تأويلات أهل السنة — الحج 22:1 – المؤمنون 23:118
المحتويات
- الحج 22:1
- الحج 22:2
- الحج 22:3
- الحج 22:4
- الحج 22:5
- الحج 22:6
- الحج 22:7
- الحج 22:8
- الحج 22:9
- الحج 22:10
- الحج 22:11
- الحج 22:12
- الحج 22:13
- الحج 22:14
- الحج 22:15
- الحج 22:16
- الحج 22:17
- الحج 22:18
- الحج 22:19
- الحج 22:20
- الحج 22:21
- الحج 22:22
- الحج 22:23
- الحج 22:24
- الحج 22:25
- الحج 22:26
- الحج 22:27
- الحج 22:28
- الحج 22:29
- الحج 22:30
- الحج 22:31
- الحج 22:32
- الحج 22:33
- الحج 22:34
- الحج 22:35
- الحج 22:36
- الحج 22:37
- الحج 22:38
- الحج 22:39
- الحج 22:40
- الحج 22:41
- الحج 22:42
- الحج 22:43
- الحج 22:44
- الحج 22:45
- الحج 22:46
- الحج 22:47
- الحج 22:48
- الحج 22:49
- الحج 22:50
- الحج 22:51
- الحج 22:52
- الحج 22:53
- الحج 22:54
- الحج 22:55
- الحج 22:56
- الحج 22:57
- الحج 22:58
- الحج 22:59
- الحج 22:60
- الحج 22:61
- الحج 22:62
- الحج 22:63
- الحج 22:64
- الحج 22:65
- الحج 22:66
- الحج 22:67
- الحج 22:68
- الحج 22:69
- الحج 22:70
- الحج 22:71
- الحج 22:72
- الحج 22:73
- الحج 22:74
- الحج 22:75
- الحج 22:76
- الحج 22:77
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:7
- المؤمنون 23:8
- المؤمنون 23:9
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:11
- المؤمنون 23:12
- المؤمنون 23:13
- المؤمنون 23:14
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:16
- المؤمنون 23:17
- المؤمنون 23:18
- المؤمنون 23:19
- المؤمنون 23:20
- المؤمنون 23:21
- المؤمنون 23:22
- المؤمنون 23:23
- المؤمنون 23:24
- المؤمنون 23:25
- المؤمنون 23:26
- المؤمنون 23:27
- المؤمنون 23:28
- المؤمنون 23:29
- المؤمنون 23:30
- المؤمنون 23:31
- المؤمنون 23:32
- المؤمنون 23:33
- المؤمنون 23:34
- المؤمنون 23:35
- المؤمنون 23:36
- المؤمنون 23:37
- المؤمنون 23:38
- المؤمنون 23:39
- المؤمنون 23:40
- المؤمنون 23:41
- المؤمنون 23:42
- المؤمنون 23:43
- المؤمنون 23:44
- المؤمنون 23:45
- المؤمنون 23:46
- المؤمنون 23:47
- المؤمنون 23:48
- المؤمنون 23:49
- المؤمنون 23:50
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:52
- المؤمنون 23:53
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:56
- المؤمنون 23:57
- المؤمنون 23:58
- المؤمنون 23:59
- المؤمنون 23:60
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:63
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:65
- المؤمنون 23:66
- المؤمنون 23:67
- المؤمنون 23:68
- المؤمنون 23:69
- المؤمنون 23:70
- المؤمنون 23:71
- المؤمنون 23:72
- المؤمنون 23:73
- المؤمنون 23:74
- المؤمنون 23:75
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:77
- المؤمنون 23:78
- المؤمنون 23:79
- المؤمنون 23:80
- المؤمنون 23:81
- المؤمنون 23:82
- المؤمنون 23:83
- المؤمنون 23:84
- المؤمنون 23:85
- المؤمنون 23:86
- المؤمنون 23:87
- المؤمنون 23:88
- المؤمنون 23:89
- المؤمنون 23:90
- المؤمنون 23:91
- المؤمنون 23:92
- المؤمنون 23:93
- المؤمنون 23:94
- المؤمنون 23:95
- المؤمنون 23:96
- المؤمنون 23:97
- المؤمنون 23:98
- المؤمنون 23:99
- المؤمنون 23:100
- المؤمنون 23:101
- المؤمنون 23:102
- المؤمنون 23:103
- المؤمنون 23:104
- المؤمنون 23:105
- المؤمنون 23:106
- المؤمنون 23:107
- المؤمنون 23:108
- المؤمنون 23:109
- المؤمنون 23:110
- المؤمنون 23:111
- المؤمنون 23:112
- المؤمنون 23:113
- المؤمنون 23:114
- المؤمنون 23:115
- المؤمنون 23:116
- المؤمنون 23:117
- المؤمنون 23:118
الحج 22:1
سُورَةُ الْحَجِّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ) فد ذكرنا تأويله في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) قال الحسن: إن بين يدي الساعة آيات تحجبن التوبة وقبول الإيمان، منها: الزلزلة التي ذكر، ومنها طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وأمثاله، وهو كقوله: (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا).
وجائز - عندنا - أن تكون هذه الآيات غاية لقبول التوبة والإيمان، يقبل إلى ذلك الوقت، ولا يقبل بعد ذلك وإن تابوا وآمنوا.
أو أن يكون قوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)؛ لأنهم لا يؤمنون لما تشغلهم تلك الآيات عن ذلك فلا يؤمنون؛ لأن تلك الآيات تعم الخلائق كلهم: المؤمن والكافر جميعًا؛ فلا يعرف المبطل والضال أنه على الضلال والباطل، فيرجع إلى الهدى، والحق، ليس كعذاب ينزل على قوم خاصة؛ لأن ذلك يعرف أُولَئِكَ أنه إنما ينزل بهم خاصة؛ لما فيهم من التكذيب والعناد، وإذا كانت الآيات عامة، لم يعرف أهل الضلال أنهم على باطل، وأنه إنما ينزل بسببهم؛ لما يرونه أنه قد تعم الخلائق كلها، فقوله: (لَا يَنفَعُ) لأنهم لا يؤمنون، كقوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)، أي: لا يكون لهم من يشفع، ليس أن يكون لهم شفعاء فيشفعون فلا تقبل شفاعتهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (لَا يَنفَعُ) لأنهم يشغلون عن الإيمان فلا يؤمنون، فلا ينفع لهم، على ما ذكرنا.
ثم اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ): قبل الساعة، وقيل: القيامة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ) هي الساعة، وصفها بالشدة والفزع فقال: (يَوْمَ
الحج 22:2
تَرونَهَا تَذْهَلُ (٢) أي: تشغل كل مرضعة؛ لشدة أهوالها وأفزاعها (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا) هذا على قول من يقول: إن زلزلة الساعة قبل الساعة يكون على التحقيق، أي: تذهل عما أرضعت، وتضع حملها؛ لأنها تكون في ذلك الوقت مرضعًا وحاملا؛ فتذهل - لأهوال ذلك وأفزاعه - عن ولدها، وتضع ما في بطنها، كقوله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...) الآية، فذكر هَؤُلَاءِ؛ لأن من أصاب شيئًا من البلاء في هذه الدنيا يفزع إلى هَؤُلَاءِ، فيخبر أن في ذلك اليوم يفر بعض من بعض لشدة ذلك اليوم وهوله؛ لشغله بنفسه.
وعلى قول من يقول: إن زلزلة الساعة هي الساعة؛ فيخرج قوله: (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ...) الآية على التمثيل، أي: تذهل عما أرضعت أن لو كانت مرضعة، وتضع حملها أن لو كانت حاملا؛ لشدته وهوله. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى) أي: من مكن له وقوي يرى الناس كأنهم سكارى وما هم بسكارى، وإلا لم يجز أن يراهم سكارى وليسوا هم بسكارى في الحقيقة.
وإنما قلنا: إنه يرى من مكن له وقوي، وإلا لو كانوا كلهم سكارى، لكان لا يراهم سكارى؛ لأن السكران لا يرى من كان في مثل حاله سكران.
أو أن يكون خاطب به رسوله، ولا يكون فيه ذلك الهول الذي يكون في غيره.
أو أن يكون ذلك على التمثيل، ليس على التحقيق.
وقول أهل التأويل: يقول لآدم في ذلك: " قم فابعث بعث النار "، فيقول: يا رب كم؟ فيقول: " من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين في النار، وواحد في الجنة "، ويروون الأخبار في ذلك عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فإنْ ثبت ما روي عنه في ذلك وإلا الكف عن مثله أولى؛ لأنه يحزن حيث يؤمر أن يتولى بعث ولده إلى النار من غير أن كان ما يستوجب هذه العقوبة.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (تَذْهَلُ): أي تسلو عن ولدها وتتركه.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (تَذْهَلُ): أي: تنسى، يقال: ذهل يذهل ذهولا، وأذهلته؛ أي: أنسيته.
وقال غيره: أي: تشغل، والحمل بالنصب: ما في البطن، والحمل بالخفض: ما على
الحج 22:3
الظهر، والزلزلة: الرجفة، يقال: زلزلت، أي: حركت، وتزلزلت، أي: تحركت.
* * *
قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) ذكر المجادلة في اللَّه، ولم يبين فيم جادلوا؟ وقد كانت مجادلتهم من وجوه:
منهم من جادل في مشيثة اللَّه تبارك وتعالى.
ومنهم من جادل: أن هذا العالم منشأ أم لا؟
ومنهم من جادل في وحدانية اللَّه تعالى: واحد أو عدد؟
ومنهم من جادل في بعث الأنبياء وإرسال الرسل.
ومنهم من جادل في إنزال الكتب.
ومنهم من جادل في دين اللَّه - تعالى - المدعو إليه.
وبمثل هذا قد كثرت مجادلاتهم فيما ذكرنا، وكل ذلك كان مجادلة بغير علم؛ لأنهم لو تفكروا في هذا العالم، ونظروا فيه حق النظر لعرفوا أن لهذا العالم منشئا، وأنه واحد لا عدد، وأنه عالم قادر بذاته، وأنه بعث الرسل والكتب، وعرفوا أيضًا أنه يبعث هذا العالم ويحييهم، وأنه قادر على ذلك، لكنهم لم يتفكروا فيه، ولم ينظروا حق النظر، فجادلوا فيه بغير علم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) يحتمل أن يكون قوله: (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ): الشيطان المعروف نفسه، يتابعه في كل ما يدعوه.
وجائز أن يكون أراد أنه يتبع كل من يعمل عمل الشيطان، وهم القادة الذين كانوا يدعون إلى اتباع ما يدعو الشيطان ويوحي إليهم (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)، أخبر أن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم من الإنس ليجادلوكم، فذلك معنى قوله: (وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ) قيل: فعيل بمعنى فاعل،
الحج 22:4
على ما ذكر في آية أخرى: (مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: كل متمرد في العناد والمكابرة، فهو مارد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المارد: هو المجاوز عن جنسه في عتوه وتمرده؛ ولذلك سمي الذي لا لحية له: أمرد؛ لخروجه ومجاوزة أجناسه ورجاله، والمارد بالفارسية: ستنبه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) قَالَ بَعْضُهُمْ: كتب على الشيطان أن من تولاه واتبعه أن يضله (وَيَهْدِيهِ) أي: يدعوه (إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ)، وهو ما قال في آية أخرى: (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كتب على من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، أي: يدعوه إلى ما به ضلاله وهلاكه.
وقوله: قيل: حكم.
وقيل: قضى.
و (كُتِبَ) يحتمل الإثبات، أي: أثبت في أم الكتاب: أن من تولى الشيطان واتبعه أنه يضله، وقد ذكر إضلال الشيطان في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ (٥) أي: خلقنا أصلكم من تراب، وخلقنا أولاده من نطفة (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...) الآية.
تأويله - واللَّه أعلم -: أن كيف تشكون في البعث وتنكرونه وليس سبب إنكاركم البعث إلا أن تصيروا ترابًا أو ماء في العاقبة، وقد كنتم في مبادئ أحوالكم ترابًا وماء، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم ترابًا؟
أو أن يكون معناه: أن كيف أنكرتم البعث وقد رأيتم أنه يقلبكم من حال النطفة إلى حال العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ولا يقلب من حال إلى حال بلا عاقبة تقصد، فلو لم يكن بعث - كما تزعمون - لكان خلقكم وتقليبكم من حال إلى حال عبثًا؛ على ما أخبر: أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث، كقوله؛ (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، صيّر خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثًا، فعلى ذلك الأوّل.
أو أن يكون تأويله - واللَّه أعلم -: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ...) إلى آخر الآية، ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق البشر من ذلك التراب أو من النطفة - ما قدروا عليه، وما وجدوا للبشر فيه أثرا، ولا معنى البشرية فيه، فمن قدر على ابتداء إنشاء هذا العالم من التراب أو من النطفة من غير سبب يوجد فيه، ولا وأثر - لقادر على إعادتهم، وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.
وقوله: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ).
قال: (مُخَلَّقَةٍ): أي مخلوقة خلقا، (وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ): أي غير مخلوقة خلقا، نطفة على حالها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مُخَلَّقَةٍ) أي: تامة، (وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي: غير تامة خلقًا، وهو والأشبه؛ لأن التشديد إنما يذكر لتكثير الفعل، والتخفيف لتقليله، فكأنه قال: (مُخَلَّقَةٍ)، أي: قد أتم خلقها من الجوارح والأعضاء، (وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)، أي: غير تامة خلقا. بل ناقصة.
وقوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى...) كأن قوله: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) موصولا بقوله: (مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى): من سثة أشهر إلى سنتين، أو ما شاء اللَّه (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ) من الأرحام بعد الإقرار فيها (طِفْلًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: ثم نخرج
كلًّا منكم طفلا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: واسم الطفل يجمع ويفرد.
(ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الأشد هو ثلاث وثلاثون سنة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من ثماني عثرة سنة إلى ثلاثين سنة، وأصل الأشد: هو من اشتداد كل شيء، وتقوي كل شيء فيه من الجوارح والأعضاء، وكل ما ركب فيه من العقل وغيره، ثم عند ذلك يبين لهم، ويكون قوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) بعد هذا كله إذا بلغوا المبلغ الذي يعرفون تقليبه إياهم من حال إلى حال، على ما ذكر، ثم يحتمل قوله: (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) وجوهًا:
أحدها: يبين قدرته وسلطانه: أن من قدر على تحويلهم من حال التراب إلى حال الإنسانية والبشرية، ومن حال النطفة إلى حال العلقة... ثم إلى آخر ما ذكر لقادر على البعث والإحياء بعد ما صاروا ترابًا.
أو يبين علمه في الظلمات الثلاث التي كان الولد فيها أن كيف قلبه من حال إلى حال في تلك الظلمات؛ ليعلموا أنه لا يخفى عليه شيء.
أو يبين حكمته وتدبيره في خلق الإنسان من التراب ومن النطفة ما لو اجتمع جميع الحكماء من البشر والعلماء؛ ليعرفوا المعنى الذي به خلق الإنسان منه وصار به بشرًا ما قدروا عليه، ولا عرفوا السبب الذي به صار كذلك؛ ليعلموا أنه حكيم بذاته وعالم قادر بذاته، لا بتعليم غيره، ولا بإقدار غيره، فمن كان هذا سبيله لا يعجزه شيء؛ ينشئ الأشياء من الأشياء ولا من الأشياء على ما شاء وكيف شاء.
وقوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) أي: من يتوفى قبل أن يبلغ أشده، دليله قوله: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) أي: من قبل أن يبلغ ذلك المبلغ وهو الأشد، (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أي: إلى وقت ما يستقذر ويستخبث، ليس كالصغير؛ لأن الصغير والطفل مِمَّا يؤمل منه في العاقبة المنافع والزيادات، وهذا لا يرجى منه ولا يؤمل منه العاقبة، كلما مر عليه وقت كان أضعف في عقله ونفسه، ولا كذلك الصغير، وهو كما قال: (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً).
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (أَرْذَلِ الْعُمُرِ): أي: الخرف والهرم.
وقوله: (لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) أي: لكيلا يعلم من بعد ما كان يعلمه شيئًا.
ثم ذكر قدرته وسلطانه فقال: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً) قَالَ بَعْضُهُمْ: ميتة، وقيل: مشققة، وقيل: يابسة، وقيل: بالية.
وقوله: (فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) قال الزجاج: (وَرَبَتْ): من الزيادة والنماء، وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ: يقال: ربا يربو، أي: زاد، وهو من الربا، وربا من الارتفاع، ربا يربو ربوة، كقوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ).
ثم أضاف الاهتزاز والزيادة إلى الأرض، وهي لا تهتز ولا تربو، إنما يربو ويهتز ما يخرج منها من النبات، لكن أضاف ذلك إليها لما بها كان اهتزاز ذلك النبات، وبها كان النماء؛ فاضيف إليها.
ْأو إن كان من الارتفاع والربوة، فهي ترتفع وتنتفخ وتهتز بالمطر.
وقوله: (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) قيل: البهيج: الحسن؛ يخبر في كل هذا قدرته وسلطانه: أن من قدر على إحياء الأرض بعد ما كانت يابسة ميتة، لقادر على إحياء
الحج 22:5
الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة﴾ أي خلقنا أصلكم من تراب، وخلقنا أولاده من نطفة ﴿ثم من علقة﴾ الآية.
تأويله، والله أعلم، أن كيف تشكون في البعث، وتنكرونه، وليس سبب إنكاركم البعث إلا أن تصيروا تراباً أو ماءً في العاقبة وقد كنتم في مبادئ أحوالكم ترابا وماء، فكيف أنكرتم بعثكم إذا صرتم ترابا ؟ أو أن يكون معناه : أن كيف أنكرتم البعث، وقد رأيتم /٣٤٥-ب/ أنه يقلبكم من حال النطفة إلى حال العلقة ومن العلقة إلى المضغة، ولا يقلب من حال إلى حال بلا عاقبة تقصد.
فلو لم يكن بعث كما تزعمون لكان خلقكم وتقليبكم من حال إلى حال عبثا على ما أخبر أن خلق الخلق لا للرجوع إليه عبث قوله :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ [المؤمنون: ١١٥] صير خلق الخلق لا للرجوع إليه عبثا. فعلى ذلك الأول.
أو يكون تأويله، والله أعلم ﴿فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة﴾ إلى آخر الآية. ولو اجتمع حكماء البشر وعلماؤهم ليعرفوا السبب الذي خلق البشر من ذلك التراب أو من النطفة ما قدروا عليه، وما وجدوا للبشر فيه أثرا ولا معنى للبشرية فيه. فمن قدر على ابتداء إنشاء هذا العالم من التراب أو من النطفة من غير سبب، يوجد فيه، ولا أثر [ فهو قادر ](١) على إعادتهم. وإعادة الشيء في عقولكم أهون وأيسر من الابتداء. فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.
وقوله تعالى :﴿ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة﴾ قال بعضهم :﴿مخلقة﴾ أي تامة ﴿وغير مخلقة﴾ أي غير تامة خلقا، وهو الأشبه لأن التشديد إنما يذكر لتكثير خلق(٢) الفعل، والتخفيف لتقليله. فكأنه قال :﴿مخلقة﴾ أي قد أتم خلقها من الجوارح والأعضاء ﴿وغير مخلقة﴾ أي غير تامة خلقا بل ناقصة.
وقوله تعالى :﴿لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى﴾ كأن قوله :﴿ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ موصول(٣) بقوله :﴿ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة﴾ ﴿ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى﴾ من ستة أشهر إلى سنتين أو ما شاء الله.
[ وقوله تعالى ] (٤) :﴿ثم نخرجكم﴾ من الأرحام بعد الإقرار فيها ﴿طفلا﴾ قال بعضهم : ثم نخرج كلا منكم طفلا. وقال بعضهم : واسم الطفل يجمع، ويفرد.
[ وقوله تعالى ] (٥) :﴿ثم لتبلغوا أشدكم﴾ قال بعضهم : الأشد هو ثلاث وثلاثون سنة. وقال بعضهم : هو من ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة.
وأصل الأشد هو اشتداد كل شيء، وتقوي كل شيء عنه من الجوارح والأعضاء، وكل ما ركب فيه من العقل وغيره. ثم عند ذلك يبين لهم. ويكون قوله :﴿لنبين لكم﴾ بعد هذا كله إذا بلغوا المبلغ الذي تعرفون تقليبه إياكم(٦) من حال إلى حال على ما ذكر.
ثم يحتمل قوله :﴿لنبين لكم﴾وجوها :
أحدها : يبين قدرته وسلطانه أن من قدر على تحويلهم من حال التراب إلى حال الإنسانية والبشرية ومن حال النطفة إلى حال العلقة ثم إلى آخر ما ذكر يقدر(٧) على البعث والإحياء بعدما صاروا ترابا.
والثاني(٨) : يبين علمه في الظلمات الثلاث التي(٩) كان الولد فيها : أن كيف قَلَّبَهُ من حال إلى حال في تلك الظلمات ليعلموا أنه لا يخفى عليه شيء.
والثالث(١٠) : يبين حكمته وتدبيره في خلق الإنسان من التراب ومن النطفة ما لو اجتمع جميع الحكماء من البشر والعلماء ليعرفوا المعنى الذي به خلق الإنسان منه، وصار به بشرا، ما قدروا عليه، ولا عرفوا السبب الذي به صار كذلك ليعلموا أنه حكيم بذاته وعالم قادر بذاته لا بتعليم غيره ولا بأقدار غيره.
فمن كان هذا سبيله لا يعجزه شيء، ينشئ الأشياء من الأشياء ولا من الأشياء على ما شاء وكيف شاء.
وقوله تعالى :﴿ومنكم من يتوفى﴾ أي يتوفى قبل أن يبلغ أشده. دليله : قوله :﴿ومنكم من يتوفى﴾ أي من قبل أن يبلغ ذلك المبلغ، وهو الأشد ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ أي إلى وقت يستقذر منه، ويستخبث.
ليس كالصغير، لأن الصغير والطفل مما يؤمل منه في العاقبة المنافع والزيادات، وهذا(١١) لا يرجى منه، ولا يؤمل منه العاقبة. كلما مر عليه وقت كان أضعف في عقله ونفسه. ولا كذلك الصغير، وهو ما قال :﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعف وشيبة﴾ [الروم: ٥٤].
قال القتبي :﴿أرذل العمر﴾ أي الخرف والهرم.
وقوله تعالى :﴿لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾ أي لكيلا يعلم من بعدما كان يعلمه شيئا.
ثم ذكر قدرته وسلطانه، فقال :﴿وترى الأرض هامدة﴾ قال بعضهم : ميتة. وقيل : خاشعة، وقيل : يابسة. وقيل : بالية.
وقوله تعالى :﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ قال الزجاج :﴿وربت﴾ من الزيادة والنماء. وكذلك قال أبو عوسجة : يقال : ربا يربو، أي زاد، وهو الربا، وربوات من الارتفاع، ربا يربو ربوة كقوله :﴿وآويناهما إلى ربوة ذات قرارا ومعين﴾ [المؤمنون: ٥٠].
ثم أضاف الاهتزاز والزيادة إلى الأرض، وهي لا تهتز، ولا تربو. وإنما يربو، ويهتز ما يخرج منها من النبات. لكن أضاف ذلك إليها لما بها كان اهتزاز ذلك النبات، وبها كان النماء، فأضيف إليها، أو إن كان من الارتفاع والربوة فهي ترتفع، وتنتفخ، وتهتز بالمطر.
وقوله تعالى :﴿وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ قيل : البهيج : الحسن. يخبر في هذا [ عن ] (١٢) كل قدرته وسلطانه أن من قدر على إحياء الأرض بعدما كانت يابسة ميتة [ هو قادر ] (١٣) على إحياء الموتى بعد الموت وبعدما صاروا ترابا.
وقوله تعالى :﴿من كل زوج بهيج﴾ أي من كل جنس حسن بهيج، أي يسر، وهو فعيل بمعنى فاعل. يقال : امرأة ذات خلق باهج.
قال أبو عوسجة : الهَامِدُ البالي، يقال : همد(١٤) الثوب إذا بلي، والهامد أيضا الخامد، خمدت النار تخمد خمودا.
وقال بعضهم : قوله :﴿وربت﴾ أي ضاعفت(١٥) النبات.
١ في الأصل و م: لقادر..
٢ في الأصل و م: خلقها..
٣ في الأصل و م: موصولا..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ ساقطة من الأصل و م..
٦ في الأصل و م: وإياهم..
٧ في الأصل و م: قدر..
٨ في الأصل و م: و..
٩ في الأصل و م: الذي..
١٠ في الأصل و م: أو..
١١ الواو ساقطة من الأصل و م..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ في الأصل وم: لقادر..
١٤ من م، في الأصل: همدت..
١٥ في الأصل وم: أضعفت..
الحج 22:6
الموتى بعد الموت، وبعد ما صاروا ترابًا،
وقوله: (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي: من كل جنس حسن (بَهِيجٍ) أي: يسر، وهو وفعيل بمعنى فاعل، يقال: امرأة ذات خلق باهج.
ومال أَبُو عَوْسَجَةَ: الهامد: البالي، يقال: همد الثوب: إذا بلي، والهامد أيضًا: الخامد، خمدت النار تخمد خمودًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَرَبَتْ) أي: أضعفت النبات.
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) أي: ذلك الذي تقدم ذكره من الساعة وزلزالها وأهوالها وما ذكر من خلق الإنسان وتقليبه من حال إلى حال، وما ذكر من البعث والإحياء، وإحياء الأرض بعد ما كانت هامدة - هو الحق.
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أي: كائن لا محالة؛ ألا ترى أنه قال: (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) هذا كله يدل أن قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) في تحقيق البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه قادر بذاته، عالم بذاته.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذَلِكَ) يقول: هذا الذي فعل وظهر من صنعه يدل على أن الله هو الحق وغيره من الآلهة التي يعبدونها باطل، وأنه يحيي الموتى في الآخرة، لا الآلهة التي يعبدونها، (وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: قدير، على ما يشاء، وهو ما أخبرنا.
وقال الحسن: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى سمي به؛ لأنه يحكم بالحق.
* * *
قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)
وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) يحتمل قوله: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) حسي (وَلَا هُدًى) أي: لا بيان دليلي من جهة العقل (وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) أي: ولا وحي ينير ما يجال فيه ويخاصم.
ويحتمل أن يكون قوله: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي: بغير إذعان ممن عنده العلم (وَلَا هُدًى) لا استسلام لمن عنده الدليل، ولا خضوع لمن عنده كتاب منير.
الحج 22:7
الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ ؟ هذا كله يدل أن قوله :﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾ في تحقيق البعث والإحياء بعد الموت وأنه لا يعجزه شيء وأنه قادر بذاته عالم.
وقال بعضهم : ذلك يقول : هذا الذي فعل، وظهر، من صنعه يدل على أن الله ﴿هو الحق﴾ وغيره من الآلهة التي يعبدونها باطل ﴿وأنه يحيي الموتى﴾ في الآخرة لا الآلهة التي يعبدونها ﴿وأنه على كل شيء قدير﴾ على ما يشاء. وهو ما أخبرنا.
وقال الحسن :﴿الحق﴾ هو اسم من أسماء الله الحسنى، سمي به لأنه يحكم بالحق.
الحج 22:8
الآية ٨ : وقوله تعالى :﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم﴾ [ يحتمل أن يكون قوله :﴿بغير علم﴾ حسي ﴿ولا هدى﴾ أي لا بيان دليلي من جهة الفعل ﴿ولا كتاب منير﴾ أي ولا وحي منير ما يجادل فيه، ويخاصم. ويحتمل أن يكون قوله :﴿بغير علم﴾ ](١) أي بغير إذعان ممن عنده العلم ﴿ولا هدى﴾ ولا استسلام لمن عنده الدليل ولا خضوع لمن عنده كتاب منير.
١ من م، ساقطة من الأصل..
الحج 22:9
وقوله: (ثَانِيَ عِطْفِهِ... (٩)
قَالَ بَعْضُهُمْ: لاوي عنقه إلى معصية اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ناظر في عطفه، أي: في جانبه، ومثل هذا.
لكن حقيقته تخرج على وجهين:
أحدهما: على التمثيل والكناية عن إعراضه عن دين اللَّه الحق والصدود عنه، كقوله: (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)، وقوله: (انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)، ونحوه، كله على التمثيل والكناية عن الإعراض عن الحق والصدود، لا على حقيقة الانقلاب على الأعقاب؛ فعلى ذلك جائز قوله: (ثَانِيَ عِطْفِهِ) يخرج على التمثيل والكناية عن الإعراض عن الحق.
وجائز أن يكون على حقيقة عطف العنق والميل عنهم تكبرًا وتجبرًا منه عليهم.
ثئم بين أنه لِمَ يفعل؟ فقال: (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
ثم أخبر ما له في الدنيا بصنعه؟ فقال: (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الخزي: هو العذاب الذي يفضحه، وأصل الخزي: الهوان والذل، وهم لما أعرضوا عن عبادة اللَّه ودينه بلوا بعبادة الأصنام واتباع الشيطان، فذلك الخزي لهم في الدنيا.
ثم أخبر ما له في الآخرة من الجزاء؟ فقال: (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) وعامة أهل التأويل يصرفون الآية إلى واحد منهم وهو النضر بن الحارث، ويقولون: (لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ)؛ لأنه أسر يوم بدر، فضرب عنقه، وقتل صبرا، فذلك الخزي له.
والحسن يقول: هذا الخزي لجميع الكفرة؛ لأنه لم يزل هذا صنيعهم منذ كانوا، فلهم الخزي في الدنيا: الخسف والحصب، على ما كان في الأمم الخالية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ... (١٠) ليس على تحقيق تقديم الأيدي، ولكن على التمثيل؛ لما بالأيدي يقدم، فذكر اليد لذلك على ما ذكرنا من انقلاب الأعقاب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)؛ لأنه لا يأخذ أحدًا بغير ذنب ولا يأخذه بذنب غيره.
الحج 22:10
الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ ليس على تحقيق تقديم الأيدي، ولكن على التمثيل لما بالأيدي يقدم، فذكر اليد لذلك من انقلاب الأعقاب.
وقوله تعالى :﴿وان الله ليس بظلام للعبيد﴾ لأنه لا يأخذ أحدا بغير ذنب، ولا يأخذه(١) بذنب غيره.
١ من م، في الأصل: يأخذ..
الحج 22:11
قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) اختلف في قوله: (عَلَى حَرْفٍ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: (يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ)، أي: على شك يمتحن ربه؛ على أنه إن أعطاه طمعَه وأملَه في هذه الدنيا حقق له الألوهية والعبادة، وإن لم يجد طمعه وأمله لا يحقق له ذلك، ويقول: ليس هو بإله؛ إذ لو كان إلهًا لأعطاه ما يطلب منه على هذا الشك، يعبد بالامتحان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَلَى حَرْفٍ) أي: على شرط، أي: يعبده على شرط الإعطاء؛ يقول إن أعطاني أَملي عبدته، وإن لم يعطني ذلك لم أعبده؛ تكون عبادته على هذا الشرط.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) أي: على حال واحدة، وعلى جهة واحدة، ليس يعبده على حالين كالمؤمن يعبده في حالين جميعًا: حالة الظاهر، وحالة الباطن، وحالة الضراء والسراء، وحالة السعة والشدة على ما تعَبَّدَه اللَّه، كقوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، ونحوه، عبده المؤمن على الحالين جميعًا على ما تعبده اللَّه، والمنافق إنما يعبده على حالة السعة والخصب؛ لأنه ليس يعرف ربه حق المعرفة، فإنما يعبد السعة والرخاء، وأمَّا المؤمن فإذا عرف ربه عبده في الأحوال كلها لما عرف نفسه عبدًا لسيده، ولم ير للعبد سعة ترك العبادة لمولاه في كل حال، ورأى للمعبود حق استعباده واستخدامه في كل حال: في حال الضيق وحال السعة.
أو أن يكون رأى ما يصيبه من الشدائد والبلايا بتقصير كان منه وتفريط؛ فعبده في الأحوال كلها.
أو لما رأى وعرف أن نعم ربه عليه كثيرة، ورأى شكر تلك النعم عليه لازمًا؛ فعبده في الأحوال كلها؛ شكرًا لتلك النعم، وأمَّا أُولَئِكَ لم يروا لله على أنفسهم نعمًا فإنما عبدوه على الجهة التي ذكرنا، كانوا فرقا من الكفرة:
منهم من يعبد اللَّه في حال الشدة والضيق ولا يعبده في حال السعة والرخاء، كقوله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا)، ونحوه.
الحج 22:12
ومنهم من كان يعبده في حال السعة والرخاء، وهو ما ذكرنا من أمر المنافق.
وأمَّا المؤمن فهو يعبده في الأحوال كلها لما رآه معبودًا حقيقة، على ما ذكرنا.
وقوله: (وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ): قد ذكرنا أن الفتنة هي المحنة التي فيها بلاء وشدة.
وقوله: (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو على التمثيل؛ على ما ذكرنا في قوله: (نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ)، وقوله: (انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: على تحقيق انقلاب وجهه؛ لأنه كان عبادته ظاهرة، لم يكن يعبده في الباطن في حال السعة، فلما أصابته الشدة ترك عبادته ظاهرًا على ما كان باطنه، فهو انقلاب وجهه، واللَّه أعلم.
وقوله: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ): أما خسران الدنيا؛ لأنه فات عنه ما كان يأمله بزوالها، وخسران الآخرة ظاهر: العذاب والشدائد.
وجائز أن يكون خسران الدنيا هو خضوعه لمن لا يضر ولا ينفع للعبادة للأصنام (ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)؛ لأنه خسر في الدارين جميعًا أمله وطمعه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)
قيل: إن الآية في المنافقين، وهم كانوا لا يعبدون على حرف ليست بعبادة اللَّه، إنما هي عبادة للشيطان، فأخبر أنه يعبد ما لا يضره إن ترك العبادة له، ولا ينفعه إن عبده؛ يدل على ذلك: قوله: (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ)؛ لأنه عبد من لا يضره إن لم يعبده، ولا ينفعه إن عبده، فذلك هو الضلال البعيد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)
قَالَ بَعْضُهُمْ: تأويله: يدعو من ضرره أقرب من نفعه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ)، هذا إن عبده، ضرّه عبادته إتاه في الآخرة والأولى؛ حيث قال: (مَا لَا يَضُرُّهُ) إن ترك عبادته في الدنيا (وَمَا لَا يَنْفَعُهُ) إن عبده، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى) أي: الولي، وهو الشيطان (وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) يعني: الصاحب، كقوله: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، أي: صاحبوهن بالمعروف.
الحج 22:13
الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿يدعو لمن ضره أقرب من نفعه﴾ قال بعضهم : تأويله(١) : يدعو من ضره(٢) أقرب من نفعه. وقال بعضهم : قوله :﴿يدعو لمن ضره أقرب من نفعه﴾ هذا إن عبده ضرته عبادته إياه في الآخرة.
[ وذكر في الآية ] (٣) الأولى حين(٤) قال :﴿يدعوا من دون الله ما لا يضره﴾ إن ترك عبادته في الدنيا ﴿وما لا ينفعه﴾ إن عبده، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لبئس المولى ولبئس العشير﴾ [ قال بعضهم :﴿لبئس المولى﴾ أي الولي ﴿ولبئس العشير﴾ ](٥) يعني الصاحب كقوله :﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ [النساء: ١٩]. أي صاحبوهن بالمعروف. وقال بعضهم :﴿لبئس المولى﴾ أي الولي، وهو الشيطان ﴿ولبئس العشير﴾ أي القرين الذي لا يفارق.
وقال القتبي : أي الصاحب والخليل، وهو ما ذكرنا، كله واحد. وقال أبو عوسجة :﴿العشير﴾ الرفيق الذي تعاشره، وتصاحبه، وتخالطه، والعشير الزوج أيضا.
وقال القتبي :﴿ثاني عطفه﴾ يتكبر معرضا. وكذلك قال أبو عوسجة :﴿ثاني عطفه﴾ أي متكبرا متجبرا. والعطف في الأصل الجانب، والأعطاف جميع، وقوله :﴿من يعبد الله على حرف﴾ قال : لا يدري أحق هو أم باطل ؟ وهو الشك. يقال : إني من هذا الأمر على حرف أي على شك، لست بمستيقن. وقال القتبي : على حرف واحد وعلى وجه واحد وعلى مذهب واحد. وقال قتادة على شك على ما ذكرنا. وقال أبو عبيدة : على حرف أي لا يدوم، ويقول : إنما أنا [ على ] (٦) حرف أي لا أثق بك، ونحو هذا. وأصله : ما ذكرنا في ما تقدم. وقال بعضهم : قوله :﴿يدعو لمن ضره﴾ في الآخرة ﴿أقرب من نفعه﴾ انقلب على وجهه، أي رجع إلى دينه.
١ أدرجت في الأصل و م: بعد يدعو..
٢ في الأصل و م: يضره، في م: يضر به..
٣ في الأصل و م: و..
٤ في الأصل و م: حيث..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ ساقطة من الأصل و م..
الحج 22:14
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَبِئْسَ الْمَوْلَى) أي: الولي، وهو الشيطان، (وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) أي: القرين الذي لا يفارق.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: أي: الصاحب والخليل، وهو ما ذكرنا، كله واحد.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: العشير: الرفيق الذي تعاشره وتصاحبه وتخالطه، والعشير: الزوج أيضًا.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (ثَانِيَ عِطْفِهِ): يتكبر معرضا، وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (ثَانِيَ عِطْفِهِ)، أي: متكبرا متجبرا، والعطف في الأصل: الجانب، والأعطاف جمع.
وقوله: (مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) قال: لا يدري أحق هو أم باطل؟ وهو الشك، يقال: إني من هذا الأمر على حرف، أي: على شك، لست بمستيقن.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: على حرف واحد، وعلى وجه واحد، وعلى مذهب واحد.
وقال قتادة: على شك، على ما ذكرنا.
وقال أبو عبيدة: على حرف، أي: لا يدوم، ويقول: إنما أنا حرف، أي: لا أثق بك، ونحو هذا، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ) في الآخرة (أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ)، (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) أي: يرجع إلى دينه.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ).
المعتزلة كذبت هذه الآية والآية التي تلي هذه الآية، وهو قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ)؛ لأنهم يقولون: أراد إيمان جميع الخلائق ثتم لم يفعل ذلك، وأراد جميع الخيرات
الحج 22:15
والكف عن الشرور ثم لم يقدر على وفاء ما أراد، ويقولون: لا صنع له في أفعال العباد، ولا تدبير؛ فعلى قولهم: لم يفعل اللَّه مما أراد واحدًا من ألوف، ويقولون: إن اللَّه أراد هدى جميع الخلائق، لكنهم لم يهتدوا، وهو أخبر أنه يهدي من يريد، وهم يقولون: يريد هدى الخلق كلهم فلم يهتدوا.
ونحن نقول: من أراد اللَّه هداه اهتدى، وما أراد أن يفعل فعل، وهو ما أخبر (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، أخبر أنه يفعل ما يريد، فيخرج على قولهم على أحد الوجهين: إما على الخلاف في الوعد، وإما على الكذب في القول والخبر، فنعوذ باللَّه من السرف في القول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)
تأويل الآية - عندنا - يخرج على وجهين:
أحدهما: من كان يظن أن لن ينصر اللَّه محمدًا - عليه أفضل الصلوات - ثم نصره، فغاظه نصره إياه فيدوم غيظه - (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ) أي: بحبل من السماء فيخنق ويقتل نفسه؛ ليذهب غيظه الذي غاظه نصره؛ يستريح مما غاظه.
والثاني: يخرج على الوعد بالنصر والخبر: أنه ينصره، يقول: من كان يظن أن ما وعد له من النصرة، لا يفعل ذلك له، ولا ينصره، ولا ينجز ما وعد؛ (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ)، أي: ليحبس ما وعد له من النصر؛ إن غاظه ما وعد؛ ليذهب غيظه الذي غاظه؛ فعلى هذا التأويل يكون السماء سماء الأصل، أي: يحبس السبب الَّذِي ينزل من السماء.
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ) أن لن يرزقه اللَّه، ويجعله صلة قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ)، لأنه يجعل الآية في أهل النفاق، يقول: من كان يظن من أهل النفاق: أن اللَّه لا يرزقه إذا كان في ذلك الدِّين الذي كان فيه ودام - فليمدد بما ذكر.
وقال مجاهد: (كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ)، قال ذلك خيفة ألا يرزق.
وأهل التأويل صرفوا السماء إلى سقف البيت، ويقولون: القطع: الخنق.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ) أي: لن يرزقه اللَّه وهو قول أبي عبيدة
الحج 22:16
يقال: مطر ناصر، وأرض منصورة، أي: ممطورة.
وقال المفسرون: من كان يظن أن لن ينصر اللَّه محمدا (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ)، أي: بحبل إلى سقف البيت، (ثُمَّ لْيَقْطَعْ)، أي: ليختنق: (فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ) - أي: [حيلته]- غيظه، أي: ليجهد جهده.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ) قال: هذا شيء لا يكون ولا يقدر عليه، وهذا ذم للمقول فيه؛ لأنه جعل السماء سماء الأصل، وقوله: (فَلْيَمْدُدْ) أي: يمد يده.
وقوله: (بِسَبَبٍ)، السبب في الأصل: الحبل، أي: يعلق سببا فيرتقي في السماء، والسبب: الحمار، وسبوب جمع، أي: حمر.
قال: والسبب: الحبل بلغة هذيل.
وقوله: (مَا يَغِيظُ): هو شدة الغضب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) أي: مثل هذا، وهكذا أنزلناه آيات بينات، يبين ما لهم وما عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أما الصابئون: فإن الناس اختلفوا فيهم:
قال أهل التأويل: هم عبّاد الملائكة، وقد ذكرنا أقاويلهم فيه في سورة المائدة، فتركنا ذكره هاهنا لذلك.
(وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا): قيل: هم المشركون من العرب، وهم عبدة الأوثان والأصنام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
يحتمل قوله: (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ)، أي: يحكم بين هَؤُلَاءِ يوم القيامة؛ لاختلافهم في الدنيا، كقوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ) ثم قال: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)، أي: يحكم بين هَؤُلَاءِ يوم القيامة، فالفصل بينهم يوم القيامة هو الحكم الذي ذكر في هذه الآية.
ويحتمل قوله: (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في المقام: يبعث هَؤُلَاءِ إلى الجنة وهَؤُلَاءِ إلى النار؛ فذلك الفصل بينهم.
وجائز أن يكون قوله: (يَفْصِلُ) أي: يبين لهم الحق من الباطل؛ حتى يقروا جميعا بالحق ويؤمنوا به، لكن لا ينفعهم ذلك يومئذ.
الحج 22:17
الآية ١٧ : وقوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا﴾ أما الصائبون فإن الناس اختلفوا فيهم : قال أهل التأويل : هم عباد الملائكة، وقد ذكرنا أقاويلهم فيه في سورة المائدة، فتركنا ذكره هاهنا لذلك. ﴿والذين أشركوا﴾ قيل : هم مشركي العرب، وهم عَبَدَةُ الأوثان والأصنام.
وقوله تعالى :﴿إن الله يفصل بينهم يوم القيامة﴾ يحتمل قوله :﴿يفصل بينهم﴾ يحكم بين هؤلاء يوم القيامة لاختلافهم في الدنيا كقوله :﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ [البقرة: ١١٣] وقوله(١) :﴿فالله يحكم بينهم﴾ أي يحكم بين هؤلاء ﴿يوم القيامة﴾ [البقرة: ١١٣].
فالفصل بينهم يوم القيامة، هو الحكم الذي ذكر في الآية.
ويحتمل قوله :﴿يفصل بينهم يوم القيامة﴾ في المقام ؛ يبعث هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار. فذلك الفصل بينهم. وجائز أن يكون قوله :﴿يفصل﴾ أي يبين لهم الحق من الباطل حتى يقروا(٢) جميعا بالحق، ويؤمنوا(٣) به. ولكن لا ينفعهم ذلك يومئذ.
وقوله تعالى :﴿إن الله على كل شيء شهيد﴾ من أعمالهم وأفعالهم وأقرارهم وأقوالهم وجميع ما كان منهم.
١ في الأصل و م: ثم قال..
٢ في الأصل و م: يقرون..
٣ في الأصل و م: ويؤمنون..
الحج 22:18
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) من أعمالهم، وأفعالهم، وإقرارهم، وأقوالهم، وجميع ما كان منهم.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) حرف (مَن) في ظاهر اللغة واللسان إنما يعبر به عن الممتحن من البشر والجن والملائكة، وأما الموات فإنه لا يعبر به عنه، وإنَّمَا يعبر عنه بحرف (مَا)، لكن ذكر في آخره - وهو قوله: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ...) الآية - ما يدل أنه أراد الكل: الممتحن، والموات جميعًا، حيث قال: (وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) وإلا ظاهره ما ذكرنا: أنه إنما يعبرب (مَن) عن الممتحن، وبحرف (ما) عن الكل.
وجائز أن يكون عند الاجتماع يذكر باسم الممتحن؛ على ما يذكر عند اجتماع الذكر والأنثى باسم الذكور.
ثم ما ذكر من سجود هذه الأشياء يخرج على وجوه:
أحدها: سجود خلقة، يسجد كل شيء ذكر بخلقته لله، على ما ذكرنا في التسبيح.
والثاني: سجود عبادة، وهو سجود كل ممكن من إتيانه، وتركه، وهو سجود الممتحن.
والثالث: سجوده: بذل ما بذل في هذه الأشياء من المنافع لا يتأتى بذلها لأحد من الماء، والشمس، والشجر، والدواب، وكل شيء.
والرابع: ما ألهم هذه الأشياء من الطاعة لله والخضوع له؛ ألا ترى أنه قال: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، ألا ترى أنه ألهم الدواب معرفة إتيان الصالح لهم واتقاء المهالك؛ فجائز أن يعرفن طاعته والخضوع له، واللَّه أعلم.
الحج 22:19
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) في الجنة (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: من خذله اللَّه وطرده عن عبادته وبابه (فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ)، كقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).
أو أن يقول: ومن أهانه اللَّه في النار بالعذاب، فما له من منج ينجيه عن ذلك.
(إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: شاء أشياء فلم يفعل، فهو يقول: (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).
وقوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)
اختلفوا في تأويله:
قَالَ بَعْضُهُمْ: نزل هذا في ستة نفر تبارزوا: ثلاثة من المسلمين: حمزة بن المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، وثلاثة من المشركين: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فذلك اختصامهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أهل الإسلام وأهل الكتاب في الدِّين: قالت اليهود والنصارى: نحن أولى باللَّه منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم. فقال المسلمون: بل نحن أولى باللَّه، آمنا بكتابنا وكتابكم، ونبيّنا ونبيكم، وبكل كتاب أنزله اللَّه، ثم كفرتم أنتم بنبينا، وكتابنا، وبكل نبي كان قبل نبيكم؛ فأنزل اللَّه تعالى ما فصل بين المؤمنين وأهل الكتاب فقال: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا) بمُحَمَّد وبالقرآن، وهم اليهود والنصارى، (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ...) إلى آخر ما ذكر، وقال في المؤمنين: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ): النار والجنة: قالت النار: جعلني اللَّه للعقوبة للعصاة والفسقة، وقالت الجنة: جعلني اللَّه للرحمة للأنبياء والأولياء، ونحوه. لكن متى يكون للنار مخاصمة، وكذلك الجنة، وهو بعيد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اختصم المسلم والكافر في البعث.
الحج 22:20
وجائز أن يكون اختصامهم ما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع، من ذلك قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)، يكون اختصامهم بين هَؤُلَاءِ الذين ذكرهم في هذه السورة، وهم أهل الإسلام وأهل الكفر؛ في الآية بيان ذلك، حيث قال: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ)، وقال في المؤمنين: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ).
ثم جائز أن يكون هذا الذي ذكر في الآية الأولى، حيث قال: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ): ينزل أهل الإسلام في الجنة وأهل الكفر في النار، واللَّه أعلم.
وقوله: (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) كقوله: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ...) الآية.
وقوله: (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ) قيل: الحميم: الماء الحار الذي انتهى حره غايته.
وقوله: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)
قَالَ الْقُتَبِيُّ: يصهر: يذاب، يقال: صهرت النار الشحمة، والصهارة: ما أذيب من الألية، وكذلك قال: الصّهارة: ما يبقى من الشحم والألية إذا أذيبا، يقال: صهرت الشحم: أي أذبت، أصهره صهرًا.
(وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) قَالَ بَعْضُهُمْ: المقامع: الأعمدة من الحديد، وهو قول أبي معاذ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المقامع: شبه العصي، الواحدة: مقمعة.
قال أبو معاذ: يعني قوله: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ) أي: يذاب ما في بطونهم خاصة، وأمَّا الجلود فإتها تحرق؛ لأن الجلد لا يصهر ولا ينصهر، وقال: هذا مثل قول العرب: (أتيته فأطعمني واللَّه ثريدًا، واللَّه ولبنا قارصا - أي: حامضا - واللَّه فإزارًا ورداءً، واللَّه وحملانا فارها) تصير لكل شيء فعلا يشاكله، وفي القرآن مثله كثير، وكذلك في اللسان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن جهنم إذا جاشت، ألقت من فيها إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فيعيدهم الخزان فيها بالمقامع، ويقول لهم الخزنة: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ).
الحج 22:21
الآية ٢١ :[ وقوله تعالى ](١) :﴿ولهم مقامع من حديد﴾ قال بعضهم : المقامع الأعمدة من الحديد، وهو قول أبي معاذ. وقال بعضهم : المقامع : شبه العُصِي، الواحدة مَقْمَعَةُ.
قال أبو معاذ : يعني قوله :﴿يصهر به ما في بطونهم﴾ أي يذاب ما في بطونهم خاصة. وأما الجلود فإنها تحرق لأن الجلد لا يصهر، ولا ينصهر، وقال : هذا مثل قول العرب : أتيته، فأطعمني، والله، ثريدا، والله ولبنا قارصا، أي حامضا، والله وإزارا ورداءا أي والله وحملانا فارها ؛ تضمر لكل شيء فعلا يشاكله. وفي القرآن مثله كثير، وكذلك اللسان.
١ ساقطة من الأصل و م..
الحج 22:22
الآية ٢٢ : وقوله تعالى :﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها﴾ قال بعضهم : إن جهنم إذا جاشت ألقت من فيها إلى أعلاها، فيردون الخروج منها، فيعيدهم الخزان فيها بالمقامع، ويقول لهم الخزنة :﴿وذوقوا عذاب الحريق﴾.
وقال بعضهم : إن في جهنم دركات، فإذا اشتد العذاب بهم ينقلبون من الدركة السفلى إلى الدركة العليا، ويصعدون، ثم يريدون الخروج منها فيعادون فيها [ كقوله ] (١) :﴿سأرهقه صعودا﴾ [المدثر: ١٧].
وقال بعضهم : إن النار تضربهم بلهبها، فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع من حديد، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفر لهبها، والله أعلم بذلك.
١ ساقطة من الأصل و م..
الحج 22:23
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن في جهنم دركات، فإذا اشتد العذاب بهم ينقلبون من دركة السفلى إلى دركة العليا، ويصعدون، ثم يريدون الخروج منها، فيعادون فيها، كقوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع من حديد، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفر لهبها، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) أي: من تحت أهلها، وهو كما ذكر في آية أخرى: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ).
وقوله: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا) ذكر هذا - واللَّه أعلم - لقوم رغبوا في هذه الدنيا بالتحلي بما ذكر، وتفاخروا به فيها، وهو ما ذكر: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ)، وإلا قلما يرغب الناس في الدنيا في التحلي بما ذكر إلا النساء خاصة.
فإما أن ذكر للنساء أو لقوم تفاخروا به في الدنيا فوعد لهم في الآخرة ذلك (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ).
وقوله: (وَلُؤْلُؤًا) قال الكسائي: من قرأ: (وَلُؤْلُؤًا) بالخفض فهو يخرج على أنهم: يحلون فيها من أساور من ذهب، ويحلون فيها من لؤلؤ حلية سوى الأساور.
ومن قرأ بالنصب: (وَلُؤْلُؤًا)، أي: يحلون فيها لؤلؤًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ)، وكذلك ذكر في الخبر: " هُوَ لَهُم في الدنيا، ولنا في الآخرة ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)
جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: هو قول التوحيد، وشهادة الإخلاص، وأمّا في الآخرة كقوله: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فهو القول الطيب الذي هدوا إليه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ): هو القرآن (وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ): الإسلام وشرائعه.
وقال قتادة: ألهموا التسبيح والتحميد كما ألهموا النفس.
الحج 22:24
الآية ٢٤ : وقوله تعالى :﴿وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد﴾ جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فهو(١) التوحيد وشهادة الإخلاص. وأما في الآخرة [ فهو ] (٢) كقوله :﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ [يونس: ١٠] فهو القول الطيب الذي هدوا إليه.
وقال بعضهم : قوله :﴿وهدوا إلى الطيب من القول﴾ هو القرآن ﴿وهدوا إلى صراط الحميد﴾ الإسلام وشرائعه.
وقال قتادة : ألهموا التسبيح والتحميد كما ألهموا النفس، وقال :﴿الطيب من القول﴾ هو كل قول حسن، وقوله :﴿الحميد﴾ يحتمل صراط الحميد أي صراط الله كقوله :﴿صراط الله﴾ [الشورى: ٥٣] ويحتمل أن يكون نعت ذلك الصراط أي صراط حميد، والله أعلم.
١ في الأصل و م: هو..
٢ ساقطة من الأصل و م..
الحج 22:25
وقال: (الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ): هو كل قول حسن.
وقوله: (الْحَمِيدِ) يحتمل (صِرَاطِ الْحَمِيدِ)، أي: صراط اللَّه، كقوله: (صِرَاطِ اللَّهِ).
ويحتمل أن يكون نعت ذلك الصراط، أي: صراط حميد، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قوله: (كَفَرُوا) هو خبر ماض، وقوله: (وَيَصُدُّونَ) خبر مستقبل، فنسق المستقبل على الماضي.
قال الزجاج: إن الكافرين والصادين عن سبيل اللَّه (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ).
وعندنا تأويله: أن الذين كفروا قبل أن يبعث مُحَمَّد ويصدون الناس عن سبيل اللَّه إذا بعث مُحَمَّد.
ثم يحتمل قوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: كانوا يمنعون المسلمين عن دخول المسجد الحرام للإسلام والسؤال عنه، والثاني: إخراجهم منه، كقوله: (وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ).
وقوله: (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) ظاهر هذا أن يكون الذي جعل فيه العاكف والبادي سواء هو المسجد الحرام؛ لأنه قال: (جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً)، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى مكة، وقالوا: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) في النزول في المنازل، وظاهره ما ذكرنا.
ثم يحتمل أن يكون المسجد الحرام مخصوصًا بهذا ليس كسائر المساجد التي لها أهل: أن أهلها أحق بها من غيرهم، وأمَّا المسجد الحرام فإن الناس شَرَعٌ، سواء العاكف فيه والبادي.
ويحتمل أنه خص المسجد الحرام بأن الناس سواء فيه؛ ليعلموا أن الحكم في سائر المساجد كذلك: أن الناس فيها سواء أهلها وغير أهلها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الإلحاد فيه: هو الشرك والكفر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإلحاد: هو كل المعاصي، وأصل الإلحاد: هو العدول والميل عن الطريق. وتأويله: ومن يلحد فيه إلحاد ظلم نذقه كذا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: من هَمَّ فيه بإلحاد بظلم نذقه كذا.
ثم يحتمل تخصيص ذلك المكان بما ذكر وجوهًا:
أحدها: ليعلموا أن كثرة الخيرات وتضاعفها مما لا يعمل في إسقاط المساوئ فيه وهدمها؛ لما روي: " أن صلاة واحدة بمكة تعدل كذا وكذا صلاة في غيرها من الأماكن "، وكذلك حسنة فيها.
والثاني: خصت بالذكر فيه على التغليظ والتشديد، على ما خصت تلك البقعة بتضاعف الحسنات.
والثالث: أن أُولَئِكَ اذعوا أنهم أولى باللَّه من غيرهم؛ لنزولهم ذلك المكان، فأخبر أن من يرد فيه بكذا نذقه، ليس تخصيص ذلك المكان بما ذكر، والعفو في غيره، ولكن بما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: معناه: من يرد فيه إلحادًا بظلم، والباء زائدة، ومثله قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)، معناه: تنبت الدهن. روي بالخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " احْتكارُ الطعام بمكةَ إلْحَاد "، وكذلك روي عن عمر وابن عمر.
الحج 22:26
وجائز أن يكون ما ذكرنا من التغليظ والتشديد وتضاعف العقوبة؛ ولذلك كره قوم الجوار بمكة لما يتضاعف عليهم العقوبة إذا ارتكب فيه مأثمًا وألحد فيه، وجائز ما ذكرنا.
وقد كره قوم بيع رباع مكة وإجارتها بقوله: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)، وعلى ذلك رويت الأخبار بالنهي عن ذلك، روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " مكة مناخ، لا يباع رباعها، ولا يؤاجر بيوتها ".
وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابًا؛ ليرد البادي حيث شاء " ونهاهم أن يغلقوا أبواب دورهم.
وليس في ظاهر الآية ذكر مكة؛ إن في الآية ذكر المسجد، حيث قال: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)، وإنما ذكر ذلك في المسجد الحرام خاصة.
وقال أبو حنيفة - رحمه اللَّه -: أكره إجارة بيوت مكة في الموسم من الحاج والمعتمر، فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأسًا. وهو قول مُحَمَّد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: (بَوَّأْنَا)، أي: هيأنا (مَكَانَ الْبَيْتِ)؛ لينزل فيه، والبيتوتة: الإنزال، كأنه قال: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ)، أي: أنزلناه مكان البيت؛ ليتخذ فيه بيتًا، وقلنا له: لا تشرك بي شيئًا، وهكذا بعث الأنبياء جميعًا، بعثوا ألا يشركوا باللَّه، وأمروا أن يدعو الناس إلى ترك الإشراك باللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) وادع الناس أيضًا إلى ألا يشركوا بالله شيئًا.
ثم يحتمل قوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) ومن ذكر، أي: طهره من الأصنام والأوثان التي فيه لئلا يعبد غيره.
وجائز أن يكون قوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) عن جميع الخبائث، وعن كل أنوع الأذى من الخصومات، والبياعات، وغيرها، وذلك للمسجد الحرام ولغيره من المساجد يطهر ويجنب جميع أنواع الأذى والخبث والفحش.
الحج 22:27
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) قال أهل التأويل: (لِلطَّائِفِينَ) هم القادمون من البلدان (وَالْقَائِمِينَ): المقيمين هنالك (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ): المصلين.
ويحتمل قوله: (لِلطَّائِفِينَ): لكل طائف به، (وَالْقَائِمِينَ)، (وَالْعَاكِفِينَ) ١٢٥: لكل عاكف نحوه، والعكوف هو المقام للعبادة، (وَالْقَائِمِينَ): لكل قائم عاكف نحوه، (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) وساجد نحوه، أي: لكل مصل، وهذا أشبه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) يحتمل وجهين:
أحدهما: على الإعلام: أن أعلم الناس: أن لله عليهم الحج بالبيت، كقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ...) الآية.
والثاني: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) أي: ادع الناس ونادهم أن يحجوا البيت.
قال أهل التأويل: لما أمر اللَّه إبراهيم ينادي في الناس بالحج، فنادى، فأسمع الله صوته ما بين المشرق والمغرب، حتى أسمع صوته ونداءه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فقالوا: (لبيك)، ومن حج بيته فهو الذي أجاب إبراهيم لما ناداهم بالحج.
لكن لا يعلم ذلك إلا بالخبر عن رسول اللَّه أنه كان ما ذكروا، وإلا السكوت عنه وعن مثله أولى.
وقالوا: إن قوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) موصول بمَوله: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ...) الآية.
وجائز أن يكون قوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) لرسول اللَّه، أو لكل رسول بعث الأمر بذلك في كل زمان، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله: (يَأْتُوكَ رِجَالًا) أي: على الأرجل مشاة (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ)، أي: يضمر ويذهب سمنه؛ لبعد المضرب، وهو ما ذكر: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي: من كل بعيد.
ثم قوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) على الدعاء والأمر، فيكون في قوله: (يَأْتُوكَ رِجَالًا) دلالة لزوم الحج على المشاة، كأنه قال: مرهم يحجّون مشاة على الأرجل وركبانا، وإن كان على الإعلام فهو على الوعد والجزاء: أنهم يأتونك على الأرجل مشاة وعلى الدواب.
الحج 22:28
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أضاف الإتيان إلى الدواب؛ لأنه بالدواب يأتون، فأضاف إليها لذلك، واللَّه أعلم.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا)، من الحلي من الذهب والفضة، تقول: حليت المرأة، أي: اتخذت حليا، ويقال: حلى الشيء يحلى حلًى؛ إذا حسن، ويقال: بعينه إذا حسن في عينه، ويقال: حلى الشيء يحلو حلاوة فهو حلو، ويقال: تحليت، إن شئت جعلته أكلت حلاوته، وإن شئت جعلته من الحلي، ويقال: حلأت الإبل عن الماء، أي: منعت، ويقال: حليت الشيء وأحليته، أي: جعلته حلوًا.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) أي: المقيم، والبادي - وهو الطارئ من البدو - سواء فيه ليس المقيم فيه بأولى من النازح إليه.
(وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ) أي: من يرد فيه إلحادا، وهو الظلم والميل عن الحق، فزيدت الباء، كما يقال: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)، وهو ما ذكرنا.
وقوله: (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ)، أي: ركبانا على ضمر من طول السفر (مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي: بعيد غامض.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (الْعَاكِفُ): المقيم، (وَالْبَادِ): من كان في البادية، والإلحاد: الميل عن الحق، ومنه اشتق اللحد، لحد القبر.
(وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ)، أي: على كل بعير ضامر، أي: خميص البطن.
(يَأْتُوكَ رِجَالًا) تقول: رجل الرجل يرجل رجلة، فهو راجل، والفج: الطريق، والعميق: البعيد، يقال: عمق، أي: بعد، يعمق عمقا، فهو عميق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) قال الحسن: يشهدون مشاهد فيه، فيذكرون اللَّه فيها ويكتسبون أشياء تنفع لهم في الآخرة، فذلك منافع لهم التي يشهدونها.
وقال غيره من أهل التأويل: (مَنَافِعَ لَهُمْ): التجارات والمنافع التي كانوا يكتسبونها إذا خرجوا للحج.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: التجارة في الدُّنيَا، والأجر في الآخرة، وهو مثل الأول.
وجائز أن يكون قوله: (لِيَشَهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ): الأرزاق التي جعلت لهم في البلدان النائية البعيدة ما لو لم يشهدوها لم يسق اللَّه ذلك إليهم؛ لأن من الأرزاق التي جعلت لهم في البلدان ما يساق إلى أهلها وهم في مقامهم وأمكنتهم، ومن الأرزاق ما يساق أهلها إليها ما لو لم يأتوها لم يسق ذلك إليهم، فجائز ما ذكر من المنافع: هو ما غاب عنهم من المنافع والأرزاق التي جعلت لهم في البلدان النائية البعيدة إذا خرجوا للحج نالوها، وإذا لم يخرجوا له لم ينالوا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) أي: متاجرهم وقضاء مناسكهم.
وقوله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) اختلف فيه:
قال الحسن: هو يوم النحر خاصة. وجائز إضافة الواحد إلى الجماعة، كقوله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)، وإنما جعل في السماء الدنيا، وكما يقال: (توارى فلان في دور بني تميم)، وإنما توارى في دار من دورهم، ومثل هذا كثير، وذلك جائز في اللسان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأيام المعلومات: هو يوم النحر ويومان بعده.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المعلومات والمعدودات هي أيام التشريق جميعًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأيام المعلومات: هي أيام العشر؛ لأنها هي أيام الذكر فيها.
وجائز أن يكون قوله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) كناية عن الذبح، وأيام الذبح ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده؛ ألا ترى أنه قال: (عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا) ذكر الأكل ولم يذكر الذبح، فذلك يدل على أن قوله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) كناية عن الذبح، وإنما كان كناية عنه؛ لأنه بالذكر يقدم الذبائح ولا يخلو منه دونه، والله أعلم.
وقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا):
قَالَ بَعْضُهُمْ: من الأضاحي؛ لأن التناول من الأضاحي كان لا يحل فخرج ذلك مخرج رخصة التناول منها والحل، لكن الأضاحي لا يحتمل؛ لأن الوقت ليس هو وقت الأضاحي ولا أماكنها، إنما هو وقت دم المتعة والقران ودم التطوع. وفيه إباحة التناول من دم المتعة والقِران.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: البائس: من البؤس وهو ما اشتد به من الحاجة والشدة.
الحج 22:29
وقَالَ بَعْضُهُمْ: البائس: الذي سألك، والفقير: المتعفف الذي لا شيء له.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: البائس: هو الذي به زمانة، والفقير: الصحيح الذي لا شيء له، وهو مثل الأول.
وقوله: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) قال بعض أهل الأدب: التفث: لا يعرف في لسان العرب ما يراد به.
وقال الحسن: التفث: هو التقشف، وهو ترك الزينة، يدل على ذلك ما روي أنه سئل عن الحاج، فقال: " كُل أشْعَث تفِل ".
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: التفث في الأصل: الوسخ، يقال: امرأة تفثة: إذا كانت خبيثة الريح، وهو قريب مما قال الحسن: إنه ترك الزينة.
وأهل التأويل يقولون: التفث: هو حلق الرأس، وقص الأظفار والشارب، والرمي، والذبح، ونحوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ): المناسك كلها.
وروى في الخبر: " من وقف من عرفة بليل، وصلى معنا الجمع، فقد تم حجه وقضى تفثه "، ظاهر " قضى تفثه "، أي: نسكه.
وجائز أن يكون قوله: " قضى تفثه " أي: جاء وقت الزينة، وهو وقت الحلق واللباس، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ)، أي: ليوفوا ذبح ما أوجبوا ذبحه، ذكر فيما ساق من الهدْي لمتعته ولحجته الأكل منه؛ لقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا)، ولم يذكر الأكل مِمَّا أوجب بالنذر؛ فلذلك يقول أصحابنا: إنه يجوز له التناول من هدْي المتعة والقِران، ولا يجوز التناول مما كان وجوبه بالنذر والكفارة، بل عليه أن يتصدق بالكل، وهو ما قال: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)، واللَّه أعلم. (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) هو طواف الزيارة، وهو طواف يوم النحر، وهو الفرض عندنا، ولا يحتمل ما قال بعض الناس: إنه طواف الصدر؛ لأن اللَّه تعالى قال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، وحج الببت هو الطواف بالبيت لا غير، وطواف الدخول وطواف الصدر ليس على أهل مكة ذلك الطوافان، وعليهم الحج كما كان على غيرهم من النّاس؛ فدل ما ذكرنا على أن قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) هو طواف الزيارة، وهو حج البيت الذي قال اللَّه: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ). وقوله: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: سماه: عتيقًا؛ لأنه أعتقه عن الجبابرة عن أن يتجبروا عليه، وكم من جبار قد صار إليه ليهدمه فمنعه اللَّه عن ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سماه: عتيقًا؛ لأنه يرفع إلى السماء الرابعة، فذلك المرفوع هو البيت العتيق. والبيت العتيق - عندنا - هو الذي بناه إبراهيم - صلوات اللَّه عليه - وأسسه، ويكون قوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الذي أسسه إبراهيم، لا بالبيت الحادث الذي أحدثه الناس؛ ألا ترى أنه روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لعائشة: " لولا أنَّ قومك حَديثُو عَهْد بالإسْلام لرددت البيت على أساس إبراهيم، وجَعَلتُ لَهُ بابين: بابًا يدخل فيه، وبابًا يخرج منه "، وروي في بعض الأخبار يرويه عبد اللَّه بن الزبير قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
الحج 22:30
" إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبَّار " فإن ثبت هذا فهو هو.
* * *
قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)
وقوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) قوله: (ذَلِكَ) جائز أن يكون الذي تقدم ذكره
الحج 22:31
من قوله: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ...) إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: (وَمَن يعُطمْ حُرُمَتِ اللَّهِ).
وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ...)، كذا (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ...)، كذا، قوله: (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ) (وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ) يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأول وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ) كذلك.
وقوله: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) كأنه قال: وَمَنْ يُعَظِّمْ حرمات اللَّه، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات اللَّه خير له ممن لم يعظمها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ)، وفي حرف ابن مسعود: (وَأُحِلَّتْ لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) جائز أن يكون قوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ) وهم الأوثان.
وجائز أن يكون قوله: (فَاجتَنِبُوا عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير الأوثان ليس برجس، كقوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ)، ليس فيه أن يحل قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا.
وقوله: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) يحتمل كل قول زور.
ويحتمل الزور الذي قالوا في اللَّه من الولد والشريك وما لا يليق به.
(وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ) تأويله - واللَّه أعلم -: واجتنبوا قول الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به.
وقوله: (حُنَفَآءَ (٣١) قد ذكرناه.
وجائز أن يكون قوله: (غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) تفسير قوله: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ) أي: كونوا مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، واللَّه أعلم.
الحج 22:32
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) يحتمل ضرب مثل من أشرك باللَّه بالساقط من السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوهًا:
أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ)، ونحو ما قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً...) الآية، ضرب مثل الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟ ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟ ولا يظفر به، فعلى ذلك الكافر.
والثاني: ضرب مثله بالساقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين اللَّه.
والثالث: الساقط من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين اللَّه، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا مثل ضربه اللَّه لمن أشرك به في هلاكه وبعده من الهدى، والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا.
وقوله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) هو ما ذكرنا في قوله: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ)، (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) تأويله - والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر اللَّه بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضًا إذا كان في القلب ظهر في الجوارح.
وقوله: (حُرُمَاتِ اللَّهِ) و (شَعَائِرَ اللَّهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هما واحد، وهي المناسك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحرمات هي جميع محارم اللَّه ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ذكرنا تأويل (شَعَائِرَ اللَّهِ) في سورة المائدة، والسحيق: هو المكان البعيد، يقال:
الحج 22:33
سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضًا: الشيء الخلق، يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقًا، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة.
وقوله: (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ) أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب بنفسه.
وقوله: (لَكُمْ فِيهَا... (٣٣) أي: فيما ذكر من الشعائر (مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)، أي: إلى أن تقلد وتهدى، (ثُمَّ مَحِلُّهَا) إذا قلدت وأهديت (إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل الانتفاع بلحمها.
ومنهم من قال في قوله: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى): إلى وقت محلها من الركوب بظهرها، وحلب اللبن، وجز الصوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من قبل، ويروي في ذلك خبرًا: رُوي أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رأى رجلا ساق بدنة، فقال: " اركبها " فقال: إنها بدنة فقال: " اركبها " فقال: إنها بدنة يا رسول اللَّه، قال: " اركبها ويلك "، وبه يقول
الحج 22:34
بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ركوبه لها.
وجائز أن يكون قوله: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) إلى أن تهلك أو تهلكون أنتم، كقوله: (وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول.
ثم يكون قوله: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) - واللَّه أعلم - ابتداء سؤال سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: (مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، واللَّه أعلم.
والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا.
وقوله: (إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد بقوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: (بِالْبَيْتِ)، فإنما يطاف به، وقال هنالك: (إِلَى الْبَيْتِ)، أضاف إليه؛ دل أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) قَالَ بَعْضُهُمْ: المنسك: الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: (مَنْسَكًا)، أي: يصيرون ويخرجون إليه للعبادة، وقال: المنسك: الدِّين، وقال: الشريعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المنسك: المنحر والمذبح. وجائز أن يسمى في اللغة الذبح: نسكًا، كقوله: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وهو الذبح، وقوله: (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي)، ولو كان النسك عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك الذبح.
وقوله: (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، دل قوله: (لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) أن ذكر اسم اللَّه من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم اللَّه ولم يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم اللَّه الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى الشافعي فإنه لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعًا، حيث لم يجعل ذكر اسم اللَّه من شرط الذبيحة.
وقوله: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) كأنه ذكر قوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا) لقوم أنكروا الذبائح، فقال: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا)، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد (فَلَهُ أَسْلِمُوا)، أي: أخلصوا ذلك كله، (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) قال: المتواضعين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المطمئنين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ الخاشعين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل مجتهد في العبادة هو المخبت.
ويقال: المخلصين.
وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...) الآية.
ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمانينة.
قوله: (مَنْسَكًا) و (مَنْسِكًا)، فيه لغتان:
قال الكسائي: من قرأ: (مَنْسِكًا) بكسر السين فهو من نَسَك يَنْسِك، ومن قرأ: (مَنْسَكًا) بالنصب فهو من نَسَكَ يَنْسَكُ، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي يحل به؟ وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة.
ولم يختلف في أن معنى قول اللَّه: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) يدخل فيه الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى ذلك رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال
الحج 22:35
رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر "، وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " كل عرفة موقف، وكل منى منحر "، وفي بعض الأخبار: " في كل أيام التشريق ذبح "، وعن علي - رضي اللَّه عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: " هذا المنحر، ومنى كلها منحر "، وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومنى مكة ".
وقوله: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) أي: خافت وفرقت؛ خوفا منه (وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ) من المصائب والرزايا (وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.
وقوله: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: من فرائض اللَّه.
وقال الحسن: من دين اللَّه.
والأشبه أن يكون قوله: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، أي: من معالم دين اللَّه وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.
وظاهر ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعةٍ " أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: " البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة " فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، واللَّه أعلم.
وقوله (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هديًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ) أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ)، وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، وما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال له: " اركبها " فقال: إنها بدنة يا رسول اللَّه، فقال النبي: " اركبها "، فقال: إنها بدنة. فقال: " اركبها ويحك "، وفي بعض الأخبار: " ويلك؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) دل هذا أن ذكر اسم اللَّه من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من لئرط جوازها، واللَّه أعلم.
وقوله: (صَوَافَّ)، فيه لغات ثلاث:
إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.
والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.
والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.
وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار. وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.
وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنه قال: (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)، وقوله: (وَجَبَتْ)، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قيامًا لا مضطجعة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَكُلُوا مِنْهَا) قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) و (الْبَائِسَ الْفَقِيرَ): من سألك؛ هذا قول بعض.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْبَائِسَ): المعروف بالبؤس، و (الْفَقِيرَ): المتعفف الذي لا يسأل.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْبَائِسَ): المسكين، و (الْفَقِيرَ): فقير.
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الْبَائِسَ): الضرير.
و (الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الْقَانِعَ): هو الراضي، وهو من القناعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو السائل، وهو من القنوع، (وَالْمُعْتَرَّ): الذي يعتريك ولا يسأل،
الحج 22:36
الآية ٣٦ : وقوله تعالى :﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ قال بعضهم : من فرائض الله. وقال الحسن : من دين الله والأشبه أن يكون قوله :﴿من شعائر الله﴾ أي من معالم دين الله وعبادته ونسكه، لأن الشعائر، هي المعالم في اللغة خصت بها المناسك دون غيرها من العبادات، فجعلها معالم لها.
والبَدْنَةُ سميت بَدَنَةً لما تعظم في نفسها، وتبدن. ويقال للرجل إذا عظم في نفسه : بدن فلان.
وظاهر ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :( البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة تجزئ عن سبعة ) أن البدنة هي الجزور والإبل حين(١) قال :( البدنة تجزئ عن سبعة [ والبقرة تجزئ عن سبعة ) [ بنحوه مسلم ١٢١٣/١٣٨ ] قرن ] (٢) بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لكم فيها خير﴾ قال بعضهم : المنافع الحاضرة من الركوب والحلب والحمل عليها بعدما قلدت، أوجبت هديا. وقال بعضهم :﴿لكم فيها خير﴾ إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكان هذا أشبه أن(٣) يكون قوله ﴿لكم فيها خير﴾ الأجر(٤) في الآخرة، لأن الانتفاع بها لا يحل إلا إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطراب لأنه قال في آية أخرى :﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ [المائدة: ٢] وفي الانتفاع بها إحلال شعائره لذلك قال أصحابنا : لا ينتفع بالبدن.
وما روي عنه ﷺ ( أنه رأى رجلا يسوق بدنة، فقال له : اركبها فقال : إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي : اركبها، فقال : إنها بدنة، فقال : اركبها ويحك ) [ البخاري ١٦٩٠ ] وفي بعض الأخبار :( ويلك ).
وهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا أن الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطراب، ولا يجوز في حال الاختيار(٥) ؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار. فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ دل هذا أن يذكر اسم الله من شرط الذبيحة لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر اسمه. فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها نحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح. فدل أنهم عرفوا ذلك به، وأنه من شرط [ جواز ذبحها ] (٦) والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿صواف﴾ /٣٤٩-أ/ فيه لغات ثلاث : إحداها : صوافي بالياء، وهو من الإخلاص لله والصفو لله. والثانية(٧) : صوافن بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها وترك واحدة مطلقة. والثالثة : صوافا بالتنوين أي قياما مصطفة(٨). وكان جميع ما ذُكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم والقيام. وكذلك جاءت السنة والآثار. وفي حرف ابن مسعود : صوافن بالنون. وتأويله ما ذكرنا. وظاهر الآية يدل على القيام لأنه قال :﴿فإذا وجبت جنوبها﴾.
وقوله تعالى :﴿وجبت جنوبها﴾أي سقطت : والسقوط إنما يكون من القيام. فدل أنها تنحر قياما لا مضطجعة، والله أعلم.
وقوله تعالى :(٩)﴿فكلوا منها﴾قد ذكرنا هذا في ما تقدم في قوله :﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾( الحج ٢٨ ) البائس الفقير من سألك. هذا قول بعض وقال بعضهم : البائس المعروف بالبؤس والفقير المتعفف الذي لا يسأل. وقال بعضهم البائس المسكين، والفقير فقير. وقال بعضهم : البائس الضرير.
وقوله تعالى (١٠) :﴿وأطعموا القانع والمعتر﴾قال بعضهم ﴿القانع﴾ الراضي، وهو من القناعة. وقال بعضهم : هو السائل، وهو من القنوع ﴿والمعتر﴾ }الذي يعتريك، ولا يسأل، والقانع : هو الجالس في بيته ونحوه.
وقال القتبي : القانع السائل، يقال : قنع يقنع قنوعا، ومن الرضا قنع يقنع قناعة﴿والمعتر﴾الذي يعتريك ولا يسأل يقال :( عرني، واعترني )(١١).
وقال أبو عوسجة : القانع السائل، والقنوع السؤال، والقناعة من الرضا ؛ يقال منه : قنع يقنع قناعة ويقول : أقنعته (١٢) أي أرضيته، وقنعته أي غطيت رأسه بالقناع ونحوه ؛ ويقال من المعتر : اغتر اغترارا وعَر َّعَراًّ، كلها واحدة.
وقال :﴿صواف﴾أي قياما مصطفة وقال ويكون : صوافن ( وصوافي أي قياما )(١٣) على ثلاث قوائم ؛ يقال : صفن الفرس يصفن صفونا إذا قام على ثلاث قوائم.
وقوله :﴿وجبت جنوبها﴾أي سقطت إلى الأرض. يقال : وجب يجب وجوبا فهو واجب إذا سقط، ووجبت الشمس إذا غابت. وهذا كله من الصوت ؛ يقال : سمعت وجبته أي ( صوت سقطته )(١٤).
وقال :﴿منسكا﴾أي موضعا ينسكون إليه للعبادة.
وعن ابن عباس أنه(١٥) قال : القانع الذي يقنع بما أعطيته، والمعتر الذي يريك نفسه، ولا يسأل.
وقوله تعالى :﴿كذلك سخرنها لكم لعلكم تشكرون﴾أي البُدن التي ذكرناها. ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين :
أحدهما :﴿كذلك سخرناها لكم﴾أي كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بها في حال الحياة.
والثاني(١٦) :﴿كذلك سخرناها لكم﴾ أي مثل الذي وصفته لكم كل ذلك من تسخيرنا(١٧) إياها لكم.
١ في الأصل و م: حيث..
٢ في الأصل و م: فرق..
٣ في الأصل و م: أي..
٤ أدرج قبلها في الأصل و م: أي..
٥ من م، في الأصل: الاختيار..
٦ في الأصل و م: جوازها..
٧ من م، في الأصل: والثاني..
٨ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٤/١٨١ و/١٨٢..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: اعتراني وعرني واعتراني..
١٢ في الأصل وم: قنعته..
١٣ في الأصل وم: وصوافن أي قائما..
١٤ في الأصل وم: صوتا..
١٥ ١ ساقطة من الأصل و م.
٢ ساقطة من الأصل وم.
٣ في الأصل و م: تسخيرها.
٤ في الأصل و م: ذلك.
٥ في الأصل : بالتقوى لا، في م: غيرها لا..
١٦ ؟؟؟؟.
١٧ ؟؟؟؟.
الحج 22:37
و (الْقَانِعَ): هو الجالس في بيته، ونحوه.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (الْقَانِعَ): السائل، يقال: قنع يقنع قنوعًا، ومن الرضا: قنع يقنع قناعة، (وَالْمُعْتَرَّ): الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، واعتراني.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (الْقَانِعَ): السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها واحد.
وقال: (صَوافَّ)، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائمًا ثلاث قوائم. يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاث قوائم.
وقوله: (وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت وجبة، أي: صوتًا، وقال: (مَنسَكًا)، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة.
وعن ابن عَبَّاسٍ قال: (الْقَانِعَ): الذي يقنع بما أعطيته، (وَالْمُعْتَرَّ): الذي يريك نفسه ولا يسأل.
وقوله: (كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ) أي: البدن التي ذكرناها.
ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين:
أحدهما: (كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا) أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بهأ في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ذلك من تسخيرها إياها لكم، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لن يقبل اللَّه ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).
والثاني: أن يكون قوله: (لَن يَنَالَ اللَّهَ) أي: لن يرفع إلى اللَّه إلا الأعمال الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد بها، وهو ما قال: (وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ).
وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن [نضحوا]
الحج 22:38
بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى اللَّه، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ) قد ذكرنا ما ذكرنا.
وقوله: (لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) أي: لتصفوا اللَّه بالعظمة والكبرياء على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا اللَّه وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ لقوتها ولشذتها وصلابتها.
والثاني: بأن يكون قوله: (عَلَى مَا هَدَاكُمْ) من أمر الذين والهدي.
وقوله: (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) يخرج قوله: (الْمُحْسِنِينَ) على وجوه:
أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى اللَّه فلا يحتمل، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) وفي بعض القراءات: (إن اللَّه يدفع عن الذين آمنوا) بغير ألف، وتأويل (يَدْفَعُ)، أي: ، يدفع عن الذين آمنوا جميع شرور الكفرة وأذاهم، وتأويل (يُدَافِعُ)، أي: يدافع الكفار عنهم بنصر المؤمنين عليهم، وكأن قوله: (يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) إنما نزل بمكة، وعد للذين آمنوا هنالك النصر والدفع عنهم في حال قلتهم وضعفهم وكثرة أُولَئِكَ الكفرة وقوتهم، وهنالك كانوا كذلك - أعني: بمكة - قليلا ضعفاء، ويكون نزول قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) بالمدينة؛ لأنه هنالك كان أهل الخيانة؛ لأنهم كانوا أهل كتاب اؤتمنوا على رسالة مُحَمَّد وأشياء فخانوها وكتموها، ولم يكن يومئذ أحد بمكة منهم، إنما كانوا جميعًا أهل شرك، فيشبه أن يكون ما ذكرنا.
أو يكون قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) بإزاء ما قالت اليهود: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، فأخبر أنه لا يحب كل خوان كفور على ما يقولون، بل يبغضهم،
الحج 22:39
وفيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبر أنه ينصرهم ويدفع عنهم أذاهم وشر وأنهم خونة، فكان على ما أخبر؛ فدل أنه عرف باللَّه ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) قال بعض أهل التأويل: إن المشركين كانوا لا يزالون يؤذون أصحاب رسول اللَّه ويقاتلونهم وهم لم يؤمروا بقتال بعد، فلما هاجروا إلى المدينة أمروا بقتالهم بقوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) قَالَ بَعْضُهُمْ: إنه لم يكن لهم الأمر بقتالهم، ولا الإذن حتى أمروا بذلك، وأُذنوا، فقال أُولَئِكَ: لم تؤمروا بقتالنا، فيكف تقاتلوننا؟ فأخبر: أنهم أذنوا وأمروا بالقتال معهم، والله أعلم بذلك.
وظاهره: أنه كان هنالك منع عن القتال حتى أذنوا وأمروا، ولكن لا ندري لأية جهة كان ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ظاهر على ما أخبر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ... (٤٠) قال بعض أهل التأويل: أخرج الكفار أصحاب رسول اللَّه من مكة بغير حق بأن قالوا: ربنا اللَّه، وآمنوا به ووحدوه؛ لهذا أخرجوهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: على التقديم والتأخير، يقول: كأنه قال: أذن للذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق أن يقاتلوهم إلا أن يقولوا: ربنا اللَّه، فإذا قالوا ذلك يرفع عنهم القتال؛ لأن أهل مكة كانوا لا يقرون باللَّه ولا يؤمنون به، فإذا قالوا ذلك وأقروا أنه ربهم رفع عنهم القتال، وأما من يقر به ويصدقه لكنه ينكر رسالة مُحَمَّد ونبوته، فما لم يقر بها ولا يصدق بها فإن القتال لا يرفع عنهم، ومن يقر به ويصدقه بأنه رسوله إلا أنه ينكر الشرائع فإنه يقاتل حتى يقر بها ويصدق بها، فإذا أقر بها رفع عنهم القتال، وذلك كله روي في الخبر أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " أُمِرتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالَهم إلا بحقهَا "، وفي خبر آخر: " حتى يقولوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأني رسول اللَّه، فإذا قالوا ذلك عصموا مني... " كذا، وفي خبر آخر: " حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأني رسول اللَّه، وأقاموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ... " إلى آخر ما ذكر، فالأول للذين يقرون بوحدانية اللَّه تعالى، فإذا أقروا به رفع عنهم القتال، والثاني في الذين يقرون به ولا يؤمنون بالرسالة، فإذا آمنوا بها رفع عنهم القتال، والثالث في الذين يقرون باللَّه ويؤمنون برسوله لكنهم ينكرون الشرائع، فإذا أقروا بها رفع عنهم القتال. كانوا أنواعًا ثلاثة على ما ذكرنا؛ فجاء في كل فريق ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ...) إلى آخر ما ذكر، وقال في آية أخرى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) وفي موضع آخر: (لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، ونحوه.
قَالَ بَعْضُهُمْ: دفع بالنبيين عن المؤمنين، ودفع بالمجاهدين عن القاعدين ما لو لم يدفع لهدمت كذا وما ذكر، أي: دفع بالأخيار عن الأشرار، وبالأخير عن الأدون، وإلا لهدمت وفسد ما ذكر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لولا أن اللَّه يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يصوم عمن لا يصوم، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي، وبمن يفعل الخيرات عمن لا يفعل - لفسدت الأرض، ولهدمت الصوامع، وما ذكر، وعلى ذلك روي عن أبي الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه صلى بأهل دمشق صلاة الصبح، فقال: لو يعلم الناس ما في هذه الصلاة من الخير لحضروها. ثم قال: لولا أن اللَّه يدفع بمن يحضر المساجد عمن لا يحضرها، وبالغزاة عمن لا يغزو - لجاءهم العذاب قبلا. أو كلام نحو هذا.
وقال الحسن: إن في الصوامع والبيع والكنائس من الرهبان والأحبار من يتمسك بالإسلام وشرائعه فيدفع بهم عمن لا يتمسك منهم.
وقال بعضههم: لولا دفع اللَّه بأهل هذا الذين كلهم، لكان كذا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: دفع بالمسلمين عن مسجدهم، وبالنصارى عن بيعتهم، وباليهود عن كنيستهم. إلى هذا ذهب أهل التأويل والمتقدمون، ولو قيل غير هذا كان أشبه وأقرب، وهو أن اللَّه خلق هذا الخلق، وجعل بعضهم عونًا لبعض وردءًا في أمر المعاش والدِّين جميعًا، وجعل لبعضهم منافع متصلة ببعض ما لو كلف كله القيام بنفسه فيه، لهلكوا ولم يكن في وسعهم القيام بذلك، نحو أن يكلف أحدًا بالقيام بجميع ما يحتاج إليه من الحراثة، والزراعة، والحصاد، والدياس، والتذرية، والطحن، والخبز، وغيره، ما لو كلف بنفسه بذلك كله لهلك، ولكن جعل بعضهم عونا لبعض وردءًا لهم، وانتفاع بعضهم ببعض، وكذلك الغزل، والنسج، والخياطة، والقطع، والغسل كله على هذا القياس ما لو كلف بنفسه القيام بذلك كله لهلكوا، ولو هلكوا هلك ما لهم خلق من السماوات والأرض وما فيها، وما سخر لهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: دفع بما يذكر أهل المساجد في المساجد من اسم اللَّه عن أهل الصوامع والبيع والكنائس، وهو قريب مما ذكرنا من قبل.
ثم اختلف فيما ذكر من الصوامع والبيع والصلوات:
قَالَ بَعْضُهُمْ: الصوامع للراهبين، والبيع للنصارى، والصلوات: الكنائس التي تكون لليهود، والمساجد للمسلمين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصلوات للصابئين.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى، وصلوات: بيوت صلوات اليهود، والمساجد للمسلمين.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الصوامع للرهبان، والبيع للنصارى: مصلاهم، والصلوات لليهود، وهي شبه البيعة، على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) أي: من كان من أولياء اللَّه نصره.
وقال الحسن: من حكمه أن من نصر اللَّه نصره. وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) يحتمل: قوي لنصر أوليائه، عزيز الانتقام من أعدائه.
أو أن يكون قوله: (لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) أي: قوي، فيضعف كل قوي من دونه عند قواه، ويذل كل عزيز عند عزه.
أو قوي لا قوي سواه، عزيز لا عزيز سواه.
وفي: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ) وما ذكر - دلالة ترك هدم الكنائس والبيع وما ذكر، والنهي عن هدمها؛ لأنه ذكر الصوامع والبيع، وعلى ذلك تركت الكنائس والبيع في أمصار المسلمين لم تهدم، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، وإنَّمَا يمنعون عن إحداث البيع والكنائس في أمصار المسلمين وقراهم، وأمَّا العتيقة منها فإنهم يتركون وذلك، واللَّه أعلم.
الحج 22:40
الآية ٤٠ : وقوله تعالى :﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾قال بعض أهل التأويل : أخرج الكفار أصحاب رسول الله من مكة بغير حق بأن قالوا : ربنا الله، وآمنوا به ووحدوه لهذا(١) أخرجوهم.
وقال بعضهم : على التقديم والتأخير ؛ يقول : كأنه قال : أذن للذين ظلموا، وأخرجوا من ديارهم بغير حق، أن يقاتلوهم إلا أن يقولوا ربنا الله. فإذا قالوا ذلك يرفع عنهم القتال لأن أهل مكة كانوا لا يقرون ( بوحدانية الله، ويشركون )(٢) به فإذا قالوا ذلك، وأقروا أنه ربهم رفع عنهم القتال. وأما من يُقِرُّ به، ويصدقه، لكنه ينكر رسالة محمد ونبوته، فمن(٣) لم يقر بها، ولا يصدق بها، فإن القتال لا يرفع عنه(٤)، ومن يقر به ويصدقه بأنه رسوله، إلا أنه ينكر الشرائع فإنه يقاتل حتى يقر بها، ويصدق بها، فإذا أقر بها رفع عنه(٥) القتال.
وذلك كله روي في الخبر أنه قال ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماؤهم وأموالهم إلا بحقها " ( البخاري ٢٥ ).
وفي خبر آخر ( ( حتى )(٦) يقولوا : لا إله إلا الله، وإني رسول الله. فإذا قالوا ذلك عصموا مني كذا ).
وفي خبر آخر :( حتى يقولوا : لا إله إلا الله، وإني رسول الله. وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( البخاري ٢٥ ) إلى آخر ما ذكر.
فالأول ( في الذين )(٧) لا يقرون بوحدانية الله. فإذا أقروا به /٣٤٩- ب/ رُفِعَ عنهم القتال.
والثاني : في الذين يُقِرُّونَ به، ولا يؤمنون بالرسالة. فإذا آمنوا بها رفع عنهم القتال.
والثالث : في الذين يقرون بالله، ويؤمنون برسوله، لكنهم ينكرون الشرائع. فإذا أقروا بها رفع عنهم القتال.
كانوا أنواعا ثلاثة على ما ذكرنا فجاء في كل فريق ما ذكرنا والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات﴾إلى آخر ما ذكر كقوله (٨) في آية أخرى :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾( البقرة : ٢٥١ ) وكقوله (٩) في موضع آخر :﴿لفسدت السموات والأرض﴾( المؤمنون : ٧١ ) ونحوه.
