Lafzullah

تأويلات أهل السنة — النور 24:1 – الفرقان 25:77

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. النور 24:1
  2. النور 24:2
  3. النور 24:3
  4. النور 24:4
  5. النور 24:5
  6. النور 24:6
  7. النور 24:8
  8. النور 24:10
  9. النور 24:11
  10. النور 24:12
  11. النور 24:13
  12. النور 24:14
  13. النور 24:15
  14. النور 24:16
  15. النور 24:17
  16. النور 24:18
  17. النور 24:19
  18. النور 24:20
  19. النور 24:21
  20. النور 24:22
  21. النور 24:23
  22. النور 24:24
  23. النور 24:25
  24. النور 24:26
  25. النور 24:27
  26. النور 24:28
  27. النور 24:29
  28. النور 24:30
  29. النور 24:31
  30. النور 24:32
  31. النور 24:33
  32. النور 24:34
  33. النور 24:35
  34. النور 24:36
  35. النور 24:37
  36. النور 24:38
  37. النور 24:39
  38. النور 24:40
  39. النور 24:41
  40. النور 24:42
  41. النور 24:43
  42. النور 24:44
  43. النور 24:45
  44. النور 24:46
  45. النور 24:47
  46. النور 24:48
  47. النور 24:49
  48. النور 24:50
  49. النور 24:51
  50. النور 24:52
  51. النور 24:53
  52. النور 24:54
  53. النور 24:55
  54. النور 24:56
  55. النور 24:57
  56. النور 24:58
  57. النور 24:59
  58. النور 24:60
  59. النور 24:61
  60. النور 24:62
  61. النور 24:63
  62. النور 24:64
  63. الفرقان 25:1
  64. الفرقان 25:2
  65. الفرقان 25:3
  66. الفرقان 25:4
  67. الفرقان 25:5
  68. الفرقان 25:6
  69. الفرقان 25:7
  70. الفرقان 25:8
  71. الفرقان 25:9
  72. الفرقان 25:10
  73. الفرقان 25:11
  74. الفرقان 25:12
  75. الفرقان 25:13
  76. الفرقان 25:14
  77. الفرقان 25:15
  78. الفرقان 25:16
  79. الفرقان 25:17
  80. الفرقان 25:18
  81. الفرقان 25:19
  82. الفرقان 25:20
  83. الفرقان 25:21
  84. الفرقان 25:22
  85. الفرقان 25:23
  86. الفرقان 25:24
  87. الفرقان 25:25
  88. الفرقان 25:26
  89. الفرقان 25:27
  90. الفرقان 25:28
  91. الفرقان 25:29
  92. الفرقان 25:30
  93. الفرقان 25:31
  94. الفرقان 25:32
  95. الفرقان 25:33
  96. الفرقان 25:34
  97. الفرقان 25:35
  98. الفرقان 25:36
  99. الفرقان 25:37
  100. الفرقان 25:38
  101. الفرقان 25:39
  102. الفرقان 25:40
  103. الفرقان 25:41
  104. الفرقان 25:42
  105. الفرقان 25:43
  106. الفرقان 25:44
  107. الفرقان 25:45
  108. الفرقان 25:46
  109. الفرقان 25:47
  110. الفرقان 25:48
  111. الفرقان 25:49
  112. الفرقان 25:50
  113. الفرقان 25:51
  114. الفرقان 25:52
  115. الفرقان 25:53
  116. الفرقان 25:54
  117. الفرقان 25:55
  118. الفرقان 25:56
  119. الفرقان 25:57
  120. الفرقان 25:58
  121. الفرقان 25:59
  122. الفرقان 25:60
  123. الفرقان 25:61
  124. الفرقان 25:62
  125. الفرقان 25:63
  126. الفرقان 25:64
  127. الفرقان 25:65
  128. الفرقان 25:66
  129. الفرقان 25:67
  130. الفرقان 25:68
  131. الفرقان 25:69
  132. الفرقان 25:70
  133. الفرقان 25:71
  134. الفرقان 25:72
  135. الفرقان 25:73
  136. الفرقان 25:74
  137. الفرقان 25:75
  138. الفرقان 25:76
  139. الفرقان 25:77

النور 24:1

سُورَةُ النُّورِ كلها مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا). سماها سورة، وجعل تلاوتها سورة، ولم يجعل لغيرها من السور التلاوة سورة، كما جعل لها، ذلك جائز؛ لكثرة ما فيها من الأحكام: من الفرائض، والآداب: ما بالناس إلى ذلك حاجة، أو لمعنى لم يذكره، أو لا لمعنى، ولكنه ذكر هكذا، وله الخلق والأمر. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: السورة: القطعة من كل شيء؛ تقول: سورت الشيء، أي: قطعته. وقال بعض العلماء: إنما سمي القرآن لجماعة السور، وسميت السورة مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآنا؛ كقوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ). أي: تأليف بعضها إلى بعض، (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)، أي: فإذا جمعناه وألفناه، فاتبع قرآنه، أي: ما جمع فيه فاعمل به: من أمر أو نهي، ويقال: ليس لشعره قرآن، أي: نظم وتأليف، ويقال للمرأة: ما قرأت سلى قط، أي: لم تجمع في بطنها ولدًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: سورة - بلا همز - أي: المنزلة والرفعة، وبالهمز: سؤرة: البقية، ومنه سمي: سؤر الكلب، وسؤر الهر، وسؤر الطائر، أي: بقيته والقطعة منه. ثم قرئت بالنصب: (سُورَةً أَنْزَلْنَاهَا)، والرفع جميعًا: (سُورَةٌ)، وهي القراءة الظاهرة. فمن قرأها بالنصب أوقع الفعل عليها، أي: أنزلنا سورة، والفعل إذا وقع على شيء انتصب - تقدم الفعل أو تأخر - كقولك: زيدًا ضربناه، وضربنا زيدًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما انتصب لإضمار فيه كأنه قال: اتبعوا سورة، أو: اذكروا سورة أنزلناها؛ كقوله: (نَاقَةُ اللَّهِ)، أي: احذروا ناقة اللَّه. ومن قرأ بالرفع: على الابتداء، فكل ما يبتدأ به فهو رفع. وقَالَ بَعْضُهُمْ: رفع على إضمار: هذه سورة أنزلناها، وذلك كله جائز في اللغة، والله أعلم. وقوله: (وَفَرَضْنَاهَا). قرئ بالتخفيف: (وَفَرَضْنَاهَا)، وبالتشديد: (وَفَرَّضْنَاهَا)، قال الزجاج: قوله (وَفَرَّضْنَاهَا)، بالتشديد، يخرج على وجهين:

النور 24:2

أحدهما، أي: كثرنا فيها الفرائض والأحكام. والثاني: (وفَرضناها)، أي: فصلنا فيها بين ما يؤتى وبين ما يتقى، وبين ما أمر فيها وبين ما نهي. وقال: وأما التخفيف: (وَفَرَضْنَاهَا)، أي: الزموا ما فيها من الفرائض وآدابها. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: فرضنا، بالتخفيف، أي: بينا فيها الفرائض. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: من قرأها بالتخفيف: (وَفَرَضْنَاهَا)، أي: أنزلنا فيها فرائض مختلفة، ومن قرأها: (وَفَرَّضْنَاهَا)، بالتشديد، يقول: فرضناها عليكم وعلى من بعدكم؛ على التكثير، واللَّه أعلم. وقوله: (وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ). يحتمل قوله: (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)، أي: حججًا بينة يفهمها ويعرفها كل أحد بالبديهة والتأمل. أو أن يريد بالآيات: الآيات التي جمع فيها أشياء وتتلى؛ لأن الآية إنما تستحق اسم الآية إذا جمع فيها كلمات وحروف، فأما كلمة واحدة وحرف واحد فلا يسمى بهذا الاسم. أو أن يكون قوله: (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ): ما ذكر فيها وبين مما يؤتى ويتقى، وبين ما يحل وما يحرم؛ فذلك كله مبين، واللَّه أعلم. وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، أي: تتعظون بما ذكر فيها من المواعظ، وبين فيها ما يزجر عن المعاودة، وهي الحدود التي ذكر فيها؛ لأن سبب الاتعاظ أحد شيئين: المواعظ التي تلين القلوب، والحدود التي تزجر. * * * قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ). لو كان الخطاب يجب اعتقاده على ظاهر المخرج والعموم على ما قاله بعض الناس، لكان لكل أحد أن يقيم على آخر حدَّا بظاهر قوله: (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)؛ فيقول: اللَّه أمرني بذلك بقوله: (فَاجْلِدُوا)، أو أن يضربوا جميعًا واحدا من الزنا بظاهر قوله: (فَاجْلِدُوا)؛ فيزداد الضرب والحد على ما حد اللَّه أضعافًا مضاعفة؛ فدل أن اعتقادهم العموم فاسد بظاهر المخرج. أو أن يقول قائل: روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه ": سمى الناظر إلى ما لا يحل نظره إليه زانيا، والماس لها: كذلك؛ فيلزمه الحد بظاهر قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)؛ فإذا لم يفهم من ظاهر قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ما ذكرنا كله؛ دل أن الاعتقاد على عموم المخرج فاسد، وأن المراد بقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) - راجع إلى الخصوص: إلى مقيم دون مقيم، وإلى زان دون زان، وهو الزاني الذي يجمع في فعل الزنا جميع بدنه: العين، واليد، والرجل، والفرج، وجميع بدنه. ورجع الخطاب به إلى البكرين الحرين والثيبين الحرين الذين لم يستجمعا جميعًا أحكام الإحصان. فأما من استجمع جميع أسباب الإحصان فإن حده الرجم على اتفاق القول منهم جميعًا، إلا أن طائفة من أهل العلم أوجبوا عليه مع الرجم الجلد، وفي البكر مع الجلد تغريب عام. والدليل على أن المراد راجع إلى الحرين البكرين أو الثيبين اللذين لم يستجمعا أسباب الإحصان ما ذكرنا من القول المتفق. وقوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، دل إيجاب نصف ما على المحصنات على الإماء على أنه أراد بالمحصنات: الحرائر اللاتي لم يستجمعن جميع أسباب الإحصان، وأن الخطاب بقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) إلى آخر ما ذكر راجع إلى الحرين اللذين ذكرناهما. ثم لم يضرب في الزنا الذي به زنا، وهو الفرج، وقطع في السرقة الذي به سرق: وهو اليد؛ فهو - واللَّه أعلم - لما جعل الحدود زواجر عن المعاودة - لم تجعل دافعة مذهبة إمكان ذلك الفعل من الأصل، وفي ضرب الفرج ذهاب إمكان الفعل من الأصل، ولا كذلك في قطع اليد في السرقة؛ إذ تبقى أخرى: بها يأخذ، وبها يقبض؛ لذلك افترقا. أو أن يقال: في ضرب الفرج خوف هلاكه في الأغلب، وليس ذلك في قطع اليد؛ بل يبقى حيًّا في الغالب، وقد ذكرنا أن الحدود لم تجعل مهلكة متلفة؛ ولكن جعلت زواجر عن المعاودة؛ لذلك افترقا. وفي قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) دلالة على أن النفي ليس من عذاب الزانيين ولا من عقوبتهما؛ لأنه قال: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، والنفي مما لا يحتمل أن يؤمر بشهوده؛ لأنه لا يمكن؛ فدل أنه ليس من عذابهما. ويدل عليه -أيضًا- قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)؛ لأنهم أجمعوا على أن لا نفي على الإماء إذا زنين، وقد أوجب عليهن إذا زنين: نصف ما على المحصنات. أو إن ثبت النفي فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد به قطع الشَّين الذي لحقهما بفعل الزنا؛ لأنه ليس جرم من الإجرام أكثر شينا وأشد من فعل الزنا؛ فأراد أن ينقطع ذلك من بين الناس. أو أن يكون أراد به قطع الشهوة، التي حملتهم على الزنا: بذل السفر وذلة الغربة. أو صار منسوخًا لما شدد في الضرب بقوله: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ)، وفيما ذكر النفي، لم يذكر فيه الشدة؛ إنما ذكر فيه الجلد فحسب بقوله - عليه السلام -: " أما على ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام "؛ فجائز أن يكون الضرب كان بالتخفيف وفيه نفي، فلما شدد في الضرب ارتفع النفي، وقد جاء عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه نفى رجلا فارتد عن الإسلام ولحق بالروم؛ فقال: كفى بالنفي فتنةً، وقال: لا أنفي بعد هذا أبدًا. وكذلك روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: لا تأخذكم بهما رأفة في تخفيفها؛ فهو - واللَّه أعلم - لأنه من أعظم الإجرام في الشين. ثم للمعتزلة تعلقٌ بظاهر قوله: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ)؛ قالوا: إن اللَّه وصف نفسه بالرحمة بقوله: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ)، ووصف المؤمنين بالرحمة فيما بينهم، والشدة على الكفار بقوله: (وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) ثم نهاهم أن تأخذهم رأفة على الزانيين وقت إقامة الحد عليهم؛ دل أن الزاني قد خرج بفعله من الإيمان؛ لما ذكرنا من رفع الرأفة والرحمة عنهما. لكن عندنا في الآية دلالة أنه ليس على ما ذهبوا إليه؛ لأن الزاني لو كان يخرج من الإيمان بفعل الزنا لكان لا يحتاج إلى أن يقول: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ)؛ لأنهم كانوا على ما وصفهم اللَّه بالشدة على غير المؤمنين بقوله: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)، دل أن الزنا لم يخرجه عن الإيمان؛ فنهى ألا تأخذ بهما رأفة الأيمان والدِّين في تعطيل الحد أو تخفيفه. أو أن يكون النهي عن أخذ الرأفة؛ ليتحمل ذلك الحد، وإلا: لم ينتفع به في الآخرة، وهو ألا يعذب به؛ ألا ترى أنه قال: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، وفائدته ما ذكرنا: أنه لا تأخذكم بهما رأفة في إضاعة الحد؛ لما يتأمل من النفع في الآخرة، نحو: من يشرب الأدوية الكريهة، ويفتصد، ويحتجم؛ لما يطمع البرء به والنفع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون النهي عن أخذ الرأفة في حد الزاني؛ ليقام ذلك عليه؛ فينجو في الآخرة عن عذابه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: الطائفة: واحد واثنان فصاعدًا، وكذلك قالوا في قوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)، هما رجلان اقتتلا؛ دل على ذلك قوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، وهما اثنان في الظاهر، لكن أن ينضم إلى كل واحد منهما جماعة من عشيرته؛ فيكون الطائفة جماعة لا واحدًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ الطائفة: جماعة من العشيرة فصاعدًا. ثم يجب أن ينظر لأي معنى أمر أن يشهد عذابهما طائفة من بين سائر الإجرام؛ فهو - واللَّه أعلم - يحتمل وجوهًا: أحدها: المحنة، أراد أن يمتحن من حضر ذلك، أو المرء قد يتألم على ضرب آخر، وما يحل لغيره؛ لينزجر عن مثله. والثاني: لانتشار الخبر في الناس؛ لينزجروا عن مثله. والثالث: لئلا يتعدى الضارب - والمقيم - ذلك الحد ويجاوزه على الحد الذي جعل له؛ فإن هو تعدى منعه من حضره عن المجاوزة والتعدي. والرابع: لدفع التهمة عن الحاكم؛ لئلا يتهمه الناس أنه إنما أقام عليه الحد بلا سبب كان منه، ولا جرم. فإن كان الأمر بشهود الطائفة عذابهما هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: من انتشار الخبر، ودفع التهمة عنه، ومنع المجاوزة، فالطائفة تحتاج أن تكون جماعة؛ لأن الواحد غير كافٍ لذلك. وإن كان الأول - وهو المحنة - فالواحد وما فوقه يكون يمتحن كلا في نفسه بحضور ذلك الحد؛ ليتألم به. وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم قالوا: إنه يجمع مع الرجم والجلد؛ واحتجوا بما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الثيب بالثيب: جلد مائة ورجم الحجارة، والبكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام ": فأما الجلد فلا خلاف في أنه حد البكر، وأما النفي فمما اختلفوا فيه: فمنهم من رآه واجبًا، ومنهم من رآه عقوبة لهم يضم إلى الحد. ونحن قد ذكرنا المعنى في ذلك - إن ثبت - ما يغنينا عن تكراره، ونزيد -أيضًا- نكتة، وهي أن الحدود ذوو نهايات للمقدار وغايات، ولذلك سميت حدودًا؛ لأن لها نهاية وغاية، كما يقال: هذا حد فلان، وحد الدارين أنه منتهاها وآخرها، فلما لم يكن للنفي حد ينتهى الزاني إليه دل أنه ليس بحد؛ ولكن أراد به الوجوه التي ذكرنا، إما حبسًا كما يحبس الزاني حتى يحدث توبة، أو قطع الشَّين والذكر الذي يتحدث الناس به؛ لينسى ذلك ويترك، أو قطع الشهوات التي حملتهم على ذلك بذل السفر والغربة، أو أن كان ثم صار منسوخًا بما يشدد فيه الضرب، واللَّه أعلم. وأما قول أصحابنا: يفهم أنه لم يكن الجلد عن الثيب إذا كان محصنًا؛ بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: " اغد يا أُنيسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها "، ولم يذكر جلدًا. وذهبوا أيضًا إلى أن حديث ماعز بن مالك، لما رجمه النبي - عليه السلام - باعترافه، ولم يذكر جلدًا، وروي أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال له - لما اعترف ثلاثًا -: " لو اعترفت في المرة الرابعة لرجمك "، ولم يقل: جلدك: علم أنه ينفي الرجم الجلد. وما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أمر برجم امرأة زنت، ولم يجلدها.

النور 24:3

وروي عن ابن عمر عن عمر مثله. إلى كل هذه الأخبار ذهب أصحابنا رحمهم اللَّه، ويقولون: لا يجتمع على رجل في فعل واحد حدَّان: الجلد والرجم جميعًا؛ كما لا يجتمع في غيره من الإجرام في فعل واحد حدَّان أو عقوبتان. وقوله - عليه السلام -: " الثيب بالثيب: يجلد ويرجم " يحتمل الجلد جلد البكر المحصن، ويرجم ثيبًا آخر محصنًا، أو يجلد ثيبًا في حال ويرجم ثيبًا في حال، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة النساء. وقوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) في ظاهر الآية ألا يحل للزاني أن ينكح إلا الزانية من المؤمنات أو مشركة، وكذلك الزانية من المؤمنات لا ينكحها العفيف من المؤمنين؛ وإنما ينكحها الزاني منهم والمشرك. وفي ظاهر الآية النهي للزاني عن نكاح العفائف، وإباحة نكاح الزانيات والمشركات؛ فإن كان ذلك، فكان قوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ)، إلا الزناة منكم؛ فإنه يحل لهم أن ينكحوا المشركات، وكذلك قوله: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ)، إلا الزانيات؛ فإنه يحل هذا ظاهرا، لكنهم أجمعوا على ألا يحل للمؤمن - وإن كان زانيًا - أن ينكح المشركة، وكذلك لا يحل للمشركة أن تتزوج بالزاني من أهل الإيمان. ثم اختلف أهل التأويل في تأويله: قال مقاتل، ومُحَمَّد بن إسحاق، وهَؤُلَاءِ: الزاني من أهل الكتاب لا ينكح - أي: لا يتزوج - إلا زانية من أهل الكتاب، أو مشركة من غير أهل الكتاب، والزانية من أهل الكتاب: لا ينكحها إلا زان من أهل الكتاب أو مشرك من غير أهل الكتاب يزنين علانية. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - قال: نزلت الآية في نفر من أهل مكة هاجروا إلى المدينة وكانوا ذوي عسرة، وكان بالمدينة بغايا يبغين بأنفسهن ظاهرات بالفجور، وكن مخصبات أو مخاصيب البيوت، فهَمَّ أُولَئِكَ المهاجرون أن يتزوجوا بأُولَئِكَ البغايا؛ ليصيبوا من خصبهن وسعتهن، فذكروا ذلك لرسول اللَّه واستأذنوه في ذلك؛ فنزلت الآية في شأنهم: (الزَّانِي) من أهل القبلة المعلن به (لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً) من اليهود (أَوْ مُشْرِكَةً) الآية. (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). لكن هذا يصلح أن لو كان أُولَئِكَ المهاجرون مثلهن زناة، فأما إن كانوا مهاجرين أهل إيمان وعفة - فلا يصلح أن يقال فيهم: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً)، وهم لم يكونوا زناة؛ إلا أن يقال على الابتداء: إنه لا يفعل ذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ)، أي: لا يجامع، ولا يزني إلا بزانية مثله، وكذلك الزانية لا تزني إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا، وهو قول الضحاك وهَؤُلَاءِ. وقال سعيد بن المسيب: نسخت هذه الآية: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)، قوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...) الآية. وسئل ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؟ قال: هما زانيان ما اصطحبا. وجائز أن يكون النهي عن نكاح الزانية والزاني - نهيا عن الزنا نفسه لا عن النكاح؛ كأنه قال: لا تزنوا؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به لا تجدون أن تنكحوا إلا زانِية أو مشركة التي لا تحرم الزنا؛ لأن العفائف منهن لا يرغبن في نكاح من صار معلن الزنا، فإذا لم يرغبن لم يجدوا إلا من ذكر، وهو ما قال: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)، ليس النهي عن قربان الصلاة؛ ولكن النهي عن السكر وشرب المسكر. وكذلك ما روي أنه قال: " لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق ": إنما نهى عن نشوزها وعن إباقه؛ ليس عن الصلاة؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ): إنما نهى عن الزنا، أي: لا تزنوا؛ ليرغب العفائف من المؤمنات فيكم، ولا يزني النساء؛ ليرغب أهل العفاف من المؤمنين؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به معلنين لا تجدوا إلا نكاح من ذكر من الزانية أو المشركة. أو أن يكون ما ذكرنا: لا يرغب الزاني إلا في نكاح زانية أو مشركة، وكذلك المرأة الزانية لا ترغب إلا في نكاح زان مثلها أو مشرك. أو لا يرغب الزاني في الزنا إلا بزانية أو مشركة لا تحرم الزنا، وكذلك الزانية لا ترغب في الزنا إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا. (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). وحرم الزنا على المؤمنين. أو إن كان على النكاح؛ فيكون تأويل قوله: (وَحُرِّمَ) أي: منع عن ذلك المؤمنين، أعني: نكاح الزانيات والزناة. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الزانية والزاني يقال منه: زنى يزني زنا، وأما زنا يزنا زنيًا، أي: ارتقى يرتقي؛ ويقال: الزناء: الضيق، ويقال: زننته أزنه زنا، أي: ظننت به ظنا، والقذف: التهمة، والرمي أشد من القذف. ومن جعل الآية في الزانيين المسلمين، وجعل قوله: (لَا يَنْكِحُ): على التزويج - لزمه أن يجيز للزانية المسلمة أن تتزوج الزاني المسلم والمشرك على ما ذكرنا بدءًا، وهذا لا يقوله أحد، وفي بطلان هذا القول بيان أن الآية إن كان المراد بها عقد النكاح فإنها نزلت في الزانية المشركة يريد المسلم أن يتزوجها، كما ذكر في حديث مرثد، وإن كان المراد به بذكر النكاح منها: الوطء، فهو كما قال ابن عَبَّاسٍ في إحدى الروايتين عنه: إنه الجماع، ليس تحتمل الآية غير هذين الحالين، واللَّه أعلم بما أراد. وقد زعم قوم أن المرأة إذا زنت حرمت على زوجها؛ فكأنهم ذهبوا إلى أنه لما لا يحل له أن يطأها؛ لأنها إذا كانت زانية لم يحل المقام عليها إذا زنت وهي زوجة. لكن أهل التأويل في الآية على خلاف ما توهم أُولَئِكَ بما وصفنا؛ فلا وجه لتحريمهم الزانية على زوجها، ولو كان أهل التأويل على ما توهموه فوجب أن تحرم الزانية على زوجها من غير أن كان ممنوعًا من تزويجها؛ ألا ترى أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة في عدة من غيره، ولو أن رجلا وطئ امرأة رجل بشبهة فوجب عليها منه عدة لم تحرم على زوجها، أفلا ترى أن العدة إذا كانت على النكاح مخالفة للنكاح في العدة. واحتجوا -أيضًا- بأن الرجل إذا قذف امرأته لوعن بينهما وفرق. لكن الوجه فيه ما ذكرنا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً

النور 24:4

أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) وقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ). ذكر الرمي ولم يذكر بم؟ فيعرف ذلك بالنازلة، ولقوله: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)، وذكر الأربعة الشهود، والزنا هو المخصوص بالشهود الأربعة دون غيره من الإجرام؛ فدل ذكر ذلك على أثر ذلك على أن الرمي المذكور فيه هو الزنا. ثم قوله: (الْمُحْصَنَاتِ): هن الحرائر في هذا الموضع لا العفائف؛ لأن قاذف الأمة يلزمه التعزير؛ ألا ترى أنه قال: (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ...) الآية؛ وألا ترى أنه أوجب على الإماء نصف ما على المحصنات وهن الحرائر. ولأنا لو جعلنا (الْمُحْصَنَاتِ) عبارة وكناية عن العفائف دون الحرائر لأسقطنا شهادة الشهود؛ لأن العفة تكذبها. وكذلك يدل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ): عبارة عن العفائف؛ فدل أن المحصنات عبارة عن الحرائر، ثم أدخل المحصنين في حكم هذه الآية في الرمي والقذف وغيره، وإن لم يذكروا في الآية. ثم شدد اللَّه - تعالى - في الزنا وغلظ في أمره ما لم يشدد ولم يغلظ في غيره من الإجرام مثله: منها: ما نهى عن تعطيل الحد فيه وإضاعته وتخفيفه؛ حيث قال: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ). ومنها: ما أمر برجمه إذا كان محصنًا مثل ما يرجم الكلب ويقتل بالحجارة. ومنها: ما أوجب على الرامي به من الحد إذا لم يأت بأربعة شهداء. والزنا بهذا كله مخصوص من بين غيره من الإجرام؛ وذلك - واللَّه أعلم - لقبحه في العقل والطبع جميعًا، وكذلك في الشرع. والدليل أنه قبيح في الطبع والعقل جميعًا ما ينفر عنه طبع كل مسلم وينفر عنه كل عقل سليم. فَإِنْ قِيلَ: لو كان ينفر عنه لكان لا يرتكبه ولا يأتيه. قيل: ينفر عنه إلا أن الشهوة التي مكنت فيه وركبت تغلبه وتمنعه عن النفار عنه؛ ألا ترى أنه لو تفكر مثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع المحارم، لم يحتمل قلبه ذلك، وبمثله روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن رجلا أتاه فقال له: ائذن لي في الزنا؛ فقال: " أرأيت لو فُعِل بابنتكَ وأمكَ مثلهُ: أكنت تكرهُ؟ فقال: نعم؛ فقال له: اكْرَهْ لِغَيرِكَ ما تكرهُ لنفسك ": دل ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعًا إلا أن الشهوة تمنعه عن النفار عنه. وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت فيما بين الخلق؛ حتى لا يهتدي أحد إلى معلم يعلمه الحكمة والآداب ومعالم السنن ولا الدعاء بالآباء، وارتفع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض، والشفقة التي جعل لبعض على بعض: من التربية في الصغار، وحقوق المحارم وغيرهم، وبها امتحن البشر والعالم الصغير، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم، وتسخير ما ذكر ما في السماوات والأرض لهم؛ فهذا كله يدل على قبح الزنا ونهايته في الفحش والمنكر؛ حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه، وإنما يعرفه العالم الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة ولم يمتحنوا بها، وأمَّا هذا العالم الذي جعلت فيهم الشهوة لا يعرفون قدر قبحه وفحشه؛ لما تغلبهم وتمنعهم عن النفار عنه والنظر في معرفة قبحه؛ لهذا - واللَّه أعلم - ما شدد اللَّه - تعالى - أمر الزنا وغلظ في أحكامه ما لم يغلظ بمثله في غيره من الإجرام وعظم شأنه من بين سائر الآثام. ثم الذكر إنما جرى في الحرائر بما ذكرنا فهو بالرجال من الأحرار إن لم يكن أكثر فما يكون دونه؛ لأن العذر فيهن أكثر وهي الشهوة التي تغلب وتمنع عن النفار عنه، وفي الرجال أقل؛ فالعذر فيهم أقل؛ ألا ترى أنه ذكر الحد في الإماء بقوله: (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، ولم يذكر في العبيد شيئًا؛ فيلزم للعبد ذلك الحد إذا ارتكبه؛ فعلى ذلك ما ذكر من الحد في النساء والقذف، فهو في الرجال مثله. ثم أجمعوا على أن على قاذف الأمة التعزير ولا حد عليه، وقد سمى الزوجة وإن كانت محصنة أمة، وقال: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، وقال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، سمى ملك اليمين: محصنة بقوله: (أُحْصِنَّ)، أي: تزوجن، وقوله: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، أي: الحرائر؛ فقد بأن بهذه الآية أن الإحصان قد يكون بالحرية، ويكون بالزوج، وإن كانت الزوجة أمة إذا كان لها زوج، وسفى الطيعة من النساء محصنة، قال - تعالى -: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)، يعني: العفائف، فالإحصان على ثلاثة أوجه؛ وإنما يجب الحد على قاذف الحر المسلم والحرة المسلمة؛ فإن كان حرا أو حرة فعليهما الحد ثمانين، وإن كان عبدًا أو أمة فعليه الحد أربعين سوطًا على ما ذكرنا. وقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً). فظاهر هذا أنه لا يقع عند حضرة القذف، ولكن له أن يأتي إلى وقت إياسه وهو الموت، كمن يحلف بيمين ولم يوقت لها وقتا، فإنما وقعت إلى وقت إياسه فحنث عند ذلك؛ فعلى ذلك يجيء على ظاهره أن يقع على الأبد ليس عند حضرة القذف، لكن لو وقع على الأبد لكان فيه سقوطه؛ إذ لا يقام الحد بعد الموت. أو إن أراد بذكر الشهود الأربع زجره عن قذف المحصنات؛ لما لا يجد الشهود على الحلال؛ فالذي هو أخفى وأسر أبعد. والثاني: أن الحد قد لزمه بالفذف، فإن أراد إسقاطه لم يسقط إلا ببينة تقوم حضرة ذلك، كمن يقر بقصاص أو حق من الحقوق، ثم ادعى العفو في ذلك أو إسقاط ما أفر له والخروج منه، لم يصدق إلا ببينة تقوم على حضرة ذلك، فعلى ذلك قوله: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ): وقع ذلك على حضرة القذف، فإن أتى به وإلا حد، واللَّه أعلم. ثم المسألة بأنه إذا أتى بأربعة فساق درأ عن نفسه الحد عندنا، والقياس ألا يطالب بشهود عدول؛ لأن العدول لا يشهدون ذلك المشهد، ولا ينظرون إليه؛ إنما يشهده الفساق فالفساق أحق أن يدرأ بهم الحد عنه من العدول، وليس كالشهادة على إقامة حد الزنا؛ لأن قصدهم بالنظر إلى ذلك المكان - قصد إقامة الشهادة وإيجاب الحد على فاعل ذلك؛ لذلك لم يصيروا فسقة، ولأنهم لا يشهدون بذلك إلا عن توبة تكون منهم إذ يملكون الثوبة، ولأن الفساق من أهل الشهادة ليس كالكفار والعبيد، وهَؤُلَاءِ وإن كانت لا تقبل شهادة الفساق فهم من أهل الشهادة؛ ألا ترى أن من قذف فاسقًا أو كانت امرأة فقذفها زوجها - وهو فاسق - أنا نحد قاذف الفاسق، ونلاعن بين الزوج وبين امرأته، وإن قذف مسلمٌ كافرًا أو قذف حرٌّ عبدًا، لم يحد، وإن قذف أحدهما زوجته لم يلاعن بينهما، فمن خالفنا في هذا اللعان فليس يخالفنا في أن الحر إذا قذف العبد، والمسلم إذا قذف الكافر فلا حد على واحد منهما؛ فهذا كله يدل أن الفساق من أهل الشهادة والكافر والعبد والمحدود في القذف ليسوا من أهل الشهادة، فإذا كانوا من أهل الشهادة - وإن لم تقبل شهادتهم في غيره - فأوجب ذلك الشبهة، والحدود مما يدرأ بالشبهات؛ لذلك درئ عنه الحد، وأما الكافر والعبد والمحدود في قذف فإن لم يكونوا من أهل الشهادة - لم يجب شبهة في درء الحد عنه؛ لذلك افترقا. ثم المسألة إذا جاء الشهود متفرقين حُدُّوا، ولم تقبل شهادتهم، والقياس عندنا ألا يحدُّوا؛ لأنهم إنما يقومون في الشهادة محتسبين لا يقصدون به قذفه ولا شتمه، وأما الرامي فإنه يقصد قصد شتمه وقذفه، ولأن الشاهد يقول: رأيته فعل كذا، والرامي يقول: أنت كذا؛ فكان كمن يقول الآخر: رأيته كفر، لم يضرب بهذا القول، ولو قال: يا كافر، ضرب؛ لأن هذا خرج مخرج الشتم، والأول لا؛ فعلى ذلك الأول، لكنهم أقاموا الحد على الشهود إذا جاءوا متفرقين؛ لأن اللَّه أكد الشهادة بالزنا بأمرين: أحدهما: ألا يقبل فيها أقل من أربعة، وألا يقبل حتى يقولوا: زنى بها، فيأتون هذه اللفظة ويصفوا بأكثر مما يوصف غيره من النكاح وغيره؛ فالشهادة بالزنا أحوج إلى اجتماع الشهود في موطن واحد من اجتماع الشهود على النكاح، ومن قولهم: إن النكاح إذا عقد بشاهدين متفرقين لم يكن نكاحًا؛ فالزنا الذي كان أمره أوكد والحاجة إليه أحوج وأكثر أحق ألا يقبل. والثاني: ما جاء عن عمر أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وفيهم أبو بكرة، فجلدهم عمر جميعًا؛ لما لم يشهد الرابع كما شهدوا هم، وكان ذلك بحضرة أصحاب النبي فلم ينكر ذلك عليه أحد؛ فكان - لك إجماعًا؛ ألا ترى أن أبا بكرة قال بعد ذلك: أنا أشهد؛ فهمَّ عمر أن يجلده؛ فقال له علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن جلدت هذا فارجم صاحبك، فلم ينكر عليه على جلده إياهم إذا لم يتم أربعة؛ إنما أنكر إذا تم، واللَّه أعلم؛ لذلك قلنا: إنهم إذا جاءوا فرادى متفرقين صاروا قذفة ولا ينتظر به حضور من بقي منهم؛ كما لم ينتظر عمر. ثم مسألة أخرى: أنه إذا جاء أربعة وأحدهم زوج قبل عندنا ودرئ عنه الحد؛ لما روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - وغيره من السلف، ولأن الشهادة عليها وشهادة الزوج على امرأته تقبل، وإنما ترد إذا شهد لها؛ ألا ترى أنه لو شهد عليها في الديون والقصاص والسرقة وغير ذلك من الحقوق لقبل؛ فعلى ذلك في هذا. فَإِنْ قِيلَ: إن الزوج إنما يشهد لنفسه وفيه منفعة له؛ لأن حده اللعان إذا قذفها؛ فهو يريد أن يزيل اللعان عن نفسه. قيل: إنما يكون حد الزوج اللعان إذا قذفها قبل أن يرتفعا إلى الحاكم، فإذا فعل ذلك ثم شهد مع ثلاثة آخرين لم تجز شهادته، وأما إذا كان أول ما بدأ به إن جاء مع ثلاثة فشهدوا عليها بالزنا فليس يبطل بشهادته عن نفسه شيئًا وجب عليه؛ ألا ترى أن الأجنبي إذا قذف امرأة ثم جاء ليشهد بذلك عليها مع ثلاثة أن شهادته لا تجوز؛ لأن الحد قد لزمه قبل شهادته؛ فهو يدفع الحد الذي وجب عليه بشهادته؛ فلا تقبل، وأنه لو جاء مع ثلاثة، وكان أول أمرهم أن يشهدوا عليها بالزنا فشهادتهم جائزة، ولا يقال: إن أحدًا منهم يدفع عن نفسه شيئًا وجب عليه؛ فعلى ذلك الزوج. وقوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). تسمية الفسق لهم: لا تخلو إما أن كان لما رموا وقذفوا به بريئًا من ذلك، أو لما هتكوا عليه الستر من غير أن هتك هو على نفسه؛ فإن كان الأول فذلك لا يعلمه إلا اللَّه؛ فعلى ذلك توبته لا تظهر عندنا؛ فإنما ذلك فيما بينه وبين ربه؛ فكأنه قال: وأُولَئِكَ هم الفاسقون عند اللَّه إلا الذين تابوا. وإن كان الثاني فإنا نعلمه؛ فكأنه قال: وأُولَئِكَ هم الفاسقون عندكم. (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا). لا تظهر توبته عندنا؛ لأن توبته هو أن يعزم ألا يهتك على آخر ستره، أو يعزم ألا يقذف بريئًا من الزنا أبدًا؛ فأي الوجهين كان تسميته فسقهم فإن التوبة من ذلك لا تظهر عند الناس لذلك لم تقبل؛ ولذلك قال ابن عَبَّاسٍ: وإنَّمَا توبته فيما بينه وبين اللَّه: إذا تاب غفر اللَّه له ذنبه: الفرية، وكذلك روي عن غير واحد من السلف: من نحو الحسن وإبراهيم وأمثالهم، قالوا: توبته فيما بينه وبين ربه. وقوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا) ليس ثمة شهادة رفعت إلى الحاكم فردها؛ ولكن: لا تقبلوا لهم شهادة يرفعونها إلى الحكام؛ فالحرج على كل شهادة يرفعون من بعد، ثم إذا شهد بعد ما قذف وقبل أن يجلد قبلت شهادته وهو قاذف؛ فدل أن شهادته إنما ترد بعد ما جلد لما اتهمه الحاكم، وكل شهادة ردت لتهمة فهي لا تقبلُ أبدًا، والتهمة التي بها جلد القاذف هي لا تزول أبدًا. أو أن يكون توبته قوله: " فقد كذبت فيما قذفت "؛ فكنا نرد شهادته؛ لتهمة الكذب، فإذا أكذب نفسه نقبلها؛ لتحقق الكذب؛ فهذا بعيد. وأصله أن كل توبة كانت بعد التمكين فهي لا ترفع الحكم الذي جعل له والحدّ، وكل توبة كانت قبل التمكين فهي ترفع العقوبات، كقوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)؛ فلو لم يرفعوا عنهم تلك العقوبات لكانوا يتمادون في السعي في الأرض بالفساد، وأمَّا فيما نحن فيه فليس في ذلك التمادي فيه. وزعم الشافعي أن حاله قبل الحد وبعد ذلك سواء، هذا خلاف ما نص اللَّه عليه؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً...) الآية، وقال: (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ)؛ فجعلهم كاذبين عند العجز عن إقامة الشهداء، وكان أمرهم قبل ذلك موقوفًا؛ فالواجب أن يجعلهم كاذبين عند عجزهم عن تصحيح ما قالوا، وهي الحال التي جعلهم اللَّه فيها كاذبين؛ فبان بما وصفنا أن من جعل حال المحدود بعد أن ضرب الحدّ كحاله قبل ذلك مخطئ. ودل ما وصفنا على أنه لا يجب أن يستدل بجواز شهادته قبل أن يجلد على جواز شهادته إذا تاب بعد الجلد على ما ذكرنا؛ لأنا بالجلد علمنا أنه قاذف، لا بما كان من رميه المرأة قبل أن يجلد. ومن الدليل على اختلاف الحالين أن عمر لما جلد أبا بكرة قال له: إن تبت قبلت شهادتك، وأنه قبل أن يجلده لم يرد شهادته؛ لأنه لو كان عنده مجروحًا بالقذف لم يسمع شهادته، ولا أعلم بين أهل العلم خلافًا أنه لا يقبل شهادته بعد الجلد ما لم يتب؛ وإنَّمَا يختلفون في شهادته بعد التوبة، وأن شهادته قبل الجلد مقبولة؛ فكيف يشتبه الحالتان مع ما وصف؟! وقال غيرهم: التوبة تزيل فسقه ولا يجوز شهادته، قالوا: الاستثناء على آخر الكلام على الذي يليه، وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على بطلان شهادته، وإن تاب: ما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " المسلمونَ عدولٌ بعضُهم على بعضٍ إلا محدودًا في قَذْفٍ ". وعن ابن عَبَّاسٍ قال: لما نزل قوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)، وذكر حديث فيه طول، وفيه: " لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب اللَّه عليهم، قال: يا رسول اللَّه، لقد رأيت فلانًا مع أهلي؛ فقال رسول اللَّه: ما تقول يا هلال؟! قال: واللَّه يا رسول اللَّه، لقد رأيته وسمعته بأذني، قال: فشق على رسول اللَّه للذي جاء به، ثم قال: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين؟! فاشتد ذلك على رسول اللَّه، وجعل يقول: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين؟! وقول رسول اللَّه: " يضرب هلال وتبطل شهادته في المسلمين "، وما ظهر من غمه بذلك وجزعه يدلان على أن المحدود لا تقبل شهادته بعد توبته؛ لأن توبته لو قبلت، وكان كسائر الأشياء التي إذا تيب منها، جازت شهادته، لقال النبي: " تبطل شهادته في المسلمين إلا أن يتوب "؛ لأنه لا يقال في شيء من المعاصي: فلان فعل كذا وكذا؛ فبطلت شهادته في المسلمين؛ حتى يقرن إلى ذلك: إلا أن يتوب. وقد ذكرنا عن ابن عَبَّاسٍ في قوله: (إلَّا الَّذِينَ تَابُوا)، قال: فتاب اللَّه عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز. وكذلك روي عن كثير من السلف أنهم قالوا: توبته فيما بينه وبين ربه. وفيه وجه آخر، وهو أن القاذف إذا ضرب الحد فهو يقول ما لم يرجع: أنا صادق في نفسي ولم يلزمني الحد فيما بيني وبين ربي؛ وإنما لزمني في ذلك الحكم، فإذا تاب فهو يقول: كان الحد واجبًا علي فيما بيني وبين ربي وفي الحكم؛ فذلك أحْرى ألا يزول عنه من إبطال شهادته بذلك الحد. ووجه آخر: وهو أن القاذف لم تبطل شهادته بقوله: فلان زان؛ لأنه مدّع - بقوله هذا - شيئًا قد يجوز أن يكون حقًّا، ولكنه يصير قاذفا إذا عجز عن إقامة البينة وضربه الحاكم الحد، فإذا كانت شهادته إنما بطلت بحكم حاكم لم يزل ذلك الحكم إلا بحكم حاكم؛ فإن حكم حاكم: بجواز شهادته في شيء جازت شهادته فيه. فَإِنْ قِيلَ: يلزمكم على هذا أن تقولوا: إن قال حاكم: قد أجزت شهادته في كل شيء أن تجوز؛ لأن الحاكم قد رفع ما لزم من بطلان شهادته بالحكم الأول. قيل: قول الحاكم: قد أجزت شهادته، ليس بحكم؛ إنما هو فتوى، والحكم إنما يكون فيما تقام له البينة، أو يقع به الإقرار. فَإِنْ قِيلَ: فما تقولون في رجل زنى فحده الحاكم: هل تجوز شهادته إن تاب؛ قيل: بلى. فَإِنْ قِيلَ: قد بطلت شهادته بحكم آخر، وتوبته مقبولة بغير حكم حاكم؛ فما منع أن يكون القذف مثل ذلك وما الفرق؟ قيل: الزنا فعل ظاهر يعرف به الزاني وإن لم يحد، والقذف لا يعلم كذب القاذف فيه من صدقه؛ لأنه شيء يدعيه على غيره، وإنما يعلم أنه كاذب في قذفه بما ينفذ عليه من حكم الحاكم؛ فلذلك افترقا. ومن الدليل -أيضًا- على أن شهادة القاذف إذا حد لا تقبل - وإن تاب - أنه إذا قال: تبت من قذفي فلانا، وكنت في ذلك كاذبًا؛ فلسنا ندري هل هو صادق في قوله: كنت كاذبا أم هو في قوله ذلك كاذب؛ لأن المقذوف إن كان في الحقيقة زانيا فقول القاذف: " كنت في قذفي إياه كاذبًا " كذب منه، وهو في ذلك آثم؛ فإذا كنا لا نقف بتكذيبه نفسه على كذبه فيه من صدقه لم نجعله توبة؛ لأن التوبة إنما تكون أن يظهر عند الحكم من الأفعال ما يعلم بنفسها أنها طاعة وأنه فيها على خلاف ما ظهر من نفسه في الوقت الأول؛ فلما لم يعرف كذب المكذب لنفسه من صدقه لم يجعل ذلك من توبة. وقلنا: توبته فيما بينه وبين ربه؛ لأن اللَّه يعلم هل هو كاذب في تكذيبه نفسه أو صادق، ونحن لا نعلم ولا دليل لنا من الظاهر عليه؛ فلم نجعل توبته توبة في الحكم، وقلنا: حالك الآن كحالك قبل ذلك. ودليل آخر: أنا قد علمنا كذبه بقول اللَّه: (فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ)، فإذا قال: كذبت في قذفي، قلنا له: لم تفدنا بتكذيبك نفسك فائدة لم نعرفها، فأنت في هذا الوقت كاذب؛ فإنك في الوقت الأول تعلمنا أنك كاذب؛ فحالك الآن في شهادتك كحالك قبل ذلك، على ما ذكرنا. على أن الشافعي يقول: لا ترجع الملاعنة إلى زوجها، وإن تاب، فإذا كانت توبته لا تبطل ما لزمها من الحكم في رجوعها إليه فكذلك لا يبطل ما لزمه من الحكم في بطلان شهادته، واللَّه أعلم. وقوله: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)، إن كان الجلد مأخوذًا من الجلود فجائز أن يستخرج منه حد الضرب، وهو ألا يجاوز الجلود؛ ولكن يضرب مقدار ما يتألم به ويتوجع، ولا

النور 24:5

الآية ٥ :( وقوله تعالى :]إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم[ أصله(١) ) أن كل توبة كانت بعد التمكين فهي لا ترفع الحكم الذي جعل له بالحد، وكل توبة كانت قبل التمكين فهي ترفع العقوبات كقوله :]إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم[ ( المائدة : ٣٤ ) فلو لم يرفعوا عنهم تلك العقوبات لكانوا يتمادون في السعي في الأرض بالفساد. وأما نحن فيه فليس في ذلك التمادي فيه. وزعم الشافعي أن حاله قبل الحد وبعد ذلك سواء. هذا خلاف ما نص الله عليه. قال الله تعالى :]والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة[ الآية. وقال :]فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون[ ( النور : ١٣ ) فجعلهم كاذبين عند العجز عن ( الإتيان بالشهداء )(٢) وكان أمرهم قبل ذلك موقوفا. فالواجب أن يجعلهم كاذبين عند عجزهم عن تصحيح ما قالوا، وهي الحال التي جعلهم الله فيها كاذبين. فبان بما وصفنا أن من جعل حال المحدود بعد أن ضرب الحد كحاله قبل ذلك مخطىء. ودل ما وصفنا على أنه لا يجب أن يستدل بجواز شهادته قبل أن يجلد على جواز شهادته إذا تاب بعد الجلد على ما ذكرنا، لأنا بالجلد علمنا أنه قاذف لا بما كان من رميه المرأة قبل أن يجلد. ومن الدليل على اختلاف الحالين أن عمر لما جلد أبا بكر قال له : إن تبت قبلت شهادتك، وأنه قبل أن يجلد لم يرد شهادته، لأنه لو كان عنده مجروحا بالقذف لم يسمع شهادتهم. ولا أعلم بين أهل العلم خلاف أنه لا تقبل شهادته بعد الجلد ما لم يتب، وإنما يختلفون في شهادته بعد التوبة، وأن شهادته قبل الجلد مقبولة. فكيف تشتبه الحالتان مع ما وصفنا ؟ وقال غيرهم : التوبة تزيل فسقه، ولا تجوز شهادته ؛ قالوا : الاستثناء على آخر الكلام على الذي يليه. وقد روي عن النبي ﷺ : " المسملون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف " ( البيهقي في الكبرى ١٠/١٩٧ ). وعن ابن عباس أنه(٣) قال : لما نزل قوله :]والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة[ وذكر حديثا(٤)، فيه طول، وفيه : لم يلبثوا إلا قليلا حتى " جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم. قال : يا رسول الله لقد رأيت فلانا مع أهلي، فقال رسول الله ﷺ : ما تقول يا هلال ؟ قال : والله يا رسول الله لقد رأيته، وسمعته بأذني. قال : فشق على رسول الله ﷺ الذي جاء به، ثم قال : أيُجلد هلال، وتبطل شهادته في المسلمين ؟ " ( أحمد ١/٢٣٨/ فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ وجعل يقول : أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ؟ وقول رسول الله ﷺ : أيضرب هلال، وتبطل شهادته في المسلمين ؟ وما ظهر من غمه بذلك وجزعه يدلان على أن المحدود لا تقبل شهادته بعد توبته لأن توبته، لو قبلت، وكان كسائر الأشياء التي إذا أُتيب منها جازت شهادته، لقال النبي : تبطل شهادته في المسلمين حتى يقرن إلى ذلك إلا أن يتوب. وقد ذكرنا عن ابن عباس في قوله :]إلا الذين تابوا[ أنه قال : فتاب الله عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز. وكذلك روي عن كثير من السلف أنهم قالوا : توبته في ما بينه وبين ربه. وفيه وجه آخر ؛ وهو القاذف إذا ضرب الحد، فهو يقول ما لم يرجع : أنا صادق في نفسي، ولم يلزمني الحد في ما بيني وبين ربي، وإنما لزمني/٣٦٢- ب/ في ذلك الحكم. فإذا تاب، فهو يقول : كان الحد واجبا علي في ما بيني وبين ربي. وفي الحكم فلذلك أحرى ألا يزول عنه من إبطال شهادته بذلك. ووجه آخر ؛ وهو أن القاذف، لم تبطل شهادته بقوله : فلان زان لأنه مدع بقوله هذا شيئا، قد يجوز أن يكون حقا وإنما يصير قاذفا إذا عجز عن إقامة البينة، وضربه الحاكم الجلد. فإذا كانت شهادته إنما بطلت بحكم حاكم، لم يزل ذلك الحكم إلا بحكم حاكم. فإذا حكم حاكم بجواز شهادته في شيء جازت شهادته فيه. فإن قيل : يلزمكم على هذا أن تقولوا : إن قال حاكم : قد أجزت شهادته في كل شيء فإنها(٥) تجوز، لأن الحاكم، قد رفع ما لزم من بطلان شهادته بالحكم الأول. قيل : قول الحاكم : قد أجزت شهادته، ليس بحكم، إنما هو فتوى. والحكم إنما يكون في ما تقام له البينة، أو يقع له الإقرار. فإن قيل : فما تقولون في رجل، زنى، فحده الحاكم : هل تجوز شهادته إن تاب. قيل : بلى. فإن قيل(٦) : قد بطلت شهادته بحكم آخر، وتوبته مقبولة بغير حكم الحاكم، فما منع أن يكون القذف مثل ذلك ؟ وما الفرق ؟ قيل : الزنى فعل ظاهر، يعرف به فسق الزنى، وإن لم يحد، والقذف لا يعلم كذب القاذف فيه من صدقه لأنه شيء يدعيه على غيره، وإنما يعلم أنه كاذب في قذفه بما ينفذ عليه من حكم الحاكم. فلذلك افترقا. ومن الدليل أيضا على أن شهادة القاذف، إذا حد، لا تقبل، وإن تاب، أنه إذا قال : تبت عن ( قذفي فلانا )(٧) أو : كنت في ذلك كاذبا(٨). فلسنا ندري هل هو صادق في قوله :( كنت كاذبا أو هو في قوله )(٩) ذلك ( كان )(١٠) كاذبا لأن المقذوف، إن كان في الحقيقة زانيا فقول القاذف : كنت في قذفي إياه كذبا ( كذب )(١١) منه، وهو في ذلك آثم. فإذا كنا لا نقف بتكذيبه نفسه على كذبه من صدقه لم ( نجعل توبته )(١٢) توبة ؛ لأن التوبة إنما تكون أن يظهر عند الحاكم(١٣) من الأفعال ما يعلم بنفسها أنها طاعة، وأنه فيها على خلاف ما ظهر من نفسه في الوقت الأول، فلما لم يعرف كذب المكذب لنفسه من صدقه لم يجعل ذلك منه توبة، وقلنا : توبته في ما بينه وبين ربه، لأن الله يعلم هل هو كاذب في تكذيبه نفسه أو صادق ؟ ونحن لا نعلم ولا دليل لنا من ظاهر عليه فلم نجعل توبته توبة في الحكم، وقلنا : حالك الآن كحالك قبل ذلك. ودليل آخر أنا قد علمنا كذبه بقول الله :]فأولئك عند الله هم الكاذبون[ ( النور : ١٣ ) فإذا قال : كذبت في قذفي قلنا : لم تفدنا بتكذيبك نفسك فائدة، لم نعرفها، فأنت في هذا الوقت كاذب ؛ فإنك في الوقت الأول تعلمنا أنك كاذب، فحالك الآن في شهادتك كحالك قبل ذلك على ما ذكرنا. على أن الشافعي يقول : لا ترجع الملاعنة على زوجها، وإن تاب. فإذا كانت توبته لا تبطل ما لزمها(١٤) من الحكم في رجوعها إليه فكذلك لا يبطل ما لزمه من الحكم في بطلان شهادته، والله أعلم. وقوله تعالى :]فاجلدوهم ثمانين جلدة[ إن كان الجلد مأخوذا من الجلود فجائز أن يستخرج منه حد الضرب، وهو ألا يجاوز الجلود، ولكن يضرب مقدار ما يتألم به، ويتوجع، ولا تمزق به الجلود، ولا يخرقها، ويستخرج منه التفريق في الأعضاء كلها والجوارح، لأنه لو ضرب في مكان واحد لخرقه، ومزقه، سوى الرأس والوجه والمذاكير لما فيه من التأثير والمجاوزة. فإن كان كذلك ففيه حجة لأبي حنيفة، رحمه الله، في قوله : إن الشهود إذا شهدوا على حد، فضرب به الإمام، فأصابه بالجراحات، ثم رجعوا، لا يضمنون ما أصابه من الجراحات لأنه لم يشهدوا على ضرب يجرح، ويؤثر فيه ما أصابه. لذلك لم يضمنوا. وقول عمر لأبي بكرة : تقبل شهادتك إن تبت، فهو يحتمل أي تقبل روايتك عن رسول الله ومشاهدك التي شهدتها. قد ذكر أن الحكم والحد في الآية إنما جرى في قذف المحصنات دون المحصنين بقوله :]والذين يرمون المحصنات[ الآية. لكن قذف المحصن وشتمه، إن لم يكن في الشين وأعظم في الوزر، فلا يكون دونه. فالذكر، وإن جرى في المحصنات، فأمكن وجود المعنى الذي به، جرى ( في المحصنين )(١٥) وهو ما قال :]إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم[ ( النور : ٢٣ ) وهو الإيمان والإحصان والعفة. لذلك لزم الحكم في المحصنين(١٦) كما لزم في المحصنات. وقد ذكرنا أيضا في ما تقدم ألا يُجلد من قذف مملوكة، أو قذف كافرة ( أو كافرا، أما قاذف المملوك فلقوله )(١٧) ]والذين يرمون المحصنات[ وقد ذكرنا الدليل على أن المراد بالمحصنات الحرائر دون غيرهن. لذلك لم يجلد قاذف المملوك، ( أو المملوكة )(١٨) ولأنا لو أوجبنا جلده ثمانين فهو لو أنى بفعل الزنى حد خمسين، فلا يجوز أن يوجب في عين ذلك الفعل، لو أتى به. فسقط بما ذكرنا الجلد عن قاذف المملوك. وأما الكافر والكافرة ( فقد سقط ) عن قاذفهما الحد لما ذكرنا من قوله :]إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم[ شرط فيه الإيمان والإحصان والعفة. فإذا عد واحد مما ذكرنا لم يقم ( عليه )(١٩) الحد، ولأنا أوحينا ( حده حددناه )(٢٠) لقذف عدو الله. ولا يجوز أن يجلد مسلم يقذف عدوا من أعداء الله مع ما ذكرنا من المسائل إجماع بين أهل العلم في ذلك، والله أعلم. ١ في الأصل وم: وأصله.. ٢ في الأصل وم: إقامة الشهداء.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ في الأصل وم: حيث.. ٥ في الأصل وم: أن.. ٦ في الأصل وم: قال.. ٧ من م في الأصل: قذف فلانا.. ٨ في الأصل وم: كذبا.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ ساقطة من الأصل وم.. ١١ ساقطة من الأصل وم.. ١٢ في الأصل وم: نجعله.. ١٣ في الأصل وم: الحكم.. ١٤ من م في الأصل: لزمهما.. ١٥ في الأصل وم: ذلك في المحصنات في المحصن.. ١٦ في الأصل وم: هذا.. ١٧ في الأصل وم: أما المملوك لقوله.. ١٨ ساقطة من الأصل وم.. ١٩ ساقطة من الأصل وم.. ٢٠ في الأصل وم: الحد وحددناه..

