Lafzullah

تأويلات أهل السنة — النمل 27:80 – العنكبوت 29:69

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. النمل 27:80
  2. النمل 27:81
  3. النمل 27:82
  4. النمل 27:83
  5. النمل 27:84
  6. النمل 27:85
  7. النمل 27:86
  8. النمل 27:87
  9. النمل 27:88
  10. النمل 27:89
  11. النمل 27:90
  12. النمل 27:91
  13. النمل 27:92
  14. النمل 27:93
  15. القصص 28:1
  16. القصص 28:3
  17. القصص 28:4
  18. القصص 28:5
  19. القصص 28:6
  20. القصص 28:7
  21. القصص 28:8
  22. القصص 28:9
  23. القصص 28:10
  24. القصص 28:11
  25. القصص 28:12
  26. القصص 28:13
  27. القصص 28:14
  28. القصص 28:15
  29. القصص 28:16
  30. القصص 28:17
  31. القصص 28:18
  32. القصص 28:19
  33. القصص 28:20
  34. القصص 28:21
  35. القصص 28:22
  36. القصص 28:23
  37. القصص 28:24
  38. القصص 28:25
  39. القصص 28:26
  40. القصص 28:27
  41. القصص 28:28
  42. القصص 28:29
  43. القصص 28:30
  44. القصص 28:31
  45. القصص 28:32
  46. القصص 28:33
  47. القصص 28:34
  48. القصص 28:35
  49. القصص 28:36
  50. القصص 28:37
  51. القصص 28:38
  52. القصص 28:39
  53. القصص 28:40
  54. القصص 28:41
  55. القصص 28:42
  56. القصص 28:43
  57. القصص 28:44
  58. القصص 28:45
  59. القصص 28:46
  60. القصص 28:47
  61. القصص 28:48
  62. القصص 28:49
  63. القصص 28:50
  64. القصص 28:51
  65. القصص 28:52
  66. القصص 28:53
  67. القصص 28:54
  68. القصص 28:55
  69. القصص 28:56
  70. القصص 28:57
  71. القصص 28:58
  72. القصص 28:59
  73. القصص 28:60
  74. القصص 28:61
  75. القصص 28:62
  76. القصص 28:63
  77. القصص 28:64
  78. القصص 28:65
  79. القصص 28:66
  80. القصص 28:67
  81. القصص 28:68
  82. القصص 28:69
  83. القصص 28:70
  84. القصص 28:71
  85. القصص 28:72
  86. القصص 28:73
  87. القصص 28:74
  88. القصص 28:75
  89. القصص 28:76
  90. القصص 28:77
  91. القصص 28:78
  92. القصص 28:79
  93. القصص 28:80
  94. القصص 28:81
  95. القصص 28:82
  96. القصص 28:83
  97. القصص 28:84
  98. القصص 28:85
  99. القصص 28:86
  100. القصص 28:87
  101. القصص 28:88
  102. العنكبوت 29:1
  103. العنكبوت 29:2
  104. العنكبوت 29:3
  105. العنكبوت 29:4
  106. العنكبوت 29:5
  107. العنكبوت 29:6
  108. العنكبوت 29:7
  109. العنكبوت 29:8
  110. العنكبوت 29:9
  111. العنكبوت 29:10
  112. العنكبوت 29:11
  113. العنكبوت 29:12
  114. العنكبوت 29:13
  115. العنكبوت 29:14
  116. العنكبوت 29:15
  117. العنكبوت 29:16
  118. العنكبوت 29:17
  119. العنكبوت 29:18
  120. العنكبوت 29:19
  121. العنكبوت 29:20
  122. العنكبوت 29:21
  123. العنكبوت 29:22
  124. العنكبوت 29:23
  125. العنكبوت 29:24
  126. العنكبوت 29:25
  127. العنكبوت 29:26
  128. العنكبوت 29:27
  129. العنكبوت 29:28
  130. العنكبوت 29:29
  131. العنكبوت 29:30
  132. العنكبوت 29:31
  133. العنكبوت 29:32
  134. العنكبوت 29:33
  135. العنكبوت 29:34
  136. العنكبوت 29:35
  137. العنكبوت 29:36
  138. العنكبوت 29:37
  139. العنكبوت 29:38
  140. العنكبوت 29:39
  141. العنكبوت 29:40
  142. العنكبوت 29:41
  143. العنكبوت 29:42
  144. العنكبوت 29:43
  145. العنكبوت 29:44
  146. العنكبوت 29:45
  147. العنكبوت 29:46
  148. العنكبوت 29:47
  149. العنكبوت 29:48
  150. العنكبوت 29:49
  151. العنكبوت 29:50
  152. العنكبوت 29:51
  153. العنكبوت 29:52
  154. العنكبوت 29:53
  155. العنكبوت 29:54
  156. العنكبوت 29:55
  157. العنكبوت 29:56
  158. العنكبوت 29:57
  159. العنكبوت 29:58
  160. العنكبوت 29:59
  161. العنكبوت 29:60
  162. العنكبوت 29:61
  163. العنكبوت 29:62
  164. العنكبوت 29:63
  165. العنكبوت 29:64
  166. العنكبوت 29:65
  167. العنكبوت 29:66
  168. العنكبوت 29:67
  169. العنكبوت 29:68
  170. العنكبوت 29:69

النمل 27:80

[ الآية ٨٠ ] [ وقوله تعالى ](١) :﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ قال بعض أهل التأويل : بلغنا أن رسول الله ﷺ نادى يوم بدر : يا فلان، ويا فلان، وهم قتلى بعدما أمر أن يجمعوا في قليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ ألم تكذبوا نبيكم، وتكفروا بربكم(٢)، وتقطعوا أرحامكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية :﴿إنك لا تسمع الموتى﴾. لكن عندنا أن الله تعالى سمى [ الكفرة موتى ](٣) في غير آية(٤) من القرآن لما لم يجهدوا أنفسهم في عبادة [ الله ](٥) ولا استعملوها في طاعته. فهم كالموتى، وسماهم صما لما لم يسمعوا الحق ولم يقبلوه، وسماهم بكما لما لم ينطقوا بالحق ولا تكلموا به، وسماهم عميا لما لم يبصروا الحق، وسماهم موتى لما لم يستعملوا أيديهم في الحق. فنفى عنهم هذه الحواس لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، ولا استعملوها في ما أنشئت وخلقت، وإن كانت لهم هذه الحواس. فعلى ذلك سماهم موتى وهلكى، وفي موضع آخر شبههم بالأنعام، وأخبر أنهم ﴿أضل﴾ [الأعراف: ١٧٩] لما لم يستعملوا أنفسهم في ما أنشئت هي له، ولم ينتفعوا بها. فإن قيل : ما معنى قوله :﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ أخبر أنه لا يقدر على أن يسمع الصم إذا ولوا مدبرين، ولا يقدر على أن يسمع الصم، وإن أتوا مقبلين، ولم يولوا قيل : معناه، والله أعلم، أنهم صاروا صما لا ينتفعون بما سمعوا لإعراضهم وترك مكان(٦) النظر فيه، ولو أقبلوا إليه لانتفعوا به، فيصير مسمعا لهم ؛ يخبر عن شدة تعنتهم ومكابرتهم أنهم كالصم المدبرين، لا يمكن إسماعهم وتفهيمهم بجهد : بالإشارة والإيماء والله أعلم بذلك. ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - من م، في الأصل: ربكم.. ٣ - في الأصل وم: الكافر ميتا.. ٤ - في الأصل وم: آي.. ٥ - من م، ساقطة من الأصل.. ٦ - في الأصل وم: المكان.

النمل 27:81

في قليب - هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟! ألم تكذبوا نبيكم وتكفووا بربكم وتقطعوا أرحامكم "؟! فأنزل اللَّه هذه الآية: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى). لكن عندنا أن اللَّه تعالى سمى الكافر: ميتًا في غير آي من القرآن؛ لما لم يجهدوا أنفسهم في عبادة اللَّه ولا استعملوها في طاعته، فهم كالموتى، وسماهم: صُمًّا؛ لما لم يسمعوا الحق ولم يقبلوه، وسماهم: بُكما؛ لما لم ينطقوا بالحق ولا تكلموا به، وسماهم: عُميا؛ لما لم يبصروا الحق، وسماهم: موتى؛ لما لم يستعملوا أيديهم في الحق؛ فنفى عنهم هذه الحواس لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، ولا استعملوها فيما أنشئت وخلقت وإن كانت لهم هذه الحواس؛ فعلى ذلك سماهم: موتى وهلكى، وفي موضع آخر شبههم بالأنعام وأخبر أنهم أضل؛ لما لم يستعملوا أنفسهم فيما أنشئت هي له، ولم ينتفعوا بها. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى قوله: (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ): أخبر أنه لا يقدر على أن يسمع الصم إذا ولوا مدبرين، ولا يقدر أن يسمع الصم وإن أتوا مقبلين ولم يولوا؟ قيل: معناه - واللَّه أعلم - أنهم صاروا صُمًّا لا ينتفعون بما سمعوا لإعراضهم وترك إمكان النظر فيه، ولو أقبلوا إليه لانتفعوا به، فيصير مسمعا لهم؛ يخبر عن شدة تعنتهم ومكابرتهم أنهم كالصم المدبرين، لا يمكن إسماعهم بحال ولا تفهيمهم وإن جهد، وأما الصم المقبلون فإنهم قد يمكن إسماعهم وتفهيمهم بجهد بالإشارة والإيماء، واللَّه أعلم بذلك. وقوله: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ... (٨١) وفي بعض القراءات: (وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم)، هذا يدل أن ليس كل الهدى البيان على ما قالت المعتزلة؛ لأنه لو كان الهدى كله بيانًا في جميع المواضع على ما قالوا هم، لكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقدر أن يبين للكفار عن ضلالتهم، وقد بين لهم، ثم أخبر رسوله: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ)، فدل هذا أن عند اللَّه هداية ولطفًا إذا سألوه وطلبوا منه ذلك وأعطاهم لاهتدوا به وآمنوا، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم. طائعين، فلو فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم. وذكر عن بعض السلف أنه قال: في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر؛ إن عيسى - صلوات اللَّه عليه - زهد في الدنيا زهدًا، حتى لم يتخذ لنفسه مسكنًا يسكنه، ولا مقرّا يقر فيه، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به، ولا اشتغل بشيء منها، فرفعه اللَّه إلى السماء، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامة اللَّه وجواره. وقارون كان يرغب في هذه الدنيا رغبة، وجهد في طلبها طاقته ووسعه، وركن إليها ركونًا، حتى خسفه اللَّه في الأرض، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه، فيكون فيها إلى يوم القيامة؛ ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد، فيرغب الزاهد في الزهد فيها، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها، واللَّه أعلم. وقوله - تعالى -: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ... (٨١) بالبغي الذي بغى عليهم؛ أعني: على موسى وأصحابه. وقوله: (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب اللَّه ونقمته؛ لذلك قال: (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، أي: لم يغن في دفع عذاب اللَّه عنه أتباعه وحواشيه، وهو كظنّ أُولَئِكَ: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، وكان ظنهم ذلك وقولهم إنما كان بوجهين: أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب اللَّه ونقمئه كما تدفع نقمة بعضهم عن بعض فيما بينهم؛ كقول ذلك الرجل: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ). والثاني: ظنوا أنهم إنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا لكرامة لهم عند اللَّه؛ فلا يعذبون أبدًا. وقوله: (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢) كانوا تمنوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون (يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ... وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) قال بعض أهل الأدب: (وَيْ) صلة، وإنما هو (كَأَنَّ) و (كَأَنَّهُ). وقال مقاتل: (وَيْكَأَنَّهُ) أي: لكنه وَيْكَأَنَّ. قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ) أي: اعلموا أن اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء،

النمل 27:82

وقوله: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) أي: ما تسمع إلا أهل الإيمان بالآيات وأهل الإسلام منهم، فأما أهل العناد والمكابرة فلا. وقوله: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) أي: إذا وقعت الحجة عليهم ولزمت فكذبوها أخرجنا لهم دابة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: وإذا وقعت السخطة والغضب عليهم أخرجنا لهم دابة. وقال قائلون: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)، أي: إذا بلغوا في الكفر حدّا يعلم اللَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا بعد ذلك (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً)، لكن قد ذكرنا في غير موضع: أن هذا لا يصح ولا يجوز؛ إذ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لم يزل عالما بما كان ويكون منهم أبد الآبدين، فليس علمه بأحوالهم بما يكون منهم إذا بلغوا ذلك الحد، بل لم يزل عالمًا بما يكون منهم، وهذا الحرف الذي يقول القائل يومئ إلى أنه إنما يعلم ذلك منهم إذا بلغوا ذلك الحد وقبل ذلك لا، فهو قبيح. وقول من قال: إذا وقعت الحجة عليهم؛ فهو لا يحتمل أيضًا؛ لأن الحجة قد كانت قامت قبل ذلك الوقت، وليست تقوم الحجة عليهم في ذلك الوقت. فيكون التأويل أحد وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من وقوع العذاب، ووجوب العقوبة والسخطة عليهم؛ كقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) أي: العذاب وجب عليهم. والثاني: أي: إذا أتى وقت خروج الدابة التي وعدنا لهم أنها تخرج، أخرجناها لهم في ذلك الوقت، أي: لا يتقدم خروجها عن الوقت الموعود ولا يتأخر؛ كقوله: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، وهكذا كل شيء جعل اللَّه لظهور ذلك وكونه وقتًا لا يتقدم ولا يتأخر ذلك الوقت؛ هذا - واللَّه أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية. وقوله: (تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ): قراءة العامة بالتشديد: (تُكَلِّمُهُمْ) من التكليم والتحديث؛ وكذلك في بعض الحروف: تحدثهم وتنبئهم، وقد قرئ: (تَكْلِمُهُم) بالتخفيف وهو من الجراحة، وهو ما ذكر في الأخبار والقصص أن الدابة إذا خرجت تجرح الكافر، وتسمه بسمة وعلامة، حتى يعرف الكافر من المؤمن فيقال: يا مؤمن ويا كافر. وسئل ابن عَبَّاسٍ عن ذلك؟ فقال: " تكلم المؤمن وتحدثه، وتجرح الكافر "، والله

النمل 27:83

أعلم. ثم اختلف في قوله: (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ)؛ اختلف في تلاوته، وتأويله: (أَنَّ النَّاسَ) بنصب الألف، و (إِنَّ النَّاسَ) بكسرها، فمن قرأ بالنصب: (أَنَّ النَّاسَ) وجعل ذلك القول من الدابة، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: تقول الدابة: إن الناس كانوا بي وبخروجي لما وعدوا لا يوقنون أني أخرج، فهأنذا خرجت. والثاني: أنها تخبر عن اللَّه وتنبئ أن الناس كانوا بالدابة وبغيرها من الآيات لا يوقنون. ومن قرأ بالخفض (إِنَّ) يجعل ذلك القول من اللَّه ابتداءَ إخبارٍ: أنهم كانوا لا يزالون لا يوقنون. وفي خروج الدابة أعظم آيات في إثبات رسالة رسول اللَّه ونبوته؛ لأنه أخبر أنها تخرج في وقت كذا؛ فتخرج على ما أخبر في ذلك الوقت على الوصف الذي وصف؛ فتدلهم على صدقه. * * * قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) وقوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا): يجمع القادة منهم والأتباع والمتبوعون، فيساقون إلى النار جميعًا؛ كقوله: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ...) الآية، وكقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا...) الآية؛ وكقوله: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ). قال أهل التأويل: (يُوزَعُونَ) أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وقد ذكرنا الوزع فيما تقدم وما قيل فيه. واعلموا أنه لا يفلح الكافرون، لكن اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء، ولكنه لا يفلح الكافرون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ألم تر أن اللَّه يبسط الرزق، وألم تر أنه لا يفلح كذا. وقال الزجاج: " وي " مقطوعة من (كأن) وهو حرف يفتتح به التندم، ثم ابتدأ بقوله: كأنه لا يفلح الكافرون. ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على اللَّه؛ لأنهم ذكروا مِنَّة اللَّه في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون، فلو كان ما أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هَؤُلَاءِ منة؛ دل أن ما أعطى قارون لم يكن أصلح له، بل المنع أصلح له، وأن ليس على اللَّه حفظ الأصلح للعباد في الدِّين. وقوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) في ظاهرها: أن كل من لا يريد العلو في هذه الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل نعمة اللَّه، وكذلك ما ذكر من الدار الآخرة، وجهنم هي من دار الآخرة أيضًا، لكن الآية تخرج على وجهين: أحدهما: كأنها نزلت في رؤساء الكفرة وكبرائهم من الذين كانت همتهم في التكبر والتجبر على الرسل، والفساد فيها، في صرف الناس عن دين اللَّه واتباع الرسل، فقال - واللَّه أعلم -: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ) - أي: الجنة - ليست لهَؤُلَاءِ، ولكن لمن تواضع للرسل، ودعا الناس إلى دين اللَّه واتباع الرسل. والثاني: تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم في نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك، فأخبر أنهم وإن كانوا يعملون بتلك الأعمال فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة، فتلك الدار الآخرة ليست لهم، إنما هي للذين يعملون ويريدون بها الدار الآخرة. وقوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ): كأنه يقول: تلك الدار التي دعوا إليها ليست لمن ذكر، وهي الدار التي قال اللَّه فيها: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)، فالدار الآخرة هي الدار التي دعوا إليها وهي الجنة؛ الدار الآخرة على الإطلاق: الجنة؛ كالكتاب المطلق كتاب اللَّه، والدِّين المطلق: دين اللَّه، ونحوه. وقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي: تلك الدار الآخرة للمتقين. وقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا... (٨٤) يخرج على وجوه:

النمل 27:84

وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) أي: حتى إذا جاءوا جميعًا واجتمعوا - يعني: الكفار - قال لهم: (أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا)، يحتمل (وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) أي: قد أحطتم بها علما أنها آيات، لكن كذبتم وأنكرتم أنها آيات عنادا ومكابرة؛ إذ يجوز أن ريكلم بالنفي على إثبات ضده؛ كقوله: (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) أي: يعلم بضد ذلك وبخلاف ما تقولون أنتم، وذلك جائز في القرآن كثير. أو أن يكون قوله: (وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) لما لم تتفكروا فيها، ولم تنظروا إليها نظر التعظيم والإجلال لكي تعرفوا، وأحطتم بها علما أنها آيات. وإلا لو كان التأويل على ظاهر ما ذكر لكان لهم عذر في تكذيبها إذا لم يحيطوا بها علما؛ إذ من لم يحط العلم بالشيء فله عذر الرد وترك القبول، لكن يخرج على الوجهين اللذين ذكرتهما، واللَّه أعلم. ثم قال: (أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): في تكذيب الآيات والأعمال التي عملوها بلا حجة، ولا برهان. (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أي: وجب القول بالعذاب، ووقع ما وعدوا من العذاب بما ظلموا حيث قال: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، ونحوه. وقوله: (فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ) أي: لا ينطقون بالحجة مما يكون لهم به عذر. وقوله: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) أي: في الليل والنهار لآيات لقوم يؤمنون. ثم الآيات التي ذكر فيهما تكون من وجوه: أحدها: دلالة وحدانيته ودلالة علمه، وتدبيره وحكمته، ودلالة كرمه وجوده، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة القدرة على البعث والإحياء بعدما صاروا رمادا وترابًا. أما دلالة كرمه وجوده: ما جعل لهم في الليل والنهار منافع تدوم ما داموا هم. ثم تلك المنافع تكون من وجهين: أحدهما: جعل النهار للتقلب فيه والتصرف لمعاشهم وما به قوام دنياهم، وجعل الليل راحة لهم وسكونا، ولو جعلهما جميعا للتقلب ما قام به معاشهم وما به قوام أنفسهم وأبدانهم أبدًا؛ لأنه لا يلتئم ذلك إلا بالراحة، ولو جعلهما جميعًا للراحة لم يقم أمر معاشهم، فمن رحمته وفضله جعل أحدهما للراحة والآخر للتقلب، وهو ما ذكر في آية أخوى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ). والثاني: من النعمة التي ذكر أنه جعل الذي للتقلب إنما جعل ذلك للكل، لا للبعض

النمل 27:85

أحدها: ما قال أهل التأويل على التقديم والتأخير: فله منها خير، ومعناه: أن ما يكون له في الآخرة من الخير؛ إنما يكون بتلك الحسنة التي جاء بها في الدنيا وهي التوحيد. والثاني: قوله: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) أي: ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم، وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها. والثالث: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) أي: ثواب اللَّه وما أكرموا به خير مما عملوا في الدنيا. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ والرابع: أن توفيقه إياهم وإرشاده خير مما عملوا. أو أن يكون ذكر اللَّه وحمده خير مما ذكر؛ كقوله: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ). وقوله: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ): قالوا جميعًا: السيئة: هي الشرك، (فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)، هو التخليد في النار أبدًا، (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ): فيما يجزون بها بل ظلموا أنفسهم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) وقوله: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ): اختلف في قوله: (فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ)؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَرَضَ) أي: نزل عليك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فرض عليك العمل بالقرآن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فرض تبليغ ما أنزل عليك من القرآن والرسالة إلى الناس. واختلف أيضًا في قوله: (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: إلى مكة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المعاد: هو البعث والساعة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المعاد: الجنة، ويقال: الموت؛ وكله البعث، والمعاد هو البعث في الظاهر.

النمل 27:86

وجائِز أن تسمى مكة: معادا؛ لما يعود الناس إليها مرة بعد مرة، كما تسمى: مثابة؛ لما يثوب الناس إليها مرة بعد مرة. لكن من يقول بأن المعاد هو مكة يقول: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما أمر بالهجرة إلى المدينة فهاجر إليها اشتاق إلى بلده ومولده ومولد آبائه، فنزل جبريل عليه بهذه الآية بشارة في العود إليها ظاهرًا عليهم، قاهرًا، فاتحًا له مكة؛ هذا تأويل من يقول بأن المعاد هو مكة. وجائز أن يكون على غير هذا، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: كأنه حزن على الفراق منهم إشفاقًا على هلاكهم لإخراجهم الرسول من بين أظهرهم؛ لأن الأمم السالفة إذا خرج من بينهم الرسل نزل بهم العذاب؛ فخاف أنهم لما أخرجوا من بين أظهرهم وأبوا إجابته أن يهلكوا أو يعذبوا؛ كقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، وقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، فبشر بهذا أن ترد إليها وستعود إليهم، فيتبعونك ويؤمنون بك، وهم لا يهلكون إهلاك استئصال وتعذيب كسائر الأمم. والثاني: يذكر على الامتنان عليه؛ يقول: إن الذي أنزل عليك القرآن وألقاه عليك بعد ما لم تكن ترجو إلقاءه عليك وانزاله، ولكن برحمته ومنته ألقاه إليك وأنزله عليك حيث قال: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)؛ فعلى ذلك يردك إلى مكة بعدما لم تكن ترجو ردك وعودك إليها. وإِن كان المعاد: هو البعث؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: على البشارة؛ كأنه يقول: إن الذي فرض عليك القرآن يردك ويبعثك بمن كذبك وبمن صدقك، فينتقم من مكذبيك جزاء التكذيب، ويجزي من يصدقك جزاء التصديق. والثاني: يذكره ويخاطبه، وانما يريد به قومه، أي: سيبعثون وسيعودون إليها، فيكون كالآيات التي يخاطب بها رسوله والمراد بها: قومه؛ فهو يخرج على الوعيد لهم، ألا ترى أنه قال: (رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: ربي أعلم بمن جاء بالهدى فيجزيه جزاء الهدى، ومن هو في ضلال مبين فيجزيه جزاء ضلاله. ويخرج ذكر هذا عند دعاء أُولَئِكَ الكفرة: أنهم على الحق والهدى، وأن آباءهم كانوا على الحق والهدى، وأنتم على ضلال، فيقول: (رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) نحن أوأنتم؟! فهو على التحاكم إلى اللَّه أن يحكم بينهم، فيجزي كلا بما جاء به، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) فهو يخرج على

النمل 27:87

دون البعض؛ وكذلك الذي هو مجعول الراحة، والقرآن إنما جعله كذلك للكل لا لقوم دون قوم، ولو جعل كذلك لكان لا يقوم أمر معاشهم، ولا ما به يقوم أبداتهم وأنفسهم، ولكن من رحمته وفضله جعل المجعول وقتًا للراحة للكل لا لبعض دون بعض؛ وكذلك المجعول للتقلب؛ ليظفر المشترون بالباعة والباعة بالمشترين؛ ليلتئم أمر معاشهم ودنياهم. وأما دلالة وحدانيته: ما جعل منافع أحدهما متصلة بالآخر؛ إذ لا يقوم أحدهما إلا بالآخر على اختلاف جوهرهما؛ ليعلم أن مدبرهما ومنشئهما واحد؛ إذ لو كان عددا لكان ما أراد هذه إيصاله منع الآخر، فإن لم يكن ولكن جريا على سنن واحد واتساق واحد؛ دل أنه تدبير واحد لا عدد. ودلالة علمه وحكمته: أنهما منذ كانا، كانا على ميزان واحد، وعلى تقدير واحد من غير تغير ولا تبدل يقع فيهما؛ دل أن لمنشئهما علما ذاتتا وحكمة ذاتية، لا علما مكتسبًا مستفادًا كعلم الخلق. وأما دلالة القدرة والسلطان: لأنهما يقهران الخلق كله من الجبابرة والفراعنة شاءوا أو أبوا، حتى إذا أراد واحد منهم أن يمنع أحدهما أو ينقص من الآخر لم يقدر عليه. أو إن اجتمعوا جميعًا على دفعهما أو دفع أحدهما دون الآخر لم يقدروا عليه؛ دل أن لمنشئهما قدرة وسلطانا؛ إذ من قدر على إنشاء هذا لا يعجزه شيء. ودلالة القدرة على البعث: لأنه يتلف أحدهما ويذهب به حتى لا يبقى أثره، ثم يأتي بالآخر على تقدير الأول، فمن قدر على إنشاء هذا بعد ذهاب الآخر بكليته وذهاب أثره لقادر على إنشاء الخلق بعد فنائهم وهلاكهم، وأنه لا يعجزه شيء. ثم لما جعل هذا ما ذكرنا وخلق ما خلق من المنافع التي ذكرنا لهذا العالم خلق هذا العالم للمحنة يأمرهم وينهاهم، وجعل لهم عاقبة فيها يثاب من أطاعه ويعاقب من عصاه؛ إذ لو لم تكن عاقبة لكان خلقهم عبثًا لا حكمة فيه؛ لأن من بني بناء للفناء والنقض خاصة لا لعاقبة يتأمل نفعه كان بناؤه عبثًا غير حكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق لا لعاقبة تقصد عبث ليس بحكمة. والآيات لمن آمن بها وصدق، فأما من لم يؤمن وكذب بها فهي آيات عليهم لا لهم. وقوله: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) اختلف في النفخ ما هو؟ وفي عدده؟ واختلف في الصور أيضًا ما هو؟ وكيف هو؟! أما الاختلاف في النفخ: فمنهم من يقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفة قيام القيامة على اللَّه؛ أخبر بالنفخ عنها؛ لأنه أخف شيء على الخلق وأهونه، فأخبر به عنها، وهو ما قال: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ)، شبه أمرها بلمح البصر لما ليس شيء أخف على المرء من لمح البصر؛ فعلى ذلك النفخ عند قيامها لخفته على الخلق. ومنهم من يقول: ذكر النفخ لسرعة نفاذ الساعة؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا من النفخ، وهو ما قال: إلا صيحة، وإلا رجفة، ذكر ذلك وشبهها بالصيحة والرجفة لسرعة نفاذها؛ إذ ليس شيء أسرع نفاذا من الصيحة والرجفة، فيقول: ليس على حقيقة النفخ، ولكن إخبار عن خفتها على اللَّه أو سرعة نفاذها على ما ذكرنا، وهو ما قال: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)، ليس أنه ينفخ فيه نفخًا، ولكن يجعل كأنه قال: وجعلنا فيه من روحنا. ومنهم من يقول: هو على حقيقة النفخ، فإن كان على هذا فهو أن يمتحن الملك من غير أن يقع له الحاجة إلى ذلك؛ نحو ما امتحن الكرام الكاتبين بكتابة أعمال الخلق وأفعالهم من غير وقوع الحاجة إليه، لكن امتحانًا منه ملائكته بذلك، أو أن يكونوا أحذر؛ إذ هو عالم بما كان وبما يكون كيف يكون؟ ومتى يكون وأي شيء يكون؟ وأما اختلافهم في عدد النفخ: قال قائل: إنه واحد يحتج بقوله: (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً). ومنهم من يقول بالنفختين؛ يحتج بقوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧). أخبر أنه يردف الأولى غيرها، ويحتج بقوله أيضًا: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى). ومنهم من يقول بالنفخات الثلاث يقول: الأولى للفزع، والثانية للصعق على ما ذكرنا في الآية، والثالثة للإحياء. ومنهم من يقول بالثلاث إلا أنه يجعل ذلك كله بعد الموت: أحدها للفزع في القبور، والثانية للإحياء فيها، والثالثة للإخراج منها والنشر، ويقول هذا القائل بعذاب أهل القبر من النفخة الثانية إلى النفخة الثالثة؛ وعلى ذلك رويت أخبار في ذلك، فإن ثبتت فهو ذاك وإلا نقف فيه. وأمَّا اختلافهم في الصور: قال قائلون: ينفخ في الخلق، والصور جمع صورة؛ قال: الزجاج: لا يحتمل هذا؛ لأن الصور على سكون الواو ليس هو من أفراد الصور ولا من جمعها؛ لأن الفرد هو صورة بالهاء وجمع الصورة صور - بتحريك الواو - على ما ذكر في الآية: (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ). ومنهم من يقول: هو قرن ينفخ فيه كقرن كذا، أو بوق كبوق كذا. لكنا لا نفسر شيئًا مما ذكر من النفخ والصور أنه كذا، ولا نشير إلى شيء أنه ذا، إلا إن ثبت شيء من التفسير عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيقال به وليس هو بشيء يوجب العمل به وجهين: أحدهما: وما كنت ترجو - وإن كنت مطيعًا أي: خاضعًا - أن يلقى إليك الكتاب وينزل عليك وتصير رسولا، أي: لم تكن تطمع ذلك، ولكن اللَّه بفضله ورحمته جعلك رسولا نبيًّا. والثاني: ما كنت ترجو أن تكون في قومك وقبيلتك رسالة فضلا أن ترجو وتطمع في نفسك؛ لأنهم ليسوا من بني إسرائيل ولا من أهل الكتاب، والرسالة من قبل كانت لا تكون إلا في بني إسرائيل، ولكن اللَّه جعل الرسالة في العرب، وفي نفسك برحمته وفضله، واللَّه أعلم. وقوله: (فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ): هذا يخرج على وجوه: أحدها: على النهي، أي: لا تكن ظهيرا وإن كان لا يكون للعصمة التي عصمه اللَّه؛ لأن العصمة لا تمنع النهي والأمر، بل منفعة العصمة إنما تكون عند النهي والأمر. والثاني: على الأمن له والإياس أن يكون ظهيرًا لهم، كأنه يخاف لعله أن يكون ظهيرًا لهم في وقت من الأوقات، فأمنه اللَّه عن ذلك فقال: لا تخف فإنك لا تكون ظهيرًا لهم، وهو ما ذكرنا في قوله: (وَلَا تَحْزَن عَلَيهِم)، وقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، على رفع الحزن والحسرة بتركهم الإيمان؛ فعلى ذلك الأول. والثالث: أن الخطاب وإن كان له في الظاهر فالمراد منه غيره، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن: أنه خاطب به رسوله والمراد به غيره؛ وكذلك بهذا. وفي قوله: (وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) في هذا ما في الأول من الوجوه التي ذكرنا؛ وكذلك: هذا في قوله: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ). وقوله: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ... (٨٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (كُلُّ شَيْءٍ) يرجى منفعته وشفاعته من دون اللَّه باطل، إلا ما ابتغي منه وعمل له. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل شيء هالك وزائل إلا هو؛ فإنه حي لا يموت دائم لا يزول. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل أمر وجهة يتوجه إليها ويعمل به هالك إلا الجهة والوجه الذي أمر هو بالتوجيه إليه والعمل به، وهو قريب بالأول، واللَّه أعلم. * * *

النمل 27:88

فيتكلف صحته أو سقمه، إنما هو شيء يجب التصديق به، فنقول بالنفخ والصور على ما جاء ولا نفسسر، واللَّه أعلم. وقوله: (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)، وقال في آية أخرى: (فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) إنما هو إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ كقوله: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى...) الآية؛ وكقوله - تعالى -: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ)، ونحوه. وقوله: (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ): هم الشهداء في الأرض؛ وعلى ذلك روي في بعض الحديث أنه قال: " ما أعطي آدمي بعد النبوة أفضل من الشهادة، لا يسمع الشهيد الفزع يوم القيامة إلا كرجل قال لصاحبه: أتسمع، قال: أسمع كتأذين الصلاة ". وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الأنبياء والرسل. لكن لا نقول نحن: إن أهل الثنيا هم كذا ولا نشير إلى أحد؛ لأنا لا نعلم ذلك إلا إن ثبت في ذلك خبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فنقول به. وجائز أن يكون الذين استثناهم عن الذين أخبر عنهم في آخر الآية أنهم يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله، وهو ما قال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ). وقوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ): قرئ بالمد (آتُوهُ) وتطويله مضموم التاء فيه على مثال (فاعلوه)، وهو جمع (آت)؛ كقوله (إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)، و (أَتَوْهُ) جمع (أتى) وهو من سيأتون. وقرأ بعضهم بقصر الألف ونصب التاء على الإتيان: قد أتوه. وقوله: (دَاخِرِينَ) قيل: صاغرين ذليلين، دخر، أي: ذل. وقوله: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: وهي تمر مر كذ!؛ لكثرتها وازدحامها يرنو الناظر إليها ويحسبها كأنها جامدة؛ وكذلك العسكر العظيم يحسب الناظر إليه كأنه ساكن جامد؛ لكثرتهم وازدحامهم؛ فعلى ذلك الجبال. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن لشدة ذلك اليوم وهوله وفزعه على الناس يحسبون كأنها جامدة، (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) وهو ما ذكر: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى...) الآية؛ لشدة ذلك اليوم ونزعه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن الجبال لهول ذلك اليوم وفزعه تمرّ مر السحاب وسيره؛ كقوله: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ)، وأصله: إنما يذكر هذا وما تقدم من هول ذلك اليوم وشدته على الخلق؛ ليتعظوا وينزجروا. وقوله: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: (أَتْقَنَ): أحكم وأبرم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَتْقَنَ): أي: أحسن كل شيء. قال بعض المعتزلة: كيف يكون الكفر حسنا وهو قبيح؛ لأنه شتم رب العالمين، ولا يجوز أن يقال: اللَّه خلق شتم نفسه وأحسن شتم نفسه، أو أحسن كفر الكافر وغير ذلك من الخرافات؟! فيقال لهم: لا يقول أحد: إنه خلق الكفر وأحسنه أو أحسن شتم نفسه على هذا الإطلاق، من قال ذلك فهو كافر، ولكن يقول: فعل الكفر من الكافر قبيحًا، وخلق فعل المعصية من العاصي قبيحًا، لكنه من حيث خلقه ذلك وجعله حجة عليه حسنًا متقنًا محكمًا، وإن كان ذلك الفعل منه قبيحًا باطلا سفها جورا - أعني: من الكافر - ألا ترى أن من تكلف أن يعرف فعل الكفر منه سفهًا وجورا كان غير مذموم؛ لأنه يتكلف أن يعرف ما هو سفه في الحقيقة سفها، ويعرف ما هو حق حقا فهو من هذا الوجه عارف بحق وحكمة؛ لأن الحكمة توجب أن يعرف كل شيء على ما هو في نفسه حقيقة؛ فعلى ذلك خلق فعل الكفر من الكافر على الوجه الذي ذكرنا هو حسن متقن محكم، وإن كان من حيث فعل الكافر قبيحًا سفهًا باطلا، وهذا كما نصفه على الإطلاق: أنه رب كل شيء وخالق كل شيء، ولا نقول: يا خالق الأنجاس ويا رب الأقذار ونحوه، وإن كان هذا داخلا في الجملة أنه خالقها وربها؛ لأنه على الإطلاق يخرج مخرج المدح له والثناء وعلى التخصيص مخرج الذمِ له؛ فعلى ذلك الأول. وقوله: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ): على أثر وصف الجبال بما وصف من انتقاضها

النمل 27:89

وإفسادها، وإخراجها عن الصفة التي أنشأها إلى ما ذكر لم يخرج من الإتقان والإحكام والإبرام؛ ليعلم أن ليس في إفساد الشيء خروج عن الإتقان إذا كان ذلك لحكمة، والله أعلم. وقوله: (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ): وعيد لهم. وقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) قالوا جميعًا: الحسنة هاهنا: التوحيد والإيمان. وقوله: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا): قيل فيه بوجوه: أحدها: من جاء بالتوحيد: توحيد ربه يوم البعث فله خير منها، ومجيئه ربه بالتوحيد إذا ختم به فله ما ذكر، شرط المجيء به، ولم يقل: من عمل بالحسنة فله كذا؛ لأن الرجل قد يعمل بالحسنات ثم يفسدها ويبطلها؛ فلا يثاب عليها؛ ليعلم أن ما ينتفع بالحسنات في الآخرة الحسنة التي ختم عليها وجاء بها ربه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) أي: ما يعطى في الآخرة له من الثواب، والثواب والجزاء إنما يكون من الحسنة التي كانت منه في الدنيا منها يكون له جميع الخيرات في الآخرة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) أي: الذي أعطي له في الآخرة من الخيرات خير مما ترك في الدنيا من النعم وصبر عليها، فذلك خير مما ترك، كقوله: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ)، كذا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا) أي: رؤية الرب ولقاؤه خير مما أعطي غيرها من الخيرات، على ما يكون في الدنيا رؤية الملك ولقاؤه على الرعية أعظم وأفضل عندهم من غيره من الكرامات وإن عظمت وجلت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك الثواب والجزاء في الآخرة خير مما عملوا به من الخيرات في الدنيا؛ لأن الثواب وجوبه الفضل والرحمة لا الاستيجاب والاستحقاق؛ إذ في الحكمة والعقل وجوب العمل، وليس فيهما وجوب الثواب، فما هو سبيله فضل اللَّه خير مما هو غيره. لكنه عورض بأن ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل خير مما كان سبيل وجوبه الإفضال؛ إذ ما كان سبيل وجوبه الحكمة والعقل لا يسع تركه، وما كان سبيل وجوبه الإفضال له تركه، لكنه قال: إن قوله: (فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا)، أي: في طباعكم ووهمكم ذلك

النمل 27:90

الثواب خير من ذلك، لا أنه في الحقيقة خير؛ وهو كقوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)، أي: في طباعكم، وعندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ إذ ليس شيء أهون على اللَّه من شيء، ولكن عندكم أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. وقوله: (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) أخبر أنهم إذا أتوا ربهم بالتوحيد يكونون آمنين من فزع ذلك اليوم وهوله. وقوله: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ... (٩٠) أي: بالشرك، (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ): المنكب على الوجه: هو الملقى على الوجه، كقوله: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ). وقوله: (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: ما تجزون إلا بأعمالكم. * * * قوله تعالى (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) وقوله: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا). قوله: (حَرَّمَهَا) يحتمل وجهين: يحتمل (حَرَّمَهَا) أي: منعها من الاستلاب والاختطاف فيها؛ كقوله: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ)، ليس على التحريم حتى لا يحل له ذلك، ولكن على المنع والحظر، أي: منعنا منه المراضع. والثاني: على التحريم نفسه، وهو ما جعل في كل أحد من الكافر والمسلم في الجاهلية والإسلام حرمة ذلك المكان؛ حتى لا يتناول أحد من صيد تلك البقعة ومن شجرها وحشيشها، واللَّه أعلم. وقوله: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ... (٩٢) أيضًا عليكم كأنهم أوعدوه بوعيد وخوفوه به، وطلبوا منه الموافقة لهم، فقال عند ذلك لهم: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة، وهو رب كل شيء، أي: أمرت أن أكون عبدا له، لا أجعل نفسي عبدا لغيره، وأمرت -أيضًا- أن أجعل نفسي سالمًا له، لا أجعل لأحد فيها شركا كما جعلتم أنتم - أيضا - ذلك كله. وأمرت -أيضًا- أن أتلو القرآن عليكم، فأنا أتلوه عليكم كذبتموني أو لم تكذبوني، فإني لا أخاف كيدكم ولا مكركم، واللَّه أعلم. وفي قوله: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) دلالة لزوم الرسالة؛ لأن أهل مكة وغيرهم قد أقروا جميعًا بحرمة تلك البقعة من أوائلهم وأواخرهم، فما

النمل 27:91

[ الآية ٩١ ] وقوله تعالى :﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها﴾ قوله :﴿حرمها﴾ يحتمل وجهين : أحدهما(١) : حرمها، أي منعها من الاستلاب والاحتفاظ فيها كقوله :﴿وحرمنا عليه المراضع﴾ [القصص: ١٢] ليس على التحريم حتى لا يحل له ذلك، ولكن على المنع والحظر، أي منعنا منه المراضع. والثاني : على التحريم نفسه، وهو ما جعل لكل(٢) أحد من الكافر والمسلم في الجاهلية والإسلام حرمة ذلك المكان حتى لا يتناول أحد من صيد تلك البقعة ومن شجرها وحشيشها، والله أعلم. ١ - في الأصل م: يحتمل.. ٢ - في الأصل: كل..

النمل 27:92

[ الآية ٩٢ ] وقوله تعالى :﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ ﴿وأن أتلوا القرآن﴾ أيضا عليكم. كأنهم أوعدوه بوعيد، وخوفوه به، وطلبوا منه الموافقة لهم. فقال عند ذلك لهم :﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة﴾ وهو رب كل شيء، أي أمرت أن أكون عبدا له، لا أجعل نفسي عبدا لغيره، وأمرت أيضا أن أجعل نفس سالما له، لا أجعل لأحد فيها شركا كما جعلتم أنتم أيضا بذلك كله، وأمرت أيضا أن أتلو القرآن عليكم. فأنا أتلوه عليكم، كذبتموني، أو لم تكذبوني فإني لا أخاف كيدكم ولا مكركم، والله أعلم. وفي قوله :﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها﴾ دلالة لزوم الرسالة لأن أهل مكة وغيرهم قد أقروا جميعا بحرمة تلك البقعة من أوائلهم وأواخرهم. فما عرفوا ذلك إلا بالرسل. دل أن أوائلهم أقروا(١) بالرسالة والنبوة. فعلى ذلك يلزم هؤلاء الإقرار/ ٣٩٤- ب/ بها، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه﴾ يخبر أن من آمن، وقبل الهدى، فإنما يفعل ذلك لمنفعة نفسه ﴿ومن ضل﴾ أيضا فإنما يكون ضرره عليه كقوله :﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها﴾ [فصلت: ٤٦]. وقوله تعالى :﴿فقل إنما أنا من المنذرين﴾ أي ليس علي إلا الإنذار. فأما [ غير ذلك فذلك ](٢) عليكم كقوله :﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ [النور: ٥٤] وقوله :﴿وما عليك من حسابكم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾ [الأنعام: ٥٢]. ١ - في الأصل وم: يقرون.. ٢ - من م، في الأصل: على غير ذلك فلك..

النمل 27:93

عرفوا ذلك إلا بالرسل؛ دل أن أوائلهم يقرون بالرسل والنبوة، فعلى ذلك يلزم هَؤُلَاءِ الإقرار بها، واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ): يخبر: أن من آمن وقبل الهدى فإنما يفعل ذلك لمنفعة نفسه، ومن ضل -أيضًا- فإنما يكون ضرره عليه؛ كقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا). وقوله: (فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) أي: ليس عليَّ إلا الإنذار، فأما غير ذلك فذلك عليكم؛ كقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، وقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ). وقوله: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا... (٩٣) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: سرِيهم آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات رسالته. وقوله: (فَتَعْرِفُونَهَا) أي: بالآيات ما ذكر؛ كقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ). والثاني: سيريهم ما وعد لهم من النصر والمعونة ليعرفوه عيانًا على ما عرفوه خبرا. وقوله - تعالى -: (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا الحرف توبيخ للظالم وتعيير وزجر، وتعزية للمظلوم وتسل له. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا الحرف ترمخيب وترهيب. قَالَ الْقُتَبِيُّ: قوله: (رَدِفَ لَكُم)، أي: تبعكم، واللام زائدة؛ كأنه قال: ردفكم، واللَّه أعلم بالصواب. * * *

القصص 28:1

[ الآيتان ١و٢ ] قوله تعالى :﴿طسم﴾ ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ قد ذكرنا تأويل هذا في ما تقدم في غير موضع ما يغني [ عن ](١) ذكره في هذا الموضع. ١ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:3

[ الآية ٣ ] وقوله تعالى :﴿نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق﴾ من نبإ موسى وفرعون أي من خبرهما. وقوله تعالى :﴿بالحق﴾ أي بالصدق، ما يعلم أنه صدق وحق. وجائز أن يكون قوله :﴿بالحق﴾ أي بالحق الذي لموسى على فرعون وقومه، أو بالحق الذي عليه، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿لقوم يؤمنون﴾ يحتمل وجهين : أحدهما :﴿نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق﴾ بالمؤمنين، لأنهم هم المنتفعون بالأنباء وما فيها. وأما من لا يؤمن فلا ينتفع بها، فلا تكون [ له ](١). والثاني :﴿لقوم يؤمنون﴾ بالأنباء والكتب المتقدمة ؛ هم يعرفون أنه حق لما في كتبهم ذلك ؛ والله أعلم. ١ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:4

[ الآية ٤ ] وقوله :﴿إن فرعون علا في الأرض﴾ قال بعضهم : تجبر، واستكبر، وأبى أن يخضع لموسى ولأمثاله. وقال بعضهم :﴿علا في الأرض﴾ أي بغى، وقهر. فيكون تفسيره ما ذكر على إثره :﴿يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم﴾ هذا، والله أعلم، يشبه أن يكون علوه وبغيه في الأرض، ويشبه أن يكون قوله :﴿علا في الأرض﴾ أي علا قدره، وارتفعت رتبته لما ادعى لنفسه الألوهية والربوبية بعد ما كان عبدا كسائر العباد أو دونهم، فعلا قدره، وارتفعت منزلته بدعواه :﴿علا في الأرض﴾ أي غلب. وقوله تعالى :﴿وجعل أهلها شيعا﴾ قيل : فرقا : يستضعف طائفة، ويذبح طائفة، ويستحيي طائفة، ويعذب طائفة. جائز أن يكون قوله :﴿وجعل أهلها شيعا﴾ أي جعل لكل طائفة منه عبادة صنم، لم يجعل ذلك لطائفة أخرى، وجعل طائفة أخرى على علم أولئك وحوائجهم ليتفرغوا لعبادة الأصنام التي استعبدهم لها، لأن الشيع فرق، يرجعون جميعا إلى أصل واحد وإلى أمر واحد. وقوله تعالى :﴿إنه كان من المفسدين﴾ كذلك كان، لعنه الله.