قال بعضهم : دفع بالنبيين عن المؤمنين، ودفع بالمجاهدين عن القاعدين ما لو لم يدفع لهدمت كذا وما ذكر، أي دفع بالأخيار عن الشرار وبالأخير عن الأَدْوَن، وإلا لهدمت، وفسد ما ذكر.
وقال بعضهم : لو لا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يفعل الخيرات عمن لا يفعل وإلا لفسدت الأرض ولهدمت الصوامع وما ذكر.
وعلى ذلك عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه صلى بأهل دمشق صلاة الصبح، فقال : لو يعلم الناس ما(١٠) في هذه الصلاة من الخير لحضروها. ثم قال : لولا أن الله يدفع بمن يحضر المساجد عمن لا يحضرها، وبالغزاة عمن لا يغزو لجاءهم العذاب قبلا، أو كلاما(١١) نحوا هذا.
وقال الحسن : إن( في )(١٢) الصوامع والبيع والكنائس من الرهبان والأحبار ( من )(١٣) يتمسك بالإسلام وشرائعه، فيدفع بهم عمن لا يتمسك منهم.
وقال بعضهم : لولا دفع الله بأهل هذا الدين كلهم(١٤) لكان كذا. وقال بعضهم : دفع بالمسلمين عن مسجدهم وبالنصارى عن بيعتهم وباليهود عن كنيستهم. إلى هذا ذهب أهل التأويل والمتقدمون.
ولو قيل غير هذا لكان أشبه وأقرب ؛ وهو أن الله خلق هذا الخلق، وجعل(١٥) بعضهم عونا لبعض وردا في أمر المعاش والدين جميعا، وجعل بعضهم منافع متصلة ببعض لما(١٦) لو كلف كلا القيام بنفسه لهلكوا، ولم يكن في وسعهم القيام بذلك، نحو أن لم يكلف أحدا القيام بجميع ما يحتاج إليه من الحراثة والزراعة والحصاد والدراس والتذرية والطحن والخبز وغيرها لما (١٧) لو كلف بنفسه بذلك كله لهلك. ولكن جعل بعضهم عونا لبعض وردا ( في انتفاع )(١٨) بعضهم ببعض.
وكذلك الغزل والنسيج والخياطة والقطع والغسل كله على هذا القياس لما (١٩) لو كلف ( كل )(٢٠) بنفسه القيام بذلك كله لهلكوا، ولو هلكوا هلك ما لهم خلق من السموات والأرض وما فيهما وما سخر لهم.
وقال بعضهم : دفع بما يذكر أهل المساجد في المساجد من أسماء (٢١) الله عن أهل الصوامع والبيع والكنائس، وهو قريب مما ذكرنا من قبل.
ثم اختلف في ما ذكر من الصوامع والبيع والصلوات. قال بعضهم : الصوامع للراهبين، والبيع للنصارى، والصلوات للكنائس التي تكون لليهود، والمساجد للمسلمين. وقال بعضهم : الصلوات للصابئين.
وقال القتبي : الصوامع للصابئين، والبِيَعُ للنصارى، والصلوات(٢٢) بيوت صلوات اليهود، والمساجد للمسلمين.
وقال أبو عوسجة : الصوامع للرهبانية، والبيع للنصارى ومصلاهم، والصلوات لليهود، وهي شبه البيعة على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولينصرن الله من ينصره﴾( أي من نصر )(٢٣) أولياء الله نصره. وقال الحسن : من حكمه : أن من نصر(٢٤) الله نصره. وقد ذكرنا هذا في ما تقدم في غير موضع.
وقوله تعالى :﴿إن الله لقوي عزيز﴾ يحتمل﴿لقوي﴾لنصر أوليائه ﴿عزيز﴾ لانتقام أعدائه. أو يكون قوله :﴿لقوي عزيز﴾ قويا(٢٥) يضعف كل قوي من دونه عند قواه ( وعزيزا )(٢٦) يذل كل عزيز، أو قويا(٢٧)، لا قوي سواه، عزيزا(٢٨) لا عزيز سواه.
وفي ( قوله تعالى )(٢٩) :﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات﴾ وما ذكر دلالة ترك هدم الكنائس والبيع وما ذكر، والنهي عن هدمها لأنه ذكر الصوامع والبيع. وعلى ذلك تركت الكنائس والبيع في أمصار المسلمين لم تهدم. ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، وإنما يمنعون عن إحداث البيع والكنائس في أمصار المسلمين وقراهم. وأما العتيقة منها فإنهم يتركون ذلك(٣٠)، والله أعلم.
١ أدرج بعدها في الأصل وم: ما..
٢ في الأصل وم: بالله ولا يؤمنون..
٣ في الأصل وم فما...
٤ في الأصل وم عنهم..
٥ في الأصل وم عنهم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم : للذين.
٨ في الأصل وم : و قال..
٩ في الأصل وم: و..
١٠ من م ساقطة من الأصل..
١١ في الأصل وم كلام..
١٢ من م ساقطة من الأصل..
١٣ ساقطة من الأصل وم..
١٤ في الأصل وم: كلها..
١٥ في الأصل وم: وقال..
١٦ في الأصل وم: ما..
١٧ في الأصل وم: ما..
١٨ في الصل وم: والانتفاع..
١٩ في الأصل وم: ما..
٢٠ ساقطة من الأصل وم..
٢١ في الأصل وم: اسم..
٢٢ في الأصل وم: وصلوات..
٢٣ في الأصل أو من نصر، في م: أو من..
٢٤ في الأصل وم: نصره..
٢٥ في الأصل: وم: أي قوي فيضعف.
.
٢٦ في الأصل وم: و..
٢٧ في الأصل وم: قوي..
٢٨ في الأصل وم: عزيز..
٢٩ ساقطة من الأصل وم..
٣٠ في الأصل وم: وذلك..
الحج 22:41
وقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ... (٤١)، إلى آخره.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا نعت من اللَّه لأصحاب رسول اللَّه ومن تبعه، ومدح لهم بالدوام على دين اللَّه الذين قبلوه وأخذوه في حال الخوف بعد ما مكن لهم في الأرض، وآمنهم من ذلك الخوف الذي كان في الابتداء، وأخبر أنهم داموا على ذلك ولم يتركوا ما داموا عليه، بل زاد لهم حرصًا على ذلك وجهدًا، وكذلك الآية التي ذكرت في سورة النور، وهو قوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ...) إلى آخر الآية. فإن كان التأويل هذا فهو يرد على الروافض قولهم ومذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنه لما ولي أبو بكو ارتدوا جميعًا، وتركوا الدِّين الذي اختاروه، فالآيتان تدلان على نقض قولهم، أنهم ارتدوا؛ لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبر أنه مكن لهم في الأرض، واستخلفهم، ووعد لهم الجنة، وإنما ارتد من كان إسلامه بالقهر والغلبة فإذا مكن لهم تركوا ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الآية وإن كان ظاهرها خبرا ووعدا فهي في الحقيقة أمر: أن افعلوا كذا... إلى آخر ما ذكر.
وقوله: (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) يحتمل قوله: (عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) أي: ترجع إليه الأمور في الآخرة، كقوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
وجائز أن يكون قوله: (عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) أن يكون عاقبة الأمور لأوليائه من النصر والقهر على أعدائه، فالمراد بالإضافة إليه: أولياؤه، كقوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) أي: إن، تنصروا أولياءه، أو تنصروا دينه، ينصركم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)
وقوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ...) الآية.
الحج 22:42
الآيتان ٤٢ و ٤٣ : وقوله تعالى :﴿وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود﴾﴿وقوم إبراهيم وقوم لوط﴾ )(١) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : وإن يكذبوك في ما أخبرت لهم، وذكرت من التمكين والثبوت على الدين، ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت(٢) الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، أو وعدوا لهم بنصر أو نحوه.
والثاني(٣) : جائز أن يكون قوله﴿وإن يكذبوك﴾في الرسالة وفي ما تخبر عن الله من الأخبار، يصبر رسوله : لست أنت بأول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا من قبلك رسلهم في الرسالة. وهو ما قال﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾الآية ( هود : ١٢٠ ).
١ في الأصل: الآية..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: لهم..
٣ في الأصل وم: و..
الحج 22:43
الآيتان ٤٢ و ٤٣ : وقوله تعالى :﴿وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود﴾﴿وقوم إبراهيم وقوم لوط﴾ )(١) هذا يخرج على وجهين :
أحدهما : وإن يكذبوك في ما أخبرت لهم، وذكرت من التمكين والثبوت على الدين، ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت(٢) الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، أو وعدوا لهم بنصر أو نحوه.
والثاني(٣) : جائز أن يكون قوله﴿وإن يكذبوك﴾في الرسالة وفي ما تخبر عن الله من الأخبار، يصبر رسوله : لست أنت بأول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا من قبلك رسلهم في الرسالة. وهو ما قال﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾الآية ( هود : ١٢٠ ).
١ في الأصل: الآية..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: لهم..
٣ في الأصل وم: و..
الحج 22:44
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: وإن يكذبوك فيما أخبرت لهم وذكرت من التمكين، والثبوت على الدِّين، ووعدت لهم الجنة، فقد كذبت الأمم الذين من قبلك رسلهم إذا أخبروا لهم بشيء، أو وعدوا لهم بنصر، أو نحوه.
وجائز أن يكون قوله: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ) في الرسالة وفيما تخبر عن اللَّه من الأخبار، يصبر رسوله: لست أنت بأول رسول مكذب في الخلق، ولكن قد كذب الأقوام الذين كانوا قبلك رسلهم في الرسالة، وهو ما قال: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...) الآية.
وقوله: (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) أي: لم يعاقب اللَّه قومًا كذبوا رسلهم وقت تكذيبهم الرسل، بل أمهلهم حتى اغتروا بتأخير العذاب عنهم، وزاد لهم تكذيبًا وعنادًا، فعند ذلك أخذوا، وعوقبوا بالتكذيب، وهو ما أخبر عنهم، وهو كقوله: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ).
قال الحسن: إن اللَّه لم يهلك قومًا بأول التكذيب، ولكن أمهلهم قرنًا فقرنا، وقوما بعد قوم، ورسولا بعد رسول، فعند ذلك إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم، وإن كان يعلم في الأزل من يؤمن منهم ومن لا يؤمن حتى يعلم علم ظهور وعلم ابتلاء أنهم لا يؤمنون، وهو كقوله: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ) علم ظهور في الخلق، وإن كان يعلم علم باطن وخفي.
وقوله: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) لم يهلك اللَّه تعالى أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك، كقوله: (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)، وكقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ)، وأمثاله كثير، على ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) فإذا ذهبت السقف وبقيت الحيطان فهي خاوية على عروشها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: خاوية: خربة، ساقطة حيطانها على سقوفها.
وقال الحسن: العريش: كل ما ارتفع من الأرض وعلا، يقال: عرش، وعروش جمع، وهكذا كان ما أهلك اللَّه من القرى:
الحج 22:45
الآية ٤٥ : وقوله تعالى :﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة﴾ لم يهلك الله عز وجل أهل قرية إهلاك استئصال وتعذيب إلا بعد عناد أهلها وظلم شرك كقوله :﴿وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾( القصص : ٥٩ )
وكقوله :﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم﴾( هود : ١١٧ ) وأمثاله كثيرة(١).
وقوله تعالى :﴿فهي خاوية على عروشها﴾( قال بعضهم )(٢) : فإذا ذهبت السقف وبقيت(٣) الحيطان﴿فهي خاوية على عروشها﴾ وقال بعضهم : خاوية : خربة ساقطة حيطانها على سقوفها.
وقال الحسن : العريش : كل ما ارتفع من الأرض، وعلا ؛ يقال : عرش، وعروش جميع. وهكذا كان ما أهلك الله من القرى : منها ما أهلك أهلها، وترك القرى والبنيان على حالها لأوليائها ؛ من ذلك فرعون( وقومه وغيرهم )(٤) من الأقوام، ومنها ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئا من نحو قريات لوط وثمود وعاد وغيرها(٥).
وقال بعضهم : العروش(٦) هي أجزام الشجر، وكأنها أساطينها(٧). وأصل الخاوية خلاؤها عن الأهل(٨).
وقوله تعالى :﴿وبئر معطلة﴾عطلها أهلها، ليس بها أحد. لا أنها خربت على ( ما )(٩) ذكرنا من إهلاك أهلها.
وقوله تعالى :﴿وقصر مشيد﴾قال بعضهم :﴿مشيد﴾مجصص، والشيد الجص، وقال بعضهم﴿مشيد﴾ مرتفع، والمشيد بالتشديد المطول المرتفع.
قال القتبي : المشيد المبني بالشيد، وهو الجص، والمشيد المطول، ويقال : هما سواء، وهو مطول. وكذلك قال أبو عوسجة أو قريبا ( منه )(١٠).
وكأنه ذكر هذا لأهل مكة لوجهين : أحدهما : أن كانت قرية، فيها قصور مشيدة محصنة، يتحصنون بها. يخبر أن من كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا. فلما كذبوا وسلهم لم ينفعهم ذلك، ولكن نزل بهم العذاب. فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك.
( والثاني )(١١) : أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين. فقال : إن أولئك قد كانوا آمنين مطمئنين في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل. فأنتم وإن كنتم آمنين فسينزل بكم ما نزل بأولئك. وهو ما قال سبحانه وتعالى﴿وضرب مثلا قرية كانت أمنة مطمئنة﴾ الآية ( النحل : ١١٢ ) والله أعلم.
١ في الأصل وم: كثيرة..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: بقية..
٤ في الأصل وم: وقوله وغيره..
٥ في الأصل وم : وهؤلاء..
٦ في الأصل وم: والعرش..
٧ في الأصل وم: أسطوانته..
٨ أدرج بعدها في الأصل وم: و كذلك..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم أو..
الحج 22:46
منها: ما أهلك أهلها وترك القرى والبنيان على حالها لأوليائها، من ذلك فرعون وقومه، وغيره من الأقوام.
ومنها: ما أهلك القرى بأهلها، لم يترك منها شيئًا، من نحو قريات لوط وثمود وهَؤُلَاءِ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: العرش: هي أجذام الشجر، وكأنها أسطوانة، وأصل الخاوية: خلاؤها عن الأهل، وكذلك قوله: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) عطلها أهلها، ليس بها أحد، لا أنها خربت على أماأ ذكرنا من إهلاك أهلها.
وقوله: (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: (مَشِيدٍ): مجصص، والشيد: الجصّ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَشِيدٍ): أي: مرتفع، والمُشَيَّد - بالتشديد -: المطول المرتفع.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: المشِيد: المبني بالشيد، وهو الجص، والمشَيَّد: المطول، ويقال: هما سواء، وهو مطول. وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ أو قريبًا، وكأنه ذكر هذا لأهل مكة لوجهين:
أحدهما: أن كانت لهم قرية فيها قصور مشيدة محصنة يتحصنون بها، يخبر أن من كان قبلكم أشد قوة وأكثر حصنا وقصورا، فلما كذبوا رسلهم لم ينفعهم ذلك، ولكن نزل بهم العذاب، فعلى ذلك أنتم يا أهل مكة إذا كذبتم رسولكم ينزل بكم مثل ما نزل بأُولَئِكَ.
أو أن يكونوا آمنين فيها مطمئنين، فقال: إن أُولَئِكَ قد كانوا آمنين مطمئنين في قراهم كأمنكم، ثم نزل بهم ما نزل، فأنتم دوإن كنتم آمنين فينزل بكم ما نزل بأُولَئِكَ، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً...) الآية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) هلا ساروا في أن ارض، فتكون لهم قلوب يعقلون بها فينظروا؛ ليعرفوا ما حل بأُولَئِكَ بالتكذيب؛ فيمتنعون عنه، (أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا) أي: يسيروا فيستمعوا إلى الأخبار التي فيها ذكر هلاكهم، وما نزل بهم بالتكذيب والعناد؛ لأن ما حل بالأولين إنما يعرف ذلك بأحد أمرين: إما بالمعاينة بالنظر
الحج 22:47
إليهم، وإمَّا بالسماع من الأخبار.
أو أن يكون قوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم تكن لهم قلوب - عقول أو أفهام - يعقلون بها ما نزل بأُولَئِكَ بالتكذيب فيعتبروا بذلك، ولا كانت لهم آذان يستمعون ما حل بهم، أي: كانت لهم عقول يعقلون بها لو نظروا حق النظر، وآذان يسمعون بها لو سمعوا حق السماع، لكنهم لما لم ينتفعوا بعقولهم وأسماعهم نفى ذلك عنهم، وهو ما قال: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) الظاهرة، (وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) وهو ما نفى عنهم السمع والبصر؛ لتركهم الانتفاع بها (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذه الآية في شأن عبد اللَّه بن زائدة ابن أم مكتوم الأعمى، معناه: أن العمى عمى القلب، ليس عمى البصر، وهو كان أعمى البصر، لا أعمى القلب، هذا معناه إن ثبت، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ (٤٧) أي: لن يخلف اللَّه وعده الذي وعد في نزول العذاب، أي: ينزل بهم، لا يتقدم ولا يتأخر عن ميعاده.
وقوله: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ).
قال عامة أهل التأويل - نحو ابن عَبَّاسٍ والضحاك ومجاهد وهَؤُلَاءِ -: إنها هي الأيام التي خلق اللَّه فيها الدنيا وجعلها أجلا لها، يعد كل يوم من تلك الأيام كألف سنة، وإلى هذا صرف عامة أهل التأويل، فلا نعلم لذلك وجهًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: وإن يومًا عند ربك من عذابهم في الآخرة كألف سنة مما تعدون في الدنيا، اليوم الواحد ألف سنة.
ووجه هذا: أن الوقت القصير القليل يجوز أن يصير مديدًا طويلا؛ لشدة العذاب والبلاء، نحو ما قيل لهم: (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، قصر مقامهم في الدنيا؛ لشدة ما عاينوا من العذاب، فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون هذا لا للتوقيت والمدة؛ إذ الآخرة مما لا غاية لانتهائها، وكل شيء
الحج 22:48
لا غاية لانتهائه، فذكر الوقت له يخرج مخرج التمثيل لا التوقيت، كقوله: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، وقال: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، ليس على التحديد لها والتوقيت، ولكن على ما خرج عن الأوهام ذكر ذلك ومثلها به، فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ (٤٨) أي (أَمْلَيْتُ لَهَا) لم آخذها وقت ظلمهم (ثُمَّ أَخَذْتُهَا) من بعد (وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ).
وقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) هو ظاهر، قد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ (٥٠) لذنوبهم ومعاصيهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وقَالَ بَعْضُهُمْ: سماه رزقا كريمًا؛ لأن من رزق ذلك وأعطي يكرم ويعظم قدره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سماه: كريمًا؛ لأن الكريم هو الذي يقضي عنده الحوائج والحاجات؛ فعلى ذلك هو الرزق من ناله وأصابه قضى عنده الحوائج؛ لذلك سمي: كريمًا، والله أعلم.
وقوله: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) في بعض القرآن: [(مُعَاجِزِينَ)] قَالَ بَعْضُهُمْ: (مُعَجِزِينَ): مثبِّطين مبطئين، يبطئون الناس عن اتباع الشيء.
والأشبه - عندنا - أن يكون قوله: (مُعَاجِزِينَ): سابقين فائتين، لكنه على الإضمار، كأنه قال: (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ) على ظن منهم أنهم سابقون فائتون عن عذابه (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).
* * *
قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ
الحج 22:49
الآية ٤٩ : وقوله تعالى :﴿قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين﴾هو ظاهر، قد ذكرنا في غير موضع.
الحج 22:50
الآية ٥٠ : وقوله تعالى :﴿فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة﴾ لذنوبهم ومعاصيهم﴿ورزق كريم﴾ قال بعضهم : سماه رزقا كريما لأن من رزق ذلك، وأعطي، يكرم، ويعظم قدره. وقال بعضهم : سماه كريما لأن الكريم هو الذي تقضى عنده الحوائج والحاجات. فعلى ذلك هذا الرزق ؛ من ناله، وأصاب، قضيت عنده الحوائج. لذلك سمي كريما، والله أعلم.
الحج 22:51
الآية ٥١ : وقوله تعالى :﴿والذين سعوا في آياتنا معاجزين﴾في بعض القراءات : معجزين(١). قال بعضهم :﴿معاجزين﴾ مُثَبطين مُبْطِئينَ ؛ يُبْطئون الناس عن اتباع الشيء.
والأشبه عندنا أن يكون قوله :﴿معاجزين﴾سابقين قانتين، لكنه على الإضمار ؛ كأنه قال :﴿والذين سعوا في آيتنا معاجزين﴾ على ظن منهم أنهم سابقون فائتون عن عذابه ﴿أولئك أصحاب الجحيم﴾.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٤/١٩١..
الحج 22:52
مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)
وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى... (٥٢) أي: تلا (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) قيل: في تلاوته، وقراءته الآية.
قال عامة أهل التأويل: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا تمنى - أي: تلا في صلاته - أو حدث نفسه، ألقى الشيطان على لسانه عند تلاوته بـ (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) حتى إذا انتهى إلى قوله: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى). قال: " تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى ". ويذكرون أنه أتاه على صور جبريل، فألقى عليه ما ذكروا، ثم أتاه جبريل فأخبره النبي بذلك، فقال له: إنه لم ينزل عليه قط شيئًا مثله. وأمثال ما قالوا.
لكنه لو كان ما ذكر هَؤُلَاءِ كيف عرفه في المرة الثانية أنه جبريل، وأنه ليس بشيطان، ولا يؤمن أنه يلبس عليه في وقت آخر في أمثاله.
وقال قتادة: إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يتمنى أن يذكر اللَّه آلهتهم بعيب، فلما قرأ تلك الآية (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، قال: " إنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى عندهم "، يعني به: عند أُولَئِكَ الكفرة، وهم على ذلك كانوا يعبدونها.
وقال الحسن: إنه أراد بقوله: " تلك الغرانيق العلا وإن، شفاعتهن لترتجى " الملائكة؛ لأنهم كانوا يعبدون الملائكة؛ رجاء أن يشفعوا لهم يوم القيامة، فأخبر أن شفاعة الملائكة ترتجى.
وهذان التأويلان أشبه من الأول.
والأشبه - عندنا -: أن يكون على غير هذا الذي قالوا، وهو أن قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أي: عند تلاوته القرآن في قلوب الكفرة ما يجادلون به رسول اللَّه ويحاجونه؛ فيشبهون بذلك على الأتباع ليتبعوهم، وهو نحو قولهم: إنه يحرم ما ذبحه اللَّه، ويحل ما ذبح هو بنفسه. ونحو قولهم عند نزول قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) فقالوا: إن عيسى وعزيرًا والملائكة عُبِدوا دون اللَّه فهم حصب جهنم إذن، ونحو صرفهم قوله: (الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ)، إلى حساب الجُمَّل، وأمثال هذا مما حاجوا رسول اللَّه وجادلوه به، فأخبر أنه ينسخ مجادلتهم ومحاجتهم رسوله، وأنه يُحكم آياته، حيث قال عند قولهم: إنه يحل ذبح نفسه ويحرم ذبح اللَّه، فبين أنه بم حرم هذا؟ وبم حل الآخر؟ وهو قوله: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)، ولكن كلوا مِمَّا ذكر اسم اللَّه عليه. فبيّن أنه إنما حلَّ هذا بذكر اسم اللَّه عليه، وحرم الآخر بترك ذكر اسم اللَّه عليه.
وبين في قولهم: إن عيسى عبد دون اللَّه والملائكة عبدوا دونه، فهم ليسوا بحصب جهنم، حيث استثنى أُولَئِكَ فقال: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى... الآية. وأبطل مجادلتهم ومحاجتهم، بصرفهم الآية إلى حساب الجُمَّل بقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ...) الآية، فهذا - واللَّه أعلم - تأويل قوله -: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ) نسخ ما ألقى الشيطان في قلوب أُولَئِكَ الكفرة ما به جادلوه، وأحكم آياته بما ذكرنا.
ثم إن ثبت ما ذكر ابن عَبَّاسٍ وعامة من ذكرنا، حيث قالوا: جرى على لسانه ذلك، فجائز عندنا جرى الخطأ على لسان من عصم إذا عرف السامع منه مذهبه ودينه الذي يدين به، عرف أن ما جري غلطا وخطأ، نحو من يعتقد مذهبًا وينتحل نحلة، فجرى على لسانه خلاف ما يعرف منه الاعتقاد، يعرف أنه جرى على لسانه غلطًا، فعلى ذلك الذي ذكره أهل التأويل؛ إن ثبت ما ذكروا عنه أنه قال ذلك.
والأشبه فيه ما ذكرنا من إلقاء الشيطان في قلوب الكفرة ما يجادلون به رسول الله ويحاجونه، كقوله: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ...) الآية.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى) أي: تلا القرآن (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أي: في تلاوته. وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ، وقال: أمانِيَّ مشددة جمع.
وقال غيرهما: إذا تمنى: إذا حدث، وفي أمنيته: في حديثه.
الحج 22:53
قَالَ بَعْضُهُمْ: تمنى وأمنيته: هو من تمني النفس، كقوله: (وَلَا تَتَمَنَّوْا...) الآية، ونحوه وهو قول الحسن: تمنى كبعض ما تمنى الناس من الدنيا.
وقال قتادة: تمنى ما ذكرنا من تمني النفس أن يذكر آلهتهم التي كانت تدعى وترجى شفاعتهن، على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) هذا تأويل القوم: ليجعل ما يُلقي الشيطان في قلوب أُولَئِكَ الكفرة فتنة للذين ذكر؛ لما ظنوا لعله لا يقدر الإجابة لهم، أو لا يحضره ما يجيبهم؛ فيكون ذلك فتنة لهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) كأنهم هم المنافقون؛ لأنهم هم الموصوفون المسمون بهذا الاسم، كقوله: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).
وقوله: (وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) كأنهم هم الرؤساء المكابرون المعاندون لرسول الله والكفرة كلهم موصوفون بقساوة قلوبهم، كقوله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً).
وقوله: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) يحتمل: أي: لفي عناد وفي مكابرة بعيد عن الإجابة له، أو بعيد لاستماع الحق وقبوله.
وقيل: شقاق: أي: خلاف بعيد، أي: لا يرجعون إلى الوفاق أبدًا.
وقوله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ (٥٤) وقوله: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) هذه الآية كالآيات التي ذكرناها فيما تقدم، من ذلك قوله (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ...) الآية. ونحوها من الآيات التي وصفت أهل التوحيد بالقبول لها والخضوع والإقبال إليها ووصفت أهل الكفر بالرد والتكذيب، فعلى ذلك قوله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) علم الذين أوتوا العلم أن القرآن ومحمدًا لحق من ربك؛ لأنهم نظروا إليه بالتعظيم والتبجيل والخضوع له، فأقروا به، فزاد لهم بذلك هدى ورحمة وشفاء، وأُولَئِكَ نظروا إليه بالاستخفاف والاستهزاء والتكذيب، فزاد لهم بذلك رجسًا وضلالا وفسادا.
وقوله: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو يوم بدر.
الحج 22:54
الآية ٥٤ : وقوله تعالى :﴿وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم﴾ قوله :﴿فتخبت له قلوبهم﴾أي تخضع، وتَذِلَّ، وهو ما ذكرنا في قوله :﴿وبشر المخبتين﴾( الحج ٣٤ ).
الحج 22:55
الآية ٥٥ : وقوله تعالى :﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه﴾هذه الآية كالآيات التي ذكرناها في ما تقدم : من ذلك قوله :﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾﴿وأما الذين في قلوبهم مرض﴾الآية ( التوبة ١٢٤ و ١٢٥ ) ونحوها من الآيات التي وصفت(١) أهل التوحيد بالقبول لها والخضوع والإقبال إليها، ووصفت(٢) أهل الكفر بالرد والتكذيب.
فعلى ذلك قوله :﴿وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك﴾علم الذين آمنوا(٣) أن القرآن ومحمدا الحق من ربك لأنهم نظروا إليه بالتعظيم والتبجيل والخضوع له، فأقروا به، فزاد لهم بذلك هدى ورحمة وشفاء. وأولئك نظروا إليه بالاستخفاف والهواء والتكذيب فزاد لهم بذلك رجسا وضلالا وفسادا(٤).
وقوله تعالى :﴿عذاب يوم عقيم﴾قال بعضهم : هو يوم بدر، وقال بعضهم : هو عذاب يوم القيامة، وهو شديد. وجائز أنه سماه عقيما لأنه لا ترجى النجاة منه ولا الخير. وكذلك سميت المرأة التي لا تلد عقيما ( لما(٥) ) لا يرجى منها الولد.
١ في الأصل وم: وصف..
٢ في الأصل وم: وصف..
٣ في الأصل وم: أوتوا العلم..
٤ من م، في الأصل: وفسادة..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
الحج 22:56
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو عذاب يوم القيامة وهو شديد.
وجائز أنه سمَّاه عقيمًا؛ لأنه لا يرجى النجاة منه، وكذلك سميت المرأة التي لا تلد: عقيمًا؛ لما لا يرجى منها الوليد.
وقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) قال الحسن: الملك في الأحوال كلها لله في الدُّنيَا والآخرة، لكن تأويل قوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) أي: الحكم يومئذ لله، هو يحكم بينهم دون الخلائق؛ لأن في الدُّنيَا من قد حكم غيره، فأما يومئذ فالحكم له.
وعندنا: تخصيص الحكم يومئذ له بالذكر وإن كان الملك في الأيام كلها لله؛ لأنهم جميعًا يقرون له بالملك يومئذ، لا أحد ينازع، وفي الدنيا من قد ادعى الملك لنفسه، وهو ما ذكره في قوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا)، (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، ونحوه، فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧) ظاهر تأويله.
وقوله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) أما أهل التأويل فإنهم صرفوا تأويل الآية إلى الغزاة والمجاهدين في سبيل اللَّه فقتلوا أو ماتوا حتف أنفهم، فإن لهم ما ذكر من الرزق الحسن والمدخل المرضي، وظاهره أن يكون في الذين هاجروا إلى رسول اللَّه، فإن كان فيهم ففيه دلالة نقض قول الروافض، حيث قالوا: ارتد عامتهم، حيث شهد اللَّه لهم بالجنة، والرزق الحسن، والمدخل المرضي، قتلوا أو ماتوا حتف أنفهم؛ فلا يحتمل أن يكون منهم ما قالوا.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ)، أي: تخضع وتذل، وهو ما ذكرنا في قوله: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ).
وقال: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) كأنه عقم عن أن يكون فيه خيرا وفرجًا للكافر.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ): شديد، وهو ما ذكرنا.
وقوله: (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا) قيل: هو الجنة؛ لأنه إنما ذكر بعد الموت والقتل؛ فلا يكون رزق حسن إلا في الجنة يستحسنها كل طبع وعقل.
الحج 22:57
الآية ٥٧ :( وقوله تعالى )(١) :﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين﴾ظاهر ( تأويلهما في
١ ساقطة من الأصل وم..
الحج 22:58
الآية ٥٨ : وقوله تعالى (١) ) والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ).
أما أهل التأويل فإنهم صرفوا تأويل الآية إلى الغزاة والمجاهدين في سبيل الله قتلوا، أو ماتوا حاف أنفهم، فإن لهم ما ذكر من الرزق الحسن والمدخل المرضي.
وظاهره أن يكون في الذين هاجروا إلى رسول الله. فإن كان فيهم ففيه دلالة نقض قول الروافض حين(٢) قالوا : ارتد عامتهم حين(٣) شهد الله لهم بالجنة والرزق الحسن والمدخل المرضي ؛ قتلوا، أو ماتوا حتف أنفهم. فلا يحتمل أن يكون منهم ما قالوا.
قال القتبي : قوله :﴿فتخبت له قلوبهم﴾ أي تخضع، وتذل. وهو ما ذكرنا في قوله ﴿وبشر المخبتين﴾ وقال ﴿عذاب يوم عقيم﴾ عن أن يكون فيه خير أو فرج للكافر.
وقال أبو عوسجة :﴿عذاب يوم عقيم﴾شديد وهو ما ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿ليرزقنهم الله رزقا حسنا﴾ قيل : هو الجنة، لأنه إنما بعد الموت والقتل. فلا يكون /٣٥١-أ/ رزق حسن إلا في الجنة، فيستحسنها كل طبع وعقل.
وقوله تعالى :﴿وإن الله لهو خير الرازقين﴾أخبر أنه خير الرازقين، وإن لم يكن رازق سواه، لأنهم كانوا يطمعون ويطلبون الرزق والسعة من عند من سواه حين كانوا يعبدون من دونه طمعا في السعة. فأخبر أنه هو الرازق، ومنه يطمع الرزق والسعة، لأنه هو المالك لذلك. وهو ما قال﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾( المؤمنون : ١٤ )، ( وقال :﴿أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين﴾( الصافات ١٢٥ ) )(٤) وإن لم يكن خالق سواه.
١ في الأصل وم تأويله و..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ ساقطة من الأصل وم..
الحج 22:59
وقوله: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أخبر أنه خير الرازقين وإن لم يكن رازق سواه؛ لأنهم كانوا يطمعون ويطلبون الرزق والسعة من عند من سواه، حيث كانوا يعبدون من دونه طمعًا في السعة، فأخبر أنه هو الرزاق، ومنه يطمع الرزق والسّعة؛ لأنه هو المالك لذلك، وهو ما قال: (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وإن لم يكن خالق سواه.
وقوله: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) وهو الجنة أيضًا، يرضى بها كل طبع وعقل، (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ) عليم بما صنع بأوليائه أعداؤه، أو ما صنع هو بأوليائه، (حَلِيمٌ) حيث أخر الانتقام من أعدائه، لم ينتقم منهم وقت صنيعهم به، صنعوا بأوليائه، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)
وقوله: (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) قد ذكرنا فيما تقدم أنه جائز في اللغة ذكر حرف (ذلك) وحرف (هذا) على الابتداء وإن كان مما يخبر به عن غائب، نحو قوله: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ)، وقوله: (هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ) يستقيم ذكره بدون ذكر (هَذَا) وهو أن يقول: وإن للمتقين كذا، وإنّ للطاغين كذا، فعلى ذلك هذا.
أو أن يكون ذكر ذلك صلة ما سبق من ذكر الأنباء والأخبار، يقول: ذلك الذي ذكرت لك وأنبأتك: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ).
ثم اختلف في سبب نزول هذه الآية:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هي في القصاص: أن من قتل ولي آخر فاقتص منه، ثم أن المقتص منه بغى على ولي المقتول فقتله، لينصرنه على من بغى عليه، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)، ثم قال: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ...) كذا، لكن ذكر هاهنا الاعتداء بعد ما أخذ المال وعفا، وفي الأول ذكر البغي بعد القصاص، وهو واحد في معناه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزل في المؤمنين والمشركين، وذلك أن المشركين عاقبوا المؤمنين بعقوبات واعتدوا عليهم، ثم إن المسلمين ظفروا بهم، فعاقبوهم جزاء عقوبتهم، ثم إن
الحج 22:60
الآية ٦٠ : وقوله تعالى :﴿ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به﴾قد ذكرنا في ما تقدم أنه جائز في اللغة ذكر حرف : ذلك وحرف. هذا على الابتداء، وإن كان مما يخبر به عن غائب، نحو قوله :﴿هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب﴾( ص : ٤٩ ) ( وقوله )(١) ﴿هذا وإن للطاغين لشر مئاب﴾( ص : ٥٥ ) يستقيم ذكره بدون ذكر هذا، و هو أن يقول : وإن للمتقين كذا، و إن للطاغين كذا. فعلى ذلك هذا، أو أن يكون ذلك صلة ما سبق من ذكر الأنبياء ؛ يقول : ذلك الذي ذكرت لك، وأنبأتك : من عاقب بمثل ما عُوقب به.
ثم اختلف في سبب نزول هذه الآية : قال بعضهم : هي في القصاص : من قتل ولي آخر، فاقتص منه، ثم إن المقتص منه بغى على ولي المقتول، فقتله﴿لينصرنه الله﴾على من بغى عليه. وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله :﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ثم قال :﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله ( عذاب أليم﴾ )(٢) ( البقرة : ١٧٨ ).
لكن ذكر ههنا الاعتداء بعدما أخذ المال، وعفا. وفي الأول البغي بعد القصاص، وهو واحد في معناه.
وقال بعضهم : نزل في المؤمنين والمشركين ؛ وذلك أن المشركين عاقبوا المؤمنين بعقوبات، واعتدوا عليهم. ثم إن المسلمين ظفروا بهم، فعاقبوهم جزاء عقوبتهم، ثم إن المشركين بغوا على المؤمنين، فوعد الله لهم بالنصر عليهم بعد البغي.
وقال بعضهم قريبا من هذا ؛ وهو أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله ومن آمن منهم، ويعاقبونهم في أشهر الحج، ولم يكن للمؤمنين إذن بقتالهم في ذلك الوقت، فقاتلوهم مكافأة لهم. فأخبر الله عز و جل و وعد لهم النصر إذا بغى أولئك عليهم من بعد. فعلى هذا التأويل يكون وعد النصر لهم إذا بغى أولئك عليهم من بعد. وعلى التأويل الأول يكون لهم الوعد بالنصر بعدما بغى أولئك على هؤلاء، والله أعلم بذلك.
وقوله تعالى :﴿إن الله لعفو غفور﴾ أمر للمؤمنين بقتالهم أولئك في أشهر الحج حين(٣) كان لم يأذن لهم بالقتال، أو ﴿إن الله لعفو غفور﴾ إذا تابوا ورجعوا عما فعلوا والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: كذا..
٣ ساقطة من الأصل وم..
الحج 22:61
المشركين بغوا على المؤمنين، فوعد اللَّه لهم النصر عليهم بعد البغي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ قريبًا من هذا، وهو أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول اللَّه ومن آمن منهم، ويعاقبونهم في أشهر الحج، ولم يكن للمؤمنين إذن بقتالهم في ذلك الوقت، فقاتلوهم مكافأة لهم، فأخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ووعد لهم النصر إذا بغى أُولَئِكَ عليهم من بعد؛ فعلى هذا التأويل يكون وعد النصر لهم إذا بغى أُولَئِكَ عليهم من بعد، وعلى التأويل الأول يكون لهم الوعد بالنصر بعد ما بغى أُولَئِكَ على هَؤُلَاءِ، واللَّه أعلم بذلك.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) للمؤمنين بقتالهم أُولَئِكَ في أشهر الحج، حيث كان لم يأذن لهم بالقتال.
أو (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) إذا تابوا ورجعوا عما فعلوا، واللَّه أعلم.
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) قد ذكرنا أن حرف (ذَلِكَ) يستقيم ذكره على الابتداء والائتناف على غير صلة.
وجائز أن يكون صلة قوله: (لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ)، أي: ذلك النصر لمن ذكر؛ لأن من قدر على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل - قادر على ما وعد من النصر لهم.
وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (سَمِيعٌ)، لأقوالهم، (بَصِيرٌ) بحوائجهم،
والسميع، يقال: هو المجيب، أي: مجيب لدعائهم، (بَصِيرٌ) بما يكون من الأعداء.
أو أن يكون على الابتداء في كل أمر، وكذلك: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ (٦٢) ما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ) أي: هو الذي يفعل هذا.
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) قال الحسن: الحق: هو اسم من أسماء اللَّه، به يعطي وبه يحكم بين الخلق، وبه يقضي، ونحوه.
وجائز أن يكون قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أي: عنده يتحقق ما يطمع في العبادة ويطلب؛ إذ هو المالك لذلك.
وقوله: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) أي: ما تطمعون بعبادة من دونه باطل، وهو الأصنام التي عبدوها رجاء الشفاعة، أو طمعا في السعة، فأخبر أنها لا تملك ذلك، وإنما ذلك لله.
وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) أي: من عنده يطلب العلو، ومن عنده يطلب ويطمع الرزق، والسعة، والشفاعة، والنصر، والظفر، والإجابة، لا من عند هَؤُلَاءِ
الحج 22:62
الآية ٦٢ : وقوله تعالى :﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾ قال الحسن : الحق هم اسم من أسماء الله، به يعطي، وبه يحكم بين الخلق(١)، وبه يقضي، ونحوه. وجائز أن يكون قوله :﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾أي عنده يتحقق ما يطمع في العبادة، ويطلب ؛ إذ هو المالك لذلك.
وقوله تعالى :﴿وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾أي ما يطمعون في عبادة من دونه باطل، وهو الأصنام التي عبدوها رجاء الشفاعة وطمعا في السعة. فأخبر أنها لا تملك ذلك. وإنما يملك(٢) ذلك الله تعالى.
وقوله تعالى :﴿وأن الله هو العلي الكبير﴾أي من عنده يطلب العلو، ومن عنده يطلب، ويطمع الرزق والسعة والشفاعة والنصر والظفر والإجابة، لا من عند هؤلاء الأصنام التي يعبدونها. يذكر سفههم بعبادتهم الأصنام من دون الله.
١ في الأصل وم الحق..
٢ ساقطة من الأصل وم..
الحج 22:63
الأصنام التي يعبدونها، يذكر سفههم بعبادتهم الأصنام من دون اللَّه.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)
وقوله: (أَلَمْ تَرَ) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (أَلَمْ تَرَ) إنما هو حرف تعجيب، يعجب رسول اللَّه جميع ما يفعل من أفعاله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَلَمْ تَرَ) هو حرف إيضاح الحجج وإنارة براهينه، كقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ)، ونحوه.
وأصله: أن ظاهره وإن كان استفهامًا فهو في الحقيقة تحقيق وإيجاب (أَلَمْ تَرَ) أي: قد رأيت، وقد أخبرت، وهكذا جميع ما خرج الظاهر في الكتاب مخرج الاستفهام فهو في الحقيقة إيجاب وإلزام.
ثم في قوله: (أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) وجهان من الاستدلال على منكري البعث:
أحدهما: يخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على إنزال الماء من السماء، وشق الأرض، وإخراج النبات منها مع لينه وضعفه وصلابة الأرض وشدتها - قادر على إحياء الخلق بعد الموت، ولا يحتمل أن يعجزه شيء.
والثاني: حيث قدر على إحياء الأرض بعد مواتها ويبسها، لقادر على البعث والإحياء، وقد عرفوا أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، أو يقدر على الإعادة من لا يملك على الابتداء إذا عرف الابتداء.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) قال الحسن: اللطيف في الشاهد إنما يقال على وجوه ثلاثة: أحدها: أنه يقال للشيء: لطيف؛ لرقته، وذلك عن اللَّه منفي.
والثاني: يقال: لطيف؛ لما يتأتى له الأشياء ولا يصعب عليه.
والثالث: اللطيف: هو الرَّحيم الرءوف. وهذان الوجهان يضافان إلى اللَّه، والأول لا يجوز إضافته إليه.
(خَبِيرٌ): عليم.
الحج 22:64
وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) ويخبر أن له ما في السماوات وما في الأرض، وأنهم عبيده وإماؤه، وأنه لم يخلقهم لحاجة نفسه، ولكن إنما خلقهم لحاجة أنفسهم، حيث أخبر أنه الغني بذاته.
والثاني: يخبر أنه لم يأمرهم، ولم ينههم، ولا امتحنهم لمنافع تكون له، ولكن لمنافع الممتحنين (الْحَمِيدُ) هو المحمود في فعاله، أو (الْحَمِيدُ): الحامد.
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) يذكرهم نعمه ليتأدى به شكره؛ لأنه أخبر أنه سخر لهم ما في الأرض من أنواع المنافع؛ ليعلموا أنه لم يخلقهم عبثًا ليتركهم سدى؛ لأن من كان خلقه لما ذكر لم يكن خلقه - ليكون خلقًا - متروكا سدى، ويخبر أنه أعطى لهم الأسباب التي بها يصلون إلى منافع الأرض مع شدتها وصلابتها، والأسباب التي بها يصلون إلى منافع البحر، وهي الفلك التي خلقها لهم؛ ليصلوا بها إلى منافع البحر، حيث خلق الخشب قارًّا على وجه الماء غير متسرب، وغيره من الأشياء من طبعها التسفل والتسرب في الماء من الحديد، والحجر، ونحوهما من الأشياء؛ ليعرفوا فضله ورحمته أن كيف ثبت وقر هذا على وجه الماء، ولم يثبت الحديد والحجر ونحوه، ثم ثبت الحديد على وجه الماء مع الخشب؛ إذ السفن لا تخلو عن الحديد، وبه تقوم السفن، ثم لم يتسرب، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: يمسك السماء لا بالأسباب ولا بالأشياء التي تمسك الأشياء في الشاهد، وهو ما قال: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا...) الآية.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) أي: من رأفته ورحمته ما خلق لهم وسخر ما ذكر.
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ... (٦٦) هذا قد ذكرناه.
وقوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ) جائز أن يكون قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ)، أي: الكافر (لَكَفُورٌ) للبعث أي: جاحد له، والكفور لربّه في نعمه التي أنعمها عليهم، حيث ذكر أنه سخرها لهم في قوله: (سَخَرَ لَكُمْ...) كذا؛ لأنه ينظر في النعم إلى أسبابه والحيل التي يحتال لا إلى فضل ربه وإفضاله في تلك النعم؛ لذلك صار كفورًا لربه في نعمه.
وأمَّا المؤمن فإنّه ليس ينظر إلى الأسباب والحيل فيها، ولكن ينظر إلى فضل الله وإفضاله وإنعامه عليه فيها؛ فيكون شكورًا له فيها غير كفور، والكافر ينظر إلى ما ذكرت؛ لذلك كان ما ذكر.
الحج 22:65
الآية ٦٥ : وقوله تعالى :﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره﴾ يذكرهم نعمة ليستأدي به شكره، لأنه أخبر أنه سخر لهم ما في الأرض من أنواع المنافع ليعلموا أنه لم يخلقهم عبثا ليتركهم سدى ؛ لأن من كان خلقه لما ذكر لم يكن خلقه ليكون خلقا متروكا سدى.
ويخبر أنه أعطى لهم الأسباب التي بها يصلون إلى منافع الأرض مع شدتها وصلابتها، والأسباب التي بها يصلون إلى منافع البحر، وهي الفلك التي خلقها لهم ليصلوا بها إلى منافع البحر حين(١) خلق الخشب قارة على وجه الماء غير متسربة. وغيره من الأشياء، من طبعها التسفل والتسرب في الماء كالحديد(٢) والحجر ونحوهما من الأشياء ليعرفوا فضله ورحمته، أن كيف ثبت، وقر هذا/٣٥١- ب/ على وجه الماء ؟ ولم يثبت الحديد والحجر ونحوهما(٣) ؟ ثم يثبت الحديد على وجه الماء مع الخشب ؟ إذا السفن لا تخلو من الحديد، وبه تقوم السفن، ثم لم يتسرب، والله أعلم.