النور 24:6

يمزق به الجلود ولا يخرقها. ونستخرج منه التفريق في الأعضاء كلها والجوارح؛ لأنه لو ضرب في مكان واحد لخرقه ومزقه، سوى الرأس والوجه والمذاكير؛ لما فيه من التأثير والمجاوزة. فإن كان كذلك ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - في قوله: إن الشهود إذا شهدوا على حد، فضرب به الإمام فأصابه الجراحات، ثم رجعوا لا يضمنون ما أصابه من الجراحات؛ لأنهم لم يشهدوا على ضرب يجرح ويؤثر فيه ما أصابه؛ لذلك لم يضمنوا. وقول عمر لأبي بكرة: " تقبل شهادتك إن تبت "، فهو يحتمل، أي: تقبل روايتك عن رسول اللَّه ومشاهدك التي شهدتها. وقد ذكر أن الحكم والحد في الآية إنما جرى في قذف المحصنات دون المحصنين بقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ...) الآية، لكن قذف المحصن وشتمه إن لم يكن أكثر في الشين وأعظم في الوزر لا يكون دونه، فالذكر وإن جرى في المحصنات فأمكن وجود المعنى الذي به جرى ذلك في المحصنات في المحصن، وهو ما قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، وهو الإيمان والإحصان والعفة؛ لذلك لزم الحكم في هذا كما لزم في المحصنات. وقد ذكرنا فيما تقدم ألا يجلد من قذف مملوكة أو مملوكًا أو قذف كافرة: أما المملوك فلقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ)، وقد ذكرنا الدليل على أن المراد بالمحصنات الحرائر دون غيرهن؛ لذلك لم يجلد قاذف المملوك. ولأنا لو أوجبنا جلد ثمانين؛ فهو لو أتى بفعل الزنا حد خمسين؛ فلا يجوز أن نوجب على قاذفه مما به قذف من الجلد أكثر مما نوجبه في عين ذلك الفعل لو أتى به؛ فيسقط بما ذكرنا الجلد على قاذف المملوك. وأما الكافر والكافرة: فسقط عن قاذفهما الحد؛ لما ذكرنا من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ): شرط فيه الإيمان والإحصان والعفة، فإذا فقد واحد مما ذكرنا - لم يقم. ولأنا لو أوجبنا الحد وحددنا، لحد بقذف عدو اللَّه، ولا يجوز أن يجلد مسلم بقذف عدو من أعداء اللَّه، مع ما فيما ذكرنا من المسائل إجماع بين أهل العلم في ذلك، والله أعلم. وقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) روي عن ابن عَبَّاسٍ، قال: لما نزلت هذه الآية قال عاصم بن عدي الأنصاري: إن دخل منا رجل بيته فوجد وجلاً على بطن امرأته، وأراد أن يخرج فيجيء بأربعة رجال شهود؛ ليشهدوا على ذلك - قضى الرجل حاجته وخرج، وإن هو عجل فَقَتل قُتِل به، وإن هو قال: وجدت فلانا مع فلانة، ضرب به الحد، ولاعنَ امرأته، وإن سكت سكت على غيظ!! ". فذكر أنه ابتلي بذلك من بين الناس؛ فأتى رسول اللَّه فأخبره بذلك، وقال: وجدت فلانا على بطنها؛ فأرسل رسول اللَّه إلى امرأته وإلى فلان، فجمع بينهما وبين عاصم فقال للمرأة: ويحك، ما يقول زوجك؟! قالت: يا رسول اللَّه، إنه لكاذب؛ ما رأى شيئًا من ذلك، ولكنه رجل غيور؛ فذلك الذي حمله على أن يتكلم بالذي تكلم، فكان فلان ضيفا عنده بدخل ويخرج علي وهو يعلم ذلك، فلم ينهني عن ذلك ساعة من ليل ونهار أن يدخل علي؛ فسأله عن ذلك فقال: يا عاصم، اتق اللَّه في حليلتك، ولا تقل إلا حقا!! قال: يا رسول اللَّه، أقسم باللَّه ما قلت إلا حقًّا، ولقد رأيته يغشى على بطنها، وهي حبلى وما قربتها منذ كذا وكذا؛ فأمرهما رسول اللَّه أن يتلاعنا عند ذلك، وقال: يا عاصم، قم فاشهد أربع شهادات باللَّه أنه لكما قلت، وأنك لمن الصادقين في قولك عليها، ثم قال: والخامسة: أن لعنة اللَّه عليك إن كنت من الكاذبين؛ ففعل ما ذكر، ثم قال للمرأة مثل ذلك؛ فشهدت أربع شهادات باللَّه: إنه لمن الكاذبين عليها، والخامسة: أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين في قوله، فلما تلاعنا وفرغا من اللعان فرق بينهما، ثم قال للمرأة: إذا ولدت فلا ترضعيه حتى تأتيني به، فلما انصرفوا عنه قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: إن ولدته أحيمر مثل الينعة فهو الذي يشبه أباه الذي نفاه، وإن ولدته أسود أدعج جعدا قططا فهو يشبه الذي رميت به، فلما وضعت أتت به رسول اللَّه، فنظر إليه فإذا هو أسود أدعج جعد قطط على ما فعته رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يشبه الذي رميت به؛ فقال رسول اللَّه: لولا اللعان والأيمان التي سلفت لكان لي فيها رأي. وفي بعض الأخبار أنه لما جمع بينهما قال لها: بعد أن تلاعنا: " فإن اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟! "، وقال: " عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا "، وفي بعض الأخبار: " أن الآية نزلت في لعان هلال بن أمية، فذكر فيه ما ذكرنا، واللَّه أعلم. ثم في هذا مسائل: إحداها: أنه ذكر قذف الأزواج وذكر فيه الأيمان ولم يبين؛ فظاهر الآية: الزوج والزوجة: كافران أو مسلمان، حران أو مملوكان، أو كيف كانا؟! فعندنا أنه إذا كان أحدهما حرَّا والآخر مملوكًا، أو كانا جميعًا مملوكين لم يكن بينهما لعان إلا أن يكونا جميعًا من أهل الشهادة. وحجتهم في ذلك أن اللَّه جعل على الأجنبي الحر إذا قذف أجنبية حرة الحد ثمانين، وجعل حد الزوج إذا قذف زوجته وهما حران مسلمان اللعان، ثم قد ذكرنا إجماعهم على أن الحر إذا قذف أمة أو يهودية فلا حد عليه؛ فلما لم يكن على الحر القاذف للأمة من الحد ما على القاذف الحرّ إذا قذف حرة لم يكن على زوج الأمة من اللعان ما على زوج الحرة. وأصل هذا: أن اللَّه ذكر الشهادة في رمي الأجنبية المحصنة وأبرأ القاذف من الحد إذا أتى بها، وأمر بإقامة الحد إذا عجز عن إقامتها، ثم استثنى من الشهداء الذين ذكر في قذف الأجنبية شهادة الزوجين بقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ)؛ فإذا لم يدخلا في تلك الشهادة إذا كانا مملوكين أو كافرين أو أحدهما لم يدخلا فيما استثنى؛ إذ الثنيا استخراج من تلك الجملة المستثناة وتحصيل منها؛ لذلك بطل اللعان. ووجه آخر في الكافرة: وهو أن المرأة تقول في الخامسة: عليها غضب اللَّه إن كان من الصادقين، وغضب اللَّه يكون عليها بغير شرط؛ فمحال أن يقول القاضي لها: عليك غضب اللَّه بشرط إن كان الزوج صادقًا، وهو يعلم أن غضبه عليها في كل حال؛ لذلك بطل. والمخالف لنا أولى بإبطال اللعان بين الحرة والأمة والمسلم والذمية منا؛ لأنهم يزعمون أن العبد ليس بكفء للحر ولا الكافر بكفء للمسلم في القصاص في النفس وفيما دون النفس؛ فكيف جعلوهما في أيمانهما أكفاء لأيمان الأحرار المسلمين؟! كان يجب أن يقولوا مثل يمين الكافر يصححان به ليمين المسلم؛ فلا يوجبون بينهما لعانا، والوجه فيه ما ذكرنا بدءًا.

النور 24:8

ثم المسألة في إباء الأيمان: إذا أبى أحدهم حد عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي، وعندنا أنه لا يحد بالإباء؛ فذهب من أوجب الجلد بالإباء إلى ظاهر قوله: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ): أوجب الجلد في قذف الأجنبي إذا عجز عن إقامة الشهود، ودرأ عنه الحد إذا أتى بأربعة يشهدون؛ فعلى ذلك درأ عن الزوجين الحد إذا شهد كل واحد منهما أربع شهادات باللَّه، فوجب إذا أبى أحدهما الأيمان أن يحد؛ إذ بالأيمان يدرأ الحد ويوجب اللعان. والثاني: ما قال: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) جعل الأيمان سبب درء الحد عنها؛ فإذا أبت ذلك لزم الحد. وعندنا أنه لا يحد بالإباء؛ لأنه ليس في الإباء ظهور الكذب؛ إذ ليس كل من أبى اليمين يظهر كذبه فيه؛ وإنما يحدّ لظهور كذبه في القذف، وهو لا يعلم، ولا يظهر بالإباء، وإنما حدّ في الأجنبية إذا لم يأت بأربعة شهداء؛ لأنه في الظاهر عند الناس كاذب؛ لأنه ليس بينه وبين الأجنبية سبب ولا معنى يبعثه على إظهار ما ذكر، وأمَّا فيما بينه وبين زوجته سبب ومعنى يحمله على إظهار ذلك، وهو الغيرة، فإذا كان كذلك فهو في قذف الزوجة في الظاهر صادق عند الناس؛ للسبب الذي ذكرنا؛ لأنه طالب حق قبلها؛ على ما روي: لا يوطئن فرشهن من يكره الأزواج؛ فلا يزال صدقه بإباء اليمين، وأما من قذف أجنبية فهو كاذب في الظاهر؛ لعدم السبب الحامل على إظهار ذلك الكذب، حتى يأتي ما يزيل الكذب وهو الشهود، وفي الزوجة: على الصدق، حتى يظهر بالأيمان؛ لذلك افترقا، ولأن الحد لا يقام بالإباء ألبتَّة. ولأن الأيمان لا تقابل بشهادة العدول بحال؛ ألا ترى أن من شهد عليه شاهدا عدلٍ بحق، فحلف هو بأيمان لم تقابل الأيمان بتلك الشهادة في سقوط الحق. وأما قوله: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ): جائز أن يكون ذلك في تلك المرأة التي في أمرها نزلت الآية، علم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كذبها بالوحي؛ ألا ترى أنه قال: إذا جاءت بكذا فهو لكذا، وإذا جاءت بكذا فهو لكذا، ثم إذا بها قد جاءت شبيها بالذي رميت به، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " كذبها؛ حيث قال: " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن "، فدرأت تلك المرأة العذاب عنها بالأيمان. أو أن يكون العذاب الذي دُرئ عنها الحبس؛ إذ من قولنا: أيهما أبى اليمين حبس، حتى يشهد أربع شهادات باللَّه، أو تقر بالزنا، أو يكذب نفسه؛ فدرأ الحبس عنها بالأيمان التي ذكر. وإنما لم يحد بالإباء؛ لأن الإباء لا تظهر الكذب كالإقرار، ولأن الإباء في الحقيقة إباحة. ولو أن إنسانًا أباح للحاكم أن يقيم عليه الحد لم يقم؛ فعلى ذلك هذا، أو لما يجوز أن يأبى عن الأيمان؛ صونًا لنفسه عن اللعن والغضب الَّذِي ذكر فلم يحدّ؛ لما ذكرنا. ثم مسألتان في هذا نذكرهما وإن لم يكونا في ظاهر هذه الآية: إحداهما: في إلحاق الولد أمه. والأخرى في تفريق الحاكم بينهما إذا تلاعنا. قال بعض أهل العلم: إذا فرغ الزوج من لعانه لحق الولد أمه، وإن لم تلتعن المرأة، والقياس في لحوق الولد ما قال أُولَئِكَ: إنه يلحق بفراغ الزوج من اللعان. والقياس في وقوع الفرقة: ما قال أصحابنا: إنه لا يقع إلا بعد فراغ الزوجين جميعًا وتفريق الحاكم بينهما؛ لأن الزوج إذا شهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين قد ألزم امرأته الزنا في الظاهر؛ فإذا ظهر أن الولد ليس منه فجائز لحوقه بالأم بفراغه من اللعان. وأما الفرقة فإنها لا تقع بظهور الزنا؛ ألا ترى أن امرأة الرجل إذا زنت لا يقع بينهما الفرقة، وألا ترى أن دعوى المرأة باقية بعد فراغ الزوج من أيمانه؛ لذلك افترقا. والأخبار تدل لمذهب أصحابنا في المسألتين جميعًا؛ لأنه روي عن نافع، عن ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - أن رجلا لاعنَ امرأته في زمان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وانتفى من ولدها؛ ففرق رسول اللَّه بينهما، وألحق الولد بالمرأة. وعن ابن عَبَّاسٍ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما لاعن بينهما فرق بينهما. وروي في الأخبار: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لهما: " اللهُ يعلمُ أن أحدَكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟ "، قال ذلك لهما ثلاثًا، فأبيا؛ ففرق بينهما. وفي بعض الأخبار قال: " حسابُكما على اللهِ، أحدُكما كاذب، لا سبيلَ لكَ عليها ". فَإِنْ قِيلَ: إنما فرق بينهما النبي؛ لأن الفرقة قد وقعت بينهما؛ فأخبره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه لا تحل له، وقال: " لا سبيل لك عليها ". قيل: قولكم: إن الفرقة قد وقعت بينهما باللعان دعوى منكم، وظاهر الأخبار يشهد لنا وعلى وهم الخصم. ثم يقال لهم: ألستم تقولون في الْمُولي إذا مضت مدته فارتفعا إلى الحاكم: هل تقع الفرقة بينهما إذا امتنع من قربانها وطلاقها ما لم يقل القاضي: قد فرقت بينكما؟! فَإِنْ قِيلَ: فرقة الإيلاء طلاق وفرقة اللعان غير طلاق عندنا. قيل: هما عندنا طلاق. فَإِنْ قِيلَ: إنكم تزعمون أن فرقة الإيلاء تقع بمضي الأجل؛ فما منع أن يقع الفرقة باللعان بتمام اللعان؟! قيل: لم يكن للحاكم في الإيلاء صنع؛ فلا يحتاج إلى حكمه، وفي الآخر: لا يتم اللعان إلا بالقاضي؛ فلا تقع الفرقة إلا بالقاضي. ويقال لهم: ما تقولون في رجل ادعى حقًّا فأقام عليه شاهدين عند قاض: هل يلزم الحكم قبل أن يقول القاضي: قد حكمت بذلك؟ فإن قالوا: لا يلزم الحكم حتى يقول: قد حكمت؛ فيقال: ما منع أن يكون اللعان مثله؟! ويقال لهم أيضًا: ما تقولون في العنين: أجَّله الحاكم أيفرق بينهما؟ فإن قالوا: لا تقع حتى يفرق الحاكم بينهما، قيل: ما منع في فرقة اللعان أنه كذلك؟! فإن قالوا: إنما صارت الفرقة لا تقع في العنين والمولى حتى يوقعها الحاكم، يقول: طلقها أو [فيء] إليها، ويقول لامرأة العنين: اختاري في الفرقة أو المقام معه؛ فلما كان الحاكم ينتظر ما يقول المولي وامرأة العنين، لم تقع الفرقة حتى يوقعها، وليس في اللعان شيء ينتظره الحاكم؛ لذلك افترقا. فقيل: بل ينتظر الحاكم تكذيب المرأة نفسها؛ فيحدها وتكون امرأته، وكذلك إن أكذب الزوج نفسه حده وترك عنده امرأته. وأصله أنه لا تقع الفرقة إلا بعد التعانهما جميعًا وتفريق الحاكم بينهما؛ لأنهما إذا التعنا جميعًا عند ذلك يكون أحدهما ملعونًا أيهما كذب، والانتفاع بالملعون حرام؛ ألا ترى أنه روي في الجبر أنها موجبة، أي: اللعنة التي ذكرت؛ فإنما يلحق اللعن أحدهما إذا التعنا جميعًا، فأما بالتعان الزوج خاصة فلا يقع؛ فإذا كان كذلك فيحتاج إلى أن يفرق الحاكم بينهما ويطرد أحدهما من صاحبه؛ إذ اللعن هو الطرد في اللغة، وهو عندنا كالعقود التي تفسخ: لا يكون إلا بالحاكم، نحو ما ذكرنا من العنين، والذي يأبى الإسلام، وغيرها من العقود؛ فإنه لا يقع بينهما الفرقة إلا بالحاكم؛ فعلى ذلك هذا. وروي عن عمر أنه قال: المتلاعنان يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدًا. ثم مسألة أخرى: أنه إذا فرق بينهما باللعان فأكذب الملاعن نفسه: يجوز له أن يتزوجها أم لا؟ فعند بعض أهل العلم: ليس له أن يتزوجها؛ احتجوا بما روي عن عمر وعلي - رضي اللَّه عنهما -: " المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا "، وعن عبد اللَّه كذلك. وعند أبي حنيفة ومُحَمَّد - رحمهما اللَّه -: له أن يتزوجها إذا أكذب نفسه، وليس في الخبر: " لا يجتمعان أبدا "، وإن تاب وأكذب نفسه فجائز أن يكون قوله: " لا يجتمعان أبدا " ما داما في تلاعنهما وما أقام على قوله ولم يكذب نفسه، وإن كان فيه حجة لمن قال إذا قال: " لا يجتمعان " قبل التوبة وبعدها، يدل على ما ذكرنا قوله: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا)، وقوله: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) ما داموا في ملتهم، فأمَّا إذا انقلعوا منها فقد أفلحوا؛ فعلى ذلك: لا يجتمعان أبدا ما داموا في تلاعنهما وما أقام الزوج على قوله، فأمَّا إذا رجع عن ذلك لهما الاجتماع، واجتمعوا: أنه إذا أكذب نفسه وادعى الولد ألحق به؛ فعلى ذلك هي. والثاني: لو أكذب الزوج نفسه بعد اللعان قبل الفرقة، وجب أن يحدّ، ويكونان على نكاحهما، فيجب إذا أكذب نفسه بعد اللعان فجلد - فله أن يتزوجها. ثم فرقة اللعان عندنا طلاق، وهي تطليقة بائنة؛ لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما لاعنَ بين عويمر وامرأته - قال: " كذبت عليها إن أمسكتها؛ هي طالق ثلاثا "؛ فصارت سنة في المتلاعنين، فإذا كانت سنة الفرقة بين المتلاعنين الطلاق الذي أوقعه عويمر؛ فواجب أن يكون كل فرقة تقع باللعان: طلاقا. ومن الدليل على ذلك أن قذف الزوج كان سبب هذه الفرقة، وكل فرقة تكون من الزوج، أو أن يكون الزوج سببها، وتقع بقوله فإنها طلاق: كالعنين، والخلع، والإيلاء ونحوه؛ فعلى ذلك فرقة اللعان تطليقة بائنة؛ لأن الزوج سببها وتقع به، وعلى ذلك جاءت الآثار عن السلف أن كل فرقة وقعت من قبل الرجال بقول، فهي طلاق، من نحو إبراهيم، والحسن، وسعيد وقتادة وهَؤُلَاءِ، وكذلك يقول أصحابنا: إن كل فرقة جاءت من الرجال بقول - فهي تطليقة. فإن عورض بأفعال تكون من الرجال، فثقع بها الفرقة والحرمة: من نحو الجماع

النور 24:10

ونحوه - فذلك ليس بمعارضة لما ذكرنا، واللَّه أعلم. ثم قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) هذا الحرف مما يقتضي الجواب، ثم يحتمل أن يكون جوابه: لولا فضل اللَّه عليكم ورحمته لأظهر الكاذب منهما من الصادق، والمذنب من غيره. ويحتمل: لولا فضل اللَّه عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما من غيره، لكن لا يشفع بأحدهما مما لحقه اللعن الَّذِي ذكر، ولا يحل الانتفاع بالملعون؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: أن امرأة ركبت ناقتها فلعنتها فاستجيب؛ فأمرت أن ترفع ثيابها وتخلي سبيلها. لكن بفضله ورحمته ستر على الملعون حتى يجوز لغيره أن ينتفع به، وإن كان لا يجوز لواحد منهما أن ينتفع بصاحبه ما دامت اللعنة فيها قائمة. وجائز أن يكون وجه آخر: وهو أن يقال: لولا فضل اللَّه عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما، وإلا جعل العقوبة بين الزوجين كهي في الأجنبيين: وهي الحد، ولأظهر الزاني، لكن بفضله لم يجعل، واللَّه أعلم. وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ). جائز أن يكون (تَوَّابٌ): يقبل التوبة إذا تاب وأكذب نفسه؛ فيرفع اللعن عنهما بالتوبة؛ فإذا رفع اللعن جاز لهما الانتفاع والاجتماع بينهما؛ ففيه حجة لقول أبي حنيفة ومُحَمَّد - رحمهما اللَّه - في جواز نكاحهما إذا أكذب نفسه. (حَكِيمٌ): حيث حكم بالحكمة بين المتلاعنين، أو (حَكِيمٌ): وضع كل شيء موضعه. وفيه نقض قول المعتزلة في قولهم: إن اللَّه لا يفعل بأحد إلا ما هو أصلح له في الدِّين وأخير؛ إذ لو لم يكن له أن يفعل غير الذي فعل لم يكن لتسمية ما فعل فضلا ورحمة - معنى؛ فدل أن له أن يفعل غير الأصلح في الدِّين. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ

النور 24:11

هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ... (١١) أي: بالكذب. (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ). أي: جماعة منكم. ثم اختلف في قوله: (مِنكُم). قال قائلون: كانوا من أصحاب عائشة رموها بما ذكر في الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانوا منافقين، من نحو: عبد اللَّه بن أبي رأس المنافقين، وحسان ابن ثابت، وغيرهما. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان ذلك من الفريقين جميعًا: من أصحاب أبي بكر وأقربائه، والمنافقين أيضًا. فإن كان ذلك من أصحاب عائشة - رضي اللَّه عنها - وقراباتها فذلك يخرج منهن على الغفلة والعثرة، ليس على الانتقام والحقد؛ لأن القرابات والمتصلين بالرحم لا يقصد بعضهم ببعض الانتقام والحقد بمثله؛ فإذا كان كذلك فيخرج ذلك منهم إن كان مخرج الغفلة والزلة لا مخرج الانتقام. وإن كان ذلك من المنافقين فهو على الانتقام وطلب الشين منهم لها، وكأن في ظاهر الآية دلالة افتراء الإفك من المنافقين، ثم تسامع المؤمنون بعد ذلك، ويتلقى بعضهم من بعض؛ حيث قال: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)؛ فإن كان ذلك فهو على ما وصفنا: أن ذلك من المؤمنين غفلة وزتة وعثرة، ومن المنافقين انتقام وطلب شين، واللَّه أعلم. وقوله: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).

النور 24:12

قَالَ بَعْضُهُمْ: لا تحسبوه شرا لكم؛ لأنكم تؤجرون وتثابون على ما قيل فيكم من الفحش والقذف بما قرفوا به؛ بل هو خير لكم في الآخرة؛ على ما ذكرنا من الأجر. ويحتمل قوله: (بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) في الدنيا؛ لما برأه اللَّه مما قرفوا به، ودفع عنهم تمكين ما قرفوا به، ووعد لهم الجنة بقوله: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)، وكان قبل نزول هذه الآية موهوم عند الناس فيها متمكن احتمال ذلك الفعل؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)، وقال: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ...) الآية، كانت كالمؤمنات جميعًا موهوم عنهن عند الناس، محتمل ذلك؛ فلما قرفت - رفع اللَّه ما كان موهومًا عند الناس قبل ذلك، ووعد لهم الأجر الكريم والرزق الحسن بقوله: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): فلا شك أن ذلك خير لهم في الدنيا وشر لأُولَئِكَ الذين رموها حتى لم يتجاسر أحد بعد ذلك، ولا اجترأ أن يظن فيها ظن السوء، فضلا عن أن يقول فيها سوءًا، وقصة عائشة - رضي اللَّه عنها - طويلة، لكنا نذكر ما كان بنا إلى ذلك حاجة. أو أن يقال: بل هو خير لكم لما أنزل اللَّه - تعالى - فيهم آيات فيها براءتهم عما قرفوا به تتلى تلك الآيات إلى يوم القيامة، وذلك خير لهم، واللَّه أعلم. وقوله: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ). إثمه: ما قرفها به. (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ). هو ذلك المنافق الذي ألقى ذلك في الناس، (لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ): فيه دلالة أنه يموت على نفاقه، وكذلك مات على نفاقه؛ فلحقه ذلك الوعد، قيل: هو عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ)، أي عظمه من المعصية، يعني: عبد اللَّه بن أبي ابن سلول (لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)؛ لأنه كان منافقًا. وقوله: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: هلا إذ سمعتموه قذف عائشة - رضي اللَّه عنها - بصفوان كذبتم أنتم

النور 24:13

أُولَئِكَ القذفة، يقول: ألا ظن بعضهم ببعض خيرا، وهلا قالوا: (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)، يقول اللَّه: هلا قالوا: القذف كذب مبين، وعلى هذا يخرج -أيضًا- قوله: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)، أي: هلا قالوا لهم: جيئوا بأربعة شهداء على قذفكم إياهم؛ (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ). ويحتمل أن يكون قوله: لولا إذ سمعتموه ظننتم بهم ظنا: ما يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا دون أن قالوا: إفك مبين. أو أن يكون التأويل: إن لم يظن أحد منكم بنفسه إذا كان مع أزواج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذلك فكيف ظن بصفوان ذلك إذا كان هو مع أزواجه؟! أو أن يقال: إذا لم يكن يظن أحد منكم بأمهاته ومحارمه ذلك، فكيف ظن بأزواج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهن أمهاتكم وأمهات جميع المؤمنين؟! واللَّه أعلم. وقوله: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) أي: لم يكن لهم بما قذفوا شهداء، ولا يجدون على ذلك شهداء. وجائز أن يكون قوله: (لَوْلَا)، أي: لم يكن؛ كقوله: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ)، أي: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية (يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا). وإلا على تأويل (هَلا) يبعد؛ لأنه لم يكن لهم شهداء على ذلك؛ فكيف يأتون؟! وقوله: (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ). وإن أتوا بالشهداء على أمر عائشة كانوا كاذبين أيضا؛ فدل أن تأويل قوله: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ)، أي: لم يكن شهداء؛ فكيف قذفوها؟! واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ): حيث أنزل في قذفكم عائشة بصفوان آيات في براءتهما حتى تبتم عن ذلك، وإلا لمسّكم العذاب في الآخرة بذلك. والثاني: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) لمسكم العذاب، ولعاقبكم بما قلتم في عائشة في الدنيا؛ على هذا التأويل: العذاب الموعود: في الدنيا، وعلى التأويل الأول: الوعيد في الآخرة، لكن بفضله ورحمته دفع عنكم، واللَّه أعلم.

النور 24:14

الآية ١٤ : وقوله تعالى :]ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم[ هذا يحتمل وجهين : أحدهما (١) :]ولولا فضل الله عليكم ورحمته[ حين(٢) أنزل في قذفكم عائشة بصفوان آيات في براءتهما حتى تبتم عن ذلك، وإلا لمسكم العذاب في الآخرة بذلك. والثاني :]ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم[ العذاب، ولعاقبكم بما قلتم في عائشة في الدنيا. على هذا التأويل العذاب الموعود في الدنيا. وعلى التأويل الأول الوعيد في الآخرة. لكن بفضله ورحمته رفع عنكم، والله أعلم. وقوله تعالى :]في ما أفضتم[ أي خضتم فيه. وقال بعضهم : في قوله :]بأنفسهم خيرا[ ( النور : ١٢ ) أي بأمثالهم خيرا، تأويله : لولا ظن المؤمنون بأمثالهم خيرا دون أن يظنوا بهم شرا(٣). وفي ما عظم الله سبحانه وتعالى أمر القذف، وشدد فيه ما لم يشدد في غيره، ولم يعظم وجوه : أحدهما : قطع طمع أهل الفجور والريبة فيهن لئلا يطمع أحد منهم في المحصنات وأولاد الكرام ذلك الفعل(٤)، فقطع طمعهم بما شدد فيه لئلا يُقرفن بذلك، ولا يطمع فيهن بذلك. والثاني : ليترك(٥) الناس الرغبة في مناكحة المحصنات وأولاد الكرام، ويرغبوا(٦) في من دونهن. ( والثالث : لئلا ) (٧) تحدث الضغائن والعداوة بين القذفة وبين المتصلين بالمقذوفات. وقوله تعالى :]ولولا فضل الله عليكم ورحمته[ لكان كذا، هذا من الله على الإيجاب ؛ أي قد كان منه ذلك. وإذا كان مضافا إلى الخلق فهو على أنه لم يكن ذلك، ولذلك تأولوه : هلا. وعن ابن عباس أنه قال في قوله :]لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات[ ( النور : ١٢ ) يقول : قال للمؤمنين :]لولا[ هلا إذ بلغكم عن عائشة /٣٦٤- ب/ وصفوان ]ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا[ يقول : فظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم، وعلمتم أن أمكم، لا تفعل ذلك، وكذلك المؤمنة، لا تفعل ذلك، وقلتم :]هذا إفك مبين[ ( لولا[ هلا ]جاءوا عليه بأربعة شهداء[ ( يشهدون )(٨) على قولهم، ويصدقونهم على مقالتهم ]فإذا لم يأتوا بالشهداء[ كذبتموه ]فأولئك عند الله هم الكاذبون[ ( النور : ١٣ ) وهو قريب مما ذكرنا في ما تقدم. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: حيث.. ٣ من م، في الأصل: شر.. ٤ في الأصل وم: الفضل.. ٥ في الأصل وم: بترك.. ٦ في الأصل وم: ويرغبون.. ٧ في الأصل وم: و.. ٨ ساقطة من الأصل وم..

النور 24:15

وقوله: (فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ)، أي: خضتم فيه. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)، أي: بأمثالهم خيرًا، تأويله: لولا ظن المؤمنون بأمثالهم خيرا دون أن يظنوا بهم شرا. وفيما عظم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر القذف وشدد فيه ما لم يشدد في غيره ولم يعظم وجوه: أحدها: قطع طمع أهل الفجور والريبة فيهن، لئلا يطمع أحد منهم في المحصنات وأولاد الكرام ذلك الفضل، فقطع طمعهم بما شدد فيه؛ لئلا يقرفن بذلك، ولا يطمع فيهن ذلك. والثاني: بترك الناس الرغبة في مناكحة المحصنات وأولاد الكرام، ويرغبون فيمن دونهن، ويحدث أيضًا الضغائن والعداوة بين القذفة وبين المتصلين بالمقذوفات. وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) لكان كذا: هذا من اللَّه على الإيجاب، أي: قد كان منه ذلك، وإذا كان مضافًا إلى الخلق فهو على أنه لم يكن ذلك؛ ولذلك تأولوه: هلا. وعن ابن عَبَّاسٍ أنه قال في قوله: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ)، يقول: قال للمؤمنين: (لَوْلَا): هلا إذ بلغكم عن عائشة وصفوان (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)، يقول: فظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم، وعلمتم أن أمكم لا تفعل ذلك، وكذلك المؤمنة لا تفعل ذلك، وقلتم: هذا إفك مبين. (لَوْلَا): هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء على قولهم، ويصدقوهم على مقالتهم، فإذا لم يأتوا بالشهداء كذبتموهم؛ فأُولَئِكَ عند اللَّه هم الكاذبون، وهو قريب مما ذكرنا فيما تقدم. وقوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ... (١٥) بالتشديد، أي: تقبلونه، وتلقونه - بالتخفيف - أي: تأخذونه من الولق، وهو الكذب، وكذلك قرأت عائشة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ)، أي: تقولونه، قال: تلقيت الكلام، ولقنت وتلقنت: واحد. وقوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) من غيركم. (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ) فيما بينكم.

النور 24:16

الآية ١٦ : ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة، فقال :]ولولا[ يقول : هلا ]إذ سمعتموه[ أي القذف ]قلتم ما يكون لنا[ أي ما(١) ينبغي لنا ]أن نتكلم بهذا[ الأمر. وهلا قلتم :]سبحانك هذا بهتان عظيم[ لعظم ما قالوا فيها. والبهتان الذي يبهت، فيقول ما لم يكن من قذف أو غيره. وقال أبو عوسجة : البهتان الكذب ؛ يقال : بهت أي كذب. ١ من م، ساقطة من الأصل..

النور 24:17

وجائز أن يكونا جميعًا واحدًا، أي: تتكلمون بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم (مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) أي: من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف قد كان، واللَّه أعلم. وقوله: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: تحسبون القذف ذنبًا هينًا. (وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) في الوزر. وجائز أن يكون قوله: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا): في الدِّين؛ لأن القذف يحدث نقصانًا في الدِّين، والنقصان في الدِّين عظيم عند اللَّه وتحسبونه أنتم هينًا. ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال: (وَلَولَا) يقول: هلا، (إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) أي: القذف، (قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا) أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الأمر، وهلا قلتم: (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) لعظم ما قالوا فيها، والبهتان: الذي يبهت، فيقول: ما لم يكن من قذف أو غيره. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: البهتان: الكذب، يقال: بهت أي: كذب. (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا (١٧) أي: القذف أبدًا. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ؍ (١٨) في بيان ذلك وبراءتهم، أو يبين أوامره ونواهيه.؍ (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي: عليم بكل شيء من قول أو فعل، حكيم يضع كل شيء موضعه. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) كان أصل النفاق هم الذين أحبوا أن تشيع الفاحشة، وإلا أهل الإسلام لا يحبون ذلك في المؤمنين (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة؛ لنفاقهم وقرف عائشة. وأما في المؤمنين فهو ما قال: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). وروي عن عمرة عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول اللَّه على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم. وعن ابن عَبَّاسٍ أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ضرب عبد اللَّه بن أبي، وحسان، ومسطح بن أثاثة الحد، وفي بعض الأخبار: وامرأة أيضا، وقيل: خمسة، لكل واحد ثمانين جلدة. ثم ما ذكر من قذف عائشة أنه بهتان عظيم وقوله: (وَتَحْسَبُونَهُ) (وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) ونحوه فجائز أن يكون في قذف كل محصنة بريئة دون أن يكون ذلك خصوصا لعائشة، وهو كما

النور 24:18

الآية ١٨ : وقوله تعالى(١) :]ويبين الله لكم الآيات[ في بيان ذلك وبراءتهم. أو يبين أوامره ونواهيه ]والله عليم حكيم[ أي ]عليم[ بكل شيء من قول أو فعل ]حكيم[ يضع كل شيء موضعه. ١ ساقطة من الأصل وم..

النور 24:19

الآية ١٩ : وقوله تعالى :]إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا[ ( قيل في عائشة وفي المؤمنين )(١) : كان أهل(٢) النفاق هم(٣) الذين أحبوا أن تشيع الفاحشة وأما(٤) أهل الإسلام فلا(٥) يحبون ذلك أبدا (٦) ]لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة[ لنفاقهم وقذف عائشة. وأما ما ( قيل :)(٧) في المؤمنين فهو ما قال :]يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين(. وروي عن عمرة عن عائشة أنها(٨) قالت : لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة، فضربوا حدهم. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ضرب عبد الله بن أبي ( بن سلول )(٩) وحسان بن ثابت(١٠) ومسطح بن أثاثة الحد، وفي بعض الأخبار : وامرأة أيضا، وهي حمنة ( بنت جحش )(١١) : لكل واحد ثمانون جلدة. ثم ما ذكر من قذف عائشة أنه ]بهتان عظيم[ وقوله :]وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم[ ( النور : ١٥ ) ونحوه فجائز أن يكون ذلك في قذف كل محصنة بريئة دون أن يكون ذلك خصوصا لعائشة، وهو كما ذكر في قذف المحصنات :]والذين يرمون المحصنات[ الآية ( النور : ٤ ). وقوله تعالى :]إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا[ هذا يحتمل وجهين : أحدهما : يشيعون الفاحشة، ويذيعونها في الذين آمنوا هم الذين تولوا إشاعتها(١٢) وإذاعتها ( بأنفسهم )(١٣) فيهم لهم ما ذكر من العذاب الأليم. والثاني :]يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا[ ليكون(١٤) ذلك ذريعة لهم في المؤمنين، فيقولوا(١٥) : إن دينكم لم يمنعكم عن الفواحش والمنكر ]لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة[ لأنهم كانوا منافقين : منهم كان أول بدء القذف، وبهم شاع. لذلك كان لهم هذا الوعيد. وقوله تعالى :]والله يعلم وأنتم لا تعلمون[ أي والله يعلم حقائق الأشياء، وأنتم لا تعلمون حقائقها. وفيه دلالة تعليق الحكم بالظواهر دون تعليقه بالحقائق. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: أصل.. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ في الأصل وم: وإلا.. ٥ الفاء ساقطة من الأصل.. ٦ في الأصل وم: في المؤمنين.. ٧ ساقطة من الأصل وم.. ٨ ساقطة من الأصل وم.. ٩ ساقطة من الأصل وم.. ١٠ ساقطة من الأصل وم.. ١١ ساقطة من الأصل وم.. ١٢ في الأصل وم: أشياعهم.. ١٣ ساقطة من الأصل وم.. ١٤ في الأصل وم: ليكونوا.. ١٥ في الأصل وم: فيقولون..

النور 24:20

ذكر في قذف المحصنات (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ). وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يشيعون الفاحشة ويذيعونها في الذين آمنوا هم الذين تولوا إشاعتها وإذاعتها فيهم لهم ما ذكر من العذاب الأليم. والثاني: يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ ليكون ذلك ذريعة لهم في المؤمنين فيقولون: إن دينكم لم يمنعكم عن الفواحش والمنكر. (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)؛ لأنهم كانوا منافقين ومنهم كان أول بدء القذف، وبهم شاع؛ لذلك كان لهم هذا الوعيد. وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) أي: واللَّه يعلم حقائق الأشياء وأنتم لا تعلمون حقائقها. وفيه دلالة تعليق الحكم بالظواهر دون تعليقه بالحقائق. وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) لم يذكر جواب قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ)، فجوابه ما ذكر في قوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) أن بفضله يزكو من زكا، وبرحمته يصلح من صلح، لا يصنع من نفسه. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) نهى المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان، ولم يبين ما خطوات الشيطان، لكنه قال: (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) فجوابه أن يقول: فإن خطواته كذا، ولم يقل أيضًا: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفاحشة، ولكنه قال: (فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، لكن جوابه ما قال في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ

النور 24:21

الآية ٢١ : وقوله تعالى ]يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر[ نهى المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان، ولم يبين ما خطوات الشيطان ؟ لكنه قال :]ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر[ فجوابه أن يقول : فإن خطواته كذا. ولم يقل أيضا :]ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه[ يفعل الفاحشة، ولكنه قال :]فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر(. لكن جوابه ما قال في آية أخرى. وما قال في آية أخرى :]يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين[ ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء[ الآية ( البقرة : ١٦٨ و ١٦٩ ) أخبر ( أن من اتبعه )(١) أمر بالفحشاء والمنكر. ثم(٢) خطوات من الخطوة، والخطوة ؛ وهما من رفع القدم ووضعه. وأصله نهي عن اتباع آثاره. وقوله تعالى :]ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء[ التزكية تحتمل التوفيق والعصمة ( أو )(٣) يزكون بما أعطى لهم من التوفيق و العصمة، أو يزكون بما أرسل إليهم من الكتب والرسل ( لكن التوفيق )(٤) والعصمة أشبه. وفيه نقض قول المعتزلة لأنه أخبر من زكا فإنما يزكو بفضله ورحمته، وهم يقولون : لو فعل بهم غير الذي فعل كان جائزا عندهم. فعلى قولهم : ليس بمفضل، ولكنه(٥) عادل لأنه فعل ما عليه أن يفعل. فعلى قولهم : لا يكون مفضلا، ولكن عادلا ؛ إذ لم يسم في الشاهد من فعل ما عليه أن يفعل مفضلا. وعلى قولهم : إنه قد أعطى كلا ما به ( يزكو، ويصلح )(٦) لكنهم لم يزكوا هم ( باختيارهم )(٧) فعلى قولهم : لم يزك من زكا به، ولكنه إنما زكا بما أعطاه له. فقد أخبر أن من زكا فإنما زكا به، وأنه قد أبقى عنده ما لو أعطاهم ذلك لزكوا. وقد أعطى ذلك من زكا، وصلح، ولم يعط من لم يزك. فذلك قوله :]ولكن الله يزكي من يشاء[ والله الموفق. وقوله تعالى :[ و الله سميع عليم ] أي سميع لأقوالهم وعليم بأفعالهم. وأصله ما ذكر :[ يعلم ما يسرون وما يعلون ]( البقرة : ٧٧و. . ). ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٥ في الأصل وم: ولكن.. ٦ في الأصل وم: يزكون ويصلحون.. ٧ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

النور 24:22

عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ...) الآية، أخبر أن، من اتبعه أمره بالفحشاء. والخطوات: من الخُطْوة والخَطْوة وهما من رفع القدم ووضعه، وأصله نَهْي عن اتباع آثاره. وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) التزكية تحتمل التوفيق، والعصمة؛ يزكون بما أعطى لهم من التوفيق والعصمة. أو يزكون بما أرسل إليهم من الكتب والرسل والعصمة، وهو أشبه. وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أن من زكا إنما يزكو بفضله ورحمته، وهم يقولون: لو فعل بهم غير الذي فعل كان جائزًا عندهم فعلى قولهم ليس بمفضل ولكن عادل؛ لأنه فعل ما عليه أن يفعل؛ فعلى قولهم لا يكون مفضلا، ولكن عادلا؛ إذ لم يسم في الشاهد من فعل ما عليه أن يفعل: مفضلا؛ وعلى قولهم: إنه قد أعطى كلا ما به يزكون ويصلحون، لكنهم لم يزكوا هم؛ فعلى قولهم لم يزك من زكا به، ولكنه إنما زكا بما أعطاه له، فقد أخبر أن من زكا إنما زكا به، وأنه قد أبقى عنده ما لو أعطاهم ذلك لزكوا، وقد أعطى ذلك من زكا وصلح، ولم يعط من لم يزك. وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: سميع لأقوالهم وعليم لأفعالهم، وأصله ما ذكر: يعلم ما يسرون وما يعلنون. وقوله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَلَا يَأتَلِ) أي: ولا يحلف، وهو (يفتعل) من الإيلاء. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: لَا يَأْتَلِ، أي: لا يعجز، ولا يقصر، يقال: ائتلى يأتلي، وألا يألو ألوًا، وهو التقصير، وترك المبالغة. ثم يحتمل قوله: (أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ) أي: من له الفضل والسعة. ويحتمل (أُولُو الْفَضْلِ) من له الأفضال والمعروف وبر أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل اللَّه. ذكر أهل التأويل أن أبا بكر كان حلف ألا ينفع مسطحا بنافعة وكان قريبه بما تكلم في عائشة؛ فأنزل اللَّه النهي عن ذلك فقال: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ). لكن الآية وإن نزلت في أمر ومعنى كان من أبي بكر، فإن غيره من الناس يشترك في معنى ذلك، وفي ذلك النهي، وكذلك ما قال في آية أخرى، وهو قوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ

النور 24:23

عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ...) الآية، ذكر أن قومًا كانوا يحلفون ألا يبروا الناس، ولا يصلحوا بذلك أن يكون حلفهم في ذلك عذرا لهم في ترك الإنفاق عليهم، والتعاون، والإصلاح بين الناس، فنهوا عن ذلك، وذلك اليمين لهم، ولمن كان في معناهم، ليس لهم خاصة؛ فعلى ذلك قوله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ...) الآية، وإن كان في أبي بكر فهو فيه وفي الذين في معناه. وإن كان حلف هذا بترك الإنفاق لإساءة كانت منهم إليهم، والأول على الابتداء لإساءة كانت منهم إليهم، وكذلك هذه الآيات نزلت لنازلة كانت في عائشة وصفوان فإنما نزلت لتلك النازلة لمعنى لا نزلت لأنها كانت عائشة أو أبو بكر، لكن لمعنى بكل من وجد ذلك المعنى فيه شرك في ذلك، ويجعل كان هذه الآيات كلها نزلت فيه، وهو ما قال: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) فكل محصنة مؤمنة غافلة بريئة مما رميت به دخلت في الآية، وكل رامٍ محصن مؤمن غافل بريء مما رمي به في الآية؛ لوجود المعنى الذي نزلت الآية. وعلى ذلك القرآن إذا نزل بسبب بالمرء أو نازلة لمعنى، يشترك من وجد فيه ذلك المعنى فيه شرك في ذلك الحكم؛ فعلى ذلك ما نزل في أبي بكر من النهي بترك الإنفاق، وما عوده من اصطناع المعروف إليه لما كان منه إليه من الإساءة، ثم أمره بالعفو والصفح، وهو قوله: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا)، أي: اعفوا عن إساءته واصفحوا أي: لا تذكروا عفوكم إياه عن إساءة، ولا تذكروا زلته أيضًا؛ لأن ذكر العفو يخرج مخرج الامتنان كقوله: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى)؛ لأن المن والأذى يبطل الصدقة، وذكر الزلة يخرج مخرج التعيير والتوبيخ، فأمره بالعفو وهو ظاهر والصفح ما ذكرنا من ترك ذكر العفو والزلة والإساءة جميعًا، واللَّه أعلم. وقوله: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) أي: قد تحبون أن يغفر اللَّه لكم ما كان منكم إليه من الإساءة، فإن أحببتم ذلك فاعفوا عمن أساء إليكم، واللَّه غفور رحيم. وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ (٢٣) قد ذكرنا أن المحصنات هاهنا: هن الحرائر، والغافلات: هن بريئات من الفاحشة، والمؤمنات ظاهر. وقوله: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) كان الآية نزلت في المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس؛ لذلك ذكر فيهم اللعن؛ فهو كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) والمؤمن لا

النور 24:24

يحب أن تشيع الفواحش في المؤمنين، إنما ذلك عادة المنافقين. ثم اللعن في الدنيا هو الحد الذي ضرب، وفي الآخرة العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وعظيم كأنه ذكر اللعن والعذاب الأليم إذا لم يتوبوا، وماتوا على النفاق، فعند ذلك يكون لهم ما ذكر؛ ويدل لما ذكرنا أن الآية في المنافقين قوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ... (٢٤)، الآية. وإنَّمَا تشهد هذه الجوارح على الكافر لإنكاره باللسان، وأمَّا المؤمن فإنه مقر بذلك كله لا يحتاج إلى أن تشهد عليه الجوارح، وهو ما قال: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ...) الآية، ونحوه، كأنهم ينكرون ذلك في الآخرة كما أنكروا في الدنيا كقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ)، أخبر أنهم يحلفون لله في الآخرة كما كانوا يحلفون لرسول اللَّه في الدنيا، فجائز: أن ألسنتهم تشهد عليهم بعد ما أنكروا، وتشهد عليهم سائر الجوارح إذا أنكروا، وهو ما قال في آية أخرى: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...) الآية. (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا...) الآية، تكون شهادة الألسن بعد ما أنكروا هم ذلك، وحلفوا؛ فعند ذلك تشهد عليهم ألسنتهم، واللَّه أعلم. وقوله: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) يؤمنون به جميعًا يومئذ، ويقرون بالحق، لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ؛ كقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)، (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ)، أي: يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد اللَّه، والإقرار بالربوبية له والألوهية هو الحق المبين، أي: تبين ذلك، والحق المبين: ما يبين ما يؤتى وما يتقى، وما يحل مما يحرم. وقوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ... (٢٦) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: الخبيثات من الكلمات والقول للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلمات والقول، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات. وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ للكافرين. وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، ونحوه من الكلام. ثم قال: (أُولَئِكَ) يعني: عائشة وصفوان. (مُبَرَّءُونَ) مما يقول أُولَئِكَ القذفة. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي: حسن؛ فابن عَبَّاسٍ صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعًا ووجودا، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا)، وقوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو الشرع. وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول اللَّه، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كن طيبات لكُنَّ لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين والخبيئون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، واللَّه أعلم. وعن عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير. ثم تلا عبد اللَّه (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ...) الآية. وجائز أن يكون الخبيئات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة

النور 24:25

الآية ٢٥ : وقوله تعالى :]يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق[ يؤمنون به جميعا يومئذ، ويقرون بالحق لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ كقوله :]لا ينفع نفسا إيمانها[ الآية ( الأنعام : ١٥٨ ). وقوله تعالى(١) :]ويعلمون أن الله هو الحق المبين[ أي يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد الله والإقرار بالربوبية له والألوهية ]هو الحق المبين[ أي بين ذلك، والحق المبين ما تبين ما يؤتى وما يتقى، وما يحل، وما يحرم. ١ ساقطة من الأصل وم..