القصص 28:5

[ الآية ٥ ] وقوله تعالى :﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا﴾ هذا في الظاهر إخبار لرسوله أنه سيفعل ذلك، لا أنه من عليهم، وفعل ذلك لأنه(١) يقول :﴿ونريد أن نمن على الذين﴾ كذا، وقد من عليهم بذلك. فهلا قال : وقد مننا على الذين استضعفوا في الأرض. لكن معناه، والله أعلم : أي لكنا نريد في الأزل أن نمن عليهم، وأن نجعلهم أئمة، وأن نجعلهم الوارثين. وإلا الظاهر ما ذكرنا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ونجعلهم أئمة﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : جعلهم جميعا أئمة لنا، بهم نقتدي، وننقاد لهم. والثاني(٢) : أي نجعل فيهم أئمة وقادة لهم، أي نجعل بعضهم أئمة لبعض [ كقول ﴿موسى لقومه يا قوم ](٣) اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء﴾ [المائدة: ٢٠] والأئمة المذكورة ههنا كأنهم هم الأنبياء الذين ذكروا في هذه الآية :﴿ونجعلهم الوارثين﴾ [ والآية التي تليها ](٤) :﴿ونمكن لهم في الأرض﴾ [القصص: ٦]. هذا كما ذكر في آية أخرى :﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق الأرض ومغاربها﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧] أي يرثون الأرض وملكهم بعد فرعون وقومه. والوارث هو الباقي على ما ذكرنا، كأنه قال : يبقون هم في أرضهم وملكهم بعد هلاكهم كقوله :﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها﴾ [مريم: ٤٠] أي نبقى نحن بعد هلاك الأرض وهلاك من عليها، والله أعلم. ١ - من م، في الأصل: لا أنه.. ٢ - في الأصل وم: أو أن يكون قوله: ﴿ونجعلهم أئمة﴾.. ٣ - في الأصل وم: كقوله لموسى.. ٤ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:6

[ الآية ٦ ] وقوله تعالى :﴿ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ أي يرون ما كانوا يحذرون منه، وهو الهلاك. وذهاب الملك هذا كانوا يحذرون. فأراهم ذلك، لأنه [ كان ](١) يذبح أبناءهم إشفاقا على بقاء ملكه، ويحذر ذهابه. قال الزجاج : إن من حماقة فرعون وقلة عقله أنه كان يذبح أبناءهم لقول الكهنة : إنه يذهب ملكه بغلام يولد في العام الذي قالوه يخلو : إما إن صدقوا في قولهم، فيذهب ملكه، و إن قتل الأبناء، وإما إن كذبوا في قولهم فلا معنى لقتل الأبناء لأنه لا يذهب. لكنه فعل ذلك بهم لحماقته وسفهه وجهله بنفسه، وقوله تعالى :﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض﴾ بالنجاة من فرعون وآله واستنقاذه إياهم من يديه ومن قتل الولدان، وغير ذلك من أنواع التعذيب والله أعلم. وفي قوله :﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض﴾ إلى آخر ما ذكر وجوه على المعتزلة في قولهم : إنه ليس لله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين [ وإن لو ](٢) لم يفعل ذلك كان جائرا. فيقال لهم : لو كان عليه فعل الأصلح لهم في دينهم على كل حال لكان لا معنى لذكر المنة على الذين استضعفوا في الأرض في جعلهم أئمة وإبقائهم في أرضهم وتمكينه إياهم في ملكهم ووراثتهم أموالهم لأنه على زعمهم فعل بهم ما عليه أن يفعل أن ذاك أصلح لهم في دينهم/٣٩٥- أ/ وكل من فعل فعلا، عليه ذلك الفعل، لا يكون له الامتنان على المفعول به ذلك. فدل ذكر المنة في ما ذكر أنه فعل بهم على أنه فعل ما لم يكن عليه ذلك، ولكنه فعل ذلك مفضلا مانا(٣)، وله ألا يفعل ذلك. ويقولون أيضا أن إهلاك(٤) فرعون وقومه أصلح لهم من إبقائهم وكذلك إماتة(٥) كل كافر، فلم يذكر فيه المنة، دل ذلك أنه ليس على ما يقولون(٦) هم، وأن ذلك منقوض مردود عليهم. ويقولون أيضا أن الإرادة من الله لهم أمر لهم، يأمرهم به. فلو كان أمرا على ما يزعمون لكان الأمر منه قد شمل الكل، ثم لم يصيروا جميعا أئمة وقادة، ولكن إنما صار بعض دون بعض. دل أن الإرادة غير الأمر وأنه إذا أراد لأحد شيئا كان ما أراد ليس على ما يقولون : إنه أراد إيمان كل كافر، لكنه لم يؤمن بعدما أعطاه جميع ما عنده من القوة والعون على ذلك حتى لم يبق عنده شيء من ذلك إلا وقد أعطاه. فدل ما ذكر على فساد مذهبهم. ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - من م، في الأصل: فإن.. ٣ - في الأصل وم: ممنا.. ٤ - أدرج قبلها في الأصل وم: في.. ٥ - أدرج قبلها في الأصل وم: في.. ٦ - من م، في الأصل: يقول..

القصص 28:7

[ الآية ٧ ] وقوله تعالى :﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ قال عامة أهل التأويل : إن الوحي ههنا وحي الإلهام والقذف في القلب لا وحي إرسال [ من غير أن ](١) صارت رسولة. وذاك لا يجوز. لكن يقال : جائز أن تلهم هي إرضاعه وإلقاؤه في اليم، فأما أن تلهم ما ذكر ﴿ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ هذا مما لا سبيل إلى معرفته(٢) وعلمه إلا بتصريح قول ومشافهة آخر ؛ اللهم إلا أن يقال إنه كان بموسى آيات الرسالة وأعلام به لما عرفت هي تلك الأعلام والآيات التي كانت له أنه يرد إليها وأنه يبقى رسولا إلى وقت. وقد كانت بالرسل أعلام وآيات الرسالة في حال صغرهم وصباهم نحو عيسى حين(٣) كلم قومه في المهد ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب﴾ [مريم: ٣٠] إلى آخر ما ذكر أن محمدا لما ولد بالليل استنارت تلك الناحية، واستضاءت بنور حتى ظنوا أن الشمس قد طلعت ونحوه. فعلى ذلك جائز أن يكون بموسى أعلام وآيات، عرفت أمه بها أنه رسول وأنه يرد إليها. وإنما كلفنا بهذا التخريج قول أهل التأويل : إنه وحي إلهام وقذف في القلب، لا غير. وعندنا جائز أن يكون الوحي إليها وحي إرسال رسول وإخبار من غير أن صارت هي بذلك رسولة نحو ما ذكر في قصة مريم أن الملك لما دخل تعوذت بالله حين(٤) ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ ﴿قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ [ مريم : ١٨ و١٩ ] وذلك من البشارة التي بشروها بالولد. فلم تصر بما أرسل إليها من الرسل، وشافهوها رسولة. فعلى ذلك أم موسى، ونحو بشارة الملائكة لامرأة إبراهيم بالولد، وهو قوله :﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ [هود: ٧١] ونحوه مما يكثر ذكره لم يصيروا بذلك رسلا. فعلى ذلك الوحي إلى أم موسى يحتمل ما ذكرنا. وجائز ذلك من غير أن صارت بذلك رسولة، وهو أشبه وأقرب، والله أعلم. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: معرفة ذلك.. ٣ - في الأصل وم: حيث.. ٤ - في الأصل وم: حيث..

القصص 28:8

[ الآية ٨ ] وقوله تعالى :﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ قال بعضهم : في الآية إخبار(١) لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا، ولكن كان فيه إضمار أي التقطه آل فرعون ليتخذوه ولدا ووليا، فكان لهم عدوا وحزنا إذ كبر [ أو كلاما ](٢) نحو هذا. وقال بعضهم : ذاك إخبار عما في علم الله أنه يكون ما ذكر، معناه والله أعلم : التقطه آل فرعون، فكان في علم الله تعالى أنه يكون عدوا وحزنا. وذلك جائز في اللغة. يقال : لدوا للموت، وابنوا للخراب ؛ لا يلدون للموت، ولا يبنون للخراب، ولكن إخبار عما يؤول أمرهم في الآخرة، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين﴾ ظاهر. وفيه نقض قول المعتزلة من وجه :[ أن الله تعالى إنما يبقي الكفرة لما فيه صلاحهم. ثم قد بين أنهم كانوا خاطئين في ما مضى من عمرهم. والإبقاء على الخطإ كيف يكون أصلح ؟ ](٣). ١ - في الأصل وم: إضمار.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:9

[ الآية ٩ ] وقوله تعالى :﴿وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾ هذا لطف من الله ورحمة حين(١) ألقى محبة في قلوبهم وحلاوة في أعينهم، وهو ما ذكر منته عليه حين(٢) قال :﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ [طه: ٣٩] ليستأدي بذلك الشكر عليه. قال أبو معاذ : قال مقاتل : قوله :﴿قرت عين لي ولك﴾ لا تقول [ آسية ](٣) : ليس لك بقرة عين. قال أبو معاذ : وهذا محال. ولو كان كذلك لكان في القراءة [ حين ](٤) تقتلونه. وهذا أيضا محال لقوله :﴿عسى أن ينفعنا﴾ ولما(٥) كانت القراءة ﴿قرت عين لي ولك لا تقتلوه﴾ كان(٦) مقاتل مصيبا. وقوله تعالى :﴿وهم لا يشعرون﴾ يحتمل وجهين : أحدهما :﴿وهم لا يشعرون﴾ أن هلاكهم واستئصالهم على يديه. والثاني :﴿وهم لا يشعرون﴾ أنه هو المطلوب قتله(٧) من بين الكل، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - في الأصل وم: حيث.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - في الأصل وم: ولو.. ٦ - في الأصل وم: لكان.. ٧ - في الأصل وم: بقتله..

القصص 28:10

[ الآية ١٠ ] وقوله تعالى :﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا﴾ قال بعضهم : فارغا من هم موسى وحزنها عليه. وقال بعضهم : فارغا من كل شيء إلا على موسى وذكره ؛ وكأن قوله :﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا﴾ صلة قوله :﴿ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك﴾ الآية. وهو يحتمل وجوها : أحدهما : أن الله رفع الحزن والخوف، وطبعها من غير أن كان ثمة قول أو كلام. والثاني : على القول لها :﴿ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ فإن كان على هذا فهو على البشارة لها بالرد إليها وجعله رسولا. [ والثالث ](١) : على النهي والزجر عن الحزن عليه والخوف عليه، وهو حزن مفارقته عنها، والخوف عليه خوف الهلاك كقوله يعقوب حين(٢) ﴿قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب﴾ [يوسف: ١٣] ذكر الحزن عند المفارقة والذهاب عنه والخوف عند الهلاك. فرفع الله عنها حزن المفارقة، وبشرها بالرد إليها وجعله رسوله، وأمنها عن الهلاك. فيكون قوله :﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغا﴾ مما خافت عليه، وحزنت، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها﴾ كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها بما ذكر من قوله :﴿ولا تخافي ولا تحزني﴾ الآية فلم تكد تبدي، وهو كما ذكر :﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾ [يوسف: ٢٤] أي كاد يهم بها لو لم ير برهان ربه، لا أنه هم بها. وهو كقوله :﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ [الإسراء: ٧٤] لو لم يثبته، لكنه ثبته، فلم يركن إليهم، ونحوه. فعلى ذلك الأول. وقال أهل التأويل : ربط قلبها بالإيمان. وجائز أن يكون ربطه قلبها لما ذكر من قوله :﴿ولا تخافي ولا تحزني﴾ الآية. وقال بعضهم :﴿فارغا﴾ من عهد الله الذي كان عهد إليها ؛ أنساها عهد الله عظم البلاء الذي حل بها، فكادت تبدي به، ثم تداركها الله بالرحمة، فربط على قلبها، فذكرت وارعوت. وقال بعضهم : اتخذه فرعون ولدا، فصار الناس يقولون : ابن فرعون، ابن فرعون، فأدركت أمه الرقة وحب الولد، فكادت تقول : بل هو ابني. والأول أشبه. وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة : إن كادت لتشعر به. ١ - في الأصل وم: أو.. ٢ - في الأصل وم: حيث..

القصص 28:11

[ الآية ١١ ] وقوله تعالى :﴿وقالت لأخته قصيه﴾ أي اتبعي أثره. وقوله تعالى :﴿فبصرت به عن جنب﴾ قيل : عن بعد، أي كانت تتبع أثره عن بعد منه. وقال بعضهم : الجنب : أن يسمو بصر الإنسان إلى موضع بعيد، وهو إلى جنبه بقرب منه. وذلك عند الناس معروف ظاهر فيهم ذلك. وقال /٣٩٥- ب/ بعضهم في قوله :﴿فبصرت به عن جنب﴾ قال : مشت بِجُنَّابِه(١)، وهي معرضة عنه كأجنبية. وقوله تعالى :﴿وهم لا يشعرون﴾ أن هذه تراقبه، أو تنظر إليه وتحفظه، أو لا يشعرون أن هلاكهم على يديه. بصرت، وأبصرت، واحد. وقوله :﴿عن جنب﴾ عن ناحية بعيدة، وجوانب جماعة. ويقال : رجل جنب، وقوم أجناب، وجانب، وأجانب، وأجنبي، أي غريب، وهذا كله من الاجتناب، وهو قول أبي عوسجة والقتبي. ١ - في الأصل وم: بجنباته..

القصص 28:12

[ الآية ١٢ ] وقوله تعالى :﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ حرم تحريم منع وحظر :[ التحريم ](١) الذي ضده الإطلاق والإرسال لا التحريم الذي ضده الحل ؛ وذلك لطف من الله تعالى وفضل ورحمة حين(٢) منع موسى عن أن يرضع من النساء، وهو طفل، وهمة أمثاله الارتضاع والرغبة في التناول من كل لبن ومن كل مرضع ترضعه لا [ تمييز له ](٣) في الارتضاع. فدل امتناعه وكفه نفسه عن الارتضاع من النساء جمع أن ذلك لطف من الله أعطاه ليمتنع عنه. فعلى ذلك جائز أن يكون(٤) عند الله لطف، لو أعطى الكافر الذي همته الكفر والرغبة فيه لآمن، واهتدى. لكنه لما عرف رغبته وهمته فيه واختياره له منع ذلك عنه، ولم يعطه. وهذا(٥) الحرف ينقض على المعتزلة مذهبهم في زعمهم أن الله قد أعطى كل كافر السبب الذي به يؤمن وما به يصير مؤمنا حتى لم يبق شيء مما يكون به إيمانه إلا وقد أعطاه، لكنه لم يؤمن. فينقض قولهم ما ذكرنا من أمر موسى أن عنده لطفا(٦) لم يعطه، لو أعطاه لآمن واهتدى. لكنه لم يعطه لما ذكرنا. وفيه لطف آخر، وهو أن فرعون والقبط كانوا يقتلون الولدان من الذكور ليصير الذي يخاف هلاكه وذهاب ملكه على يديه مقتولا. فجعل الله بلطفه ورحمته محبته في قلب فرعون وقلوب أهله حتى صار أحب الخلق إليهم، وصاروا أشفق الناس وأرحمهم عليه حتى خافوا هلاكه، وطلبوا له المراضع لئلا يهلك بعد ما كانوا يطلبون هلاكه وتلفه. وذلك لطف منه له ورحمة. وهو ما قال :﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ [طه: ٣٩]. وبالله يستفاد(٧) كل فضل ونعمة. وقوله تعالى :﴿فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم﴾ قوله :﴿فقالت﴾ أي أخته التي كانت تتبعه، وتمشي على إثره، وذلك منها [ عدم ](٨) تعريض الدلالة لهم إلى أمه لئلا يشعروا أنها أمه حين(٩) قالت :﴿هل أدلكم على أهل بيت﴾ ولم تقل : على امرأة لها لبن وهي ترضع. ولعلها لو قالت لهم ذاك وقع عندهم أنها أمه. ولكن دلتهم على بيت ليقع عندهم أنهم أهل بيت قتل ولدهم، ولهم ولد ﴿يكفلونه لكم﴾ أي يقبلونه، ويضمونه إلى أنفسهم ﴿وهم له ناصحون﴾. يحتمل قوله :﴿وهم له ناصحون﴾ أي لفرعون، لا يخونوه فيه. ويحتمل ﴿وهم له ناصحون﴾ لموسى. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: حيث.. ٣ - في الأصل وم: تميز لهم.. ٤ - من م، في الأصل: يكونوا.. ٥ - من م، في الأصل وهذه.. ٦ - في الأصل وم: لطف.. ٧ - من م، في الأصل: ليستفاد.. ٨ - ساقطة من الأصل وم.. ٩ - في الأصل وم: حيث..

القصص 28:13

[ الآية ١٣ ] وقوله تعالى :﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾ أي تسر برده إليها. وذلك معروف في النساء ظاهر أنهن يحزن بمفارقة أولادهن، ويهتمن لذلك، ويسررن إذا [ رجعوا إليهن، واجتمعوا معهن ](١). وقوله تعالى :﴿ولتعلم أن وعد الله حق﴾ كانت تعلم هي والله أعلم أن وعد الله حق كائن لا محالة. لكن [ كانت تعلم ](٢) علم خبر لا علم عيان ومشاهدة، كأنه قال : لتعلم علم عيان ومشاهدة كما علمت علم خبر، لأن علم العيان والمشاهدة أكبر وأبلغ وأدفع للشبهة من علم الإخبار. ألا ترى أن إبراهيم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى، وإن كان يعلم حقيقة أنه يحيي الموتى وأنه قادر على ذلك. لكنه كان يعلم علم خبر، فأحب أن يعلمه علم عيان ومشاهدة لأنه أكبر وأبلغ للوساوس من علم الإخبار ؟ [ فعلى ذلك الأول ](٣). وقوله تعالى :﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ [ أخبر أن أكثر الناس لا يعلمون أن وعد الله حق ](٤) والمعتزلة منهم لأنه أخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين حين(٥) قال :﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [ هود : ١١٩ والسجدة : ١٣ ] وهم يقولون : أراد ألا يملأ جهنم لأنهم يقولون : إنه أراد إيمان كل الناس أجمعين(٦)، وشاء ذلك لهم فلم يؤمنوا. فعلى قولهم : إن شاء ذلك لهم شاء أن يملأ جهنم منهم. فذلك خلف في الوعد وكذب في القول على قولهم. ١ - في الأصل وم: جعلوا إليهن واجتمعوا.. ٢ - في الأصل: كانت، ساقطة من م.. ٣ - في م: فعلى ذلك، ساقطة من الأصل.. ٤ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٥ - في الأصل وم: حيث.. ٦ - في الأصل وم: جميعا..

القصص 28:14

[ الآية ١٤ ] وقوله تعالى :﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾ قال بعض أهل التأويل : الأشد هو ما بين ثماني عشرة سنة وثلاثين سنة، ثم ما بين الثلاثين إلى الأربعين [ استواء الشدة، ثم يأخذ بعد الأربعين ](١) في النقصان، ثم غير بعمره الأربعين سنة. وقال بعضهم :[ أريد بقوله ](٢) ﴿بلغ أشده﴾ ثلاث وثلاثون سنة ﴿واستوى﴾ أربعون. وعن ابن عباس مثله. وقال بعضهم :﴿بلغ أشده﴾ قال : الأشد الحلم، والاستواء أربعون سنة. وأصل الأشد أن يشتد كل شيء منه، وصار يحتمل ما قصد به وجعل فيه، ويدخل في ذلك العقل وكل شيء، ﴿واستوى﴾ [ أي استوى ](٣) ذلك واستحكم، وصار بحيث يحتمل ذلك. وجائز أن يكون الاستواء هو الأشد الذي ذكر. وقال أبو عوسجة والقتبي :﴿واستوى﴾ أي استحكم وانتهى شبابه واستقر، فلم تكن فيه زيادة. وأصله ما ذكرنا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿آتيناه حكما وعلما﴾ أي آتيناه الحكم(٤) الذي يحكم به بين الناس ﴿وعلما﴾ بمصالح نفسه ومصالح الخلق. وقال بعض أهل التأويل : الحكم الفقه والعقل، والعلم قيل : النبوة. وقوله تعالى :﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ يحتمل قوله :﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ في الآخرة بالوعد الذي وعد لهم في الدنيا كما جزى موسى بإنجاز ما وعد له(٥) أو أن يكون من موسى إحسان وجهد في طلب العلم وغير ذلك مما أعطاه ذلك، وأخبر أنه كذلك يجزي من ذكر كقوله ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقوله :﴿ولتعلم أن وعد الله حق﴾ [القصص: ١٣] كان وعده إياها أن يرده إليها، ويجعله من المرسلين، ومعناه ما ذكر في ما تقدم. قال الكسائي : يقال امرأة مرضع ما دامت ترضع، فإذا فطمت سميت مرضعة ما دامت حبلى فهي مرضعة، أي سترضع. ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٣ - من م، ساقطة من الأصل.. ٤ - في الأصل وم: العلم.. ٥ - من م، في الأصل: لهم..

القصص 28:15

[ الآية ١٥ ] وقوله تعالى :﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ قال عامة أهل التأويل : على غفلة من أهل المدينة وهو عند الظهيرة، وذلك وقت القائلة. وقال قائلون :﴿على حين غفلة﴾ أهل البلد عن دخول موسى، أي دخلها من غير أن شعروا به، وعرفوا أنه موسى. على هذا التأويل الغفلة تكون على دخول موسى عليهم. وعلى الأول على غفلة أهل المدينة أي وقت غفلتهم. فإن كان على هذا فيحتمل أن تكون غفلة أهلها هي أن كان ذلك يوم عيدهم ؛ خرجوا إليه، فدخل هو المدينة ليطلع [ على ](١) أحوالها وأسبابها. إلا أن تكون العادة فيهم أنهم بأجمعهم يقيلون، فذلك محتمل والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه﴾ قال بعض أهل الأدب : إن قوله :﴿هذا من شيعته وهذا من عدوه﴾ إنما يقال للشاهد المشار إليه، فأما الغائب فإنه لا يقال، لكن قالوا : إن فيه إضمارا ولطفا ؛ كأنه قال : فوجد فيها /٣٩٦- أ/ رجلين يقتتلان : من نظر إليهما يقول : هذا من شيعته، وهذا من عدوه، ثم قال أهل التأويل : أحدهما كان إسرائيليا والآخر قبطيا. فإن قيل : كيف سمى الإسرائيلي من شيعة موسى ؟ [ قيل : كان ](٢) ذلك أول ما دخل موسى المدينة، وبنو إسرائيل يومئذ كانوا عباد الأصنام، وقد حبب إليهم حتى قالوا لموسى بعد ما أخرجهم من المدينة وبعد هلاك فرعون والقبط جميعا. ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] وكذلك يقول مقاتل : كانا كافرين جميعا. ألا ترى أنه قال :﴿فلن أكون ظهيرا للمجرمين﴾ ؟ [القصص: ١٧] لكن يخرج هذا على الإضمار ؛ كأنه [ قال : يكون ﴿هذا﴾(٣) من شيعته وهذا ومن عدوه. أو يقول : يكون هذا من قوم، هم شيعته، ويبقى هذا عدوا في قوم، هم أعداؤه. وعلى هذا يخرج تأويله أنهما كانا كافرين جميعا. لكن يخرج على ما ذكرنا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذين من عدوه﴾ أي استغاثه الذي كان في علم الله أنه يكون من شيعته على الذي في علم الله أنه يبقى عدوا له لينصره(٤). والاستغاثة هي الاستعانة والاستنصار، أي سأله أن يكون من شيعته. وقوله تعالى :﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ قال أبو عوسجة : الوكزة [ الطعنة في الصدر ](٥). وقال الزجاج والقتبي وهؤلاء : الوكزة الدفعة ﴿فوكزه﴾ أي دفعه ﴿فقضى عليه﴾ قال بعضهم : أي فرغ منه كقوله :﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ [القصص: ٢٩] وقوله :﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ [يوسف: ٤١] أي فرغ ونحوه. وقال بعضهم :﴿قضى عليه﴾ أي قتله، وكلاهما سواء ؛ إذا قتله فقد فرغ منه، وهو لم يتعمد قتله، ولا قصده. لكن الله قضى أجله، وجعل انقضاء عمره بوكزة موسى، وهو في الظاهر قاتل، لأنه ﴿قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون﴾ [القصص: ٣٣] ولم يكذب الله موسى في قوله : إنك لم تقتل. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: وذلك.. ٣ - من م، ساقطة من الأصل.. ٤ - في الأصل وم: ينصره.. ٥ - في الأصل وم: الطعن في الصدور..

القصص 28:16

[ الآية ١٦ ] وقوله تعالى :﴿قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي﴾ الآية. وفيه دلالة جواز الاستدلال لقول أبي حنيفة حين(١) قال : من قتل آخر بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة مما لا ينجو من مثله فإنه(٢) لا يقتل به، ولا يجب القصاص فيه، لأن موسى لما وكز ذلك القبطي [ مات، وذكر ](٣) أن له قوة أربعين رجلا، لم ير القصاص به واجبا حين(٤) قال له ذلك الرجل :﴿يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين﴾ ﴿فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين﴾ [ القصص : ٢٠و٢١ ]. ولو كان القصاص واجبا لكان أولئك لم يكونوا ظلمة في قتله، بل يكون هو الظالم فيه، ولا يحتل أن يكون القصاص واجبا أيضا، وموسى يفر من ذلك، ويهرب. وفي ذلك إبطال حقهم. دل أنه لم يجب، ولا شك أن وكزة من له قوة أربعين رجلا إلى الهلاك أسرع وأقرب(٥) وأعمل من الضرب بالحجر العظيم والخشبة العظيمة. وإذا لم يجب في هذا لم يجب في ذاك، والله أعلم. ١ - في الأصل ومن: حيث.. ٢ - الفاء ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: فمات وكز.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: فالأقرب..

القصص 28:17

[ الآية ١٧ ] وقوله تعالى :﴿قال رب بما أنعمت علي﴾ قال بعضهم : بما أنعمت علي بالمغفرة، فلم تعاقبني بقتل النفس، وعصمتني من أن أعاقب به في الدنيا. وجائز أن يكون بما أنعم عليه هو قوته التي [ أعطاه إياها ](١) أخبر ألا يكون ﴿ظهيرا للمجرمين﴾ والله أعلم. ١ - في الأصل وم: أعطاها..

القصص 28:18

[ الآية ١٨ ] وقوله تعالى :﴿فأصبح في المدينة خائفا يترقب﴾ أكثر ما ذكر في القرآن : أصبح معناه(١) صار كقوله :﴿أو يصبح ماؤها غورا﴾ [الكهف: ٤١] أي صار وقوله :﴿إن أصبح ماؤكم غورا﴾ [الملك: ٣٠] ونحوه. وأما ههنا فقوله(٢) :﴿فأصبح في المدينة خائفا يترقب﴾ إنما يريد [ به ](٣) الصباح نفسه. وقوله تعالى :﴿يترقب﴾ قال عامة أهل التأويل :﴿يترقب﴾ أي ينتظر سوءا يناله منهم. وقال أبو عوسجة : الترقب الخوف ؛ كأنه قال : خائفا هلاكه. وأصل الترقب هو النظر، والرقوب أن يرقب من يطلبه، وهو من الرقيب. وقوله تعالى :﴿فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين﴾ كان الرجل الذي أخبر أنه من شيعته ضعيفا في نفسه حتى(٤) لا يقدر أن يقوم لواحد، فيستنصر بموسى، ويستعين به. إلا أنه كان يخاصم(٥)، وينازع، ويقاتل، لسوء فيه وبلاء ؛ يقاتل، وينازع. وإلا لم يكن بنفسه من القوة ما يقوم لواحد فمن حين(٦) لا يقاتل مثله، ولكنه لما ذكرنا من سوء به. ولذلك ﴿قال له موسى إنك لغوي مبين﴾. [ إنما عرف موسى ](٧) غوايته بالاستدلال الذي ذكرنا لا بالمشاهدة. ولذلك أراد أن يبطش بالذي(٨) هو عدو لهما لئلا يقتلهما، ولا يهلكه، لما عرف غوايته بالاستدلال لا حقيقة. وذكر ههنا البطش، وهو الأخذ باليد، وفي الأول ذكر الوكزة، وهي الدفع والطعن على ما ذكرنا، فهو، والله أعلم، لأنه لما ذكر الأول، فأتت الوكزة على نفسه، فقتلته، فأخذ هذا من هذا ليمنعه عن إهلاكه وإتلافه، ولا يأتي على نفس الآخر كما فعلت الوكزة. ١ - في الأصل وم: أي.. ٢ - الفاء ساقطة من الأصل وم.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: يخاطب.. ٦ - في الأصل وم: حيث.. ٧ - في الأصل وم: لكن موسى إنما المعروف.. ٨ - الباء ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:19

[ الآية ١٩ ] [ وقوله تعالى ](١) :﴿قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾ اختلف في قائل هذا : قال عامة أهل التأويل : إن قائل هذا هو الذي استصرخه، واستغاثه ؛ قالوا : لأنه ظن أن موسى إنما أراد بطشه وأخذه، وإليه قصد، لذلك قال :﴿أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس﴾. وقال قائلون : هذا القول إنما قاله(٢) ذلك القبطي. فإن كان هذا فهو يدل أن قتله ذلك الرجل بالأمس كان ظاهرا حتى(٣) علم به القبطي، وكان قوله :﴿على حين غفلة من أهلها﴾ أي من دخول موسى المدينة. وإن كان هو الأول كان قتله إياه خفيا غير ظاهر. فعلى هذا تكون الغفلة على أهل المدينة لا على دخول موسى، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين﴾ لأن الذي يصلح بين اثنين لا يقتل، ولا يأخذ أحدهما دون الآخر، ولكن يصلح بينهما على السواء. لذلك(٤) قال ما قال. وقوله تعالى :﴿إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض﴾ قال بعضهم : يقول : هكذا فعل الجبابرة [ أن ](٥) تقتل النفس بغير نفس. وقال بعضهم : الجبابرة تقتل النفس بغير نفس. وقال بعضهم : الجبار، هو الذي يحمل الناس على هواه وعلى ما يريده، ويقهرهم على ذلك، شاؤوا أو أبوا. وقال بعضهم : الجبار، هو الذي تكبر على الناس، لا يرى أحدا لنفسه نظيرا، أو كلام نحوه، ويقال : كل قاتل آخر على الغضب بغير حق فهو جبار. ١ - في الأصل وم: ثم.. ٢ - في الأصل وم: قال له.. ٣ - في الأصل وم: حيث.. ٤ - في الأصل وم: الذي.. ٥ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:20

[ الآية ٢٠ ] وقوله تعالى :﴿وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى﴾ يحتمل أن يكون أقصى المدينة هو مسكن فرعون ومقامه، فمنه جاء ذلك الرجل، أو أن يكون أقصى المدينة موطن الملإ والأشراف الذين ذكر أنهم ائتمروا على قتله. وقوله تعالى :﴿يسعى﴾(١) هو العدْو في اللغة ؛ كأنه يسرع المشي إليه ليخبره بذلك. وقوله تعالى :﴿قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ يأتمرون : قال بعضهم : يتشاورن في قتلك. وقال الزجاج :﴿يأتمرون بك﴾ أي يهمون في قتلك، وذكر عنه أنه قال :﴿يأتمرون بك﴾ يتشاورون بك، وهو قول أبي عوسجة. وأصل الائتمار في اللغة، هو الطاعة والاتباع لما يؤمر من الفعل ؛ كان فرعون أمر الملأ أن يقتلوه فأطاعوه، وائتمروا لأمره، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فاخرج إني لك من الناصحين﴾ قال الزجاج : قوله :﴿لك﴾ صلة، والصلة لا تتقدم/٣٩٦- ب/ الموصول به. ولكن معناه :﴿فاخرج إني لك من الناصحين﴾ الذين ينصحون لك. وليس كما قال : الصلة تتقدم، وتتأخر. وذلك ظاهر في الكلام. ١ - في الأصل وم: والسعي..

القصص 28:21

[ الآية ٢١ ] وقوله تعالى :﴿فخرج منها خائفا يترقب﴾ قد ذكرنا هذا. دل قوله :﴿خائفا يترقب﴾ أن الخوف قد يكون من دون الله. وجائز أن يخاف من غيره، وليس كما يقول بعض الناس : ألا يسع الخوف من دون الله. وحقيقة الخوف تكون من الله، يخاف أن ينتقم منه على يدي(١) هذا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿قال رب نجني من القوم الظالمين﴾ يحتمل الظالم كل مشرك، لأن كل مشرك ظالم. ويحتمل قوله :﴿قال رب نجني من القوم الظالمين﴾ حين(٢) هموا بقتله. وقتل موسى ذلك القبطي لم يوجب عليه القتل والقصاص لأنه لم يتعمد قتله، ولم يقتله بسلاح، يجب به القتل، فذكر أنهم في ما هموا بقتله ظلمة. ١ - من م، في الأصل: يديه. ٢ - في الأصل وم: حيث..

القصص 28:22

[ الآية ٢٢ ] وقوله تعالى :﴿ولما توجه تلقاء مدين﴾ قال بعضهم : أخذ طريقا ؛ إذا سلك ذلك الطريق، ونفذ فيه، خرج تلقاء مدين، أو وقع تلقاء المكان المقصود إليه. وقوله تعالى :﴿قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾ أي الطريق الذي كان يقصده ويطلبه، وهو طريق مدين، وذكر أنه كان ضل الطريق.

القصص 28:23

[ الآية ٢٣ ] وقوله تعالى :﴿ولما ورد ماء مدين﴾ أي ورد البئر التي كان ماء مدين، أي ورد(١) البئر التي كان ماء مدين من تلك البئر ﴿وجد عليه أمة من الناس يسقون﴾ أمة أي جماعة، وقيل : أناس، من الناس يسقون أغنامهم ومواشيهم ﴿ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ قال بعضهم : تذودان تحبسان حتى يفرغ الناس، ويصدروا(٢)، ويخلو لهما البئر. وقال بعضهم : تذودان أغنامهما لتسقيها. ثم قوله :﴿ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ يحتمل وجهين : أحدهما :[ تذودان ](٣) غنمهما، ولا تسقيانها ﴿حتى يصدر الرعاء﴾ لما لا تتركان تسقيان غنمهما مع غنم أولئك الرعاء حتى يصدروا هم. والثاني : لا تمنعان ذلك، ولكنها تستحيان أن تزاحما الرجال، وتختلطا بهم، فتنتظران فراغهم صدور الرعاء عنها. فإن قيل : فما بالهما لا تتخلفان وقت اجتماع القوم، وتشهدان في ذلك الوقت، أو لا تنتظران خلاء البئر منهم ؟ قيل : لما ذكر أن على رأس البئر حجرا، يلقى عليها(٤)، لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا، وكذلك الدلو التي يستقى منها، لا يطيقها إلا كذا كذا، من عشرة إلى أربعين على ما ذكر. فهما تشهدان تلك البئر منهم، ثم تأتيان، لم تقدرا على نزح الماء والدلو ورفع الحجر الذي ذكر أنه كان على رأس البئر، لذلك كان ما ذكر، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿قال ما خطبكما﴾ أي ما شأنكما ؟ وما أمركما ؟ ﴿قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء﴾ لما ذكرنا. وقرئ يصدر بنصب الياء وبالرفع جميعا. ومن قرأ بالنصب(٥) فإنه يقول : حتى يصدر الرعاء بأنفسهم، أي يرجع. ومن قرأ بالرفع [ فمعناه ] (٦) حتى يصرفوا، ويرجعوا أغنامهم، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وأبونا شيخ كبير﴾ تذكران، والله أعلم، عذر أبيهم في التخلف عن سقي الغنم، وإرساله إياهما في ذلك دون تولي ذلك بنفسه، وقالتا(٧) : ذلك لكبره وضعفه ما يتخلف عن ذلك يرسلهما، وإلا لا معنى لذكر كبر أبيها بلا سبب، يحملهما على ذلك سوى ما ذكرنا. وجائز أن يكون لمعنى آخر، لا نعلمه. ١ - من م، في الأصل: مورد.. ٢ - في الأصل وم: ويصدرون.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - في الأصل وم: عليه.. ٥ - انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/ ١٣.. ٦ - ساقطة من الأصل وم.. ٧ - في الأصل وم: وقالا..

القصص 28:24

[ الآية ٢٤ ] وقوله تعالى :﴿فسقى لهما ثم تولى إلى الظل﴾ دل أن البئر التي كانت تسقى الماشية منها كانت في الشمس حين(١) أخبر أنه سقى لهما [ ثم ](٢) تولى إلى الظل. وفيه أن لا بأس بأن يجلس في(٣) الظل. وقوله تعالى :﴿فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ قيل : إن هذا منه شكاية عما أصابه من الجوع لأنه ذكر أنه خرج من المصر إلى مدين هاربا من فرعون وقومه غير متزود، وهو مسيرة ثماني ليال. وفيه دلالة أن لا بأس للرجل أن يخبر، ويذكر، عما هو [ فيه ](٤) من الشدة والبلاء حين(٥) ذكر موسى حاله التي هو فيها من الجوع الذي أصابه. وكذلك(٦) ما قال في آية أخرى :﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾ [الكهف: ٦٢] وذلك يرد قول من يقول : إن مثل هذا يخرج مخرج الشكاية إلى الله. ولو كانت شكاية لكان موسى لا يقول ذلك، ولا يذكره. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - من م، في الأصل: يخلو.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - في الأصل وم: حيث.. ٦ - من م، في الأصل: وكذلك..

القصص 28:25

[ الآية ٢٥ ] وقوله تعالى :﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾ قوله :﴿تمشي﴾ مشي من لم يعتد الخروج، أو ﴿تمشي﴾ مشي من لم يخالط الناس ﴿على استحياء﴾ على التستر والتغطية. [ وقوله تعالى ](١) :﴿قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ هذا يدل على أن لا بأس أن يؤخذ على المعروف الذي صنع إلى آخر أجر. والأفضل على [ من ](٢) صنع إليه المعروف والتبرع أن يعطى لمعروفه وتبرعه بدلا وأجرا. والأفضل على المتبرع وعلى صانع المعروف ألا يأخذ على ذلك بدلا. إلا أن موسى كان قد اشتد به الحاجة. لذلك كان ما ذكر وأخذ لمعروفه ما ذكر بدلا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فلما جاءه وقص عليه القصص﴾ أي لما جاء موسى أبا المرأتين، وقص عليه قصته ﴿قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ دل قوله هذا لموسى ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين﴾ أن لم يكن لفرعون على ذلك المكان سلطان ولا يد ؛ إذ لو كان له سلطان لكان له فيه الخوف الذي كان من قبل، ولم يكن نجا موسى منه. دل أنه لم يكن له عليهم سلطان. وقوله تعالى :﴿الظالمين﴾ يحتمل المشركين ؛ إذ كل مشرك ظالم. ويحتمل ﴿نجوت من القوم الظالمين﴾ [ الذين يقتلون بغير حق حين(٣) ﴿قال رب نجني من القوم الظالمين﴾ [القصص: ٢١] ](٤). ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في م: حيث.. ٤ - من م، ساقطة من الأصل..

القصص 28:26

[ الآية ٢٦ ] وقوله تعالى :﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ قال أهل التأويل : قال أبوهما لما قالت له استأجره فإنه قوي أمين : ما قوته وأمانته ؟ فقالت : أما قوته فإنه رفع الحجر من رأس البئر وحده، وكان لا يطيقه إلا كذا كذا نفرا، ونزح الدلو من البئر وحده، وكان لا يطيق(١) نزحه إلا كذا كذا [ نفرا ](٢) فتلك قوته. وأما أمانته فإنه قال لي : امشي خلفي، وصفي لي الطريق. فتلك أمانته. ولكن قد كانت تعرف أمانته قبل ذلك : لما جرى بينه وبينهما من المعاملة حين قال لهما : ما خطبكما ؟ وحين سقى لهما. في مثل هذا تعرف أمانته في ترك النظر إليهما وترك الاعتراض لما يوجب التهمة، والله أعلم. [ وفي قولها ](٣) :﴿يا أبت استأجره﴾ [ دليل على أنه كان أبوهما ](٤) في طلب أجير قوي أمين، لكنه(٥) لا يجد، ولا يظفر به. لذلك(٦) قالت له :﴿استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ إذ لا يحتمل أن يكون له ماشية، وله غنى، وبه حاجة إلى رعي ذلك وسقيه، وقد بلغ من الكبر والضعف ما ذكر : يرسل ابنتيه في الرعي والسقي، ولا يستأجر الأجير ليتولى ذلك دون بناته. هذا لا يحتمل ذلك، وخاصة ما وصف [ الله تعالى ](٧) ابنته من الحياء حين(٨) قال :﴿فجاءته إحداهما تمشي على استحياء﴾ [القصص: ٢٥]. دل ذلك أنه كان في طلب الأجير، وإنما أرسل ابنتيه في سقي الغنم، وهو مضطر إلى ذلك محتاج إليه. لذلك قالت له :﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾. ١ - في الأصل وم: يطيقه.. ٢ - ساقطة في الأصل وم.. ٣ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: وقولها.. ٤ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: كأن أباهما كان.. ٥ - من م، في الأصل: لكنا.. ٦ - في الأصل وم: كذلك.. ٧ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٨ - في الأصل وم: حيث..

القصص 28:27

[ الآية ٢٧ ] [ وقوله تعالى ](١) :﴿قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ طلبت هي الاستئجار، وهو عرض عليه النكاح لما لم ترغب هي في النكاح، أو طلبت الاستئجار لما(٢) لم تر من نفسها الرغبة في النكاح، وإن كانت لها الرغبة حياء، والله أعلم. ثم قوله :﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾ يحتمل /٣٩٧- أ/ وجهين : أحدهما : أنه يجعل عمله ثماني حجج بدلا للنكاح ومهرا لبعضها، ثم تحديده بثماني حجج لما رأى عمل ثماني سنين مهر مثلها، وقوله :﴿فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾ أي فإن أتممت عشرا، أو زدت على مهر المثل فمن عندك، أي لك ذلك : فضل منك وإحسان. والثاني : قوله :﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾ ليس على جعله بدلا للنكاح ولكن على الإجارة المعروفة على أجر معلوم على حدة من غير أن كان ذلك مهرا لها. ثم التحديد بثماني سنين على هذا الوجه، يخرج على إحدى خلتين : إحداهما : أنه لما قص عليه قصته علم أنه لا يقدر على العود إلى المصر، ورأى أنه لا يأمن تلك الناحية بدون ما ذكر من المدة. [ والثانية : أنه ](٣) لما رأى أن نفسه تنزع، وتتوق بالعود إلى الوقت، شرط(٤) ذلك عليه لئلا يحدث نفسه بالرجوع إليه إلى ذلك الوقت. وقوله تعالى :﴿فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾ أي فإن زدت سنتين على ذلك ؟ فمن فضلك وإحسانك ﴿وما أريد أن أشق عليك﴾ في الزيادة على ذلك كله، والله أعلم. وقوله(٥) تعالى :﴿ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾ في جميع ما يجري بينك وبيني من المعاملة والصحبة. وفيه أن الثنيا في ما يعدون كان ظاهرا في الأمم السالفة. ثم اختلف في أبي المرأتين : قال بعضهم : كان شعيبا. وقال بعضهم : ابن أخي شعيب. وقال الحسن : لم يكن شعيبا، ولكنه كان سيد الماء يومئذ. وليس لنا إلى معرفة من كان حاجة. أما شعيب فإنه لم يكن في زمن موسى، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: ثم قال.. ٢ - في الأصل وم: ولما.. ٣ - في الأصل وم: أو.. ٤ - في الأصل وم: فشرط.. ٥ - في الأصل وم: ثم قال..

القصص 28:28

[ الآية ٢٨ ] وقوله تعالى :﴿قال ذلك﴾ يعني الشرط، والله أعلم ﴿بيني وبينك أيما الأجلين قضيت﴾ أي أوفيت، وعملت : إما الثماني(١) وإما العشر ﴿فلا عدوان علي﴾ يقول : لا سبيل لك علي بعد ذلك، ولا تبعة. والعدوان : هو الظلم والمجاوزة عن الحد الذي جعل له ؛ يقول : لا ظلم علي، ولا مجاوزة علي، أي الاختيار إلي : قضيت أي الأجلين : اخترت، وشئت أنا. وقوله(٢) تعالى :﴿والله على ما نقول وكيل﴾ قال بعضهم : والله كفيل على مقالتي ومقالتك. والوكيل : هو الشهيد أو الحافظ، كأنه يقول : والله على ما نقول شهيد. ذكر أن جبريل، جاء رسول الله ﷺ فقال : إن سئلت : أي الأجلين قضى موسى ؟ فقل : أبرهما وأوفاهما، وإن سئلت : أي المرأتين تزوج ؟ قل : أصغرهما. فإن ثبت هذا ففيه أنه قضى الأجلين جميعا : الثماني والعشر، وليس في الآية إلا اقتضاء الأجل [ وهو قوله ](٣) :﴿فلما قضى موسى الأجل﴾. وقال القتبي :﴿على أن تأجرني﴾ أي تجازيني من التزويج. والأجر من الله إنما هو الجزاء على العمل. ١ - من م، في الأصل: الثاني.. ٢ - في الأصل وم: ثم قال.. ٣ - في الأصل وم: حيث..

القصص 28:29

[ الآية ٢٩ ] وقوله تعالى :﴿فلما قضى موسى الأجل﴾ قال أهل التأويل : ما ذكرنا أنه قضى أتمهما، أو أكثرهما. لكن لا نعلم إلا بالخبر الصحيح. فعلى ما ذكروا، وليس في الآية إلا اقتضاء الأجل، فلا يزاد على ذلك إلا بثبت. فإن ثبت ما روي من الخبر فهو، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا﴾ آنس قيل : أبصر وأحس نارا. قال بعضهم : إن موسى لم يكن رأى نارا، ولكن إنما رأى نورا، ظن أنه نار. فلا يحتمل ذلك لأنه أخبر أنه آنس نارا، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة نارا، لكن نور، فذلك(١) الكذب في الخبر إلا أن يقال على الإضمار : آنس من جانب الطور نارا، ظن أنه نار، أو في ظنه أنه نار. [ وقوله تعالى ](٢) :﴿قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار﴾ أي امكثوا لعلي آتيكم منها بخبر يدلنا ويخبرنا على الطريق ؛ فكأنه قد ضل الطريق، فيقول ﴿لعلي آتيكم منها﴾ بخبر الطريق ﴿أو جذوة من النار﴾ أي آتيكم بجذوة من النار، [ أولو بقيتم لآتيتكم ](٣) بخبر الطريق ﴿لعلكم تصطلون﴾. هذا يدل أنه كان في وقت الشتاء وفي وقت البرد. ١ - في الأصل وم: كان ذلك.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: ولو بقيتم فيه ولم آتيكم..