وقوله تعالى﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه﴾أي يمسك السماء لا بالأسباب ولا بالأشياء التي تمسك الأشياء في الشاهد، وهو ما قال :﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾الآية ( فاطر : ٤١ ).
وقوله تعالى :﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ أي رأفته ورحمته ما خلق لهم، وسخر ما ذكر.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: من الحديد..
٣ في الأصل وم : ونَحْوُهُ..
الحج 22:66
الآية ٦٦ : وقوله تعالى :﴿وهو الذي أحياكم ثم يميتكم﴾هذا قد ذكرناه.
وقوله تعالى :﴿إن الإنسان لكفور﴾ جائز أن يكون قوله :﴿إن الإنسان﴾أي الكافر﴿لكفور﴾ للبعث، أي جاحد له. والكفور لربه في نعمه التي أنعمها عليهم حين(١) ذكر أنه لهم في قوله :﴿سخر لكم﴾كذا، لأنه ينظر في النعم إلى أسبابه والحيل التي يحتال لا إلى فضل ربه وأفضاله في تلك النعم. لذلك صار كفورا لربه في نعمه.
وأما المؤمن فإنه ليس ينظر إلى الأسباب والحيل فيها، ولكن ينظر إلى فضل الله وإفضاله وإنعامه عليه فيها، فيكون شكورا له فيها غير كفور. والكافر ينظر إلى ما ذكرت.
لذلك كان ما ذكرت على المعتزلة في قوله :﴿إن الإنسان لكفور﴾لأنه يقول : هذا الذي سخر الفلك، وهم يقولون : لم يسخر الفلك، ولكن إنما سخر الخشب ( الذي منه )(٢) تتخذ الفلك لأنهم لا يرون الله في فعل العباد تدبيرا ولا صنعا، وهم يكفرون نعمة ربهم في ما ذكر من تسخير الفلك لنا، وهم داخلون في ظاهر الآية على الوجه الذي ذكرنا.
١ في الأصل وم : حيث..
٢ في الأصل وم : التي منها..
الحج 22:67
وهذا على المعتزلة في قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ)؛ لأنه يقول: هو الذي سخر الفلك، وهم يقولون: لم يسخر الفلك، ولكن إنما سخر الخشب الذي منه تتخذ الفلك؛ لأنهم لا يرون لله في فعل العباد تدبيرًا ولا صنعًا، وهم يكفرون نعمة ربهم فيما ذكر من تسخير الفلك لنا، وهم داخلون في ظاهر هذه الآية على الوجه الذي ذكرنا.
* * *
قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)
وقوله: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا).
اختلف في المنسك:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (مَنْسَكًا)، أي: جعلنا لكل أمة دينا يدعون إليه، أي: كل أمة تُدْعى إلى دين واحد وهو دين الإسلام، وهو قول الحسن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا)، أي: شريعة، فهذا على الاختلاف، أي: جعلنا لكل أمة شريعة على حد).
(هُمْ نَاسِكُوهُ) ذلك كقوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).
وقال عامة أهل التأويل: (مَنْسَكًا): أي ذبائح وعيدًا، قالوا: ذكر هذا - والله أعلم - لأن من الناس من ينكر أن يكون الذبح شريعة اللَّه، فأخبر أن الذبح سنة الله وشريعته في الأمم كلها، ليس على ما قالت الثنوية.
وقوله: (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) على تأويل من يقول: إن المنسك هو الدِّين، أي: لا يخالجنك في نفسك أن الذي أنت عليه هو دين اللَّه وادعُ الناس إليه.
وعلى تأويل من يقول: هو الذبح، يقول: (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ)، أي: لا يصدّنك عن الذبح من ينكر ذلك، كقوله: (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ).
(وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) أي: ادع إلى توحيد ربك.
أو أن يكون قوله: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ): إلى عبادة ربك، وانْهَهُم عن عبادة من دونه.
وقوله: (إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) هذا يدل أن التأويل الذي ذكرنا في المنسك - وهو
الحج 22:68
الدِّين - أشبه وأقرب؛ لأنه ذكر (إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) فلا يتخالجن في نفسك شك في ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِنْ جَادَلُوكَ... (٦٨)
في أمر الذبيحة، أو في الدِّين، وقد جادلوه في الذين كثيرا، لكن قال ذلك - واللَّه أعلم - عند إياسه عن توحيدهم وإسلامهم، يقول - واللَّه أعلم -: (وَإِنْ جَادَلُوكَ) في الدِّين والتوحيد فقل: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وهو كقوله: (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، فعلى ذلك قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) من الذين.
قال بعض أهل التأويل: هذه الآية منسوخة، نسختها آية القتال؛ لأن فيها حظرًا عن القتال، والترك على ما هم عليه، وتسليم الأمر إلى اللَّه يحكم بينهم يوم القيامة.
لكن جائز ما ذكرنا أنه إنما قال ذلك عند الإياس منهم عن توحيدهم.
وقوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (٧٠) قد ذكرنا في غير موضع أن حرف (أَلَمْ) حرف يتوجه إلى وجوه: إلى التعجب مرة، وإلى التنبيه والإيقاظ ثانيًا، وإلى إيضاح الحجج والبراهين ثالثًا.
وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).
وقوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) حججا وبراهين، (وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ) يخبر عن سفههم أنهم يعبدون غير اللَّه ولا سلطان ولا حجة لهم، ولا لهم بذلك علم؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون برسول يخبرهم، ولا كان لهم كتاب فيعلمون به، فيقول: إنهم يقولون: اللَّه أمرهم بذلك، ولا حجة لهم في ذلك ولا علم.
وفيه أنه إنما بعث الرسل إليهم على علم منهم أنهم يكذبون الرسل؛ لأن من الناس من ينكر بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبهم ويترك إجابتهم كمن لا يبعث في الشاهد رسولا إلى من يعلم أنه يكذبه ولا يجيبه، فعلى ذلك يقولون: لا يجوز أن يكون اللَّه يبعث الرسول إلى من يعلم أنه يكذبه ولا يجيبه، لكن اللَّه أخبر أنه على علم منهم بالتكذيب وترك الإجابة منهم، حيث قال: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وأما قولهم: إن من علم في الشاهد تكذيب المرسل إليه رسوله فإنه لا يبعثه إليه؛ لأن المرسل إنما يبعثه لحاجة نفسه ومنافعه، فإذا علم منه تكذيبه وترك الإجابة لم يبعثه، فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - إنما يرسل الرسول لحاجة المرسل إليه ومنافعه، لا لحاجة نفسه ومنفعته، فلا ضرر يلحقه في تكذيبه وجحوده، فجائز أرسله على علم منه بالتكذيب.
وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن ذلك العلم في الكتاب الذي عنده.
الحج 22:69
الآية ٦٩ :( وقوله تعالى ) (١) :﴿الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون﴾من الدين. وقال بعض أهل التأويل : هذه الآية منسوخة نسختها آية القتال(٢) لأن فيها حظرا عن القتال والترك على ما هم عليه وتسليم الأمر إلى الله، يحكم بينهم يوم القيامة. لكن جائز ما ذكرنا أنه إنما قال ذلك عند الإياس منهم من توحيدهم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ بقوله:﴿كتب عليكم القتال﴾ (البقرة: ٢١٦)..
الحج 22:70
الآية ٧٠ : وقوله تعالى :﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن حرف﴿ألم﴾حرف يتوجه إلى وجوه : إلى التعجيب مرة وإلى التنبيه والإيقاظ ثانيا وإلى إيضاح الحجج والبراهين ثالثا.
وقوله تعالى :﴿إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾.
الحج 22:71
(إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) يقول: حفظه يسير على اللَّه بغير كتاب، لا يصعب عليه حفظ شيء؛ لأنه عالم بذاته، لا بسبب ولا تعليم، وإنَّمَا يصعب حفظه على من كان علمه بالشيء بسبب وتعليم.
وقوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) فيه دلالة رد قول القدرية، حيث قالوا: يكذب من كذب الرسل لا بإرادة اللَّه، فذكر أنه على علم منه ذلك منهم، وكذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " سيكُون في آخر الزمَانِ ناسٌ من أمتي يُكذبون بالقدَرِ سَيكفيكم من الرد عليهم أن تقولوا: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ".
وتأويل هذا - واللَّه أعلم -: أن يُسألوا، فيقال لهم: أراد اللَّه أن يصدق خبره الذي أخبر أو يكذب؟
فإن قالوا: أراد أن يصدق في خبره، لزمهم أن يقولوا: أراد جميع ما كان منهم.
وإ قالوا: أراد أن يكذب خبره، فيكون كفرًا محضًا.
* * *
قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)
وقوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) هو ما ذكرنا أنه يسفههم بعبادتهم دون اللَّه بلا حجة، ولا برهان، ولا علم، وتركهم عبادة اللَّه مع الحجج، والبراهين، والعلم أنه إله، وأنه ربهم مستوجب للعبادة.
وقوله: (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) ينصرهم ويمنعهم من عذاب اللَّه، ففيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه إنما قال ذلك للرؤساء منهم والقادة فلم يتهيأ لهم نصرة شيء، ولا رد ما قال بشيء دل أنه باللَّه كان ذلك، واللَّه أعلم.
الحج 22:72
وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ... (٧٢) يحتمل الآيات: الحجج والبراهين، ويحتمل: القرآن المنزل عليه.
(تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ): الإنكار، آثروا العناد، والرد لآياته، والكراهية والبغض له.
قوله تعالى: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) يخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعتوهم عند تلاوة الآيات عليهم، وإقامة الحجج عليهم، حيث قال: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ) (يَسْطُونَ)، قيل: يأخذون أخذا، وقيل: يبطشون بطشًا.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (يَسْطُونَ)، أي: يتناولونهم بالمكروه من الشتم والضرب.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ) أي: يقعون بهم، يقال: سطا يسطو سطوة، ورجل ذو سطوة وبطشة، أي: ذو قوة وقدرة، قال: ويقال: سطوت بفلان، أي: أخذته أخذا شديدًا، أو بطشت به كذلك.
ثم قال: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ) ظاهر الآية ليس بجواب لما تقدم، ولا صلته، وليس على الابتداء، ولكن على نازلة وأمر كان منهم، لم يذكر لنا ذلك.
فأما ابن عَبَّاسٍ وغيره من أهل التأويل قالوا: إنما أنزلت جوابا لما قالوا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولأصحابه، حيث قالوا: ما نعلم قوما أشقى منكم حيث رأوهم قد حظر الدنيا عليهم، لم يعطوا من الدنيا شيئًا، فنزل جوابًا لهم: (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ...) الآية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو جواب قوله: (يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ) (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ)؛ كقوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ...) الآية.
وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ... (٧٣) قد ذكر معنى ضرب الأمثال والحاجة إليها، وذلك أن العقول يجوز أن يعترض ما يستر عليها سبيل الحق وإلا لم يجز ألا تدرك العقول لما جعلت العقول له من درك الحق، لكن يمنع عن درك الحق وسبيله ما ذكرنا من اعتراض السواتر والحجب فيستكشف ذلك بما ذكرنا من الأمثال، ثم في هذا المثل وجهان:
أحدهما: يخبر عن تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يقدر على خلق أضعف خلق، وهو ما ذكر: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) وتركهم عبادة من هو خالقهم وخالق جميع الخلائق.
والثاني: يخبر عن قطع ما يأملون ويطمعون من عبادتهم الأصنام، حيث قال: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) ويتركون عبادة من يؤمل منه ويطمع كل خير، والله أعلم.
وقوله: (فَاسْتَمِعُوا لَهُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أجيبوا له.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: استمعوا استماع من نظر وتأمل الحق ويقبله، إذا أظهر الاستماع من لا ينظر إلى الحق، ومعناه: إذا أظهر له الاستماع من لا ينظر إلى الحق ولا يقبله، والله أعلم.
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: (تَدْعُونَ)، أي: تعبدون من دون اللَّه، وقال: (تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) على الدعاء، أي: تسمونهم: آلهة من دون اللَّه، وقد كان منهم الأمران جميعًا: العبادة للأصنام من دون اللَّه، وتسميتهم إياها: آلهة من دون اللَّه.
وقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) فيه ما ذكرنا من الوجهين: من تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يملك خلق أضعف خلق اللَّه، وعجزهم عما يأملون من النفع، وعن دفع من يروم بهم الضرر وسلب ما ذكر منهم.
ثم اختلف في قوله: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الطَّالِبُ): الصنم، (وَالْمَطْلُوبُ): هو الذباب، لكن على التأويل يضمر فيه: (لو)، أي: ضعف الصنم لو كان طالبا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الطَّالِبُ) هو الذباب، (وَالْمَطْلُوبُ): هو الصنم.
فَإِنْ قِيلَ: وصفهما جميعًا بالضعف: الذباب والصنم جميعا، على تأويلهم - أعني: هَؤُلَاءِ - فالصنم ضعيف، عاجز، على ما وصف، وأمّا الذباب فهو ليس بضعيف؛ لأنه غلب ذلك الصنم إن كان طالبا أو مطلوبا، فكيف وصفه بالضعف، وهو الغالب عليه في الحالين؛ لكنه كأنه رجع قوله: (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) إلى العابد والمعبود، كأنه قال: ضعف العابد عمّا يأمل ويطمع من عبادته إياه، وضعف المعبود عن إيفاء ما يؤمل ويطمع منه، فهذا كأنه أشبه وأقرب إلى التأويل من الأول، واللَّه أعلم.
الحج 22:73
الآية ٧٣ وقوله تعالى :﴿يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾قد ذكرنا معنى ضرب الأمثال والحاجة إليها. وذلك أن العقول يجوز أن يعترضها(١) ما يستر عليها سبيل الحق، ويحجب عنها إدراك الحق. فضرب الأمثال ليرفع عنها ذلك الحجاب والستر لتدرك العقول سبيل الحق. وإلا لم يجز ألا تدرك العقول لما جعلت العقول ( ممن يدرك )(٢) الحق. لكن يمنع عن درك الحق وسبيله ما ذكرنا من اعتراض السواتر والحجب، فيستكشف ذلك بما ذكرنا من الأمثال. ثم في هذا المثل وجهان : أحدهما : يخبر عن تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يقدر على خلق أضعف خلق، وهو ما ذكر :﴿لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾وتركهم عبادة من هو خالقهم وخالق جميع الخلائق.
والثاني : يخبر عن قطع ما يأملون، ويطمعون من عبادتهم الأصنام حين(٣) قال :﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه﴾ويتركون عبادة من يؤمل منه، ويطمع كل خير، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فاستمعوا له﴾قال بعضهم : أجيبوا له. وقال بعضهم : استمعوا له استماع من ينظر، ويأمل الحق، ويقبله ( لا استماع )(٤) من لا ينظر إلى الحق، ولا يقبله، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن الذين تدعون من دون الله﴾وقال بعضهم :﴿تدعون﴾أي تعبدون﴿من دون الله﴾. وقال ( بعضهم )(٥) :﴿إن الذين تدعون من دون الله﴾( لا )(٦) على الدعاء، أي تسمونهم آلهة من دون الله.
وقد كان منهم الأمران جميعا : العبادة للأصنام من دون الله، وتسميتهم آلهة من دون الله.
وقوله تعالى :﴿لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ فيه ما ذكرنا من تسفيه أحلامهم في عبادتهم من لا يملك خلق أضعف خلق الله وعجزهم عما يأملون من النفع وعن دفع من يروم بهم الضرر والسلب ما ذكر منها.
ثم اختلف في قوله :﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾قال بعضهم : الطالب الصنم، والمطلوب، هو الذباب لكن على هذا التأويل يضمر فيه : لو، أي ضعف الصنم، لو كان طالبا. وقال بعضهم : الطالب هو الذباب، والمطلوب، هو الصنم. فإن قيل : وصفهما جميعا بالضعف : الذباب والصنم جميعا على تأويلهم ؛ أعني هؤلاء.
فالصنم ضعيف عاجز عما وصف. وأما الذباب فهو ليس بضعيف لأنه غلب ذلك الصنم، وإن كان طالبا أو مطلوبا. فكيف وصفه بالضعف، وهو(٧) الغالب عليه في الحالين ؟
لكنه كأنه ( أرجع قوله )(٨) ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾إلى العابد والمعبود، كأنه قال : ضعف العابد عما يأمل، ويطمع من عبادته إياه، وضعف المعبود عن إيفاء ما يؤمل، ويطمع منه. فهذا كأنه أشبه وأقرب إليه من التأويل الأول، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يعترض..
٢ في الأصل وم: من درك..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: و معناه إذا ظهر له الاستماع..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: فهو..
٨ في الأصل وم: رجع قول..
الحج 22:74
وقوله: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (٧٤) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي: ما عرفوا اللَّه حق معرفته، قالوا له بالشريك والولد والصاحبة، وما قالوا فيه مما لا يليق به؛ لأنهم لو عرفوه حق معرفته، لم ينسبوا إليه، ولا وصفوه، وعرفوا بذاته وتعاليه عن ذلك، لكن حيث لم يعرفوه حق معرفته شبهوه بواحد من خلقه، على ما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) أي: ما عظموا اللَّه حق عظمته، حيث صرفوا العبادة والشكر إلى غيره؛ إذ لو عظموه حق تعظيمه، ما صرفوا عبادتهم وشكرهم إلى غير الذي أنعم عليهم، وما أشركوا غيره في ذلك، على علم منهم أنه إنما وصلت إليهم تلك النعم من اللَّه، لا ممن عبدوه، وباللَّه العصمة والصواب.
ثم يكون تعظيمه ومعرفته على الحقيقة بتعظيم أموره، وقبولها، والقيام بها، لا في قوله: يا عظيم، يا كبير، ونحوه، ولكن على ما ذكرت من تعظيم أموره، وقيامه بها، وكذلك المحبة لله إنما تكون في القيام بأموره وإقباله نحوها، والانتهاء عن مناهيه، لا في قوله: أنا حبيبك، أو تصوير شيء في قلبه، ولكن على ما ذكرت، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) يحتمل قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) لنصر أوليائه، وجعل العاقبة لهم (عَزِيزٌ) أي: منتقم من أعدائه.
أو يقول: (لَقَوِيٌّ)؛ لأنه تضعف جميع القوى عند قوته (عَزِيزٌ): يذل جميع الأعزة عند عزته.
أو يقول: (لَقَوِيٌّ)؛ لأنه به يقوى من قوي، ومنه يستفيد ذلك (عَزِيزٌ)؛ لأنه به يعز من عز به، ومنه كان ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يحتمل قوله: (يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا)، أي: اختار رسلا من الملائكة في بعض ما امتحنهم به من أنواع العبادات له والطاعات، بعث منهم إليهم رسلا بتبليغ ذلك على ما اختار من الناس رسلا إليهم فيما امتحنهم. ويحتمل: اصطفى رسلا من الملائكة إلى الرسل من الإنس، أي: اختار منهم - أعني: من الناس - رسلا من الإنس، واللَّه أعلم، كقوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) جائز أن يكون قوله: (بَصِيرٌ) لمن يصلح للرسالة
الحج 22:75
الآية ٧٥ : وقوله تعالى :﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾يحتمل قوله :﴿يصطفي من الملائكة رسلا﴾ أي اختار رسلا من الملائكة في بعض ما امتحنهم. ويحتمل﴿يصطفي من الملائكة رسلا﴾ إلى الرسل من الإنس﴿ومن الناس﴾ أي اختار منهم ؛ أعني من الناس رسلا إلى الإنس ؛ والله أعلم ( وهو )(١) كقوله :﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾( الأنعام ١٢٤ ).
وقوله تعالى :﴿إن الله سميع بصير﴾ جائز أن يكون قوله :﴿بصير﴾ بمن يصلح للرسالة ومن لا يصلح، و﴿بصير﴾ بمن اختار لها ومن لم يختر﴿سميع﴾ لما يتلقى المرسل إليه الرسول من الإجابة والقبول والرد والتكذيب. وإنه على علم منه بالرد والتكذيب للرسل.
وفيه دلالة أنه إنما اصطفاهم للرسالة لا بشيء، يستوجبون منه ذلك، ولكن إفضالا منه.
١ ساقطة من الأصل وم..
الحج 22:76
ومن لا يصلح، وبصير لمن اختار لها ومن لم يختر، سميع لما يتلقى المرسل إليه الرسول من الإجابة والقبول، والرد والتكذيب، وأنه على علم منه بالرد والتكذيب أرسل أرسله.
وفيه دلالة أنه إنما اصطفاهم للرسالة، لا بشيء يستوجبون منه ذلك ولكن إفضالا منه.
قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ... (٧٦) أي: يعلم ما كان قبل أن يخلقهم (وَمَا خَلْفَهُمْ): بعدما خلقهم.
وقال الحسن: يعلم بأوائل أمورهم وبأواخرها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ): من الدنيا، (وَمَا خَلْفَهُمْ): من الآخرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ): من الآخرة، (وَمَا خَلْفَهُمْ): من الدنيا.
وجائز أن يكون قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ): ما عملوا بأنفسهم في حياتهم (وَمَا خَلْفَهُم) ما سنوا لغيرهم من بعدهم، كقوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) ما عملوا هم، وما أخرت: ما سنوا لغيرهم من بعدهم.
وجائز أن يكون لا على حقيقة بين الأيدي ولا خلف، ولكن معناه: لا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأقوالهم.
(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) قد ذكرنا معناه فيما تقدم.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ).
في الآية دلالة أن الإيمان هو شيء خاص وشيء واحد، لا اسم جميع الخيرات، وهو التصديق؛ لأنه أثبت لهم اسم الإيمان، ثم أمرهم بالركوع والسجود وفعل الخيرات؛ لأن جميع المخاطبين بهذه الآية عرفوا من خوطب بها، فلو كان اسما لجميع الخيرات لكان لا يعرف المخاطب بها؛ لأنه لا يقدر أحد على جميع الخيرات؛ فدل أنه شيء معروف خاص مما يرجع صاحبه إلى حد المعرفة، حيث عرفه المخاطب به، واللَّه أعلم.
ثم يحتمل قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) وجوهًا:
أحدها: أن اجعلوا ركوعكم وسجودكم وعبادتكم عبادة اللَّه لا ثشركوا فيها غيره على
الحج 22:77
الآية ٧٧ : وقوله تعالى :﴿يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير﴾في الآية دلالة أن الإيمان، هو شيء خاص، وشيء واحد، لا اسم جميع الخيرات، وهو التصديق، لأنه أثبت لهم اسم الإيمان، ثم أمرهم بالركوع والسجود وفعل الخيرات، لأن جميع المخاطبين بهذه الآية عرفوا من خوطب بها. فلو كان اسما لجميع الخيرات لكان لا يعرف المخاطب بها، لأنه لا يقدر واحد على جميع الخيرات. فدل أنه شيء معروف خاص مما يرجع صاحبه إلى حد المعرفة حين(١) عرف المخاطب به، والله أعلم.
ثم يحتمل قوله :﴿اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير﴾وجوها : أحدها : أن اجعلوا ركوعكم وسجودكم وعبادتكم عبادة لله، لا تشركوا فيها غيره على ما أشرك أهل مكة وغيرهم من الكفار في عبادتهم غيره، وهي الأصنام التي عبدوها.
والثاني : اعبدوا ربكم بالأسباب والأشياء التي عرفكم أنها عبادة، وكذلك افعلوا الخيرات التي عرفكم أنها خيرات.
والثالث : أن اجعلوا أحوالكم التي أنتم عليها من قيام وقعود وحركة وسكون عبادة لله، واجعلوا تقلبكم أيضا للمعاش الذي أبيح لكم، وأذن فيه، عبادة لله تعالى.
فالأول : هو عبادة بنفسه التي جعلها الله نصا. والثاني : هو الذي يصيره عباده بالنية والقصد. فيكون في جميع أحواله مؤدي عبادة.
وهكذا الواجب على المرء أن يكون في جميع ما يؤدي من النوافل من الصلاة والصيام وغيره مؤذي فرض ؛ وهو أن يؤذي جميع ذلك بنية الشكر لنعمه وتكفيرا لمعاصيه. وكلاهما لازمان واجبان. فإن فعل ذلك كان مؤذي لازم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لعلكم تفلحون﴾ ظاهره خرج على الترجي، وفي الحقيقة على الوجوب على ما ذكرنا في ما تقدم.
١ في الأصل وم: حيث..
الحج 22:78
ما أشرك أهل مكة وغيرهم من الكفار في عبادتهم غيره، وهي الأصنام التي عبدوها.
والثاني: اعبدوا ربكم بالأسباب والأشياء التي عرفكم أنها عبادة، وكذلك افعلوا الخيرات التي عرفكم أنها خيرات.
والثالث: أن اجعلوا أحوالكم التي أنتم عليها من قيام وقعود، وحركة وسكون، عبادة لله تعالى، واجعلوا تقلبكم أيضا للمعاش الذي أبيح لكم وأذن فيه عبادة، فالأول هو عبادة بنفسه التي جعلها اللَّه نصًّا، والثاني هو الذي يصير عبادة بالنية والقصد؛ فيكون في جميع أحواله مؤدي عبادة، وهكذا الواجب على المرء أن يكون في جميع ما يؤذي من الصلاة والصيام وغيره مؤدي فرض، وهو أن يؤدي جميع ذلك بنية الشكر لنعمه، وتكفيرًا لمعاصيه، وكلاهما لازمان واجبان، فإن فعل ذلك كان مؤدي لازم، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ظاهره خرج على الترجي، وفي الحقيقة على الوجوب، على ما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ... (٧٨) ليس لحق اللَّه غاية يوصل إليها، وكذلك قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)؛ لأنه لو كان لحقه غاية لكان الرسل والملائكة يقومون بوفاء ذلك ويتوهم منهم المجاوزة عن ذلك؛ إذ كل ذي حد وغاية يتوهم المجاوزة فيه، فإن لم يحتمل المجاوزة دل أن حقه ليس بذي حد وغاية، ويكون تأويل قوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) و (حَقَّ تُقَاتِهِ)، حقه الذي احتمل وسعكم وبنيتكم وطاقتكم، كقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، فيكون هذا تفسيرًا لقوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ) و (حَقَّ جِهَادِهِ).
ثم يحتمل قوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ) أي: جاهدوا أنفسكم في شهوتها وأمانيها.
أو جاهدوا أعداء اللَّه في دفع الوسواس والمحاربة معهم.
وقوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) يحتمل وجهين:
أحدهما: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) للإيمان والهدى والتوحيد.
أو (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) جنسًا من أفضل الأجناس وأكرمهم من بين سائر الأجناس، كقوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).
وقال عامة أهل التأويل في قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) أي: وحدّوا ربكم، جعلوا كل عبادة مذكورة في الكتاب توحيدا؛ فيكون ذكر العبادة هاهنا كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ)، كأنه قال: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا وحدوا ربكم.
ثم اختلف في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا):
قَالَ بَعْضُهُمْ: فيه وجوب سجدة التلاوة على ذلك، وهي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " فضلت سورة الحج بسجدتين على غيرها من السور، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها ".
وكذلك روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قرأها فسجد فيها مرتين، ثم قال ما ذكرناه.
وتأويله - عندنا - أن قوله: " فضلت بسجدتين " التي هي من صلب الصلاة، وسجدة التلاوة في أول السورة، فمن لم يسجدهما فلا يقرأها، وأصله في وجوب سجدة التلاوة: أن كل سجود ذكر في القرآن للخضوع فهو واجب للتلاوة، لازم له، وكل سجود كان الأمر به لحق سجود الصلاة فإنه لا يلزمه السجدة للتلاوة، فالأمر بالسجود في قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) أمر بسجود الصلاة لا غير لم يلزم تاليه السجود بالتلاوة، والله أعلم.
وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) يحتمل تأويله وجوهًا:
أحدها: أن عليهم معرفة وحدانية اللَّه، وألوهيته، وتعاليه عن الأشباه والشركاء، وعليهم معرفة نعمه، والقيام بشكرها له، والخضوع له في كل وقت، وإن لم يبعث الرسل، لكنه بفضله ورحمته بعث إليهم الرسل ليكون أيسر عليهم معرفة ذلك وأهون، والقيام بأداء ذلك أخف؛ لأن معرفة الأشياء بالسماع من لسان الصدوق والعدل أيسر، والإدراك أهون من معرفتها بالنظر والتفكر، وهو ما قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)، أخبر أنه لولا فضله ورحمته في بعث الرسل، لاتبعوا الشيطان إلا قليلا، والقليل الذين استثناهم: الذين يتفكرون وينظرون فيعرفون بالتفكر والنظر، وذلك لا يعرف إلا بجهد وتكلف، فعلى ذلك قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ولكن بعث إليكم الرسل ليكون أوضح لسبيل الحق ومعرفته، وإن كان له ألا يرسل، ويكلف، ذلك بالنظر والتفكر.
والثاني: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) قطع ما يقع لهم الحوائج، وتحريم كل أنواع المطاعم والمشارب واللباس عليكم لكنه إذا حرم نوعًا منها أباح نوعًا آخر بإزائه مما يسد به حاجته ويزيح به علته، ولو حرم كل أنواعها كان حرجا في الدِّين وضيقًا.
والثالث: لم يجعل عليهم من العبادات والفرائض التي كلفهم بها والقيام بأدائها ما لا يحتمل وسعهم، ولا بنيتهم، ولا حمل عليهم أمورًا شاقة خلاف ما عليه طباعهم وأمر معاشهم، ولكن كلفهم بعبادات احتمل بها وسعهم وبنيتهم، وحمل عليهم أمورًا غير شاقة موافقة لما عليه أمر معاشهم وطباعهم، وإن بعد ونأى عليهم.
والرابع: أنه لم يجعل توبتهم عما ارتكبوا من المعاصي والمآثم قتل بعضهم بعضًا، وإهلاك بعضهم بعضا، على ما جعل ذلك لقوم، حيث قالوا لهم: (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، ولو كلف ذلك كان حرجًا في الدِّين، وأمثال ذلك.
والخامس: جائز أن يكون قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: من شك وشبه، أي: قد أزاح عنكم الشبه والشك بالحجج والبراهين التي أقامها لكم، واللَّه أعلم.
وقوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: على الأمر: أن الزموا ملة إبراهيم.
والثاني: أن هذا الذي ذكر هو ملة أبيكم إبراهيم.
وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا) اختلف فيه:
قال عامة أهل التأويل: قوله: (هُوَ سَمَّاكُمُ) أي: اللَّه سماكم المسلمين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إبراهيم (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ)، حيث قال: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ورسول اللَّه مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان من ولد إسماعيل، وقد دعا له ولذريته بذلك.
وقوله: (مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا): قَالَ بَعْضُهُمْ: (مِنْ قَبْلُ): في الكتب المتقدمة (وَفِي هَذَا)، أي: في القرآن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مِنْ قَبْلُ): في الأمم الذين كانوا من قبل؛ لأنه ما من قوم وأمة إلا وفيهم مسلمون متسمون بهذا الاسم، (وَفِي هَذَا): في قومه، أي: كنتم متسمون بهذا الاسم في الأمم الخالية، كقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، أي: كنتم خير أمة في الأمم التي كانت من قبل أنها تخرج في هذا الوقت، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) قال قائلون: (عَلَيْكُمْ) بمعنى: لكم، وذلك جائز في اللغة، كقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) أي: للنصب؛ فعلى ذلك جائز في هذا (عَلَيْكُمْ) أي: لكم، ويكون تأويله: يكون الرسول لكم شهيدًا بالتصديق له، وتكونوا أنتم شهداء للناس بالتصديق لرسول اللَّه إذا صدقتم إياه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ)، بمعنى: عليكم، وتأويله: يكون شهيدًا عليكم إذا خالفتموه ولم تصدقوه، وتكونوا أنتم إذا صدقتم رسولكم ووافقتموه - شهداء على سائر الناس إذا كذبوا رسولهم: أنهم كذبوه وخالفوه.
وفي هذه الآية دلالة اتفاق قرن حجة على من بعدهم، حيث جعلهم شهداء على من بعدهم ومن قبلهم، وقد ذكرنا تأويل الآية في سورة البقرة.
وقوله: (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) فإذا أراد الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة، ففي الأمر بإقامة الصلاة أمر لإصلاح ما بينهم وبين ربهم، وفي الزكاة إصلاح ما بينهم وبين الخلق، كقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، وفي حرف عبد اللَّه بن مسعود: (إن الصلاة تأمر بالعدل وتنهى عن الفحشاء والمنكر).
وقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: بدين اللَّه وهو ما ذكر فيما تقدم ذكره من قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ).
(وَافْعَلُوا الْخَيْرَ...) إلى آخر ما ذكر؛ فكأنه يقول: اعتصموا بالذي ذكر، وأصل الاعتصام هو الالتجاء إليه؛ فكأنه قال: اعتصموا به من كل ما نهى عنه من الشرور، وبكل ما أمر به من الخير.
وقوله: (هُوَ مَوْلَاكُمْ).
قال الحسن: هو مولى كل من تولاه بالطاعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المولى: النصير، أي: هو ناصركم وحافظكم.
(فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).
المانع والنصير: المنتصر ينتصر لهم من أعدائهم، ويمنع عنهم الأعداء.
وجائز أن يكون قوله: (هُوَ مَوْلَاكُمْ)، أي: ربكم وسيدكم، كما يقال لمولى العبد: هذا مولاه وسيده، واللَّه أعلم.
ويكون في قوله: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ) أنه قد بلغكم؛ (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) بأن الرسول قد بلغهم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)، أي: ما عرفوا اللَّه حق معرفته، يقال في الكلام: ما قدرتك حق قدرك، أي: ما عرفتك حق معرفتك. وقالوا: الحرج: الضعيف في هذا، وفي غير هذا الموضع، قيل: هو شك في قوله: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ)، أي: شك، والضيق إنما يكون من الشك إذا شك في شيء ضاق صدره فيه.
قال أبو معاذ: وأصل الحرج في الكلام: شجر من شوك ملتف، والواحدة: حرجة، منه: حرجة مسلم.
وقوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ).
أي: اختاركم، وفي حرف ابن مسعود وأبي: (هو اجتباكم وسماكم المسلمين من قبل)، وهذا يؤيد تأويل من يقول: هو سماكم المسلمين، أي: اللَّه سماكم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، قال: لم يفرض اللَّه على هذه الأمة شيئا إلا جعل فيه رخصة لهم عند الاضطرار؛ مثل التيمم إذا لم يجد ماء، ويصلي قاعدًا ومضطجعًا في المرض، وتفطر إذا كنت مريضًا، ونحو هذا، ليس فريضة إلا فيها رخصة، ولم يكن من قبل ذلك، وهو قول مقاتل بن حيان.
وقال قتادة: قوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، أي: ضيق، قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثًا لم يعطها إلا نبي: كان يقال للنبي: اذهب فليس عليك حرج، وقال اللَّه لهذه الأمة: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وكان يقال للنبي: أنت شهيد على قومك، وقال اللَّه لهذه الأمة: (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)، وكان يقول للنبي: سل تعطه، وقال الله لهذه الأمة: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)، أي: صلوا لله، كقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ)، يقول: صلوا، لا يصلون.
وقال قتادة: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا)، قال: لا صلاة إلا بركوع، وإن أقوامًا أحدثوا بدعًا: يسجد أحدهم مائة سجدة لا يركع فيهن، وكان يقال: ثلاث مما أحدث الناس: " رفع الأيدي في الدعاء، والأصوات عند المسألة، والاختصار في السجود ".
وقال أبو هريرة: " لا يصلح سجود إلا بركوع "، واللَّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وبه نستعين.
* * *
المؤمنون 23:1
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).
الفلاح، قال قائلون: الفلاح هو البقاء، أي: بقي المؤمنون.
وقال قائلون: الفلاح: السعادة.
وقال أقائلون: الفلاح: الفوز، وأمثاله.
وفي قوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ...) إلى آخر ما ذكر دلالة أن من المؤمنين من هم بهذا الوصف الذي وصف هَؤُلَاءِ، وأن اسم الإيمان يقع بدون الذي ذكر في هذه الآية؛ لأنه لو لم يكن لذكر ما ذكر من الخشوع في صلاتهم، والحفظ لفروجهم، والإعراض عن اللغو، يعني: دل أنه يكون مؤمنًا بغير الوصف الذي وصف هَؤُلَاءِ، وكذلك في قوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، وقوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)؛ فدل أن فيهم من ليس بعدل، وفيهم من لا يرضى في الشهداء؛ حيث خصّ العدل والمرضي في الشهادة.
وقوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)
قال الحسن: الخشوع هو الخوف الدائم اللازم في القلب.
وقال غيره: الخشوع في القلب، وأصل الخشوع كأنه آثار ذل - من الخوف - تظهر في الوجه والجوارح كلها، لا الخوف الذي ذكر هَؤُلَاءِ؛ ألا لَرى أنه قال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ)، وقال: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ) - دل هذا أن الخشوع هو آثار ذلّ من خوف يظهر في الوجه والجوارح كلها؛ ولذلك قَالَ بَعْضُهُمْ: الخشوع في الصلاة هو ألا يعرف من عن يمينه وشماله؛ لأن ذلك يشغله عن العلم بمن يليه، وأصله ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)
المؤمنون 23:2
الآية ٢ : قوله تعالى :﴿الذين هم في صلاتهم خاشعين﴾ قال الحسن : الخشوع، هو الخوف الدائم اللازم في القلب. وقال غيره : الخشوع في القلب.
وأصل الخشوع، هو آثار ذل من خوف يظفر في الوجه والجوارح كلها. ولذلك قال بعضهم(١) : الخشوع في الصلاة، هو ألا يعرف من عن يمينه وشماله، لأن ذلك يشغله عن العلم ( بما يتلوه )(٢). وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
١ في الأصل وم : بعض.
٢ في الأصل وم: بمن بابه.
المؤمنون 23:3
الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾اللغو كأنه اسم كل باطل، واسم كل ما يلغى، ولا يعبأ به.
أخبر أنهم يعرضون عن كل باطل وعن كل ما نهوا عنه، ويقبلون على كل طاعة وكل(١) ما أمروا به.
١ في الأصل وم: بكل..
المؤمنون 23:4
اللغو: كأنه اسم كل باطل، واسم كل ما يلغى ولا يعبأ به، أخبر أنهم يعرضون عن كل باطل وعن كل ما نهوا عنه، ويقبلون على كل طاعة وبكل ما أمروا به.
(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)
يحتمل الزكاة: الزكاة التي بها تزكو أنفسهم عند اللَّه.
وجائز الزكاة المعروفة المعهودة، أخبر أنهم فاعلون ذلك مؤدون.
وجائز أن يكون ذكر هذا من المؤمنين؛ من الطاعة لله والائتمار لأمره، والرضا به، مقابل ما كان من المنافقين من الكراهية في الإنفاق، والصلاة على الكسل، والمراءاة؛ كقوله: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ...) الآية، وقوله: (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)، وقولهم: (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) نعتهم بالكسل، والخلاف، وترك الإنفاق والمراءاة في الطاعات، ونعت المؤمنين بضد ذلك، وبالرغبة في أوامره، والانتهاء عن معاصيه ونواهيه.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)
استثنى في هذا؛ لأن هذا مما يحل في حال ويحرم في حال، وأما اللغو وما ذكر من أول الآية إلى آخره لا يحل بحال، واللغو حرام في الأحوال كلها، وكذلك ترك أداء الأمانة والزكاة والصلاة مما لا يحل تركه بحال.
وقوله: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ).
ذكر ألا يلحقهم لائمة في ذلك - واللَّه أعلم - لوجهين:
أحدهما: لقول الثنوية؛ لأنهم لا يرون التناكح، فأخبر أن اللائمة ليست في هذين وإنما اللائمة في غير هذين.
والثاني: ذكر لإبطال المتعة؛ لأنه استثنى الأزواج وما ملكت أيمانهم، والمتعة ليست في هذين اللذين استثناهما، ثم أخبر أن لا لائمة في هذين، وفيما عداهما لائمة، والمتعة مما عدا هذين، وهو ما قال: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ)، وإلى هذا يصرف حفظ الفروج، وإلا: كان عامة الناس يحفظون فروجهم عن الزنا، ويعرفون حرمته، لكنهم كانوا يستبيحون المتعة والإجارة فيه؛ فحرم ذلك.
ثم قال: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)
والعادي: هو المجاوز عن الحد الذي حدّ له.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)
المؤمنون 23:5
الآيتان ٥ و ٦ : وقوله تعالى :﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾استثنى في هذا، لأن هذا مما يحل في حال، ويحرم في حال. وأما اللغو وما ذكر فلا(١) يحل بحال، واللغو حرام في الأحوال كلها، وكذلك ترك أداء الأمانة والزكاة والصلاة مما لا يحل تركه بحال.
( وقوله تعالى :)(٢)﴿فإنهم غير ملومين﴾ ذكر ) (٣) ألا تلحقهم لائمة في ذلك، والله أعلم لوجهين : أحدهما :( لرد قول )(٤) الثنوية، لأنهم لا يرون التناكح، فأخبر أن ( لا لائمة )(٥) في هذين وإنما اللائمة في غير هذين. والثاني : ذكر لإبطال المتعة، لأنه استثنى الأزواج وما ملكت أيمانهم، والمتعة ليست في هذين اللذين استثناهما.
ثم أخبر أن لا لائمة في هذين، وفي ما عداهما لائمة. والمتعة مما عدا هذين، وهي(٦) ما قال :﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾النور : ٣٣ ). وإلى هذا يصرف حفظ الفروج. وإلا كان عامة الناس يحفظون فروجهم عن الزنا، ويعرفون حرمته، لكنهم كانوا يستبيحون المتعة والإجازة فيها، فحرم ذلك.
١ في م: من أول الآية إلى آخرها لا..
٢ ساقطة من م..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم : لقول..
٥ في الأصل: الأئمة، في م: اللائمة..
٦ في الأصل وم: وهو..
المؤمنون 23:7
الآية ٧ : ثم قال :﴿فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾والعادي هو المتجاوز(١) عن الحد الذي حد له.
١ في الأصل وم: المجازي..
المؤمنون 23:8
الآية ٨ : وقوله تعالى :﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾تحتمل الأمانات العبادات أو الفرائض التي فرضت عليهم، راعوها أي أدوها في أوقاتها، والعهود التي فيما بينهم وبين الحق راعوها أي حفظوها، وأدوها إلى أربابها، ولم يضيعوها والله أعلم.
المؤمنون 23:9
يحتمل الأمانات: العبادات والفرائض التي فرضت عليهم، راعوها، أي: أدوها في أوقاتها، والعهود التي فيما بينهم وبين ربهم.
أو أن يكون الأمانات التي وضعت عندهم والعهود التي فيما بينهم وبين الخلق، راعوها، أي: حفظوها، وأدوها إلى أربابها ولم يضيعوها، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)
يكون محافظة الصلاة بوجوه:
أحدها: يحافظونها بأركانها وفرائضها ولوازمها وآدابها.
والثاني: يحافظونها بأسبابها التي جعلت لها من الأوقات والطهارات وستر العورة وغيرها من الأسباب التي لا تقوم الصلاة إلا بها.
والثالث: يحافظونها بالخشوع والوقار وإظهار الذل له والإخلاص، وغير ذلك من الأشياء مما ندب المصلي إليه، وعلى ذلك جميع ما ذكر من الأمانات وغيرها، والله أعلم.
وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)
الوارث: هو الباقي عن المورث.
وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ) أي: إنا باقون عن الخلق، أي: يفني الخلائق، وهو يبقى.
أو أن يكون قوله: (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) هكذا هو ما وعد اللَّه عباده الجنة إن أجابوه، وإليها دعاهم بقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)؛ فمن ترك إجابته يصير الموعود الذي وعد له إن أجاب لمن أجابه؛ فذلك الوراثة التي ذكر اللَّه.
وقوله: (الْفِرْدَوْسَ)، قيل: هو بلسان الروم: بستان، سمى اللَّه الجنة بأسماء مختلفة: منها عدن، ونعيم، ومأوى، وفردوس، وهي في الحقيقة واحد؛ لأن العدن هو المقام، والنعيم هو ما ينعم، ومأوى فهي كذلك، ثم فردوس وعدن، ومأوى نعيم.
وروي في بعض الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الفِردَوْسُ رَبْوةُ الجَنَّةِ الْعُلْيَا، وَهِيَ أوْسطُهَا، وَأَحْسَنُهَا "، فإن ثبت هذا فهو ما ذكر.
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، قال: الإقبال عليها، والذلة فيها.
المؤمنون 23:10
الآيتان ١٠ و ١١ : وقوله تعالى :﴿وأولئك هم الوارثون﴾ ﴿الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾الوارث هو الباقي عن المورث. وقال الله عز وجل ﴿إنا نحن نرث الأرض﴾( مريم ٤٠ ) أي إنا نحن باقون عن الخلق، أي يفنى الخلائق، وهو يبقى. أو يكون قوله :﴿الذين يرثون الفردوس﴾هكذا هو ما وعد الله عباده : الجنة إن أجابوه، وإليها دعاهم بقوله :﴿والله يدعوا إلى دار السلام﴾ ( يونس ٢٥ ) فمن ترك إجابته يصر( إلى الموعد الذي أوعد به )(١). فتلك الوراثة التي ذكر الله تعالى.
١ في الأصل وم: الموعد الذي وعد له إن أجاب من أجابه..
المؤمنون 23:11
وقوله(٢) تعالى :﴿الفردوس﴾ قيل : هو بلسان الروم : بستان. سمى الله تعالى الجنة بأسماء مختلفة. منها : عَدْنُ ( ومنها نعيم، ومنها مأوى، ومنها فردوس، وهي في )(٣) الحقيقة واحد، لأن العَدْنَ هو المقام، والنعيم هو ما يُنْعِمُ، ومأوى، فهي كذلك. ثم فردوس وعدن ومأوى نعيم.
وروي في بعض الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال :( الفردوس ربوة الجنة العليا، وهي أوسطها وأحسنها ) ( الترمذي ٣١٧٤ ) فإن ثبت هذا فهو ما ذكر. وعن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )(٤) قال :﴿الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾( المؤمنون : ٢ ) الخشوع(٥) الإقبال عليها. وعن ابن علي رضي الله عنه ( أنه )(٦) قال : الخشوع في القلب، وأن تلين كنفك للمرء المسلم، وألا تلتفت في صلاتك. وقيل : التواضع، وأصله ما ذكرنا.
المؤمنون 23:12
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: الخشوع في القلب، وأن تلين كنفك للمرء المسلم، وألا تلتفت في صلاتك.