النور 24:26

الآية ٢٦ : وقوله تعالى :]الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات[ اختلف فيه : قال : بعضهم ]الخبيثات[ من الكلمات ( ( للخبيثين[ من الناس )(١) ] والطيبات[ من الكلمات ]للطيبين[ من الناس ]والطيبون[ من الناس ]للطيبات[ من الكلمات. وقال مجاهد : هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيء للكافرين ؛ وذلك ما قال : الكافرون ( بريئون من كل )(٢) كلمة طيبة، هي(٣) للمؤمنين، وما قال : المؤمنون بريئون(٤) كل خبيثة، هي للكافرين، كل بريء مما ليس له نحو من الكلام. ثم قال :]أولئك[ يعني عائشة وصفوان ]مبرءون مما[ يقول أولئك القذفة ]لهم مغفرة ورزق كريم[ أي حسن فابن عباس صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفهم ؛ وذلك محتمل، وهو قريب من الأول. وقال بعضهم :]الخبيثات[ من النساء ]للخبيثين[ من الرجال، ]والخبيثون[ من الرجال ]للخبيثات[ من النساء، ]والطيبات[ من النساء ]للطيبين[ من الرجال. لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعا ووجودا. أما الشرع ( فهو )(٥) نهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله :]ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا[ ( البقرة : ٢٢١ ) وقوله :]الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة[ ( النور : ٣ ) فالمشركات من الخبيثات، هن لخبيثين منهم، وهم المشركون. وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات، هن الطيبات، فهن للمؤمنين. وكذلك المحصنات الغافلات، هن الطيبات، فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح. هذا، هو الشرع. وأما الوجود، فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول الله، والأذى له ؛ وذلك لخبثهن وكفرهن وموافقة أزواجهن. فلو كن طيبات لكن لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة ( على كفر )(٦) زوجها ( ولا يصبر الزوج على كفر )(٧) امرأته. ومن صبر على ذلك فإنما صبر لخبثه ؛ فبعضهم لبعض أكفاء : الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، والله أعلم. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( أنه )(٨) قال : قال : إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح، فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث، فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث، فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير، ثم تلا عبد الله :]الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطبيات للطيبين والطيبون للطيبات[ الآية. وجائز أن يكون الخبيثات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا في الدنيا. /٣٦٥-ب/ فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في الدنيا والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي. وقال بعضهم : قوله :]إن الذين يرمون المحصنات[ إلى قوله :]ويعلمون أن الله هو الحق[ أنزل(٩) في المنافقين الذين قذفوا عائشة ( وهم )(١٠) عبد الله بن أبي ( بن سلول )(١١) وأصحابه. وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذركنا أن المؤمنين لم يقصدوا به قذفها، ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة. وأما المنافقون فقد قصدوا به القذف والفِرية. فأوجب للمنافقين الحد واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر :]لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم[ ( النور : ٢٣ )، ]لهم عذاب أليم[ ( النور : ١٩ ). وأما المؤمنون فقال لهم :]ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم[ ( النور : ١٤ ). وقال بعضهم : فضله الإسلام ورحمته القرآن، أي لولا ذلك لعذبكم كما عذب أولئك. ثم قال ( بعضهم : قوله )(١٢) ]الخبيثات[ من القول ( والعمل )(١٣) ]للخبيثين[ من الناس كما ذكر أولئك. إلا أنه زاد فيه : والعمل(١٤). وذلك كله قريب بعضه ( من بعض )(١٥) والله أعلم بذلك. وقال ( بعضهم )(١٦) : إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء، فيقول القائل : قال فلان كذا وكذا، فيقول الآخر : ما هذا من كلام فلان. وروي عن أبي ( بن كعب أنه قال مثل قول عبد الله بن مسعود )(١٧) : إن الكلمة الخبيثة، تخرج من لسان العبد، فتصعد إلى السماء، فلا تفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى الأرض، فلا تجد لها مستقرا، وتذهب إلى البحور، فلا تجد لها مكانا، فتقول : ما أجد لي موضعا أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها. ثم تلا كعب هذه الآية :]الخبيثات للخبيثين[ الآية. ١ في الأصل وم : والقول.. ٢ في الأصل وم: من.. ٣ في الأصل وم: فهي.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ في الأصل وم: يصير.. ٧ في الأصل وم: والزوج بكفر.. ٨ ساقطة من الأصل وم.. ٩ في الأصل: أنزلت، في م: نزلت.. ١٠ ساقطة من الأصل وم.. ١١ ساقطة من الأصل وم.. ١٢ ساقطة من الأصل وم.. ١٣ ساقطة من الأصل وم.. ١٤ ادرج قبلها في الأصل وم: من القول.. ١٥ في الأصل وم: ببعض.. ١٦ ساقطة من الأصل وم.. ١٧ في الأصل وم بمثل قبل عبد الله فقال..

النور 24:27

في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا في الدنيا أعمالا طيبة، فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في الدنيا، والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي في الدنيا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) إلى قوله: (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) أُنزلت في المنافقين الذين قذفوا عائشة: عبد اللَّه بن أبي وأصحابه، وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذكرنا لم يقصدوا به قذفها، ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة، وأمَّا المنافقون فقد قصدوا به القذف والفرية؛ فأوجب للمنافقين الحد واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وأمّا المؤمنون فقال لهم: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن، أي: لولا ذلك لعذبكم كما عذب أُولَئِكَ. ثم قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس نحو ما ذكر أُولَئِكَ إلا أنه زاد فيه من القول والعمل، وذلك كله قريب بعضه ببعض، واللَّه أعلم بذلك. وقال: إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء فيقول القائل: قال فلان: كذا وكذا، فيقول الآخر: ما هذا من كلام فلان. وروي عن كعب بمثل قِيلِ عبد اللَّه بن مسعود، فقال: إن الكلمة الخبيثة تخرج من لسان العبد فتصعد إلى السماء فلا يفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى الأرض فلا تجد لها مستقرًّا، وتذهب إلى البحور فلا تجد لها فيها مكانًا، فتقول: ما أجد لي موضعًا أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها. ثم تلا كعب هذه الآية: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ...) الآية. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) روي عن عبد اللَّه بن عَبَّاسٍ أنه كان يقرؤها: (حتى تستأذنوا وتسلموا على أَهْلِهَا). وقال: (تَسْتَأْنِسُوا) وهمٌ من الكاتب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الاستئناس: الاستئذان. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الاستئناس: الاستعلام، وهو أن يطلب من أهل البيت الإذن بالدخول، والاستئذان هو طلب الإذن منهم للدخول. وروي عن أبي أيوب قال: قلنا: يا رسول اللَّه، هذا السلام قد عرفناه فما الاستئذان؟ قال: " أن يرفع صوته بالتحميد أو بالتسبيح أو بالتكبير ليؤذن للدخول ". فإن ثبت هذا فهو إلى الاستعلام أقرب وهو كقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا)، أي: علمتم. ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها) على التقديم والتأخير، أي: حتى تسلموا وتستأنسوا، وهو أن يبدأ فيقول: السلام عليكم ورحمة الله! أدخل أو لا؟ ثم يستأذن، وهو ما روي: " السلام قبل الكلام ". ولكن عندنا أن الاستئذان للدخول فإذا أذن بالدخول فدخل فعند ذلك يسلم عليهم كقوله: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً)، فإنما أمر بالسلام بعد الدخول؛ فعلى ذلك هذا يستأذن للدخول فإذا أذن له فدخل فبعد الدخول يسلم عليهم؛ لأنه لو سلم أولا ثم استأذن احتاج إلى أن يسلم ثانيا إذا دخل؛ فهذا الذي ذكرنا أشبه بعمل الناس وظاهر الآية، واللَّه أعلم. ثم قوله: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ) لم يرجع إلى المساجد ونحوه بل يرجع ذلك إلى بيوت مسكونة؛ فذلك يدل لقولنا: إن من حلف ألا يدخل بيتًا فدخل المسجد لم يحنث. وقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي: ذلك الاستئذان والتسليم خير لكم من ترك الاستئذان؛ لأنه ترك التأدب بما أدبه اللَّه وعلمه (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، أي: تتعظون

النور 24:28

بأدب اللَّه، وروي في بعض الأخبار: (أن من دخل بيتًا بغير إذن قال له الملك الموكل به: عصيت وآذيت فيسمع صوته الخلق كله غير الثقلين، ويصعد صوته إلى السماء الدنيا، فيقول ملائكة السماء: إن فلانًا عصى ربه وأذى). وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) هذا يدل على أن الاستئذان وطلب الإذن لا لحيث أنفسهم خاصة ولكن لأنفسهم ولما لهم في البيوت من الأموال؛ لأنه قال: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا) لم يأذن لهم بالدخول فيها وإن لم يكن فيها أحد حتى يأذن أرباب الأموال والمنازل بالدخول فيها؛ ليعلم أن النهي عن الدخول للأنفس والأموال جميعًا؛ لأن الناس يتخذون البيوت والمنازل صونًا للأنفس والأموال جميعًا، فكما يكرهون اطلاع غيرهم على أنفسهم وعيالاتهم فلا يطيب أنفسهم أيضًا باطلاع غيرهم، على أموالهم وأمتعتهم فلا يدنجل إلا بإذن من أهلها، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) ذكر في بعض الأخبار أن الاستئذان ثلاث من لم يأذن له فيهن فليرجع؛ أما الأولى: فيستمع الحي، وأمَّا الثانية: فيأخذون حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا. وقيل: لا تقعدن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، واللَّه أعذر بالعذر. وفي بعضها: وما تنقبم من شيء بابن آدم هو أزكى لكم. وقوله: (هُوَ أَزْكَى لَكُمْ)؛ لأنه إذا لم يؤذن بالدخول فقعدوا على بابهم ولم يرجعوا، أورث ذلك معاني تكره: أحدها: تهمة على أهل الدار على ما يقعد على أبواب أهل التهم من الشرطي وغيره فذلك مكروه عند الناس. والثاني: يكون للناس أشغال وحاجات في منازلهم وخارج المنازل، فإن انتظر وقعد على بابهم ضاق بذلك ذرعهم وشغل قلوبهم ذلك فلعل حاجاتهم لا تلتئم لشغلهم به؛ لذلك كان الرجوع أزكى لهم وخيرًا لهم من القعود على الباب والانتظار، واللَّه أعلم. وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " الاستئذانُ ثلاث فإِنْ أُذِنَ لكَ فيهن وإلا فَارْجِعْ ".

النور 24:29

وقَالَ بَعْضُهُمْ: معنى (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا): يقول: إن سكت عنكم فلم يؤذن لكم فقد قيل لكم: ارجعوا، وإن لم يقولوا بألسنتهم: ارجعوا. وقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وعيد؛ كقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ). ثم الاستئذان على محارمه لازم، وإن كان يجوز له أن ينظر إلى شعر ذات محرمه ووجهها فإنه منهي عن النظر إلى ما سوى ذلك من عورتها؛ لما يخشى أن يبدو من عورة المرأة إن دخل عليها بدون إذن. روي أن رجلاً سأل نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: أنا أخدم أمي وأفرشتها أستأذن عليها؟ قال: " نعم ". فسأله ثلاثًا؛ فقال له: " أيسرك أن تراها عريانة؟! " قال: لا قال: " فاستأذن عليها ". وكذلك روي عن حذيفة أن رجلا سأله فقال: أستأذن على أختي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك. وكذلك قال ابن مسعود وابن عَبَّاسٍ عن أحدهما في الأم وعن الآخر في الأخت. لكن أمره في الاستئذان على هَؤُلَاءِ أسهل وأيسر من أمر الأجنبي؛ إذ كان مطلقًا له أن ينظر إلى شعر محرمه ووجهها، واللَّه أعلم. وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) يحتمل قوله: (بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ) وجهين: أحدهما: بيوتًا غير محتملة للسكنى، وهي الخربات، والمواضع التي يقضي فيها الحوائج، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (بيوتًا غير معمورة لكم فيها منافع). والثاني: بيوتًا مسكونة محتملة للسكنى إلا أن أهلها لم يسكنوها؛ لنزول الناس فيها، وهي نحو الخانات والرباط التي تكون للمارة، وعلى ذلك روي في الخبر أنه لما نزلت آية الاستئذان قال أبو بكر: يا رسول اللَّه، فكيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة وبين المدينة والشام ليس فيها مساكن؟ فأنزل اللَّه - تعالى -: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ). وذكر في حرف ابن مسعود: (ليس عليكم جناح في بيت ليس فيه ساكن أن تدخلوه).

النور 24:30

وقوله: (فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) إن كان ذلك البيوت الخانات والبيوت التي ينزل فيها أهل السفر فيكون قوله: (فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) أي: فيها منفعة لكم من الدفء في الشتاء، والظل في الصيف، ودفع الحرّ في أيام الحرّ، ودفع البرد في أيام البرد. وإن كان البيوت هي الخربات وقباب وأمتعات التي كانوا يضعون في الطهور لقضاء الحوائج، فيكون قوله: (فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) أي: الخلاء والبول، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) قال: ما تبدون من السلام، وما تخفون منه، أو في كل شيء؛ كقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) يذكر هذا لنكونن أبدًا على حذر وخوف، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وقوله: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) روي عن علي - رضي اللَّه عنه - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يا علي إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ". وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يا بن آدم لك أول نظرة فإياك الثانية ". وعن جرير قال: سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: يغضوا أبصارهم عن شهواتهم فيما يكره اللَّه. ثم يحتمل قوله: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) وجوهًا ثلاثة:

النور 24:31

أحدها: غضوا أبصارهم لكي يحفظوا فروجهم؛ فإن حفظ الفرج إنما يكون بغض البصر وحفظه. والثاني: يغضوا أبصارهم عن النظر إلى من لا تحل من الأجنبيات؛ لأن النظر إلى المحارم يحل، ويحفظوا فروجهم عن الكل من المحارم والأجنبيات إلا الذين استثناهم في آية أخرى. والثالث: غضوا أبصارهم عما في أيدي الخلق، ولا تفتحوها إلى ما في أيديهم؛ كقوله: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ...) الآية. وقوله: (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) أي: أطهر لهم، وأدعى لهم إلى الصلاح من النظر. وعلى هذه يخرج قوله: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ... (٣١) وقوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) روي عن عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه عنه - قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ): الرداء والثياب. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا): الكحل والخاتم. وفي رواية أخرى: الكف والوجه. وعن عائشة قالت: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا): القلب والفتخة، وهي خاتم أصبع الرجل. وعن عبد: اللَّه الزينة زينتان: زينة باطنة لا يراها إلا الزوج. وأما الزينة الظاهرة فالثياب. والباطنة كالإكليل والسوار والخاتم. فإن كان التأويل ما روي عن ابن مسعود حيث جعلها من الثياب وغيره، ففيه دلالة ألا يحل النظر إلى وجه امرأة أجنبية. وإِن كان ما قال ابن عَبَّاسٍ ففيه دلالة حل النظر إلى وجه المرأة لا بشهوة. وإِن كان ما قالت عائشة من القلب والفتخة، ففيه دلالة جواز النظر إلى الكفين والقدمين؛ لأنهما ظاهرتان باديتان؛ ألا ترى أنهما من الظواهر في فرض غسل الوضوء، وإن كان ذلك ففيه دلالة جواز صلاتها مع ظهور القدم. وجائز أن يكون النظر إلى وجه المرأة حلالا إذا لم يكن بشهوة، لكن غض البصر وترك النظر أرفق وأزكى، كقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) كما تؤذى الإماء. والذي يدل أن للمرأة ألا تغطي وجهها، ولا ينبغي للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه المرأة إلا عند الحاجة إليه - قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " إنما لك الأولى وليست لك الآخرة "، وفي بعضها: " الأولى لك والآخرة عليك "؛ لأنه كأنه إنما كرر النظر في الثانية؛ لشهوة تحدث في قلبه. وإذنه للذي يريد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها يدل على أن نظر الرجل إلى وجه المرأة غير حرام؛ لأنه لو كان حرامًا لم يأذن فيه النبي لأحد. ونرى - واللَّه أعلم - أن النظر إلى وجه المرأة ليس بحرام إذا لم يقع في قلب الرجل من ذلك شهوة، فإذا وجد لذلك شهوة، ولم يأمن أن يؤدي به ذلك إلى ما يكره فمحظور عليه أن ينظر إليها إلا أن يريد به معرفتها والنكاح فإنه قد رخص في ذلك؛ روي أن المغيرة أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ". وقال في بعض الأخبار: " إذا خطب أحدكم المرأة فلا بأس أن ينظر إليها؛ إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة، وإن كانت لا تعلم ". وأحسن للشابة وأفضل لها أن تستر وجهها ويديها عن الرجال ليس لأن ذلك حرام وإليها معصية، ولكن لما يخاف في ذلك من حدوث الشهوة، ووقوع الفتنة بها، فإذا لم يكن للناظر في ذلك شهوة بأن كان شيخًا كبيرًا، أو كانت المرأة دميمة، أو عجوزًا فإنه لا يحظر النظر إلى وجوه أمثالهن، ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، وأصله قول اللَّه - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ). ومما يدل على أن الوجه والكفين جائز ألا يكون بعورة أن المرأة لا تصلي وعورتها مكشوفة، ويجوز أن تصلي ووجهها ويداها ورجلاها مكشوفة. فإذا كان كذلك دل ذلك على أن النظر إلى ذلك جائز إذا لم يكن ذلك لشهوة؛ دخل في ذلك معنى قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " العينان تزنيان "؛ لأن زناء العين لا يكون إلا النظر للشهوة، فإذا كان لشهوة دخل في ذلك معنى قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وروي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة، وهو ما روي عن عائشة قالت: دخلت عليَّ أختي أسماء وعليها ثياب شامية رقاق، وهي اليوم عندكم صفاق، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " هذه ثياب لا تحبها سورة النور فأمر بها فأخرجت "، فقلت: يا رسول اللَّه، زارتني أختي فقلت لها ما قلت، فقال: " يا عائش، إن الحرة إذا حاضت لا ينبغي أن يرى إلا وجهها وكفَّاها "، فإن ثبت هذا عنه فهو يبين ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) قد ذكرنا أن المرأة يكره لها النظر إلى الرجال من غير محرمها كما يكره للرجل النظر إلى المرأة الأجنبية؛ ألا ترى أنه روي أن أعميين دخلا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبعض أزواجه عنده - عائشة وأخرى - فقال لهما رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " قُومَا "، فقالتا: إنهما أعميان يا رسول الله!! فقال لهما: " هما وإن كانا أعميين فأنتما لستما بأعميين "، أو كلام نحو هذا، فدل أنه ما ذكرنا. وعلى ذلك أخبار: روي عن خالد بن معدان قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تبيت في مكان تسمع فيه نفس رجل ليس بمحرم، ولا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يبيت في مكان يسمع فيه نفس امرأة ليست له بمحرم ". وفي بعض الأخبار: أنه لم يرخص للمرأة أن يرى غير ذي محرم منها إلا الوجه والكف وما ظهر، وقبض رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على كوع عائشة وقال: " هذا ". وعن الحسن أنه قال في قوله: (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا): الوجه وما ظهر من الثياب. فإن ثبت ما ذكرنا من المروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث رخص النظر إلى الوجه والكف؛ لقوله: " إلا الوجه والكف " فاستثنى الوجه والكف من بين سائر الجوارح - كان ذلك تفسيرًا لقوله: (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) كأنه قال: " ولا يبدين زينتهن للأجنبيين إلا ما ظهر منها وهو الكحل والخاتم "، ثم الكحل يكون في الوجه والخاتم في اليد فذكر الزينة يكون كناية عن موضعها؛ لأن النظر إلى الزينة حلال لكل أحد إذا كان المراد بالزينة الحلي وما ذكره القوم، فدل أن المراد بذكر الزينة موضع الزينة لا نفس الزينة والحلي، ثم رخص للأجنبيين النظر إلى بعض مواضع الزينة وهو ما ظهر منها من الوجه والكف ولم يرخص ما خفي منها وما بطن. ثم استثنى المحارم منها، ورخص لهم النظر إلى ذلك بقوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ) إلى آخر ما ذكر. ثم مواضع الزينة الخفية منها الصدر، ومنها الأذنان وهما في الرأس، ومنها الساق. ثم جمع بين الأب ومن سمى معه وبين الزوج في النظر إلى زينة المرأة، ولا خلاف في أن الأب لا يجوز له أن ينظر من عورة ابنته إلا إلى رأسها وفي الرأس الأذنان، وقد يكون فيهما القرط ونحوه، وإذا جاز له أن ينظر إلى رأسها ولا خمار عليها؛ فله أن ينظر إلى صدرها وهو موضع الزينة؛ لأنه مما يغطيه الخمار، وينظر إلى ذراعيها وموضع الخلخال من قدميها ورجليها، وهي مواضع الزينة الباطنة التي لا يجوز للأجنبي النظر إليها. ثم النظر إلى الوجه أحق أن يحرم النظر إليه للأجنبي من الرأس وغيره من مواضع الزينة؛ لأن الوجه يجمع فيه جميع المحاسن وغيره من مواضع الزينة ليس فيها محاسن لكن إنما حرم النظر إلى هذه المواضع؛ لأنها عورة في نفسها؛ فالنظر إلى العورة حرام للأجنبي؛ ولأن النظر إليها - أعني: مواضع الزينة - لا يكون إلا للشهوة والنظر إليها للشهوة حرام. فأما المحارم منها فإنهم لا ينظرون إلى هذه المواضع منها لشهوة ولا يقصدون به ذلك ألبتَّة؛ فأبيح لهم النظر إليها لحاجة. وكل من يخشى من المحارم النظر إليها لشهوة لا ينظر إليها، وكذلك الأجنبي حيث أبيح النظر إلى الزينة الظاهرة فإن خشي به الشهوة لم ينظر إليها. ثم غيرها من الزينة لا يحل لأحد النظر إليها: الأب وغيره - إلا للزوج خاصة وللمولى إلى مملوكته وهو ما قال: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)، استثنى الأزواج والموالي من بين غيرهم؛ لأن النظر إلى ذلك لا يكون إلا للشهوة لا يقع فيه حاجة فلا يباح ذلك إلا لمن له قضاء أن شهوة والوطء وهو الزوج والمولي. فانقسمت العورة إلى جهتين: جهة يحل للمحارم منها النظر إليها لحاجة وضرورة تقع لهم. وجهة لا تحل لهم إلا للأزواج لما لا يقع لهم حاجة ولا ضرورة بالنظر إلى ذلك؛ ألا ترى أن الأمة ينظر إلى شعرها وذراعيها وساقيها وصدرها إذا أراد شرائها ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، فإذا جاز للأجنبي أن ينظر إليه من الأمة جاز لمحرمها النظر إلى ذلك من المرأة للحاجة التي ذكرنا. ثم ذكر في الآية المحارم جميعًا عدا الأعمام والأخوال، قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما لم يذكرا في هذه الآية؛ لأنها تحل لبنيهما بالنكاح فكره أن يصفاها لبنيهما؛ ولهذا كره من كره للمرأة المسلمة إبداء الزينة الخفية للكافرة من اليهودية والنصرانية لما لعلها تصف ذلك للمشركين، فيرغبون فيها، ويتكلفون ذلك، وصرف قوله: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) إلى المسلمات. لكن جائز عندنا أن العم والخال إنما لم يذكرهما للكثرة والتطويل لما يكثر ذلك من أجناسهم وأمثالهم، فذكر الرخصة في أمثالهم كافية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) يحتمل وجوهًا: يحتمل النساء اللاتي يختلطن بهن، أو نساء قرابتهن وأرحامهن، أو النساء اللاتي توافقهن في دينهن، وهن المسلمات على ما قاله أُولَئِكَ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ). قال قائلون: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ) كقوله: إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)، ونحوه. وقال قائلون: الإماء والعبيد جميعًا. فإن كان المراد به الإماء فهو ظاهر. وإن كان المراد به الأمة والعبد، ففيه إباحة نظر العبد إلى شعر مولاته على ما يقوله بعض الناس. والأشبه أن يكون المراد به واللَّه أعلم الإماء دون العبيد؛ لما ذكر في آخر الآية (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) والعبد من الرجال. أو ذكر التابع والمتابع وإن كان خصيًّا أو عنينًا أو معتوها على ما قالوا، فإنه لا يحل لهَؤُلَاءِ النظر إلى تلك المواضع على حال فعلى ذلك العبد؛ فيكون الدخول عليهن مضمر في الآية، وكن النساء متأهبات وقت دخول العبيد والتابعين عليهن؛ لأنه ذكر المتابعين ْوهم تابعو الأزواج، ووقت دخول هَؤُلَاءِ يكون معلومًا عندهن فيتأهبن لهم ويستترن، واللَّه أعلم بذلك؛ ألا ترى أنه لا يحل للمرأة أن تسافر بعبدها، دل أنه ليس بمحرم لها؛ لذلك لم يحل له النظر إلى شعر مولاته. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى ذكر إمائهن ونسائهن وكل النساء يجوز لهن النظر إلى المرأة وإلى هذه المواضع التي ذكرنا؟ قيل: خصَّ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بالذكر إماءهن ونساءهن دون النساء الأجنبيات؛ تأديبا لا حظرًا، وذلك أن المرأة قد يضيق عليها أن تستتر من أمتها ونساء أهل بيتها، لكثرة رؤيتهن لها، وقد تقدر أن تستر من الأجنبية محاسنها وزينتها؛ لقلة رؤيتها لها؛ ألا ترى أنه قد نهى المرأة أن تضرب برجلها؛ ليعلم ما تخفي من زينتها، وفي ذلك صيانة للرجل والمرأة وإبعاد لهما عما يحذر عليهما ويخاف؛ فليس ببعيد أن يجعل نهيه المرأة أن تظهر زينتها ومحاسنها للأجنبية؛ لما يخاف على الأجنبية من فساد قلبها وحدوث الشهوات لها؛ صيانة للنساء والرجال جميعًا، وإبعادًا لهم عن الزينة، ولئلا تصفها لرجل يفتتن بها، ويتكلف الوصول إليها. واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: " لما نزلت هذه الآية، أخذ النساء أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها "، وعن ابن عَبَّاسٍ: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يقول: وليشددن بخمرهن على جيوبهن، يقول: ليرخين بخمرهن على الصدر والنحر فلا يرين منها شيئًا. قال: وكن النساء قبل هذه الآية إنما يسدلن خمرهن سدلا من ورائهن كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية شددن الخمر على النحر والصدر. وفي الآية دلالة أن دروع النساء كانت جيب؛ لأن الجيب إنما تكون للدروع، وذلك كان لباس النساء، وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه نهى الرجال عن لبسة النساء، وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء. وروي أنه لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل. وعن ابن عَبَّاسٍ: " لعن النبي المؤنثين من الرجال والمذكرات من النساء ". وكأنه مكروه للرجل - واللَّه أعلم - أن يلبس فراعة وحدها لا قميص تحتها؛ لأن ذلك لباس النساء إلا أن يكون لها شق ذيل، فخرجت من لبس النساء، ولم تكره للرجال، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) جائز أن يكون قوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا): إنما يباح النظر إلى الوجه للحاجة، وأما على غير الحاجة فلا يباح؛ لما ذكرنا من قوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ...) الآية، وقوله: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)؛ فعلى ذلك ترك النظر إلى وجه المرأة أطهر للنساء وللناس جميعًا؛ فلا يباح ذلك إلا عند الحاجة إليه، وهو معرفتها؛ ليقيم به الشهادة. فَإِنْ قِيلَ: أليس النظر يسع إلى مواضع الزينة الخفية للأجنبي؛ للتداوي بها؟ قيل: يسع ذلك للضرورة وأما للحاجة فلا، ومسألتنا في الحاجة ليست في الضرورة. ثم قوله: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) إلى آخره ما ذكر: جائز أن يكون المراد برخصة النظر إلى الزينة لهَؤُلَاءِ المسمين في الآية رخصة النظر إلى نفس الزينة لا موضع الزينة؛ فيدخل في هذه الرخصة من ذكِرَ من التابعين غير أولي، الإربة من الرجال ونحوه؛ لأن الزينة في الصدر وما ذكر إنما تكون من وراء ثياب تكون على الصدر، ثم رخص النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الخفية بغير هذه الآية. أو أن يكون رخصة النظر للمحارم إلى مواضع الزينة ولغير المحارم من المماليك والتابعين غير أولي الإربة ومن ذكر - رخصة الدخول عليهن؛ فيكون في الآية إضمار الدخول؛ كأنه قال: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن ذكر من المحارم، ولا يدخل عليهن إلا العبيد والتابعون ومن ذكر من غير أولي الإربة، فيكن في وقت دخول هَؤُلَاءِ متأهبات؛ لأن وقت دخول هَؤُلَاءِ يكون معلومًا يعرفن فيتأهبن لهم؛ لأن العبيد إنما يدخلون على ساداتهم ومواليهم عند حاجتهن إليهم، والتابعون ومن ذكر إنما يدخلون إذا دخل أزواجهن عليهن فيتأهبن لذلك، ومثل هذا الإضمار جائز في الكلام يتبين ذلك بالثنيا كقوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)، دل قوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) أنه قد كان الصيد مذكورا فيه مرادًا؛ إذ لو لم يكن مذكورًا لم يكن استثنى منه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون في الأول إضمار الدخول فيه لهَؤُلَاءِ الذين لا يحل لهم النظر إلى مواضع الزينة منهن ورخصة الإبداء للمحارم، أو أن يكون ما ذكرنا فيما تقدم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الشيخ الكبير الذي لا حاجة له في النساء. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المعتوه الأحمق الذي لا يشتهي النساء، ولا يغار عليه الأزواج. وقَالَ بَعْضُهُمْ: العنين والخصي، وهَؤُلَاءِ الذين لا يطيقون الجماع. لكن عندنا لا يسع للعنين ولا للخصي أن يخلو بامرأة أجنبية. وقال الحسن: (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) هم المخنثون؛ روي عن عائشة قالت: كان يدخل على أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، قالت: فدخل النبي ذات يوم وهو ينعت امرأة، فقال: " لا أرى هذا يعلم ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم "؛ فحجبوه. وعن أم سلمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دخل عليها وعندها مخنث، فأقبل على أخي أم سلمة فقال: يا عبد اللَّه، إن فتح اللَّه لكم غدًا الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال: " لا أرى هذا يعرف ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم ". وقَالَ بَعْضُهُمْ: (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) الذين لا تهمهم ولا يخافون على النساء، وكله واحد، وهم الذين ليست لهم الحاجة إلى النساء. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الإربة: الحاجة: والإرب جمع، وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ. وقال ابن عَبَّاسٍ: هو الذي لا يستحي منه النساء. وقوله: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الاطلاع، أي: لم يطلعوا، ولم يعلموا، ولم يدروا ما هو من الصغر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لم يظهروا على عورات النساء، أي: لم يبلغوا الحلم. والأول أشبه عندنا؛ وذلك أن الطفل الذي لم يحتلم قد أمر بالاستئذان في بعض الأوقات؛ لقوله: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ)، فالذي يؤمر بالاستئذان هو الطفل الذي لم يحتلم، وقد يطلع على عورات النساء، والذي لا يؤمر بالاستئذان هو أصغر من ذلك، وهو الذي لا يطلع على عورات النساء لصغره، واللَّه أعلم.

النور 24:32

وقوله: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) أي: لا تضربن إحدى رجليها على الأخرى ليقرع الخلخال بالخلخال. (لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) أي: ما يواري الثياب من الزينة وهو الخلخال قد أخفاه الثياب؛ نهيت المرأة عن ضرب رجلها؛ ليعلم الرجال ما تخفي من زينتها، وذلك محظور عليها، لما يخرج ذلك مخرج ترغيب الناس وحثهم عليها، فالزينة في الأصل ما جعلت إلا للترغيب والتحريض على أنفسهم، وهي الداعية إلى النظر والشهوة، وفي ترك ذلك وترك المرأة الزينة صيانتها، وصيانة الرجال، وإبعادهم جميعًا من الزينة، والرغبة، فكشف الشابة عن وجهها، ونظر الرجل بشهوة إليها أحرى أن يكون محظورا عليه، منهيًّا عنه، واللَّه أعلم بالصواب. وقوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ) أي: ارجعوا إلى اللَّه بالطاعة له والخضوع؛ لتكونوا مفلحين. أو أن يكون قوله: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ) ارجعوا عما قدمتم من المعاصي والمساوئ، واجعلوا مكان ذلك طاعة له؛ ليعفوا عنكم ما قدمتم من المعاصي، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) وقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) الأمر بالإنكاح وإن خرج مخرج أمر واحد في الظاهر فهو في الحقيقة على أقسام: الأمر في تزويج الإماء والعبيد يخرج مخرج الترغيب والتحريض. وفي الأحرار يخرج مخرج المعونة والتقوية؛ لأن من بلغ ولده النكاح ذكرًا أو أنثى استثار أقرباءه، وأهل أنسابه، والمتصلين به في ذلك، واستعانهم على ذلك، ولا كذلك السادات في المماليك؛ دل أن الأمر في أحدهما يخرج على المعونة، وفي الآخر على الترغيب. ثم تزويج العبد يخرج كأنه فعل المعروف؛ إذ في ذلك إلزام مؤن بلا عوض يحصل له؛ ألا ترى أنه لا يملكه إلا من يملك المعروف من نحو الوصي والأب والمكاتب والعبد المأذون له في التجارة؟ ولا كذلك تزويج الإماء؛ إذ يملك هَؤُلَاءِ ذلك، وكل مكتسب خير له لنفسه أو لغيره. ثم جرى الوفاق بينهم: أن للولي أن يزوج أمته شاءت هي أو أبت، واختلفوا في تزويج العبد امرأة: قَالَ بَعْضُهُمْ: ليس له ذلك إلا برضاء العبد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: له ذلك شاء أو أبى. ثم الناس اختلفوا في قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الأيامى منهن: الإناث من الأحرار دون الذكور، واستدلوا ببطلان النكاح وفساده إذا كان بغير إذن الولي بهذه الآية؛ لأن اللَّه تعالى أمر الأولياء وخاطبهم أن يزوجوهن؛ كما أمر المولى بتزويج أمته، فأوجب للمولى الولاية كما أوجبها للولي وإن كانا مختلفين في الولاية. لكن عندنا لو كانت الآية خرجت على التفسير على ما يقول خصومنا (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) الإناث - لم يكن فيه دليل على ما قالوا هم، ويخرج ذلك على وجوه: أحدها: على الترغيب في إنكاحهن لما لا يتولى هن النكاح بأنفسهن حياء، ويستحيين التكلم بذلك حتى من فعلت ذلك منهن بنفسها صارت مطعونة عندهن. أو أن يخرج ذلك مخرج المعونة لهن على ما ذكرنا؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أنه من بلغ ولده النكاح وعنده ما ينكحه فأحدث، فالإثم بينهما "، فهذا يدل - واللَّه أعلم - على وجه المعونة في تزويج الأب الابن البالغ، فإذا كان الأب مأمورًا من جهة التأديب على المعونة بتزويج ابنه، ولا يوجب ذلك عليه ولاية إذا كره ذلك؛ فكذلك يكون مأمورًا بتزويج ابنه من طريق المعونة، أو جهة الحياء، أو أن يخرج ذلك على ما قال خصومنا من إيجاب الولاية له عليها. ثم رأينا أنها إذا رغبت في النكاح ورضيت به وكره وليها ذلك، جبر الولي على الإنكاح، وإن هي كرهت النكاح وأبت، ورغب الولي في ذلك وشاء، لم تجبر هي على ذلك؛ دل ذلك على أن الحق لها عليه دون أن يكون الحق في ذلك له عليها، فإذا كان الحق لها عليه جاز ذلك إذا تولت بنفسها؛ لما ذكرنا أن الخطاب للأولياء يخرج على الوجوه التي ذكرنا، واللَّه أعلم. هذا إذا كان في الآية ذكر الإناث دون الذكور، فكيف أن ليس في الآية ذكر تخصيص الإناث دون الذكور، واسم " الأيم " يقع على الإناث والذكور جميعًا؛ ألا ترى أنه روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " لما نزلت هذه الآية ما رأيت مثل ما يلتمس بعد هذه الآية إنما التمسوا الغَناء في الباءة ". وما روي عن نجدة: أن عمر دعانا إلى أن ينكح من أيمنا وفي الشعر: لله در بني علي؍ أيم منهم وناكح؍ وفي بعضها: وأيم تأبى من القوم أيماه. جمع فيها اسم " الأيم ": الرجال والنساء. ومن الدليل -أيضًا- على ذلك قوله: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) فدل ذلك على أنه حث على تزويج البالغين من الأحرار رجالهم ونسائهم. فَإِنْ قِيلَ: فما وجه أمره بتزويج الرجال والأمر إليهم؟ فجواب ذلك ما ذكرنا من المعونة، والترغيب فيه. ثم قوله: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ) جائز أن يكون قوله: (وَالصَّالِحِينَ) أي: المؤمنين. وجائز أن يكون الصالحين: من طلب منكم الصلاح والعفة. أو ذكر الصالحين لما كانت العادة في الملوك أنهم يخاطبون أهل الصلاح منهم والأخيار، لا على إخراج غيرهم من حكم ذلك الخطاب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) من الناس من استدل بهذه الآية على أن العبد يملك؛ لأنه ذكر العبيد والأحرار جميعًا، ثم ذكر في آخره الغناء دل أنه يملك. ويستدل بقوله: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، أضاف الأجور والإيتاء إليهن؛ دل أنهن يملكن، لكن عندنا أن المماليك يملكون ملك التوسيع، وملك التصرف، ويقع لهم غناء التوسيع وغناء التصرف، ولا يقع لهم التمليك، ولا حقيقة الملك، والدلالة على ذلك قوله: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ

النور 24:33

فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)، لو كان ما ملكت أيمانهم يملكون ما يملك الموالي والسادات لكان المماليك يفضلون على السادات، في الملك؛ إذ هم الذين يتصرفون ويكتسبون الأموال دون السادات، فدل ذكر تفضيل بعض على بعض أنهم لا يملكون ما يملك الموالي. والثاني قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ...) الآية، ولو كانوا يملكون على ما يملك السادات، لكانوا لهم فيه شركاء، دل أنهم لا يملكون حقيقة الملك، ولكن يملكون ملك التوسيع والتصرف. أو أن يكون قوله: (يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) راجعًا إلى الأحرار منهم دون المماليك، وذلك جائز في اللسان كقوله، ثم روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " ثلاثة حق على اللَّه تعالى أن يغنيهم: المجاهد في سبيل اللَّه، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء ". وعن عمر قال: " ما رأيت مثل الرجل لا يلتمس الغناء في الباءة " واللَّه تعالى يقول: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). وروي في الخبر قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "، وروي في الخبر عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لعمر بن الخطاب: " ما فعلت ببناتك؟ " قال: هن عندي يا رسول اللَّه. قال: " وقد حضن؟ " قال: نعم. قال: " إنك لم تحبس واحدة منهن عن كفؤ إلا نقص من أجرك كل يوم قيراط "، وفي بعض الأخبار: " من بلغ ولده النكاح، وعنده ما ينكحه، فأحدث فالإثم بينهما ". وقوله: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ... (٣٣) الاستعفاف: هو طلب العفاف؛ كأنه قال: يطلب الأسباب التي تمنعه عن الزنا، وتصيره عفيفًا حتى يغنيه اللَّه من فضله، وأسباب العفة تكون أشياء: أحدها: ما روي عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء " ونحوه، يطلب أسباب العفة إن لم يكن عنده ما ينكح حتى لا يقع في الزنا إلى أن أغناه اللَّه، كقوله عليه السلام: " من استعف أعفه اللَّه ". وجائز أن يكون قوله: (وَلْيَسْتَعْفِفِ) أي: يتعفف الذين لا يجدون نكاحا، لم يجعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - للذي عجز عن النكاح استباحة الفروج والاستمتاع بها زنا إذا لم يكن عنده ما ينكح، كما جعل في الأموال وغيرها - رخصة التناول في ملك غيره عند الحاجة والضرورة ببدل؛ لوجوه: أن رخصة التناول في ملك غيره إنما تكون عند الضرورة، والضرورات لا تقع في الفروج، وفي الاستمتاع بها بحال؛ لذلك لم تبح. والثاني: الاستمتاع بالنساء في الأصل كأنه إنما جعل وأبيح لبقاء النسل والتوالد، لا لحاجة أنفسهم وقضاء الشهوة، فإذا لم يكن عنده ما ينكح ارتفع عنه إبقاء النسل والتوالد. والثالث: أن السعة والغَناء وأنواع النعم هي الداعية إلى الحاجة، وقضاء الشهوة، فإذا كان فقيرًا لا يجد ما ينكح زال عنه الأسباب التي تدعو إلى ذلك؛ لذلك لم يبح، وأما الحاجات والضرورات وما ذكرنا كلها تقع في الأموال، وإنما الحاجة في التناول منها لأنفسهم ولإبقائها؛ لذلك افترقا، واللَّه أعلم. ثم في قوله: (حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، وقوله: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ووجهان من المعتبر على نقض قول المعتزلة: أحدهما: أنه أضاف الإغناء إلى نفسه، وهو ليس يعطي أحدًا شيئا يطرحه ويلقيه في يده بلا سبب، ولكن إنما يغنيه ويعطيه بأسباب تجعل لهم؛ فدل إضافة الإغناء إلى نفسه على أن له في تلك الأسباب التي فيها لهم غناء صنعًا وفعلا، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا صنع لله في أفعال عباده. والثاني: فيه دلالة: أن غناهم وسعتهم فضل منه ورحمة لا شيء يستوجبون هم بأنفسهم ذلك قبله، لكن إفضالا منه لهم وإحسانًا؛ إذ لو كان عليه ذلك كان منه عدلا لا فضلا؛ فدل تسمية الفضل ذلك على أن من أعطاه اللَّه يقال: ذلك أعطاه فضلا منه وإنعامًا لا استيجابًا واستحقاقًا، وذلك رد عليهم في الأصلح في الدِّين. ثم من الناس من استدل بهذه الآية بقوله: (يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ): حتى يغنيهم اللَّه من فضله على تفضيل الغَناء على الفقر قالوا: لأنه سماه فضلا بقوله: (مِنْ فَضْلِهِ) وسماه في غير آي من القرآن: رحمة وحسنة، وسماه: خيرًا أيضًا في غير موضع، وسمى الفقر والضيق: بلاء مرة، وسيئة ثانيًا، وضرًّا: شدة بقوله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، وقال: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وقوله: (هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ)، وغير ذلك من الآيات، وكأن ما سمى من البلاء والشدة والشر والضر والسيئة كله عبارة وكناية عن الضيق والفقر، وما ذكر من الخير والحسنة والرحمة ونحوه، كله عبارة عن السعة والغَناء؛ فدل تسمية الغَناء خيرًا وحسنة ورحمة على أنه أفضل؛ إذ لا شك أن الخير والحسنة والرحمة خير من الشر والسيئة والبلاء؛ لذلك كان الغَناء أفضل من الفقر. فيقال لهم: هو كما قلتم: إنها خير مما ذكرتم، إلا أن هذه الأسباب التي ذكرتم هي الداعية إلى الفساد، الباعثة على قضاء الحاجات، والشهوات، وأنواع المعاصي في أنواع المحرمات، ولا كذلك الفقر والضيق والشدة، بل هي أسباب تمنع صاحبها عن التعاطي في أنواع المعاصي والمحرمات؛ فضلا أن تدعوه وتبعثه إلى ذلك، فقولنا: إنه أفضل؛ للمعنى الذي ذكرنا، لا لمعنى فهمتموه أنتم. أو أن يكون ما ذكر وسُمي: خيرًا: السعة عند الناس، وكذلك ما ذكر من الضيق شرا وسيئة عندهم؛ لأنه كذلك عند الناس لا أنهما في الحقيقة كذلك؛ لما يحتمل أن يكون الغَناء والسعة سبب الفساد، والضيق والفقر سبب منعه عن الفساد. أو ألا يتكلم في تفضيل أحدهما على الآخر؛ إذ هما محنتان يمتحن بهما العباد: هَؤُلَاءِ بالصبر على الفقر والضيق، وهَؤُلَاءِ بشكرهم على الغناء والسعة، فالتكلم في فضل أحدهما على الآخر فضل، واللَّه أعلم. وقوله: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ): ظاهر هذا ليس على [الكتابة]، ولكن على الكتاب المعروف وهو كتاب اللَّه - تعالى - لأن الكتاب المطلق هو كتاب اللَّه تعالى، يسألون ساداتهم تعليم الكتاب لهم، إلا أن الناس لم يفهموا من هذا هذا، ولكن فهموا كتابة العبيد والإماء حيث صرفوا الآية إليها. ثم قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ) ليس على الوجوب والإلزام، ولكن على الترغيب فيها والحث؛ دليله ترك الأمة المماليك بعد موتهم دون مكاتبتهم من لدن رسول اللَّه إلى يومنا هذا، ولو كان على الوجوب واللزوم لم يكونوا يتركون لازمًا واجبًا عليهم؛ فدل تركهم المكاتبة على أنه خرج مخرج الترغيب عليها، والحث لا على الوجوب، واللَّه أعلم. وقوله: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: كاتبوهم إن علمتم أنهم يرغبون في أنواع الخير، وإقامة الصلاة، وأنواع الصلاح، وفرغوا أنفسهم لذلك. قَالَ بَعْضُهُمْ: إن علمتم فيهم خيرًا، أي: وفاء وأمانة وصلاحًا، وهو قول الحسن. وتأويل هذا: أي: كاتبوهم؛ إن علمتم أنهم يقدرون على وفاء ما كوتبوا، وأداء ذلك. وقال قائلون: (خَيْرًا) أي: حيلة. وقال قائلون: مالا. وقال قائلون: (خَيْرًا)، أي: حرفة، ورووا في ذلك خبرًا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مفسرا عن يحيى بن كثير قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن علمتم فيهم خيرًا - أي: حرفة - ولا ترسلوهم كَلًّا على الناس ". إن ثبت هذا لا نحتاج إلى غيره من التفسير، ولو كان قال: إن علمتم لهم خيرًا، جاز أن يقال: معنى (خَيْرًا) مالًا، ولكنه قال: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) [الجاه الذي] والمال لا يكون فيهم، وإنما يكون لهم؛ فأشبه ذلك - واللَّه أعلم - أن يكون الخير حرفة في الخير أو وفاءه، وأمانته، ثم في الآية دلالة أن العبيد لا يملكون شيئا؛ لأنهم لو كانوا يملكون لكان يرغبهم ويحثهم على العتاق دون الكتابة، فدل ترغيبه إياهم عليها أنهم لا يملكون حتى تجعل الكتابة الكسب لهم والخدمة دون المولى. وفي الكتابة أيضًا نظر للموالي؛ لأنهم إن قدروا على وفاء ما قبلوا أداءه، وإلا كان للموالي ردهم إلى منافع أنفسهم، ولو كان عتقًا لم يملكوا ردهم إلى منافع أنفسهم، ويبطل حقهم بلا شيء يصل إليهم، واللَّه أعلم. وفي قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) دلالة القول بعلم العمل على ظاهر الأسباب دون تحقيق العلم به، حيث قال: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) وإنما يوصل ما ذكر من الخير بأسباب تكون لهم على نحو ما ذكروا فيه من الحرفة والوفاء وأداء الأمانة وأمثاله، وذلك أسباب توصل إلى الخير على أكبر الظن والعلم لا على الحقيقة. وفيه دلالة العمل بالاجتهاد على ما يرى بهم من ظاهر الأسباب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) اختلف في خطابه: قال الحسن وغيره: هو شيء حث الناس عليه مولاه وغيره، فيخرج ذلك على وجهين: أحدهما: ما جعل اللَّه من الحق للمكاتبين في الصدقات؛ لقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ)، إلى قوله: (وَفِي الرِّقَابِ) وهم المكاتبون، أمر أرباب الأموال بدفع الصدقات للمكاتبين، وجعلهم أهلا لها، ليستعينوا بها على أداء ما عليهم من الكتابة. فإن كان ذلك فذلك حق لهم. والثاني: جائز أن يأمر الناس بمعونة هَؤُلَاءِ المكاتبين على أداء ما عليهم من الكتابة بأموالهم سوى الصدقات؛ ليفكوا رقابهم عن ذل الرق والكسب. وقال قائلون: إنما الخطاب للموالي خاصة؛ لما أن أول الخطاب بالكتابة راجع إلى الموالى؛ فعلى ذلك هذا. ثم اختلفوا فيه: روي عن علي بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - قال: " يترك المولي الثلث من مكاتبته له ". وروي عنه أنه قال: " ربع المكاتبة ". وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كاتب غلامًا له، فحط عنه أول نجمه، وقال له: حط عني آخره، فقال عمر: " لعلي لا أصل إليه "، أو كلام نحو هذا، ثم تلا هذه الآية، قوله: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ...) الآية. وروي عن غلام لعثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: " كاتبني عثمان، ولم يحط عني شيئا "، دل ما روي عن عثمان أنه لم يحط عنه شيئًا على أن الأمر بالإيتاء للمكاتبين من الأموال والحط عنهم إنما هو على الاختيار والإفضال ليس على الوجوب واللزوم؛ لأنه لو كان على الوجوب، لكان عثمان بن عفان لا يحتمل ألا يحط عنه شيئًا. ومن جعل ذلك واجبًا على المولى أن يؤتيه من ماله، ويعجله له كان ذلك خارجًا عما روي عن الصحابة - رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين - خلافًا لهم؛ لأنه روي عن بعضهم الحط عنهم، والوضع دون الإيتاء من ماله. وروي عن بعضهم: الاستيفاء على الكمال لا حط فيه ولا إيتاء؛ دل أن قول من يأمرهم بالإيتاء من أموالهم دون الكتابة خارج عن قولهم جملة. ثم يبطل ذلك من وجهين: أحدهما: أن من قال لعبده: " إذا أديت إليَّ كذا فأنت حر "، فحط عنه بعض ذلك، فأدَّى البقية - لم يعتق حتى يؤدي الكل؛ فدل أن قوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) ليس على الوجوب، ولكن على الاختيار. والثاني: أنه لا يسمى بعد الأداء: مكاتبا، وإنما هو حر، وإنما ذكر الإيتاء إياهم وهم مكاتبون حيث قال: (فَكَاتِبُوهُمْ)، ثم قال: (وَآتُوهُمْ)، فلو كان على ما يقوله قوم، لكان ذلك باطلا؛ للوجهين اللذين ذكرناهما، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا). ليس قوله: (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) بشرط فيه؛ لأنهن لا يكرهن على البغاء وإن لم يردن التحصن، دل أن ذلك ليس بشرط فيه، ولا يمكن الإكراه فيه إذا كن أطعن فيه، لكنه خرج ذلك على ما ذكر في القصة: كانوا يكرهونهن على الزنا ابتغاء المال، وهن كُنَّ يردن التحصن، فخرج الخطاب والنهي على فعلهم، دون أن يكون ذلك شرطا فيه. أو أن يكون ذلك إكراهًا إذا كن مطاوعات في ذلك. وفيه دلالة بطلان المتعة وفسادها؛ لأنهم كانوا يكرهون إماءهم على أن يؤاجروا أنفسهن للزنا ابتغاء الأجر، وليست المتعة إلا كذلك. وقال أهل التأويل: إن الآية نزلت في نفر من المنافقين عبد اللَّه بن أُبي وفلان وفلان كانوا يكرهون فتياتهم على الزنا ابتغاء عرض الدنيا، فإن كان ما ذكروا، ففيه دلالة أن

