Lafzullah

تأويلات أهل السنة — الروم 30:1 – السجدة 32:30

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. الروم 30:1
  2. الروم 30:4
  3. الروم 30:5
  4. الروم 30:6
  5. الروم 30:7
  6. الروم 30:8
  7. الروم 30:9
  8. الروم 30:10
  9. الروم 30:11
  10. الروم 30:12
  11. الروم 30:13
  12. الروم 30:14
  13. الروم 30:15
  14. الروم 30:16
  15. الروم 30:17
  16. الروم 30:18
  17. الروم 30:19
  18. الروم 30:20
  19. الروم 30:21
  20. الروم 30:22
  21. الروم 30:23
  22. الروم 30:24
  23. الروم 30:25
  24. الروم 30:26
  25. الروم 30:27
  26. الروم 30:28
  27. الروم 30:29
  28. الروم 30:30
  29. الروم 30:31
  30. الروم 30:32
  31. الروم 30:33
  32. الروم 30:34
  33. الروم 30:35
  34. الروم 30:36
  35. الروم 30:37
  36. الروم 30:38
  37. الروم 30:39
  38. الروم 30:40
  39. الروم 30:41
  40. الروم 30:42
  41. الروم 30:43
  42. الروم 30:44
  43. الروم 30:45
  44. الروم 30:46
  45. الروم 30:47
  46. الروم 30:48
  47. الروم 30:49
  48. الروم 30:50
  49. الروم 30:51
  50. الروم 30:52
  51. الروم 30:53
  52. الروم 30:54
  53. الروم 30:55
  54. الروم 30:56
  55. الروم 30:57
  56. الروم 30:58
  57. الروم 30:59
  58. الروم 30:60
  59. لقمان 31:1
  60. لقمان 31:2
  61. لقمان 31:3
  62. لقمان 31:4
  63. لقمان 31:5
  64. لقمان 31:6
  65. لقمان 31:7
  66. لقمان 31:8
  67. لقمان 31:9
  68. لقمان 31:10
  69. لقمان 31:11
  70. لقمان 31:12
  71. لقمان 31:13
  72. لقمان 31:14
  73. لقمان 31:15
  74. لقمان 31:16
  75. لقمان 31:17
  76. لقمان 31:18
  77. لقمان 31:19
  78. لقمان 31:20
  79. لقمان 31:21
  80. لقمان 31:22
  81. لقمان 31:23
  82. لقمان 31:24
  83. لقمان 31:25
  84. لقمان 31:26
  85. لقمان 31:27
  86. لقمان 31:28
  87. لقمان 31:29
  88. لقمان 31:30
  89. لقمان 31:31
  90. لقمان 31:32
  91. لقمان 31:33
  92. لقمان 31:34
  93. السجدة 32:1
  94. السجدة 32:2
  95. السجدة 32:3
  96. السجدة 32:4
  97. السجدة 32:5
  98. السجدة 32:6
  99. السجدة 32:7
  100. السجدة 32:8
  101. السجدة 32:9
  102. السجدة 32:10
  103. السجدة 32:11
  104. السجدة 32:12
  105. السجدة 32:13
  106. السجدة 32:14
  107. السجدة 32:15
  108. السجدة 32:16
  109. السجدة 32:17
  110. السجدة 32:18
  111. السجدة 32:19
  112. السجدة 32:20
  113. السجدة 32:21
  114. السجدة 32:22
  115. السجدة 32:23
  116. السجدة 32:24
  117. السجدة 32:25
  118. السجدة 32:26
  119. السجدة 32:27
  120. السجدة 32:28
  121. السجدة 32:29
  122. السجدة 32:30

الروم 30:1

سُورَةُ الرُّومِ كلها مَكِّيَّة وهي ستون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) وفي بعض القراءات: (غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتح الغين على المستقبل. يذكر أهل التأويل: أنه إنما يذكر هذا؛ لأن المشركين كانوا يجادلون وهم بمكة، يقولون: إن الروم أهل الكتاب وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم، فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية: (الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ...) الآية، لكن يذكر في آخره: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ)؛ فلا يحتمل فرح المؤمنين بغلبة الروم على فارس، ويسمى ذلك: نصر اللَّه وهم كفار، وغلبتهم عليهم معصية، اللهم إلا أن يكون فرحهم بما يظهر الإيمان بكتب اللَّه وتصديقها والعمل بها، وهم كانوا أهل كتاب، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان بعث مصدقًا بكتب اللَّه وبرسله أجمع، ففرحوا بذلك، فإن كان كذلك فجائز الفرح بذلك وتسميته نصر اللَّه. وأما على الوجه الذي يقولون هم فلا. وعندنا: أن في ذلك آية عظيمة في إثبات رسالة نبينا مُحَمَّد - صلوات اللَّه عليه - ونبوته وصدقه ما لم يجد الكفار فيه مطعنا، ولا النسبة إلى الكذب والافتراء، على ما قالوا وطعنوا في سائر الآيات والأنباء، كقولهم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)، ونحو ذلك من المطاعن التي طعنوا في القرآن والأنباء المتقدمة؛ حيث قالوا: (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، (مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى)، مثلها لم يجدوا فيما أخبر من غلبة الروم على فارس؛ لأنه أخبر عن غلبة ستكون وستحدث لا عن غلبة قد كانت، ومثل هذا لا يدركه البشر ولا يستفاد منهم؛ إذ لا يبلغه علم البشر ولا يدرك بالقياس بالسابق من الأمور، فإذا كان على ما أخبر دل أنه باللَّه علم ذلك، وبوحي منه إليه عرف ذلك. وهم جائز أن يستدلوا بما كان من قبل من غلبة فارس على الروم أن يقولوا: تغلب فارس على الروم بما شاهدوه مرة أو بوجوه أخر يستدلون بذلك؛ من نحو أن يقولوا: إنهم أهل كتاب وعبادة يكونون مشاغيل بالنظر فيها والعمل ببعض ما فيها لا يتفرغون للقتال والحرب. أو أن يقولوا: إنهم نصارى - أعني: أهل الروم - وليس في سنتهم ومذهبهم القتال والحرب، فيستدلون بمثل هذه الوجوه على أن لا غلبة تكون لهم ولا ظفر. وأمَّا أهل الإسلام ليس لهم شيء من تلك الوجوه ولا بغيرها وجه الاستدلال بغلبة أُولَئِكَ، فما قالوا ذلك إلا وحيًا من اللَّه إليه وإعلامًا منه إياه، فكان في ذلك أعظم آية لصدق رسوله وأكبرها فيكون فرح المؤمنين وذكر نصر اللَّه بإظهار تلك الآية في تصديق رسوله؛ إذ نصر رسوله حيث أظهر صدقه ورسالته. وقوله: (غُلِبَتِ) و (غَلَبَت): (غُلِبَتِ) على الماضي؛ لما كان من غلبة فارس على الروم، و (غَلَبَت) بالفتح على المستقبل؛ أي: تغلب الروم على فارس، وهو كقوله: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)، على الأمر في المستقبل، (بَاعَدَ بين أسفارنا) على الخبر، فعلى ذلك الأول. وقوله: (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) قيل: أقرب إلى أرض فارس. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَدْنَى الْأَرْضِ) أي: أدنى أرض الشام. وقيل: الأرض التي تلي فارس، واللَّه أعلم. وفي قوله: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) وفي قوله: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) وجوه على المعتزلة: أحدها: يقال لهم: وعد أن يغلب الروم على فارس، وقد أراد أن يخرج ما وعد حقًا صدقًا أم لا؟ فإن قالوا: لا، فقد أعظموا القول وأفحشوه؛ حيث زعموا أنه أراد ألا يفي بما وعد أنه يكون. وإن قالوا: نعم، قيل: دل أنه أراد ما فعلوا، وإن كان الفعل منهم فعل معصية وخلاف؛ إذ محاربة كل فريق أصحابهم معصية؛ إذ لم يؤمروا بذلك، وانما أمروا بالإسلام، فدل أن اللَّه مريد لما يعلم أنه يكون منهم، وإن كان ما يكون منهم معصية. والثاني: ما أخبر بفرح المؤمنين بغلبة هَؤُلَاءِ على أُولَئِكَ أيّ جهة كان فرحهم لإثبات آية عظيمة على رسالة نبيهم ونبوته؛ على ما ذكرنا أولا أنهم كانوا أهل كتب اللَّه ودراستها أحبوا غلبتهم عليهم، وفرحوا بذلك، ولا يحتمل أن يفرحوا بذلك ولم يأمرهم بذلك، ولا أراد منهم ذلك دل أنهم إنما فرحوا بذلك لما أراد ذلك. والثالث: في قوله: (بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ) دلالة: أن لله في فعل العباد صنعًا وتدبيرًا حيث ذكر فعل بعضهم على بعض، ثم سمّى: نصر اللَّه؛ دل أن له في ذلك تدبيرًا. وقوله: (فِي بِضْعِ سِنِينَ) قيل: البضع: سبع. وقيل: ما دون العشر فهو بضع، وكذلك ذكر في الخبر أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما خاطر المشركين وبايعهم في ذلك بخطر في سنين ذكرها، فمضت تلك المدة ولم تغلب الروم على فارس، فقال رسول اللَّه على لأبي بكر: " أما علمت أن ما دون العشر بضع كله، فزد في الأجل، وزد في الخطر "، ففعل ذلك، فلم تمض تلك السنون حتى ظهرت الروم على فارس. وفي بعض الحديث قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لم تكونوا أن تؤجلوا أجلا دون العشر؛ فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزيدوهم ومادوهم في الأجل " ففعلوا حتى ظهرت الروم على فارس... فذكر الحديث. ثم المسألة في المخاطرة التي كانت بين أبي بكر وبين أُولَئِكَ الكفرة: أحدها: أن مكة كانت يومئذ دار حرب؛ دليله: قوله: (وَإِذْ يَمكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُوا...) الآية، وذلك كان قبل الهجرة، وما أمر بالهجرة -أيضًا- إلى المدينة، ونحوه كثير، وذلك كان كله قبل غلبة الروم على فارس، فإذا كانت مكة يومئذ دار حرب

الروم 30:4

الآية ٤ وقوله تعالى :﴿في بضع سنين﴾ قيل : البضع سبع، وقيل : ما دون العشر فهو بضع. وكذلك ذكر في الخبر أن أبا بكر رضي الله عنه لما خاطر المشركين، وبايعهم في ذلك خطر(١) في سنين ذكرها، فمضت تلك المدة، ولم تغلب الروم على فارس. فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر( أما علمت أن ما دون العشر بضع كله، فزد في الأجل، وزد في الخطر ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره ٢١/١٨ ] ففعل ذلك. فلم تمض تلك السِّنونَ حتى ظهرت الروم على فارس. وفي بعض الحديث [ أنه ] (٢) قال رسول ﷺ :( ألم تكونوا أحقاء أن تؤجلوا أجلا دون العشر، فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزايدوهم [ في القمار ](٣) ومادّوهم في الأجل ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره : ٢١/١٩ ] ففعلوا حتى ظهرت الروم على فارس. ثم المسالة في المخاطرة التي كانت بين أبي بكر وبين أولئك الكفرة [ تخرّج على وجهين : أحدهما ] (٤) : أن مكة كانت يومئذ دار حرب. دليله قوله :﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية [الأنفال: ٣٠]. وذلك كان قبل الهجرة. أما أمر بالهجرة أيضا إلى المدينة، ونحوه كثير. وذلك كان كله قبل غلبة الروم على فارس. فإذا كانت مكة يومئذ دار حرب جازت المخاطرة بالعقود في دار الحرب في ما بينهم وبين أهل الحرب، وإن كان مثلها في دار الإسلام غير جائز. وهذا يدل لأبي حنيفة، رحمه الله، في إجازته عقد الربا في دار الحرب في ما بينهم وبين أهل الإسلام، وإن كان مثله في دار الإسلام غير جائز. والثاني : جاز ذلك يومئذ، وإن كانت فيه جهالة أسنان الإبل. والجهالة في العقود إنما تبطل العقود لخوف وقوع التنازع بينهم في أمثالهم، لا يتوهم وقوعه إن كانوا أهل شرف وكرم وأهل جود لا ينازعوا في أمثالها. فإذا كان التنازع في مثلها مرتفعا من بينهم جاز ذلك أن يكون التنازع بينهم في الدين. فأما في الأموال فقلما يقع لما ذكرنا. ومنهم من يقول : كان جائزا ذلك في الجاهلية. فأما اليوم فقد جاء النهي عن القمار فنسخه. وإنما عرف النهي عن الميسر، والميسر هو القمار فيكون النهي عن الشيء نهيا عما هو في معناه، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ قال بعضهم :﴿لله الأمر من قبل﴾ قبل غلبة فارس على الروم ﴿ومن بعد﴾ بعد غلبة فارس على الروم. ويقال :﴿لله الأمر من قبل﴾ حين ظهرت الفارس على الروم ﴿ومن بعد﴾ بعدما ظهرت الروم [ على فارس. وجائز ](٥) أن يكون قوله :﴿لله الأمر﴾ في خلقه، أي التدبير فيه وله الأمر فيهم، أي ليس لأحد في الخلق أمر ولا تدبير، وإنما ذلك له كقوله :﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤] له التدبير فيهم والأمر. وفي قراءة من قرأ :﴿غلبت الروم﴾ غَلبت بالنصب يكون قوله :﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ حين يتظاهر عليهم المسلمون في آخر الزمان حين تفتح قسطنطينية. وفي حرف ابن مسعود وحفصة : في بعض سنين قريبا. ١ في الأصل وم: يخطر.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ في الأصل وم: أحدها.. ٥ من م، ساقطة من الأصل..

الروم 30:5

جازت المخاطرة في العقول في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الحرب، وإن كان مثلها في دار الإسلام غير جائز، وهذا يدل لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - في إجازته عقد الربا في دار الحرب فيما بينهم وبين أهل الإسلام، وإن كان مثله في دار الإسلام غير جائز. والثاني: جاز ذلك يومئذ وإن كانت فيه جهالة أسنان الإبل، والجهالة في العقود إنما تبطل العقود، لخوف وقوع التنازع بينهم في الدِّين، فأما في الأموال فقلما يقع؛ لما ذكرنا. ومنهم من يقول: كان جائزا ذلك في الجاهلية، فأمَّا اليوم فقد جاء النهي عن القمار فنسخه، وإنما عرف النهي عن الميسر، والميسر هو القمار؛ فيكون النهي عن الشيء نهيًا عما هو في معناه، واللَّه أعلم. وقوله: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ). قَالَ بَعْضُهُمْ: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ) غلبة فارس الروم (وَمِنْ بَعْدُ) غلبة الروم فارس. ويقال: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ) وحين ظهرت فارس على الروم (وَمِنْ بَعْدُ) ما ظهرت الروم على فارس. وجائز أن يكون قوله: (لِلَّهِ الْأَمْرُ) في خلقه؛ أي: التدبير فيه، وله الأمر فيهم؛ أي: ليس لأحد في الخلق أمر ولا تدبير، وإنما ذلك له؛ كقوله: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ): له التدبير فيهم والأمر. وفي قراءة من قرأ (غَلَبَتِ الرُّومُ) بالنصب يكون قوله: (وهم من بعد غلبهم سَيُغْلَبُونَ) حين تظاهر عليهم المسلمون في آخر الزمان حين تفتح قسطنطينية. وفي حرف ابن مسعود وحفصة: (في بعض سنين قريبًا). وقوله: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ... (٥) فَرَحُ المؤمنين بنصر اللَّه حيث نصر رسوله بإظهار ألاية له في إثبات الرسالة والنبوة وصدقه، وذلك النصر له، وما يقول بعض أهل التأويل: نصر الروم على فارس - بعيد؛ لأن ما كان الفعل فعل معصية لا يقال: نصر اللَّه، وإنما يقال ذلك فيما كان الفعل فعل طاعة، والوجه فيه ما ذكرنا: أنه نصر رسوله بما ذكرنا. وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ذكر العزيز على إثر ما سبق؛ لأنه عزيز بذاته، فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب وهنًا ولا نقصًا في ملكه وسلطانه، ليس كهلاك بعض عبيد

الروم 30:6

ملوك الأرض وأتباعه وحشمه؛ لأن ملوك الأرض أعزاء بهم، فإذا هلك ذلك ذهب عزهم، فأمَّا اللَّه - سبحانه وتعالى - إذ هو عزيز بذاته لا بشيء، فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب نقصًا لذلك فيه. وقوله: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) إنما يكون خلف الوعد في الشاهد لإحدى خصال ثلاث: إما لندامة استقبلته فيما وعد فتمنعه تلك الندامة عن إنجاز ما وعد، وحفظ الوفاء له. وإما لحاجة وقعت له فيما وعد فتمنعه تلك الحاجة عن وفاء ما وعد وإنجاز ما يطمع. وإما لعجز يكون به لا يقدر على إنجاز ما وعد، فيحمله عجزه عن وفاء ما وعد وإنجازه، فإذا كان اللَّه - سبحانه - يتعالى عن الوجوه التي ذكرنا فإن ما وعد لم يحتمل الخلف منه، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يحتمل قوله: (لَا يعْلَمُونَ) لما لم ينظروا ولم يتفكروا في الأسباب التي هي أسباب العلم بعدما أعطاهم أسباب العلم، لكنهم إذا تركوا النظر في الأسباب والتفكر فيها لم يعلموا، فلم يعذروا بذلك لتركهم النظر والتفكر فيها. ويحتمل قوله: (لَا يَعْلَمُونَ) أي: لا ينتفعون بما علموا، فنفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا بهذه الحواس وإن كانت لهم هذه الحواس. وقوله: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) يحتمل قوله: ظاهر الأشياء في المنافع، ولا يعلمون باطن المنافع بم؟ وكيف؟ نحو ما يعلم أن الماء به حياة الأشياء، ويعلمون أن بالطعام قوام الأبدان، ولكن لا يعلمون قدر منفعته وكيفيته وما في سرية ذلك من المنافع، وكذلك السمع والبصر واللسان لا يعلم حقيقة ذلك وكيفيته، وإن كان يعلم أنه بها يسمع ويبصر ويتكلم ويفهم. وجائز أن يكون قوله: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا): منافع الحياة الدنيا، وعن منافع الآخرة هم غافلون، وإنَّمَا أنشئت منافع الدنيا لا لتكون لها، ولكن ليعلموا بها منافع الآخرة. وابن عَبَّاسٍ والكلبي وهَؤُلَاءِ يقولون: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) قالوا: يعلمون معايشهم، وتجاراتهم، وحرفهم، وجميع الأسباب والمكاسب والحيل التي بها تقوم أمور دنياهم (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) أي: لا يؤمنون بها، واللَّه أعلم.

الروم 30:7

الآية ٧ وقوله تعالى :﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون﴾ يحتمل قوله :﴿ظاهرا﴾ الأشياء في المنافع، ولا يعلمون باطن المنافع بم ؟ وكيف ؟ نحو ما يعلم أن الماء به حياة الأشياء ويعلمون أن بالطعام قوام الأبدان، ولكن لا يعلمون قدر منفعته وكيفيته وما في سرية ذلك من المنافع. وكذلك السمع والبصر واللسان، لا تعلم حقيقة ذلك وكيفيته، وإن كان يعلم أن بها يسمع، ويبصر، ويتكلم، ويفهم. وجائز أن يكون قوله :﴿يعلمون ظاهرا﴾ منافع ﴿الحياة الدنيا وهم﴾ عن منافع ﴿الآخرة هم غافلون﴾ وإنما أنشئت منافع الدنيا لا لتكون لها، ولكن ليعلموا بها منافع الآخرة. وابن عباس والكلبي وهؤلاء يقولون :﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا﴾ قالوا : يعلمون معايشهم وتجارتهم وحرفهم وجميع الأسباب والمكاسب والحيل التي بها تقوم أمور دنياهم ﴿وهم عن الآخرة هم غافلون﴾ أي لا يؤمنون بها، والله أعلم.

