفسها متعبة على ما ذكروا لكان البشر والملائكة شرعا. فلما أخبر عنهم أنهم لا يعيون، ولا يفترون، ولا تتعبهم العبادة دل أنها صارت متعبة لصنع غير فيها لا لأنفسها. وهذه المسألة في خلق أفعال العباد : هم ينكرون خلقها، ونحن نقول : هي خلق الله عز وجل كسب للعباد. وقد ذكرنا هذا في غير موضع كلاما كافيا.
قال أبو عوسجة :﴿فيدمغه﴾ [الأنبياء: ١٨] أي يبطله. وقال غيره : يهلكه، وهو من قولك :/٣٣٨-أ/ ضربت الرجل، فدمغته إذا وصلت الضربة إلى الدماغ. وإذا كان كذلك مات. فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي يهلكه. وقوله تعالى :﴿فإذا هو زاهق﴾ أي ذاهب وميت. زهق إذا مات، وهلك، والزاهق في غير هذا السمين. وقوله تعالى :﴿ولا يستحسرون﴾ [الأنبياء: ١٩] أي لا يعيون، ومنه ﴿حسير﴾ [الملك: ٤] ومحسور أيضا [ قوله ] (٢) :﴿لا يفترون﴾ الفتور(٣) الإعياء أيضا.
١ في الأصل و م: حيث..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: والفتور..
الأنبياء 21:21
الدماغ، وإذا كان كذلك مات؛ فكذلك يدمغ الحق الباطل، أي: يهلكه.
وقوله: (فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)، أي: ذاهب وميت، زهق إذا مات وهلك، والزاهق في غير هذا السمين.
(وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ) أي: لا يعيون، ومنه حسير ومحسور أيضًا، (لَا يَفْتُرُونَ) والفتور: الإعياء أيضًا.
* * *
قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ).
قوله: (أَمِ اتَّخَذُوا) استفهام في الظاهر من الخلق، لكن ذلك من اللَّه على الإيجاب كأنه قال: قد اتخذوا آلهة، وهكذا كل ما خرج في الظاهر من اللَّه على الاستفهام فإنه على الإيجاب؛ لأنه عالم بما كان ويكون لا يخفى عليه شيء، وأما الخلق فإنه يجوز أن يستفهم بعض من بعض لما يخفى على بعض أمور بعض، فيطلب بعضهم من بعض العلم والفهم بذلك، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُم يُنْشِرُونَ) يحتمل وجهين:
أحدهما: (هُم يُنْشِرُونَ) أي يخلقون، أي: اتخذوا آلهة لا يخلقون؛ كقوله: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ)، وكيف اتخذوا آلهة لا يخلقون؟ وإنما يعرف الإله بالخلق وبآثار تكون في الخلق، فإذا لم يكن من هَؤُلَاءِ خلق كيف اتخذوها آلهة؟!
والثاني: (هُم يُنْشِرُونَ)، أي: يبعثون ويحيون.
فإن كان على البعث والإحياء فكأنه يقول: كيف اتخذوا من لا يملك البعث والإحياء آلهة؟! وخلق الخلق لا للبعث والإحياء بعد الموت يخرج على غير الحكمة في الظاهر؛ لأن من بنى في الشاهد بناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد به كان غير حكيم في فعله عابثًا في بنائه، وكذلك قوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) جعل خلق الخلائق لا للرجوع إليه عبثًا، فيخرج هذا على وجهين: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً)، أي: قد اتخذوا آلهة من الأرض (هُم يُنْشِرُونَ).
أو لم يتخذوا آلهة من الأرض هم يملكون النشر أو النشور، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)
الأنبياء 21:22
الآية ٢٢ : وقوله تعالى :﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ وفي حرف ابن مسعود وأُبَيٍّ وحفصة : لو كان فيهن آلهة غير الله لفسدن. ثم يحتمل قوله :﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ وجوها :
أحدها :﴿لفسدتا﴾ أي لم يكونا من الأصل، لأن العرف في الملوك أن ما بنى هذا، وأثبته، يريد الآخر نقضه وإفناءه، فلم يثبتا، ولم يكونا من الأصل، ولو كان لعدد.
والثاني :﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ لم تكن منافع إحداهما متصلة بمنافع الأخرى للخلق ؛ إن منع كل واحد منهم منافع ما خلق هو من أن تصل إلى الأخرى. فإذا اتصلت منافع إحداهما بالأخرى. دل أنه صنع واحد وتدبير واحد لا عدد.
والثالث : لو كان عددا لكان لا يخرج تدبيرهما على حد واحد في كل عام على سنن واحد. دل أنه تدبير واحد لا عدد ؛ إذ لو كان لعدد لكان يختلف الأمر في كل عام، ولم يتسق على سنن واحد، ولا جرى على أمر واحد.
وقال بعضهم :﴿لفسدتا﴾ هو قول الله :﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾ [المؤمنون: ٩١] على ما هو من عادة ملوك الأرض.
وقوله تعالى :﴿فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾ من الولد والشريك.
الأنبياء 21:23
وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (لو كان فيهن آلهة لفسدن).
ثم يحتمل قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) وجوهًا:
أحدها: (لَفَسَدَتَا)، أي: لم يكونا من الأصل؛ لأن العرف في الملوك أن ما بنى هذا وأثبته يريد الآخر نقضه وإفناءه، فلم يثبتا ولم يكونا من الأصل لو كانا لعدد.
والثاني: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا): لم تكن منافع إحداهما متصلة بمنافع الأخرى للخلق؛ إذ يمنع كل واحد منهما منافع ما خلق هو من أن تصل إلى الأخرى، فإذا اتصلت منافع إحداهما بالأخرى، دل أنه صنع واحد وتدبير واحد لا عدد.
والثالث: لو كان عددًا، لكان لا يخرج تدبيرهما على حد واحد في كل عام، فإذا اتسق التدبير وجرى الأمر في كل عام على سنن واحد؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد؛ إذ لو كان لعدد لكان يختلف الأمر في كل عام ولم يتسق على سنن واحد، ولا جرى على أمر واحد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو قول اللَّه: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، على ما هو من عادة ملوك الأرض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) من الولد والشريك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)
هذا يحتمل وجوهًا:
أحدهاة أنه لا يُسأل؛ لأن ما يفعل يفعل في ملكه وسلطانه، وإنما يسأل من فعل في سلطان غيره وملك غيره، ففي ذلك دلالة أنه لا يجوز التناول في شيء إلا بالأمر والإباحة من مالكه، فيبطل قول من يقول: هو على الإطلاق والإباحة في الأصل.
والثاني: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ)؛ لأنه حكيم بذاته لا يخرج فعله عن الحكمة، فإنما يسأل من يحتمل فعله السفه، فأما من لا يحتمل فعله إلا الحكمة، فإنه لا يحتمل السؤال: لم فعلت؟ ولماذا فعلت؟
والثالث: لو احتمل السؤال عما يفعل لاحتمل الأمر والنهي: أن افعل كذا، ولا تفعل كذا، وذلك محال، ولو ثبت الأمر فيه لكان يخرج سؤاله سؤال حاجة؛ لأن من يأمر من فوقه بأمر فإنما يكون أمره سؤال حاجة، ومن يأمر من دونه فيكون أمره أمرًا.
وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)
فيه دلالة لزوم الدليل على النافي؛ لأنه لما قال: (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) كان لهم أن يقولوا: هات أنت البرهان على ما ادعيت من الألوهية، ونحن ننكر ذلك، فإذا لم يكونوا
الأنبياء 21:24
الآية ٢٤ : وقوله تعالى :﴿أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم﴾ فيه دلالة لزوم الدليل على النافي، لأنه لما قال :﴿هاتوا برهانكم﴾ كان لهم أن يقولوا : هات أنت البرهان على ما ادعيت من الألوهية، ونحن ننكر ذلك. فإذا لم يكونوا يقولون ذلك دل أن الدلالة تلزم النافي.
وقوله تعالى :﴿هذا ذكر من معي وذكر من قبلي﴾ أي هذا القرآن [ ﴿ذكر من معي وذكر من قبلي﴾ ](١). قال بعضهم : هذا القرآن فيه ﴿ذكر من معي﴾ من الحلال والحرام لهم ﴿وذكر من قبلي﴾ أي فيه ذكر أعمال الأمم السالفة وأخبارهم وما صنع الله بهم إلى ما صاروا إليه.
أو يكون قوله :﴿هذا ذكر من معي﴾ أي خبر من معي ﴿وذكر من قبلي﴾ أي خبر من قبلي، فيكون فيه دليل رسالته لأنه أخبر عن أنباء الأمم السالفة وأخبارهم على ما ذكرت في كتبهم من غير أن يعلم ما في كتبهم [ أو ](٢) يتعلم منهم، أو ينظر [ ما ] (٣) كان منه فيها ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله.
ويشبه أن يكون تأويل قوله :﴿هذا ذكر من معي وذكر من قبلي﴾ ما ذكر ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥] أي ﴿هذا ذكر من معي﴾ وذكر الرسل من قبلي ومن معهم، أي هذا الذكر أرسلني إلى من معي وأرسل الذين من قبلي إلى قومهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون﴾ كذلك كانوا لا يعلمون الحق بإعراضهم عنه.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الأنبياء 21:25
يقولون ذلك، دل أن الدلالة تلزم النافي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي).
أي: هذا القرآن (ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا القرآن فيه ذكر من معي من الحلال والحرام، (وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي)، أي: فيه ذكر أعمال الأمم السالفة وأخبارهم وما صنع اللَّه بهم إلى ما صاروا إليه.
أو أن يكون قوله: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) أي: خبر من معي وخبر من قبلي؛ فيكون فيه دليل رسالته؛ لأنه أخبر عن أنباء الأمم السالفة وأخبارهم على ما ذكرت في كتبهم من غير أن علم ما في كتبهم بتعلم منهم أو بنظر كان منه فيها؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك باللَّه.
ويشبه أن يكون تأويل قوله: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) ما ذكر: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، أي: هذا ذكر من معي وذكر الرسل من قبلي ومن معهم، أي: هذا الذكر أرسلني إلى من معي وأرسل الذين من قبلي إلى قومهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ): كذلك كانوا لا يعلمون الحق بإعراضهم عنه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)
أخبر: أنه لم يرسل رسولًا من قبل إلا بما ذكر من قوله: (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
ثم يحتمل قوله: (فَاعْبُدُونِ) أي: وحدوني في الألوهية لا تصرفوا الألوهية إلى غيري، ولا تشركوا من دوني في ألوهيتي.
أو أن يكون: (فَاعْبُدُونِ) أي: إليَّ؛ فاصرفوا العبادة إليَّ، ولا تصرفوا العبادة إلى مَن دوني، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ).
الأنبياء 21:26
الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ دل قوله :﴿بل عباد مكرمون﴾ أنهم لم ينسبوا الولد إليه، ولا قالوا ذلك : إنه اتخذ ولدا على حقيقة الولاد، ولكن قالوا ذلك على الصفوة واصطفاء من أضافوا، ونسبوا إليه، لأنه أخبر أن الذين قالوا : إنهم ولده من نحو عيسى وعُزَيْر والملائكة، ليسوا كما وصفوا، ولكنهم عباد مكرمون.
الأنبياء 21:27
دل قوله: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ): أنهم لم ينسبوا الولد إليه، ولا قالوا ذلك: إنه اتخذ ولدًا على حقيقة الولادة، ولكن قالوا ذلك على الصفوة واصطفائه من أضافوا ونسبوا إليه؛ لأن الذين قالوا: إنهم ولده من نحو عيسى وعزير والملائكة ليسوا كما وصفوا، ولكنهم عباد مكرمون، ثم أخبر بما أكرمهم فقال: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) أخبر أنهم لا يتقدمون في قول ولا فعل إلا بإذن منه وأمر.
أو أن يكون قوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) أي: لا يأمرون بشيء ولا ينهون عن شيء إلا بإذن من اللَّه وأمر منه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) هذا قد ذكرناه في سورة " طه ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)، وقال في آية أخرى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا)، فيكون تأويل قوله: (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) أي: إلا لمن أذن له.
ثم يتوجه قوله: (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) إلى الشفيع، أي: لا يؤذن لأحد بالشفاعة إلا من كان مرضيا مرتضى دينا وعملا، ويتوجه قوله: (إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) إلى المشفوع له: إلا لمن ارتضى عنه الرب مذهبًا وعملا؛ حتى لم يدخل في عمله تقصير.
ثم الشفاعة إنما جعلت في الأصل للتجاوز فيما دخل في العمل من التقصير.
ثم لا يخلو الذي يشفع له إما أن يكون صاحب الصغيرة فيجوز أن يعذب عليها، أو أن يكون صاحب كبيرة، ففيه دلالة التجاوز والعفو عن صاحب الكبيرة؛ لأنا قد قلنا: إن الشفاعة إنما جعلت لمن منه التقصير في العمل، ففيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن صاحب الصغيرة معفو عنه الصغيرة حتى لا يجوز أن يعذب عليها، وصاحب الكبيرة لا يجوز العفو عنه والتجاوز، بل هو معذب أبدًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) هذا - واللَّه أعلم - كأنه صلة قوله: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ...) الآية، أي: من خشية عذابه وهيبته لا يتقدمون بقول ولا فعل ولا أمر ولا نهي؛ خوفًا منه وهيبة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) هذا كأنه مقطوع عما سبق وتقدم ذكره غير موصول به؛ لأن ما سبق هو القول منهم: إنه اتخذ الرحمن ولذا، فلو كان على اتصاله بالأول، لكان يقول: ومن يقل منهم: إني ولد إله؛ لأنهم قالوا: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدا)، ولم يقولوا: إنه اتخذ الرحمن إلها، فلو كان على الصلة بالأول والجواب له، فهو يخرج على الجواب لهم، ومن يقل منهم: إني ولد إله، لكن كأنهم كانوا فرقًا: منهم من قال: اتخذ ولدا، ومنهم من عبد دونه الملائكة واتخذهم آلهة، فخرج هذا جوابًا لذلك فقال: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...) الآية، فَإِنْ قِيلَ لنا في قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)، وقد عبد عيسى من دونه، وعبد الملائكة دونه؛ فيكون حصب جهنم على ظاهر ما ذكر، قلنا: تأويل قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) أي: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) بأمر الذين عبدوا وقالوا لهم: اعبدوني (حَصَبُ جَهَنَّمَ)، دليله ما ذكر في الآية: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) أي: المشركين (الظَّالِمِينَ) وهاهنا: المشركين الكافرين.
ثم قال الحسن في قوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ): لا يحتمل أن يكونوا يقولون ذلك؛ لما وصفهم بالطاعة له وترك الخلاف لأمره، لكنه ذكر هذا؛ ليعلم الخلق أن من قال ذلك وإن عظم قدره عنده، وجلت منزلته أنه يجزيه بما ذكر أنه يستوجب لذلك.
ولكن عندنا المعصية من الملائكة ممكن محتمل؛ دليله قوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ)، ولأنه قد مدحهم بقوله: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ...) الآية. وقوله: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ...) الآية، فدل ذلك كله على أنهم مختارون في ذلك غير مجبولين عليه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ من أهل التأويل: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ) وهو إبليس هو كان منهم، وهو الذي قال ذلك (إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ) فاعبدونى، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا
الأنبياء 21:28
الآية ٢٨ : وقوله تعالى :﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ هذا قد ذكرناه في سورة طه [ الآية : ١١٠ ].
وقوله تعالى :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ كقوله(١) في آية أخرى :﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ورضي له قولا﴾ [طه: ١٠٩] فيكون تأويل قوله :﴿إلا لمن ارتضى﴾ أي إلا لمن أذن له.
ثم يتوجه قوله :﴿إلا لمن ارتضى﴾ إلى الشفيع، أي لا يؤذن لأحد بالشفاعة إلا من كان مرضيا مرتضى دينا وعملا. ويتوجه قوله :﴿إلا لمن ارتضى﴾ إلى المشفوع له ﴿إلا لمن ارتضى﴾ عنه الرب مذهبا وعملا حتى لم يدخل في عمله تقصير.
ثم الشفاعة إنما جعلت /٣٣٨- ب/ في الأصل للتجاوز في ما دخل في العمل من التقصير. ثم لا يخلو الذي يشفع له إما أن يكون صاحب الصغيرة فيجوز أن يعذب عليها، وإما(٢) أن يكون صاحب كبيرة، ففيه دلالة التجاوز، والعفو عن صاحب الكبيرة لأنا قد قلنا : إن الشفاعة إنما جعلت لمن منه التقصير في العمل. ففيه نقض قول المعتزلة لأنهم يقولون : إن صاحب الصغيرة معفو عنه للصغيرة(٣) حتى لا يجوز أن يعذب عليها، وصاحب الكبيرة لا يجوز العفو عنه للتجاوز، بل هو معذب أبدا.
قوله تعالى :﴿وهم من خشيته مشفقون﴾ هذا، والله أعلم، كأنه صلة قوله :﴿يسبقونه بالقول﴾ الآية [الأنبياء: ٢٧] أي من خشية عذابه وهيبته لا يتقدمون بقول، ولا فعل، ولا أمر، ولا نهي خوفا منه وهيبة، والله أعلم.
١ في الأصل و م: وقال..
٢ في الأصل و م: أو..
٣ في الأصل و م: الصغيرة..
الأنبياء 21:29
الآية ٢٩ : وقوله تعالى :﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾ هذا كأنه مقطوع عما سبق، وتقدم ذكره، غير موصول به، لأن ما سبق : هو القول منهم :﴿اتخذ الرحمان ولدا﴾ [الأنبياء: ٢٦].
فلو كان على اتصاله بالأول لكان يقول : ومن يقل منهم : إني ولد إله لأنهم قالوا :﴿اتخذ الرحمان ولدا﴾ ولم يقولوا : اتخذ الرحمان إلها.
فلو كان على الصلة بالأول والجواب له لكان(١) يخرج على الجواب لهم :﴿ومن يقل منهم إني إله﴾ لكن كأنهم كانوا فرقا : منهم من قال :﴿اتخذ الرحمان ولدا﴾ ومنهم من عبد دونه الملائكة، واتخذهم آلهة، فيخرج هذا جوابا لذلك، فقال :﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم﴾ الآية.
فإن قيل لنا في قوله :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقد عبد عيسى دونه، وعبدت الملائكة دونه، فيكنون حصب جهنم على ظاهر ما ذكر. قلنا : تأويل قوله :﴿وإنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ أي إنكم وما تعبدون من دون الله بأمر الذين عبدوا، وقالوا لهم : اعبدوني حصب جهنم. دليله ما ذكر في الآية :﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين﴾أي المشركين ؛ ﴿الظالمين﴾ هاهنا المشركين الكافرين.
ثم قال الحسن في قوله :﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه﴾ لا يحتمل أن يكونوا يقولون ذلك لما وصفهم بالطاعة(٢) له وترك الخلاف لأمره. لكنه ذكر هذا ليعلم الخلق أن من قال ذلك، وإن عظم قدره عنده، وجلت منزلته، يجزيه(٣) بما ذكر أنه يستوجب لذلك.
ولكن عندنا المعصية من الملائكة [ ممكنة محتملة، دليلها ] (٤) :﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه﴾ لأنه قد مدحهم بقوله :﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ الآية [التحريم: ٦] وقوله(٥) :﴿لا يستكبرون عن عبادته﴾ الآية [الأنبياء: ١٩] فدل ذلك كله على أنهم مختارون في ذلك غير مجبورين(٦) عليه.
وقال بعضهم من أهل التأويل :﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم﴾ هو إبليس ؛ هو كان منهم، وهو الذي قال ذلك :﴿إني إله من دونه﴾ فاعبدوني، والله أعلم.
١ في الأصل و م: فهو..
٢ من م، في الأصل: الطاقة..
٣ أدرج قبلها في الأصل و م: أنه..
٤ في الأصل و م: ممكن محتمل دليله..
٥ الواو ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: مجبولين..
الأنبياء 21:30
لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)
قوله: (أَوَلَمْ يَرَ) يخرج على وجوه:
أحدها: أنِ اعْلَمُوا ورُوا: أن السماوات والأرض كانت كذا.
والثاني: لو تفكروا وتأملوا لعلموا أنهما كذا.
والثالث: على التنبيه: أن قد رأوا وعلموا أنهما كانتا كذا، كذلك هذا في كل ما ذكر من قوله: (أَوَلَمْ يَرَوا إِلَى...) كذا، و (أَلَمْ تَرَ إِلَى...)، كذا، فهو كله يخرج على هذه الوجوه.