النور 24:34

الزنا حرام في الأديان كلها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يرجع إلى الإماء يقول: فإن اللَّه من بعد إكراههن غفور رحيم لهن، وكذلك روي في بعض الحروف أنه قرئ: (فإن اللَّه من بعد إكراههن لهن غفور رحيم). والثاني: يرجع إلى السادات؛ فإن اللَّه لهم غفور رحيم إذا تابوا، وأصلحوا. واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ... (٣٤) بخفض الياء ونصبها، ثم يحتمل أن يكون المراد بالآيات: آيات القرآن جميعًا، وقوله: (مُبَيِّنَاتٍ) بالخفض، أي: تبين للخلق ما لهم، وما عليهم، وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض. (مُبَيَّنَاتٍ) بالنصب، أي: مُبَيَّنَاتٍ أنها من عند اللَّه. وجائز أن يكون المراد بالآيات: الحجج والبراهين، فإن كان هذا، فقوله: (مُبَيِّنَاتٍ) بالخفض، أي: تبين وحدانية اللَّه - تعالى - وعلم رسالة رسوله و (مُبَيَّنَاتٍ) بالنصب، أي: واضحات بينات أنها حجج وبراهين. وقوله: (وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) أي: أنزلنا إليكم أيضًا مثل الذين، خلوا من قبلكم ما حل بهم، ونزل بالمكذبين من العذاب، وموعظة ما يتعظ المتقون، أو جعل لكنم فيما أنزل من الآيات عليكم أمثالا من الذين خلوا من قبلكم؛ لتتعظوا به واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: اللَّه هادي السماوات والأرض، ثم انقطع الكلام فأخذ في نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما ضرب له من الأمثال، فقال: (مَثَلُ نُورِهِ)، يقول: نور مُحَمَّد إذ كان في صلب أبيه (كَمِشْكَاةٍ) أي: كوة - بلغة الحبش - غير نافذة (فِيهَا مِصْبَاحٌ) أي: سراج المصباح. يقول - واللَّه أعلم -: ذلك السراج المضيء ضوؤه (فِي زُجَاجَةٍ)، الزجاجة نعتها الصافية التامة الصفاء، والمشكاة: صلب أبيه عبد اللَّه، والزجاجة وصفاؤها: محمد رسول اللَّه، وطهره من الأدناس والمعاصي، والمصباح: نوره، وصفاؤه: قلب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وما فيه من الإيمان، والحكمة، والنبوة، (كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) أي: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذكره مع أسماء الأنبياء، والرسل في اللوح المحفوظ عند اللَّه في الفضيلة على تلك الأنبياء والرسل عليهم السلام كفضل الكوكب الدري - أي: المضيء، وهي الزهرة - على سائر الكواكب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) يقول - واللَّه أعلم -: استنار نور مُحَمَّد من نور إبراهيم؛ لأن محمدا على دين إبراهيم وعلى سنته ومنهاجه، فمثل إبراهيم مثل الشجرة المباركة، وأصل مُحَمَّد من نسل إبراهيم، صلوات اللَّه عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) والزيتونة: المحاسن وطاعة إبراهيم لربه؛ فنفعه اللَّه بحسن طاعته يوم القيامة، وفي غيره من المواطن، كما تنفع الزيتونة أهلها في الدنيا، فهي فاكهة وطعام، وهي إدام وهو الصباغ والدهن والدباغة يعني: زيتونة (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) يقول: إن إبراهيم صلوات اللَّه عليه لم يكن نصرانيا لقول النصارى: هو نصراني يصلي قبلة النصارى من قبل المشرق، ولا يهوديا لقول اليهود: إنه كان على ديننا يصلي قبل المغرب ببيت المقدس، يقول اللَّه تعالى: لم يكن كما قال هَؤُلَاءِ، ولكن كان حنيفًا مسلفا مصلما إلى الكعبة، وهي قبلته وإليها حج. وقوله: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) يقول - واللَّه أعلم -: لو أن إبراهيم لم يكن نبيا لأصاب بحسن طاعة اللَّه في الدنيا الفضل مع الأنبياء والرسل في الدنيا والدرجات العلا في الآخرة. وقوله: (نُورٌ عَلَى نُورٍ)؛ لأن محمدا وما جاء به من الدِّين والكتاب أصل نوره من قبل إبراهيم؛ لأنه على دينه ولممنته وكتابه ومنهاجه. ثم قال: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) الذي جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو النور، وهو القرآن يهدي إليه من يشاء ممن سبق له في علمه السعادة، ويضل عنه من يشاء ممن سبق له في علمه الشقاء. ثم قال: (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ) يعني: ويصف اللَّه الأمثال للناس؛ ليؤمنوا بالله ويوحدوه ويعرفوا نور نبيه من صنيعه، ويصدقوا بإبراهيم ومُحَمَّد - عليهما أفضل الصلوات - أنهما رسولا الرب، وهو تأويل مقاتل. وقال أهل الكلام: قوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: أنار اللَّه لأهل السماوات والأرض، مثل نوره الذي به أنار ما ذكر مثل المشكاة التي ذكر إلى آخره. وجائز أن يكون قوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: باللَّه نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال: (مَثَلُ نُورِهِ) كذا، ولم يقل: مثله، ولو كان النور هو اللَّه على ما قاله قوم وفهموه، لقال: " اللَّه نور السماوات والأرض مثله كذالا، ولم يقل: (مَثَلُ نُورِهِ)، فدل قوله: (مَثَلُ نُورِهِ) كذا أنه لم يرد بالنور نفسه، ولكن ما ذكرنا أنه به نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) أنه لم يرد بالنور ما فهموا، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) دل أنه ليس على ما فهموه به: أنه نور كسائر الأنوار التي عاينوها ويشاهدوها وهم المشبهة، على هذا يخرج تأويل ابن عَبَّاسٍ حيث قال: اللَّه هادي أهل السماوات والأرض. وقوله: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) جائز أن يكون قوله: (مَثَلُ نُورِهِ) أي: مثل نور المؤمن الذي في قلبه مثل مشكاة فيها مصباح؛ لأن المشكاة هي الكوة التي لا منفذ لها يدخل فيها الأنوار، فتكون مظلمة، فإذا جعل فيها المصباح أضاء ذلك كله وأناره حتى لا يبقى فيها ناحية إلا وقد أصابها الضياء والنور، فعلى ذلك القلب، وهو مظلم إذ ليس له منفذ يدخل فيه النور من الخارج، فإذا أنار الله قلبه بإيمانه ظهر ذلك النور وأثره في جميع نواحيه وجوارحه، وهو ما قال: " أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ "، أخبر أن من شرح اللَّه صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فهذا يدل أن قوله: (مَثَلُ نُورِهِ) إنما هو مثل نور المؤمن، وعلى ذلك روي في حرف أبي بن كعب أنه قرأ: (مثل نور المؤمن كمشكاة)، وفي حرف ابن مسعود: (مثل نوره في قلب المؤمن). ْوقال الحسن: (مَثَلُ نُورِهِ) قال: مثل القرآن في قلب المؤمن (كَمِشْكَاةٍ) كوة (فِيهَا مِصْبَاحٌ)، أو أن يكون قوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: به تنجلي الظلمات، وتنكشف الحجب والسواتر؛ إذ النور إنما سمي: نورا؛ لما به تنجلي الظلمات، وتنكشف السواتر، والحجب، لا أنه نور، ألا ترى أنه سمى القرآن: نورًا، والرسول: نورا؛ لما به تنجلي الشبهة والظلمات، وبه ترتفع السواتر والحجب وإن كانا في أنفسهما ليسا بنور سميا: نورا؛ لما ذكرنا من تجلي الأشياء بهما وارتفاع السواتر، فعلى ذلك جائز أن يسمى اللَّه: نورا؛ لما به يكون تجلي الظلمات والشبه، وانكشاف السواتر، وارتفاع الحجب، لا أنه نور. وقوله: (مَثَلُ نُورِهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: مثل نور المؤمن على ما ذكرنا فيما تقدم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَثَلُ نُورِهِ) في صدر المؤمن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: مثل نور مُحَمَّد على ما ذكر مقاتل وغيره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: مثل نور القرآن. وقوله: (كَمِشْكَاةٍ) قال: الكوة التي لا منفذ لها للنور على ما ذكرنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: موضع الفتيلة من القنديل. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحدايد التي تعلق بها القنديل. وقوله: (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) قال: بعضهم: هي شجرة مصحرة تطلع عليها الشمس إذا طلعت وتغرب عليها إذا غربت، وهو أجود الزيت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي شجرة في كنّ لا تطلع عليها الشمس إذا طلعت، ولا تغرب عليها إذا غربت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ليست شرقية: لا غرب لها، ولا غربية: لا شرق لها، ولكنها شرقية غربية. فكيفما كان فإنما ذكر الزيت لصفائه وخلوصه؛ فيجب أن يسأل أهله فيقال: أي الزيت أجود وأصفى الذي تصيبه الشمس أو الذي لا تصيبه، أو الذي تصيبه في وقت ولا تصيبه في وقت؟ وقَالَ بَعْضُهُمْ: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) هو اللَّه سبحانه هادي أهل السماوات وأهل الأرض، كما هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء؛ قالوا: هو زيت كلما مسته النار ازداد ضوءًا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل الهدى قبل أن يأتيه العلم أفإذا أتاه العلم، ازداد هدى على هدى ونورًا على نور، وعن أبي بن كعب قال في قوله: (مَثَلُ نُورِهِ): يقول: مثل نور المؤمن، وكذلك يقرؤها: (مثل نور المؤمن) على ما ذكرنا من قبل. قال: فهو عبد قد جعل القرآن والإيمان في صدره. قال: (كَمِشْكَاةٍ) قال: المشكاة: صدره (فِيهَا مِصْبَاحٌ): قال: المصباح: القرآن والإيمان الذي جعل في صدره. قال: (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) فالزجاجة: قلبه. قال: (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) يقول: كوكب مضيء. (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) قال: الشجرة المباركة أصله، فالمبارك: الإخلاص لله وحده لا يشرك به. قال: (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) قال: فمثله كمثل شجرة، جعله كالشجرة فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت: لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير عن أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فثبته اللَّه فيها، فهو بين أربع خلال: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. قال: (نُورٌ عَلَى نُورٍ) قال: فهو يتقلب في خمسة من النور: كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره النور إلى يوم القيامة إلى الجنة. قال: ثم ضرب مثل الكافر فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ) وهو يحسبه عند اللَّه خيرًا فلا يجده، فيدخله اللَّه النار، وقال في آية أخرى له مثلا فقال: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ)، فهو يتقلب في ظلمات. وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: بنوره يهتدي من في السماوات ومن في الأرض على ما ذكرناه (مَثَلُ نُورِهِ) في قلب المؤمن (كَمِشْكَاةٍ) وهي الكوة غير النافذة على ما ذكرنا (فِيهَا مِصْبَاحٌ) أي: سراج (كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ): مضيء، أي: منسوب إلى الدر؛ وهو قول الْقُتَبِيّ. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (كَمِشْكَاةٍ): الكوة التي تكون في الحائط؛ ومثال جماعته: الكوة، (كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ): مثل لسانه وصدره وقلبه (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ) قال: يكاد محمد يبين للناس وإن لم ينطق. وعن الضحاك بن مزاحم (كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) قال: خلقت الكواكب من نار يقال لها: دري؛ فمن ثمة قال: (كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ). وقد ذكرنا قولهم في المشكاة: قَالَ بَعْضُهُمْ: الكوة: التي لا منفذ لها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الفتيلة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الفتيلة التي في جوف القنديل نفسه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: القائم في وسط القنديل، وهو موضع الفتيلة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي الحدايد التي يعلق بها القنديل. وأما الزجاجة فهي القنديل. ثم إن كان قوله: (مَثَلُ نُورِهِ) أي: نور المؤمن، فليس ذلك وصف كل مؤمن ونعته، ولكن وصف المؤمن الذي يجتمع فيه جميع شرائط الإيمان وجميع الأخلاق الحسنة والآداب؛ لأنه وصفه بطهارة نفسه وجسده وقلبه وجميع أعماله وأفعاله؛ لأنه قال: (كَمِشْكَاةٍ)، وهي قلبه (مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ) وهو صدره الذي في قلبه المصباح والزجاجة وهو الإيمان الذي في صدره، ثم نعت الزجاجة فقال: (كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) أي: مضيء. وقَالَ بَعْضُهُمْ: من الدر، فوصف الكل بالضياء والنور وطهارة الداخل منه والخارج ونقاوته، فهو المؤمن الذي يجتمع فيه جميع الشرائط والخصال المحمودة، وأما كل مؤمن فلا يحتمل، وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه ذكر نعت الكافر من بعد وخبثه حيث قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ). وإن كان وصف مُحَمَّد، ففيه جميع ما ذكر ونعته، وإن كان القرآن فهو كذلك أيضًا. وقوله: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) الذي ذكرنا يحتمل المؤمن ويحتمل محمدا ويحتمل إبراهيم في كلهم (نُورٌ عَلَى نُورٍ)، وقوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) يحتمل: يهدي اللَّه لنور مُحَمَّد، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: الإيمان والهدى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (نُورٌ عَلَى نُورٍ) قال: فالزيت نور، والمصباح نور، والقنديل نور، وقال: المؤمن نور، وعمله نور، وكلامه نور. ويحتمل قوله: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: بنوره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يقول: بنوره أضاء السماوات والأرض على ما ذكرنا: (مَثَلُ نُورِهِ) يقول: في قلب المؤمن، وهو في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (في قلب المؤمن)، وهذا مثل ضربه للإيمان والقرآن، والقلب حين يدخله الإيمان والقرآن (كَمِشْكَاةٍ) يعني: الكوة، (فِيهَا مِصْبَاحٌ) يعني: الإيمان، والقرآن (فِي زُجَاجَةٍ) يعني: القلب، والمشكاة: الصدر، فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء؛ فكذلك أضاء القلب، ثم خرج من الزجاجة، فأضاءت المشكاة، فكذلك أضاء الصدر، ثم نزل الضوء من الكوة، فأضاء البيت، فكذلك نزل النور من الصدر فأضاء الجوف كله؛ فلم يدخله حرام، واللَّه أعلم بذلك. وقوله: (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ) يحتمل ضرب الأمثال لهم وجهين: أحدهما: ضرب لأفعالهم وأقوالهم مثلا؛ ليعرفوا مقاديرها في الحسن والجمال؛ ليعلموا قدرها من الجزاء والثواب، أو ضرب الأمثال لهم للأنفس المكرمين المعظمين المستوجبين كل خير؛ ليرغبوا في مثل ذلك فيستوجبوا ما استوجب أُولَئِكَ، وكان ضرب مثل الإيمان أو القرآن أو محمدًا وما كان على اختلاف ما قالوا بالأنوار التي ضربها - والله أعلم - لما أنه قد أقام الحجج والبراهين على الإيمان والقرآن ومُحَمَّد حتى صاروا كالأنوار التي شبههم بها من الحسن والجمال والضياء إليها حتى يعرف حسن هذه الأنوار وبهاءها كل أحد؛ فعلى ذلك المضروب به المثل صار في الحسن والبهاء والضياء بالحجج والبراهين كالأنوار التي لا يخفى حسنها وبهاؤها على أحد، ولا ينكرها إلا معاند ومكابر، وكان مثل الكفر والعناد من القبح والفساد والبطلان كالظلمات التي ذكر بعضها فوق بعض وكالسراب والزبد الذي ذكر حيث قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ)، وكالظلمات التي ذكر حيث قال: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ...) الآية، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ). وقال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: (كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) قال: الأنجم الخمسة دري: زهرة، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزحل. قال قتادة: الدري: الضخم المنير. قال الكسائي: من همز " دريء " فهو حسنه وظهوره وارتفاعه، تقول: درأ النجم، وهو فاش ظاهر في كلام العرب، ومن رفع الدال ومن لم يهمز فهو ينسبه إلى الدر، ومنهم من يرفع الدال ويهمز وأظنها لغة. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدري: النجم الذي تراه يتلألأ كأنه يجيء ويذهب. وقد روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إن الرجل من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة؛ فتضيء الجنة بوجهه كأنه كوكب دري "، وروي أن أبا بكر وعمر - رضي اللَّه عنهما - لمنهم، وأنعم. وأيضًا روي دري بالرفع. وفي خبر آخر عنه: " إن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أضوا كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان آدميتان يري مخ سوقهما من وراء اللحم، والذي نفس مُحَمَّد بيده ما فيها غرب ". وقوله: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ) اختلف في قراءته: قرأه بعضهم: (يُوقَدُ) بالياء ورفعها ونصب القاف، يقول: المصباح يوقد. ومن قرأها بالتاء ورفع الدال ونصب التاء رده على الزجاجة أراد تتوقد، ثم طرح إحدى التاءين. ومن قرأ بالتاء ورفعها يعني: الزجاجة التي توقد. وأقرأ، أهل مكة: (تَوقَّد) بنصب التاء وتشديد القاف، يعني: المصباح توقد؛ فلذلك انتصب. ومن قرأ: (يُوقَدُ) يعني: الكوكب أو المصباح. وقوله: (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) قد ذكرنا بعض أقاويلهم فيما تقدم، لكنا نزيد فيها شيئًا. قال قائل: هي شجرة ضاحية من حين تطلع الشمس إلى أن تغرب، ليس لها ظل شرقي ولا غربي، وزيتها أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه. وقال قائل: ليست بشرقية يحوزها المشرق، دون المغرب، وليست بغربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها بارزة في صحراء أو في رأس جبل تصيبها الشمس النهار كله، وهو مثل الأول. وقال الكسائي: ليست بشرقية وحدها، ولا بغربية وحدها ولكنها شرقية وغربية، كما تقول: لا آتيك ولا آتي فلانا، له معنيان: إن شئت كان معناه: لا تأتي واحدا منهما، وإن شئت كان معناه: أنك لا تأتيهما معا، ومثله: واللَّه لا آكل ولا يأكل زيد معنيان، وكان يقال: رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ويحب الفتنة إنه رجل صالح: أما الفتنة فالمال والولد، قال اللَّه تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)، وهو يرجو الجنة ويخاف النار على ما فسرنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا شَرْقِيَّةٍ) يقول: لا تضحى للشمس من أول النهار إلى آخره، ولا غربية عليها ظل من أول النهار إلى آخره، ولكنها شرقية وغربية يصيبها الشمس والظل، والعرب تقول: لا خير في شجرة في مضآة، ولا خير في شجرة في مضحاة. وقائل يقول: لا تطلع الشمس ولا تغرب. وقائل يقول: هي شجرة بالشام ليست بالمشرق وليست بالمغرب. والحسن يقول: واللَّه لو كانت هذه الزيتونة في الأرض، لكانت شرقية أو غربية، والله ما هي في الأرض، ولكن هذا مثل ضربه اللَّه تعالى لنوره وهو هذا القرآن. وأما قوله: (نُورٌ عَلَى نُورٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: إيمان المؤمن نور، وعلمه نور، فهو نور على نور. قَالَ بَعْضُهُمْ: نور النار على نور الزيت، فذلك نور على نور، وهو بجودته يعني: الزيت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان إذا اجتمعا لا يكون أحدهما مضيئا إلا بصاحبه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما ذكرنا من نور الإيمان والعلم.

النور 24:35

الآية ٣٥ : وقوله تعالى :]الله نور السموات والأرض[ قال بعضهم : الله هادي السموات والأرض. ثم انقطع الكلام، فأخذ في نعت محمد ﷺ وما ضرب له من الأمثال، فقال :]مثل نوره[ يقول : نور محمد إذ كان في صلب أبيه ]كمشكاة[ أي كوة بلغة الحبش غير نافذة ]فيها مصباح[ أي سراج ]المصباح[ يقول، والله أعلم : ذلك السراج المضيء، ضوؤه ]في زجاجة الزجاجة[ نعتها الصافية التامة الصفاء. والمشكاة صلب أبيه عبد الله. والزجاجة وصفاؤها محمد رسول الله وطهره من الأدناس والمعاصي. والمصباح نوره وصفاؤه قلب رسول الله ﷺ، وما فيه من الإيمان والحكمة ]كأنها كوكب دري[ أي محمد ﷺ ذكره مع أسماء الأنبياء والرسل في اللوح المحفوظ عند الله في الفضيلة على تلك الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم، كفضل الكوكب الدري أي المضيء، وهو الزهرة، على سائر الكواكب. وقوله تعالى :]يوقد من شجرة مباركة[ يقول، والله أعلم : استنار نور محمد من نور إبراهيم، لأن محمدا على دين إبراهيم وعلى سنته ومنهاجه، فمثل إبراهيم مثل شجرة المباركة، وأصل محمد من نسل إبراهيم، صلوات الله عليهم. وقوله تعالى ]زيتونة لا شرقية ولا غربية[ ( أراد بالزيتونة ) (١) المحاسن وطاعة إبراهيم لربه، فنفعه الله بحسن طاعته يوم القيامة وفي غيره من المواطن كما نفع بالزيتونة(٢) أهلها في الدنيا ؛ فهي فاكهة وطعام، وهي إدام، وهي(٣) الصباغ والدهن والدباغة. ( وقوله تعالى )(٤) :]زيتونة لا شرقية ولا غربية[ يقول : إبراهيم، صلوات الله على نبينا، وعليه، لم يكن نصرانيا لقول النصارى : هو نصراني : يصلي إلى قبلة النصارى من قبل المشرق، ولا يهوديا لقول اليهود : إنه كان على ديننا، يصلي قبل المغرب لبيت المقدس(٥). يقول الله تعالى : لم يكن كما قال هؤلاء ]ولكن كان حنيفا مسلما[ ( آل عمران : ٦٧ ) مصليا إلى الكعبة، وهي قبلته، وإليها حج. وقوله تعالى :]يكاد زيتها يضيء ولو لم يمسسه نار[ يقول : والله أعلم، لو أن إبراهيم لم يكن نبيا ( لما أصاب )(٦) بحسن طاعة الله الفضل مع الأنبياء والرسل في الدنيا والدرجات العلا في الآخرة. وقوله تعالى :]نور على نور[ لأن محمدا ﷺ وما جاء به من الدين والكتاب، أصل نوره من قبل إبراهيم لأنه على دينه وسنته وكتابه ومنهاجه. ثم قوله(٧) :]يهدي الله لنوره من يشاء[ الذي جاء به محمد ﷺ وهو النور، وهو القرآن ( يهدي به )(٨) ]من يشاء[ /٣٦٩- أ/ ممن سبق له في علمه السعادة، ويضل(٩) عنه ]من يشاء[ ممن سبق له في علمه الشقاء. ثم قوله(١٠) :]ويضرب الله الأمثال للناس[ يعني : ويصف الله الأمثال للناس ليؤمنوا بالله، ويوحدوه، ويعرفوا ربوبيته(١١) من صنعه، ويصدقوا بإبراهيم ومحمد، عليهما السلام أنهما رسولا الرب وهو تأويل مقاتل. وقال أهل الكلام : قوله :]الله نور السموات والأرض[ أي أنار الله لأهل السموات والأرض ]مثل نوره[ الذي به أنار ما ذكر مثل المشكاة التي ذكر إلى آخره. وجائز أن يكون قوله :]الله نور السموات والأرض[ أي بالله نور أهل السموات والأرض. ألا ترى أنه قال :]مثل نوره[ كذا، ولم يقل مثله ؟ ولو كان النور هو الله، على ما قاله المشبهة(١٢)، وفهموه، لقال : الله نور السموات والأرض، مثله كذا، ولم يقل : مثل نوره فدل قوله :]مثل نوره[ كذا ( أنه )(١٣) لم يرد بالنور نفسه، ولكن ما ذكرنا أنه به نور أهل السموات والأرض. ألا ترى أنه قال في أخره :]يهدي الله لنوره من يشاء[ أنه لم يرد بالنور ما فهموا ]ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور[ ( النور : ٤٠ ) ؟ دل أنه ليس على ما ( فهمه المشبهة )(١٤) أنه نور كسائر الأنوار التي ( عاينوها، وشاهدوها )(١٥). على هذا يخرج تأويل ابن عباس : قوله(١٦) تعالى :]الله نور السموات والأرض[ الله ( هادي(١٧) أهل السموات والأرض، وقوله تعالى :]مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري[ جائز أن يكون قوله :]مثل نوره[ أي مثل نور المؤمن الذي في قلبه مثل مشكاة فيها مصباح، لأن المشكاة هي الكُوَّة التي لا منفذ لها، تدخل فيها الأنوار ؛ تكون مظلمة، فإذا جعل فيها المصباح أضاء ذلك كله، وأناره، حتى لا يبقى فيها ناحية إلا وقد أصابها الضياء والنور. فعلى ذلك القلب، وهو مظلم ؛ إذ ليس له منفذ، يدخل فيه النور من الخارج، فإذا آمن، أنار الله قلبه بإيمانه حتى ظهر ذلك النور وأثره في جميع نواحيه وجوارحه. وهو ما قال :]أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه[ ( الزمر : ٢٢ ). أخبر أن من ]شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه[ فهذا يدل أن قوله ]مثل نوره[ إنما هو مثل نور المؤمن. وعلى ذلك روي في حرف أبي بن كعب أنه قرأ : مثل نور المؤمن كمشكاة، وفي حرف ابن مسعود : مثل نوره في قلب المؤمن، وقال الحسن :]مثل نوره[ قال : مثل القرآن في قلب المؤمن ]كمشكاة[ كوة ]فيها مصباح(. و( يحتمل )(١٨) أن يكون قوله :]الله نور السموات والأرض[ أي به تنجلي الظلمات، وتنكشف الحجب والسواتر ؛ إذ النور إنما سمي نورا لما به تنجلي المظالم، وتنكشف السواتر والحجب، لا لأنه(١٩) نور. ألا ترى أنه سمى القرآن نورا، والرسول نورا، لما بهما(٢٠) تنجلي الشبهات والظلمات، وبهما(٢١) ترتفع السواتر والحجب، وإن كانا في نفسيهما(٢٢) ليسا بنور سماهما(٢٣) نورا لما ذكرنا من [ انجلاء الشبهات ](٢٤) بهما وارتفاع السواتر. فعلى ذلك جائز أن يسمي الله نورا ( كل ما )(٢٥) به يكون انجلاء(٢٦) الظلمات والشبه وانكشاف السواتر وارتفاع الحجب لا لأنه(٢٧) نور. وقوله تعالى :]مثل نوره[ قال بعضهم : مثل نور المؤمن على ما ذكرنا في ما تقدم. وقال بعضهم :]مثل نوره[ في صدر المؤمن. وقال بعضهم : مثل نور محمد على ما ذكر مقاتل وغيره. وقال بعضهم : مثل نور القرآن. وقوله تعالى :]كمشكاة[ قال ( بعضهم :)(٢٨) الكوة التي لا منفذ لها للنور على ما ذكرنا. وقال بعضهم : موضع الفتيلة من القنديل. وقال بعضهم : الحدائد التي يعلق بها القنديل. وقوله تعالى :]لا شرقية ولا غربية[ قال بعضهم : هي شجرة مصحرة ؛ تطلع عليها الشمس إذا طلعت، وتغرب عنها إذا غربت، وزيتها(٢٩) أجود الزيت. وقال بعضهم : هي شجرة في كن، لا تطلع عليها الشمس إذا طلعت، ولا تغرب عنها(٣٠) إذا غربت. وقال بعضهم : ليست شرقية، لا غرب لها، ولا غربية، لا شرق لها، ولكنها شرقية غربية ؛ فكيف ما كان فإنما ذكر الزيت لصفائه وخلوصه، فيجب أن يسأل أهله، فيقال : أي الزيت أجود وأصفى ؟ الذي تصيبه الشمس، أم(٣١) الذي لا تصيبه، أم(٣٢) الذي تصيبه في وقت، ولا تصيبه في وقت. وقال بعضهم :]الله نور السموات والأرض[ هو الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض ( يضيء هداة قلب )(٣٣) المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ( فإذا مسته النار )(٣٤) ازداد ضوءا على ضوء. كذلك يكون قلب المؤمن يعمل الهدى قبل أن يأتيه العلم ( فإذا جاءه العلم )(٣٥) ازداد هدى على هدى ونورا على نور. وعن أبي بن كعب أنه(٣٦) قال في قوله :]مثل نوره[ يقول مثل نور المؤمن، وكذلك يقرؤها : مثل نور المؤمن على ما ذكرنا من قبل ؛ قال : فهو عبد، قد جعل القرآن والإيمان في صدره. قال :]كمشكاة[ قال : المشكاة صدره ]فيها مصباح[ قال : المصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره. قال :]المصباح في زجاجة[ فالزجاجة قلبه. قال ]الزجاجة كأنها كوكب دري[ يقول : كوكب مضيء ]يوقد من شجرة مباركة[ قال : الشجرة المباركة :( أصل المبارك : الإخلاص )(٣٧) لله وحده لا يشرك به. قال :]لا شرقية ولا غربية[ قال : فمثله كمثل شجرة، التف بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت : لا إذا طلعت، ولا إذا غربت. وكذلك هذا المؤمن، قد أجير من أن يصله شيء من الفتن، وقد ابتلي بها، فثبته الله فيها ؛ فهو بين أربع خلال : إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق : وإن حكم عدل، فهو في سائر الناس كالرجل الحي، يمشي في قبور الأموات. قال :]نور على نور[ قال : فهو يتقلب في خمسة من الأنوار(٣٨) : كلامه نور، وعمله(٣٩) نور، ومدخله نور، ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. قال : ثم ضرب مثل الكافر، فقال :]والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة[ الآية النور : ٣٩ ) ( يجيء يوم القيامة، وهو يحسب )(٤٠) أن له عند الله خيرا، فلا تجده، فيدخله الله إلى النار. وقال :( وضرب مثلا آخر في آية أخرى )(٤١) فقال :]أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض[ ( النور : ٤٠ ) فهو يتقلب في ظلمات. وقال بعضهم في قوله تعالى :]الله نور السموات والأرض[ أي بنوره يهتدي من في السموات ومن في الأرض على ما ذكرنا ]مثل نوره[ في قلب المؤمن ]كمشكاة[ هي الكوة غير النافذة على ما ذكرنا ]فيها مصباح[ أي سراج ]كأنها كوكب دري[ مضيء، أي منسوب إلى الدر، وهو قول القتبي. وقال أبو عوسجة :]كمشكاة[ الكوة التي تكون في الحائط، ومشاك جماعة، وكوى جماعة، ]وكوكب دري[ ( شديد الضوء، ودري هو أيضا من الضوء مأخوذ، هما جميعا من الضوء(٤٢)، وكواكب درار(٤٣) مضيئة. وعن أبي بن كعب ( في قوله تعالى :]مثل نوره[ أنه ) (٤٤) قال : ضرب مثل محمد ]كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري[ (٤٥) مثل لسانه وصدره وقلبه ]يكاد زيتها يضيء[ قال : يكاد محمد يبين للناس، وإن لم ينطق ( أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء ]ولو لم تمسسه نار ). (٤٦) وعن الضحاك بن مزاحم ( في قوله :]كأنها كوكب دري[ أنه )(٤٧) قال : خلقت الكواكب من نار، ويقال لها : درار، فمن ثمة قال ]كوكب دري(. وقد ذكرنا قولهم في المشكاة ؛ قال بعضهم : الكوة التي لا منفذ لها. وقال بعضهم : الفتيلة. وقال بعضهم : الفتيلة التي في جوف القنديل نفسه وقال /٣٦٩- ب/ بعضهم : هي الحدائد التي يعلق بها القنديل، وأما الزجاجة فهي القنديل. ثم إن كان قوله :]مثل نوره[ أي نور المؤمن فليس ذلك وصف كل مؤمن ونعته، ولكن وصف المؤمن الذي تجتمع فيه جميع شرائط الإيمان وجميع الأخلاق الحسنة والآداب لأنه وصفه بطهارة نفسه وجسده وقلبه وجميع أعماله وأفعاله لأنه قال :]كمشكاة[ وهي قلبه ]فيها مصباح[ وهو صدره الذي فيه(٤٨) قلبه ]المصباح في زجاجة[ وهو الإيمان الذي في صدره. ثم نعت الزجاج، فقال :]الزجاجة كأنها كوكب دري[ أي مضيء. وقال بعضهم : من الدر فوصف الكل بالضياء والنور وطهارة الداخل منه والخارج ونقاوته. فهو المؤمن الذي تجتمع فيه شرائط والخصال المحمودة، وأما كل المؤمن فلا يحتمل، وهذا أشبه. ألا ترى أنه ذكر نعت الكافر من بعد ( هذا )(٤٩) وخبثه حين(٥٠) قال :]والذين كفروا بأعمالهم كسراب بقيعة( ؟ ( النور : ٣٩ ). وإن كان ( قوله :]مثل نوره( )(٥١) وصف محمد ففيه جميع ما ذكر، ونعته. وإن كان القرآن فهو كذلك أيضا. وقوله تعالى :]يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار[ الذي(٥٢) ذكرنا. ( وقوله تعالى ) :(٥٣) ]يهدي الله لنوره من يشاء[ يحتمل ]يهدي الله لنوره[ لنور محمد صلى الله علي ١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: والزيتونة.. ٢ الباء ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: وهو.. ٤ في الأصل وم يعني.. ٥ إشارة إلى قوله تعالى:﴿تقولون إن إبراهيم وإسماعيل و إسحاق ويعقوب و الأسباط كانوا هودا أو نصارى﴾ (البقرة: ١٤٠).. ٦ في الأصل وم: لأصاب.. ٧ في الأصل وم: قال.. ٨ ساقطة من الأصل وم.. ٩ في الأصل وم: فضل.. ١٠ في الأصل وم: قال.. ١١ في الأصل وم: نور نبيه.. ١٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: قوم.. ١٣ ساقطة من الأصل وم.. ١٤ في الأصل وم: فهموا به.. ١٥ في الأصل وم: عاينوه وشاهدوه وهم المشبهة.. ١٦ في الأصل م: حيث قال.. ١٧ من م، ساقطة من الأصل.. ١٨ في الأصل وم: أو.. ١٩ في الأصل وم: أنه.. ٢٠ في الأصل وم: به.. ٢١ في الأصل وم: وبه.. ٢٢ في الأصل وم: أنفسهما.. ٢٣ في الأصل وم : سمى.. ٢٤ في الأصل وم: تجلي الأشياء.. ٢٥ الأصل وم: لما.. ٢٦ في الأصل وم : تجلي.. ٢٧ في الأصل وم: أنه.. ٢٨ ساقطة من الأصل وم.. ٢٩ في الأصل وم: وهو.. ٣٠ في الأصل وم: عليه.. ٣١ في الأصل وم: أو.. ٣٢ في الأصل وم: أو. ٣٣. في الأصل وم: كما هداه في.. ٣٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٣٥ ساقطة من الأصل وم.. ٣٦ ساقطة من الأصل وم.. ٣٧ في الأصل: أصله فالمبارك والإخلاص، في م: أصله فالمبارك الإخلاص.. ٣٨ في الأصل وم: النور.. ٣٩ في الأصل وم: وعلمه.. ٤٠ من م، ساقطة من الأصل.. ٤١ في الأصل: في آية أخرى مثلا، في م: في آية أخرى له مثلا.. ٤٢ في الأصل: الدر.. ٤٣ في الأصل، مراري.. ٤٤ في الأصل: ﴿مثل نوره﴾.. ٤٥ ساقطة من م.. ٤٦ من الدر المنثور ٦/١٩٦. ساقطة من الأصل وم.. ٤٧ في الأصل وم: ﴿كأنها كوكب دري﴾.. ٤٨ في الأصل وم: في.. ٤٩ ساقطة من الأصل وم.. ٥٠ في الأصل وم: حيث.. ٥١ ساقطة من الأصل وم.. ٥٢ في الأصل وم: التي.. ٥٣ ساقطة من الأصل وم..

النور 24:36

ثم معنى تشبيه ما ذكر بالزيت؛ لأن الزيت أصفى شيء وأطهر وأطيب شيء وأضوأ للسراج، وكل المنافع من الإدام والدواء وغيره منه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (أَنْ تُرْفَعَ) أي: تعظم، ويرفع قدرها -وهي المساجد- على غيرها من البيوت المسكونة بذكر اسم اللَّه فيها، والتسبيح والتنزيه من الأقذار، والأنجاس، ومن الأمور الدنيوية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (أَنْ تُرْفَعَ) أي: تبنى وتتخذ. فإن كان التأويل هذا، ففيه الأمر ببناء المساجد واتخاذها. وإن كان الأول، ففيه الأمر بتعظيم المساجد ورفع قدرها بما ذكر من ذكر اللَّه والتسبيح فيها. ثم الإذن في هذا الأمر لوجهين: أحدهما: بحق إقامة الجماعات فيها في هذه الصلوات المعروفة؛ إذ الأرض كلها في الأصل جعلت مسجدًا؛ حيث قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ". فهي من حق جواز الصلاة مسجد، فيخرج الأمر به مخرج الأمر ببنائها لإقامة الجماعات.

النور 24:37

والثاني: أمر بها خصوصًا للمساجد؛ إذ غيرها من البيوت المسكونة إنما اتخذت وبنيت بالإذن والإباحة، فخص المساجد بالإذن ببنائها خصوصًا لها؛ إذ لو كان إذنًا على ظاهر ما ذكر، لكان المساجد وغيرها من البيوت سواء، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) فإن كان تأويل قوله: (أَنْ تُرْفَعَ) أي: تعظم ويرفع قدرها؛ فيكون قوله: (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ) تفسيرًا لذلك التعظيم والقدر الذي أمر، أي: أمر أن تعظم، ويرفع قدرها بذكر اسم اللَّه فيها، وما ذكر من التسبيح. وإن كان التأويل هو الأمر بالبناء يكون قوله: (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا) كذا على الابتداء، أي: أمر أن نبني سويًّا مساجد، وأمر أن يذكر فيها اسمه، ويسبح له فيها بالغدو والآصال. ثم اختلف في تلاوة قوله: (يُسَبِّحُ لَهُ): قرأ بعضهم (يُسَبَّحُ لَهُ) بنصب الباء. وقرأ بعضهم (يُسَبِّحُ) بخفض الباء. فمن قرأها بالنصب صيره على الأول (ويذكر فيها اسمه يُسَبَّحُ لَهُ فيها بالغدو والآصال)، ثم ابتدأ فقال: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ). ومن قرأها بالخفض -أعني: خفض الباء- صيره مقطوعًا من الأول مبتدأ به، أي: يسبح له فيها رجال بالغدو والآصال، ثم ابتدأ من قوله: (لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ) ثم قوله: (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) جائز أن يراد بذكر اسمه: الصلاة، وكذلك التسبيح. ويحتمل أن يريد بذكر اسمه: جميع أنواع الأذكار من الخير. ويراد بالتسبيح بالغدو والآصال: الصلاة المفروضة. ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: الغدو: صلاة الغداة، والآصال: صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فيجعل الأصيل عبارة عن هذه الصلوات في أوقاتها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الآصال: صلاة العصر خاصة، وأما غيرها من الصلوات فإنما عرف لا بهذا ولكن بشيء آخر، والغدو هو صلاة الفجر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ... (٣٧) أي: لا تشغلهم تجارة ولا بيع، ذكر

النور 24:38

التجارة والبيع، والبيع تجارة، ولكن كان اسم التجارة يجمع كل أنواع التقلب، واسم البيع يقع على خاص، وكذلك يقال للذي يجمع أنواع التقلب: تاجر، وللذي يبيع شيئًا خاصًّا: بائع. أخبر أنه لا يشغلهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللَّه. ثم جائز أن يكون قوله: (لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) أي: لا يشتغلون بالتجارة والبيع، ولكن فرغوا أنفسهم لذكر اللَّه، وإقامة الصلاة، وما ذكر. وجائز أن يكون يتجرون ويبيعون لكن تجارتهم وبيعهم لا تشغلهم، ولا تمنعهم عن ذكر اللَّه، يكونون أبدًا في ذكر اللَّه. ثم قوله: (عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) يحتمل الصلاة. وقوله: (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) أي: تمام الصلاة بركوعها، وسجودها، وقراءتها، وجميع أسبابها، وشرائطها. وجائز أن يكون قوله: (عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) جميع أنواع الأذكار (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) وإقامة الصلاة بنفسها وإيتاء الزكاة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: جائز أن يكون قوله: (عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) الخطبة (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) صلاة الجمعة؛ لأنه قال: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً...) الآية، وقال: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ)، وهي الخطبة. وهذا القول، غير مسموع من أهل التأويل، ولكنه يحتمل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) وهو يوم القيامة يخبر عن شدة هول ذلك اليوم وخوفه إذ لا تثبت القلوب والأبصار فزعًا منه وخوفًا، كقوله: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ...) الآية، وكقوله: (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ). وجائز أن يكون قوله: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) يعرفون مرة، ويجهلون تارة، ويعتبرون يومئذ بما لم يعتبروا في الدنيا، ويقرون بما لم يقروا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ)، حين زالت عن أماكنها من الصدور، فنشبت في حلوقهم عند الحناجر، ثم قال: (وَالْأَبْصَارُ) أي: تتقلب أبصارهم فيكونون زرقا، وهو قول مقاتل. وقوله: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا... (٣٨) يحتمل قوله: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) أي:

النور 24:39

يجزيهم اللَّه جزاء إحسانهم، ويكفر عنهم مساويهم، ولا يجزيهم بها كقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا...) الآية، وكقوله: (وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) على قدر حسناتهم، (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: ليس فوقه ملك يحاسبه فهو لذلك يرزق من يشاء بغير حساب لا يخاف من أحد يحاسبه كقوله (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ). ويحتمل قوله: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: يعطيهم بلا حساب يحاسبهم، ويدخلهم الجنة بلا محاسبة. وجائز أن يكون (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: يعطيهم بلا حساب أضعافًا مضاعفة ما لا يحصى لا على قدر أعمالهم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً) جائز أن يكون ضرب مثل أعمال الكفرة بالسراب الذي ذكر من وجهين: أحدهما: أنهم قد عملوا في الظاهر أعمالا طمعوا أن يصلوا إليها في الآخرة، وينتفعوا بها من نحو الصدقات، والنفقات، وصلة الأرحام، ونحوه مما هي في الظاهر أعمال الخير، فإذا هم حُرِمُوا أجرها ولم يجدوا شيئًا كالذي يرى السراب من بعيد يحسبه ماء فسار إليه، فإذا هو لا شيء؛ فعلى ذلك الكفار عملوا تلك الأعمال على طمع منهم أنهم ينتفعون بها، فإذا هم على لا شيء كالعطشان الذي يرى السراب، فحسبه أنه ماء، فإذا هو سراب. والثاني: ضرب مثل أعمالهم بالسراب الذي ذكر، وذلك أنهم قد عبدوا الأصنام والأوثان رجاء أن ينتفعوا بشفاعتهم في الآخرة؛ كقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ)، وكانت عبادتهم لما ذكروا من شفاعتهم عند اللَّه ثم لم ينتفعوا فصاروا كالعطشان الذي يرى السراب يحسب أنه ماء؛ فإذا جاءه وجده سرابًا؛ لم يجده ماء كما حسبه، إلى هذا تمام المثل. ثم ابتدأ فقال: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) أي: وجد اللَّه يوفيه حساب عمله وجزاءه.

النور 24:40

أو يقول: قدم على عمله يوم القيامة لم يجد عمله الذي عمل في الدنيا شيئًا إلا كما وجد هذا العطشان هذا السراب، ووجد اللَّه عنده فوفاه حسابه، يقول: قدم على اللَّه فوفاه حسابه؛ أي: عمله. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا المثل ضرب للكفار؛ وذلك أنهم يبعثون يوم القيامة وقد تقطعت أعناقهم من العطش، فيرفع لهم سراب بقيعة من الأرض؛ فإذا نظروا إليه حسبوه ماء؛ فأتوه ليشربوا منه فلم يجدوا شيئًا، ويؤخذون ثمة فيحاسبون، وكذلك أعمالهم تضمحل يوم القيامة فلا يصيبون منها خيرًا. وقوله: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) هذا مثل آخر ضربه اللَّه لأحوال الكافر؛ أو (كَظُلُمَاتٍ) جسده، شبهه بظلمات؛ وذلك أن البحر إذا كان عميقًا كان أشدّ لظلمته؛ فقال: والبحر اللجي: قلب الكافر، (يَغْشَاهُ مَوْجٌ): فوق الماء (مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ): فهو ظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، هذه ظلمات (بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، فكذا الكافر قلبه مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم، لا يبصر الإيمان كما أن صاحب البحر إذا أخرج يده في تلك الظلمة (لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)؛ أي: لم يرها ألبتَّة. أو أن يكون ضرب المثل بظلمات ثلاث بظلمات أحوال لا يزال يزداد ظلمة كفره في كل وقت وفي كل حال بعمله الذي يعمله؛ كالظلمات التي ذكرها؛ فكان كضرب المثل الذي سبق لأنوار أحوال المؤمن؛ حيث قال: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) والنور جسده وصدره وقلبه. ثم قوله: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ): ليس هو حرف شك، ولكنه كأنه قال: إن ضربت مثل عمله بالسراب فمستقيم، وإن ضربته بالظلمات التي ذكرها فمستقيم، بأيهما ضربت فمستقيم صحيح، لا أنه ذا أو ذا. ثم ذكر في أعمال الكفرة مثلين: أحدهما: السراب، والثاني: الظلمات. فجائز أن يكون في المؤمن أيضًا مثلين: الظلمة التي ذكر مقابل النور الذي ذكر في المؤمن، والسراب الذي ذكر لأعمالهم مقابل ما ذكر من أعمال المؤمنين؛ حيث قال: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ...) إلى قوله: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ). قَالَ بَعْضُهُمْ: من لم يجعل اللَّه له إيمانًا فما له من إيمان. وقيل: هدى، فما له من هدى، وهما واحد.

النور 24:41

والآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لم يجعل اللَّه للمؤمن من النور إلا وقد جعل مثله للكافر، وفي الآية إخبار أنه لم يجعل للكافر النور؛ إذ لو كان جعل للكافر كما جعل للمؤمن لم يكن لقوله: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) - معنى؛ دل أنه لم يجعل للكافر النور. وقوله: (فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) يقول: فجازاه بعمله فلم يظلمه. وقوله: (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) قد ذكرناه في غير موضع. قَالَ الْقُتَبِيُّ: السراب: ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار، والآل: ما رأيته في أول النهار وآخره؛ الذي يرفع كل شيء، والقيعة: القاع. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: السراب الذي يثيره الحرّ فتراه كأنه ماء يجري وهو الذي يكون نصف النهار إلى السماء، والآل في أوّل النهار إلى قريب من نصف النهار، والقيعة: القاع؛ وهي الأرض اليابسة الطيبة التي يستنقع فيها الماء، وقاع واحد، وقيعان جمع، والظمآن: العطشان، وقوم ظِمَاء، وامرأة ظمأى، ونسوة ظماء، وأظمأته: أعطشته، وظمأته أيضًا. (بَحْرٍ لُجِّيٍّ) اللجي: الكثير الماء، واللجة: وسط البحر (يَغْشَاهُ مَوْجٌ)؛ أي: يصير فوقه، قال: الموج طرائق في الماء تكون إذا هبت الريح. وقال الكسائي: الظمآن والصديان والعطشان واحد، قيل: والسراب: الزوال، والآل: بعد الزوال؛ وهو أرفع من السراب، والرواق بعد العصر. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا): يقول: لم يقاربه البصر؛ كقوله: الرجل لم يصب ولم يقارب. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). قوله: (أَلَمْ تَرَ)، و (أَلَمْ تعلَم)، ونحوه في الظاهر حرف تعجيب واستفهام، يقول الرجل لآخر: ألم تر كذا، وألم تعلم كذا؛ على التعجيب أو على الاستفهام، لكنه يخرج من اللَّه على وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت وعلمت؛ إذ الاستفهام لا يجوز عنه. والثاني: على الأمر؛ أي: اعلم ورِه؛ على ما ذكرنا في غير موضع. وقوله: (يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). يحتمل تسبيح من ذكر وجهين: أحدهما: تسبيح خلقة وصنعة؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانيته وتعاليه عن الأشباه وتنزيهه، والشهادة له بالربوبية، والتفرد بالألوهية له. والثاني: يجعل اللَّه - تعالى - في هذه الخلائق من الطيور والدوابّ وغيرها معنى يسبحون له بذلك، يفهمون هم ذلك من أنفسهم، ويعرفون أنه تسبيح؛ وإن لم يفهم غيرهم من الخلائق، نحو ما ذكر من تسبيح الجبال والطير في قصة سليمان في قوله: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ)، وقال في آية أخرى: (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ). ولو كان التسبيح ممن ذكر تسبيح خلقة لكان سليمان وغيره من الناس في ذلك شرعًا سواء؛ والعشي وغيره من الأوقات سواء، فدل تخصيص سليمان في ذلك، وتخصيص الأوقات من بين غيرهم على أن تسبيح هذه الأشياء ليس بتسبيح خلقة؛ ولكنه تسبيح عبادة بالمعنى الذي جعل له فيه، وإن لم يفهم غيره من الخلائق تسبيحهم؛ ألا ترى أن الله تعالى أخبر عن قول النملة؛ حيث قال: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ...) الآية، ثم معلوم أنه لم يكن حقيقة قوله كقول المميز والممتحن، ولكنه معنى، فهموا منها ذلك، فعلى ذلك الأول؛ ألا ترى أنه أخبر عن نظر الجوارح وشهادتها عليه يومئذ؛ حيث قال: (يَوْمَ تشْهَدُ عَلَيهِم...) الآية، وقال: (شَهِدَ عَليهِم...) الآية، فيفهم هَؤُلَاءِ من شهادة الجوارح عليهم ما لم يفهمه غيرهم حتى أنكروا عليها؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا. وذلك جائز أن يكون لمعنى فيهم فهموه هم ولا يفهمه غيرهم؛ ألا ترى أن اللَّه جعل في سرية الماء معنى يحيا به كل شيء إذا أصابه ووصل إليه، وذلك المعنى لا يعلمه إلا اللَّه أو من أطلعه اللَّه عليه وارتضاه لنفسه رسولا، فعلى ذلك تسبيح من في السماوات والأرض والطير وغيره، جعل في سريتهم معنى يعرفون هم من أنفسهم ذلك تسبيحًا له

النور 24:42

وتنزيهًا؛ وإن لم يفهمه غيرهم، واللَّه أعلم؛ كقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ). وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ - -: (يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ). حرف " من " إنما يعبر به عن التمييز وحرف " ما " يعبر به عن المميز. وقوله: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ). قَالَ بَعْضُهُمْ: كل من فيها قد علم صلاته وتسبيحه؛ من الملائكة وغيرهم؛ بلغته ولسانه غير كفار الإنس والجن. وجائز أن يكون قوله: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) ما ذكرنا أن كلا منهم يعرف ويفهم أنه يسبح له، وإن لم يفهم غيره، كأنه يذكر سلطانه وملكه وغناه عن عبادة هَؤُلَاءِ والتسبيح؛ لأن من سبح له كل شيء في السماوات والأرض، فترك عبادة هَؤُلَاءِ له وعبادته بمحل واحد لا ينفع ولا يضر. أو أن يقول: من له ملك السماوات والأرض لا يقع له الحاجة إلى عبادة أحد ولا طاعته، وإنما الحاجة والمنفعة في الطاعة والعبادة لهم دون اللَّه؛ ولذلك قال: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) على أثر ذلك. وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) جائز أن يكون هذا على الأول؛ أي: عليم بما يفعل من ذكر من التسبيح وغيره، أو أن يكون على ابتداء وعيد للخلق؛ أي: عليم بجميع ما يفعلون. وقوله: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) قد ذكر في غير موضع. وقوله: (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) أي: قد صفت أجنحتها في الطيران، وكذلك قال أبو عَوْسَجَةَ، أي: صفت أجنحتها في الهواء فلا تحركها. وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) قيل: يسوق سحابًا (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي: بعضه إلى بعض (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا) قال: فيها تقديم وتأخير (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا) أي: قطعًا يحمل بعضه على أثر بعض (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي: يضم السحاب بعضه إلى بعض بعد الركام. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (يُزْجِي) أي: يخرجه من الأرض فيسخره بين السماء والأرض ثم يجعله ركامًا. وقوله: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) وقيل: " خِلَلِهِ "؛ أي: من خلال السحاب (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: جبال من ثلج ينزل اللَّه على السحاب

النور 24:43

الآية ٤٣ : وقوله تعالى :]ألم تر أن الله يزجي سحابا[ قيل : يسوق سحابا ]ثم يؤلف بينه[ أي ( يضم )(١) بعضه إلى بعض ]لم يجعله ركاما[ قال :( بعضهم )(٢) : فيها تقديم وتأخير ]ثم يجعله ركاما[ أي قطعا يحمل ( بعضه )(٣) على إثر بعض ]ثم يؤلف بينه[ أي يضم السحاب بعضه أي(٤) الركام. وقال بعضهم : قوله :]يزجي[ أي يخرجه من الأرض فيسخره بين السماء والأرض ]ثم يجعله ركاما(. وقوله تعالى :]فترى الودق[ أي المطر ]يخرج من خلاله[ وقيل : خلله(٥)، أي من خلال السحاب ]وينزل من السماء من جبال فيها من برد[ قال بعضهم : جبال من ثلج : ينزل الله تعالى ( من السحاب ) الثلج والبرد. وقال بعضهم : جبال خلقها الله تعالى من برد في(٦) السماء، ثم ينزل. وليس في الآية بيان الجبال التي ذكر أنها(٧) من السماء أنها من ثلج أو برد سوى أنها من ثلج أو برد سوى أنه خبر أن فيها بردا. فالأشياء تشبه الجبال، وتنسب إليها ما للكثرة ( أولا )(٨) وإما للشدة والغلظ والعظم ثانيا كقوله ]وترى الجبال تحسبها جامدة[ الآية ( النمل : ٨٨ ). فجائز أن تكون الجبال المذكورة في هذه الآية هي الجبال التي أخبر أنه يتنزل منها، إذ لا يدرى أين هي ؟ أفي(٩) السماء أم(١٠) في ما بين السماء والأرض ؟ وقوله تعالى :]فيصيب به من يشاء[ في نفسه أو زرعه أو ثمره، فيضره ]ويصرفه عن من يشاء[ فلا تصيبه. فإن كان على هذا فهو يخرج على التعذيب. وكذلك عمل البرد يفسد في مكان، ويترك مكانا، لا يعم، ولكن يصيب مكانا، ويخطىء مكانا. وجائز أن يكون قوله :]فيصيب به من يشاء[ من بركته ]ويصرفه عن من يشاء[ من بركته. وقوله تعالى (١١) ]يكاد سنا برقه[ قيل : ضوء برقه، يكاد ضوء البرق يذهب بالأبصار من شدة ونوره. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ من م، ساقطة من الأصل وم.. ٤ في الأصل وم: بعد.. ٥ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٢٦٢.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: أنه.. ٨ ساقطة من الأصل وم.. ٩ الهمزة ساقطة من الأصل وم.. ١٠ في الأصل وم: أو.. ١١ ساقطة من الأصل وم..