الروم 30:8

قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) وقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) قد ذكرنا في غير موضع أن كل استفهام من اللَّه وسؤال يخرج على الإيجاب والإلزام؛ ثم الإيجاب يخرج على وجوه: أحدها: أن قد تفكروا ونظروا واعتبروا وعرفوا أنه ما خلق اللَّه السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، لكنهم عاندوا، وكابروا، ولم ينقادوا، ولم يقروا. والثاني: يخرج على الأمر؛ أي: تفكروا وانظروا واعتبروا؛ لتعلموا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق. والثالث: على الخبر أنهم لم يتفكروا، ولم ينظروا، ولم يعتبروا، ولو تفكروا واعتبروا لعلموا أنه ما خلق اللَّه السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، لكنهم لم يتفكروا، ولم ينظروا بعدما أعطوا أسباب العلم به، فلم يعذروا بترك التفكر والنظر والاعتبار. وعلى هذه الوجوه الثلاثة يخرج قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) ونظروا، وعلموا ما حل بالمكذبين بالتكذيب، وما صار عاقبة أمرهم. أو سيروا في الأرض على الأمر؛ لتعرفوا ما أصاب أُولَئِكَ بالتكذيب. أولم يسيروا في الأرض - على ما ذكرنا - لئلا يعلموا عاقبة أُولَئِكَ. ثم قوله: (إِلَّا بِالْحَقِّ) قيل فيه بوجوه: أحدها: أن ما خلق اللَّه السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي عليهم من الشكر له فيما أنعم عليهم، والتعظيم له والتجيل. والثاني: (إِلَّا بِالْحَقِّ) الذي لله عليهم من الشكر له فيما عليهم؛ أي: ما يحمد بفعله

الروم 30:9

عاقبة ما لولا تلك العاقبة لكان لا يحمد؛ إذ في الحكمة التفريق بين الولي والعدو، وقد أشركهم جميعًا في هذه الدنيا بين الولي والعدو، ولو لم يجعل دارًا أخرى يفرق فيها بينهما لكان لا يحمد فيما أشركهم فيها. والثالث: (إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: بالبعث؛ لأنه لو لم يكن البعث لكان خلقه السماوات والأرض وما بينهما لعبًا باطلا لا حقًّا، كقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا). وقوله: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) سمى البعث: لقاء الرب، والمصير إليه والرجوع إليه، والبروز إليه، والخروج، وإن كانوا في الأوقات كلها بارزين له، خارجين، صائرين إليه، راجعين؛ لأن خلقه إياهم إنما صار حكمة لذلك البعث، والمقصود بخلقهم ذلك البعث؛ لذلك سمي البعث بما ذكرنا. وقوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ). وقوله: (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا) يذكر أهل مكة ويوبخهم في تكذيبهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وسوء معاملتهم إياه بما ذكر من القرون الماضيهَ أنهم مع شدتهم، وقوتهم، وبطشهم، وكثرة أتباعهم وحواشيهم وأموالهم، وطول أعمارهم وبنيانهم - لم يتهيأ لهم الانتصار والامتناع عن عذاب اللَّه إذا حل بهم بتكذيبهم الرسل؛ فأنتم يا أهل مكة دونهم في القسوة والبطش والحواشي والأتباع، فكيف يتهيأ لكم الانتصار والامتناع من عذاب اللَّه إذا كذبتم الرسول، واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وجائز أن يكون على التقديم والتأخير، (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى) مقدمًا على قوله: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) يقول: ما حل بهم من العذاب وعذبوا في هذه الدنيا بتكذيبهم، لم يظلمهم اللَّه، ولكن ظلموا أنفسهم بما أساءوا. ويحتمل أن يكون قوله: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) في تعذيبهم في الدنيا (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ثم يكون قوله: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى) في الدنيا (السُّوأَى) في الآخرة في النار، فيكون في الدنيا ما عذبوا في الدنيا عذاب عناد ومكابرة، وما يعذبون في الآخرة تعذيب كفر وتكذيب، وهو ما قال: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَثَارُوا الْأَرْضَ) أي: كربوا الأرض وعمروها أكثر مما عمرها

الروم 30:10

قومك يا مُحَمَّد؛ أي: بقوا فيها أكثر مما بقي فيها الذين أرسلت إليهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: عاشوا يعمرون الأرض أكثر مما عمرها أهل مكة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: عمروها: عملوا بها أكثر مما عمل هَؤُلَاءِ. وبعضه قريب من بعض. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَأَثَارُوا الْأَرْضَ) أي: حرثوها. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: أثاروا: أي: قلبوها للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة، وقال اللَّه - تعالى -: (لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ). وقوله: (أَسَاءُوا السُّوأَى) أي: جهنم. وكذلك قال الكسائي: (السُّوأَى): هي النار؛ كقوله: (وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ) أي: كان عاقبتهم النار بما كذبوا بآيات الله واستهزءوا بها. وقوله: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ (١٠) يحتمل قوله: أساءوا إلى الرسل بالتكذيب وأنواع الأذى. ويحتمل: أساءوا إلى أنفسهم؛ حيث أهلكوها وأوقعوها في النار. و (السُّوأَى): اسم من أسماء النار: كالعسرى، والهاوية، ونحوهما، واليسرى والحسنى اسمان من أسماء الجنة. وقوله: (أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) يذكر أهل مكة ويخوفهم أن ما حل بأُولَئِكَ القرون الماضية من الإهلاك والاستئصال إنما كان بتكذيب الآيات والاسثهزا - بها في هذه الدنيا، فأنتم يا أهل مكة إذا كذبتم الآيات والحجج واستهزأتم بها يصيبكم ما أصاب أُولَئِكَ بالتكذيب. والآيات: يحتمل: حجج التوحيد وحجج الرسل في إثبات الرسالة أو آيات البعث. وقوله: (وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ) يحتمل بالآيات التي ذكرنا، أو ما أوعدهم الرسل من العذاب والإهلاك، فاستهزءوا بذلك. وقوله: (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) هذا في الظاهر دعوى، لكنه قد بين فيما تقدم من الآيات ما يلزمهم الإعادة والإحياء من (١) (١) في نهاية هذه الصفحة يوجد مقطع مكرر في بداية الصفحة التالية تم حذفه. (مصحح النسخة الإلكترونية).

الروم 30:11

الآية ١١ وقوله تعالى :﴿الله يبدئ الخلق ثم يعيده﴾ هذا في الظاهر دعوى، لكنه قد بين في ما تقدم من الآيات ما يلزمهم بالإعادة(١) والإحياء من بعد الموت حين(٢) قال :﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ الآية [الروم: ٨]. وفي قوله تعالى :﴿أو لم يسيروا في الأرض﴾ وغيره(٣) من الآيات ما ألزمهم من الآيات أنه لو لم يكن له إعادة وبعث كان خلقهم عبثا باطلا خارجا عن الحكمة. والقدرة في ابتداء الإنشاء، إن لم تكن أكثر فلا تكون دون الإعادة. فمن ملك، وقدر على الابتداء كان على الإعادة أقدر ؛ إذ إعادة الشيء عندكم أهون وأيسر من ابتداء الإنشاء على ما ذكر(٤) في قوله :﴿وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. وقوله تعالى :﴿ثم إليه ترجعون﴾ ذكر الإعادة والإحياء بعد الموت والرجوع إليه لما ذكرنا أن المقصود في خلقهم في هذه الدنيا الإعادة والإحياء. لذلك سمى الإعادة الرجوع إليه والمصير والبروز له، وإن كانوا في جميع الأحوال صائرين إليه راجعين بارزين له خارجين. ١ الباء ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: حيث.. ٣ في الأصل وم: وغيرها.. ٤ من م، في الأصل: ذكرتم..

الروم 30:12

بعد الموت؛ حيث قال: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ...) الآية. وفي قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) وغيرها من الآيات ما ألزمهم من الآيات أنه لو لم يكن له إعادة وبعث كان خلقهم عبثًا باطلا، خارجًا عن الحكمة، والقدرة في ابتداء الإنشاء، إن لم تكن أكثر لا تكون دون الإعادة، فمن ملك وقدر على الابتداء كان على الإعادة أقدر؛ إذ إعادة الشيء عندكم أهون وأيسر من ابتداء إنشائه، على ما ذكر في قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ). وقوله: (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ذكر الإعادة والإحياء بعد الموت والرجوع إليه؛ لما ذكرنا أن المقصود في خلقهم في هذه الدنيا الإعادة والإحياء؛ لذلك سمى الإعادة: الرجوع إليه والمصير والبروز له، وإن كانوا في جميع الأحوال صائرين إليه، راجعين، بارزين له، خارجين. وقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: الإبلاس: هو الإياس. مبلسون: أي: يائسون في الآخرة عما كانوا يطمعون بعبادتهم تلك الأصنام والأوئان في هذه الدنيا؛ حيمث قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقالوا: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤنَا عَندَ اللَّهِ) ونحوه؛ يقول: يائسون في الآخرة عما طمعوا بعبادتهم في الدنيا حين شهدوا عليهم، وكفروا بهم، وجعلوا يلعنون عليهم، ويتبرءون منهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يائسون من كل خير. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإبلاس: هو الفضيحة أي: يفتضحون بما عملوا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المبلس: كل منقطع رجاؤه ساكت كالمتحير في أمره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أن مبلس: كل آيس حزين. وقوله - تعالى -: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ... (١٣) هو ما ذكرنا: أن الأصنام التي عبدوها وسموها: آلهة لا تشفع لهم (وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ) يحتمل هذا وجهين: أي: الأصنام بهم كافرون. أو هم يكفرون بالأصنام إذا لم يشفعوا لهم وصاروا شهداء عليهم. أو كل يكفر بصاحبه؛ كقوله: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ

الروم 30:13

الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء﴾ هو ما ذكرنا أن الأصنام التي عبدوها، وسموها آلهة، لا تشفع لهم ﴿وكانوا بشركائهم كافرين﴾ يحتمل هذا [ وجوها : أحدها ] (١) : أي الأصنام بهم كافرون. [ والثاني ](٢) : هم يكفرون بالأصنام إذا لم يشفعوا لهم، وصاروا شهداء عليهم. [ والثالث ](٣) : كل يكفر بصاحبه كقوله :﴿يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا﴾ [العنكبوت: ٢٥] والله أعلم. ١ في الأصل وم: وجهين إحداهما.. ٢ في الأصل وم: و.. ٣ في الأصل وم: أو..

الروم 30:14

بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) سمى اللَّه - تعالى - ذلك اليوم: يوم الجمع بقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ)، وسمي: يوم الافتراق، فهو يوم الجمع في أول ما يبعثون ويحشرون، ثم يفرق بينهم تفريقًا لا اجتماع بينهم أبدًا؛ كقوله: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، فهو يوم الجمع في حال ووقت، ويوم الافتراق في حال ووقت آخر، وبعض أهل التأويل يقولون: قوله: (يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، بعدما كانوا مجتمعين في الدنيا، وهو ما ذكر في آية أخرى: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...) الآية؛ فهذا تفرقهم على قول بعضهم، والوجه فيه ما ذكرنا بدءًا، واللَّه أعلم. وقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) آمنوا بكل ما أمروا أن يؤمنوا به، وعملوا بكل ما أمروا أن يعملوا (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) والروضة كأنها اسم من أسماء الجنان. وقوله: (يُحْبَرُونَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: يكرمون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يحبرون: يسرون، والحبرة: السرور، ومنه يقال: " كل حبرة يتبعها عبرة ". والزجاج يقول: يحبرون: يتنعمون، والحبرة: النعمة الحسنة، واللَّه أعلم بذلك. وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) أي: جحدوا توحيد اللَّه وأنكروه (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) يحتمل: (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا): آيات التوحيد، وآيات الرسالة، وآيات البعث (فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) أي: يحضر الأتباع والمتبوع جميعًا في النار ويجمع بينهم، كقوله: قوله تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا...) الآية، وقوله: (فَبِئْسَ الْقَرِينُ)، و (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ). * * * قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ

الروم 30:15

الآية ١٥ وقوله تعالى :﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ آمنوا بكل ما أمروا أن يؤمنوا به، وعملوا بكل ما أمروا أن يعملوا ﴿فهم في روضة يحبرون﴾ والروضة كأنها اسم من أسماء الجنان. وقوله تعالى :﴿يحبرون﴾ قال بعضهم : يكرمون، وقال بعضهم :﴿يحبرون﴾ يسرّون. والحبرة السرور، ومنه يقال : كل حبرة يتبعها عبرة. والزجاج يقول :﴿يحبرون﴾ يتنعمون، والحبرة النعمة الحسنة، والله أعلم بذلك.

الروم 30:16

الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿وأما الذين كفروا﴾ أي جحدوا توحيد الله، وأنكروه ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ يحتمل : كذبوا بآياتنا [ آيات ](١) التوحيد وآيات الرسالة وآيات البعث ﴿فأولئك في العذاب محضرون﴾ أي يحضر الأتباع والمتبوع جميعا في النار، ويجمع بينهم كقوله :﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ الآية [الصافات: ٢٢] وقوله :﴿فبئس القرين﴾ ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [ الزخرف : ٣٨و ٣٩ ]. ١ من م، ساقطة من الأصل..

الروم 30:17

آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وقوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) قوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ) فهمت الأمة من قوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ): الصلاة؛ أي: صلوا لله، ولو كانت أفهام أهل زماننا هذا لكانوا لا يفهمون سوى التسبيح المذكور. ثم يحتمل ثسميتهم التسبيح: صلاة، وفهمهم منه ذلك لوجهين: أحدهما: لما في الصلاة تسبيح، فسموها بذلك؛ لما فيها ذلك. أو لما أن التسبيح تنزيه، والصلاة من أولها إلى آخرها تنزيه الربّ؛ لأن فيها إظهار الحاجات إليه والعجز والضعف، وفيها تعظيم الرب وإجلاله، ووصفه بالجلال والرفعة، فقهموا من التسيح الصلاة؛ لما ذكرنا؛ لما هي تنزيه للرب من أولها إلى آخرها. ثم منهم من قال: إن الصلوات الخمس ذكرت في هذه الآية بقوله: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ): صلوات المغرب والعشاء الآخرة (وَحِينَ تُصْبِحُونَ): صلاة الفجر (وَعَشِيًّا) صلاة العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر. ومنهم من يقول: لا؛ بل ذكرت فيها أربع صدوات: حِينَ تُمْسُونَ): المغرب (وَحِينَ تُصْبِحُونَ): الفجر (وَعَشِيًّا): العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ): الظهر، وأمَّا العشاء الآخرة ففي قوله: (وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يحتمل قوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ) على التقديم والتأخير يقول: سُبْحَانَ اللَّهِ وله الحمد؛ فيكون الحمد كناية عن الصلاة كالتسبيح. أو لما فيها من التحميد. أو يقول له يحمد أهل السماوات والأرض، واللَّه أعلم. وقوله: (حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) (وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) أي: إذا دخلوا في المساء والعشاء والصبح والظهر. وقوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) يخبر عن قدرته في إنشاء الأشياء مبتدئًا، لا من أصل؛ لأنه قال: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) والميت ليس فيه الحياة، وكذلك

الروم 30:18

الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿وله الحمد في السماوات والأرض﴾ يحتمل قوله :﴿وله الحمد﴾ على التقديم ؛ يقول : سبحان الله، ﴿وله الحمد﴾ فيكون الحمد كناية عن الصلاة كالتسبيح لما فيها من التحميد، أو يقول : له يحمد أهل السماوات والأرض(١) : جين يمسون وحين يصبحون وحين يظهرون، أي إذا دخلوا في المساء والعشاء والصبح والظهر. ١ أدرج قبلها في الأصل: وقوله..

الروم 30:19

الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ يخبر عن قدرته في إنشاء الأشياء مبتدئا لا من أصل، لأنه قال :﴿يخرج الحي من الميت﴾ والميت ليس فيه حياة، وكذلك ﴿الميت من الحي﴾ وليس في الحي موت. ولكنه يخرج هذا من هذا على ابتداء الحياة فيه وابتداء الموت فيه من غير أن كان فيه ما ذكر. ثم اختلف فيه أهل التأويل : قال بعضهم : يخرج الناس والدواب والطير من النطف ﴿ويخرج الميت﴾ يعني النطف ﴿من الحي﴾ من الناس والدواب والطير. وقال بعضهم :﴿يخرج الحي من الميت﴾ أي المسلم من الكافر ﴿ويخرج الميت من الحي﴾ أي الكافر من المسلم. ولكن يجيء على هذا أن يقول : يخرج من المسلم ما لا يكون كافرا ومن الكافر ما لم يصر مسلما، لأن ما يخرج لا يوصف بالإسلام ولا بالكفر، ولا ينسب إلى واحد منهما وقت الخروج حتى يبلغ، فيكون منه فعل الكفر أو فعل الإسلام. وقد ذكرنا هذا في ما تقدم. وفي الآيات التي تقدم ذكرها من نحو قوله :﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ الآية وقوله :﴿أو لم يسيروا في الأرض﴾ الآية [ الروم : ٨ و ٩ ] وأمثال ذلك ما يذكر، ويخبر أولئك الكفرة عن قدرته وسلطانه، وألزمهم ذلك. وفي الآية نقض قول المعتزلة لأنهم لا يجعلون القدرة على فعل بعوضة، فلا يكون لهم الاحتجاج على أولئك الكفرة في القدرة على الإعادة والإنشاء بعد ما صاروا رمادا، أو كلام نحو هذا. وقوله تعالى :﴿وكذلك تخرجون﴾ أي كذلك تبعثون، وتحيون، كما أخرج الحي من الميت والميت من الحي من غير أن كانت الحياة في الميت والموت في الحي، والله أعلم.

الروم 30:20

الميت من الحي، وليس في الحي موت، ولكنه يخرج هذا من هذا على ابتداء الحياة فيه، وابتداء الموت فيه من غير أن كان فيه ما ذكر. ثم اختلف فيه أهل التأويل: قَالَ بَعْضُهُمْ: يخرج الناس والدواب والطير من النطف، (وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ) يعني: النطف (مِنَ الْحَيِّ) من الناس والدواب والطير. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) أي: المسلم من الكافر (وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) أي: الكافر من المسلم. ولكن يجيء على هذا أن يقول: يخرج من المسلم ما يكون كافرًا، ومن الكافر ما يصير مسلمًا؛ لأن ما يخرج لا يوصف بالإسلام، ولا بالكفر، ولا ينسب إلى واحد منهما وقت الخروج حتى يبلغ فيكون منه فعل الكفر أو فعل الإسلام، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وفي الآيات التي تقدم ذكرها؛ من نحو قوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ...) الآية، وقوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ...) الآية، وأمثال ذلك مما يذكر ويخبر أُولَئِكَ الكفرة عن قدرته وسلطانه، وألزمهم ذلك. وفي الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يملكون القدرة على فعل بعوضة، فلا يكون لهم الاحتجاج على أُولَئِكَ الكفرة في القدرة على الإعادة والإنشاء بعد ما صاروا رمادًا، أو كلام نحو هذا. وقوله: (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) أي: كذلك تبعثون وتحيون، كما أخرج الحيّ من الميت والميت من الحيّ، من غير أن كانت الحياة في الميت والموت في الحي، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) يحتمل: آيات وحدانيته وربوبيته وحججه، وآيات بعثه وإحيائه، وآيات رسالة الرسل، ونحوه. وقوله: (أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) ويخرخ على وجوه: أحدها: نسب خلقنا إلى التراب؛ لأنا إنما خلقنا من أصل، خلق ذلك الأصل من التراب، وهو آدم، وإن لم تكن أنفسنا مخلوقة من تراب حقيقة، كما نسب خلقنا إلى النطفة وإن لم يخلق أنفسنا كما هي من النطفة، لكنه أضاف ذلك ونسب إلى النطفة؛ لما هي أصل ما خلقنا منها. والثاني: نسبنا إلى التراب؛ لما جعل أغذيتنا وما به قوام أنفسنا وأبداننا في الخارج من

الروم 30:21

التراب، فإنما هو إخبار عما به قوام أنفسنا وأبداننا، وإن لم نخلق من التراب من الأصل، فيخبر - واللَّه أعلم -: أنكم لا تصورون خلق الجسم إن لم تشاهدوا تلك الطينة التي منها تتكون الأجسام بعد مشاهدة طينتها، ومعاينتكم إياها، ورأيتم القدرة له على خلقها قبل أن تشاهدوا طينتها. والثالث: نسب خلقنا إلى التراب، وهو آدم؛ على ما ذكرنا، إلا أن قوله: (خَلَقَكُمْ) أي: قدركم من ذلك الأصل، والتخليق: هو التقدير في اللغة، وذلك جائز في اللغة، وإنما قدرنا على تقدير ذلك الأصل، وذلك جائز نسبتنا وإضافتنا إلى التراب، إن صح ما ذكر في بعض الأخبار ذكر: " أن ملكًا يأتي بكف من تراب، فيذره في تلك النطفة في رحم المرأة، فيخلق منه حينئذ الولد "، فإن صح هذا فيكون خلق جميع الناس وأصلهم من تراب. وقوله: (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) أي: ثم إذا أنتم ذريته من بعده بشر تنبسطون؛ كقوله: (وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ)، أي: يبسط. أو (تَنْتَشِرُونَ)، أي: تتفرقون في حوائجكم، وفي طلب أغذيتكم، وما به قوام أنفسكم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) أي: من أجناسكم وأشكالكم (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) يقول: إنما جعل ما تسكنون إليه وتتألفون من جنسكم وشكلكم ما تعرفون، لم يجعل في غير جنسكم وشكلكم ما تعرفون؛ كقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ)، أي: من جنسكم وشكلكم من تعرفون صدقه وثقته وأمانته ما لو كان من غير جنسكم وشكلكم لا تعرفونه؛ فعلى ذلك جائز قوله: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) أي: من جنسكم ما تسكنون إليها، وتستأنسون بها ما لو كانوا من غير جنسهم لا يكون ذلك؛ إذ يستأنس كل ذي شكل بشكله وجنسه. والثاني: ما ذكرنا أنه أراد آدم وحواء؛ أي: خلق زوجته حؤاء من نفسه، فجعلها له سكنًا يسكن إليها، وششأنس بها، واللَّه أعلم. وقوله: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ) أي: بينكم وبين الأزواج (مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) يحتمل قوله: (مَوَدَّةً) وجهين: أحدهما: يودها؛ لما جعل له موضعًا لقضاء شهوته وحاجته، وكذلك هي توده