ثم يكون قوله: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا)، (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) كل هذا كان في قوله: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا) كأنه يقول: أولم يروا كذا ما جعلناهم من أنواع ما ذكر، ثم ذكر هذا لهم يكون لوجوه:
أحدها: أن يذكر نعمه عليهم حيث أخبر أن السماء والأرض كانتا رتقا ففتق منهما أرزاقهم، وذكرهم أنه جعل بالماء حياتهم، وجعل لهم الأرض بحيث تقر بأهلها وتسكن بهم، وجعلها مهادًا لهم وفراشا بالجبال حتى قدروا على المقام بها والقرار، ثم قال: إنه جعل فيها فجاجًا وسبلا، ليصلوا إلى حوائجهم وشهواتهم ومنافعهم التي جعلت لهم في البلاد النائية، وذكرهم نعمه أيضًا في حفظ السماء عن أن تسقط عليهم على ما أخبر أنه يمسكها هو بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا)، وذكرهم أيضًا نعمه فيما جعل لهم من الليل والنهار وفي الشمس والقمر من المنافع؛ يستأدي بذلك كله الشكر على ما أنعم عليهم.
أو أن يذكرهم بهذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على فتق السماء من الأرض، وجعل حياة كل شيء من الماء، وإمساك السماء وحفظها عن أن تسقط بلا عمد، وما ذكر من خلق الليل والنهار، وقطع الشمس والقمر بيوم واحد مسيرة خمسمائة عام - أن من قدر على كل ما ذكر لقادر على بعثهم وإحيائهم بعد الموت وبعد ما صاروا ترابًا.
أو أن يذكرهم غناه بذاته وملكه: أن من كان هذا سبيله فأنى تقع له الحاجة إلى اتخاذ الولد أو الشريك أو الصاحبة ردًّا على ما قالوا: (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)، و (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً)، ونحوه، فبين فساد ذلك كله وبطلانه حيث قال:
الأنبياء 21:31
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).
وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) ونحوه، يبين بهذا كله فساد ما ادعوا على اللَّه أنه اتخذ كذا.
ثم اختلف في قوله: (كَانَتَا رَتْقًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: فتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات: فتق السماء، وهي أشد الأشياء وأصلبها بألين شيء وهو الماء، وكذلك الأرض فتقها بالين شيء وهو النبات مع شدتها وصلابتها، وهو ما ذكرنا من لطفه وقدرته.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كَانَتَا رَتْقًا) ملتزقتين، ففتقهما أي: جعل بينهما هواء مكانا لتخلق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانت السماء واحدة والأرض كذلك، فجعل من السماء سبعًا ومن الأرض كذلك سبعًا، فكذلك فتقه إياهما، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الماء نطفة الرجال منه يخلق الخلائق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ) الذي خلق في الأرض، أو أنزل من السماء حياة كل شيء، يعلم حياة خلائق الأرض بهذا الماء، ولكن لا يعلم حياة أهل السماء بماذا؟ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)
هذا يدل أن الأرض لم يكن من طبعها في الأصل التسفل والتسرب في الماء على ما قاله بعض الناس؛ لأنه لو كان طبعها التسفل والتسرب لكان الجبال تزيد التسفل في الماء والتسرب، فإذا لم يكن دل أن طبعها كان الاضطراب والزوال والتحرك والميد فأصلها: ليس التسفل والتسرب ولكن على ما ذكرنا فأثبتها بالجبال، وإن كنا نشاهد بعض أجزائها أنها تسفل وتسرب، وهذا كما نقول: إن بعض العالم متعلق ببعض وأنه لا يخلو عن مكان، وكل العالم لا تعلق له به ولا الأمكنة آخذة لها، فعلى ذلك الأرض.
الأنبياء 21:32
أو أن كان طبعها التسفل والتسرب جعلها بحيث تقر وتسكن بشيء طبعه الئسفل أيضا باللطف.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الفجاج والسبل واحد، وهي الطرق التي جعلها في الجبال.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الفجاج: السعة والفسحة، والسبل: الطرق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الفجاج: هي الطرق التي في الجبال، والسبل: هي التي في المفاوز.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (مَحْفُوظًا)، أي: محبوسًا عن أن يسقط عليهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: محفوظًا من الشياطين، أي: صار محفوظًا منهم؛ حتى لا يستمعوا كلام الملائكة بعد ما كانوا يستمعون من قبل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)
قَالَ بَعْضُهُمْ: الفلك: السماء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: استدارة السماء.
وقيل: الفلك: المجرى والسرعة.
وقيل: الفلك: فلكة كفلكة المغزل وهو دورانه، وكذلك فلكة الطاحونة: هو ما يدور به الطاحونة، وهي الحديدة التي تدور بها الطاحونة، وقالوا: إن الفلك استدارة وكل شيء دار فهو فلك وهو ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْبَحُونَ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: يجرون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يسبحون: يعلمون، وكذلك روي في حرف عبد اللَّه: (كل في فلك يعلمون).
الأنبياء 21:33
الآية ٣٣ : وقوله تعالى :﴿وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون﴾ قال بعضهم : الفلك السماء. وقال بعضهم : استدارة السماء. وقيل : الفلك : الجري والسرعة
. وقيل : الفَلَكُ فَلْكَةٌ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ، وهو دورانه، وكذلك فلكة الطاحون، وهو ما يُدَوَّرُ به الطاحونة، وهي الحديدة التي تدور بها الطاحونة. وقالوا : إن الفَلَكَ هو استدارة. وكل شيء دار فهو فَلَكٌ، وهو ما ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿يسبحون﴾ قال بعضهم : يجرون. وقال بعضهم :[ ﴿يسبحون﴾ يعملون ] (١) وكذلك روي في حرف عبد الله [ بن مسعود ] (٢) : كل في فلك يعملون.
وظاهر الآية أن يكون هنالك [ بحر أو نهر ] (٣) فيه تجري الشمس والقمر، وفيه تغربان، ومنه يطلعان، لأنه قال :﴿في فلك يسبحون﴾ والسباحة هي المعروفة عند الناس، وهو ما يسبح المرء في بحر أو نهر. هذا الظاهر الآية، [ على ذلك ] (٤) جاءت الأخبار.
رُوي عن ابن عباس عن النبي ﷺ، أنه قال :( خلق الله بحرا دون سماء الدنيا، مقداره ثلاثة فراسخ، وهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله تعالى، لا تقطر منه قطرة، والبحور كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعة السهم. ثم انطباقه في الهواء مستو، كأنه جبل ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشمس والقمر والخنس في ذلك البحر ) فذلك قوله :﴿كل في فلك يسبحون﴾ والخُنَّسُ هي التي تَخْنُسُ بالنهار، وتجري بالليل. والفلك دوران العجلة في لجة غمرة ذلك البحر.
وقال رسول الله ﷺ :( والذي نفسي بيده لو بدت الشمس من ذلك البحر لحرقت كل شيء في الأرض حتى الصخور. ولو بدا القمر من ذلك البحر لافتتن به أهل الأرض كلهم، يعبدونه من دون الله إلا من عصمه الله ).
وفي بعض الأخبار :( الفلك ماء مكفوف تجري فيه الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، كله دون السماء يدور به الفلك ) ومثل هذا قد قيل فيه، والله أعلم بذلك.
وظاهر الآية في الخبر ما ذكرنا أن الشمس والقمر هما اللذان بجريان، ويسبحان في ذلك المكان. وعلى تأويل بعضهم أنهما على حالهما لا يجريان، لكن هو يجري، فيظهران، ويبدوان في وقت، ويختفيان في وقت آخر. ولو كانا هما اللذان يجريان لكانا على حالة واحدة، ويظهران في الأحوال كلها. لكنا لا نعلم ذلك إلا بالخبر عن الله أنه كذلك، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: بحرا ونهرا..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
الأنبياء 21:34
وظاهر الآية: أن يكون هنالك بحر ونهر فيه يجري الشمس والقمر وفيه يغربان ومنه يطلعان؛ لأنه قال: (فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، والسباحة هي المعروفة عند الناس، وهو ما يسبح المرء في بحر أو نهر، هذا ظاهر الآية، وعلى ذلك جاءت الأخبار؛ روي عن ابن عَبَّاسٍ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " خلق اللَّه بحرا دون سماء الدنيا مقدار ثلاث فراسخ، فهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر اللَّه تعالى، لا يقطر منه قطرة والبحور كلها ساكنة، وذلك البحر جار في سرعة السهم، ثم انطباقه في الهواء مستو كأنه حبل ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشمس والقمر والخنس في ذلك البحر "؛ فذلك قوله: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) والخنس: هي التي تخنس بالنهار وتجري بالليل، والفلك: دوران العجلة، في لجة: غمرة ذلك البحر، وقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " والذي نفسي بيده لو بدت الشمس من ذلك البحر، لحرقت كل شيء في الأرض حتى الصخور، ولو بدا القمر من ذلك البحر لافتتن به أهل الأرض كلها يعبدونه من دون اللَّه إلا من عصمه اللَّه ".
وفي بعض الأخبار: (الفلك: ماء مكفوف يجري فيه الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار)، ويقال: الشمس والقمر والليل والنهار كله دون السماء يدور به الفلك، ومثل هذا قد قيل فيه، واللَّه أعلم.
وظاهر الآية في الخبر ما ذكرنا: أن الشمس والقمر هما اللذان يجريان ويسبحان في ذلك الماء.
وعلى تأويل بعضهم أنهما على حالهما لا يجريان، لكن الفلك هو يجري فيظهران ويبدوان في وقت ويختفيان في وقت آخر، ولو كانا هما اللذان يجريان لكانا على حالة واحدة ويظهران في الأحوال كلها، لكنا لا نعلم ذلك إلا بالخبر عن اللَّه أنه كذلك، والله أعلم.
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٤١)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ).
الأنبياء 21:35
كأنه خرج جوابًا لقول أُولَئِكَ الكفرة في رسول اللَّه صلوات اللَّه عليه، والأشبه أن يكون ما أصابهم من الشدائد والفتن والهلاك كانوا يتشاءمون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويتطيرون به أن ذلك إنما يصيبهم به، وقالوا: لولا هو ما يصيبنا من ذلك شيء، فقال جوابًا لهم: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) بل حكمه أن يموت الكل على ما أخبر: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) فإذا لم يكن لأحد من قبلك الخلد بل كلهم قد ماتوا كيف يتشاءمون بك أن ذلك إنما يصيبهم بسببك وشؤمك؟! (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ)، أي: وإن مت أنت وتخرج من بينهم لا يخلدون هم فيها؛ لأن من حكمه أن كل نفس ذائقة الموت.
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) قد ذكرنا تأويله فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)
كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يذكر آلهتهم بسوء ويعيبها، يهزءون به مكان ما يعيب هو آلهتهم ويقولون: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ).
ثم يحتمل أن يكون من القادة منهم والرؤساء؛ إغراء لأتباعهم عليه أنه يذكر آلهتكم بسوء.
أو أن يقول بعضهم لبعض إذا خلوا عنه؛ كقوله: (وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: كانوا يقولون: لا نعرف ما الرحمن؟ فيكفرون باسم الرحمن.
ويحتمل أن يكون قوله: (بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ) بنعمة الرحمن وهو مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أي: يكفرون بنعمته.
أو أن يذكر هذا، ليصبر رسوله ويعزيه على تكذيبهم، ليس أياديك بأكثر من أيادي الرحمن، فهم يكفرون به ويكذبونه ويقولون فيه ما يقولون، فاصبر أنت على أذاهم وما قالوا فيك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ... (٣٧) وقال في آية أخرى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا)، قال الحسن: عجولا، أي: ضعيفا، وضعفه هو أن يضيق صدره ويحرج عند إصابة أدنى شيء، حتى يحمله ضيق صدره على أن يدعو على نفسه وعلى مجيئه بالهلاك لضيق صدره وذلك لضعف فيه.
الأنبياء 21:36
الآية ٣٦ : وقوله تعالى :﴿وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا﴾ كان رسول الله ﷺ يذكر آلهتهم(١) بسوء ويعيبها، فيهزؤون به، مكان ما يعيب هو آلهتهم، ويقولون :﴿أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ ؟
ثم يحتمل أن يكون هذا من القادة منهم والرؤساء إغراء لأتباعهم عليه أنه يذكر آلهتكم بسوء، أو أن يقول(٢) بعضهم لبعض إذا ضلوا عنه كقوله :﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ [البقرة: ٧٦].
وقوله تعالى :﴿وهم بذكر الرحمن هم كافرون﴾ قال بعضهم : كانوا يقولون : لا نعرف ما الرحمن ؟ فيكفرون باسم الرحمن. ويحتمل أن يكون قوله :﴿بذكر الرحمن﴾ بنعمة الرحمن، وهو محمد عليه الصلاة والسلام أي يكفرون بنعمته، أو أن يذكر هذا ليصبر رسوله، ويُعزيه، على تكذيبهم : ليست أياديك إليهم بأكثر من أيادي الرحمن، فهم يكفرون به، ويكذبونه، ويقولون فيه ما يقولون. فاصبر أنت على أذاهم وما قالوا فيك، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: آلهتكم..
٢ من م، في الأصل: يقولوا..
الأنبياء 21:37
الآية ٣٧ : وقوله تعالى :﴿خلق الإنسان من عجل﴾ كقوله(١) في آية أخرى :﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١].
قال الحسن :﴿عجولا﴾ أي ضعيفا، وضعفه، هو أن يضيق صدره، ويحرج عند [ إصابته بأدنى ] (٢) شيء حتى يحمله ضيق صدره على أن يدعو على نفسه وعلى مجيئه الهلاك لضيق صدره، وذلك لضعف(٣) فيه.
وعندنا أنه خلقه عجولا حتى لا يصبر على حالة واحدة، وإن كانت الحالة نعمة ورخاء حتى يمل منها، ويسأم، ويريد التحول إلى حالة هي دون تلك الحالة، ويرضى بشيء دونه.
لكنه، وإن خلقه على ما أخبر، جعل في وسعه رياضة نفسه حتى يصير صبورا حليما، وهو ما أخبر أن ﴿عجولا﴾ ﴿إذا مسه الشر جزوعا﴾ ﴿وإذا مسه الخير منوعا﴾ ﴿إلا المصلين﴾ [ المعارج : ١٩ و٢٠ و٢١ و٢٢ ] أخبر أنه خلقه هلوعا، ثم استثنى المصلين. دل أنه بالرياضة يتحول عن الحالة التي خلقه إلى حالة أخرى، وهي حالة الحلم والصبر. وكذلك ما أخبر :﴿وكان الإنسان قتورا﴾ [الإسراء: ١٠٠] كان كذلك في الابتداء. لكنه بالرياضة والعادة يصير سخيا جوادا. وكذلك ما قال :﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ [النساء: ١٢٨] ثم قال :﴿ومن يوق شح نفسه﴾ [ الحشر : ٩ والتغابن : ١٦ ] أخبر أن الأنفس الشح(٤) أحضرت، ثم أخبر أن من ﴿يوق شح نفسه﴾ فله كذا.
دل بهذا كله أنه بالرياضة والعادة يحتمل التحول إلى حالة السخاء والجود(٥) بعدما كان شحيحا قتورا بخيلا. فعلى ذلك ما ذكر من العجلة والهلع والجزع يحتمل [ التحول ] (٦) بالرياضة والعادة إلى أن يصير حليما صبورا في الأمور غير ملول فيها.
وليست المحنة إلا بالرياضة والعادة. فأمره أن يروض نفسه، ويعودها بالقيام بجميع ما أمره الله، ويكفها عن جميع ما نهى عنه، فيعتاد اتباع أمره والانتهاء عن نهيه، والله الموفق.
وقوله تعالى :﴿سأوريكم آياتي فلا تستعجلون﴾ يشبه أن يكونوا سألوا رسول الله ﷺ الآيات على رسالته أنه رسول، أو سألوا آيات على وحدانية الله وربوبيته، فقال :﴿سأوريكم آياتي﴾ من الوجه الذي يريد ربي، ويبين لكم ذلك لا من الوجه الذي تريدون أنتم، وتسألونه.
وقال أهل التأويل :﴿سأوريكم آياتي﴾ في ما نزل من العذاب فيهم وفي منازلهم ﴿فلا تستعجلون﴾ /٣٣٩-ب/ أنتم العذاب على من كان قبلكم من الأمم بتكذيبهم الرسل. فإن سافرتم، وضربتم في الأرض رأيتم آثار العذاب فيهم وفي منازلهم ﴿فلا تستعجلون﴾ أنتم العذاب الذي يعد لكم الرسول ؛ كان يخوفهم العذاب، ويعد لهم إياه [ إن يكذبوه ] (٧) في ذلك، فقال عند ذلك ما قال.
١ في الأصل و م: وقال..
٢ في الأصل و م: أصابه أدنى..
٣ في الأصل و م: لضعفه..
٤ أدرجت في الأصل و م بعد: أحضرت..
٥ في الأصل و م: والجواد..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: فكذبوه..
الأنبياء 21:38
وعندنا: أنه خلقه عجولا حتى لا يصبر على حالة واحدة وإن كانت الحالة حالة نعمة ورخاء حتى يمل عنها ويسأم ويريد التحول إلى حالة هي دون تلك الحالة ويرضى بشيء دون، لكنه وإن خلقه على ما أخبر جعل في وسعه رياضة نفسه حتى يصير صبورًا حليمًا، وهو ما أخبر (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣). أخبر أنه خلقه هلوعًا، ثم استثنى المصلين؛ دل أنه بالرياضة يتحول عن الحالة التي خلقه إلى حالة أخرى، وهي حالة الحلم والصبر، وكذلك ما أخبر: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا)، كان كذلك في الابتداء، لكنه بالرياضة والعادة يصير سخيَّا جوادا، وكذلك ما قال: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) ثم قال: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ)، أخبر أن الأنفس أحضرت الشح، ثم أخبر أن من يوق شح نفسه فله كذا؛ دل بهذا كله أنه بالرياضة والعادة يحتمل التحول إلى حالة السخاء والجود بعد ما كان شحيحًا قتورًا بخيلا؛ فعلى ذلك ما ذكر من العجلة والهلع والجزع فيه يحتمل بالرياضة والعادة إلى أن يصير حليمًا صبورًا في الأمور غير ملول فيها، وليست المحنة إلا الرياضة والعادة، فأمره أن يروض نفسه ويعودها القيام بجميع ما أمره اللَّه، ويكفها عن جميع ما نهى عنه، فيعتاد اتباع أمره والانتهاء عن نهيه، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ).
يشبه أن يكونوا سألوا رسول اللَّه الآيات على رسالته أنه رسول، أو سألوه آيات على وحدانية اللَّه وربوبيته، فقال: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي)، من الوجه الذي يريد ربي ويبين لكم ذلك، لا من الوجه الذي تريدون أنتم وتسألونه.
وقال بعض أهل التأويل: سأريكم آياتي فيما نزل من العذاب فيهم وفي منازلهم، فلا تستعجلون أنتم العذاب على من كان قبلكم من الأمم بتكذيبهم الرسل، فإن سافرتم وضربتم في الأرض رأيتم آثار العذاب فيهم وفي منازلهم؛ فلا تستعجلون أنتم العذاب الذي يعد لكم الرسول، كأنه يخوفهم العذاب ويعد لهم إياه، فكذبوه في ذلك فقال عند ذلك ما قال، ويقولون أيضًا: (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بأنا نعذب.
وجائز أن تكون الآية فيهم بتكذيبهم الساعة والقيامة وإنكارهم إياها، فقال: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي) التي تكون قبل وقوعها (فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) وقوعها ووجوبها؛ دليله ما ذكر: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) وقوله: (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً...) الآية.
الأنبياء 21:39
الآية ٣٩ : وقوله تعالى :﴿لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون﴾ لو يعلم الذين كفروا ما ينزل(١) بهم بوقوع القيامة حين(٢) لا يملكون [ كف النار ] (٣) ﴿عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون﴾ مما(٤) يحيط بهم حتى لا يملكون هم دفعها عن أنفسهم، ولا يملك ما اتخذوا أنصارا وأعوانا في الدنيا دفع ذلك أيضا. وهو كقوله :﴿لهم من فوقهم ظلل من النار﴾ الآية [الزمر: ١٦] وقوله :﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة﴾ [الزمر: ٢٤].
١ في الأصل و م: نزل..
٢ في الأصل و م: حتى..
٣ في الأصل و م: كفها..
٤ في الأصل و م: إنما..
الأنبياء 21:40
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ما نزل بهم بوقوع القيامة حتى لا يملكون كفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون، إنما تحيط بهم حتى لا يملكون هم دفعها عن أنفسهم، ولا يملك ما اتخذوا أنصارًا وأعوانا في الدنيا دفع ذلك أيضًا، وهو كقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ...) الآية، وقوله: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً (٤٠)
أخبر أنها تأتيهم بغتة - أي: فجأة - لا يعلم أهلها عن وقت وقوعها (فَتَبْهَتُهُمْ)، قال أهل التأويل: (فَتَبْهَتُهُمْ): صتفجأهم، والبهتة كأنها حيرة، يقول: تأتيهم بغتة فجأة فتحيرهم، وهو ما أخبر: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى)؛ وذلك لحيرتهم في أنفسهم، وهو ما ذكر: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ...) الآية؛ يصيرون حيارى؛ لشدة أهوالها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ).