القصص 28:30

[ الآية ٣٠ ] [ وقوله تعالى ](١) :﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة﴾ قال بعضهم :﴿الأيمن﴾ أي عن يمين الجبل. وقال بعضهم : عن يمين موسى. قال بعضهم : يمين الشجرة. ولكن الأيمن المبارك، وهو من اليمن، الوادي اليمن ﴿في البقعة المباركة﴾. قال بعض أهل التأويل [ سميت مباركة ](٢) لكثرة أشجارها و أنزالها وكثرة مياهها وعشبها. ولكن [ سمى الوادي }(٣) مباركا وأيمن والله أعلم ؛ لأنه مكان الأنبياء والرسل وموضع الوحي. [ وهو ](٤) قوله تعالى :﴿نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾ [ ولله أن يسمع ويخبر من شاء بما شاء وكيف شاء، كما أسمع مريم من تحتها حين(٥) قال :﴿فنادها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا﴾[مريم: ٢٤]. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: سمي مباركا.. ٣ - في الأصل وم: سماه.. ٤ - في الأصل وم: و.. ٥ - في م: حيث..

القصص 28:31

[ الآية ٣١ ] وقوله تعالى :﴿وأن ألق عصاك﴾ ليس هذا بموصول بقوله :﴿إني أنا الله رب العالمين﴾ ](١). ولكن(٢) ذلك ما ذكر في سورة طه :﴿إني أنا ربك فاخلع نعليك﴾ [ الآية : ١٢ ] إلى آخر ما ذكر. ثم قال في آخره :﴿وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز﴾ أي تتحرك ﴿كأنها جان﴾ قال بعضهم : الجان الحية الصغيرة. وقال بعضهم : الجان ما بين العظيمة والصغيرة، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ولى مدبرا﴾ فارا هاربا ﴿ولم يعقب﴾ أي يلتفت، ولم يرجع لشدة خوفه وفرقه. وقوله تعالى :﴿يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين﴾ قوله :﴿ولا تخف﴾ يحتمل وجوها : أحدهما : على رفع الخوف من قلبه من قلبه إذ قال ﴿إنك من الآمنين﴾. والثاني : على البشارة أنه لا يؤذيه ؛ كأنه يقول : لا تخف وكن من الآمنين، فإنه لا يؤذيك. والثالث :[ على النهي، أي لا تخف ](٣) فإني أحفظك، وأدفع أذاه عنك كقوله :﴿قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى﴾ ﴿قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ [ طه : ٤٥و٤٦ ] أي أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، وأدفع ذلك عنكما. وقوله تعالى :﴿أو جذوة﴾ وبكسر الجيم ورفعها. قال بعضهم : عود قد احترق بعضه. وقال قتادة : أصل شجرة فيها نار. وقال أبو عوسجة : الجذوة مثل كالشهاب سواء، والجذا جمع الجذوة. وقال أبو عوسجة : الجذوة القطعة. وقال القتبي : الجذوة عود قد احترق، أي قطعة منها. وشاطئ أي شط الوادي. آنست أبصرت، وكذلك قوله :﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾ [النساء: ٦] أي أبصرتم، وعلمتم. ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - أدرج قبلها في الأصل وم: ﴿وأن ألق عصاك﴾.. ٣ - من م، ساقطة من الأصل..

القصص 28:32

[ الآية ٣٢ ] وقوله تعالى :﴿أسلك يدك في جيبك﴾ على ما ذكر في آية أخرى :﴿وأدخل يدك في جيبك تخرج﴾ [النمل: ١٢] يدل أن لا باس بتغيير الألفاظ واختلافها بعد إصابة المعنى وما قصد بها. وقوله تعالى :﴿تخرج بيضاء من غير سوء﴾ قد ذكرناه في ما تقدم. وقوله تعالى :﴿واضمم إليك جناحك من الرهب﴾ [ بالفتح الرَّهب، وبالضم الرُّهب ](١) وقد قرئ بهما جميعا. ثم قال بعضهم : هو على التقديم والتأخير. قوله :﴿من الرَّهب﴾ موصول بقوله :﴿أقبل ولا تخف إنك من الآمنين﴾ من الرَّهب أي الخوف والفرق. وقال بعضهم : أمره أن يضم يديه إلى نفسه لأن ذلك أخوف وأهيب وأعظم من إرسالهما. وذلك معروف أيضا في الناس أنهم إذا دخلوا على ملك من الملوك ضموا أيديهم وأجنحتهم(٢) إلى أنفسهم تعظيما لهم وتبجيلا أو خوفا منهم. فعلى ذلك جائز أن يأمره بضم يديه إلى نفسه ليكون بين يدي ربه أهيب(٣) وأخوف ما يكون، وأعظم ما يجب له، وهو ما قال له :﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ [طه: ١٢]. وقوله تعالى :﴿فذلك برهانان من ربك﴾ أي اليد والعصا اللتان ذكرهما برهانان من ربك أي حجتنا ﴿إلى فرعون وملأيه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾. ١ - في الأصل وم: بالضم والرهب بالفتح، انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/٢٠.. ٢ - في الأصل وم: وجناحيهم.. ٣ - في الأصل وم: وأهيب..

القصص 28:33

[ الآيتان ٣٣و٣٤ ] وقوله تعالى :﴿قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون﴾ ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا﴾ كقوله(١) في سورة الشعراء :﴿قال رب إني أخاف أن يكذبون﴾ إلى قوله :﴿فأخاف أن، يقتلون﴾ [ الآيات : ١٢. ١٤ ] أخر في هذا ما كان مقدما في الذكر في ذلك، وذكر على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف ليعلم أن ليس على السامع حفظ الألفاظ والحروف بعد إصابة /٣٩٧- ب/ المعنى وفهم ما قصد بها وأودع فيها لأن الله ذكر هذه الأشياء والقصص التي كانت من قبل في القرآن على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف على التقديم والتأخير والزيادة والنقصان ليعلم أن المقصود والمراد بذكرها ما فيها لا عين اللفظ والحروف. فإذا عرف ما فيها، وفهم جاز الأداء بأي لسان كان وبأي لفظ كان، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿هو أفصح مني لسانا﴾ يحتمل وجوها : أما(٢) : أهل التأويل فإنهم قالوا : كان في لسانه ربَّى(٣) أي عقدة لما أدخل في فمه من النار. فذلك لا نعلمه، وقد قال في آية أخرى :﴿واحلل عقدة من لساني﴾ ﴿يفقهوا قولي﴾ [ طه : ٢٧ و٢٨ ]. [ والثاني : يجوز ] (٤) أن يكون ذلك خلقة، خلقه هكذا على ما خلق بعض الخلق أفصح وأبين من بعض. أو أن يكون لما ذكر به من الخوف والذنب ما لم يكن ذلك لهارون(٥) ؛ ولا شك من اشتد به الخوف منع صاحبه عن التكلم والبيان ؛ وذلك متعالم معروف في الناس، وهو ما ﴿يفقهوا قولي﴾ [الشعراء: ١٢]. أو أن يكون ذلك لأن نشوء هارون كان فيهم، وهم بلسانه أعرف ولنطقه أفهم، ولموسى فترات، كان معتزلا عنهم. وقوله تعالى :﴿فأرسله معي ردءا﴾ أي عونا ﴿يصدقني﴾ ثم بين في آية أخرى أنه في ما طلبه منه عونا، وهو ما قال :﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ [طه: ٢٩] يصدقني(٦) في ما أقول إذا كذبوني هم، أو أستأنس به إذا ضاق صدري بالتكذيب والرد. ١ - في الأصل وم: وقال.. ٢ - أدرج بعدها في الأصل وم: أحدها.. ٣ - في الأصل وم: رقة.. ٤ - في الأصل وم: فيجوز.. ٥ - في الأصل وم: آخرون.. ٦ - في الأصل وم: ويصدقني..

القصص 28:34

[ الآيتان ٣٣و٣٤ ] وقوله تعالى :﴿قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون﴾ ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا﴾ كقوله(١) في سورة الشعراء :﴿قال رب إني أخاف أن يكذبون﴾ إلى قوله :﴿فأخاف أن، يقتلون﴾ [ الآيات : ١٢. ١٤ ] أخر في هذا ما كان مقدما في الذكر في ذلك، وذكر على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف ليعلم أن ليس على السامع حفظ الألفاظ والحروف بعد إصابة /٣٩٧- ب/ المعنى وفهم ما قصد بها وأودع فيها لأن الله ذكر هذه الأشياء والقصص التي كانت من قبل في القرآن على اختلاف الألفاظ وتغيير الحروف على التقديم والتأخير والزيادة والنقصان ليعلم أن المقصود والمراد بذكرها ما فيها لا عين اللفظ والحروف. فإذا عرف ما فيها، وفهم جاز الأداء بأي لسان كان وبأي لفظ كان، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿هو أفصح مني لسانا﴾ يحتمل وجوها : أما(٢) : أهل التأويل فإنهم قالوا : كان في لسانه ربَّى(٣) أي عقدة لما أدخل في فمه من النار. فذلك لا نعلمه، وقد قال في آية أخرى :﴿واحلل عقدة من لساني﴾ ﴿يفقهوا قولي﴾ [ طه : ٢٧ و٢٨ ]. [ والثاني : يجوز ] (٤) أن يكون ذلك خلقة، خلقه هكذا على ما خلق بعض الخلق أفصح وأبين من بعض. أو أن يكون لما ذكر به من الخوف والذنب ما لم يكن ذلك لهارون(٥) ؛ ولا شك من اشتد به الخوف منع صاحبه عن التكلم والبيان ؛ وذلك متعالم معروف في الناس، وهو ما ﴿يفقهوا قولي﴾ [الشعراء: ١٢]. أو أن يكون ذلك لأن نشوء هارون كان فيهم، وهم بلسانه أعرف ولنطقه أفهم، ولموسى فترات، كان معتزلا عنهم. وقوله تعالى :﴿فأرسله معي ردءا﴾ أي عونا ﴿يصدقني﴾ ثم بين في آية أخرى أنه في ما طلبه منه عونا، وهو ما قال :﴿واجعل لي وزيرا من أهلي﴾ [طه: ٢٩] يصدقني(٦) في ما أقول إذا كذبوني هم، أو أستأنس به إذا ضاق صدري بالتكذيب والرد. ١ - في الأصل وم: وقال.. ٢ - أدرج بعدها في الأصل وم: أحدها.. ٣ - في الأصل وم: رقة.. ٤ - في الأصل وم: فيجوز.. ٥ - في الأصل وم: آخرون.. ٦ - في الأصل وم: ويصدقني..

القصص 28:35

[ بالآية ٣٥ ] وقوله تعالى : فقال :﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ العضد كناية وعبارة عن القوة والعون، لأن القوة فيه تكون في من تكون، وهو كقوله :﴿وثبت أقدامنا﴾ [البقرة: ٢٥٠] [ لأنه بالأقدام ](١) نثبت، وقوله :﴿نكص على عقبيه﴾ [الأنفال: ٤٨] لأنه بالعقب ينكص، ومثله كثير. فعلى هذا ذلك. وقوله تعالى :﴿ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا﴾ قال قائلون : هو على التقديم والتأخير، أي نجعل لكما سلطانا بآياتنا، فلا يصلون إليكما. وقال بعضهم : ونجعل لكما سلطانا باللطف، ندفع عنكما أذاهم وشرهم كقوله :﴿لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٦] أي أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل لكما، وأدفع ذلك عنكما، فلا يصلون إليكما بالآيات التي معكما. وقوله تعالى :﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ يحتمل هذا وجوها(٢) : الغالبون بالحجج والبراهين، أي تغلب حجتكما سحرهم وتمويهاتهم، أو تكون عاقبة الأمر لكما، أو يكون ذلك في الآخرة. قال أبو معاذ : تقول العرب : أرَّيت(٣) الرجل أي أعتقته. وقال أبو عوسجة :﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ أي أعينك به، وأقويك، والعضد كناية عن القوة لأن القوة تكون فيه، وبه يقوى من يوصف بالقوة على ما ذكرنا. ١ - في الأصل وم: ذكر الأقدام.. ٢ - في الأصل وم وجهين.. ٣ - في الأصل وم: أردت..

القصص 28:36

[ الآية ٣٦ ] وقوله تعالى :﴿فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات﴾ أي جاء موسى فرعون وقومه بآياتنا أي [ بأعلام، أنشأناها ](١) موضحات مظهرات ؛ يظهرن، ويوضحن رسالة موسى ونبوته، وقد أظهرت لهم ذلك، وعرفوا أنها آيات من الله، نزلت، أفلا ترى أن موسى [ قال لفرعون ](٢) :﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ ؟ [الإسراء: ١٠٢] لكنهم عاندوا، وكابروا، وقالوا :﴿ما هذا إلا سحر مفترى﴾ هذا منهم تمويه وتلبيس على الأتْباع والسفلة، ولم تزل عاداتهم التمويه والتلبيس على أتباعهم أمر موسى. وقوله تعالى :﴿وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾ يقولون، والله أعلم : إن آباءنا قد عبدوا الأصنام على ما نعبد نحن، وقد ماتوا على ذلك من غير أن نزل بهم ما تتوعدنا من الهلاك والعذاب. فعلى ذلك نحن على دين آبائنا، وعلى ما هم عليه، فلا ينزل بنا شيء مما تذكر، وتوعدنا به من العذاب. ١ - في الأصل وم: أعلاما أنشأها.. ٢ - في الأصل وم: قال له يا فرعون..

القصص 28:37

[ الآية ٣٧ ] [ وقوله تعالى ](١) :﴿وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون عاقبة الدار﴾ هذا، والله أعلم، كأنه ليس بجواب لقولهم :﴿ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾ ويكون جواب هذا، إن كان، هو قوله :﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ كنى بالظلم عن السحر. يقول، والله أعلم : ليس بسحر لأني قد غلبتكم، وقهرتكم، وقد أفلحت أنا. ولو كان سحرا ما أتيتكم به لم أفلح ؛ إذ الله تعالى أخبر أن الساحر لا يفلح بقوله :﴿إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ بطه : ٦٩ ] وقال أيضا :﴿ما جئتم به السحر﴾ الآية [يونس: ٨١] وقد أصلح عملي، فظهر أنه ليس بفساد، ولكنه جواب قوله :﴿ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار﴾ ما ذكر في سورة المص [ حين قال ](٢) ﴿وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقاتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون﴾ [الأعراف: ١٢٧] فقال عند ذلك ﴿ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار﴾ أنتم أو نحن. ويكون(٣) ﴿ربي أعلم بمن جاء بِالْهُدَى من عنده﴾ جوابا لقوله :﴿وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩] والله أعلم. ١ - في الأصل وم: ثم قال.. ٢ - في الأصل وم: حيث قالوا.. ٣ - في الأصل وم: ويقول..

القصص 28:38

[ الآية ٣٨ ] وقوله تعالى :﴿وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري﴾ كأنه قال : للملإ خصوصيته لهم لأنه كان اتخذ للأتباع أصناما يعبدونها، وجعل للملإ نفسه إلها(١) لما لم ير الأتباع أهلا لعبادة نفسه، جعل لهم عبادة الأصنام، ورأى الملأ أهلا لذلك، فخصهم، ومنه اتخذت العرب عبادة الأصنام دون الله لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله، وقالوا :﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣]. وقوله تعالى :﴿فأوقد لي يا هامان على الطين فأجعل لي صرحا﴾ قال أهل التأويل : أول من اتخذ الآجر هو، ولا نعلم ذلك [ حقيقة، ويحتمل ] (٢) أن يكون قبل ذلك. وقوله تعالى :﴿فاجعل لي صرحا﴾ أي قصرا ﴿لعلي أطلع إلى إله موسى﴾ كان يعرف أنه ليس بإله السماء والأرض، إذ لا يملك ذلك، فكأنه أراد بقوله ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ قومه وأهله خاصة. [ وقوله تعالى ] (٣) :﴿وإني لأظنه من الكاذبين﴾ كان جميع ما كان بين موسى وفرعون من الكلام كان على الظن كقوله :﴿إني لأظنك يا موسى مسحورا﴾ وكذلك قال موسى ﴿وإني لأظنك يا فرعون مثبورا﴾ [ الإسراء : ١٠١و١٠٢ ]. ١ - في الأصل وم: والهيته.. ٢ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: يحتمل.. ٣ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:39

[ الآية ٣٩ ] وقوله تعالى :﴿واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق﴾ الاستكبار هو ألا يرى لنفسه شكلا ولا نظيرا، وهو كذلك كان، لا يرى لنفسه شكلا ولا نظيرا لأنه يدعي لنفسه الربوبية والألوهية، واستكبار قومه لما استعبدوا بني إسرائيل واستخدموهم، أو استكبروا [ على ] (١) أن يخضعوا لموسى، ويجيبوا له إلى ما يدعوهم إليه(٢) ﴿وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون﴾. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - أدرج في الأصل وم بعدها: وقوله تعالى..

القصص 28:40

[ الآية ٤٠ ] [ وقوله تعالى ] (١) ﴿فأخذناه وجنوده﴾ أخذ تعذيب وإهلاك ﴿فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين﴾ يعذبون بظلمهم. ١ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:41

[ الآية ٤١ ] وقوله تعالى :﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ ذكر في هؤلاء أنه جعلهم أئمة في الشر، وذكر في الرسل وأهل الخير أنه جعلهم أئمة في الخير حين(١) قال :﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات﴾ [الأنبياء: ٧٣] وقال(٢) :﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فكان من الله تعالى من أهل الخير صنع ومعنى حتى صاروا بذلك أئمة الخير ما لم يكن ذلك منه بأهل الشر وأئمة السوء. فهذا على المعتزلة لأنهم يقولون : لم يكن من الله إلى الرسل وقادة الخير إلا وقد كان ذلك منه إلى كل كافر وفاسق. فلو كان على ما قالوا لكان لا يحتمل أن يصير هؤلاء/ ٣٩٨- أ/ أئمة الخير وأولئك أئمة الشر بأعمالهم أيضا، وإن كان ما مَنَّ الله عليهم على السواء. لكن يضاف ذلك إلى الله بأسباب تكون منه. وكانت حقيقة ذلك منهم وبعلمهم نحو ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر﴾ [يس: ١١] أضاف إنذاره إلى من اتبع الذكر، وإن كان رسول الله [ أنذر من اتبع الذكر ] (٣) ومن لم يتبع. وكذلك ما قال في الشيطان(٤) : إنما يدعو الحزبين جميعا. لكنه أضاف دعاءه إلى حزبه لما منهم تكون له الإجابة، وأضاف إنذار رسول الله إلى من اتبعه، وقبله، لطاعتهم له. فعلى ذلك الأول ؛ أضاف ذلك إل نفسه لفعلهم. لكن عندنا لا يكون من الخالق(٥) في فعل الخلق حقيقة الفعل، إنما يكون منهم الأسباب، ويكون من الله تعالى في أفعالهم الأسباب وحقيقة الفعل، فتكون إضافة ذلك إلى الله على حقيقة الفعل والأسباب جميعا، وإلى الخلق لأسباب تكون منهم إليهم. والثاني إنما خص بالإنذار من اتبع الذكر لأنه إنما يقصد بالإنذار [ من تبعه لا من يتبعه ](٦) وكذلك الشيطان إنما يقصد بدعائه إياهم ضررهم. وإن كان الرسول ينذر الخلق جميعا الذي يتبعه والذي لا يتبعه. وكذلك الشيطان يدعو الحزبين جميعا ؛ لأن هذا يقصد ضررهم بما يدعوهم إليه. ألا ترى أنه قال :﴿إنما يدعوحزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ ؟ [فاطر: ٦] والرسول بما ينذر يقصد نفعهم ؛ لذلك خص الإنذار لمن اتبعه، وخص في ذلك حزبه. وقوله تعالى :﴿أئمة يدعون إلى النار﴾ تصريحا لأنهم لو دعوهم إلى النار لا يجيبونهم، ولكن يدعونهم إلى أعمال توجب لهم النار، لو أجابوهم. وهو كقوله :﴿فما أصبرهم على النار﴾ [البقرة: ١٧٥]. أي ما أصبرهم على عمل، يستوجبون به بالنار. وقوله تعالى :﴿ويوم القيامة لا ينصرون﴾ كأن الشيطان مناهم النصر والشفاعة بعبادة الأصنام، فيخبر أنهم لا ينصرون لما مناهم. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - من م، في الأصل: وما قال.. ٣ - في الأصل وم: ينذر.. ٤ - في الأصل وم: الشياطين.. ٥ - في الأصل وم: الخلق.. ٦ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:42

[ الآية ٤٢ ] وقوله تعالى :﴿وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة﴾ وهو ما عذبوا في الدنيا، واستؤصلوا ﴿ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ قال بعضهم : مسودة(١) وجوههم. وجائز أن يكون(٢) ذلك جزاء ما افتخروا في هذه بالحلي والزينة، وطعنوا في موسى، وجوابا(٣) لهم حين(٤) قالوا :﴿فولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾ [الزخرف: ٥٣] يخبر أنهم يكونون في الآخرة على غير الحال التي كانوا في الدنيا، وافتخروا بها. وقال بعضهم : القبوح(٥) هو السواد مع الزرقة. ١ - في الأصل وم: مسودون.. ٢ - من م، في الأصل: يكونوا.. ٣ - الواو ساقطة من الأصل وم.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: المقبوح..

القصص 28:43

[ الآية ٤٣ ] وقوله تعالى :﴿ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ من نحو عاد وثمود وهؤلاء الذين كانوا من قبل من الأمم، أي أرسلناه بعد هلاك من ذكر. [ وقوله تعالى ](١) :﴿بصائر للناس﴾ [ يحتمل وجهين : أحدهما :] (٢) يشبه أن يكون قوله :﴿بصائر للناس﴾ أي هلاك من ذكر من القرون الأولى بصيرة وعبرة لمن يكون من بعدهم ليزجرهم ذلك عن تكذيب الرسل، ويكون ذلك آية لرسالة موسى. والثاني :[ يشبه ] (٣) أن يكون قوله :﴿بصائر للناس﴾ أي الكتاب [ الذي ] (٤) آتاه الله موسى هو بصائر ﴿للناس وهدى ورحمة﴾ لهم إذا قبلوه، واتبعوه، وعملوا به. وكذلك كان جميع كتب الله هدى ورحمة وبصيرة لمن آمن بها، وعمل بها. وجائز أن يكون هذا جواب وصلة لقولهم :﴿وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾ [القصص: ٣٦] يقول، والله أعلم، إنكم لو تسمعون ذلك في آبائكم الذين اتبعوا رسلكم، فأجابوهم. فأما من كذبوهم فإنا أهلكناهم بتكذيبهم الرسل، واستأصلناهم، والله أعلم. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:44

[ الآية ٤٤ ] وقوله تعالى :﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين﴾ قال بعضهم :﴿بجانب الغربي﴾ حيث تغرب الشمس والقمر والنجوم، والشرقي حيث تشرق الشمس وتطلع. وقال بعضهم :﴿بجانب الغربي﴾ أي بجانب الوادي الغربي والله أعلم ما أراد به.

القصص 28:45

[ الآيتان ٤٥ و٤٦ ] وقوله تعالى :﴿ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين﴾ أي مقيما ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ يحتمل وجوها : أحدهما : إنك لم تكن شاهدا هذه المشاهد التي شهدها وموسى حين(١) قضينا إلى موسى الأمر بجانب الغربي، ولم تكن شاهدا هنالك ﴿وما كنت ثاويا في أهل مدين﴾ حتى تعلم أمر موسى ووحيه(٢) ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ موسى(٣)، أي لم تكن شاهدا هذه المشاهدة التي كان موسى شاهدا فيها. ثم أعلمناك بتلك الأنباء والأخبار على ما كنت لتتلوا تلك الأنباء والأخبار على [ أهل ] (٤) مكة، فتكون آية لنبوتك وحجة لرسالتك، إذ لم تشهدها، ولا اختلفت إلى أحد ممن يعرفها، فعلمك، ثم أنبأت، ليعرفوا أنك إنما عرفت بالله تعالى. والثاني : يحتمل أن يذكر هذا له امتنانا عليه ليستأدي به شكره لأنه أنه أوحى إلى موسى، وذكر محمدا وأمته في شرفه حتى تمنى موسى أن يجعله(٥) من أمته. يقول، والله أعلم : لم تكن أنت شاهدا في هذه المشاهدة، فذكرتك ثمة وأمتك. [ والثالث : يحتمل ] (٦) أن يذكر هذا له على الاختصاص ليعرف أن أمر الرسل والوحي إليهم على الاختصاص لهم من الله، لا بأمر كان منهم. على هذه الوجوه الثلاثة يحتمل أن يخرج تأويل ما ذكره له. وقال بعض أهل التأويل في قوله :﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ يقول لمحمد : لم تعاين هذا، ولم تشهده، وإنما هو شيء، أنزلناه عليك لتتلوه على أهل مكة. وقوله تعالى :﴿ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر﴾ هذا ليس بصلة بالأول، ولكن على الابتداء. يقول، والله أعلم :﴿ولكنا أنشأنا قرونا﴾ بعد انقراض الرسل ودروس أعلامهم وآثارهم، وتطاول العهد والعمر، ثم بعثناك فيهم رسولا لنحيي بك(٧) آثارهم، وتظهر فيهم سنتهم وأعلامهم رحمة منا إليهم، وهو ما قال في آخره :﴿ولكن رحمة من ربك﴾ أي أرسلنا إياك رحمة منا لهم. وهم ما قال :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أو يكون قوله :﴿ولكن رحمة من ربك﴾ أي ما أنبأك، وأعلمك من أنباء موسى وأخباره حين(٨) لم تشهدها من رحمة ربك حين(٩) جعلها آية لنبوتك وحجة لرسالتك، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك﴾ هذا يحتمل [ وجوها : أحدهما ] (١٠) :﴿لتنذر قوما ما﴾ أنذر به الرسل الذين من قبلك قومهم. والثاني :﴿لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون﴾ أي على رجاء التذكر تنذرهم. [ والثالث ] (١١) : يكون ذلك خاصة لمن تذكر إذا كان على الإيجاب. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - في الأصل وم: وحينه.. ٣ - في الأصل: موسى ونحوه، في م: يا موسى ونحوه.. ٤ - من م، ساقطة من الأصل.. ٥ - في الأصل وم: يجعل.. ٦ - في الأصل وم: أو.. ٧ - في الأصل وم: به.. ٨ - في الأصل وم: حيث.. ٩ - في الأصل وم: حيث.. ١٠ - في الأصل وم: وجهين أحدهما.. ١١ - في الأصل وم: أو أن..

القصص 28:46

[ الآيتان ٤٥ و٤٦ ] وقوله تعالى :﴿ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين﴾ أي مقيما ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ يحتمل وجوها : أحدهما : إنك لم تكن شاهدا هذه المشاهد التي شهدها وموسى حين(١) قضينا إلى موسى الأمر بجانب الغربي، ولم تكن شاهدا هنالك ﴿وما كنت ثاويا في أهل مدين﴾ حتى تعلم أمر موسى ووحيه(٢) ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ موسى(٣)، أي لم تكن شاهدا هذه المشاهدة التي كان موسى شاهدا فيها. ثم أعلمناك بتلك الأنباء والأخبار على ما كنت لتتلوا تلك الأنباء والأخبار على [ أهل ] (٤) مكة، فتكون آية لنبوتك وحجة لرسالتك، إذ لم تشهدها، ولا اختلفت إلى أحد ممن يعرفها، فعلمك، ثم أنبأت، ليعرفوا أنك إنما عرفت بالله تعالى. والثاني : يحتمل أن يذكر هذا له امتنانا عليه ليستأدي به شكره لأنه أنه أوحى إلى موسى، وذكر محمدا وأمته في شرفه حتى تمنى موسى أن يجعله(٥) من أمته. يقول، والله أعلم : لم تكن أنت شاهدا في هذه المشاهدة، فذكرتك ثمة وأمتك. [ والثالث : يحتمل ] (٦) أن يذكر هذا له على الاختصاص ليعرف أن أمر الرسل والوحي إليهم على الاختصاص لهم من الله، لا بأمر كان منهم. على هذه الوجوه الثلاثة يحتمل أن يخرج تأويل ما ذكره له. وقال بعض أهل التأويل في قوله :﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ يقول لمحمد : لم تعاين هذا، ولم تشهده، وإنما هو شيء، أنزلناه عليك لتتلوه على أهل مكة. وقوله تعالى :﴿ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر﴾ هذا ليس بصلة بالأول، ولكن على الابتداء. يقول، والله أعلم :﴿ولكنا أنشأنا قرونا﴾ بعد انقراض الرسل ودروس أعلامهم وآثارهم، وتطاول العهد والعمر، ثم بعثناك فيهم رسولا لنحيي بك(٧) آثارهم، وتظهر فيهم سنتهم وأعلامهم رحمة منا إليهم، وهو ما قال في آخره :﴿ولكن رحمة من ربك﴾ أي أرسلنا إياك رحمة منا لهم. وهم ما قال :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أو يكون قوله :﴿ولكن رحمة من ربك﴾ أي ما أنبأك، وأعلمك من أنباء موسى وأخباره حين(٨) لم تشهدها من رحمة ربك حين(٩) جعلها آية لنبوتك وحجة لرسالتك، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك﴾ هذا يحتمل [ وجوها : أحدهما ] (١٠) :﴿لتنذر قوما ما﴾ أنذر به الرسل الذين من قبلك قومهم. والثاني :﴿لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون﴾ أي على رجاء التذكر تنذرهم. [ والثالث ] (١١) : يكون ذلك خاصة لمن تذكر إذا كان على الإيجاب. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - في الأصل وم: وحينه.. ٣ - في الأصل: موسى ونحوه، في م: يا موسى ونحوه.. ٤ - من م، ساقطة من الأصل.. ٥ - في الأصل وم: يجعل.. ٦ - في الأصل وم: أو.. ٧ - في الأصل وم: به.. ٨ - في الأصل وم: حيث.. ٩ - في الأصل وم: حيث.. ١٠ - في الأصل وم: وجهين أحدهما.. ١١ - في الأصل وم: أو أن..

القصص 28:47

[ الآية ٤٧ ] وقوله تعالى :﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم﴾ لا ينتظم الجواب، وليس ما ذكر على إثره جوابا له إلا أن يقال : إن قوله :﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة﴾ وذلك جائز في اللغة كقوله :﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا﴾ [النور: ١٦] أي لم تقولوا : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، وقوله :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم﴾ [النور: ١٤] أي لم يمسهم. وجميع ما ذكر في هذه السورة من :﴿ولولا﴾ معناه(١) : لم يكن : لم يكن. فعلى ذلك جائز أن يكون تأويل قوله :﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة﴾ أي لم تصبهم مصيبة، ولو أصابتهم مصيبة، وهو العذاب ﴿فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا﴾ وهو كقوله ﴿ولو أنا /٣٩٨ ب/ أهلكناهم بعذاب من قبله، لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا﴾ [طه: ١٣٤] على هذا يخرج تأويل هذا. ثم في هذه الآية في قوله :﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله﴾ [ دلالة وحجة وجهين ](٢) : أحدهما : على من يقول : إنه(٣) ليس لله أن يعذبهم بما كان منهم قبل بعث الرسل إليهم ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥] وفي الآية بيان : له أن يعذبهم، وإن لم يبعث الرسل، لأنه أوعدهم الهلاك، فلو لم يكن له التعذيب والإهلاك لم يكن للإيعاد [ معنى ](٤). فدل أن له الإهلاك في الدنيا والاستئصال. لكنه أخره عنهم فضلا منه ورحمة. والثاني : على المعتزلة في قولهم [ بوجوب ](٥) الأصلح لأنه لا يخلو : إما أن يكون ما أوعدهم أصلح لهم من الترك، وإما الترك لهم أصلح. فإن كان ما أوعد لهم أصلح [ وقد تركه ](٦) فيكون في تركه(٧) إياهم جائز على قولهم، لأنه لم يفعل ما هو أصلح لهم في الدين. أو إن يكن(٨) الترك لهم أصلح فيكون بما أوعدهم جائزا، إذ أوعد بما كان غيره أصلح لهم مما أوعد فدل ما ذكرنا على أن ليس على الله حفظ الأصلح لهم في الدين. ثم قوله :﴿بما قدمت أيديهم﴾ ليس الكفر نفسه، ولكن العناد والمكابرة مع الكفر لأن عذاب الكفر في الآخرة، ليس في الدنيا، لأن الله قد أبقى كثيرا من الكفرة لم يهلكهم، ولم يعذبهم في الدنيا، ولكن إنما أهلك، واستأصل في الدنيا من عاند، وكابر الرسل في الآيات والحجج التي [ أتوهم بها ] (٩) وأقاموها عليهم على إثر سؤال كان منهم. فعند ذلك أهلكهم، واستأصلهم، لا بنفس الكفر. ثم مع ما كان له التعذيب قبل بعث الرسل لم يعذبهم، ولكن أخر عنهم إلى أن بعث الرسل بالآيات والحجج ليقطع به لجاجتهم ومنازعتهم فضلا منه، وإن لم يكن لهم الاحتجاج عليه(١٠) بقولهم :﴿لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين﴾. ويحتمل(١١) قوله ﴿فنتبع آياتك﴾ الآيات التي تبعث مع الرسل لأنه يبعث الرسل بالآيات. وجائز أن يكون قوله :﴿فنتبع آياتك﴾ يعنون بالآيات الرسل [ أنفسهم لأنهم آيات الله وحججه ](١٢) والله أعلم. ١ - في الأصل وم: كله إنه.. ٢ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: وجهان.. ٣ - في الأصل وم: بان.. ٤ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٥ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٦ - في الأصل: فقد تركتم، في م: فقد تركه.. ٧ - في الأصل وم: تركهم.. ٨ - في الأصل وم: يكون.. ٩ - في الأصل وم: أتوها بهم.. ١٠ - في الأصل وم: عليهم.. ١١ - الواو ساقطة من الأصل وم.. ١٢ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: لأنفسهم حجج..

القصص 28:48

[ الآية ٤٨ ] وقوله تعالى :﴿فلما جاءهم الحق من عندنا﴾ جائز أن يكون الحق الذي ذكر الرسول نفسه. ويحتمل ﴿الحق﴾ الكتاب الذي أنزل عليه وآياته(١). وقوله تعالى :﴿هلا أوتي مثل ما أوتي موسى﴾ هذا يحتمل وجوها : أحدهما : قالوا : هلا أوتي محمد من أنواع [ النعم ](٢) من المن والسلوى وغيرهم(٣) من غير تكلف ولا تعب ﴿مثل ما أوتي موسى﴾ لو كان رسولا على ما يقول. [ والثاني ](٤) : أن يقولوا ﴿لولا أوتي﴾ من الآيات الحسيات الظاهرات من نحو اليد والعصا والحجر الذي كان يتفجر منه الماء والغمام وما ذكر من الضفادع والقمل والدم والطوفان وغير ذلك ﴿مثل ما أوتي موسى﴾. [ والثالث ](٥) : أن يقولوا ﴿لولا أوتي﴾ محمد القرآن جملة عيانا جهارا كما أوتي موسى التوراة جملة عيانا جهارا، والله أعلم بذلك : بما عنوا به. ثم بين الله تعالى، وأخبر أنهم إنما يسألون ما سألوه سؤال عناد ومكابرة لا سؤال استرشاد وطلب [ للحق حين ](٦) قال :﴿أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل﴾ أي ألم يكفر هؤلاء الذين سألوك الآيات بما أوتي موسى ؛ يعني أهل مكة، لأنهم كانوا مشركين، لم يؤمنوا برسول قط من قبل. ويحتمل قوله :﴿أولم يكفروا﴾ أي ألم يكفر قوم موسى بما أوتي موسى بعد سؤالهم الآيات إذ أتاهم بها. فعلى ذلك هؤلاء يكفرون بما أوتيت. والأول أشبه. [ وقوله تعالى ](٧) :﴿قالوا سحران تظاهرا﴾ وقد قرئ : ساحران بالألف(٨). قال بعضهم : ساحران موسى وهارون، [ وقال بعضهم ](٩) : موسى ومحمد، وقال بعضهم : عيسى ومحمد. وقوله تعالى :﴿سحران﴾ بغير ألف كتابان. لكنهم اختلفوا. قال بعضهم : التوراة والإنجيل. وقال بعضهم : الفرقان والتوراة ونحوه. وقال بعض أهل الأدب أيضا : ساحران أولى وأقرب، لأن ذكر التظاهر إنما يكون بين الأنفس، لا يكون بين الكتب ؛ تظاهرا أي تعاونا. وقال بعضهم من أهل الأدب أيضا : سحران بغير ألف أولى لأنه أراد به الكتابين. ألا ترى أنه طلب منهم بما قالوا إتيان الكتاب [ حين قال ](١٠) :﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ ؟ رد على ما قالوا، وطلبوا منه. لكن نقول نحن : لا نحب أن تختار إحدى القراءتين على الأخرى، لأنه إنما هو خبر، أخبر عنهم أنهم قالوا ذلك ؛ فمرة قالوا : سحران، ومرة قالوا : ساحران. فأخبر على ما قالوا. وكذلك قوله :﴿سيقولون لله قل أفلا تتقون﴾ [المؤمنون: ٨٧] بالألف ﴿الله﴾ وغير الألف ﴿لله﴾(١١) لا يختار أحدهما على الآخر لأنه خبر، أخبر عنهم على ما كان منهم فهو على ما أخبر، والله أعلم. وقال بعض أهل التأويل : في قوله :﴿لولا أوتي مثل ما أوتي موسى﴾ قالت يهود : نأمر قريشا أن تسأل أن يؤتى محمد مثل ما أوتي موسى، يقول الله لرسوله : قل لقريش : قولوا(١٢) لهم :﴿أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل﴾ يعني يهود ﴿قالوا سحران تظاهرا﴾ قال : قول يهود لموسى وهارون، وهو مما ذكرنا قريب، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إنا بكل كافرون﴾ بما أوتي موسى على اختلاف ما ذكرنا. ١ - في الأصل وم: وآيات.. ٢ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: وغيره.. ٤ - في الأصل وم: أو.. ٥ - في الأصل وم: أو. ٦ - في الأصل وم: الحق حيث.. ٧ - في الأصل وم: ثم.. ٨ - انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/ ٢٦.. ٩ - ساقطة من الأصل وم.. ١٠ - في الأصل وم: حيث قالوا.. ١١ - انظر معجم القراءات ج٤/٢٢١.. ١٢ - في الأصل وم: يقولوا..

القصص 28:49

[ الآية ٤٩ ] وقوله(١) تعالى :﴿قل﴾ يا محمد لقريش أهل مكة ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ من التوراة والإنجيل على اختلاف ما قالوا ﴿أتبعه إن كنتم صادقين﴾ في زعمكم أنهما ساحران تظاهرا وأنه مفترى. ائتوا أنتم من عند الله بكتاب أتبعه. إلى هذا ذهب أهل التأويل. ووجه آخر يشبه أن يكون أقرب منه، وهو أن قوله :﴿فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه﴾ [ أي ائتوا بكتاب ](٢) من عند الله أمركم(٣) بعبادة الأصنام والأوثان، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام دون الله، ويقولون : الله أمرهم بذلك ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] وإن عبادتهم تقربهم ﴿إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] ونحوه من الكلام. فيكون(٤)، والله أعلم ﴿فأتوا بكتاب من عند الله﴾ أنه أمركم بذلك ﴿هو أهدى منهما﴾ أي أبين منهما، وأوضح من هذين، لأن هذين إنما جاءا بنهي عبادة غير الله ؛ منعها دونه. يقول : ائتوا بكتاب، هو أهدى وأبين مما جاء فيه من هذين ﴿إن كنتم صادقين﴾ أن الله أمركم بذلك، وتكون عبادتكم إياها على ما تزعمون. هذا جزاء أن يكون أقرب من الأول والله أعلم. ١ - في الأصل وم: ثم قال.. ٢ - من م، في الأصل: الكتاب.. ٣ - أدرج قبلها في الأصل وم: أنه.. ٤ - في الأصل وم: فيقول..

القصص 28:50

[ الآية ٥٠ ] [ وقوله تعالى ](١) :﴿فإن لم يستجيبوا لك﴾ في إتيان ما تطلب منهم، وتسأل من الكتاب ﴿فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾ بغير علم، وهم كانوا يعلمون أنهم إنما يتبعون في عبادة الأصنام وتحريم الحلال وتحليل الحرام أهواءهم، ويجعلون هواهم هو الإمام ؛ إذ لا يؤمنون برسول حتى يكون لهم كتاب. ثم قال :﴿ومن أضل ممن اتبع هواه﴾ أي لا أحد أضل ممن اتبع هواه ﴿بغير هدى من الله﴾ أي من غير بيان من الله ﴿إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي ؛ والله أعلم، إن الله لا يهدي قوما يتبعون أهواءهم، لا يتبعون الحجج والبراهين، لا يهديهم ما داموا في اتباع هواهم، أو لا يهدي الذي [ هم ](٢) ظلمة الحجج والبراهين، والله أعلم. ١ - من م، ساقطة من الأصل. ٢ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:51

[ الآية ٥١ ] وقوله تعالى :﴿ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون﴾ اختلف فيه : قال قائلون : هو القرآن. ثم يخرج على وجهين : أحدهما : وصل القرآن بعضه ببعض حتى خرج كله موافق بعضه بعضها مصدقا غير مختلف، وإن فرق في الإنزال على تباعد الأوقات وطول المدد ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أن مثل هذا لا يكون إلا ممن يعلم الغيب، ولا يعزب/ ٣٩٩- أ/ عنه شيء، ولا يغيب ؛ إذ لو كان هو ممن لا يعلم ذلك من كلام المخلوق لخرج مختلفا متناقضا على ما يقول من كلام المخلوق في تباعد الوقت وطول المدة مختلفا متناقضا. والثاني : وصل مواعظ القرآن بعضها ببعض ومواعيده بعضها ببعض وعداته بعضها ببعض. وكذلك أوامره ونواهيه، وإن تفرق نزولها، واختلفت مواضعها ؛ يدوعهم [ لما يدعوهم به مرة بعد ](١) مرة ﴿لعلهم يتذكرون﴾ به. ومنهم من يقول في قوله :﴿ولقد وصلنا لهم القول﴾ أي الأنباء وأخبار الأمم الخالية نبأ [ بعد نبإ ](٢) وخبرا على إثر خبر ما نزل بمكذبي الرسل منهم من الهلاك والعذاب ومصدقي الرسل من النجاة والبقاء في النعم الدائمة على إقرار منهم بذلك وعلم أنه كان بهم ذلك ﴿لعلهم يتذكرون﴾ ذلك، وينزجرون عن تكذيب رسولهم مخافة أن ينزل بهم التكذيب ما نزل بأولئك. وجائز أن يكون قوله :﴿وصلنا لهم القول﴾ أي قول التوحيد. ووجه هذا أن وصلنا التوحيد [ حتى جعلنا في كل أمة وكل قوم أهل توحيد ](٣) لم نخل قوما ولا أمة عنه كقوله تعالى :﴿ولكل قوم هاد﴾ [الرعد: ٧]، وكقوله :﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق﴾ [الأعراف: ١٥٩] ونحو ذلك من الآيات على أن [ في ](٤) كل أمة وقرن أهل توحيد ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أن في آبائهم من قد آمن بالرسل، وصدق بهم، ولا يقولون : إن آباءنا على ما نحن(٥) عليه. يشبه أن يكون هذا وصل القول الذي ذكر ﴿ولقد وصلنا لهم القول﴾. قال أبو عوسجة والقتبي :﴿ولقد وصلنا لهم القول﴾ أي أتبعنا بعضه بعضا، واتصل عندهم. وقال بعضهم :﴿ولقد وصلنا﴾ أي بينا شيئا فشيئا حتى صار عندهم ظاهر. وقال أبو معاذ : وصلنا في كلام العرب : أتممنا كصلتك الشيء بالشيء. ١ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل به، في م: به مرة بعد.. ٢ - من م، ساقطة من الأصل.. ٣ - من م ساقطة من الأصل وم.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - في الأصل وم: هم..

القصص 28:52

[ الآية ٥٢ ] وقوله تعالى :﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ وقال في آية أخرى :﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ [البقرة: ١٤٦] وقال في آية أخرى :﴿فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به﴾ [العنكبوت: ٤٧] وقال :﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ وأمثاله. يذكر في هذه الآيات أن من أهل الكتاب من لم يؤمن [ به ](١) ويذكر في الأولى على الإطلاق :﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾. جائز أن يكون قوله :﴿الذين أتيناهم الكتاب﴾ وانتفعوا به يؤمنون به، أو أن يكون [ قوله ](٢) ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به﴾ [البقرة: ١٢١] وأما من لم يتله حق تلاوته فلا يؤمن. فأما أهل التأويل فإنهم صرفوا الآية إلى قوم خاص من أهل الكتاب : عبد الله ابن سلام وأصحابه الذين آمنوا به. ويشبه أن تكون الآية في قوم منهم. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:53

[ الآية ٥٣ ] ألا ترى أنه قال على إثره ﴿وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين﴾ ؟ يذكر أهل التأويل أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث محمد. فلما بعث ثبتوا على ذلك، وآمنوا على ما كانوا من قبل. وفيه دلالة أن الإيمان والإسلام واحد، لأنهم قالوا :﴿آمنا به﴾ وقالوا :﴿إنا كنا من قبله مسلمين﴾ دل أنهما واحد، وكذلك قوله :﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ [ الذاريات : ٣٥و٣٦ ] وهما(١) واحد ؛ ذكر مرة الإيمان ومرة الإسلام، دل أنهما واحد. ١ - في الأصل وم: هم..