الروم 30:22

لذلك، (وَرَحْمَةً) أي: يرحم بعضهم بعضًا، ويتحنن إليه، إذا نزل بواحد منهما ما يمنع قضاء الشهوة والحاجة. والثاني: يود بعضهم بعضًا ويرحم بالطبع والخلقة؛ إذ كل ذي طبع يود شكله وجنسه إذا كان في حال السعة والرخاء والسرور، ويرحمه إذا نزل به البلاء والشدة؛ هذا معروف عند الناس أن يتراحم بعضهم على بعض في حال نزول البلاء والشدة، وتوادهم في حال السعة والسرور. وقال الحسن: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً) أي: الجماع (وَرَحْمَةً) أي: الولد. فكيفما كان فهو يخبر عن لطفه ومنته؛ حيث جعل بين الزوج والزوجة المودة والرحمة على عدم القرابة والرحم، وبعد ما بينهما؛ فصارا لما ذكرنا في المودة والرحمة كالقريبين وذَوَي الرحمين وأقرب القريب، وذلك على المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه (جَعَلَ): بينهم مودة ورحمة، وذلك فعل الزوجين في الظاهر، ثم أضاف ذلك إلى نفسه، وأخبر أنه (جَعَلَ) دل أن له صنعًا في ذلك؛ فيبطل قولهم: إن ليس لله صنع في فعل العباد، ويبطل اللطف الذي ذكر أنه جعل بينهم. وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) لما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات البعث والنشور، أو آيات الرسالة والنبوة (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لقوم ينتفعون، وهم المؤمنون، أو (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ويتدبرون ويعتبرون، فيعرفون، فأما من لا يتفكر ولا يتدبر فلا ينتفع به، فهو ليس بآيات له، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) آيات وحداتيته وربوبيته وألوهيته، وآيات بعثه. وقوله: (خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) في خلق السماوات ورفعها في الهواء وإقرارها فيه آية؛ لأنه غير موهوم مثله من فعل الخلق وقدرتهم، وهكذا خلق الأرض وبسطها وإقرارها على الماء، أو على الريح خارج عن فعل الخلق ومن قدرتهم، غير موهوم ذلك في أوهامهم وعقولهم من غير الواحد العالم القادر بذاته، فإذا كان ما ذكر غير موهوم في أوهامهم وعقولهم من غير اللَّه فهم إنما أنكروا البعث لما لم يعاينوا ذلك ولا شاهدوا في أوهامهم، فكيف أنكروا البعث وإن كان غير موهوم ذلك في أوهامهم، بعد أن كان ذلك موهومًا من اللَّه، مشاهدًا، معاينا لمثل هذا؟! واللَّه أعلم بذكر هذا.

الروم 30:23

وقوله: (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ) كأنه يقول: وفي خلق اختلاف ألسنتكم آياته أيضًا؛ لأن الألسن بحيث خلقة الألسن غير مختلفة، ولكن إنما تختلف بحيث النطق والتكلم حتى لا يقع في التكلم بها والنطق والصوت تشابه بحال، وخروجه عما يقدرون من الكلام، وإن كانت بحيث خلقتها واحدة غير مختلفة. وهذا على المعتزلة؛ لقولهم: إن أقوال العباد غير مخلوقة، لا صنع لله فيها، فلو لم يكن له فيما يتكلمون وينطقون على اختلاف ذلك صنع؛ فلا آية تكون له في ذلك، فدل أنه صار آية له؛ لما له صنع في ذلك، وكذلك فيما تختلف الألوان بفعل يكون من الخلق وتتغير عند الغضب والسرور والفرح، ثم أخبر أن ذلك آياته دل أنه خالق لأفعالهم وأقوالهم حتى كان آية له واللَّه أعلم. وأهل التأويل يقولون: (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ): عربي، وعجميّ، ونبطي، وتركي، ونحوه (وَأَلْوَانِكُمْ): أبيض، وأحمر، وأسود، ونحوه، وأصله ما ذكرنا أن في ذلك لآيات للْعَالِمِينَ؛ جائز أن يكون آيات لمن انتفع به من الْعَالِمِينَ، أو آية لمن تفكر وتدبر من الْعَالِمِينَ؛ لأنه إذا تفكر وتدبر عرف وجه الآية في ذلك. وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) لأن النوم يأخذهم من غير أن يعرفوا أنه من أين مأتاه ومأخذه، ثم يأخذ منهم جميع منافع الأحياء: من السمع، والنطق، والفهم، والرؤية، وجميع ما تنتفع به قبل ذلك، ثم يرد ذلك إليهم من غير أن عرفوا بذلك فيعودون إلى ما كانوا من المنافع والأكساب؛ ليعلم أن من قدر على مثل هذا يقدر على أخذ الروح ونفسه ورده إليه، فهو أخو الموت؛ قال اللَّه - تعالى -: (يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ)، سمى النوم: الوفاة، وهو مثله؛ لما ذكرنا أن جميع منافع الأحياء ترتفع وتزول بالنوم ثم ترد إليهم من غير أن يشعروا بذلك، فمن قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت. وقوله: (وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ) جهة الآية فيما ينتفعون من فضله هو خلقه تلك المكاسب والتجارات والحرف التي يبتغون بها الرزق؛ أخبر أنه خلق ذلك منهم؛ ففيه دلالة خلق أفعال العباد؛ فهو على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعالهم. أو أن تكون جهة الآية فيه ما عرفهم تلك المكاسب والتجارات والحرف، وعلمهم إياها وأحوجهم إليها؛ ليصلوا إلى منافعهم، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) يحتمل قوله: (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) أي: ينتفعون بسمعهم، أو لقوم يجيبون.

الروم 30:24

والسمع يجوز أن يعبّر به عن الإجابة؛ كقوله: " سمع اللَّه لمن حمده "؛ أي: أجاب اللَّه لمن دعاه. أو أن يكون قوله: (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) أي: يعقلون، ويجوز العبارة به عنه؛ كقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) أي: يعقلون، ويقال: (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) المواعظ فيقبلونها فينتفعون بها. وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) قيل فيه بوجهين: أحدهما: يريكم البرق للخوف والطمع: تخافون سلطانه وقدرته أن يصيبكم ذلك البرق فيذهب بأبصاركم، وطمعًا ترجون رحمته بصرفه عنكم. والثاني: (خَوْفًا وَطَمَعًا) أي: يريكم البرق فتخافون وتطمعون؛ يخاف المسافر قطع مسيره ومنعه عنه، وتطمعون، أي: يكلمع المقيم رحمته ما يكثر به أنزاله ومعاشه. والثاني: تخافون الصواعق، وتطمعون المطر، وهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) هو ظاهر، قد ذكرناه (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) هو يحتمل ما ذكرنا (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ): ينتفعون بعقولهم، أو (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) لو تدبروا وتفكروا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) هو ما ذكرنا أنه قامتا على شيء غير موهوم ذلك في أوهام الخلق قيام شيء من أفعالهم على مثله، وهو الهواء والماء والريح، فكيف حمدهم خروج شيء من أوهامهم على إنكاره وتكذيبه، وهو البعث والإحياء بعد الموت، فمن قدر على أحدهما قدر على الآخر. وقوله: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو على التقديم والتأخير، أي: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض، والدعوة هو النفخة الآخرة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو ما ذكر: الدعوة تكون من الأرض من صخرة بيت المقدس، من هنالك يسمعون الذعوة. ثم اختلف في الدعوة، والصيحة، والنفخة، والصور، ونحو ما ذكر: فمنهم من يقول: على حقيقة الدعوة، والصيحة، والنفخة، والصور، على ما ذكر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا، ولكن ذلك إخبار عن سرعة نفاذ الأمر، وعبارة عن خفة ذلك وهونه؛ كقوله: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)، وقوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، ليس أن كان منه (كافٌ) أو (نونٌ)، لكنه ذكر بأخف حروف يفهم منه المعنى فعلى ذلك ذكر الصيحة والنفخة والدعوة والصور، واللَّه أعلم. وفي قوله؛ (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) دلالة وإخبار أنه قادر على الإنشاء والإحياء بلا سبب؛ لأنه أخبر أنه دعاكم دعوة ثم تخرجون، والدعوة ليست هي سببا للإحياء والإنشاء بل أخبر أنه يخرجهم إخراجًا ثبت أنه ما ذكرنا، وقد ذكرنا في اختلاف الألسن لو لم يكن ما يسمع منهم وما ينطقون يخلق في الحقيقة فإذن آياته عبث؛ لأن الحروف شهد خلقه، ولا جسمه، ولا سمعه، وبما احتج، فيكون بمعنى من يقول: لله آيات في الكلام احتج بها على عبادة الذين لم يطلعهم عليه، ولا سبيل لهم إلى التطلع عليها، وذلك بعيد من العقول، فثبت أن اللَّه قد خلق كل نطق على ما عليه يعرفه المتفكر بما يرى من عجز المتفوه به على التفوه به على التقطيع الذي يقدره في نفسه، وعلى الحد الذي يجب أن يكون عليه دون أن يقع في ذلك تفاوت واختلاف فيعلم أن ذلك كان الآية على ما كان عليه؛ بل باللَّه جل وعلا، ولا قوة إلا باللَّه. وما ذكر من اختلاف فإنا نجده يتغير بالعباد؛ نحو ما يظهر عند شدة الشرور بالشيء غير الذي يظهر عند شدة الغضب متولدًا عن فعلهم وبه قول المعتزلة أو عامتهم أن المتولد هو فعل الخلق، فعلى ذلك القول يكون اللون فعلا لهم بتخليق اللَّه، وأمَّا النوم في اللون فوضع، فالاعتبار إنما هو بابتغائهم من فضله؛ أي: ذلك بما ركب فيهم من الحاجة وأنشأ لهم من الفاقة فيما ذكر من الأغذية بأن ابتغاءها فعلا للخلق، وقد احتج اللَّه - سبحانه وتعالى - على العباد، فأخبر أنه من آياته، ومحال أن يكون حجته ما يخلق غيره دون الذي يخلقه بل يدل خلق كل على منشئه من طريق الخلقة والتدبير، فثبت أن الابتغاء مخلوق يخلقه، واللَّه الموفق. * * * قوله تعالى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ

الروم 30:25

الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ هو ما ذكرنا أنهما(١) قاما على شيء غير موهوم، ذلك في أوهام الخلق شيء من أفعالهم على مثله، وهو الهواء والماء والريح. فكيف حملهم خروج شيء من أوهامهم على إنكاره وتكذيبه، وهو البعث والإحياء بعد الموت ؟ فمن قدر على أحدهما قدر على الآخر. وقوله تعالى :﴿ثم أذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ اختلف فيه : قال بعضهم : على التقديم، أي ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض. والدعوة : هي النفخة الآخرة. وقال بعضهم : هو ما ذكر : الدعوة تكون من الأرض من صخرة بيت المقدس. من هنالك تسمعون الدعوة. ثم اختلف في الدعوة والصيحة والنفخة والصور ونحو ما ذكر : فمنهم من يقول على حقيقة الدعوة والصيحة والنفخة والصور على ما ذكر. وقال بعضهم : لا، ولكن ذلك إخبار عن سرعة نفاذ الأمر وعبارة عن خفة ذلك وهوله كقوله :﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب﴾ [النحل: ٧٧] وقوله :﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠]. ليس أن كان منه كاف ونون. لكنه ذكر بأخف حروف يفهم منه المعنى. فعلى ذلك ذكر الصيحة والنفخة والدعوة والصور، والله أعلم. وفي قوله :﴿ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ دلالة وإخبار أنه قادر على الإنشاء والإحياء بلا سبب لأنه أخبر إذا دعاكم دعوة تخرجون. والدعوة ليست هي بسبب للإحياء والإنشاء. بل أخبر أنه يخرجهم إخراجا. ثبت أنه ما ذكرنا. وقد ذكرنا في اختلاف الألسن لو لم يكن ما يسمع منهم وما ينطقون يخلق في الحقيقة، فإذن آياته عبث، لأن الحروف [ لا ](٢) تشهد خلقه ولا جسمه ولا سمعه ولا ما(٣) احتج، فيكون بمعنى من يقول : لله آيات في الكلام، واحتج بها على عباده الذين لم يطلعهم عليه/٤١١-ب/ ولا سبيل لهم إلى لاطلاع عليها، وذلك بعيد عن العقول، فثبت أن الله قد خلق كل نطق على ما عليه، يعرفه المتفكر بما يرى من عجز المتفوه على التفوه به على التقطيع الذي يقدره في نفسه وعلى الحد الذي يجب أن يكون عليه دون أن يقع في ذلك تفاوت واختلاف، فيعلم أن ذلك كان الآية على ما كان عليه، بل بالله، جل، وعلا، ولا قوة إلا بالله. وما ذكر من اختلاف فإنا قد نجده يتغير بالعباد نحو ما يظهر عند شدة السرور بالشيء غير الذي يظهر عند شدة الغضب متولدا عن فعلهم. ومن قول المعتزلة أو عامتهم أن المتولد هو فعل الخلق. فعلى ذلك القول يكون اللون فعلا بتخليق الله. وأما النوم فموضع الاعتبار فيه ما في اللون، وإلا فالاعتبار إنما هو بابتغائهم من فضله، أي ذلك بما ركب فيهم من الحاجة وإنشائهم من الفاقة إلى ما ذكر من الأغذية بأن ابتغاءها [ كان ](٤) فعلا للخلق. وقد احتج الله سبحانه وتعالى على العباد، فأخبر أنه من آياته. ومحال أن تكون حجته ما يخلقه غيره دون الله يخلقه، بل يدل خلق كل منشئه من طريق الخلقة والتدبير. فثبت أن الابتغاء مخلوق بخلقة الله، وإن كان فعلا للخلق، والله الموفق. ١ في الأصل وم: أنه.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: بما.. ٤ ساقطة من الأصل وم..

الروم 30:26

النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) وقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... (٢٦) حرف " من " إنما يتكلم به ويعبر عمن له الملك والتدبير والتمييز، وحرف " ما " عن ملك الأشياء نفسها، فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له فالأملاك أحق أن تكون له. يخبر - واللَّه أعلم - عن غناه وسلطانه وقدرته، أي: من له ما ذكر في السماوات والأرض لا يحتمل أن يمتحنهم ويأمرهم بأنواع العبادات والطاعة لحاجة نفسه؛ إذ هو غني عن ذلك، ولكنه إنما يمتحن ويأمرهم بأنواع العبادة وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم، فإذا كان له ما ذكر من الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضًا. وقوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: القنوت: القيام، والقانت: القائم، فإن كان هذا فتأويله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) أي: قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم، والابتداء والإعادة، وفي كل حال: إن أوجد وجد، وإن أعدم صار معدومًا، وإن أحياه حيي، ونحوه، في كل حال يقوم بتدبيره وأمره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) أي: مطيعون، فإن كان على هذا ونحوه فهو في كل حال يقوم بتدبيره وأمره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) أي: مطيعون، فإن كان على هذا فهو على طاعة الخلقة له، والشهادة لله بالوحدانية والربوبية، والتدبير له، والعلم في ذلك؛ لأن اللَّه جعل في خلقة كل أحد، وكل شيء، وفي صورته ما يشهد له بالوحدانية والربوبية، ويدل على تدبيره وعلمه وحكمته، فكل له قانت ومطيع بالخلقة والصنعة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) أي: خاضعون، فهو يرجع إلى حال دون حال، وهو حال الخوف والضرورة، يخضع له كل كافر ومشرك في تلك الحال، وهو ما أخبر عنهم من الخضوع له إذا ركبوا الفلك؛ حيث قال: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وقولهم: (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، ونحو ذلك من الأحوال التي كانوا يخضعون له ويطيعون، واللَّه أعلم. وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ... (٢٧) لا يحتمل أن يخلقهم وينشئهم لحاجة نفسه، أو لمصلحته؛ لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسه، أو يأمره لذلك، ولكن إنما يبدئ ويعيد لحاجة أنفسهم. أو يخبر أن من قدر على ابتداء الشيء يملك إعادته. (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) اختلف فيه: قيل: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) و (هَيِّنٌ) ابتداؤه وإعادته؛ كقوله: (وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، وقوله: (هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)، ويجوز العبارة بأفعل عن فعيل؛ نحو ما يقال: الله أكبر؛ أي: كبير، وأعظم بمعنى: عظيم، ونحوه كثير؛ فعلى ذلك قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) أي: عليه هَيِّنٌ؛ إذ ليس شيء أصعب على اللَّه من شيء، أو شيء أهون عليه من شيء؛ بل الأشياء كلها بمحل واحد داخل تحت قوله: (كُنْ) وإنما يقال: أهون وأيسر، لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه ذلك إذا قلت وضعفت، فأمّا اللَّه - سبحانه وتعالى - فهو الفاعل للأشياء، وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب، فلا جائز أن يقال شيء أهون من شيء، وإنما يجوز ذلك فيمن كان فعله لا يكون إلا بسبب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) في عقولكم، وتدبيركم، وتقديركم؛ أي: إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه؛ لأن الخلق لا يملكون تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء، وقد يملكون تصوير الأشياء وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه وشاهدوه؛ فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه، فإذا عاينتم وأقررتم: أنه قادر على ابتدائه فهو على إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا باللَّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) يعني: على ذلك الشيء؛ أي: إعادة ذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من ابتدائه؛ لأنه في الابتداء ينقله ويحوّله من حال النطفة إلى حال العلقة، ثم من حال العلقة إلى حال المضغة، ثم من حال المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه، حتى يصير خلقًا وصورة، فيخبر أن إعادته ليس على هذا التقدير والتحويل من حال إلى حال، ولكن كما ذكر: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)، وقوله: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) وقوله: (إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً)، ونفخة ودعوة وما ذكر، فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء. وقوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: له الصفات العالية، ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه فهو الموصوف به في الحقيقة؛ على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه؛ فذلك الحمد له في الحقيقة راجع إليه، ذلك كقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ...) الآية. والثانى: له الصفة العالية مما يخالف صفات الخلق وشبههم كقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ): لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، وهو ما قاله بعض أهل التأويل: الذي لا مثل له ولا شبه، لا إله إلا هو، واحد لا شريك له. والثالث: وله الصفات العالية مما لا يضاد بعضها بعضًا: عالم لا جهل فيه، قادر لا عجز فيه، عزيز لا ذل فيه، وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبشيء آخر وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر. فاللَّه - سبحانه وتعالى - موصوف بصفات لا يضاد بعضها بعضًا ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات، وفي حال من الأحوال؛ لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب، وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وباعتبار يكون لهم؛ لذلك كان ما ذكر، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): الذي لا يلحقه الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم يذلون ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم؛ لأن عزهم كان بهم، فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون، فأما اللَّه - سبحانه - فهو عزيز بذاته، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه. أو أن يكون قوله: (الْعَزِيزُ) المنتقم عمن يخالف أمره ويعصيه أو يشرك غيره في ألوهيته وربوبيته. والحكيم: هوالذي لا يلحقه الخطأ في التدبير. يخبر - واللَّه أعلم -: أني وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة، على علم مني بذلك منهم؛ فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته وعصيانه ومخالفته - هو موصوف بالسفه غير موصوف