أخبر أنهم لا يملكون دفعها إذا وقعت بهم، (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) في وقوعها أن من ابتلى بالبلايا في الشاهد فإنما يملك دفعه عن نفسه إما بقوة نفسه، وإما بأعوان وأنصار ينصرونه ويعينونه في دفعه عنه، وإما بالتضرع والابتهال والاستسلام، كقوله: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا..) الآية، فأخبر عَزَّ وَجَلَّ: لا يملكون دفعها بقوى أنفسهم ولا بأنصارهم الذين استنصروا؛ حيث قال: (وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) بالتضرع والاستسلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٤١) فيه تصبير رسول اللَّه على ما يستهزئون به؛ لأنه قال: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ)، أي: لست بأول رسول لله استهزأ به قومه، فيه تخويف أُولَئِكَ باستهزائهم به بما نزل بأوائلهم باستهزائهم برسلهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَحَاقَ) قال أهل التأويل: حاق: نزل ووجب ووقع وأمثاله.
وقال بعض أهل المعاني: الحيق: هو ما اشتمل على الإنسان من مكروه، أي: بفعله؛ كقوله: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، وقَالَ بَعْضُهُمْ: حاق، أي: رجع عليهم وأحاط بهم.
الأنبياء 21:41
الآية ٤١ : وقوله تعالى :﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾ فيه تصبير رسول الله على ما يستهزئ قومه به لأنه قال :﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾ أي لست أنت بأول رسول [ من ] (١) الله، استهزأ به قومه.
وفيه(٢) تخويف أولئك باستهزائهم به بما نزل بأوائلهم باستهزائهم برسلهم.
وقوله تعالى :﴿فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾ قال أهل التأويل : حاق : نزل، ووجب، ووقع، وأمثاله. وقال بعض أهل المعاني : الحَيْقُ هو ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله(٣) كقوله :﴿ولا يحيق المكر الشيء إلا بأهله﴾ [فاطر: ٤٣]. وقال بعضهم : حاق أي رجع عليهم، وأحاط بهم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ الواو ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: أي بفعله..
الأنبياء 21:42
قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ).
أي: من يحفظكم ويحرسكم من عذاب الرحمن.
وقيل: من يدفع عنكم عذاب الرحمن.
ثم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: قوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) أي: لو سألتم من يكلؤكم من عذاب الرحمن لأقروا لك أن الرحمن هو الذي يكلؤهم ويحفظهم من عذابه، لا الآلهة التي يعبدونها، وهو كقوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقل (مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)، ونحوه، فسيقولون: اللَّه، لا الآلهة التي يعبدونها، فقل: أن كيف صرفتم عن عبادته وعبدتم دونه من لا يكلؤكم ولا يدفع عنكم العذاب، وقد عرفتم أن الرحمن هو الذي يكلؤكم بالليل والنهار، وهو إله السماوات والأرض، فكيف عبدتم من ليس هو بإله؟! فيخرج عن الاحتجاج عليهم ولزوم الحجة لهم؛ لئلا يقولوا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ).
والثاني: يخرج على التذكير والتنبيه لهم؛ لأنهم كانوا ينكرون الرحمن ويقولون: ما الرحمن؛ وقوله: (وَهُمْ يَكفُرُونَ بِالرَّحْمَن)، فيخرج قوله: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: كيف تنكرون الرحمن وتكفرون به وهو يكلؤكم بالليل والنهار عن عذابه، وعلى هذا يخرج (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ)، أي: بل هم عن ذكر ربهم الرحمن معرضون، أي: منكرون له، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) أي: ليس لهم آلهة من دوننا تمنعهم من عذابنا، هو على النفي، أي: ليس لهم الآلهة من دونه وإن كان ظاهره استفهامًا، ثم بين
الأنبياء 21:43
الآية ٤٣ : وقوله تعالى :﴿أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا﴾ أي ليس لهم آلهة من دوننا، تمنعهم من عذابنا، هو على النفي، أي ليس لهم الآلهة من دونه، وإن كان ظاهره استفهاما. ثم بين موضع الاحتجاج عليهم، وهو ما أخبر عن عجزهم حين(١) قال :﴿لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصبحون﴾ أي لا تستطيع الآلهة نصر أنفسها إذا أرادوا بها سوءا ﴿ولا هم منا يصبحون﴾ أي ينصرون.
تأويله : كيف(٢) عبدتم من دونه، واتخذتموهم آلهة رجاء شفاعتهم ووسيلتهم [ حين قلتم :] (٣) ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وقلتم(٤) :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ؟ [يونس: ١٨] فإذا كانوا لا يملكون نصر أنفسهم إن أصابها سوء، ولا يصحبها من يدفع عنها السوء، فكيف اتخذتم آلهة دونه ؟ فمن كان عن دفع السوء عن نفسه ونصرها عاجزا فهو عن دفعه عن الآخر ونصره أعجز.
١ في الأصل و م: حيث..
٢ أدرج قبلها في الأصل و م: أن..
٣ في الأصل و م: حيث قالوا..
٤ في الأصل و م: ونحوه وفي يقولهم..
الأنبياء 21:44
موضع الاحتجاج عليهم، وهو ما أخبر عن عجزهم حيث قال: (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) أي: لا يستطيع الآلهة نصر أنفسها إذا أرادوا بها سوءًا، (وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) أي: ينصرون، تأويله: أن كيف عبدتم من دونه واتخذتموهم آلهة رجاء شفاعتهم ووسيلتهم حيث قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ونحوه، وفي قولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، فإذا كانوا لا يملكون نصر أنفسهم إن أصابها سوء ولا يصحبها من يدفع عنها السوء، فكيف اتخذتم آلهة دونه، فمن كان عن دفع السوء عن نفسه ونصرها عاجزا، فهو عن دفعه عن الآخر ونصره أعجز.
ثم بين الذي حملهم على ذلك وهو ما قال: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ (٤٤) ولم يأخذهم بالعقوبة بأعمالهم التي عملوها فظنوا أن اللَّه راضٍ عنهم وأنهم على الحق؛ ولهذا قالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا)، ادعوا رضاء اللَّه بما هم عليه وآباؤهم.
ثم بين أنه وإن تركهم وقتًا طويلا ومتعهم عليه أنه قد نقص عما كانوا يملكون هم؛ حيث غلب عليهم رسول اللَّه على بعض أملاكهم وجعله ملكا للمسلمين وهو قوله: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، وجعلناها ملكا للمسلمين.
ثم اختلف في تأويل هذا؛ قال الحسن: قوله: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) أي: اعكموا أنا ناتي الأرض ننقصها من أطرافها، أي: نحشرهم يوم القيامة من أطراف الأرض إلى المحشر، فذلك نقصها.
وقال غيره: أفلا يرون أن رسول اللَّه كلما بعث إلى أرض ظهر عليها، قال: ننقصها بالظهور عليها أرضًا فأرضًا، (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ)، أي: ليسوا هم الغالبين، ولكن رسول اللَّه هو الغالب عليهم.
وقال ابن عَبَّاسٍ: ننقصها: ذهاب فقهائها وخيار أهلها.
وقال قتادة: ننقصها بالحرث، وكذلك قال عكرمة: ننقصها من أطرافها بالموت، وقال: لو كانت الأرض تنقص لم يوجد للرجل مجلس يجلس فيه، ونحو هذا قد قالوا فيه.
الأنبياء 21:45
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ... (٤٥)
هذا - واللَّه أعلم - يخرج على وجهين:
أحدهما: خرج جوابًا لقولهم: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)، أنهم كانوا ينكرون رسالته ويقولون: إنه بشر كيف خص هو به؟ فيقول: إني لست أنذركم لأني بشر، ولكن إنما أنذركم بالوحي من اللَّه، وأنتم ممن لا تقبلون بشارة ربي ونذارته.
والثاني: قال ذلك لما تقدم منه في الآيات النذارةُ المرسلة غير مضافة إلى اللَّه، فأمره أن يقول لهم: إني فيما أنذركم من النذارات، لم أنذركم من ذات نفسي، ولكن إنما أنذركم بالوحي من ربي، فمعناه - واللَّه أعلم - أي: فيما أنذرتكم مما نزل بالأمم المتقدمة والأنباء التي أخبرتكم عنها مما لم أشهدها ولا أنتم، بل إنما أنذركم بالوحي، فذلك موضع الاحتجاج عليهم في إثبات رسالته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ).
هذا - واللَّه أعلم - يقول: إن الأصم إذا أريد أن يدفع عن المهالك لا سبيل أن يدفع عنها ويكف بالدعاء والنداء، ولكن إنما يكف ويدفع عن المهالك بالأيدي والراحات، كأنه قال ذلك لما أكثر دعاءهم إلى ما به نجاتهم فأبوا ذلك ولم يجيبوه، فقال عند ذلك: إنكم لا تسمعون الدعاء والنداء إلى ما به نجاتكم، ولكن تعرفون ذلك بالقتل والسيف.
أو أن يقول ذلك: إنكم صم عن الحق حتى لا تسمعونه كالأصم بالسمع، والأصم يالسمع لا يدعى ولا ينادى؛ لأنه لا يسمع، ولكن يدعى باليد والإشارة، فعلى ذلك أنتم صم عن الحق لا تدعون بالنداء، ولكن بالذي يعرف الدعاء وهو اليد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)
قال الحسن: (نَفْحَةٌ) أي: طائفة من عذاب ربك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: نقمة من ربك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: عقوبة ربك، وأصل النفحة: الرمية؛ ولذلك سمي نفحة الدابة: أي رميها، وهو ما ذكر من رمي الشرر؛ كقوله: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)
في ظاهر الآية أن الموازين هي القسط، والقسط هو العدل؛ لأنه قال: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ)؛ فكأنه قال: ونضع الموازين التي توضع في الدنيا ويعرف بها حقوق الناس في
الأنبياء 21:46
الآية ٤٦ : وقوله تعالى :﴿ولئن مستهم نفخة من عذاب ربك﴾ [ قال الحسن ﴿نفخة﴾ أي طائفة ﴿من عذاب ربك﴾ ](١) وقال بعضهم : نقمة من ربك. وقال بعضهم : عقوبة ربك.
وأصل النفخة الرمية، ولذلك سميت(٢) نفخة الدابة، أي رميتها، وهو ما ذكر من رمي الشرر كقوله :﴿إنها ترمي بشرر كالقصر﴾ [المرسلات: ٣٢].
[ وقوله تعالى :﴿يا ويلتنا إنا كنا ظالمين﴾ ](٣).
١ من م، في الأصل: وقال بعضهم: طائفة من عذاب ربك..
٢ في الأصل و م: سمى..
٣ ساقطة من م..
الأنبياء 21:47
الآية ٤٧ : وقوله تعالى :﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ في ظاهر الآية أن الموازين هي القسط، والقسط هو العدل لأنه قال :﴿ونضع الموازين القسط﴾ فكأنه قال : ونضع الموازين التي توضع في الدنيا، وتعرف بها حقوق الناس في الآخرة، العدل الذي به تعرف حدود الأشياء وأقدارها، فتكون الموازين العدل ما ذكر بقوله :﴿فلا تظلم نفس شيئا﴾ أي لا تنقص من حسناته، أو تزاد على جزاء سيئاته. ولكن يوفى كل جزاء عمله.
ويحتمل أن يكون قوله :﴿ونضع الموازين القسط﴾ على الإضمار، أي نضع الموازين التي تكون في الدنيا يوم القيامة بالعدل ؛ لا نطفف، ولا ننقص، ولا نخسر، كما تفعلون في الدنيا. ولكن نعدل(١)، ولا نطفف، ولا ننقص. ولكن نسوي، ونستوفي مستويا من غير زيادة ولا نقصان، لأن الزيادة والنقصان إنما تكون في الشاهد لوجوه : للجهالة أو للحاجة أو للجور، فيحمله كله على الزيادة والنقصان، والله سبحانه وتعالى يتعالى عن ذلك كله لأنه عالم بذاته، غني بذاته، عادل، فلا وجه للخسران منه والزيادة فيه.
وقوله تعالى :﴿وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها﴾ أي أتينا بجزائها، أو ﴿أتينا بها﴾ أي بعينها، لا يفوته(٢) شيء، ولا يغيب عنه. وليس المراد من ذكر مثقال حبة ومثقال ذرة الذرة والحبة. ولكن ذكر على التمثيل، أن لا يفوت عنه شيء، ولا يغيب، ذلك المقدار من الخير والشر غير فائت عنه، ولا منسي، ولكن محفوظ محاسب.
وقوله تعالى :﴿وكفى بنا حاسبين﴾ لا تشغله كثرة الحساب وازدحامه، ليس كمن يحاسب آخر في الشاهد ؛ إنه إذا كثر الحساب عليه، وازدحم، شغله ذلك عن حفظ الحساب، والله أعلم.
١ في الأصل و م: العدل..
٢ من م، في الأصل: يفوت..
الأنبياء 21:48
الآخرة العدل الذي يعرف به حدود الأشياء وأقدارها، فيكون الموازين العدل ما ذكر بقوله: (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)، أي: لا ينقص من حسناته أو يزاد على جزاء سيئاته، ولكن يوفى كل جزاء عمله.
ويحتمل أن يكون قوله: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ) على الإضمار، أي: نضع الموازين التي تكون في الدنيا يوم القيامة بالعدل لا تطفف ولا تنقص ولا تحسر، كما تفعلون في الدنيا، ولكن العدل لا تطفف ولا تنقص ذلك تسوى وتستوفى مستويا من غير زيادة ولا نقصان؛ لأن الزيادة والنقصان إنما تكون في الشاهد لوجوه: الجهالة، أو للحاجة، أو للجور، فيحمله كله على الزيادة والنقصان، واللَّه - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ لأنه عالم بذاته غنى بذاته عادل، فلا وجه للخسران منه والزيادة فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا).
أي: أتينا بجزائها، أو أتينا بها، أي: بعينها لا يفوت شيء ولا يغيب عنه.
وليس المراد من ذكر (مِثْقَالَ حَبَّةٍ) و (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، الذرة، والحبة، ولكن ذكر على التمثيل، أي: لا يفوت عنه شيء ولا يغيب ذلك المقدار من الخير والشر غير فائت عنه ولا منسى، ولكن محفوظ محاسب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ).
لا يشغله كثرة الحساب وازدحامه، ليس كمن يحاسب آخر في الشاهد أنه إذا كثر الحساب عليه وازدحم شغله ذلك عن حفظ الحساب، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ).
فهو ما يفرق بين الحق والباطل، وبين المشتبه والواضح، وبين ما يؤتى ويتقى، وبين ما عليهم ولهم، والنور: ما يتجلى به حقائق الأشياء، والضياء هو ما يظهر به حسن ما يتجلى واستنار، وروح: هو ما به حياة كل شيء، القرآن سماه: روحًا؛ لأنه به حياة الدِّين، وسمى الماء: حياة؛ لأن به حياة الأبدان، والمبارك هو ما ينال به ويصل إليه من كل خير، والذكر: هو ما يذكر ما لهم وعليهم.
(وَذِكْرًا). قيل: هو الموعظة، والموعظة: قيل: هي التي تلين القلوب وتوسع الصدور وتفسح ويخشع بها الفؤاد، وعلى هذا الوصف جميع كتب اللَّه الذي وصف هذا
الأنبياء 21:49
القرآن بها، ثم بين أنها على الوصف الذي ذكر لِمَنْ، فقال: (لِلْمُتَّقِينَ) وإن كانت هي في أنفسها على الوصف الذي ذكر، فإنها تتجلى بها الشبه من الحقائق والحق من الباطل لمن قبلها وأقبل نحوها ونظر إليها بعين التعظيم والإجلال، فأما من أعرض عنها فليست لهم على ما ذكر، لكن على ما أخبر بقوله: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ).
ثم بين من المتقون؟ فقال: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) يحتمل قوله: (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، أي: يخشون العذاب الموعود في الغيب وهو عذاب الآخرة ونقمتها، إن المؤمنين خافوا العذاب الموعود في الآخرة، فيحذرون ما به يحل ذلك، وأما الكفار فإنهم لم يخافوا العذاب الموعود في الآخرة ولم يصدقوه إنما يخافون العذاب المعاين المشاهد، فأما العذاب الموعود في الغيب فلا يخافونه.
ويحتمل أيضًا قوله: (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، أي: يهابون ربهم ويخافونه وإن لم يروه؛ لما رأوا من آثار سلطانه وملكه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) يحتمل: هم من أهوال الساعة وأفزاعها خائفون.
أو أن يكون قوله: وهم من محاسبة أعمالهم مشفقون خائفون، فحاسبوا أنفسهم في الدنيا؛ إشفاقًا على محاسبة أنفسهم في الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)
الذكر المبارك ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) ظاهره وإن كان استفهامًا فهو في الحقيقة إيجاب؛ كأنه قال: وهذا ذكر مبارك أنزلناه وتعرفونه أنه كذلك، فأنتم مع هذا له منكرون، يذكر سفههم وتخبر عن عنادهم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ).
الأنبياء 21:50
الآية ٥٠ : وقوله تعالى :﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ الذكر المبارك ما ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿أفأنتم له منكرون﴾ ظاهره، وإن كان استفهاما فهو في الحقيقة إيجاب، كأنه قال :﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ وتعرفونه أنه كذلك، فأنتم في هذا، له منكرون ؛ يذكر سفههم، ويُخبر عن عنادهم.
الأنبياء 21:51
الآية ٥١ : وقوله تعالى :﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل﴾ قال(١) الحسن :﴿رشده﴾ دينه وهداه. وقال غيره :﴿رشده﴾ النبوة. ويشبه أن يكون قوله :﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده﴾ حججه وبراهينه التي حاج بها قومه على غير تعليم من أحد.
وفيه دلالة أن ليس كلا رشد وهدى بيانا(٢)، لأنه لو كان كله بيانا(٣) لم يكن لتخصيص إبراهيم بالرشد كثير معنى ؛ إذ هو في ذلك وغيره من الكفرة والفراعنة سواء. فدل قوله :﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده﴾ أنه يكون من الله للمهتدين فضل صنع، ليس ذلك في الكافرين، وهو التوفيق والعصمة.
وقوله تعالى :﴿من قبل﴾ قال بعضهم : من قبل الأوقات التي يعطي البشر الرشد، وهو حال الصغر، ويحتمل قوله :﴿من قبل﴾ أي من قبل محمد. وقال بعضهم :﴿من قبل﴾ موسى وهارون. ويحتمل ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل﴾ قبل إيمان أهل الأديان كلها، لأن جميع أهل الأديان يدعون أنهم على دين إبراهيم، فلا يحتمل أن يكون دينه ورشده الذي آتاه الله هو كل ذلك، بل إنما ذلك واحد(٤). فوجب النظر فيه والتأمل في ذلك ليظهر الدين الذي كان عليه إبراهيم.
وقوله تعالى :﴿وكنا به عالمين﴾ يحتمل قوله﴿وكنا به عالمين﴾ أي كنا بجميع ما يكون من إبراهيم عالمين.
١ في الأصل و م: وقال..
٢ في الأصل و م: بيان..
٣ في الأصل و م: بيان..
٤ في الأصل و م: واحد..
الأنبياء 21:52
قال الحسن: رشده: دينه وهداه.
وقال غيره: رشده: النبوة.
ويثبه أن يكون قوله: (آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) حججه وبراهينه التي حاج بها قومه على غير تعليم من أحد، وفيه دلالة أن ليس كل رشد وهدى بيانًا؛ لأنه لو كان كله بيانًا لم يكن لتخصيص إبراهيم بالرشد كثير معنى؛ إذ هو في ذلك البيان وغيره من الكفرة والفراعنة سواء، فدل قوله: (آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) أنه يكون من اللَّه للمهتدين فضل صنع ليس ذلك في الكافرين، وهو التوفيق والعصمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ قَبْلُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: من قبل الأوقات التي يعطى البشر الرشد وهو حال الصغر.
ويحتمل قوله: (مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل مُحَمَّد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: من قبل موسى وهارون.
ويحتمل: (آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) من قبل إيمان أهل الأديان كلها؛ لأن جميع أهل الأديان يدعون أنهم على دين إبراهيم، فلا يحتمل أن يكون دينه ورشده الذي آتاه اللَّه هو كل ذلك، بل إنما كان ذلك واحدًا، فوجب النظر فيه والتأمل في ذلك؛ ليظهر الدِّين الذي كان عليه إبراهيم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ).
يحتمل قوله: (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)، أي: بالرشد والدِّين الذي عليه إبراهيم عالمين من قبل.
أو أن يكون قوله: (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)، أي: كنا بجميع ما يكون من إبراهيم عالمين.
وقوله تعالى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) كأنه قال: ما هذه التماثيل التي اتخذتموها (أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)، أي: إنما يعبد من يعبد لفعل يكون من المعبود إلى من يعبده، فأما أن يعبد ما يفعله من المعبود فلا يحتمل، وهو ما قال إبراهيم: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، يسفههم
الأنبياء 21:53
ويعيب عليهم لعبادتهم ما ينحتون هم بأيديهم ويتركون عبادة من خلقهم وخلق أعمالهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)
قد انقطع حجاجهم لما قال لهم إبراهيم ما قال وأظهر سفههم، ففزعوا إلى تقليد آبائهم فقالوا: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) لم ينكر عليهم فعل آبائهم وعبادتهم الأصنام، ولكن أقر لهم بصنيع آبائهم، ثم جمعهم وآباءهم وأخبر: (أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) بعبادة الأصنام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)
لما علموا أن مثل هذا القول لا يقوله إلا من كان عنده حجة وبرهان، فقالوا: أجئتنا بما تقول بحجة، (أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) تلعب بنا وتهزأ؟ وأخبر أنه جاءهم بالحق وبين لهم ذلك الحق فقال: (بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ (٥٦) لا الأصنام التي تعبدونها، أي: (رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الذي يعرف بالدلالات والبراهين وآثار الصنعة في غيره، لا الذي أحدثتم أنتم واتخذتموه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ).