القصص 28:54

[ الآية ٥٤ ] وقوله تعالى :﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبرو﴾ هذا يحتمل وجوها ثلاثة : أحدهما : يؤتون أجرهم مرة بالإسلام ومرة بما صبروا على زوال الرئاسة منهم وذهابها ؛ لأنهم كانوا أهل رئاسة ومنزلة وقدر، فذهب ذلك كله عنهم بالإسلام، فلهم الأجر مرتين لذلك. والثاني :﴿يؤتون أجرهم مرتين﴾ مرة بالإسلام، ومرة [ بما صبروا، وجاهدوا في تقوية دين الله، حتى ](١) صاروا قدوة وأئمة لمن بعدهم، يقتدون بهم ؛ أحد الأجرين بإسلام أنفسهم، والثاني بدعائهم غيرهم إليه، على ما يعاقب الرؤساء منهم والقادة، ويضاعف العذاب عليهم مرتين : مرة بضلال أنفسهم ومرة بإضلال غيرهم كقوله :﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ [النحل: ٢٥]. [ والثالث ](٢) : جائز أن يكون إيتاء الأجر مرتين [ مرة بالإسلام ومرة بما يصبرون حتى يصيروا ](٣) أئمة وقدوة لغيرهم(٤) في الخير، ويضاعف عليهم العذاب إذا صاروا أئمة وقدوة في الشر. ألا ترى أنه قال في نساء رسول الله ﷺ :﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ ؟ [الأحزاب: ٣٠] وذلك، والله أعلم، بما يصرن هن أئمة لغيرهن يقتدين بهن. فعلى ذلك الأول. وجائز أن يكون ﴿يؤتون أجرهم مرتين﴾ بالإسلام نفسه، ويكون الصبر كناية عن الإيمان كقوله :﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات﴾ [هود: ١١] أي آمنوا، وأسلموا. وأما أهل التأويل فإنهم يقولون :﴿يؤتون أجرهم مرتين﴾ مرة بإيمانهم بمحمد قبل أن يبعث، ومرة بإيمانهم بعدما بعث. والأول أشبه. وقال بعضهم :﴿يؤتون أجرهم مرتين﴾ مرة بإسلامهم ومرة بما صبروا وتحملوا(٥) أذى أولئك الكفرة، ولم يكافئوهم، بل خاطبوهم بخير [ حين قالوا ](٦) :﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ [القصص: ٥٥]. وروي في بعض الأخبار عن نبي الله ﷺ أنه قال :( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل آمن بنبي، ثم إذا بعث نبي آخر آمن به، ومملوك لرجل يخدمه، ويحسن خدمته، ويعبد ربه ورجل ربى جاريته، ثم أعتقها، فتزوجها ) [ البخاري : ٣٠١١ ]. وقوله تعالى :﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾ هذا يحتمل وجهين : أحدهما : يحسنون إليهم بعد إساءتهم إليهم وأذاهم إياهم على ما كانوا يفعلون، ويصنعون إليهم قبل ذلك. والثاني :﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾ أي يعفون عن أذاهم، ويكافئونهم، فيكون كقوله :﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ الآية [الأعراف: ١٩٩]. والأول كقوله :﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت: ٣٤]. وقوله تعالى :﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ أي ينفقون في حق الله وسبيل الخير. وإلا كل كافر ينفق كقوله :﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم﴾ الآية [آل عمران: ١١٧]. ١ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: و.. ٣ - في الأصل وم: لما يصيرون.. ٤ - من م، في الأصل: لغير.. ٥ - في الأصل وم: وحكموا على.. ٦ - في الأصل وم: حيث قال..

القصص 28:55

[ الآية ٥٥ ] وقوله تعالى :﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾ هذا أيضا يحتمل وجهين : [ أحدهما ](١) : إذا سمعوا منهم من الكلام ما يتأذون من كلام اللغو والأذى والفتنة أعرضوا عنه، أي [ لا ] (٢) يكافئونهم لأذاهم. والثاني : إذا سمعوا ما يلغون به من الباطل أعرضوا عنه، أي لم يخالطوهم في ما هم فيه، فليس أنهم لا ينهون عن المنكر، ولا يمنعونهم عن ذلك إذا رأوا النهي ينجع فيهم. وإذا رأوا لا ينجع فيهم فعند ذلك أعرضوا عنه، وهو كقوله :﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾ [الفرقان: ٧٢]. وقوله تعالى :﴿وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ يقولون هذا لهم إذا لم ينجع النهي والموعظة، ولم يقبلوا ذلك. عند ذلك يقولون :﴿لنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾ أي لكم جزاء أعمالكم ولنا جزاء أعمالنا. وكذلك قوله :﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [الكافرون: ٦]. لم يقل هذا لهم في ابتداء الدعاء، ولكن بعد ما أيس من إيمانهم وإجابتهم. فعلى ذلك الأول. وقوله تعالى :﴿سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ هذا يشبه أن يخرج على/٣٩٩- ب/ وجهين : أحدهما : على القول منهم : السلام عليكم(٣)، أي كانوا لا يخاطبون الجهال، ولا يخالطونهم إلا بالسلام خاصة. بهذا القدر يخالطونهم فحسب(٤). والثاني : ليس على حقيقة قول : السلام عليكم(٥)، ولكن على الصلح وترك المكافأة لهم وقولهم إياهم على ما هم عليه ؛ إذ السلام هو الصلح، والله أعلم. وقال بعضهم : ردوا عليهم معروفا [ بمقابلة ما وجدوا منهم من الأذى، وقالوا ](٦) :﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ يعنون : لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: عليهم.. ٤ - الفاء ساقطة في الأصل وم.. ٥ - في الأصل وم: عليهم.. ٦ - ساقطة من الأصل وم..

القصص 28:56

[ الآية ٥٦ ] وقوله تعالى :﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ : ذكر أهل التأويل أن هذا نزل في أبي طالب عم النبي ( وذلك أن أبا طالب قال : يامعشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا. فقال له النبي ﷺ : تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم، وتدعها لنفسك ! قال : فقال له : ما تريد يا ابن أخي ؟ قال : أريد منك كلمة واحدة في آخر يوم من الدنيا : أن تقول لا إله إلا الله ؛ أشهد لك بها عند الله. قال : يا ابن أخي قد علمت إنك لصادق ؛ ولكن أكره أن يقال : جزع عند الموت. ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك وأخيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقرت بها عينك عند الفراق ؛ لما رأيت من شدة وجدك ونصيحتك. ولكن سوف أموت على ملة الأشياخ فلان وفلان ) [ بنحوه مسلم ٢٤/٤٢ ] ؛ فأنزل الله ذلك :﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾. فهو على المعتزلة لأنهم يقولون : إن الهدى : البيان. ولو كان بيانا على ما يقولون لكان رسول الله ﷺ يقدر أن يبين له ؛ وقد بين. لكن الجبائي يحتج لهم فيتأول ويقول : إن رسول الله كان يحرص أن يدخله الجنة ؛ فيقول : إنك لا تهدي طريق الجنة له حتى يدخلها، أو كلام يشبه هذا ؛ وذلك بعيد. وقال جعفر بن حرب : هذا ليس في ابتداء الهداية ؛ ولكن في اللطائف التي تخرج مخرج الثواب لهم لما كان منهم من الاهتداء في البدء والأنف، كقوله :﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾ الآية [محمد: ١٧] ؛ فيخبر أنك لا تملك الهداية اللطيفة التي تخرج مخرج الثواب أن تهديهم. فيقال له : أخبرنا عن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لما كان منهم من الاهتداء في الابتداء [ هل ](١) تنفع لهم دون الابتداء ؟ فإن قال(٢) : نعم [ فالرد في وجهين : أحدهما : يقال له ](٣) : فذلك عليه أن يفعل بهم ؛ إذ من قولكم (٤) أن عليه يعطي كل كافر ما ينفعه، ويصلح له في دينه، فكيف منع ذلك ينفعهم ؟ والثاني : يقال له (٥) : إن تلك الزيادة التي تخرج مخرج الثواب لهم واللطائف على ما كان منهم في الابتداء يستوجبها أو لا يستوجبها ؟ فإن كان يستوجبها فلا معنى للمنع على [ قولكم، لأنكم تقولون ](٦) : إن على الله أن يعطي ذلك. وإن كان لا يستوجبها فلا معنى لقوله :﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾ على قولكم(٧) ؛ فيبطل الاحتجاج به على قولكم (٨). وعندنا : زيادة الهداية ابتداؤها سواء [ هو ](٩) على ما أخبر رسوله أنه لا يهديه. ولكن لو كانت الهداية بيانا على ما قالوا لكان قد بين لهم ؛ فدل ذلك منه أن ثم هداية سوى البيان عند الله إذا أعطى العبد يصير مؤمنا ؛ وهو التوفيق والعصمة والسداد. وذلك لا يملكه رسول الله : إن شاء ذلك أو ابتداءه ؛ بل الله هو المالك لذلك. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: قالوا.. ٣ - في الأصل وم: فيقال لهم.. ٤ - في الأصل وم: قولهم.. ٥ - في الأصل وم: لهم.. ٦ - في الأصل وم: قولهم لأنهم يقولون.. ٧ - في الأصل وم: قولهم.. ٨ - في الأصل وم: قولهم.. ٩ - من م، ساقطة من الأصل..

القصص 28:57

[ الآية ٥٧ ] وقوله تعالى :﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا﴾ دل قولهم :﴿إن نتبع الهدى معك﴾ هو على أنهم عرفوا ما جاء به رسول الله، ويدعوهم إليه، هو الهدى حين(١) قالوا :﴿إن نتبع الهدى معك﴾ وقوله تعالى :﴿نتخطف من أرضنا﴾ يخرج لهم هذا وجهين : أحدهما : أي نهلك، ونفنى جوعا، إذا خالفنا أهل الآفاق في الدين، لأن أرزاقهم وما به قوام أبدانهم إنما يحمل، ويمار من الآفاق. فيقولون : إنا إذا اتبعنا الهدى معك، وخالفناهم في الدين، فأهل الآفاق منعونا الميرة، فنهلك، ونموت جوعا، فذلك تخطفهم من الأرض. والثاني : قالوا ذلك مخافة أن يغزوا، ويؤسروا، أو يقتلوا إذا خالفوا أهل الآفاق والأطراف في الدين، واتبعوا الهدى مخافة الأسر والقتل. فأجابهم الله، ورد عليهم اعتلالهم في الوجهين. فقال [ في الوجه الأول ](٢) ﴿أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾ يقول، والله أعلم : إنا جعلناهم في الحرم آمنين، وما يمتار إليهم من أنواع الثمرات باللطف، لا بموافقة الدين. ألا ترى أنهم مع موافقة الدين كانوا يتخطفون الناس منهم حين(٣) قال في آية أخرى :﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم﴾ ؟ [العنكبوت: ٦٧] أخبر أنهم مع موافقتهم في الدين كانوا يتخطفون. دل أنه إنما جعل لهم الحرم مأمنا والميرة إليهم باللطف لا بالموافقة في الدين حتى [ لا يتعرض ](٤) لأهل الحرم في الحرم ولا خارجا منه، ولا يتعرض من دخل الحرم بشيء ليعلم أنه كان ذلك باللطف من الله لا بالموافقة. [ وفي ](٥) الثاني : إنه مع ما كانوا يعبدون الأصنام دون الله فيه، لا يمنعهم الرزق، ويؤمنهم فيه ؛ فلأن يفعل ذلك بهم عند عبادتهم [ الله تعالى وتركهم عبادة ](٦) غيره أحق أن يرزقوا، ويأمنوا فيه. وقوله تعالى :﴿يجبى إليه ثمرات كل شيء﴾ أي من كل جنس ونوع من الثمرات يجبى إليه. وظاهره أن يجبى إليه من كل شيء أرفعه وأنفعه ؛ وذلك [ ثمره، أن ثمر ](٧) كل شيء أرفعه وأنفعه. يقال : ثمرة الشيء كذا، وثمرة هذا الكلام كذا، أي ما ينتفع من هذا هذا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ أي ولكن أكثرهم لا يعلمون أن(٨) أي ما يحمل إليهم من الآفاق، ويجبى إليهم من الثمرات والأطعمة إنما هو باللطف لا بموافقة الدين. وكذلك لا يعلمون أن أمنهم فيه باللطف لا بموافقة الدين، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: حيث.. ٤ - من م، في الأصل: يتعرضوا.. ٥ - في الأصل وم: و.. ٦ - من م، ساقطة من الأصل.. ٧ - في الأصل وم: ثمرته لأن ثمرة.. ٨ - في الأصل وم: أي..

القصص 28:58

[ الآية ٥٨ ] وقوله تعالى :﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها﴾ قال بعضهم : كفرت معيشتها، لم ترض معيشتها. وفيه إضمار : في ؛ أي بطرت [ في ](١) معيشتها، فانتصب لانتزاع حرف : في. وتأويله(٢)، والله أعلم : أي : كم أهلكنا من قرية، بطر أهلها في معيشتهم(٣) حتى صرفوا شكرهم [ إلى غير الذي ](٤) أنعم عليهم، وجعلوا عبادتهم(٥) لغير الذي جعل لهم السعة والرخاء. فأنتم يا أهل مكة إذا بطرتم، وأشرتم في سعتكم وخصبكم، تهلكون كما أهلك من كان قبلكم، وهو ما قال :﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ الآية [الأنعام: ٤٤]. وقوله تعالى :﴿فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا﴾ من القريات قريات إذا هلك أهلها أسكن غيرهم فيها نحو قريبات فرعون وغيره، جعل مساكنهم لبني إسرائيل حين(٦) قال :﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها﴾ الآية [الأعراف: ١٣٧] وقال(٧) :﴿وأورثنا بني إسرائيل﴾ [غافر: ٥٣]. ومن القريات ما جعلها خربة معطلة، لم يسكن غيرهم [ فيها ](٨) نحو قريات لوط وغيره. وقوله تعالى :﴿وكنا نحن الوارثين﴾ أي الباقين. والوارث هو الباقي في اللغة على ما ذكرنا آنفا في غير موضع. وقوله :﴿وكنا نحن الوارثين﴾ يخرج على وجهين(٩) : أحدهما : إخبار عن هلاك أهل الأرض وفنائهم وبقائه(١٠)، وهو كقوله :﴿إنا نحن نرث الأرض﴾ [مريم: ٤٠] [ وقوله ](١١) :﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]. والثاني : إخبار عن هلاك أولئك وجعلها لغيرهم أي للمتقين كقوله(١٢) :﴿إن الأرض/ ٤٠٠- أ/ لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ والله أعلم. قال أبو عوسجة :﴿نتخطف من أرضنا﴾ أي نؤخذ. وقوله :﴿يجبى إليه﴾ من الجباية، أي يجمع، يقال : جبيت، أجبي جباية و : جبا. وأجبى يجبي، أي حاز يحوز. [ وقوله ](١٣) :﴿بطرت معيشتها﴾ أي لم ترض بمعيشتها. وقال القتبي : أي أشرت، وقالا :﴿في أمها رسولا﴾ [القصص: ٥٩] أي [ في ](١٤) أكثرها وأعظمها قدرا، وهي مكة، والنبي منهم، والكتاب أنزل عليهم. وقالا : وإمها : كلمة لا يتكلم بها أحد، يعنون بالكسر(١٥). ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - الواو ساقطة من الأصل.. ٣ - في الأصل وم: معيشتها.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - في الأصل وةم: عبادتها.. ٦ - في الأصل وم: حيث.. ٧ - في الأصل وم: وقوله.. ٨ - من م، ساقطة من الأصل.. ٩ - أدرج في الأصل بعدها: في هذا.. ١٠ - في الأصل وم: ويبقي، في م: ويبقى.. ١١ - ساقطة من الأصل وم.. ١٢ - من م، في الأصل: لقوله.. ١٣ - ساقطة من الأصل.. ١٤ - من م، ساقطة من الأصل.. ١٥ - انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/٢٩..

القصص 28:59

[ الآية ٥٩ ] وقوله تعالى :﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا﴾ [ يحتمل وجهين : [ أحدهما ](١) : جائز أن تكون تلك القرى التي أخبر أنه غير مهلكها ﴿حق يبعث في أمها رسولا﴾ القريات التي هن حول مكة ؛ لا يهلك ﴿القرى حتى يبعث في أمها رسولا﴾ قيل في أعظمها، وهي مكة ﴿يتلوا عليهم آياتنا﴾. فإن كان هذا فيكون الإهلاك لها الانتزاع من أيديهم وجعلها في أيدي أهل الإسلام على ما كان، لأن الله كان يفتح على رسوله قرية فقرية وبلدة فبلدة حتى جعل الكل في أيدي المسلمين، وهو ما قال :﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دراهم حتى يأتي وعد الله﴾ [الرعد: ٣١] وهو وعد فتح مكة. وذلك إهلاكهم. والثاني : جائز أن يكون هذا [ في ](٢) كل القرى وجميع الرسل ؛ أنه كان لا يهلكها بالكفر نفسه حتى يبعث في أكبرها وأعظمها، وهي المصر ﴿رسولا يتلوا عليهم آياتنا﴾ وذلك يشبه قوله(٣) :﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥]. وإنما ذكر بعث الرسول في أمها لأنه بعث الرسول في أعظمها، وهو المصر، ينتشر، وينتهي في الآفاق والصغائر منها والقرى لما أنهم يدخلون المصر لحوائجهم، فيتهيأ للرسول تلاوة الآيات عليهم والدعاء لهم، وإذا كان بعض القرى لا يتهيأ لها(٤) ذلك، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون﴾ أي معاندون مكابرون، لا نهلكهم إهلاك تعذيب بنفس الكفر في الدنيا حتى يكون منهم العناد والمكابرة، إنما يعذبون عذاب الكفر في الآخرة، وهو العذاب الأبد. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: كقوله.. ٤ - في الأصل وم: لهم..

القصص 28:60

[ الآية ٦٠ ] وقوله تعالى :﴿وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى﴾إنهم كانوا يتفاخرون بما أتوا من السعة ومتاع الدنيا، وأهل الزهد والتقوى آثروا الباقي الموعود في الآخرة على متاع الدنيا وزينتها.

القصص 28:61

[ الآية ٦١ ] ولذلك قال :[ أفمن وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا } فجواب هذا أن يقال : بل الموعود الحسن الملاقي بالذي له عاقبة خير من المتاع الفاني الذي ليست له عاقبة. لكنه لم يذكر له عاقبة. فجوابه ما ذكرنا. ثم كل استفهام كان من الله فهو على الإيجاب في الحقيقة، ليس على الاستفهام. وقوله تعالى :﴿ثم هو يوم القيامة من المحضرين﴾ أي يحضر(١) في النار. وقيل :﴿من المحضرين﴾ أي المعذبين، وكلاهما واحد. ١ - في الأصل وم: يحضر..

القصص 28:62

[ الآية ٦٢ ] وقوله تعالى :﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ قوله :﴿شركائي الذين﴾ في زعمكم أنهم شركائي حين(١) أشركتموهم في العبادة وتسمية الألوهية. وإلا لم يكن لله شريك ﴿فيقول أين شركائي الذين﴾ زعمتم أنهم(٢) شركائي ؟ ثم قوله :﴿أي شركائي﴾ إنما يقول(٣) لهم لقولهم :﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وقولهم :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] فيقول : أين شفاعة من زعمتم أنهم شفعاؤكم عند الله ؟ وأين قربتكم وزلفاكم بعبادتكم إياها(٤) زعمتم أن عبادتكم إياها تقربكم إلى الله زلفى ؟ أين ذلك لكم منهم ؟ ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - من م، في الأصل: أنتم.. ٣ - في الأصل وم: يقال.. ٤ - في الأصل وم: حيث..

القصص 28:63

[ الآية ٦٣ ] وقوله تعالى :﴿قال الذين حق عليهم القول﴾ يحتمل قوله :﴿حق عليهم القول﴾ القول الذي قال :﴿لأملأن جهنم منكم أجمعين﴾ [الأعراف: ١٨]. وجائز أن يكون قوله :﴿حق عليهم القول﴾ أي وجب عليهم العذاب كقوله :﴿وإذا وقع القول عليهم﴾ [النمل: ٨٢] أي وجب عليهم وكقوله :﴿ووقع القول عليهم بما ظلموا﴾ [النمل: ٨٥] أي وجب العذاب عليهم بما ظلموا، ونحوه. ثم اختلف في الذين حق عليهم القول : فمنهم من يقول : هم رؤساء الكفرة وأئمتهم الذين أضلوا أتباعهم، ودعوهم إلى الضلال. ومنهم من يقول : هم شياطين الجن. وللفريقين جميعا في الكتاب ذكر : قال في أئمتهم :﴿إذ تبرأ الذين من الذين اتبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وقال :﴿قال أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا﴾ [الأعراف: ٣٨] وأمثال هذا كثير. وقال في شياطين الجن :﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقبض له شيطانا فهو له قرين﴾ [الزخرف: ٣٦] وقال :﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ الآية [الصافات: ٢٢] ونحوه كثير أيضا. وقوله تعالى :﴿ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا﴾ يعتذرون : أنه لم يكن منا إليهم إلا الدعاء والإشارة إلى الغواية، وهو قول إبليس اللعين وخطبته يومئذ حين(١) قال :﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢]. فعلى ذلك هؤلاء يقولون : لم يكن منا عليهم سوى الدعاء بلا برهان ولا حجة، فاتبعونا، فلا تلومونا، ولوموا أنفسكم حين(٢) تركتم إجابة الرسل، ومعهم براهين وحجج، وأجبتمونا بلا حجة ولا برهان، فأغويناكم كما غوينا، ولو كنا على الهدى لهديناكم، كقولهم :﴿لو هدانا الله لهديناكم﴾ [إبراهيم: ٢١]. وقوله تعالى :﴿تبرأنا إليك ما كانا إيانا يعبدون﴾ يتبرؤون : أنا لم نأمرهم بالعبادة لنا، وإلا كانوا عبدونا(٣). ثم إن للمعتزلة أدنى تعلق بهذه الآية لأنهم يقولون : إنما أضافوا الغواية إلى أنفسهم حين(٤) قالوا :﴿أغوينا أغويناهم كما غوينا﴾ دل أن الله لا يغوي أبدا. فيقال لهم : إنا لا نضيف، ولا نجيز إضافة الغواية إلى الله في ما يخرج مخرج الذم، وإنما نضيف في ما يخرج مخرج المدح له والثناء عليهم. ثم قد أضاف إبليس الغواية إليه، ولم ينكر عليه حين(٥) قال :﴿رب بما أغويتني﴾ [ الأعراف : ١٦ والحجر : ٣٩ ] في غير موضع، وقال :﴿تضل بها من تشاء﴾ [الأعراف: ١٥٥] ونحوه كثير في القرآن. فما خرج مخرج المدح له والثناء عليه يضاف إليه، وما خرج مخرج الذم فلا. وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿حق عليهم القول﴾ يوم قال لإبليس :﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ [ص: ٨٥]. ثم قالت الشياطين في الآخرة :﴿ربنا هؤلاء الذين أغوينا﴾ يعنون كفار بني آدم ؛ هؤلاء الذين أضللناهم هن الهدى كما ضللنا ﴿تبرأنا إليك﴾ منهم يا رب ﴿ما كانوا إيانا يعبدون﴾ تبرأت الشياطين ممن كان يعبدها فقالوا : لم نأمرهم بعبادتنا. ١ - في الأصل وم: حيث.. ٢ - في الأصل وم: حيث.. ٣ - في الأصل وم: عبدوهم.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: حيث..

القصص 28:64

[ الآية ٦٤ ] [ وقوله تعالى ](١) ﴿وقيل﴾ لكفار بني آدم :﴿ادعوا شركاءكم﴾ يقول : سلوا الآلهة التي سميتموها آلهة، ﴿فدعوهم﴾ أي سألوهم، فلم تجبهم(٢) الآلهة بأنها آلهة، وقوله :﴿أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ في الدنيا أن معي شركاء على ما ذكرنا من قبل، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وقيل ادعوا شركاءكم﴾ [ يحتمل ](٣) ﴿شركاءكم﴾ في الخلقة، و﴿شركاءكم﴾ في العبادة : ادعوهم [ ليشفعوا لكم، ويقربوكم ](٤) إلى الله على ما زعمتم في الدنيا ﴿فدعوهم فلم يستجبوا لهم﴾ أي لم يشفعوا لهم، ولم يستجيبوا، لما لم يجعل في وسعهم الإجابة لهم واجبا كائنا في الآخرة. وقوله تعالى :﴿ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون﴾ تأويله [ في وجوه : أحدهما : لو رأوا ](٥) العذاب في الدنيا لكانوا يهتدون، ولكن لم يروه. هذا وجه. ووجه آخر : أنهم لم يصدقوا بالعذاب في الدنيا، ولو صدقوه لاهتدوا مخافة نزول العذاب بهم. والثالث : لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة، والله أعلم. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - من م، في الأصل: يجيبوا.. ٣ - من م، ساقطة من الأصل.. ٤ - في الأصل وم: ليشفعوكم ويقربكم.. ٥ - في الأصل: أي رأى، في م: أي رأوا..

القصص 28:65

الآيتان ٦٥ و٦٦ ] وقوله تعالى :﴿ويوم/ ٤٠٠- ب/ يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ ﴿فعميت عليهم الأنباء﴾ اختلف فيه : قال قائلون : إنما يسألون عن إجابتهم الرسل : ماذا أجبتموهم ؟ على علم منه أنهم ماذا أجابوهم ؟ ﴿فعميت عليهم الأنباء﴾ أي الإجابة، فلا تتهيأ لهم الإجابة لهول ذلك [ اليوم ](١) وفزعهم. وقال بعضهم : إنما يسألون عن الحجة والعذر الذي به كانوا تركوا إجابة الرسل، فيقال لهم : لأي حجة وعذر تركتم إجابتهم. [ وقوله تعالى ](٢) :﴿فهم لا يتساءلون﴾ قال بعضهم : لا يسأل بعضهم بعضا، بل يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا(٣) على ما ذكر في الكتاب(٤). وقال بعضهم :﴿فهم لا يتساءلون﴾ بالأنساب يومئذ لما لا حجة لهم، ولا برهان ؛ أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج لأن الله أدحض حججهم، وكلل ألسنتهم. وقال بعضهم :﴿فهم لا يتساءلون﴾ بالأنساب يومئذ كما كانوا يتساءلون في الدنيا كقوله :﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] والله أعلم بذلك. ثم إن بعض المعتزلة تكلموا فيه، وقالوا : لو كان الأمر على ما قاله القدريون والجبريون في المشيئة والإرادة لكان يسهل لهم الاحتجاج، ويهون لهم العذر، فيقولون : يا ربنا أجبنا من نفذ من مشيئتك وإرادتك وما مضى من قضائك وكتابك علينا إذ كنت أنت قضيت، وكتبت علينا، وشئت، وأردت، بما(٥) كان منا من التكذيب لهم وترك الإجابة، فلم يكن لنا تخلص مما شئت أنت، وقضيت علينا. إلى هذا الخيال يذهب جعفر بن حرب. وهذا منه(٦) تعليم لأولئك الكفرة الحجاج بالباطل والكذب بين يدي رب العالمين للتكذيب الذي كان منهم. ثم يقال : لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم فلا يكون ذلك لهم بقولنا، ولكن إنما يكون بكتاب الله وسنة رسوله وقول المسلمين أجمعين حين(٧) قالوا : ما شاء الله كان، وما(٨) لم يشأ لم يكن. وبكتاب الله ذكر(٩) في غير آية من القرآن [ قوله ](١٠) :﴿يهدي به من يشاء من عباده﴾ [الأنعام: ٨٨] وقوله :﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] وقوله :﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] وقوله :﴿ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم﴾ الآية [يونس: ٩٩] وأمثاله مما لا يحصى من الآيات. فإن كان لهم ذلك فإنما يكون بما ذكر لا بقولنا. وأصله أنه لا يكون لهم هذا النوع من الاحتجاج لأنهم وقت لا يعقلون بأن الله شاء ذلك لهم، أو قضى، وكتب ذلك عليهم، وهم يودون، ويحبون وقت فعلهم أن يشاء الله ذلك منهم، ويرضى. فإن كانوا وقت فعلهم لا يعقلون ذلك فكيف يكون لهم الحجاج على ما كانوا يفعلون ذلك(١١) ؟ لكن هذا منهم تعليم الكذب لهم ليكذبوا بين يدي رب العالمين على ما ذكر. وأصل قولنا في هذا : أنا نقول : إنه شاء من كل ما علم أنه يكون منه ؛ إذ لا يجوز أن يشاء منه خلاف علمه(١٢) أنه يكون لأن فيه أحد وجهين : إما الجهل بالعواقب وإما العجز فيه، وذلك من الله منفيان. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأصله ما روي عن أبي حنيفة. رحمه الله، أنه قال : بيننا وبين القدرية حرفان : هما(١٣) : أنا نقول : إن الله أعلم ما يكون أنه يكون. فإن قالوا : لا كفروا لأنهم جهلوا الله، وإن قالوا : بلى، فيقال لهم : وشاء أن يكون. فإن(١٤) قالوا : لا كفروا لأنهم يقولون : شاء أن يجهل ذلك، [ وإن قالوا : بلى ](١٥) لزمهم قولنا في المشيئة والإرادة لله في ذلك. قال أبو عوسجة والقتبي :﴿فعميت﴾ بالتخفيف أي خفيت فعميت بالتشديد(١٦) أي أخفيت. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - من م، في الأصل ببعض.. ٤ - إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا﴾ [العنكبوت: ٢٥].. ٥ - في الأصل وم: ما.. ٦ - ساقطة من م.. ٧ - في الأصل وم: حيث.. ٨ - الواو ساقطة من الأصل.. ٩ - أدرج قبلها في الأصل وم: ما.. ١٠ - ساقطة من الأصل وم.. ١١ - في الأصل وم: لا لذلك.. ١٢ - في الأصل وم: علم.. ١٣ - في الأصل: أحدهما، ولعل الحرفين: لا وبلى الآتيان.. ١٤ - في الأصل وم: فإنه.. ١٥ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ١٦ - انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/ ٣٠..

القصص 28:66

الآيتان ٦٥ و٦٦ ] وقوله تعالى :﴿ويوم/ ٤٠٠- ب/ يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين﴾ ﴿فعميت عليهم الأنباء﴾ اختلف فيه : قال قائلون : إنما يسألون عن إجابتهم الرسل : ماذا أجبتموهم ؟ على علم منه أنهم ماذا أجابوهم ؟ ﴿فعميت عليهم الأنباء﴾ أي الإجابة، فلا تتهيأ لهم الإجابة لهول ذلك [ اليوم ](١) وفزعهم. وقال بعضهم : إنما يسألون عن الحجة والعذر الذي به كانوا تركوا إجابة الرسل، فيقال لهم : لأي حجة وعذر تركتم إجابتهم. [ وقوله تعالى ](٢) :﴿فهم لا يتساءلون﴾ قال بعضهم : لا يسأل بعضهم بعضا، بل يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا(٣) على ما ذكر في الكتاب(٤). وقال بعضهم :﴿فهم لا يتساءلون﴾ بالأنساب يومئذ لما لا حجة لهم، ولا برهان ؛ أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج لأن الله أدحض حججهم، وكلل ألسنتهم. وقال بعضهم :﴿فهم لا يتساءلون﴾ بالأنساب يومئذ كما كانوا يتساءلون في الدنيا كقوله :﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] والله أعلم بذلك. ثم إن بعض المعتزلة تكلموا فيه، وقالوا : لو كان الأمر على ما قاله القدريون والجبريون في المشيئة والإرادة لكان يسهل لهم الاحتجاج، ويهون لهم العذر، فيقولون : يا ربنا أجبنا من نفذ من مشيئتك وإرادتك وما مضى من قضائك وكتابك علينا إذ كنت أنت قضيت، وكتبت علينا، وشئت، وأردت، بما(٥) كان منا من التكذيب لهم وترك الإجابة، فلم يكن لنا تخلص مما شئت أنت، وقضيت علينا. إلى هذا الخيال يذهب جعفر بن حرب. وهذا منه(٦) تعليم لأولئك الكفرة الحجاج بالباطل والكذب بين يدي رب العالمين للتكذيب الذي كان منهم. ثم يقال : لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم فلا يكون ذلك لهم بقولنا، ولكن إنما يكون بكتاب الله وسنة رسوله وقول المسلمين أجمعين حين(٧) قالوا : ما شاء الله كان، وما(٨) لم يشأ لم يكن. وبكتاب الله ذكر(٩) في غير آية من القرآن [ قوله ](١٠) :﴿يهدي به من يشاء من عباده﴾ [الأنعام: ٨٨] وقوله :﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص: ٥٦] وقوله :﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥] وقوله :﴿ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم﴾ الآية [يونس: ٩٩] وأمثاله مما لا يحصى من الآيات. فإن كان لهم ذلك فإنما يكون بما ذكر لا بقولنا. وأصله أنه لا يكون لهم هذا النوع من الاحتجاج لأنهم وقت لا يعقلون بأن الله شاء ذلك لهم، أو قضى، وكتب ذلك عليهم، وهم يودون، ويحبون وقت فعلهم أن يشاء الله ذلك منهم، ويرضى. فإن كانوا وقت فعلهم لا يعقلون ذلك فكيف يكون لهم الحجاج على ما كانوا يفعلون ذلك(١١) ؟ لكن هذا منهم تعليم الكذب لهم ليكذبوا بين يدي رب العالمين على ما ذكر. وأصل قولنا في هذا : أنا نقول : إنه شاء من كل ما علم أنه يكون منه ؛ إذ لا يجوز أن يشاء منه خلاف علمه(١٢) أنه يكون لأن فيه أحد وجهين : إما الجهل بالعواقب وإما العجز فيه، وذلك من الله منفيان. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وأصله ما روي عن أبي حنيفة. رحمه الله، أنه قال : بيننا وبين القدرية حرفان : هما(١٣) : أنا نقول : إن الله أعلم ما يكون أنه يكون. فإن قالوا : لا كفروا لأنهم جهلوا الله، وإن قالوا : بلى، فيقال لهم : وشاء أن يكون. فإن(١٤) قالوا : لا كفروا لأنهم يقولون : شاء أن يجهل ذلك، [ وإن قالوا : بلى ](١٥) لزمهم قولنا في المشيئة والإرادة لله في ذلك. قال أبو عوسجة والقتبي :﴿فعميت﴾ بالتخفيف أي خفيت فعميت بالتشديد(١٦) أي أخفيت. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - من م، في الأصل ببعض.. ٤ - إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا﴾ [العنكبوت: ٢٥].. ٥ - في الأصل وم: ما.. ٦ - ساقطة من م.. ٧ - في الأصل وم: حيث.. ٨ - الواو ساقطة من الأصل.. ٩ - أدرج قبلها في الأصل وم: ما.. ١٠ - ساقطة من الأصل وم.. ١١ - في الأصل وم: لا لذلك.. ١٢ - في الأصل وم: علم.. ١٣ - في الأصل: أحدهما، ولعل الحرفين: لا وبلى الآتيان.. ١٤ - في الأصل وم: فإنه.. ١٥ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ١٦ - انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/ ٣٠..

القصص 28:67

[ الآية ٦٧ ] وقوله تعالى :﴿فأما من تاب وآمن وعمل صالحا﴾ أي فأما من رجع عما كان فيه من الشرك والكفر ﴿وآمن﴾ بالذي دعاهم الرسل، وأجابهم ﴿وعمل صالحا﴾ في ما بينه وبين ريه ﴿فعسى أن يكون من المفلحين﴾ يحتمل رجوع ﴿فعسى﴾ إلى ذلك الرجل الذي نعته [ بقوله :﴿فأما من تاب وآمن﴾ الآية ](١) على رجاء القبول والفلاح ؛ يفعل ما يفعل من التوبة والعمل الصالح. [ ويحتمل ](٢) أن يقال ما قال أهل التأويل : إن : عسى من الله واجب ؛ وهو ما ذكرنا أن كل استفهام كان من الله فهو على اللزوم والوجوب. فعلى ذلك حرف : لعل، وإن كان حرف شك في الظاهر، فهو من الله على الوجوب واليقين. قال أبو معاذ : الفلاح في كلام العرب البقاء، ويقال : النجاة، وقد ذكرنا في غير موضع. ١ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: يقول.. ٢ - في الأصل وم: أو..

القصص 28:68

[ الآية ٦٨ ] وقوله تعالى :﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخبرة﴾ يقول، والله أعلم : وربك يختار للرسالة من يشاء، ويجتبيه لها، فيجعلهم رسلا ﴿ما كان لهم الخبرة﴾ يقول : لم يكن لهم أن [ يختاروا ويصطفوا من يشاؤون، ولكن الله ](١) يختار، ويصطفي، من يشاء، رد لقولهم :﴿لولا نزل هذا القرآن﴾ الآية [الزخرف: ٣١] إلى هذا ذهب بعضهم. وجائز أن يكون هذا في كل أمر، أي وربك يختار ما يشاء، ويأمر ﴿ما كان لهم الخيرة﴾ من أمره أي التخلص والنجاة من أمره كقوله :﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦] والقضاء ههنا أمر، لكنه يحتمل وجهين : أحدهما : على الوقف [ في ](٢) قوله :﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ والابتداء من قوله :﴿ما كان لهم الخيرة﴾ من أمرهم. فإن كان على هذا فتكون ما ههنا : جحدا أي لم يكن لهم الخيرة من أمرهم. والثاني : على الصلة ؛ ليس على الجحد، فيكون تأويله :﴿وربك يخلق ما يشاء﴾ ﴿ويختار﴾ الذي لهم الخيرة : أن يكون الوقف على هذا على قوله :﴿وربك يخلق ما يشاء﴾ ثم يقول :﴿ويختار﴾ الذي لهم الخيرة. قال أبو معاذ : قرئ : الخيرة بجزم الياء وبتحريكها :﴿الخيرة﴾(٣). ثم قوله :﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾ على المعتزلة من وجهين : أحدهما : ما أجمعوا أن الله قد شاء جميع ما يفعله العباد من الخيرات والطاعات. فإذا جاز ذلك دل أنه خلقها إذ أخبر أنه ﴿يخلق ما يشاء﴾ [ آل عمران : ٤٧ و. . . ] وقد شاء الخيرات، فدل ذلك على خلق أفعال العباد. لكنهم يقولون [ في ](٤) قوله :﴿يخلق ما يشاء﴾ إذا خلقه(٥) وكذلك يقولون في قوله :﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ [ البقرة : ٢٠ و. . . ] إن خلقه(٦) أو كلام نحو هذا. فئن جاز لهم هذا من الزيادة جاز لكل أحد مثله. فذلك بعيد. [ والثاني ](٧) : على قولهم : أكثر الأشياء ليست بمخلوقة الله، وهو على أكثر الأشياء غير قدير، لأن أفعال الخلق، لا شك أنها أكثر من أنفسهم. فأخبر أنه ﴿على كل شيء قدير﴾ وأنه ﴿يخلق ما يشاء﴾ وأن هذا خرج منه مخرج الامتداح له والثناء عليه بما له من السلطان والقدرة على الخلق كلهم. فلو كان على ما يقول المعتزلة : لم يكن هذا مدحا له ولا ثناء بالسلطان والقدرة إذ هو على قولهم : على أكثر الأشياء ليس بقادر على ما ذكرنا. ثم نزه نفسه، وبرأها، عما قالوا فيه، وأشركوا غيره في ألوهيته وربوبيته وفي عبادته، فقال :﴿سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾. ١ - في م: يختاروا هم ولكن الله، ساقطة من الأصل.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/٣٠ و٣١.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - الضمير عود على خلق أفعال العباد.. ٦ - الضمير عود على خلق أفعال العباد.. ٧ - في الأصل وم: و..

القصص 28:69

[ الآية ٦٩ ] وقوله(١) تعالى :﴿وربك يعلم ما تكن صدروهم وما يعلنون﴾ هذا يخرج على الوعيد لهم والتنبيه ليكونوا على حذر في ما يسرون وما يعلنون، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: وقال..

القصص 28:70

[ الآية ٧٠ ] وقوله تعالى :﴿وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم﴾ قوله :﴿وله الحكم﴾ كقوله :﴿ويختار ما كان هلم الخيرة﴾ وقد ذكرنا أن قوله :﴿يختار ما كان لهم الخير﴾ /٤٠١- أ/ من أمرهم يخرج على وجهين : أحدهما : له الاختيار في أمرهم، لا لهم الاختيار في أمرهم، ولا يملكون هم ما يختار لهم دفعه. والثاني : هو يختار لهم الخيرة في أمرهم لأنه هو العالم بمصالح أمورهم، وما يرجع إلى الأوفق والأنفع، هم لا يعرفون ذلك. فعلى ذلك قوله :﴿وله الحكم﴾ في الدنيا والآخرة لأن أنفس الخلائق له دونهم، فله الحكم في أمورهم وأفعالهم كما له الحكم في أحوالهم، لأنه لا يلحقه الخطاب في حكمه ؛ إذ هو عالم بذاته، ولا تلحقه التهمة أيضا في دفع مضرة أو جر نفع [ لأنه غني بذاته ](١) فله الحكم في الدارين جميعا. والله الموفق. وقوله تعالى :﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾ هذا يخرج على وجوه : أحدهما : ما قاله أهل التأويل : إن أولياءه يحمدونه في الدنيا والآخرة ؛ [ حين يقولون ](٢) ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ الآية [فاطر: ٣٤] يقولون [ ذلك ](٣) إذا دخلوا الجنة. والثاني : ما(٤) قال بعضهم :﴿في الأولى والآخرة﴾ يقول : في السماوات والأرض. وتصديقه قول الله :﴿وله الحمد في السماوات والأرض﴾ [الروم: ١٨] وقوله(٥) :﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الجمعة: ١] وقوله :﴿تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن﴾ [الإسراء: ٤٤]. والثالث :﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾ وهو أن جعل الدنيا مشتركة بين الأعداء والأولياء في نعيمها غير مفترقة ولا مختلفة، وأما في الآخرة فقد فرق فيها بين الأولياء والأعداء ؛ جعل للأولياء النعمة الدائمة وللأعداء العذاب الدائم، فله الحمد على ذلك. والرابع :﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾ لما جعل الدنيا دار محنة والآخرة دار الجزاء، لم يجعلها دار المحنة. [ والخامس ](٦) : أن يكون قوله :﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾ أي له الحمد من الخلق في كل حال وكل وقت كقوله :﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ [يونس: ١٠] إنهم يحمدونه في بدء كل أمر وختمه أي(٧) أن يكون له الحمد. ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - في الأصل وم: حيث قالوا.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - في الأصل وم: و.. ٥ - من م، في الأصل: وقول.. ٦ - في الأصل وم: أو.. ٧ - في الأصل وم: و..

القصص 28:71

[ الآيتان ٧١ و٧٢ ] وقوله تعالى :﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة﴾ [ وقوله ](١) :﴿إن جعل الله عليكم النهار سرمدا﴾ أي دائما ﴿إلى يوم القيامة﴾ لا ليل فيه إلى آخر ما ذكر من قوله :﴿أفلا تسمعون﴾ [ وقوله ](٢) :﴿أفلا تبصرون﴾ يخرج ذكره [ في وجهين ](٣) : أحدهما : في تسفيههم في صرف العبادة والشكر إلى الأصنام التي كانوا يعبدونا على علم منهم أنها لا تملك شيئا مما ذكر من جعل الليل نهارا وجعل النهار ليلا وتركهم عبادة من يعرفون أنه يملك ذلك كله، وكذلك ما ذكر في آية أخرى حين(٤) قال :﴿قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره﴾ الآية [الزمر: ٣٨] فإذا(٥) لا يملك ما تعبدون من دون الله دفع ضر أراده الله لهم(٦) وجعله رحمة ولا دفع رحمة أرادها الله وجعلها(٧) ضرا، فكيف تعبدونها، وتتركون عبادة من يملك جعل هذا هذا ودفع هذا بهذا ؟ فعلى ذلك يقول، والله أعلم : كيف تعبدون من لا يملك جعل الزمان كله ليلا دائما، لا نهار فيه، وجعل الزمان (٨) نهارا كله دائما، لا ليل فيه، وتتركون عبادة[ من ](٩) يملك ذلك كله ؟ يجعل وقت [ الراحة والسكون [ غير ](١٠) وقت الاكتساب والتعيش ووقت التعيش والكسب [ غير ](١١) وقت ](١٢) الراحة والقرار. والثاني : يذكرهم عظيم نعمه ومننه حين(١٣) أنشأ هذا العالم محتاجا إلى ما به قوام أنفسهم وأبدانهم في دينهم. ثم جعل ذلك كله على التعاون وتظاهر(١٤) بعضهم بعضا ما لو جعل ذلك على غير ذلك لا تقوم أنفسهم وأبدانهم بذلك حين(١٥) جعل الليل وقتا للراحة والسكون، والنهار وقتا للتقلب والتعيش. ولو كان ذلك كله وقتا للراحة لا تقوم أنفسهم أبدا للتعيش والكسب. ولو كان كله وقتا للتقلب والكسب، لا راحة فيه، لا تقوم أيضا أنفسهم بذلك. لكنه من رحمته وفضله جعل وقتا للراحة ؛ إنما جعله للكل لا لبعض دون بعض، وكذلك ما جعله وقت التقلب ؛ إنما جعله كذلك للكل لا لبعض دون بعض لتقوم لهم أسباب التعيش وما به قوام أنفسهم وأبدانهم. ولو كان ذلك كله وقتا لأحدهما لم تقم أنفسهم، ولا بقي هذا العالم إلى الوقت الذي جعل له البقاء إلى ذلك الوقت. ١ - في الأصل وم: و.. ٢ - في الأصل وم: و.. ٣ - في الأصل: لوجهين، في م: إلى وجهين.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: فإن.. ٦ - في الأصل وم: له.. ٧ - في الأصل وم: وجعله.. ٨ في الأصل وم: النهار. ٩ -. من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ - ساقطة من نسخة الحرم المكي.. ١١ - ساقطة من نسخة الحرم المكي.. ١٢ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ١٣ - في الأصل وم: حيث.. ١٤ - - في الأصل وم: والتظاهر. ١٥. في الأصل وم: حيث..