النور 24:44

منها الثلج والبرد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: جبال خلقها اللَّه من برد في السماء ثم ينزل. وليس في الآية بيان أن الجبال التي ذكر أنها من السماء أنها من ثلج أو برد، سوى أنه أخبر أن فيها بردًا؛ فالأشياء تشبه بالجبال وتنسب إليها؛ إما للكثرة، وإما للشدة والغلظ والعظم ثانيًا؛ كقوله: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...) الآية؛ فجائز أن تكون الجبال المذكورة في هذه الآية هي الجبال التي أخبر أنه ينزلها، أو لا يدري أين هي: في السماء أو فيما بين السماء والأرض؟ وقوله: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ) في نفسه أو زرعه أو ثمره فيضره، (وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) فلا يصيبه، وإن كان على هذا فهو يخرج على التعذيب، وكذلك عمل البرد يفسد في مكان، ويترك مكانًا لا يعمه، ولكن يصيب مكانًا ويخطئ مكانًا. وجائز أن يكون قوله: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ) من بركته (وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) من بركته، (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ) قيل: ضوء برقه، كاد أن يقارب أن يذهب ضوء البرق بالأبصار من شدة نوره، (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) تقليبه الليل والنهار واختلافهما: يأتي بهذا ويذهب بالآخر. يذكر هذا - واللَّه أعلم - صلة قوله: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...) الآية؛ يخبر عن سلطانه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته، وقدرته، ما ذكر من سوق السحاب بين السماء والأرض، وتسخيره، وضم بعضه إلى بعض - دل ذلك أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، ودل نزول المطر وإصابته في مكان دون مكان، وتخطيه موضعًا دون موضع مع اتصال السحاب وانضمام بعض على بعض على السواء أنه على التدبير والعلم كان ذلك، لا بطباع السحاب، أو على جزاف. ودل جريان الأمر واتساق التدبير فيما ذكرنا، وفي اختلاف الليل والنهار، وتقليبهما من حال إلى حال، من النقصان إلى الزيادة، ومن الزيادة إلى النقصان، واتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما - أنه تدبير واحد، لا عدد؛ إذ لو كان تدبير عدد، لمنع بعض بعضًا عما يريد من التدبير والنفع، دل ذلك كله على أنه واحد، عليم، قادر، مدبّر، لا يعجزه شيء؛ ولذلك قال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ)؛ لما ذكرنا فيه من وجوه الاستدلال والاعتبار. قَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (يُزْجِي) أي: يسوق (رُكَامًا) بعضه فوق بعض (فَتَرَى

النور 24:45

الْوَدْقَ) أي: المطر (يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) و (خَلَلِهِ)، (سَنَا بَرْقِهِ) ضوءه. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: والركام: الكثير المتراكم الذي بعضه فوق بعض؛ يقال: ارتكم الشيء، أي: صار بعضه على بعض، ويقال: ركمت المتاع أركمه ركمًا: إذا جعلت بعضه فوق بعض، والودق: المطر؛ يقال: ودقت السماء تدق ودقًا: أي: مطرت (يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ) أي: من بينه، وواحد الخلال: خلل، (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ) السنا مقصور، وهو الضوء؛ يقال: السنا: النار، وهو واحد. وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ... (٤٥) هو - واللَّه أعلم - صلة قوله: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...) الآية؛ ذكر السحاب وما فيه من التدبير والعلم والحكمة، وذكر -أيضًا- تقليبه الليل والنهار وما فيهما من التدبير والعلم والحكمة والقدرة؛ فعلى ذلك قوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) يذكر قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ أخبر أنه خلق الخلائق كلهم من هذا الماء، على اختلاف أجناسهم وجواهرهم من شيء واحد وأنهم لم يكونوا بالطباع كذلك، ولكن بتدبير واحد عالم بذاته، لا بعلم وتدبير مستفاد، ولكن علم ذاتي؛ إذ لو كانوا بالطباع لخرجوا على تقدير واحد وصفة واحدة. والثاني: أنه لا أحد من حكماء البشر يدرك كيفية إنشاء هذا العالم، وخلق هذه الخلائق من هذه المياه فإنه خلق ذلك، وليس في تلك المياه معنى ولا شيء من جوهر الخلائق دل إنشاؤه إياهم أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء يخلق بسبب وبغير سبب، وأنه خلق الخلائق بحكمة ذاتية؛ إذ لم يدرك ذلك حكماء البشر. ودل خلق هذه الخلائق على هذه المعاني والأسباب أنه لم يخلقهم عبثًا ليتركهم سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم؛ فإذا ثبت الأمر والنهي ثبت الإحياء من بعد الممات للجزاء. ودلت قدرته على خلق هذه الخلائق من الماء أنه قادر على الإحياء، وأنه لا يعجزه شيء؛ لأن من قدر على هذا لقادر على ما ذكرنا. وقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) يذكر هذا - واللَّه أعلم - لأحد وجهين: إما تذكيرًا إياه نعمه ومننه وفضله الذي أعطاهم وإحسانه الذي أحسن إليهم؛ لأنه أخبر أنه خلق هذا العالم معتدلا سويًّا من غير أن كان منهم اختيار لذلك.

النور 24:46

أو يستوجبون ذلك قبله، وخلق غيرهم من الدواب منكبين على وجوههم وماشين على بطونهم، وذلك فضل منه ونعمة. أو ذكر مثالا بحال الكفرة في الآخرة؛ كقوله: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى...) الآية؛ أخبر أن الكفرة يكونون منكبين على وجوههم، وأهل الإسلام يمشون منتصبين مستوين (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) بسبب وبغير سبب (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة بالطباع. * * * قوله تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) وقوله: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ...) الآية؛ قد ذكرناه. وقوله: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اختلف فيه: قال بعض أهل التأويل - ابن عَبَّاسٍ وغيره -: إنه وقعت بين علي بن أبي طالب وبين عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خصومة في أرض اشتراها عثمان من علي، فاختصما إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في تلك، فقضى لعلي على عثمان، وألزمه الأرض، فقال قوم لعثمان: إنه ابن عمه وأكرم عليه فقضى عليك له، أو نحو هذا من الكلام، فنزل في قوم عثمان ذلك.. إلى آخر ما ذكر. لكن هذا بعيد؛ إذ لا يحتمل أن يكون عثمان أو قومه يخطر ببالهم في رسول اللَّه ما ذكر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزل هذا في بشر المنافق، وذلك أن رجلا من اليهود كان بينه وبين بشر

النور 24:47

الآيتان ٤٧ و ٤٨ : وقوله تعالى :[ ويقولون آمنا بالله وبالرسول ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ]( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ] [ اختلف فيه : قال بعض أهل التأويل : ابن عباس : إنه قد وقعت بين علي بن أبي طالب وبين عثمان ( بن عفان )(١) رضي الله عنهما خصومة في الأرض ( التي )(٢) اشتراها عثمان من علي، فاختصما إلى رسول الله ﷺ في تلك ( الأرض ) (٣) فقضى لعلي على عثمان، وألزمه الأرض. فقال قوم عثمان : إنه ابن عمه، وأكرم عليه، فقضى ( له عليك )(٤) أو نحو/٣٧١- ب/ هذا من الكلام. فنزل في قوم عثمان ذلك إلى آخر ما ذكروا(٥). لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يكون عثمان وقومه يخطر ببالهم ( ما ذكر في رسول الله ). (٦) وقال بعضهم : نزل هذا في بشر المنافق ؛ وذلك أن رجلا من اليهود كان بينه وبين بشر خصومة، وأن اليهودي دعا بشرا إلى رسول الله ﷺ، ودعاه بشر إلى كعب ابن الأشرف، فقال : إن محمدا يحيف علينا، ونحوه من الكلام. فنزل هذا. لكنا لا نعلم أنه في من نزل(٧) سوى فيه بيانا ( أنه إنما نزل )(٨) في المنافقين وفي ظاهر الآية دلالة أنهم علموا أن رسول الله ﷺ لا يقضي إلا بالحق. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ في الأصل وم: عليك له.. ٥ في الأصل وم: ذكر.. ٦ في الأصل وم: في رسول الله ما ذكر.. ٧ في الأصل وم: تنزل.. ٨ في الأصل وم: أنها إنما نزلت..

النور 24:48

الآيتان ٤٧ و ٤٨ : وقوله تعالى :[ ويقولون آمنا بالله وبالرسول ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ]( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ] [ اختلف فيه : قال بعض أهل التأويل : ابن عباس : إنه قد وقعت بين علي بن أبي طالب وبين عثمان ( بن عفان )(١) رضي الله عنهما خصومة في الأرض ( التي )(٢) اشتراها عثمان من علي، فاختصما إلى رسول الله ﷺ في تلك ( الأرض ) (٣) فقضى لعلي على عثمان، وألزمه الأرض. فقال قوم عثمان : إنه ابن عمه، وأكرم عليه، فقضى ( له عليك )(٤) أو نحو/٣٧١- ب/ هذا من الكلام. فنزل في قوم عثمان ذلك إلى آخر ما ذكروا(٥). لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يكون عثمان وقومه يخطر ببالهم ( ما ذكر في رسول الله ). (٦) وقال بعضهم : نزل هذا في بشر المنافق ؛ وذلك أن رجلا من اليهود كان بينه وبين بشر خصومة، وأن اليهودي دعا بشرا إلى رسول الله ﷺ، ودعاه بشر إلى كعب ابن الأشرف، فقال : إن محمدا يحيف علينا، ونحوه من الكلام. فنزل هذا. لكنا لا نعلم أنه في من نزل(٧) سوى فيه بيانا ( أنه إنما نزل )(٨) في المنافقين وفي ظاهر الآية دلالة أنهم علموا أن رسول الله ﷺ لا يقضي إلا بالحق. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ في الأصل وم: عليك له.. ٥ في الأصل وم: ذكر.. ٦ في الأصل وم: في رسول الله ما ذكر.. ٧ في الأصل وم: تنزل.. ٨ في الأصل وم: أنها إنما نزلت..

النور 24:49

خصومة، وأن اليهودي دعا بشرًا إلى رسول اللَّه، ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف، فقال: إن محمدًا يحيف علينا، أو نحوه من الكلام؛ فنزل هذا؛ لكنا لا نعلم أنه فيمن نزل سوى أن فيه بيانًا أنها إنما نزلت في المنافقين. وفي ظاهر الآية دلالة أنهم علموا أن رسول اللَّه لا يقضي إلا بالحق؛ ألا ترى أنه ذكر في آخره: (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) مسرعين مطيعين، ولو كان عندهم أنه يقضي بالجور لكانوا لا يأتونه للقضاء، وإن كان الحق لهم مخافة الجور والظلم عليهم، لكن ما ذكر في سياق هذا يمنع هذا التأويل. وقوله: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) في هذا من الدلالة أن عندهم أنه لا يقضي بالحق لهم، وأنه يجور؛ حيث قال: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ) إن كان على هذا الوصف فهو يخاف جوره وحيفه، إلا أن تجعل الآية في فرق من المنافقين: فرقة منهم عرفوا أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم كان في قلوبهم مرض، وفرقة ارتابوا، وفرقة خافوا جوره، وهم كانوا فرقًا؛ ألا ترى أنه قال: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) ومنهم من قال: كذا، ومنهم من قال: كذا. أو أن يكون تأويل قوله: (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) أي: وإن يكن لهم القضاء بالحق أتوه مذعنين؛ أي: إذا عرفوا أنه يقضي لهم لا محالة أتوه، وإلا لا يأتونه، فإن كان على هذا، فما ذكر على سياقه من المرض والارتياب والخوف في الحيف فمستقيم. على هذين الوجهين يحتمل أن يخرج تأويل الآية، وأما على غير ذلك فإنا لا نعلم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)؛ لأن من ارتاب، أو شك في رسالته، أو خاف جوره وحيفه فهو كافر، ليس بمؤمن. وفي قوله: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ) يخرج على وجهين وإن كان ظاهره حرف شك: أحدهما: على الإيجاب والتحقيق، أي: في قلوبهم مرض وارتابوا وخافوا على ما ذكرنا في حرف الاستفهام أنه في الظاهر، وإن كان استفهامًا فهو في التحقيق علم وإيجاب؛ أي: قد علمت ورأيت ونحوه؛ لما لا يجوز الاستفهام منه، فعلى ذلك هذا. والثاني: ما ذكرنا أنه في فرق: فرقة عرفت أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم ارتابت، وفرقة منهم خافت جوره وظلمه.

النور 24:50

الآية ٥٠ : وقوله تعالى :]أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله[ في هذا من الدلالة أن عندهم أنه لا يقضي بالحق لهم، وأنه يجوز حين(١) قال :]أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم و رسوله[ فمن كان على هذا الوصف فهو يخاف جوره وحيفه إلا أن يجعل الآية في فرق ( من )(٢) المنافقين : فرقة منهم عرفوا أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم كان في قلوبهم مرض، وفرقة ( منهم )(٣) ارتابوا، وفرقة ( منهم )(٤) خافوا جوره. فهم كانوا فرقا. ألا ترى أنه قال :]ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله[ ( التوبة : ٧٥ ) ومنهم من قال كذا، ومنهم من(٥) قال كذا ؟ أو يكون تأويل ]وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين[ أي وإن يكن لهم القضاء بالحق أتوه مذعنين أي إذا عرفوا أنه يقضى لهم، لا محالة، أتوه. وإلا لا يأتونه. فإن كان على هذا فما ذكر على سياقه من المرض والارتياب والخوف من الحيف فمستقيم على هذين الوجهين يحتمل أن يخرج تأويل الآية. وأما على غير ذلك فإنا لا نعلم، والله أعلم. وقوله تعالى :]وما أولئك بالمؤمنين[ لأن(٦) من ارتاب، أو شك في رسالته، أو خاف جوره وحيفه فهو كافر ليس بمؤمن. وقوله(٧) تعالى :]أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون[ يخرج على وجهين : وإن كان ظاهره حرف(٨) شك : أحدهما : على الإيجاب والتحقيق، أي في قلوبهم مرض، وارتابوا، وخافوا(٩)، على ما ذكرنا في حرف الاستفهام أنه في الظاهر، وإن كان استفهاما، فهو في التحقيق علم وإيجاب، أي علمت، ورأيت، ونحوه، لما لا يجوز الاستفهام منه. فعلى ذلك هذا. والثاني : ما ذكرنا أنه في فرق : فرقة ( منهم )(١٠) عرفت أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم ارتابت، وفرقة منهم خافت جوره وظلمه. قال القتبي : قوله :]مذعنين[ أي خاضعين. وقال أبو عوسجة : مسرعين مطيعين ؛ يقال : ناقة مذعان أي سريعة، ونوق، والحيف والجور، حاف يحيف حيفا فهو حائف. وقوله تعالى :]وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم[ قوله :]دعوا إلى الله[ تحتمل إضافة الدعاء إلى الله وجهين : أحدهما : دعوا على كتاب الله وإلى رسوله ]إذا فريق منهم معرضون[ كقوله :]وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا[ ( النساء : ٦١ ). والثاني : إضافته إلى الله هي إضافته إلى رسوله كقوله :[ من يطع الرسول فقد أطاع الله ] ( النساء : ٨٠ ) جعل إطاعة الرسول إطاعة الله تعالى. فعلى ذلك جائز أن يراد بإضافة الدعاء إلى الله الدعاء(١١) إلى رسول الله. وعلى هذا يخرج قوله :[ أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله[ لا يحتمل أن يكونوا يخافون حيف الله ورسوله وجوره، لكن إنما يخافون جور رسوله أو كتابه، والله أعلم. ١ في الأصل وم: حيث.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ من م، في الأصل: كان.. ٧ في الأصل وم: وفي قوله.. ٨ من م، في الأصل: خوف.. ٩ من م، في الأصل: أو يخافوا.. ١٠ ساقطة من الأصل: وم.. ١١ في الأصل وم: دعا به.

النور 24:51

قَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (مُذْعِنِينَ) أي: خاضعين. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: مسرعين، مطيعين؛ يقال: ناقة مذعان: أي سريعة، ونوق مذاعين، والحيف: الجور، حاف يحيف حيفًا فهو حائف. وقوله: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) قوله: (دُعُوا إِلَى اللَّهِ) يحتمل إضافة الدعاء إلى اللَّه وجهين: أحدهما: دعوا إلى كتاب اللَّه وإلى رسوله: (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)، كقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا). والثاني: إضافته إلى اللَّه هي إضافة إلى رسوله، كقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، جعل طاعة الرسول طاعة لله؛ فعلى ذلك جائز أن يراد بإضافة الدعاء إلى اللَّه دعاء إلى رسول اللَّه، وعلى ذلك يخرج قوله: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ) لا يحتمل أن يكونوا يخافون حيف اللَّه وجوره، لكن إنما يخافون جور رسوله أو كتابه، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؍ (٥١) قد ذكرنا إضافة الدعاء إلى الله في قصة المنافقين ونعتهم، فعلى ذلك في نعت المؤمنين.؍ وقوله: (أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) يحتمل قوله: (سَمِعْنَا) أي: سمعنا الدعاء وأطعنا الأمر. ويحتمل: سمعنا: أجبنا وأطعنا الأمر. وجائز أن يكون قوله: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) ليس على حقيقة القول منهم والنطق به، ولكن إخبار من اللَّه - تعالى - عما هم عليه واعتقدوا به؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل اعتقاده طاعة اللَّه وطاعة رسوله، فيكون كما ذكر في آية أخرى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)، هذا إخبار عما أطعموهم، ليس أنهم قالوا باللسان: إنما نطعمكم لكذا، ولكن إخبار عما في قلوبهم، فعلى ذلك الأول. وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) المفلح هو الذي يظفر بحاجته دنيوية وأخروية؛ يقال: فلان أفلح: أي: ظفر بحاجته، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) يحتمل قوله: (وَيَخْشَ اللَّهَ) أي: يخشى اللَّه على ما مضى من ذنوبه ويتقيه فيما بقي من عمره. أو يخشى اللَّه على ما يكون منه من التقصير والتفريط ويتقي ذلك وكل معصية الله

النور 24:52

الآية ٥٢ : وقوله تعالى :]ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله[ أي يخش الله على ما مضى من ذنوبه ]ويتقيه[ في ما بقي من عمره، أو يخش الله على ما يكون منه من التقصير والتفريط، ويتق ذلك وكل معصية الله ومخالفته ]فأولئك هم الفائزون(. وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة فأولئك هم المؤمنون، وهما واحد.

النور 24:53

ومخالفته (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة (فأُولَئِكَ هم المؤمنون) فهما واحد. وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قَالَ بَعْضُهُمْ: كل يمين باللَّه فهي جهد اليمين؛ لأنهم من عاداتهم أنهم كانوا لا يحلفون باللَّه إلا في العظيم من الأمر والخطير، فأمَّا الأمر الدون فإنما يحلفون بغيره، فيكون على هذا كل يمين باللَّه فهو جهد اليمين. ويحتمل أن يكونوا حلفوا بيمين غليظة شديدة على ما يغلظ الناس في أيمانهم ربما، فسمى ذلك جهد اليمين. أو أن يكون جهد اليمين ما ذكر على أثره، وهو قوله: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) قوله: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) هو جهد أيمانهم، واللَّه أعلم. وقوله: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) قوله: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ) يحتمل وجوهًا: لئن أمرتهم ليخرجن من أرضهم التي تخاصموا إليه فيها؛ أي: ليخرجن ويسلمونها إلى خصمهم. ويحتمل: لئن أمرتهم (لَيَخْرُجُنَّ) من جميع أملاكهم وما تحويه أيديهم، تعظيمًا لأمرك وإجلالا، فكيف لا يتبعون لقضائك وينقادون لحكمك. وجائز أن يكون قوله: (لَيَخْرُجُنَّ) من المدينة بعيالاتهم وجميع حواشيهم إلى بلدة أخرى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ) أي: أمرتهم أن يخرجوا في الجهاد ليخرجن؛ لأنهم كانوا يتخلّفون. ثم أمر رسوله أن ينهاهم عن القسم الذي أقسموا فقال: (قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: لا تقسموا؛ فإن اللَّه لو بلغ منكم الجهد لم تبلغوه، ثم قال: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) يقول: أطيعوه وقولوا له المعروف. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا) تم الكلام، ثم قال: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ). وفي هذا الكلام حذف؛ للإيجاز يستدل بظاهره عليه؛ كأن القوم كانوا ينافقون ويحلفون في الظاهر على ما يضمرون خلافه، فقيل لهم: لا تقسموا هي طاعة معروفة

النور 24:54

صحيحة لا نفاق فيها، لا طاعة فيها نفاق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تحلفوا، ولتكن هذه منكم للنبي طاعة معروفة حسنة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) يقول: طاعة يعرف أنها طاعة بالقول والعمل، لا تكونوا كاذبين فيها بالقول دون العمل، وبعضه قريب من بعض: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فلا تقسموا. وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم كانوا يسرون ويضمرون فيما بينهم التولي والإعراض عن حكمه، ثم أخبرهم بذلك؛ فعلموا أنه باللَّه عرف ذلك. وقوله: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤) أي: فإن تولوا عن طاعة اللَّه وطاعة رسوله (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ) قال: فإنما على النبي ما أمر بتبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم وأمرتم من الطاعة لله ورسوله. ويحتمل: فإنما عليه أداء ما حمل من الفرائض، وعليكم أداء ما حملتم وأمرتم من الفرائض. وجائز أن يكون قوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ) أي: لا يسأل هو، ولا يؤاخذ بما عليكم، ولا تسألون أنتم ولا تؤاخذون -أيضًا- بما عليه؛ إنما يسأل كل عما عليه؛ كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) لا شك أنهم إن أطاعوه اهتدوا (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ظاهر. * * * قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) وقوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: مكث رسول اللَّه بمكة سنين من بعد ما أوحي إليه خائفًا هو وأصحابه يدعون الناس إلى اللَّه - تعالى - سرًّا وعلانية، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فكانوا بها خائفين، يصبحون في السلاح، ويمسون في السلاح، فقال رجل من أصحابه: يا رسول اللَّه، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح، فقال رسول اللَّه: " لن تلبثوا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليس معهم حديدة "، فأنزل الله

النور 24:55

الآية ٥٥ : وقوله تعالى :]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم[ قال بعضهم : " مكث رسول الله بمكة سنين من بعد ما أوحي إليه خائفا هو وأصحابه، يدعون الناس على الله سرا وعلانية، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة، فكانوا بها خائفين ؛ يصبحون في السلاح ؟ فقال : رسول الله ﷺ لن تلبثوا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملإ محتبيا(١) ليس عليه(٢) حديدة " ( السيوطي في الدر المنثور : ٦/٢١٥ ) فأنزل الله هذه الآية على إثر ما ذكر. وقال بعضهم : لما ضد المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه يوم الحديبية وعد الله المسلمين أن يظهرهم وأن يفتح لهم مكة، وقالوا(٣) : وتصديق ذلك ما ذكر في سورة الفتح، وهو قوله :]هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام[ الآية ( الفتح : ٢٥ ) ( وقوله )(٤) في آخر ذلك :]هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين[ الآية ( الفتح : ٢٨ ). وعد رسوله في القرآن أنه يستخلفهم في الأرض، وينزلهم(٥) فيها كما استخلف الذين من قبلهم فجعلهم خلفاء في الأرض. ( وقال قائلون )(٦) : كان وعده إياهم في التوراة والإنجيل والزبور أنه يجعلهم خلفاء في الأرض كما فعل بالذين من قبلهم. ولكن كيفما كان ذلك الوعد لهم في القرآن أو في الكتب المتقدمة ففيه أمران اثنان : أحدهما : البشارة للمسلمين. ( والثاني )(٧) : الحجة على الكافرين ؛ لأنه وعد لهم الأمن(٨) في النصر في وقت، لا يرجون، ولا يطمعون النجاة فضلا أن يطمعوا الاستخلاف والتمكن في الأرض وإظهار الدين الذي ارتضى لهم، وهو الإسلام على الأديان كلها. فإذا كان مثل ذلك الوعد والبشارة، لا يطمع، ولا يرجى، في مثل ذلك الوقت والخوف علم أنه إنما بشرهم بذلك بوحي من الله ووعد منه، فكان ما وعد. دل أنه بالله وعد ذلك، وبشر. فذلك حجة على أولئك، وبشارة للمؤمنين، والله أعلم. وقوله تعالى :]و من كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون[ قوله ]ومن كفر بعد ذلك[ ليس بشرط لأنه لو كفر قبل ذلك أيضا فهو فاسق. ثم من الناس من قال :]ومن كفر بعد[ هذه النعم التي أنعمها عليهم، ولم يشكره عليها فهو كذا. وجائز أن يكون قوله :]ومن كفر بعد ذلك[ وليس له جواب. ١ في الأصل وم: مختبئا.. ٢ في الأصل: عليهم، في م: فيهم.. ٣ في الأصل وم: وقال.. ٤ في الأصل وم: حتى قال.. ٥ في الأصل وم: وينزل.. ٦ من م، في الأصل: وينزلون فيها.. ٧ في الأصل وم: و.. ٨ من م، في الأصل : إلا..

النور 24:56

هذه الآية على أثر ما ذكر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لما صدّ المشركون رسول اللَّه وأصحابه يوم الحديبية وعد الله المسلمين أن يظهرهم وأن يفتح لهم مكة، وقال: وتصديق ذلك ما ذكر في سورة الفتح، وهو قوله: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ...) الآية، حتى قال في آخر ذلك: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ...) الآية؛ وعد رسوله في القرآن أنه يستخلفهم في الأرض وينزل فيها كما استخلف الذين من قبلهم فجعلهم خلفاء في الأرض. وقال قائلون: كان وعده إياهم في التوراة والإنجيل والزبور أنه يجعلهم خلفاء في الأرض كما فعل بالذين من قبلهم، ولكن كيفما كان ذلك الوعد لهم في القرآن أو في الكتب المتقدمة ففيه أمران اثنان: أحدهما: البشارة للمسلمين، والحجة على الكافرين؛ لأنه وعد لهم الأمن في النصر في وقت لا يرجون ولا يطمعون في النجاة فضلا أن يطمعوا في الاستخلاف، والتمكن في الأرض، وإظهار الدِّين الذي ارتضى لهم وهو الإسلام على الأديان كلها، فإذا كان مثل ذلك الوعد والبشارة لا يطمع ولا يرجى في مثل ذلك الوقت والخوف - علم أنه إنما بشرهم بذلك بوحي من اللَّه، ووعد منه، فكان ما وعد دل أنه باللَّه وعد ذلك وبشر، فذلك حجة على أُولَئِكَ، وبشارة للمؤمنين، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). قوله: (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) ليس بشرط فيه؛ لأنه لو كفر قبل ذلك -أيضًا- فهو فاسق. ثم من الناس من قال: ومن كفر بعد هذه النعم التي أنعمها عليهم ولم يشكره عليها فهو كذا. وجائز أن يكون قوله: (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) ليس له جواب. وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (٥٦) فيما أمركم به ونهاكم عنه (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) هو ظاهر، قد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع. ثم قال: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) قَالَ بَعْضُهُمْ: (مُعْجِزِينَ) أي: فائتين في الأرض هربًا من عذابه؛ فلا يدركهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: سابقين في الأرض هربًا -أيضًا- حتى لا يجزون بكفرهم، وهو واحد

النور 24:57

الآية ٥٧ : وقوله(١) تعالى :]لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض[ قال بعضهم :]معجزين[ أي قانتين ]في الأرض[ هربا من عذاب فلا يدركهم. وقال بعضهم : سابقين في الأرض هربا أيضا حتى لا يجزوا(٢) بكفرهم، وهو واحد ]ومأواهم النار ولبئس المصير[ قد ذكرنا أيضا. وقوله تعالى ]لا تحسبن[ كان رسول الله ﷺ يعلم أنهم ليسوا بقانتين ولا سابقين عنه، لكنه ذكر له هذا كما ذكر في قوله :]ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون[ ( إبراهيم : ٤٢ ) هما واحد. وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة : أحسب الذين كفروا أن يعجزوا(٣) الله في السموات والأرض. إنه وإن اختلفت الحروف فالمعنى واحد، والله أعلم. ١ في الأصل وم : ثم قال.. ٢ في الأصل وم: يجزون.. ٣ في الأصل وم: يعجزه..

النور 24:58

(وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) قد ذكرناه أيضًا. وقوله: (لَا تَحْسَبَنَّ) كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعلم أنهم ليسوا بفائتين ولا بسابقين عنه، لكنه ذكر له هذا كما ذكر في قوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، هما واحد. وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (حسب الذين كفروا أن يعجزوا اللَّه في السماوات والأرض) إنه وإن اختلفت الحروف فالمعنى واحد، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) قال بعضهم: ذكر أن رجلا وامرأته تسمى أسماء بنت مرثد اتخذا طعامًا للنبي، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا يا رسول اللَّه أن يدخل عليَّ الرجل وامرأته بغير إذن وهما في ثوب واحد غلامها المملوك، فأنزل اللَّه: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزل هذا في شأن عمر بن الخطاب، وهو ما قال: " وافقت ربي في ثلاث "؛ ذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعث غلامًا من الأنصار يقال له: مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فانطلق إليه ليدعوه، فوجده قائلا قد أغلق عليه الباب، فسأل الغلام عنه، فأخبر أنه في هذا البيت، قال: فدفع الغلام الباب على عمر وسلم، فلم يستيقظ عمر، فرجع الغلام ورد الباب، فقام من خلفه وحركه، فلم يستيقظ، فقال الغلام: اللهم أيقظه لي، قال: ودفع الباب، ثم ناداه ودخل فاستيقظ عمر فجلس، فانكشف منه شيء، فرآه الغلام وعرف عمر أن الغلام قد رأى ذلك منه، فقال عمر: وددت - واللَّه - أن اللَّه نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذنه، ثم انطلق معه إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فوجده قد نزل عليه هذه الآية وأمر بالاستئذان على دخولهم في هذه الساعات. لكن لا حاجة لنا إلى أن نتعرف أنها نزلت في شأن فلان أو فلان، أو في أمر فلان وسببه، سوى أن نتعرف المودع فيها وما ذكر من أنواع الآداب والأحكام. ثم خاطب بالاستئذان المستأذن عليه لا المستأذن والسادات والآباء ومن يعول الصغار حيث قال: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) وذلك الخطاب - والله أعلم - يخرج مخرج الأمر للآباء والسادات بتعليم صبيانهم أمور الدِّين والقيام بما يحتاجون إليه، والتأديب على ذلك إن أبت أنفسهم، وكذلك ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: " مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعًا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرًا، وفرقوا بينهم في المضاجع " خاطب به الآباء والأولياء أن يأمروهم بأمور الدِّين أمر عادة، والتعليم لهم والتأديب إن امتنعوا عن ذلك، ولم يخاطبهم في أنفسهم لجهلهم وقلة معرفتهم بأمرهم، وإذا بلغوا وعرفوا النهي والأمر، فعند ذلك خاطبهم بأنفسهم بالاستئذان؛ حيث قال: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا) خاطبهم إذا بلغوا، وأمرهم بالاستئذان في أنفسهم، وما داموا صغارًا خاطب به الآباء والأولياء لما لا يجري عليهم القلم، وليس الخطاب والأمر والنهي إلا لجرية القلم عليهم، وترك الأمر والخطاب لرفع القلم عنهم. وأمَّا أمر الآباء لهم بذلك فيخرج مخرج الشفقة لهم عليهم والقيام لبعض مصالحهم، وذلك جائِز. ثم اختلف فيما ملكت أيماننا: قال جماعة: هن النساء دون الرجال، وأما الرجال فإنهم يستأذنون في جميع الأوقات. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم النساء والرجال جميعًا، والنهي عن الدخول في هذه الأوقات الثلاث؛ إذ هي أوقات غرة وساعات غفلة للذكور والإناث جميعًا. ومنهم من يقول: هم الكبار فإنهم دون الصغار. والأشبه أن يكون في الصغار منهم؛ لأن الكبار منهم والأحرار سواء في حظر النظر إلى العورة وإباحته؛ ألا ترى أنه قال: (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) وهم الأحرار والصغار؛ فعلى ذلك قوله: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) الصغار منهم؛ أمر السادات بتعليمهم ما ذكرنا من الأمور، واللَّه أعلم. وقوله: (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: (لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ) أي: لم يحتلموا، ويحتمل الذين لم يبلغوا الحلم أو لم يبلغوا مبلغ الحلم بعد ما جعلهم في مراتب ثلاث؛ أعني: الصغار في حال لا يؤمرون ولا ينهون، وهي الحال التي لا يميزون بين العورة وبين غير العورة، وهو ما قال: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) أي: لا يعرفون العورة من غير العورة، وحال يعرفون ذلك إلا أنه لا يقع لهم الحاجة إليها فيؤمرون بالستر عنهم، وحال يقع الحاجة إليها وقضاء الوطر، فيؤمرون بالحجاب والتفريق في المضاجع، واللَّه أعلم. وقوله: (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) يحتمل قوله: (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) وجهين: أحدهما: ثلاث أوقات عورات لكم وساعاتها. ويحتمل: (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ) أي: ثلاث حالات تظهر فيها العورة؛ كقوله: (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)، أي: ليس مما يمنع السرق عن السرقة فيها. وفيه أن العمل بالاجتهاد في الأغلب والأكبر من الرأي والأمر ليس على الحقيقة جائز؛ لأنه قد سمى بثلاث عورات من الأمر، ونهى عن الدخول بلا استئذان، وإن كان يجوز أن تكون العورة مستورة، والمباح في غيرها من الأوقات الدخول بلا استئذان، ويجوز أن يكون هناك كشف العورة؛ حيث قال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ) أي: بعد

النور 24:59

ثلاث ساعات (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ) لكنه أباح وحظر بالأغلب والأكبر، لا على الحقيقة، وهكذا العمل بالاجتهاد، واللَّه أعلم. وقوله: (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ) أي: يخدمونكم بعد هذه الثلاث ساعات يدخلون عليكم بغير إذن بعضكم على بعض بالخدمة؛ فلا إذن عليهم؛ لما ذكرنا أن الأغلب أن تكون العورات مستورة في غير هذه الثلاث ساعات، وفي الثلاث لا. قَالَ الْقُتَبِيُّ: (الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ): العبيد والإماء (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) ويريد هذه الأوقات؛ لأنها أوقات التجرد وظهور العورة. أما قبل صلاة الفجر فللخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار. وأما عند الظهيرة فلوضع الثياب للقيلولة. وأما بعد صلاة العشاء فلوضع الثياب للنوم. (بَعْدَهُنَّ) أي: بعد هذه الأوقات. ثم قال: (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ) يريد: أنهم خدمكم؛ فلا بأس بأن يدخلوا؛ قال اللَّه - تعالى -: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) أي: يطوف عليهم في الخدمة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الظهيرة: نصف النهار، وظهائر: جمع، وأظهرت، أي: دخلت في الظهيرة. وقوله: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا... (٥٩) فقد ذكرنا أنه خاطب به الأولياء في تعليم الآداب وأمور الدِّين الصغار، ولم يخاطبهم هو؛ حيث قال: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) وإذا بلغوا خاطبهم بأنفسهم؛ حيث قال: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا)، ثم يحتمل قوله: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ) وجهين: يحتمل: إذا احتلموا. ويحتمل: إذا بلغوا وقت الحلم؛ فالأول على حقيقة الاحتلام، والثاني على قرب بلوغ الاحتلام؛ فكأن الأول أشبه؛ لأنه خاطبهم في أنفسهم، وأمرهم بالاستئذان، فلو لم يكونوا بالغين لم يخاطبهم، ولكن خاطب به الأولياء، كما خاطبهم في الآية الأولى. وفيه دلالة أن الحدّ في بلوغ الصغير الاحتلام، وعلى ذلك اتفاق القول منهم؛ ألا ترى أنه قال: (فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يقول - واللَّه أعلم -: ما أمر به قبل هذه الآية البالغين ألا يدخلوا بيتًا حتى يستأذنوا على أهله. أو أن يكون قوله: (كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) يعني: الكبار، أي: يكون

النور 24:60

الاستئذان في الكبار معروفًا ظاهرًا، وفي الصغار لا، فأمر إذا بلغوا أن يستأذنوا كما يستأذن الكبار منهم. وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما يوافق ظاهر الآية، وهو رفع القلم عن ثلاث: أحدهم: الصبي حتى يحتلم، وأما إذا بلغ خمس عشرة سنة فمما اختلف أصحابنا فيه: رآه أبو يوسف ومُحَمَّد بالغًا؛ لحديث ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أجازه في القتال وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجز له وهو ابن أربع عشرة سنة، لكن ليس فيه أنه أجازه لبلوغه، ولم يجزه لأنه لم يبلغ؛ جائز إجازته في العام الثاني لقوته وطاقته على القتال، ولم يجزه في العام الأول لضعفه ووهنه وعجزه عن القتال. واحتج بعض مشايخنا - رحمهم اللَّه - لقول أبي حنيفة في تحديده بثماني عشرة سنة لبلوغ الغلام إذا لم يحتلم، قال: لأن الوسط من احتلام الغلمان أن يبلغوا خمس عشرة سنة، وربما احتلموا قبل ذلك، وربما تأخر احتلامهم عنه، ووجد المعروف فيمن نقصت سنه عن اثنتي عشرة ألا يحتلم، فإذا بلغها فربما احتلم، فجعل حد الزيادة على الخمس عشرة سنة التي هي وسط بين المختلفين - ثلاث سنين، كما كان مقدار النقصان عنها ثلاث سنين، وهذا القول من قوله استحسان، واللَّه أعلم. وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) قوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أعلامه؛ أي: يبين لكم الأعلام التي تحتاجون إليها وتعرفون ما يسع لكم مما لا يسع وما يؤتى مما يتقى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: آياته - هاهنا -: أمره ونهيه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) قال أهل التأويل: قوله: (لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) لا يريدون نكاحًا، لكن الأشبه أن يكون قوله: (لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) أي: لا يطمعن أن يرغب فيهن الرجال لكبرهن، وإلا كن يردن النكاح، وإن كبرن وعجزن. وقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: ثيابهن: الرداء، وكذلك روي في حرف أبن مسعود أنه قرأ: (أن يضعن من ثيابهن) وهو الرداء. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الجلباب؛ يقال: الجلباب: هو القناع الذي يكون فوق الخمار؛ فلا بأس أن تضع ذلك عند أجنبي وغيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) يقول - واللَّه أعلم -: من غير أن تكون وضعت الرداء أو الجلباب تريد بذلك إظهار الزينة والتبرج. وقوله: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) أي: وألا يضعن ما ذكرنا من الثياب خير لهن من أن يضعن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الخمار. لكنه لا يحتمل؛ لأنه معلوم أن المرأة وإن كبرت وعجزت لا تكشف عورتها لأحد. ثم الزينة ربما تكشف للمحارم، ولا تكشف للغريب، وهو الرأس والصدر ونحوه، فإذا بلغت في السن مبلغًا لا تطمع أن يرغب في نكاحها لا تتزين، ومع ما لا تفعل لا يحل للأجنبي أن ينظر إلى شعرها، ولا إلى صدرها، ولا إلى ساقها، وإنها وإن صلَّت ورأسها مكشوت فصلاتها فاسدة، وإذا كان كذلك فليس يجوز أن يجعل تأويل وضع الثياب الخمار؛ لما ذكرنا، ولكن الرداء والجلباب الذي يلبس إذا خرجن من منازلهن. فَإِنْ قِيلَ: إنما أطلق لها بهذه الآية أن تضع خمارها عن رأسها؛ إذا لم يرها أحد. قيل: الشابة -أيضًا- يجوز لها أن تضع الخمار عن رأسها إذا خلت في البيت؛ فذلك يدل على أن العجوز أُذن لها أن تضع ثوبها وهو الجلباب أو الملاءة التي كانت تغطي بها وجهها إذا خرجت، وإذا كان المطلق لها هذا فالواجب على الشابة ألا تظهر وجهها إذا كانت تُشتهى ولا يديها، فإذا كان كذلك كان قوله: (إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، هو الزينة التي لا يمكن سترها بحال، وهو الكحل، واللَّه أعلم. وقوله: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: غير مظهرات محاسنهن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ) أي: غير متزينات بزينة، والمتبرجة: المتزينة؛ لإظهار الزينة، والزينة: هي الداعية المرغبة إلى النظر إليها وقضاء الشهوة، فكأنه أباح لها وضع الثياب إذا كانت غير متزينة، وإذا كانت متزينة فلا، وأباح لها -أيضًا- إذا لم يكن بها محاسن يرغب فيها، وإذا كان بها ذلك لم يبح. وقوله: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) يحتمل وجهين: أحدهما: يحتمل: وإن يستعففن ولا يبدين محاسنهن خير لهن من أن يبدين. والثاني: وأن يستعففن ولا يضعن ثيابهن حتى يكون ذلك علمًا بين معرفة الحرة من الأمة خير لهن من الوضع؛ كقوله: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين كما تؤذى الإماء، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) كأن قوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) هاهنا صلة قوله: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وإلا ليس في هذه الآية ما يوصل به. أو أن يكون جوابًا له. قَالَ الْقُتَبِيُّ: القواعد من النساء: هن العجزة، واحدها: قاعد، ويقال: إنما قيل لها: قاعد؛ لقعودها من الحيض والولد، ومثلها لا ترجو النكاح، أي: تطمع فيه، ولا أراها سميت قاعدًا بالقعود عما ذكر، إلا أنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة، وأطالت القعود، فقيل لها: قاعد، بلا هاء؛ ليدل بحذف الهاء على أنه قعود كِبَر، كما قالوا: امرأة حامل بلا هاء؛ ليعرف على أنه حمل حبل، وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة علي ظهرها، وقال: والعرب تقول: امرأة واضع: إذا كبرت فوضعت الثياب، ولا يكون هذا إلا في الهرمة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) كل واحد من الحرفين يكون معناه معنى الآخر؛ كقوله: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) إذا كن محصنات كن غير مسافحات، وإذا كن غير مسافحات كن محصنات؛ فعلى ذلك قوله: (لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا)، إذا كن لا يرجون النكاح كن غير متبرجات - واللَّه أعلم - لأن التزين إنما يكون منهن طمعًا في النكاح والناس مع ما لا يرجون النكاح يتزين ويتبرجن، فقال: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ) غير مظهرات الزينة.

النور 24:61

على هذين الوجهين جائز أن يخرج تأويل الآية. وقوله: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ) عن ذلك كله (خَيْرٌ لَهُنَّ)، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) وقوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ...) الآية. اختلف في تأويله: قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الرجل الصحيح كان يتحرج من مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض؛ إشفاقًا عليهم ورحمة؛ يقول: إنه لا يبصر طيب الطعام، فلعله يأكل الخبيث وأنا آكل الطيب، ويقول: إن الأعرج لا يستوي جالسًا إذا قعد فلا يقدر أن يتناول فيما أتناول أنا، وإن المريض لا يأكل مثل ما يأكل الصحيح. وكان الرجل لا يأكل من بيت أبيه، ولا من بيت أمه إذا لم يكونا فيه، وكذلك ما ذكر... إلي آخره، حتى يكونوا فيه، وكذلك الصديق وهَؤُلَاءِ، فأنزل اللَّه هذه الآية في رخصة ذلك كله. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن هَؤُلَاءِ الزمنى والعميان والعرجى والمرضى وأولي الحاجة منهم يستتبعهم رجال إلى بيوتهم ويستضيفونهم، فإن لم يجدوا لهم طعامًا أو شيئًا يأكلونه ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم ومن عدَّد معهم، فكره ذلك المستتبعون التناول من غير بيوت أُولَئِكَ بلا دعوة ولا إذن سبق منهم؛ فأنزل اللَّه في ذلك إباحة لهم ورخصة، وأحل لهم الطعام حيث وجدوه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الأعمى والأعرج والمريض وهَؤُلَاءِ الذين كانت بهم زمانة كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء؛ مخافة أن يتقذذوا منهم ويستقذروا؛ يقول الأعرج: لا أؤاكل الناس؛ لأني آخذ من المجلس مكان رجلين وأضيق عليهم، وقال الأعمى: إني أفسد عليهم طعامهم، وكذلك المريض منهم يقول مثل ذلك؛ فأنزل اللَّه الرخصة في ذلك ورفع عنهم الجناح في مؤاكلتهم، فيقول: إن الحق عليهم أن يرجوكم؛ لما بكم من الزمانة وأن يدعوا لكم بالرفع عنكم، لا التقذذ والاستقذار عنكم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الرجل الغني كان يدخل على الرجل الفقير والزمن فيدعوه إلى طعامه، فيقول: واللَّه إني لأجنح وأحرج أن آكل من طعامك وأنا غني وأنت فقير؛ فأنزل اللَّه في ذلك: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ...) إلى آخر الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان هذا في أهل الجهاد، وأن الرجل كان يخرج إلى الجهاد فيخلف آخر في منزله في حفظ ماله وأهله، والقيام بكفايتهم، فكان يحرج ولا يأكل من ماله شيئًا ولا من طعامه لما لم يسبق منه الإذن في ذلك؛ فأنزل اللَّه في ذلك رخصة إباحة التناول من ذلك. إلى هذا انتهت أقاويل أهل التأويل وتأويلهم. والأشبه عندنا أن يكون تأويل الآية في غير ما ذهبوا هم إليه، وهو أن يكون قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) أي: ليس على هَؤُلَاءِ حرج أن يأكلوا من بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بيوت إخوانهم، أو بيوت أخواتهم، أو بيوت أعمامهم إلى قوله: (أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ)؛ لأنهم إنما يأكلون بالحق؛ لأن من كان به زمانة كان له التناول من أموال من ذكر من الآباء والأمهات والقرابات؛ إذ تفرض لهم النفقة في أموالهم؛ فيكون في ذلك دلالة وجوب النفقة لهم في أموالهم، ويكون (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ) أي: لا بأس أن تأكلوا من بيوتكم، أو ما ملكتم مفاتحه، أو من بيوت صديقكم؛ إذ ليس يباح للرجل التناول من مال نفسه ومن مال صديقه في حال عذر، ولا يباح في حال الصحة والسلامة؛ بل يباح في الأحوال كلها دل أن التأويل الذي ذكرنا أشبه، فيصرف تناول الزمنى في أموال القرابات بحق النفقة والحق، ومن ليس به زمانة في ماله ومال صديقه بحق الملك والصداقة؛ لأن الزمانة ترفع الصداقة من بينهم، وكذلك وجوب النفقة في مال الصديق يرفع الصداقة، ولا يرفع القرابة، ولا تزول صلتها. ثم اختلف في قوله: (وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: من بيوت أولادكم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: من بيوت أزواجهم ونسائهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: من بيوت أنفسهم، وهو ما يجد الرجل في بيته من طعام فإنه لا بأس أن يأكله، وكذلك لا بأس للرجل أن يتناول من بيت زوجته؛ لأنه لم يذكر في الآية الولد وبيت الزوجة على الإشارة والتفسير، فيصرفون تأويل قوله: (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) إلى هَؤُلَاءِ. وقوله: (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ) أي: خزائنه؛ يحتمل: العبيد؛ لأن السيد يملك مال عبده. ويحتمل: الوكيل والخازن أن يأكل من طعامه وأدمه بغير إذن السيد. ويحتمل قوله: (أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ) السيد نفسه صاحب الخزانة ومالكها. ثم ذكر الأكل من بيوت من ذكر على التأويل الذي ذكرنا، واستدللنا على إيجاب النفقة لهَؤُلَاءِ الزمنى في أموال من ذكرنا من القربات يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر البيوت؛ لأنهم إذا كانوا زمنى يستوجبون السكنى -أيضًا- مع النفقة، فذكر البيوت لكونهم فيها وسكناهم معهم. والثاني: ذكر الأكل من بيوتهم، لئلا يفهم من الأكل الأخذ منها؛ لأنه ذكر في آيات الأكل، والمراد المفهوم منه: الأخذ؛ كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا)، وقوله: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا)، مفهوم المراد من الأكل المذكور في هذه الآيات: الأخذ، لا الأكل نفسه، فذكر - هاهنا - الأكل من بيوتهم؛ لئلا يفهم منه الأخذ كما فهم من ذلك. وعلى تأويل أهل التأويل يستقيم ظاهر ذكر البيوت؛ إذ لا يجعلون ذلك الأكل والتناول منه أكلا وتناولا بحق. وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر هذا لأن قومًا كانوا لا يأكلون وحدهم، ولا يرون ذلك حسنًا في الخلق، ويتحرجون من ذلك حتى يكون معهم غير، فرخص اللَّه - تعالى - لهم ذلك ورفع عنهم الحرج، فقال: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا). وعلى تأويل من يقول: إنهم استضافوا قومًا فلم يجدوا في بيتهم شيئًا يأكلون ذهبوا بهم إلى بيوت هَؤُلَاءِ، فتحرج أُولَئِكَ الأضياف من الأكل من بيوت من ذكر وأرباب البيوت ليسوا فيها فرخص لهم في ذلك. وعلى تأويل من يقول: إنهم كانوا يتحرجون الأكل مع الأعمى ومن ذكر؛ إشفاقًا عليهم وترحمًا؛ لما لا يبصرون طيب الطعام، ولا يأكلون ما يأكل الصحيح، فرفع عنهم ذلك الحرج، ورخص لهم في ذلك. وعلى تأويل من يقول: إنهم كانوا يتحرجون الأكل مع هَؤُلَاءِ تقذذًا واستقذارًا يرغبهم. في الأكل مع أُولَئِكَ، وترك التقذذ من ذلك. ويدل للتأويل الأول ما روي عن أصحاب رسول اللَّه؛ روي عن مُحَمَّد بن علي قال: كان أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا يرى أحدهم أنه أحق بالدنانير والدراهم من أخيه المسلم، قال: وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ليأتين على الناس زمان يكون الدِّينار والدرهم أَحبَّ إلى الرجل من أخيه المسلم ". وعن ابن عمر قال: " لقد رأيتني وما الرجل المسلم أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ". وقوله: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) يحتمل قوله: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: يسلم بعضكم على بعض، فيصير المسلمين أجمع بعضهم لبعض كأنفسهم؛ كقوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، ونحو ذلك من الآيات، فصير بعضهم لبعض كأنفسهم؛ لأنهم كشيء واحد، يتألم بعضهم بألم بعض، ويحزن بعضهم بحزن بعض، ويُسَرُّ بعضهم بسرور بعض، ونحوه؛ فهم جميعًا كشيء واحد، وأنفسهم جميعًا كنفس واحدة؛ لذلك جعل سلام بعضهم على بعض في حق السلام واحدًا. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن بعضهم إذا سلم على بعض يرد عليه مثله؛ فيصير كأنه هو يسلم على نفسه، وكذلك قوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يقتل أحد آخر فيقتل به؛ فيكون قاتل نفسه؛ إذ لولا قتله إياه لم يقتل به، وكذلك قوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، أنه إذا أكل مال غيره بغير رضاه ضمنه، فإذا ضمنه فكأنه أكل مال نفسه بالباطل. ويحتمل أنه أراد به السلام على أنفسهم؛ أي: يسلم كل على نفسه إن لم يكن فيه أحد، وكذلك روي عن ابن عَبَّاسٍ قال: أراد المساجد: إذا دخلتها فقل: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، وعلى ذلك رويت الأخبار: " من دخل بيتًا أو مسجدًا ليس فيه أحد فليقل: السلام علينا من ربنا، والسلام على عباد اللَّه الصالحين "؛ وعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) بترك الإنفاق عليها وغيره، وكذلك قوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) وجائز أن يريد بالأنفس: أهلهم؛ أي: سلموا على أهليكم، وهو الأولى. ثم اختلف في السلام: قَالَ بَعْضُهُمْ: السلام: من السلامة؛ أي: عليك السلامة من جميع الآفات والنكبات. وقَالَ بَعْضُهُمْ: السلام هو اسم من أسماء اللَّه؛ فتأويله: عليك اسم اللَّه الذي لا يضرك معه شيء، ولا يلحقك به أذى، وفي الخبر: " باسم اللَّه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء ". وقوله: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) التحية كأنها الكرامة، كأنه قال: كرامة من اللَّه لكم. وقوله: (مُبَارَكَةً) المبارك: هو الذي ينال به كل خير وبرّ. أو أن تسمي مباركة؛ لما بها ينمو الشيء ويزكو وقوله: (طَيِّبَةً) أي: يستطيب بها كل أحد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: طيبة: أي: حسنة، فتأويله: ما يستحسن به كل أحد. وقَالَ بَعْضُهُمْ قوله: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يقول: تحية من أمر اللَّه لكم، مباركة بالأجر، طيبة بالمغفرة، واللَّه أعلم. وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ) أي: مثل الذين يبين اللَّه (لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: كي تعقلوا ما لكم وما عليكم، وما لله عليكم، وما لبعضكم على بعض. وقوله (بُيُوتِكُم): ما ذكرنا. قَالَ بَعْضُهُمْ: المساجد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: البيوت المسكونة؛ كقوله: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ).