يحتمل: وإنا على جميع ما قال وكان منه من الحجاج وإقامة الحجج على ألوهية الله تعالى وتسفيه أُولَئِكَ في عبادة الأصنام - من الشاهدين، أو من الشاهدين على خلقها.
ويجوز أن يقال: الشاهد: المبين، وأنا على ذلكم من المبينين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)
إن الأصنام لا يقصد إليها بالكيد، لكن تأويله - واللَّه أعلم - لأكيدن لكم في أصناكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) قال عامة أهل التأويل: إن إبراهيم إنما قال ذلك: (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) من الأصنام إلى عيدهم؛ لأنهم كانوا يخرجون إلى عيدهم من الغد، فقال: (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)، أي: لأكيدن لكم في أصنامكم (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) منها إلى عيدكم.
وجائز أن يكون قوله: (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) عني، وكانوا في ذلك الوقت بحضرة الأصنام؛ ألا ترى أنه قال لهم: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)، ومثل هذا الكلام لا يقال إلا بحضرة الأصنام؛ لأنه أشار إلى الأصنام فقال: (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)، فقال عند ذلك: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)، أي: لأكيدن لكم في أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين عني؛ على التأويل الأول، يكون توليهم الأدبار عن الأصنام إلى عيدهم، وعلى التأويل الثاني يكون توليهم الأدبار عن إبراهيم، واللَّه أعلم.
الأنبياء 21:54
الآية ٥٤ :[ وقوله تعالى ](١) :﴿قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين﴾ لم يُنكر عليهم فعل آبائهم وعبادتهم الأصنام، ولكن أقر لهم بصنيع آبائهم، ثم جمعهم وآباءهم، وأخبر ﴿أنتم وآباؤكم في ضلال مبين﴾ بعبادة الأصنام.
١ ساقطة من الأصل و م..
الأنبياء 21:55
الآية ٥٥ : وقوله تعالى :﴿قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين﴾ لما علموا أم مثل هذا القول لا يقول إلا من كان عنده حجة وبرهان ﴿قالوا أجئتنا﴾ بما تقول بحجة ﴿أم أنت من اللاعبين﴾ تلعب بنا، وتهزأ ؟
الأنبياء 21:56
الآية ٥٦ : وأخبرهم(١) أنه جاءهم بالحق، وبين لهم ذلك الحق، فقال :﴿بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن﴾ لا الأصنام التي تعبدونها، أي ربكم رب السماوات والأرض الذي يعرف بالدلالات والبراهين وآثار الصنعة في غيره الذي أحدثتم أنتم، واتخذتموه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وأنا على ذلكم من الشاهدين﴾ يحتمل وأنا على جميع ما قال، وكان منه من الحجاج وإقامة الحجج على ألوهيته تعالى، وتسفيه أولئك في عبادة الأصنام من الشاهدين، أو من الشاهدين على خلقها. ويجوز أن يقال : الشاهد المبين، وأنا على ذلكم من المبينين، والله أعلم.
١ في الأصل: وأخبره، في م: وأخبر..
الأنبياء 21:57
الآية ٥٧ : وقوله تعالى :﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ الأصنام، لا يقصد إليها بالكيد، لكن تأويله، والله أعلم، لأكيدن لكم في أصنامكم.
وقوله تعالى :﴿بعد أن تولوا مدبرين﴾ قال عامة أهل التأويل : إن إبراهيم إنما قال ذلك :﴿لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين﴾ عن الأصنام إلى عيدكم، لأنهم كانوا يخرجون إلى عيدهم من الغد، فقال :﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ أي لأكيدن لكم في أصنامكم ﴿بعد أن تولوا مدبرين﴾ عنها إلى عيدكم.
وجائز أن يكون قوله :﴿وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين﴾ عني. وكانوا في ذلك الوقت بحضرة الأصنام. ألا ترى أنه قال لهم :﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ ؟ [ و﴿قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين﴾. . . ](١) فقال عند ذلك :﴿وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين﴾ عني.
على التأويل [ الأول ] (٢) يكون توليهم الأدبار عن الأصنام إلى عيدهم. وعلى التأويل الثاني يكون توليهم الأدبار عن إبراهيم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
الأنبياء 21:58
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا... (٥٨)
و (جِذَاذًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: قطعًا.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: جذاذا: فتاتا، وكل شيء كسرته فقد جذذته؛ ومنه قيل للسويق:
جذيذ، والجد: هو القطع، والمجذوذ: المقطوع، وذلك قوله: (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي: غير مقطوع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ) لم يكسره (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ).
يقول: إلى الصنم الأكبر الذي لم يكسره إبراهيم يرجعون من عيدهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لعلهم إلى الحجة يرجعون، وقيل: هو أحج القولين، أي: من الحجة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)، أي: يتذكرون.
وجائز أن يكون قوله: (لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)، أي: يرجعون إلى ما يريد أن يكيد لهم في أصنامهم؛ لأنه إنما يريد أن يكيد لهم إذا رجعوا إلى الأصنام فرأوها مجذوذة، والكيد: هو الأخذ على الأمن وكذلك المكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)
لو تأملوا كانوا هم الظلمة في الحقيقة؛ لأنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام رجاء منفعة تكون لهم حيث قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، و (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، فإذا رأوهم لا يقدرون على دفع الكسر والقطع عن أنفسهم ودفع من فعل بهم ذلك، كيف طمعوا منها نفعًا أو دفع الضر عن أنفسهم؛ لأن من عجز عن دفع الضر عن نفسه فهو عن دفعه عن غيره أعجز، فهم الظلمة في الحقيقة؛ حيث طمعوا النفع ودفع الضر ممن لا يملك ذلك لنفسه، لكن قالوا ذلك سفها منهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ... (٦٠) بالكيد لهم حين قال: (لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ)، سمع ذلك القول منه ناس، فأخبروا قومهم لما قالوا: (مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا) فعند ذلك قالوا: (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ) بالكيد لهم (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ).
وجائز أن يكون قوله: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ): بالعداوة، وهو حين قال: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ)، أخبر أن أُولَئِكَ الذين عبدوا الأصنام أعداء له، فالمعبود الذي عبدوه يكون عدوا له أيضًا، فاستدلوا بذلك القول منه أنه هو فعل بهم ما
الأنبياء 21:59
الآية ٥٩ : وقوله تعالى :﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين﴾ لو تأملوا كانوا لهم الظلمة في الحقيقة لأنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام رجاء منفعة تكون لهم حين(١) قالوا :﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وقالوا(٢) :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] فإذا رأوهم لا يقدرون على دفع الكسر والقطع عن أنفسهم ودفع من فعل بهم ذلك كيف طمعوا منها نفعا أو دفع الضر عن أنفسهم، لأن من عجز عن [ دفع الضر عن نفسه فهو ] (٣) عن دفعه عن غيره أعجز.
فهم الظلمة في الحقيقة حين(٤) طمعوا النفع ودفع الضر ممن لا يملك ذلك لنفسه. لكن قالوا ذلك سفها(٥) منهم.
١ في الأصل و م: حيث..
٢ في الأصل و م: و..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: حيث..
٥ تقدمت في الأصل و م على: ذلك..
الأنبياء 21:60
الآية ٦٠ : وقوله تعالى :﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم﴾ بالكيد لهم ﴿يقال له إبراهيم﴾.
وجائز أن يكون قوله :﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم﴾ بالعداوة، وهو حين قال :﴿فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: ٧٧] أخبر أن أولئك الذين عبدوا الأصنام أعداء له ؛ فالمعبود الذي عبدوه يكون عدوا له أيضا. فاستدلوا بذلك القول منه أنه هو فعل بهم ما فعل، والله أعلم.
الأنبياء 21:61
فعل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)
قَالَ بَعْضُهُمْ: على رءوس الناس.
وقيل: بحيث ينظر الناس إليه، أو بحيث يراه الناس، وهو واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ).
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: يشهدون عقوبته بما فعل بأصنامهم؛ فيكون نكالا له وزجرًا لغيره عن أن يفعل بها مثل ما فعل هو؛ ولذلك قالوا: (حَرِّقُوهُ) نكالا وزجرًا لغيره؛ كقوله: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا)، أي: زجرًا، وكقوله: (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) بفعله الذي فعله بالأصنام، لم يريدوا أن يعاقبوه بلا بينة ولا حجة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لعلهم يشهدون أنه قال لآلهتهم ما قال، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
الأنبياء 21:62
الآيتان ٦٢ و٦٣ : وقوله تعالى :﴿قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم﴾ ﴿قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ اختلف في هذا ؛ قال بعضهم : هذا القول من إبراهيم كذب في الظاهر في ما أراد أن يكيد لهم، وإن لم يكن في الحقيقة عنده كذبا، وكذلك ما قال :﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩] وكان صحيحا، وقوله :﴿هذا ربي﴾ [ الأنعام : ٧٦ و٧٧ و٧٨ ] مثل هذا قالوا : هذا في الظاهر [ كذب، وإن لم يرد هو به في الحقيقة كذبا.
وقال بعضهم : إنه إنما قال ذلك على أن يريهم من نفسه الموافقة لهم في الظاهر ليكونوا للحجج أسمع وللبراهين أقبل. فيكون تأويله، والله أعلم، لعل كبيرهم فعل بهم هذا، أو أن يقول : أكبرهم(١) فعل هذا بهم. وكذلك قالوا في قوله :﴿هذا ربي﴾ [ الأنعام : ٧٦ و٧٧ و٧٨ ].
قال بعضهم : ليس هذا، ولا فيه كذب في الظاهر ] (٢) ولكن قال ذلك على الشرط حين(٣) ﴿قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ علق فعله بشرط النطق. فإذا كانوا لا ينطقون لم يفعله.
وقوله تعالى :﴿إني سقيم﴾ [الصافات: ٨٩] أي سأسقم، وكل حي يسقم يوما. وقوله تعالى :﴿هذا ربي﴾ [ الأنعام : ٧٦ و٧٧ و٧٨ ] أي ليس هذا ربي. ومثل هذا قد قالوا، والله أعلم.
١ في م: أكبر..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: حيث..
الأنبياء 21:63
هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ).
اختلف في هذا:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا القول من إبراهيم كذب في الظاهر فيما أراد أن يكيد لهم، وإن لم يكن في الحقيقة عنده كذبًا، وكذلك ما قال: (إِنِّي سَقِيمٌ)، وكان صحيحًا، وقوله: (هَذَا رَبِّي)، ومثل هذا قالوا: هذا في الظاهر كذب، وإن لم يرد هو به في الحقيقة كذبا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنه إنما قال ذلك على أن يريهم من نفسه الموافقة لهم في الظاهر؛ ليكونوا للحجج أسمع وللبراهين أقبل، فيكون تأويله - واللَّه أعلم -: لعل كبيرهم فعل بهم هذا.
أو أن يقول: أكبر فعل هذا بهم وكذلك قالوا في قوله: (هَذَا رَبِّي).
قَالَ بَعْضُهُمْ: ليس هذا ولا فيه كذب في الظاهر، ولكن قال ذلك على الشرط حيث قال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) أي: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، علق فعله بشرط النطق، فإذا كانوا لا ينطقون لم يجئ منه.
وقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ)، أي: سأسقم وكل حي يسقم يومًا، وقوله: (هَذَا رَبِّي)، أي: ليس هذا ربي ومثل هذا قد قالوا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ... (٦٤)
أي: رجعوا إلى أنفسهم باللائمة، فقالوا فيما بينهم: (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) هذا يحتمل وجوهًا:
إنكم أنتم الظالمون حيث نسبتم الفعل بهذه الأصنام والكسر إلى إبراهيم وقلتم: إنه فعل ذلك بهم، وإنما فعل بهم هذا كبيرهم؛ لما وقع عندهم أن كبيرهم هو الذي فعل بهم.
والثاني: إنكم أنتم الظالمون حيث اتخذتم مع كبيرهم آخرين شركاء في العبادة حتى غضب عليهم فكسرهم.
أو أن يكون قوله: (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) يعنون الأصنام المكسورة: يا هَؤُلَاءِ (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ)؛ حيث حملتم الكبير على تكسيركم، واللَّه أعلم بما أرادوا بذلك، ولا يجوز لنا أن نزيد أو ننقص في هذه الأنباء المذكورة في الكتاب، أو نقطع على جهة دون جهة؛ لأنها ذكرت ليحتج عليهم بما في كتبهم، فلو زيد أو نقص أو قطع على جهة دون
الأنبياء 21:64
الآية ٦٤ : وقوله تعالى :﴿فرجعوا إلى أنفسهم﴾ أي رجعوا إلى أنفسهم باللائمة ﴿فقالوا﴾ في ما بينهم ﴿إنكم أنتم الظالمون﴾ هذا يحتمل وجوها :
[ أحدها :] (١) ﴿إنكم أنتم الظالمون﴾ حين(٢) نسبتم الفعل بهذه الأصنام والكسر إلى إبراهيم، وقلتم إنه فعل ذلك بهم، وإنما فعل بهم هذا كبيرهم لما وقع عندهم أن كبيرهم هو الذي فعل بهم.
والثاني :﴿إنكم أنتم الظالمون﴾ حين(٣) اتخذتم مع كبيرهم آخرين شركاء في العبادة حتى غضب عليهم، فكسرهم.
والثالث(٤) :﴿إنكم أنتم الظالمون﴾ يعنون الأصنام المكسورة : يا هؤلاء إنكم أنتم الظالمون حين(٥) حملتم الكبير على كسركم، والله أعلم بما أرادوا بذلك.
ولا يجوز لنا أن نزيد، أو ننقص في هذه الأنباء المذكورة في الكتاب، أو نقطع على جهة دون جهة، لأنها ذكرت ليحتج عليهم بما في كتبهم. فلو زيد، أو نقص، قطع على جهة دون [ جهة ](٦)، وذهب(٧) الاحتجاج بها عليهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل و م: حيث..
٤ في الأصل و م: أو أن يكون قوله..
٥ في الأصل و م: حيث..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل و م: يذهب.
الأنبياء 21:65
جهة يذهب الاحتجاج بها عليهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)
قوله: (نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ) للتفكر والنظر في قول إبراهيم حيث قال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، إنما علق فعل الكبير بهم إن نطقوا، فقالوا: لقد علمت يا إبراهيم ما هَؤُلَاءِ ينطقون، فكيف قلت: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ)، فإذا كانوا لا ينطقون لم يفعل كبيرهم، ثم قال: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) فَإِنْ قِيلَ: إن إبراهيم لم يحتج عليهم أن كيف تعبدون من دون اللَّه ما لا ينطق؟ ولكن قال: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ).
قيل: قد كان احتج عليهم من ذلك النوع حيث قال: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ)، وبعد فإنه قد احتج عليهم بعجزهم عن النطق حيث قال: (فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، ثم قال هاهنا: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا) إن عبدتموهم (وَلَا يَضُرُّكُمْ) إن تركتم عبادته.
(أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) أُفٍّ: هو كلام كل مستخف بآخر ومستحقر له في فعله؛ يقول: (أُفٍّ لَكُمْ)، فإبراهيم حيث قال ذلك لهم إنما قال استخفافًا بهم وبما عبدوه، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ): أن عبادة من لا ينفع ولا يضر لا تصلح ولا تحل.
وفي أنباء إبراهيم خصال ليست تلك في غيرها من الأنباء:
إحداها: أنه لم يترك صنما كان يعبد دون اللَّه إلا وقد نقض ذلك.
والثانية: أنه حاج قومه أولا في فساد مذاهبهم وفساد ما اعتقدوه، ثم بعد ذلك أقام عليهم حججه وبراهينه؛ لأنه قال: (هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)، وقال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)، وقال: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)، فلما أراهم فساد مذهبهم، فعند ذلك ذكر حججه وبراهينه حيث قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا)، وقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ...)، وهكذا الواجب على كل متناظر أن يبدأ أولا بإظهار فساد مذهب خصمه، فإذا أراه فساد مذهبه، فحينئذ يذكر حجج مذهبه وبراهين ما يعتقد؛ ليكون لها أسمع وعند إقامتها أقبل.
والثالثة: أنه لم يبتل نبي قط بفرعون مثل فرعونه ولا قوم مثل قومه في السفه والبغض والهم بقتله بالنار.
وجائز أن يكون خصوصية الخلة لهذه الخصال التي ذكرناها، واللَّه أعلم.
الأنبياء 21:66
الآية ٦٦ :[ وقوله تعالى ] (١) :﴿قال أفتعبدون من دون الله [ ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ فإن قيل : إن إبراهيم لم يحتج عليهم أن كيف تعبدون من دون الله ] (٢) ما لا ينطق ؟ ولكن ﴿قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم﴾ ؟ قيل : قد كان احتج عليهم [ من ذلك النوع حين(٣) ﴿قال هل يسمعونكم إن تدعون﴾ ﴿أو ينفعونكم أو يضرون﴾ ؟ [ الشعراء : ٧٢ و٧٣ ].
وبعد فإنه قد احتج عليهم ] (٤) يعجزهم عن النطق حين(٥) قال :﴿فسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ [الأنبياء: ٦٣]. ثم قال هاهنا ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا﴾ إن عبدتموهم ﴿ولا يضركم﴾ إن تركتم عبادته.
١ في الأصل و م: ثم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في م: حيث..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و م: حيث..
الأنبياء 21:67
الآية ٦٧ :[ وقوله تعالى ] (١) :﴿أف لكم ولما تعبدون من دون الله﴾ : أف هو كلام كل مستخف بآخر ومستحقر له في فعله. يقول ﴿أف لكم﴾ فإبراهيم حين(٢) قال [ ذلك لهم إنما قال ] (٣) استخفافا بهم وبما عبدوه ﴿أفلا تعقلون﴾ أن عبادة من لا ينفع، ولا يضر، لا يصلح، ولا يحل ؟ وفي أنباء إبراهيم خصال ليست تلك في غيرها من الأنباء :
إحداها : أنه لم يترك صنما كان يعبد دون الله إلا وقد نقص ذلك.
والثانية : أنه حاج قومه أولا في فساد مذاهبهم و فساد ما اعتقدوه، ثم بعد ذلك أقام عليهم حججه وبراهينه، لأنه ﴿قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الأفلين﴾[الأنعام: ٧٦]
و﴿قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ [الأنبياء: ٦٣] و﴿قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾ [البقرة: ٢٥٨].
فلما أراهم فساد مذهبهم، فعند ذلك ذكر حججه وبراهينه حين(٤) قال :﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا﴾ [الأنعام: ٧٩] وقال :﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ [الشعراء: ٧٨].
وهكذا الواجب على كل متناظر أن يبدأ أو لا بإظهار فساد مذهب خصمه. فإذا أراه فساد مذهبه فحينئذ يذكر حجج مذهبه وبراهين ما يعتقد ليكون لها أسمع وعند إقامتها أقبل.
والثالثة(٥) : أنه لم يُبتل نبي قط مثل فرعونه ولا قوم مثل قومه في السفه والبغض والهم بقتله في النار.
وجائز أن تكون خصوصيته بالخلقة(٦) لهذه الخصال التي ذكرناها، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: حيث..
٥ في الأصل و م: الثالث..
٦ في الأصل و م: بالخلة..
الأنبياء 21:68
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) هذا ظاهر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)
جائز أن يكون قوله: (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا) أي: جعلها في الخلقة بردًا وسلامًا على إبراهيم خاصة، وأما على غيره فهي على ما هي في طبعها من الإحراق والحر؛ فيكون ذلك من أعظم آيات رسالة إبراهيم ونبوته.
أو أن يكون على الوحي والإلهام على ما قاله أهل التأويل: إنه أوحى إليها أن (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، لكنه إن كان على هذا فجائز أن يجعل في سريتها ما تفهم أمره ويمكن فيها ما تفطن ذلك فلم تحرقه.
وقول أهل التأويل: إنها بردت حتى لم ينتفع به أهل المشرق والمغرب ثلاثة أيام، فذلك لا يعلم إلا بالسمع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)
الكيد: هو الأخذ من حيث الأمن، فجائز أن يكونوا كادوه أن حبسوه في موضع، ثم جمعوا عليه الحطب من غير أن علم هو ذلك، ثم أوقدوا عليه النار.
أو أن يكون أخذوه مغافصةً، فجعلوه في المنجنيق ثم رموه في النار؛ على ما قاله بعض أهل التأويل.
أو أن يكونوا كادوه كيدًا آخر سوى ذلك فنحن لا نعلم ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ).