القصص 28:72

[ الآيتان ٧١ و٧٢ ] وقوله تعالى :﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة﴾ [ وقوله ](١) :﴿إن جعل الله عليكم النهار سرمدا﴾ أي دائما ﴿إلى يوم القيامة﴾ لا ليل فيه إلى آخر ما ذكر من قوله :﴿أفلا تسمعون﴾ [ وقوله ](٢) :﴿أفلا تبصرون﴾ يخرج ذكره [ في وجهين ](٣) : أحدهما : في تسفيههم في صرف العبادة والشكر إلى الأصنام التي كانوا يعبدونا على علم منهم أنها لا تملك شيئا مما ذكر من جعل الليل نهارا وجعل النهار ليلا وتركهم عبادة من يعرفون أنه يملك ذلك كله، وكذلك ما ذكر في آية أخرى حين(٤) قال :﴿قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره﴾ الآية [الزمر: ٣٨] فإذا(٥) لا يملك ما تعبدون من دون الله دفع ضر أراده الله لهم(٦) وجعله رحمة ولا دفع رحمة أرادها الله وجعلها(٧) ضرا، فكيف تعبدونها، وتتركون عبادة من يملك جعل هذا هذا ودفع هذا بهذا ؟ فعلى ذلك يقول، والله أعلم : كيف تعبدون من لا يملك جعل الزمان كله ليلا دائما، لا نهار فيه، وجعل الزمان (٨) نهارا كله دائما، لا ليل فيه، وتتركون عبادة[ من ](٩) يملك ذلك كله ؟ يجعل وقت [ الراحة والسكون [ غير ](١٠) وقت الاكتساب والتعيش ووقت التعيش والكسب [ غير ](١١) وقت ](١٢) الراحة والقرار. والثاني : يذكرهم عظيم نعمه ومننه حين(١٣) أنشأ هذا العالم محتاجا إلى ما به قوام أنفسهم وأبدانهم في دينهم. ثم جعل ذلك كله على التعاون وتظاهر(١٤) بعضهم بعضا ما لو جعل ذلك على غير ذلك لا تقوم أنفسهم وأبدانهم بذلك حين(١٥) جعل الليل وقتا للراحة والسكون، والنهار وقتا للتقلب والتعيش. ولو كان ذلك كله وقتا للراحة لا تقوم أنفسهم أبدا للتعيش والكسب. ولو كان كله وقتا للتقلب والكسب، لا راحة فيه، لا تقوم أيضا أنفسهم بذلك. لكنه من رحمته وفضله جعل وقتا للراحة ؛ إنما جعله للكل لا لبعض دون بعض، وكذلك ما جعله وقت التقلب ؛ إنما جعله كذلك للكل لا لبعض دون بعض لتقوم لهم أسباب التعيش وما به قوام أنفسهم وأبدانهم. ولو كان ذلك كله وقتا لأحدهما لم تقم أنفسهم، ولا بقي هذا العالم إلى الوقت الذي جعل له البقاء إلى ذلك الوقت. ١ - في الأصل وم: و.. ٢ - في الأصل وم: و.. ٣ - في الأصل: لوجهين، في م: إلى وجهين.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: فإن.. ٦ - في الأصل وم: له.. ٧ - في الأصل وم: وجعله.. ٨ في الأصل وم: النهار. ٩ -. من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ - ساقطة من نسخة الحرم المكي.. ١١ - ساقطة من نسخة الحرم المكي.. ١٢ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ١٣ - في الأصل وم: حيث.. ١٤ - - في الأصل وم: والتظاهر. ١٥. في الأصل وم: حيث..

القصص 28:73

[ الآية ٧٣ ] وهو ما ذكر :﴿ومن رحمته لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون﴾ وقوله تعالى :﴿أفلا تسمعون﴾ وقوله(١) :﴿أفلا تبصرون﴾ إنما هو سمع عقل وقلب وبصر عقل وقلب ؛ كأنه يقول :﴿أفلا تسمعون﴾ هذا بالعقل، ويقول(٢) :﴿أفلا تبصرون﴾ بالعقل، والله أعلم، كقوله :﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٤٦]. ١ - في الأصل وم: و.. ٢ - في الأصل وم: و..

القصص 28:74

[ الآية ٧٤ ] وقوله تعالى :﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ قد ذكرناه. وهذه الآيات التي يكررها، ويعيدها(١) مرة بعد مرة كقوله :﴿ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتهم المرسلين﴾ [القصص: ٦٥] وقوله :﴿ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون﴾ [القصص: ٧٤] وقوله :﴿ادعوا شركاءكم﴾ [الأعراف: ١٩٥] وأمثال ذلك مما يكثر على علم منه أنهم لا يصدقونها، ولا يقلبونها، ولا يسمعون إليها، وإن كررت، وأعيدت، غير مرة، فهو، والله أعلم على وجهين : أحدهما : لزوم الحجة لما مكنوا من(٢) الاستماع والسماع، وإن كانوا لا يسمعون إليها. والثاني : يكون فيه عظة للمؤمنين من وجوه : أحدها : ليشكروا على ما عصموا من عبادة غير الله، ووفقوا عبادة المستحق إليها، ليعرفوا عظيم نعمة الله عليهم. والثاني : ليحذروا عاقبتهم في الرجوع إلى ما هم(٣) عليه أولئك الكفرة على ما حذر(٤) الرسل والأنبياء وأولي العصمة عاقبتهم في الرجوع إلى ذلك كقول إبراهيم :﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] وأمثاله كثير. والثالث : خوف المعاملة : لئلا يعاملوا معاملتهم(٥) في العمل كما عامل أولئك في الاعتقاد، لأن المؤمنين، وإن خالفوا(٦) أولئك الكفرة في الاعتقاد في إشراك غيره في العبادة فربما يوافقونهم في العمل، فكررت هذه الأنباء والآيات عليهم، وأعيدت مرة [ بعد مرة ](٧) وإن كان أولئك لا يستمعون إليها للوجوه التي ذكرها. والرابع : كررت، وأعيدت، لئلا يقولوا : إنها لو أعيدت، وكررت، لقبلناها، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: ويعيد.. ٢ - في الأصل وم: أو.. ٣ - من م، في الأصل: هو.. ٤ - من م، في الأصل: حذروا.. ٥ - في الأصل وم: لهم.. ٦ - في الأصل وم: خالفوا هم.. ٧ - من م، ساقطة من الأصل..

القصص 28:75

[ الآية ٧٥ ] وقوله تعالى :﴿ونزعنا من كل أمة شهيدا﴾ قيل : شهيدها رسولها كقوله :﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ الآية [النساء: ٤١] وقوله :﴿ويوم نبعث من كل أمة شهيدا﴾ [النحل: ٨٤] ونحوه. سمى شهيدا لأنه شهد على ما عملوا، وحضر ما كان منهم، والله أعلم، من التكذيب والقبول والرد﴿فقلنا هاتوا برهانكم﴾ في تسميتكم الأصنام آلهة أو في استحقاقها(١) العبادة أو في زعمكم :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] ونحو ذلك يقول : هاتوا برهانكم وحجتكم على ما زعمتم. وقوله تعالى :﴿فعلموا أن الحق لله﴾ هذا أيضا يحتمل وجوها : علموا أن الألوهية والربوبية لله، أو علموا أن الشفاعة لله للأصنام التي عبدوها وليكونوا شفعاء عند الله كقوله :﴿قل لله الشفاعة جميعا﴾ [الزمر: ٤٤] وأن يكون الحق(٢) الذي عليهم هو(٣) العبادة لله، أو أن يكون ما جاء به الرسل/ ٤٠١- ب/ من الحق إنما جاؤوا من عند الله ﴿وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [ أي ضل ](٤) عنهم ما كانوا يأملون من عبادتهم تلك الأصنام من الشفاعة والزلفى. ١ - في الأصل وم: استحقاق.. ٢ - أدرج قبلها في الأصل وم: أن.. ٣ - في الأصل وم: هي.. ٤ - من م، ساقطة من الأصل..

القصص 28:76

[ الآية ٧٦ ] وقوله تعالى :﴿إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم﴾ كأنه كان(١)، والله أعلم، يخوف أهل مكة، ويوعدهم ببغيهم على الله وعلى رسوله بعذاب ينزل عليهم كما نزل بقارون ببغيه على موسى وقومه إذ لم تنفعه قرابته من موسى ولا صلته به لما ذكر أنه كان ابن عمه، وكان ختنه زوج أخته مريم. فعلى ذلك يقول، والله أعلم : لا تنفعكم القرابة التي بينكم وبين رسول الله، ولا اتصالكم به من عذاب الله ومقته في الدنيا إذ(٢) بغى عليه، وكما [ لم ](٣) تنفع أبوة أبي إبراهيم إذ بغى عليه، وترك اتباعه حين(٤) تبرأ إبراهيم منه، وحين(٥) قال :﴿يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن﴾ الآية [مريم: ٤٥] وحين(٦) لم تنفع لا مرأة نوح ولوط الزوجية التي كانت بينهما وبين نوح ولوط من نزول [ عذاب بالله ومقته بهما إذ تركتا اتباعهما، وبغتا عليهما ](٧). فعلى ذلك يا أهل مكة لا ينفعكم من عذاب الله ومقته قرابتكم لرسول الله، صلوات الله عليه، وصلته بكم، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فبغى عليهم﴾ اختلف أهل التأويل في بغيه عليهم : قال بعضهم : هو أن موسى طلب منه زكاة ما آتاه الله من المال، فمنعه، وأبى أن يعطيه. وقال بعضهم : بغيه عليهم، هو أن أعطى امرأة جعلا لتقذفه بنفسها، فأراد أن يفضحه على رؤوس الأخيار والملإ وأن يرجموه، فدفع الله [ ذلك ](٨) عنه، وبرأه منه. وقال بعضهم : إنما بغى عليه بكثرة ماله وولده. هذا يشبه أن يكون كأنه بكثرة ماله ودفع عذاب الله ونقمته كقول أهل مكة :﴿نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين﴾ [سبإ: ٣٥]. وقال بعضهم : بغى عليه لأن النبوة جعلت في موسى والحبورة في هارون، ولم يجعل لقارون شيء، فاعتزل عن موسى، واتبعه ناس كثير، واعتدوا(٩) عليه، ونحو هذا كثير مما قالوه. والأشبه أن يكون بغيه الذي ذكر عليه كبغي فرعون وهامان عليه حين(١٠) قال :﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين﴾ ﴿إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب﴾ [ غافر : ٢٣ و٢٤ ] وقال(١١) :﴿وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض﴾ الآية [العنكبوت: ٣٩] فكان منه ما كان من فرعون وهامان من التكذيب والرد لرسالته وتسميته ساحرا كذابا. فذلك هو البغي عليه، لأنه ذكر البغي. أو لا يفسر البغي عليه لأنه ذكر البغي، ولم يبين ما ذلك البغي ؟ والله أعلم بذلك. وقال قائلون : بغيه عليهم هو أن زاد في ثيابهم شبرا. فذلك أيضا لا نعلمه، فهو مثل الأول. وقوله تعالى :﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصمة أولي القوة﴾ قال بعضهم :﴿مفاتحه﴾ خزائنه. وقال بعضهم :﴿مفاتحه﴾ جمع مفتاح، وهو في الأصل مفاتيح. وذكر أن كنوزه، كانت كذا كذا ألفا، وأن مفاتحه كان يحملها(١٢) كذا وكذا بغلا، وأنها من جلود كذا أو من كذا قدر كذا. فذلك أيضا لا نعلم، ولا نفسره، ولا نذكره، إلا قدر ما ذكر في الكتاب : الكنوز والمفاتح. وذكر أن العصبة تنوء بها، وذلك لكثرة(١٣) ما ذكر. ولكن لا نعلم قدره وعدده ؛ ما هو ؟ ولا : كم هو ؟ وكذلك العصبة أيضا ؛ لا نعلم كم عددها ؟ إلا أن أهل التأويل : يقول بعضهم : من عشرة إلى أربعين، ويقول بعضهم : من عشرة إلى خمسة وسبعين. ويقول بعضهم : من عشرة إلى خمسة عشر، ونحن نفسره، ولا نذكر عدده سوى أنه اسم جماعة، يتعصب بعضهم ببعض(١٤)، ويعير بعضهم بعضا، يرجعون جميعا إلى أمر واحد. وكذلك الشيعة : هي جماعة، يتشيع بعضهم ببعض(١٥)، ويتبع بعضهم بعضا. ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم :﴿لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ [يوسف: ١٤] أي يتعصب بعضنا ببعض(١٦)، لا ندعه يأكله، ولئن لم نفعل، ولم نحفظه ﴿إنا إذا لخاسرون﴾ [يوسف: ١٤]. وقوله تعالى :﴿لتنوء بالعصبة﴾ اختلف فيه : قال بعضهم : تلك المفاتيح. وقال القتبي :﴿لتنوء﴾ أي تميل بها العصبة إذا حملتها من ثقلها. وقال أبو عوسجة :﴿لتنوء بالعصبة﴾ أي لتعجز العصبة عن حملها. وقال بعضهم : تنوء تثقل، والعصبة الجماعة(١٧). قوله تعالى :﴿إذ قال له قومه لا تفرح﴾ قال بعضهم : لا تبطر، ولا تأشر، إن الله لا يحب البطرين الأشرين. وجائز أن يكون قوله :﴿لا تفرح﴾ أي لا تفتخر على الناس بما آتاك الله من المال، ولا تتكبر عليهم، ولا تفرح : لا تسكن إليها، ولا تركن إلى ذلك، إن الله لا يحب من ذكر. ١ - في الأصل وم: قال.. ٢ - في الأصل وم: إذا.. ٣ - ساقطة من الأصل وم.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: حيث. ٦ - في الأصل وم: حيث. ٧ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: العذاب ومقته بهم إذا تركوا أتباعهم وبغوا عليهم.. ٨ - ساقطة من الأصل وم.. ٩ - في الأصل وم: واعتدى.. ١٠ - في الأصل وم: حيث.. ١١ - في الأصل وم: وكقوله.. ١٢ - في الأصل وم: يحمل.. ١٣ - من م، في الأصل: لكثرة.. ١٤ - في الأصل وم: بعضا.. ١٥ - في الأصل وم: بعضا.. ١٦ - في الأصل وم: بعضا.. ١٧ - في الأصل وم: جماعة..

القصص 28:77

[ الآية ٧٧ ] وقوله تعالى :﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة﴾ كأن كثرة ما آتاه من المال أنسته الآخرة، وشغلته عنها وعن العمل لها حتى حمله ذلك على الجحود والإنكار، فقال :﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ أي لا تنس [ نصيبك ](١) من مالك في الدنيا، ولكن قدم لآخرتك. قال الحسن في قوله :﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ إلى آخره ؛ قال : أمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، ويقدم ما سوى ذلك لآخرته. وكذلك قال في قوله :﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة﴾ أي قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ قال : يكفيك ما أحل الله لك من الدنيا، فإن فيه غنى وكفاية. وأصله ما روي عن نبي الله ﷺ أنه قال :( لك من الدنيا من أكلت ولبست وأفنيت وما قدمت ) [ مسلم ٢٩٥٨ ] جعل المقدم من الدنيا له، وأما خلفه فهو لغيره. وهكذا [ الدنيا ؛ لم تخلق الدنيا ](٢) لتبقى لأهلها، أو يبقى أهلها فيها. ولكن إنما خلقت لتفنى هي، ويفنى(٣) أهلها، وخلقت الآخرة للبقاء. فنصيبه من الدنيا ما قدّم، وأنفق في طاعة الله في سبيله، ليس ما خلفه في هذه الدنيا. وقوله تعالى :﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ يحتمل قوله :﴿وأحسن﴾ إلى نفسك في العمل للآخرة ﴿كما أحسن الله إليك﴾ وأحسن إلى الخلق ﴿كما أحسن الله إليك﴾. وقوله تعالى :﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ هذا يدل أنه كان ينفق ماله. إلا أنه كان ينفق في الصد عن سبيل الله حتى(٤) قال :﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ ولو كان في ترك الإنفاق لم يكن في ذلك بغي الفساد في الأرض. ثم الواجب على من حضر الملوك، وشهد مجالسهم من أهل العلم أن يخوفوا الملوك، ويوعدوهم(٥) بما أوعد قوم موسى قارون وخوفوه، ويأمروهم بالصلاح في أنفسهم في رعيتهم كما أمر أولئك قارون، وينهوهم كما نهاه أولئك. فإن أجابوهم، وإلا امتنعوا عنهم، وكفوا أنفسهم عن الاختلاف إليهم. فإن لم يفعلوا فهم شركاؤهم في جميع ما يفعلون، والله أعلم. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: أو يفنى.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: يواعدوهم..

القصص 28:78

[ الآية ٧٨ ] وقوله تعالى :﴿قال إنما أوتيته على علم عندي﴾ اختلف فيه : قال بعضهم : إن قارون كان أقرأ الناس بالتوراة وأعلمهم بها، وسمي قارون لذلك، وذكر أنه سمي المنور لحسن صوته بالتوراة. وقال بعضهم : قوله :﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ وهو الكيمياء ؛ ذكر أنه كان يعالج صنعة الذهب، ويحسنها. وقال بعضهم :﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ أي علم خبر /٤٠٢-أ/ عندي ؛ قال ذلك على إثر قول أولئك :﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [ إلى قوله تعالى ] :(١) ﴿إن الله لا يحب المفسدين﴾ ] كأنهم أوعدوه بذهاب ذلك عنه وهلاكه. فقال، والله أعلم ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ لم أوت جزافا بلا سبب، وكأنه، والله أعلم، نسي(٢) الآخرة بما أوتي من المال والكنوز وترك الإنفاق في الخير، وكان عارفا بالله حين(٣) قالوا له :﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة﴾ وقالوا له :﴿إن الله لا يحب المفسدين﴾ دل هذا منهم أنه كان عارفا بالله تعالى. وقوله تعالى :﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا﴾ ذكر هذا، والله أعلم، لما أنه كان يفتخر، ويستكبر على الناس بما أوتي من الأموال والكنوز والأتباع. ويحسب أنه يدفع العذاب الموعود في هذه الدنيا بذلك عن نفسه أو يظن [ أن من ](٤) أوتي ذلك لا يعذب كظن أولئك الكفرة حين(٥) قالوا :﴿نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين﴾ [سبإ: ٣٥]. فجائز أن كان من قارون من الإعجاب بالكثرة والجمع ما ذكر [ أولئك، فقالوا ](٦) عند ذلك :﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا﴾ ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم من العذاب. فعلى ذلك أنت يا قارون، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ اختلف فيه : قال بعضهم : لا يسألون عن ذنوبهم [ لما يعرفون بسيماهم ](٧) كقوله :﴿يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: ٤١]. وقال بعضهم : لا تسأل هذه الأمة عن صنيع مجرمي الأمم الخالية. وجائز [ أنهم لا يسألون ](٨) عن ذنوبهم لأنهم لا يرون ما يعملون من الأعمال ذنوبا، ولكن إنما يسألون عن الدليل الذي به لا يرون تلك الأعمال ذنوبا(٩)، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: ﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾.. ٢ - من م، في الأصل: لفني.. ٣ - في الأصل وم: حيث.. ٤ - في الأصل وم: إنه لما.. ٥ - في الأصل وم: حيث.. ٦ - في الأصل وم: بأولئك فقال.. ٧ - من نسخة الحرام المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٨ - من نسخة الحرام المكي، ساقطة من الأصل وم: أن يسأل.. ٩ - في الأصل وم: ذنبا..

القصص 28:79

[ الآية ٧٩ ] وقوله تعالى :﴿فخرج على قومه في زينته﴾ قال عامة أهل التأويل : إنه خرج [ وغلمانه ](١) على بغال شهب، ومعه كذا كذا من الجواري على كذا كذا بغال شهب، عليهن من الثياب كذا. وقال بعضهم : إنه خرج على براذين كذا بيض مع كذا كذا غلمان وجوار(٢) ونحو ما ذكر. ولكنا لا ندري على أي زينة خرج، ولكنا نعلم أنه خرج على الزينة التي يخرج [ بأمثالها الملوك ](٣) ولا نفسر أنه كذا على كذا، ولا نفسر العلم الذي ذكر أنه من المال، والكنز أنه كان عنده كذا من العلم، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: وجواري.. ٣ - في الأصل وم: أمثاله من الملوك..

القصص 28:80

[ الآية ٨٠ ] وقوله تعالى :﴿وقال الذين أوتوا العلم﴾ أي أوتوا منافع العلم، ربما [ يؤتى أحد العلم ](١) ولا يؤتى من الانتفاع له به ما أوتي هؤلاء حين(٢) قالوا لأولئك ﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا﴾ لم يكن من أولئك إلا التمني أنه يؤتوا مثل ما أوتي قارون. ثم نهاهم الذين أوتوا منافع العلم والانتفاع به عن ذلك التمني. فدل ذلك أن التمني لا يسع في ما لا يسع الاشتغال به والطلب حين(٣) قالوا لهم :﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا﴾. [ وقوله تعالى ](٤) :﴿ولا يلقّاها إلا الصابرون﴾ كيف ذكره بالتأنيث ؟ وإنما تقدم له ذكر ﴿ثواب الله خير﴾ فألا قال : وما يلقاه(٥) ؟ اختلف فيه. قال بعضهم :﴿ولا يلقاها﴾ كناية عن تلك المقالة التي كانت من أولئك الذين أوتوا العلم لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا، أي لا يلقى تلك المقالة التي قالوها لأولئك إلا الصابرون. وقال بعضهم : لا، ولكن ذلك كناية عن الأعمال [ أي وما يلقى تلك الأعمال ولا يوفق لها ](٦) إلا الصابرون. قال أبو عوسجة والقتبي :﴿ولا يلقاها﴾ أي لا يوفق لها، ويقال : لا يرزق [ إلا ](٧) الصابرون. [ وقوله تعالى ](٨) :﴿الصابرون﴾ يحتمل المؤمنين أنفسهم(٩) كقوله تعالى :﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ [ إبراهيم : ٥ و. . . ] وقوله :﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات﴾ [هود: ١١] أي آمنوا. ويحتمل ﴿الصابرون﴾ الذين صبروا أنفسهم، وحبسوها على أداء ما افترض الله عليهم ولم يؤتوا أنفسهم شهواتها(١٠) وهواها، والله أعلم. ثم كان في قوم موسى خصال ثلاث، لم تكن تلك، ولا مثلها في غيره من الأمم : أحدها : ما ذكر من صلابة أولي العلم ويقينهم وطمأنينتهم في ما وعدوا في الآخرة من العذاب وصبرهم على أداء ما افترض الله عليهم وحبسهم أنفسهم عن مناهم وشهواتهم وصلابتهم في الدين وما وعظوا قارون حين(١١) قالوا له :﴿وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة﴾ إلى قوله :﴿إن الله لا يحب المفسدين﴾ [ القصص : ٧٦ و٧٧ ] وهو كان ملكا يومئذ [ وما ](١٢) قالوا لأولئك الذين يريدون الحياة الدنيا ﴿ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا﴾. والثاني : ما ذكر سحرة فرعون حين أوعدهم بالقطع والصلب والقتل بإيمانهم الذين آمنوا، فقالوا :﴿لا ضير لنا إلى ربنا منقلبون﴾ [الشعراء: ٥٠] وقالوا :﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه: ٧٢] وأمثال ذلك مما لم ينالوا حلول ما أوعدهم، وخوفهم من أنواع العذاب. والثالث : ما ذكر من الذين كان يكتم إيمانه حين(١٣) قال :﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ [غافر: ٢٨] وإنما ظهر ذلك حين قال ﴿فرعون ذروني أقتل موسى وليدع به﴾ [غافر: ٢٦] كأنه هم أن يقتله. ألا ترى أن ذلك الرجل المؤمن الذي يكتم إيمانه قال لهم ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ ؟ لم يبال بهلاك نفسه بإظهاره الإيمان بعد أن أعان نبي الله موسى، ونفع له بما [ قال، واستقبل فرعون وقومه بما استقبل ](١٤). فهذه خصال لم تذكر عن قوم قط، من سوى قوم موسى مثلها. ولذلك وصفهم ونعتهم بفضل الهداية والعدالة، وهو ما قال تعالى :﴿ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾. وهكذا الواجب على كل مؤمن إذا أريد منه أخذ الإيمان، أو خاف على دينه أن يذهب به، أو أن يدخل فيه النقصان ألا يبدل ذلك، وإن خاف على نفسه تلفها وهلاكها وتعذيبها بأشد ما يكون من العذاب. ألا ترى أن الله مدح أصحاب الأخدود بما احتملوا أشد العذاب وأسوأ القتل، ولم يتركوا الإيمان، ولم يعطوا لأولئك الكفرة ما أرادوا منهم ؟ فهكذا الاختيار(١٥) على كل مسلم أن يختار ما ختار أولئك. وهكذا الواجب على كل من يأتي الأمراء والسلاطين، ويحضر مجالسهم من العلماء أن يعظوهم، ويأمروهم بكل ما يؤتى، وينهوهم عن كل محظور حرام، ويدلوهم على كل خير ما هو طاعة لله كما فعل قوم موسى(١٦) بقارون، وألا يحضروا(١٧) مجالسهم، ولا يأتوهم(١٨) طائعين. فإن فعلوا فإنهم يكونون شركاءهم. وذكر عن بعض السلف أنه قال في عيسى وقارون عبرة لمن اعتبر أن عيسى، صلوات الله عليه، زهد في الدنيا زهدا حتى لم يتخذ لنفسه مسكنا يسكن [ فيه ](١٩) ولا مقرا يقر فيه، ولا اتخذ لنفسه ما يتعيش به، ولا اشتغل بشيء منها، فرفعه الله إلى السماء، فجعل عيشه ومقره فيها في كرامته وجواره، وقارون(٢٠) كان يرغب في هذه الدنيا رغبة [ عظيمة ] (٢١) وجهد في طلبها طاقته ووسعه، وركن إليها ركونا حتى خسفه الله في الأرض، وأدخله فيها مع كنوزه وأتباعه، فيكون فيها إلى يوم القيامة. ففي ذلك عبرة وآية لكل راغب وزاهد ؛ فيرغب الزاهد [ في الزهد ] (٢٢) فيها، وينزجر الراغب عن الرغبة فيها، والله أعلم. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: حيث.. ٣ - في الأصل وم: حيث.. ٤ - في الأصل وم: اختلف في قوله.. ٥ - أدرج قبلها في الأصل وم: لكن.. ٦ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ولا وفق.. ٧ - ساقطة من الأصل وم.. ٨ - ساقطة من الأصل وم.. ٩ - في الأصل وم: نفسه.. ١٠ - في الأصل وم: شهواتهم.. ١١ - في الأصل وم: حيث.. ١٢ - في الأصل وم: ولما.. ١٣ - في الأصل وم: حيث.. ١٤ - من م، في الأصل: واستقبل.. ١٥ - من م، في الأصل: اختيار.. ١٦ - في الأصل وم: قارون.. ١٧ - أدرج قبلها في الأصل وم: لم.. ١٨ - في الأصل وم: أتوهم.. ١٩ - ساقطة من الأصل وم.. ٢٠ - معطوف على عيسى.. ٢١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢٢ - من م، ساقطة من الأصل..

القصص 28:81

[ الآية ٨١ ] وقوله تعالى :﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾ بالبغي الذي بغى عليهم ؛ أعني على موسى وأصحابه. وقوله تعالى :﴿فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله﴾ كأنه كان يفتخر بالمال والحواشي، ويتقوى بذلك في دفع عذاب الله ونقمته. لذلك قال :﴿فما كان/٤٠٢- ب/ له من فئة ينصرونه من دون الله﴾ أي لم تغنه(١) في دفع عذاب الله عنه أتباعه وحواشيه، وهو كظن أولئك :﴿نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين﴾ [سبإ: ٣٥] وكان ظنهم ذلك. وقولهم إنا كان بوجهين : [ أحدهما ] (٢) : أنهم ظنوا أن أموالهم وأتباعهم تدفع عنهم عذاب الله ونقمته كما تدفع نقمة بعضهم من بعض في ما بينهم كقول [ ابن نوح ] (٣) :﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ [هود: ٤٣]. والثاني :[ أنهم ظنوا ] (٤) أنما أعطوا هذه الأموال والأتباع في هذه الدنيا لكرامة لهم عند الله، فلا يعذبون أبدا، والله أعلم. ١ - في الأصل وم: يغن.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: ذلك الرجل.. ٤ - في الأصل وم: ظنوا أنهم..

القصص 28:82

[ الآية ٨٢ ] وقوله تعالى :﴿وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس﴾ كانوا تمنوا أن يعطوا مثل ما أعطي قارون(١) ﴿يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾. [ قال بعض أهل الأدب : وي صلة، وإنما هو كأن وكأنه. وقال مقاتل : ويكأنه أي لكنه(٢)، وقال بعضهم :﴿ويكأن الله﴾ أي اعلموا ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء﴾ ﴿ويكأن﴾ ](٣) واعلموا أنه ﴿لا يفلح الكافرون﴾ لكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ولكنه لا يفلح الكافرون. وقال بعضهم : ألم تر أن يبسط الرزق ؟ وألم تر أنه لا يفلح كذا ؟ وقال الزجاج : وي مقطوع من كأن، وهو حرف يفتتح به التندم. ثم ابتدأ بقوله : كأنه لا يفلح الكافرون. ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في وجوب الأصلح على الله لأنهم منة الله في منعه إياهم ما تمنوا بالأمس مما أوتي قارون. فلو كان ما أعطي قارون أصلح له في دينه لم يكن في منعه عن هؤلاء منة. دل أن ما أعطى قارون لم يكن أصلح له، وأن ليس على الله حفظ الأصلح للعباد في الدين. ١ - إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون﴾ [القصص: ٧٩].. ٢ - أدرج بعدها في م: ويكأن.. ٣ - من م، ساقطة من الأصل..

القصص 28:83

[ الآية ٨٣ ] وقوله تعالى :﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾ في [ ظاهر الآية ](١) أن كل من لا يريد العلو في هذه الدنيا ولا الفساد فيها يكون من أهل تلك الدار، وكذلك ما ذكر من دار الآخرة، وجهنم من دار الآخرة أيضا. لكن الآية تخرج على وجهين : أحدهما : كأنها نزلت في رؤساء الكفرة، وفراعينهم هم الذين كانوا يريدون العلو في هذه الدنيا بالتكبر والتجبر على الرسل، والفساد فيها في صرف الناس عن دين الله للرسل، ودعا الناس إلى دين الله واتباع الرسل. والثاني : تكون الآية في الذين كانوا يعملون بالخيرات والطاعات منهم من(٢) نحو صلة الأرحام والصدقة على الفقراء والإنفاق في ذلك. فأخبر أنهم، وإن كانوا يعملون بتلك الأعمال، فإنما يعملون للدنيا والعلو فيها لا للآخرة. فتلك الدار الآخرة، ليست لهم. إنما هي للذين يعملون، ويريدون [ بأعمالهم ](٣) الدار الآخرة. وقول تعالى :﴿تلك الدار الآخرة﴾ كأنه يقول : تلك الدار التي دعوا إليها ليست لمن ذكر [ وإنما ](٤) هي الدار التي قال الله تعالى :﴿والله يدعوا إلى دار السلام﴾ [يونس: ٢٥] فالدار الآخرة، هي الدار التي دعوا إليها، وهي الجنة ؛ الدار الآخرة على الإطلاق : الجنة كالكتاب المطلق كتاب الله والدين المطلق دين الله ونحوه. وقوله تعالى :﴿والعاقبة للمتقين﴾ أي تلك الدار الآخرة للمتقين. ١ - في الأصل وم: ظاهرها.. ٢ - في الأصل وم: في.. ٣ - في الأصل وم: بها.. ٤ - في الأصل وم: و..

القصص 28:84

[ الآية ٨٤ ] وقوله تعالى :﴿من جاء بالحسنة فله خير منها﴾ يخرج على وجوه : أحدها : ما قال أهل التأويل : على التقديم والتأخير، أي فله منها خير ؛ ومعناه أن ما يكون له في الآخرة من الخير إنما يكون بتلك الحسنة التي جاء بها في الدنيا، وهي التوحيد. والثاني : قوله :﴿فله خير منها﴾ أي ما أعطوا في الآخرة من الخير والثواب خير مما يعطون في الدنيا بصبرهم وحبسهم أنفسهم عن شهواتها وأمانيها. والثالث :﴿فله خير منها﴾ أي ثواب الله وما أكرموا به خير مما عملوا في الدنيا. والرابع : أن توفيقه إياهم وإرشاده خير مما عملوا. [ والخامس ](١) : أن يكون ذكر الله وحمده خير مما ذكر كقوله :﴿ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقوله تعالى :﴿ومن جاء بالسيئة﴾ قالوا جميعا : السيئة هي الشرك [ ﴿فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون﴾ ](٢). ١ - في الأصل وم: أو.. ٢ - في الأصل وم. ﴿فلا يجزى إلا مثلها﴾ لكن مثلها هو التخليد في النار أبدا ﴿وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٦٠] في ما يجزرون بها بل ظلموا أنفسهم..

القصص 28:85

[ الآية ٨٥ ] وقوله تعالى :﴿إن الذين فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ اختلف في قوله :﴿فرض عليك القرآن﴾ قال بعضهم :﴿فرض﴾ أي نزل عليك. وقال بعضهم :﴿فرض عليك﴾ العمل بالقرآن. وقال بعضهم :﴿فرض﴾ تبليغ ما أنزل عليك القرآن والرسالة إلى الناس. واختلف أيضا في قوله :﴿لرادك إلى معاد﴾ قال بعضهم : المعاد [ مكة. وقال بعضهم : المعاد ](١) البعث والساعة، وقال بعضهم : المعاد الجنة، ويقال : الموت، وكلمة البعث والمعاد هو البعث في الظاهر. وجائز أن تسمى مكة معادا لما يعود الناس إليها مرة [ بعد مرة ](٢) كما تسمى مثابة لما يثوب الناس إليها مرة بعد مرة. لكن من يقول : إن المعاد، هو مكة ؛ يقول : إن النبي ﷺ لما أمر بالهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها، اشتاق إلى بلده ومولده ومولد آبائه، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية بشارة في العود إليها ظاهرا عليهم قاهرا فاتحا له مكة. هذا تأويل من يقول : إن المعاد، هو مكة. وجائز أن يكون على غير هذا، وهو يخرج على وجهين : أحدهما : كأنه حزن على الفراق منهم إشفاقا على هلاكهم لإخراجهم الرسول من بين أظهرهم لأن الأمم السالفة إذا أخرج من بينهم الرسل نزل بهم العذاب، فخاف لما(٣) أخرجوه من بين أظهرهم، وأبوا إجابته أن يهلكوا، ويعذبوا، كقوله :﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ [الشعراء: ٣] وقوله :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [فاطر: ٨] فبشر بهذا أن ترد إليها، وستعود إليهم، فيتبعونك، ويؤمنون بك، وهم لا يهلكون إهلاك استئصال وتعذيب كسائر الأمم. والثاني : يذكر على الامتنان عليه ؛ يقول : إن الذي أنزل عليك القرآن، وألقاه عليك بعد ما لم تكن ترجو إلقاءه عليك وإنزاله. ولكن برحمته ومنه ألقاه إليك، وأنزل عليك حين(٤) قال :﴿وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ [القصص: ٨٦]. فعلى ذلك يردك إلى مكة بعد ما لم تكن ترجو ردك وعودك إليها. وإن كان لمعاد هو البعث، فهو يخرج أيضا على وجهين : أحدهما : على البشارة ؛ كأنه يقول : إن الذي فرض عليك القرآن يردك ويبعثك، بمن كذبك وبمن صدقك، فينتقم من مكذبيك جزاء التكذيب، ويجزي من يصدقك جزاء التصديق. والثاني : يذكره، ويخاطبه، وإنما يريد قومه، أي ستبعثون، وستعودون إليها، فيكون كالآيات التي يخاطب بها رسوله، والمراد بها قومه، فهو يخرج على الوعيد. ألا ترى أنه قال :﴿قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين﴾ ؟ أي ﴿ربي أعلم من جاء بالهدى﴾ فيجزيه جزاء الهدى ﴿ومن هو في ضلال مبين﴾ فيجزيه [ جزاء الضلالة ](٥). فيخرج ذكر هذا عند ادعاء أولئك الكفرة أنهم على الحق والهدى وأن آباءهم كانوا على الحق والهدى، وأنتم على ضلال، فيقول :﴿ربي علم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين﴾ نحن أو أنتم. فهو على التحاكم إلى الله أن يحكم بينهم، فيجزي كلا بما جاء به، والله أعلم. ١ - من م، في الأصل: قال بعضهم: المعاد هو.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - أدرج قبلها في الأصل وم: إنهم.. ٤ - في الأصل وم: حيث.. ٥ - في الأصل وم: ضلاله..

القصص 28:86

[ الآية ٨٦ ] وقوله تعالى :﴿وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ربك﴾ فهو يخرج على وجهين : أحدهما :﴿وما كنت ترجوا﴾ وإن كنت مطيعا أي خاضعا ﴿أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ أن ينزل عليك [ الكتاب ](١) وتصير رسولا، أي لم تكن تطمع ذلك. ولكن بفضه ورحمته جعلك رسولا نبيا. والثاني :﴿وما كنت ترجوا﴾ أن تكون في قومك وقبيلتك رسالة فضلا أن ترجو، وتطمع في نفسك [ لأنه /٤٠٣- أ/ ليس ](٢) من بني إسرائيل ولا من أهل الكتاب. والرسول من قبل كانت لا تكون إلا في بني إسرائيل. ولكن الله جعل الرسالة في العرب في نفسك برحمته وفضله، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فلا تكونن ظهيرا للكافرين﴾ هذا يخرج على وجوه : أحدهما : على النهي، أي لا تكن ظهيرا، وإن كان لا يكون [ ذلك النهي للعصمة ](٣) التي عصمه الله [ بها ](٤)، لأن العصمة لا تمنع النهي والأمر. بل منفعة العصمة إنما تكون عند النهي والأمر. والثاني : على الأمن له و الإياس أن يكون ظهيرا لهم، كأنه يخاف لعلة أن يكون ظهيرا لهم في وقت من الأوقات، فأمنه الله من ذلك، فقال : لا تخف، فإنك لا تكون ظهيرا لهم، وهو ما ذكرنا في قوله :﴿ولا تحزن عليهم﴾ [ النحل : ١٢٧ والنمل : ٧٠ ] وقوله :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ [فاطر: ٨] على رفع الحزن والحسرة بتركهم الإيمان. فعلى ذلك الأول. والثالث : إن الخطاب، وإن كان له في الظاهر، فالمراد منه غيره على ما ذكرنا في غير آية(٥) من القرآن أنه خاطب به رسوله، والمراد به غيره. ١ - ساقطة من الأصل وم.. ٢ - في الأصل وم: لأنهم ليسوا.. ٣ - من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: العصمة.. ٤ - ساقطة من الأصل وم.. ٥ - في الأصل وم: آي.

القصص 28:87

[ الآية ٨٧ ] وكذلك بهذا في قوله :﴿ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين﴾ في هذا ما في الأول من الوجوه التي ذكرنا.

القصص 28:88

[ الآية ٨٨ ] وكذلك بهذا في قوله :﴿ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو﴾. وقوله تعالى :﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [ وقال بعضهم : قوله :﴿كل شيء﴾ ](١) ترجى منفعته وشفاعته من دون الله باطل ﴿إلا وجهه﴾ إلا ما ابتغي منه [ وجه الله ](٢) وعمل له. وقال بعضهم :﴿كل شيء هالك﴾ وزائل إلا هو فإنه حي، لا يموت، دائم، لا يزول. وقال بعضهم : كل أمر وجهة، يتوجه إليها، ويعمل به، هالك، إلا الجهة والوجه الذي أمر هو بالتوجه(٣) إليه والعمل به. وهو قريب [ من الأول ](٤) والله أعلم. ١ - من م، ساقطة من الأصل.. ٢ - ساقطة من الأصل وم.. ٣ - في الأصل وم: بالتوجيه.. ٤ - في الأصل وم: بالأول..

العنكبوت 29:1

سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ كلها مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الم): قد ذكرناه في غير موضع. وقوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ... (٢) قوله: (أَحَسِبَ): هو وإن كان في الظاهر استفهامًا فهو على الإيجاب لا الاستخبار؛ إذ حقيقة الاستفهام والاستخبار إنما تكون ممن يجهل الأمور فيستخبر ويستفهم ليعرف ذلك، فاللَّه سبحانه يتعالى عن أن يخفى عليه شيء، فهو على التقرير والإيجاب منه لذلك. ثم يخرج قوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ) على أحد وجهين؛ أحدهما، أي: قد حسب الناس. والثاني: أي: لا يحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا. وقوله: (أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا): ذكر الإيمان ولم يذكره بمن؟ باللَّه أو بغيره؟ وليس أحد من الخلائق إلا وهو يؤمن بأحد ويكفر بغيره، وليس في الآية بيان الإيمان به أو بمن؟ إلا أن اللَّه تعالى سخر الخلق على الفهم من الإيمان المطلق المرسل: الإيمان باللَّه وبرسله، وسخرهم حتى فهموا من الكتاب المطلق: كتاب اللَّه، والدار الآخرة: الجنة، وأمثال ذلك ما فهموا من الكتاب المطلق: كتاب اللَّه، وفهموا ما ذكرنا من الإيمان المطلق: الإيمان باللَّه وبرسله، وفهموا أيضًا من الدِّين المطلق: دين اللَّه؛ فيكون قوله: (أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا) باللَّه أو برسله. وقوله: (وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) أي: لا يبتلون، والفتنة: هي الابتلاء الذي فيه الشدة، يمتحن اللَّه عباده باختلاف الأحوال: مرة بالضيق والشدة، ومرة بالسعة والرخاء وأنواع العبادات؛ ليكون ذلك علما للخلق في صدق الإيمان به والكذب به والكذب فيه، فيعرفوا صدق كل مخبر عن نفسه الإيمان باللَّه تعالى وكذبه؛ إذ قد يجوز أن يكون فيما يخبر

العنكبوت 29:2

الآية ٢ وقوله تعالى :﴿أحسب الناس﴾ قوله :﴿أحسب الناس﴾ هو، وإن كان في الظاهر استفهاما فهو على الإيجاب لا الاستخبار ؛ إذ حقيقة الاستفهام والاستخبار إنما تكون ممن يجهل الأمور، فيستخبر، ويستفهم، ليعرف ذلك، فالله، سبحانه، يتعالى عن أن يخفى عليه شيء. فهو على التقدير والإيجاب منه(١). ثم يخرج قوله :﴿أحسب الناس﴾ على أحد وجهين : [ أحدهما ] (٢) : أي حسب الناس. والثاني : أي لا يحسب ﴿الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا﴾. وقوله تعالى :﴿أن يقولوا آمنا﴾ ذكر الإيمان، ولم يذكره بمن : بالله أو بغيره. وليس أحد من الخلائق إلا وهو يؤمن بأحد، ويكفر بغيره. وليس في الآية بيان الإيمان به أو بمن. إلا أن الله تعالى سخر الخلق على الفهم من الإيمان المطلق المرسل الإيمان بالله وبرسله، وسخرهم حتى فهموا من الكتاب المطلق كتاب الله، والدار الآخرة الجنة. وأمثال ذلك مما فهموا من الكتاب المطلق كتاب الله، وفهموا مما ذكرنا من الإيمان المطلق الإيمان بالله تعالى وبرسله، وفهموا أيضا من الدين المطلق دين الله. . . فيكون قوله :﴿أن يقولوا آمنا﴾ بالله وبرسله. وقوله تعالى :﴿وهم لا يفتنون﴾ أي لا يبتلون. والفتنة هي الابتلاء الذي فيه الشدة ؛ يمتحن الله عباده باختلاف الأحوال : مرة بالضيق والشدة، ومرة بالسعة والرخاء وبأنواع(٣) العبادات ليكون ذلك علما للخلق في صدق الإيمان به والكذب فيه، فيعرفوا صدق كل مخبر عن نفسه الإيمان بالله تعالى وكذبه، إذ قد يجوز أن يكون في ما يخبر، ويقول : آمنت، كاذبا. فجعل الله تعالى العلم في صدقهم وكذبهم أعمالا، تظهر بها عندهم صدقه ما لو كان الابتلاء والامتحان بجهة لعلة لا تظهر ذلك. وهو ما أخبر عن المنافقين، فقال :﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ الآية [الحج: ١١]. هذا يدل أن الفتنة، هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء وما قال :﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ [الأنبياء: ٣٥] فإنما يظهر صدق الرجل في الإيمان بما يصيبه من الشدة. فأما السعة والرخاء فهو يوافق طبعه وهوى(٤) نفسه فلا يظهر صدقه بما يوافق طبعه، وإنما يظهر ذلك بما يخالف طبعه، ويثقل عليه تحمل(٥) ذلك. ثم قال بعضهم :( ١ ) الواو ساقطة من الأصل وم. نزلت الآية في قوم، أظهروا الإيمان باللسان، وأضمروا الخلاف والكذب. وقال بعضهم : نزلت في قوم، آمنوا بالله ورسوله حقيقة، ثم عذبوا بأنواع العذاب، فتركوا الإيمان، وكفروا به. وفيهم نزل [ قوله تعالى ] (٦) :﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ [العنكبوت: ١٠] فكيف ما كان ففيه أن من أقر بالإيمان، وقبله(٧) يمتحن بأنواع المحن بموافقة الطبع ومخالفته ليظهر صدقه عند الناس، فيعاملونه على ذلك، والله أعلم. ١ أدرج بعدها في الأصل وم: وذلك.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٤ من م، في الأصل، وهو في.. ٥ من م، في الأصل: يحتمل.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: وقيل..

العنكبوت 29:3

ويقول: آمنت - كاذبًا، فجعل اللَّه تعالى للعلم في صدقهم وكذبهم أعمالا يظهر بها عنده صدقهم ما لو كان الابتلاء والامتحان بجهة لعله لا يظهر ذلك، وهو ما أخبر عن المنافقين فقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ...) الآية، هذا يدل أن الفتنة هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء، وهو ما قال: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)، فإنما يظهر صدق الرجل في إيمانه بما يصيبه من الشدة، فأما السعة والرخاء فهو ما يوافق طبعه وهوى نفسه، فلا يظهر صدقه بما يوافق طبعه، وإنَّمَا يظهر ذلك بما يخالف طبعه ويثقل عليه تحمل ذلك. ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت الآية في قوم أظهروا الإيمان باللسان، وأضمروا الخلاف والكذب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت في قوم آمنوا باللَّه وبرسوله حقيقة، ثم عذبوا بأنواع العذاب؛ فتركوا الإيمان وكفروا به؛ وفيهم نزل: (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ)، فكيفما كان ففيه أن من أقر بالإيمان وقبله، يمتحن بأنواع المحن بموافقة الطبع ومخالفته؛ ليظهر صدقه عند الناس فيعاملونه على ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) ذكرنا فيما تقدم أنه يعلم ظاهرًا كائنا ما قد علمه غير كائن أنه يكون، وليعلمه موجودًا ما قد علمه غير موجود أنه يوجد، واللَّه أعلم. وقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) هذا أيضًا يخرج على وجهين: أحدهما: قد حسب الذين... ما ذكر. والثاني: لا يحسب؛ على النهي. وقوله: (أَنْ يَسْبِقُونَا): لا أحد يقدر أن يسبق اللَّه في عذابه ونقمته، لكنهم إذا رأوا الكافر والمسلم في هذه الدنيا على السواء في نعيمها وسعتها، ورأوا أيضًا عند الموت أنه لم ينزل على الكافر عذاب كالمسلم - ظنوا أن لا بعث وما ينبئهم باطلا ذلك ظن الذين كفروا حملهم ذلك على إنكار البعث؛ كقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، حين خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، وهم قد علموا أن خلقه إياهما ليس بباطل، ولكن صير خلقهما إذا لم يكن بعث باطلا، فإذا أنكروا البعث ظنوا أن لا عذاب ولا جزاء، واللَّه أعلم. وقوله: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) أضاف اللقاء إلى نفسه، وكذلك ما ذكر من المصير إليه لقوله: (وَإليهِ الْمَصِيرُ)، وقوله: (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)، وقوله: (وَبَرَزُوا لِلََّهِ جمَيعًا)، ونحوه، هذا كله لأن خلق الدنيا وخلق العالم فيها لا لها، ولكن المقصود بخلقها وخلق العالم فيها الآخرة، فإنما صار خلق هذه الأشياء فيها حكمة بالآخرة؛ إذ لو لم يكن آخرة، كان خلق ما ذكر في هذه الدنيا لعبًا باطلا؛ كقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)

العنكبوت 29:4

الآية ٤ وقوله تعالى :﴿أم حسب الذين يعملون السيئات﴾ هذا أيضا يخرّج على وجهين : أحدهما : قد حسب الذين ما ذكر. والثاني : لا يحسب على النهي. وقوله تعالى :﴿أن يسبقونا﴾ لا أحد يظن أن يسبق الله في عذابه ونقمته. لكنهم إذا رأوا الكافر والمسلم في هذه الدنيا على السواء في نعيمها وسعتها، ورأوا أيضا عند الموت أن لم ينزل على الكافر عذاب كالمسلم ظنوا أن لا بعث، وما بينهما باطلا. ذلك ظن الذين كفروا ؛ حملهم ذلك على إنكار البعث كقوله :﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا﴾ حين خلقهما إذا لم يكن بعث ﴿باطلا﴾ [ص: ٢٧]. وهم قد علموا أن الله، خلقه إياهما، ليس بباطل، ولكن صيّر خلقهما، إذا لم يكن بعث باطلا. فإذا أنكروا البعث ظنوا أن لا عذاب، ولا جزاء، والله أعلم.