الروم 30:27

الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ [ يخبر أن من ملك، وقدر على بدء الخلق ](١) وإعادته، لا يحتمل أن يخلقهم، وينشئهم لحاجة نفسه أو مصلحته لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسه، أو يأمرهم(٢) لذلك. ولكن إنما يبدأ، ويعيد لحاجة أنفسهم، أو يخبر أن من قدر على بدء الشيء يملك إعادته. [ وقوله تعالى ](٣) :﴿وهو أهون عليه﴾ قال [ بعضهم ](٤) :﴿وهو أهون عليه﴾ [ أي هو هين عليه ](٥) : ابتداؤه وإعادته كقوله :﴿وذلك على الله يسير﴾ [التغابن: ٧] وقوله :﴿هو علي هين﴾ [ مريم : ٩ و٢١ ] وتجوز العبارة من فعل نحو ما يقال : الله أكبر، أي كبير، وأعظم بمعنى عظيم، ونحوه كثير. فعلى ذلك قوله :﴿هو علي هين﴾ أي عليه هين ؛ إذ ليس شيء أصعب على الله من شيء، أو شيء أهون عليه من شيء، بل الأشياء كلها بمحل واحد داخل تحت قوله :﴿كن﴾ [ البقرة : ١١٧و. . ]. وإنما يقال : أهون وأيسر لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه، إذا قلت، وضعفت. فأما الله سبحانه وتعالى : فهو(٦) الفاعل للأشياء، وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب. فلا جائز أن يقال [ في حقه ](٧) : شيء أهون عليه من شيء. وإنما يجوز ذلك [ في ](٨) من كان فعله لا يكون إلا بسبب. وقال بعضهم : قوله :﴿وهو أهون عليه﴾ في عقولكم وتقديركم، أي إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من بدئه، لأن الخلق لا يملكون تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء. وقد يكون تصوير الأشياء وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه، وشاهدوه. فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه. فإذا عاينتم، وأقررتم أنه قادر على بدئه فهو [ على ](٩) إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا بالله. وقال بعضهم : قوله :﴿وهو أهون عليه﴾ يعني على ذلك الشيء، إعادة ذلك الشيء أهون من بدئه، لأنه في الابتداء ينقله، ويحوله من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة، ثم من حال المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه حتى يصير خلقا وصورة. فيخبر أن إعادته ليست على التقدير والتحويل من حال إلى حال ولكن كما ذكر :﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب﴾ [النحل: ٧٧] وقوله :﴿وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر﴾ [القمر: ٥٠] وقوله :﴿صيحة واحدة﴾ [ يس : ٥٣ و. . ] [ وقوله ](١٠) :﴿نفخة واحدة﴾ [الحاقة: ١٣] [ وقوله ](١١) :﴿دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤] وما ذكر. فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء. وقوله تعالى :﴿وله المثل الأعلى في السماوات والأرض﴾ أي له الصفات العالية. ثم يخرج على وجوه : أحدها : أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه، فهو الموصوف به في الحقيقة على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه، فذلك الحمد له في الحقيقة، راجع إليه ذلك كقوله ﴿وله الحمد﴾ الآية [ الروم : ١٨ و. . ] والثاني : له الصفة العالية مما تخالف صفات الخلق وشبههم كقوله :﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، وهو ما قاله بعض أهل التأويل : الذي لا مثل له، ولا شبه ﴿لا إله إلا هو﴾ [ البقرة : ١٦٣ و. . ] واحد ﴿لا شريك له﴾ [الأنعام: ١٦٣]. والثالث : وله الصفات العالية مما لا يضاد [ بعضها ](١٢) بعضا : عالم، لا جهل فيه، قادر، لا عجز فيه، عزيز، لا ذل فيه. وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر. فالله سبحانه وتعالى موصوف بصفات، لا يضاد بعضها بعضا، ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات وفي حال من الأحوال لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب. وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وبأعيان(١٣)، تكون لهم. لذلك كان ما ذكر، ولا قوة إلا بالله. وقوله تعالى :﴿وهو العزيز الحكيم﴾ الذي لا يلحقه/٤١٢-أ/ الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم(١٤) أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم، يذلون، ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم، لأن عزهم كان بهم. فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون. فأما الله سبحانه [ فهو ](١٥) عزيز بذاته، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه. [ ويحتمل ](١٦) أن يكون قوله :﴿العزيز﴾ المنتقم ممن يخالف أمره، ويعصيه، أو يشرك غيره في ألوهيته وعبادته(١٧) و﴿الحكيم﴾ هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير. يخبر، والله أعلم، أني، وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني، ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة على علم مني بذلك منهم، فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته ومخالفته فهو(١٨) موصوف [ بالسفه، غير موصوف ](١٩) بالحكمة لأنه يسعى(٢٠) في إهلاك نفسه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه. ومن سعى في إهلاك نفسه فهو غير حكيم. فأما الله سبحانه حين(٢١) خلقهم، وأنشأهم [ فقد ](٢٢) أعانهم بكل أنواع المعونة على علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والعداوة، ولا قوة إلا بالله. ١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: يأمره.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ الفاء ساقطة من الأصل.. ٧ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٨ ساقطة من الأصل وم.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ في الأصل وم: و.. ١١ في الأصل وم: و.. ١٢ ساقطة من الأصل وم.. ١٣ من م، في الأصل: وباعتبار.. ١٤ في الأصل وم: خالفوا.. ١٥ ساقطة من الأصل وم.. ١٦ في الأصل وم: أو.. ١٧ في الأصل وم: وربوبيته.. ١٨ الفاء ساقطة من الأصل وم.. ١٩ من م، ساقطة من الأصل.. ٢٠ في الأصل وم: يسبق.. ٢١ في الأصل وم: حيث.. ٢٢ ساقطة من الأصل وم..

الروم 30:28

بالحكمة؛ لأنه يسبق في إهلاك نسفه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه، ومن يسعى في إهلاك نفسه، فهو غير حكيم. فأما اللَّه - سبحانه - حيث خلقهم وأنشأهم وأعانهم بكل أنواع المعونة على علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والمعاداة غير خارج فعله عن الحكمة؛ لما ذكرنا أنه لا يلحقه الضرر ولا النقصان بما علم ويكون منهم من الخلاف له والعصيان والمعاداة، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: ضرب لكم مثلًا. من مثل خلقكم، يقول - واللَّه أعلم -: يبين لكم مثلا من أنفسكم: ما لو تفكرتم وتأملتم، لظهر لكم سفهكم بعبادتكم الأصنام دون اللَّه، أو تسميتكم الأصنام باللَّه. ثم يخرج ضرب المثل بما ذكر على وجوه: أحدها: قوله: (هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)، أي: لم تسووا أنتم أنفسكم بالذي ملكت أيمانكم فيما رزقتم حتى تكونوا أنتم وهم سواء في ذلك؛ فكيف زعمتم أن اللَّه قد سوى نفسه وما ملك من خلقه في ملكه وألوهيته؟! والثاني يقول: هل ترضون أن يكون ما ملكت أيمانكم شركاءكم فيما تملكون من الأموال؟! فإذا لم ترضوا به، فكيف زعمتم أن اللَّه يرضى أن يشرك مماليكه في ملكه وسلطانه؟!. أو يقول: فإن لم ترضوا لأنفسكم إشراك ما ملكت أيمانكم في ملككم، ولم تسووا مماليككم بأنفسكم في - ذلك، فكيف رضيتم ذلك لله، وسويتم نفسه ومماليكه، وعدلتم به من دونه؟! واللَّه أعلم. وقوله: (تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ). أي: تخافون مماليككم كما تخافون أحرارا أمثالكم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أبيه وأخيه وأقاربه. وبعضهم يقولون: تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت، كما تخافون أن يرثكم الأحرار من أوليائكم، وهو قول مقاتل لكن الميراث ليس من الآية في شيء، والأول أشبه. وفي قوله: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) دلالة أن العبد لا يكون له حقيقة الملك في الأشياء كالأحرار؛ لأنه أخبر أنهم ليسوا هم بسواء في الشرك فيما رزق السادات وملكوا، على العلم أنهم يشتركون جميعًا في المنافع؛ دل أنهم يملكون منافع الأشياء ويشتركون مع الأحرار فيها، ولا يملكون حقيقة الإملاك، وكذلك يدل قوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ...)، أنه لما نفى عنه القدرة على شيء - واللَّه أعلم - يكون تأويل قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: يغنهم اللَّه من فضله بالمنافع، لا بحقيقة ملك الأشياء، واللَّه أعلم. وقوله: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). أي نبينها. (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). أي: لقوم ينتفعون بعقولهم. والثاني: قوله: (نُفَصِّلُ الْآيَاتِ)، أي: نفرق واحدة بعد واحدة، على ما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع من قوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ) كذا، (وَمِنْ آيَاتِهِ) كذا، والتفصيل يخرج على وجهين: أحد هما: التبيين. والثاني: التفريق في الذكر، فصلت آياته: بينت، وفصلت: فرقت واحدة بعد واحدة، فإن قال لنا قائل في هذه الآيات التي ذكرت: ما يدل على إيجاب البعث؟ قيل: في هذه الآيات، التي ذكرت دفع الشبه التي لها أنكروا البعث؛ لأنهم رأوا البعث ممتنعًا بالشبهة التي اعترضت لهم؛ ففي هذه الآيات دفع تلك الشبهة التي لها رأوا البعث ممتنعًا، حيث أراهم بدء خلقهم وقيام السماء والأرض بالذي ذكر. ثم إيجاب البعث يكون بالأخبار الصادقة، وهي أخبار الرسل الذين ظهر صدقهم، أو بما ذكرنا: أن خلق الخلق بلا عاقبة تجعل لهم للفناء خاصة خارج عن الحكمة؛ لوجوه: أحدها: ما ذكرنا أن بناء البناء في الشاهد للنقض والإفناء خاصة بلا منفعة تتأمل في العاقبة سفه خارج عن الحكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق للفناء خاصة بلا عاقبة يكون خارجًا عن الحكمة. والثاني: أنه لو لم يجعل البعث ودارًا أخرى؛ ليفرق بين العدو والولي مع ما قد سوى بينهما في هذه الدار، وفي الحكمة أن يفرق ولا يسوي بينهما؛ فلو لم يكن دار أخرى فيها

الروم 30:29

يفرق لكان ذلك خارجًا عن الحكمة. والثالث: في الحكمة أن يجزي المحسن لإحسانه والمسيء في إساءته، وقد يكونان في هذه الدنيا ويخرجان منها لا يصيب المحسن جزاء إحسانه، ولا المسيء جزاء إساءته؛ فلا بد من دار أخرى؛ ليجزى فيها كل بعمله، وفيما ذكرنا إيجاب البعث، واللَّه أعلم. وقوله: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩) يحتمل قوله: (الَّذِينَ ظَلَمُوا)، أي: ظلموا أنفسهم؛ حيث لم يستعملوها فيما أمروا بالاستعمال فيه؛ بل صرفوها إلى غير ما أمروا بالاستعمال فيه. أو ظلموا حجج اللَّه وآياته وبراهينه؛ حيث لم يتبعوها ولم يضعوها موضعها حيث وضعت. وقوله: (أَهْوَآءَهُم) في عبادتهم الأصنام، وصرفها عن اللَّه إلى من لا يستحق العبادة والشكر؛ وذلك لهواهم؛ لأنه ليس معهم حجة ولا برهان؛ كقوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) أي: حجة وبرهانا. وقوله: (فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ). أي: أحد سوى اللَّه يهدي من أضله اللَّه؟ أي من يؤثر الضلال واختاره أضله اللَّه، لا يهديه سواه. (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). ينصرونهم في دفع عذاب اللَّه عن أنفسهم. أو (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)، أي: من مانعين يمنعونهم عن عذاب اللَّه، واللَّه أعلم. وقوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا الخطاب لرسول اللَّه؛ لأنه ذكر الآيات فيما تقدم؛ حيث قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ) كذا وكذا، ثم ذكر الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسول اللَّه: أقم وجهك أنت للدِّين حنيفًا. قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وعندنا أن الخطاب به وبمثله لكل أحد؛ كقوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ كأنه يخاطب كل من انتهى إليه هذا أن قل: هو اللَّه أحد، و: يَا أَيُّهَا الكافرون؛ فعلى ذلك قوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) هو لكل أحد. ثم الإقامة تحتمل وجهين: أحدهما: أقم: أي: داوم جهدك وقصدك. والثاني: أقم: أتمم. (فَأَقِمْ) ما ذكرنا (لِلدِّينِ حَنِيفًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: الحنيف: هو من حنف القوم وميله، ومعناه: كن مائلا إلى الدِّين في كل حال وكل وقت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو من الإخلاص والإسلام له. وقوله: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا). ثم فسر ذلك فقال: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا): هذا يحتمل وجوهًا: (فِطْرَتَ اللَّهِ)، أي: معرفة اللَّه التي جبل الناس عليها أن يكون اللَّه يجعل في كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف وحدانية ربه وربوبيته؛ على ما جعل لهم من أن معرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال صغرهم وطفولتهم؛ ولذلك يخرج قوله: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه "؛ على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبواه يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه. والثاني: فطرهم وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على ما جبلوا وفطروا؛ إذ فطر كل منهم وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية اللَّه وربوبيته. وكذلك قوله: " كل مولود يولد على الفطرة "، أي: على الخلقة التي تدل وتشهد على وحدانية اللَّه وربوبيته ما لو تركوا وخلي بينهم وبين عقولهم لأدركوا. والثالث: فطرهم على ما يحتملون الامتحان. وقوله: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ).

الروم 30:30

الآية ٣٠ وقوله تعالى :﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ قال بعضهم : هذا الخطاب لرسول الله لأنه ذكر الآيات في ما تقدم حيث قال :﴿ومن آياته﴾ [ الروم : ٢٠، . . ] كذا وكذا، ثم ذكر الذين أتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسوله(١) :﴿فأقم وجهك﴾ أنت ﴿للدين حنيفا﴾. قال الشيخ، رحمه الله : وعندنا أي الخطاب به وبمثله لكل أحد كقوله :﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١] [ وقوله ] (٢) :﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] كأنه يخاطب كل من انتهى إليه هذا : أن ﴿قل هو الله أحد﴾ ﴿وقل يا أيها الكافرون﴾ فعلى هذا قوله :﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ هو لكل أحد. ثم الإقامة تحتمل وجهين : أحدهما : أقم : أي داوم جهدك وقصدك. والثاني : أقم : أتمم، وأقم ما ذكرنا. [ وقوله تعالى ](٣) :﴿للدين حنيفا﴾ قال بعضهم : الحنيف من حَنَفِ القدم(٤) وميله ؛ معناه : كن مائلا على الدين في كل حال وكل وقت. وقال بعضهم : هو من الإخلاص والإسلام له(٥). ثم فسر ذلك، فقال :[ ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ هذا يحتمل وجوها : [ أحدها :] (٦) ](٧) ﴿فطرة الله﴾ أي معرفة الله التي جبل الناس عليها : أن يكون الله يجعل في كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف /٤١٢-ب/ وحدانية ربه وربوبيته على ما جعل لهم من المعرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال [ صغرهم وطفوليتهم ](٨). ولذلك يخرج قوله [ ﷺ ](٩) :( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه ) [ البخاري : ١٣٨٥ ] على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبويه يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه. والثاني : فطرهم، وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على [ ما ](١٠) جبلوا، وفطروا، إذ فطر كل(١١) منهم، وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية الله وربوبيته. وكذلك قوله :( كل مولود يولد على الفطرة ) [ البخاري ١٣٨٥ ] أي على الخلقة التي تدل، وتشهد على وحدانية الله وربوبيته ما لو تركوا، وخلي بينهم وبين عقولهم لأدركوا. والثالث : فطرهم على ما يحتملون الامتحان. وقوله تعالى :﴿لا تبديل لخلق الله﴾ قال عامة أهل التأويل : لا تبديل لدين الله، سماه خلقا. وعلى قول المعتزلة لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ويحتالون في قوله :﴿لا تبديل لخلق الله﴾ أي لا تبديل لما يقع به الدعاء إليه، أو كلام نحو هذا. فيقال : إن الدين هو ما يدين [ به ](١٢) المرء، وهو فعله، مأخوذ من دان يدين. ثم أخبر أنه خلق الله. فدل أنه مخلوق. وجائز أن يكون قوله :﴿لا تبديل لخلق الله﴾ أي لما فيه دلالة وحدانية الله وشهادة ربوبيته كقوله :﴿ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت﴾ [الملك: ٣] أي(١٣) لا تفاوت في ما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ذلك الدين القيم﴾ أخبر أن ذلك الدين القيم بالحجج والبراهين، ليس كدين أولئك الكفرة إتباع الهوى، أو أن يكون الدين القيم أي المستقيم على ما وصفه الله أنه الدين الحنيف. ١ في الأصل وم: لرسول الله.. ٢ في الأصل وم: و.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ في الأصل وم: القوم.. ٥ أدرج بعدها في الأصل وم: وقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾.. ٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من م.. ٧ من م، ساقطة من الأصل.. ٨ في الأصل وم: صغره وطفوليته.. ٩ ساقطة من الأصل وم.. ١٠ من م، ساقطة من الأصل.. ١١ في الأصل وم: كلا.. ١٢ ساقطة من الأصل وم.. ١٣ في الأصل وم: أو..

الروم 30:31

قال عامة أهل التأويل: لا تبديل لدين اللَّه، سماه: خلقا. وعلى قول المعتزلة: له تبديل؛ لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ويحتالون في قوله (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، أي: لا تبديل لما به يقع الدعاء إليه، أو كلام نحو هذا. فيقال: إن الدِّين هو ما يدين المرء وهو فعله، مأخوذ من دان، يدين، ثم أخبر أنه خلق اللَّه؛ فدل أنه مخلوق. وجائز أن يكون قوله: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، أي: لما فيه دلالة وحدانية اللَّه وشهادة ربوبيته؛ كقوله: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ). أو لا تفاوت فيما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، واللَّه أعلم. وقوله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ). أخبر أن ذلك الدِّين القيم بالحجج والبراهين ليس كدين أُولَئِكَ الكفرة أتباع الهوى. أو أن يكون الدِّين القيم، أي: المستقيم على ما وصفه اللَّه أنه الدِّين الحنيف. وقوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) هو صلة قوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ)، فهذا يدل على أن الخطاب بقوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) للكل؛ حيث قال: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ)، أي: أقبلوا إليه وأنيبوا له. ثم الإنابة تقع فيما يفع به الأمر، كأنه يقول - واللَّه أعلم -: أنيبوا إلى اللَّه بما يأمركم به. (وَاتَّقُوهُ). عما نهاكم عنه، والتقوى من الإنابة كهي من البر، كقوله - تعالى -: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا)، بما يأمركم به، وتتقوه عما نهاكم عنه. وقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ). هو يحتمل وجوهًا. (أَقِيمُوا) أي: الزموا وداوموا فعلها إلى آخر ما تنتهون إليه، ليس على أن يقع الأمر بها مرة واحدة. والثاني: (أَقِيمُوا) أي: أتموها بركوعها وسجودها والقراءة وغير ذلك. والثالث: (أَقِيمُوا)، أي: وفوا إقامتها بأسبابها التي جعلت لها. وفي الصلاة أحوال ثلاث:

الروم 30:32

أحدها: الجواز. والثاني: التمام والكمال. والثالث: التزيين والتحسين. ثم الجواز بحق الأركان، والتمام: بحق الشعوب، والتزيين بحق الحواشي. ويجب على كل مصلٍّ خصال ثلاث: صدق النية، وحق الإخلاص له، وحق الخشوع. وقوله: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). يحتمل: أي: لا تكونوا من المشركين غير اللَّه في الصلاة والعبادة، أي: لا تصلوا لغير اللَّه، ولا تعبدوا من دونه. أو لا تكونوا من المشركين من دونه في تسمية الألوهية والإلهية؛ لأنهم كانوا يسمون الأصنام التي يعبدونها: آلهة. أو أن يكون صلة قوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ)، أي: كونوا منيبين إليه، موحدين، مقبلين على طاعته، مخلصين، ولا تكونوا من المشركين له غيره. وقوله: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: لا تكونوا من المشركين، ولا تكونوا من الذين فارقوا دينهم. ثم قوله: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ)، وقرئ: (فارقوا)؛ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: فارقوا دينهم الذي جاءتهم الرسل. أو فارقوا دينهم الذي فطروا عليه، وهو ما جعل فيهم من شهادة التوحيد له والربوبية. وقوله: (وَكَانُوا شِيَعًا) يحتمل: صاروا شيعًا، أي: فرقا وأحزابًا بعدما كانوا على ما فطروا، أو على ما جاءتهم الرسل. أو كانوا شيعًا ما يشيع ويتبع بعضهم بعضا؛ لأن الشيعة هم الذين يرجعون إلى أصل وإحد وأمر وأحد، واللَّه أعلم. وقوله: (فَرَّقُوا دِينَهُمْ)، أي: قطعوا دينهم، وجعلوه قطغا وفرقًا وأديانا، من نحو اليهودية، والمجوسية، والنصر انية وغيرها. (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). يقول - واللَّه أعلم -: كل أهل دين وملة بما عندهم من الدِّين راضون به، فرحون. وجائز أن يكون قوله: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ): في الذي فطرتم عليه، وهو ما