لا شك أنهم في الآخرة من الأخسرين، وأما خسرانهم في الدنيا فلا نعلم ذلك الخسران، واللَّه أعلم به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا): وذلك أنه لما جعل في النار أنجاه الله منها، وجعلها عليه بردًا وسلامًا على إبراهيم، وأمره اللَّه تعالى بالخروج إلى الأرض المقدسة، فخرج إليها فطلبوه وبعث ملكهم إلى أصحاب المناظر فقال: لا يمر بكم إنسان يتكلم بالسريانية إلا حبستموه، قال: فحول اللَّه لسانه بالعبرانية، فمر بهم فعبر عليهم، فانطلق إبراهيم متوجهًا نحو أهله، فذلك قوله: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)،
الأنبياء 21:69
الآية ٦٩ : وقوله تعالى :﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ جائز أن يكون قوله :﴿يا نار كوني بردا وسلاما﴾ أي جعلها في الخلقة بردا وسلاما على إبراهيم خاصة. وأما على غيره فهي على ما هي في طبعها من الإحراق والحر، فيكون ذلك من أعظم آيات رسالة إبراهيم ونبوته، أو أن يكون على الوحي والإلهام على ما قاله أهل التأويل : إنه أوحى لها : أن ﴿كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾.
لكنه إن كان على هذا فجائز أن يجعل في سريتها ما تفهم أمره، ويمكن فيها ما تفطن ذلك، فلم تحرقه وقول أهل التأويل : إنها بردت حتى لم ينتفع بها أهل المشرق وأهل المغرب ثلاثة أيام، فذلك لا يعلم إلا بالسمع.
الأنبياء 21:70
الآية ٧٠ : وقوله تعالى :﴿وأرادوا به كيدا﴾ الكيد هو الأخذ من حيث الأمن. فجائز أن يكونوا كادوه أن حبسوه في موضع، ثم جمعوا عليه الحطب من غير أن علم هو ذلك، ثم أوقدوا عليه النار، أو أن أخذوه مخافضة(١)، فجعلوه في المِنْجنِيق، ثم رموه في النار على ما قاله أهل التأويل، أو أن يكونوا كادوه كيدا آخر سوى ذلك لم يذكر. فنحن لا نعلم ذلك.
وقوله تعالى :﴿فجعلناهم الأخسرين﴾ لاشك أنهم في الآخرة من الأخسرين. وأما خسرانهم في الدنيا فلا نعلم ما ذلك الخسران، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله :﴿وأرادوا به كيدا﴾ وذلك أنه لما جعل في النار أنجاه الله منها، وجعلها عليه بردا وسلاما، وأمره الله تعالى بالخروج إلى الأرض المقدسة، فخرج إليها، فطلبوه، وبعث ملكهم إلى أصحاب المناظر، فقال : لا يمر بكم إنسان يتكلم بالسريانية إلا حبستموه. قالوا(٢) : فحول الله لسانه، [ فجعله ينطق ] (٣) بالعبرانية ؛ فمر بهم، فغير عليهم، فانطلق إبراهيم متوجها نحو أهله. فذلك قوله :﴿وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين﴾ أي الأسفلين، وأعلاهم إبراهيم، صلوات الله عليه.
١ في الأصل و م: مغافضة..
٢ في الأصل و م: قال..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الأنبياء 21:71
أي: الأسفلين وأعلاهم إبراهيم صلوات اللَّه عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) دل هذا على أن إبراهيم كان كالمشرف على الهلاك؛ لأن لفظة (النجاة) لا تقال إلا فيما كان هنالك إشراف على الهلاك.
وفيه أن لوطًا كان معه وإن كان إبراهيم هو الممتحن في ذلك وهم كانوا يقصدون قصد إهلاك الرسل والأتباع جميعًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) قال الحسن: بركته ما ذكر في آية أخرى وهو قوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، كثيرة المياه والنبت ونحوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: بركته: سعته على أهلها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: بركته؛ لأنها كانت مكان الأنبياء والرسل صارت مباركة بهم.
وجائز أن يكون صارت مباركة بإبراهيم ولوط؛ لما بهم ظهر الإسلام هنالك، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)
قَالَ بَعْضُهُمْ: النافلة: العطية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: النافلة: الفضل.
وأصل النافلة: الغنيمة؛ كقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) أي: الغنائم.
والولد وولد الولد فضل منه وعطية وغنيمة؛ لأنه سمى الولد: هبة بقوله: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ)، وسمى الولد: مواهب، وخاصة إبراهيم لم يكن يطمع أن يولد له الولد في ذلك الوقت، فكيف يطمع ولد الولد؟! وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ).
يحتمل قوله: (صَالِحِينَ): رسلا، أو صالحين في كل أمر وكل شيء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً... (٧٣) قادة في أمر الدِّين، (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) يحتمل قوله: (يَهْدُونَ)، أي: يدعون الناس بأمرنا؛ كقوله: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ أي: داع.
وجائز أن يكون قوله: (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)، أي: يهدون الناس إلى ما به أمر اللَّه وإلى
الأنبياء 21:72
الآية ٧٢ : وقوله تعالى :﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة﴾ قال بعضهم : النافلة العطية. وقال بعضهم : النافلة الفضل.
وأصل النافلة الغنيمة كقوله :﴿يسألونك عن الأنفال﴾ [الأنفال: ١] أي الغنائم. والولد وولد الولد فضل منه وعطية وغنية، لأنه سمى الولد هبة بقوله :﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ [الشورى: ٤٩] وسمى [ الوالد مُوهَبا ] (٢) وخاصة إبراهيم [ إذا ] (٣) لم يكن يطمع أن يولد له الولد، فكيف يطمع بولد(٤) الولد ؟
وقوله تعالى :﴿وكلا جعلنا صالحين﴾ يحتمل قوله :﴿صالحين﴾ رسلا، أو ﴿صالحين﴾ في كل أمر وكل شيء.
الأنبياء 21:73
الآية ٧٣ : وقوله تعالى :﴿وجعلناهم أئمة﴾ قادة في أمر الدين ﴿يهدون بأمرنا﴾ يحتمل قوله :﴿يهدون﴾ أي يدعون الناس بأمرنا كقوله :﴿ولكل قوم هاد﴾ [الرعد: ٧] أي داع.
وجائز أن يكون قوله :﴿يهدون بأمرنا﴾ أي يهدون الناس إلى ما به أمر الله وإلى دينه.
وقوله تعالى :﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات﴾ دل قوله :﴿وأوحينا إليهم﴾ أنهم كانوا رسلا. ثم يحتمل قوله :﴿فعل الخيرات﴾ [ فعل العبادات ] (٥).
وقوله تعالى :﴿و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ فيه أن الصلاة والزكاة كانتا في شرائع المتقدمين.
وقوله تعالى :﴿وكانوا لنا عابدين﴾ موحدين، أو عابدين له في كل وقت.
الأنبياء 21:74
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ)، دل قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ) أنهم كانوا رسلًا ثم يحتمل قوله: (فِعْلَ الْخَيْرَاتِ)، وقوله: (وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ) فيه أن الصلاة والزكاة كانتا في شرائع المتقدمين.
وقوله: (وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) موحدين، أو عابدين له في كل وقت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا (٧٤)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (حُكْمًا) يعني: النبوة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (حُكْمًا) أي: الفهم والعقل، وعلما.
وجائز أن يكون قوله: (حُكْمًا) أي: الحكم الذي يحكم بين الناس، (وَعِلْمًا)، أي: العلم الذي كان به يحكم بين الناس.
ومن قال: (حُكْمًا) هو النبوة، قال: لأن الأنبياء إنما يحكمون بين الناس بالنبوة فكتوا بالحكم عن النبوة.
ومن قال بالفهم فهو لأنه إنما يحكم بين الناس بعد ما فهم من الخصوم، وإلا حاصل الحكم هو الحكم بين الناس، (وَعِلْمًا)، أي: العلم الذي به يحكم، أو علمًا فيما بينه وبين ربه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ).
أضاف عمل الخبائث إلى القرية، ومعلوم أن القرية لا تعمل شيئًا، لكن معناه: نجيناه من القرية التي كان أهلها يعملون الخبائث، وكذلك ذكر في حرف حفصة.
وقوله: (الْخَبَائِثَ): كل أنواع الخبث من الكفر والتكذيب بالآيات واللواطة وغيرها.
وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ).
أي: (كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) في أفعالهم وأعمالهم التي كانوا يعملونها (فَاسِقِينَ)، أي: خارجين عن أمر اللَّه تاركين له، والفسق: هو الخروج عن الأمر؛ لأنه برحمته يدخل فيها ويدرك.
وقال غيره: (فِي رَحْمَتِنَا... (٧٥) أي: نعمتنا، ونعمته: النبوة؛ كقوله لعيسى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)، النبوة.
وجائز أن يكون قوله: (فِي رَحْمَتِنَا) أي: أعطيناه كل أنواع الخير برحمتنا؛ إذ كل من أصاب خيرًا في الدنيا والآخرة إنما يدركه برحمته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) من النبيين.
الأنبياء 21:75
الآية ٧٥ :[ وقوله تعالى :﴿وأدخلناه في رحمتنا﴾ ](١) لأنه برحمته يدخل فيها، ويدرك(٢). قال بعضهم(٣) :﴿في رحمتنا﴾ أي نعمتنا، ونعمته النبوة كقوله [ عن عيسى ] (٤). ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه﴾ [الزخرف: ٥٩]/٣٤١-ب/ بالنبوة.
وجائز أن يكون قوله :﴿في رحمتنا﴾ أي أعطيناه كل أنواع الخير برحمتنا ؛ إذ كل من أصاب خيرا في الدنيا والآخرة إنما يدركه برحمته.
وقوله تعالى :﴿إنه من الصالحين﴾ من النبيين، أو ﴿إنه من الصالحين﴾ لأنه(٥) كان يعمل بكل أنواع الصلاح.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ من م، في الأصل: ويترك.
٣ في الأصل و م: غيره..
٤ في الأصل و م: لعيسى..
٥ في الأصل و م: أي..
الأنبياء 21:76
أو (مِنَ الصَّالِحِينَ)، أي: كان يعمل بكل أنواع الصلاح.
* * *
قوله تعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)
وقوله: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأنه ذكر هَؤُلَاءِ على أثره، ثم اختلف في ندائه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: نداؤه هو قوله: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: نداؤه هو قوله: (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا).
أو أن يكون ذلك قوله: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)، وقوله:
(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا...) الآية، وأمثاله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ).
أهله: أتباعه من أهله ومن غيرهم.
وقوله: (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) قال عامة أهل التأويل: (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) هو الغرق والهول الشديد الذي كان به.
وجائز أن يكون (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ): هو ما قاسى من قومه ولقي منهم بدعائه إياهم إلى دين اللَّه في تسعمائة وخمسين عامًا، وما كانوا يسخرون به ويؤذونه من أنواع الأذى؛ كقوله: (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ)، ونحو ذلك من الأذى الذي قاساه منهم، فأنجاه من ذلك الكرب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)
وفي حرف أبي بن كعب: ونصرناه على القوم الذين كذبوا بآياتنا، والنصر: هو اسم لأمرين: اسم للمنع، واسم للظفر، فمن قرأه: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)، أي: منعناه من أن يقتله قومه ويهلكوه، والنصر: المنع؛ كقوله: (فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ)، أي: لا مانع لهم.
ومن قرأه: (على القوم الذين كذبوا بآياتنا) أي: أظفرناه على قومه؛ كقوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، وقد كان له الأمران جميعًا: المنع، والظفر.
الأنبياء 21:77
الآية ٧٧ : وقوله تعالى :﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ وفي حرف أبي بن كعب :﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ والنصر هو اسم لأمرين : اسم للمنع واسم للظفر. فمن قرأ :﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي معناه من أن يقتله قومه، ويهلكوه ؛ والنصر المنع كقوله :﴿فلا ناصر لهم﴾ [محمد: ١٣] أي لا مانع لهم. ومن قرأ : على القوم ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي(١) أظفرناه على قومه كقوله :﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ [آل عمران: ١٢٦] وقد كان له الأمران جميعا : المنع والظفر.
وقوله تعالى :﴿إنهم كانوا قوم سوء﴾ ما ذكرنا من أفعالهم وأعمالهم.
وقوله تعالى :﴿فأغرقناهم أجمعين﴾ حتى لم ينج منهم أحد. قال أبو عوسجة : الكرب واحد، وجمعه كروب، وهي(٢) الهموم والشدائد، والكربة واحدة، والكروب جميع، وهو مثل [ جمع ] (٣) الكرب ؛ قال : والأكراب يكون للدلاء، وهي جماعة الكرب، وهو حبل يُشَدُّ في عراقي الدلو، وعراقي الدلو خشبات الدلو، الواحدة عَرْقُوَةُ، قال : والكراب الحراث.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/١٤٣..
٢ في الأصل و م: وهو..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الأنبياء 21:78
وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ) ما ذكرنا من أفعالهم وأعمالهم.
وقوله: (فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) حتى لم ينج منهم أحد.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الكرب: واحد، وجمعه كروب، وهو الهموم والشدائد، والكربة واحدة، والكُرَب جمع، وهو مثل الكروب، قال: والأكراب تكون للدلاء، وهي جماعة الكرب، وهو حبل يشد في عراقي الدلو، وعراقي الدلو: خشبات الدلو، الواحدة: عرقوة، قال: والكراب: الحراث.
* * *
قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ...) الآية.
قال بعض الناس: دل تخصيص سليمان بالتفهيم على أنه لم يفهم داود ذلك، ويدل على ذلك وجوه:
أحدها: إشراكه - عَزَّ وَجَلَّ - إياهما جميعًا في الحكم والعلم وغيره؛ حيث قال: (إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ)، وقال: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)، ذكر ما كانا مشتركين فيه، وخص سليمان بالتفهيم؛ فدل التخصيص بالشيء أحدهما والإشراك في الآخر على أنه كان مخصوصًا به دون الآخر.
والثاني: أن هذه الأنباء إنما ذكرت لنا لنستفيد بها علمًا لم يكن، فلو لم يكن سليمان مخصوصًا بالفهم دون داود، لكان لا يفيدنا سوى الحكم والعلم، وكنا نعلم أنهما قد أوتيا حكما وعلما، وكانا يحكمان بالعلم، فإذا كان كذلك، فدل التخصيص بالتفهيم لأحدهما على أن الآخر لم يكن مفهما ذلك، واللَّه أعلم.
والثالث: فيه دلالة: أن المجتهد إذا حكم وأصاب الحكم أنه إنما أصاب بتفهيم الله إياه وبتوفيقه؛ حيث أخبر أنه قد آتاهما جميعًا العلم، ثم خص سليمان بالتفهيم، والتفهيم هو فعل اللَّه؛ حيث أضاف ذلك إلى نفسه.
ثم إن كان ما ذكرنا كان في ذلك دلالة لأصحابنا، فيمن قتل مسلما في دار الحرب أسلم هنالك: أن عليه الكفارة، وليست عليه الدية؛ حيث قال: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً
الأنبياء 21:79
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، ذكر في الأولين الدية والكفارة جميعًا، ثم خص الثالثة بذكر الكفارة دون الدية؛ فدل التخصيص له بأحدهما على أن ليس عليه الآخر؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان يذكر في الأول الدية والكفارة، ولا يذكر في الآخرين، فيكون ما ذكر في الأول غير مذكور في الآخرين، أو لا يذكر ذلك كله في الكل، فإذا لم يفعل هكذا، ولكنه ذكر كل الواجب في الاثنين على الإبلاغ، وترك في الواحد أحدهما وذكر الآخر؛ فدل تخصيص الثالث بأحد الحكمين على أن ليس عليه الآخر.
ثم استدلوا بهذه الآية على جواز العمل والقضاء باجتهاد الرأي، فمنهم من استدل بإصابة المجتهد فيما يجتهد، وإن لم يصب هو الحكم الذي هو حكم عند اللَّه فيه حقيقة، وهو قول من يقول: كل مجتهد مصيب فيما عليه من الاجتهاد في تلك الحادثة، وهو قول أبي يوسف ومُحَمَّد رحمهما اللَّه.
ومنهم من يستدل به بخطأ أحد المجتهدين وعذره في خطئه، فيذهب إلى أن المقصود مما كلف من الحكم في ذلك واحد لا حكمين مختلفين، فإذا كان المقصود مما كلف من الحكم فيه واحد؛ فلا يجوز أن يحكم اثنان في شيء واحد بحكمين مختلفين والمقصود فيه واحد، فيكونان جميعًا مصيبين، خص أحدهما بالتفهيم بقوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ (٧٩) فلو كانا جميعًا مصيبين كانا جميعًا مفهمين، فإذا أخبر أنه فهم سليمان ولم يفهم الآخر، دل أن المصيب هو المفهم منهما، وهو قول أبي حنيفة وبشر وغيرهما.
ومن استدل بإصابته يستدل بقوله: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) أخبر أنه آتاهما حكما وعلما؛ فدل ذلك على أنه لم يكق عليهما غير ما فعلا وحكما فيه، وإن لم يصيبا الحكم الذي هو حكم حقيقة عند اللَّه.
ثم ذكر في الآية: أنهما يحكمان في الحرث، ولم يذكر أنهما حكما بالضمان والبراءة عن الضمان وأى شيء كان حكمهما؛ فدل ترك بيان ما حكما فيه على أن ليس علينا ذلك الحكم؛ إذ بين لنا ما علينا العمل فيه وهو العمل بالاجتهاد؛ حيث قال: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، ولم يبين لنا الحكم الذي حكما فيه، فدل بيان أحدهما وترك بيان الآخر على أن ليس علينا الذي ترك ذكره وبيانه، إلا أن أهل التأويل حملوا حكمهما على الضمان والبراءة، وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: روي: أن ناقة لرجل هاربة دخلت حائط رجل فأفسدت ما فيه، فكلم رسول اللَّه فيها، فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ المواشي بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ما شيتهم بالليل.
وروي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مَا أَصَابَتِ الماشيةُ بالليلِ فعَلَى أهلِهَا، ومَا أصَابَتْ بالنهارِ فليسَ على أهلِهَا منه شَيء "، لكن الخبر إنما جاء في المدينة، وفي المدينة إنما ترعى الماشية في السكك؛ إذ ليس لها مراعٍ، ونحن نقول: إن من أرسل ماشية في مكان لا مرعى لها إلا كرم إنسان أو حائط فأفسدته، فالواجب عليه الضمان: ضمان ما أفسدت، وهو كمن يرسل الماء في ملكه في مكان لا يقر فيه، فتعدى إلى ملك جاره فأفسده - فعليه ضمان ما أفسده منه.
ومن الناس من يجعل الخبر منسوخًا بما جاء: (جرح العجماء جبار)، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، وإنَّمَا يكون جرحها جبارا إذا تعدت هي من غير إرسال صاحبها، فأما إذا كان بصنع صاحبها فعليه الضمان، واللَّه أعلم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (نَفَشَتْ) أي: رعت ليلا، يقال: نفشت الغنم بالليل، وهي إبل نفش وأنفاش واحدها: نافش، وسرحت وسربت بالنهار.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ)، يقال: أنفشنا الغنم: إذا أثرناها في الليل فرعت، وهو النفش ونفشت، أي: انتشرت بغير علم أهلها، ونفشت تنفش نفشًا فهي نافشة.
قال أبو عبيدة: النفش بالليل: أن تدخل في زرع فتأكله، أو رعت فتأكل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ).
ذكر التسبيح هنا في الجبال ولم يذكر في الطير، ولكن ذكر في آية أخرى حيث قال: (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ): أي: يسبح له.
ثم يحتمل أن يكون تسبيح الجبال هاهنا والطير تسبيح خلقة، لكنه لو كان تسبيح خلقة لكان تسبيحها مع داود وغيره سواء، وقد ذكر يسبحن مع داود؛ ليعلم أن اللَّه جعل لهذه الأشياء تسبيحًا يسبحن اللَّه ويذكرونه، كذلك ما روي في الأخبار أن الطعام يسبح في كف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وروي أنه أخذ حجرًا فسبح في يده، وأنه أخذ كذا فسلم عليه، وأمثال هذا كثير، وذلك كله آية لرسل اللَّه على رسالتهم.
الأنبياء 21:80
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُنَّا فَاعِلِينَ).
أي: كنا فاعلين ما نريد: إن أردنا أن يسبحن، يسبحن، وإن أردنا ألا يسبحن، لا يسبحن، أي: كنا فاعلين جميع ما نريد، ليس كالخلائق؛ لأنهم يريدون أشياء لا تلتئم لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ... (٨٠) وقال في آية أخرى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ...) الآية.
ثم يحتمل قوله: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) أي: علمناه السبب الذي به يلين الحديد فيصنع به ما شاء، كما علم غيره من الخلق السبب الذي يلين به الحديد.