العنكبوت 29:5

الآية ٥ وقوله تعالى :﴿من كان يرجوا لقاء الله﴾ أضاف اللقاء إلى نفسه، وكذلك من المصير/٤٠٣- ب/ إليه كقوله :﴿وإليه المصير﴾ [ المائدة : ١٨و. . . ] وقوله :﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣] وقوله :﴿وبرزوا لله جميعا﴾ [إبراهيم: ٢١] ونحوه هذا كله، لأن خلق الدنيا وخلق العالم فيها لا لها، ولكن المقصود بخلقها وخلق العالم فيها الآخرة. فإنما صار خلق هذه الأشياء فيها حكمة بالآخرة ؛ إذ لو لم تكن آخرة كان خلق ما ذكر في هذه الدنيا لعبا باطلا كقوله :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ [المؤمنون: ١١٥] صير خلقهم لا للرجوع إليه لعبا باطلا. وقوله تعالى :﴿فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم﴾ بما يقولون، ويظهرون، والعليم بما يضمرون، ويسرون، لأن القصة قصة المنافقين، أو السميع المجيب، العليم بحوائجهم وأمورهم، والله أعلم.

العنكبوت 29:6

صير خلقهم لا للرجوع إليه لعبًا باطلا. وقوله: (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ): بما يقولون ويظهرون، والعليم بما يضمرون ويسرون؛ لأن القصة قصة المنافقين. أو السميع المجيب العليم بحوائجهم وأمورهم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ... (٦) وكذلك قوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)، وقوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) أي: فعليها. ففي هذا: أن اللَّه إنما امتحن الخلائق لا لحاجة له فيما امتحنهم من دفع مضرة أوْ جر نفع، لكن إنما امتحنهم لحاجة أنفسهم في دفع المضار وجر المنافع؛ وكذلك إنما أنشأ الدنيا وهذا العالم فيها لا لحاجة له في إنشاء ذلك، ولكن لحوائج أنفسهم، وكذلك ما أنشأ من الخلائق سوى البشر إنما أنشأ البشر وله سخر جميع ذلك، وجعل البشر بحيث يقدر على استعمال جميع ذلك لمنافع أنفسهم وحاجتهم، وهو ما ذكر في غير آي من القرآن حيث قال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، وقوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، ونحو ذلك؛ فعلى ذلك امتحن هذا العالم لحاجة أنفسهم في دفع مضار وجر نفع؛ لذلك قال: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ) أي: لحاجة نفسه ومنفعة نفسه، لا لمنفعة أو لحاجة لله تعالى. (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ): هذا تفسير ما ذكر. ثم المجاهدة تكون مرة مع الشيطان والجن، ومرة مع أعدائه من الإنس، ومرة مع هوى النفس، ومرة في أمر الدنيا، كل ذلك مجاهدة في اللَّه؛ قال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ): كأن ما عملوا من الحسنات والصالحات يكفر بها سيئاتهم. وقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) هذا يحتمل وجوهًا: أحدها: أن جزاءهم الذي يجزون بتلك الأعمال أحسن من أعمالهم التي عملوا؛ لأن قدر ذلك الجزاء عندهم أعظم وأحسن من قدر أما علموا، من أعمالهم؛ إذ ليس لأعمالهم

العنكبوت 29:7

الآية ٧ وقوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم﴾ كان ما عملوا من الحسنات والصالحات يكفر بها سيئاتهم. وقوله تعالى :﴿ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ هذا يحتمل وجوها : أحدها : أن جزاءهم الذي يجزون بتلك الأعمال أحسن من أعمالهم التي عملوا لأن قدر ذلك الجزاء عندهم أعظم وأحسن من قدر أعمالهم، إذ ليس لأعمالهم عندهم كثير قيمة وقدر، إذ منهم من يحيي ليلة بدرهم وبما يسد به حاجته في يوم وليلة. والثاني : أن الأعمال التي يعملها الناس(١) تكون على وجوه : سيئات تكفر بالتوبة أو بما يعاقبون عليها، وحسنات يجزون بها الثواب الجزيل، وإباحات يعملونها(٢) لحوائج أنفسهم [ لا يعاقبون عليها ](٣) ولا يثابون. فيقول، والله أعلم ﴿ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ وهو الحسنات والخيرات [ التي ] (٤) عملوها. [ والثالث ] (٥) : أن يكون قوله :﴿ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ أن يكفّر سيئاتهم بنوع من الحسنات، ويثابوا(٦)على أحسنها، وهو ما قال :﴿لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ والله أعلم بذلك. ١ في الأصل وم: المرء.. ٢ في الأصل وم: يعملون.. ٣ في الأصل وم: مما لا يعاقبون عليها.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ في الأصل وم: أو.. ٦ في الأصل وم: ويثابون..

العنكبوت 29:8

عندهم كبير قيمة وقدر؛ إذ منهم من يحيي ليله بدرهم وبما يسد به حاجتهم في يوم أو ليلة. والثاني: أن الأعمال التي يعملها المرء تكون على وجوه سيئات تكفر بالتوبة أو بما كان يعاقبون عليها، وحسنات يجزون بها الثواب الجزيل، وإباحات يعملون لحوائج أنفسهم مما لا يعاقبون عليه ولا يثابون، فيقول - واللَّه أعلم -: لنجزينهم أحسن الذي عملوا وهو الحسنات والخيرات عملوها لله. أو أن يكون قوله: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) أن نكفر سيئاتهم بنوع من الحسنات ولثابون على أحسنها، وهو ما قال: (لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)، واللَّه أعلم بذلك. وقوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وقرئ أيضا: (إحسانا) قال الزجاج: قوله: ، (حُسنًا) أجمع وأقرب؛ لأنه يرجع إلى حسن الشيء في نفسه، وإلى حسنه عند ذلك الإنسان؛ يقال: حسن كذا إذا كادْ في نفسه حسنا، والإحسان: هو ما يحسن عند ذلك المعمول له، أو كلام نحو هذا. قال الشيخ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لكن الإحسان هو اسم ما حسن أيضًا في تفسه، يقال: أحسن، فإذا أحسن، فقد حسن، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ): إن كان هذا الخطاب لأهل الإيمان فيكون تأويل الآية: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي: بأن له لئمريكًا، أي: تعلم بأن ليس له شريك فلا تشرك به؛ وهو كقوله: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)، أي: يعلم بخلاف ما يقولون؛ فعلى ذلك قوله يحتمل (مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) بأن له شريكا، أي: لك العلم بخلافه: بأن ليس له شريك. وإن كان الخطاب لأهل الكفر يقولون على اللَّه ما ليس لهم به علم. وقوله: (فَلَا تُطِعْهُمَا): أمر بالبرّ للوالدين والإحسان إليهما والطاعة لهما ما لم يكن في طاعتهما معصية الربّ؛ ليعلم أن لشى يجب طاعتهما في كل شيء وفي كل ما كان عندهما إحسانا، ولكن فيما كان في ذلك طاعة الخالق. وقوله: (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): وعيد لتكونوا أبدًا على حذر في أعمالكم لا تعملون بما فيه معصية الرب. وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) كأنه قال: والذين آمنوا

العنكبوت 29:9

الآية ٩ وقوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين﴾ [ يحتمل وجهين : أحدهما ](١) : كأنه قال :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ولهم سيئات، لنكفرن عنهم سيئاتهم بأعمالهم الصالحات، ثم ﴿لندخلنهم في الصالحين﴾ الذين لا سيئة لهم، وهم الأنبياء ؛ إذ أكثر ما ذكر في الكتاب ﴿الصالحين﴾ إنما أريد بهم الأنبياء، صلوات الله عليهم، وهو ما ذكرنا، والله أعلم، على تكفير السيئات عنهم على ما ذكر في ما تقدم، وهو ما قال :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ [العنكبوت: ٧]. [ والثاني ] (٢) : أن يكون قوله :﴿لندخلنهم في الصالحين﴾ أي لنجعلنهم من الصالحين. فإن قيل : ما معنى ﴿لندخلنهم في الصالحين﴾ وهم قد عملوا الصالحات ؟ قيل : معناه ما ذكرنا بدءا : أنهم قد عملوا الصالحات، إلا [ أن لهم ] (٣) سيئات، يكفرها بالصالحات، ثم ليجعلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: أو. ٣ في الأصل وم: أنهم..

العنكبوت 29:10

وعملوا الصالحات ولهم سيئات، لنكفرن عنهم تلك السيئات بأعمالهم الصالحات، ثم لندخلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم وهم الأنبياء، إذ أكثر ما ذكر في الكتاب الصالحين إنما أريد بهم الأنبياء - صلوات اللَّه عليهم - وهو ما ذكرنا - واللَّه أعلم - على تكفير السيئات عنهم على ما ذكر فيما تقدم، وهو ما قال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ). أو أن يكون قوله: (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) أي: لنجعلنهم من الصالحين. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى قوله: (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) وهم قد عملوا الصالحات؟ قيل: معناه ما ذكرنا بدءًا: أنهم قد عملوا الصالحات إلا أن لهم سيئات يكفرها بالصالحات، ثم ليجعلنهم في الصالحين الذين لا سيئة لهم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ): قال بعض أهل التأويل: ناس مؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الناس أو مصيبة في أنفسهم وأموالهم افتتنوا، فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب اللَّه في الآخرة. ثم قال: (وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ): وذلك عَلَمُ المنافق. ومنهم من يقول: نزلت الآية فيمن حقق الإيمان سرًّا وعلانية، إلا أنه عذب لأجل إيمانه باللَّه وبرسوله؛ فترك الإيمان وكفر؛ فعلى تأويل هذا يحتمل قوله: (وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ...) إلى آخر ما ذكر على القطع من الأول والابتداء منه من صنيع المنافقين وخبرهم، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) أي: جعل فتنة الناس وتعذيبهم إياه في إعطاء ما سألوه - وهو الكفر - كعذاب اللَّه في إعطاء ما سأل من أهل الكفر وهو الإيمان؛ لأن أهل الكفر إذا نزل بهم عذاب اللَّه أو اشتد بهم خوف نزوله عليهم أعطوا الله ما سألهم من الإيمان والتوحيد، وهو ما قال: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ

العنكبوت 29:11

الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ). ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن جعل فتنة الناس في ترك الإيمان كعذاب اللَّه في ذلك، أي: جعل العذاب الذي من الناس كأنه من اللَّه جاء فترك الإيمان. وقوله: (أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ): فإن كانت الآية فيمن حقق الإيمان باللَّه سرا وعلانية، فيخرج هذا على التعيير له في ترك الإيمان بما عذب به؛ لأنه كان يقدر أن يظهر الكفر لهم باللسان؛ فيدفع العذاب عن نفسه، ويكون في الحقيقة في السر مؤمنًا على ما ذكر: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ). وإن كانت الآية في المنافقين، فيقول: كيف أسررتم الكفر والخلاف له في القلب، وأنتم تعلمون أن اللَّه عالم بما في صدور العالمين؟! فيخبر رسوله بما أضمروا وأسروا من الخلاف، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١) قد ذكرنا تأويل هذا: أن يعلم كائنًا ما قد علم أنه سيكون، ويعلم موجودًا ظاهرًا ما قد علم أنه يوجد ويظهر. وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) كأنهم قالوا ذلك لهم بعدما عجزوا عن الطعن في الحجج والآيات ما يوجب شبهة فيما عند الناس، وبعدما انقطعوا عن اللجاج فيها والاحتجاج عليها، فلما عجزوا عن ذلك كله فعند ذلك اشتغلوا بما ذكر وقالوا للمؤمنين ما ذكر. (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا) أي: ديننا، (وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) يقولون - واللَّه أعلم -: اتبعوا سبيلنا فإنه صواب، فإن أصابكم خطأ أو أخطاتم في الاتباع له فإنا نحمل خطاياكم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قالوا لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، وإن كان عليكم شيء فهو علينا؛ وهو قريب من الأول. أو أن يقولوا لهم: اتبعوا سبيلنا؛ فإن اللَّه أمرنا به، فإن أخطاتم في ذلك فإنا نحمل خطاياكم أو نحوه، فهذا القول منهم متناقض؛ لأنهم ذكروا أنهم كانوا يخطئون في الاتباع لهم دينهم، إلا أن يريدوا بذلك ما ذكرنا. والثاني: إنما كانوا يضمنون ويحملون خطاياهم لا بإذن من له الطلب في الخطايا، ولكن بإذن من عليه ذلك، وذلك لا يصلح الضمان بإذن من عليه. ثم أخبر أنهم لا يحملون ذلك حيث قال: (وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). يحتمل قوله: (إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما يذكرون من حمل خطاياهم، أي: لا يقدرون على

العنكبوت 29:12

الآية ١٢ وقوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ كأنهم قالوا ذلك لهم بعدما عجزوا عن الطعن في الحجج والآيات ما يوجب شبهة في ما عند الناس وبعد ما انقطعوا عن اللجاج فيها والاحتجاج عليها. فلما عجزوا عن ذلك كله فعند ذلك اشتغلوا بما ذكروا، وقالوا للمؤمنين مما ذكروا :﴿اتبعوا سبيلنا﴾ أي ديننا ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ يقولون، والله أعلم :﴿اتبعوا سبيلنا﴾ فإنه صواب. فإن أصابكم خطأ أو أخطأتم في الإتباع له فإنا نحمل خطاياكم. وقال بعضهم : قالوا لمن آمن : لا نبعث نحن ولا أنتم فاتبعونا، وإن كان عليكم شيء فهو علينا. وهو قريب من الأول. [ ويحتمل ] (١) أن يقولوا لهم :﴿اتبعوا سبيلنا﴾ فإن الله أمرنا به، فإن أخطأتم في ذلك فإنا نحمل خطاياكم، أو نحوه. فهذا القول منهم متناقض [ من وجهين : أحدهما :] (٢) لأنهم [ ذكروا أنهم ] (٣) كانوا يخطئون في [ طلب ] (٤) الإتباع لهم دينهم إلا أن يريدوا بذلك ما ذكرنا. والثاني : إنما كانوا يضمنون، ويحملون خطاياهم لا بإذن من له الطلب في [ غفر ] (٥) الخطايا، ولكن بإذن من عليه ذلك ؛ إذ(٦) لا يصلح الضمان إلا بإذن من عليه. ثم أخبر أنهم لا يحملون ذلك حين(٧) قال :﴿وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون﴾ في ما يذكرون من حمل خطاياهم، أي لا يقدرون على حملها، أو كاذبون في الدعاء إلى إتباع سبيلهم، أو كاذبون أن الله أمرهم بذلك، والله أعلم. ١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أو.. ٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ في الأصل وم: وذلك.. ٧ في الأصل وم: حيث..

العنكبوت 29:13

حملها. أو كاذبون في الدعاء إلى اتباع سبيلهم. أو كاذبون أن اللَّه أمرهم بذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ (١٣) يحملون أوزارهم بضلال أنفسهم، وأثقالا بإضلال غيرهم ودعائهم إليه، كقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وذكر في خبر أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " ما من داع دعا إلى هدى فاتبع عليه إلا كان له مثل أجور من اتبعه، ولا ينقص من أجورهم شيء ". وقوله: (وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: افتراؤهم: اتخاذهم الأصنام آلهة؛ إذ يكون الافتراء في الفعل والقول جميعًا. وجائز أن يكون افتراؤهم ما ذكروا من حمل خطئهم أو ما قالوا: إن اللَّه أمرهم بذلك، أو تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا): يذكر هذا النبأ لوجهين: أحدهما: يصبر رسوله على أذى قومه؛ لأنه ذكر أن نوحًا لبث في قومه ألف عام غير خمسين عاما، كان يدعوهم إلى توحيد اللَّه، فلم يجبه إلا نفر من أهله؛ فلم يمنعه من الدعاء إلى دين اللَّه ما أوعدوه من المواعيد حيث قالوا: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ)، ونحو ذلك من المواعيد، فذلك لم يمنعه عن الدعاء؛ ولذلك قال: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).

العنكبوت 29:14

الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ يذكر هذا النبأ لوجهين : أحدهما : تصبيره رسوله على أذى قومه، لأنه ذكر أن نوحا لبث في قومه ألف عام غير خمسين عاما، كان يدعو إلى توحيد الله، فلم يجبه إلا نفر من أهله، فلم يمنعه من الدعاء إلى دين الله ما أوعدوه من المواعيد حين(١) ﴿قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين﴾ [الشعراء: ١١٦] ونحو ذلك من المواعيد. فذلك لم يمنعه من الدعاء، ولذلك قال :﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥]. والثاني : ينقض على المتقشفة مذهبهم لأنهم يقولون : إن الموعظة إنما لا تنجع في الموعوظين لتفريط الواعظ وترك استعمال نفسه لذلك. فيقال : إن نوحا قد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يجبه إلا نفر. فلا يحتمل أن يكون منه تقصير أو تفريط. فدل أنها لا تنجع ربما لشقاوة الموعوظ. وقوله تعالى :﴿فأخذهم الطوفان﴾ قال بعضهم : هو المطر الشديد. وجائز أن يكون الطوفان كل بلاء، فيه الهلاك، والطوفان هو الذي أرسل عليهم من الماء، فأغرقهم، والله أعلم. ١ في الأصل وم: حيث..

العنكبوت 29:15

والثاني: ينقض على المتقشفة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الموعظة إنما لا تنجع في الموعوظين لتفريط الواعظ وترك استعمال نفسه ذلك، فيقال: إن نوحًا قد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلم يجبه إلا نفر؛ فلا يحتمل أن يكون منه تقصير أو تفريط؛ فدل أنها لا تنجع ربما لشقاوة الموعوظ. وقوله: (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ): قَالَ بَعْضُهُمْ: هو المطر الشديد. وجائز أن يكون الطوفان كل بلاء فيه الهلاك. والطوفان هو ما أرسل عليهم من الماء فأغرقهم، واللَّه أعلم. وقوله: (فَأَنْجَيْنَاهُ... (١٥) أي: نوحًا، (وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) أي: من دخل السفينة، (وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) وقَالَ بَعْضُهُمْ: جعلها آية: هو أن هلكت كل سفينة كانت، وهي ياقية اليوم على ما هي عليه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَجَعَلْنَاهَا آيَةً) لمن بعدهم، فتمنعهم عن تكذيب الرسل والعناد معهم. قال الزجاج: الاستثناء يخرج على تأكيد ما تقدم من الكلام؛ كذكر الكل على أثر ما تقدم من الكلام، أو كلام نحوه. وقلنا نحن. إن كان ما تقدم من الذكر كافيًا تاما، فيخرج الثنيا على أثره مخرج التأكيد لما تقدم؛ نحو قوله: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ)، قوله: (إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) كافٍ تام مفهوم ألا يدخل فيه آل لوط حيث ذكر المجرم؛ إذ آله غير مجرمين، فهو كاف مفهوم لا يحتاج إلى ذكر آل لوط، لكنه ذكر على التأكيد له. وكذلك قوله: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) و (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)؛ إذا قال: محصنين: يفهم أنهن غير مسافحات ولا متخذات أخدان، لكنه ذكر على التأكيد. وإذا كان ما تقدم من الكلام محتملا مرسلا، فيخرج ذكر الثنيا مخرج تحصيل المراد منه على إضمار حرف " مِن " فيه؛ كقوله: (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) كأنه قال: فلبث فيهم من ألف سنة تسعمائة وخمسين؛ وكذلك قول الناس لفلان: عليَّ عشرة دراهم إلا كذا، كأنه قال: لفلان علي من عشرة دراهم كذا، فهو على التحصيل يخرج ذكره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الطوفان كل ماء طافٍ فاشٍ من سبيل أو غيره؛ وكذلك أن موت الجارف يسمى الطوفان وماء الطوفان، وهو ما ذكر في سورة الأعراف.

العنكبوت 29:16

وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الغرق، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) هو نسق على قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)، وأرسلنا إبراهيم أيضًا إلى قومه. أو أن يكون نسقًا على قوله: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)، وأنجينا إبراهيم أيضًا حين ألقي في النار. أو يقال: اذكر إبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا اللَّه. وقوله: (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ): يحتمل في حق الاعتقاد، أي: وحدوا اللَّه. وقوله: (وَاتَّقُوهُ): الشرك. ويحتمل قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ) في حق المعاملة، أي: إليه اصرفوا العبادة، (وَاتَّقُوهُ) أي: اتقوا عبادة من تعبدون من الأوثان؛ يكون قوله: اتقوا في موضع النهي، أي: اعبدوا اللَّه ووحدوه ولا تعبدوا غيره؛ يكون فيه نهي عن مخالفة ما تقدم من الأمر: افعلوا كذا، واتقوا ما يضاده ويخالفه، واللَّه أعلم. وقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: عبادة اللَّه خير لكم. وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) يحتمل قوله: (إِن) إذا كنتم تعلمون: أن ذلك خير لكم، وجائز ذكر (إن) مكان (إذ) في اللغة. أو يكون صلة قوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وقوله: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) أي: تخلقون كذبا في تسميتكم الأوثان آلهة معبودين، أي: ليسوا بآلهة ولا معبودين. أو يقال: (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا)، أي: كذبًا في صرف عبادتكم إليها واستحقاق العبادة، أي: لا يستحقون العبادة، إنما المستحق للعبادة دون من تعبدون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: جعلتم كذبًا من الآلهة لا حقًّا؛ وهو قريب مما ذكرنا. ثم بئيئ سفههم في صرف العبادة إلى الأصنام وعجزها عمن يعبدها حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا): يقول - واللَّه أعلم -: إن في الشاهد لا يخدم أحد أحدًا إلا لما يأمل من النفع له بالخدمة، أو لسابقة إحسان كان منه إليه، فالأصنام التي تعبدونها لا يملكون أن يرزقوكم ولا ينفعوكم، ولا كان منها إليكم سابقة صنع، فكيف تعبدونها؟!

العنكبوت 29:17

الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا﴾ أي تخلقون كذبا في تسميتكم الأوثان آلهة معبودين، أي ليسوا بآلهة ولا معبودين. أو يقال :﴿وتخلقون إفكا﴾ أي كذبا في صرف عبادتكم إليها واستحقاق العبادة، أي لا يستحقون العبادة، إنما المستحق للعبادة [ الله لا ] (١) من تعبدون/٤٠٤-ب/ وقال بعضهم : أي جعلتم كذبا من الآلهة لا حقا، وهو قريب مما ذكرنا. ثم بين سفههم في صرف العبادة إلى الأصنام، وعجزها [ عن رزق من ] (٢) يعبدها حين(٣) قال :﴿الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا﴾ يقول، والله أعلم : إن في الشاهد لا يخدم أحدا أحدا إلا لما يأمل من النفع له بالخدمة أو لسابقة إحسان، كان منه إليه. فالأصنام التي تعبدونها لا يملكون أن يرزقوكم، ولا ينفعوكم، ولا كان منها إليكم سابقة صنع، فكيف تعبدونها ؟ وقوله تعالى :﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾ أي اعبدوا الله الذي رزقكم، وينفعكم، ويملك ذلك لكم، واتركوا عبادة من لا يملك ذلك. [ وقوله تعالى :] (٤) ﴿واعبدوه﴾ يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في ما تقدم : التوحيد والعبادة. وقوله تعالى :﴿واشكروا له﴾ أي اشكروا له في ما أنعم عليكم ﴿إليه ترجعون﴾. ١ في الأصل: الله دون، في م: دون.. ٢ في الأصل وم: عمن.. ٣ في الأصل وم: حيث.. ٤ ساقطة من الأصل وم..

العنكبوت 29:18

وقوله: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ) أي: اعبدوا اللَّه الذي يرزقكم وينفعكم ويملك ذلك لكم، واتركوا عبادة من لا يملك ذلك. (وَاعْبُدُوهُ): يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما فيما تقدم: التوحيد، والعبادة. وقوله: (وَاشْكُرُوا لَهُ) أي: اشكروا له فيما أنعم عليكم. (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). وقوله: (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: وإن يكذبوك فيما تخبر من نبأ إبراهيم، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم فيما أخبروا عن إبراهيم بعد انتساب كل فريق منهم إليه، وادعائه نحلته ومذهبه. والثاني: وإن يكذبوك فيما تبلغ إليهم من الرسالة، فقد كذب أمم من قبلك رسلهم في تبليغ الرسالة، وما على الرسول إلا البلاع المبين، يبين لهم أنها رسالة ربهم بالحجج والبراهين والآيات، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ): إنهم قد رأوا أن كيف أنشأ اللَّه الخلق في الابتداء، وإن عجزوا عن الأسباب التي خلقهم، ولا احتمل وسعهم ذلك، فعلى ذلك يعيدهم على ما أبدأهم، وإن عجز وسعهم عن احتمال ذلك وإدراكه؛ إذ الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في البداية، بل الأعجوبة في ابتداء الإنشاء أكثر من الإعادة؛ لما الإعادة عندكم أيسر وأهون من الابتداء، فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر. (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ): الابتداء والإعادة جميعًا لا يعجزه شيء؛ إذ هو قادر بذاته. وقوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) كان الأمر بالسير في الأرض والنظر ليس هو سيرًا بالأقدام فيها، ولكن أمر بإرسال الفكر فيها من الخلائق، والنظر في بدء ما فيها من الخلق متقنًا محكمًا بالتدبير والعلم والحكمة بلا أسباب؛ ليعلموا أن المدير في ابتداء الإنشاء والإعادة بالخارج عن احتمال وسعهم وقوامهم - خطأ، وأنه الذي قدر على إنشاء الخلق وابتدائه بلا سبب ولا شيء، وإن لم يحتمل وسعهم وبنيتهم وقواهم

العنكبوت 29:19

الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿أولم يروا كيف يبدأ الله خلق ثم يعيده﴾ إنهم قد رأوا أن كيف أنشأ الله الخلق في الابتداء، وإن عجزوا عن الأسباب التي خلقهم، ولا احتمل وسعهم ذلك. فعلى ذلك يعيدهم على ما أبدأهم، وإن عجز وسعهم عن احتمال ذلك وإدراكه. وإذا الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في البداية. بل الأعجوبة في ابتداء الإنشاء أكثر من الإعادة [ إذ الإعادة ] (١) عندكم أيسر واهون من الابتداء. فمن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر. [ وقوله تعالى ] (٢) :﴿إن ذلك على الله يسير﴾ [ أي ](٣) الابتداء والإعادة جميعا يسير(٤) لا يعجزه شيء ؛ إذ هو قادر بذاته. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ أدرجت في الأصل وم قبل: الابتداء..

العنكبوت 29:20

الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق﴾ كان الأمر بالسير والنظر ليس هو سيرا بالأقدام فيها، ولكن أمر بإرسال الفكر [ في ما ] (١) فيها من الخلائق والنظر في بدء ما فيها من الخلق متقنا محكما بالتدبير والعلم والحكمة بلا أسباب ليعلموا أن التقدير في ابتداء الإنشاء والإعادة بالخارج عن احتمال وسعهم وقواهم خطأ، وأن الذي قدر على إنشاء الخلق وابتدائه(٢) بلا سبب ولا شيء، وإن لم يحتمل وسعهم وبنيتهم وقواهم ذلك، وعلى ذلك الإعادة والنشأة الأخرى، وإن [ كانت ](٣) خارجة عن احتمال وسعهم وقواهم، قادر عليها. [ ويحتمل ] (٤) أن يقال : انظروا، واعتبروا أن بدء الخلق من الحكيم العالم الذاتي بلا إعادة ورجوع ليس بحكمة في العقل جميعا. إن [ في ](٥) الحكمة والعقل التفريق بين الولي والعدو وبين الشاكر والكافر وبين المطيع والعاصي ؛ إذ قد سوى بينهم في الدنيا، وأشركهم فيها حتى جعل للكافر ما للشاكر والولي والعدو والمطيع والعاصي. فلا بد من الإعادة في دار يفرق بينهم ليخرج بدء إنشائه(٦) وخلقه الخلق على الحكمة والتدبير والعلم لا على السفه والعبث، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ في النشأة الأولى والآخرة، لا يعجزه شيء ؛ إذ هو قادر بذاته. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: وابتداء.. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ في الأصل وم: أو.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ في الأصل وم: إنشائهم..

العنكبوت 29:21

ذلك؛ فعلى ذلك الإعادة والنشأة الأخرى، وإن كانت خارجة عن احتمال وسعهم وقواهم - قادر عليها. أو أن يقال: انظروا واعتبروا أن بدء الخلق والنشأة من الحكم العالم الذاتي بلا إعادة ورجوع ليس بحكمة في العقل والحكمة جميعًا؛ لأن في الحكمة والعقل: التفريق بين الولي والعدو، وبين الشاكر والكافر، وبين المطيع والعاصي؛ إذ قد سوى بينهم في الدنيا وأشركهم فيها، حتى جعل للكافر ما للشاكر، وكذلك الولي والعدو والمطيع والعاصي؛ فلا بد من الإعادة في دار يفرق بينهم ليخرج بدء إنشائهم وخلقه الخلق على الحكمة والتدبير والعلم لا على السفه والعبث، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): في النشأة الأولى والآخرة جميعًا لا يعجزه شيء؛ إذ هو قادر بذاته. وقوله: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) يحتمل هذا في الدنيا: يعذب من يشاء في الدنيا، أي: يمتحنه ويبتليه بالشدة والضيق، ويرحم من يشاء، أي: يمتحنه بالسعة والرخاء؛ فيكون التعذيب كناية عن الشدة والضيق، والرحمة: كناية عن السعة والرخاء؛ وهو كقوله: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)؛ فعلى ذلك قوله: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) أي: ترجعون. ويحتمل التعذيب في الآخرة والرحمة فيها، أي: يعذب من يشاء في الآخرة من كان في الدنيا أهلا له مستوجبًا، ويرحم من يشاء من كان في الدنيا أهلا لها مطيعًا لها. وقوله: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) أي: ما أنتم بمعجزين اللَّه في السماء، وعلى قول المعتزلة: يكونون معجزين اللَّه في الأرض على ظاهر مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه قد أراد إبقاء الأخيار وأهل الصلاح، ثم يجيء كافر فيقتلهم قبل أجلهم الذي أراد اللَّه إبقاءهم إلى وقت. وكذلك يقولون: أراد اللَّه أن يرزفهم الحلال، وأراد أن يكون أولادهم من رشد ونكاح، لكنهم يطلبون الرزق من حرام ويزنون، فيخلق أولادهم من زنى شاء أو أبي، لا يقدر التخلص عما يريدون هم، فأي إعجاز يكون أشد من هذا، فنعوذ باللَّه من السرف في القول. وقوله: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) هم يعلمون - أعني: الكفرة - أنهم لا يعجزون اللَّه ولا يقدرون على إعجازه، لكنه يذكر؛ لأنهم كانوا يعملون عمل من هو معجز فائت عن عذاب اللَّه ونقمته؛ وهو كقوله: (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ)

العنكبوت 29:22

الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء﴾ أي ما أنتم بمعجزين الله [ إن كنتم في الأرض أو ](١) في السماء. وعلى قول المعتزلة يكونون معجزين الله في الأرض على ظاهر مذهبهم لأنهم يقولون : إن الله قد أراد إبقاء الأخبار وأهل الصلاح، ثم يجيء كافر، فيقتلهم قبل أجلهم الذي أراد إبقاءهم إلى وقت. وكذلك يقولون : أراد الله أن يرزقهم من رشد ونكاح، لكنهم يطلبون الرزق من حرام، ويزنون، وتخلق أولادهم من زنى، شاء، أو أبى، لا يقدر التخلص عما يريدونه(٢). فأي إعجاز يكون أشد من هذا ؟ فنعود بالله من السّرف في القول. وقوله تعالى :﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض﴾ هم يعلمون ؛ أعني الكفرة، أنهم لا يعجزون الله، ولا يقدرون على إعجازه، لكنه يذكر أنهم(٣) كانوا يعملون عمل من هو معجز فائت عن عذاب الله ونقمته، وهو كقوله :﴿والذين سعوا في آياتنا معاجزين﴾ [الحج: ٥١] هم يعلمون أنهم لا يقدرون أن يسعوا في آياته معاجزين، لكنهم يسعون في دفع آياته والإنكار لها سعي معاجز لها لا سعي خاضع قابل. فعلى ذلك الأول. وقوله تعالى :﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ أي مالكم من دون الله ما طمعتم من النصر لكم والشفاعة، وليس لكم. ذلك لأنهم عبدوا تلك الأصنام لما طمعوا شفاعتها عند الله لهم والزلفى [ بقوله تعالى ](٤) :﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا﴾ ﴿كلا﴾ [ مريم : ٨١ و : ٨٢ ] وقولهم(٥) :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] وقولهم(٦) ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] ونحوه. فيقول : ما لكم مما طمعتم بعبادتكم تلك الأصنام من ولي ولا نصير. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: يريدونهم.. ٣ في الأصل وم: لأنهم.. ٤ في الأصل وم: حيث قال.. ٥ في الأصل وم: وقولهم.. ٦ في الأصل وم: و..

العنكبوت 29:23

هم يعلمون أنهم لا يقدرون أن يسعوا في آياته معاجزين، لكنهم يسعون في دفع آياته والإنكار لها سعي معاجز لها لا سعي خاضع قابل؛ فعلى ذلك الأول. وقوله: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) أي: ما لكم من دون اللَّه مما طمعتم من النصر لكم والشفاعة وليس لكم ذلك؛ لأنهم عبدوا تلك الأصنام لما طمعوا شفاعتها عند اللَّه لهم والزلفى حيث قال: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا). وقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، ومَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ونحوه فيقول: ما لكم مما طمعتم بعبادتكم تلك الأصنام من ولي ولا نصير. وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣) وقوله: (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ): يحتمل آيات اللَّه: الآيات التي جاءت بها الرسل في إثبات الرسالة لهم، ويحتمل آياته: الآيات التي جعلها لوحدانيته وألوهيته ولقائه، أي: كفروا بالبعث، وقد ذكرنا فيما سقدم وجه تسمية البعث: لقاءه. وقال الحسن: آيات اللَّه: دين اللَّه، وكذلك يقول: كل آية في القرآن: الدِّين. وقوله: (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي): قال بعض أهل التأويل: (مِنْ رَحْمَتِي) أي: من جنتي وتأويل هذا؛ لأنهم قد كفروا بالبعث، فإذا كفروا به زعموا أن لا ثواب ولا جزاء. وجائز أن يكون قوله: (مِنْ رَحْمَتِي) أي: من رسلي وكتبي؛ لأن اللَّه سمى رسله وكتبه: رحمة في غير آي من القرآن، أيسوا منهم، حيث كذبوهم وكفروا بهم، أيسوا أن يرسل الرسل أو ينزل الكتب. ويحتمل قوله: (أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي) أُولَئِكَ عليهم الإياس من رحمتي لما كفروا بآياته ورسله، (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). * * * قوله تعالى: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) وقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ). قوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ) إلا كذا: ليس في جميع الأوقات وجميع المشاهد، ولكن جائز أن يكون هذا: ما كان جواب قومه في مشهد إلا كذا.

العنكبوت 29:24

الآية ٢٤ وقوله تعالى :﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه﴾ قوله :﴿فما كان جواب قومه إلا﴾ كذا ليس في جميع الأوقات وجميع المشاهد. ولكن جائز أن يكون هذا ما كان جواب قومه في مشهد إلا كذا، أو أن يكون ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه او حرقوه﴾ وإلا لم يحتمل ألا يكون منهم إلا ما ذكر من الجواب، قد كانت جوابات وأجوبة سواه. لكن يحتمل ما ذكرنا أن ما كان جواب قومه في مشهد ﴿إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه﴾ [ وهو ](١) ما ذكرنا في قوله :﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله﴾ [العنكبوت: ٢٩] لا يحتمل إن لم يكن منهم إلا هذا ولكن [ تأويله ما ذكرنا ](٢)، والله أعلم. وقوله/٤٠٥-أ/ تعالى :﴿فأنجاه الله من النار﴾ حين ألقوه فيها ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ ذكر الآيات في ذلك جائز(٣) أن يكون ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها ﴿لآيات﴾ لمن ذكر. وجائز أن يكون في ما ذكر خاصة. لكن ليس من شيء إلا وفيه آيات من وجوه : آية الوحدانية وآية الألوهية وآية علمه وحكمته وتدبيره وبعثه ؛ فهو آيات. وقوله تعالى :﴿لقوم يؤمنون﴾ ذكر الآيات للمؤمنين يحتمل وجهين : أحدهما : ذكر الآيات لهم لأنهم هم المنتفعون بها دون من كفر. والثاني : الآيات لهم على المكذبين بها والكافرين، أي حجة لهم عليهم كقوله :﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] والله أعلم وقوله تعالى :﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا﴾ كذا، هو صلة قول(٤) إبراهيم، وإليه يرجع، وهو ما تقدم من دعائه إياهم حين(٥) قال :﴿وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله﴾ الآية [العنكبوت: ١٦]. ١ من م، في الأصل: و.. ٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل: ما ذكرت، في م: ما ذكرنا.. ٣ في الأصل وم: فجائز.. ٤ في الأصل وم: قصة.. ٥ في الأصل وم: حيث..

العنكبوت 29:25

أو أن يكون: فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرقوه. وإلا لم يحتمل ألا يكون منهم إلا ما ذكر من الجواب قد كان جوابات وأجوبة سواء. لكن يحتمل ما ذكرنا: أن ما كان جواب قومه في مشهد إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرقوه. أو ما كان آخر جواب قومه إلا قالوا: اقتلوه أو حرقوه، وهو ما ذكرنا في قوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ)، لا يحتمل أنه لم يكن منهم إلا هذا ولكن ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ): حين ألقوه فيها، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ): ذكر الآيات في ذلك، فجائز أن يكون ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها - لآيات لمن ذكر. وجائز أن يكون فيما ذكر هنا خاصة، لكن ليس من شيء إلا وفيه آيات من وجوه: آية الوحدانية، وآية الألوهية، وآية علمه وحكمته وتدبيره وبعثه؛ فهو آيات. وقوله: (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ذكر الآيات للمؤمنين يحتمل وجهين: أحدهما: ذكر الآيات لهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها دون من كفر. والثاني: الآيات لهم على المكذبين بها والكافرين، أي: حجة لهم عليهم؛ كقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)، واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا) كذا هو صلة قصة إبراهيم وإليه يرجع، وهو ما تقدم من دعائه إياهم حيث قال: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ...) الآية. وقوله: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥) يقول - واللَّه أعلم -: ما اتخذتم من دون اللَّه معبودات سميتموها: آلهة، فهي ليست بآلهة ولا معبود، إنما هي أوثان (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، يقول - واللَّه أعلم: هذه الأصنام معبودات واجتماعكم عليها إنما هي مودة حياة الدنيا، لا مودة لها عاقبة أو تدوم، بل تصير في العاقبة عداوة وبغضًا، وهو ما ذكر. (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، قال بعضهم: يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا؛ كقوله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: يتبرأ المتبوع من الأتباع؛ كقوله: (رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ)، وقوله: (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)، ونحوه. ثم أخبر: أن مأوى الكل النار، وما لهم من ناصر ينصرهم من عذاب اللَّه، أو يدفع

العنكبوت 29:26

عنهم العذاب. ثم اختلف في قوله: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ). قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا قول إبراهيم لقومه؛ كقوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ)؛ وكقوله: (هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا قول الرسول لقومه الذين عبدوا الأصنام، واللَّه أعلم. وقوله: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) قوله: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) أي: أظهر له لوط الإيمان من بين غيرهم، وقد كان لوط مؤمنا من قبل ليس أنه أحدث له الإيمان في ذلك الوقت، ولم يكن مؤمنًا قبل ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه أظهر له الإيمان من بين غيرهم. والثاني: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) فيما دعاه إليه وهو الهجرة، أي: فيما أخبر أنه أمر بالهجرة فاستصحبه فيها. وقوله: (مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي): قال أهل التأويل: هذا قول إبراهيم كقوله: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي). وجائز أن يكون قوله: (إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي) قول لوط. ثم لم يفهم من قوله: (إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي)، وقوله: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي)، انتقاله أو المكان أو شيء مما يوجب التشبيه مما يفهم من الخلق، فكيف يفهم من قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ)، وقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ)، و (اسْتَوَى)، وأمثاله - ما يفهم من مجيء الخلق وإتيانهم واستوائهم؛ إذ لا فرق بين مجيء آخر إليه وبين مجيئه إلى آخر؛ هذا في الشاهد سواء، فكيف فهم في الغائب في أحدهما ما لم يفهم من الآخر، وهما سيان في الشاهد؟! فدل أنه لا يجوز أن يفهم منه شيء من ذلك ما يفهم من الخلق؛ إذ أخبر أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). وقوله: (وَوَهَبْنَا لَهُ... (٢٧) يعني: لإبراهيم، (إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ): ذكر أنه وهب له إسحاق ويعقوب؛ ليعلم أن الولد هبة اللَّه، وكذلك ولد الولد؛ لأن يعقوب كان ولد ولده، حيث قال: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ)، فكلهم هبة اللَّه إياه، قال: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ). وقوله: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ): لم تزل النبوة في ذرية إبراهيم من لدنه إلى هذا الوقت، كان جميع أنبياء بني إسرائيل من ولد إسحاق، ونبينا مُحَمَّد - صلوات الله عليه - كان من ولد إسماعيل، عليه السلام. وقوله: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا): اختلف في الأجر الذي أخبر أنه آتاه إبراهيم في الدنيا: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو ما وهب له من الولد في الكبر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو ما سخر له الألسن بأجمعها على الثناء الحسن عليه؛ حيث نسب جميع أهل الأديان على اختلاف أديانهم ومذاهبهم أنهم على دينه وسنته وسيرته وتولى كل به. وجائز أن يكون قوله: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا): ما أخبر أنه آتى جميع المؤمنين وأعطاهم، وهو ما قال: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ)، وما ذكر من ثواب الدنيا، فما من مؤمن إلا وقد آتاه اللَّه في الدنيا أجرا وثوابا، فذلك الذي أتى إبراهيم. أو لا نفسر ما ذلك الأجر الذي ذكر أنه آتاه اللَّه؟ واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ): هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لو لم يكرمه اللَّه بالنبوة والرسالة لكان هو أيضًا في الآخرة من الصالحين. والثاني: ذكر الصلاح له لحقيقة صلاحه، أي: يكون هو ممن حقق الصلاح؛ وكذلك ما ذكر في موسى وهارون حيث قال: (إِنَّهُمَا مَن عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)، أي: من عبادنا الذين حققوا الإيمان، وغيرهم من المؤمنين لم يحققوا. أو أن يكون ما ذكرنا، أي: لو لم يكن الإكرام الذي أكرمه اللَّه - وهو النبوة - لكان من المؤمنين أيضًا، وإلا ليس في ذكر الإيمان والصلاح لهم كبير منقبة وفضيلة عند الناس؛ إذ يسمى بهذين كل مؤمن ومصلح، واللَّه أعلم. وعن ابن عياس في قوله: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) قال: عمله ما جزي في الآخرة. وقتادة يقول: آتاه اللَّه عاقبة وعملا صالحًا وثناء حسنًا، وقال: فلست تلقى أحدًا

العنكبوت 29:27

الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب﴾ يعني لإبراهيم [ ذكر أنه وهب له ](١) إسحاق ويعقوب ليعلم أن الولد هبة الله، وكذلك ولد الولد لأن يعقوب كان ولد ولده حين(٢) قال :﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ [هود: ٧١] [ وكل الولد ] (٣) هبة الله تعالى [ ذكورا كانوا أو إناثا كما ](٤) قال :﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ [الشورى: ٤٩]. وقوله تعالى :﴿وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب﴾ لم تزل النبوة في ذرية إبراهيم من لدنه على هذا الوقت : كان جميع أنبياء بني إسرائيل من ولد إسحاق، ونبينا محمد ﷺ كان من ولد إسماعيل عليه السلام. وقوله تعالى :﴿وآتيناه أجره في الدنيا﴾ اختلف في الأجر الذي أخبر أنه آتاه إبراهيم في الدنيا : قال بعضهم : هو ما وهب له من الولد في الكبر. وقال بعضهم : هو ما سخر له الألسن بأجمعها على الثناء الحسن حين(٥) نسب جميع أهل الأديان على اختلاف أديانهم ومذاهبهم [ إليه، وجعلهم ](٦) على دينه وسنته وسيرته، وتولى كل به. وجائز أن يكون قوله ﴿وأتيناه أجره في الدنيا﴾ ما أخبر أنه آتى جميع المؤمنين، وأعطاهم، وهو ما قال :﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة﴾ [النحل: ٣٠] وما ذكر من ثواب. فما من مؤمن إلا وقد آتاه الله في الدنيا أجرا وثوابا. فذلك الذي آتى إبراهيم. أو لا نفسر ما ذلك الأجر الذي آتاه الله. والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ هذا يخرج على الوجهين : أحدهما : أنه [ لو ] (٧) لم يكرمه الله بالنبوة والرسالة لكان هو أيضا من الصالحين. والثاني : ذكر الصلاح له لحقيقة صلاحه(٨)، أي يكون هو ممن حقق الصلاح. وكذلك ما ذكر في موسى وهارون حين(٩) قال :﴿إنهما من عبادنا المؤمنين﴾ [الصافات: ١٢٢] أي من عبادنا الذين حققوا الإيمان، وغيرهم من المؤمنين لم يحققوا، أو يكون ما ذكرنا، أي لو لم يكن الإكرام الذي أكرمه، وهو النبوة، لكان من المؤمنين أيضا. وإلا ليس في ذكر الإيمان والصلاح لهم كبير منقبة وفضيلة عند الناس أن يسمى بهذين كل مؤمن ومصلح، والله أعلم. وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه قال في قوله :﴿وآتيناه أجره في الدنيا﴾ ما جوزي به ] (١٠) في الآخرة. وقتادة يقول : آتاه الله عافية وعملا حسنا. وقال : فلست تلقى أحدا من أهل الملل إلا يرضى بإبراهيم، والله أعلم بذلك. وقال بعضهم : ما ذكرنا أنه أعطى الولد الطيب في كبر سنة. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل وم: حيث.. ٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: وكلهم.. ٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٥ في الأصل وم: حيث.. ٦ في الأصل وم: إنهم.. ٧ ساقطة من الأصل.. ٨ في الأصل وم: لصلاحها.. ٩ في الأصل وم: حيث.. ١٠ في الأصل وم: في قوله: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا﴾ قال عمله ما جزى..