الروم 30:33

جعل في خلقة كل واحد شهادة الوحدانية لله والدلالة، يقول: لا تكونوا من المشركين في ذلك، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) وقوله: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ). قال قائلون: منيبين: مخلصين؛ كقوله: (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). وقال قائلون: مطيعين. وقال قائلون: موحدين. وأصل الإنابة: الرجوع، أي: راجعين إليه عما كانوا فيه من الشرك؛ فالإنابة هي التوحيد، وإن كان الإنابة الإخلاص، فهو رجوع عن الإشراك في العبادة، وإن كان عن العصيان فهو الطاعة، وأصله: الرجوع عما كانوا فيه؛ ففيه وجوه من الاحتجاج على أُولَئِكَ، وتنبيه وعظة للمؤمنين. أما الاحتجاج عليهم: فإنه معلوم؛ لأنهم كانوا لا يركبون السفن والبحار مع المؤمنين، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم، ثم أخبر عما أخلصوا له والدعاء له والتضرع، دل أنه بالله عرف ذلك؛ فذلك يدل على رسالته. والثاني: فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية اللَّه وألوهيته؛ حيث فزعوا عند الشدائد والبلايا إلى اللَّه، وأخلصوا له الدِّين، ثبت أنهم قد عرفوا سفه أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة اللَّه، تعالى. والثالث: تصديقًا لقوله (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)؛ لأنهم كانوا يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به؛ كقولهم: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا) فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا؛ كما عادوا إذا كشف عنهم الضر. وأما العظة والتنبيه للمؤمنين: فهو أن يكونوا في الأحوال كلها على حال واحد في حال

الروم 30:34

الرخاء والشدة، ذاكرين له شاكرين؛ لأنهم في حال الشدة والبلايا أكثر ذكرًا له وإنابة من حال السعة والرخاء، فينبههم ليكونوا في كل حال ذاكرين له منيبين إليه راجعين. وفيه دلالة: شدة سفه أُولَئِكَ الكفرة؛ حيث أنابوا إليه وأخلصوا له الدِّين عندما يصيبهم الشدة والبلاء، ويعرضون عنه ويشركون في ألوهيته عند السعة. وفي طباع الخلق في الشاهد خلاف ذلك: أن من ضيق على آخر أمره وشدده فهو يعرض عنه ويبغضه، ومن أنعم عليه من ملوك الأرض وأحسن - أطاعه وأحبه؛ فهم لشدة سفههم عكس طباعهم، وخالفوا طباع الناس جميعًا، واللَّه أعلم. وقوله: (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً). أي: السعة والرخاء. (إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ). فَإِنْ قِيلَ: ما فائدة ذكر هذه الآيات وأمثالها، وهم كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينظرون فيها. قيل: قد يحتج عليهم بما لا يقرون ولا ينظرون فيه. أو أن ينظر في ذلك فريق جمنهم ويعرفونه، واللَّه أعلم. وقوله: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو على التقديم والتأخير؛ يقول: إذا أذاقهم منه رحمة؛ لئلا يكفروا، وإنما أذاقهم رحمة لئلا يكفروا، لكنهم كفروا، إلى هذا ذهب مقاتل. وعندنا ما ذكرنا: هو أذاقهم منه رحمة؛ ليكون منهم ما قد علم أنهم يختارون، ويكون منهم، وهو الكفر، ولا جائز أن يذيقهم الرحمة؛ لئلا يكفروا، ويعلم منهم أنهم يختارون الكفر ويكون منهم ذلك؛ فدل أنه ما ذكرنا. ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم: إن على اللَّه الأصلح للعباد لهم في الدِّين، وقولهم: إذا علم من أحد منهم الإيمان في وقت من الأوقات ليس له أن يخترمه؛ ولكن عليه أن يبقيه إلى ذلك الوقت؛ لأنه لو اخترمه قبل ذلك الوقت لكان هو المانع إيمانه. فيقال: إن أُولَئِكَ الكفرة لما أخلصوا دينهم لله في حال الشدة وخوف الهلاك لم يبقهم اللَّه على ذلك الإخلاص والحال التي كانوا يخلصون الأمر له والدِّين، بل وسع عليهم، وحولهم من تلك الحال، حتى عادوا إلى ما كانوا؛ دل أن ليس على اللَّه حفظ الأصلح

الروم 30:35

للخلق في الدِّين. وقد أمر نبيه بمقاتلة الكفرة مطلقًا، ولعلهم يسلمون في وقت لو تركوا أو بعض منهم؛ دل أن ليس ذلك عليه. وقوله: (فَتَمَتَّعُوا) وهو في الظاهر أمر، ولكنه يخرج على الوعيد؛ كقوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)، وقد ذكر في آية أخرلمحما: (وَلِيَتَمَتَّعُوا)؛ فهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) قَالَ بَعْضُهُمْ: (أَمْ أَنْزَلْنَا): بل أنزلنا عليهم سلطانًا وحججًا، فهو يتكلم بما كانوا به يشركون، أي: يبين، ويعلمهم أن الذي هم عليه شرك ليس بتوحيد؛ لأنهم كانوا يقولون: إنا على التوحيد، وإنما نعبد هذه الأصنام (لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، و (هَؤُلَآءِ شُفَعَاؤنَا عِندَ اللَّهِ)، ونحوه؛ فيقول: بل أنزلنا عليهم ما يبين ويعلم أن ذلك شرك وليس بتوحيد. ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن قوله: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا)، أي: ما أنزلنا عليهم سلطانًا فيأمرهم بما كانوا به يشركون أو يأذن لهم بذلك؛ كقوله: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى)؛ فعلى ذلك قوله: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا) أي: لم ننزل عليهم سلطانًا يأمرهم بما كانوا به يشركون، أو كانوا يدعون بذلك أمر اللَّه؛ كقولهم: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) ففيه وجهان على أُولَئِكَ الكفرة: أحدهما: ما ذكرنا أنهم كانوا يدعون بذلك الأمر من اللَّه، فيخبر أنهم كذبة في قولهم بان اللَّه أمرهم بذلك؛ بل لم يأمرهم بذلك، ولا أنزل عليهم الكتاب أو السلطان في إباحة ذلك. والثاني: يذكر سفههم في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويسمونها: آلهة، بلا سلطان ولا حجة كانوا يطلبون على ذلك، ثم كانوا يطلبون من الرسول آيات تقهرهم وتضطرهم على رسالته وما يوعدهم، بعدما آتاهم من الآية ما أعلمهم وأنباهم أنه رسول؛ فالعبادة أعظم وأكبر للمعبود من الرسالة؛ فإذا لم تطلبوا لأنفسكم الحجة والآية القاهرة في إباحة ما تعبدون من دون اللَّه فكيف تطلبون من الرسول الآية القاهرة في إثبات الرسالة؟! وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا): كتابًا فيه عذر لهم، فهو يشهد بما كانوا به يشركون. وقوله: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ

الروم 30:36

يَقْنَطُونَ (٣٦) إذا أريد أن يسوي بين هذه الآية والآية التي قبلها، وهو قوله: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ...) إلى آخره، ويجمع بينهما يكون قوله: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) من الأصنام التي يعبدونها؛ لأنه يقول في هذه الآية: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ)، وفي الأولى يقول: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ)؛ فوجه الجمع بينهما ما ذكرنا: أن يكون القنوط من الأصنام، واللَّه أعلم؛ كقوله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ). أو أن يكون قوله: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ): عندما امتد بهم الضر والشدة؛ حينئذ ييئسون من رحمة اللَّه، والأول في ابتداء ما أصابهم من الضر فزعوا إليه وأنابوا له. أو أن يكون إحدى الآيتين في قوم، والأخرى في قوم آخرين؛ لأنهم كانوا فرقًا وأحزابًا في الكفر والشرك: منهم من كان يشرك في الأحوال كلها: في حال الضيق والسعة، ومنهم من كان يشرك في حال الضيق، ويؤمن في حال السعة، كقوله: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ)، وكقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ). ومنهم من كان يخلص الدِّين في حال الضر والشدة، ويعاند ويتمرد في حال السعة والرخاء؛ كقوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)، ونحوه؛ فكانوا فرقا وأحزابا على ما ذكرنا؛ فجائز أن يكون إحدى الآيتين في فريق وقوم، والآية الأخرى في قوم آخرين. أو ما ذكرنا من اختلاف الأحوال: يقنطون عندما امتد بهم الضر والشدة، وينيبون إليه عندما لم يمتد بهم ذلك ولم يتطاول. أو ما ذكرنا من القنوط من الأصنام والإنابة إلى اللَّه؛ كقوله: (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ). وإلا الآيتان في الظاهر متناقضتان، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) يحتمل قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) على الكافرين؛ كقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ). ثم وجه الآيات لهم على كفار مكة من وجوه في إثبات الرسالة، وفي البعث، وفي إظهار سفههم في عبادة الأصنام وإشراكهم إياها في عبادة اللَّه؛ لأن أهل مكة كانوا ينكرون الرسالة والبعث، ويرون عبادة غير اللَّه؛ فالاحتجاج عليهم بهذه الآية على الوجوه التي ذكرنا. فأما الاحتجاج في إثبات الرسالة فهو من وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا ينكرون الرسالة؛ لأنه بشر، ولا يرون للبشر بعضهم على بعض فضلا؛ كقوله: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)؛ فيريهم الفضل لبعضهم على بعض في الرزق: موسعا على بعض مضيقا مقترا على بعض؛ فإن ثبت عندهم، وظهر الفضل لبعض على بعض فيما ذكرنا يجوز الفضل على بعض في الرسالة. والثاني: ذكر مقابلا لقولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)؛ يخبر أن الأمر ليس إليهم؛ إنما ذلك إلى اللَّه تعالى، يختار من يشاء لما يشاء من الرسالة والنبوة وغيرهما، كما يختار التوسيع على من يشاء والتضييق والتقتير على من يشاء، وإن كانوا جميعًا يتمنون السعة ويحبونها، ويهربون من الضيق والتقتير، ولكن الأمر في ذلك إلى اللَّه تعالى كله. والثالث: وسع على بعض وضيق على بعض؛ فالجهة التي وسع على بعض غير الجهة التي ضيق على بعض؛ فلا بد من رسول يخبر عن ذلك، ويعلم ما على هذا وما على هذا، وما جهة التفريق بينهم والتفضيل في الرزق، واللَّه أعلم. وأما الاحتجاج عليهم في البعث بها فمن وجوه أيضًا: أحدها: أنه جمع في هذه الدنيا بين العدو والولي، وسوى بينهما في التوسيع والتضييق؛ إذ وسع على العدو والولي جميعًا، وضيق على الولي ووسع على العدو، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما لا الجمع والتسوية، وقد سوى بينهما في هذه الدنيا وجمع؛ فلا بد من دار أخرى فيها يفرق بينهما؛ فيلزمهم البعث، واللَّه الموفق. والثاني: أنه وسع الرزق على من هو في تقديرهم وعقولهم لا يوجب التوسيع عليه، وهو السفيه الجاهل الذي في تقدير كل ذي عقل ولب أن يكون محروما مضيقا، وضيق على من هو في تقدير كل أحد وعقله أن يكون موسعا عليه مرزوقا، وهو العاقل العارف بجميع أسباب السعة والغناء، وفي التقدير على خلاف هذا؛ فلا بد من مكان فيه يظهر التفضيل للعقول والمعارف، والرغبة فيها، والرغبة عن أضدادها، ومن هو أهل التوسيع ومن هو أهل الحرمان؛ إذ قد اشتركوا في هذه. والثالث: أن يعتبروا وينظروا بأن من قدر على توسيع الرزق وبسطه وتضييق الرزق

الروم 30:37

الآية ٣٧ وقوله تعالى :﴿أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾. يحتمل قوله :﴿إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ [ أن يكون حجة ](١) على الكافرين كقوله :﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣]. ثم وجه الآيات لهم على كفار مكة من وجوه : في إثبات الرسالة، وفي البعث، وفي(٢) إظهار سفههم في عبادة الأصنام وإشراكهم إياها في عبادة الله لأن أهل مكة كانوا ينكرون الرسالة والبعث، ويرون عبادة غير الله فالاحتجاج عليهم بهذه الآية على الوجوه التي ذكرنا. فأما الاحتجاج في إثبات الرسالة فهو من وجوه ثلاثة : أحدها : أنهم كانوا ينكرون الرسالة لأنهم بشر، ولا يرون للبشر بعضهم على بعض فضلا كقوله :﴿ما هذا إلا بشر مثلكم﴾ [ المؤمنون : ٢٤ و٣٣ ] فيريهم الفضل لبعضهم على بعض في الرزق موسعا على بعض مضيقا مقترا على بعض. فإن ثبت عندهم، وظهر الفضل لبعض على بعض في ما ذكرنا فيجوز الفضل على بعض في الرسالة. والثاني : ذكره(٣) مقابلا لقولهم :﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] يخبر أن الأمر ليس إليهم إنما ذلك [ إلى الله ](٤) يختار من يشاء لما يشاء من الرسالة والنبوة وغيرهما كما يختار التوسيع على من يشاء والتضييق والتقتير على من يشاء، وإن كانوا جميعا يتمنون السعة، ويحبونها، ويرهبون من الضيق والتقتير. ولكن الأمر في ذلك إلى الله كله. والثالث : وسع على بعض، وضيق على بعض ؛ فالجهة التي وسع على بعض غير الجهة التي ضيق على بعض، فلا بد من رسول يخبر عن ذلك، ويعلم ما على هذا وما على هذا، وما جهة التفريق بينهم والتفضيل في الرزق، والله أعلم. وأما الاحتجاج عليهم في البعث بها فمن وجوه أيضا : أحدها : أنه جمع في هذه الدنيا بين العدو والولي، وسع بينهما في التوسيع والتضييق ؛ إذ وسع على العدو والولي [ جميعا، وضيق على الولي ](٥) ووسع على العدو. وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما في هذه الدنيا [ لا الجمع والتسوية، وقد سوى بينهما في هذه الدنيا ](٦) وجمع. فلا بد من دار أخرى، فيها يفرق بينهما، فيلزمهم البعث، والله الموفق. والثاني : أنه وسع الرزق على من هو في تقديرهم وعقولهم [ أنه لا يجب التوسيع ](٧) عليه ؛ وهو السفيه /٤١٣-ب/ الجاهل الذي في تقدير كل ذي عقل ولب أن يكون محروما مضيقا، وضيق على من هو في تقدير أحد وعقله أن يكون موسعا عليه مرزوقا، وهو العاقل العارف بجميع أسباب السعة والغنى، وفي التقدير على خلاف هذا، فلا بد من مكان فيه يظهر التفضيل للعقول والمعارف والرغبة فيها والرغبة عن أضدادها ومن هو أهل التوسيع ومن هو أهل الحرمان إذ قد اشتركوا في هذه. والثالث : أن يعتبروا، وينظروا، بأن من قدر على توسيع الرزق وبسطه وتضيق الرزق وحرمانه بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدبيرهم وبغير أسباب قادر على إحياء الأشياء الخارجة عن قدرتهم وتدبيرهم، والله أعلم. وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير الله ففي ذلك تناقض، وذلك بأنهم قالوا :﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] وقالوا(٨) :﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] وكانت لا تشفع في الدنيا، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع والبسط ودفع الضيق، وفي الآخرة لا يحتمل [ ذلك ](٩) لأنهم كانوا لا يؤمنون. فهو تناقض وسفه وسرف في القول. وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة لأنهم لا يجعلون لله في مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون، ويتعيشون صنعا، وإنما يجعلون ذلك في الخارج من الأرض. فالناس في ذلك [ في توسيع ](١٠) وتضيق إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع. فدل أن لله في ذلك صنعا حين(١١) يقع منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : ما ذكرنا : يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار. والثاني : لقوم ينتفعون بإيمانهم، والمنتفعون هم المنتفعون بها. فأما من كفر فلا ينتفع. وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر ﴿لقوم يؤمنون﴾ وهو ألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها، ولكن يرون الرزق من الله ؛ أنه يرزق بأسباب وبغير أسباب، أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر، فلم يقضها، فهو(١٢) يرى حرمانها من الله لا من ذلك الرجل. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٣ الهاء ساقطة من الأصل وم.. ٤ من م، في الأصل إليهم.. ٥ من م، ساقطة من الأصل.. ٦ من م، ساقطة من الأصل.. ٧ في الأصل: لا يوجب التوسع، في م: لا يوجب التوسع.. ٨ في الأصل وم: و.. ٩ ساقطة من الأصل وم.. ١٠ ساقطة من الأصل وم.. ١١ في الأصل وم: حتى.. ١٢ في الأصل وم: أي..

الروم 30:38

وحرمانه، بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدييرهم وبغير أسباب لقادر على إحياء الأشياء الخارجة عن تقدير قدرتهم وتدبيرهم، واللَّه أعلم. وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير اللَّه، فهو أن في ذلك تناقض، وذلك أنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، و (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ)، وكانت لا تشفع لهم في الدنيا، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع والبسط ودفع الضيق، وفي الآخرة لا يحتمل؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون، فهو متناقض وسفه وسرف في القول. وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يجعلون لله في مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون ويتعيشون صنعا، وإنَّمَا يجعلون ذلك في الخارج من الأرض وغيرها، فالناس في ذلك، وتضيق إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع؛ فدل أن له في ذلك صنعًا حتى يقع منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا: يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار. والثاني: لقوم ينتفعون بإيمانهم، والمؤمنون هم المنتفعون بها، فأما من كفر بها فلا ينتفع. وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر لقوم يؤمنون، وهو ألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها ولكن يرون الرزق من اللَّه أنه يرزق بأسباب وبغير أسباب. أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر، فلم يقضها: أن يرى حرمانها من اللَّه، لا من ذلك الرجل. وقوله: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) يحتمل قوله: (حَقَّهُ) أي: حاجته، لا على حق كان له، كقوله: (مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ)، أي: من حاجة؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق، ولكن أرادوا بالحق الحاجة، فعلى ذلك الأول، وكذلك قوله: (وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ): أي: سد المسكين حاجته ومسكنته، وكذلك ابن السبيل. ويحتمل قوله: (فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ): الحق الذي كان لهم، لكن لم يبين ذلك الحق

الروم 30:39

في هذه الآية، وبين في آية أخرى؛ كقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)، وما ذكر من المواريث قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ...) الآية، ونحو ذلك من الحقوق. وحق المسكين وابن السبيل: ما ذكر من الصدقات والزكاة، واللَّه أعلم. وقوله: (ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ). يحتمل قوله: (ذَلِكَ خَيْرٌ)، أي: الإيتاء للأقربين والمساكين والفقراء خير من الأبعدين والأغنياء وغيرهم. أو أن يكون قوله: (ذَلِكَ خَيْرٌ)، أي: ذلك الإيتاء إذا أريد به وجه اللَّه - خير مما لا يراد به. وقوله: (وَابْنَ السَّبِيلِ). اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو المنقطع عن ماله يعان حتى يصل إلى ماله. وقيل: الضيف ينزل فيحسن إليه إلى أن يرجع ويرتحل. وجائِز أن يكون قوله: (ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ)، أي: آت من ليست له عندك نعمة؛ فيكون ذلك ليس مكافأة لتلك النعمة، ولكن على إرادة وجه اللَّه، واللَّه أعلم. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). قد ذكرنا أن الفلاح هو البقاء، وقيل: النجاة. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (القَيِّمُ) المستقيم، (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ)، أي: تائبين، (يَقْنَطُونَ): ببنسون. وقوله: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) قال عامة أهل التأويل: هذا في العطايا التي يعطي بعضهم بعضا ويهدون؛ ليصيبوا أكثر مما أعطوا وأهدوا مجازاة ومكافأة لذلك؛ كأنه يقول: وما آتيتم من عطية وهدية؛ ليربو في أموال الناس لتزدادوا من أموال الناس، ولتلتمسوا الفضل من أموالهم، يقولون: هذا ربا حلال لا وزر فيه ولا أجر؛ فهو مباح للناس عامة لا بأس به. وأما قوله: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)، فهو للنبي خاصة، يقول: لا تعطه لتعطَى أكثر منه؛ ابتغاء الثواب في الدنيا، ولكن أعط ابتغاء ثواب الآخرة. ويستدلون بإباحة ذلك بقوله: (فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ)، يقول: لا يزداد ولا يتضاعف ذلك عند اللَّه، ولم يقل ما قال في الربا المحرم المحظور؛ حيث قال: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ): ذكر المحق وهاهنا ذكر: (فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ)، أي: لا يزداد ولا يتضاعف. لكن لو قيل: إنها في الربا المحظور كان جائزا محتملا، ويكون قوله: (فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ) كقوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ): إنها إذا لم تربح خسرت؛ ألا ترى أنه قال: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)؛ دل أنها إذا لم تربح خسرت؛ فعلى ذلك قوله: (فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ): إذا لم يرب عنده محقه وخسروا، فهو - واللَّه أعلم - لولا صرف أهل التأويل التأويل إلى الهدايا والعطايا التي يبتغى بها الثواب في الدنيا والمكافأة فيها أكثر مما أعطوا؛ وإلا جاز صرفه إلى الربا المعروف بين الناس في العقود وكذلك روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الهدية يبتغى بها وجه الرسول، وقضاء الحاجة والصدقة يبتغى بها وجه اللَّه والدار الآخرة ". ثم بين ما الذي يربو عند اللَّه، وهو ما قال. (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ). ثم اختلف فيه: منهم من قال: هو ما يزكون من زكاة المال؛ يريدون به وجه اللَّه؛ فهو الذي يقبله اللَّه ويضاعف عليه. ومنهم من قال: كل صدقة أعطاها؛ أراد وجه اللَّه، لم يرد بها الثواب في الدنيا - فهي التي تتضاعف وتزداد عند اللَّه. (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ). وكان يجيء أن يقال: فأُولَئِكَ هم المضعفون بنصب العين؛ لأنه هو يضاعف لهم، لكن الزجاج يقول: هو كما يقال: الموسر - هو الذي له يسار، والمقوي - هو الذي له القوة ونحوه؛ فعلى ذلك: المضعف هو الذي له الضعف. وعندنا: هم المضعفون؛ لأنهم هم الذين جعلوا الآحاد عشرات والأضعاف المضاعفة، بتصدقهم ابتغاء وجه اللَّه؛ فهم المضعفون لأنفسهم ذلك. ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية على إباحة هذه المعاملات التي تجري فيما بين الناس؛