ويحتمل أن جعل له الحديد لينًا بلا سبب؛ تسخيرًا له كما سخر له غيره من الأشياء الشديدة الصلبة، كما أعطى ولده عين القطر حيث قال: (وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) وذلك لم يكن لأحد سواه. وكذلك الحديدَ ألان لوالده حتى يعمل به ما شاء ما لم يكن ذلك في حديد سواه، (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ) قيل: دروع الحديد (لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) أي: تقيكم من بأسكم، أي: من عدوكم ومن أمر حربكم، وفيه قرأت: (لِتُحْصِنَكُمْ) بالتاء: و (ليحصنكم) بالياء: و (لنحصنكم) بالنون.
قال الكسائي: من قرأ بالتاء: (لِتُحْصِنَكُمْ) أي: الصنعة تحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالياء: (ليحصنكم) أي: اللبوس يحصنكم من بأسكم، ومن قرأ بالنون: (لنحصنكم) فإنه يقول: نحصنكم بهن من بأسكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) ما أعطاكم من النعمة التي ذكر من تسخير الجبال له والطير والحديد والرياح وغيره، فهل أنتم شاكرون ذلك، أي: اشكروا له في نعمه؛ لأن الاستفهام من اللَّه على الإيجاب والإلزام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ... (٨١) ذكر هاهنا " عاصفة "، وقال في آية أخرى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) أي: لينة، فهو يحتمل وجوهًا: قَالَ بَعْضُهُمْ: كأنها تشتد إذا أراد سليمان وتلين إذا أراد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانت تشتد وقت حمل السرير وتلين وقت سيره.
ويحتمل أن تكون عاصفة شديدة في الخلقة، لكنها كانت تلين له وترخو؛ فكأنه يقول: سخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديدة حتى كانت تلين له.
وقوله: (تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) لا تقصد غيرها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ. وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ
الأنبياء 21:81
الآية ٨١ : وقوله تعالى :﴿ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره﴾ ذكر هاهنا عاصفة، وقال في آية أخرى :﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب﴾ أي لينة. فهو يحتمل وجوها :
قال بعضهم : كأنها تشتد إذا أراد سليمان، وتلين إذا أراد. وقال بعضهم : كانت تشتد وقت حمل السرير، وتلين وقت سيره. ويحتمل أن تكون ﴿عاصفة﴾ شديدة في الخلقة، لكنها تلين له، وترخو ؛ فكأنه يقول : سخرنا لسليمان الريح العاصفة الشديدة حتى كانت تلين له.
وقوله تعالى :﴿تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها﴾ لا يقصد غيرها(١) ﴿وكنا بكل شيء عالمين﴾.
١ أدرج قبلها في الأصل و م: وقوله تعالى..
الأنبياء 21:82
وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ... (٨٢)
ذكر نعمه التي كانت عليهم حيث أخبر أنه سخر لهما أشد الأشياء وأصلبها من نحو الجبال والرياح والبحار والحديد والشياطين أيضًا - وهم أعداء لبني آدم سخر لهم الأعداء: الشياطين، والرياح.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) يحتمل وجوهًا: أحدها: وكنا لهم حافظين، حتى لا يضلوا الناس.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: وكنا لهم حافظين على سليمان؛ لئلا يتفرقوا عنه؛ لأن سليمان كان لا يملك إمساكهم واستعمالهم، لكن اللَّه سخرهم له حتى عملوا له وذَلُّوا له وخضعوا.
والثالث: وكنا لهم حافظين عن الخلاف له. واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ)، وقال في آية أخرى: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)، ذكر في سليمان أنه سلطه على الشيطان، وجعلهم مسخرين له يستعملهم في كل أمر وعمل شاء، وذكر في أيوب على أثر قصة سليمان أنه سلط الشياطين عليه وصار كالمسخر لهم؛ حيث قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) حتى يعلم أن تسخير الشياطين لسليمان كان له إفضالاً وإنعامًا، لم يكن سبق منه ما يستوجب به ذلك ويستحقه، ولا كان من أيوب إليه من العصيان ما يستحق ذلك، وما أصابه من البلاء منه عدل، وكان ما يعطي من السلامة والصحة رحمة منه ونعمة، وله أن يعطي من شاء ما شاء، ويحرم من شاء ما شاء، ألا ترى أنه قال في آخره لما رد عليه ما أخذ وكشف عنه البلاء: (ورَحْمَةً مِنَّا)، ولو كان ذلك حقا له على اللَّه لم يكن لذكر الرحمة معنى، فهذا يرد على المعتزلة مذهبهم: أن على اللَّه الأصلح لهم في دينهم؛ لأن ما أصاب أيوب من البلايا أضاف ذلك إلى الشياطين حيث قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)، ولو كان ذلك أصلح له في دينه لكان لا يضيف فعل الأصلح له في الدِّين إلى الشياطين؛ فدل على أنه ليس على ما يذهبون إليه.
ثم قوله: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) شبيه أن يكون فيه إضمار دعاء؛ كأنه قال: أني مسني الضر فارحمني وعافني وأنت أرحم الراحمين؛ ألا ترى أنه قال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ) دل أنه على الدعاء خرج.
والثاني في قوله: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) وصرت بحال يرحمني من رآني من الخلق وأنت
الأنبياء 21:83
الآية ٨٣ : وقوله تعالى :﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر﴾ كقوله(١) في آية أخرى :﴿واذكر عبدنا أيوب إذا نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ [ص: ٤١] ذكر في سليمان أنه سلطه على الشيطان، وجعلهم مسخرين له، يستعملهم في كل أمر وعمل شاء. وذكر في أيوب على إثر قصة سليمان أنه سلط الشياطين عليه، وصار هو كالمسخر لهم حين(٢) قال :﴿إني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ حتى [ يعلم ] (٣) أن تسخير الشياطين لسليمان، كان له إفضال وإنعام، لم يكن سبق منه ما يستوجب به ذلك، ويستحقه، ولا كان من أيوب إليه من العصيان ما يستحق ذلك. وما أصابه من البلاء منه عدل. وكان ما يعطي من السلامة والصحة رحمة ونعمة. وله أن يعطي من شاء ما شاء، ويحرم من شاء ما شاء.
ألا ترى أنه قال في آخره لما رد عليه ما أخذ منه، وكشف عنه البلاء ﴿رحمة﴾ ؟ [الأنبياء: ٨٤] ولو كان ذلك حقا على الله لم يكن لذكر الرحمة معنى.
فهذا يرد على المعتزلة مذهبهم أن على الله الأصلح لهم في دينهم لأن ما أصاب أيوب من البلايا أضاف ذلك إلى الشياطين حين(٤) قال :﴿أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ [ص: ٤١] ولو كان ذلك أصلح في دينه لكان لا يضيف فعل الأصلح له في الدين إلى الشياطين. فدل أنه ليس على ما يذهبون إليه.
ثم قوله تعالى :﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر﴾ يشبه أن يكون فيه إضمار دعاء ؛ كأنه قال :﴿إني مسني الضر﴾ فارحمني، وعافني ﴿وأنت أرحم الراحمين﴾ ألا ترى أنه قال :﴿فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر﴾ ؟ [الأنبياء: ٨٤] دل أنه على الدعاء خرج [ كقوله :﴿إني مسني الشيطان﴾ [ص: ٤١] ] (٥) وصرت بحال يرحمني من رآني من الخلق ﴿وأنت أرحم الراحمين﴾ والله أعلم.
١ في الأصل و م: وقال..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: حيث..
٥ في الأصل و م: والثاني في قوله: ﴿إني مسني الضر﴾..
الأنبياء 21:84
أرحم بي من كل الراحمين. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ... (٨٤) هو ظاهر أنه كشف عنه ما أصابه من البلاء في بدنه وأهله حتى عاد إلى الحال التي كان قبل ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أوتي أهله في الدنيا ومثل أجورهم في الآخرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ) فأحياهم اللَّه (وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)، وكانت امرأة أيوب ولدت قبل البلاء أولادًا بنين وبنات، فأحياهم اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ) أي: ما يتأهل به من الأهل والأنصار على ما كان له من قبل. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن من ابتلي ببلاء، فصبر على ما صبر أيوب على بلائه، ففرجه اللَّه عن ذلك البلاء - فيفرجه عنه كما فرج لأيوب.
والثاني: يعلم أن ما أصابه ليس لأمر يسبق منه، ولكن ابتلاء محنة من اللَّه امتحنه بها، وله أن يمتحن من شاء بما شاء من المحن.
* * *
قوله تعالى: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ) يشبه أن يكون " ذا الكفل " اسمًا من أسمائه، وجائز أنه سمي ذا الكفل؛ لأمر كان منه: ذكر أنه كان رجلًا صالحًا، فكفل لنبي بأمر قومه، فوفى ما تكفل به؛ فسمي لذلك ذا الكفل.
ثم اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو رجل صالح على ما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان نبيا، لسنا نعلم ذلك سوى أنه ذكر أنه من الصابرين، سماهم صابرين على الإطلاق، وكذلك سماهم صالحين على الإطلاق، وذلك - واللَّه أعلم - لأنهم جمعوا جميع أنواع الصبر وجميع أنواع الصلاح. واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) قال الحسن: أدخلناهم في رحمتنا وهي الجنة، وجائز أن يكون جميع ما نالوا من الصبر والصلاح كان ذلك كله رحمةَ اللهِ وفضله، وهكذا أن من نال شيئًا من الخيرات والطاعات فإنما ينال ذلك كله برحمته. واللَّه أعلم.
* * *
(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ
الأنبياء 21:85
الآية ٨٥ : وقوله تعالى :﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ [ يشبه أن يكون ](١) [ ذو الكفل اسما ] (٢) من أسمائه.
وجائز أنه سمى ذا الكفل لأمر كان منه، ذكر أنه كان رجلا صالحا، فكفل لنبي بأمر قومه، فوفى ما تكفل به، فسمي لذلك ذا الكفل. ثم اختلف فيه.
قال بعضهم : هو رجل صالح على ما ذكرنا. وقال بعضهم : كان نبيا ولسنا(٣) نعلم ذلك سوى أنه ذكر أنه ﴿من الصابرين﴾ /٣٤٢-ب/ سماهم صابرين على الإطلاق. وذلك، والله أعلم، لأنهم جمعوا جميع أنواع الصبر وجميع أنواع الصلاح، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل و م: ذا الكفل اسم..
٣ الواو ساقطة من الأصل و م..
الأنبياء 21:86
الآية ٨٦ : وقوله تعالى :﴿وأدخلناهم في رحمتنا﴾ قال الحسن :﴿وأدخلناهم في رحمتنا﴾ وهي الجنة. وجائز أن يكون جميع ما قالوا من الصبر والصلاح، كان ذلك كله رحمة الله وفضله. وهكذا أن من نال شيئا من الخيرات والطاعات فإنما ينال ذلك كله برحمته، والله أعلم.
الأنبياء 21:87
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَا النُّونِ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: " ذا النون " هو اسم من أسمائه سُمِّيَ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سماه ذا النون؛ لكونه في بطن النون وهو الحوت، أي: صاحب النون، سمي باسمين مختلفين:
أحدهما: اسم موضوع، والآخر: مشتق من فعله وما كان، وهو ما سمى عيسى مرة، وسماه مسيحًا أخرى، أحدهما: اسم موضوع، والآخر: مشتق من فعله، وهو مما كان يمسح به المرضى والموتى فيبرءون.
وكذلك " ذا الكفل " يخرج على هذين الاسمين: أحدهما موضوع له، والآخر: مشتق من فعله على ما ذكرنا. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (مُغَاضِبًا) لربه، أي: حزينًا له؛ لأنه كان أراد أن يهلك اللَّه قومه لما أيس من إيمان قومه، وقد كثر عنادهم ومكابرتهم، فخرج حزينًا لذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مغاضبًا للملك، وذلك أو قومه قد أسرهم عدوهم، وقد كان اللَّه أوحى إليهم فقال: إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني، فإذا دعوتموني أستجب لكم، فلما أسروا نسوا أن يدعوه زمانًا حتى إذا ذهبت أيام عقوبتهم ونزلت أيام عافيتهم أوحى اللَّه تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن ابعثوا رجلا قويا أمينا فإني ملقٍ في قلوب الذين أسروا قومهم أن يرسلوهم، وفي القصة طول، غير أنَّا نختصر، فبعث ملكهم يونس إلى أُولَئِكَ الأسارى ليستنقذهم من أيديهم، فخرج وائتمر بأمره، لكنه غضب عليه لما اشتد عليه، فذلك قوله: (ذهَبَ مُغاضبًا) للملك، حيث أمره بالخروج إلى أُولَئِكَ الأسرى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذَهَبَ مُغَاضِبًا) لقومه، وذلك يخرج على وجوه:
أحدها: خرج من عندهم لما أيس من إيمان قومه خرج مكيدة لقومه؛ لأن السنة فيهم أنه إذا خرج رسوله من بين أظهرهم نزل بهم العذاب، فخرج من عندهم ليخافوا العذاب فيؤمنوا.
والثاني: خرج إشفاقًا على نفسه؛ لئلا يقتل؛ لما أن قومه هموا بقتله، فخرج لئلا يقتل
الأنبياء 21:88
إشفاقا على نفسه، كما خرج رسول اللَّه من بين أظهر قومه لما هموا بقتله، لكن رسول اللَّه خرج بإذن، ويونس بغير إذن.
والثالث: خرج من عندهم لما أكثروا العناد والمكابرة وأيس من إيمانهم خرج ليفرغ لعبادته؛ إذ كان مأمورًا بعبادة ربه ودعاء قومه إلى ذلك، فلما أيس من إيمانهم خرج كما ذكرنا بغير إذن من ربه، وإن كان في خروجه منفعة له ولقومه، فعوتب لذلك، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) أي: لن نضيق عليه، ولا نبتليه بالضيق الشديد لما خرج من عندهم، فيقال: فلان مقدر عليه، ومقتر، ومضيق عليه الأمر، وهو كقوله: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) أي: يضيق، وقوله: (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) أي: ضيق عليه رزقه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ) قالوا: في ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: التقم الحوت حوت آخر، فكان في بطن حوت، وحوت آخر، وظلمة البحر، فقال: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) وحد ربه ونزهه عن جميع ما قيل فيه، ثم اعترف بذلته وذنبه فقال: (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فسمع اللَّه دعاءه، وقبل توبته، وأخبر أنه كشف عنه الغم الذي كان له حيث قال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ (٨٨) وأخبر أنه كذلك ينجي المؤمنين، فيرجى أن من ابتلاه اللَّه بالبلاء والشدة فدعا بما دعا به يونوإن يفرجه اللَّه عنه، حيث قال: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)؛ وعلى ذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " مَنْ دَعَا بدَعْوةِ ذِي النونِ اسْتُجِيبَ له ".
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: الْتَقَنَ ذلك من الأرض لما بلغ إلى قرار الأرض فقال ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان رجلا صالحا عابدا وكان عود نفسه ذلك قبل أن يدخل بطن الحوت، فلما دخل فيه فكان يقول فيه على ما كان يقول من قبل، وهو كقوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ
الأنبياء 21:89
كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ...) الآية.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا أنه كان من المسبحين قبل هذا وإلا للبث فيه إلى ما ذكر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لولا أنه كان قال هذا القول: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، للبث فيه، فيكون على هذا التأويل: (كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ)، أي: صار من المسبحين، والأول أشبه، ثم اختلف في قوله: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك الغم هو ما ابتلاه اللَّه بالضيق في بطن الحوت والبحر، فنجاه من ذلك الغم، ولكن جائز أن يكون نجاه من الغم الذي كان به سبب خروجه من بين أظهرهم.
وقول أهل التأويل: إن يونس مكث في بطن الحوت أربعين يومًا، أو ثلاثة أيام، ونحو هذا فذلك لا يعلم إلا بالوحي، فإن ثبت الوحي فهو هو، وإلا ليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَذَا النُّونِ) يعني: ذا الحوت، والنون: الحوت.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: إنما سمي: ذا النون؛ لأن الحوت التقمه، والنون: الحوت، والنينان: الجمع.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ): لن نضيق عليه، قال: فلان مقدر عليه ومقتر، ومنه: (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ)، أي: ضيق عليه، ومنه قوله أيضًا: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)، أي: ضيق، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) قوله: (لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) في الظاهر نهي، وكذلك قوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا): وأمثاله، يخرج في الظاهر مخرج النهي، وقوله: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) ونحوه يخرج مخرج الأمر أوالأمر، والنهي إذا كان من العبد للسيد فهو تعوذ ودعاء، وإذا كان من السيد للعبد فهو أمر ونهي، ليس بتعوذ ولا دعاء، ولكن حقيقة الأمر والنهي، وكذلك سؤال الأمير لرعيته أمر ونهي، وسؤال الرعيّة للأمير تضرّع وتعوذ ودعاء.
الأنبياء 21:90
ثم قوله: (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) في الطاعة والعبادة والذكر والتسبيح والتحميد ما دمت حيًّا، ولكن أشرك لي في العبادة والذكر من يعينني على ذلك، وهو كقول موسى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)، وقوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، إذا مت.
أو أن يكون قوله: (لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) بعد مماتي في قبري، ولكن هب لي من يذكرني ويدعو لي بعد وفاتي ويحيي أمري.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) أي: وأنت خير من يرث العبادة، على هذا التأويل، وعلى التأويل الأول: وأنت خير من يعين على العبادة والطاعة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ... (٩٠) أي: دعاءه (وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى) قال الحسن: إن كان يَحْيَى على ما سماه اللَّه في الطاعة والعبادة، وفي الآخرة يحيى في الكرامات والثواب الجزيل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) يخرج على وجهين:
أحدهما: أن جعلناها بحيث يرغب فيها زوجها ذات هيئة ومنظر؛ لأنه ذكر في القصة أنها بلغت في السن مائة غير شيء، والعرف في النساء أنهن إذا بلغن المبلغ الذي ذكر أنها بلغت زوجة زكريا يكن من القواعد اللاتي لا يرغب فيهن أحد، فأخبر أنه أصلحها وصيرها بحيث يرغب فيها، ذات هيئة ومنظر.
والثاني: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) أي: ولودًا بحيث تلد؛ لأنه لما بشر بيحيى قال: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا)، والعاقر: التي لا تلد، فيكون قوله: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) ولودًا بحيث نلد، واللَّه أعلم.
هذان الوجهان محتملان.
وأمَّا قول من يقول بأن في لسانها بذاء وطولًا، وفي خلقها سوءا فذلك لا يحل أن يقال إلا بثبت، وهو على خلاف ما ذكرهم ووصفهم، حيث قال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) ثم المسارعة في الخيرات أنه كان لا يمنعهم شيء عن الخيرات، وهكذا المؤمن هو يرغب في الخيرات كلها، إلا أن يمنعه شيء من شّهوة أو سهو.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) أي: يدعوننا رغبا فيما عندنا من جزيل الثواب، ورهبا من أليم عقابنا.
الأنبياء 21:91
والثاني: رغبًا فيما عندنا من اللطائف من التوفيق على الخيرات والعصمة عن المعاصي، ورهبًا مما عندنا من النقمات والخذلان والزيغ.
وقوله: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الخشوع: هو الخوف الدائم الملازم للقلب لا يفارقه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: متواضعين ذليلين لأمر اللَّه، تفسير الخشوع ما ذكر بقوله: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا).
* * *
قوله تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)
وقوله: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) أي: عفت فرجها.
وقوله: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) قال أهل التأويل: إن جبريل أتاها فنفخ في جيبها أو في فرجها، وهذا ليس في الآية؛ فلا يجوز القول به إلا بثبت، ولكن قوله: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) كقوله في آدم: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)، أي: أنشأت فيه من روحي؛ إذ لم يقل أحد فيه بالنفخ، أي: جبريل نفخ فيه، فعلى ذلك قوله: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا) أي: أنشأنا فيها من روحنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) ذكر فيها آية واحدة؛ لأنها ولدت بغير زوج، وولد بلا أب، فهو واحد إذا كانت هي ولدته بغير زوج، فيكون بغير أب فهو آية واحدة، والآية فيها ما ذكر: (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) وآية عيسى حين تكلم في المهد فقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ...) الآية.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (أَحْصَنَتْ): أي: عفَّت، ويقال: امرأة حصان، أي: عفيفة، ومحصنة، أي: قد أحصنها زوجها، ومحصنة: أي عفيفة، وامرأة حصان، ونسوة حاصنات وحواصن، قال: والحصان ذكر الخيل، وحصن: جمع.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ
الأنبياء 21:92
يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
وقوله: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن هذه ملتكم وشريعتكم ومذاهبكم ملة واحدة وشريعة واحدة، يعني: شريعة الإسلام، وملة واحدة ليست بمفترقة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن هذا دينكم دين واحد، ليس كدين الأمم الخالية أديانًا مختلفة.
أو أن يكون الأمة ما يؤم إليها ويقصد؛ لأن الأمة هي الجماعة، وهي المقصودة.
وجائز أن يكون إخبارًا عن هذه الأمة على دين واحد وملة واحدة، ليسوا بمختلفين ولا بمفترقين، كسائر الأمم الخالية، كقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا...) الآية. وقوله (وَلَا تَفَرَّقُوا) الآية، أخبر عنهم أنهم غير متفرقين، ونهاهم عن أن يتفرقوا كما تفرق الأولون؛ ألا ترى أنه قال على إثره: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) هذا يدل على أنه إخبار عن أهل الإسلام في صدر الأمر أنهم على شيء واحد.