النور 24:62

قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)، وقال في آية أخرى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا...) الآية، وقال في آية أخرى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، هذا - واللَّه أعلم - ليس أن ما ذكر من الاستئذان وترك الارتياب من حقيقة الإيمان بالتلاوة، ونحوه من شرط الإيمان، ولكن - واللَّه أعلم - أن الأولى بالمؤمنين هذا ألا يذهبوا حتى يستأذنوا رسوله وألا يرتابوا، وأن يجاهدوا، وأن تزداد لهم التلاوة وما ذكر، ليس على جعله شرطًا للإيمان، ولكن ما ذكرنا من الأولى بهم والاختيار ما ذكر، واللَّه أعلم. ثم ذكر في هذه الآية: أن المؤمنين لا يذهبون عنه ولا يفارقونه إلا بالاستئذان منهم من رسول اللَّه، وذكر أن المنافقين يذهبون ويفارقونه تسللا ولواذًا؛ حيث قال: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) وقال في آية أخرى: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، ذكر أنهم لا يستأذنوك، وإنما يستأذنك المنافقون بقوله: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فهذه الآيات في ظاهر المخرج مختلفة وإن كانت في المعاني المدرجة فيها موافقة، فهذا سبيل من يحتج بظاهر المخرج؛ إذ للملاحدة أن تقول: هو مختلف في الظاهر وأنه من عند غير اللَّه بقوله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، فدل ما ذكرنا أن الاحتجاج بظاهر المخرج باطل، والاعتقاد به فاسد خيال. وجائز أن يكون ما ذكر من استئذان المؤمنين وترك استئذان أُولَئِكَ للخروج منه؛ لما لا يستأذنه المؤمنون للخروج من القتال إلا لعذر، وأُولَئِكَ يستأذنونه للخروج لا للعذر؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ)، ونحوه، وأمّا المؤمنون فلا يستأذنونه إلا بعذر. أو أن يكون ذلك في نوازل مختلفة، أو في فرق، أو أن يكون المؤمنون يظهرون له

النور 24:63

عذرهم ويفوضون أمرهم إلى رسول اللَّه على أن ينظر في ذلك: فإن رأى الصواب أن ينصرفوا صرفهم، وإن رأى الصواب الكون والمقام معه أقاموا معه، والمنافقون لا على ذلك كانوا يفعلون، وعلى هذا - واللَّه أعلم - جائز أن يخرج تأويل الآيات التي ذكرنا. ثم قوله: (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ) أي: مع رسول اللَّه (عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ) اختلف فيه: قال بعضهم: يوم الجمعة، ويوم العيد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: في الغزو والجهاد، يخبر أن المؤمنين يكونون معه، لا يذهبون عنه إلا بإذن، والمنافقون يتسللون ويذهبون مستخفين منه ويخرجون من عنده، وأصله: (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ) أي: على أمر طاعة (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ). قال بعض أهل التأويل: هذه الآية نسخت الآية التي في سورة براءة؛ حيث قال في تلك: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ...) الآية. وقال هاهنا: (فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ) أذن له بالإذن لهم في هذه وعيره في ذاك بالإذن لهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا من التأويل. وقوله: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الأمر بالاستغفار لهم يخرج مخرج الأمر بالتشفع لهم. وقوله: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم إلى ما يدعوكم إليه كدعاء بعضكم بعضًا: مرة تجيبونه، ومرة لا تجيبونه، كما يجيب بعضكم بعضًا إذا دعاه مرة، ولا يجيبه تارة؛ بل أجيبوا رسول اللَّه في جميع ما يدعوكم إليه في كل حال تكونون. والثاني: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كما يدعو بعضكم بعضًا يقول يا ْفلان، ولكن ادعوا باسم هو مخصوص به: يا رسول اللَّه، ويا نبي اللَّه؛ على ما أقررتم أنه ْمخصوص من بينكم، ليس كمثلكم في الدعاء والإجابة، اجعلوه مخصوصًا تعظيمًا له وإجلالا، وخصوصية له وفضيلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: (لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ). وقوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا).

النور 24:64

قَالَ بَعْضُهُمْ: يعني: المنافقين إذا كانوا في أمر جامع فيسمعون رسول اللَّه يذكر مثالبهم ومساوئهم وعيوبهم فيتسللون كراهية لذلك، ويلوذ بعضهم ببعض. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزل هذا في المنافقين الذين كانوا يذهبون عنه ويخرجون من عنده بغير استئذان. وقوله: (لِوَاذًا) أي: يستترون بالشيء، ويلوذ بعضهم ببعض، ويستتر بعضهم ببعض ويخرجون. وقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) يحتمل قوله: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي: يخالفون أمره، وحرف " عن " يكون صلة فيه. وجائز أن يكون على ظاهر ما ذكر: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ): فإن كان على هذا فكأنه قال: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي: يعدلون عن أمره ويزيغون عنه؛ كقوله: (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. وقوله: (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) يحتمل: الفتنة: الكفر. ويحتمل الفتنة: القتال والتعذيب في الدنيا، أو يصيبهم العذاب في الآخرة، والله أعلم. وقوله: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) ليس هاهنا ما يستقيم أن يجعل قوله: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) صلة له، اللهم إلا أن يجعل ذلك صلة قوله: من يجعل له الولد والشريك. - أو صلة قوله: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي: أن من له ما في السماوات والأرض لا يحتمل أن تقع الحاجة له إلى الولد أو الشريك. أو من له ملك ما في السماوات والأرض يختار لرسالته من يشاء بشرًا أو ملكًا، ليس لأحد القول في ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) هذا وعيد منه وإعلام أنه مراقبهم مطلع عليهم في جميع أحوالهم؛ ليكونوا أبدًا على حذر؛ لأن من علم أن عليه رقيبًا وحافظًا، كان أنبه وأيقظ وأحذر ممن لم يعلم ذلك. أو أن يكون على علم بأحوالكم وما أنتم عليه من الخلاف لأمره خلقكم، أو أرسل إليكم رسولًا لا على جهل بذلك وغفلة. أو يؤخر عنكم العذاب على علم بما أنتم عليه ليوم موعود، لا بسهو وغفلة؛ كقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ...) الآية. فعلى ذلك قوله: (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ). وقوله: (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا) أي: إنما يؤخر ذلك عنهم إلى يوم الرجوع إليه؛ فعند ذلك ينبئهم بما عملوا، واللَّه بكل شيء عليم. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: يتسللون، أي: يذهبون مستخفين، يقال: انسل الرجل، أي: انسرق ْمن الناس، أي فارقهم، وهم لا يعلمون به، والتسلل من الجماعة. وقوله: (لِوَاذًا): يقال: لاذ مني، أي: اختبأ مني واختفى. ويقال: لاذ بي، أي: استتر بي. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) أي: من يستتر بصاحبه، ويتسلل، ْويخرج، يقال: لاذ فلان، واللواذ: مصدر. وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين، وبه نستعين. * * *

الفرقان 25:1

سُورَةُ الْفُرْقَانِ كلها مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَبَارَكَ): قال أهل التأويل: تبارك من التفاعل، وهو من تعالى؛ لأن البركة هي اسم كل رفعة وفضيلة وشرف، فكان تأويله: تعالى من التعالي والارتفاع. وقال أهل الأدب: تبارك: هو من البركة، والبركة هي: اسم كل فضل وبر وخير، أي: به نيل كل فضل وشرف وبر. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (تَبَارَكَ) هو تنزيه؛ مثل قولك: تعالى. وقال الكسائي والْقُتَبِيّ: هو من البركة؛ وهو ما ذكرنا. وقوله: (نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ): سماه؛ فرقانا؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وبين ما يؤتى وما يتقى؛ وعلى هذا جائز أن يسمى جميع كتب اللَّه التي أنزلها على رسله فرقانًا؛ لأنها كانت تفرق بين الحق والباطل، وبين ما يحل وما يحرم، وبين ما يؤتى وما يتقى؛ ولذلك سمى التوراة: فرقانًا بقوله: (وَلَقَدْ آتَينا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرقَانَ). وأما القرآن: هو من قرن بعضه إلى بعض؛ يقال: قرنت الشيء إلى الشيء إذا ضممته إليه، قرن يقرن قرنا.

الفرقان 25:2

وقَالَ بَعْضُهُمْ: سمي القران: فرقانا؛ لأنه أنزل بالتفاريق مفرقا، وسائر الكتب أنزلت مجموعة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءًا، وهو أقرب وأشبه. وقوله: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا): جائز أن يكون قوله: (لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، أي: القرآن الذي أنزله على عبده يكون نذيرًا لمن ذكر. ويحتمل قوله: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) أي: ليكون مُحَمَّد بالقرآن الذي أنزل عليه نذيرًا؛ كقوله: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)؛ وكقوله: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)، أي: من بلغه القرآن من الخلق فرسول اللَّه نذيره. ثم قوله: (لِلْعَالَمِينَ) جائز أن يراد به الإنس والجن. ثم ذكر النذارة فيه ولم يذكر البشارة، فإن كان على هذا فهو حجة لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - أن ليس للجن ثواب إذا أسلموا سوى النجاة من العقاب، ولهم عقاب بالإجرام؛ لأن اللَّه - تعالى - لم يذكر لهم الثواب في الكتاب، وذكر لهم العقاب بالعصيان؛ حيث قال: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ...) الآية، جعل ثوابهم نجاتهم من عذاب أليم. وجائز أن يكون في النذارة بشارة -أيضًا- ما كان وما يكون إلى يوم القيامة؛ لأنهم إذا اتقوا مخالفة اللَّه ومعاصيه كانت لهم العاقبة، فلهم بشارة في ذلك ونذارة؛ كقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا). وقوله: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... (٢) جائز أن يكون قوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وصلة قوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْفَانَ)، ووجهه - واللَّه أعلم - أي: تعالى عن أن يكون النذير الذي بعثه فيهم، إنما بعثه لحاجة نفسه لجر منفعة إليه، أو لدفع مضرة عنه على بعث ملوك الأرض من الرسل لحوائج أنفسهم: لجر النفع إليهم، أو لدفع مضرة عنهم، ولكن إنما يبعث النذير والبشير إلى الخلق لمنافع أنفسهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون من له ملك السماوات والأرض أن يبعث النذير والبشير لمنافع نفسه ولحاجته؛ لغناه، وأما ملوك الأرض لا يملكون ذلك؛ فلذلك ما يرسلون ويبعثون من الرسل إنما يبعثون ويرسلون لمنافع أنفسهم وحوائجهم؛ لدفع مضرة أو جر منفعة. وجائز أن يكون قوله: (تَبَارَكَ) أي: تعالى عن أن يتخذ ولدا أو شريكًا في الملك على ما نسبوا إليه من الولد والشريك، فقال: تعالى عن أن يكون له الولد أو الشريك؛ إذ له ملك السماوات والأرض، فالولد في الشاهد إنما يتخذ لإحدى خلال ثلاث؛ وقد ذكرناها.

الفرقان 25:3

وبعد: فإن الولد في الشاهد إنما يكون من جنس الوالد ومن جوهره، ويكون من أشكاله، وكل ذي شكل وجنس يكون فيه منقصة وآفة؛ وكذلك الشريك إنما يكون من جنسه ومن شكله، وإنما يقع الحاجة إلى الولد إما لعجز أو آفة، فإذا كان اللَّه سبحانه له ملك السماوات والأرض وهو خالقهما - فأنى يقع له الحاجة إلى الولد والشريك؟! وقوله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ): فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه خلق كل شيء، وعلى قولهم أكثر الأشياء لم يخلقها من الحركات والسكون والاجتماع والتفرق وجميع الأعراض؛ لأنهم يقولون: إنها ليست بمخلوقة لله ولا صنع له فيها. وقوله: (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا): جائز أن يكون قوله: (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) لحكمة أو (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) لوحدانية اللَّه وألوهيته، أو (فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) أي: جعل له حدًّا لو اجتمع الخلائق على ذلك ما عرفوا قدره ولا حده من صلاح وغيره ما لو لم يقدر ذلك لفسد. وقوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً... (٣) أي: معبودا. ثم تسميته إياها -أعني: الأصنام التي عبدوها-: آلهة على ما عندهم وفي زعمهم: أنها آلهة؛ والإله عند العرب المعبود، يسمون كل معبود إلها؛ وكذلك قوله: (فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ)، عندهم وفي زعمهم، وقول موسى: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا)، في زعمهم وعندهم أن كل معبود إله، وإلا قد عابهم بتسميتهم الأصنام: آلهة. ثم بين سفههم وقلة فهمهم في عبادتهم الأصنام وتسميتهم إياها: آلهة؛ حيث قال: (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، أي: يتركون عبادة من يعلمون أنه خالق كل شيء، ويعبدون من يعلمون أنهم لا يخلقون وهم يخلقون، ويتركون عبادة من يعلمون أنه يملك النفع والضر لأنفسهم أيضًا، وهو قوله: (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) لغيرهم؛ فعلى هذا الظاهر يجيء أن يكونوا هم سموا أنفسهم: آلهة لا الأصنام؛ لأنهم يملكون ضرر الأصنام ونفعها، والأصنام لا تملك ذلك لهم ولا لأنفسها. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا) أي: الموت الذي كان قبل أن يخلق الناس، كقول اللَّه تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا). وأما قوله: (وَلَا حَيَاةً) يقول: لا يملكون أن يزيدوا في هذا الأجل المؤجل، (وَلَا نُشُورًا) أي: بعثًا بعد الموت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يملكون أن يميتوا حيًّا قبل أجله، (وَلَا حَيَاةً): ولا يحيون ميتًّا إذا جاء أجله، (وَلَا نُشُورًا)، أي: بعثا، على ما ذكرنا، وباللَّه العصمة.

الفرقان 25:4

قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ) يعنون هذا القرآن الذي أنزل على رسوله، وكان يقرؤه عليهم، يقولون: ما هذا إلا إفك -أي: كذب- افتراه من تلقاء نفسه ويخترعه من نفسه. إن أهل الشرك كانوا يكذبون الأنباء والأخبار من غير أن كانت لهم أسباب التي بها ما يوصل إلى معرفة صدق الأخبار وكذبها، وذلك كانت عادتهم وهِمَّتهم، والأسباب التي يعرف بها صدق الأخبار وكذبها هي الكتب السماوية والرسل التي نطقوا عن وحي السماء، فكفار مكة لم يكن لهم واحد من هذين، فكيف ادعوا على رسول اللَّه اختلاق هذا القرآن واختراعه من نفسه، وأنه مفترى، على غير كون أسباب معرفة الكذب والصدق لهم في الأخبار، مع ما ظهرت لهم آيات رسالته وأعلام صدقه في الأخبار؛ حيث لم يؤخذ عليه كذب قط، ولا رأوه اختلف إلى أحد من أهل الكتاب، ولا كان يحسن أن يخط بيده كتابًا، وما قرع أسماعهم من أول الأمر إلى أَخر الأبد قوله: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) وقوله: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ)، فدل عجزهم وترك تكلفهم ذلك على أنهم عرفوا أنه من عند اللَّه، وأنهم كذبة في قولهم: إنه إفك مفترى. وقوله: (وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ)، وقالوا: إنه إفك مفترى، وأعانه على ذلك قوم آخرون في افترائه واختراعه، وهم قوم من أهل الكتاب أسلموا، وقد كانوا يجدون في التوراة والإنجيل نعته وصفته، وما كان أنبأهم رسول اللَّه ويخبرهم من الأنباء المتقدمة والأخبار الماضية، فأخبروهم بذلك حين سألهم أُولَئِكَ المشركون عما يخبرهم رسول اللَّه، وقالوا: إنه كما يقول، وإنه صادق في ذلك كله، وإنا نجد ذلك في كتابنا، فلما سمعوا ذلك من أهل الكتاب ما سمعوا من تصديقهم إياه - عند ذلك قالوا: ((وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ). ثم أخبر أنهم (فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا)، أما قوله: (ظُلْمًا) لأنهم كذبوه، وقالوا: إنه مفترى من غير أن كان لهم أسباب الكذب والصدق، فهو ظلم؛ حيث وضعوا ذلك في غير موضعه. وأما قوله: (وَزُورًا) لأنهم قالوا: إنه مختلق، وإنه سحر، وإنه (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ

الفرقان 25:5

بَشَرٌ)، وإنه (وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ)، وإنه (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قد ظهر كذبهم بهذا فيما بينهم؛ لأنهم متى رأوه اختلف إلى واحد منهم يعلمه ذلك؟! أو متى رأوه كتب شيئًا قط أو يحسن الكتابة قط؟! وقولهم: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)؟! فإذا عرف تلك الأنباء والأحاديث التي كانت من قبل -ولا شك أنها لم تكن بلسانه، وإنما كانت بلسان أُولَئِكَ- دل إخباره عما في كتبهم بلسانه أنما عرف ذلك باللَّه تعالى. وقوله: (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) وقال أهل التأويل: غدوًّا وعشيًّا، فلو كان على ذلك لكان يحضرونه في البكرة والعشي، فيسمعون ويشاهدون ما يملى عليه؛ إذ الوقت وقت الحضور، ولكن -عندنا- كأنهم أرادوا بالبكرة والعشيّ: أول الليل وآخره، الأوقات التي هي ليست بأوقات الحضور والجلوس، يقولون: يأتونه سرًّا فتملى عليه ويعلمه، فلو كان ذلك أيضًا لكانوا يراقبونه ويحافظونه سرًّا؛ ليعرفوا ذلك ويشاهدوه، فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم كانوا يعرفون صدقه، وأنهم كذبة في زعمهم، لكنهم كابروه وعاندوه في ذلك. ثم أخبر أنه إنما أنزل عليه الذي يعلم السر في السماوات والأرض؛ حيث قال: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) ليس بمختلق منه ولا مفترى، ثم قوله: (يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: يعلم الأعمال الخفية والسرية من أهل السماوات والأرض، أي: يعلم الكوائن التي في السماوات والأرض وخفياتها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ) أي: قل لهم يا مُحَمَّد: أنزله - أي: هذا القرآن - الذي يعلم السر؛ وذلك أنهم قالوا بمكة سرًّا: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)، فإنه بشر مثلكم، بل هو ساحر (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)، ففي ذلك دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم قالوا سرًّا فيما بينهم ثم أخبرهم بذلك، دل أنه باللَّه عرف ذلك. وقوله: (إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) في تأخير العذاب عنهم، (رَحِيمًا) حين لا يعجل عليهم بالعقوبة إذا تابوا ورجعوا عن التكذيب إلى التصديق على ما ذكرنا. وقوله: (إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) في تأخير العذاب، يحتمل قوله: (غَفُورًا رَحِيمًا) إذا تابوا عن ذلك وآمنوا به ورجعوا إلى الحق، أو غفور رحيم لا يعجل بالعقوبة أي: برحمته وفضله لا يعجل بعقوبتهم؛ لعلهم يتوبون.

الفرقان 25:6

الآية ٦ : ثم أخبر أنه إنما أنزله عليه ]قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض[ حين(١) قال :]قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض[ ليس بمختلق منه ولا مفترى. ثم قوله :]يعلم السر في السموات والأرض[ أي يعلم الأعمال الخفية والسرية من أهل السموات والأرض، أي يعلم الكوامن التي في السموات والأرض وخفياتها. وقال بعضهم : قوله :]قل أنزله الذي يعلم السر[ أي قل لهم يا محمد : أنزله أي هذا القرآن الذي يعلم السر. وذلك لأنهم(٢) قالوا بمكة سرا :]هل هذا إلا بشر مثلكم[ بل هو ساحر ]أفتأتون السحر وأنتم تبصرون[ ( الأنبياء : ٣ ). ففي ذلك دلالة إثبات رسالته لأنهم قالوا سرا في ما بينهم، ثم أخبرهم بذلك. دل أنه بالله عرف ذلك. وقوله تعالى :]إنه كان غفورا رحيما[ في تأخير العذاب. يحتمل قوله :]غفورا رحيما[ إذا تابوا عن ذلك، وآمنوا به، ورجعوا إلى الحق أو ]غفورا رحيما[ لا يعجل بالعقوبة، أي برحمته لا يعجل بالعقوبة، لعلهم يتوبون. وقال القتبي :]تبارك[ مشتق من البركة. وكذلك قال الكسائي، وقد ذكرنا ذلك. وقال أبو عوسجة : تنزيه مثل قولك : تعالى على ما ذكرنا، وقال :]الفرقان[ هو الحق، فرق بين الحق والباطل، والقرآن، هو من قرن بعضا إلى بعض، والزبور، هو اسم كتاب، والزبر جميع، وزبرت كتبت، والزبر قطع الحديد كقوله :]آتوني زبر الحديد[ ( الكهف : ٩٦ ) الواحدة(٣) زبرة. والتوراة اسم كتاب لا أظنه بالعربية(٤). وقال أبو معاذ : الأساطير الأحاديث، واحدتها(٥) أسطورة كأرجوزة وأراجيز وأحدوثة وأحاديث وأعجوبة وأعاجيب. وفي حرف حفصة : و هي تمل عليه، وهما لغتان(٦). وفي سورة البقرة :]أن يميل هو فليملل وليه بالعدل[ ( البقرة : ٢٨٢ ). ١ في الأصل وم: حيث.. ٢ في الأصل وم: أنهم.. ٣ في الأصل وم: الواحد.. ٤ دليل ظنه ما قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وأنزل التوراة والإنجيل﴾ (آل عمران: ٣): وقيل سمي إنجيلا لما يجلي، وهو من الإظهار في اللغة وقيل: سمي التوراة توراة أوريت الزند: وهو كذلك، والله أعلم. . ٥ في الأصل وم: واحدها.. ٦ الأولى: أملى من مادة: م ل ي، والثانية: أمل من مادة: م ل ل، انظر اللسان، ثم انظر معجم القراءات القرآنية ج١/٢٢١ وج ٤/٢٧٤..

الفرقان 25:7

وقَالَ الْقُتَبِيُّ: " تبارك " مشتق من البركة، وكذلك قال الكسائي، وقد ذكرنا ذلك. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: تنزيه، مثل قولك: " تعالى "، على ما ذكرنا، وقال: الفرقان هو الحق؛ فرق بين الحق والباطل، والقرآن: هو من قَرْنِ بعض إلى بعض، والزبور: هو اسم كتاب، والزُّبُر: جميع، وزبرت: كتبت، والزبَر: قطع الحديد، كقوله: ((آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ)، الواحد: زبْرة، والتوراة: اسم كتاب لا أظنه بالعربية. قال أبو معاذ: الأساطير: الأحاديث، واحدها: أسطورة، كأرجوزة وأراجيز، وأحدوثة وأحاديث، وأعجوبة وأعاجيب. وفي حرف حفصة: (فهي تُمَلُّ عليه)، وهما لغتان، وفي سورة البقرة: (أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ). وقوله: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) كان الكفرة يطعنون رسول اللَّه بشيئين: أحدهما: أنه من البشر؛ بقولهم: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)، و (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)، كانوا لا يرون أن يكون من البشر رسول كقوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ) الآية، وقو لهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا)، ونحو ذلك. والثاني: كانوا يطعنون بالفقر والحاجة وصفارة اليد؛ حيث قالوا: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ)، وحيث قالوا: (يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) كأنهم ينكرون الرسالة في الفقراء وذوي الحاجة، ويرونها في ذوي الملك والأموال؛ ولذلك قالوا: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، فعلى ذلك قولهم: (يَأْكُلُ الطَّعَامَ) كما يأكل الفقراء، (وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) وفي حوائجه كما يمشي الفقراء، ولو كان رسولًا لكان ملكًا غنيًّا يأكل طعام الملوك، لا يقع له الحاجة إلى أن يمشي في الأسواق في حوائجه. فأجاب لهم في طعنهم فيه أنه بشر مثلهم، وإنكارهم الرسالة في البشر بوجوه: أحدها: قول: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ)، قال: (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ) الآية، معناه - واللَّه أعلم -: أنه لا ينزل الملك إلا بالعذاب، فلو أنزل لأنزل بالعذاب فأهلكوا. والثاني: ما قال: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا)، تأويله - واللَّه أعلم -: أنه لم يجعل في وسع البشر رؤية الملك على صورته وعلى ما هو عليه؛ إذ جنس هذا غير جنس أُولَئِكَ، وجوهرهم غير جوهر أُولَئِكَ، ولو جعلناه هكذا كنا لبسنا ما كان

الفرقان 25:8

يلبس أُولَئِكَ القادة على الأتباع؛ كقولهم: إنه ساحر وإنه كذاب وإنه مجنون؛ فكان في ذلك تلبيس عليهم. والثالث: ما قال: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ...) الآية، أي: لو كان أهل الأرض ملائكة لكنا أنزلنا عليهم الرسول ملكا من جنسهم وجوهرهم؛ لأنهم أعرف به وأظهر صدقًا عندهم ممن هو من غير جوهرهم وجنسهم، فإذا كان أهل الأرض بشرًا فالرسول إذا كان منهم، فهم أعرف به وصدقه أظهر عندهم، وقلوبهم إليه أميل لا إلى من هو من غير جنسهم. وأجاب لطعنهم في أكله ومشيه في الأسواق حيث قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ)، في حوائجهم، أي: غيره من الرسل الذين تؤمنون أنتم بهم كانوا فقراء، يأكلون الطعام ويمشون في حوائج أنفسهم، ثم لم يمنع ذلك عن أن يكونوا موضعًا لرسالته؛ فعلى ذلك مُحَمَّد، والفقير وذو الحاجة أحق أن يكون موضعًا لرسالته من الغني الثري؛ لأن الناس يتبعون الغني ومن له الملك والثروة، فلو كان الرسول غنيًّا مثريًّا لكان لا يظهر متبع الحق من غيره، وإذا كان فقيرًا محتاجًا لظهر ذلك، اللهم إلا أن يكون ملكًا هو آية الرسالة نحو ملك سليمان وداود، وذلك لنفسه آية لرسالته على ما قال: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي)، واللَّه أعلم. وقوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا): كأنهم قالوا ذلك لما نزل قوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، قالوا عند ذلك: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ)، وقالوا: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا (٨) عند سماع قوله: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أي: قالوا: لو كان مُحَمَّد رسول اللَّه من له ملك السماوات والأرض ونذيرًا للعالمين على ما يقول، لكان أنزل معه ملك نذيرًا، ولكان أعطي هو كنزًا أي: مالا أو تكون له جنة يأكل منها على ما يكون لرسل ملوك الأرض. لكن الجواب لهم ما ذكرة (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...) الآية، أي: لو شاء أعطاك خيرًا مما يقولون من البنيان والقصور على ما أعطى غيرك، لكن ليس فيما يمنع منقصة لك، ولا فيما أعطاهم فضيلة. وقوله: (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ) أي: ما تتبعون، (إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا): لا تزال عادتهم بنسبة الرسول إلى السحر والجنون والكذب. وقوله: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) فتأويله - واللَّه أعلم - أي: انظر إلى

الفرقان 25:9

[ الآية ٩ ] : وقوله تعالى :﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا﴾ ؟ فتأويله، والله أعلم، أي انظر إلى سفههم أن ﴿كيف ضربوا لك الأمثال﴾ وشبهوك بها ؟ نسبوك مرة إلى السحر، وقالوا : إنك ساحر، ومرة إلى الجنون، وقالوا : إنك مجنون، ومرة إلى الكذب حين(١) قالوا :﴿بل هو كذاب أشر﴾ [القمر: ٢٥] ونحو هذا مما كانوا ينسبونه إليه. فيقول، والله أعلم : انظر إلى سفههم أن ﴿كيف ضربوا لك الأمثال﴾ ونسبوك إلى ما ذكروا، وعلى علم منهم أنك لست كذلك، ولا على ذلك، وإنك على الحق، وهم على باطل وكذب، أو يكون قوله :﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾ ؟ ما قالوا :﴿لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا﴾ ﴿أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها﴾ وأمثال ما سألوا، وقالوا(٢) : لو كان يقول : إنه رسول لكان ذلك له أعلام الرسالة وأمارات صدقه، فيخبر أن الأعلام والآيات ليست تأتي على شهوات سؤال المعاندين وأمانيهم. ولكن إنما تجيء على ما توجبه الحكمة ما يدل على صدق ما ادعى، ويظهر كذب من عاند، وتولى. وقد أتاهم بحمد الله بحجج وبراهين ما أظهر لهم صدق ما ادعى من الرسالة والنبوة، ولكنهم عاندوها، وكابروا، فلم يقروا بها خوفا أن تذهب عنهم رئاستهم. وقوله تعالى :﴿فضلوا﴾ لا شك أنهم قد ضلوا عن الهدى، أي عدلوا بضربهم الأمثال له ونسبهم إياه إلى ما نسبوه إليه ﴿فلا يستطيعون سبيلا﴾ إلى الهدى أو إلى ما سألوا من الأشياء. وفي حرف حفصة : فلا يهتدون سبيلا. وقال بعضهم : فلا يستطيعون مخرجا من الأمثال التي ضربوها لك، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - في الأصل وم: فيقولون..

الفرقان 25:10

سفههم أن كيف ضربوا لك الأمثال، وشبهوك بها؛ نسبوك مرة إلى السحر وقالوا: إنك ساحر، ومرة إلى الجنون وقالوا: إنك مجنون، ومرة إلى الشعر وقالوا: إنك شاعر، ومرة إلى الكذب حيث قالوا: بل هو كذاب أشر، ونحو هذا مما كانوا ينسبونه إليه، فيقول - واللَّه أعلم -: انظر إلى سفههم أن كيف ضربوا لك الأمثال ونسبوك إلى ما ذكروا، على علم منهم أنك لست كذلك ولا على ذلك، وأنك على الحق وهم على باطل وكذب. أو أن يكون قوله: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ) وما قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) وأمثال ما سألوا، فيقولون: لو كان ما يقول إنه رسول، لكان ذلك له أعلام الرسالة وأمارات صدقه، فيخبر أن الأعلام والآيات ليست تأتي على شهوات سؤال المعاندين وأمانيهم، ولكن إنما تجيء على ما توجبه الحكمة، مما يدل على صدق ما ادعى ويظهر كذب من عاند وتولى، وقد أتاهم مُحَمَّد صلوات اللَّه عليه وسلامه بحجج وبراهين ما أظهر لهم صدق ما ادعى من الرسالة والنبوة، لكنهم عاندوها وكابروا، فلم يقروا بها خوفًا أن يذهب عنهم رياستهم. وقوله: (فَضَلُّوا) لا شك أنهم قد ضلوا عن الهدى، أي: عدلوا بضربهم الأمثال له، ونسبتهم إياه إلى ما نسبوه إليه؛ فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى أو إلى ما سألوا من الأشياء. وفي حرف حفصة: (فلا يهتدون سبيلا). وقَالَ بَعْضُهُمْ: فلا يستطيعون مخرجًا من الأمثال التي ضربوها لك، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) وقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ) قد ذكرنا أنه خرج جواب ما سألوه من الأشياء: من الملك والكنز والجنة وأنواع الطعن الذي طعنوه، أي: لو شاء لأعطاك

الفرقان 25:11

خيرًا من ذلك. ثم أخبر أن الذي حملهم على ذلك السؤال وأنواع الطعن فيه هو تكذيبهم بالساعة؛ حيث قال: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ... (١١) هو حيث لم يروا لأمورهم عاقبة ينتهون إليها؛ يثابون عليها أو يعاقبون. ثم أخبر ما أعدّ لهم بتكذيبهم الساعة فقال: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا). ثم وصف ذلك السعير فقال: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وقوله: (رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ): يحتمل وجهين: أحدهما: يجعل لها أسبابًا تراهم كما يرونها. والثاني إذا صاروا في مكان بحيث يرونها كأنها رأتهم. وقوله: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) قيل: إن النار ترفع ويعلو لهبها، وترد من كان في أعلاها إلى أسفلها، ويرد من كان في أسفلها إلى أعلاها، فيجمعهم جميعًا فيضيق عليهم المكان ويشتد بهم العذاب، كلما ضاق عليهم المكان كان العذاب لهم أشد. وقوله: (مُقَرَّنِينَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: مقيدين بعضهم ببعض. ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: الشيطان يقرن، وَيقَتدُ كل بشيطانه الذي دعاه إلى دعائه واتبعه؛ كقوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا...) الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يقرن العابد والمعبود من دون اللَّه، وهو الأصنام التي عبدوها؛ كقوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا...) الآية. وقوله: (دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) أي: هلاكا، والثبور: الهلاك؛ كقوله: (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) أي: هالكًا. والثبور والويل: هما حرفان يدعو بهما كل من كان في الهلكة والشدة، فقال: (لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) أي: لا تدعوا هلاكًا واحدًا؛ كما يكون في الدنيا أن من هلك مرة لا يهلك ثانيًا، وأما في النار فإن لأهلها هلكات لا تحصى؛ كقوله: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) أي: أسباب الموت تأتيهم من كل مكان وما هو بميت؛ وكقوله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ...) الآية. وإنما يسألون ويدعون بالهلاك لما يرجون من الهلاك النجاة من ذلك العذاب؛ وهكذا كل من ابتلي ببلاء شديد يتمنى الهلاك والموت.

الفرقان 25:12

[ الآية ١٢ ] ثم وصف ذلك السعير، فقال :﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا﴾. وقوله تعالى :﴿إذا رأتهم من مكان بعيد﴾ يحتمل وجهين : [ أحدهما ](١) : يجعل لها أسبابا : تراهم بها كما يرونها [ بتلك الأسباب. والثاني : إذا صار الكفرة ](٢) في مكان بحيث يرونها كأنها رأتهم. ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - في الأصل وم، وإذا صار ما..

الفرقان 25:13

[ الآية ١٣ ] وقوله تعالى :﴿وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا﴾ قيل : إن النار، ترفع، وتعلي لهبها، وترد من مكان من أعلاها إلى أسفلها [ وترد من مكان من أسفلها ](١) فتجمعهم جميعا، فيضيق عليهم المكان، ويشتد بهم العذاب ؛ كلما ضاق عليهم المكان كان العذاب لهم أشد. وقوله تعالى :﴿مقرنين﴾ قال بعضهم : مقيدين بعضهم ببعض. ثم قال بعضهم : الشيطان يقرن، ويقيد : كل بشيطانه الذي دعاه إلى ما دعاه، وأتبعه، كقوله :﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له، شيطانا﴾ [الزخرف: ٣٦]. وقال بعضهم : يقرن العابد والمعبود من دون الله، وهو الأصنام التي عبدوها كقوله :﴿احشروا الذين ظلموا﴾ الآية [الصافات: ٢٢]. وقوله تعالى :﴿دعوا هنالك ثبورا﴾ أي هلاكا. والثبور الهلاك كقوله :﴿وإني لأظنك يا فرعون مثبورا﴾ [الإسراء: ١٠٢] أي هالكا. والثبور والويل، هما حرفان، يدعو بهما كل من كان في الهلكة والشدة. ١ - من م، ساقطة من الأصل. .

الفرقان 25:14

[ الآية١٤ ] [ وقوله تعالى ](١) :﴿لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا﴾ أي لا تدعوا هلاكا واحدا كما يكون في الدنيا أن من هلك مرة لا يهلك ثانيا. وأما في النار فإن لأهلها هلكات لا تحصى كقوله :﴿ويأتيه الموت من كل مكان﴾ أي أسباب الموت تأتيه(٢) من كل مكان ﴿وما هو بميت﴾ [إبراهيم: ١٧] وكقوله :﴿كلما نضجت جلودهم﴾ الآية [النساء: ٥٦]. وإنما يسألون، ويدعون بالهلاك لما يرجون من الهلاك النجاة من ذلك العذاب. وهكذا كل من ابتلي ببلاء شديد يتمنى الهلاك والموت. ١ - في الأصل وم: فقال.. ٢ - في الأصل وم: يأتيهم..

الفرقان 25:15

قوله تعالى: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) وقوله: (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ): يشبه أن يكون قال هذا لقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا، فيقول: أذلك الذي سألتموه أنتم خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون؟! أو يكون قال ذلك لهم لما رأوا لأنفسهم الفضل والمنزلة في الدنيا؛ لما وسع عليهم الدنيا وأعطوا من حطامها، فقال: أذلك الذي أعطيتم في الدنيا من السعة خير، أم جنة الخلد التي أعطي المتقون؟! واللَّه أعلم. وقوله: (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) يحتمل قوله: (وَعْدًا مَسْئُولًا) مما سألته لهم الملائكة؛ كقوله: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ...) الآية، وسؤال الرسل؛ كقوله: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ..) الآية، أو وعدًا مسئولا مما سألوا ربهم، فوعد لهم ذلك؛ فهذا يدل أنهم إنما يدخلون الجنة بالسؤال والتشفع لهم والتضرع، لا أنهم يستوجبون ذلك بأعمالهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ): في السلاسل وذلك أنهم إذا ألقوا فيها تضايق عليهم كتضايق الزج في الرمح، فالأسفلون يرفعهم اللهب، والأعلون يخفضهم اللهب، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة فضايق عليهم، فعند ذلك يدعون بالثبور؛ يقولون: يا ثبوراه ويا ويلاه. وروي مثله عن عبد اللَّه بن عمر، وكان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج في الرمح. وقوله: (دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) يقول: ويلا وهلاكا، قال اللَّه تعالى: (لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا): ثم قيل: (أَذَلِكَ خَيْرٌ) يعني: الذي ذكر، (أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً) لأعمالهم، (وَمَصِيرًا) هو أي: منزلا. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: التغيظ: من الغيظ، والزفير: الشهيق يكون في الحلق، وشهق يشهق شهيقًا وشهقا، وهو نفس في الحلق شديد له صوت. وقال: (ثُبُورًا) أي: إهلاكا، وصرفه: ثبر يثبر ثبرا وثبورا، فهو ثبور.

الفرقان 25:16

[ الآية ١٦ ] وقوله تعالى :﴿لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا﴾ يحتمل قوله :﴿وعدا مسئولا﴾ مما سألته لهم الملائكة كقوله :﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم﴾ الآية [غافر: ٨] أو(١) سؤال الرسل كقوله :﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ الآية [ آلة عمران : ١٩٤ ] أو ﴿وعدا مسئولا﴾ مما سألوا ربهم، فوعد لهم ذلك. فهذا يدل أهم إنما يدخلون الجنة بالسؤال والتشفع لهم والتضرع، لا أنهم يستوجبون بأعمالهم. وقال يدل أنهم إنما يدخلون الجنة بالسؤال والتشفع لهم والتضرع، لا أنهم يستوجبون ذلك بأعمالهم. وقال بعضهم في قوله :﴿وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا﴾في السلاسل ؛ ذلك أنهم إذا ألقوا فيها تضايقت عليهم كتضايق الزج في الرمح، فالأسفلون، يرفعهم اللهب، والأعلون، يخفضهم اللهب، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة، فتضيق(٢) عليهم. فعند ذلك يدعون بالثبور ؛ يقولون : يا ثبوراه، ويا ويلاه. وروي مثله عن عبد الله بن عمر ؛ وكان يقول : إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج في الرمح، وقوله :﴿دعوا هنالك ثبورا﴾ يقولون(٣) : ويلا، وهلاكا، ويقول(٤) الله تعالى :﴿لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا﴾ ثم يقول :﴿قل أذلك خير﴾ يعني الذي ذكر ﴿أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا﴾ أي منزلا. قال أبو عوسجة : التغيظ من الغيظ، والزفير [ والشهيق، يكونان ](٥) في الحلق، وشهق يشهق شهيقا وشهقا، وهو نفس في الحلق شديد، له صوت. وقال :﴿ثبورا﴾ أي هلاكا، وصرفه : ثبر يثبر ثبرا، فهو مثبور. وقال القتبي ﴿تغيظا وزفيرا﴾ أي تغيظا عليهم. كذلك قال المفسرون. وقال بعضهم : بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم، واعتبروا ذلك بقول الله تعالى :﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ [هود: ١٠٦]. واعتبروه الأولون بقوله :﴿تكاد تميز من الغيظ﴾ [الملك: ٨]. وهذا أشبه التفسيرين، إن شاء الله، ولأنه قال :﴿سمعوا لها﴾ ولم يقل : سمعوا فيها، ولا : منها. وقال :﴿ثبورا﴾ أي يا للهلكة كما يقول القائل : واهلاكاه، والله أعلم/٣٧٦-أ/. ١ - في م: و.. ٢ - في الأصل وم: تضايق.. ٣ - في الأصل وم: يقول.. ٤ - في الأصل وم: قال.. ٥ - في الأصل وم: الشهيق يكون..

الفرقان 25:17

وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)، أي: تغيظًا عليهم؛ كذلك قال المفسرون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين وزفيرهم واعتبروا ذلك بقول اللَّه تعالى: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ)، واعتبره الأولون بقوله: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) هذا أشبه التفسيرين إن شاء اللَّه؛ لأنه قال: (سَمِعُوا لَهَا)، ولم يقل: سمعوا فيها، ولا منها. وقال: (ثُبُورًا) أي: بالهلكة؛ كما يقول القائل: واهلاكاه، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) وقوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: نحشر أُولَئِكَ الذين عبدوا دون اللَّه والمعبودين وهم الملائكة؛ لأن من العرب من قد عبدوا الملائكة؛ كقوله في آية أخرى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ...) الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو عيسى يحشر بينه وبين من عبدوه؛ لأنه قد عبد دون اللَّه فيقول له ما ذكر؛ كقوله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ...) الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يحشر الأصنام ومن عبدها، ثم يأذن لها في الكلام فيقول: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ)؛ كقوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ) إلى قوله: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ)، ولو كان عيسى - عليه السلام - أو الملائكة لكانوا عالمين بعبادتهم إياهم غير غافلين؛ دل ذلك أنها الأصنام التي عبدوها دون اللَّه وإياها يسألون. وكل ذلك محتمل؛ إذ قد كان منهم ذلك كله، واللَّه أعلم. وقوله: (فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ): واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -

الفرقان 25:18

كان عالمًا لما كان منهم، لكن السؤال إياهم - واللَّه أعلم - يخرج مخرج توبيخ أُولَئِكَ الكفرة وتعييرهم؛ لأنهم يعبدون من ذكر من دون اللَّه، ويقولون: هم أمروهم بذلك، وكانوا مقبولي القول عندهم صادقين فيما يخبرون ويقولون، فأراد أن يظهر كذبهم عند الخلائق؛ لذلك سألهم، واللَّه أعلم بالكائن منهم من أنفسهم، لكنه يخرج على ما ذكرنا. ثم نزهوه عن جميع ما لا يليق به، وبرءوا أنفسهم عن أن يكون منهم أمر أو شيء مما نسبه أُولَئِكَ إليهم، وهو أعلم بهم فقالوا: (سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) قال أهل التأويل: (أَوْلِيَاءَ) أي: أربابًا، وهم لم يتخذوا أربابا من دونه، لكنه عندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونه أولياء هم المؤمنون. الثاني: أو أن يكون: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دون ولايتك ولاية سواك. وفي بعض القراءات: (أن نُتَّخَذَ من دونك أولياء) برفع النون، لكن أهل الأدب يقولون: هو خطأ. وقوله: (وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ): هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن آباءهم قد أمهلوا ومتعوا في هذه الدنيا، حتى ماتوا على ذلك من غير أن أصابهم شيء مما أوعدوا في كتابهم، ومما أوعدهم الرسل من العذاب والهلاك على ما اختاروا من الدِّين وصنيعهم، فظنوا أنهم على حق من ذلك؛ حيث لم يصبهم من المواعيد المذكورة في كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم بشيء؛ فعلى هذا التأويل الذكر: الذي نسوه هو كتابهم، أو ما أوعدهم رسلهم، واللَّه أعلم. فإن كان على هذا فالآية في أهل الكتاب منهم. ويحتمل أن تكون الآية في الفراعنة، والقادة من هَؤُلَاءِ الكفرة متعوا في هذه الدنيا بأحوال ورياسة، ووسع عليهم المعيشة، حتى دعوا الناس وأتباعهم إلى ما هم عليه من التكذيب برسوله وما أنزل عليه، فأجيبوا بالأموال عندهم، فنسوا ما في القرآن من الوعيد. (وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا) والبور: قَالَ بَعْضُهُمْ: الهلاك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: البور: الفساد. وقوله: (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) أي: فقد كذبكم أُولَئِكَ، (بِمَا تَقُولُونَ): أنهم أمرونا بذلك، وكانوا عندهم صدقة. وقوله: (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا): هذا يحتمل وجوها: أحدها: أي: ما يستطيع أُولَئِكَ الكفرة صرف قول من عبدوهم وتكذيبهم حين كذبوهم في قولهم. (وَلَا نَصْرًا) أي: ولا استطاعوا الانتصار منهم حين كذبوهم؛ وعلى ذلك يخرج قراءة من قرأه بالتاء: (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا). والثاني: يحتمل: (فما يستطعون) أُولَئِكَ المعبودون صرف عذاب اللَّه ونقمته عنكم، ولا كانوا لهم نصراء؛ لأنهم قالوا: (هَؤلَآءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّه)، و (مَا نعبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). والثالث: (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا) أي: فداء، (وَلَا نَصْرًا) أي: لا يقبل منهم الفداء، ولا كان لهم ناصر ينصرهم في دفع العذاب عنهم؛ كقوله: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ). وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: الصرف: النافلة، سميت صرفًا لأنها زيادة على الواجب، والعدل: الفريضة. وقد روي في الخبر: " من طلب صرف الحديث ليبتغي به إقبال وجوه الناس، لم يرح رائحة الجنة " أي: من طلب تحسينه بالزيادة فيه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الصرف: الدية، والعدل: رجل مثله؛ كأنه يريد: لا يقبل منه أن يفتدي برجل مثله وعدله، ولا يصرف عن نفسه بديته، ومنه قيل: صارفي، وصرف الدرهم بالدنانير؛ لأنك تصرف هذا إلى هذا، وأصله ما ذكرنا. قَالَ الْقُتَبِيُّ وأبو عبيدة: (قَوْمًا بُورًا)، أي: هلكى، وهو من بار يبور؛ إذا هلك وبطل؛ يقال: بار الطعام، إذا كسد، وبارت الأيم؛ إذا لم يرغب فيها، وفي الخبر: " كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يتعوذ من بوار الأيم ". قال أبو عبيدة: يقال: رجل بور وقوم بور لا يثنى ولا يجمع.

الفرقان 25:19

[ الآية ١٩ ] وقوله تعالى :﴿فقد كذبوكم بما تقولون﴾ أي فقد كذبكم أولئك المعبودون بما تقولون : إنهم أمرونا بذلك، وكانوا عندهم صدقة. وقوله تعالى :﴿فما تستطيعون صرفا ولا نصرا﴾ هذا يحتمل وجوها : أحدهما : أي ما يستطيع أولئك الكفرة صرف قول من عبدوهم(١) وتكذيبهم حين كذبوهم قولهم ﴿ولا نصرا﴾ أي ولا استطاعوا الانتصار منهم حين كذبوهم. وعلى ذلك تخرج قراءة قرأ بالتاء(٢) ﴿فما تستطيعون صرفا ولا نصرا﴾. [ والثاني ](٣) : يحتمل : فما يستطيع(٤) أولئك المعبودون صرف عذاب الله ونقمته عنكم، ولا كانوا لهم نصراء، لأنهم قالوا :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] وقالوا(٥) :﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣]. والثالث :﴿فما تستطيعون صرفا﴾ أي فداء ﴿ولا نصرا﴾ أي لا يقبل منهم الفداء، ولا كان لهم ناصر، ينصرهم في دفع العذاب عنهم كقوله :﴿ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ [البقرة: ١٢٣]. وقال القتبي وأبو عوسجة :[ قال بعضهم : الصرف الحيلة من قولهم لينصرف، و ](٦) قال بعضهم : الصرف النافلة، سميت صرفا لأنها زيادة على الواجب والعدل : الفريضة. وقد روي في الخبر : " من طلب صرف الحديث ليبتغي به إقبال وجوه الناس لم يرح رائحة الجنة " [ بنحوه الترمذي ٢٦٥٤ ]. أي من طلب تحسينه بالزيادة فيه. وقال بعضهم : الصرف [ والعدل : الفدية ](٧) : رجل مثله [ كأنه يريد، لا يقبل منه أن يفتدى برجل مثله ](٨) وعدله، و لا يصرف عن نفسه بديته. ومنه قيل :[ صراف : صرف ](٩) الدراهم بالدنانير لأنه(١٠) يصرف هذا [ إلى هذا ] (١١). وأصله من ذكرنا. قال القتبي وأبو عبيدة :﴿قوما بورا﴾ أي هلكى، وهو من بار يبور إذا هلك، وبطل، يقال : بار الطعام، إذا كسد، وبارت الأيم إذا لم يرغب فيها. وفي الخبر كان رسول الله ﷺ يتعوذ من بوار الأيم. قال أبو عبيدة : يقال : رجل بور، وقوم بور ؛ لا يثنى، ولا يجمع. وقال أبو عوسجة ﴿قوما بورا﴾ لا خير فيهم، ورجل بائر. وكذلك قال أبو زيد :﴿قوما بورا﴾ ليس فيهم من الخير شيء. وقال قتادة :﴿قوما بورا﴾ فاسدين بلغة أهل عمان، وقال : ما نسي قوم ذكر الله قط إلا باروا، وفسدوا. وقوله تعالى :﴿ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا﴾ أما على قول الخوارج، كل ظلم ارتكبه [ امرؤ ](١٢) فهو في ذلك الوعيد على أصل مذهبهم، وعلى قول المعتزلة : كل صاحب كبيرة في ذلك الوعيد. وأما على قول المسلمين : فلذلك الوعيد لمرتكبي الظلم : ظلم [ الكفر والشرك ] (١٣)، وأما دون ذلك فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. ١ - في الأصل وم: عبدوه.. ٢ - انظر معجم القراءات القرآنية ج ٤/٢٨٠.. ٣ - في الأصل وم: و.. ٤ - في الأصل وم: يستطيعون.. ٥ - في الأصل وم: و.. ٦ - ساقطة من م.. ٧ - في الأصل وم: الدية والعدل.. ٨ - من م، ساقطة من الأصل.. ٩ - في الأصل وم: صار في صرف.. ١٠ - في الأصل وم: لأنك.. ١١ - من م، ساقطة من الأصل.. ١٢ - ساقطة من الأصل وم.. ١٣ - في الأصل وم: كفر وشرك..