وقيل: التواضع، وأصله ما ذكرنا.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)
وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما ذكر سلالة؛ لأنه سُلَّ من كل تربة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: السلالة: الخالص من كل شيء، وقوله: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) حز، أي: من أجود الطين؛ ذكر مرة: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ)، ومرة: (مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)، ومرة قال: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، ومرة: (كَالْفَخَّارِ)، ونحوه، وهو آدم - عليه السلام - وذلك على تغيير الأحوال، واللَّه أعلم بالصواب.
وقوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) أي: ثم خلقنا ولده وذريته من نطفة، أخبر عن أصل ما خلق آدم منه، وأصل ما خلق ولده منه، وهي النطفة.
وقوله: (فِي قَرَارٍ مَكِينٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الرحم.
وجائز أن يكون القرار هو صلب الرجل؛ لأن النطفة لا تخلق في الصلب أول ما خلق الإنسان، ولكن تجعل فيه من بعد؛ فيكون الصلب قرارها ومكانها إلى وقت خروجها منه إلى الرحم؛ وعلى ذلك قوله: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ): الرحم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب.
وجائز أن يكونا جميعًا واحدًا، أيهما كان: الرحم أو الصلب؛ لأن كليهما قرار وما يستودع فيه.
المؤمنون 23:13
الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿ثم جعلناه نطفة﴾ أي ثم خلقنا ولده
وذريته من نطفة أخبر عن(١) أصل ما خلق آدم منه، وأصل ما
خلق ولده منه وهي النطفة.
وقوله تعالى :﴿في قرار مكين﴾ قال بعضهم : الرحم. وجائز أن يكون القرار هو صلب الرجل، لأن النطفة لا تخلق في الصلب أول ما يخلق الإنسان، ولكن تجعل فيه من بعد. فيكون الصلب قرارها ومكانها إلى وقت خروجها منه إلى الرحم. وعلى ذلك قوله :﴿فمستقر ومستودع﴾( الأنعام : ٩٨ ) الرحم. قال بعضهم : المستقر الرحم، والمستودع الصلب.
وجائز أن يكون جميعا واحدا، أيهما كان الرحم أو الصلب، لأن كليهما قرار، وما يستوعب فيه.
وقال ابن عباس وغيره : السلالة صفوة الماء.
١ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:14
وقال ابن عَبَّاسٍ وغيره: السلالة: صفوة الماء.
وقوله: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً... (١٤) والنطفة هي المعروفة، والعلقة والدم والمضغة: القطعة من اللحم إلى آخر ما ذكر، يخبرهم عن تحويله إياهم وتقليبه من حال إلى حال لوجوه:
أحدها: يخبر عن قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ ليعلموا أن من قدر على إنشاء العلقة من النطفة ما لو اجتمع الخلائق جميعًا على أن يعرفوا سبب خلق هذا عن هذا، مع إحاطة علمهم أن ليس فيها من آثار العلقة شيء - ما قدروا على ذلك، وعلى ذلك جميع ما ذكر من النطفة والمضغة، ومن العلقة والعظم، ومن المضغة والإنسان، دل ذلك كله على أنه قادر؛ فمن قدر على هذا يقدر على إنشائهم من الأصل من لا شيء، ويقدر على إحيائهم بعد ما صاروا ترابًا، والأعجوبة في خلق الإنسان مما ذكر من النطفة والعلقة والمضغة ليس بدون خلقه إياهم من التراب من الوجوه التي ذكرنا.
وفيه دلالة علمه الذاتي؛ لأن من قدر على تحويلهم من حال إلى حال التي ذكر في الظلمات الثلاث؛ دل أنه عالم بذاته لا بعلم مستفاد من أحد، ولا قوة مكتسبة؛ ولكنه بالعلم الذاتي والقوة الذاتية؛ لأن مَنْ علمُه مستفاد، ومَنْ قوتُهُ مستفادة ومكتسبة لا يبلغ ذلك
وفيه دلالة تدبيره؛ لخروج الخلق جميعًا وتوالدهم من أول أمرهم إلى آخر ما ينتهون على جري واحد وسنن واحد، على غير تغيير في التوالد والتناسل الذي جعل فيهم، وكذلك جميع ما يخرج من الأرض من النبات والأشجار والأوراق في كل عام، وفي كل سنة يخرج على جرية واحدة وسنن واحد لا يتغير ولا يتفاوت وقت خروجه؛ بل على تقدير واحد وميزان واحد؛ دل أنه على تدبير ذاتٍ خرج، لا على الجزاف، وباللَّه الحول والقوة.
وفيما ذكر من تحويله إياهم وتقليمه من حال إلى حال دلالة أنه لم ينشئهم لأنفسهم، وأن من أنشأ من العالم سواهم إنما أنشاه لهم، وأنشا أنفسهم لعاقبة؛ لأنه لو كان إنشاؤه إياهم لأنفسهم وللفناء الذي ذكر في قوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ) لكان يتركهم على حالة واحدة ولا يحولهم من حال إلى حال، فإذا حولهم وقلبهم من حال إلى حال دل أنه لا للموت الذي ذكر خلقهم خاصة بقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ)؛ ولكن لعاقبة تقصد، وهو البقاء الدائم لا فناء فيه، وهو ما ذكر: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ).
وقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ).
أما أهل التأويل فمنهم من قال: نفخ الروح فيه، وهو قول ابن عَبَّاسٍ وغيره.
وقَالَ بَعْضُهُمْ إنبات الشعر ونحوه، وهو قول قتادة وغيره.
وعن الحسن وغيره: ذكر أو أنثى.
وجائز أن يكون قوله: (أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ): غير ما قال هَؤُلَاءِ، وهو إظهار الجوارح والأعضاء وتركيبها، ما فيه دلالة؛ لأنه أخبر أنه يقلبه شيئا واحدًا مصمتا ليس به هذه الجوارح والأعضاء، إنما يكون فيه آثارها لا أعينها فيركب فيه أعين الجوارح والأعضاء حتى يكون إنسانا، فذلك هو إنشاء خلق آخر، ويكون نفخ الروح ونبت الشعر في تركيب ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
ومن ينكر خلق الشيء لا من شيء، ويقول بقدم العالم إنما ينكر ذلك؛ لما لم ير في الشاهد صنع شيء لا من شيء، فيقال له: وهل رأيت إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأصل حتى لا يبقى له أثر، فإذا لم تر هذا في الشاهد، وقد رأيت في الغائب إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأول منه، نحو النطفة تصير علقة على تلف النطفة فيها، والعلقة مضغة على إتلاف العلقة فيها... إلى آخر ما ذكر، كل ذلك منشأ من آخر إنما كان بعد تلف الأصل، فهلا دل ذلك على أن عدم الإنشاء في الشاهد لا من شيء لا يدل على عدمه في الغائب، وأنه حيث قدر على هذا يقدر على كله.
وقوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).
من الناس من يستدل على أنه إذا لم يكن سواه خالقًا لم يكن لقوله: (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) معنى؛ كقوله: (أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، و (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، ونحوه، إنما قال هذا لما يكون سواه رحيمًا حكيمًا كريمًا؛ فأخبر أنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين؛ فعلى ذلك ما قال: (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).
ولكن جائز القول بمثل هذا عند الناس على غير إثبات آخر سواه في ذلك حقيقة، وهو يخرج على وجوه: أحدها: (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) مما تنسبون أنتم إليه، وتجعلونه خالقًا عندكم؛ كقوله: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ): إبراهيم لم يسم معبودهم الذي عبدوه إلها على جعل الألوهية له، ولكن على ما سموا هم ونسبوا الألوهية إليه، وكذلك قول موسى، حيث قال: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا)، على ما عندهم، ليس على تسمية الإله له حقيقة؛ دل ما ذكرنا على أن تسمية ما ذكر وذكره يجوز، وإن لم يكن هنالك سواه إلها خالقًا، وكذلك قوله: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ): ليس على أن لهم شفعاء يشفعون لهم؛ ولكن لا شفعاء لهم؛ فعلى ذلك ما ذكرنا.
والثاني: تأويل (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، أي: لو جاز أن يكون خالق آخر سواه لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، وهو كقوله: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي: لو جاز أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما ذكر، لكن لا يجوز، وكذلك قوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا)، أي: لو جاز أن يكون كذا لكان كذا، ليس على أنه يجوز أن يكون، وكذلك قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ...) الآية، أي: لو جاز أن يكون معه إله لذهب بما ذكر، لكن لا يجوز؛ فعلى ذلك قوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، أي: لو جاز أن يكون هنالك خالق غيره لكان هو أحسن الخالقين، ولكن لا يجوز، واللَّه الموفق.
والثالث: ذكر أحسن الخالقين؛ لما أن العرب تسمي كل صانع شيء خالقًا؛ فخرج الذكر لهم على ما يسمونهم، ليس على حقيقة الخلق لمن دونه؛ كقول عيسى حيث قال: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ)، أو أن يكون ذكر هذا القول من يقول: إن العالم أصله من أربع طبائع: من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة.
أو أن يكون كقول بعض الفلاسفة: إن العالم أصله من أربع أو من خمس: من الماء، والأرض، والنار، وغيره.
فأخبر أنه ليس كذا، ولكن هو خالقهم لا من الأشياء التي توهموا هم.
وعلى قول من يقول: إنه يكون غيره خالقًا لكان الخلق غير دال على الخالق، وقد جعل اللَّه الخلق سببًا لمعرفة الخالق، فلو كان غيره خالقًا، لكان الخلق غير دال على معرفة الخالق؛ لأنه قال: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ): أخبر أنه لو كان سواه في ذلك تشابه الخلق عليهم؛ فإذا تشابه لم يكن سببًا لمعرفة، على ما أخبر في إثبات عدد الآلهة؛ كقوله: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) فإذا بطل هذا ولم يجز عدد الآلهة وإثبات الألوهية لغيره، فعلى ذلك
المؤمنون 23:15
في الخلق على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)
قد ذكرنا فيما تقدم أن المقصود من خلق هذا العالم - لم يكن الإماتة والإفناء؛ ولكن عاقبة تتأمل وتقصد حيث قلبهم من حال إلى حال، ثم لم يتركهم على حالة واحدة، فلو كان المقصود من خلقهم الفناء والهلاك لا غير، لكان تركهم على حالة واحدة، ولم يقلبهم من حال إلى حال؛ فدل التحويل والتقليب من حال إلى حال على أن المقصود من الخلق العاقبة، على ما ذكرنا واللَّه أعلم؛ لأنه أخبر أن خلقهم لا لعاقبة يقصد بها عبث؛ حيث قال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)، صير خلقهم لا للرجوع إليه عبثًا، وقال في آية أخرى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا...) الآية: صير نقض الغزل بعد إبرامه وقوته سفها منها؛ فلا جائز أن يسفه تلك المرأة تنقض غزلها بعد الإحكام والإبرام بلا نفع يكون لها، ثم هو يفعل ذلك؛ إذ خلق الخلق للفناء والهلاك خاصة - عبث ولعب، وعلى ذلك بناء البناء في الشاهد لا لعاقبة ومنفعة، ولكن للهدم والنقض سفه ولعب.
قلنا: إن خلق الخلق لا للموت خاصة، ولكن لما ذكر من قوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) أي: تحيون.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: يقال للولد: سلالة أبيه، وللخمر: سلالة، ويقال: إنما جعل آدم من سلالة؛ لأنه سُلَّ من كل تربة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: السلالة: الخالص من كل شيء.
قال أبو معاذ: النسل: الولد يسل من تحت كل شعرة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: المضغة: اللحمة الصغيرة؛ سميت بذلك لأنها بقدر ما يمضغ؛ كما قيل: غرفة، بقدر ما يغرف.
وقوله: (فِي قَرَارٍ مَكِينٍ).
أي: مكان حريز، أو هو الرحم أو الصلب، أيهما كان فهو ما وصف.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ
المؤمنون 23:16
الآيتان ١٥ و ١٦ : وقوله تعالى :﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون﴾﴿ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾قد ذكرنا فيما تقدم أن المقصود من خلق هذا العالم لم يكن الإماتة والإفناء، ولكن ( المقصود )(١) عاقبة، تتأمل، وتقصد، حين(٢) قلبهم من حال إلى حال، ثم لم يتركهم على حالة واحدة.
فلو كان المقصود من خلقهم الفناء والهلاك، لا غير، لكان تركهم على حال واحدة، ولم يقبلهم من حال إلى حال. فدل التحويل والتقليب من حال إلى حال على أن المقصود من الخلق العاقبة على ما ذكرنا، والله أعلم، أنه أخبر أن خلقهم، بلا عاقبة، يقصد بها، عبث حين(٣) قال :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾( المؤمنون : ١١٥ ) صير خلقهم لا للرجوع إليه عبثا، وقال في آية أخرى :﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها﴾الآية ( النحل : ٩٢ ) صير نقض الغزل بعد إبرامه وقوته سفها منها.
فلا جائز أن يسفه تلك المرأة بنقض غزلها بعد الإحكام والإبرام بلا نفع يكون لها، ثم هو يفعل ذلك، إذ خلق الخلق للفناء والهلاك خاصة عبث ولهو. وعلى ذلك بناء البناء في الشاهد لا لعاقبة ومنفعة، ولكن للهدم والنقض سفه ولعب. لذلك قلنا : إن خلق الخلق لا للموت خاصة، ولكن لما ذكر من قوله :﴿ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ أي تحيون.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ في الأصل و م: حيث..
المؤمنون 23:17
لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ... (١٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: سبع سماوات.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: سبعة أفلاك.
يذكر هذا - واللَّه أعلم - أيهما كان السماوات أو الأفلاك التي جعل لأمر الخلق ولحوائجهم؛ لوجهين:
أحدهما: يخبر عن قدرته وسلطانه وغناه: أن من قدر على خلق ما ذكر وإنشائه بلا سبب، لقادر على إنشاء الخلق لا من شيء.
والثاني: أن من قدر على هذا يقدر على بعثهم وإحيائهم بعد الموت.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: سبع طرائق، أي سبع سماوات: كل سماء طريقة، ويقال عن الأفلاك: كل واحد طريق.
وإنما سمي طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت الشيء؛ إذا جعلت بعضه على بعض. ويقال: وبشر طرائق.
وغيره قال: طرائق أهواء مختلفة.
وقوله: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ).
أي: لم نخلقهم على جهل منا بأحوالهم؛ ولكن على علم منا بذلك.
ولا يحتمل أن يكون خلقه إياهم على علم منه، ثم يخلقهم للفناء لا لعاقبة تتأمل؛ لأن من يفعل هذا في الشاهد إنما يفعل إما للجهل به أو لحاجة، واللَّه يتعالى عن ذلك كله.
أو أن يكون قوله: (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ): خلق ما ذكر، أي: إذا عرفتم أن خلق هذه الأشياء لا لأنفسها، ولكن لأنفسكم ولمنافعكم، فلا يحتمل أن يكون خلقها لكم بلا محنة ولا ابتلاء، فإن ثبت المحنة فيكم ثبت الثواب والعقاب؛ فإن ثبت هذا ثبت البعث والحياة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)
قَالَ بَعْضُهُمْ: بقدر: بعلم منا.
المؤمنون 23:18
الآية ١٨ : وقوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر﴾
قال بعضهم :﴿بقدر﴾ بعلم منا. وقال بعضهم : ما تقع لهم الحاجة والكفاية. وجائز أن يكون قوله :﴿بقدر﴾ أي معلوم مقدر، لا يتقدم، ولا يتأخر، ولا يزداد، ولا ينتقص. ولكن على ما قدر. وكذلك جميع الأشياء.
وقوله تعالى :﴿فأسكناه في الأرض﴾ يذكر هذا، ويخبر عن قدرته وسلطانه أن من قدر على استنزال الماء من السماء يقدر على البعث وعلى خلق الشيء لا من شيء، إذ لا أحد من الخلائق يقدر على ذلك إلا بالحيل التي علمه الله. أو(١) يقول : إنه حين(٢) جعل منافع الأرض متصلة بمنافع ( السماء )(٣) ومنافع السماء ( متصلة )(٤) بمنافع الأرض ( مع بعد )(٥) ما بينهما دل اتصال منافع أحدهما بالآخر مع بعد ما بينهما على أن منشئهما واحد، ومدبرهما واحد عالم بذاته.
وقوله تعالى :﴿وإنا على ذهاب به لقادرون﴾ كقوله :﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا﴾الآية ( الملك : ٣٠ ).
١ أدرج بعدها في الأصل و م: أن يكون..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ ساقطة من الأصل و م..
٥ من م، في الأصل: لبعد..
المؤمنون 23:19
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما يقع لهم الحاجة والكفاية.
وجائز أن يكون قوله: (بِقَدَرٍ)، أي: معلوم مقدر، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزداد ولا ينتقص، ولكن على ما قدر، وكذلك جميع الأشياء.
وقوله: (فأسكناه في الأرض).
يذكر هذا ويخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على استنزال الماء من السماء يقدر على البعث وعلى خلق الشيء لا من شيء؛ إذ لا أحد من الخلائق يقدر على ذلك إلا بالحيل التي علمه اللَّه.
أو أن يكون يقول: إنه حيث جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء، ومنافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ على بعد ما بينهما، دل اتصال منافع أحدهما بالآخر، أمع، بعد ما بينهما على أن منشئهما واحد، ومدبّرهما واحد عالم بذاته.
وقوله: (وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ).
كقوله: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا...) الآية.
وقوله: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ.. (١٩)
أي: بالماء.
(جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ).
أي: الكروم؛ يذكر نعمة اللَّه التي أنعمها عليهم من الماء الذي به حياة الأبدان والأشياء جميعًا؛ ليتادى به شكره وعبادته.
وقوله: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ).
إن كان قوله: (لَكُمْ فِيهَا)، أي: في الجنات؛ حيث ذكر أنه أنشأ لنا فواكه كثيرة؛ ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - أن من حلف ألا يأكل فاكهة، فأكل عنبا - لم يحنث؛ حيث ذكر النخيل والأعناب، وذكر فيها الفواكه على حدة.
وإن كان يعني به النخيل والأعناب، فليس فيه حجة له.
وقوله: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)
أي: أنشأنا لكم -أيضًا- شجرة في طور سيناء، ثم الشجرة التي تكون في الجبال لا صنع للخلق في إنباتها، وما يكون في الجنان والبساتين إنما يكون بإنبات الخلق، ثم أضاف كليهما: ما يكون للخلق فيه صنع وما لا يكون؛ دل إضافة ذلك إليه كله على أن لله في فعل العباد صنعا، وأن جميع ما يكون إنما يكون بصنع منه ولطف، ويذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم: من إنشاء الجنان لهم، والنخيل والأعناب والفواكه التي ذكر ليتأدى بذلك شكره.
وفيه دلالة قدرته وسلطانه؛ حيث أنشأ الشجرة، وأخرجها من الجبل، وهو أشد الأشياء وأصلبها، وجعل في تلك الشجرة الدهن، وهو ألين الأشياء وألطفها؛ فيخبر أن من قدر على إخراج ألين الأشياء من أشدها وأصلبها لا يعجزه شيء.
وفيه أن لا بأس بقران شيء إلى شيء، فهو كان جميعًا وضم بعضهم بعضه إلى بعض، ويجمع في الأكل حيث قال: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) هو الإدام.
ثم اختلف في قوله: (طُورِ سَيْنَاءَ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: الطور: الجبل، بالسريانية، والسيناء: الحسن، بالحبشية.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الطور: الجبل وما ذكر، والسيناء: الشجرة الحسناء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الطور: هو الجبل الذي كلم اللَّه موسى وأوحى إليه، والشجرة: هي شجرة الزيتونة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: السيناء: الحجارة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الطور: السيناء المبارك بما أوحى على موسى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الطور: الجبل، والسيناء: شجر حوله.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة: (وشجرة تخرج من طور سيناء تخرج الدهنَ وصِبغَ الآكلين).
قَالَ بَعْضُهُمْ: تخرج الثمر.
قال أبو معاذ: أنبت النبات ونبت: لغتان؛ كقولك: أسرى وسرى.
وقال زهير: حتى إذا أنبت البقل.
قال الكسائي: تقول: خرجت بزيد وأخرجت زيدًا، ولا تقول: أخرجت بزيد، إلا أن تقول: أخرجت بزيد عمرا.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) مثل الصباغ كما يقال: دبغ دباغًا، ولبس لباسًا.
أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) أي: الصباغ، وهو ما اصطبغت به من شيء،
المؤمنون 23:20
الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿وشجرة تخرج من طور سيناء﴾أي أنشأنا لكم أيضا شجرة في طور سيناء.
ثم الشجرة التي تكون في الجبال، لا صنع للخلق في إنباتها، وما يكون في الجنان والبساتين غنما يكون بإنبات الخلق. ثم أضاف كليهما : ما يكون للخلق فيه صنع، وما لا يكون. دل إضافة ذلك إليه كله على أن ( لله في فعل العباد صنعا )(١) وأن جميع ما يكون إنما يكون بصنع منه ولطف، ويذكرهم نعمة الله التي أنعمها عليهم من إنشاء الجنان لهم والنخيل والأعناب والفواكه التي ذكر ليستأدي بذلك شكره.
وفيه دلالة قدرته وسلطانه حين(٢) أنشأ الشجرة، وأخرجها من الجبل، وهو أشد الأشياء وأصلبها، ( ثم أنشأ )(٣) في تلك الشجرة الدهن، وهو ألين الأشياء وألطفها. فيخبر أن ( من )(٤) قدر على إخراج ألين الأشياء
من أشدها وأصلبها لا يعجزه شيء وفيه أن لا بأس بقران شيء إلى شيء، فيؤكلان(٥) جميعا، وضم بعضه(٦) إلى بعض، فيجمع في الأكل حين(٧)
قال :﴿تنبت بالدهن وصبغ للآكلين﴾وهو الإدام.
ثم اختلف في قوله :﴿طور سيناء﴾ قال بعضهم : الطور الجبل بالسريانية، والسيناء الحسن بالحبشية. وقال بعضهم : الطور الجبل وما ذكر، والسيناء الشجرة الحسناء. وقال بعضهم الطور هو الجبل الذي كلم الله موسى ( من جانبه )(٨)وأوحى إليه، والشجرة الزيتونة. وقال بعضهم : السيناء الحجارة. وقال بعضهم : الطور الجبل، والسيناء المبارك بما أوحي إلى موسى. وقال بعضهم : الطور الجبل والسيناء شجر حوله.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة :﴿وشجرة تخرج من طور سيناء﴾ تخرج الدهن﴿وصبغ للآكلين﴾. قال بعضهم : تخرج الثمر. قال أبو معاذ : أنبت النبات، ونبت لغتان كقولك : أسرى، وسرى، وقال زهير :
( رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم؍ قطينا لهم حتى )(٩) إذا أنبت البقل(١٠)؍
قال الكسائي : تقول خرجت بزيد، وأخرجت زيدا، ولا تقول : أخرجت بزيد إلا أن تقول : أخرجت بزيد عمرا.
قال القتبي :﴿وصبغ للآكلين﴾ مثل الصباغ كما يقال : دبغ ودباغ(١١)، ولبس ولباس.
وقال أبو عوسجة :﴿وصبغ للآكلين﴾أي الصباغ، وهو ما اصطبغت به من شيء، أي غمرته فيه.
١ في الأصل و م: الله في فعل العباد صنع..
٢ في الأصل و م: حيث..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م في الأصل: فهو كان..
٦ أدرج قبلها في الأصل وم: بعضهم..
٧ في الأصل و م: حيث..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ انظر الديوان ص ١١١..
١١ الواو ساقطة من الأصل و م..
المؤمنون 23:21
أي: غمرته فيه.
وقوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)
في سورة النحل (مِمَّا فِي بُطُونِهِ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما ذكره على الفرد والوحدان، وفيما ذكره على التأنيث على الجمع.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: فيما ذكره بالتذكير أراد به جنسًا من الأنعام مما في بطونه، وهذا أشبه، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
ثم قوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) وجه العبرة فيها من وجوه:
أحدها: ما قال ابن عَبَّاسٍ، وهو ما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ...) الآية؛ ففي ذلك عبرة ودلالة على وحدانيته وربوبيته وعلمه وقدرته وتدبيره ولطفه؛ إذ ليس شيء منها إلا وفيها دلالة وحدانيته وربوبيته، ودلالة علمه وقدرته وتدبيره.
وفيه أنه لم ينشئ هذه الأنعام لأنفسها، ولكن أنشأها للبشر؛ حيث أخبر أنه سخرها لهم؛ ليمتحنهم بها.
ثم اختلف في الأنعام:
قال مقاتل: الأنعام: كل شيء يؤكل لحمه ويشرب لبنه، وما لا يؤكل لحمه ولا يشرب لبنه - فليس من الأنعام.
وقال أبو معاذ: إن من الأنعام ما لا يؤكل لحمه ولا يشرب لبنه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأنعام: كل بهيمة حتى الوحش.
والأشبه أن تكون الأنعام هي الإبل، ولكنا لا نعلم حقيقته؛ إنما هو اللسان، فهو على ما يسميه أهل اللسان.
وقوله: (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ).
قيل: من الحمولة وغيرها، وقد ذكرنا هذا في سورة النحل.
وقوله: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
يذكرهم نعمه فيما سخر لهم من الأنعام والسفن؛ ليتأدى به شكره.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
المؤمنون 23:22
الآية ٢٢ : وقوله تعالى :﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ يذكرهم نعمه في ما سخر لهم من الأنعام والسفن ليستأدي به شكره.
المؤمنون 23:23
لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (٢٣)
يردد - عَزَّ وَجَلَّ - أنباء أولي العزم من الرسل وأخبارهم، ويكررها على رسول اللَّه؛ ليكون أبدًا يقظانًا منتبهًا، ويعرف أن كيف عامل أولو العزم قومهم، وكيف صبر أولو العزم من الرسل على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ ليعامل هو قومه مثل معاملتهم، ويصبر هو على أذى قومه؛ على ما صبر أُولَئِكَ على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ لهذا ما يردد ويكرر أنباءهم عليه، ويعرف قومه -أيضًا- ألا يظفروا بما يأملون من تكذيبهم العاقبة؛ بل العاقبة تصير له على ما صارت لأولي العزم من الرسل لا لقومهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَفَلَا تَتَّقُونَ)، يحتمل وجوهًا:
أحدها: (أَفَلَا تَتَّقُونَ) مخالفة اللَّه ومخالفة رسوله.
أو (أَفَلَا تَتَّقُونَ) عذابه ونقمته ووعيده.
أو (أَفَلَا تَتَّقُونَ) عبادة غير اللَّه.
وقوله: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)
هذا الذي قالوا: هو تناقض؛ لأنهم قالوا: إنه بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم بما ادعى من الرسالة والإجابة له إلى ما دعاهم، ثم هم - أعني: الرؤساء منهم والقادة - ادعوا لأنفسهم الفضل بما استتبعوا هم السفلة، وطلبوا منهم الموافقة لهم والإجابة، وهم بشر أمثالهم؛ فذلك تناقض في القول، ثم أقروا بتفضيل بعض الخلق على بعض، وعرفوا قدرة اللَّه على ذلك؛ حيث قالوا: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً).
فإن قدر على تفضيل الملائكة على البشر، قدر على تفضيل بعض البشر على بعض، ثم أخبر عن نوح أنه لا يريد بما ادعى من الرسالة التفضل عليهم؛ ولكن يريد النصح لهم والإشفاق عليهم؛ حيث قال: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ)،
المؤمنون 23:24
الآية ٢٤ : وقوله تعالى :﴿فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم﴾هذا الذي قالوا، هو متناقض، لأنهم قالوا : إنه﴿بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم﴾ بما ادعى من الرسالة والإجابة إلى ( ما )(١) دعاهم. ثم هم أعني الرؤساء منهم والقادة ادعوا لأنفسهم الفضل بما استبقوا هم السفلة، وطلبوا منهم الموافقة لهم والإجابة، وهم بشر أمثالهم. فذلك تناقض في القول.
ثم أقروا بتفضيل بعض الخلق على بعض، وعرفوا قدرة الله على ذلك حين(٢) قالوا :﴿ولو شاء الله لأنزل ملائكة﴾ فمن(٣) قدر على تفضيل /٣٥٥-أ/ ( الملائكة على البشر قدر على تفضيل )(٤) بعض البشر على بعض. ثم أخبر عن نوح أنه لا يريد بما ادعى من الرسالة التفضل عليهم، ولكن يريد النصح لهم والإشفاق عليهم حين(٥) قال :﴿ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم﴾( هود : ٣٤ ) وقال :﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾( الأعراف : ٥٩ ) والشعراء ١٣٥ )
وقال )(٦) :﴿فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم﴾( الشعراء : ١٨٩ ) ونحو ما قال أخبر أنه إنما أراد النصح والشفقة لا التفضل الذي قالوا هم.
وقوله تعالى :﴿ما سمعنا بهذا في أبائنا الأولين﴾هذا قولهم وقد كذبوا في قولهم.
قال مقاتل :﴿يريد أن يتفضل عليكم﴾بالرسالة، وليس عليكم فضل في شيء، فتتبعونه. وقوله :﴿ما سمعنا بهذا﴾قال بعضهم : أي بالعذاب﴿في آبائنا الأولين﴾ ويقال : ما سمعنا التوحيد﴿في أبائنا الأولين﴾كما يدعو نوح.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم : حيث..
٣ في الأصل وم: فإن..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: و..
المؤمنون 23:25
وقال: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، (عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ)، ونحو ما قال؛ أخبر أنه إنما أراد النصح والشفقة لا التفضل الذي قالوا هم.
وقوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ).
هذا قولهم، وقد كذبوا في قولهم.
وقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)
قد عرفوا أن ليس به جنون؛ ولكن أرادوا التلبيس والتمويه على قومهم؛ حيث خالفهم في جميع أمورهم، وعادى الرؤساء منهم والقادة، ويقولون: ما يفعل هذا إلا لجنون فيه وآفة أصابته في عقله، وإلا: عرفوا هم في أنفسهم - أعني: القادة - أنه ليس بمجنون؛ ولكن أرادوا التمويه على قومهم، ثم قالوا: (فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ).
لسنا ندري ما أرادوا بالحين: أرادوا الموت؟ أو وقت ارتفاع ما قالوا فيه من الجنون؟ أو أرادوا وقتا آخر.
قال مقاتل: يريد أن يتفضل عليهم بالرسالة، وليس له عليكم فضل في شيء فننبعونه.
وقوله: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: بالعذاب في آبائنا الأولين.
ويقال: ما سمعنا التوحيد في آبائنا الأولين، كما يدعو نوح.
وقوله: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)
لم يدع عليهم بأول ما كذبوه؛ ولكن إنما دعا عليهم بعد ما أيس من عودهم إلى تصديقه، وهو ما قال: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ).
وقال أهل التأويل: (انْصُرْنِي): بتحقيق ما وعدت لهم من العذاب؛ فإنه نازل بهم في الدنيا وعذابهم (بِمَا كَذَّبُونِ): في قولي بأن العذاب نازل بهم في الدنيا.
أو أن يكون قوله: (انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ)، أي: اجعل لي الظفر عليهم بالتكذيب، ونحوه.
وقوله - تعالى -: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ: بمنظر منا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بمرأى منا.
وجائز أن يكون - صلوات اللَّه عليه - ظن لما أمر باتخاذ الفلك: أنهم لا يتركونه أن يتخذ الفلك؛ فأخبره - عَزَّ وَجَلَّ -: أنك تتخذه بحيث تراه، وننصرك عليهم بحيث لا يملكون منعك عن اتخاذها.
وقوله: (وَوَحْيِنَا)، أي: بأمرنا.
وقوله: (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ)، أي: إذا جاء الموعود بأمرنا وفار التنور.
أو أن يقول: إذا جاء وقت أمرنا بالعذاب وفار ما ذكر، أي: خرج الماء من التنور وظهر.
وقوله: (فَاسْلُكْ فِيهَا).
قيل: أدخل فيها، يقال: سلكت، وهو الإدخال؛ كقوله: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ)، أي: أدخل.
وتفسير (اسْلُكْ): ما ذكر في آية أخرى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا).
وقوله: (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ).
يحتمل أن يكون قوله: (اثْنَيْنِ) نعتًا لقوله: (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ): من الذكر والأنثى.
وجائز أن يكون قوله: (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ)، أي: من كل زوجين عددين لونين: أبيض، وأسود، وطيب وخبيث.
وقوله: (وَأَهْلَكَ)، أي: احمل أهلك -أيضًا- في السفينة.
وقوله: (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ).
بالعذاب والهلاك، وقد ذكرنا هذا في سورة هود.
وقوله: (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ).
اختلف فيه:
قال قائلون: إنما نهاه عن مخاطبته الذين ظلموا؛ حيث قال: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)، أنهاه، أن يسأله؛ فإن كان على هذا أفقوله: (وَلَا تُخَاطِبْنِي)، أي: لا تراجعني الكلام في الذين ظلموا.
وقال قائلون: قوله: (وَلَا تُخَاطِبْنِي) في الذين ظلموا في جميع ظلمة قومه؛ (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)؛ وإن كان على هذا فهو نهي عن ابتداء السؤال في نجاتهم، واللَّه أعلم.
المؤمنون 23:26
الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿رب انصرني بما كذبون﴾لم يدع عليهم بأول ما كذبوا، وإنما دعا عليهم بعد ما أيس من عودهم إلى تصديقه، وهو ما قال :﴿أني مغلوب فانتصر﴾( القمر : ١٠ ).
وقال أهل التأويل : انصرني بتحقيق ما وعدت لهم من العذاب، بأنه نازل بهم في الدنيا، وعذابهم بما كذبوني في قولي بأن العذاب نازل بهم في الدنيا. أو يكون قوله :﴿انصرني بما كذبون﴾أي اجعل لي الظفر عليهم بالتكذيب ونحوه.
المؤمنون 23:27
الآية ٢٧ : وقوله تعالى :﴿فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا﴾قال بعضهم : بمنظر منا. وقال بعضهم : بمرأى منا. وجائز أن يكون، صلوات الله عليه، ظن لما أمر باتخاذ الفلك أنهم لا يتركونه أن يتخذ الفلك ؛ فأخبره عز وجل أنك تتخذه بحيث نراه ؛ وتنصرك عليهم بحيث لا يملكون منعك عن اتخاذها.
وقوله تعالى :﴿ووحينا﴾ أي بأمرنا.
وقوله تعالى :﴿فإذا جاء أمرنا وفار التنور﴾ أي إذا جاء الموعود بأمرنا ﴿وفار التنور﴾ أو أن يقول : إذا جاء وقت أمرنا بالعذاب، وفار ما ذكر أي خرج الماء من التنور، وظهر.
وقوله تعالى :﴿فاسلك فيها﴾ قيل : أدخل فيها. يقال : سلكت ( وأسلكت، وهو من )(١) الإدخال كقوله :﴿اسلك يدك في جيبك﴾( القصص : ٣٢ ) أي أدخل. وتفسير﴿فاسلك﴾ما ذكر في آية أخرى :﴿قلنا احمل فيها﴾( هود : ٤٠ ).
وقوله تعالى :﴿من كل زوجين اثنين﴾ يحتمل أن يكون قوله :﴿اثنين﴾ نعتا(٢) لقوله :﴿من كل زوجين﴾من الذكر والأنثى. وجائز أن يكون قوله :﴿من كل زوجين﴾أي كل زوجين عددين لونين أبيض وأسود وطيب وخبيث. وقوله تعالى :﴿وأهلك﴾ أي احمل أهلك أيضا في السفينة.
وقوله تعالى :﴿إلا من سبق عليه القول﴾بالعذاب والهلاك، وقد ذكرنا هذا في سورة هود(٣).
وقوله تعالى :﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون﴾ اختلف فيه. إنما نهاه عن مخاطبته في الذين ظلموا حين قال :﴿إن ابني من أهلي﴾ ( هود : ٤٥ ) نهاه عن أن يسأله. فإن كان على هذا فقوله :﴿ولا تخاطبني﴾ أي لا تراجعني في نجاتهم، والله أعلم.
المؤمنون 23:28
وقوله: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ... (٢٨)
من المؤمنين (عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
هكذا الواجب على كل من أنجاه اللَّه من الظلمة أن يحمد ربه على ذلك ويسأله النجاة إذا ابتلي بهم؛ كما علم نوحًا أن يقول ما ذكر ويحمده على النجاة منهم، وكما قال موسى حين خرج من عندهم خائفا: (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، وكما سألت امرأة فرعون النجاة من فرعون وقومه حين قالت: (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
ثم علمه ربه أن يسأله الإنزال في منزل مبارك؛ حيث قال: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)
ثم يحتمل سؤاله المنزل المبارك: جميع الخيرات والحسنات وعمل الصالحات.
ويحتمل سؤاله المنزل المبارك: الموضع الذي فيه السعة والخصب؛ على ما قاله بعض أهل التأويل، المبارك بالماء والشجر وغيره؛ فإن كان هذا ففيه دلالة إباحة سؤال السعة والخصب، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
قال قائلون: قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ)، أي: في هلاك قوم نوح وإغراقهم لآيات لمن بعدهم، (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) بآيات؛ تفضلا منا وإحسانَا سوى ذلك.
ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن قوله: (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ): بسور الآيات التي كانت؛ وجائز في اللغة (إن) بمعنى (ما).
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن قوله: (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)، أي: وقد كنا لمبتلين، أي: قد ابتلاهم قبل إهلاكه إياهم، ولسنا نعرف ما حقيقة هذا الكلام وما مراده، واللَّه أعلم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (فَاسْلُكْ فِيهَا)، أي: أدخل فيها، يقال: سلك الخيط في الإبرة وأسلكته، وقال أبو عبيدة كذلك.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ): هذا من الابتلاء، أي: اختبار، ومن البلاء: مبلون.
* * *
قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا
المؤمنون 23:29
الآية ٢٩ : ثم علمه ربه أن يسأله الإنزال في منزل مبارك حين(١) قال :﴿وقل ربي أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين﴾. ثم يحتمل سؤاله المنزل المبارك جميع الخيرات(٢) والحسنات وعمل الصالحات. ويحتمل سؤاله المنزل المبارك الموضع الذي فيه السعة والخصب على ما قاله بعض أهل التأويل : المبارك بالماء والشجر وغيره. فإن كان هذا ففيه دلالة إباحة سؤال السعة والخصب، والله أعلم.
١ في الأصل و م: حيث..
٢ من م، في الأصل: الخير..
المؤمنون 23:30
الآية ٣٠ : وقوله تعالى :﴿إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين﴾قال قائلون : قوله :﴿إن في ذلك لآيات﴾أي ( إن )(١) في إهلاك قوم نوح وإغراقهم لآيات لمن بعدهم ﴿وإن كنا لمبتلين﴾بآيات تفضلا منا وإحسانا سوى ذلك. ويحتمل وجها آخر، وهو أن قوله :﴿وإن كنا لمبتلين﴾بسور الآيات التي كانت.
وجائز في اللغة إن بمعنى ما.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن قوله :﴿وإن كنا لمبتلين﴾أي قد ابتلاهم قبل إهلاكه إياهم.
ولسنا نعرف ما حقيقة هذا الكلام ؟ وما مراده ؟ والله أعلم.
قال القتبي :﴿فاسلك فيها﴾( المؤمنون : ٢٧ ) أي أدخل فيها. يقال : سلكت الخيط في الإبرة، وأسلكته. وقال أبو عبيدة كذلك.
وقال أبو عوسجة :﴿وإن كنا لمبتلين﴾ هذا من الابتلاء، أي اختبار. ومن البلاء : لمبلين(٢).
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل وم مبلون..
المؤمنون 23:31
مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)
وقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)
قيل: من بعد قوم نوح قرنًا آخرين: عادا وغيرهم.
(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ... (٣٢)
قالوا: هودًا.
(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
جميع الأنبياء والرسل إنما بعثوا بالدعاء إلى توحيد اللَّه، وجعل العبادة له.
وقوله: (أَفَلَا تَتَّقُونَ).
مخالفته، أو عبادة من دونه، وجميع معاصيه، على ما ذكرنا من قبل.
وقوله: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ... (٣٣)
أي: بالبعث.
(وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أترفناهم، أي: بسطنا لهم في الدنيا حتى ركبوا المعاصي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المترف: الغني الطاغي.
وقوله: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ...) الآية.
قد ذكرنا فيما تقدم أنهم تناقضوا في قولهم: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ...) إلى قوله: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ)؛ لما أنهم منعوا الأتباع عن أن يتبعوا الرسول ويطيعوه؛ لأنه بشر مثلهم، ثم طلبوا منهم الطاعة لهم والاتباع في أمورهم، وهم بشر أمثالهم؛ فذلك تناقض في القول وفساد.
وقوله: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ): استبعاد الأمر وإنكاره، أي: بعيدًا بعيدًا، أي: أمر لا يكون.
المؤمنون 23:32
﴿فأرسلنا فيهم رسولا منهم﴾ قالوا هودا﴿أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾جميع الأنبياء والرسل إنما بعثوا بالدعاء إلى توحيد الله، وجعل العبادة(١) له. وقوله تعالى :﴿أفلا تتقون﴾مخالفته أو عبادة من دونه وجميع معاصيه على ما ذكرنا من قبل.
المؤمنون 23:33
الآية ٣٣ : وقوله تعالى :﴿وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة﴾ أي بالبعث ﴿وأترفناهم في الحياة الدنيا﴾ قال بعضهم :﴿وأترفناهم﴾أو بسطنا لهم في الدنيا حتى ركبوا المعاصي. وقال بعضهم : المترف الغني الطاغي. وقوله تعالى :﴿ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون﴾.
وقال القتبي :﴿وأترفناهم﴾( المؤمنون : ٣٣/٣٥٥- ب/ أي وسعنا عليهم حتى أترفوا، والترفة النعمة (٣)، ومثلها تحفة، كأن المترف، هو الذي يُتحَفُ.
وقال غيره :﴿وأترفناهم﴾أي وأنعمنا عليهم، وبسطنا لهم. فكله يرجع إلى واحد.
المؤمنون 23:34
الآية ٣٤ :( وقوله تعالى ) (١) :﴿ولئن أطعتم بشرا مثلكم﴾ الآية. قد ذكرنا في ما تقدم أنهم تناقضوا(٢) في قولهم :﴿ما هذا إلا بشر مثلكم﴾إلى قولهم(٣) :﴿ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون﴾لما أنهم متعوا الأتباع عن أن يتبعوا الرسول(٤)، ويطيعوه، لأنه بشر مثلهم، ثم طلبوا منهم الطاعة لهم والاتباع في أمورهم، وهم بشر أمثالهم. فذلك تناقض في القول وفساد.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: تناقض..
٣ في الأصل و م: قوله..
٤ في الأصل و م: الرسل..
المؤمنون 23:35
الآيتان ٣٥ و ٣٦ : وقوله تعالى :﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾قال بعضهم : قوله :﴿هيهات هيهات﴾استبعاد الأمر وإنكاره، أي بعيدا بعيدا، أي الأمر(١)لا يكون.
١ في الأصل وم: آمر..
المؤمنون 23:36
الآيتان ٣٥ و ٣٦ : وقوله تعالى :﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾قال بعضهم : قوله :﴿هيهات هيهات﴾استبعاد الأمر وإنكاره، أي بعيدا بعيدا، أي الأمر(١)لا يكون.
١ في الأصل وم: آمر..
قال أبو عوسجة :﴿هيهات هيهات﴾( المؤمنون : ٣٦ ) هذا تبعيد للأمر، أي إنه أمر بعيد على ما ذكرنا أنه لا يكون.
المؤمنون 23:37
وقوله: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)
إن كان هذا القول من الثنوية والدهرية فقوله: (نَمُوتُ وَنَحْيَا): هم بأنفسهم؛ لأنهم يقولون: يموت الإنسان فيحيا غيره من البقر والحمر وغيره من تراب إذا أكل.
وإن كان هذا القول من غير الثنوية فنقول: قوله: (نَمُوتُ وَنَحْيَا)، أي: نموت نحن ويحيا الأبناء.
وذكر في حرف ابن مسعود وأبي: (نحيا ونموت وما نحن بمبعوثين).
وقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) هذا قولهم.
وقوله: (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩)
قد ذكرناه.
(قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)
أي: عما قريب يندمون بالتكذيب عن هذا القول الذي قالوه والإنكار الذي أنكروه، لا شك في ذلك.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَأَترفنَاهُمْ)، أي: وسعنا عليهم حتى أترفوا، والترفة منه، ومثلها: تحفة، كان المترف هو الذي يتحف.
وقال غيره: (وَأَتْرَفنَاهُمْ)، أي: أنعمنا عليهم وبسطنا لهم؛ فكله يرجع إلى واحد.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ) هذا تبعيد للأمر، أي: أنه أمر بعيد؛ على ما ذكرنا أنه لا يكوِن.
وقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ... (٤١)
قد ذكرناه.
وقوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً)
قَالَ بَعْضُهُمْ: الغثاء: اليابس الهامد كنبات الأرض إذا يبس.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الغثاء: هو الذي يحمله السيل بالموج.
وقال أبو معاذ: (غُثَاءً أَحْوَى)، أي: أسود.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: غثاء، أي: موتى.
المؤمنون 23:38
الآية ٣٨ : وقوله تعالى :﴿إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين﴾هذا قولهم(١).
١ من م، في الأصل: قوله..
المؤمنون 23:39
[ الآية ٣٩ ] وقوله تعالى :﴿قال ربي انصرني بما كذبون﴾ قد ذكرنا.
المؤمنون 23:40
الآية ٤٠ :( وقوله تعالى )(١) :﴿قال عما قليل ليصبحن نادمين﴾أي عن قريب يندمون بتكذيب(٢) هذا القول الذي قالوه، والإنكار الذي أنكروه، لاشك في ذلك.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: بالتكذيب عن..
المؤمنون 23:41
الآية ٤١ : و قوله تعالى :﴿فأخذتهم الصيحة بالحق﴾ قد ذكرنا.
وقوله تعالى :﴿فجعلناهم غثاء﴾ قال : بعضهم : الغثاء اليابس الهامد كنبات الأرض إذا يبس. وقال بعضهم : الغثاء هو الذي يحمله السيل ( من العيدان )(١). قال أبو معاذ﴿فجعله غثاء أحوى﴾( الأعلى : ٥ ) أي أسود. وقال بعضهم :﴿غثاء﴾أي موتى.