الروم 30:40

لأنه أجاز الهدية والعطية على فصد الفضل والزيادة. وإن كان على شرط الزيادة لا يجوز؛ فعلى ذلك المعاملة تجوز على قصد الزيادة، والفضل، وإن كان على قصد أُولَئِكَ طلب الفضل لا محالة، بل يكافئون مرة الأكثر، ولا يكافئون بعضًا ويحرمون بعضًا؛ فلا يكره، وأما المعاملة فلا تكون إلا على قصد ذلك الفضل؛ فلا يرضون منهم إلا حفظ المقصود فيها، وأهل العطايا والهدايا قد يرضون بالثناء الحسن والشكر لهم، وأهل المعاملة لا، روي في بعض الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من أسدي إليه؛ فليجازه وإلا فليشكره وليثْنِ عليه "، أو كلام نحو هذا. والثاني: أن أهل المعاملة يثشرطون قبل المعاملة الزيادة، وإن كانوا يشترطون في عقد المعاملة، ولا كذلك أهل العطايا والهدايا؛ بل يتعرضون تعريضًا؛ لذلك افترقا، والله أعلم. * * * قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥) وقوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ). ولم تكونوا شيئًا، وأنتم تعلمون ذلك. (ثُمَّ رَزَقَكُمْ). وأنتم تعلمون ذلك أن لا يقدر الأرزاق لكم غيره. (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ). وأنتم تعلمون ألا يملك أحد غيره ذلك؛ فعلى ذلك يملك إحياءكم ولا يملك أحد ممن تعبدون دونه من اللأصنام ذلك؛ فكيف تعبدون دونه. وقوله: (هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ). هذا يحتمل وجهين: أحدهما: هَؤُلَاءِ الذين تعبدون شركاؤكم فيما ذكر من الخلق والرزق فكيف تعبدون وتتخذون آلهة دونه؟! والثاني: هل من شركائكم الذين أشركتموها في عبادة اللَّه وألوهيته تملك ما ذكر،

الروم 30:41

يقول: لا تملك شيئًا مما ذكر، على علم منكم أنها لا تملك ذلك، فيقول: فكيف تشركونها في ألوهيته؟ ثم نزه نفسه وبرأَها عن جميع العيوب التي وصفه الملحدون، فقال: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). لأن حرف (سُبْحَانَ) حرف تنزيه عن جميع العيوب، والتعالي: هو وصف وتبرئة عن أن يغلبه شيء أو يقهره؛ هو من العلو، متعال عن أن يغلبه شيء أو يقهره. وقوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، وهو الشرك والكفر، (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) من الأمور التي كانوا يتعاطون من قطع الطريق، والسرق، والظلم، وأنواع أعمال السوء التي يتعاطونها، ذدك هو سبب شعركهم وكفرهم باللَّه، وبذلك كان شعركهم وكفرهم ذلك كان يغطي قلوبهم؛ حتى لا تتجلى قلوبهم للإيمان؛ كقوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وكقوله: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ...) الآية، ونحوه؛ فإن كان هذا فهو على حقيقة تقديم الأيدي والكسب. والثاني: أن يكون (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق، وقوله: (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) هو شركهم وكفرهم وتعاطيهم ما لا يحل، أي: ذلك القحط والضيق وقلة الأنزال والشدائد لهم؛ لشركهم وكفرهم وأعمالهم التي اختاروها، ويكون ذكر كسب الأيدي على المجاز لا على الحقيقة؛ ولكن لما باليد يكتسب وباليد يقدم، ذكر اليد؛ كقوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)، ولعله لم يقدم شيئًا، لكنه ذكر أنه ظهر الشرك والكفر بحقيقة كسب الأيدي من أعمال السوء التي ذكرنا، ذلك كان يينعهم عن الإيمان وكشف الغطاء عن قلوبهم. وفي التأويل الآخر: الفساد الذي ظهر هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق؛ (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ): هو الشرْك والكفر وتعاطي ما لا يحل، لا على حقيقة كسب الأيدي؛ ولكن لما ذكرنا. ثم اختلف في قوله: (فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: البر: هو المفاوز التي لا ماء فيها، والبحر: القرى والأمصار.

الروم 30:42

وقَالَ بَعْضُهُمْ: أما البر فأهل العمود، والبحر: هم أهل القرى والريف. وقَالَ بَعْضُهُمْ: البر: قتل ابن آدم أخاه، والبحر: (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا). وجائز أن يكون لا على حقيقة إرادة البر والبحر؛ ولكن على إرادة الأحوال نفسها، على ما ذكرنا من القحط والضيق وقلة الأنزال؛ بما كسبت أيدي الناس من الثرك والكفر. (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا). وهو الشرك، هذا أشبه. وعن الحسن قال: (أفسدهم اللَّه في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة؛ لعلهم يرجع من كان بعدهم ويتعظون بهم). وقتادة يقول: لعل راجعًا يرجع، لعل تائبًا يتوب، لعل مستغيثًا يستغيث، وأصله: لكي يلزمهم الرجوع والتوبة عما عملوا، وينبههم عن ذلك كله. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، أي: أجدب البر وانقطعت مادة البحر؛ بذنوب الناس. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الربا من الربو مثل ما يصنع أصحاب الربا، (لِيَرْبُوَ)، أي: ليزيد ويكثر؛ يقال: ربا ماله، أي: كثر. والْقُتَبِيّ يقول: أي: يزيدكم من أموال الناس من زكاة وصدقة. وقوله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) قد ذكرنا في غير موضع: أنه ليس على حقيقة الأمر بالسير في الأرض؛ ولكن كأنه يقول: لو سرتم في الأرض ونظرتم لرأيتم عاقبة من كان قبلكم من المشركين، وهكذا في الرسل وما حل بهم؛ فينبهكم ويمنعكم عن تكذيب الرسل والشرك باللَّه. أو أن يكون هو على الأمر بالفكر والنظر والاعتبار؛ كأنه يقول: تفكروا واعتبروا فيما سرتم في الأرض، وانظروا إلى ماذا صار عاقبة مكذبي الرسل من قبل؛ فينزل بكم بالتكذيب ما نزل بأُولَئِكَ؛ واللَّه أعلم. وقوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)

الروم 30:43

الآية ٤٣ وقوله تعالى :﴿فأقم وجهك للدين القيّم﴾ قد ذكرنا في ما تقدم في قوله :﴿فأقم وجهك للدين حنيفا﴾ [ يونس : ١٠٥ والروم٣٠ ]. وقوله تعالى :﴿من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله﴾ قال بعض أهل التأويل : لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم من الله، ثم يخرّج على وجهين : أحدهما :﴿لا مرد له من الله﴾ أي لا يردّون من ذلك اليوم إلى ابتداء المحنة كقولهم :﴿يا ليتنا نرد﴾ الآية :[الأنعام: ٢٧]. قولهم :﴿ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾ [فاطر: ٣٧]. وقد أخبر عنهم، فقال :﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا﴾ [الأنعام: ٢٨] فعلى ذلك جائز أن يكون قوله :﴿لا مرد له من الله﴾ أي لا يردون إلى ما يسألون الرد. والثاني :﴿لا مرد له من الله﴾ أي لا إقامة لهم من الله، ولا عفو، ولا توبة، إذا أتاهم ذلك اليوم كقوله :﴿لا ينفع نفسا إيمانها﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]. وقوله تعالى :﴿يومئذ يصّدّعون﴾ أي يتفرقون كقوله :﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون﴾ [الروم: ١٤] هو ﴿يوم الجمع﴾ [ الشورى : ٧ والتغابن : ٩ ] و﴿يوم الفصل﴾ [ الصافات : ٢١و. . . ] على اختلاف الأحوال والأوقات، والله أعلم.

الروم 30:44

قد ذكرناه فيما تقدم في قوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا). وقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ). قال بعض أهل التأويل: لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم من اللَّه. ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: لا مرد له من اللَّه، أي: لا يردون من ذلك اليوم إلى ابتداء المحنة؛ كقولهم: (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ) الآية، وقولهم: (أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، ثم أخبر عنهم فقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ)، أي: لا يردون إلى ما يسألون الرد. والثاني: (لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ)، أي: لا إقالة لهم من اللَّه ولا عفو ولا توبة إذا أتاهم ذلك اليوم؛ كقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا...) الآية. وقوله: (يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ). أي: يتفرقون؛ كقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ)، هو يوم الافتراق، ويوم الجمع، ويوم الفصل على اختلاف الأحوال والأوقات، واللَّه أعلم. وقوله: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) أي: من كفر فعليه كفره وعليه ضرر كفره، ومن آمن وعمل صالحًا، فله ثواب إيمانه، وله منفعة عمله؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - إنما امتحنهم بأنواع ما امتحن لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة له، وكذلك قوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا)، وقوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) الآية، وهو ما ذكرنا أنه إنما أمرهم ونهاهم وامتحنهم؛ لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، لا لحاجة أو لمنفعة لنفسه؛ لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم. وقوله: (يَمْهَدُونَ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: يفترشون. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: فلأنفسهم يعملون ويوطئون، وهو من المهاد، والمهاد في الأصل: الفراش. وقوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥) هذا يدل أن الثواب والجزاء سبيل وجوبه الفضل في الحكمة؛ لما سبق من اللَّه إليهم نعم ما لم يتهيأ لهم القيام بشكر واحدة منها، فضلا أن يقوموا للكل؛ فإذا كان كذلك صار

الروم 30:45

الآية ٤٥ وقوله تعالى :﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله﴾ هذا يدل أن الثواب والجزاء، سبيل وجوبه الفضل [ لأن ](١) في الحكمة [ وجوبه ](٢) لما سبق من الله إليهم نعم ما لم يتهيأ لهم القيام بشكر /٤١٤-ب/ واحدة منها فضلا أن يقوموا للكل. فإذا كان كذلك صار الثواب والجزاء، وجوبه الفضل لا الاستحقاق والاستيجاب. وأما العقوبات، فوجوبها الاستحقاق، إذ في الحكمة وجوبها. لذلك افترقا. وجائز أن يكون قوله :﴿ليجزي الذين آمنوا﴾ يجزيهم في الآخرة بالخيرات التي عملوها في الدنيا، وذلك من فضله، به نالوا ذلك، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ من نسخة الحرم المكي..

الروم 30:46

الثواب والجزاء وجوبه الفضل لا الاستحقاق والاستيجاب وأما العقوبات فوجوبها الاستحقاق؛ إذ في الحكمة وجوبها؛ لذلك افترقا. وجائز أن يكون قوله: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يجزيهم في الآخرة بالخيرات التي عملوها في الدنيا، وذلك من فضله به نالوا ذلك وبفضله، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ). إن في الرياح آيات في نفسها، وفيها بشارات. أما الآيات: فهي آيات سلطانه وتدبيره من وجوه: أنه أنشأ هذه الرياح في الهواء وفي الأرض وفي الجبال وفي السماء، تصيب الخلائق وتميتهم وتؤذيهم وتصرعهم وتضرهم، من غير أن يروها أو يقع عليها البصر، ومن غير أن يدركوها أو يدركوا كيفيتها، أو ما يتهيأ؛ ليعلم أن من الأجسام ما هي غير مدركة ولا أخذ البصر عليها. وترى منها طيبة لينة، وخبيثة وشديدة كاسرة عاصفة، يعذب بها قوم، وينصر بها قوم؛ على ما ذكر في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " نُصِرتُ بالصَّبا، وأهِلكَ عادٌ بالدَّبور ".

الروم 30:47

ومن بشارتها: ما تلقح الأشجار والنخيل، وتشق الأرض وينبت النبات منها، وتجمع السحاب وتأتي بالمطر، وتجري بهم السفن والفلك في البحار في الماء الراكد والفلك لولا الريح، فذلك كله من البشارة وأنواع المنافع التي جعل فيها، يعلم كل بالأعلام والآثار أنها نافعة أو ضارة مهلكة؛ ثم سماها: مبشرات؛ ليعلم أن البشارة قد تكون بدون النطق والكلام: من نحو الكتاب والإشارة أو الرسالة؛ إذ ليس للريح نطق ولا كلام، ثم سماها: مبشرة، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ). هذا يدل أن هذه البشارة والمنافع التي جعل لهم كان من رحمته وفضلا، لا استيجابا ولا استحقاقا، وسمى ذلك كله: رحمة؛ لأنه برحمته يكون، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ). قوله: (بِأَمْرِهِ) ويحتمل بتدبيره، أي: بتدبيره تجري السفن في البحار، على ما ذكرنا. أو أن يريد بأمره: تكوينه، كقوله: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وكقوله: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وقوله: (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ). هذا يدل على أن ما يصل إليهم من المنافع إنما يصل من فضله ورحمته، لا يصل إليهم بتلك الأسباب والمكاسب؛ لئلا يروا ذلك من تلك الأسباب، ولكن يرون ذلك من فضل اللَّه ورحمته. وقوله: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). أي: لكي يلزمهم الشكر لله على ذلك كله، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) في هذه الآية لي يصبر رسول اللَّه على أذى الكفرة؛ حيث قال: (أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ). وفيه أيضًا بشارة للمؤمنين، ونذارة لأُولَئِكَ الكفرة. أما النذارة لهم فقوله: (فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا)، أخبر أن أُولَئِكَ لما كذبوا الرسل، وعاملوهم بما تعاملون أنتم يا أهل مكة رسول اللَّه؛ فانتقمنا منهم جزاء معاملتهم؛ فعلى ذلك ينتقم منكم كما انتقم من أُولَئِكَ. وأما البشارة للمؤمنين فقوله: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، أخبر أن عاقبة الأمور تكون للمؤمنين.

الروم 30:48

وفيه أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا من البشر؛ فكيف تنكرون رسالة مُحَمَّد إذ كان من البشر. وفيه: أنه قد أتى قومه بالبينات كما أتى أُولَئِكَ الرسل قومهم بالبينات. وقوله: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ). هو يخرج على وجهين: أحدهما: أي: كان حقّا علينا جعل العاقبة للمؤمنين، لا أن يكون عليه حقًا نصر المؤمنين في الدنيا؛ ولكن جعل العاقبة للمؤمنين حقًا؛ كقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). والثاني: كان حقًّا علينا نصر المؤمنين بالحجج التي أعطاهم، أي: كان حقا إعطاء الحجج لهم والنصر والمعونة بالحجج، أي: إعطاء الحجج لهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نصره إياهم: أنه أنجاهم مع الرسل، وأهلك أُولَئِكَ، واللَّه أعلم. وقوله: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) كأنه يخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث أنشأ الرياح بحيث يجمع السحاب ويفرقه، ويبسطه ويجعله قطعًا: يمطر في مكان، ولا يمطر في مكان، يقول - واللَّه أعلم -: إن من قدر أن يسلط الرياح في جمع السحاب، وتفريقه - يملك تسليط الرياح على تعذيبكم، ويقول: إن المعبود المستحق للعبادة هو الذي يرسل الرياح لما ذكر والأمطار، لا الأصنام التي تعبدون؛ إذ تعلمون أنها لا تملك شيئًا مما ذكر. أو يذكر نعمه التي عليهم؛ ليتأدى بها شكرها، أو يطمعهم إيمان بعض منهم بعدما كانوا آيسين عن إيمانهم، كما أطمعهم المطر والسعة بعد ما قحطوا وكانوا آيسين عنه؛ ألا ترى أنه قال: (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ). قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَتُثِيرُ سَحَابًا)، أي: ترفعه. وقال أبو عبيدة: تجمعه؛ كما يستثير الرجل العلم فيجمعه. وقوله: (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا). قَالَ بَعْضُهُمْ: قطعًا قطعًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يضم بعضه إلى بعض، ويحمل بعضه على بعض. وقوله: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ).

الروم 30:49

أي: المطر يخرج من خلال السحاب، أي: من بين السحاب، ويقرأ (خَللهِ)، ومعناه: نقبه. وقوله: (لَمُبْلِسِينَ (٤٩) آيسين، والإبلاس: الإياس؛ ولذلك سمى إبليس: إبليس لأنه أُوِيس من رحمة اللَّه. وقوله: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) يحتمل أن يكون قوله: (إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ)، أي: المطر، أراد بالرحمة: المطر، سمى المطر: رحمة؛ لأنه يكون برحمته. أو أن يكون الآثار هو المطر نفسه، جعله من آثار رحمته وأعلامه. ثم الأمر بالنظر والاعتبار بآثار رحمته يحتمل وجوهًا: أحدها: أمرهم بالنظر إلى ذلك؛ ليعلموا أنه رحيم؛ كي يرغبوا فيما رغبهم ويرجوا فيما أطمعهم ودعاهم إليه؛ إذ قد ظهر آثار رحمته؛ فكل رحيم يرغب فيما رغب وأطمع. أو أن يكون الأمر بالنظر إلى آثار رحمته؛ إذ ذلك راجع إلى منافع أبدانهم وأنفسهم وما به قوامهم؛ ليتأدى بذلك شكره، وفي ذلك يقع الحاجة إلى من يعرفهم تلك النعم ويعرف شكرها؛ فيكون في ذلك الترغيب في قبول الرسالة وإثباتها. أو أن يكون سمى المطر: رحمة؛ لما يرجع ذلك إلى منافع أبدانهم وما به قوام أنفسهم؛ ليعرفوا الرحمة هي راجعة إلى منافع دينهم وآخرتهم، وهو رسول اللَّه؛ إذ سماه في غير موضع: رحمة بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). أو أن يأمر بالنظر إلى ذلك المطر، وأنه كيف يحي هذه الأرضين الموات، وينبت فيها من ألوان النبات؟! وهذه الأشجار اليابسة كيف تخضر بعد يبوستها بهذه الأمطار؟! ليعرفوا أن من ملك هذا، وقدر على ذلك، وهو خارج عن وسعهم وتقديرهم لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الممات، وإن كان خارجًا عن تقديرهم ووسعهم، وهو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء. وقوله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) يعني به: الزرع والنبات الذي أخرج من الأرض بالمطر. قَالَ بَعْضُهُمْ: رأوه يابسًا إذا أصابته الريح الباردة. (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ).

الروم 30:50

الآية ٥٠ قوله تعالى :﴿فانظر إلى آثار رحمة الله﴾ يحتمل أن يكون قوله :﴿إلى آثار رحمة الله﴾ أي المطر ؛ أراد بالرحمة المطر، سمي المطر رحمة لأنه يكون برحمته، أو أن تكون الآثار، هي(١) المطر نفسه، جعله من آثار رحمته وأعلامه. ثم الأمر بالنظر والاعتبار بآثار رحمته يحتمل وجوها : أحدها : أمرهم بالنظر إلى ذلك ليعلموا أنه رحيم كي يرغبوا في ما رغبهم، ويرجوا في ما أطمعهم، ودعاهم إليه، إذ قد ظهرت آثار رحمته، فكل رحيم يرغب في ما رغب، وأطمع. [ والثاني ](٢) أن يكون الأمر بالنظر إلى آثار رحمته لأن(٣) ذلك راجع إلى منافع أبدانهم وأنفسهم وما به قوامهم ليستأدي بذلك شكره. وفي ذلك تقع الحاجة إلى من يعرفهم تلك النعم، ويعرفهم شكرها، فيكون في ذلك الترغيب في قبول الرسالة [ وإثبات نبوة رسوله ](٤). [ والثالث ](٥) : أن يكون سمي المطر رحمته لما يرجع ذلك إلى منافع أبدانهم وما به قوام أنفسهم ليعرفوا الرحمة، هي راجعة إلى منافع دينهم وآخرتهم، وهي(٦) رسول الله، إذ سماه في غير موضع رحمة بقوله :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [ الأنبياء : ١٠٧ }. [ والرابع ](٧) : أن يأمر بالنظر إلى ذلك المطر ليري(٨) كيف يحيي هذه الأرضين الموات، وينبت فيها من ألوان النبات ؟ وهذه الأشجار اليابسة كيف تخضرُّ بعد يبوستها بهذه الأمطار ؟ ليعرفوا إن من ملك هذا، وقدر على ذلك، وهو خارج عن وسعهم وتقديرهم لقادر على /٤١٥-أ/ إحياء الموتى وبعثهم بعد الممات، وإن كان خارجا عن تقديرهم ووسعهم ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ لا يعجزه شيء. ١ في الأصل وم: هو.. ٢ في الأصل وم: أو.. ٣ في الأصل وم: إذ.. ٤ في الأصل وم: وإثباته.. ٥ في الأصل وم: أو.. ٦ في الأصل وم: وهو.. ٧ في الأصل وم: أو.. ٨ في الأصل وم: وأنه..