الفرقان 25:20

وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (قَوْمًا بُورًا): لا خير فيهم، ورجل بائر؛ وكذلك قال ابن زيد: بورا أي: ليس فيهم من الخير شيء. وقال قتادة: بورا: فاسدين، بلغة أهل عمان، وقال: " ما نسي قوم ذكر اللَّه قط إلا باروا وفسدوا ". وقوله: (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا): أما على قول بعض الخوارج: كل ظلم ارتكبه فهو في ذلك الوعيد على أصل مذهبهم. وعلى قول المعتزلة: كل صاحب كبيرة في ذلك الوعيد. وأما على قول المسلمين: فذلك الوعيد لمرتكبي الظلم: ظلم كفر وشرك، وأمَّا ما دون ذلك فهو في مشيئة اللَّه: إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) قد ذكرنا فيما تقدم أن هذا إنما أخرج جوابًا لقول أُولَئِكَ: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ)، فأخبر أن الرسل الذين كانوا من قبل مُحَمَّد كانوا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق على ما يأكل هو ويمشي. ثم من الناس من كره الركوب في الأسواق بهذا، وقال: إنه أخبر عن الأنبياء والرسل جملة أنهم كانوا يمشون في الأسواق، لم يذكر منهم الركوب؛ فدل ذلك منهم أنه مكروه منهي عنه؛ فيشبه أن يكون ما قال هَؤُلَاءِ، وأنه يكون مكروهًا؛ لأنه يخرج الركوب في الأسواق مخرج التعزز والمباهاة؛ فالواجب على كل مسلم أن يكون تعززه بالإسلام وبدينه الذي اختاره اللَّه تعالى، وخاصة على العلماء يجب أن يكون تعززهم ومباهاتهم بالعلم الذي أعطاه اللَّه لهم وأكرمهم؛ فإنه عز لا يُعْقِبُهُ ذلاًّ: ولا يورثه صغارا ولا قهرا، وأمَّا كل عز كان سوى ما ذكرنا فهو إلى ذل ما يصير سريعًا، كأنه ليس بعز في الحقيقة، ولو تأصَّل، واللَّه أعلم. وقوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً): الفتنة كأنها هي المحنة التي فيها شدة وبلاء. ثم قال أهل التأويل: إنه لما أسلم عبد اللَّه وأبو ذر وعمار وبلال وصهيب وأمثال هَؤُلَاءِ، قال الفراعنة من قريش نحو أبي جهل والوليد وأمثالهما: انظروا إلى هَؤُلَاءِ الذين اتبعوا محمدا، اتبعوه من موالينا وأعرابنا رذالة كل قوم، فازدروهم وآذوهم واستهزءوا

الفرقان 25:21

بهم؛ فأنزل اللَّه هذه الآية لهَؤُلَاءِ الفقراء الذين اتبعوا رسول اللَّه؛ ليصبرهم على أذاهم فقال: (فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) أي: اصبروا على الأمر؛ هذا محتمل. وقال الحسن: قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) جعل أهل البلوى فتنة لغيرهم وغير أهل البلوى؛ يقول الأعمى: لو شاء اللَّه لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول الفقير؛ لو شاء اللَّه لجعلني غنيًّا مثل فلان؛ وكذلك يقول السقيم: لو شاء اللَّه لجعلني صحيحًا مثل فلان، لكنه أعطى لأهل البلوى البلوى وأمرهم بالصبر عليها، وأعطى لأهل النعمة النعمة وأمرهم بالشكر عليها ". وجائز أن يكون غير هذا، وهو قريب من هذا، وذلك أنه أعطى بعضا النعمة والسعة، وجعل بعضهم أهل ضيق وشدة، ثم جعل كل فريق محتاجًا إلى الفريق الآخر؛ جعل الغني والمثري محتاجًا إلى الفقير في بعض أموره، والفقير محتاجًا إلى الغني لغناه، وجعل لبعض على بعض مؤنة ما لولا فقر الفقير لا يعرف الغني قدر غناه، ولا الفقير قدر فقره، ولا قام بعض بكفاية مؤنة بعض، ثم أمر كلا بالصبر على تحمل مؤنة الآخر بقوله: (أَتَصْبِرُونَ) أي: اصبروا على الأمر يخرج، وإن كان ظاهره استفهامًا وسؤالا، والله أعلم. وقوله: (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) أي: على بصر وعلم؛ جعل بعضا فتنة لبعض ليس على سهو وغفلة. * * * قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا): قال أهل التأويل: (لَا يَرْجُونَ) أي: لا يخافون ولا يخشون لقاءنا، أي: البعث بعد الموت.

الفرقان 25:22

وقال أهل الكلام: الرجاء: هو الرجاء لا الخوف، لكن جائز أن يكون في الرجاء خوف، وفي الخوف رجاء؛ لأن الرجاء الذي لا خوف فيه هو أمنٌ، والخوف الذي لا رجاء فيه إياس، فكلاهما مذمومان: الإياس والأمن جميعًا. وقوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا): جائز أن يكون قولهم: لولا أنزل علينا الملائكة رسلا دون أن أنزل البشر رسلا إلينا؛ لإنكارهم البشر رسولا؛ كقولهم: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ). ويحتمل قولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ): بالوحي والرسالة لنا دونك، ونحن الرؤساء والملوك والقادة دونك؛ يقولون: لو كان ما تقول حقًّا وصدقًا أنك رسول، وأنه ينزل عليك الوحي والملك فنحن أولى بالرسالة منك؛ إذ نحن الملوك والرؤساء؛ كقولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وأمثال هذه الأفكار. ثم الرسالة لمن هو دونهم في الدنياوية. أو أن يكون ذلك؛ كقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) أي: رسول أو نرى ربنا عيانا ونكلمه ونسأله عن ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ): الاستكبار: هو ألا يرى غيره مثلا له، ولا عدلا ولا شكلا في نفسه وأمره، فإن كان هذا فهو ما لم يروا رسول اللَّه أهلا للرسالة وموضعًا لها؛ لفقر ذات يده وحاجته، ورأوا أنفسهم أهلا لها، فاستكبارهم هو ما لم يروا غيرهم مثلا ولا شكلاً لأنفسهم؛ فاستكبروا ولم يخضعوا لرسول اللَّه، ولم يطيعوه، ولم يتبعوه أنفا منه، بعد علمهم أنه محق في ذلك وأنه رسول إليهم. وقوله: (وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: العتو: هو الجرأة، وهو أشدّ من الاستكبار. وقَالَ بَعْضُهُمْ: العتو: هو الغلو في القول غلوا شديدًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من التكبر. وقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) قال الحسن: حِجْرًا مَحْجُورًا: كلمة من كلام العرب؛ إذا كره أحدهم الشيء قال: حجرًا حرام هذا، فإذا رأوا الملائكة كرهتهم، وقال: حِجْرًا مَحْجُورًا، فعلى هذا القول الكفرة هم يقولون:

الفرقان 25:23

حِجْرًا مَحْجُورًا؛ إذا رأوا الملائكة وما معهم من المواعيد. قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الملائكة يتلقون المؤمنين بالبشرى على أبواب الجنة، ويقولون للكفرة: لا بشرى لكم، ويقولون: حِجْرًا مَحْجُورًا، أي: تقول الملائكة: حرام البشرى للمجرمين، أو حرام عليهم الجنة أن يدخلوها، والحجر على هذا القول هو الحرام. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحجر هاهنا هو المنع والحظر، يقولون: إنهم يمنعون ويحظرون عما طمعوا وقصدوا بعبادتهم الملائكة والأصنام التي عبدوها، حيث قالوا: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ)، و (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، فيقول: يمنع عنهم ما قصدوا وطمعوا بعبادتهم. أو يكون المنع: ثواب الخيرات التي عملوها في هذه الدنيا من صلة الأرحام والصدقات ونحوها، مما هي في الظاهر خيرات منعوا ثوابها في الآخرة؛ كقوله: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا)، وقوله: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى)، ونحو ذلك كله، واللَّه أعلم. وقوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) هو ما ذكرنا من الأعمال عملوها في هذه الدنيا رجاء أن يصلوا إليها في الآخرة، فجعلناها هباء منثورا. قال أهل التأويل: (وَقَدِمْنَا) أي: عمدنا وقصدنا إلى ما عملوا من عمل. لكن عندنا: جعلنا أعمالهم تلك في الأصل هباء منثورا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: منبثا وهو رهج الدواب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الهباء المنثور: هو غبار الثياب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس، وهو الذي يسمى: الذر. وقَالَ بَعْضُهُمْ قوله: (حِجْرًا مَحْجُورًا) أي: عوذا معاذا، يقول: المجرمون يستعيذون من الملائكة.

الفرقان 25:24

قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا): هو من التكبر، ويقال: من الخلاف: عتا عتيا؛ إذا خالف، يقال في الكلام: لا تعت علي، أي: لا تخالفني. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من الشدة واليبس؛ كقوله: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) أي: يابسا. وقال: (حِجْرًا مَحْجُورًا) أي؛ حراما محرمًا، وحجرت عليه ماله، أي: منعته من ماله أحجر حجرا. ويقال: حجرت عينه، أي: لطخت أجفانها بشيء من الدواء. وقوله: (هَبَاءً مَنْثُورًا) أي: لا شيء، والهباء: هباء النار، أي: رمادًا يكون على أعلى النار إذا خمدت ويقال: هبت النار تهبو هبوا إذا خمدت والجمرة على حالها، إلا أنه قد غطاه ذلك الهباء، وكل شيء ليس لشيء فهو هباء، وتقول: هذا هباء، أي: لا شيء، ومنثور: قد نثر. وقوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وصف عَزَّ وَجَلَّ أعمال الكفرة مرة بالهباء المنثور، ومرة بالرماد، ومرة بالسراب، ومرة بالتراب الذي يكون على الصفوان، وهو الحجر الأملس إذا أصابه الوابل. ووصف أعمال المؤمنين بالثبات والقرار ونحوه. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة ثم قرأ: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا). وكذلك ذكر في حرفه في سورة الصافات: (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) قرأ هو: (إن مقيلهم لإلى الجحيم) أي: إلى الجحيم. ويشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) أي: لنا أموال وجنات، وليس له من ذلك شيء، فقال جوابا لهم: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا). وقوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) وصف السماء لهول ذلك اليوم بأوصاف وذكر لها أحوالا، فقال في آية أخرى: (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، وقال: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ)، و (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ)، ونحو ذلك، وذلك في اختلاف الأوقات، يكون في كل وقت على الحال التي وصف؛ وكذلك ما

الفرقان 25:25

[ الآية ٢٥ ] وقوله تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا﴾، وصف السماء لهول ذلك اليوم بأوصاف، وذكر لها أحوالا، فقال في آية أخرى :﴿وإذا السماء كُشِطت﴾ [التكوير: ١١] وقال(١) :﴿إذا السماءُ انشقت﴾ [الانشقاق: ١] وقال(٢) :﴿إذا السماءُ انفطرت﴾ [الانفطار: ١] وقال :﴿يوم نطوي السماءَ كطيِّ السجلِّ للكُُتُب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقال(٣) :﴿يوم تُبدَّلُ الأرضُ غيْرَ الأرضِ والسماواتُ﴾ ( بإبراهيم : ٤٨ ] ونحو ذلك. وذلك في اختلاف الأوقات، يكون في كل وقت على الحال التي وصف، وكذلك ما وصف [ الجبال ] (٤) مرة بالهباء المنثور [ بقوله :﴿فكانت هَباءً منبثّاً﴾ [الواقعة: ٦] وشبهها مرة بالعِهْن ﴿المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ] (٥) ومرة [ قال ](٦) :﴿كَِثيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤] ومرة قال :﴿وترى الجبالَ تحسبها جامدةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السّحاب﴾ الآية [النمل: ٨٨] ونحوه من الأوصاف التي وصفها، وذلك في أوقات مختلفة ؛ تكون في كل وقت على حال ووصف. فعلى ذلك السماء لشدة هول ذلك اليوم وفزعه. وقوله تعالى :﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ أي تنشق عن الغمام، فتبقى بلا غمام كقوله :﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق: ١]. وجائز أن يكون قوله :﴿بالغمام﴾ أي يبقى الغمام فوق رؤوس الخلائق يظلهم. وهذا يدل على أن قوله ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠] إنما معناه : بظلل من الغمام. فإن كان على هذا فيرتفع الاشتباه، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: و.. ٢ - في الأصل وم: و.. ٣ - في الأصل وم: و.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - من م، ساقطة من الأصل.. ٦ - من م، ساقطة من الأصل..

الفرقان 25:26

وصف مرة بالهباء المنثور، ومرة كالعهن المنفوش، ومرة كثيبًا مهيلا، ومرة قال: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) الآية، ونحوه من الأوصاف التي وصفها، وذلك في أوقات مختلفة، تكون في كل وقت على حال ووصف الذي وصف؛ فعلى ذلك السماء لشدة هول ذلك اليوم وفزعه. وقوله: (تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) أي: تنشق عن الغمام فتبقى بلا غمام؛ كقوله: (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ). وجائز أن يكون قوله: (تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) أي: يبقى الغمام فوق رءوس الخلائق يظلهم، وهذا يدل أن قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) إنما معناه: بظلل من الغمام؛ فإن كان على هذا فيرتفع الاشتباه، واللَّه أعلم. وقوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) يحتمل إضافة ملك ذلك اليوم إليه، وإن كان الملك له في جميع الأيام في الدنيا والآخرة - وجوهًا: أحدها: لما أن ملك الآحنرة ملك دائم باق بلا فناء له، وملك الدنيا جعله فانيا لا دوام ولا بقاء له. والثاني: لما يقر له جميع الخلائق بالملك له في ذلك اليوم، وإن لم يقر له البعض بملك الدنيا. والثالث: لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وإن كان له منازع في الدنيا. أو أن يكون المقصود بخلق هذا العالم في ذلك اليوم يظهر للخلق، ويومئذ يعلم كل أن خلقهم في الدنيا لذلك اليوم كان، لا للدنيا خاصة. وقوله: (لِلرَّحْمَنِ): ذكر هنا الرحمن، وقال في آية أخرى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)؛ لتعلم العرب أن الرحمن المذكور في هذه الآية هو اللَّه الذي لا إله إلا هو ذكر في تلك الآية؛ لأن العرب تسمي وتعرف كل معبود: إلها، ولا تعرف الرحمن معبودا ولا تسميه الرحمن، فعرفهم أن اللَّه والرحمن اللذين ذكرهما واحد. وقوله: (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا): ظاهر لا شك فيه فكذلك يكون. وقوله: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) قال بعض أهل التأويل: نزلت الآية في عقبة بن أبي معيط؛ كان يؤاخي رسول الله ويواده، وكان رسول اللَّه يجيبه إذا دعاه إلى طعامه، فدعا يوما رسول اللَّه إلى طعامه

الفرقان 25:27

[ الآية ٢٧ ] وقوله تعالى :﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا﴾ قال بعض أهل التأويل : نزلت الآية في عقبة بن أبي معيط ؛ كان يؤاخي رسول الله ﷺ، ويواده، وكان رسول الله يجيبه إذا دعاه إلى طعامه، فدعا يوما رسول الله إلى طعامه، فقال : لا حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فشهد بذلك، فطعم من طعامه، فبلغ ذلك أبي بن خلف، فأتاه، فقال : صبوت يا عقبة [ إلى محمد ](١) وأجبته إلى ما دعاك إليه، وعيره(٢) على ذلك حتى رجع عقبة عن ذلك، وارتد عن دينه. وفي الحديث طول. فنزلت الآية في شأنه وصنيعه وندامته وحيرته على ما فعل، فقال :﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا﴾ إلى آخر ما ذكر. وذكر أن عقبة، وأبي بن خلف قتلا : أحدهما يوم بدر والآخر يوم أحد [ السيوطي في الدر المنثور ٦/٢٥٠ و٢٥١ ]. ولكن الآية في كل ظالم وكل كافر يكون على ما ذكر. ثم يحتمل قوله :﴿يعض الظالم على يديه﴾ على التمثيل والكناية عن الندامة والحسرة، لأن من اشتدت به الندامة والحسرة والغيظ على شيء، يكاد يعض يديه غيظا منه على ذلك، كما كنى بغلّ اليد عن ترك الإنفاق، وبالبسط عن كثيرة الإنفاق والمجاوزة فيه، وكما كنى بالنبذ وراء الظهر عن ترك الانتفاع وقلة النظر فيه والاكتراث إليه كقوله :﴿نكص على عقبيه﴾ [الأنفال: ٤٨] عن الرجوع ونحوه وقوله :﴿يرُدُّوكمْ على أعْقابكم﴾ [آل عمران: ١٤٩] وقوله :﴿فنَزِلَّ قََدَم بعْد ثُُبُوتها﴾ [النحل: ٩٤] وأمثال هذا على التمثيل والكناية عن الرجوع والثبات والأخذ والترك. فعلى ذلك جائز أن يكون عض الأيدي كناية عن شدة الندامة والغيظ على ما حل به. ويشبه أن يكون على التحقيق تحقيق عض اليد [ إذ ](٣) يجعل الله عقوبته بعضٍّ اليد كما جعل عقوبة أنفسهم بأنفسهم حين(٤) جعل أنفسهم حطبا للنار، يعذبون، ويعاقبون، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا﴾ السبيل الذي دعاه الرسول إليه. ١ - في الأصل وم: محمدا.. ٢ - من م، في الأصل: فعير.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - في الأصل وم: حيث..

الفرقان 25:28

فقال: " لا حتى تشهد أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأني رسول اللَّه "، فشهد بذلك فطعم من طعامه، فبلغ ذلك أبيّ بن خلف فأتاه فقال: صبوت يا عقبة أصدَّقت، محمدًا وأجبته إلى ما دعاك؟!! فعيره على ذلك حتى رجع عقبة عن ذلك، وارتد عن دينه، وفي الحديث طول؛ فنزلت الآية في شأنه وصنيعه وندامته وحسرته على ما فعل، فقال: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا...) إلى آخر ما ذكر. وذكر أن عقبة وأبي بن خلف قتلا: أحدهما يوم بدر، والآخر يوم أحد، ولكن الآية في كل ظالم وكل كافر يكون على ما ذكر. ثبم يحتمل قوله: (يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ) وعلى التمثيل، والكناية عن الندامة والحسرة؛ لأن من اشتد به الندامة والحسرة والغيظ على شيء كاد أن يعض يديه غيظًا منه على ذلك؛ كما كنى بغل اليد عن ترك الإنفاق، وبالبسط عن كثرة الإنفاق والمجاوزة فيه؛ وكما كنى بالنبذ وراء الظهر عن ترك الانتفاع وقلة النظر فيه والاكتراث إليه؛ كقوله: (نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ)، عن الرجوع ونحوه، وقوله: (يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)، وقوله (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا)، وأمثال هذا على التمثيل والكناية عن الرجوع والثبات والأخذ والترك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون عض الأيدي كناية عن شدة الندامة والغيظ على ما حك به. ويشبه أن يكون على التحقيق: تحقيق عض اليد، يجعل اللَّه عقوبته بعض اليد؛ كما جعل عقوبة أنفسهم بأنفسهم؛ حيث جعل أنفسهم حطبا للنار يعذبون ويعاقبون، واللَّه أعلم. وقوله: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا): السبيل الذي دعاه الرسول إليه. (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) يحتمل الإنسان، ويحتمل الشيطان، أي: لم أتخذ الشيطان خليلا، ولم أطعه فيما دعا، أو الإنسان الذي قلده فيما قلده. وقوله: (لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩) يحتمل قوله: (عَنِ الذكْرِ) أي: الشرف الذي يذكر به المرء، أضلني عن ذلك الشرف، أو أضلني عما يذكرني هذا، أو أضلني عن الذكر، أي: عن القرآن: وما فيه من الذكرى، واللَّه أعلم. وقوله: (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) أي: تاركا له متبرئًا منه، يقول كما قال في آية أخرى حكاية عنه: (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ)، ويقول كما قال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ...) الآية، أو أن يكون كما ذكر: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...) الآية. أو أن يكون ذلك الخذلان منه له في الدنيا يمنيه بأماني ويزين له أشياء، ثم لا يوصله إليها.

الفرقان 25:29

[ الآية ٢٩ ] وقوله تعالى :﴿لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني﴾ يحتمل قوله :﴿عن الذكر﴾ الشرف الذي يذكر به المرء ﴿أضلني عن﴾ الشرف ﴿بعد إذ جاءني﴾ أو ﴿أضلني عن الذكر﴾ أي عن القرآن وما فيه من الذكرى، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ أي تاركا له متبرئا منه ؛ يقول كما قال في آية أخرى حكاية عنه :﴿إني بريء منك﴾ [الحشر: ١٦] ويقول كما قال :﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ [إبراهيم: ٢٢] أو يكون كما ذكر :﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض﴾ الآية [العنكبوت: ٢٥] أو يكون ذلك الخذلان [ منه له ](١) في الدنيا [ إذ ](٢) يمنيه بأمان [ ويزين له ](٣) أشياء، ثم لا يوصله إليها. ١ - من، في الأصل: منزله. ٢ - ساقطة من الأصل وم. ٣ - في الأصل وم: ويزينه..

الفرقان 25:30

قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) وقوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: المهجور: هو الذي لا ينتفع ولا يعمل به وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: مهجورًا أي: تركوه مهجورا، أي: متروكا، ويقال: مهجورا أي: كالهذيان، والهجر الاسم يقال: فلان يهجر في منامه، أي: يهذي، وهو بالفارسية " بلايه كفتى ". وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) أي: مثل الذي جعلنا لك من العدو من الكفرة جعلنا لكل نبي من قبلك عدوًّا. ثم العداوة تكون في الدِّين مرة، ومرة في الأنفس وأحوالها. فإن كان العدو عدوا في الدِّين، فجميع الكفرة له أعداء لخلافهم له في الدِّين، ويكون حرف (مِن) صلة، أي: جعلنا لكل نبي المجرمين أعداء. وإن كان على تحقيق (مِن) وإثباتها فالعداوة عداوة في الدِّين والإخوان، وذلك راجع إلى الفراعنة وأضداد الرسل، ما من رسول إلا وله فراعنة وأضداد ينازعونه ويقاتلونه ويهمون قتله. ثم بشر رسوله بالحفظ له والنصر والظفر على أعدائه، وهو قوله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا). وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) ذكر أهل التأويل أن أهل مكة كانوا يأتون رسول اللَّه فيتبعونه ويسألونه ويقولون: يا مُحَمَّد، أتزعم أنك رسول من عند اللَّه، أفلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة؛ كما أنزلت التوراة جملة واحدة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود فقال: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ

الفرقان 25:31

[ الآية ٣١ ] وقوله تعالى :﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين﴾ أي مثل الذي جعلنا لك من العدو من الكفر جعلنا لكل نبي من قبلك عدوا. ثم العداوة، تكون في الدين مرة، ومرة في الأنفس وأحوالها. فإن كان العدو عدوا في الدين فجميع(١) الكفرة له أعداء لخلافهم له في الدين، ويكون حرف : من صلة، أي جعلنا لكل نبي المجرمين أعداء. وإن كان على تحقيق من وإثباتها فالعداوة عداوة في [ الأنفس وأحوالها ](٢) وذلك راجع على الفراعنة وأضداد الرسل : ما من رسول [ إلا ](٣) وله فراعنته، وأضداده، ينازعونه، ويقاتونه [ ويهمون بقتله ](٤). ثم بشر رسوله بالحفظ له والنصر والظفر على أعدائه، وهو قوله :﴿وكفى بربك هاديا ونصيرا﴾. ١ - الفاء ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: الدين والأحوال.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - في الأصل وم: ويهمونه قتله..

الفرقان 25:32

[ الآية ٣٢ ] وقوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة﴾ ذكر أهل التأويل أن أهل مكة كانوا يأتون رسول الله، فيعنتونه، ويسألونه، يقولون : يا محمد أتزعم أنك رسول من عند الله ؟ أفلا أتيتنا بالقرآن جملة كما أنزلت التوراة جملة واحدة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داوود ؟ فقال تعالى :﴿كذلك لنثبت/ ٣٧٧- ب/ به فؤادك ورتلناه ترتيلا﴾ أي بمثل الذين نثبت به فؤادك. ثم يحتمل قوله تعالى :﴿لنثبت به فؤادك﴾ وجهين : أحدهما : أنزلناه متقربا لنثبته في فؤادك، فتحفظه(١)، وتذكره، لأن حفظ الشيء إذا كان سماعه بالتفاريق، كان حفظه أهون وأيسر من حفظه إذا سمع جملة واحدة وخاصة إذا كان الكلام من أجناس وأنواع. والثاني :﴿لنثبت به فؤادك﴾ أي لنثبت بما في القرآن من الحكمة والمعاني فؤادك. ثم يحتمل قوله :﴿فؤادك﴾ أنه يراد به فؤاد من يستمع إليه، ويسمعه. فإن كان هذا فهو كقوله :﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ الآية [الإسراء: ١٠٦] على ما ذكرنا أنه يكون أسرع حفظا وأهون ثباتا من سماعه جملة. [ به ](٢) فؤاده كقوله :﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [ القيامة : ١٦- و١٧ ] وقوله :﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ ﴿إلا ما شاء الله﴾ الآية [ الأعلى : ٦ و٧ ] كان يعجل بحفظه إذا قرئ عليه خوفا أن يذهب، فأخبره أنه يثبت فؤاده(٣)، وينزله بالتفاريق لكي يحفظه ويذكره. ثم إن كان المراد تثبيته في الفوائد، هو ما فيه من الحكمة والمعاني وقراءته على الناس على مكث كذلك، فهو، والله أعلم، ينزله على قدر النوازل والحوائج ليكونوا أحفظ لتلك المعاني وأعرف بمواضعها وتقدير غيرها من النوازل به من أن ينزل جملة في دفعة واحدة، والله أعلم. ١ - الفاء ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - من م، في الأصل: فؤادك..

الفرقان 25:33

فُؤَادَكَ): أي: بمثل الذي نثبت به فؤادك. ثم يحتمل قوله: (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) وجهين: أحدهما: أنزلناه متفرقًا لنثبته في فؤادك تحفظه وتذكره؛ لأن حفظ الشيء إذا كان سماعه بالتفاريق كان حفظه أهون، وأيسر من حفظه إذا سمع جملة واحدة، وخاصة إذا كان الكلام من أجناس وأنواع. والثاني: (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) أي: لنثبت بما في القرآن من الحكمة والمعاني فؤادك. ثم يحتمل قوله: (فُؤَادَكَ) أنه يراد به: فؤاد من يسمع إليه ويسمعه، فإن كان هذا فهو كقوله: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ...) الآية، على ما ذكرنا أنه يكون أسرع حفظًا وأهون ثباتًا من سماعه جملة. وجائز أن يكون أراد فؤاده؛ كقوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧). وقوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) كان يعجل بحفظه إذا قرئ عليه؛ خوفًا أن يذهب، فأخبره أنه يثبت فؤاده وينزله بالتفاريق؛ لكي يحفظه ويذكره. ثم إن كان المراد تثبيته في الفؤاد: هو ما فيه من الحكمة والمعاني وقراءته على الناس على مكث كذلك فهو - واللَّه أعلم - ينزله على قدر النوازل والحوائج؛ ليكونوا أحفظ لتلك المعاني وأعرف بمواضعها، وتقدير غيرها من النوازل بها من أن نزل جملة في دفعة واحدة، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) أي: بصفة يشبهون بها على الخلق إلا جئناك بصفة هي أحق مما أتوا بها هم، فترفع تلك الشبهة عنهم، أعني: عن الخلق. أو أن يقال: ولا يأتونك بصفة هي باطل إلا جئناك بحق - أي: بصفة هي حق - فتبطل تلك وتضمحل. (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) أي: بيانًا من الأول؛ على التأويل الأول، وعلى التأويل الثاني ظاهر لا شك أنه أحسن وأحق. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) أي: أنزلنا بعضه بعد بعض، وعلى أثر بعض، لم ننزله في مرة واحدة؛ وكذلك قال في قوله: (وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا).

الفرقان 25:34

وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) أي: بيناه تبيانا. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)، قال: لا يخاصمونك بشيء ولا يجادلونك إلا جئناك بالحق -يعني: القرآن- (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)، يقول: جئناك بالقرآن بأحسن مما جاءوا به تفسيرا، وهو قريب مما ذكرنا بدءًا. وفي حرف حفصة: (إلا جئناك بأحق منه وأحسن تفسيرا)، وهو شبيه ببعض التأويلات التي ذكرناها. وقوله: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) يشبه أن يكون ذكر هذا على مقابلة سبقت، وإلا على الابتداء لا يستقيم ذكره؛ فجائز أن يكون ذكره على مقابلة قوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا...) الآية، هذا ذكر مقام أهل الجنة، فذكر مقابل ذلك مكان أهل النار، فقال: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) أي: شر مكانا في الآخرة، وأضل سبيلا في الدنيا، ويكون مقابل قوله: (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)، فقال (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا)، من الذين آمنوا، بل مقامهم الجنة -أعني: المؤمنين- ومقام الكفرة النار، فهم شر مكانًا منهم. وفي بعض الأخبار: أن رجلا قال: يا نبي اللَّه، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: " إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه ". * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي: التوراة، (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا): ذكر هاهنا أنه كان وزيرا له، وذكر في آية أخرى: (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ)، وفي آية أخرى: أنه كان نبيًّا حيث قال: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا)، فكان ما ذكر ذلك كله نبيًّا ورسولا، وكان له وزيرا، والوزير هو العون والعضد، فإنه قال: (وَجَعَلْنَا مَعَهُ

الفرقان 25:35

[ الآية ٣٥ ] وقوله تعالى :﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ أي التوراة ﴿وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا﴾ ذكر ههنا أنه كان وزيرا له، وذكر في آية أخرى :﴿فأتيناه فقولا إنا رسولا ربك﴾ [طه: ٤٧] وفي آية أخرى :﴿إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا﴾ [مريم: ٥١] حين(١) قال :﴿ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا﴾ [مريم: ٥٣]. فكان [ في ](٢) ما ذكر ذلك كله نبيا ورسولا. وكان له وزيرا، والوزير هو العون والعضد، كأنه قال : وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا عونا وعضدا كقوله :﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ ﴿هارون أخي﴾ ﴿اشدد به أزري﴾ ﴿وأشركه في أمري﴾ [ طه : ٢٩ و٣٢ ] سأل ربه المعونة له والإشراك في أمره. وقال :﴿فأرسله معي ردءا يصدقني﴾ [القصص: ٣٤]. وقال الزجاج : الوزير هو الذي يلتجأ إليه في النوائب، ويعتصم بأمره، وهو واحد. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - ساقطة من الأصل و م..

الفرقان 25:36

أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا) أي: عونا وعضدا؛ كقوله: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي)؛ لأنه سأل ربه المعونة له والإشراك في أمره، وقال: (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي). وقال الزجاج: الوزير هو الذي يلجأ إليه في النوائب ويعتصم بأمره؛ وهو واحد. وقوله: (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) أي: أهلكناهم إهلاكا. وقوله: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ... (٣٧) جائز أن يكون قوله: (لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ) نوحًا خاصة؛ لأنه ذكر قوم نوح، فإن كان ذلك، ففيه دلالة جواز تسمية الواحد باسم الجماعة. وجائز أن يكون نوح دعاهم إلى الإيمان وتصديق الرسل، فكذبوه وكذبوا الرسل جميعًا، واللَّه أعلم. وقوله: (أَغْرَقْنَاهُمْ): لم يغرقهم على أثر تكذيبهم إياه، ولكن إنما أغرقهم بعدما دعاهم ألف سنة إلا خمسين عامًا. وقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً): يحتمل قوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً) أي: آية للمكذبين والمصدقين، لما بين حكمه في المكذبين منهم: الإهلاك والاستئصال، وفي المصدقين منهم: النجاة والخلاص منه، فذلك آية لكل مكذب ومصدق؛ لما إليه يئول عاقبة أمرهم: عاقبة المكذبين: الإهلاك، وعاقبة المصدقين: النجاة. فَإِنْ قِيلَ: إنهم جميعًا قد هلكوا المصدقون منهم والمكذبون، قيل: أهلك المكذبون منهم إهلاك عقوبة وتعذيب، والمصدقون هلاكهم بانقضاء آجالهم لا هلاك عقوبة. ثم ذكر: (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً) فمعنى جعل أنفسهم آية ما ذكرنا. وقال في آية أخرى: (وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) أي: السفينة. قَالَ بَعْضُهُمْ: جعل السفينة آية؛ لأن من طبع السفن أنها إذا امتدت الأوقات وطال الزمان أنها تفسد وتتلاشى، وهي بعد باقية كما هي -أعني: سفينة نوح- لكن ذلك لا يعلم أنه كما ذكر أو لا، فالوجه فيه ما ذكرنا. وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا): هكذا جزاء كل ظالم -ظلم كفر وشرك- أن يعد له العذاب الأليم.

الفرقان 25:37

[ الآية ٣٧ ] وقوله تعالى :﴿وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم﴾ جائز أن يكون قوله :﴿لما كذبوا الرسل﴾ [ أراد به ](١) نوحا خاصة لأنه ذكر قوم نوح. فإن كان ذلك ففيه دلالة جواز تسمية الواحد باسم الجماعة، وجائز أن يكون نوح دعاهم إلى الإيمان [ بالله تعالى ](٢) وبجميع الرسل، فكذبوه، وكذبوا الرسل جميعا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿أغرقناهم﴾ لم يغرقهم على إثر تكذيبهم إياه، ولكن إنما أغرقهم بعد ما دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما. وقوله :﴿وجعلناهم للناس آية﴾ يحتمل قوله :﴿وجعلناهم للناس آية﴾ أي آية للمكذبين والمصدقين ] لما بين حكمه : في المكذبين ](٣) منهم الإهلاك والاستئصال، وفي المصدقين منهم النجاة [ والخلاص. فذلك آية لكل مكذب ومصدق لما إليه تؤول عاقبة أمرهم : عاقبة المكذبين الإهلاك، وعاقبة المصدقين النجاة ](٤). فإن قيل : إنهم جميعا، قد هلكوا : المصدقون منهم والمكذبون قيل : أهلك المكذبون منهم إهلاك عقوبة وتعذيب [ وهلاك المصدقين ](٥) بانقضاء آجالهم لا هلاك عقوبة. ثم ذكر ﴿وجعلناهم للناس آية﴾ فمعنى جعل أنفسهم آية ما ذكرنا. وقال آية أخرى ﴿وجعلناها آية للعالمين﴾ [العنكبوت: ١٥] أي السفينة. قال بعضهم : جعل السفينة آية لأن من طبع السفن أنها إذا امتدت الأوقات، وطال الزمان، تفسد(٦)، وتتلاشى، وهي بعد باقية كما هي ؛ أعني سفينة نوح. لكن ذلك لا يعلم أنه كما ذكر أو : لا. فالوجه فيه ما ذكرنا. وقوله تعالى :﴿وأعتدنا للظالمين عذابا أليما﴾ هكذا جزاء كل ظالم ظلم كفر وشرك أن يعد له العذاب الأليم. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - من م، ساقطة من الأصل.. ٤ - من م، ساقطة من الأصل.. ٥ - في الأصل م: والمصدقين.. ٦ - أدرج قبلها في الأصل وم: أنها..

الفرقان 25:38

وقوله: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) أخبر أنه أهلك هَؤُلَاءِ كلهم بالتكذيب: عادا وهم قوم هود، وثمودا وهم قوم صالح، وأصحاب الرس: قال بعضهم: سموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في بئر، أي: رسوه فيها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الرس: هو اسم لبئر كانوا نزولا عليها، فبعث إليها شعيبًا فكذبوه، فسموا بذلك ونسبوا إلى تلك البئر. وعن ابن عَبَّاسٍ: أنه سأل كعبًا عن أصحاب الرس فقال: إنكم معاشر العرب تدعون البئر: رسا، والقبر: رسا، وتدعون الخد: رسا، فخدوا خدودًا في الأرض فأوقدوا فيها النيران للرسولين اللذين ذكر اللَّه في يس: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩) أي: ذكرنا لأهل مكة أمثال من تقدم منهم من الأمم من المكذبين والمصدقين، وما حل بهم وما إليه آل عاقبة أمورهم بالتكذيب، حيث قال: (وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) أي: أهلكنا إهلاكا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (تَبَّرْنَا) أي: كسرنا بالنبطية، يقول أحدهم للشيء إذا أراد أن يكسره: أتبره. وقوله: (وَلَقَدْ أَتَوْا... (٤٠) يعني واللَّه أعلم: أهل مكة، (عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ): وهي الحجارة، يعني - واللَّه أعلم -: قريات لوط، أي: يمر عليهم أهل مكة في تجارتهم ويأتونها؛ وهو كما قال في الصافات: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ...). (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا): ما حلَّ بهم بالتكذيب فيعتبروا، (بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا) أي: بعثًا بعد الموت وإحياء، أي: إنما كذبوا الرسل؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث ولا يخافون نشورا. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ

الفرقان 25:39

[ الآية ٣٩ ] وقوله تعالى :﴿وكلا ضربنا له الأمثال﴾ أي ذكرنا لأهل مكة أمثال من تقدم منهم من الأمم، من المكذبين والمصدقين وما حل بهم وما إليه آلت عاقبة أمورهم بالتكذيب حتى(١) قال :﴿وكلا تبرنا تتبيرا﴾ أي أهلكنا إهلاكا. وقال بعضهم : تبرنا أي كسرنا بالنبطية ؛ يقول أحدهم [ عن الشيء ](٢) إذا أراد أن يكسره : أتبره. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - في الأصل وم: للشيء..

الفرقان 25:40

[ الآية ٤٠ ] وقوله تعالى :﴿ولقد أتوا على القرية﴾ يعني، والله أعلم، أهل مكة ﴿التي أمطرت مطر السوء﴾ وهي الحجارة ؛ يعني، والله أعلم، قريات لوط أي /٣٧٨-أ/ يمر عليها(١) أهل مكة في تجارتهم، ويأتونها، وهو كما قال في الصافات :﴿وإنكم لتمرون عليهم مُّصبحين﴾ [ الآية : ١٣٧ ]. [ وقوله تعالى ](٢) :﴿أفلم يكونوا يرونها﴾ ما حل بهم بالتكذيب فيعتبروا، ﴿بل كانوا لا يرجون نشورا﴾، أي بعثا بعد الموت وإحياء. إنما كذبوا الرسل لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ولا يخافون نشورا. ١ - في الأصل وم: عليهم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم..

الفرقان 25:41

يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) وقوله: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) كانوا إذا رأوه هزئوا به، إذا خلا بعضهم إلى بعض يقولون فيما بينهم: أبعث اللَّه بشرًا رسولا، هكذا كانت عادة الكفرة يهزءون به إذا حضروه، وإذا غابوا عنه قالوا ما ذكر. وقوله: (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) في قوله: (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا) دلالة أنه إنما أراد أن يضلهم عن عبادتهم الأصنام بالحجج والآيات؛ إذ ليس في وسع النبي صرفهم ومنعهم عن ذلك إلا من وجه لزوم الآيات والحجج، إلا أنهم رفضوا تلك الآيات والحجج، وكابروها وثبتوا على عبادة الأصنام والأوثان، وإلا علموا -من جهة الآيات والحجج التي أقامها عليهم- أنه على الحق، وأنهم على باطل. ثم قوله: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا) أي: يعلمون حين لا يقدرون على الجحود والإنكار إذا أنزل بهم العذاب، ووقع: من أضل سبيلا هم أو المؤمنون؟ لأنهم وإن علموا بالآيات والحجج أنه على الحق، وأنهم على باطل، وعلموا الموعود من العذاب فأخبر أنهم يعلمون عند وقوعه بهم علما لا يقدرون على جحوده ولا إنكاره؛ كقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) وهذه الآية، وقوله: (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، وقوله: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا)، وأمثال ذلك إذا عاينوا الموعود في الدنيا يقرون به لا يقدرون على الجحود؛ فكذلك قوله: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) علما لا يقدرون على الإنكار والجحود (حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا). وقوله: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) قَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم كانوا يعبدون أشياء حجرًا أو غيره، فإذا رأوا أحسن منه في رأي العين والمنظر، تركوا عبادة ذاك، وعبدوا ما هو أحسن منه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كلما هوت أنفسهم شيئًا عبدوه، وكلما اشتهوا شيئًا أتوه، لا يحجزهم عن ذلك ورع ولا تقوى لله. ويحتمل وجهين آخرين سوى ما ذكر هَؤُلَاءِ: أحدهما: تركوا عبادة الإله الذي قامت الحجج والآيات بألوهيته وربوبيته، ولزموا

الفرقان 25:42

[ الآية ٤٢ ] [ وهو ](١) قوله تعالى :﴿إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها﴾. [ وفي ](٢) قوله تعالى :﴿إن كاد ليضلنا عن﴾ عبادة ﴿آلهتنا﴾ دلالة أنه إنما أراد أن يضلهم عن عبادتهم الأصنام بالحجج والآيات ؛ إذ ليس في وسع النبي صرفهم ومنعهم عن ذلك إلا من وجه لزوم الآيات والحجج [ إلا أنهم عاندوا تلك الآيات والحجج ](٣) وكابروها، وثبتوا على عبادة الأصنام والأوثان. وإلا علموا من جهة الآيات والحجج التي أقامها عليهم أنه على الحق وأنهم على باطل. ثم قوله تعالى :﴿وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا﴾ أي يعلمون حين لا يقدرون على الجحود والإنكار إذا نزل بهم العذاب، ووقع ﴿من أضل سبيلا﴾ هم أو المؤمنون لأنهم(٤) علموا بالآيات والحجج أنه على حق وأنهم على باطل وعلموا الموعود من العذاب. فأخبر أنهم يعلمون عند وقوعه بهم علما، لا يقدرون على جحوده ولا إنكاره كقوله :﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾ [غافر: ٨٤] وهذه الآية وقوله :﴿أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون﴾ [السجدة: ١٢] وأمثال ذلك إذا عاينوا الموعود في الدنيا يقرون به، لا يقدرون على الجحود ؛ فكذلك قوله :﴿وسوف يعلمون﴾ [ علما ](٥) لا يقدرون على الإنكار والجحود ﴿حين يرون العذاب من أضل سبيلا﴾. ١ - في الأصل وم: و.. ٢ - في الأصل وم: و.. ٣ - من م، ساقطة من الأصل.. ٤ - أدرج بعدها في الأصل وم: وإن.. ٥ - من، ساقطة من الأصل..

الفرقان 25:43

[ الآية٤٣ ] وقوله تعالى :﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ قال بعضهم : إنهم كانوا يعبدون أشياء : حجرا وغيره. فإذا رأوا أحسن منه في رأي العين والمنظر تركوا عبادة ذلك، وعبدوا ما هو أحسن منه. وقال بعضهم : كلما هوت أنفسهم شيئا عبدوه، وكلما اشتهوا شيئا أتوه، لا يحجرهم عن ذلك ورع ولا تقوى الله. ويحتمل وجهين آخرين سوى [ ما ](١) ذكر هؤلاء : أحدهما : تركوا عبادة الإله الذي قامت الحجج والبراهين بألوهيته وربوبيته، ولزموا عبادة من لم تقم له الآيات والحجج بذلك بهواهم. والثاني : أنهم عبدوا [ ما عبدوا ](٢) من الأصنام بلا أمر كان لهم بالعبادة [ إذ ](٣) لابد من أمر [ يأتمرون به ](٤) بل عبدوا بهواهم أو كلام نحو هذا. وقوله تعالى :﴿أفأنت تكون عليه وكيلا﴾ أي لستَ أنت بوكيل ومسلَّط عليهم، ولا حافظ، أي لا تسأل أنت عن أعمالهم، ولا تحاسَبُ عليها، بل هم المسؤولون عنها، وهم مُحاسبون عليها كقوله :﴿ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾ [الأنعام: ٥٢] وكقوله :﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل﴾ الآية [النور: ٥٤] والله أعلم. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - من م، ساقطة من الأصل.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - في الأصل وم: يؤتمر به..

الفرقان 25:44

عبادة من لم يقم له الآيات والحجج بذلك بهواهم. والثاني: أنهم عبدوا ما عبدوا من الأصنام بلا أمر كان لهم بالعبادة؛ لا بد من أمر يؤتمر بها، بل عبدوا بهواهم، أو كلام نحو هذا. وقوله: (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) أي: لست أنت بوكيل ولا مسلط عليهم ولا حافظ، أي: لا تسأل أنت عن أعمالهم ولا تحاسب عليها، بل هم المسئولون عنها، وهم محاسبون عليها؛ كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)؛ وكقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ...) الآية، واللَّه أعلم. وقوله: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) قوله: (أَمْ تَحْسَبُ) إن كان في الظاهر استفهامًا، فهو في الحقيقة على الإيجاب، وهكذا كل استفهام من اللَّه يخرج على الإيجاب أو على النهي؛ كأنه قال: قد حسبت أكثرهم يسمعون أو يعقلون، أي: لا ينتفعون بما يعقلون. (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: كالأنعام لأن همتهم ليست إلا كهمة الأنعام، وهو الأكل والشرب، ليست لهم همة سواه، ليس للأنعام همة العاقبة، فعلى ذلك الكفرة فهم كالأنعام من هذه الجهة. وقوله: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ): قال قائلون: قوله: (أَضَلُّ) لأن الأنعام تعرف ربها وخالقها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه. أو هم أضل لأنهم ينسبون إلى اللَّه ما لا يليق به من الولد والشريك، ويشركون غيره في العبادةِ والأنعامُ لا، فهم أضل. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم أضل؛ لأن الأنعام إذا هديت الطريق اهتدت، وهم يهدون ويدعون إلى الطريق فلا يهتدون ولا يجيبون فهم أضل. أو أن يقال: هم أضل لأنهم يَضلون وُيضلون غيرهم ويمنعونهم عن الهدى، والأنعام لا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وقوله: (أَلَمْ تَرَ): قد ذكرنا في غير موضع أن حرف (أَلَمْ تَرَ) هو حرف تعجب واستفهام، لكن في الحقيفة على الإيجاب، أي: قد رأيت.

الفرقان 25:45

[ الآية ٤٥ ] وقوله تعالى :﴿ألم تر﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن حرف ﴿ألم تر﴾ هو حرف تعجيب واستفهام، لكنه(١) في الحقيقة على الإيجاب ؛ أي قد رأيت. وقوله تعالى :﴿ألم تر إلى ربك﴾ أي إلى تدبير ربك ولطفه(٢) :﴿كيف مد الظل﴾ وهو لا يؤذي، ولا يضر، ولا يمس ولا يشعر به أحد، ولا يخف، ولا يستر، ولا يكشف عن وجود الأشياء. [ إنما النور ](٣) هو الكاشف عن وجوه الأشياء، والظلمة هي الساترة لذلك. ونحو ذلك مما يكثر ذكره مما يحيط بالخلائق كلها ليعمل أن [ من ](٤) المحسوسات التي تقع عليها الحواس ما لا تدرك حقيقته : من نحو الظل الذي ذكرنا. هو ما [ لا ](٥) تدرك حقيقته، ومن نحو السمع والبصر والعقل والنطق ليعلم أن الذي سبيل معرفته الاستدلال، وهو منشئ هذه الأشياء، أحق ألا يدرك، ولا يحاط بتدبيره ولطفه، ليعلم أن من بلغ تدبيره ولطفه هذا المبلغ، لا يحتمل أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء ؛ يخبر عن قدرته و تدبيره ولطفه ليعلم أنه قادر ومدبر [ ولطيف بذاته ](٦). وقوله تعالى :﴿ولو شاء لجعله ساكنا﴾ أي دائما(٧)، لا يذهب أبدا، ولا تصيبه الشمس، ولا يزول. وقال بعضهم :﴿ساكنا﴾ أي مستقرا دائما، لا تنسخه الشمس كظل الجنة. وقوله تعالى :﴿ثم جعلنا الشمس عليه دليلا﴾ [ قال بعضهم : أي تليه، وتتبعه، حتى تأتي على كله. وقال بعضهم : قوله :﴿ثم جعلنا الشمس عليه دليلا﴾ ](٨) يقول : حيثما [ تكن الشمس يكن ](٩) الظل. وأصله : أنه بالشمس يعرف الظل أن ظل، ولولا الشمس ما عرف الظل. فهي دليل معرفته وكونه أنه ظل. ١ - في الأصل وم: لكن.. ٢ - أدرج بعدها في الأصل وم: أن.. ٣ - من م، ف يالأصل: والظلمة.. ٤ - من م، ساقطة من الأصل.. ٥ - من م، ساقطة من الأصل.. ٦ - في الأصل وم: بذاته لطيف.. ٧ - في الأصل وم: دائبا.. ٨ - من م، ساقطة من الأصل.. ٩ - في الأصل: يكون، في م: تكون الشمس يكون..

الفرقان 25:46

وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) أي: إلى تدبير ربك ولطفه أن كيف مد الظل، وهو لا يؤذي ولا يضر ولا يحس، ولا يشعر به أحد بكونه فيه ولا يثقل ولا يخف، ولا يستر ولا يكشف عن وجوه الأشياء، إنما النور هو الكاشف عن وجوه الأشياء، والظلمة هي الساترة لذلك، ونحو ذلك ما يكثر ذكره مما يحيط بالخلائق كلها؛ ليعلم أن من المحسوسات التي يقع عليها الحواس ما لا يدرك حقيقة من نحو الظل الذي ذكرنا هو ما لا يدرك حقيقة، ومن نحو السمع والبصر والعقل والنطق باللسان، ونحو ذلك من المحسوسات؛ ليعلم أن الذي سبيل معرفته الاستدلال وهو منشئ هذه الأشياء - أحق ألا يدرك ولا يحاط بتدبيره ولطفه؛ وليعلم أن من بلغ تدبيره ولطفه هذا المبلغ لا يحتمل أن يعجزه شيء أو يخفى عليه شيء؛ يخبر عن قدرته وتدبيره ولطفه؛ ليعلم أنه قادر ومدبر بذاته لطيف. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) أي: دائبًا لا يذهب أبدًا، ولا تصيبه الشمس ولا يزول. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (سَاكِنًا) أي: مستقرا دائمًا لا تنسخه الشمس كظل الجنة. وقوله: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: تتلوه وتتبعه حتى تأتي على كله. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) يقول: حيثما تكون الشمس يكون الظل، وأصله: أنه بالشمس يعرف الظل أنه ظل، ولولا الشمس ما عرف الظل، فهو دليل معرفته وكونه أنه ظل. وقوله: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: هَيِّنًا خفِيًّا، وأصله: أنه يقبض بالشمس الظل وينسخه شيئًا فشيئًا، حتى تأتي على كله. وقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا... (٤٧) قيل: سكنا يسكن فيه الخلائق. وقيل: لباسا، أي: سترًا. (وَالنَّوْمَ سُبَاتًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: راحة، يقال: سبت الرجل يسبت سباتا فهو مسبوت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أصل السبت: التمدد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: سبت الرجل إذا نعس. وقيل: رجل مسبوت: لا يعقل كأنه مسبت.

الفرقان 25:47

[ الآية ٤٧ ] وقوله تعالى :﴿وهو الذي جعل لكم الليل لباسا﴾ قيل : سكنا، يسكن فيه الخلائق، وقيل :﴿لباسا﴾ أي سترا ﴿والنوم سباتا﴾ قال بعضهم : أي راحة ؛ يقال : سبت الرجل، يسبت سباتا، فهو مسبوت. وقال بعضهم : أصل السبت التمدد. وقال بعضهم : سبت الرجل إذا نعس. وقيل : رجل مسبوت، لا يعقل، كأنه ميت ﴿وجعل النهار نشورا﴾. فمن جعل السبات النوم جعل قوله :﴿النهار نشورا﴾ أي حياة يحيون فيه، ومن يقول : السبات راحة يجعل قوله ﴿النهار نشورا﴾ ينتشر فيه للمعاش والكسب وابتغاء الرزق. وقال بعضهم : يذكر نعمه ومننه على عباده ليستأدي شكره. وقال أبو معاذ : قال مقاتل : ؟ ﴿مد الظل﴾ يعني الفيء من أول وقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وأخطأ ؛ ولا يسمى ذلك الظل فيئا. وقال الكسائي : العرب، تقول : الظل من حين يصبح إلى انتصاف النهار، فإذا زالت الشمس من كبد السماء، فما خرج من ظل فذلك الفيء، ويقال : الفيء الظل، ولا يقال : الظل الفيء قبل الزوال.