وجائز أن يكون تأويل قوله :﴿غثاء﴾أي كالشيء المنسي الذي لا يذكر البتة، لأن أولئك الفراعنة والأكابر إذا هلكوا لم يذكروا البتة ( ولا )(٢) افتخر أحدهم من أولادهم بهم من بعد الهلاك كما افتخر أولاد الأنبياء والرسل والصالحين بآبائهم وأجدادهم من بعدهم، وصاروا مذكورين على أبد الآبدين. فأما أولئك فصاروا حاملي الذكر كالشيء الخسيس المنسي المتروك.
وقوله تعالى :﴿فجعلناهم غثاء﴾ الغثاء ما ذكرنا، وعلى(٣) قول بعضهم : كالرميم الهامد الذي يحمله السيل، وعلى(٤) قول بعضهم : كالشيء البالي المتغير، وعلى ( قول بعضهم )(٥) : الغثاء ما ارتفع على الماء مما لا ينتفع به، وكله واحد.
وقال القتبي :﴿غثاء﴾ أي هلكى كالغثاء، وهو ما على السيل من الزبد والقمش، لأنه يذهب، ويتفرق. قال أبو عوسجة : الغثاء ما يحمل السيل من العيدان والبعر، والأغثية جميع، والغثاء حمل السيل.
ثم ذكر أنفس قوم عاد وثمود، وشبهها بما ذكر من الغثاء، وكذلك يذكر جميع أهل الشرور والفساد، وذكر في أهل الخير أعمالهم لا أنفسهم، لأن لهم أعمال الخير والصلاح، فتجعل أنفسهم حية بالأعمال كقوله :﴿وجعلناهم أحاديث﴾( المؤمنون : ٤٤ ) جعل أعمالهم أحاديث في ما بينهم.
وأما أهل الكفر والشر فإنهم(٦) لا أعمال لهم تذكر، فتذكر أنفسهم بعدا وسحقا.
١ في الأصل وم: بالموج..
٢ في الأصل وم: و..
٣ الواو ساقطة من الأصل وم..
٤ الواو ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم بعض..
٦ في الأصل وم: فإنه...
المؤمنون 23:42
وجائز أن يكون تأويل قوله: (غُثَاءً)، أي: كالشيء المنسي الذي لا يذكر ألبتَّة؛ لأن أُولَئِكَ الفراعنة والأكابر إذا هلكوا لم يذكروا ألبتَّة، ولا افتخر أحد من أولادهم بهم من بعد الهلاك، كما افتخر أولاد الأنبياء والرسل والصالحين بآبائهم وأجدادهم من بعدهم، وصاروا مذكورين إلى أبد الآبدين، فأما أُولَئِكَ: صاروا خاملي الذكر كالشيء الخسيس المنسي المتروك.
وقوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً)، الغثاء: ما ذكرنا على قول بعضهم كالريم الهامد الذي يحمله السيل، وعلى قول بعضهم: هو كالشيء البالي المتغير.
وعلى قول بعض: الغثاء: ما ارتفع على الماء مما لا يُنتفع به، وكله واحد.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: غثاء، أي: هلكى كالغثاء، وهو ما على السيل من الزبد والقش؛ لأنه يذهب ويتفرق.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الغثاء: ما يحمله السيل من العيدان والبعر والأغشية جميعا، والغثاء: حميل السيل.
ثم ذكر أنفس قوم عاد وثمود، وشبهها بما ذكر من الغثاء، وكذلك يذكر أنفس جميع أهل الشرور والفساد، وذكر في أهل الخير أعمالهم لا أنفسهم؛ لأن لهم أعمال الخير والصلاح؛ فتجعل أنفسهم حئة بالأعمال؛ كقوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ)، جعل أعمالهم أحاديث فيما بينهم، وأما أهل الكفر والشر فإنه لا أعمال لهم تذكر؛ فتذكر أنفسهم بُعدا وسحقًا.
* * *
قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
وقوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ)، قيل: من بعد قوم عاد وهَؤُلَاءِ.
(قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)
كأنه ذكر هذا لما كانوا يستعجلون العذاب الموعود والهلاك الذي أوعدوا؛ فأخبر أن لكل أمة أجلاً: لا تسبق أجلها باستعجال من يستعجل، ولا يستأخرون أجلها الذي جعل لهم.
وقوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا... (٤٤)
المؤمنون 23:43
الآية ٤٣ :( وقوله تعالى )(١) :﴿ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون﴾ كأنه ذكر هذا لما كانوا يستعجلون العذاب الموعود والهلاك الذي أوعدوا. فأخبر أن لكل أمة أجلا(٢)، لا تسبق أجلها باستعجال(٣) من يستعجل﴿وما يستأخرون﴾أجلهم(٤) الذي جعل لهم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل و م: أجل..
٣ في الأصل و م: بالاستعجال..
٤ في الأصل و م: أجلها..
المؤمنون 23:44
الآية ٤٤ : وقوله تعالى :﴿ثم أرسلنا تترا﴾( تباعا واحدا )(١) بعد واحد وبعضا(٢) على إثر بعض﴿كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا﴾ في الهلاك الأول﴿وجعلناهم أحاديث﴾ لمن بعدهم ولمن بقي منهم، يعني ( من )(٣) الذين أهلكوا﴿فبعدا لقوم لا يؤمنون﴾.
قال القتبي :﴿تترا﴾أي تتتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر. والأصل : وَتْرَى، فقلبت الواو تاء كما قلوبها في التقوى والتخمة والتكلان.
وقال أبو عوسجة :﴿تترا﴾ بعضهم على إثر بعض ( وهو من المتابعة ). (٤)
وفي قوله :﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾دلالة على أن أهل الفترة ومن كان في ما بين بعث الرسل، لا عذر لهم في شيء لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر وحسن آثارهم وأعلامهم. أخبر أنه أرسل الرسل تباعا بعضا على ( إثر )(٥) بعض وأنه(٦) كان بين بعثهم فترة لما أبقى الحجج والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم، والله أعلم.
١ في الأصل و م: تباع واحد..
٢ في الأصل و م: وبعض..
٣ ساقطة من الأصل و م..
المؤمنون 23:45
قَالَ بَعْضُهُمْ: (تَترَا) تباعًا، واحدًا بعد واحد، وبعضًا على أثر بعض.
(كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا).
في الهلاك الأول فالأول.
(وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ).
لمن بعدهم ولمن بقي منهم، يعني: الذين أهلكوا.
(فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ).
* * *
قوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)
قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى).
قد ذكرناه.
(فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦)
كقوله: (إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: متكبرين ومتجبرين.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: هو من العلو، ليس من التعالي، والتعالي لا يوصف به الخلق.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (تَتْرَا)، أي: تتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: (وترى)، فقلبت الواو تاء؛ كما قلبوها في (التقوى) و (التخمة) و (التكلان).
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (تَتْرَا) بعضهم على أثر بعضهم، وهو من المتابعة.
وفي قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) دلالة أن أهل الفترة، ومن كان فيما بين بعث الرسل - لا عذر لهم في شيء؛ لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر وحسن آثارهم وأعلامهم - أعني: آثار الرسل وأعلامهم - أخبر أنه أرسل الرسل تباعًا: بعضًا على إثر بعض، وإن كان بين بعثهم فترة؛ لما أبقى الحجج والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم،
المؤمنون 23:46
الأية ٤٦ :( وقوله تعالى )(١) :﴿إلى فرعون و ملاءيه فاستكبروا وكانوا قوما عالين﴾ كقوله :﴿إن فرعون علا في الأرض﴾( القصص : ٤ ) قال(٢) بعضهم : متكبرين متجبرين وقال(٣) أبو عوسجة : هو من العلو، ليس من التعالي، والتعالي لا يوصف به الخلق.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وقال..
٣ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:47
واللَّه أعلم.
وقوله: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)
قَالَ بَعْضُهُمْ، تعجب: نرفعهم بعد ما كنا غالبين عليهم؟!! نجعلهم غالبين علينا وكانوا لنا عابدين؟! أي: نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك؟! وذلك واللَّه أعلم - حين أتوهما بالرسالة.
(فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)
صاروا من المهلكين بالتكذيب.
وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)
يشبه أن يكون حرف (لعل) لموسى، أي: آتينا موسى الكتاب؛ لعلهم يهتدون عنده، و (لعل) حرف رجاء وترجٍ؛ لكن يستعمل مرة: على الإيجاب والإلزام، ومرة: على النهي؛ كقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ)، أي: لا تبخع نفسك، وقوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)، أي: لا تترك بعض ما يوحى إليك، وذلك جار في اللغة؛ يقول الرجل لآخر: لعلك " كذا، أي: لا تفعل، ونحوه، و (لعل) من اللَّه يحتمل الإيجاب والإلزام والنهي، من الخلق: يحمل على النهي والترجي، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)
خص - عَزَّ وَجَلَّ - وأمه بأن جعلهما آية، وجميع البشر في معنى الآية واحد؛ إذ خلقوا جميعًا من نطفة، ثم حولت النطفة علقة، والعلقة مضغة، إلى آخر ما ينتهي إليه؛ فيصير إنسانًا؛ فالآية والأعجوبة في خلق الإنسان من النطفة ومما ذكرنا إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دون خلقه بلا أب ولا زوج وما ذكر، لكنه خصهما بذكر الآية فيهما؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد في الخلق، والعادة الظاهرة فيهم أن يخلقوا من النطفة والأب والتزاوج والأسباب التي للتوالد والتناسل الذي تجري فيما بينهم والأسباب التي جعل للتوالد في الخلق؛ وجهما عن الأمر المعتاد والعادة الظاهرة خصهما بذكر الآية والأعجوبة في خلق البشر. النطقة، وما ذكر إن لم يكن أكثر وأعظم لم يكن دونه، وهو كما خصَّ بني إسرائيل بالخطاب بالشكر؛ لما أنعم عليهم من المن والسلوى، ولما أنجاهم من آل فرعون بقوله: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ).
، وقال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)
المؤمنون 23:48
الآية ٤٨ :( وقوله تعالى )(١) ﴿فكذبوهما فكانوا من المهلكين﴾ بالتكذيب.
١ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:49
الآية ٤٩ : وقوله تعالى﴿ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون﴾ يشبه أن يكون حرف لعل لموسى، أي آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون عنده. ولعل : حرف رجاء وترج. ولكن يستعمل مرة على الإيجاب والإلزام، ومرة على النهي كقوله :﴿لعلك باخع نفسك﴾( الشعراء : ٣ ) أي لا تبخع نفسك، وقوله :﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك﴾( هود : ١٢ ) أي لا تترك بعض ما يوحى إليك. وذلك جائز في اللغة : يقول الرجل لآخر : لعلك تفعل كذا، أي لا تفعل. ونحوه.
وحرف : لعل من الله يحتمل الإيجاب والإلزام والنهي، ومن الخلق على النهي والترجي، والله أعلم.
المؤمنون 23:50
الآية ٥٠ : وقوله تعالى :﴿وجعلنا ابن مريم وأمه آية﴾ خص عز وجل عيسى عليه السلام وأمه بأن جعلهما آية. وجميع البشر في معنى الآية واحد، إذ خلقوا جميعا من نطفة، ثم حولت النطفة علقة، والعلقة مضغة، إلى آخر ما ينتهي إليه، فيصير إنسانا.
فالآية والأعجوبة في خلق الإنسان من النطفة ومما ذكرنا إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دون خلقه بلا أب ولا زوج وما ذكر، لكنه خصهما بذكر الآية فيهما لخروجهما عن الأمر المعتاد في الخلق، إذا العادة الظاهرة فيهم أن يخلقوا من النطفة والأب والتزاوج ( والأسباب التي )(١) جعلت للتوالد والتناسل الذي يجري في ما بينهم(٢). والأعجوبة في خلق البشر من النطفة وما ذكر إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دونه. وهو ما خص بني إسرائيل بالخطاب بالشكر لما أنعم عليهم من المن والسلوى، ولما أنجاهم من ( فرعون وآله بقوله )(٣) :﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون﴾( إبراهيم : ٦ ) وقوله(٤) :﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾( البقرة : ٤٧ و ١٢٢ ).
وقد كان عليهم من النعم ما هو أعظم وأكثر من المن والسلوى ونجاتهم من فرعون وآله. لكنه خصهم بذكر المن والسلوى، واستأدى منهم الشكر بذلك من بين سائر النعم لأنها خرجت عن المعتاد من النعم المعروفة، وهم كانوا مخصوصين بهذا من بين غيرهم.
فعلى ذلك عيسى وأمه كانا خارجين عن الأمر المعتاد ومخصوصين بذلك. لذلك خصهما بذكر الآية، والآية ما ذكر بعض أهل التأويل أنه خلق من غير أب ؛ ولدته أمه من غير بعل وأمثالها.
وقال بعضهم : الآية في عيسى بأن كلم الناس في المهد صبيا ونحوه من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ومثله.
وقوله تعالى :﴿وأويناهما إلى ربوة ذات قرارا ومعين﴾ ذكر أنه آواهما إلى ربوة كما يؤوي الأب والأم الولد إلى مكان، يتعيش به ؛ إذ الربوة هي مكان التعيش فيه. ألا ترى أنه ذكر﴿ذات قرار معين﴾هو المكان الذي يستقر فيه، ويتعيش، وقال(٥) :﴿ومعين﴾المعين هو الماء الجاري الظاهر الذي تأخذه العيون، وتقع عليه الأبصار ؟.
قال أبو عوسجة :﴿إلى ربوة﴾( المؤمنون : ٥٠ ) الربوة المكان المرتفع، وآويته أي أويته. وقال القتبي : الربوة الاتفاع، وكل شيء ارتفع، أو زاد، فقد ربا، ومنه الربا في البيع. قال أبو معاذ : للعرب في الربوة أربع لغات : رَبْوَةُ ورِبوة ورُبوة ورُبَاوة.
وقوله تعالى :﴿ذات قرار معين﴾ قال أبو عوسجة : المعين الماء الظاهر الجاري، والقرارا الثبات، وتقول منه :( قر )(٧) يقر قرارا، فهو قار، وأقررته أي أثبته، وكذلك قال القتبي : وقال :﴿ومعين﴾ ماء ظاهر، وهو مفعول من العين، كان أصله معيونا(٨) كما يقال : ثوب مخيط، وبُرُّ مَكِيل.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: والأسباب التي جعل التوالد في الخلق لخروجها عن الأمر المعتاد في الخلق والعادة خصهما بذكر الآية..
٣ في الأصل وم: آل فرعون..
٤ في الأصل وم: وقال..
٥ في الأصل وم: وقوله..
المؤمنون 23:51
وقد كان عليهم من النعم ما هو أعظم وأكثر مما ذكر من المن والسلوى ونجاتهم من فرعون وآله، لكنه خصهم بذكر المن والسلوى واستأدى منهم الشكر بذلك من بين سائر النعم؛ لأنها خرجت عن المعتاد من النعم المعروفة، وهم كانوا مخصوصين بهذا من بين غيرهم؛ فعلى ذلك عيسى وأمه: كانا خارجين عن الأمر المعتاد ومخصوصين بذلك؛ لذلك خصهما بذكر الآية، والآية ما ذكر بعض أهل التأويل أنه خلق من غير أب، ولدته أمه من غير فعل أمثالها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الآية في عيسى: بأن كلم الناس في المهد صبيا، ونحوه: من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ومثله.
وقوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ).
ذكر أنه آواهما إلى ربوة كما يؤوي الأب والأم الولد إلى مكان يتعيش به؛ إذ الربوة هي مكان التعيش فيه؛ ألا ترى أنه ذكر (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) هو المكان الذي يستقر فيه ويتعيش.
وقوله: (وَمَعِينٍ)، المعين: هو الماء الجاري الظاهر الذي تأخذه العيون، وتقع عليه الأبصار.
وقوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)
قال عامة أهل التأويل: إنما خاطب بهذا محمدًا خاصة، على ما يخاطب هو، والمراد منه: جميع أمته في ذلك.
ولكن جائز أن يقال: خاطب به جميع الرسل؛ لأنهم جميعًا مخاطبون بهذا كله: من أكل الطيبات، والعمل الصالح، هذا الخطاب فيه وفي غيرهم؛ إذ عمهم جميعًا بهذا.
ثم الطيبات يحتمل أن يراد بها الحلالات؛ كأنه قال: كلوا حلالا غير حرام؛ ألا ترى أنه قال: (وَاعْمَلُوا صَالِحًا)، أي: اعملوا صالحًا، ولا تعملوا سيئا؛ فعلى ذلك قوله: قوله تعالى: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ)، أي: كلوا حلالا ولا تأكلوا حرامًا: ما خبث.
وفيه أنهم يمتحنون كما يمتحن غيرهم بالأمر والنهي.
ويحتمل -أيضًا- قوله: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ): ما طابت به أنفسكم وتلذذت، فإن كان على هذا فهو يخرج على الإباحة والرخصة، ليس على الأمر، معناه: لكم أن تأكلوا ما تطيب به أنفسكم، ولكم أن تؤثروا غيركم به على أنفسكم.
وإن كان على الأمر فهو على الأمر يخرج والنهي، واللَّه أعلم.
المؤمنون 23:52
وقوله: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
ظاهر، وهو وعيد.
وقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)
جائز أن يكون قوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً): في الكتب المتقدمة، وعلى لسان الرسل السالفة؛ كقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة وفي الأمم الماضية؛ فعلى ذلك هذا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، أي: دينكم دين واحد، وملتكم ملة واحدة، وهي الإسلام.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لسانكم لسان واحد.
وجائز أن يكون قوله: (أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً): لا تختلفون في رسولكم إلى يوم القيامة، كما اختلف الأمم الذين من قبلكم في رسلهم؛ بل تجعلوا رسولكم رسولا على ما هو عليه، وأما سائر الأمم فإنهم قد فرطوا فيهم؛ حتى كان فيهم من جعل الرسول ابنًا له؛ كقوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، والنصارى، وأما هَؤُلَاءِ فإنهم لا يزالون على أمر واحد، اللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، وقال في آية أخرى: (فَاعْبُدُونِ): جائز أن يكونا واحدًا، وجائز أن يكون قوله: (فَاتَّقُونِ) أي: مخالفتي، (فَاعْبُدُونِ)، أي اعبدوني وأطيعوني.
وقوله: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ) و (قطعوا) واحد، وهما لغتان؛ نحو: تفرقوا وفرقوا.
(زُبُرًا): برفع الباء، و (زُبَرًا) بنصب الباء، قال أبو معاذ: من قرأ بالنصب: (زُبَرًا)؛ فمعناه: قطعا؛ كقوله: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)، و (زُبُرًا) بالرفع، أي: كتبا؛ كقوله: (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ)، وقوله: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ)، ونحوه. وقال في حرف ابن مسعود وأبي: (وقطعوا الزبور بينهم).
قال أبو معاذ: (قطعوا) (تقطعوا): لغتان؛ كَقيلِك: علقت الشيء وتعلقته، وحولت وتحولت، ووليت وتوليت ونحوه كثير.
المؤمنون 23:53
الآية ٥٣ : وقوله تعالى :﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا﴾قال بعضهم :﴿فتقطعوا أمرهم﴾ وقطعوا(١) واحد، وهما لغتان : تفرقوا وفرقوا. ﴿زبرا﴾ برفع الباء، وزبرا بنصب الباء(٢).
قال أبو معاذ : من قرأ بالنصب : زبرا فمعناه قطعا كقوله :﴿آتوني زبر الحديد﴾( الكهف : ٩٦ ) وزبرا بالرفع أي كتبا كقوله :﴿تجعلونه قراطيس﴾( الأنعام : ٩١ ) وقوله :﴿يكتبون الكتاب بأيديهم﴾( البقرة : ٧٩ ) ونحوه ؛ وقال : في حرف ابن مسعود وأبي : وقطعوا الزبور بينهم. قال أبو معاذ : قطعوا، وتقطعوا لغتان كقولك علقت الشيء، وتعلقته، وحولت، وتحولت ووليت، وتوليت، ونحوه كثير.
( وقوله تعالى )(٣) :﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾راضون أو مسرورون بما لديهم من الدين أو ما ذكرنا.
١ في الأصل وم : و تقطعوا..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ح ٤/٢١٥..
٣ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:54
وقوله: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).
راضون أو مسرورون بما لديهم من الدِّين، أو ما ذكرنا.
* * *
قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)
وقوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ)، وقال في آية أخرى: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا)، وقال: (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، فذلك يحتمل وجوهًا:
أحدها: قال ذلك عند الإياس عن إجابتهم لما علم أنهم لا يؤمنون، وذلك في قوم مخصوصين؛ كأنه قال: ذر هَؤُلَاءِ، وأقبل على هَؤُلَاءِ الذين يقبلون أمرك، ويجيبون دعاءك ويسمعونه.
والثاني: فذرهم في غمرتهم، ولا تكافئهم حتى أنا أكافئهم؛ كقوله: (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ).
والثالث: أمره أن يعرض عنهم؛ لئلا يخوضوا في سب اللَّه والطعن في الآية، كقوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا...) الآية.
وقوله: (حَتَّى حِينٍ): يحتمل القيامة، ويحتمل وقتًا آخر لم يبين، واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (إِلَى رَبْوَةٍ): المكان المرتفع، و (آويته)، أي: أويته.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الربوة: الارتفاع، وكل شيء ارتفع أو زاد فقد ربا، ومنه الربا في البيع.
قال أبو معاذ: للعرب في الربوة أربع لغات: رَبوة ورِبوة ورُبوة ورباوة.
وقوله: (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، قال أَبُو عَوْسَجَةَ: المعين: الماء الظاهر الجاري، والقرار: الثبات، وتقول منه: يقر قرارا فهو قار، وأقررته، أي: أثبته، وكذلك قال الْقُتَبِيّ، وقال: معين ماء ظاهر، وهو مفعول من العين: كان أصله (معيون)؛ كما يقال: ثوب مخيط، وبُرٌّ مكيل.
وقوله: (فِي غَمْرَتِهِمْ)، قيل: في ضلالتهم وغفلتهم.
المؤمنون 23:55
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الغمر: الماء الكثير، وغمرة الحرب وسطها، وغمرة الموت: شدته، ورجل غمر، أي: سخي، ليس به شح، وجمعه: غمار، ويقال: غمره الماء، أي: صار فوقه. قَالَ بَعْضُهُمْ: والغمر: عداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، وقوم أغمار، والغمر: الوسم، والغمرة: الشدة، والغمرات جمع، والغمر: القدح الصغير، والمغامرة: المخاطرة، تقول: غامر بنفسه، أي: خاطر بها.
وقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)
حسب أُولَئِكَ الكفرة أن ما أمد لهم من الأموال والبنين - ما أعطى لهم - إنما أعطى خيرًا لهم وبرا لا شرا، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - وكذبهم في حسبانهم الذي حسبوا، فقال: (بَلْ لَا يَشْعُرُونَ) أنه إنما أعطى لهم ذلك شرا، وإنما مثل ما حسب أُولَئِكَ الكفرة فيما أعطوا من الأموال والبنين إنما أعطوا خيرًا - حسب المعتزلة في قولهم: إن اللَّه تعالى لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدِّين؛ فأخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدِّين ولا أصلح لهم، وهو ما ذكر في قوله: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)، وهم يقولون: إنما يملي لهم ليزدادوا خيرًا وبرًّا.
وكذلك قالوا في قوله: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا)، وهم يقولون: لا؛ بل إنما أراد: ليرحمهم بها.
فيقال لهم: أنتم أعلم أم اللَّه؟! كما قال لأُولَئِكَ الكفرة؟! حيث قال: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) إلا أن يكابروا في قوله: (بَلْ لَا يَشْعُرُونَ)؛ لما أنهم قالوا ذلك على الظن والحسبان، لا على العلم؛ حيث قال: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ)؛ فقال: (بَلْ لَا يَشْعُرُونَ)؛ حيث قالوا ذلك ظنًّا وحسبانًا، وإنما الواجب عليهم أن يعلموا ذلك علم إحاطة ويقين.
فجواب هذا أن يقال: إن عندهم أن ذلك إنما أعطى لهم وأملى خيرًا وبرا لهم؛ فكانوا على يقين من ذلك وإحاطة عند أنفسهم، وإنما ذلك الظن والحسبان لهم ما عند اللَّه، وإلا: كانوا على حقيقة العلم عند أنفسهم: أنه إنما أعطاهم ذلك وأمد لهم خيرًا؛ فأكذبهم اللَّه في ذلك ورد عليهم قولهم: إنه إنما أعطاهم ذلك لما ذكروا؛ بل أخبر أنه إنما أعطاهم؛ لمضادة ذلك.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي
المؤمنون 23:56
الآيتان ٥٥ و ٥٦ : وقوله تعالى﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين﴾﴿نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون﴾حسب أولئك الكفرة أن ما أمد لهم الله من الأموال والبنين وما(١) أعطى لهم أن ما أعطى خيرا وبرا، لا شرا. فأخبر عز وجل وكذبهم في حسابهم الذي حسبوا، فقال :﴿بل لا يشعرون﴾أنه إنما أعطى لهم ذلك شرا وإثما. فعلى ما حسب أولئك الكفرة في ما أعطوا من الأموال والبنين إنما أعطوا خيرا.
حسب المعتزلة في قولهم : أن الله تعالى لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدين، فأخبر عز وجل أن ذلك ليس بخير لهم في الدين، ولا أصلح لهم، وهو ما ذكر في قوله :﴿إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾( آل عمران : ١٧٨ ) وهم يقولون : إنما نملي لهم ليزدادوا خيرا وبرا. وكذلك قالوا في قوله :﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها﴾( التوبة : ٥٥ و ٨٥ ) وهم يقولون : لا بل إنما أراد ليرحمهم بها. فيقال لهم : أأنتم أعلم أم الله كما قال لأولئك الكفرة حين قال :﴿قل آأنتم أعلم أم الله﴾ ؟ ( البقرة : ١٤٠ ) إلا أن يكابروا.
وقوله(٢) تعالى :﴿بل لا يشعرون﴾ لما أنهم قالوا ذلك على الظن والحسبان لا على العلم حين(٣) قال :{ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنينّ فقال :{ بل لا يشعرون حين(٤) قالوا ذلك ظنا وحسبانا. وإنما الواجب عليهم أن يعلموا ذلك علم إحاطة ويقين.
فجواب هذا أن يقال : إن عندهم أن ذلك إنما أعطي لهم، وأملي خيرا وبرا لهم، فكانوا على يقين من ذلك وإحاطة عند أنفسهم، وإنما ذلك الظن والحسبان لهم مما عند الله، وإلا كانوا على حقيقة العلم عند أنفسهم أنه إنما أعطاهم، وأمد لهم خيرا. فأكذبهم الله في ذلك، ورد عليهم قولهم أنه إنما أعطاهم ذلك لما ذكروا، بل أخبر أن ما أعطاهم لمضادة ذلك.
١ الواو ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: في قوله..
٣ في الأصل وم : حيث..
٤ في الأصل وم : حيث..
المؤمنون 23:57
الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)
جائز أن يكون هذا موصولا بقوله: (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ)؛ على التقديم والتأخير؛ فكأنه قال: إنما نسارع في الخيرات للذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى آخر ما ذكر لأُولَئِكَ الكفرة، جائز أن يكون على الابتداء وصف الذين آمنوا ونعتهم، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، أي: من عذاب ربهم خائفون.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)
الإيمان بالآيات يكون إيمانا باللَّه حقيقة؛ لأن الآيات هن الأعلام التي تدل على وحدانية اللَّه وربوبيته، والإيمان هو التصديق، فإذا صدق آياته، وهن أعلام وأخبار تخبر عن وحدانية اللَّه؛ فإذا صدقها صدق اللَّه وآمن به؛ لذلك قلنا: الإيمان بآياته يكون إيمانا باللَّه.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)
أي: لا يشركون غيره في عبادتهم.
وقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)
وفي بعض القراءات: (والذين يأتون ما أتوا)، مقصورة، وهي قراءة عائشة.
فمن قرأ: (والذين يأتون ما أتوا) تأويله، أي: الذين يعملون من عمل وجلت له قلوبهم، أي: يتقبل منهم أم لا؟
ومن قرأ: (يُؤْتُونَ مَا آتَوْا) فهو من الإعطاء والإنفاق؛ يقول: والذين يعطون وينفقون ما أنفقوا، وقلوبهم وجلة: أن ذلك يقبل منهم أم لا؟
وفيه دلالة أن المطيع فيما يطيع ربه يكون على خوف منه كالمسيء في إساءته، وكذلك روي عن عائشة أنها سألت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن هذه الآية، قالت: " أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون، ويزنون؟ فقال: لا؛ ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) ".
المؤمنون 23:58
الآية ٥٨ : وقوله تعالى :﴿والذين هم بآيات ربهم يؤمنون﴾ الإيمان بالآيات يكون إيمانا بالله حقيقة لأن الآيات هن الأعلام التي تدل على وحدانية الله وربوبيته. والإيمان هو التصديق. فإذا صدق آياته، وهن أعلام وأخبار، تخبر عن وحدانية الله. فإذا صدقها صدق الله، وآمن به. لذلك قلنا : الإيمان بآياته يكون إيمانا بالله.
المؤمنون 23:59
الآية ٥٩ : وقوله تعالى :﴿والذين هم بربهم لا يشركون﴾ أي لا يشركون غيره في عبادتهم.
المؤمنون 23:60
الآية ٦٠ : وقوله تعالى :﴿والذين يؤتون ما آتوا﴾ وفي بعض القراءات : والذين يأتون ما آتوا مقصورة، وهي قراءة عائشة(١). فمن قرأ : يأتون ما آتوا فتأويله(٢) : أي الذين يعملون من عمل، وجلت/ ٣٥٦- ب/له قلوبهم : أيتقبل(٣) منهم أم لا ؟ ومن قرأ﴿والذين يؤتون ما آتوا﴾فهو من الإعطاء والإنفاق ؛ يقول : والذين يعطون، وينفقون ما أنفقوا﴿وقلوبهم وجلة﴾أن ذلك يقبل منهم أم لا.
وفيه دلالة أن المطيع في ما يطيع ربه يكون على خوف منه كالمسيء في إساءته وكذلك ( روي عن عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية، قالت : أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون، ويزنون ؟ فقال : لا، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم﴿أولئك يسارعون في الخيرات﴾( المؤمنون : ٦١ ) ) ( الترمذي : ٣١٧٥ ).
وجائز أن يكون قوله :﴿وقلوبهم وجلة﴾لا على ذلك، ولكن على ما يذكر. أي قلوبهم وجلة أنهم يرجعون إلى ربهم على السعادة أم على الشقاوة، والله أعلم.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٢١٧..
٢ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: أي يتقبل..
المؤمنون 23:61
وجائز أن يكون قوله: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) لا على ذلك؛ ولكن على ما يذكر، أي: قلوبهم وجلة أنهم يرجعون إلى ربهم: على السعادة أم على الشقاوة؟ واللَّه أعلم.
وقوله: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)
أخبر أن الذين نعتهم ووصفهم هم الذين يسارعون في الخيرات، لا أُولَئِكَ الكفرة الذين تقدم ذكرهم، (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ): يحتمل، أي: سبقوا أُولَئِكَ الكفرة بها، والله أعلم.
وقوله: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)
جائز أن يكون ذكر هذا وقاله؛ لما عمل أُولَئِكَ من الأعمال التي لا تسع ولا تحل، وقالوا: اللَّه أمرهم بذلك بقولهم: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)؛ فقال: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، أي: إلا ما يسعها، أي: إلا ما يسعها ويحل؛ كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)؛ ردا لقولهم، وتكذيبا.
ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن يقول: لا نكلف نفسًا من الأعمال إلا وسعها، أي: طاقتها، وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما، أي: لا نكلف أحدًا من الأعمال ما يتلف طاقة وسعه فيه: لا يكلف الغني من الإعطاء ما يتلف به غناه، وكذلك لا يكلف كل حي من العمل ما يتلف به طاقته وحياته؛ ولكنه إنما أمره وكلفه بأمور يحتمل طاقتهم ذلك العمل والأمر؛ فإن كان كذلك؛ فدل ذلك أنه لم يرد به طاقة العمل وقدرته؛ ولكن طاقة الأحوال التي يجوز تقدمها عن الأحوال.
والثاني: ذكر هذا؛ لئلا يقولوا: إنا لم نطق ما كلفنا؛ لأنهم تركوا الأعمال التي أمروا بها، وكلفوا بأعمال مثل التي تركوها، وهي المعاصي التي عملوها، فما أمروا من الأعمال ليس يفوق التي عملوها؛ ولكن مثلها؛ فلا يكون لهم في ذلك احتجاج.
وقوله: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ).
قال قائلون: هو الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم وأفعالهم من الخيرات والسيئات، وذلك كله محفوظ محصى عليهم؛ كقوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)؛ فإن كان هذا فيكون قوله: (بِالْحَقِّ)، أي: بالتصديق.
وقال قائلون: هو الكتاب الذي أنزل إلينا، وهو هذا القرآن؛ ينطق عليكم بالحق، أي: بالحق الذي لله علينا، وبالحق الذي يكون لبعض على بعض، وهو كقوله: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ)، وهو ما ذكرنا من الحق الذي له علينا، ومن الحق
المؤمنون 23:62
الآية ٦٢ : وقوله تعالى :﴿ولا نكلف نفسا إلا وسعها﴾جائز أن يكون ذكر هذا، وقاله، لما عمل أولئك من الأعمال(١) التي لا تسع، ولا تحل، فقالوا : الله أمرهم بذلك بقولهم :﴿والله أمرنا بها﴾( الأعراف : ٢٨ ) فقال :﴿ولا نكلف نفسا إلا وسعها﴾ أي إلا ما يسعها، ويحل كقوله :﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾( الأعراف : ٢٨ ) ردا لقولهم وتكذيبا.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يقول : لا نكلف نفسا من الأعمال إلا وسعها أي طاقتها. وذلك يحتمل وجهين : أحدهما : أي لا نكلف أحد من العمل ما يتلف طاقته وسعته فيه ؛ لا يكلف الغني من الإعطاء ما يتلف به طاقته وحياته، ولكنه إنما أمره، وكلفه، بأمور تحتمل طاقته(٢) ذلك العمل والأمر. فإن كان كذلك فدل ذلك أنه لم يرد به طاقة العمل وقدرته، ولكن طاقة الأحوال التي يجوز تقدمها عن الأفعال. (٣)
والثاني : ذلك هذا لئلا يقولوا : إنا لم نطق ما كلفنا لأنهم تركوا الأعمال التي أمروا بها، وكلفوا بأعمال، مثلها التي تركوها، وهي المعاصي التي عملوها. فما أمروا من الأعمال ليس يفوق التي عملوها، ولكن مثلها، فلا يكون لهم في ذلك احتجاج.
وقوله تعالى :﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق﴾ قال قائلون : هو الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم وأفعالهم من الخيرات والسيئات. وذلك كله محفوظ محصي عليهم كقوله :﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾( ق : ١٨ ) فإن كان هذا فيكون قوله :﴿بالحق﴾ أي بالتصديق.
وقال قائلون : هو الكتاب الذي أنزل إلينا، وهو هذا القرآن، ينطق عليكم بالحق، أي بالحق الذي يكون لبعض على بعض، وهو كقوله :}هذا كتاب ينطق عليكم بالحق } ( الجاثية : ٢٩ ) وهو ما ذكرنا من الحق الذي له علينا ومن الحق الذي لبعضنا على بعض.
وجائز أن يكون هو اللوح المحفوظ. فإن كان هذا ففيه أن الله لم يزل عالما بما كان، ويكون في الأوقات التي تكون ( إلى )(٤) أبد الآبدين.
( وقوله تعالى )(٥) :﴿وهم لا يظلمون﴾فإن كان على الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم فيكون قوله :﴿وهم لا يظلمون﴾أي لا ينقص من أعمالهم التي عملوا من الخيرات، ولا يزاد فيه على سيئاتهم. بل يحفظ ما عملوا. أو يكون﴿لا يظلمون﴾أي لا يزاد على الجزاء على قدر أعمالهم، ولا ينقص من قدرها بل يجزون على قدر أعمالهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أعمال..
٢ في الأصل وم: طاقتهم..
٣ في الأصل وم: الأحوال..
٤ ساقطة في الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:63
الذي لبعضنا على بعض.
وجائز أن يكون هو اللوح المحفوظ؛ فإن كان هذا، ففيه أن اللَّه لم يزل عالمًا بما كان ويكون في الأوقات التي يكون أبد الآبدين.
(وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
فإن كان على الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم فيكون قوله: (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، أي: لا ينقص من أعمالهم التي عملوا من الخيرات، ولا يُزاد فيه على سيئاتهم، بل يحفظ ما عملوا.
أو أن يكون (لَا يُظْلَمُونَ)، أي: لا يزاد على الجزاء على قدر أعمالهم، ولا ينقص من قدرها؛ بل يجزون على قدر أعمالهم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)
وقوله: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا).
قيل: في عماية وجهالة وغفلة، (مِنْ هَذَا): من الكتاب الذي فيه أعمالهم، وأحصى عليهم. وقال قائلون في قوله: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا): أي: من هذا القرآن الذي ينطق بالحق، أي: قلوبهم في عماية وغفلة من هذا القرآن.
وجائز أن يكون قوله: (مِنْ هَذَا) من الأعمال التي ذكر للمؤمنين فيما تقدم: من ذلك قوله: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ...) إلى آخر ما ذكر من أعمالهم، فأخبر أن قلوب أُولَئِكَ الكفرة في غفلة وعماية من الأعمال التي عملها المؤمنون؛ واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ).
المؤمنون 23:64
اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ)، أي: من دون ما عمل أُولَئِكَ الكفرة من الأعمال التي تقدم ذكرها: من قوله: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) على ما ذكر، ثم أخبر أن لهم أعمالا دون ما ذكر.
وقال قائلون: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ)، يعني: المؤمنين الذين ذكر أعمالهم، أي: لهم أعمال دون الذي ذكر لهم دون تلك الأعمال.
وقوله: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)
قال أهل التأويل: ذلك في العذاب الذي أخذ أهل مكة في الدنيا من الجوع الذي نزل بهم حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة ونحوه.
لكن الأشبه أن يكون ذلك في عذاب الآخرة؛ ألا ترى أنه يقول: (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي: يتضرعون.
ويقول أيضا: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) فإنما يخبر: أن كنتم تفعلون كذا في الدنيا، ويذكر: (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)؛ فلا يحتمل أن يتضرعوا إليه في الدنيا، ثم لا يقبل منهم ذلك التضرع، أو ينهاهم عن التضرع بقوله: (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ (٦٥) فدل ذلك أنه في الآخرة، وهو ما ذكر: (فَلَمَّا رَأَوا بَأْسَنَا...) الآية؛ مثل هذا يكون في الآخرة، وفي الدنيا ما ذكر: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ): ذكر في عذاب الدنيا أنهم لم يتضرعوا في الدنيا عند نزول العذاب بهم، ولا يقبل منهم التضرع والاستكانة؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال: (لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ).
نهاهم عن التضرع، ولا يحتمل النهي عن ذلك.
وقوله: (إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ).
أي: لا تمنعون من عذابه.
وقوله: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)
قوله: (عَلَى أَعْقَابِكُمْ) ترجعون على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأنهم إذا رجعوا على الأعقاب صار ما كان أمامهم وراءهم؛ فكأنهم نبذوا ذلك وراء ظهورهم.
أو أن يكون المنقلب على الأعقاب كالمكب على الوجه، والمكب على وجهه مذموم
المؤمنون 23:65
الآيتان ٦٥ و ٦٦ : ويقول أيضا :( ﴿لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون﴾(١) ﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون﴾ ؟ فإنما ( يخبرهم أنكم ) ؟ كنتم تفعلون كذا في الدنيا، ويذكر﴿إذا هم يجأرون﴾فلا يحتمل أن يتضرعوا إليه في الدنيا، ثم لا يقبل منهم ذلك التضرع ( أو ينهاهم )(٢) عن التضرع بقوله :﴿لا تجأروا اليوم﴾ فدل ذلك أنه في الآخرة، وهو ما ذكر :﴿فلما رأوا بأسنا﴾الآية ( غافر : ٨٤ ).
مثل هذا يكون في الآخرة، وفي الدنيا ما ذكر﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾( المؤمنون : ٧٦ ) ذكر في عذاب(٣) الدنيا أنهم لم يتضرعوا ( فلا يحتمل أن يتضرعوا )(٤) في الدنيا عند نزول العذاب بهم ( ثم )(٥) لا يقبل منهم التضرع والاستكانة. دل ذلك أنه ما ذكرنا. ألا ترى أنه قال :﴿لا تجأروا اليوم﴾ ؟ نهاهم عن التضرع، ولا يحتمل النهي عن ذلك.
وقوله تعالى :﴿إنكم منا لا تنصرون﴾أي تمنعون من عذابه.
١ في الأصل وم: يخبر أن..
٢ من م، في الأصل: بقوله نهاهم..
٣ في م، في الأصل: العذاب..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:66
وقوله تعالى :﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون﴾قوله :﴿على أعقابكم﴾ترجعون على التمثيل لا على التحقيق لأنهم إذا رجعوا على الأعقاب صار ما كان أمامهم وراءهم، فكأنهم نبذوا ذلك وراء ظهورهم، أو(٦) يكون المنقلب على الأعقاب كالمكب على الوجه، والمكب على وجهه مذموم عند جميع من رآه، وعاينه. لهذا ( شبهه به، وضرب مثله )(٧) به والله أعلم.
وقوله :﴿تنكصون﴾قال ( بعضهم : ترجعون، وقال )(١) بعضهم : تستأخرون كقوله :﴿نكص على عقبيه﴾( الأنفال : ٤٨ ) ترجعون، وتستأخرون واحد.
المؤمنون 23:67
عند جميع من رآه وعاينه؛ لهذا شبه به وضرب مثله به، واللَّه أعلم.
وقوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)
قال عامة أهل التأويل: قوله: (بِهِ)، أي: بالبيت.
ووجه هذا: أنهم لما رأوا أنفسهم آمنين بمقامهم عند البيت وفي حرم اللَّه، وأهل سائر البقاع في خوف - ظنوا أن ذلك لهم؛ لفضل كرامتهم ومنزلتهم عند اللَّه؛ فحملهم ذلك على الاستكبار على رسول اللَّه ومن تابعه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مُسْتَكْبِرِينَ)، أي: بالقرآن وتأويله، أي: استكبروا على الله ورسوله لما نزل القرآن، وإضافة الاستكبار إلى القرآن؛ لأنهم بنزوله تكبروا على اللَّه؛ فأضاف استكبارهم إليه؛ لأنه كان سبب تكبرهم، وهو كقوله: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ... فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ...) الآية: أضاف زيادة رجسهم إلى السورة؛ لما بها يزداد رجسهم وكانت سبب رجسهم، وإن كانت لا تزيد رجسًا في الحقيقة.
وقوله: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ).
قال الزجاج: السامر: هو ظل القمر، فيه كانوا يهجرون، والسمر: هو حديث بالليل.
قوله: (تَهْجُرُونَ) قال قائلون: تهتدون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تهجرون القرآن، أي: كانوا لا يعملون به ولا يعبئون؛ فهو الهجر، وفيه لغة أخرى: تُهْجِرُون، وهو كلام الفحش والفساد.
وقوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)
قيل: أي: في القرآن؛ يحتمل قوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا) أي: فهلا دبروا ذلك القول الذي يقولون في الآخرة في الدنيا، وهو قولهم: (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، وما ذكر من تضرعهم في الآخرة، وهو قوله: (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ).
وجائز أن يكون قوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)، أي: قد دبروا القول، لكنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا ولم يخضعوا له؛ أنفا واستكبارًا؛ أو لا ترى أنه إذا قرع أسماعهم قوله: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)، وقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ...) الآية، لا يحتمل ألا يدبروا فيه؛ دل أنهم قد تدبروا فيه وعرفوه، إلا أنهم تعاندوا وكابروا واستكبروا؛ أنفا منهم واستكبارا واستنكافا عن اتباعه والخضوع له.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)، أي: يستغيثون، قال: وأصله من الصياح.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَجْأَرُونَ): يصرخون.
وقيل: يصيحون.
وقيل: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) ما ذكرنا من الحديث بالليل، (تَهْجُرُونَ)، أي: تهذون كما يهذي النائم والمريض الشديد المرض.
قال: وأهجر يهجر، من الهُجْر: وهو الفحش، وَهَجَّر يُهجِّر: إذا سار في الهاجرة، وهي شدة الحر.
وقوله: (تَنْكِصُونَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: ترجعون، وقَالَ بَعْضُهُمْ: تستأخرون؛ كقوله: (نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ): ترجعون، وتستأخرون واحد.
وقوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ): قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين:
أحدهما: على ترك التدبر فيه والتفكر، والإعراض عنه، أي: لم يدبّروا فيه، ولم يتفكروا.
والثاني: على إيجاب حقيقة التدبر فيه والتفكر، أي: قد تدبروا فيه، وعرفوا أنه منزل من اللَّه، لكنهم تركوا متابعته؛ عنادا وتمردًا وإشفاقًا على ذهاب رياستهم، وطمعًا في إبقائها ودوام مأكلتهم، فأي الوجهين كان، ففيه لزوم حجج اللَّه وبراهينه على من جهلها ولم يعرفها؛ بالإعراض عنها وترك التدبر فيها، حيث استوجبوا عذاب اللَّه ومقته لجهلهم بها: بترك التدبر فيها بعد أن كان لهم سبيل الوصول إلى معرفتها.
وظاهر قوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا) استفهام، إلا أنه في الحقيقة: إيجاب لها؛ لا يجوز أن يستفهم اللَّه أحدًا؛ فهو على الإيجاب لأنه علام الغيوب.
وقوله: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) أي: قد جاءهم ما جاء آباءهم الأولين من
المؤمنون 23:68
الآية ٦٨ : وقوله تعالى :﴿أفلم يدبروا القول﴾ قيل : أي في القرآن. يحتمل قوله :﴿أفلم يفتروا﴾أي فهلا تدبروا ذلك القول الذي يقولون في الآخرة في الدنيا، وهو قولهم﴿أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾( الأعراف : ٥٣ ) وما ذكر من تضرعهم في الآخرة، وهو قوله :﴿إذا هم يجأرون﴾( المؤمنون : ٦٤ ).
وجائز أن يكون قوله :﴿أفلم يدبروا القول﴾أي قد تدبروا القول، لكنهم تعاندوا، وكابروا، واستكبروا، ولم يخضعوا له آنفا واستكبارا. أولا ترى أنه إذا قرع أسماعهم قوله :﴿فأتوا بسورة من مثله﴾( البقرة : ٢٣ ) وقوله :﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾الآية ؟ ( الإسراء : ٨٨ ) لا يحتمل أن يدبروا فيه. دل أنهم قد تدبروا فيه، وعرفوه، إلا أنهم تعاندوا، وكابروا، واستكبروا، أنفا منهم واستكبارا واستنكافا عن اتباعه والخضوع له.