الروم 30:51

الآية ٥١ وقوله تعالى :﴿ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرّا﴾ يعني به الزرع والنبات الذي أخرج من الأرض بالمطر. قال بعضهم : رأوه يابسا، إذا أصابته الريح الباردة ﴿لظلوا من بعده يكفرون﴾ أي لأقاموا على كفرهم إذا أصابهم ما ذكر، وهو كقوله :﴿وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦] فعلى ذلك قوله :﴿لظلوا من بعده يكفرون﴾ أي يقنطون من رحمته، والله أعلم.

الروم 30:52

أي: لأقاموا على كفرهم إذا أصابهم ما ذكر، وهو كقوله: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ)؛ فعلى ذلك قوله: (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) أي: يقنطون من رحمته، واللَّه أعلم. وقوله: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) جائز أن يكون (لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى)، يريد بالموتى: أنفسهم، (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) الصم: أنفسهم أيضا، يقول: لا تسمع الكفار والضلال إذا ولوا مدبرين. أو أن يكون قوله: (لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) كناية عن الكفار، وكذلك الصم والعمي، وقد سمى اللَّه الكفار: موتى وصما وعميا في غير موضع من القرآن. ثم في قوله: (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) حكمة، وهو ألا يقدر أن يسمع الأصم الدعاء إذا ولى مدبرا، ولكن يقدر أن يفهم الأصم إذا أقبل، وأما إذا أدبر فلا يقدر أن يسمعه، وكذلك الحكمة في قوله: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) أي: لا تقدر أن تهدي العمي عن ضلالتهم، وهو الذي يعمى عن ضلالته ويظن أنه على الهدى وغيره على الضلال، فأما من كان مقرّا بالضلال فإنك تقدر أن تهديه، يخبر عن شدة سفههم وتعنتهم وعماهم في ضلالتهم، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا). أي: ما تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، هذا يدل على أن قوله: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ)، وقوله: (وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ) هي المواعظ لا نفس الهدى؛ حيث قال: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ). ثم يحتمل قوله: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا) كقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) أي: إنما ينتفع بإنذارك من اتبع الهدى. أو أن الذي يقبل النذارة من اتبع الهدى، فأما من لم يتبع الهدى فلا ينتفع؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا)، أي: ما ينتفع أو لا يسمع المواعظ إلا من يؤمن بذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ)، أي: من النطفة، وهو ما قال في آية أخرى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)، أي: ضعيف. ثم قوله: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً)، أي: إنسانًا يقوى على أمور وعلى أشياء. (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) أي: شيخًا فانيًا؛ كقوله - تعالى -: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا). وجائز أن يكون قوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ)، أي: أطفالا على الخلقة التي أنتم عليها اليوم، ضعفاء لا تقوون على أشياء وأمور، ولا يقوى شيء منكم على شيء، ثم جعلكم من بعد ذلك الضعف أقوياء تقوون على أشياء وأمور، ثم يجعلكم من بعد تلك القوة والقدرة ضعفاء شيوخًا لا تقدرون على شيء، على ما يكون؛ يحتمل هذين الوجهين. ثم فيه وجهان من الدلالة: أحدهما: على البعث؛ والثاني: على القدرة على إنشاء الخلق والأشياء لا من أصول. أما الدلالة على البعث؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث وإنشاء الشيء لا من أصل؛ لخروج ذلك عن قواهم وتقديرهم؛ فيخبر أن النطفة تصير علقة، وليس فيها من العلقة ولا من آثارها شيء، وكذلك العلقة تصير مضغة، وليس فيها من آثار المضغة شيء، وكذلك المضغة تصير إنسانا فيه عظم وجلد وشعر ولحم، وليس شيء من ذلك فيها؛ فمن قدر على ما ذكر لقادر على خلق الشيء لا من أصل، وقادر على البعث؛ إذ كل ما ذكر أقروا به، وهو خارج عن قواهم وعن تقديرهم؛ فلزمهم الإقرار بالبعث والإنشاء لا عن أصل وألا يقدروا قدرتهم وقواهم بقدرة اللَّه وقوته، على ما شاهدوا أشياء خارجة محن قواهم ومحن تقديرهم، بقوته وقدرته. والثاني: أن ما ذكر من تحويل النطفة إلى العلقة، والعلقة إلى المضغة، والمضغة إلى الصورة والإنسان - لم يخلقهم ولم ينقلهم؛ ليكون كما ذكر بلا عاقبة تكون لهم ولا بعث؛ فلو لم يكن بعث لكان ما ذكر من تحويل حال إلى حال عبثًا باطلا، على ما ذكر، وكذلك فيما أحدث في الأطفال من القوة والقدرة، بعد ما كانوا ضعفاء لا يقوون ولا يقدرون على شيء أنه إنما أحدث ذلك فيهم؛ ليمتحنوا، ويجعل لهم ما يثابون ويعاقبون، إذ لو لم يكن بعث ولا عاقبة لكان فعل ذلك عبثًا باطلا. وفيه القدرة على إنشاء الشيء وإحداثه لا من شيء؛ إذ كان التركيب موجودا على التمام ولا قوة بهم، ثم حدث القوة ولا أصل لها ولا أثر من آثارها؛ دل أن تقدير قوى الخلق وقدرتهم، بقوى اللَّه وقدرته محال، واللَّه الموفق. وقوله: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ).

الروم 30:53

الآية ٥٣ وكذلك الحكمة في قوله :﴿وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم﴾ أي لا تقدر أن تهدي العمي عن ضلالتهم [ والأعمى هو ](١) الذي يعمى عن ضلالته، ويظن أنه على الهدى، وغيره على الضلال. فأما من كان مقرّا بالضلال [ فإنك لا تقدر ](٢) أن تهديه. يخبر عن شدة سفههم وتعنّتهم وعماهم في ضلالتهم، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا﴾ أي ما يسمع إلا من يؤمن بآياتنا. هذا يدل على أن قوله :﴿فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولّوا مدبرين﴾ وقوله ﴿وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم﴾ هي المواعظ لا نفس الهدى لأنه(٣) قال :﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون﴾. ثم يحتمل قوله :﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا﴾ [ أن يكون ](٤) كقوله :﴿إنما تنذر من اتبع الذكر﴾ [يس: ١١] أي إنما ينتفع بإنذارك من اتبع الهدى، أو إن الذي يقبل النذارة من اتبع الهدى. فأما من لم يتبع الهدى فلا ينتفع. فعلى ذلك يحتمل قوله :﴿إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا﴾ أي ما ينتفع أو لا يسمع المواعظ إلا من يؤمن بذلك، والله أعلم. ١ في الأصل وم: وهو.. ٢ في الأصل: فأما من كان، في م: فإنك تقدر.. ٣ في الأصل وم: حيث.. ٤ ساقطة من الأصل وم..

الروم 30:54

الآية ٥٤ وقوله تعالى :﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة﴾ هذا يحتمل وجهين : أحدهما : قوله :﴿خلقكم من ضعف﴾ أي من النطفة، وهو ما قال في آية أخرى ﴿ألم نخلقكم من ماء مهين﴾ [المرسلات: ٢٠] أي ضعيف ثم قوله :﴿ثم جعل من بعد ضعف قوة﴾ أي إنسانا، يقوى على أمور وعلى أشياء ﴿ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة﴾ أي شيخا فانيا كقوله تعالى :﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا﴾ [ النحل : ٧٠، الحج : ٥ ]. [ والثاني ](١) : أن يكون قوله :﴿خلقكم من ضعف﴾ أي أطفالا، لا(٢) على الخلقة التي أنتم عليها اليوم، ضعفاء لا تقوون على أشياء وأمور، ولا يقوى شيء منكم على شيء ﴿ثم جعل من بعد ضعف قوة﴾ ثم جعلكم(٣) من بعد ذلك الضعف أقوياء، تقوون على أشياء وأمور ﴿ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة﴾ ثم يجعلكم(٤) من بعد تلك القوة والقدرة ضعفاء شيوخا، ولا تقدرون على شيء على ما يكون يحتمل هذين الوجهين. ثم فيه وجهان من الدلالة : أحدهما : على البعث. والثاني : على القدرة على إنشاء الخلق والأشياء لا من أصول. أما الدلالة على البعث فلأنهم كانوا ينكرون(٥) البعث وإنشاء الشيء لا من أصل لخروج عن قواهم وتقديرهم ؛ يخبر أن النطفة، تصير علقة، وليس فيها من العلقة ولا من آثارها شيء. وكذلك العلقة، تصير مضغة، وليس فيها من آثار المضغة شيء، وكذلك المضغة، تصير إنسانا، فيه عظم وجلد وشعر ولحم، وليس شيء من ذلك فيها. فمن قدر على ما ذكر فيقدر على خلق الشيء لا من أصل، ويقدر على البعث، إذ كل ما ذكر أقرّوا به، وهو خارج عن قواهم وعن تقديرهم. فلزمهم الإقرار بالبعث والإنشاء لا عن أصل، وألا يقدروا قدرتهم بقردة الله وقوته على ما شاهدوا أشياء خارجة عن قواهم وعن تقديرهم بقوة الله وقدرته. والثاني : أن ما ذكر من تحويل النطفة إلى العلقة والعلقة إلى المضغة والمضغة إلى الصورة والإنسان، لم يحولهم، ولم ينقلهم ليكون كما ذكر بلا عاقبة تكون لهم ولا بعث. فلو لم يكن بعث لكان ما ذكر من تحويل حال إلى حال عبثا باطلا على ما ذكر. وكذلك في ما أحدث من الأطفال من القوة والقدرة بعد ما كانوا ضعفاء، لا يقوون، ولا يقدرون على شيء. أنه إنما أحدث فيهم ليمتحنوا، ويجعل لهم [ عاقبة ](٦) يثابون، ويعاقبون، إذ لو لم يكن بعث ولا عاقبة لكان فعل ذلك عبثا باطلا. [ وفيه القدرة ](٧) على إنشاء الشيء، وإحداثه لا من شيء، إذ كان التركيب موجودا على التمام، ولا قوة به(٨)، ثم أحدث القوة، ولا أصل لها، ولا أثر من آثارها. دل أن تقدير قوى الخلق بقوى الله محال، والله الموفق. وقوله تعالى :﴿يخلق ما يشاء وهو العليم القدير﴾ بأحوالهم، والقدير على إنشاء الأشياء لا من أشياء وعلى البعث بعد الموت، والله أعلم. ١ في الأصل وم: وجائز.. ٢ ساقطة من م.. ٣ في الأصل وم: جعل.. ٤ في الأصل وم: يجعل.. ٥ من م، في الأصل: يقدرون.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ من م، ساقطة من الأصل.. ٨ في الأصل وم: بهم..

الروم 30:55

بأحوالهم، والقدير على إنشاء الأشياء لا من أشياء، وعلى البعث بعد الموت، والله أعلم. * * * قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠) وقوله: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ). قال بعض أهل التأويل: يقسم المجرمون: إنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة، وكذلك يقولون: في قوله: (كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ. قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ...) الآية. لكن الأشبه أن يكون قوله: (يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ): الدنيا في المحنة، لا في القبور، استقصروا مقامهم في الدنيا؛ تكذيبًا لما ادعى عليهم من الزلل والمعاصي أنواع الكفر؛ يقولون: إنا لبثنا في الدنيا وقتا لا يكون منا في مثل ذلك الوقت وتلك المدة الزلل والمعاصي؛ ألا ترى أنهم قد كذبوا في إنكارهم طول المقام فيها؛ حيث قال: (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ)، أي: كذلك كانوا يكذبون في الدنيا أن لا بعث ولا حياة بعد الموت ولا حساب، ولولا هذا التكذيب لهم على أثر قولهم: (مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ)، وإلا كان الظاهر أنهم قد استقصروا المقام في الدنيا؛ لطول المقام في الآخرة وشدة العذاب في ذلك وهوله، لكنه - واللَّه أعلم - ما ذكرنا أنهم يقسمون: إنهم ما لبثوا غير ساعة في الدنيا؛ إنكارا وجحودًا لما ادعى عليهم من الزلل والمعاصي، يقولون: إنا لم نلبث في الدنيا إلا ساعة، فكيف عملنا فيها هذا الزلل وأنواع الشرك والكفر؛ فأخبر أنهم (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ)، أي: كذلك كانوا يكذبون في الدنيا ويقسمون؛ حيث قال: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)، فذلك القسم منهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذب وإنكار للمقام، كما كذبوا وأنكروا الشرك؛ حيث قالوا (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ).

الروم 30:56

وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه: قال الذين أوتوا العلم في كتاب اللَّه، أي: أوتوا العلم بكتاب اللَّه والإيمان به: لقد لبثتم إلى يوم البعث فهذا يوم البعث. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم في علم اللَّه في الدنيا إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث. وبعضهم يقول: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: لقد لبثتم فيما كتب اللَّه لكم من الآجال إلى انقضاء آجالكم وفنائها. وقوله: (فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ) الذي كنتم تنكرونه وتكذبونه. (وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على حقيقة نفي العلم عنهم، لكنهم لا يعذرون لجهلهم بذلك؛ لما أعطوا أسباب العلم لو تفكروا وتأملوا لعلموا. والثاني: على نفي الانتفاع بعلمهم؛ على ما نُفي عنهم حواس كانت لهم؛ لما لم ينتفعوا بها؛ فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم بذلك لما لم ينتفعوا بما علموا، واللَّه أعلم. وقوله: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) ليس على أن يكون لهم عذر فلا ينفعهم ذلك، ولكن لا عذر لهم ألبتَّة. أو أن يكون معذرتهم ما ذكروا: (مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) فذلك معذرتهم؛ فلا ينفعهم ذلك؛ لأنهم كذبة في ذلك. وقوله: (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ). الاستعتاب: هو الاسترجاع عما كانوا فيه، فهم لا يطلب منهم. الرجوع عما كانوا عليه في ذلك الوقت، والعتاب في الشاهد: أن يعاتب؛ ليترك ما هو عليه ويرجع عما كان منه فيما مضى، وذلك لا ينفع للكفرة في ذلك اليوم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا). أي: رأوا ذلك الزرع والنبات مصفرا، أي: يابسًا؛ لما أصابه من الريح والبرد. (لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ).

الروم 30:57

الآية ٥٧ وقوله تعالى :﴿فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم﴾ ليس على أن يكون لهم عذر، فلا ينفعهم، ولكن لا عذر لهم البتة، أو أن تكون معذرتهم ما ذكروا ﴿ما لبثوا غير ساعة﴾ فذلك معذرتهم، فلا ينفعهم ذلك لأنهم كذبة في ذلك. وقوله تعالى :﴿ولا هم يستعتبون﴾ الاستعتاب، هو الاسترجاع عما كانوا فيه، فهم لا يطلب منهم الرجوع عما كانوا عليه في ذلك الوقت. والعتاب في الشاهد أن يعاتب ليترك ما هو عليه، ويرجع عما كان منه في ما مضى، وذلك لا ينفع للكفرة في ذلك اليوم، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا﴾ [الروم: ٥١] أي رأوا طلك الزرع والنبات مصفرا، أي يابسا لما أصابه من الريح والبرد ﴿لظلوا من بعده يكفرون﴾ قيل : لأقاموا، وقيل : لمالوا، وكله يرجع إلى معنى واحد، وهو ما تقدم ذكره من القنوط، أي يقنطون، وييأسون من رحمته، ويكفرون برب هذه النعم. وفي حرف ابن مسعود : إنك لا تسمع الموتى.

الروم 30:58

قيل: لأقاموا، وقيل: لصاروا، وقيل: لمالوا، وكله يرجع إلى معنى واحد، وهو ما تقدم ذكره من القنوط، أي: يقنطون وييئسون من رحمته، ويكفرون رب هذه النعم. وفي حرف ابن مسعود: (إنك لا تسمع الموتى إنك لا تبعث الموتى). وقوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) جائز أن يكون ما ذكر من ضرب المثل للكفار خاصة، يقول: قد بينا لهم ما يعظهم ويزجرهم عما هم فيه، ويدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، لكنهم اعتقدوا العناد والمكابرة. وقوله: (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ). أي: لو جئتهم بالآية التي سألوك -أيضًا- فلا يصدقوك ولا يقبلوا الهدى، ويقولون ما ذكر: (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ). ويشبه أن يكون ما ذكر من ضرب المثل للفريقين جميعًا للمؤمن والكافر، ويكون التأويل - واللَّه أعلم -: ولقد ضربنا وبينا للناس لأفعالهم وأحوالهم من القبيح والحسن مثلا وشبها ما يعرفون به قبح كل قبيح، وحسن كل حسن، وما بين لهم الحق من الباطل، والعدل من الجور؛ لأن أُولَئِكَ الكفرة لم يعتبروا ولم يتأملوا، ثم رجع إلى وصف أُولَئِكَ الكفرة، فقال: (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ)، أي: بزيادة في البيان والوضوح، (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ)، واللَّه أعلم. وقوله: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) قد ذكرنا في غير موضع أن قوله: (لَا يَعْلَمُونَ) يخرج على وجهين: أحدهما: لم يعلموا؛ لما لم يتأملوا ولم ينظروا في أسباب العلم لكي يعلموا، ولا عذر لهم في جهلهم ذلك؛ لما أعطوا أسباب العلم، لكنهم لم يستعملوها فمنهم جاء ذلك؛ فلم يعذروا. والثاني: نفى عنهم العلم على وجوده لهم وكونه؛ لما لم ينتفعوا بما علموا، على ما ذكرنا من نفي الحواس عنهم، مع وجود تلك الحواس وكونها لهم؛ لما لم ينتفعوا بها ولم يستعملوها فيما جعلت تلك وأنشئتا لها؛ فعلى ذلك العلم، واللَّه أعلم. وقوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠) قَالَ بَعْضُهُمْ: فاصبر على تكذيبهم إياك بالعذاب الذي وعدت لهم؛ إن وعد اللَّه حق في العذاب بأنه نازل بهم. وجائز أن يكون قوله: (فَاصْبِرْ)، أي: اصبر على أذاهم الذي يؤذونك؛ إن وعد الله حق في النصر لك والمعونة. وقوله: (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ). كأنه يقول: لا يحملنك أذاهم إياك حتى تدعو عليهم بالعذاب والهلاك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ)، أي: لا يستفزوك، ويقول: لا يستجهلنك، وأصله ما ذكرنا: ألا يحملنك أُولَئِكَ الكفرة على الخفة والعجلة والجهل؛ حتى تدعو عليهم بإنزال العذاب والهلاك لهم، وهو - واللَّه أعلم - كأنه من الاستخفاف. * * *

الروم 30:59

الآية ٥٩ وقوله تعالى :﴿كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن قوله :﴿لا يعلمون﴾ يخرج على وجهين : أحدهما : لم يعلموا لما لم يتأملوا، ولم ينظروا، في أسباب العلم لكي يعلموا، ولا عذر لهم في جهلهم. ذلك لما أعطوا أسباب العلم. لكنهم لم يستعملوها. فمنهم جاء ذلك فلم يعذروا. والثاني : نفى عنهم العلم على وجود العلم لهم وكونه لما لم ينتفعوا بما علموا على ما ذكرنا من نفي الحواس عنهم مع وجودها وكونها لهم(١) لما لم ينتفعوا بها، ولم يستعملوها في ما جعلت، وأنشئت لها. فعلى ذلك العلم، والله أعلم. ١ أدرج بعدها في الأصل وم: تلك الحواس..

الروم 30:60

الآية ٦٠ وقوله تعالى :﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ قال بعضهم : فاصبر على تكذيبهم إياك بالعذاب الذي وعدت لهم ﴿إن وعد الله حق﴾ في العذاب بأنه نازل بهم. وجائز أن يكون قوله :﴿فاصبر﴾ أي اصبر على أذاهم الذي يؤذونك ﴿إن وعد الله حق﴾ في النصر لك والمعونة. وقوله تعالى :﴿ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ كأنه يقول : لا يحملنك أذاهم إياك حتى تدعو عليهم بالعذاب والهلاك. وقال بعضهم :﴿ولا يستخفنك﴾ أي لا يستفزّنك ؛ ويقول : لا يستجهلنك. وأصله ما ذكرنا أي لا يحملنك أولئك الكفرة على الخفة والعجلة والجهل حتى تدعو عليهم بإنزال العذاب والهلاك لهم، وهو، والله أعلم، من الاستخفاف.