وقال الزجاج: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) وما لزموا الحق واتبعوه، وأما إذا تركوا لزومه وتركوا اتباعه فهي ليست بأمة واحدة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) وقال في آية أخرى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) ليعلم أن العبادة والتقوى واحد في الحقيقة؛ لأن الاتقاء هو ما يجتنب من الأفعال والعبادة ما يؤتى من الأفعال والعبادة، فإذا اجتنب ما يجب اجتنابه فقد أتى بما يجب إتيانه، وإذا أتى بما يجب إتيانه فقد اجتنب ما يجب اجتنابه، وهو كقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، لأنه بفعله إياها مجتنب عن الفحشاء والمنكر.
وجائز أن يكون قوله: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) أي: توحدون، على ما قال أهل التأويل؛ لأنه إنما خاطب به أهل مكة.
وقوله:
(وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ؍ (٩٣) أخبر عن الأولين أنهم اختلفوا في دينهم وتفرقوا؍
الأنبياء 21:93
الآية ٩٣ : وقوله تعالى :﴿وتقطعوا أمرهم بينهم﴾ أخبر عن الأولين أنهم(١) اختلفوا في دينهم، وتفرقوا ﴿كل إلينا راجعون﴾ من تفرق [ ومن ] (٢) لم يتفرق كقوله :﴿وإليه ترجعون﴾ [البقرة: ٢٤٥] [ وقوله ] (٣) ﴿وإليه المصير﴾ [المائدة: ١٨].
١ من م، في الأصل: ثم..
٢ في الأصل و م: و..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الأنبياء 21:94
(كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ) من تفرق ومن لم يتفرق، كقوله: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ).
وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) فيه دلالة ألا يقبل من الأعمال الصالحات إلا بالإيمان؛ لأنه شرط في قبولها الإيمان، كقوله: (وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) أي: لشكر سعيه، ويقبل ولا يجحد ولا يكفر، كقوله: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ)، بالياء والتاء (فلن تكفروه)، وأصل الكفران: الستر، والشكر: هو الإظهار؛ يخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه لا يستر ما عملوا من الحسنات والخيرات، بل يشكر ويظهر.
وقوله: (وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) أي: يكتب لهم تلك الحسنات والخيرات، كقوله: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ).
وقوله: (وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) (وَحَرَامٌ) بالألف أيضًا، ثم قوله: (وَحِرْمٌ)، (وَحَرَامٌ) - على قول أهل اللسان واللغة - واحد، يقال: حِرْمٌ عليك كذا، وحرام، كما يقال: حِل وحَلَالٌ.
وأما على قول أهل التأويل فإنهم يفرقون بينهما، فيقولون: حرم: حتم وواجب (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) أي: حتم وواجب على قرية إهلاكهم بعد ما علم (أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) أي: لا يتوبون؛ لأنه إنما يهلكهم لما علم منهم أنهم لا يتوبون.
أو أن يكون قوله: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ) أراد اللَّه إهلاكها (أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ).
وظاهر قوله: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) أن يكون لهم الرجوع؛ لأنه يقول: (وَحِرْمٌ... أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)، ألا ترى إلى قوله: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) وظاهره أنهم لا يرجعون، حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق، فعند ذلك يرجعون لقوله: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
أو أن يكون ذكر هذا: (أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) ولقول قوم؛ لأن قوما يقولون: إن الخلق كالنبات ينبت، ثم ييبس، ثم ينبت، فعلى ذلك الخلق يموتون، ثم يعودون ويرجعون.
وبعض من الروافض يقولون: يرجع علي وفلان، فأخبر أنهم لا يرجعون ردَّا عليهم وتكذيبًا لخبرهم؛ لأن القرآن قد صار حجة عليهم وإن أنكروه لما عجزوا عن أن يأتوا بمثله، واللَّه أعلم بذلك كله.
وقوله: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ (٩٦) كأنه - واللَّه أعلم - أضاف فتح ذلك السد
الأنبياء 21:95
الآية ٩٥ : وقوله تعالى : وحرم(١)﴿على قرية أهلكناها﴾ و﴿حرام﴾ بالألف أيضا. ثم قوله : وحرم ﴿وحرام﴾ على قول أهل اللسان واللغة واحدة. يقول : حرم عليك كذا، وحرام، كما يقال : حل وحلال.
وأما على قول أهل التأويل فإنهم يفرقون بينهما، فيقولون : وحرم حتم وواجب ﴿على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ أو حكم(٢) وواجب ﴿على قرية﴾ إهلاكهم بعدما علم ﴿أنهم لا يرجعون﴾ أي لا يتوبون، لأنه إنما يهلكهم لما علم منهم أنهم لا يتوبون.
أو يكون قوله :﴿وحرام على قرية﴾ أراد الله إهلاكها ﴿أنهم لا يرجعون﴾ [ وظاهر قوله :﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ ](٣) أن يكون لهم الرجوع لأنه يقول :﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾.
ألا ترى إلى قوله :﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج﴾ ؟ [الأنبياء: ٩٦] وظاهره ﴿أنهم لا يرجعون﴾ ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج﴾ ﴿واقترب الوعد الحق﴾ [ الأنبياء : ٩٦ و٩٧ ] فعند ذلك يرجعون لقوله :﴿فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ [الأنبياء: ٩٧].
أو يكون ذكر هذا ﴿أنهم لا يرجعون﴾ لقول قوم : لأن قوما يقولون : إن الخلق كالنبات(٤) ينبت، ثم ييبس، ثم ينبت. فعلى ذلك الخلق يموتون، ثم يعودون، ويرجعون.
وبعض من الروافض يقولون : يرجع علي وفلان، فأخبر أنهم لا يرجعون ردا عليهم وتكذيبا لخبرهم لأن القرآن قد صار حجة عليهم، وإن أنكروه، لما عجزوا عن أن يأتوا بمثله، والله أعلم بذلك كله.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/١٥٠..
٢ من م، في الأصل: حتم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من م، في الأصل: والنبات..
الأنبياء 21:96
الآية ٩٦ : وقوله تعالى :﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج﴾ كأنه، والله أعلم، أضاف فتح ذلك السد إلى أنفسهم، وهم جماعة، وإلا لست أعرف لتأنيث فتح السد وجها، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وهم من كل حدب ينسلون﴾ قيل : الحدب الشيء المشرف، وقيل : الحدب كل ما ارتفع من الأرض، وقيل : الحدب الأكمة. وقيل :﴿من كل حدب﴾ من كل جهة ومن كل مكان ﴿ينسلون﴾ قيل : يسرعون، وقيل : يخرجون.
أخبر أنهم ﴿من كل حدب﴾ أي من كل ناحية ومن كل جهة يسرعون ؛ كأنهم لما سد عليهم ذلك السد، وحيل بينهم وبين ما يتعيشون، ويرتزقون من هذا العالم، تفرقوا في تلك الأمكنة لطلب ما يتعيشون به. فإذا بلغهم خبر [ فتح ](١) السد أتوا من كل جهة وناحية كانوا(٢) متفرقين فيها ﴿ينسلون﴾ يسرعون لأنهم [ كانوا ] (٣) مذ سد /٣٢٣-ب/ عليهم السد [ متفرقين في كل ] (٤) جهة. فلما(٥) فتح خرجوا مسرعين. وهو ما ذكر ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض﴾ [الكهف: ٩٩].
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ أدرج قبلها في الأصل و م: التي..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: في.
٥ أدرج قبلها في الأصل و م: من فتح ذلك السد..
الأنبياء 21:97
إلى أنفسهم وهم جماعة، وإلا لست أعرف لتأنيث فتح السد وجها، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ) قيل: الحدب: الشيء المشرف.
وقيل: الحدب: كل ما ارتفع من الأرض.
وقيل: الحدب: الأكمة.
وقيل: (مِنْ كُلِّ حَدَبٍ): من كل جهة ومن كل مكان.
(يَنْسِلُونَ) قيل: يسر عون.
وقيل: يخرجون.
أخبر أنهم من كل، حدب، أي: من كل ناحية، ومن كل جهة يسرعون، كأنهم لما
سد عليهم ذلك السد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، أي: بين ما يتعيشون ويرتزقون من هذا العالم - تفرقوا في تلك الأمكنة لطلب ما يتعيشون به، فإذا بلغهم خبر فتح السد أتوا من كل جهة وناحية التي كانوا متفرقين فيها (يَنْسِلُونَ) يسرعون؛ لأنهم مذ سد عليهم السد في جهد من فتح ذلك السد، فلما فتح خرجوا مسرعين، وهو ما ذكر: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ (٩٧) قوله: (اقْتَرَبَ) أي: وقع ووجب الوعد الحق؛ لأنه قد أخبر من قبل هذا الوقت أنه قد اقترب بقوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ)، و (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ)، وهو كقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ليس على القرب، ولكن على الوجوب، فعلى ذلك الأول يحتمل أن يكون إخبارًا عن الوقوع والوجوب.
وجائز أن يكون على القرب أيضًا، ويكون وجوبها ووقوعها في قوله: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) كقوله: (إِنمَا يُؤَخرُهُمْ لِيَوم تشخَصُ فِيهِ الأبصار...) الآية، وكقوله: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ...) الآية.
وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا وَيْلَنَا) أي: يقولون: يَا وَيْلَنَا (قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) كأنهم تذاكروا فيما بينهم: إنما كنا في غفلة من هذا، ثم تداركوا أنهم لم يكونوا في غفلة، ولكن قالوا: (بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ) في ذلك، ضالين؛ اعترفوا بالظلم والضلال.
وقوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) يقال: إن حرف (مَن) يتكلم عن البشر وحرف (مَا) يتكلم عما سواهم من العالم، فإذا كان على هذا الذي
الأنبياء 21:98
الآية ٩٨ : وقوله تعالى :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ يقال : إن حرف : من : يتكلم عن البشر ونحوه [ وحرف : ما ] (١) : إنما يتكلم عما سواهم من العالم. فإذا كان على هذا الذي ذكر(٢) فما ينبغي لأولئك أن يفهموا من قوله :﴿وما تعبدون﴾ عيسى وعزيرا والملائكة. هؤلاء يقولون : هؤلاء عبدوا دون الله، فهم حصب جهنم على زعمكم. إلى هذا يذهب أهل التأويل، ويقولون.
ثم نزل قوله :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ [الأنبياء: ١٠١] قالوا : استثنى من عمله من عبد دون الله من سبقت له منه الحسنى، وهو عزير وعيسى وهؤلاء [ الملائكة ] (٣).
لكن قد ذكرنا أنه لا يجوز أن يُفهم من هذا هؤلاء، ولكن الأصنام والأحجار التي عبدوها كقوله :﴿وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤] التي عبدوها، أو يكون قوله :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ الشياطين الذين أمروهم، ودعوهم إلى عبادة غير الله. فتكون العبادة لمن دون الله للشيطان حقيقة لأنه هو الآمر لهم بذلك والداعي إلى ذلك دون من ذكروا لأن هؤلاء، أعني عيسى وعزيرا والملائكة لم يأمرهم(٤) بذلك.
فيكون على هذا كأنه قال : إنكم والشياطين الذين تعبدون من دون الله حصب جهنم، وهو ما ذكر في آية أخرى :﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون﴾ ﴿من دون الله﴾ إلى قوله تعالى :﴿فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين﴾ [ الصافات : ٢٢ و٢٣ إلى٥٠ و٥١ ]. دل هذا أن القرين هو الشيطان كقوله :﴿نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾ [الزخرف: ٣٦].
وقوله تعالى :﴿حصب جهنم﴾ بالصاد، وقرى بالطاء(٥) حطب جهنم قال ابن عباس : الحصب بلسان الزنجية هو الحطب. وقال بعضهم : هو حطب بلسان الحبشة، ويقال أيضا بالصاد [ حصب جهنم ].
قال بعضهم : الحصب هي من الرمي، يحصب جهنم بهم، أي يرمي بهم. والحطب هو معروف، والحضب هو التهييج أي تهيج النار عليهم. وقال الكسائي : حَضَبَتْ النار، أي ألقيتُ فيها الحطب.
وعن عائشة :﴿حضب جهنم﴾ بالضاد.
وقوله تعالى :﴿أنتم لها واردون﴾ أي واقعون فيها.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: ذكروا..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: يأمرهم..
٥ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/١٥٢..
الأنبياء 21:99
ذكروا، فما ينبغي لأُولَئِكَ أن يفهموا من قوله: (وَمَا تَعْبُدُونَ): عيسى وعزير والملائكة وهَؤُلَاءِ، ويقولون: هَؤُلَاءِ عبدوا دون اللَّه فهم حصب جهنم على زعمكم، إلى هذا يذهب أهل التأويل، ويقولون: ثم نزل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) قالوا: استثنى من علمه ممن عبد دون اللَّه من سبقت له منه الحسنى، وهو عزير وعيسى وهَؤُلَاءِ، لكن قد ذكرنا أنه لا يجوز أن يفهم من هذا هَؤُلَاءِ، ولكن الأصنام والأحجار التي عبدوها، كقوله: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، التي عبدوها.
أو أن يكون قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) الشياطين الذين أمروهم ودعوهم إلى عبادة غير اللَّه، فتكون العبادة لمن دون اللَّه للشيطان حقيقة؛ لأنه هو الآمر لهم بذلك، والداعي إلى ذلك دون من ذكروا؛ لأن هَؤُلَاءِ - أعني: عيسى وعزيرًا والملائكة - لم يأمروهم بذلك؛ فيكون على هذا كأنه قال: إنكم والشياطين الذين تعبدون من دون اللَّه حصب جهنم، وهو ما ذكر في آية أخرى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ...) إلى قوله: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ) دل هذا أن القرين هو الشيطان، كقوله: (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) وقوله: (حَصَبُ جَهَنَّمَ) بالصاد، وقرئ بالطاء: (حطب جهنم) قال ابن عَبَّاسٍ: الحصب بلسان الزنجية: هو الحطب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو حطب بلسان الحبشة، ويقال -أيضًا- بالضاد: (حضب جهنم) قَالَ بَعْضُهُمْ: الحصب: هو الرمي، يحصب جهنم بهم، أي: يرمي بهم، والحطب: هو معروف، والحضب: هو التهيج، أي: يهيج النار عليهم.
وقال الكسائي: حصبت النار، أي: ألقيت فيها الحطب، وعن عائشة: (حضب جهنم) بالضاد.
وقوله: (أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) أي: واقعون فيها.
وقوله: (لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) أي: لو كان الذين عبدوا دون اللَّه آلهة على ما زعموا ما وردوا النار.
فَإِنْ قِيلَ: إنهم لم يقروا أنها ترد النار.
قيل: لما عجزوا عن إتيان مثله فقد لزمتهم الحجة، فكأنهم أقروا أنهم واردوها،
الأنبياء 21:100
وهو كقوله: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ...) الآية؛ هم لم يقروا أنهم يحيون بعدما ماتوا، ولكن لما عرفوا أنهم كانوا أمواتا فأحياهم، فقد لزمهم الإقرار والحجة بالإحياء بعد الموت؛ فعلى ذلك الأول كأنهم أقروا بأنهم واردون بما لزمتهم الحجة.
وقوله: (وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ) ظاهر.
وقوله: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)
قيل: الزفير: هو الصوت الخفيض الذي فيه أنين، والشهيق: هو الصوت الرفيع الذي فيه أنين.
وقيل: الشهيق: أول نهيق الحمار، والزفير: هو آخر نهيقه.
وقوله: (وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ) قيل: لا يسمعون الخير، ويسمعون غيره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يسمعون؛ لأنهم يكونون صمًّا بكمًا عميًا، وهو كقوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا).
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ): حرام عليهم أن يرجعوا، ويقال: واجب، وقال: هو حِرْمٌ وحَرَامٌ: واحدٌ، كما يقال: حِل وحلال.
وقال: (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ): ومن كل نشز من الأرض وأكمة (يَنْسِلُونَ) من النسلان، وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الحدب: ما ارتفع من الأرض، الواحد: حدبة (يَنْسِلُونَ) أي: يجيئون.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى).
قال عامة أهل التأويل: إنه لما نزل قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
الأنبياء 21:101
الآية ١٠١ :[ وقوله تعالى ] (١) :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ قال عامة أهل التأويل : إنه لما نزل قوله :﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ [الأنبياء: ٩٨] قالت الكفرة : عن عيسى وعزيرا والملائكة قد عبدوا من دون الله، فهم حصب جهنم، فنزل قوله :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ استثنى من سبق له الحسنى منه، [ وهم عيسى وعزير والملائكة ] (٢) وكذلك في حرف ابن مسعود : إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى على الاستثناء.
عن علي رضي الله عنه [ أنه ] (٣) قال :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ الآية ذلكم عثمان وطلحة والزبير، وأنا من شيعة عثمان وطلحة والزبير. ثم قال :﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ الآية [ الأعراف : ٤٣ والحجر : ٤٧ ].
ولكن قد ذكرنا الوجه فيه. فإن(٤) ثبت أنه نزل بشأن هؤلاء، وإلا فهو لكل من سبق من الله الحسنى.
ثم الحسنى تحتمل الجنة كقوله :﴿فأما من أعطى واتقى﴾ ﴿وصدق بالحسنى﴾ [ الليل : ٥ و٦ ] أي بالجنة فعلى ذلك قوله :﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾ وتحتمل الحسنى السعادة والبشارة بالجنة وثوابها.
وقوله تعالى :﴿أولئك عنها مبعدون﴾ أي لا يعودون إليها أبدا. ليس على بعد المكان كقوله :﴿أولئك في ضلال مبين﴾ [الزمر: ٢٢] أي لا يعودون إلى الهدى أبدا. أو يكون قوله :﴿عنها مبعدون﴾ مكانا.
لكن قد ذكر في آية :﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ ﴿على الأرائك ينظرون﴾ [ المطففين : ٣٤ و٣٥ ] وقال في آية :﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥] ولا نعلم هذا : أنه يجعل في قوى أهل الجنة أنهم متى أرادوا أن ينظروا إلى أولئك، ويروهم، يقدروا على ذلك، أو تقرب النار إليهم، فينظروا إليهم، والله أعلم. والأول أشبه، أنهم لا يعودون إليها أبدا.
١ في الأصل و م: أنين فيه..
٢ في الأصل و م: وهو عيسى والملائكة..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ من م، في الأصل: قال..
الأنبياء 21:102
حَصَبُ جَهَنَّمَ) قالت الكفرة: إن عيسى وعزيرًا والملائكة قد عبدوا من دون اللَّه فهم حصب جهنم، فنزل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) استثنى من سبق له الحسنى منه، وهو عيسى وهَؤُلَاءِ، وكذلك في حرف ابن مسعود: (إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى) على الاستثناء.
عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى...) الآية: ذاك عثمان وطلحة والزبير، وأنا من شيعة عثمان وطلحة والزبير، ثم قال: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ...) الآية.
ولكن قد ذكرنا الوجه فيه، فإن ثبت أنه نزل بشأن هَؤُلَاءِ وإلا فهو لكل من سبق له من اللَّه الحسنى.
ثم (الْحُسْنَى) يحتمل الجنة، كقوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى). أي: بالجنة، فعلى ذلك قوله: (سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى)، ويحتمل (الْحُسْنَى): السعادة والبشارة بالجنة وثوابها.
وقوله: (أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) أي: لا يعودون إليها أبدًا، ليس على بعد المكان كقوله: (أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) أي: لا يعودون إلى الهدى أبدًا.
أو أن يكون قوله: (مُبْعَدُونَ) وعنها مكانًا، لكن قد ذكر في آية: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤). عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ)، وقال في آية: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ)، ولا نعلم هذا أنه يجعل في قوى أهل الجنة أنهم متى ما أرادوا أن ينظروا إلى أُولَئِكَ ويروهم يقدرون على ذلك؛ أو تقرب النّار إليهم فينظرون إليهم، واللَّه أعلم، والأول أشبه أنهم لا يعودون إليها أبدًا.
وقوله: (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا... (١٠٢) أي: صوتها، وهو ما ذكر من الإبعاد، وإذا بعدوا منها لم يسمعوا حسيسها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ) وهو ما قال في آية أخرى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) أي: لا يحزنهم أهوال يوم القيامة وأفزاعها (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) أي: تتلقاهم الملائكة بالبشارة، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا...) الآية.
الأنبياء 21:103
الآية ١٠٣ : وقوله تعالى :﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ أي يحزنهم أهوال يوم القيامة وأفزاعها ﴿وتتلقاهم الملائكة﴾ بالبشارة كقوله :﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ الآية [فصلت: ٣٠] أو﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ أي لا يحزنهم ما يَحُلُّ بالكفرة من الفزع والعذاب، ليس كمن رأى في الدنيا إنسانا في بلاء وشدة، أو يعذب بعذاب، فإنه يحزن /٣٤٤-أ/ ويهتم بما حل به. فأخبر أنهم لا يحزنون بما حل بالكفرة من العذاب والشدائد.