العنكبوت 29:28

من أهل الملل إلا يرضى بإبراهيم، واللَّه أعلم بذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما ذكرنا: أنه أعطى الولد الطيب في كبر سنه. * * * قوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) وقوله: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ): كأنه يقول - واللَّه أعلم -: اذكر لوطًا إذ قال لقومه. ثم ذكره إياه يخرج على وجهين: أحدهما: أن اذكر نبأ لوط وخبره؛ ليكون لك آية على رسالتك ونبوتك؛ إذ يعلمون أنك لم تشاهده ولا شهدت زمنه، فأخبرت على ما في كتبهم ليعرفوا أنك إنما عرفت ذلك باللَّه. والثاني: اذكره: أن كيف صبر على أذى قومه، وكيف عامل قومه مع سوء صنيعهم من ارتكاب الفواحش والمناكير وسوء معاملتهم إياه، فاصبر أنت على أذى قومك وسوء معاملتهم إياك. هذا - واللَّه أعلم - يشبه أن يكون معنى ذكر لوط إياه، وعلى هذا يخرج قوله: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ)، أي: أذكر إبراهيم ونبأه: أن كيف عامل قومه؛ وماذا قال لهم؛ وكيف صبر على أذاهم؛ فتعامل أنت قومك مثله، واصبر على أذاهم كما صبر أُولَئِكَ، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ): قال لهم: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ)، ثم لم يتهيأ لهم أن يعارضوا لقوله: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ)، بل قد كان سبقنا بذلك أحد، فكان في ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك آية لرسالته، وأنه إنما علم باللَّه: أنه لم يسبقهم بها أحد كما

العنكبوت 29:29

ذكر. والثاني: أنهم يعبدون الأصنام ويرتكبون فواحش، ويقولونا (بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)، وإن اللَّه أمرهم بذلك، ليعلم أنهم كذبة في قولهم: إن آباءهم على ذلك، حيث أخبر أنهم لم يسبقهم بها من أحد، ولو كان آباؤهم على ذلك لذكروه وعارضوه، فإذا لم يفعلوا ولم يشتغلوا بشيء من ذلك، علم أنهم كذبة فيما يقولون، والله أعلم. وقوله: (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ... (٢٩) هو ما ذكرنا: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ). وقوله: (وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: تعترضون الطريق لمن مر بكم لعملكم الخبيث؛ لأنه ذكر أنهم إنما كانوا يعملون ذلك بالغرباء. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) أي: تقطعون السبيل على الناس؛ من قطع الطريق. (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) أي: وثعملون في مجلسكم المنكر. اختلف في هذا: قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: تعملون في مجلسكم اللواطة أيضًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: حذف بالحصى ورمي بالبندق وأمثاله. لكنه يخبر عن سوء صنيعهم في كل حال وكل وقت، يقول: إنكم تعملون بالفواحش والمناكير في كل حال: في الطريق، وفي المجلس، وفي المنزل، ما سبقكم بذلك كله من أحد من العالمين، واللَّه أعلم. ثم قال: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ)، وقال في موضع آخر: (إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ)، وقال في موضع آخر:

العنكبوت 29:30

(لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، هذه الآيات في الظاهر بعضها مخالف لبعض؛ لأنه يقول في بعضها: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ)، وفي بعضها: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ)، وفي بعضها: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) - فهو يخرج على وجوه: أحدها: أن يكون قوله: (إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ)، و (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ)، إنما ذلك فيما بينهم يقول بعضهم لبعض: أخرجوهم، وقوله: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ) إنما قالوا ذلك للوط، فإذا كان كذلك فليس في الظاهر فيه خلاف. والثاني: فما كان جواب قومه في مشهد وفي وقت إلا كذا، وقد كان منهم له أجوبة أخر سواها في غير ذلك المشهد وفي غير ذلك الوقت. أو أن يكون قوله: فما كان آخر جواب قومه إلا أن قالوا: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) بنزول العذاب علينا، إنما قالوا ذلك له استهزاء وتكذيبًا. ثم دعا لوط ربه فقال: (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) فأجيب. وقوله: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) يحتمل البشرى: بشارة بالولد في كبر سنه وسن زوجته ما لم يطمع من أمثالهما الولد إذا بلغوا ذلك الوقت، وهو ما ذكر: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ). ويحتمل غيره. (قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ). وقال في آية أخرى: (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ)، ولم يذكروا فيه بم أرسلوا؟ وبين في هذا، ثم قال إبراهيم: (إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ... (٣٢) ففي الآية الدليل من وجهين: أحدهما: يخرج الخطاب على العموم والمراد منه الخصوص؛ لأن الملائكة قالوا عامًّا: (إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ)، ولم يكن الأمر بإهلاك كل أهل القرية، ثم استثنوا لوطًا وأهله بعدما قال إبراهيم: (إِنَّ فِيهَا لُوطًا) حيث قالوا: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ). والثاني: فيه جواز تأخير البيان حيث لم يبينوا إلا بعد سؤال إبراهيم إياهم. وفيه وجه آخر في امتحان الملائكة بمختلف الأشياء؛ لأن هَؤُلَاءِ أمروا بالبشارة، وأمروا بإهلاك قوم لوط؛ ليعلم أنهم يمتحنون بمختلف الأشياء، واللَّه أعلم. وقوله: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ): روي عن أم هانئ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في قوله: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) قال: " كانوا يحذفون أهل الأرض ويسخرون

العنكبوت 29:31

الآية ٣١ وقوله تعالى :﴿ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى﴾ بشارة بالولد في كبر سنه وسن زوجته ما لم يطمع من أمثالهما الولد إذا بلغوا ذلك الوقت، وهو ما ذكر :﴿فبشرناها بإسحاق﴾ [هود: ٧١] ويحتمل غيره. [ وقوله تعالى ] (١) :﴿قالوا إلا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين﴾ كقوله(٢) في آية أخرى ﴿إن أرسلنا على قوم لوط﴾ [هود: ٧٠] ولم يذكر فيه بم أرسلوا ؟ وبين في هذا. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: وقال..

العنكبوت 29:32

الآية ٣٢ [ وقوله تعالى ] (١) :﴿قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته﴾ ففي الآية الدليل من وجهين : أحدهما : يخرج الخطاب على العموم، والمراد منه الخصوص لأن الملائكة قالوا [ قولا ](٢) عاما :﴿إنا مهلكو أهل هذه القرية﴾ ولم يكن الأمر بإهلاك كل أهل القرية، ثم استثنوا لوطا وأهله، وبعدها قال إبراهيم :﴿إن فيها لوطا﴾ حين(٣) ﴿قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله﴾. والثاني : فيه جواز تأخير البيان حين(٤) لم يبينوا إلا بعد سؤال إبراهيم إياهم. وفيه وجه آخر في امتحان الملائكة بمختلف الأشياء لأن هؤلاء أمروا بالبشارة، وأمروا بإهلاك قوم لوط ليعلم أنهم يمتحنون بمختلف الأشياء، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ [العنكبوت: ٢٩] روي عن أم هانئ عن النبي ﷺ :( إنه قال في قوله :﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ قال : كانوا يخذفون أهل الأرض، ويسخرون منهم ) [ الترمذي ٣١٩٠ ] فإن ثبت هذا كان تفسيرا له، لا يحتاج إلى غيره. والنادي : قال أبو عوسجة : المجلس، وأندية جماعة، وكذلك قال القتبي. قال أبو معاذ : الندي والنادي لغتان ؛ فجمع النادي أندية، وجمع الندي ندي كقراءة بعض الناس في سورة مريم ﴿وأحسن نديا﴾ [مريم: ٧٣] [ نديا : بالضم ](٥) أي مجالس. وقراءة العامة : نديا مجلسا، والله أعلم. ١ في الأصل وم: ثم. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: حيث.. ٤ في الأصل وم: حيث.. ٥ ساقطة من الأصل وم، انظر معجم القراءات القرآنية ج ٤/٥٦..

العنكبوت 29:33

منهم "، فإن ثبت هذا كان تفسيرًا له لا يحتاج إلى غيره. والنادي: قال أَبُو عَوْسَجَةَ: المجلس، وأندية جماعة؛ وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ. قال أبو معاذ: الندي والنادي لغتان، فجمع النادي: أندية، وجمع الندي: نُدى وندي؛ كقراءة بعض الناس في سورة مريم: (وَأَحْسَنُ نُديا)، أي: مجالس، وقراءة العامة: (نَدِيًّا) مجلسا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ... (٣٣) ظاهر هذا أنه سيء بالواقع من الفعل بهم، لكن ساء ظنه أنهم يفعلون بهم لما يعلم من قومه الخبيث من العمل. (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا) هذه كلمة تتكلم بها العرب عند انقطاع جميع الحيل، فلوط إنما قال ذلك لما لم ير لنفسه حيلة يدفع بها شرهم، وما قصدوا بهم؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ). (وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) هذا يدل على أنهم قد قصدوا هم لوطًا بالهلاك؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى (لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ)، دل هذا أنهم قد قصدوه بالهلاك حتى قالوا: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) أنهم إنما أرادوا بالإخراج بقولهم؛ (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، إخراج قتل؛ إذ لو كان إخراجًا من القرية لا بقتل، لكان لا يكون له النجاة منهم والأمن، واللَّه أعلم. وقوله: (إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) وفي بعض الآيات: (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ)، والغبور فعلها، ثم أخبر أنه فدر ذلك؛ دل أن أفعال العباد مخلوقة لله مقدرة له، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) أي: عذابًا، والرجز: اسم كل عذاب فيه شدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (هَذَا يَومٌ عَصِيب)، أي: شديد. ثم ذكر أنه ينزل من السماء، فإن ثبت ما ذكر أن جبريل أدخل إحدى جناحيه تحت الأرض فرفع بها قريات لوط إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياحهم وضجتهم، ثم أرسلها - فهو نزول العذاب من السماء، وأن قوله: (حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ)، أن السجيل لو كان مكانًا منه ينزل فهو في السماء؛ على ما يقول بعض الناس إنه مكان.

العنكبوت 29:34

الآية ٣٤ وقوله تعالى :﴿إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء﴾ أي عذابا. والرجز اسم كل عذاب، فيه شدة. ألا ترى أنه قال في آية أخرى :﴿هذا يوم عصيب﴾ ؟ [هود: ٧٧] أي شديد، ثم ذكر أنه ينزل من السماء. فإن ثبت ما ذكر أن جبريل أدخل أحد(١) جناحيه تحت الأرض، فرفع به(٢) قريات لوط إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياحهم وضجتهم، ثم أرسلها، فهو نزول العذاب من السماء، وأن قوله :﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ [هود: ٨٢] وأن(٣) السجّيل لو كان مكانا، منه ينزل، فهو في السماء على ما يقول بعض الناس : أنه مكان. وقال بعضهم : هو اسم ذلك الحجر، والله أعلم. ١ في الأصل وم: إحدى.. ٢ في الأصل وم: بها.. ٣ الواو ساقطة من الأصل وم..

العنكبوت 29:35

وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو اسم ذلك الحجر، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥) آية بينة لمن عقل وعرف السبب الذي أهلك قريات لوط؛ كقوله: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨). لماذا أهلكوا؟ أي: تعقلون هذه الأنباء والقصص التي ذكرها اللَّه - تعالى - في القرآن الكريم، وكررها، وأعادها مرة بعد مرة؛ لأن الأنباء والقصص إنما تذكر للحجاج على الكفرة، فتكرر وتعاد؛ ليحتج بها عليهم، وأمّا الأحكام فإنما هي لأهل الإسلام خاصة، فهم يطلبون ما عليهم من الأحكام؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة. ثم الكفرة كانوا على أصناف ثلاثة، منها: أهل العناد والمكابرة، وأهل شك وحيرة، وأهل استرشاد. ومن كان همته الاسترشاد يؤمن بها بالبداهة، وفي أول ما وقع في مسامعهم؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة. وأمَّا أهل العناد والمكابرة فإنها تكرر عليهم لعلها تنجع فيهم فيؤمنوا بها، وهذه الآيات كانت آيات وحججًا للتوحيد، والبعث، والرسالة، وعلى ذلك جاءت الرسل بالدعاء إلى التوحيد، وإلى الإقرار بالبعث والإيمان به، وإلى الإيمان بالرسل؛ فشعيب - عليه السلام - جمع هذه الخصال الثلاث في قوله: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، دعاهم إلى التوحيد بقوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ) وفيه نهي عن عبادة من دونه، ودعاهم إلى الإيمان بالبعث بقوله: (وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) أي: خافوا عذاب ذلك اليوم، ونهى عن جميع المعاصي بقوله: (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ). (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) قد ذكرنا هذا. * * * قوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا

العنكبوت 29:36

وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) وقوله: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا (٣٦) أي: أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبًا، ومدين: قال بعضهم: اسم رجل نسبوا إليه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: اسم موضع، وقد ذكرناه فيما تقدم. وقوله: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ... (٣٨) أن الرسل - صلوات الله عليهم - قد خوفوا الكفرة بعذاب ينزل بهم في الآخرة بتكذيبهم إياهم وعنادهم، فلم يمجع ذلك فيهم، ولم يرتدعوا عما هم فيه، حتى أوعدوهم بعذاب ينزل بهم في الدنيا، فلم ينجع ذلك ولم يمتنعوا عن ذلك، حتى أوعدوهم بنزول ما قد شاهدوا وعاينوا من آثار من قد أهلكهم بتكذيبهم الرسل وردهم إجابتهم، وهو ما قال: (وَعَادًا وَثَمُودَ) أي: أهلكنا عاذا وثمود (وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ) أي: قد تبين لكم من مساكنهم ما تعرفون أنهم إنما أهلكوا بالذي أنتم عليه، وهو التكذيب، والرد بأخبار تصدّقونها، وبآثار تشاهدونها، وهو كما قال: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ). واللَّه أعلم. وقوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) أي: زين لهم الشيطان أعمالهم كما زين لكم، وصدهم عن السبيل كما صدكم. (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: وكانوا يحسبون أنهم على هدى وحق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) أي: كانوا عالمين بأن العذاب ينزل بهم بما شاهدوا وعاينوا من آثار من تقدمهم، وعلمهم بأنهم إنما أهلكوا بالذي هم عليه، لكنهم عاندوا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) أي: هالكين في الضلالة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) أي: كانوا بصراء علماء في أنفسهم، يعرفون الحق من الباطل، ليس كغيرهم من الأمم؛ ألا ترى أنهم قد طلبوا من رسلهم الحجة، والآية على ما يدعون إليه حيث قالوا: (يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) وقال قوم صالح: (فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ونحوه. وقال قتادة: (مُسْتَبْصِرِينَ) أي: معجبين بضلالتهم. وقوله: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) أي: أهلكنا قارون وفرعون وهامان بتكذيبهم

العنكبوت 29:37

الآيتان ٣٦ و٣٧ فشعيب عليه السلام/٤٠٦-أ/ جمع هذه الخصال الثلاث في قوله :﴿يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ﴿فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دراهم جاثمين﴾ دعاهم إلى التوحيد بقوله :﴿اعبدوا الله﴾. وفيه نهي عن عبادة من دونه، ودعاهم إلى الإيمان بالبعث بقوله :﴿وارجوا اليوم الآخر﴾ أي خافوا عذاب ذلك اليوم. ونهى عن جميع المعاصي بقوله :﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ﴿فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ قد ذكرنا هذا. وقوله تعالى :﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا﴾ أي أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. ومدين : قال بعضهم : اسم رجل نسب إليه. وقال بعضهم : اسم موضع، وقد ذكرنا في ما تقدم.

العنكبوت 29:38

الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم﴾ أن الرسل، صلوات الله عليهم، قد خوفوا الكفرة بعذاب ينزل بهم في الآخرة بتكذيبهم إياهم وعنادهم، فلم ينجع ذلك فيهم، فلم يرتدعوا عما هم فيه حتى أوعدوهم بنزول ما قد شاهدوا(١)، وعاينوا، من آثار من قد أهلكهم بتكذيبهم الرسل وردهم إجابتهم، وهو ما قال ﴿وعادا وثمودا﴾ أي أهلكنا عادا وثمودا ﴿وقد تبين لكم من مساكنهم﴾ ما تعرفون أنهم إنما أهلكوا بالذي أنتم عليه، وهو التكذيب والرد، بأخبار تصدقونها وبآثار تشاهدونها، وهو كما قال ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين﴾ ﴿وبالليل أفلا تعقلون﴾ [ الصافات : ١٣٧ و : ١٣٨ ] والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل﴾ أي زين لهم الشيطان أعمالهم كما زين لكم، وصدهم عن السبيل كما صدكم ﴿وكانوا مستبصرين﴾ اختلف فيه : قال بعضهم أي : كانوا يحسبون أنهم على هدى وحق. وقال بعضهم :﴿وكانوا مستبصرين﴾ أي كانوا عالمين بأن العذاب ينزل بهم بما شاهدوا، وعاينوا من آثار من تقدمهم، وعلموا(٢) بأنهم إنما أهلكوا بالذي هم عليه، لكنهم عاندوا. وقال بعضهم :﴿وكانوا مستبصرين﴾ أي هالكين في الضلالة. وقال بعضهم :﴿مستبصرين﴾ أي كانوا بصراء علماء في أنفسهم، يعرفون الحق من الباطل، ليسوا(٣) كغيرهم من الأمم. ألا ترى أنهم قد طلبوا من رسلهم الحجة والآية على ما يدعون إليه حين(٤) ﴿قالوا يا هود ما جئتنا ببينة﴾ [هود: ٥٣] وقال قوم صالح ﴿فأت بآية إن كنت من الصادقين﴾ [الشعراء: ١٥٤] ونحوه ؟. وقال قتادة :﴿مستبصرين﴾ أي معجبين بضلالتهم. ١ في الأصل وم: شاهدوه.. ٢ في الأصل وم: وعلمهم... ٣ في الأصل وم: ليس.. ٤ في الأصل وم: حيث..

العنكبوت 29:39

الآية ٣٩ وقوله تعالى :﴿وقارون وفرعون وهمان﴾ أي أهلكنا قارون وفرعون وهامان بتكذيبهم موسى، فتهلكون أنتم يا أهل مكة بتكذيبكم(١) محمدا. وقوله تعالى :﴿ولقد جاءهم موسى بالبينات﴾ أي كذبوه بعدما جاءهم موسى بالبينات على نبوته ورسالته كما جاءكم محمد. وقوله تعالى :﴿فاستكبروا في الأرض﴾ جائز أن يكونوا استكبروا، وأبوا أن يخضعوا لموسى، أو استكبروا في الأرض ؛ أي سعوا في الأرض بالفساد تكبرا واستكبار ﴿وما كانوا سابقين﴾ أي فائتين عن عذاب الله. ١ في الأصل وم: بتكذيبهم..

العنكبوت 29:40

موسى، فتهلكون أنتم يا أهل مكة بتكذيبكم محمدًا. وقوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ) أي: كذبوا بعدما جاءهم موسى بالبينات على نبوته ورسالته كما جاءكم مُحَمَّد. وقوله: (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) جائز أن يكونوا استكبروا، وأبوا أن يخضعوا لموسى. أو (فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) أي: سعوا في الأرض بالفساد تكبرًا واستكبارًا (وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) أي: فائتين من عذاب اللَّه. وقوله: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) أي: الحجارة، وهم قوم لوط، وقوم هود أهلكوا بالريح العاصف؛ حيث قال: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ. مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ). قال أبو معاذ: الحاصب عند العرب: الريح التي فيها الزنانير، وهي صغار من الحصى (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) وهم قوم صالح وقوم شعيب وهَؤُلَاءِ (وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ) قارون وأصحابه (وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا) قوم نوح وفرعون. يذكر إهلاك هذه الأمم والجبابرة لأهل مكة ولغيرهم من الكفرة، وقد تواترت عليهم بذلك الأخبار، وظهرت الأعلام والآثار ليرتدعوا عما هم عليه، ولئلا يعاملوا رسولهم كما عامل أُولَئِكَ رسلهم فيعذبون كما عذب أُولَئِكَ. وقوله: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) في تعذيبه إياهم (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) حيث كذبوا الرسل، وكابروا آيات اللَّه وحججه وبراهينه وعاندوها، واللَّه أعلم. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله: (سِيءَ) أي: اغتم من ذلك؛ يقال: سئت بفلان أساء سوءًا؛ فأنا مسوء. وقوله: (جَاثِمِينَ) أي: لزقوا بالأرض. (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) أي: قد علموا، والمستبصر: العالم. وقوله: (أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) أي: صيح بهم فماتوا. * * * قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ

العنكبوت 29:41

الآية ٤١ وقوله تعالى :﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا﴾ يشبه أن يكون ضرب مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء ببيت العنكبوت : هم الرؤساء منهم والمتبوعون. يقول، والله أعلم : مثل اتخاذكم أولئك أولياء من دون الله وما تأملون منهم كمثل بيت العنكبوت، لا ينفع، ولا يغني ما يؤمل من البيت من دفع الحر والبرد وغيره. فعلى ذلك اتخاذكم وأتباعكم هؤلاء أولياء من دون الله مثل ما ذكر، لا ينفع، ولا يغني، ولا يدفع عنكم ما ينزل بكم، وهو ما قال :﴿إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض﴾ الآية [العنكبوت: ٢٥] ظاهر ما ذكر من الأولياء أن يكون المتبوعون(١) منهم. وجائز أن تكون الأصنام التي اتخذوها آلهة ضرب مثل عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها آلهة ببيت العنكبوت ؛ وذلك أن العنكبوت اتخذت البيت رجاء أن تنتفع [ به كما ينتفع ](٢) بالبيوت في دفع الحر والبرد والستر والحجاب. فلما أن وقعت الحاجة إليه لم تنتفع بما كانت تأمل منه في شيء مما كانت تأمل. فعلى ذلك هؤلاء الذين اتخذوا الأصنام آلهة ومعبودات(٣) رجاء أن ينفعهم ذلك. فلما وقعت الحاجة لم يجدوا ما كانوا يأملون من عبادتهم [ واتخاذهم إياها ](٤) آلهة. بل في بيت العنكبوت للعنكبوت شيء من المنفعة، وليس لأولئك العبدة بتلك الأصنام شيء، مما كانوا يأملون ؛ فهي دون بيت العنكبوت في المنفعة. لكنه، والله أعلم، ضرب مثلها ببيت العنكبوت لما لا شيء أوهن وأضعف عند الخلق من بيتها. وهو ما شبه أعمال الكفرة برماد ﴿اشتدت به الريح﴾ [إبراهيم: ١٨] وبسراب ﴿بقيعة﴾ [النور: ٣٩] لما ليس شيء أضيع ولا أبعد في الوجود والقدرة عليه في الوهم مما ذكر، فشبه أعمالهم به. فعلى ذلك تشبيه أولئك الأصنام آلهة وأولياء من دون الله ببيت العنكبوت، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ أي أضعف وأبعد من المنفعة بيت العنكبوت. فعلى ذلك عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها معبودات(٥) وآلهة أوهن وأبعد مما يأملون ﴿لو كانوا يعلمون﴾ أي لو كانوا يعلمون ضعفها وعجزها، والله أعلم. ١ في الأصل وم: المتبوعين.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ في الأصل وم: معبودا.. ٤ في الأصل وم: إياها واتخاذهم.. ٥ في الأصل وم: معبودا..

العنكبوت 29:42

الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) والعنكبوت: هذه التي تغزل، وهي دويبة كثيرة القوائم، وعناكب: جمع. وقوله: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) يشبه أن يكون ضرب مثل الذين اتخذوا من دون اللَّه أولياء ببيت العنكبوت هم الرؤساء منهم والمتبوعون. يقول - واللَّه أعلم -: مثل اتخاذكم أُولَئِكَ أولياء من دون اللَّه وما تأملون منهم كمثل بيت العنكبوت، لا ينفع ولا يغني ما يؤمل من البيت من دفع الحرّ والبرد وغيره، فعلى ذلك اتخاذكم واتباعكم هَؤُلَاءِ أولياء من دون اللَّه مثل ما ذكر، لا ينفع ولا يغني ولا يدفع عنكم ما ينزل بكم، وهو ما قال: (إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ..) الآية. ظاهر ما ذكر من الأولياء أن يكون المتبوعون منهم. وجائِز أن تكون الأصنام التي اتخذوها آلهة، ضرب مثل عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها آلهة ببيت العنكبوت، وذلك أن العنكبوت اتخذت البيت رجاء أن تنتفع به كما ينتفع بالبيوت في دفع الحر والبرد، والستر والحجاب، فلما أن وقعت الحاجة إليه لم تنتفع ما كان تأمل منه في شيء مما كانت تأمل، فعلى ذلك هَؤُلَاءِ الذين اتخذوا الأصنام آلهة ومعبودًا؛ رجاء أن ينفعهم ذلك يومًا، فلما أن وقعت لهم الحاجة لم يجدوا ما كانوا يأملون من عبادتهم إياها واتخاذهم آلهة؛ بل في بيت العنكبوت للعنكبوت شيء من المنفعة، وليس لأولياء العبدة لتلك الأصنام شيء مما كانوا يأملون، فهي دون بيت العنكبوت في المنفعة، لكنه - واللَّه أعلم - ضرب مثلها ببيت العنكبوت؛ لما لا شيء أوهن وأضعف عند الخلق من بيتها، وهو ما شبه أعمال الكفرة برماد اشتدت به الريح، وبسراب بقيعة؛ لما ليس شيء أضيع ولا أبعد في الوجود والقدرة عليه في الوهم مما ذكر؛ فيشبه أعمالهم به، فعلى ذلك تشبيه اتخاذ أُولَئِكَ الأصنام آلهة وأولياء من دون الله ببيت العنكبوت، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) أي: أضعف وأبعد من المنفعة بيت العنكبوت، فعلى ذلك عبادتهم الأصنام واتخاذهم إياها معبودًا أوهن وأبعد مما يأملون (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: إن كانوا يعلمون ضعفها وعجزها، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) هو - واللَّه أعلم -: أن اللَّه لم يزل عالمًا بما يكون منهم من اتخاذهم الأصنام معبودًا، وأنه عن علم أنشأ لهم ذلك لا عن

العنكبوت 29:43

غفلة وسهو، لكن أنشأهم لمنافع أنفسهم ولحاجة لهم لا لحاجة ومنفعة له في إنشائه إياها، وهو ما قال: (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، وقال هاهنا: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) العزيز: قيل: إنه المنيع. وقيل: إنه الذي يذل كل شيء دونه. لكن العزيز عندنا: هو الذي لا يعلو سلطانه شيء، ولا يقهر ملكه شيء، ويعلو سلطانه وإرادته على جميع الأشياء ويقهرها. والحكيم: قيل: الذي له الحكم. وقيل: هو المصيب. وقيل: هو الذي يضع كل شيء موضعه. والحكيم عندنا: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، واللَّه أعلم. وقوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣) فَإِنْ قِيلَ: ذكر أنه لا يعقلها إلا العالمون، والعقل يسبق العلم بالشيء؛ إذ بالعقل يعلم ما يعلم، فكيف ذكر أنه لا يعقل إلا العالمون، ولم يقل: وما يعلمها إلا العاقلون؛ فهو - واللَّه أعلم - لوجوه: أحدها: أن الأمثال إنما تضرب لتقريب ما يبعد عن الأوهام، ولكشف ما استتر من الأشياء على الأفهام وتجليها عما خفيت فلا يعقل الأمثال أنها لماذا ضربت؟ - إلا العالم. والثاني: أن العقول تعرف أسباب الأشياء ودلائلها، فإما أن تعرف حقائق الأشياء وأنفسها فلا، من نحو المسالك والطرق إلى البلد التي تعرف مسالكها وطرقها التي بها يوصل إليها، فأما أعينها فلا، وكذا المراقي التي بها يعلو ويرتفع، فأمّا عين العلو فلا، وأما العلم فإنه يوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وأنفسها وصورها؛ لذلك كان ما ذكر. والثالث: أن يكون قوله: (وَمَا يَعْقِلُهَا) أي: وما ينتفع بما ذكر إلا العالمون، وهو كما قال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، نفى عنهم هذه الحواس وإن كانت لهم أنفس تلك الحواس لما لم يستعملوها فيما جعلمط وأنشئت، ولم ينتفعوا بها، فنفى عنهم تلك؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) أي: ما ينتفع بما يعقل إلا العالم، فأما من لم ينتفع فلا يعقل، واللَّه أعلم. وقوله: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) يحتمل قوله: (بِالْحَقِّ) أي: لعاقبة، وهو البعث؛ لأنه لم يخلقهما لأنفسهما، وكذلك لم يخلق الدنيا للدنيا، ولكن إنما خلقها للآخرة؛ إذ بالآخرة يصير خلقها حكمة وحقا؛ لأنه لو لم يكن خلقها لعاقبة كان خلقها

العنكبوت 29:44

الآية ٤٤ وقوله تعالى :﴿خلق الله السماوات والأرض بالحق﴾ يحتمل قوله ﴿بالحق﴾ أي لعاقبة، وهي البعث، لأنه لم يخلقهما لأنفسهما. وكذلك لم يخلق الدنيا [ للدنيا ](١) ولكن إنما خلقها للآخرة ؛ إذ بالآخرة يصير خلقها حكمة وحقا، لأنه لو لم يكن خلقها لعاقبة كان خلقها عبثا باطلا، وهو ما قال :﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا﴾ [ص: ٢٧] لأن كل كافر يظن أنه خلقهما باطلا. ولكن لما تركوا الإيمان بالبعث، وأنكروا البعث، فإنهم ظنوا أنه خلقهما باطلا ؛ إذ لولا البعث كان حلقهما باطلا عبثا. فإنما صار خلقهما حقا وحكمة بالبعث. فإذا أنكروا ما به صلاح خلقه إياهما حكمة وحقا فقد ظنوا الباطل بخلقهما. فنسأل الله التوفيق والصواب. ويحتمل قوله :﴿خلق الله السماوات والأرض بالحق﴾ أنه خلقهما لتدلا إلى الحق لأنهما تدلان على وحدانية الله وربوبيته وتعاليه عن الأشباه والشركاء وجميع الآفات، أو أن يكون ﴿بالحق﴾ [ الذي ](٢) لله عليهم، أو ﴿بالحق﴾ الذي لبعضهم على بعض، والله أعلم. [ وقوله تعالى ] (٣) :﴿إن في ذلك لآية للمؤمنين﴾ صيره آية لمن أقر بها، وآمن ؛ إذ هو المنتفع بها. فأما من أنكر، وجحد، وكذبها، فهو آية عليه لا له، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ من م، ساقطة في الأصل.. ٣ ساقطة من الأصل وم..

العنكبوت 29:45

عبثًا باطلا، وهو ما قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) لا كافر يظن أنه خلقهما باطلا، ولكن تركوا الإيمان بالبعث وأنكروا البعث؛ كأنهم ظنوا أنه خلقهما باطلا؛ إذ لولا البعث كان خلقهما باطلا عبثًا فإنما صار خلقهما حقا وحكمة بالبعث، فإذا أنكروا ما به صار خلقه إياهما حكمة وحقًا - فقد ظنوا الباطل بخلقهما، فنسأل اللَّه التوفيق والصواب. ويحتمل قوله: إنه خلقهما؛ لتدلا على الحق؛ لأنهما تدلان على وحدانية اللَّه وربوبيته وتعاليه عن الأشباه والشركاء وجميع الآفات. أو أن يكون بالحق الذي لله عليهم. أو بالحق الذي لبعضهم على بعض، واللَّه أعلم. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) صير آية لمن أقر بها وآمن؛ إذ هو المنتفع بها، فأمَّا من أنكر وجحد وكذبها فهو آية عليه لا له، واللَّه أعلم. وقوله: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥) جائز أن يكون قوله: اتل ما أوحي إليك من الكتاب، وأقم به الصلاة أي: بالكتاب الذي أوحي إليك. ويحتمل: اتل ما أوحي إليك من الكتاب عليهم، وأقم بهم الصلاة؛ فالخطاب وإن كان لرسول اللَّه فهو لكل أحد؛ على ما ذكرنا في سائر المخاطبات، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الامتنان. والثاني: على الإلزام. فأما وجه الامتنان: فهو أن جعل لكم الصلاة لتمنعكم عن الفحشاء والمنكر ما لو لم يجعلها لكم لا شيء يمنعكم عن الفحشاء والمنكر؛ فيمنُّ عليهم بجعل الصلاة لهم؛ لما تمنعهم عما ذكر. وأما وجه الإلزام: فإنه يخرج على وجهين: أحدهما: أن الصلاة لو كان موهومًا منها النطق والنهي، لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ على ما أضاف التغرير والتزيين إلى الحياة الدنيا؛ أي: لو كان هذا الذي كان من الدنيا، كان ممن له التغرير - كان ذلك تغريرًا؛ فعلى ذلك الصلاة لو كان منها حقيقة الأمر والنهي لكانت تنهى عن الفحشاء والمنكر. والثاني: أضيف النهي إلى الصلاة؛ لما بها يعرف ذلك، فقد تضاف الأشياء إلى الأسباب وإن لم يكن منها حقيقة ما أضيف إليها؛ نحو ما يضاف الأمر والنهي إلى الكتاب والسنة ونحوه؛ يقال: أمرنا الكتاب بكذا، والسنة بكذا، ونهانا عن كذا، وإن لم يكن منهما أمر حقيقة ولا نهي؛ لما بهما يعرف الأمر والنهي، وهما سببا ذلك؛ فعلى ذلك جائز إضافة النهي إلى الصلاة أن يكون على هذا السبيل. وقوله: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر اللَّهِ أَكْبَرُ في العبادات من أنفس تلك العبادات. ووجه هذا - واللَّه أعلم -: أن العبادات إنما تكون بجوارح تغلب وتقهر وتستعمل؛ فلا تعرف تلك أنها لله إلا بتأويل. وأمَّا ذكر اللَّه إنما يكون باللسان والقلب، وهما لا يغلبان، ولا يستعملان ولا يقهران، فهو يعرف أن ذلك لله حقيقة، فهو أكبر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) من سائر الأذكار التي ليست لله؛ فهذا ليس فيه كبير حكمة؛ لأن ذلك يعرفه كل أحد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر اللَّهِ أَكْبَرُ في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر اللَّه إياكم أكبر من ذكركم إياه؛ لأن ذكره إياكم رحمة ومغفرة، وذلك مما لا يعدله ولا يوازيه شيء، وأما العبد فإنه يذكر ربه بأدنى شيء. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ): أي: ما وفق اللَّه العبد من ذكره إياه وطاعته له أكبر من نفس ذلك الذكر ونفس تلك العبادة. وذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر). وعن الحسن يحدث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من اللَّه إلا بُعْدًا، ولم يزدد بها عند اللَّه إلا مقتًا ". وعن سلمان الفارسي قال: ذكر اللَّه إياكم أكبر من ذكركم إياه. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لهذا وجهان:

العنكبوت 29:46

أحدهما: يقول: ذكر اللَّهِ أَكْبَرُ مما سواه من أعمال البر. والآخر: يقول: ذكر اللَّه إياكم أكبر من ذكركم إياه. والضحاك يقول: العبد يذكر اللَّه عند ما أحل له وحرم عليه، فيأخذ بما أحل ويجتنب ما حرم عليه. وقتادة يقول: لا شيء أكبر من ذكر اللَّه. وأصله ما ذكرنا من الوجوه التي تقدم ذكرها. وقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: تنهى وتمنع ما دام فيها لا يعمل بالفحشاء والمنكر. والثاني: أن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر؛ أي: لو كانت لها النطق والأمر والنهي لكانت تنهى عما ذكر. والوجه فيه ما ذكرنا بدءًا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) وعيد؛ ليكونوا أبدًا على حذر ويقظة. * * * قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وقوله: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) الآية تخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) إلا الذين ظلموا منهم فلا تجادلوهم بالتي هي أحسن ولا غيره، وهم الذين لا يقبلون الحجة، ولا يؤمنون إذا لزمتهم الحجة، وهم أهل عناد ومكابرة، والأولون يقبلون الحجة، ويؤمنون بها. والثاني: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)؛ فقوله: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ليس على الثنيا من الأوّل، ولكن على الابتداء؛ كأنه قال: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) قولوا: (آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا...) إلى آخر ما ذكر؛ أي: قولوا لهم هذا، ولا

العنكبوت 29:47

تجادلوهم؛ فإنكم وإن جادلتم إياهم فلا يؤمنون، وهو كقوله: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي)، قوله: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ) ليس على الثنيا من الأول، ولكن ابتداء نهي؛ أي: لا تخشوهم واخشوني، فعلى ذلك يحتمل الأول مثله. والثالث: جائز أن يكون قوله: (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ...) إلى آخر ما ذكر: هي المجادلة الحسنة التي أمروا بها؛ لأن تلك مما يقبلها العقل والطبع، وبها جاءت الكتب والرسل؛ فلا سبيل إلى ردّ ذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي: جادلوا الذين يصدقون منهم ولا يكتمون نعت مُحَمَّد وما في كتبهم من الحق، فأمَّا الذين تعلمون أنهم يكتمون ولا يصدقون فلا تجادلوهم، وهو كقوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) والأوّل كقوله: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...) الآية. والمجادلة الحسنة هي التي جاء بها الكتاب ويوجبها العقل. ثم فيه دلالة جواز المناظرة والمجادلة مع الكفرة في الدِّين، وكذلك - قوله تعالى -: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، ليس كما يقول بعض الناس: إنه لا يجوز معهم المناظرة، وذلك لجهلهم بحجج الإسلام وبراهينه؛ على ما ينهون عن المجادلة والمناظرة معهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: من لا عهد معهم فجادلهم بالسيوف، ومن كان معه عهد وكتاب فجادلهم بالحجج. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو منسوخ بقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...) الآية. ومنهم من يقول: من أدَّى إليكم الجزية فلا تغلظوا له القول وقولا لهم قولا حسنًا، ومن لم يؤدّ فأغلظوا لهم وجادلوهم بالسيوف، واللَّه أعلم. وقوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) أي: كما أخبرناك في الكتاب، فقل لهم، أو جادلهم. وقوله: (فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) يخرج على وجهين: أحدهما: الذين آتيناهم الكتاب فيتلونه حق تلاوته، فهم يؤمنون به؛ على ما ذكرنا في آية أخرى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ)، فتكون

العنكبوت 29:48

هذه الآية تعريفًا للأولى، وأمّا من لم يتله حق تلاوته فلا يؤمنون به. والثاني: فالذين آتيناهم الكتاب وانتفعوا به؛ أي: يؤمنون بالذي أوتوا من الكتاب. (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) يحتمل قوله: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ) أي: من أهل مكة من يؤمن به، وقد آمن كثير منهم. وجائز أن يكون ذلك إلى قوم كانوا بحضرته، فقال: (وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ)، والله أعلم. (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ) قال قتادة: لا يكون الجحد إلا بعد معرفة أن اليهود والنصارى عرقوه كما عرفوا أبناءهم، لكنهم جحدوه، وكل من أنكر شيئًا فقد جحده؛ عرفه أو لم يعرفه. وقوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) تأويله - واللَّه أعلم -: أي: ما كنت تتلو من قبله - أي: من قبل هذا الكتاب - من كتاب، ولو كنت تتلو لارتاب المبطلون فيقولون: إن ما أنبأتهم من الأنباء المتقدمة أو كلام الحكمة إنما تلقفت وأخذت من تلك الكتب المتقدمة أو كتب الحكماء، ولو كنت تخطه بيمينك يقولون: إن ذلك من تأليفك ووصفك؛ لأن القرآن حجة عليهم من وجهين: أحدهما: ما ذكر فيه من الأنباء المتقدمة المترجمة بغير لسان المتقدم ما علموا بأجمعهم أن رسول اللَّه - صلوات اللَّه عليه - كان لا يعرفها بمترجم ولا شهدها هو، ثم أنبأهم على ما كان، فعلموا أنه باللَّه عرفها. والثاني: هو آية معجزة نظمًا ووصفًا ما يعملون أنه ليس من نظم البشر ولا وصفه، فيقول: ما كنت تتلو من قبله كتابًا فيه تلك الأنباء والحكمة ولا تخطه بيمينك؛ فيقولون: هو من تأليفك أو من نظمك، فلو كنت كذلك إذن لارتاب المبطلون بما ذكرنا على عناد منهم ومكابرة، ولا يرتاب المحقون، وإن كان كما ذكر؛ لما عرفوا صدقه بأشياء وبآيات كانت فيه. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ) ويقول: قبل القرآن (وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) أي: لا تكتبه بيدك، ولو كنت تقرأ كتابًا من قبله أو كنت تكتب بيدك إذن لارتاب المبطلون؛ يقول: لاتهموك؛ هذا قد ذكرناه، ولكن نقول في قوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) بل هو اليقين أنك لا تقرؤه، أو لا تكتبه عند الذين أوتوا العلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب من نحو عبد اللَّه بن سلام وأصحابه. وقوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) يحتمل القرآن؛ إذ فيه آيات

العنكبوت 29:49

الآية ٤٩ وقوله تعالى :﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ يحتمل القرآن ؛ إذ فيه آيات وحدانية الله وحججه، وآيات البعث وحججه. ويحتمل قوله :﴿بل هو آيات بينات﴾ رسول الله ﷺ كان من أول ما نشأ إلى آخر أمره آية لما ذكر من النور في وجه أبيه ما دام في صلبه، ثم في وجه أمه إذ وقع في رحمها، ثم من ضياء الليلة التي ولد فيها، ثم من ظل السحاب الذي أظله وقت ما خرج من وطنه. وأمثال ذلك كثير، ما لا يقدر إحصاؤه، والله أعلم. فذلك كله يدل على رسالته ونبوته، لا يرتاب فيه إلا المبطل المعاند المكابر. وقوله تعالى :﴿في صدور الذين أتوا العلم﴾ جائز أن يكون قوله :﴿في صدور الذين أوتوا العلم﴾ أي أوتوا منافع العلم، أي هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا منافع العلم. فأما من لم يؤت منافع العلم فلا. وقوله تعالى :﴿في صدور الذين أتوا العلم﴾ جائز أن يكون قوله :﴿في صدور الذين أتوا العلم﴾ أي أوتوا منافع العلم، أي هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا منافع العلم. فأما من لم يؤت منافع العلم فلا. وقوله تعالى :﴿وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون﴾ يحتمل [ الظالمون ظالمي ](١) الآيات لما لم يضعوها في موضعها. ويحتمل الظالمون الكافرين. ١ في الأصل وم: الظالم ظالم..

العنكبوت 29:50

وحدانية اللَّه وحججه، وآيات البعث وحججه وآياته. ويحتمل قوله: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان من أول ما نشأ إلى آخر أمره آية؛ لما ذكر من النور في وجه أبيه ما دام في صلبه، ثم في وجه أمه؛ إذا وقع في رحمها، ثم من ضياء الليلة التي ولد فيها، ثم من ظل السحاب الذي أظله وقت ما خرج من وطنه، وأمثال ذلك كثير ما لا يقدر إحصاؤه، واللَّه أعلم. فذلك كله يدل على رسالته ونبوته، لا يرتاب فيه إلا المبطل المعاند المكابر. وقوله: (فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) جائز أن يكون قوله: (فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) أي: أوتوا منافع العلم، أي: هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا منافع العلم، فأما من لم يؤت منافع العلم فلا. وقوله: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) يحتمل: الظلم: ظلم الآيات، لم يضعوها في موضعها. ويحتمل: الظالمون: الكافرون. * * * قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) وقوله: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ) وفي بعض القراءات: (ءاية من ربه) على الوحدان؛ فكأنهم سألوه مرة آية؛ كقوله: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَ)، وإنما ينزل إذا شاء بعد السؤال، ومرة سألوه آيات؛ كقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا)، وكقولهم: (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا...) الآية، ونحوها من الآيات التي سألوها، فمرة سألوه آيات، ومرة سألوه آية، فقول من قال: أختار قراءة (آيَاتٌ) على قراءة (ءاية) محال إذا ثبت أنه قراءة، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - على ما كان منهم، واللَّه أعلم. وقوله: (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ) أي: من عنده تجيء الآيات؛ فكأنهم سألوه آيات

العنكبوت 29:51

قاهرة تقهرهم وتضطرهم على القبول والإقبال إليه الآيات يكون في ذلك وجه الاختيار، لكن سؤال عناد ومكابرة، لا سؤال استرشاد واستهداء فقال: إن اللَّه قد عفا عن هذه الأمة عن إنزال ما به هلاكهم على أثر سؤال العناد والمكابرة، وإن كان في غيرها من الأمم السالفة ينزل عليهم الهلاك والعذاب على إثر سؤال العناد، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: وإنما أنا نذير من اللَّه مبين: أن اللَّه أمرني بذلك وأرسلني إليكم. والثاني: (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: ليس عليَّ إلا الإنذار لكم أبين النذارة، فأما غير ذلك فليس عليَّ؛ كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ...) الآية، ونحوه. وقوله: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) هذا يدل أنهم إنما سألوا سؤال عناد واستهزاء، لا سؤال استرشاد؛ حيث قال: إن فيما أنزل عليهم من الكتاب كفاية لمن كانت همته الاسترشاد والإنصاف، فأما من كانت همته العناد والمكابرة فلا. (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً) أي: فيما أنزل من الكتاب عليك لرحمة، أي: رشد (وَذِكْرَى): عظة (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). وقوله: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) هذا يقال لوجهين: أحدهما: عند الإياس من قبول الحجج والآيات يقول: [(كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا)] أي: حاكما (بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أينا على الحق؟ وأينا على الضلال نحن أو أنتم؟!. والثاني: [(كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا)]: عالمًا في تبليغ ما أمرت بتبليغه إليكم وإتيان ما آتيتكم به من الآيات والحجج (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). وقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) كان استعجالهم وسؤالهم الآيات على علم منهم أنه لا ينزل ولا يأتيهم - يخرج مخرج الاستهزاء بالرسل والتمويه والتلبيس على الأتباع والضعفاء؛ لأنهم يعلمون أن اللَّه لا يعذب ولا يهلك هذه الأمة إهلاك استئصال وانتقام كما أهلك الأمم المتقدمة بالعناد والاستهزاء بالرسل؛ إذ قد أمهلهم إلى وقت، فإن علموا ذلك من الإمهال والتأخير سألوا الرسول العذاب الذي أوعدهم والآيات القاهرة، ووعدوا الإيمان لو جاءهم، وأقسموا على ذلك بقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ...) الآية؛ تمويهًا وتلبيسًا على أتباعهم وضعفائهم يرونهم أنهم على حق في

العنكبوت 29:52

الآية ٥٢ وقوله تعالى :﴿قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا﴾ هذا يقال لوجهين : أحدهما : عند الإياس من قبول الحجج والآيات ؛ يقول :﴿كفى بالله بيني وبينكم شهيدا﴾ أي حاكما بيني وبينكم ؛ أإنا على الحق أم إننا على الضلال : نحن أو أنتم ؟ والثاني :﴿كفى بالله بيني وبينكم شهيدا﴾ عالما في تبليغ ما أمرت تبليغه إليكم وإتيان ما أتيتكم به من الآيات والحجج ﴿يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون﴾.