وقوله تعالى :﴿أفلم يدبروا القول﴾قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين : أحدهما : على ترك التدبير فيه والتفكر(٢) والإعراض عنه، أي لم يدبروا فيه ولم يتفكروا.
والثاني : على إيجاب حقيقة التدبر والتفكر، أي قد تدبروا فيه، وعرفوا أنه منزل من الله، لكنهم تركوا متابعته عنادا وتمردا إشفاقا على ذهاب رئاستهم وطمعا في إبقائها ودوام مأكلتهم.
فأي الوجهين كان ففيه لزوم حجج الله وبراهينه على من جهلها، ولم يعرفها، بالإعراض عنها وترك التدبر فيها حين(٣) استوجبوا عذاب الله ومقته لجهلهم بها بترك التدبر فيها بعد أن(٤) كان لهم سبيل الوصول إلى معرفتها.
وظاهر قوله﴿أفلم يدبروا﴾استفهام إلا أنه في الحقيقة إيجاب لما(٥) لا يجوز أن يستفهم الله أحدا فهو على الإيجاب لأنه علام الغيوب.
وقوله تعالى﴿أم جاءهم ما لم يأت آباؤهم الأولين﴾أي فقد جاءهم ( ما جاءهم آباؤهم )(٦) الأولين من الرسول ؛ لم(٧) يأت هؤلاء شيء إلا ما أتى آباؤهم، لم يخصوا هم بالرسول. فكيف أنكروه ؟
ألا ترى أنهم قالوا :﴿لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم﴾( فاطر : ٤٢ ) قد أقروا أن في الأمم المتقدمة رسولا حين(٨) قالوا :﴿ليكونن أهدى من أحدى الأمم﴾ ؟.
٢ أدرج بعدما في الأصل: حقيقة التفكر..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: إذا..
٥ في الأصل وم: لها..
٦ في الأصل وم: ما جاءهم..
٧ في الأصل وم: ثم..
٨ في الأصل وم: حيث..
المؤمنون 23:69
الرسل، ثم لم يأت هَؤُلَاءِ شيء إلا ما أتى آباءهم، لم يخصوا هم بالرسول؛ فكيف أنكروه؟! ألا ترى أنهم قالوا: (لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ): قد أقروا أن في الأمم المتقدمة رسولا؛ حيث قالوا: (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ).
وعلى ذلك يخرج قوله:
(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)
أي: قد عرفوا رسولهم، لكنهم أنكروه وتركوا اتباعه؛ لما ذكرنا في القرآن من أحد الوجهين؛ عنادًا وتكبرا؛ إشفاقًا على رياستهم لكي تبقى؛ ألا ترى أنه قال: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ...) الآية.
وعلى هذا، (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ).
أي: قد عرفوا أنه ليس به جنة.
وجائِز أن يكون قوله: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ): جاء هَؤُلَاءِ ما لم يأت آباءهم، وخص هَؤُلَاءِ ما لم يخص آباءهم. وكذلك قال ابن عَبَّاسٍ: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين.
وجائز أن يكون قوله: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ): إلى ما ذكر من قوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)؛ لأنه يخرج على الأمر بالتدبر فيه، ومعرفة الرسول أنه ليس كما يصفونه من الجنون وغيره؛ كقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ)، أي: تفكروا فيه؛ فإنه ليس به جنة على ما يصفونه، أو على ما ذكرنا: أنهم تفكروا وعرفوا: أنه ليس به جنون، ولا شيء مما وصفوا به؛ لكنهم أرادوا أن يلبسوا أمره على أتباعهم وسفلتهم؛ إشفاقًا على إبقاء ما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ): من البراءة من العذاب.
وقوله: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ (٧٠)
بالرسالة والقرآن من عند اللَّه، وجعل العبادة له من دون الأصنام التي عبدوها.
وقوله: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ).
كرهوا الحق؛ لما ظنوا أن في اتباعه ذهاب الرئاسة والأسباب التي كانت لهم على أتباعهم، بعد معرفتهم أنه حق، أو كرهوا؛ لما لم يعرفوا في الحقيقة أنه حق، وإلا لا أحد ممن يوصف بصحة العقل وسلامته يكره الحق ويترك اتباعه؛ إلا للوجهين اللذين ذكرناهما، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ (٧١) قال عامة أهل التأويل: الحق - هاهنا - هو اللَّه، أي: لو تبع اللَّه أهواءهم في كفرهم وشركهم (لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)، وتأويل هذا أن الكفر والشرك مما لا عاقبة له، وكل شيء لا عاقبة له فهو في الحكمة والعقل فاسد باطل غير مستحسن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحق - هاهنا - كتاب اللَّه، وهو القرآن على ما يهوون هم؛ ليفسد ما ذكر؛ لأنه يكون خارجًا عن الحكمة.
وجائز أن يوصل قوله: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) الحق الذي سبق ذكره، وهو قوله: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، أي: لو اتبع ذلك الحق أهواءهم وجاء على ما هوته أنفسهم واشتهت من عبادة غير اللَّه، وتسميتهم إياها آلهة، وإنكارهم البعث والتوحيد، وغير ذلك من الأفعال التي كانوا اختاروها وعملوها - لفسدت السماوات والأرض وما ذكر؛ لأنه يكون خلقهم وخلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهن - لا لما توجبه الحكمة والعقل؛ إذ خلقهم وخلق ما ذكر لأفعالهم التي يفعلون؛ فإذا خرج أفعالهم على غير ما توجبه الحكمة والعقل، بل على السفه والجهل - خرج الذي لها خلق، ومن أجلها أنشئ، كذلك؛ إذ خلق الشيء وفعله لا لعاقبة تقصد - خارج عن الحكمة، واللَّه أعلم بذلك.
وجائز أن يكون الحق هو رسول اللَّه، أي: رسول اللَّه لو اتبع أهواءهم لفسد ما ذكر.
وقوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ).
قال أهل التأويل: لشرفهم وذكرهم؛ كقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ).
وقوله: (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ).
أي: عن شرفهم معرضون.
وجائز أن يكون الذكر هو الحق الذي تقدم ذكره، أي: لو قبلوا ذلك الحق الذي جاءهم وأقبلوا نحوه يكون في ذلك ذكرهم من بعد هلاكهم؛ كما يُذكر أصحاب رسول اللَّه من بعد ما ماتوا؛ ألا ترى أولادهم بذكر آباءهم يتعيشون يقولون: أنا من بني فلان؛ فيبرهم الناس بذلك ويكرمونهم، وأما أُولَئِكَ فإنهم لا يذكرون بشيء من ذلك؛ فذلك يدل على ما ذكرنا.
ويحتمل قوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) الثناء عليهم أن لو آمنوا؛ كقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...) الآية، وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
المؤمنون 23:70
الآية ٧٠ : وعلى هذا ( يخرج قوله )(١)﴿أم يقولون به جنة﴾أي قد عرفوا أنه ليس به جنة.
وجائز أن يكون قوله :﴿أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾جاء هؤلاء ما لم يأت آباءهم، وخص هؤلاء بما لم يخص آباءهم. وكذلك قال ابن عباس : لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين.
وجائز أن يكون قوله :﴿أفلم يدبروا القول﴾إلى ما ذكر من قوله :﴿أم يقولون به جنة﴾يخرج(٢) على الأمر بالتدبر فيه ومعرفة الرسول أنه ليس كما يصفونه من الجنون وغيره لقوله :﴿أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾( الأعراف : ١٨٤ ) أي تفكروا فيه فإنه ليس به جنة على ما تصفونه، أو على ما ذكرنا أنهم تفكروا، وعرفوا أنه ليس به جنون، ولا شيء مما وصفوا به. لكنهم أرادوا أن يلبسوا على أتباعهم وسفلتهم إشفاقا على إبقاء ما ذكرنا.
وقال بعضهم : قوله :﴿أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾من البراءة من العذاب.
وقوله تعالى :﴿بلى جاءهم بالحق﴾ بالرسالة والقرآن من عند الله وجعل العبادة له من دون الأصنام التي عبدوها، ولكن أكثرهم﴿للحق كارهون﴾كرهوا الحق لما ظنوا أن في ( إتباعه ذهاب الرئاسة والأسباب التي كانت لهم(٣) على )(٤) أتباعهم بعد معرفتهم أنه حق. أو كرهوا لما لم يعرفوا في الحقيقة أنه حق. وإلا فلا أحد ممن يوصف بصحة العقل وسلامته يكره الحق، ويترك إتباعه إلا للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: لأنه..
٣ في م: وهم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
المؤمنون 23:71
الآية ٧١ : وقوله تعالى :﴿ولو اتبع الحق أهواءهم﴾ قال عامة أهل التأويل : الحق ههنا : هو الله أي لو اتبع الله أهواءهم في كفرهم وشركهم﴿لفسدت السموات والأرض ومن فيهن﴾ وتأويل هذا(١) أن الكفر والشرك مما لا عاقبة له. فهو في الحكمة والعقل فاسد باطل غير مستحسن.
وقال بعضهم : الحق ههنا كتاب الله، وهو القرآن على ما يهوون هم لفسد ما ذكر لأنه يكون خارجا عن الحكمة.
وجائز أن يوصل قوله :﴿ولو اتبع الحق أهواءهم﴾ بالحق(٢)، الذي سبق ذكره، وهو قوله :﴿بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون﴾أي ( لو اتبع )(٣) ذلك الحق أهواءهم، وجاء على ما هويته(٤) أنفسهم، واشتهت، ( والحق )(٥) اسم كل مستحسن وممدوح في العقل والحكمة. ولو اتبع ذلك الحق أهواءهم، وجاء على ما هويته(٦) أنفسهم، واشتهت من عباده غير الله وتسميتهم إياها آلهة وإنكارهم البعث والتوحيد وغير ذلك من الأفعال التي كانوا اختاروها وعملوا﴿لفسدت السموات والأرض﴾ وما ذكر لأنه يكون خلقهم وخلق ما ذكر من السموات والأرض وما فيهن لا لما توجبه الحكمة والعقل إذ(٧) خلقهم، وخلق ما ذكر لأفعالهم التي يفعلون.
فإذا(٨) خرجت أفعالهم على غير ما توجبه الحكمة والعقل بل على السفه والجهل خرج الذي لها خلق من أجلها الشيء. كذلك إذ خلق الشيء وفعله لا لعاقبة تقصد خارج عن الحكمة، والله أعلم بذلك.
وجائز أن يكون الحق، هو رسوله الله ؛ أي رسول الله لو اتبع أهواءهم لفسد ما ذكر.
وقوله تعالى :﴿بل أتيناهم بذكرهم﴾ قال أهل التأويل : بشرفهم وذكرهم كقوله :﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾( الزخرف : ٤٤ ) ﴿فهم عن ذكرهم معرضون﴾أي عن شرفهم معرضون.
وجائز أن يكون الذكر هو الحق الذي تقدم ذكره، أي لو قبلوا ( ذلك الحق، وأقبلوا )(٩) نحوه يكون في ذلك ذكرهم من بعد هلاكهم كما يذكر أصحاب رسول الله من بعد ما ماتوا. ألا ترى أولادهم بذكر آبائهم يتعيشون ؟ يقولون : إنا من بني فلان، فيبرهم الناس بذلك، ويكرمونهم.
وأما أولئك فإنهم لا يذكرون بشيء من ذلك، فذلك يدل على ما ذكرنا.
ويحتمل قوله :﴿بل أتيناهم بذكرهم﴾الثناء عليهم : أي لو آمنوا كقوله :﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾الآية ( آل عمران : ١١٠ ) وقوله :﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾( البقرة : ١٤٣ ) وقوله :﴿والسابقون الأولون﴾الآية ( التوبة : ١٠٠ ) ونحو ذلك مما أثنى الله على من آمن منهم. فهم لو آمنوا استوجبوا بذلك الثناء.
وجائز أن يكون قوله :﴿بل أتيناهم بذكرهم﴾أي بدعاء لهم، وهو ما دعا الملائكة والرسل للمؤمنين كقوله :﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾الآية ( غافر : ٧ ) وقوله :﴿واستغفر لذنبك﴾( غافر : ٥٥ ومحمد ١٩ ) ( وقول(١٠) نوح ) :﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾الآية ( نوح : ٢٨ ) وقول إبراهيم ودعائه لهم( ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾( إبراهيم : ٤١ ) )(١١) لو آمنوا استوجبوا دعاء هؤلاء الملائكة والرسل جميعا، أو أن يكون ما ذكرنا من إبقاء ذكرهم إلى يوم القيامة كما بقي ذكر أولئك الذين آمنوا به، وصدقوه. فيكون في ذلك كله شرفهم وقدرهم على ما قاله أهل التأويل، والله أعلم.
١ من م ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: الحق..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: هوت به..
٥ في الأصل وم: و..
٦ في الأصل وم: هوت به..
٧ في الأصل وم: إذا..
٨ في الأصل وم فإذ..
٩ في م: ذلك الحق الذي واقبلوا..
١٠ في الأصل وم: وقوله..
١١ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:72
وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ...) الآية، ونحو ذلك مما أثنى اللَّه على من آمن منهم؛ فهم لو آمنوا استوجبوا بذلك الثناء.
وجائز أن يكون قوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ)، أي: يُدعى لهم، وهو ما دعا الملائكة والرسل للمؤمنين، كقوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا...) الآية، وقوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، وقول نوح: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...) الآية، وقول إبراهيم ودعائه لهم: لو آمنوا استوجبوا دعاء هَؤُلَاءِ الملائكة والرسل جميعًا، أو أن يكون ما ذكرنا من إبقاء ذكرهم إلى يوم القيامة؛ كما بقي ذكر أُولَئِكَ الذين آمنوا به وصدقوه؛ فيكون في ذلك كله شرفهم وقدرهم؛ على ما قاله أهل التأويل، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)
جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ)، اي: قد عرفوا رسولهم، (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ)، أي: ليس به جنة، أي: ليس به شيء يمنعهم عن الإجابة والإيمان به بما يعذرونهم في ترك الإيمان به؛ فعلى ذلك قوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا)، أي: لم تسألهم أجرًا على ما تدعوهم إليه حتى يمنعهم ثقل ذلك الأجر عن إجابته وتصديقه؛ كقوله -أيضًا-: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ)، يقطع ما ذكر جميع أعذارهم وحجاجهم، وإن لم يكن عذر ولا حجة في ترك الإجابة له.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الخراج: الرزق، أي: لا تسألهم رزقًا، ثم أخبر: (فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
* * *
قوله تعالى (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)
وقوله: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
المستقيم: القائم بالآيات والحجج، ليس كالسبيل التي يسلكون هم بلا آيات ولا حجج ولا برهان.
وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن إنكارهم البعث والآخرة هو الذي حملهم على العدول عن الصراط المستقيم.
المؤمنون 23:73
الآية ٧٣ : وقوله تعالى :﴿وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم﴾المستقيم القائم بالآيات والحجج ليس كالسبيل التي يسلكون هم بلا آيات ولا حجج ولا برهان.
المؤمنون 23:74
الآية ٧٤ : وقوله تعالى :﴿وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون﴾هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن إنكارهم البعث والآخرة هو الذي حملهم على العدول عن الصراط المستقيم.
أحدهما : أن إنكارهم البعث والآخرة هو الذي حملهم على العدول عن الصراط المستقيم.
والثاني : أن الصراط الذي في الدنيا هو المجعول للآخرة. فإذا تركوا سلوكه لشهوات منعتهم عن ذلك أنكروا الآخرة. أو كلام نحو هذا.
وقوله :﴿لناكبون﴾أي لعادلون، من العدول عنه والمجانبة والميل إلى غيره.
المؤمنون 23:75
والثاني: الصراط الذي في الدنيا هو المجعول للآخرة؛ فإذا تركوا سلوكه؛ لشهوات منعتهم عن ذلك - أنكروا الآخرة، أو كلام نحو هذا، وقوله: (لَنَاكِبُونَ)، أي: لعادلون، من العدول عنه والمجانبة والميل إلى غيره.
وقوله: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)
ذكر الضر، ولم يذكر أي شيء كان، وليس لنا أن نقول: كان الجوع أو كذا إلا بثبت، وفيه وجهان من المعتبر:
أحدهما: أن رفع المحن التي امتحنهم من البلايا والشدائد إنما يكون برحمة منه وفضل، لا على ما قاله بعض الناس بالاستحقاق؛ حيث ذكر رحمته بكشف ذلك عنهم.
والثاني: فيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنه أخبر أنه، إن كشف ذلك الضر عنهم، (لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)؛ فكشف عنهم ذلك فلجوا في طغيانهم على ما أخبر؛ فدل أنه باللَّه عرف ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)
يخبر عن سفههم وجهلهم باللَّه، وقسوة قلوبهم، وتمردهم وعنادهم؛ حيث أخبر أنهم وإن أخذوا بالعذاب لم يتضرعوا إليه، وما استكانوا له بجهلهم بعذاب اللَّه؛ حيث أخبر أنهم، وإن أخذوا ألم يستكينوا.
وقوله: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)
اختلف في قوله: (مُبْلِسُونَ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: المبلس: الآيس من كل خير، وهو ما وصفهم أنهم: (لَيَئُوسٌ كَفُورٌ)، و (فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ)، ونحوه.
وقال الزجاج: المبلس: الساكن المتحير لا يدري ما يعمل به فعلى ذلك هم كانوا حيارى لما نزل بهم العذاب، لا يدرون ما يعملون به في دفع ذلك عنهم.
وقال الكسائي: المبلس: المقطع السيء الظن، قال: ومنه سمي إبليس؛ لأنه أيس من رحمة اللَّه، وانقطع رجاؤه عنده.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: المبلس، البائس الحزين، ويقال: أبلس الرجل، أي: أيس فحزن، وأبلس غيره أيضا، وإنَّمَا سمي إبليسُ إبليس؛ لأنه يئس عن رحمة اللَّه فحزن.
قال: وقوله: (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ)، أي: لم يذلوا لربهم بالطاعة له، والخضوع لما ذكرنا.
المؤمنون 23:76
الآية ٧٦ : وقوله تعالى :﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ يخبر عن سفههم وجهلهم بالله وقسوة قلوبهم وتمردهم وعنادهم حين(١) أخبر أنهم، وإن أخذوا بالعذاب، لم يتضرعوا إليه، وما استكانوا له لجهلهم بعذاب الله حين(٢) أخبر أنهم، وإن أخذوا ( بالعذاب، لم يتضرعوا إليه.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: حيث..
المؤمنون 23:77
الآية ٧٧ : وقوله تعالى ) (١) :﴿حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب إذا هم فيه مبلسون﴾اختلف في قوله :﴿مبلسون﴾قال بعضهم : المبلس الآيس من كل خير، وهو ما وصفه(٢)﴿إنه ليئوس كفور﴾( هود : ٩ ) فيؤوس قنوط ونحوه.
قال الزجاج : المبلس الساكت المتحير، لا يدري ما يعمل به. فعلى ذلك هم كانوا حيارى لما نزل بهم العذاب لا يدرون ما يعملون به في رفع ذلك عنهم.
وقال الكسائي : المبلس المنقطع السيئ الظن. قال ومنه سمي إبليس لأنه آيس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه عنده. وقال أبو عوسجة : اليائس الحزين، ويقال : إبليس الرجل إن(٣) أيس، فحزن، وإبليس غيره أيضا، وإنما سمي إبليسُ إبليسَ لأنه يئس من رحمة الله، فحزن. قال وقوله :﴿فما استكانوا لربهم﴾أي لم يذلوا لربهم بالطاعة له والخضوع لما ذكرنا.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وصفهم..
٣ في الأصل وم: أي..
المؤمنون 23:78
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ).
يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ ليتأدى بذلك الشكر له عليها، لكنه ذكر هنا أمهات النعم، لم يذكر غيرها، وهو السمع والبصر والفؤاد الذي ذكر، إذ بها يوصل إلى معرفة: كل نافع وضار، وكل طيب وخبيث، وكل لين وخشن، وكل سهل وشديد، وكل حلو ومر، وكان الإنسان مطبوعًا على حب النافع والطيب واللين والسهل، واختياره على أضداده، والهرب من كل ضار ومؤذ، والفرار عن أضداد ما ذكرنا من المختارات عنده؛ فأخبر أنه أعطى لهم ما يعرفون به: النافع من الضار، والطيب والخبيث، ونحوه شهادة وخبرا، وما به يميزون ذا من ذا، ويختارون ما هو المختار عندهم من غيره، وما ينفعهم مما يضرهم؛ ليتأدى بذلك شكره.
ويذكرهم في قوله: (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ (٧٩)
أي: جعلكم سكان الأرض بقدرته وسلطانه، وأخبر أنه لم يخلقكم عبثا؛ ولكن للبعث بعد الموت، والحشر إليه؛ لما ذكرنا في غير موضع: أن خلق الخلق للفناء خاصة لا للبعث والإحياء بعد الموت - عبث ولعب، وأخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث قال: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (٨٠)
أي: من قدر - واللَّه أعلم - على إحياء الموتى وإماتة الحي لقادر على البعث، ومن ملك على إنشاء الليل بعد ما ذهب أثر النهار وإنشاء النهار بعد ما ذهب أثر الليل لقادر على الإحياء والبعث بعد الموت.
ثم قال: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ).
أي: أفلا تعقلون أنه كذلك؛ فكيف تنكرون قدرته على البعث والإحياء بعد ما صرتم رمادًا وترابًا؟! وكيف تشكرون غيره في عبادتكم إياه وتصرفون الشكر إلى غيره فيما أنعم عليكم.
وأهل التأويل صرفوا قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) إلى آخره إلى الكفار، وهم يكفرون بنعمته التي ذكر وينكرونها، وهم لا يشكرون رأسًا؛ بقوله: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)، إلا أن يقال: إنهم في بعض الأحايين ربما يشكرون اللَّه ويتضرعون إليه؛ نحو قوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ...) الآية، ونحوه من الآيات التي ذكر فيها دعاءهم وتضرعهم إلى اللَّه عندما أصابهم الضرّ؛ فذلك منهم شكر، أو أن يقال: إن
المؤمنون 23:79
الآية ٧٩ : وذكرهم(١) في قوله :﴿وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون﴾بقدرته وسلطانه، وأخبر أنه لم يخلقكم عبثا، ولكن : للبعث بعد الموت والحشر إليه كما ذكرنا في غير موضع، وأن خلق الخلق للفناء خاصة لا للبعث والإحياء بعد الموت عبث ولعب.
١ في الأصل وم: يذكرهم..
المؤمنون 23:80
الآية ٨٠ : وأخبر عن قدرته وسلطانه حين(١) قال :﴿وهو الذي يحي ويميت وله اختلاف الليل والنهار﴾أن من قدر، وملك إحياء الموتى وإماتة الحي قادر على البعث، ومن ملك إنشاء الليل بعدما ذهب أثر النهار وإنشاء النهار بعدما ذهب أثر الليل قادر على الإحياء والبعث بعد الموت.
ثم قال :﴿أفلا تعقلون﴾أنه كذلك، فكيف تنكرون قدرته على البعث والإحياء بعدما صرتم رمادا وترابا ؟ وكيف تشركون(٢) غيره في عبادتكم إياه ؟ وتصرفون الشكر إلى غيره في ما أنعم عليكم ؟
ثم أهل التأويل صرفوا قوله :﴿وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾إلى آخره إلى الكفار، وهم يكفرون بنعمته التي ذكر، وينكرونها، وهم لا يشكرون رأسا بقوله :﴿قليلا ما تشكرون﴾إلا أن يقال : إنهم في بعض الأحايين ربما يشكرون الله، ويتضرعون إليه نحو قوله :﴿فإذا ركبوا في الفلك﴾الآية ( العنكبوت : ٦٥ ) ونحوه من الآيات التي ذكر فيها دعاءهم وتضرعهم إلى الله عندما أصابهم الضر. فذلك منهم شكر. أو أن يقال : إن قوله :﴿قليلا ما تشكرون﴾أي قليلا ما تشكرون رأسا كقول الرجل لآخر : قليلا ما تفعل كذا، أي لا تفعل أصلا. فعلى ذلك هذا إن كان المراد منها والخطاب بها أولئك الكفرة، وإلا فالخطاب(٣) بها يجيء أن يكون راجعا إلى المؤمنين، إذ هم الذين يقومون ببعض الشكر لنعمه وقليله. وأما الكفرة فهم يكفرونها، وينكرون رأسا.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: تشكرون..
٣ الفاء ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:81
قوله: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)، أي: قليلا ما تشكرون رأسًا؛ كقول الرجل: لآخر قليلا ما تفعل كذا، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هنا إن كان المراد منها والخطاب بها أُولَئِكَ الكفرة، وإلا: الخطاب بها يجيء أن يكون راجعًا إلى المؤمنين الذين يقومون بفرض الشكر لنعمه وقليله، وأما الكفرة فهم يكفرونها وينكرون رأسًا.
وقوله: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا).
يخبر - جل وعلا - رسوله: سفه قومه، وقولهم الذي قالوا له بعد ما تبين لهم حكمته في خلقهم وإنشاء ما أنشأ لهم، وذكرهم نعمه التي أنعم عليهم، وذكر قدرته وسلطانه فيما ذكر من قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ): ذكرهم ما ذكر في هَؤُلَاءِ الآيات خلقهم وقدرته في إنشاء ما أنشأ لهم، وعرفهم ذلك؛ حتى عرفوا ذلك كله، ثم بين سفههم في جوابهم رسوله، فقال: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ): يخبر رسوله أن هَؤُلَاءِ ليسوا بأول مكذبي الرسل؛ ولكن كان لهم شركاء وأصحاب في التكذيب فقلد هَؤُلَاءِ أُولَئِكَ الأولين، يصبر رسوله على سفه هَؤُلَاءِ، وأذاهم؛ ليصبر على ذلك كما صبر إخوانه الذين كانوا من قبل؛ إذ يذكر لرسوله سبيل بعض ما تداخل فيه بتركهم إجابته، وخوضهم فيما فيه هلاكهم؛ لأنه كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كاد أن تهلك نفسه لذلك؛ حتى قال: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ): ، (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ): فبين ما قالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)
يقولون: قد وعد آباؤنا بمثل ما وعدنا نحن، فلم ينزل بهم ما وعدوا من العذاب؛ ولا ينزل -أيضًا- بنا ما تعدنا، وهو أساطير الأولحن، أي: أحاديث الأولين، ثم أمر رسوله أن يسألهم ما يلزمهم الإيمان والاعتراف بما كانوا ينكرون، فقال: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
* * *
قوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)
وقوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
المؤمنون 23:82
الآيتان ٨١ و ٨٢ : وقوله تعالى :﴿بل قالوا ما قال الأولون﴾﴿قالوا أئذا متنا وكنا ترابا﴾ يخبر جل وعلا، رسوله سفه قومه وقولهم الذي قالوا بعد ما بين(١) لهم حكمته في خلقهم وإنشائهم. وذكرهم نعمه التي أنعم عليهم، وذكر قدرته وسلطانه في ما ذكر من قوله تعالى :﴿وهو الذي يحي ويميت﴾( المؤمنون ٧٨ و ٧٩ و ٨٠ ).
ذكرهم ما ذكر في هؤلاء الآيات من حكمته في خلقهم وقدرته في إنشاء ما أنشأ لهم، وعرفهم ذلك حتى عرفوا ذلك كله، ثم بين سفههم في جوابهم رسوله، فقال :﴿بل قالوا مثل ما قال الأولون﴾يخبر رسوله أن هؤلاء ليسوا بأول مكذبي الرسل، ولكن كان لهم شركاء وأصحاب في التكذيب، قلد هؤلاء أولئك الأولين، يصبر رسوله على سفه هؤلاء وأذاهم ليصبر على ذلك كما صبر إخوانه الذين كانوا من قبل، أو يذكر هذا ليسلي(٢) بعض ما تداخل فيه بتركهم إجابته وخوضهم في ما فيه هلاكهم لأنه كان رسول الله ﷺ ( كادت نفسه تهلك )(٣) حتى قال له(٤) :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ ( فاطر : ٨ ) وقال (٥) :﴿لعلك باخع نفسك﴾( الشعراء : ٣ ).
فبين ما﴿قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون﴾.
١ في الأصل وم: تبين..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: السبيل..
٣ في الأصل وم: كان أن تهلك نفسه..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: و..
المؤمنون 23:83
الآية ٨٣ :﴿لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ يقولون : قد وعد(١) آباؤنا بمثل ما وعدنا نحن، فلم ينزل بهم ما أوعدوا من العذاب، ولا ينزل أيضا بنا ما تعدنا، وهو أساطير الأولين، أي أحاديث الأولين.
١ في الأصل وم: وعدنا..
المؤمنون 23:84
الآيتان ٨٤ و ٨٥ : فقال :/٣٥٨-أ/﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾( ﴿سيقولون لله قل أفلا تذكرون﴾ ) فقالوا : لله. لم يجدوا بدا من أن ( يقولوا لله )(١) ويقروا به لأنهم ( لو أنكروا ذلك جهلهم، وأظهر )(٢) جهلهم، عند كل الخلائق.
فقالوا : لله، فيقول : فإذا عرفتم أن ذلك كله له، وهو خالقكم(٣) فكيف تركتم طاعته، وأنا لست أدعوكم إلا على ذلك : أن تجعلوا الأرض وما فيها كله لله ؟ أفلا تتعظون، وتقرون بما أدعوكم إليه ؟
١ في الأصل وم: يقول الله..
٢ في الأصل: أنكروا ذلك جهلهم، في م: لو أنكروا ذلك جهلهم ويظهر..
٣ في الأصل وم: خالقهم..
المؤمنون 23:85
الآيتان ٨٤ و ٨٥ : فقال :/٣٥٨-أ/﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون﴾( ﴿سيقولون لله قل أفلا تذكرون﴾ ) فقالوا : لله. لم يجدوا بدا من أن ( يقولوا لله )(١) ويقروا به لأنهم ( لو أنكروا ذلك جهلهم، وأظهر )(٢) جهلهم، عند كل الخلائق.
فقالوا : لله، فيقول : فإذا عرفتم أن ذلك كله له، وهو خالقكم(٣) فكيف تركتم طاعته، وأنا لست أدعوكم إلا على ذلك : أن تجعلوا الأرض وما فيها كله لله ؟ أفلا تتعظون، وتقرون بما أدعوكم إليه ؟
١ في الأصل وم: يقول الله..
٢ في الأصل: أنكروا ذلك جهلهم، في م: لو أنكروا ذلك جهلهم ويظهر..
٣ في الأصل وم: خالقهم..
المؤمنون 23:86
فقالوا: لله، لم يجدوا بدًّا من أن يقولوا: لله وأن يقروا؛ لأنهم لو أنكروا ذلك لظهر جهلهم عند كل الخلائق؛ فقالوا: لله؛ فيقول: فإذا عرفتم أن ذلك كله له، وهو خالقهم، فكيف تركتم طاعته، وأنا لست أدعوكم إلا إلى ذلك: أن تجعلوا الأرض وما فيها كله لله؛ أفلا تتعظون وتقرون بما أدعوكم إليه؛ وعلى ذلك قوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) لابد لهم من أن يقروا بذلك، فإذا عرفتم بذلك وأقررتم به: (أَفَلَا تَتَّقُونَ): مخالفته، وتتقون نقمته.
وكذلك ما قال: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ... (٨٨)
فإذا عرفتم ذلك، وأقررتم به، (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
قيل: فانى تصرفون عن ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: فأنى تخدعون وتفرون في ذلك؛ إذا عرفتم أن ذلك كله لله.
وجائز أن يكون قوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ): رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وتقولون: إنه ساحر كذاب، وهو ليس يدعوكم إلا إلى ما أقررتم واعترفتم به؛ فأنى تنسبونه إلى السحر، واللَّه أعلم.
وقوله: (مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ): قد ذكرناه فيما تقدم.
قوله: (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ).
أي: هو يؤمن كل خائف، ولا يقدر أحد أن يؤمن من أخافه هو، وهو كقوله: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ...) الآية.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ)، أي: لا يمنع، (وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ)، أي: لا يقدر أحد أن يمنع منه أحدًا؛ (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ)، أي: تغرون وتخدعون، تقول: سحرت، أي: خدعت وغررت، وقال: تسحرون، أي: تخدعون وتصرفون عن هذا، وسمي السحر من هذا.
وقوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)
قد ذكرنا أنه يحتمل وجوهًا:
أحدها: بالحق، أي: بوحدانية اللَّه، وألوهيته، وتعاليه عن الشركاء والولد، وعما وصفوه.
أو أن يكون قوله: (بِالْحَقِّ)، أي: بالقرآن الذي عرفوه أنه حق، وأنه من عند اللَّه.
أو أن يريد (بِالْحَقِّ): محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عرفوا أنه حق وأنه رسول اللَّه إليهم.
أو أن يكون (بِالْحَقِّ) ما ذكر: من ذكرهم، وما فيه شرفهم ومنزلتهم.
المؤمنون 23:87
الآيتان ٨٦ و ٨٧ : وعلى ذلك قوله تعالى :﴿سيقولون لله قل أفلا تذكرون﴾﴿سيقولون لله﴾لابد لهم من أن يقروا بذلك، فإذا اعترفتم(١) بذلك، وأقررتم به ﴿أفلا تتقون﴾ مخالفته، وتتقون نقمته ؟
١ في الأصل وم: عرفتم..
المؤمنون 23:88
الآيتان ٨٨ و ٨٩ : وكذلك ما قال :﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون﴾﴿سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾فإذا عرفتم ذلك، وأقررتم به﴿فأنى تسحرون﴾قيل : فأنى تصرفون عن ذلك ؟ وقال بعضهم : فأنى تخدعون، وتغرون ( إذا عرفتم أن ذلك )(١) كله لله ؟
وجائز أن يكون قوله :﴿فأنى تسحرون﴾رسول الله ﷺ، وتقولون : إنه ساحر كذاب، وهو ليس يدعوكم إلا إلى ما أقررتم، واعترفتم به، فأنى تنسبونه إلى السحر ؟ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿قل من بيده ملكوت كل شيء﴾قد ذكرنا في ما تقدم.
وقوله تعالى :﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾أي يؤمن كل خائف، ولا يقدر أحد أن يؤمن من أخافه، وهو كقوله :﴿وإن يمسسك الله بضر﴾الآية ( الأنعام : ١٧ ).
قال أبو عوسجة : قوله :﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾أي يمنع(٢)﴿ولا يجار عليه﴾أي لا يقدر أحد أن يمنع منه أحدا ( وقوله )(٣) :﴿فأنى تسحرون﴾أي تغرون، وتخدعون ؟ تقول : سحرت أي خُذِعِت، وغررت.
وقال :﴿تسحرون﴾أي تخدعون، وتصرفون عن هذا.
١ في الأصل: في ذلك، في م: في ذلك فإذا عرفتم ذلك..
٢ أدرج قبلها في م: لا..
٣ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:89
الآيتان ٨٨ و ٨٩ : وكذلك ما قال :﴿قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون﴾﴿سيقولون لله قل فأنى تسحرون﴾فإذا عرفتم ذلك، وأقررتم به﴿فأنى تسحرون﴾قيل : فأنى تصرفون عن ذلك ؟ وقال بعضهم : فأنى تخدعون، وتغرون ( إذا عرفتم أن ذلك )(١) كله لله ؟
وجائز أن يكون قوله :﴿فأنى تسحرون﴾رسول الله ﷺ، وتقولون : إنه ساحر كذاب، وهو ليس يدعوكم إلا إلى ما أقررتم، واعترفتم به، فأنى تنسبونه إلى السحر ؟ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿قل من بيده ملكوت كل شيء﴾قد ذكرنا في ما تقدم.
وقوله تعالى :﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾أي يؤمن كل خائف، ولا يقدر أحد أن يؤمن من أخافه، وهو كقوله :﴿وإن يمسسك الله بضر﴾الآية ( الأنعام : ١٧ ).
قال أبو عوسجة : قوله :﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾أي يمنع(٢)﴿ولا يجار عليه﴾أي لا يقدر أحد أن يمنع منه أحدا ( وقوله )(٣) :﴿فأنى تسحرون﴾أي تغرون، وتخدعون ؟ تقول : سحرت أي خُذِعِت، وغررت.
وقال :﴿تسحرون﴾أي تخدعون، وتصرفون عن هذا.
١ في الأصل: في ذلك، في م: في ذلك فإذا عرفتم ذلك..
٢ أدرج قبلها في م: لا..
٣ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:90
الآية ٩٠ : وقوله تعالى :﴿بل أتيناهم بالحق﴾قد ذكرنا أنه يحتمل وجوها : أحدها :﴿بالحق﴾أي بوحدانية الله وألوهيته وتعاليه عن الشركاء والولد وعما وصفوه.
والثاني(١) : أن يكون قوله :﴿بالحق﴾أي بالقرآن الذي عرفوه أنه حق وأنه من عند الله.
والثالث(٢) : أن يريد﴿بالحق﴾محمدا ﷺ، عرفوا أنه رسول سبحانه وتعالى.
والرابع (٣) : أن يكون﴿بالحق﴾ما ذكر من ذكرهم وما فيه شرفهم ومنزلتهم.
( والخامس : أن يكون ) (٤)﴿بالحق﴾ الذي يكون لله عليهم وما لبعضهم على بعض من الحقوق، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وإنهم لكاذبون﴾في وصفهم ربهم ( في ما )(٥) وصفوه بما لا يليق وصفه به، أو كاذبون ( بأن القرآن )(٦) مفترى ومختلق من عند الله، أو كاذبون في قولهم بأنه ساحر وأنه مجنون وانه ليس برسول. كذبوا في جميع ما أنكروا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أو..
٢ في الأصل وم: أو..
٣ في الأصل وم: أو..
٤ في الأصل وم: و..
٥ في الأصل وم: مما..
٦ في الأصل وم: بالقرآن..
المؤمنون 23:91
و (بِالْحَقِّ) الذي يكون لله عليهم، وما لبعضهم على بعض من الحقوق، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
في وصفهم ربهم ما وصفوه بما لا يليق وصفه به.
أو كاذبون في قولهم بأن القرآن مفترى مختلق من عند اللَّه.
أو كاذبون في قولهم: بأنه ساحر، وأنه مجنون، وأنه ليس برسول؛ كذبوا في جميع ما أنكروا، واللَّه أعلم.
وقوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)
جائز أن يكون كل حرف من هذه الحروف موصولا بعضه ببعض لما تقدم.
وجائز أن يكون كل حرف من هذه الأحرف منفصلا من الأول مستبدا بذاته.
فإن كان على الأول فيكون قوله: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ)، ولو كان اتخذ ولدا لكان إلها؛ إذ الولد يكون من جنس الوالد ومن جوهره، لا يكون من خلاف جوهره ولا من غير جنسه في المتعارف؛ فإذا كان إلها من الوجه الذي ذكرنا لذهب إذن كل إله بما خلق.
وإن كان منفصلا، فهو على ما ذكر من فساد ذلك كله؛ لأنه قال: ولو كان معه إله - على ما زعموا - إذن لذهب كل إله بما خلق من: الخير، والشر، والدلالة على ألوهيته.
(وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
أي: فهر وغلب بعضهم بعضا على ما يكون من عادة ملوك الأرض؛ فإذا كان ما قالوا
ذهب دلالة الألوهية والربوبية؛ فإذا لم يكن ذلك دل أنه واحد لا شريك معه ولا ولد؛ إذ اتساق التدبير، وجري الأشياء على حد واحد وسنن واحد دل على ألوهية واحد لا لعدد؛ إذ لو كان لعدد لكان ما ذكر من غلبة بعض على بعض، وقهر بعض على بعض، ثم ما ذكر: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).
ثم معلوم أن مثل هذا الاحتجاج لا يكون مع الذين ينكرون ألوهية اللَّه ويعبدون الأصنام، وهم مشركو العرب وكفار مكة، ولكن إنما يكون مع الذين يقرون بألوهية اللَّه، لكن يجعلون معه شريكا لحاجة تقع له، وهم: الثنوية والدهرية والمجوس، وأُولَئِكَ الذين يجعلون خالق الشر غير خالق الخير، وخالق هذا غير خالق هذا؛ فيكون قوله: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) على هذا، أي؛ يتعالى عما وصفوه بالحاجة له في خلق ما خلق، والنفع له في ذلك، وكذلك قوله: (وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وأما على ظاهر ما تقدم ذكره: من اتخاذ الولد والشريك - سُبْحَانَ اللَّهِ عما يصفونه من الولد والشريك، وما قالوا فيه ونسبوا إليه ما لا يليق به.
المؤمنون 23:92
الآية ٩٢ : وكذلك قوله :﴿فتعالى عما يشركون﴾ وأما على ظاهر ما تقدم ذكره من اتخاذ الولد والشريك﴿سبحان الله عما يصفون﴾منن الولد والشريك وما قالوا فيه، ونسبوا إليه مما لا يليق به، أو يكون قوله :﴿سبحان الله عما يصفون﴾ كما يوصف(١) المخلوق المحدث، لأنهم وصفوه بالولد ( والولد )(٢) في متعارف الخلق لا يكون إلا من الوالد والأم. هذا التوالد المعروف في ما بين الخلق.
فإن وصفوه باتخاذ الولد شبهوه بالمخلوق المحدث من الوجه الذي ذكرنا، فنزه نفسه عن ذلك.
١ من م، في الأصل يصف..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
المؤمنون 23:93
أو أن يكون قوله: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) كما يوصف المخلوق المحدث؛ لأنهم وصفوه بالولد، والولد في متعارف الخلق لا يكون إلا من الوالد والأم، هذا هو التوالد المعروف فيما بين الخلق، فإذا وصفوه باتخاذ الولد شبهوه بالمخلوق المحدث من الوجه الذي ذكرنا؛ فنزه نفسه عن ذلك.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)
وقوله: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ. رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
وقوله: (رًدث اقا تُرِلَنى مَا يوُعَأُونَ): يحتمل على وجهين:
أحدهما: (رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ. رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)؛ لأنه كان وعد له أن يريه بعضًا وعد لهم بقوله: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ)؛ فلا نريك شيئا؛ فقال: ربِّ إن أريتني ما يوعدون أو لا تريني فلا تجعلني في القوم الظالمين.
والثاني: أنك، وإن أريتني ما تعدهم على التحقيق، فلا تجعلني في القوم الظالمين.
ثم يحتمل قوله: (فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وجهين:
أحدهما: لا تجعلني في القوم الظالمين: في العذاب الذي وعدت لهم أن ينزل؛ لأنه من العدل أن يعذبه ويعامله معاملة أهل العدل؛ كأنه يقول: ربِّ لا تعاملني معاملتك إياهم، وإن كان ذلك من العدل أن تعاملني مثل ما تعامل أُولَئِكَ؛ لأن رسول اللَّه، وإن لم يكن له زلات ظاهرة، فلقد كان من اللَّه إليه من النعم والإحسان: ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر واحدة منها فضلا عن أن يؤدي شكر الكل؛ ألا ترى أنه روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال:: لا يدخلُ أحدٌ الجنةَ إلا برحمةِ اللهِ؛ فقيلَ: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: ولا أنا إلا أَنْ يتغمدني اللهُ برحمتِهِ ".
ويحتمل قوله: (فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ): في الزيغ والغواية، يسأل ربه أن يعصمه عن الزيغ بالضلال والغواية الذي عليه القوم الظالمون، وهو كدعاء إبراهيم ربه وسؤال العصمة عن الزيغ بقوله: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ
المؤمنون 23:94
الآيتان ٩٣ و ٩٤ : وقوله(١) :﴿رب إما تريني ما يوعدون﴾ ﴿رب فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾ ( يحتمل وجهين :
أحدهما )(٢) :﴿رب إما تريني ما توعدون﴾﴿رب فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾ لأنه كان وعد له أن يريه بعض ما وعد لهم بقوله :﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك﴾( يونس : ٤٦ والرعد ٤٠ ) فلا نريك شيئا، فقال : رب إن أريتني ما يوعدون، أو لا ترني﴿فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾.
والثاني : إنك وإن أريتني ما تقدم على التحقيق﴿فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾ ثم(٣) يحتمل قوله :﴿فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾وجهين : أحدهما :﴿فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾في العذاب الذي وعدت لهم أن ( تنزله عليهم )(٤) لأنه من العدل أن يعذبه ويعامله معاملة أهل العدل. كأنه يقول : رب لا تعاملني معاملة إياهم، وإن كان ذلك من العدل أن تعاملني مثل ما تعامل أولئك، لأن رسول الله، وإن لم يكن له(٥) زلات ظاهرة فلقد كان من الله إليه من النعم والإحسان ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر واحدة منها فضلا عن أن تؤدي شكر الكل.
ألا ترى أنه روي عنه ﷺ أنه قال :" لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، فقيل : ولا أنت يا رسول الله، فقال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ( مسلم /٢٨١٦/٧١ و... و ٢٨١٨/٧٨ ).
( والثاني ) (٦) :﴿فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾في الزيغ والغواية، يسأل ربه أن يَعصِمَهُ عن الزيغ في الضلال(٧) والغواية التي عليه القوم الظالمون(٨) وهو كدعاء إبراهيم ربه وسؤاله(٩) العصمة عن الزيغ بقوله :﴿رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾( إبراهيم : ٣٥ ) وإن كان وعد لهم العصمة عن ذلك، والله أعلم.
١ في الأصل وم وقوله..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: لم..
٤ في الأصل وم: تنزل..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: و..
٧ في م: بالضلال..
٨ في الأصل وم : الظالمين..
٩ في الأصل وم: وسؤال..
المؤمنون 23:95
الْأَصْنَامَ)، وإن كان وعد لهم العصمة عن ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)
هذا أيضًا يحتمل وجهين:
أحدهما: يخبر رسوله أنه ليس لعجز يؤخر ما وعد لهم من العذاب؛ ولكن لحلم منه وعفو، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ): على التنبيه والإيقاظ؛ فعلى ذلك يحتمل هذا.
والثاني: يعزي رسول اللَّه ويصبره على أذاهم إياه، يقول: إني مع قدرتي على إنزال العذاب عليهم والانتقام منهم أحلم عنهم وأؤخر عنهم؛ فأنت مع ضعفك عن ذلك أولى أن تصبر على أذاهم، وعلى هذا يخرج قوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ (٩٦) أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، ولا تشغل بهم بمجازاة ذلك أوادفع، بأحسن من ذلك وكِلْ مكافأتهم إليَّ حتى أنا أكافئهم.
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) من الكذب والأذى الذي يؤذونك.