قال أبو عوسجة :﴿حصب جهنم﴾ قال : الحصب [ و الحطب ] (١) واحد. قال : وما أكثر [ الناس ] (٢) من العرب من يتكلم بهذه اللفظة. قال : ولا أعرف : حضب جهنم بالضاد. وقال غيره ما ذكرنا من إلقاء الحطب فيه والتهييج. وقوله :﴿أنتم لها واردون﴾ أي داخلون، وقوله :﴿لهم فيها زفير﴾ الزفير هو شدة النفس في الصدر ؛ يقال : زفر يزفر زفيرا. وقال بعضهم : الزفير هو أنين كل محزون مكروب، وهو قريب مما ذكرنا. وقوله :﴿لا يسمعون حسيسها﴾ أي صوتها، وهو من الحس والصوت.
وقال القتبي :﴿حصب جهنم﴾ ما ألقي فيها. وأصله من الحصباء، وهي الحصا، ويقال : حصبت فلانا أي رميته حصبا بتسكين الصاد، وما رميت به حصب بفتح الصاد، وكما تقول : نفضت الشجرة نفضا، وما وقع نفض، واسم حصا الجمار حصب.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل و م..
الأنبياء 21:104
أو (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ)، أي: لا يحزنهم ما يحل بالكفرة من الفزع والعذاب، كمن رأى في الدنيا إنسانًا في بلاء وشدة، أو يعذب بعذاب، فإنه يحزن ويهتم بما حل به، فأخبر أنهم لا يحزنون بما حل بالكفرة من العذاب والشدائد.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (حَصَبُ جَهَنَّمَ)، قال: الحصب والحطب واحد، قال: وما أكثر من العرب من يتكلم بهذه اللفظة، قال: ولا أعرف (حضب جهنم) بالضاد.
وقال غيره ما ذكرنا من إلقاء الحطب فيه والتهييج.
وقوله: (أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) أي: داخلون.
وقوله: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ) الزفير: هو شدة النفس في الصدر، يقال: زفر يزفر زفيرًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الزفير: هو أنين كل محزون ومكروب، وهو قريب مما ذكرنا.
وقوله: (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا)، أي: صوتها، وهو من الحس: وهو الصوت.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: حصب جهنم: ما ألقي فيها، وأصله: من الحصباء، وهي الحصاة، ويقال: حصبت فلانا - أي: رميته - حصبا بتسكين الصاد، وما رميت به حصب، بفتح الصاد، وكما تقول: نفضت الشجرة نفضا، وما وقع نفض، واسم حصى الجمار: حصب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) كأن هذا خرج على إثر سؤال سألوه على غير ابتداء؛ لأن الابتداء بمثله على غير تقدم أمر لا يحتمل، فكأنه - واللَّه أعلم - لما ذكر أهل النار في قوله: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا...) إلى قوله: (أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) وذكر أهل الجنة ووصفهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى...) إلى آخر ما ذكر من قوله: (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) فكأنهم قالوا: متى يكون ذلك؟ فقال عند ذلك: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) أخبر أن السماء تطوى كما يطوي السجل الكتب.
ثم ذكر في السماء الطي مرة والتبديل في آية بقوله: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ...) الآية، وذكر الانفطار والانشقاق في آية، كقوله: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، ونحوه، كما ذكر في الجبال أحوالا، مرة قال: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)، وقال في آية أخرى: (يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)، وقال في آية أخرى: (هَبَاءً مَنْثُورًا) وقال في آية أخرى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ)، ونحوه، فجائز أن يكون كذلك على اختلاف الأحوال، على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم تتلاشى وتفنى حتى لا يبقى منها شيء، كما ذكر (هَبَاءً مَنْثُورًا)؛ فعلى ذلك السماوات والأرضون يختلف عليها الأحوال على ما ذكر، ثم آخرها التبديل كما ذكر (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)، فيما ذكر في هَؤُلَاءِ الآيات من تغيير الجبال والسماوات والأرضين دليل فناء هذا العالم بجملته وأسره؛ لأن فناء السماوات والأرض والجبال يبعد عن أوهام الخلق، وأمَّا غيرها من الخلائق فإنهم يشاهدون فناءه، فذكر فناء ما يبعد في أوهامهم، ليعلموا أن هذا العالم يفنى بأسره، ويستبدل عالمًا آخر، يحتمل البقاء للجزاء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ).
هذا أيضًا لا يحتمل إلا على تقدم ذكر، فهو محتمل ما ذكرنا مما سبق من ذكر أهل الجنة وأهل النار، فقالوا: كيف يحيون؛ فقال عند ذلك: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) ثم اختلف فيه:
فقَالَ بَعْضُهُمْ: نطفا، ثم علقًا، ثم مضغا، ثم عظامًا، ثم لحمًا، ثم ينفخ فيهم الروح.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) حفاة عراة على ما خلقوا في الابتداء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) يعني: السماوات السبع يطويها الله فيجعلها سماء واحدة كما كانت أولا قبل أن يخلق فيها ست سماوات، والأرضين كذلك.
وجائز أن يكون ذكر هذا إخبارًا أنه قادر على أن يعيدهم كما قدر على ابتداء خلقهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) أي: بعثهم (وَعْدًا عَلَيْنَا) لا يختلف ذلك على ما قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، ثم اختلف في السجل، وفي قراءته:
قَالَ بَعْضُهُمْ: السجل: اسم رجل، وهو كاتب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو اسم الملك الذي يكتب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: السجل: الصحيفة.
الأنبياء 21:105
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: من قرأ (السِّجِلِّ) بالتشديد فهو الصحيفة، ومن قرأ (السِّجْل) بالتخفيف: هو ملك موكل بالصحف، اسمه: السجل، ويقرأ الكتاب.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) قال: يقال: أسجلت وسجلت، أي: كتبت، إسجالا وتسجيلا، وسجلت أيضًا: عملت، وسجل: خلق، يقال منه: سجل يسجل سجلا، والمساجلة: المفاخرة، ويقال: ساجلته: فاخرته، ويقال: أسجلت الكلام فهو مسجل، أي: أطلقته وأرسلته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن كل كتب اللَّه التي أنزلها هي زبور.
(مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أي: الكتاب الذي عند اللَّه وهو اللوح المحفوظ، معناه - والله أعلم - على هذا التأويل: كتبنا في الكتب التي أنزلناها بعد ما كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا...) كذا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كتب اللَّه في الزبور المعروف، وهو زبور داود بعد ما كتب (مِن بَعْدِ الذِّكرِ) أي: التوراة (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا) يعني: الجنة (يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) وكتب ذلك في هذا القرآن فقال: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ)، أي: زبور داود بعد ما كتب في الذي الذي عنده.
وجائز أن يكون قوله: (كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ): في بعض كتاب، أي: في بعض السور: (مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)، أي: من بعد السورة (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا) كذا.
وجائز أيضًا: (كَتَبْنَا) في كتاب (مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)، أي: من بعد ما ذكرهم ووعظهم (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا) كذا.
ثم اختلفوا في قوله: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ):
قال عامة أهل التأويل: هي الجنة؛ أخبر أن الجنة إنما يرثها عبادي الصالحون، وهو ما ذكر في آية أخرى: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
الأنبياء 21:106
فيكون هذا تفسيرًا لذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَنَّ الْأَرْضَ) يعني: أرض بيت المقدس (يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) وهو كذلك كان، لم يزل بها عباد اللَّه الصالحون إلى يوم القيامة.
وجائز أن يكون قوله: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا) [أمَّة محمد]، كقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " زُويت لي الأرضُ فأريتُ مشارقَهَا ومغاربَها وسَيبلُغ ملك أمتي ما زُوي لي منها "، فذلك وراثتها، وهم عباده الصالحون، كقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...) الآية؛ أخبر أنها خير الأمم، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) يحتمل قوله: (فِي هَذَا) أي: فيما ذكر من قوله: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) في ذلك (لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) أي: لقوم همتهم العبادة، أو لقوم مطيعين موحدين.
وجائز أن يكون قوله: (إِنَّ فِي هَذَا) فيما تقدم من الآيات، وهو قوله: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا...)، إلى قوله: (أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)، وما ذكر من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى...) إلى آخر ما ذكر - أن فيما ذكر كله (لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ).
وجائز أن يكون بلاغا للناس جميعًا، كقوله: (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ)، فيكون قوله: (لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) أي: لقوم يلزمهم العبادة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِنَّ فِي هَذَا) أي: في هذا القرآن (لَبَلَاغًا) أبلغهم عن اللَّه (لِقَوْمٍ عَابِدِينَ).
وفي حرف ابن مسعود: (إن في هذا) أي: في هذا (لِقَوْمٍ عَابِدِينَ).
* * *
قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) جائز أن يكون كل رسل الله رحمة من اللَّه للعالمين، وكذلك كل كتب اللَّه رحمة للعالمين على ما ذكر في عيسى: (وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا).
الأنبياء 21:107
الآية ١٠٧ : وقوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ جائز أن يكون كل رسل الله رحمة من الله للعالمين، وكذلك كل كتب الله رحمة للعالمين على ما ذكر في عيسى :﴿ورحمة منا وكان أمرا مقضيا﴾ [مريم: ٢١].
وجائز أن يكون رسول الله ﷺ، خاصة، فيكون في وجهين :
أحدهما :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ :﴿ما أرسلناك﴾ أي(١) جعلناك ﴿إلا رحمة للعالمين﴾.
والثاني(٢) :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ رحمة منا للعالمين. و﴿للعالمين﴾ هم(٣) الجن والإنس لأنه بعث إليهم.
ثم الرحمة فيه تحتمل وجوها :
أحدها : تأخير العذاب عنهم.
والثاني : أنه رحمة حتى إذا اتبعوه تكون به نجاتهم، وبه عزهم في الدنيا والآخرة.
والثالث : شفاعته لأهل الكبائر في الآخرة ونحو ذلك.
١ في الأصل و م: إلا..
٢ في الأصل و م: أو أن يقال..
٣ في الأصل و م: هو..
الأنبياء 21:108
وجائز أن يكون لرسول اللَّه - صلوات اللَّه وسلامه عليه - خاصة؛ فيكون في وجهين: أحدهما: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وما أرسلناك: إلا جعلناك رحمة للعالمين.
أو أن يقال: وما أرسلناك إلا رحمة منا للعالمين، والعالمين: هو الجن والإنس؛ لأنه بعث إليهم، ثم الرحمة فيه يحتمل وجوها:
أحدها: تأخير العذاب عنهم.
والثاني: أنه رحمة، حتى إذا اتبعوه يكون به نجاتهم، وبه عزهم في الدنيا والآخرة.
والثالث: شفاعته لأهل الكبائر في الآخرة، ونحو ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) كأنه على الدعاء خرج الأمر، كأنه قال: أمرني ربي أن أخبركم: أن إلهكم إله واحد؛ فاصرفوا العبادة إليه، ولا تشركوا فيها غيره.
أو أن يقول: أوحى إفي أن أدعوكم إلى إلهكم الذي هو إله واحد، وإلا كان رسول الله يعلم أنه إله واحد، لكنه خرج على الدعاء والإخبار أنه إله واحد.
أو أن يخبرهم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه وآمركم، إنما أدعوكم وآمركم بالوحي بما أوحى إليَّ، لا من تلقاء نفسي: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ)، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ظاهره وإن كان استفهامًا فهو على الأمر والإيجاب كأنه قال: قد أوحى إلى أن إلهكم إله واحد، فأسلموا له وأخلصوا العبادة له، لا تشركوا فيها غيره، والإسلام هو أن يجعل كلية الأشياء والأعمال كلها لله عَزَّ وَجَلَّ، ثم هو يكون على وجهين:
أحدهما: على الاعتقاد أن يعتقد كلية الأشياء لله، لا على تحقيق ذلك الفعل.
والثاني: على تحقيق جعل الأشياء كلها لله اعتقادا وفعلا وقولا، منه يخاف، ومنه يرجو، لا يخاف غيره، ولا يرجو من دونه، فهو حقيقة الإسلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) هذا يدل على أن الأول خرج على الأمر والدعاء، حيث قال: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإجابة إلى ما دعوتهم إليه (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) أي: أعلمتكم على عدل وحق، كقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أي: عدل بيننا وبينكم، فعلى ذلك هذا محتمل أن يكون قوله: (عَلَى سَوَاءٍ) أي: على عدل وحق.
الأنبياء 21:109
الآية ١٠٩ : وقوله تعالى :﴿فإن تولوا﴾ هذا يدل على أن الأول خرج على الأمر والدعاء حين(١) قال :﴿فإن تولوا﴾ عن الإجابة إلى ما تدعونهم(٢) إليه :﴿فقل آذنتكم على سواء﴾ أي أعلمتكم(٣) على عدل وحق كقوله :﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤] أي عدل بيننا وبينكم. فعلى ذلك هذا محتمل : أن يكون قوله :﴿على سواء﴾ أي على عدل وحق.
ويحتمل أيضا :﴿آذنتكم على سواء﴾ أي أعلمتكم حتى صرت أنا وأنتم في العلم على سواء، أي على الاستواء في العداوة والمخالفة، وفي كل أمر على الاستواء. وهو كقوله :﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨] على الاستواء في العداوة، أي انبذ إليهم حتى تكون أنت وهم على الاستواء في العلم بالمنابذة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون﴾ أي ما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون ؟ ثم يحتمل قوله :﴿ما توعدون﴾ الساعة والقيامة التي كانوا يوعدون بها، وهم كانوا يستعجلون بها كقوله :﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها﴾ [الشورى: ١٨] فيقول : ما أدري أقريب ما توعدون أم بعيد ؟
ويحتمل قوله :﴿ما توعدون﴾ من العذاب الذي كان يعد لهم أنه نازل بهم في الدنيا، وهم كانوا يستعجلون به قوله :﴿يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [الملك: ٢٥] فيقول : ما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون من العذاب ؟ والله أعلم.
١ في الأصل و م: حيث..
٢ في الأصل و م: دعوتكم..
٣ من م، في الأصل: أعلمتم..
الأنبياء 21:110
ويحتمل أيضًا: (آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) أي: أعلمتكم، أي: حتى أنا وأنتم في العلم على سواء، أي: على الاستواء في العداوة والمخالفة، وفي كل أمر على الاستواء، وهو كقوله: (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)، على الاستواء في العداوة، أي: انبذ إليهم حتى تكون أنت وهم على الاستواء في العلم بالمنابذة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ) أي: ما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون؟
ثم يحتمل قوله: (مَا تُوعَدُونَ) دُونَ الساعة والقيامة التي كانوا يوعدون بها وهم كانوا يستعجلون بها، كقوله: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا)، فيقول: ما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون؟
ويحتمل قوله: (مَا تُوعَدُونَ) من العذاب الذي كان يعد لهم أنه نازل بهم في الدنيا، وهم كانوا يستعجلون كقوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، فيقول: ما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون من العذاب؟ واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) يخرج ذلك على الوعد والتنبيه والزجر عن المكر برسول اللَّه والقول فيه بما لا يليق به؛ يخبر أنه يعلم ما تظهرون من القول (وَمَا تَكتُمُونَ) أي: ما تسرون من المكر به.
وفيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد، حيث أخبرهم عما أسروا فيما بينهم من المكر به.
وقوله: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) ذكر أنه ما أدري (لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ)، ولم يبين ما الذي يكون فتنة لهم.
لكن بعض أهل التأويل قال: ما أدري ما قلت لكم من العذاب والسّاعة: هل يؤخر عنكم لمدّتكم ومتاع لكم إلى حين فيصير ما قربت لكم من العذاب والساعة فتنة لكم فتقولون: لو كان ما خوفنا به مُحَمَّد حقًّا، لكان نزل بعد؛ فيصير قولي ذلك فتنة لكم؛ هذا محتمل.
ويحتمل وجهًا آخر، وهو: لما قال: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ): أنه كان خوفهم نزول العذاب بهم، ولكن لم يبين لهم الوقت أنه متى ينزل بهم، فيقول: ما أدري لعل تخويفي إياكم العذاب على بيان وقته فتنة لكم؛ لأنه إذا تأخر عنهم العذاب متاعًا لهم يأمنون عنه؛ فيحملهم ذلك على تكذيبه فيما خوفهم من العذاب، ويكون ما يأمنون من العذاب متاعًا لهم؛ لأنه لو كان وقت نزول العذاب مبينًا لكانوا أبدًا على خوف فينقض ذلك الخوف ويمنعهم عن المتاع وإن لم يبين لهم الوقت، فإذا تأخر عنهم يأمنون
الأنبياء 21:111
الآية ١١١ : وقوله تعالى :﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ ذكر : أني(١) ﴿و إن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ ذكر : أنه ما يدري(٢) ﴿لعله فتنة لكم﴾ ولم يبين ما الذي يكون فتنة لهم.
لكن بعض أهل التأويل قال : ما أدري ما قلت لكم من العذاب والساعة لمدكم(٣) ومتاع لكم إلى حين. فيصير ما قربت لكم من العذاب والساعة فتنة لكم، فيقولون : لو كان ما خوفنا به محمد حقا لكان نزل بعد، فيصير قولي ذلك فتنة لكم. هذا محتمل.
ويحتمل وجها آخر، وهو لما قال :﴿إن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون﴾ أنه كان خوفهم نزول العذاب بهم، ولكن لم يبين لهم الوقت أنه متى ينزل بهم ؟ فيقول : ما أدري لعل تخويفي إياكم العذاب على بيان وقته فتنة لكم، لأنه إذا تأخر عنهم العذاب متاعا لهم يأمنون منه، فيحملهم ذلك على تكذيبه في ما خوفهم من العذاب، ويكون يأمنون(٤) من العذاب متاعا لهم، لأنه لو كان وقت العذاب مبينا لهم لكانوا(٥) أبدا على خوف، فينغص ذلك الخوف [ عيشهم ] (٦) ويمنعهم عن المتاع.
وإن لم يبين لهم الوقت، فإذا تأخر عنهم يأمنون، ويتمتعون، فيقول : ما أدري لعل تخويفي إياكم لكم فتنة.
إذن(٧) لا يجب أن يفسر قوله :﴿فتنة لكم﴾ لأن(٨) أي شيء أراد هم قد عرفوا ما أراد به. وليس لنا أن نفسر ذلك أنه أراد كذا إلا ببيان عن رسول الله ﷺ.
١ في الأصل و م: أنه..
٢ في الأصل و م: أدري..
٣ في الأصل و م: لمدتكم..
٤ في الأصل و م: يؤمنون..
٥ في الأصل و م: لكان..
٦ ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: أن..
٨ في الأصل و م: أنه..
الأنبياء 21:112
ويتمتعون، فيقول: ما أدري، لعل تخويفي إياكم لكم فتنة وعندنا: ألا يجب أن يفسر قوله: (فِتْنَةٌ لَكُمْ) أنه أي شيء أراد؟ وهم قد عرفوا أنه ما أراد به؟ وليس لنا أن نفسر ذلك: أنه أراد كذا إلا ببيان عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ (١١٢) تعلق أكثر المعتزلة بظاهر هذه الآية في مسائل لهم؛ يقولون: يجوز أن يدعى بدعوات يعلم الداعي أنه قد أعطى ذلك له، من نحو سؤال المغفرة: ربِّ اغفر لي، وهو مغفور له، ورب أعطني كذا، وهو معطى له، ويقول: رب اغفر لي، وهو يعلم أنه لا يغفر له، ونحو هذا من المسائل لهم، فيحتجون بظاهر قوله: [(قُلْ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)] أمر رسول اللَّه أن يدعو به على علم منه أنه لا يحكم إلا بالحق.
ونحن نقول: إنه لا يجوز أن يدعى بمثل هذا الدعاء على الإطلاق إلا على اعتقاد معنى آخر في ذلك كان اللَّه فعل ذلك؛ فيكون ذلك منه عدلا وحقا، نحو أن يكون قوله: (قُلْ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) أي: بالنصر له، والظفر على أعدائه، وله ألا ينصره، ويكون ذلك عدلا منه وحقا.
أو أن يكون المراد به: (احْكُمْ بِالْحَقِّ) أي: بالعذاب الذي هو حكمك على مكذبي الرسل، فأما أن يعتقد من قوله: (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) ما اعتقد المعتزلة فيحصل الدعاء به:
اللهم لا تَجُز ورب اعدل، ومن عرف ربه هكذا فهو ليس يعرف حقيقته.
وقال أبو عبيدة في قوله: (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)، أي: رب احكم بحكمك وهو الحق، وهو محتمل مستقيم، وقد ذكرنا هذه المسألة وأمثالها فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) أمر رسوله أن يستعين باللَّه - تعالى - على ما يقولون من تكذيبهم إتاه فيما يدعو ويعد.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) أي: أعلمتكم؛ فصرت أنا وأنتم على سواء، وإِنَّمَا يريد؛ بـ (آذَنْتُكُمْ): أخبرتكم وأعلمتكم ذلك؛ فاستوينا في العلم، وهو ما ذكرنا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ)، أي: كلكم. واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وعليه التكلان.
* * *