العنكبوت 29:53

الآية ٥٣ وقوله تعالى :﴿ويستعجلونك بالعذاب﴾ كان استعجالهم وسؤالهم الآيات على علم منهم أنه لا ينزل، ولا تأتيهم، يخرج مخرج الاستهزاء بالرسل والتمويه والتلبيس على الأتباع والضعفاء لأنهم يعلمون أن الله لا يعذب، ولا يهلك هذه الأمة إهلاك استئصال وانتقام كما أهلك الأمم المتقدمة بالعناد والاستهزاء بالرسل، إذ قد أمهلهم إلى وقت. فإن علموا ذلك من الإهمال والتأخير سألوا الرسول العذاب الذي أوعدهم والآيات القاهرة، ووعدوا الإيمان لو جاءهم، وأقسموا على ذلك بقوله :﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ الآية [الأنعام: ١٠٩] تمويها وتلبيسا على أتباعهم وضعفائهم، يرونهم أنهم على حق في الإيمان فيما يدعوهم الرسول، وأنه لو أتى بآية وحجة يؤمنون به، ويتبعونه، وهم في ما يسألون من الآيات والعذاب عالمون أنهم معاندون كذبة مترددون ملبسون مموهون على الأتباع والسفلة لما ذكرنا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة﴾ الآية. فإن قال لنا ملحد : أنه حين(١) أخر عنهم العذاب، وأمهلهم، وعلم منهم أنهم يستعجلون، أو لم يعلم ذلك. فإن قلت : على غير علم منهم فقد أثبت الجهل له، وإن قلت : على علم منه ذلك فكيف أمهل ذلك، وقد علم ما يكون منهم ؟ قيل : إمهاله العذاب عنهم، وضرب الأجل رحمة منه لهم وفضل ؛ كأنه قال : ولولا رحمته التي جعل لهم على نفسه لجاءهم العذاب كما جاء الأمم الخالية عند سؤالهم الرسل العذاب والآيات بالعناد والاستهزاء، وهو كقوله :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] [ حين لم يستأصلهم كما استأصل أولئك ] (٢). ١ في الأصل وم: حيث.. ٢ في الأصل: حيث لم يستأصل إليك، في م: حيث لم يستأصلهم كما استأصل إليك..

العنكبوت 29:54

الإيمان فيما يدعوهم الرسول، وأنه لو أتى بآية وحجة يؤمنون به ويتبعونه، وهم فيما يسألون من الآيات والعذاب عالمون أنهم معاندون كذبة متمردون ملبسون مموهون على الأتباع والسفلة؛ لما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً...) الآية. فإن قال لنا ملحد: إنه حيث أخر عنهم العذاب وأمهلهم علم منهم أنهم يستعجلون، أو لم يعلم ذلك، فإن قلت: على غير علم منهم فقد أثبت الجهل له، وإن قلت: على علم منهم ذلك فكيف أمهل ذلك وقد علم ما يكون منهم؟ قيل: إمهاله العذاب عنهم وضرب الأجل رحمة منه لهم وفضل؛ كأنه قال: ولولا رحمته التي جعل لهم على نفسه لجاءهم العذاب كما جاء الأمم الخالية عند سؤالهم الرسل العذاب والآيات بالعناد والاستهزاء، وهو كقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) حيث لم يستأصلهم كما استأصل أُولَئِكَ. وقوله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يحتمل قوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ) أي: عذاب جهنم محيط يومئدٍ بالكافرين، أو النار محيطة بالكافرين. وجائز أن يكون: أي: يستعجلونك بالعذاب، وإن أعمال أهل جهنم وأسبابها التي توجب لهم جهنم محيطة بهم؛ كقوله: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)، أي: ما أصبرهم على الأعمال والأسباب التي توجب لهم النار، وإلا لا أحد يصبر على النار؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) أي: أسباب جهنم وأعمالهم التي توجب لهم جهنم والنار محيطة بهم، واللَّه أعلم. وقوله: (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥) كقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) - ظاهر. * * * قوله تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وقوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) في الآية بشارة ونذارة: أما البشارة فقوله: (إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ) وعد لهم السعة في المكان المنتقل إليه والمتحول كما كان لهم في مقامهم. والنذارة والتحذير: هو قوله: (إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ) فلا تقيموا في أرضكم. ثم الأمر بالخروج والهجرة عن أرضهم إلى أخرى يخرج على وجهين: أحدهما: لما لا يقدرون على إظهار دين اللَّه؛ خوفًا على أنفسهم من أُولَئِكَ الكفرة، فأمروا بالخروج والهجرة عنها إلى أرض يقدرون على إظهاره والقيام به. والثاني: أن كانوا يقدرون على إظهار دينهم، لكنهم لا يقدرون القيام على تغيير المناكير عليهم والأمر بالمعروف، فأمروا بالخروج منها إلى أرض ليس بها مناكير، أو إن كانت بها فيقدرون على تغييرها والأمر بالمعروف فيها، فبمثل هذا جائز أن يؤمر الناس بالتحول من أرض إلى أخرى إذا لم يقدروا على تغيير المنكر ودفعه وليس كالرسل؛ لأن سائر الناس إذا كثر سماعهم المنكر يَخِفّ ذلك على قلوبهم وتميل إليه القلوب وتسكن وتطمئن، فيؤمرون بالخروج عنها والتحول إلى أخرى؛ لئلا تميل ولا تسكن إليه قلوبهم. وأما الرسل وإن كثر سماعهم المنكر فإن قلوبهم لا تميل ولا تلين ولا تسكن إليه أبدًا؛ بل يزداد لهم شدة وصلابة في ذلك وبعدًا عن قلوبهم؛ لذلك اختلف أمر الرسل وغيرهم. أو أن يكون لا يؤمرون بالخروج ولا يؤذن لهم؛ لما هم إنما بعثوا إلى أهل الكفر والمنكر ليدعوهم إلى دين اللَّه؛ فلا يحتمل أن يؤذن لهم بالخروج والهجرة إلى أخرى وهم إليهم بعثوا؛ ليدعوهم إلى دين اللَّه، فقوله: (إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ) هو ما ذكرنا: أمروا بالهجرة ليسلم لهم دينهم، ولا يمنعهم عن ذلك خوف ضيق العيش في غيره؛ لما يعتزلون عن أموالهم، وحرفهم، وأهل قرابتهم ومعونتهم؛ لما وعد - عَزَّ وَجَلَّ - التوسيع عليهم لو خرجوا وهربوا؛ إشفاقًا على دينهم، وكذلك روي عن الحسن عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " مَن فَرَّ بدينه من أرض إلى أرض أخرى وإن كانت شبرًا، وجبت له الجنة، ويبعث مع أبيه إبراهيم ونبيه مُحَمَّد " أو نحوه من الكلام. وعلى مثل ذلك جاءت الآثار عن السلف في تأويل الآية: إذا دعيتم إلى المعاعمي فاهربوا في الأرض، فإن أرض اللَّه واسعة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إذا عمل بالمعاصي في أرض فاهربوا إلى أخرى؛ فإن أرضي واسعة، وهو ما ذكروا: أمروا بالهجرة؛ ليسلم لهم دينهم، ووعد لهم السعة والحسنة في الدنيا، وفي الآخرة أعظم منها، وهي ما قال: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، وقال في هذه الآية: (إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) أي: إن أرضي واسعة، فإن منعتم عن عبادتي في

العنكبوت 29:55

الآية ٥٥ وقوله تعالى :﴿يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ :﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ [الزمر: ١٦] ظاهر.

العنكبوت 29:56

الآية ٥٦ وقوله تعالى :﴿يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾ في الآية بشارة ونذارة. أما البشارة فقوله :﴿إن أرضي واسعة﴾ وعد لهم السعة في المكان المنتقل إليه والمتحول كما كان لهم في مقامهم. والنذارة والتحذير، هي قوله :﴿إن أرضي واسعة﴾ فلا تقيموا في أرضكم. ثم الأمر بالخروج والهجرة عن أرضهم إلى أخرى يخرّج على وجهين : أحدهما : لما لا يقدرون على إظهار دين الله خوفا على أنفسهم من أولئك الكفرة، فأمروا بالخروج والهجرة عنها إلى أرض، يقدرون على إظهاره والقيام به. والثاني : أن كانوا يقدرون على إظهار دينهم. لكنهم لا يقدرون القيام على تغيير المناكير عليهم. والأمر بالخروج منها إلى أرض ليس بها مناكير، وإن كانت بها، فيقدرون على تغييرها والأمر بالمعروف فيها. في مثل هذا جائز أن يؤمر الناس بالتحول من أرض إلى أخرى، إذا لم يقدروا على تغيير المنكر ودفعه، وليسوا كالرسل لأن سائر الناس إذا كثر سماعهم المنكر يخف(١) ذلك على قلوبهم، وتميل إليه القلوب، وتسكن، وتطمئن، فيؤمرون بالخروج عنها والتحول إلى أخرى لئلا تميل، وتسكن إليه قلوبهم. وأما الرسل، وإن كثر سماعهم المنكر فإن قلوبهم لا تميل، ولا تلين، ولا تسكن إليه أبدا. بل تزداد له شدة وصلابة في ذلك وبعدا عن قلوبهم. لذلك اختلف أمر الرسل وغيرهم(٢) لا يؤمرون بالخروج، ولا يؤذن لهم لما هم إنما بعثوا إلى أهل الكفر والمنكر ليدعوهم إلى دين الله، لا يحتمل أن يؤذن لهم بالخروج والهجرة إلى أخرى، وهم إليهم بعثوا ليدعوهم على دين الله. فقوله :﴿إن أرضي واسعة﴾ هو ما ذكرنا : أمروا بالهجرة ليسلم لهم دينهم، ولا يمنعهم عن ذلك خوف ضيق العيش في غيرها(٣) لما يعزلون عن أموالهم وحرفهم وأهل قرابتهم ومعونتهم لما وعد لهم، جل وعلا، والتوسيع عليهم، لو خرجوا، أو هربوا إشفاقا على دينهم. وكذلك روي عن الحسن عن رسول الله ﷺ أنه قال :( من فر بدينه من أرض إلى أرض أخرى، وإن كانت شبرا، أوجبت له الجنة، ويبعث مع أبيه إبراهيم ونبيه محمد ) [ القرطبي في تفسيره : ٥/٢٩٧ ] أو نحوه من الكلام. وعلى مثل ذلك جاءت الآثار من السلف في تأويل الآية :( إذا دعيتم إلى المعاصي فاذهبوا(٤) في الأرض فإن أرض الله واسعة ) [ بنحوه الطبري في تفسيره : ٢١/٩ ]. وقال بعضهم : إذا عمل بالمعاصي في أرض فاهربوا إلى أخرى فإن أرض الله واسعة. وهو ما ذكرنا : أمروا بالهجرة ليسلم لهم دينهم، ووعد لهم السعة والحسنة في الدنيا، وفي الآخرة أعظم منها، وهو ما قال :﴿والذين هاجروا /٤٠٨-أ/ في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة اكبر لو كانوا يعلمون﴾ [النحل: ٤١]. وقال في هذه الآية :﴿إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون﴾ أي إن أرضي واسعة، فإن منعتم عن عبادتي في الأرض فاخرجوا منها إلى أخرى فاعبدوني، ولا تعبدوا غيري ﴿إن أرضي واسعة﴾ فلا عذر لكم بالمقام في أرض تمنعون عن عبادتي وإظهار ديني ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون﴾ [النساء: ٩٨] عند ربهم بما فيهم من الضعف لترك الخروج والمقام بين أظهرهم وكتمان الإيمان والعبادة سرا، وإن لم يقدروا على إظهاره. فأما من كانت له حيلة الخروج فلم يعذره. ١ من م، في الأصل: يخفف.. ٢ أدرج بعدها في الأصل وم: أو أن يكون.. ٣ في الأصل وم: غيره.. ٤ في م: فاهربوا..

العنكبوت 29:57

أرض فاخرجوا منها إلى أخرى فاعبدوني ولا تعبدوا غيري؛ فإن أرضي واسعة؛ فلا عذر لكم بالمقام في أرض تمنعون فيها عن عبادتي وإظهار ديني، إلا المستضعفين الذين استثناهم في آية أخرى؛ حيث قال: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا)، عذرهم بما فيهم من الضعف لترك الخروج والمقام بين أظهرهم، وكتمان الإيمان والعبادة له سرًّا، وإن لم يقدروا على إظهاره، فأما من كانت له حيلة الخروج فلم يعذره. وقوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) ذكر هذا - واللَّه أعلم - على إثر ما ذكر؛ لئلا يمنعهم عن الخروج والهجرة خوف ضيق العيش؛ يقول - واللَّه أعلم -: كل نفس تذوق الموت إذا استوفت رزقها لا محالة، ولا تذوق قبل استيفائها رزقها؛ فلا يمنعكم خوف ضيق العيش فإنها تذوق ذلك لا محالة، خرجت أو لم تخرج إذا استوفت رزقها، وهو ما قال: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)، أي: لو كان المكتوب عليه القتل يبرز لا محالة حتى يقتل؛ فعلى ذلك المكتوب عليه الموت يذوقه لا محالة، أخرج، أو أقام، واللَّه أعلم (ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ). وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ... (٥٨) أي: لنهيئنهم (مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا) يقال: بوا: أنزل وهيأ، و " لَنُثْوِيَنَّهُمْ " من الثواء، وهو الإقامة. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: هو من ثويت بالمقام: إذا أقمت به، وبالباء (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ): أي: لننزلنهم. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: لننزلنهم منها منزلا يقيمون فيه، والثواء: الإقامة. وقال أبو معاذ: بوأها: هيأها، والمثوى: المنزل، والثاوي: المفيف خَالِدِينَ يهَأ نِعْمَ أَتجرُ آلعملِدٍ) أي: ثوابهم وجزاؤهم. وقوله: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) يحتمل قوله: (الَّذِينَ صَبَرُوا) أي: خرجوا، وهاجروا، وصبروا على الهجرة، وعلى ربهم توكلوا في الخروج والرزق، والذين صبروا على الطاعات وأداء الفرائض. أو أن يكون الصبر كناية وعبارة عن الإيمان؛ أي: الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وبه يثقون ويفوضون؛ كقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) أي: لكل مؤمن. ومُحَمَّد بن إسحاق يقول: أنزلت الآية بمكة في ضعفاء مسلمي مكة؛ يقول: إن كنتم

العنكبوت 29:58

الآية ٥٨ وقوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم﴾ أي لنهيئن لهم ﴿من الجنة غرفا﴾ يقال : بوأها، أنزلها، وهيأها، ولنثوينّهم(١) من الثواء، وهو الإقامة. وقال القتبي : هو من ثويت إذا أقمت به، وبالباء ﴿لنبوئنهم﴾ أي لننزلنهم. وقال أبو معاذ : بوأها : هيأها، والمثوى المنزل، والثاوي المضيف. [ وقوله تعالى ](٢) ﴿خالدين فيها نعم أجر العالمين﴾ أي ثوابهم وجزاؤهم. ١ هذه قراءة، انظر معجم القراءات القرآنية ج ٥/٥٥.. ٢ ساقطة من الأصل وم..

العنكبوت 29:59

الآية ٥٩ وقوله تعالى :﴿الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾ يحتمل قوله :﴿الذين صبروا﴾ أي خرجوا، وصبروا على الهجرة، وعلى ربهم توكلوا في الخروج والرزق. أو ﴿الذين صبروا﴾ على الطاعات وأداء الفرائض، أو أن يكون الصبر كناية وعبارة عن الإيمان، أي الذين آمنوا ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ به يثقون(١)، ويفوضون كقوله :﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ [إبراهيم: ٥] أي لكل مؤمن. ومحمد بن إسحاق يقول : أنزلت الآية بمكة في ضعفاء مسلمي مكة، يقول : إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان بها، فإن أرض المدينة واسعة ﴿فإياي فاعبدون﴾ بها علانية. ثم خوف بالموت ليهاجروا، فقال :﴿كل نفس ضائقة الموت ثم إلينا ترجعون﴾ في الآخرة. ثم نعتهم، فقال :﴿الذين صبروا﴾ على الهجرة، وبالله يثقون في هجرتهم. وذلك أن أحدهم كان(٢) يقول بمكة : كيف أهاجر إلى المدينة، وليس لي بها مال، ولا معيشة ؟ فوعظهم بما ذكر. ١ في الأصل وم: ويثقون.. ٢ في الأصل وم: كما..

العنكبوت 29:60

في ضيق بمكة من إظهار الإيمان بها فإن أرض المدينة واسعة فإياي فاعبدون بها علانية، ثم خوف بالموت؛ ليهاجروا، فقال: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) في الآخرة، ثم نعتهم فقال: الذين صبروا على الهجرة وباللَّه يثقون في هجرتهم، وذلك أن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها مال ولا معيشة، فوعظهم بما ذكر. وقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) من الناس من يجعل الآية صلة قوله: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ) أنهم أمروا بالهجرة من بلدتهم والخروج من مقامهم؛ ليسلم لهم دينهم؛ فاشتد ذلك عليهم، وضاق بذلك ذرعهم؛ لضيق العيش هناك لما لم يتهيأ لهم ولا يتأدى لهم حمل أموالهم، والمكاسب التي بها يتعيشون في بلدهم ويتسعون بها، فأخبر أن له خلائق يرزقهم حيثما توجهوا وحيثما كانوا لا يحملون معهم شيئا من الرزق؛ بل يرزقهم حيثما كانوا ابتداء؛ فعلى ذلك هو يرزقكم حيثما كنتم حملتم مع أنفسكم شيئًا من الأموال والمكاسب أو لم تحملوا، فلا يضيقن صدركم بترككم الأموال والمكاسب في بلدكم. وجائز أن يكون لا على الصلة بما تقدم، ولكن على ابتداء تذكير وتنبيه للبشر وبغير سبب؛ إذ قد يرزق ويبسط من ليس له من الأسباب شيء نحو ما ذكر من رزقه الطير والدوأب، وغير ذلك من البشر الذين يرزقون بلا أسباب ومكاسب؛ ولذلك ذكر - والله أعلم - على إثر ذلك (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) يبسط لمن يشاء وإن لم يكن له سبب ويقدر على من يشاء، وإن كان معه سبب؛ لئلا يعلقوا قلوبهم في الرزق في الأسباب والمكاسب. وعلى قول المعتزلة: إن اللَّه لا يقدر أن يبسط الرزق لمن يشاء؛ لأنهم لا يجعلون لله في الأسباب والمكاسب صنعًا، وإنما يجعلون منه خلق أصول الأشياء من الإنبات والإخراج من الأرض، وأما غير ذلك فهو كله للخلق على قولهم، فذلك النبات والخارج منها للكل ليس بعضهم بذلك أولى من بعض، فتذهب فائدة ما ذكر من البسط والتوسيع والتقتير على قولهم. وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) على إثر ما ذكر يخرج على وجوه: أحدها: المجيب لكل ما يدعون ويسألون، العليم بحوائجهم؛ حيث كانوا وأين كانوا. أو السميع لقولهم: إنا لا نجد ما ننفق ونتعيش، العليم بما أضمروا ونحوه. * * * قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ

العنكبوت 29:61

نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) إنهم أعطوا جميعًا بألسنتهم: أن الذي خلق السماوات والأرض، وما سخر لهم من الشمس والقمر، وما نزل من السماء من الماء، وما أحيا به الأرض - هو اللَّه لا غيره، فيخرج قوله: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) على أثر ما أعطوا بألسنتهم ونطقوا به على وجهين: أحدهما: أنى يصرفون عما أعطوا بألسنتهم ونطقوا به إلى صرف الشكر والعبادة إلى الأصنام التي يعلمون أنها لبم تخلق شيئًا مما أعطوا بألسنتهم. والثاني: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) أي: في تسميتهم الأصنام: آلهة على علم منهم أنها ليست بآلهة، واللَّه أعلم. وقوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ... (٦٣) على أثر ما ذكر يخرج على وجوه: أحدها: أمره أن يحمد ربه فيما لم يبل بما بلي به أُولَئِكَ من التكذيب والعناد والكفر بربهم. والثاني: أمره أن يحمد ربّه؛ لما في ذلك إظهار سفههم؛ حيث أعطوا باللسان أن ذلك كله من اللَّه، واللَّه خالق ذلك كله، ثم صرفوا ذلك إلى غيره. والثالث: يقول بعضهم: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) على إقرارهم بذلك أنه خلق لله، وأن ذلك كله منه، واللَّه أعلم. وقوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) يحتمل قوله: (لَا يَعْقِلُونَ) أي: لا ينتفعون بعقولهم؛ نفى عنهم العقول؛ لما لم ينتفعوا بها، كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان لما لم ينتفعوا بقلك الحواس؛ فعلى ذلك هذا. والثاني: لم يعقلوا لما تركوا النظر والتفكر في الأسباب التي بها تعقل الأشياء، والله أعلم. وقوله: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) وقوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) لو كان الأمر على ظاهر ما نطق به الكتاب دون معان تودع فيه وحكمة تجعل فيه على ما يحمله بعض الناس - لكان لأهل الإلحاد في ذلك مطعن؛ لأنه يقول: ما الحياة إلا لهو ولعب وهو خلقها، فيقولون: لِمَ خلقها لهوًا ولعبًا وهو خلقها؛ ولهم دعوى التناقصْ فيه؛ حيث قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا) ووقال في آية أخرى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، فلو جمع بين هذا وبين الأول فهو في الظاهر متناقض؛ إن يذكر في بعضها: أنه لم يخلقهما وما بينهما باطلا لعبًا، ويذكر في بعضها: أن الحياة الدنيا لهو ولعب، وهو خلقهما. لكن تأويل قوله: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) على ما تقدرون أنتم وعلى ما عندكم (إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ)، فأما عند أهل التوحيد وما في تقديرهم فهي حكمة وحق. ثم ما ذكر من اللهو واللعب عندهم يخرج على وجهين: أحدهما: أنهم رأوا أنه خلق الإنسان وجعل بدأه من نطفة، ثم حولها إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى الإنسان الذي صور... إلى آخر ما حوله؛ فلا يحتمل أن يخلقه ويحوله من حال إلى الأحوال التي ذكر، ثم يفنيه بلا عاقبة تجعل لهم، ولا منفعة؛ فيكون كما ذكر: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا)، صيَّر نقضها الغزل من بعد إحكامها إياه بلا انتفاع به لهوًا ولعبًا؛ فعلى ذلك خَلْقُ الحياة الدنيا، وخلق ما فيها من العالم بعد إحكامه وتحويله حالا بعد حال، وتحويلا بعد تحويل، وإحكامًا بعد إحكام للفناء خاصة على ما يقدر أُولَئِكَ الكفرة بلا عاقبة تجعل لهم أو منفعة - لَهْو ولعب وسفه وباطل؛ على ما ظن أُولَئِكَ وقدروه، فأما في تقدير أهل التوحيد وأهل الإيمان من العاقبة لهم فهو حكمة وحق. والثاني: معنى اللهو: اللعب الذي ذكر على ما عندهم هو أن الجمع والتسوية بين العدو والولي وبين العاصي والمطيع وبين المخالف والموافق - سفه باطل، وقد سوى بينهم في هذه الدنيا، وأشركهم جميعًا في نعيمها وسعتها وشدتها، وخيرها وشرها، يتمتع الولي فيها كما يتمتع العدو، ويبتلى فيها المطيع كما يبتلى العاصي، فلو لم يكن دار أخرى فيها يفرق بين الولي والعدو، وبين المطيع والعاصي لكان خلقه إياهم في الحياة الدنيا سفهًا وباطلا؛ إذ سوى بينهم وأشركهم جميعًا في هذه. أو أن تكون الحياة الدنيا - عدى ما اتخذوها هم وعملوا فيها - لهوًا ولعبًا. أو أن يقال: الحياة الدنيا بحياة الآخرة لهو ولعب؛ لأنها خلقت فانية منقطعة، وخلقت حياة الآخرة باقية دائمة، فهو كما قال: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ)، أي: متاع الدنيا قليل عند متاع الآخرة، لأن متاع الدنيا فانٍ منقطع، ومتاع الآخرة دائم باقي. وقوله: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) أي: هي دار الحياة، لا موت فيها، ولا انقطاع، ولا فناء (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أن الدار الآخرة هي الدار التي لا موت فيها، واللَّه أعلم.

العنكبوت 29:62

الآيات ٦١ و٦٢ و٦٣ وقوله تعالى :﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون﴾ ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم﴾ [ ﴿ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله﴾ ](١) إنهم أعلموا جميعا بألسنتهم أن الذي خلق السماوات والأرض وما سخر لهم من الشمس والقمر وما نزل من السماء من الماء وما أحيى به الأرض، هو الله، لا غيره. فيخرج قوله :﴿فأنى يؤفكون﴾ على إثر ما أعلموا بألسنتهم، ونطقوا به على وجهين : أحدهما :[ ﴿فأنى يؤفكون﴾ ](٢) عما أعلموا بألسنتهم، ونطقوا به إلى صرف الشكر والعبادة إلى الأصنام التي يعلمون أنها لم تخلق شيئا مما أعلموا بألسنتهم. والثاني :﴿فأنى يؤفكون﴾ أي في تسميتهم الأصنام آلهة على علم منهم أنها ليست بآلهة، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿قل الحمد لله﴾ على إثر ما ذكر يخرج على وجوه : أحدها : أمره أن يحمد ربه في ما لم يبل بما بلي أولئك من التكذيب والعناد والكفر بربهم. والثاني : أمره أن يحمد ربه لما في ذلك إظهار سفههم حين(٣) أعلموا باللسان أن ذلك كله من الله، وأنه خالق ذلك كله. ثم صرفوا ذلك إلى غيره. والثالث :[ ما قال ](٤) بعضهم :﴿قل الحمد لله﴾ على إقرارهم بذلك أنه خلق الله وأن ذلك كله منه، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿بل أكثرهم لا يعقلون﴾ يحتمل قوله :﴿لا يعقلون﴾ [ وجهان : أحدهما ](٥) : أي لا ينتفعون بعقولهم ؛ نفى عنهم العقول لما لم ينتفعوا بها كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان لما لم ينتفعوا بتلك الحواس. فعلى ذلك هذا. والثاني : لم يعقلوا لما تركوا النظر والتفكر في الأسباب [ التي ] (٦) بها تعقل الأشياء، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: أنى يصرفون.. ٣ في الأصل وم: حيث.. ٤ في الأصل وم: يقول.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ ساقطة من الأصل وم..

العنكبوت 29:63

الآيات ٦١ و٦٢ و٦٣ وقوله تعالى :﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون﴾ ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم﴾ [ ﴿ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله﴾ ](١) إنهم أعلموا جميعا بألسنتهم أن الذي خلق السماوات والأرض وما سخر لهم من الشمس والقمر وما نزل من السماء من الماء وما أحيى به الأرض، هو الله، لا غيره. فيخرج قوله :﴿فأنى يؤفكون﴾ على إثر ما أعلموا بألسنتهم، ونطقوا به على وجهين : أحدهما :[ ﴿فأنى يؤفكون﴾ ](٢) عما أعلموا بألسنتهم، ونطقوا به إلى صرف الشكر والعبادة إلى الأصنام التي يعلمون أنها لم تخلق شيئا مما أعلموا بألسنتهم. والثاني :﴿فأنى يؤفكون﴾ أي في تسميتهم الأصنام آلهة على علم منهم أنها ليست بآلهة، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿قل الحمد لله﴾ على إثر ما ذكر يخرج على وجوه : أحدها : أمره أن يحمد ربه في ما لم يبل بما بلي أولئك من التكذيب والعناد والكفر بربهم. والثاني : أمره أن يحمد ربه لما في ذلك إظهار سفههم حين(٣) أعلموا باللسان أن ذلك كله من الله، وأنه خالق ذلك كله. ثم صرفوا ذلك إلى غيره. والثالث :[ ما قال ](٤) بعضهم :﴿قل الحمد لله﴾ على إقرارهم بذلك أنه خلق الله وأن ذلك كله منه، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿بل أكثرهم لا يعقلون﴾ يحتمل قوله :﴿لا يعقلون﴾ [ وجهان : أحدهما ](٥) : أي لا ينتفعون بعقولهم ؛ نفى عنهم العقول لما لم ينتفعوا بها كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان لما لم ينتفعوا بتلك الحواس. فعلى ذلك هذا. والثاني : لم يعقلوا لما تركوا النظر والتفكر في الأسباب [ التي ] (٦) بها تعقل الأشياء، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: أنى يصرفون.. ٣ في الأصل وم: حيث.. ٤ في الأصل وم: يقول.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ ساقطة من الأصل وم..

العنكبوت 29:64

الآية ٦٤ وقوله تعالى :﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب﴾ كقوله(١) :﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة﴾ [الحديد: ٢٠] ولو(٢) كان الأمر على ظاهر ما نطق به الكتاب دون معان، تودع فيه، وحكمة، تجعل فيه على ما يحمله بعض الناس لكان لأهل /٤٠٨-ب/ الإلحاد في ذلك مطعن، لأنه يقول :﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب﴾ وهو خلقها، فيقولون : لم خلقها لهوا ولعبا ؟ وهو خلقها، ولهم دعوى التناقض فيه حين(٣) قال :﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا﴾ [ص: ٢٧] وقال في آية أخرى :﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الدخان: ٣٨]. فلو جمع بين هذا وبين الأول، وهو في الظاهر متناقض ؛ إذ يذكر في بعضها أنه لم يخلقهما وما بينهما باطلا لعبا، ويذكر في بعضها أن الحياة الدنيا لهو ولعب، وهو خلقها. لكن تأويل قوله :﴿وما هذه الحياة الدنيا﴾ على ما تقدرون أنتم وعلى ما عندكم ﴿إلا لهو ولعب﴾. فأما ما عند أهل التوحيد وما في تقديرهم فهي حكمة وحق. ثم هو ما ذكر من اللهو واللعب عندهم يخرج على وجهين : أحدهما : أنهم رأوا أنه خلق الإنسان، وجعل بدأه من نطفة، ثم حولها إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى الإنسان الذي صور إلى آخر ما حوله. فلا يحتمل أن يخلقه، ويحوله من حال إلى الأحوال التي ذكر، ثم يفنيه، بلا عاقبة، تجعل له(٤)، ولا منفعة، فيكون كما ذكر :﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾ [النحل: ٩٢] صير نقضها الغزل من بعد إحكامها إياه بلا انتفاع به لهوا ولعبا. فعلى ذلك خلق الحياة الدنيا وخلق ما فيها من العالم بعد إحكامه وتحويله حالا بعد حال أو تحويلا بعد تحويل وإحكاما بعد إحكام للفناء خاصة ما يقدر أولئك الكفرة بلا عاقبة تجعل لهم، أو منفعة لهو ولعب وسفه وباطل على ما ظن أولئك وقدروه. فأما ما في تقدير أهل التوحيد وأهل الإيمان من العاقبة لهم فهو حكمة وحق. والثاني : معنى اللهو واللعب الذي ذكر على ما عندهم، هو أن الجمع والتسوية بين العدو والولي وبين العاصي والمطيع وبين المخالف والموافق سفه باطل. وقد سوى بينهم في هذه الدنيا، وأشركهم جميعا في نعيمها وسعتها وشدتها وخيرها وشرها ؛ يتمتع الولي فيها كما يتمتع العدو، ويبتلى فيها المطيع كما يبتلى العاصي. فلو لم تكن دار أخرى، فيها يفرق بين الولي والعدو وبين المطيع والعاصي لكان خلقه إياهم في الحياة الدنيا سفها وباطلا ؛ إذ سوى بينهم، وأشركهم جميعا في هذه. [ ويحتمل ] (٥) أن تكون الحياة الدنيا على ما اتخذوها هم، وعملوا فيها، لهوا ولعبا، وأن(٦) تقابل الحياة الدنيا بحياة الآخرة [ خلقت الحياة الدنيا ](٧) فانية منقطعة، وخلقت حياة الآخرة باقية دائمة. فهو كما قال :﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى﴾ [النساء: ٧٧] أي متاع الدنيا قليل عند متاع الآخرة، لأن متاع الدنيا فان منقطع ومتاع الآخرة دائم باق. وقوله تعالى :﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ أي هي دار الحياة، لا موت فيها، ولا انقطاع، ولا فناء ﴿لو كانوا يعلمون﴾ أن الدار الآخرة، هي الدار التي لا موت فيها، والله أعلم. ١ في الأصل وم: وقوله.. ٢ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: حيث.. ٤ في الأصل وم: لهم.. ٥ في الأصل وم: أو.. ٦ في الأصل وم: أو أن.. ٧ في الأصل وم: لهو ولعب لأنها خلقت..

العنكبوت 29:65

قوله تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) وقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) الآية، على المعتزلة في قولهم: إن على اللَّه الأصلح لهم في الدِّين؛ لأنه أخبر أنهم أخلصوا الدِّين لله إذا ركبوا في الفلك، ولا شك أن ذلك أصلح في الدِّين، فلما لم يبقهم على تلك الحال ليكونوا على ذلك الإخلاص؛ بل أخرجهم منها فعادوا إلى ما كانوا فدل ذلك أن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدِّين. وقوله: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) وقوله: (لِيَكفُرُوا) أي: أنجاهم ليكونوا على ما علم منهم أنهم يكونون، وقد علم أنه يكون منهم الكفر، فأنجاهم إلى البر؛ ليكون منهم ما قد علم أنه يكون ويختارون، كأن إخلاص الدعاء في الفلك لم يكن إخلاص اختيار، ولكن إخلاص دفع البلاء عن أنفسهم؛ إذ لو كان ذلك إخلاص اختيار، لا دفع البلاء لكانوا لا يتركون ذلك في الأحوال كلها، فهذه الآية وإن كانت في أهل الكفر، ففي ذلك - أيضًا - توبيخ لأهل الإسلام؛ لأنهم لا يقومون بالشكر لله وإخلاص العبادة له في حال السعة والنعمة كما يكونون في حال الضيق والشدة، فينبههم ليكونوا في الأحوال كلها مخلصين العمل لله شاكرين له؛ لئلا يكون عملهم على حرف وجهة كعمل أهل النفاق، وكعمل أُولَئِكَ الكفرة، والله أعلم. وقوله: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) قيل: يكذبون. وقيل: يعدلون. وقيل: يؤفكون: يؤفنون ويحمقون، والمافون: الأحمق، وا لأفن: الحمق. وقوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) أي: سوف يعلمون صدقي في قولي، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما عادوا إلى ما كانوا عليه إذ أنجاهم من الأهوال التي ابتلوا بها؛ أي: سوف يعلمون ما أوعدهم الرسل.

العنكبوت 29:66

الآية ٦٦ وقوله تعالى :﴿فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ ﴿ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون﴾ قوله :﴿ليكفروا﴾ أي أنجاهم ليكونوا على ما علم منهم أنهم يكونون. وقد علم أنه يكون منهم الكفر، فأنجاهم إلى البر ليكون منهم ما قد علم أنه يكون، ويختارون. وكان إخلاصهم الدعاء في الفلك، لم يكن إخلاص اختيار، ولكن إخلاص دفع البلاء عن أنفسهم ؛ إذ لو كان ذلك إخلاص اختيار لا دفع البلاء لكانوا لا يتركون ذلك في الأحوال كلها. فهذه الآية، وإن كانت في أهل الكفر ففي ذلك أيضا توبيخ لأهل الإسلام لأنهم لا يقومون بالشكر لله وإخلاص العبادة له في حال السعة والنعمة كما يكونون في حال الضيق، فينبههم ليكونوا في الأحوال كلها مخلصين العمل لله شاكرين له لئلا يكون عملهم على حرف وجهة كعمل أهل النفاق وكعمل أولئك الكفرة، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فأنى يؤفكون﴾ قيل : يكذبون، وقيل : يعدلون، وقيل :﴿يؤفكون﴾ يؤفنون، ويحمقون، والمأفون الأحمق، والأفن الحمق. وقوله تعالى :﴿فسوف يعلمون﴾ أي سوف يعلمون صدقي في قولي :﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨] كما عادوا إلى ما كانوا عليه إذا نجاهم من الأهوال التي ابتلوا بها، أي سوف يعلمون ما أوعدهم الرسل. وفي قولهم :﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب﴾ وجه آخر، وهو أن يقال : ما هذه المحاسن والأعمال [ التي ](١) تعملون، وتعدون محاسن وصلاحا في هذه الدنيا إلا لهو ولعب لما لا تبقى، ولا ينتفعون بها إلا ما ابتغي بها وجه الله والدار الآخرة. وهو ما قال :﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ أي هي الباقية الدائمة ﴿لو كانوا يعلمون﴾. ١ ساقطة من الأصل وم..

العنكبوت 29:67

وفي قولهم: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ) وجه آخر: وهو أن يقال: ما هذه المحاسن والأعمال التي تعملون وتعدون محاسن وصلاحًا في هذه الدنيا إلا لهو ولعب؛ لما لا تبقى ولا تنتفعون بها إلا ما ابتغي بها وجه اللَّه والدار الآخرة، وهو ما قال: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) أي: هي الباقية الدائمة (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) قد ذكرنا في غير موضع: أن الاستفهام من الله يخرج مخرج الإلزام والإيجاب، أو يخرج مخرج الخبر، لا على حقيقة الاستفهام؛ لأنه عالم بذاته، يعلم ما في باطنهم وظاهرهم، وما يسرون وما يعلنون، بما كان ويكون، لا يستفهم عباده شيئًا، ولكنه يخرج على ما ذكرنا على الخبر، أو على الإلزام والإيجاب؛ فالخبر كأنه يقول: قد رأوا وعلموا أن اللَّه جعل الحرم مأمنًا لهم يأمنون فيه، وكان الناس حولهم يتخطفون ويخافون، والإلزام والإيجاب أن يقول لهم: اعلموا أن اللَّه جعل لكم الحرم مأمنًا تأمنون فيه والناس من حولكم على خوف يسلبون ويُسْبَوْنَ ويقتلون. ثم يخرج تذكيره إياهم هذا على وجهين: أحدهما: أن اللَّه قد جعل لكم الحرم مأمنًا تأمنون فيه؛ لتعظيمكم حرم اللَّه وبيته، والناس حولكم على خوف، وأنتم تشاركون من حولكم في الدِّين، فكيف تخافون الاختطاف والاستلاب إذا دنتم بدينه واتبعتم رسوله، فإذا آمنكم بكونكم في حرم الله وتعظيمكم بيته، ودفع عنكم الاستلاب والاختطاف، فكيف تخافون ذلك إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره؟! بل الأمن والسعة إذا دنتم بدينه واتبعتم أمره أكثر وأحق؛ فكأنهم إنما تركوا اتباع دينه خوفا من الاختطاف؛ كقولهم: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) فقال لهم: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ). أو يذكر هذا لهم: أنه قد أمنكم وصرف عنكم مع عبادتكم الأصنام وصرفكم الشكر إليها عند كل مكروه وسوء بكونكم في مجاورة بيته وحرمه، فإذا صرفتم العبادة إليه وشكرتم نعمه - أحق أن يؤمنكم ويوسع عليكم نعمه ويدفع عنكم ما لم يدفع عمن حولكم، وأنتم شركاؤهم في عبادة الأصنام واتخاذهم إياها آلهة. على هذا يخرج، واللَّه أعلم. وقوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) يحتمل قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) أي: بما أوحى إليكم إبليس من الباطل تؤمنون، وهو ما أوحى إليهم: أن هَؤُلَاءِ شفعاؤكم عند اللَّه وعبادتكم إياها تقربكم إلى اللَّه زلفى؛ كقوله: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ...) الآية.

العنكبوت 29:68

وقوله: (وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) أي: بما أوحى إليكم مُحَمَّد من اللَّه تكفرون. أو أن يكون قوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) أي: بالشرك يؤمنون (وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) أي: بتوحيد اللَّه يكفرون. أو أن تكون النعمة - هاهنا - هي أن قرآن، أو ما ذكرنا، وهو مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من اللَّه يخرج على وجهين: على الخبر مرة، وعلى الإيجاب تارة والإلزام: أي: اعلموا أن ليس أحد من المفترين أظلم ممن افترى على اللَّه. وعلى الخبر: أي: قد علمتم أن ليس أحد من المفترين أظلم ممن افترى على اللَّه؛ إذ قد عرفتم بعقولكم قبح الافتراء والكذب فيما بينكم، فلا كذب ولا افتراء أوحش أو أقبح من الافتراء على اللَّه، فكيف افتريتم عليه وهو أوحش وأقبح؟!. وقوله: (أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ) يحتمل: (كَذَّبَ بِالْحَقِّ) برسول اللَّه، أو بالقرآن الذي عجزوا عن إتيان مثله، أو بالتوحيد، أو كذب بالحق الذي ظهر حقه وصدقه لما جاءه. وقوله: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) كأنه يقول: اعلم أن جهنم مثوى للكافرين؛ يذكره على التصبر على أذاهم، والتسلي له بما كان يضيق صدره لمكان تركهم الإيمان والإياس منهم. وقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) يشبه أن يكون هذا صلة قوله: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ) أي: ليس من أجهد نفسه في طلب الدنيا والعمل لها إلا لهوًا ولعبًا، وأما من أجهد نفسه لله وطلب مرضاته فهو حق وله دار الحياة التي لا موت فيها ولا انقطاع. ويشبه أن يكون على الابتداء لا على الصلة بالأول؛ يقول والذين جاهدوا أنفسهم في هواها وشهواتها وأمانيها حقيقة ابتغاء مرضات اللَّه وطلب الهداية والدِّين وسبيله (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) ذكر السبل - هاهنا - لما سبق ذكر الجماعة، يقول: الذين جاهدوا فينا لنهدينهم كلا سبيلا فيكون سبلا للكل، وأما قوله: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) أن السبل على الإطلاق على غير تقدم ذكر من الهدى، أو شيء من الإضافة إلى اللَّه - هي سبل الشيطان، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) يحتمل قوله: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) في التوفيق لهم في الإحسان والأعمال الصالحة. أو مع المحسنين في النصر لهم والمعونة لهم مع أعدائهم. أو مع المحسنين يحفظهم ويتولاهم. ثم لم يفهم أحد من الخلق من قوله: (لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) و (مَعَ الْمُتَّقِينَ) ما يفهم من الخلق وذوي الأجسام والجثات، فكيف فهم بعض الناس من قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، (وَجَاءَ رَبُّكَ)، و (يَأتِيَهُمُ اللَّهُ)، في كذا ما يفهم من استواء الخلق ومجيئهم وإتيانهم؟! ليعلم أن فهم ذلك على ما يفهم من الخلق بعيدٌ محال، واللَّه أعلم بالصواب. * * *

العنكبوت 29:69

الآية ٦٩ وقوله تعالى :﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ يشبه أن يكون هذا صلة قوله :﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب﴾ [ الآية : ٦٤ ] أي ليس من أجهد نفسه في طلب الدنيا والعمل لها إلا [ لاهيا ولاعبا ] (١) وأما من أجهد نفسه لله، وطلب مرضاته، فهو حق، وله دار الحياة التي لا موت فيها ولا انقطاع. ويشبه أن يكون على الابتداء لا على الصلة بالأول. يقول : والذين جاهدوا أنفسهم في هواها وشهواتها وأمانيها حقيقة ابتغاء مرضاة الله وطلب الهداية والدين وسبيله ﴿لنهدينهم سبلنا﴾. ذكر السبيل ههنا لما سبق ذكر الجماعة ؛ يقول : والذين جاهدوا في الله ﴿لنهدينهم سبلنا﴾ أي لنهدين كلا سبيلا، فيكون سبيلا للكل. وأما قوله :﴿ولا تتبعوا السبل﴾ [الأنعام: ١٥٣] فإن(٢) السبل على الإطلاق على [ غير ](٣) تقدم ذكر من الهدى أو شيء من الإضافة إلى الله، فهي سبيل الشيطان، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وإن الله لمع المحسنين﴾ يحتمل قوله :﴿وإن الله لمع المحسنين﴾ في التوفيق لهم في الإحسان والأعمال الصالحة، أو مع المحسنين في النصر لهم والمعونة لهم على(٤) أعدائهم، أو مع المحسنين يحفظهم، ويتولاهم. ثم لم يفهم أحد من الخلق من قوله :﴿لمع المحسنين﴾ وقوله(٥) :﴿مع المتقين﴾ [البقرة: ١٩٤] ما يفهم من الخلق وذوي الأجسام والجُثَّاتِ. كيف فهم بعض الناس من قوله :﴿ثم استوى على العرش﴾ [ الأعراف : ٥٤و. . . ] [ وقوله ](٦) :﴿وجاء ربك﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله(٧) :﴿أن يأتيهم الله في﴾ [البقرة: ٢١٠] كذا ما يفهم من استواء الخلق ومجيئهم وإتيانهم ؟ فليعلم(٨) أن فهم ذلك ما يفهم من الخلق بعيد محال، وبالله العصمة، والله أعلم. ١ في الأصل وم: لهو ولعب.. ٢ في الأصل وم: إن.. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ من م، في الأصل: على.. ٥ في الأصل وم: و.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: و.. ٨ الفاء ساقطة من الأصل وم..