الفرقان 25:48

(وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا): فمن جعل السبات: النوم، جعل قوله: (النَّهَارَ نُشُورًا) أي: حياة يحيون فيه. ومن يقول: السبات: راحة، يجعل النهار نشورا: ينشر فيه للمعاش والكسب وابتغاء الرزق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يذكر نعمه ومننه على عباده؛ لتأدي شكره. وقال أبو معاذ: قال مقاتل: (مَدَّ الظِلَّ) يعني: الفيء من أول وقت صلاة الفجر إلى طلوع الشمس. وأخطأ؛ لا يسمى ذلك الظل: فيئًا. وقال الكسائي: العرب تقول: الظل من حين تصبح إلى انتصاف النهار، فإذا زالت الشمس عن كبد السماء فما خرج من ظل فذلك الفيء ويقال للفيء: الظل، ولا يقال للظل: فيء قبل الزوال. وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نُشْرًا (١)... (٤٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: (نُشْرًا) أي: حياة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (نُشْرًا) للسحاب: تنشره، أي: تبسطه. وعلى التأويل الأول ننشرها، أي: نحييها. وقوله: (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أي: بين يدي المطر، سمي المطر: رحمة؛ لما برحمته يكون؛ وكذلك ما سمى الجنة: رحمة؛ لأنها برحمة ما يدخل من دخل فيها. وقوله: (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ): هذا يدل أنه لا يفهم باليد: اليد المعروفة التي هي الجارحة، حيث ذكر للمطر ذلك ولا يعرف -أعني: اليد- ليعلم أنه لا يفهم من قوله: بيد اللَّه، بين يدي اللَّه - ذلك، وباللَّه العصمة. وقرأ بعضهم: (بُشْرًا) بالباء، وهو من البشارة؛ كقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ)، أي: تبشرهم بالرحمة والسعة، واللَّه أعلم. وقوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) أي: ما يطهر به الأنجاس والأقذار الظاهر منها والباطن؛ وكذا الطهور أنه يطهر حيثما أصابه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) قَالَ بَعْضُهُمْ: الأناسي: جمع إنسي. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي جمع إنسان، وأصله بالنون (أناسين)، لكن أبدلت النون ياء. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: أَنَاسِيَّ مشددة، يعني: أناس، وأناسي جماعة الإنسان على (١) قال السمين: وأمَّا «بُشْراً» فقرأه في هذه السورة وحيث ورد في غيرها من السور نافع وأبو عمرو وابن كثير بضم النون والشين، وهي قراءةُ الحسن وأبي عبد الرحمن وأبي رجاء بخلافٍ عنهم وشيبة بن نصاح والأعرج وعيسى بن عمر وأبي يحيى وأبي نوفل الأعرابيين. وقرأ ابنُ عامر بضمِّ النون وسكون الشين وهي قراءةُ ابن عَبَّاسٍ وزر ابن حبيش ويحيى بن وثاب والنخعي وابن مصرف والأعمش ومسروق. وقرأ الأخَوان: «نَشْراً» بفتح النون وسكون الشين. وقرأ عاصم: «بُشْراً» بالباء الموحدة مضمومةً وسكونِ الشين، وهو جمعُ بشيرة كنذيرة ونُذُر. اهـ باختصار (الدر المصون للسمين ٥/ ٣٤٦ - ٣٤٩). (مصحح النسخة الإلكترونية).

الفرقان 25:49

[ الآية ٤٩ ] وقوله تعالى :﴿لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا﴾ [ فيه لغتان : أسقى، وسقى : بالألف وبغير الألف(١) يقال : سقى به حرثه وماشيته، وأسقيته(٢) أي ناولته ما يشرب، وهو قول القتبي وأبي عوسجة ](٣). وقوله(٤) تعالى :﴿وأناسي كثيرا﴾ قال بعضهم : الأناسي جمع إنسي، وقال بعضهم : هو جمع إنسان ؛ وأصله بالنون : أناسين، لكن أبدلت النون ياء. وقال أبو عوسجة والقتبي ﴿وأناسي﴾ مشددة ؛ يعني آناسا(٥). وأناسي جماعة الإنسان على ما ذكرنا. ثم يحتمل قوله :﴿ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا﴾ أي نسقيه من الماء الطهور المنزل من السماء كثيرا من الأنعام وكثيرا من الآناس وكثيرا مما يسقى من المياه المنزعة من الأرض. ١ - انظر معجم القراءات القرآنية ٤/٢٨٩.. ٢ - في الأصل: وسقيته.. ٣ - ساقطة من م.. ٤ - الواو ساقطة من م.. ٥ - في الأصل وم: أناسي..

الفرقان 25:50

ما ذكرنا. ويحتمل قوله: (وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا)، أي: نسقيه من الماء الطّهور والمنزل من السماء كثيرًا من الأنعام، وكثيرًا من الإناس، وكثيرا ما يسقى من المياه المنتزعة من الأرض. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وقوله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا)، أي: صرفنا المطر والسحاب بينهم يمطر في مكان، ويسوق السحاب إلى مكان ولا يسوق إلى مكان آخر؛ كقوله: (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ...) الآية؛ وكقوله: (فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ) الآية. يذكرهم في هذه الآيات من قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) إلى قوله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ) ليذكروا تدبيره وقدرته وحكمته ونعمه؛ أما تدبيره: حيث ترى السحاب في موضع ولا تراه في موضع، وتراه منبسطًا في الآفاق ثم يمطر في موضع آخر، ولا يرسل في مكان ويرسل في مكان آخر؛ ليعلم أنه عن تدبير كان هكذا لا بالطبع؛ لأنه لو كان بالطبع كان ذلك لكان لا جائز أن يمطر في مكان ويترك في مكان آخر، دل أنه بالتدبير كان ما كان وبالأمر. وأما قدرته: فما ذكر من إحياء الأرض الميتة بعد موتها، وإماتتها بعد حياتها مما يعلم كل أحد حياتها وموتها، ويقر بذلك، فمن قدر على هذا قادر على إحياء الموتى بعد الموت، ولا يعجزه شيء. وأما حكمته: أن ما خلق مما ذكر وأنشأه لم ينشئه عبثًا، يمهلهم لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم بشيء، ولا يجعل لهم عاقبة يثابون ويعاقبون، ولا يستأدي بهم شكر ما أنعم عليهم من أنواع النعم مما يعجز عقولهم عن إدراكه، ويقصر أفهامهم عن تقدير مثله؛ ليعلم أنه قادر بذاته لا يعجزه شيء. ثم قال: (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) قال الكسائي: الكُفور برفع الكاف: الكفر، والكَفور -بفتح الكاف-: الكافر، والشُّكور -بضم الشين-: الشكر، والشَّكور -بفتح الشين-: الشاكر وهو المؤمن؛ فيكون تأويله: فأبي أكثر الناس إلا كفرا باللَّه وتكذيبا لنعمه؛ بصرفهم العبادة إلى غيره ولتفاؤلهم وتطيرهم أن هذا من نوء كذا، واللَّه أعلم.

الفرقان 25:51

وقوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لو شئنا لرفعنا عنك، يعني: ما حملنا عليك من المؤن من مؤنة التبليغ والقيام بذلك، وحملنا غيرك؛ فيكون عليك أيسر وأهون من القيام بالكل. والثاني: لو شئنا لجعلنا غيرك -أيضًا- أهلا للرسالة وموضعًا لها في زمانك وحينك، فبعثناه في بعض القرى والمدن، لكنا لم نجعل غيرك أهلا لها، وخصصناك لها من بين غيرك من الناس؛ فهو على الامتنان يخرج والاختصاص له. ثم لا يخلو ذلك من أن يكون فيهم من يصلح للرسالة، ويصلح أن يكون أهلا لها وموضعًا، فلم يرسل، أو كان لم يكن فيهم من يصلح لذلك؛ فيكون تأويله: لو شئنا لجعلنا فيه من يصلح للرسالة، ويصلح أن يكون أهلا لها وموضعًا، فأي الوجهين كان، فهو ينقض على المعتزلة قولهم؛ لأنه إن كان فيهم من يصلح لها وأرسل كان أصلح له فلم يرسل، فقد ترك ما هو أصلح له وأخير، أو أن يكون لا يصلح فيهم أحد لذلك، لكنه يملك أن يصلحه ويجعله أهلا لها، فهو أصلح له وأخير ثم لم يفعل؛ دل أن له ألا يفعل الأصلح والأخير في الدِّين. وقوله: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجوز للرسل النبذ والامتناع عن التبليغ إليهم والقيام بمجاهدتهم، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك؛ حيث قال: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)، ولم يكن معهم يومئذ إلا قليل ممن اتبعه؛ إذ كان ذلك بمكة؛ لأن سورة الفرقان فيها نزلت. والثاني: فيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أمر بالخلاف لهم، والقيام بمجاهدتهم بالحجج والآيات، وهم يعلمون ألا يكون في وسع واحد القيام لذلك لأمثالهم، وكانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم؛ فعلموا أنه إنما قام لذلك باللَّه لا بنفسه؛ إذ لا يملك واحد القيام لذلك، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا

الفرقان 25:52

[ الآية ٥٢ ] وقوله تعالى :﴿فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا﴾ فيه وجهان : أحدهما : أنه لا يجوز للرسل التقية والامتناع عن التبليغ إليهم والقيام بمجاهدتهم، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك، حين(١) قال :﴿تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا﴾ ولم يكن معه(٢) يومئذ إلا قليل ممن اتبعه، إذ كان ذلك بمكة لأن سورة الفرقان فيها نزلت. والثاني : فيه دلالة إثبات لرسالته لأنه أمر بالخلاف لهم والقيام بمجاهدتهم بالحجج والآيات، وهم يعلمون ألا يكون في وسع واحد القيام لذلك لأمثالهم، وكانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم، فعلموا أنه إنما قام لذلك بالله لا بنفسه، إذ لا يملك واحد القيام لذلك، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - في الأصل وم: معهم..

الفرقان 25:53

وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢) وقوله: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ (٥٣) قَالَ بَعْضُهُمْ: مرج، أي: خلع ماء المالح على ماء العذب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَرَجَ): أرسل البحرين أحدهما عذب والآخر أجاج. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَرَجَ) أي: أفاض أحدهما على الآخر. قال أبو معاذ: العرب تقول: مرجت الدابة إذا خلعتها وتركتها تذهب حيث شاءت، ومرج الوالي الناس من السجون إذا أرسلهم، فإذا رعيت دابة في المروج، قلت: أمرجت دابتي أمرجها إمراجًا، وإنما سمي المرج: مرجًا؛ لأنه متروك للسباع غير معمور، والممرج الذي يرعى دابته في المرج والدابة الممروجة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: مرج البحرين مرجهما، أي: خلطهما فهو مارج، وقال: (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) أي: مختلط، ويقال: مرجت عن كل شيء إذا خلطت، واللَّه أعلم. ثم اختلف في البحرين؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: أحدهما بحر الأرض، والآخر بحر السماء، وجعل بينهما برزخًا، أي: حاجزًا عن أن يختلط أحدهما بالآخر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أحدهما بحر السماء، والآخر بحر تحت الأرض، وجعل بينهما برزخًا وهو الأرض. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بحران على وجه الأرض: أحدهما بحر الروم والآخر بحر الهند. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أحدهما بحر الشام، والآخر بحر العراق: أحدهما مالح أجاج، والآخر عذب، وكان الأجاج هو الذي بلغ في الملوحة غايته، والفرات هو الذي بلغ في العذوبة غايته؛ ذكر منَّتَه وفضله ولطفه؛ حيث لم يخلط أحدهما بالآخر، بل حفظ كلًّا على ما هو عليه إلى أن تقوم الساعة، فعند ذلك يصير الكل واحدا؛ كقوله: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ). ثم إن كان أحدهما بحر السماء والآخر بحر الأرض، وإن كانا بحرين في الهواء، فالحاجز بينهما ليس إلا اللطف؛ وكذلك إن كان الثالث ليعلم أن من قدر على حفظ هذا من هذا بلا حجاب ولا حاجز باللطف، لقادر على إحياء الموتى وبعثهم، ولا يعجزه

الفرقان 25:54

شيء، وله الحول والقوة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: ماء أجاج: شديد الملوحة، ويقال: أجّ الماء يؤجّ أجّا فهو أجاج، ويقال: عاج، أي: ماء روي به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) أي: من النطفة؛ يخبر عن فضله ومنَّته وقدرته ولطفه. أما لطفه وقدرته: فحيث خلق البشر من النطفة، ولو اجتمع جميع حكماء البشر على أن يعرفوا أو يدركوا البشر من النطفة أو يدركوا كيفيته - لم يقدروا على ذلك؛ دل أنه قادر بذاته لطيف لا يعجزه شيء. وأمَّا فضله ومنَّته: فما أخبر أنه جعل لهم نسبًا وصهرا؛ أمّا النسب فيه يتعارفون ويتواصلون ما لولا ذلك ما تعارفوا ولا تواصلوا، وأما الصهر فلما به يتزاوجون ولوادون ويتوالدون؛ كقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً)، وقال: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، يذكر فضله ومنته؛ ليتأدى به شكره؛ ليعلم أن خلق مثل هذا لا يخرج عبثًا باطلا بلا محنة ولا عاقبة، وكأن النسب: ما لا يجري بينهم التناكح والتزاوج، والصهر: ما يحل ويجري بينهم التناكح والتزاوج. وفي حرف حفصة: (وهو الذي خلق من الماء نسبا وصهرا). قال أبو معاذ: الصهر الفتى وآله، والختن: أبو المرأة، والختنة: أم المرأة، والأختان: آل المرأة وأهلها، والأصهار، آل الفتى وأهله. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَصِهْرًا) من المصاهرة، وكلهم أصهار من الجانبين جميعًا، والمعروف عندنا: أنه إنما يسمى قرابة الزوج: أختانًا، وقرابة المرأة أصهارًا، وذلك لسان فهو على ما تعارفوه بينهم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) أي: يعبدون من دون اللَّه ما يعلمون أنه لا ينفعهم في الآخرة إن عبدوه، ولا يضرهم في الدنيا إن تركوا عبادته؛ يذكر سفههم بعبادتهم من يعلمون أنه لا ينفع ولا يضر، وتركهم العبادة لمن ينفعهم إن عبدوه ويضرهم إن تركوا عبادته؛ وهو كما ذكر: (هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ..) الآية، وأمثال ما ذكر في غير آي من القرآن سفه أُولَئِكَ بعبادتهم للأصنام، وتركهم عبادة اللَّه تعالَى. وقوله: (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) أي: تأويله - واللَّه أعلم -: وكان الكافر للكافر ولوليه ظهيرا على من أطاع ربه، يكون بعضهم ببعض عونًا وظهيرًا على أولياء اللَّه، وإلا لا يكون الكافر على اللَّه ظهيرًا، ولكن على أوليائه، ويكون ذكر الرب على إرادة وليه ومن

الفرقان 25:55

[ الآية ٥٥ ] وقوله تعالى :﴿ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم﴾ أي يعبدون الله ما يعلمون أنه لا ينفعهم في الآخرة إن عبدوه، ولا يضرهم إن تركوا عبادته، وهو ما ذكر :﴿هل هن كاشفات ضره﴾ الآية [الزمر: ٣٨] وأمثال ما ذكر في غير آية من القرآن سفه أولئك بعبادتهم للأصنام تركهم عبادة الله تعالى. وقوله تعالى :﴿وكان الكافر على ربه ظهيرا﴾ أي تأويله، والله أعلم. وكان الكافر للكافر ووليه(١) ظهيرا على من أطاع ربه ؛ يكون بعهم لبعض عونا وظهيرا على أولياء الله، وإلا لا يكون الكافر على الله ظهيرا، ولكن على أوليائه. ويكون ذكر الذي على إرادة وليه ومن أطاعه كقوله :﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧] وكقوله :﴿يخادعون الله﴾ [البقرة: ٩] ونحو ذلك مما يراد به أولياؤه لا نفسه. ١ - في الأصل وم: وليه..

الفرقان 25:56

أطاعه؛ كقوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)؛ وكقوله: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ)، ونحو ذلك مما يراد به: أولياؤه لا نفسه. وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) مبشرًا لمن أطاعه، ونذيرًا لمن عصاه. والبشارة: هي الإعلام لما يلحق من السرور والفرح في العاقبة بالأعمال الصالحة. والنذارة: هي الإعلام لما يلحق من المكروه والمحذور في العاقبة بالأعمال السيئة القبيحة. وقوله: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) أي: ما أسألكم على الدِّين الذي أدعوكم إليه من أجر؛ كقوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ)، أي: لا أسألكم أجرًا على ذلك حتى يمنعكم ثقل الغرم عن إجابتي؛ فعلى ذلك قوله: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) كان فيه إضمار، أي: لا أسالكم عليه أجرًا إلا من شاء، ولكن إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربه سبيلا. أو أن يقول: قوله: (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) أي: ولكن من أراد أن يتخذ إلى ربه سبيلا أطاعني وأجابني. ويحتمل قوله: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ) على تبليغ الرسالة إليكم، وما أدعوكم إليه (مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) فيبرني. أو أن يكون قوله: (إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) فيوادني؛ كقوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى). وقوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) أي: توكل على اللَّه، والتوكل: هو الاعتماد عليه بكل أمر. وقوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) أي: نزه ربك وبرئه عن الآفات كلها والعيوب، بثناء تثني عليه وهو التسبيح بحمده. وقال أهل التأويل: أي صل بأمر ربك، لكن التأويل ما ذكرنا. وقوله: (وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) أي: كفى به علما بذنوب عباده، أي: لا أحد أعلم بها منه. وقوله: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا... (٥٩) قد ذكرنا هذا. وقوله: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا): قال قائلون: قوله: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) لما يسأل عنه مُحَمَّد، وذلك أن بعض كفار مكة قالوا: يا مُحَمَّد، إن كنت تعلم الشعر فنحن لك، فقال النبي: " أفشعر هذا؟! إن هذا كلام الرحمن "، فقالوا: أجل لعمر اللَّه إنه لكلام الرحمن

الفرقان 25:57

[ الآية ٥٧ ] وقوله تعالى :﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾ أي ما أسألكم على الدين أدعوكم إليه من أجر كقوله :﴿أم تسألهم أجرا فهم مغرم مثقلون﴾ [الطور: ٤٠] أي لا أسألكم أجرا على ذلك حتى يمنعكم ثقل المغرم عن إجابتي. فعلى ذلك قوله :﴿قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ : كأن فيه إضمارا، أي لا أسألكم عليه أجرا إلا من شاء، ولكن إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربه سبيلا، أو(١) يقول : قوله :﴿إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ أي ولكن من أراد أن يتخذ إلى ربه سبيلا أطاعني، وأجابني. ويحتمل قوله :﴿قل ما أسألكم﴾ على تبليغ الرسالة إليكم وما أدعوكم إليه ﴿من أجر إلا من شاء أن يتخذ على ربه سبيلا﴾ فيبرني، أو يكون قوله :﴿إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ فََيَوَدُّنِي كقوله :﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ [الشورى: ٢٣]. ١ - أدرج بعدها في م: أن..

الفرقان 25:58

[ الآية ٥٨ ] وقوله تعالى :﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ أي توكل على الله. والتوكل هو الاعتماد عليه بكل أمر. وقوله تعالى :﴿وسبح بحمده﴾ أي نزه ربك، وبرئه من الآفات كلها والعيوب بثناء، تثني عليه، وهو التسبيح بحمده. وقال أهل التأويل : أي صل بأمر ربك. لكن التأويل عندنا ما ذكرنا. وقوله تعالى :﴿وكفى به بذنوب عباده خبيرا﴾ أي كفى به علما بذنوب عباده، أي لا أحد أعلم بها منه.

الفرقان 25:59

[ الآية ٥٩ ] وقوله تعالى :﴿الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما﴾ قد ذكرنا هذا. وقوله تعالى :﴿فسأل به خبيرا﴾ قال قائلون : فاسأل بالله خبيرا لما تسأل عنه [ يا محمد ](١) وذلك أن بعض كفار مكة، قالوا : يا محمد إن كنت تتعلم الشعر فنحن لك، فقال النبي : أشعر(٢) هذا ؟ إن هذا كلام الرحمن، فقالوا : أجل لعمر الله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة، هو يعلمك، فقال النبي : الرحمن، هو الله ﴿الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما﴾ من عنده يأتيني ذلك، فقالوا : أيزعم أن الله واحد، وهو يقول : الله يعلمني، والرحمن يعلمني، ألستم تعلمون أن هذين(٣) إلهان، أو كلام نحو هذا. وجائز أن يكون قولهم :﴿وما الرحمن﴾ لما لا يعرفون الرحمن، وعرفوا الله، فأنكروا ذلك لما لم يكونوا يسمعون ذلك، فعرفهم بقوله :﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن﴾ الآية [الإسراء: ١١٠]. أو أن يكونوا يعرفون كل معبود إلها، وكذلك يسمون الأصنام التي عبدوها آلهة، وكان رسول الله ﷺ دعاهم إلى عبادة الرحمن، فظنوا أنه غير، فقالوا : فلئن جاز أن يعبد غير الله فنحن نعبد الأصنام، فلم تمنعنا عن ذلك ؟ فأخبر [ أن ](٤) الرحمن والإله واحد، ليس وهو غيرا حين قال :﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا فيها سراجا وقمرا منيرا﴾ على آخر ما ذكر [ الفرقان : ٦١. . . ] يقول الله تعالى : لا(٥) يكون الرحمان غير الإله، بل الرحمن هو ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا﴾ وقد كانوا يعلمون أن الذي جعل في السماء البروج، وهي النجوم، وجعل فيها السُّرُجَ، وهي الشمس والقمر، هو الله. فأخبر أن الرحمن هو ذلك، لا غير. وفي قول بعضهم : إن قوله :﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾ الآية دلالة أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم، ويفسر حين(٦) قال :﴿فسأل به خبيرا﴾ ولو كان مما لا يعلم لكان لا يأمره أن يسأل به خبيرا، أو لو(٧) أمره بالسؤال لكان لا يحتمل ألا يخبره. دل ذلك أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم، لكن لا يعلمه إلا الخبير، والخبير هو العالم. ثم يحتمل الله أو جبريل أو من يعلمه الله، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فسأل به خبيرا﴾ قال بعضهم : بالله، وقال بعضهم : بالذي سبق ذكره من قوله :﴿ثم استوى على العرش﴾. ١ - في الأصل وم: محمد.. ٢ - في الأصل وم: الشعر.. ٣ - في الأصل وم: هذا.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - في الأصل وم: أن.. ٦ - في الأصل وم: حيث.. ٧ - في الأصل وم: أن..

الفرقان 25:60

الذي باليمامة هو يعلمك، فقال النبي: " الرحمن هو اللَّه الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما من عنده يأتيني ذلك "، فقالوا: أيزعم أن اللَّه واحد وهو يقول: اللَّه يعلمني، الرحمن يعلمني، ألستم تعلمون أن هذين إلهان، أو كلام نحو هذا. وجائز أن يكون قولهم: (وَمَا الرَّحْمَنُ) لما لا يعرفون الرحمن وعرفوا اللَّه فأنكروا ذلك لما لم يكونوا يسمعون ذلك، فعرفهم بقوله: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ...) الآية. أو أن يكونوا يعرفون كل معبود: إلها؛ وكذلك يسمون الأصنام التي عبدوها: آلهة، وكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دعاهم إلى عبادة الرحمن؛ فظنوا أنه غيره، فقالوا: فلئن جاز أن يعبد غير اللَّه، فنحن نعبد الأصنام فلِمَ تمنعنا عن ذلك؟! فأخبر: أن الرحمن والإله واحد ليس هو غير؛ حيث قال: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا...) إلى آخر ما ذكر، يقول اللَّه: محال أن يكون الرحمن غير الإله، بل الرحمن هو الذي جعل في السماء بروجًا، وقد كانوا يعلمون أن الذي جعل في السماء البروج وهي النجوم، وجعل فيها السراج وهي الشمس والقمر - هو اللَّه، فأخبر أن الرحمن هو ذلك لا غير. وفي قول بعضهم: إن قوله: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...) الآية من المكتوم، وفي الآية دلالة أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم ويفسر؛ حيث قال: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)، ولو كان مما لا يعلم لكان لا يأمره أن يسأل به خبيرًا، أو إن أمره بالسؤال لكان لا يحتمل ألا يخبره؛ دل ذلك أنه ليس من المكتوم، ولكنه مما يعلم، لكن لا يعلمه إلا الخبير، وهو العالم. ثم يحتمل: اللَّه أو جبريل أو من يعلمه، واللَّه أعلم. وقوله: (فَاسْأَلْ بِهِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: باللَّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بالذي سبق ذكره من قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ... (٦٠) قد ذكرناه. (أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) بالياء والتاء جميعًا. وقوله تعالى: (وَزَادَهُمْ نُفُورًا) أي: زادهم دعاؤه إلى عبادة الرحمن نفورا عن رسول اللَّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: في قوله: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) يقول: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك لا شك فيه، واللَّه أعلم.

الفرقان 25:61

وقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) قوله: (تَبَارَكَ) قد ذكرنا أن بعضهم يقولون: هو من البركة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: من التعالي. قوله تعالى: (جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا): هو ما ذكرنا أنه خرج جوابًا لقولهم: (وَمَا الرَّحْمَنُ)؛ وكذلك قوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً (٦٢) أي: جعل أحدهما خلف الآخر، إذا ذهب هذا جاء هذا. (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) أي: يذكر الليل والنهار لمن أراد أن يتذكر لمواعظه أو يشكر لنعمه؛ لأنهما يذكران قدرته وسلطانه، حيث يقهران الجبابرة والفراعنة ويغلبانهم حيث يظلانهم ويأتيانهم شاءوا، أو كرهوا لا يقدرون دفعهما عن أنفسهم. وفيهما دلالة الإحياء والبعث بعد الفناء والهلاك؛ حيث ذهب بهذا أتى بآخر بعد أن لم يبق من أثره شيء، فمن قدر على هذا قدر على البعث والإحياء بعد الموت وذهاب أثره. ويذكران أيضًا نعمه وآلاءه؛ لأنه جعل النهار متقلبًا لمعاشهم ومطلبًا لرزقهم، وما به قوام أنفسهم، وجعل الليل مستراحًا لأبدانهم وسكونهم لا قوام للأبدان بأحد دون الآخر؛ ألا ترى أنه كيف ذكر نعمه فيهما؛ حيث قال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) الآية، وقال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ) الآية، يذكرهم عظيم نعمه فيهما أعني في الليل والنهار؛ ليتأدى بذلك شكره؛ فعلى ذلك هذا ما ذكرنا قوله: (جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) النعمة التي جعل لهم. قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) أي يكون كل واحد منهما خلفا للآخر فيما يفوت فيه من التذكر والتشكر، أي: ما فات في أحدهما من التذكر والتشكر يقضي في الآخر. وقال الحسن قريبا مما ذكرنا، وقال: من فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته شيء بالنهار أدركه بالليل. وعلى مثل ذلك روي عن عمر: أن رجلا قال له: يا أمير المؤمنين، إني لم أدرك الصلاة الليلة، فقال عمر: " أدرك ما فاتك من ليلك في نهارك، وما فاتك من نهارك في ليلك "، ثم قرأ: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً). وقَالَ بَعْضُهُمْ (خِلْفَةً) من الاختلاف، أي: يخالف أحدهما الآخر. ثم يحتمل الاختلاف وجهين:

الفرقان 25:62

[ الآية ٦٢ ] وكذلك قوله تعالى :﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة﴾ أي جعل أحدهما خلف الآخر : إذا ذهب هذا جاء هذا ﴿لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾ أي يذكر الليل والنهار، لمن أراد أن يتذكر الموعظة، أو يشكر لنعمه لأنهما يذكران قدرته وسلطانه حين(١) يقهر الجبابرة والفراعنة ويغلبهم(٢) حين يظلمون، ويأتيانهم، شاؤوا، أو كرهوا، لا يقدرون دفعهما عن أنفسهم. وفيهما دلالة الإحياء والبعث بعد الفناء والهلاك [ حين يذهب بهذا، ويأتي ](٣) بآخر بعد / ٣٧٩- ب/ أن لم يبق من أثره شيء. فمن قدر على هذا قدر على هذا قدر على البعث والإحياء بعد الموت وذهاب أثره. ويذكران أيضا نعمه وآلاءه لأنه جعل النهار منقلبا لمعاشهم ومطلبا لرزقهم وما به قوام أنفسهم، وجعل الليل مستراحا لأبدانهم [ وسكونا ؛ إذ ](٤) لا قوام للأبدان لأحد دون الآخر. ألا ترى أنه كيف ذكر نعمه فيهما حين قال :﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة﴾ الآية [القصص: ٧١] وقال :﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه﴾ الآية [القصص: ٧٢] يذكرهم عظيم نعمه فيهما ؟ أعني في الليل والنهار ليستأدي به شكره. فعلى ذلك هذا ما ذكرنا [ في ](٥) قوله :﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾ النعمة التي جعل فيهما. وقال بعضهم : قوله :﴿خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا﴾ أي يكون كل واحد منهما خلفا للآخر في ما يفوت من التذكر والتشكر ؛ يقضى في الآخر. وقال الحسن قريبا مما ذكرنا، وقال : من فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته شيء بالنهار أدركه بالليل، وعلى مثل ذلك روي عن عمر أن رجلا، قال له : يا أمير المؤمنين إنني فاتتني الصلاة الليلة، فقال عمر : أدرك ما فاتك من ليلك في نهارك الآخر. ثم يحتمل الاختلاف وجهين : أحدهما : مجيء هذا وذهاب الآخر على ما ذكرنا كقوله :﴿واختلاف الليل والنهار﴾ [البقرة: ١٦٤]. والثاني : هو اختلاف اللون من السواد والبياض ؛ أحدهما أسود، والآخر أبيض، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا﴾ قال بعضهم : البروج، هي النجوم العظام، والواحد برج، وهو قول أبي عوسجة إلى الأعرابي. وقال بعضهم : البروج القصور في السماء، فيها تنزل الشمس في كل ليلة. وروي مثل قول عمر عن سلمان أن رجلا أتاه، فقال : إني لا أستطيع قيام الليل، قال : إن كنت لا تستطيع قيام الليل فلا [ تعجز عنه ](٦) بالنهار. وذكر أن نبي الله ﷺ كان يقول :( أصيبوا من الليل ولو ركعتين ولو أربعا ) وذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال :( والذي نفسي بيده إن في كل ليلة ساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل فيها خيرا إلا أعطي له في هذا الليل والنهار، فإنهما مطيتان، تحملان الناس إلى آجالهم ؛ تقربان كل بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان بكل موعود، حتى يؤدى(٧) ذلك إلى ﴿يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج: ٤] يصير الناس بأعمالهم إلى الجنة وإلى النار ﴿ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب﴾ [إبراهيم: ٥١] )(٨) [ بنحوه مسلم : ٧٥٧ ]. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - في الأصل وم: ويغلبانهم.. ٣ - في الأصل وم: حيث ذهب بهذا أتي.. ٤ - في الأصل وم: وسكونهم.. ٥ - ساقطة من الأصل وم.. ٦ - في الأصل وم: تعجزه.. ٧ - من م، في الأصل: يرد.. ٨ - أدرج هذا الحديث في صحيح مسلم في كتاب الجمعة بلفظ آخر..

الفرقان 25:63

أحدهما: مجيء أحدهما وذهاب الآخر على ما ذكرنا؛ كقوله: (وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ). والثاني: هو اختلاف اللون من [السواد] والبياض: أحدهما أسود، والآخر أبيض، والله أعلم. وقوله: (جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: البروج هي النجوم العظام، والواحد: برج، وهو قول ابن الأعرابي. وقَالَ بَعْضُهُمْ: البروج: القصور في السماء، فيها تنزل الشمس في كل ليلة، وروي مثل قول عمر عن سلمان أن رجلا قال له: إني لا أستطيع قيام الليل. قال: " إن كنت لا تستطيع قيام الليل، فلا تعجزه بالنهار ". وذكر لنا أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: " أصيبوا من الليل ولو ركعتين ولو أربعا ". وذكر لنا أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " والذي نفسي بيده، إن في كل ليلة ساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل اللَّه فيها خيرًا إلا أعطي له في هذا الليل والنهار؛ فإنهما مطيتان تقحمان الناس إلى آجالهم، تقربان كل بعيد، وتبليان كل جديد، وتجيئان كل موعود، حتى يؤدي ذلك إلى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يكون مصيرهم إلى الجنة وإلى النار؛ لتجزى كل نفس بما كسبت ". * * * قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧) وقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) وصف - عَزَّ وَجَلَّ - هَؤُلَاءِ

الفرقان 25:64

الصفوة والأخلاص من عباده أنهم يمشون على الأرض هونا - إلى آخر ما ذكر، وإلا كانوا كلهم عباد الرحمن. وصف أهل الصفوة منهم والإخلاص والتقى. وقوله: (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: حلماء أنقياء بغير مرح ولا بطر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (هَوْنًا) أي: متواضعين، لا خيلاء، ولا كبرياء، ولا مرحًا. وعن الحسن قال: هم المؤمنون قوم ذلل، ذلت - واللَّه الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، واللَّه ما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم. وفي بعض الأخبار مرفوعًا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " المؤمنون هينون لينون كالجمل الدنف؛ إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ ". وأصله: أنهم يمشون هونًا من غير أن يتأذى بهم أحد، أو يُلْحِقَ بأحد منهم ضررٌ، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: إذا خاطبهم الجاهلون، وشافههم السفهاء، لا يجاهلون أهل الجهل والسفه، ولكن قالوا: السلام عليكم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: وإذا سمعوا الشتم والأذى قالوا: سلامًا، أي سدادًا وصوابًا من القول، وردًّا مصروفًا أعرضوا عن سفههم وجهلهم بهم، ولم يكافئوهم؛ كقوله: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ...) الآية، يخبر - عز وجل - عن صحبتهم أهل السفه والجهل وحسن معاشرتهم إياهم، ورفقهم، فكيف يعاملون أهل الخير والعقل منهم ويصاحبون، فهذه معاملتهم الخلائق على الوصف الذي وصفه، ثم أخبر عن صنيعهم لله وركونهم إليه، فقال (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤). عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " رحم اللَّه الذين يبيتون الليل وأيديهم على ركبهم "، ثم قال: " من صلى ركعتين بعد العشاء، فقد بات لله تعالى ساجدًا قائمًا ". وقال الحسن: كانوا يبيتون لله على أقدامهم ويفترشون وجوههم سجدًا لربهم تجيء دموعهم على خدودهم، فرقا من ربهم، وقال: لأمر ما سهر ليلهم، ولأمر ما خشع له

الفرقان 25:65

نهارهم. وقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) يحتمل أن يكون هذا إخبارًا من اللَّه تعالى عما في ضميرهم، ليس على حقيقة القول والدعاء؛ لأن من بلغ في العبادة والورع المبلغ الذي وصفهم لا يشغلون أنفسهم بالسؤال عن دفع المضار أو جر النفع. ويحتمل: على الدعاء والقول على ما أخبر، واللَّه أعلم. ثم أخبر عن عذابها فقال: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا). قال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه، وكل غريم يفارق غريمه غير عذاب جهنم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الغرام: الهلاك وقال: (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) أي: جهنم بئس المستقر وبئس المقام لأهلها، هو مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة حيث قال: (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا). وقَالَ بَعْضُهُمْ: غراما: غرموا في الآخرة ما نعموا في الدنيا. وفي حرف ابن مسعود: كان غراما إنما أنبئنا (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا). وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (هَوْنًا) من الرفق يقال: وإن يهون هونًا، فهو هائن. وقولهم: (وإذا عز أخوك فهن) أي: إذا اشتد، فارفق به. والغرام: الهلاك. وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ: غراما، أي: هلكة. وقال: مشيًا هونًا: رويدًا، سلامًا، أي: سدادًا من القول لا رفث فيه ولا هجر. وقوله: (إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا (٦٧) قَالَ بَعْضُهُمْ: لم يسرفوا في غير حق، كسبوا طيبا وأنفقوا قصدًا وأعطوا فضلا وجادوا، واستبشروا (وَلَمْ يَقْتُرُوا) أي: ولم يتمسكوا عن الحق. وقوله: (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) أي: بين الإسراف والتقتير مقصدًا؛ وهو تأويل مقاتل. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإسراف هو الإنفاق في معصية اللَّه، (وَلَمْ يَقْتُرُوا) أي: لم يمنعوا عن طاعته، (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) أي: عدلا، لا يمسك عن حق ولا ينفق في باطل، ولكن نفقة في طاعة اللَّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإسراف في النفقة: هو الإنفاق فيما لا ينتفع به؛ من نحو: البحيرة

الفرقان 25:66

[ الآية ٦٦ ] وقوله تعالى :﴿إنها ساءت مستقرا ومقاما﴾ أي جهنم، بئس المستقر، وبئس المقام لأهلها، وهو(١) مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة حين(٢) قال :﴿حسنت مستقرا ومقاما﴾ [الفرقان: ٧٦]. وقال بعضهم :﴿غراما﴾ غرموا في الآخرة مانعوا في الدنيا. وفي حرف ابن مسعود ﴿كان غراما﴾ إنا أنبئنا أنها ﴿ساءت مستقرا ومقاما﴾. وقال أبو عوسجة :﴿هونا﴾ هو من الرفق، يقال : هان يهون هونا، فهو هائن [ ومنه يقال :](٣) إذا عز أخوك فهن : أي إذا اشتد فارفق به، والغرام الهلاك. وكذلك قال القتبي ﴿غراما﴾ أي هلكة، وقال : مشيا ﴿هونا﴾ رويدا ﴿سلاما﴾ أي سدادا من القول ؛ لا رفث فيه، ولا هجر. ١ - الواو ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: حيث.. ٣ - في الأصل وم: وقوله..

الفرقان 25:67

[ الآية ٦٧ ] وقول تعالى :﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ قال بعضهم :﴿لم يسرفوا﴾ في غير حق ؛ كسبوا طيبا، وأنفقوا قصدا، وأعطوا فضلا [ لا جحودا، واستيسروا ](١) ﴿ولم يقتروا﴾ أي ولم يمسكوا عن الحق. وقوله تعالى :﴿وكان بين ذلك قوما﴾ أي بين الإسراف والتقتير مقصدا، وهو تأويل مقاتل. وقال بعضهم : الإسراف هو الإنفاق في المعصية الله، ﴿ولم يقتروا﴾ أي لم يمنعوا عن طاعة ﴿وكان بين ذلك قواما﴾أي عدلا ؛ لا يمسك عن حق، ولا ينفق(٢) في باطل، ولكن نفقة في طاعة الله. وقال بعضهم : الإسراف في النفقة، هو الإنفاق في ما لا ينتفع [ به ](٣) من نحو البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى، ولا ينتفعون بها. والإقتار، هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع/ ٣٨٠- أ/ به. وقال بعضهم : الإسراف، هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق، في الإكثار. والإقتار هو المنع عن الحد الذي جعل له ﴿وكان بين ذلك قواما﴾ أي وسطا كقوله :﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ [الإسراء: ٢٩] ولكن بين ذلك. وأصله :﴿لم يسرفوا﴾ أي لم ينفقوا، ولم يضعوا إلا في ما أمروا أن يضعوا فيه [ أموالهم ](٤) ﴿وكان بين ذلك قوما﴾ أي قائما في ذلك. أخبر أنهم ما يفعلون [ ما يفعلون ](٥) إلا بأمر. ١ - في الأصل وم: والجحود واستبشروا.. ٢ - في الأصل وم: ينفقون.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - ساقطة من الأصل وم..

الفرقان 25:68

والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى ولا ينتفعون بها. والإقتار: هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع به. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق: في الإكثار، والإقتار: هو المنع عن الحد الذي جعل له. (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) أي: وسطا؛ كقوله: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ) ولكن بين ذلك. وأصل (لَمْ يُسْرِفُوا)، أي: لم ينفقوا ولم يضعوا إلا فيما أمروا أن يضعوا فيه. (وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) أي: قائمًا في ذلك، أخبر أن ما يفعلونه لا يفعلونه إلا بأمر، وأخبر أنهم لا يدعون مع اللَّه إلها آخر. ثم يحتمل هذا وجهين: (لَا يَدعُونَ (٦٨) أي: لا يعبدون دون اللَّه غيره، أو: لا يسمون غير اللَّه. (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ): أخبر في الآية الأولى في قوله (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) عن معاملتهم الخلق، وصنيعهم بينهم وبين العباد؛ حيث أخبر أنهم يمشون هونًا ولا يؤذون أحدًا ولا يضرونه، وإذا أذاهم أهل الجهل والسفه لم يكافئوهم لأذاهم، ولكن احتملوا ذلك عنهم وتجاوزوا، وقالوا لهم قولا سديدًا؛ هذه معاملتهم فيما بينهم وبين الخلق بالنهار، وأخبر عن معاملتهم ودعائهم ربهم بالليل حيث قال: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ) الآية. ثم أخبر عن صنيعهم في أموالهم التي في أيديهم أنهم لا يضعونها إلا فيما أمروا بالوضع فيها. وأخبر عن صفتهم وإخلاصهم لله في العبادة وكفهم عن محارم اللَّه حيث قال: (إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا)، وقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ)، وقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) موصول بهذا أيضًا، ومقدم عن قوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا)؛ كأنه قال: ولا يزنون ولا يشهدون الزور، ومن يفعل ذلك - أي: ما ذكر من قتل النفس المحرمة، والزنا، وشهادة الزور، والشرك - يلق أثامًا.

الفرقان 25:69

[ الآية ٦٩ ] وقوله تعالى :﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ إن(١) قيل : أخبر ههنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى ﴿من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ [غافر: ٤٠]فما معنى الضعف ههنا ؟ قيل : يحتمل [ وجوها : أحدهما :](٢) أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم : إذا كفروا بالله بعد ما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله :﴿وعباد الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٣] أن واحدا منهم، إذا كفر ﴿يضاعف له العذاب﴾ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك ؛ وهو كما قال لرسوله(٣) ﷺ :﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ ﴿إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [ الإسراء : ٧٤ و٧٥ ] أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وما ذكر لأزواجه حين(٤) قال :﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبنية يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ [الأحزاب: ٣٠]. كل من كان أعظم قدرا وأكثر نعما عليه فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة(٥)، فتكون ضعف غيره وجزاء مثله. والثاني : أن يكون ذلك للأئمة ؛ أعني الكفرة والرؤساء دون الأتباع لأنهم عملوا هم بأنفسهم، ودعوا غيرهم إلى ذلك كقوله :﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣]. والثالث(٦) : أن يكن ذلك [ للعناد ](٧) الذي كان منهم والمكابرة. ١ - في الأصل وم: فإن.. ٢ - في الأصل وم: وجهين أحدهما.. ٣ - في الأصل وم: لرسول الله.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: الزينة.. ٦ - في الأصل وم: أو.. ٧ - في الأصل وم: لهم المعتاد..

الفرقان 25:70

[ الآية ٧٠ ] ثم استثنى من تاب منهم، فقال :﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحا﴾ الآية. [ فإن كانت الآية ](١) في الذين قال :﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾ [الفرقان: ٦٣] فكأن(٢) فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب، ورجع إلى الإسلام حين(٣) استثنى وتاب منهم. وقوله تعالى :﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ هذا يحتمل وجهين : أحدهما : يوفهم(٤) الله إذا تابوا، وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا حتى يعملوا مكان [ كل ](٥) سيئة عملوها [ حسنة ](٦) فذلك معنى تبديل الله [ سيئاتهم ](٧) حسنات، أي يوفقهم على ذلك. والثاني :﴿يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ في الآخرة لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا. وعلى ذلك روي عن أبي هريرة رضي الله عنه [ أنه قال : قال رسول الله ﷺ ](٨) :( ليأتين أقوام يوم القيامة/ ٣٨٠-ب/ ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له :[ ومن هم يا رسول الله ](٩) ؟ قال : هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات ) [ السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٨١ ] وكأنه روي مثله عن عبد الله بن مسعود. ١ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٢ - من م، في الأصل: فكأنه.. ٣ - في الأصل وم: حيث.. ٤ - في الأصل وم: يوفق.. ٥ - ساقطة من الأصل وم.. ٦ - ساقطة من الأصل وم.. ٧ - ساقطة من الأصل وم.. ٨ - ساقطة من الأصل وم: قال.. ٩ - في الأصل: يا أبا هريرة ومن هم..

الفرقان 25:71

[ الآية ٧١ ] وقوله تعالى :﴿ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ [ يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون على الأمر ؛ كأنه قال : ومن تاب فليتب إلى الله متابا، لا يرجع عنه ](١) أبدا. وعلى ذلك يخرج قوله :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين﴾ [الأنفال: ٦٥] أي إن يكن منكم عشرون، فيثبتوا، يغلبوا مائتين على الأمر ؛ دليله قوله حين(٢) قال :﴿الآن خفف الله عنكم﴾ الآية [الأنفال: ٦٦]. والثاني : أن يكون ذلك لقوم خاص، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبدا. وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبدا. ١ - في الأصل وم: لا يرجع عنها.. ٢ - في الأصل وم: حيث.

الفرقان 25:72

قَالَ بَعْضُهُمْ: أثامًا: أي: واديًا في جهنم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أثامًا: عذابًا في النار. وقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يشهدون مكان الزور، وهو الغِناء، أي: لا يشهدون المكان الذي يتغنى فيه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يشهدون بشهادة الزور، وهو الكذب. وقوله: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا): مرور الكرام، أي: إن قدروا على تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ). وفي قوله: (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) دلالة نقض قول الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) دل أنها محرمة بعد غير كافرة. (إِلَّا بِالْحَقِّ): إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، واما بحق الارتداد؛ على ما ذكر في الخبر: " لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق " ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر لكانت غير محرمة؛

الفرقان 25:73

فدل أنه ما ذكرنا. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، (وَلَمْ يَقْتُرُوا) أي: لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم. قال: والقوام: الوسط. ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد. قال أبو معاذ: في قوله: (وَلَمْ يَقْتُرُوا) لغات أربع: (ولم يُقْتِروا): برفع الياء وبخفض التاء غير مثقل، و (يَقْتِروا) بنصب الياء، وخفض التاء، و (يَقْتُرُوا) برفع التاء، والمعنى كله واحد. وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) قَالَ بَعْضُهُمْ: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - واللَّه أعلم - قوم عقلوا عن اللَّه، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب اللَّه. وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أُولَئِكَ - أعني: أهل صفوة اللَّه وإخلاصه - لم يخروا على تلك الآيات صُمًّا ولا عميانا كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين ومتفقهين متيقظين، عالمين بما فيها، عاملين؛ كقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...) الآية. وقوله: (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا): فَإِنْ قِيلَ: أخبر هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)، فما معنى الضعف هاهنا؟ قيل: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا باللَّه بعدما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) الآية: أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند اللَّه، وعلى قدر نعم اللَّه عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ). أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضًا - لأزواجه حيث قال: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)، كل من كان أعظم قدرًا وأكثر نعمًا عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله. والثاني: أن يكون ذلك للأئمة -أعني: الكفرة والرؤساء- دون الأتباع؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ). أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة. ثم استثنى من تاب منهم، فقال: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا...) الآية، في الذين قال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم. وقوله: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ): هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يوفقهم اللَّه إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل اللَّه سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم على ذلك. والثاني: يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: " ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا أبا هريرة، ومن هم؟ قال: هم الذين يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات "؛ وكأنه روي مثله عن عبد اللَّه بن مسعود. وقوله: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١) لا يرجع عنها أبدًا، وعلى ذلك يخرج قوله: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)، على الأمر؛ دليله قوله حيث قال: (خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) الآية. والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم اللَّه أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبدًا،

الفرقان 25:74

وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبدًا. وقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ): قد ذكرناه، (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا): قد ذكرناه أيضًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إذا أوذوا صفحوا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: (يَلْقَ أَثَامًا) أي: عقوبة، الآثام: العقوبة. وقوله: (مَرُّوا كِرَامًا) أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم. (صُمًّا وَعُمْيَانًا) أي: لم يتغافلوا عنها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صُمًّا وعميانًا عند تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعًا وبصرًا؛ وهو واحد. وقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤) قد نعتهم - عَزَّ وَجَلَّ - في معاملتهم أن كيف عاملوا ربهم بالليل والنهار ونعتهم أيضًا في معاملتهم عباده أن كيف عاملوا عباده، ثم نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: يقولون: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)، فهو - واللَّه أعلم - لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار بقوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا...) الآية؛ فعند ذلك دعوا ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وقرباتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا والآخرة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: اجعلهم صالحين مطيعين؛ فإن ذلك يقر أعيننا. قال الحسن: واللَّه ما شيء أَحبَّ إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه يطيع اللَّه، ودال: نراهم يعملون بطاعة اللَّه، فتقر بذلك أعيننا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: اجعلنا أئمة هدى وتقوى يقتدى بنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون. وأصله - واللَّه أعلم - أنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار متقيًا، لا من اقتدى صار ضالا فاسقًا، هذا - واللَّه أعلم - تأويله، وإلا سؤالهم: أن اجعلنا إمامًا

الفرقان 25:75

للمتقين لا معنى له أن يطلبوا لأنفسهم الإمامة، ولكن على الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم. ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة لعملهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، فقال: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) والغرفة: هي أعلى المنازل وأشرفها؛ أخبر أنهم يجزون ذلك ويكونون فيها. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا)، فجائز أن يكون الغرفة المذكورة في الآية كناية عن الجنة؛ يدل له حرف ابن مسعود. وجائز أن يراد به نفس الغرفة؛ وهو لارتفاعها وعلوها على غيرها من المنازل، وذلك مما يختار الكون فيها في بعض الأوقات في الدنيا، والناس يرغبون فيها لإشرافها وارتفاعها على غيرها؛ فرغبهم بذلك في الآخرة. وقوله: (وَيُلَقَّوْنَ) فيها بالتخفيف والتشديد، (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) أي: يلقاهم الملائكة بالتحية والسلام؛ كقوله: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ)، وقوله: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ). أو يلقى بعضهم بعضا بالتحية والسلام، ويحيي بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض. وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا... (٧٦) دائمين. (حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا): تأويله - واللَّه أعلم - أي: حسنت لهم الجنة مستقرا ومقاما؛ حتى لا يملوا فيها ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة؛ كنعيم الدنيا يمل ويسأم عند الكثرة وطول المقام. وقوله: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ (٧٧) قَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ) أي: ما يعتد بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد لتوحدوه وتطيعوه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مَا يَعْبَأُ) أي: ما يصنع بكم ربي. وتأويله - واللَّه أعلم - أي: ما يصنع ربي بعذابكم إن شكرتم وآمنتم. وقوله: (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا): اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: هو عذاب يوم بدر -يعني: ألزم بعضهم بعضا- وكذلك قال ابن مسعود قال: " مضت آية الدخان والبطشة واللزام يوم بدر "، وقال: لزامًا، أي: عذابًا ملازمًا غير مفارق، وهو عذاب الآخرة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي) أي: ما يصنع، يقال: عبأ يعبأ عبئا؛ فهو عابئ إذا احتاج إليكم، ويقال: " ما أعبأ بهذا الأمر " أي: ما أصنع به، ويقال: عبأت بفلان، أي: احتجت إليه؛ وكذلك قول الْقُتَبِيّ، واللَّه أعلم. * * *

الفرقان 25:76

[ الآية ٧٦ ] وقوله تعالى :﴿خالدين فيها﴾ دائمين ﴿حسنت مستقرا ومقاما﴾ تأويله، والله أعلم : أي حسنت الجنة لهم مستقرا ومقاما حتى لا يملوا فيها، ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة كنعيم الدنيا، يمل، ويسأم فيها، عند الكثرة وطول المقام فيها.

الفرقان 25:77

[ الآية ٧٧ ] وقوله تعالى :﴿قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ [ قال بعضهم :﴿قل ما يعبؤا بكم ربي لولا﴾ دعاؤه ](١) إياكم إلى التوحيد لتوحدوه، وتطيعوه. وقال بعضهم :﴿ما يعبؤا بكم ربي﴾ أي ما يصنع. وتأويله، والله أعلم : أي ما يصنع ربي بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم. وقوله تعالى :﴿فقد كذبتم فسوف يكون لزاما﴾ اختلف فيه : قال بعضهم : هو عذاب يوم بدر، يعني ألزم بعضهم بعضا، وكذلك قال ابن مسعود، قال : مضت آية الدخان والبطشة(٢)، واللزام يوم بدر، وقال :﴿لزاما﴾ أي عذابا ملازما غير مفارق، وهو عذاب الآخرة. وقال أبو عوسجة :﴿ما يعبأ بكم ربي﴾ أي ما يصنع ؛ يقال : عبأ يعبأ عبئا، فهو عابئ، إذا احتاج إليكم، ويقال : ما أعبأ بهذا الأمر، أي ما أصنع، ويقال : عبأت بفلان أي احتجت إليه. وكذلك قول القتبي. والله أعلم بالصواب. ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - وهي قوله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ وقوله تعالى: ﴿يوم نبطش الكبرى إنا منتقمون﴾ [الدخان: ١٠ و١٦].