والثاني: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ)، أي: ادفع سيئاتهم المتقدمة بإحسان يكون منك إليهم؛ ليكونوا لك أولياء وإخوانا في حادث الأوقات، وهو كقوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
وقوله: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) وقال في آية أخرى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)، علم رسوله وأمره أن يتعوذ به من الشيطان الرجيم اللعين إذا نزغه - ونزغه: وسوسته - وأمره أيضًا أن يتعوذ من همزه، وهو: همه وقصده بذلك، وأمره أن يتعوذ بحضورهم مكان الوسوسة؛ حتى يدفع عنهم ولا يحضرون ذلك المكان، وكأن التعوذ عن نزغهم؛ ليدفع عنه؛ لئلا يؤثروا في نفسه بعد ما حضروه ووسوسوه.
والتعوذ عن همزهم: هو أن يدفع عنه طعنهم ونخسهم؛ لئلا يشغلوه بالذي قصدوه به، والتعوذ عن حضورهم مكان الوسوسة.
قال الحسن: همز الشيطان: الموتة، والموتة: غشيان القلب، روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يتعوذ من الشيطان الرجيم، قال: " في همزه، ونفخه، ونفثه ". وقَالَ بَعْضُهُمْ: همزاته ونزغاته: واحد.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ همزات الشياطين: نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب: هُمَزة؛ كأنه يطعن ويعيب.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: همزات الشياطين: وساوسهم، يقال: همز يهمز همزًا، أي: وسوس، ومن وجه آخر: همز يهمز همزا، أي: عاب يعيب، ومنه قوله: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ).
ثم في قوله: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) إلى آخر ما ذكر وجهان على المعتزلة:
أحدهما: أنه أمر رسوله أن يتعوذ به مما ذكر؛ فدل أن عنده لطفا لم يعطه: ما لو أعطاه اللَّه لدفع به ما ذكر وأنه مالكٌ لذلك؛ إذ لو كان غيره مالكًا لذلك يخرج السؤال به مخرج الهزء به؛ إذ من طلب من آخر شيئا يعلم أنه ليس عنده ذلك خرج ذلك الطلب مخرج الهزء به؛ فعلى ذلك هذا.
والثاني: أن كل مأمور بالتعوذ جعل اللَّه له الإعاذة مما يتعوذ منه.
فالوجهان جميعًا ينقضان على المعتزلة في قولهم: إن اللَّه قد أعطى كلا الأصلح في الدِّين، وأعطى كلا العصمة عن كل زيغ وضلال.
* * *
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)
المؤمنون 23:96
الآية ٩٦ : وعلى هذا يخرج قوله :﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾( على وجهين : أحدهما )(١) : أي لا تكافئهم لأذاهم إياك، ولا تشتغل بهم بمجازاة ذلك ( ولكن ادفع بالتي هي أحسن )(٢) وَكِلْ مكافأتهم إلي حين أنا أكافئهم، و﴿نحن أعلم بما تصفون﴾ من الكذب والأذى الذي يؤذونك.
والثاني :﴿ادفع بالتي هي/٣٥٨-ب/ أحسن السيئة﴾أي ادفع سيئاتهم المتقدمة بإحسان يكون منك إليهم ليكونوا لك أولياء وإخوانا في حادث الأوقات. وهو كقوله :﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾( فصلت : ٣٤ ).
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل أحسن ذلك، في م: بأحسن ذلك..
المؤمنون 23:97
الآيتان ٩٧ و ٩٨ : وقوله تعالى :﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾﴿وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾كقوله(١) : في آية أخرى :﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾( الأعراف : ٢٠٠ وفصلت : ٣٦ ) علم رسوله، وأمره أن يتعوذ به من الشيطان الرجيم اللعين إذا نزغه، ونزغه، ( وسوس له ) (٢). وأمره أن يتعوذ من همزه أيضا، وهو همه وقصده بذلك، وأمره أن يتعوذ به من حضورهم مكان الوسوسة حتى ( يدفعهم عنه ولا يحضروا ) ذلك المكان.
وكان التعوذ من نزغهم ليدفع عنه لئلا يؤثروا في نفسه بعد ما حضروه( ووسوسوا له )(٣) والتعوذ من همزهم هو أن يدفع عنه(٤) طعنهم ونخسهم لئلا يشغلوه بالذي قصدوه به، والتعوذ من حضورهم مكان الوسوسة.
قال الحسن : همز الشيطان الموتة، والموتة غشيان القلب.
روي في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان يتعوذ من الشيطان الرجيم من(٥) همزه ونفخه ونفثه ( أبو داود ٧٦٤ ) وقال بعضهم : همزاته ونزغاته واحد.
وقال القتبي : همزات الشياطين نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب : همزة لأنه(٦) يطعن، ويعيب.
قال أبو عوسجة : همزات الشياطين وساوسهم، يقال : همز يهمز همزا، أي وسوس، ومن وجه آخر : همز يهمز همزا، أي عاب يعيب، ومنه قوله تعالى :﴿ويل لكل همزة لمزة﴾( الهمزة : ١ ).
ثم في قوله :﴿وقل ربي أعوذ بك من همزات الشياطين﴾إلى آخر ما ذكر وجهان على المعتزلة : أحدهما : أنه أمر رسوله ( أن يتعوذ به )(٧) مما ذكر، فدل أن عنده لطفا، لم يعطه، ما لو أعطاه لدفع به ما ذكر، وأنه مالك لذلك ؛ إذ لو كان غيره مالكا(٨) لذلك لخرج السؤال به الهزء به، إذ من طلب من آخر شيئا، يعلم أنه ليس عنده ذلك، خرج ذلك الطلب مخرج الهزء به فعلى ذلك هذا.
والثاني : أن كل مأمور بالتعوذ جعل الله له لإعادة عما يتعوذ عنه.
فالوجهان ينقضان على التعوذ قولهم : إن الله قد أعطى كلا الأصلح في الدين، وأعطى كلا العصمة عن كل زيغ وضلال.
١ في الأصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: وسوسه..
٣ في الأصل وم: ووسوسوه..
٤ في الأصل وم: عنهم..
٥ أدرج قبلها في الأصل وم: قال في..
٦ في الأصل وم: كأنه..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم : مالك..
المؤمنون 23:98
الآيتان ٩٧ و ٩٨ : وقوله تعالى :﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾﴿وأعوذ بك رب أن يحضرون﴾كقوله(١) : في آية أخرى :﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾( الأعراف : ٢٠٠ وفصلت : ٣٦ ) علم رسوله، وأمره أن يتعوذ به من الشيطان الرجيم اللعين إذا نزغه، ونزغه، ( وسوس له ) (٢). وأمره أن يتعوذ من همزه أيضا، وهو همه وقصده بذلك، وأمره أن يتعوذ به من حضورهم مكان الوسوسة حتى ( يدفعهم عنه ولا يحضروا ) ذلك المكان.
وكان التعوذ من نزغهم ليدفع عنه لئلا يؤثروا في نفسه بعد ما حضروه( ووسوسوا له )(٣) والتعوذ من همزهم هو أن يدفع عنه(٤) طعنهم ونخسهم لئلا يشغلوه بالذي قصدوه به، والتعوذ من حضورهم مكان الوسوسة.
قال الحسن : همز الشيطان الموتة، والموتة غشيان القلب.
روي في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان يتعوذ من الشيطان الرجيم من(٥) همزه ونفخه ونفثه ( أبو داود ٧٦٤ ) وقال بعضهم : همزاته ونزغاته واحد.
وقال القتبي : همزات الشياطين نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب : همزة لأنه(٦) يطعن، ويعيب.
قال أبو عوسجة : همزات الشياطين وساوسهم، يقال : همز يهمز همزا، أي وسوس، ومن وجه آخر : همز يهمز همزا، أي عاب يعيب، ومنه قوله تعالى :﴿ويل لكل همزة لمزة﴾( الهمزة : ١ ).
ثم في قوله :﴿وقل ربي أعوذ بك من همزات الشياطين﴾إلى آخر ما ذكر وجهان على المعتزلة : أحدهما : أنه أمر رسوله ( أن يتعوذ به )(٧) مما ذكر، فدل أن عنده لطفا، لم يعطه، ما لو أعطاه لدفع به ما ذكر، وأنه مالك لذلك ؛ إذ لو كان غيره مالكا(٨) لذلك لخرج السؤال به الهزء به، إذ من طلب من آخر شيئا، يعلم أنه ليس عنده ذلك، خرج ذلك الطلب مخرج الهزء به فعلى ذلك هذا.
والثاني : أن كل مأمور بالتعوذ جعل الله له لإعادة عما يتعوذ عنه.
فالوجهان ينقضان على التعوذ قولهم : إن الله قد أعطى كلا الأصلح في الدين، وأعطى كلا العصمة عن كل زيغ وضلال.
١ في الأصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: وسوسه..
٣ في الأصل وم: ووسوسوه..
٤ في الأصل وم: عنهم..
٥ أدرج قبلها في الأصل وم: قال في..
٦ في الأصل وم: كأنه..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم : مالك..
المؤمنون 23:99
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)
وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)
ظاهر هذا أن يكون قوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ) بعد الموت، وبعد ما عاين أهوال الآخرة وأفزاعها؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان؛ إنما هو شيء يذهب بالحياة التي فيهم، إلا أن أهل التأويل قالوا: إن ذلك عند معاينتهم ملك الموت، وعند هجومه عليهم بأهواله؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا، والأول أشبه وأقرب.
ثم قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ): ليس هو صلة قوله (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ)، ولا جوابه؛ لأنه ليس من نوعه، ولا من جنس ذلك، ولكنه - واللَّه أعلم - صلة قوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)، وجواب قوله: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، ونحوه الذي تقدم ذكره، يقول: وإنهم على ذلك (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ)، فعند ذلك يرجع إلى الحق والتصديق، لكن ذلك لا ينفعه في ذلك الوقت (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ)، ولم يقل: رب ارجعني، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: سأل على ما يسأل الملوك ويخاطبون: افعلوا كذا، على الجماعة، وإن كان إنما يخاطب واحدا؛ على ما خرج جواب اللَّه وقوله: إنا فعلنا كذا، ونفعل كذا.
والثاني: أن يكون قوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ): يسأل ربه أن يأمر الملائكة الذين يتولون قبض أرواحهم أن يرجعوه إلى ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقوله: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ (١٠٠)
قَالَ بَعْضُهُمْ: (فِيمَا تَرَكْتُ)، أي: فيما كذبت.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فِيمَا تَرَكْتُ): في الدنيا من الأعمال الصالحة فأعمل بها.
وجائز أن يكون قوله: (فِيمَا تَرَكْتُ): من الأموال فأؤدي منه حقك؛ لأن من الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها؛ كقوله: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)، فيسأل ربه أن يرجع إلى المال الذي تركه؛ ليؤدي الحق الذي كان فيه فمنعه، كقوله: (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)، وقوله: (فَأَصَّدَّقَ)، أي: فأتصدق بالصدقة التي منعتها؛ لأن الخطاب في الصدقة بقوله: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ...) الآية، وهذا أشبه، واللَّه أعلم.
وقوله: (كَلَّا)، هو رد لما سألوا من الرجعة. وقوله: (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِنَّهَا كَلِمَةٌ): هو قول اللَّه: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا...) الآية، (قَائِلُهَا): يعني الكافر عند معاينة العذاب، وهو قوله: (ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ).
ثم قوله: (كَلَّا) على هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه لا حقيقة لسؤاله الذي يسأله من الرجعة ليعمل العمل الصالح، أي: أنه وإن رد ورجع لا يعمل؛ كقوله - تعالى -: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ).
والثاني: أن لا منفعة لهم في سؤالهم الرجعة؛ إذ لو رجعوا لا يصلون إلى ما يأملون؛ لأنهم إنما يسألون ليؤمنوا، والإيمان سبيله الاستدلال، فإذا لم يستدلوا به وقت أمنهم وفسحتهم؛ فكيف يقدرون على الاستدلال في وقت خوفهم؟! واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: وراءهم، أي: أمامهم.
قال أبو معاذ: مشتقة من تواريت عنك، فكل ما توارى عنك أمامك كان أو وراءك فهو وراءك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ): على حقيقة الوراء.
(بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: البرزخ: هو ما بين شيئين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: البرزخ: هو الأجل بين الموت والبعث، وهو قول الكلبي وقتادة.
وقال مجاهد: البرزخ: هو حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأبو عبيدة: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، وقالا: كل شيء بين شيئين فهو برزخ.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: البرزخ: ما بين الحدين، يعني: الدنيا والآخرة، الأرض المستوية، وأصل البرزخ: الحاجز بينه كقوله: (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا)، أي: حاجزًا، وتأويله، أي: صاروا إلى الوقت الذي يحجزهم عما يتمنون ويشتهون، وهو كقوله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)، وإنما يشتهون ويتمنون الإيمان والأعمال الصالحة.
وجائز أن يكون قوله: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ)، أي: من ورائهم أحوالهم أي: الحال
المؤمنون 23:100
الآية ١٠٠ : وقوله تعالى :﴿لعلي أعمل صالحا فيما تركت﴾قال بعضهم :﴿فيما تركت﴾أي في ما كذبت. وقال بعضهم : في ما تركت في الدنيا من الأعمال الصالحة فأعمل بها.
وجائز أن يكون قوله :﴿فيما تركت﴾من الأموال فأؤدي منه حقك لأن من الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها(١) كقوله :﴿وويل للمشركين﴾﴿الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾( فصلت : ٦ و ٧ ) فيسأل أن يرجع إلى المال الذي تركه ليؤدي الحق الذي كان فيه، فمنعه كقوله :﴿فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾( المنافقون : ١٠ ) وقوله :﴿فأصدق﴾ فأتصدق والصدقة التي منعتها لأن الخطاب في الصدقة بقوله :﴿وأنفقوا من ما رزقناكم﴾الآية ( المنافقون : ١١ ) وهذا أشبه، والله أعلم.
وقوله تعالى﴿كلا﴾هو رد لما سألوا من الرجعة.
وقوله تعالى :﴿إنها كلمة هو قائلها﴾قال بعضهم : قوله :﴿إنها كلمة هو قائلها﴾ : أي الله تعالى قالها، وتلك الكلمة قوله تعالى :﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها﴾الآية ( المنافقون : ١١ ) وقال بعضهم قوله :﴿إنها كلمة هو قائلها﴾(٢) يعني الكافر عند معاينة العذاب وهو قوله :﴿رب ارجعون﴾﴿لعلي أعمل صالحا فيما تركت﴾.
ثم قوله :﴿كلا﴾على هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أنه لا حقيقة لسؤاله الذي يسأل من الرجعة ليعمل العمل الصالح، أي إنه وإن رد، ورُجع، لا يعمل كقوله تعالى :﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾( الأنعام : ٢٨ ).
والثاني : أنه لا منفعة لهم في سؤالهم الرجعة ؛ إذ لو رجعوا لا يصلون إلى ما يأملون لأنهم إنما يسألون ليؤمنوا، والإيمان سبيله الاستدلال. فإذا لم يستدلوا به وقت أمنهم وفسحتهم فكيف يقدرون على الاستدلال في وقت خوفهم ؟ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾قال بعضهم :﴿ومن ورائهم﴾أي أمامهم. قال أبو معاذ :( إنه مشتق )(٣) من تواريت عنك، فكل ما توارى عنك، أمامك كان أو خلفك، فهو وراءك.
وقال بعضهم :﴿ومن ورائهم﴾على حقيقة الوراء ﴿برزخ إلى يوم يبعثون﴾
قال بعضهم : البرزخ هو ما بين النفختين، وقال بعضهم البرزخ هو الأجل بين الموت والبعث، وهو قول الكلبي وقتادة. وقال مجاهد : البرزخ، هو حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا.
وقال القتبي وأبو عبيدة : البرزخ، ما بين الدنيا والآخرة، وقالا : كل شيء بين شيئين فهو برزخ.
وقال أبو عوسجة : البرزخ ما بين الحدين، يعني الدنيا والآخرة ( وقال البرزخ )(٤) الأرض المستوية.
وأصل البرزخ الحاجز : ومنه قوله تعالى :﴿وجعل بينهما برزخا﴾( الفرقان : ٥٣ ) أي حاجزا. وتأويله أي صاروا إلى الوقت الذي يحجزهم عما يتمنون، ويشتهون، وهو كقوله :﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾( سبإ : ٥٤ ) وإنما يشتهون، ويتمنون، الإيمان والأعمال الصالحة.
وجائز أن يكون قوله :﴿ومن ورائهم برزخ﴾( أي من ورائهم )(٥) أحوالهم الممكنة. الإيمان فيه أحوال. لا يمكن فيها الأمان(٦) وما تمنوا من العمل الصالح والله أعلم.
وفيه نقض قول الباطنية لأنهم يقولون : البعث هو أن يجعل للمؤمن من الأعمال الصالحة صورة روحانية، تبقى أبدا ثياب تلك الصورة الروحانية، من الأعمال القبيحة السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية، هي تعاقب، وتعذب أبدا. فذلك البعث عندهم.
فأخبر عز وجل أن بين موتهم وبين البعث البرزخ، وهو الأجل الذي ذكرنا أو الحاجز. فدل ذلك على نقض قولهم أن ليس البعث إلا خروج الصورة الروحانية.
١ في الأصل وم: وجحوده..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: هو قول الله ﴿ولن يؤخر الله نفسا﴾..
٣ من نسخة الحرم المكي في الأصل وم: مشتقة..
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: الإيمان..
المؤمنون 23:101
التي طلبوا الإيمان فيه أحوال لا يمكن فيها الإيمان وما تمنوا من العمل الصالح، والله أعلم.
وفيه نقض قول الباطنية؛ لأنهم يقولون: البرزخ هو أن يجعل للمؤمن من الأعمال الصالحة صورة روحانية تبقى أبدًا تثاب تلك الصورة الروحانية من الأعمال، وأن يجعل من الأعمال السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية هي تعاقب وتعذب أبدًا، فذلك البعث عندهم، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن بين موتهم وبين البعث: البرزخ، وهو الأجل الذي ذكرنا، أو الحاجز؛ فدل ذلك على نقض قولهم: أن ليس البعث إلا خروج الصورة دون المعاينة.
وقوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)
إن كان قوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) في الناس كلهم؛ فذلك في اختلاف المواطن، على ما قال ابن عَبَّاسٍ وغيره من أهل التأويل، واختلاف الأوقات: لا يتساءلون في موطن أو في وقت، ويتساءلون في وقت آخر؛ ألا ترى أنه قال: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ)، ونحوه.
وإن كانت الآية في أهل، الكفر خاصة فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ببعض على غيرهم، ويستعين بعضهم بعضا، ويكونون ردءًا لهم في هذه الدنيا وشفعاء وأعوانًا وأنصارًا، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم في الآخرة، والعرب خاصة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر؛ فأخبر أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة.
والثاني: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) وما ذكر (يَوْمَئِذٍ)؛ لشغلهم بأنفسهم؛ لفزع ذلك اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه، كقوله: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ...) الآية، وقوله: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...) الآية، وقال في آية أخرى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى...) الآية، فذلك كله؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه كان لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه لشغلهم بأنفسهم.
وإن كان في الناس جميعًا فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن والأوقات: يسألون في وقت ولا يسألون في وقت، ويسألون في موطن ولا يسألون في موضع، أو
المؤمنون 23:102
يسألون عن شيء ولا يسألون عن آخر، وروي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " كلُّ نَسَب كانَ فهو منقطعٌ إلا نسبي " أو كلام نحو هذا، ثم يحتمل قوله: " إلا نسبي " وجهين:
أحدهما: الشفاعة له في أنسابه، لا يكون ذلك لغيره في نسبه؛ فإذا أراد هذا فهو على حقيقة نسبه.
والثاني: أراد بقوله: " إلا نسبي ": المعين له في دينه؛ لأن كل من اتبعه فقد انتسب إليه؛ فكأنه قال: إن كل ذى شفاعة دوني فهو منقطع إلا شفاعتي، فيمن اتبعني وانتسب إلي بقبوله ديني.
وقوله: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)
جائز أن يكون قوله: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)، أي: من عظم قدره ومنزلته عند الله بالأعمال التي عملوها من الصالحات والحسنات فهو من المفلحين، ومن خفت منزلته وقدره عند اللَّه بالأعمال الخبيثة السيئة فهو من الذين خسروا أنفسهم، واللَّه أعلم.
وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل في الموازين فيما تقدم.
وقوله: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)
قَالَ بَعْضُهُمْ: لفحتهم النار لفحة؛ فلم تدع لحفا على عظم إلا ألقته.
(وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: عابسون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تلفح، أي: تنفح.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تلفح: تشوي وتحرق، وذلك عادة النار أنها تعمل كل هذا العمل.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: تلفح، أي تضرب، واللفح: الضرب، يقال: لفحته النار، أي: ضربته؛ فأحرقت وجهه، تلفح لفحًا فهي لافحة.
المؤمنون 23:103
الآيتان ١٠٢ و ١٠٣ : وقوله تعالى :﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾﴿ومن خفت موازينه فأولئك هم الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾ جائز أن يكون قوله :﴿فمن ثقلت موازينه﴾أن(١) من عظم قدره ومنزلته عند الله بالأعمال التي عملها(٢) من الصالحات والحسنات فهو من المفلحين﴿ومن خفت موازينه﴾منزلته وقدره عند الله بأعماله الخبيثة السيئة فهو من﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ والله أعلم. وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل في الموازن في ما تقدم.
١ في الأصل وم: أي..
٢ في الأصل وم: عملوها..
المؤمنون 23:104
الآية ١٠٤ : وقوله تعالى :﴿تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون﴾قال بعضهم : تلفحهم(١) النار لفحة، فلا(٢) تدع لحما على عظم إلا ألقته ﴿وهم فيها كالحون﴾ قال بعضهم : عابسون : وقال ( بعضهم )(٣) :﴿تلفح﴾ أي تنقح. وقال بعضهم :﴿تلفح﴾ تشوي وتحرق. وذلك عادة النار أنها تعمل كل هذا العمل.
وقال أبو عوسجة :﴿تلفح﴾ أي تضرب، واللفح الضرب ؛ يقال : لفحته النار، أي ضربته، فأحرقت وجهه، تلفح لفحا، فهي(٤) لافحة، والكالح العابس.
١ في الأصل وم: لفحتهم..
٢ في الأصل وم: فلم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: فهو..
المؤمنون 23:105
والكالح: العابس.
وقوله: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)
كذلك كانوا يكذبون، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)
أما ما قال أهل التأويل: غلبت علينا من الشقاوة فإنه لا يحتمل؛ لأنهم يقولون ذلك القول؛ اعتذارًا لما كان منهم من التفريط في أمره والتضييع؛ فلا يحتمل أن يطلبوا لأنفسهم عذرا فيما كان منهم؛ إذ لو كان ما ذكر أُولَئِكَ لكان في ذلك طلب العذر لأنفسهم، وهم في ذلك الوقت لا يطلبون عذرا لأنفسهم؛ ولكن يقرون بما كان منهم؛ كقوله: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ)، لكن يحتمل وجهين:
أحدهما: يقولون: ربنا شقينا بأعمالنا التي عملناها، وظلمنا أنفسنا، وكنا قومًا ضالين.
والثاني: عملنا أعمالا استوجبنا بتلك الأعمال جزاء؛ فنحن أولى بذلك الجزاء، فغلب علينا جزاء تلك الأعمال، أو كلام نحو هذا.
وأما ما قاله أُولَئِكَ من أهل التأويل: (غَلَبَتْ)، أي: كتبت فهو بعيد؛ لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره لا يكتب غير الذي علم أنه يفعله ويختاره، والله أعلم.
قوله: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)
قوله: (فَإِنَّا ظَالِمُونَ): ظلم عيان، وظلم ظاهر، وإلا قد كانوا أقزوا بالظلم بقولهم: (فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ).
وقوله: (وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ): قد أقروا بالظلم، لكنهم أقروا بظلم خبر وظلم سماع، لا ظلم عيان؛ فقالوا: (أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ): ظلم عيان، والله أعلم.
وقوله: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (اخْسَئُوا)، أي: اسكتوا.
المؤمنون 23:106
الآية ١٠٦ : وقوله تعالى :﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾أما(١) ما قال أهل التأويل :﴿غلبت علينا شقوتنا﴾ ( كتب علينا )(٢) من الشقاوة فإنه لا يحتمل لأنهم يقولون ذلك القول اعتذارا لما كان منهم من التفريط في أمره والتضييع، فلا يحتمل أن يطلبوا لأنفسهم عذرا في ما كان منهم ؛ إذ لو كان ما ذكر أولئك لكان في ذلك طلب العذر لأنفسهم، وهم في ذلك الوقت لا يطلبون عذرا لأنفسهم، ولكن يقرون بما كان منهم كقوله :﴿فاعترفوا بذنبهم﴾( الملك : ١١ ).
لكن يحتمل وجهين : أحدهما : يقولون : ربنا شقينا بأعمالنا التي عملناها، وظلمنا أنفسنا ﴿وكنا قوما ضالين﴾.
والثاني : عملنا أعمالا استوجبنا بتلك(٣) الأعمال جزاء، فنحن أولى بذلك الجزاء، فغلب علينا جزاء تلك الأعمال، أو كلام نحو هذا.
وأما ما قاله أولئك من أهل التأويل :﴿غلبت﴾أي كتبت فهو بعيد لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره، لا يكتب غير الذي علم أنه يفعله(٤)، ويختاره، والله أعلم.
١ أدرج قبلها في الأصل وم: قال..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: بذلك..
٤ في الأصل وم: يفعل..
المؤمنون 23:107
الآية ١٠٧ : وقوله تعالى :﴿ربنا أخرجنا منها فإنا عدنا فإنا ظالمون﴾ظلم عيان ( وظلما ظاهرا )(١) وإلا قد كانوا أقروا بالظلم بقولهم :﴿فاعترفوا بذنبهم﴾ ( الملك : ١١ ).
وقوله تعالى :﴿وما كنا قوما ضالين﴾ قد أقروا بالظلم، لكنهم أقروا بظلم خبر وظلم سماع لا ظلم عيان، فقالوا :﴿ربنا أخرجنا منها فإنا عدنا فإنا ظالمون﴾ ظلم عيان.
١ في الأصل وم: وظلم ظاهر..
المؤمنون 23:108
الآية ١٠٨ : وقوله تعالى :﴿قال اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ قال بعضهم : قوله :﴿اخسئوا﴾ أي اسكنوا، وقال بعضهم :﴿اخسئوا فيها﴾أي ابعدوا فيها.
قال أبو عوسجة : يقال : خسأت فلانا، وأخسأته، أي باعدته، فخسئ، أي تباعد.
وقوله تعالى :﴿ولا تكلمون﴾يحتمل وجهين : أحدهما : جائز أن يكون هذا السؤال منهم في أول ما أدخلوا، فقال لهم :﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ فإنكم ماكثون.
و( الثاني : جائز )(١) أن يكون هذا السؤال منهم بعدما سألوا الملك الموت مرة بقوله :﴿ونادوا يا مالك﴾( الزخرف : ٧٧ ) وسألوا مرة تخفيف العذاب بقوله :﴿ادعوا ربكم يخفف عنا يوما العذاب﴾( غافر : ٤٩ ) فلما أيسوا منه، فعند ذلك يسألون ربهم إخراجهم منها والإعادة إلى المحنة، فقال :﴿اخسئوا فيها﴾أي ابعدوا فيها﴿ولا تكلمون﴾أي تصيرون بحال، لا تقدرون على الكلام لشدة العذاب، فعند ذلك يكون منه الشهيق والزفير.
١ في الأصل وم: أو..
المؤمنون 23:109
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (اخْسَئُوا)، أي: ابعدوا فيها.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: يقال: خسأت فلانا، وأخسأت، أي: باعدته؛ فخسأ، أي: تباعد.
وقوله: (وَلَا تُكَلِّمُونِ).
يحتمل الوجهين:
أحدهما: جائز أن يكون هذا السؤال منهم في أول ما أدخلوا، فقال لهم: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ) فإنكم ماكثون، أو أن يكون هذا السؤال منهم بعد ما سألوا الملك الموت مرة بقوله: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ...) الآية، وسألوا مرة تخفيف العذاب بقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ)، فلما أيسوا منه فعند ذلك يسألون ربهم إخراجهم والإعادة إلى المحنة؛ فقال: (اخْسَئُوا فِيهَا)، أي: ابعدوا فيها ولا تكلمون، أي: يصيرون بحال لا يقدرون على الكلام؛ لشدة العذاب؛ فعند ذلك يكون منهم الشهيق والزفير.
وقوله: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)
يخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أُولَئِكَ الكفرة الذين يسألون الإخراج من النار أنكم قد اتخذتم فريقًا من عبادي آمنوا سخريا، وكنتم منهم تضحكون؛ يذكر هذا لهم - واللَّه أعلم - ليكون ذلك حسرة ونكاية.
وقوله (سِخْرِيًّا) اختلف في قراءته: فقرئ، بكسر السين فهو من الاستهزاء والهزء.
وقال الكسائي: بالرفع والكسر جميعًا، من الاستهزاء، ولا يقال في العبودة إلا برفع السين، وقَالَ بَعْضُهُمْ: هما سواء.
وقوله: (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي)، قَالَ بَعْضُهُمْ: حتى أنساكم الهزء بهم عن العمل بطاعتي.
وقيل: أضاف الإنساء إلى الذكر؛ لأنهم كانوا عندما يذكرهم ويدعوهم إلى ذكر الله يهزءون به؛ فأضاف إليه ذلك؛ فكان كإضافة الرجس إلى السورة؛ لأن ذلك إنما يزداد لهم عند تلاوة السورة؛ فأضيف ذلك إلى السورة، وإلا كانت السورة لا تزيد رجسًا؛ فعلى ذلك أضاف الإنساء إلى ذكره؛ لما عند ذكره ودعائهم إليه يحملهم إلى ذلك، واللَّه أعلم، فأضيف إليه.
وقوله: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)
المؤمنون 23:110
الآيتان ١٠٩ و ١١٠ : وقوله تعالى :﴿إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين﴾﴿فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون﴾ يخبر عز وجل أولئك الكفرة الذين يسألون الإخراج من النار أنكم قد أخذتم فريقا من عبادي، آمنوا بي ﴿سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون﴾يذكر هذا لهم، والله أعلم ليكون حسرة ونكاية.
وقوله تعالى :( ﴿سخريا﴾ )(١) اختلف في قراءته وتأويله :( قرأ بعضهم :﴿سخريا﴾ بكسر السين، وقرأ بعضهم : برفعه(٢).
قال أبو معاذ : من قرأ برفع السين فهو من العبودة والخؤولة، أي اتخذتموهم خولا وعبيدا، ومن قرأ ) (٣) بكسر السين فهو من الاستهزاء والهمز.
وقال الكسائي : بالرفع والكسر جميعا من الاستهزاء، ولا يقال في العبودة إلا برفع السين.
وقال بعضهم :( هما سواء.
وقوله تعالى :﴿حتى أنسوكم ذكرى﴾ قال بعضهم )(٤) : حتى أنساكم الهزء بهم عن العمل بطاعتي. وقيل أضاف الإنساء إلى الذكر لأنهم كانوا بذكرهم ودعائهم إلى ذكر الله يهزؤون بهم، فأضاف إليه ذلك، فكان كإضافة الرجس إلى السورة(٥) لأن ذلك إنما يزداد لهم عند تلاوة السورة، فأضيف ذلك إليه.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ح٤/٢٦٦..
٣ ساقطة من م..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ بقوله تعالى: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرين﴾ (التوبة : ١٢٥.).
قال القتبي﴿سخريا﴾بكسر السين، أي تسخرون منهم، وسخريا بضمها، أي تسخرونهم من السخرة(١) عبثا. وقوله :﴿حتى أنسوكم ذكري﴾ أي شغلكم أمرهم عن ذكري. والوجه فيه ما ذكرنا في ما تقدم.
المؤمنون 23:111
الآية ١١١ : وقوله تعالى :﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا﴾أي إني جزيتهم اليوم الفوز بما صبروا في الدنيا على أذى أولئك الكفرة أو على أداء ما أمروا به، ونهوا عنه، أو يكون ذلك كقوله :﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾ ( غافر : ٥١ ) ونصره إياهم، هو أن صارت لهم العاقبة(١)، والله أعلم.
١ في الأصل وم : عاقبة..
المؤمنون 23:112
أي: إني جزيتهم اليوم الفوز بما صبروا في الدنيا على أذى أُولَئِكَ الكفرة، أو على أداء ما أمروا به ونهوا عنه.
أو أن يكون ذلك كقوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ونصره إياهم هو أن صارت لهم عاقبة، واللَّه أعلم.
وقوله: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)
اختلف فيه: قال مقاتل بن سليمان: في القبور.
وقال أبو معاذ: أخطأ مقاتل، وذلك قول من ينكر عذاب القبر، وهو قول الجهمية؛ لأن من كان في عذاب وشدة لا يقتصر المقام فيه كل هذا الاقتصار، حتى يقول: لبثت يوما أو بعض يوم؛ بل يزداد له مقام يوم في العذاب على سنة وأكثر، قال: إلا أن يكون عَنِيَ ما بين النفختين حين تؤخذ الأرواح فترقد، فإذا بعثوا استقلوا رقدة ذلك المقدار؛ بما كانوا قاسوا قبل الرقدة من العذاب في القبور، إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
وجائز عندنا ما قال مقاتل ومُحَمَّد بن إسحاق: بأن ذلك يكون في القبر، وذلك لا يدل على نفي عذاب القبر؛ لأنهم لا يعذبون في القبور بالعذاب الذي يعذبون في الآخرة؛ فجائز أن يستقلوا عذاب القبر بعذاب الآخرة، ويستقصرون ذلك الوقت بعذاب الآخرة لشدته وأهواله، وذلك جائز في متعارف الخلق أن يكون الرجل في بلاء وشدة، ثم يزداد له البلاء والشدة؛ فيستقل ذلك البلاء الذي كان به لشدة ما حل به؛ فعلى ذلك هم: جائز أن يكونوا في عذاب في قبورهم، لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة استقلوا عذاب القبر واستقصروه؛ لشدة عذاب الآخرة.
أو أن يكون عذاب القبر: على النفس الروحاني الدراك الذي يخرج في حال النوم ليس على روح الحياة، مثل النائم يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان لا علم لها بذلك ولا خبر، وبها آثار الأحياء؛ فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح التي بها يدرك الأشياء، لا على روح الحياة التي بها يحيا.
وقال قائلون: ذلك في الدنيا: استقلوا حياة الدنيا لحياة الآخرة، وهو كقوله: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)؛ ألا ترى أنه قال: (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ): هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا أشبه؛ حيث أمر أن يسأل الذين يعدون،
المؤمنون 23:113
الآيتان ١١٢ و ١١٣ : وقوله تعالى :﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين﴾﴿قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ اختلف فيه : قال مقاتل بن سليمان : في القبور. قال أبو معاذ : أخطأ مقاتل، وذلك قول من ينكر عذاب القبر، وهو قول الجهمية، لأن من كان في عذاب وشدة لا يقتصر المقام فيه كل هذا الاقتصار حتى يقول لبثت يوما أو بعض يوم، بل يزداد له مقام يوم(١) في العذاب على سنة أو أكثر. فقال : إلا أن يكون عنى ما بين النفختين/٣٥٩- ب/ حتى يؤذن لأرواح، فترقد. فإذا بعثوا استقلوا رقدة ذلك المقدار بما كانوا قاسوا قبل الرقدة من العذاب في القبور : إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
وجائز عندنا ما قال مقاتل ومحمد بن إسحاق بأن ذلك يكون في القبر. وذلك لا يدل على نفي عذاب القبر لأنهم لا يعذبون في القبور العذاب الذي يعذبون في الآخرة. فجائز أن يستقلوا عذاب القبر بعذاب الآخرة، ويستقصروا(٢) ذلك الوقت بعذاب الآخرة لشدته وأهواله. وذلك جائز في متعارف الخلق أن يكون الرجل في بلاء وشدة، ثم يزداد له البلاء والشدة، فيستقل ذلك البلاء الذي كانا به لشدة ما حل به.
فعلى ذلك هم ؛ جائز أن يكونوا في عذاب في قبورهم، لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة استقلوا عذاب القبر، واستقصروه لشدة عذاب الآخرة، أو أن يكون عذاب القبر على النفس الروحاني الدَّرَاكِ، الذي يخرج في حال النوم ليس على روح حياة النائم ؛ يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان، لا علم لها بذلك، ولا خبر، وبها آثار الأحياء.
فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح الذي به يدرك الأشياء لا على روح الحياة الذي به يحيى.
وقال قائلون : ذلك في الدنيا ؛ استقلوا حياة الدنيا بالحياة(٣) الآخرة. وهو كقوله :﴿فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾( التوبة : ٣٨ ) ألا ترى أنه قال :﴿فسأل العادين﴾ ؟ هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا الذي أشبه حين(٤) أمر أن يسأل الذين يعدون ؛ وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة.
ثم اختلف في العادين : قال بعضهم : هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في هذه الدنيا، ويرقبونهم. وقال بعضهم : هم ملك الموت وأعوانه.
١ من م: ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم : ويستقصرون..
٣ في الأصل وم: الحياة..
٤ في الأصل وم : حيث..
المؤمنون 23:114
وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة.
ثم اختلف في العادين: قَالَ بَعْضُهُمْ: هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في هذه الدنيا ويرقبونهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم ملك الموت وأعوانه.
وقوله: (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)
أي: ما لبثتم إلا قليلا لو كنتم تعلمون، ولكن لا تعلمون.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (سِخْرِيًّا) بكسر السين، أي: يسخرون منهم، و (سُخْرِيًّا): بضمها، أي: يتسخرونهم من السخرية عبثًا.
وقوله: (حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي)، أي: شغلكم أمرهم عن ذكري، والوجه فيه ما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)
قوله: (أَفَحَسِبْتُمْ): يحتمل وجهين:
أحدهما: (أَفَحَسِبْتُمْ): قد حسبتم أنما خلقناكم عبثًا.
والثاني: (أَفَحَسِبْتُمْ)، أي: لا تحسبوا أنا إنما خلقناكم عبثًا.
(وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).
صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثا؛ لوجهين:
أحدهما: لأن خلقه إياهم لا لعاقبة تتأمل أو لمنافع تقصد؛ للهلاك خاصة وللفناء - عبث؛ كبناء المباني لا لمنفعة تقصد به، ولكن للنقض يكون عبثًا في الشاهد، وهو ما قال في آية أخرى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا): سفهها في غزلها للنقض خاصة لا لمنفعة قصدت به، ونهانا أن نفعل مثل فعلها؛ فلو لم يكن المقصود من خلق الخلق إلا الموت والفناء خاصة، لا لعاقبة تقصد - كان سفهًا وعبثًا.
والثاني: ما أخبر أنه إنما أنشأ هذا العالم غير البشر لهذا البشر، وله سخر ذلك كله؛ حيث قال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)؛ إذ ليس لغير البشر منفعة بهذه النعم التي أنشأها لهم، من نحو الجن والملائكة ونحوهم؛ إذ لهم قوام بدون ذلك: من الشمس، والقمر، ونحوه من النعم؛ إنما ذلك للبشر خاصة، فإذا كان
المؤمنون 23:115
الآية ١١٥ : وقوله تعالى :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثا لوجهين :
أحدهما : لأن خلقه إياهم لا لعاقبة تتأمل أو لمنافع تقصد، للهلاك خاصة وللفناء عبث كبناء الباني لا لمنفعة تقصد به، ولكن للنقض يكون عبثا في الشاهد، وهو ما قال في آية أخرى :﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾( النحل : ٩٢ ) سفهها في غزلها للنقض خاصة لا لمنفعة قصدت به، ونهانا أن نفعل مثل فعلها ( فلو لم )(١) يكن المقصود من خلق الخلق إلا الموت والفناء خاصة لا لعاقبة تقصد كان سفها وعبثا.
والثاني : ما أخبر أنه إنما أنشأ هذا العالم غير البشر لهذا البشر، وله سخر ذلك كله حين(٢) قال :﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ ( الجاثية : ١٣ ) إذ ليس لغير البشر منفعة بهذه النعم التي أنشأها لهم من نحو الجن والملائكة ونحوهم، إذ لهم قوام بدون ذلك من الشمس والقمر ونحوه من النعم إنما ذلك للبشر خاصة.
فإذا كان كذلك لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها، وأنشأها لهم، ثم لا يمتحنهم بالشكر على ذلك، ولا يأمرهم بأوامر، ولا ينهاهم بمناه. فدل ما أنشأ لهم من النعم، وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون، ويرجعون إليه حتى يجزوا جميعا، للمحسنين ( جزاء الإحسان وللمسيء )(٣) جزاء الإساءة ؛ إذ في العقول التفرقة بين الولي والعدو وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر. ثم رأيناهم جميعا في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة، لم نر ما يفصل بين الولي والعدو وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر. فدل ما لم نر من التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك دارا أخرى : دار الجزاء.
هناك يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء، والله الموفق.
( وقوله تعالى )(٤) :﴿لا ترجعون﴾ قيل : لا تبعثون، وقيل : لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها كقوله :﴿يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه﴾ ( الانشقاق : ٦٠ ) وقوله :﴿فاستقيموا إليه واستغفروه﴾ ( فصلت : ٦ ).
١ من م، في الأصل: فلم..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
المؤمنون 23:116
كذلك - لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها وأنشأها لهم، ثم لا يمتحنهم بالشكر على ذلك ولا يأمرهم بأوامر ولا ينهاهم بمناهٍ؛ فدل ما أنشأ لهم من النعم وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون ويرجعون إليه؛ حتى يجزون جميعًا: المحسن جزاء الإحسان والمسيء جزاء الإساءة؛ إذ في العقول التفرقة بين الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر، ثم رأيناهم جميعًا في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة، لم نر ما يفصل بين الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء، وبين الشاكر والكافر؛ فدل ما لم يكن من التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك دارًا أخرى دار الجزاء، هناك يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء، واللَّه الموفق.
(لَا تُرْجَعُونَ): لا تبعثون.
وقيل: لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها، كقوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، وقوله: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ).
وقوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)
أي: يتعالى اللَّه عوإن يكون خلق الخلق منه عبثا، أو يتعالى أن يكون خلق الخلق لا لحكمة. (الْمَلِكُ الْحَقُّ). قال الحسن: الحق: اسم من أسماء اللَّه، أو الملك الذي خلق الخلق للحكمة.
(لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ): تنزيه وتبرئة عن جميع ما قالوا فيه.
وقوله: (رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) يشبه أن يكون على الأول: يتعالى الملك الحق ورب الملك الكريم عن أن يخلقهم لا للحكمة أو للعبث.
وقالت الباطنية: العرش: القيامة.
ونحن نقول: يشبه أن يكون العرش القيامة، على ما قالوا هم، إلا أنهم يقولون: هو قائم الزمان، وقلنا نحن: هي القيامة المعروفة وهي الساعة، رب القيامة وهي الملك الذي ذكرنا؛ كقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ): خص ذلك اليوم بالملك له، وإن كان الملك له في الدارين جميعًا؛ لما لا يتنازع في ملكه يومئذ، وقد نوزع في الدنيا، فخلص له ملك ذلك اليوم وصفا له يومئذٍ.
وقال بعض أهل التأويل: العرش: السرير، أضافه إلى نفسه؛ لمنزلته عند اللَّه، والكريم: هو نعت ذلك السرير، أي: الحسن؛ كقولهم: (رجل كريم)، أي: حسن، وهكذا يوصف كل كريم بالحسن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو نعت الرب، أي: ذو عفو وصفح، واللَّه أعلم.
المؤمنون 23:117
قوله تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
وقوله: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ).
ظاهر هذا يوحي أن هنالك إلهًا آخر؛ لأنه قال: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، لكنه يخرج على وجهين:
أحدهما: لا يحتمل مع اللَّه إلهًا آخر؛ كقوله: (وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ).
والثاني: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، أي: من يسم مع اللَّه إلهًا آخر؛ إذ كانوا يسمون الأصنام التي كانوا يعبدونها: آلهة، على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية.
وقوله: (لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ).
أي: لا حجة لهم بذلك؛ لأن الحجة إنما تكون بوجوه ثلاثة:
إما بالأخبار التي يجوز الشهادة على صدقها وصحتها.
وأما العقول السليمة.
وأما من جهة الحس يدل على ذلك؛ فلم يكن لهم واحد من هذه الوجوه.
ثم الحس يكون بالدلالة من وجهين: إما بوقوع الحس عليه بالبديهة أو بآثار تدل على الألوهية؛ فلا كان في ظاهر وقوع الحس دلالة ذلك، ولا كان بها آثار تدل على ذلك، بل فيها آثار العبودة والذل، فضلا أن يكون لها آثار الألوهية، فلا عذر لهم في ذلك؛ لأن العبادة لآخر إنما تكون: إما للنعم والأيادي تكون منه إليه؛ فيعبده شكرًا لما أنعم عليه وأحسن إليه، وإما لحوائج يطمع قضاءها له، وإما لما يرى له في نفسه من آثار العبودة له؛ فإذا لم يكن واحد من هذه الوجوه التي ذكرنا فلا عذر لهم في عبادة تلك الأصنام.
فإن قالوا: لنا برهان وحجة في ذلك.
قيل: قطع حجاجكم بما ذكر من قوله: (إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ...) الآية، وقوله: (فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا)، ونحو ذلك من الآيات: فيها قطع حجاجهم.
وفي حرف حفصة: (لَا بُرْهَانَ لَهُ)، أي: لا سلطان له به.
وقوله: (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ).
قال قائلون: (حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) هو قوله: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)، وقال
المؤمنون 23:118
بعضهم: (حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي: جزاؤه عند ربه؛ كقوله: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦).
وقوله: (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
جائز أن يكون هذا تعظيمًا من اللَّه لكل أحد سؤال المغفرة والرحمة، وقيل: هو لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: حكمته وعدله ألا يرحم ولا يغفر أحدًا، وإن كان في فضله ورحمته أن يرحم ويغفر.
والثاني: يجعل له العصمة والرحمة بهذا الدعاء.
أو أن يكون العصمة تزيد في الخوف، كقول إبراهيم: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)، وقوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا).
وقوله: (وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ)؛ لأن رحمته إذا أدركت أحدًا أغنته عن رحمة غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته، واللَّه الموفق، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله أجمعين.
* * *