لقمان 31:1

سُورَةُ لُقْمَانَ كلها مَكِّيَّة إلا آيتين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الم). قد ذكرنا تأويله في غير موضع فيما تقدم وما ذكر فيه. وقوله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: (تِلْكَ) إشارة إلى ما بشر به الرسل المتقدمة أقوامهم من بشارات، يقول: تلك البشارة هي آيات. (الْكِتَابِ). أي: هذا القرآن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: تلك الآيات التي في السماء هذا الكتاب. ومنهم من قال: تلك الآيات التي أنزلت متفرقة، فجمعت؛ فصارت قرآنا، واللَّه أعلم. وقوله: (الْكِتَابِ الْحَكِيمِ). سمى الكتاب: حكيمًا كريمًا مجيدًا ونحوه؛ فيحتمل تسميته: حكيمًا وجوهًا: أحدها: لإحكامه وإتقانه، أي: محكم متقن لا يبذل ولا يغير، وهو كما وضعه - عز وجل - (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ). والثاني: سماه: حكيمًا؛ لأن من تمسك به، وعمل بما فيه يصير حكيمًا مجيدًا كريمًا. والثالث: سماه حكيمًا؛ لأنه منزل من عند حكيم؛ كقوله: (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).

لقمان 31:2

الآية ٢ وقوله تعالى :﴿تلك آيات﴾ قال بعضهم :﴿تلك﴾ إشارة إلى ما بشر به الرسل المتقدمة أقوامهم من بشارات. يقول : تلك البشارات(١) هي آيات الكتاب أي هذا القرآن. وقال بعضهم :﴿تلك آيات الكتاب﴾ التي في السماء، هذا الكتاب. ومنهم من قال : تلك الآيات التي أنزلت متفرقة، فجمعت، فصارت قرآنا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿الكتاب الحكيم﴾ سمي حكيما كريما(٢) مجيدا(٣) ونحوه. فتحتمل تسميته حكيما وجوها : أحدها : لإحكامه وإتقانه، أي محكم متقن، لا يبدل، ولا يغير، وهو كما وضع عز وجل ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤٢]. والثاني : سماه حكيما لأن من تمسك به، وعمل بما فيه، يصير حكيما مجيدا كريما. والثالث : سماه حكيما لأنه منزل من عند حكيم كقوله :﴿تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت: ٤٢]. ١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: البشارة.. ٢ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إنه لقرآن كريم﴾ [الواقعة: ٧٧].. ٣ إشارة على قوله تعالى: ﴿بل هو قرآن مجيد﴾ [البروج: ٢١]..

لقمان 31:3

وقوله: (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) قوله: (هُدًى)، أي: توفيقًا وعصمة ومعونة للمحسنين، وكذلك هو رحمة لهم في دفع العذاب عنهم. وأما ما يقول أهل التأويل: (هُدًى)، أي: بيانًا للمحسنين فهو بيان للكل ليس لبعض دون بعض؛ فلا يحتمل الهدى البيان في هذا الموضع؛ ولكن ما ذكرنا من المعونة والتوفيق والعصمة. والمحسن - هاهنا - جائز أن يكون المؤمن؛ كقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ): الصبار: هو المؤمن، والشكور: هو المؤمن، سمى المؤمن: صبارا مرة وشكورا مرة ومحسنا مرة؛ لأنه يعتقد بالإيمان كل ما ذكر من الصبر والشكر والإحسان وكل خير، واللَّه أعلم. وقوله: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) قد ذكرنا تأويله فيما تقدم في غير موضع. وقوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) تأويلِ الهدى ما ذكرنا في هذا الموضع من التوفيق والعصمة والمعونة. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). قد ذكرناه أيضًا. وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) اختلف في قوله: (مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: ليس على حقيقة الاشتراء نفسه؛ ولكن على الإيثار والاختيار؛ لأن الاشتراء هو مبادلة أخذ وإعطاء، ولكن آثروا واختاروا الضلال مع قبحه عندهم على الهدى مع حسنه؛ فعلى ذلك آثروا لهو الحديث واختاروه على الحق وحكمة الحديث، واختاروا الفاني على الباقي؛ فسماه: شراء لذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على حقيقة الاشتراء. لكنهم اختلفوا: فمنهم من يقول: إنه على

لقمان 31:4

الآية ٤ وقوله تعالى :﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ قد ذكرنا تأويله في ما تقدم في غير موضع.

لقمان 31:5

الآية ٥ وقوله تعالى :﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ تأويل الهدى ما ذكرنا في هذا الموضع من التوفيق والعصمة والمعونة ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ قد ذكرناه أيضا.

لقمان 31:6

الآية ٦ وقوله تعالى :﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم﴾ اختلف في قوله :﴿من يشتري لهو الحديث﴾ قال بعضهم : ليس على حقيقة الاشتراء نفسه، ولكن على الإيثار والاختيار، لأن الاشتراء منادلة : أخذ وعطاء، ولكن آثروا، واختاروا الضلال مع قبحه عندهم على الهدى مع حسنه. فعلى ذلك آثروا لهو الحديث، واختاروه على الحق وحكمة الحديث، واختاروا الفاني على الباقي، فسماه شراء لذلك. وقال بعضهم : هو على حقيقة الاشتراء، لكنهم اختلفوا : فمنهم من يقول : إنه اشتراء المغنِّية والمغنِّي ؛ كانوا يشترون [ القيان ](١) ليتلهَّوا بهم، ويلعبوا. ومنهم من قال : كان [ النضر بن الحارث ](٢) يشتري، ويكتب من لهو الحديث باطله(٣) من حديث الأعاجم، فيحدث بها قريشا، ويقول : إن محمدا يحدثكم بأحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بأحاديث فارس والروم. فذلك اشتراؤه لهو الحديث وإضلاله الناس عن سبيل الله، ليعرضوا(٤) عن القرآن والإيمان بمحمد. [ وقوله تعالى ](٥) :﴿ويتخذها هزوا﴾ وكان إذا سمع شيئا من القرآن اتخذها هزوا. هكذا عادة الكفرة وأهل النفاق، كانوا يستهزئون بالقرآن وبرسول الله وأصحابه. ثم أوعدهم الوعيد الشديد حين(٦) قال :﴿أولئك لهم عذاب مهين﴾. وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم يقولان في قوله :﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ : هو شراء المغنية والغناء، وقد روي مرفوعا، روي عن أبي القاسم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ :( لا تبيعوا المغنِّيات، ولا تشتروهن، ولا تعلّموهن، ولا خير في التجارة فيهن، وثمنهن حرام ) [ الترمذي ١٢٨٢ و٣١٩٥ ]. في مثله نزلت هذه الآية ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية [ فإن ](٧) ثبت هذا فهو تفسير لهو الحديث الذي ذكر في الآية. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: وباطله.. ٤ في الأصل وم: فأعرضوا.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ في الأصل وم: حيث.. ٧ من م، ساقطة من الأصل..

لقمان 31:7

اشتراء المغنية والمغني كانوا يشترونهم؛ ليتلهوا بهم ويلعبوا. ومنهم من قال: كان أحدهم يشتري ويكتب عن لهو الحديث وباطله من حديث الأعاجم، فيحدث بها قريشًا، ويقول: إن محمدا يحدثكم بأحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بأحاديث فارس والروم؛ فذلك اشتراؤه لهو الحديث وإضلاله الناس عن سبيل اللَّه فأعرضوا عن القرآد والإيمان بمحيد. (وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا). وكان إذا سمع شيئًا من القرآن اتخذها هزوا، هكذا عادة الكفرة وأهل النفاق: كانوا يستهزئون بالقرآن وبرسول اللَّه وأصحابه. ثم أوعدهم الوعيد الشديد؛ حيث قال: (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ). وابن مسعود وابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - يقولان في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ): هو شراء المغنية والغناء، وقد روي مرفوعًا عن أبي القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا تبيعوا المغنيات ولا تشتروهن، ولا تعلموهن ولا خير في التجارة فيهن، وثمنهن حرام ". وفي مثله أنزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ...) الآية، فإن ثبت هذا فهو تفسير لهو الحديث الذي ذكر في الآية. وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧) أي: أعرض متعظمًا متجبرًا. قوله تعالى: (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا): يحتمل قوله: (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا)، و (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) على التقرير. ويحتمل: على نفي الحقيقة. فإن كان على التقرير فهو على ترك الاستماع. وإن كان على حقيقة النفي فقد ذكر في كثير من الآي ذلك كقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، وذلك يحتمل وجهين - واللَّه أعلم - ثم أوعده العذاب الشديد؛ حيث

لقمان 31:8

قال: (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ). وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) قوله: (آمَنُوا) بجميع ما أمروا بالإيمان به، (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بما تعبدوا من العمل بالطاعات والصالحات. (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ). كل الجنان التي وعد للمؤمنين نعيم يتنعمون فيها خالدين فيها. (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا... (٩) أي: ما وعد للمؤمنين من جنات النعيم هو حق كائن لا محالة، (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). * * * قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١) وقوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا). قَالَ بَعْضُهُمْ: خلق السماوات بعمد لا ترونها. وقيل: لعل لها عمدا لكن لا ترونها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: خلقها بلا عمد، لكن الأعجوبة فيما خلقها بعمد لا ترونها ليست بدون الأعجوبة في خلقها بلا عمد؛ لأن رفع مثلها بعمد لا ترى أعظم في اللطف والقدرة من رفعها بلا عمد؛ إذ العمد لو كانت مقدار الريشة أو الشعرة ترى، فرفعها مع ثقلها وعظمها وغلظها على عمد لا ترى هو ألطف من ذلك وأعظم في الأعجوبة مما ذكرنا، فأيهما كان ففيه دلالة ألا يجوز تقدير قوى الخلق بقوى اللَّه - تعالى - ولا قدرة الخلق بقدرته، ولا سلطان الخلق بسلطانه؛ بل هو القادر على الأشياء كلها بما شاء وكيف شاء، لا يعجزه شيء. وقوله: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ).

لقمان 31:9

الآية ٩ [ وقوله تعالى ](١) :﴿خالدين فيها وعد الله حقا﴾ أي ما وعد للمؤمنين من الجنات النعيم، هو حق كائن، لا محالة، ﴿وهو العزيز الحكيم﴾. ١ ساقطة من الأصل وم..

لقمان 31:10

الآية ١٠ وقوله تعالى :﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها﴾ قال بعضهم : خلق السماوات بعمد لا ترونها. وقيل : لعل لها عمدا، لكن لا ترونها. وقال بعضهم : خلقها بلا عمد. لكن الأعجوبة في ما خلقها بعمد لا ترونها، ليست بدون الأعجوبة في خلقها بلا عمد، لأن رفع مثلها بعمد لا ترى أعظم في اللطف والقدرة من رفعها بلا عمد ؛ إذ العمد لو كانت مقدار الريشة أو الشعرة ترى. فرفعها مع ثقلها وعظمها وغلظها على عمد لا ترى، هو ألطف من ذلك وأعظم في الأعجوبة مما ذكرنا. فأيهما كان ففيه دلالة ألا يجوز تقدير قوى الخلق بقوى الله تعالى وقدرته(١)، ولا سلطان الخلق بسلطانه. بل هو القادر على الأشياء كلها بما شاء، وكيف شاء، لا يعجزه شيء. وقوله تعالى :﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ وقال في آية أخرى ﴿وجعل فيها رواسي﴾ [الرعد: ٣]. والرواسي هن الثوابت أي ثبت الأرض بالجبال كقوله :﴿والجبال أرساها﴾ [النازعات: ٣٢] أي أثبتها. وقوله تعالى :﴿أن تميد بكم﴾ أي لا تميد بكم ؛ ذكر الميد، وهو الميل والاضطراب، وليس من طبع الأرض الميل والاضطراب، وإنما طبعها التسرب والتسفل والانحدار. فلا يدرى أن كيف حالها في الابتداء ؟ وما في سريتها ما يحملها على الاضطراب والميل حتى أثبتها، وأرساها بالجبال، والله أعلم بذلك. وقوله تعالى :﴿وبث فيها من كل دابة﴾ قال بعضهم : بث : خلق، وقيل : بث : فرق. وفيه أنه جعل الأرض مكانا أو معدنا لكل أنواع الدواب الممتحن وغير الممتحن والمميز وغير المميز، والسماء لم يجعلها(٢) إلا لنوع من الخلق أهل العبادة. وقوله تعالى :﴿وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾ أي أنبتنا فيها من كل لون، يتلذذ به الناظر إليه ﴿كريم﴾ ينال منه كل ما أراده، وتمناه، إذ الكريم، هو ما يطمع منه نيل كل ما عنده، وأريد منه. وقال بعضهم : الكريم الحسن، أي : أنبتنا فيها من كل لون حسن ما يستحسنه الناظر، ويتلذذ به على ما ذكر في آية أخرى :﴿من كل زوج بهيج﴾ [الحج: ٥] ما يبهج، ويسر به كل ناظر إليه، والله أعلم. ١ في الأصل وم: بقدرته.. ٢ في الأصل وم: يجعل..

لقمان 31:11

وقال في آية أخرى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ)، والرواسي: هن الثوابت، أي: أثبت الأرض بالجبال؛ كقوله: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) أي: أثبتها. وقوله: (أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ)، أي: لئلا تميد بكم، ذكر الميد - وهو الميل والاضطراب - وليس من طبع الأرض الميل والاضطراب؛ وإنما طبعها التسرب والتسفل والانحدار؛ فلا يدري أن كيف حالها في الابتداء؛ وما في سريتها مما يحملها على الاضطراب والميد؛ حتى أثبتها وأرساها بالجبال، واللَّه أعلم بذلك. وقوله: (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ). قَالَ بَعْضُهُمْ: بث: خلق، وقيل: بث: فرق، وفيه أنه جعل الأرض مكانا ومعدنا لكل أنواع الدواب الممتحن وغير الممتحن، والمميز وغير المميز، والسماء لم تجعل إلا لنوع من الخلق أهل العبادة. وقوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ). أي: أنبتنا فيها من كل لون يتلذذ به الناظر إليه، كريم ينال منه كل ما أراده وتمناه؛ إذ الكريم هو ما يطمع منه نيل كل ما عنده وأريد منه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الكريم: الحسن، أي: أنبتنا فيها من كل لون حسن ما يستحسنه الناظر ويتلذذ به، على ما ذكر في آية أخرى: (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ): ما يبهج ويسر به كل ناظر إليه، واللَّه أعلم. وقوله: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ... (١١) يقول: ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما بث من الدواب، وما أنبت من كل زوج كريم. وقوله: (فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ). يذكر سفههم، يقول: إنكم تعلمون أن ما ذكر من السماوات والأرض، وجميع ما فيهما - هو كله خلق اللَّه، وأنه هو خالق ذلك كله، وأن الأصنام التي تعبدونها من دونه لم تخلق شيئًا من ذلك، ولا تملك خلق شيء؛ فكيف تعبدونها من دونه، وسميتموها: آلهة، وصرفتم العبادة والألوهية عن الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض وما فيهما؟! وإنما يستحق الألوهية والربوبية لخلقه ما ذكر؛ فالأصنام: إذا لم يكن منها خلق؛ فكيف سميتموها: آلهة وعبدتموها دون اللَّه؟! هذا - واللَّه أعلم - تأويل قوله: (فَأَرُونِي مَاذَا

لقمان 31:12

خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)، أي: لم يخلق، يخبر عن سفههم وقلة معرفتهم، وسرفهم في القول والفعل، واللَّه أعلم. وقوله: (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). يحتمل (الظَّالِمُونَ) وجو هًا: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها الذي أمرهم اللَّه أن يضعوها، وهو وضعهم إياها في عبادة الأصنام. أو ظالمو حدود اللَّه التي حدها لهم، لم يحفظوها على تلك الحدود؛ بل جاوزوها. أو سماهم: ظلمة؛ لما ظلموا نعم اللَّه، ولم يشكروها، واللَّه أعلم. وقوله: (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، أي: في حيرة بينة، أو هلاك بين. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: الحكمة هي الإصابة في القول والفعل من غير نبوة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أعطي الفهم واللب، وقيل: الفهم والفقه في الدِّين، وقيل: العلم؛ كأنه يقول: أعطيناه العلم والفهم بالكتب المتقدمة. والفقه: هو معرفة الشيء بنظيره الدال على غيره، أو معرفة ما غاب بما شهد، أو معرفة الخفي الباطن. بالظاهر، ونحوه. والفلاسفة يقولون: الحكمة هي المعرفة مع العمل، والحكيم: هو الذي له المعرفة

لقمان 31:13

والعلم والعمل جميعًا؛ فحينئذ يسمى: حكيمًا. وقوله: (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ). كأنه قال: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) يحتمل الوجوه التي ذكرنا - وقلنا له: أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة، وغير ذلك من النعمة، وهذا يدل أن لله فيما يكتسب المؤمن الحكمة والعلم صنعًا؛ إذ لو لم يكن له ألما كان، لقوله: (آتَيْنَا) معنى؛ إذ هو للعبد وكسبه ألا ترى أنه أمره أن يشكر له على ذلك، ولو لم يكن له صنع في ذلك لكان لا يأمره بالشكر له على ما لا صنع له فيه؛ إذ يخرج ذلك مخرج طلب الحمد والشكر على ما لم يفعل، وقد ذم من أحب أن يحمد بما لم يفعل؛ فلا يحتمل أن يأمر هو بالحمد والشكر على ما لم يفعل ولا صنع له في ذلك؛ دل أن له فيه صنعًا، وهو ينقض على المعتزلة في قولهم: أن ليس لله في فعل العبد صنع، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ). هذا يدل أن ما يأمر عباده وينهاهم، وفيما امتحنهم إنما يمتحنهم ويأمرهم وينهاهم؛ لمنافع أنفسهم وحاجتهم، لا لمنفعة نفسه أو لحاجته؛ حيث قال: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ)؛ حيث يتم تلك النعمة ويديمها له؛ فهو بالشكر ينفع نفسه. ومن كفر فإنما ضرر كفره يلحقه دون اللَّه؛ ألا ترى أنه قال: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) أي: غني عن شكره وحمده، حميد وإن لم يحمده أحد من خلقه؛ لأنه غني بذاته، حميد بصنائعه وآلائه وإن لم يحمد هو ولم يشكر على ذلك، لا ينفعه شكر أحد ولا حمده، ولا يضره كفران أحد ولا ترك الشكر له والحمد، وباللَّه الحول والقوة. وقوله: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) يحتمل قوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وجوهًا: أحدها: ظلموا أنفسهم؛ حيث وضعوها في غير موضعها، وأوقعوها في المهالك، بعدما صورها أحسن تصوير ومثلها أحسن تمثيل، وأعظم الظلم من عمل وسعى في هلاك أو (لَظُلْمٌ عَظِيمٌ): ظلموا نعم اللَّه؛ حيث صرفوا شكرها إلى غير منعمها. أو ظلموا ظلمًا عظيمًا؛ حيث لم يقبلوا شهادة وحدانية اللَّه وألوهيته فيما جعلها في خلقتهم وبنيتهم؛ إذ جعل في خلقة كل أحد الشهادة على وحدانيته وربوبيته، وذلك أعظم الظلم وأفحشه.

لقمان 31:14

وقوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) ولم يذكر هاهنا بماذا وصاه، فجائز الوصية بما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)، و (إِحْسَانًا)، والإحسان: هو اسم ما حسن من فعل. وقوله: (حُسْنًا): هو اسم ما حسن مما كان يفعله، وهما واحد في الأصل. وقوله: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ). أي: ضعفا على ضعف، أي: كلما مضى عليها وقت ازداد فيها ضعف على ضعف ووجع على وجع، أمر بالإحسان إليهما جميعًا، ثم ذكر ما حملت الأم من المشقة والشدة، ولم يذكر من الأب شيئًا، وقد كان للأب وقت احتمال الأم المشقة - اللذة والسرور والفرح؛ فجائز أن يقال: إن كان من الأب بإزاء تلك المشقة التي احتملت الأم معنى ما يؤمر أن يشكو له ويحسن إليه - وهو ما يتحمل من الإنفاق عليها وعليه في حال الرضاع، وهو ما ذكر (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وقوله: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، أو ما جعله مطعونًا في الناس بحيث لم يعرف له نسب ينسب إليه؛ بل جعله معروف النسب غير مطعون في الخلق ونحوه. ثم ذكر الفصال ولم يذكر الرضاع والمشقة في الإرضاع لا في الفصال، لكنه ذكر تمام الرضاع وكماله؛ إذ بالفصال يتم ذلك ويكمل، وفي ذكر التمام له والكمال ذكر الرضاع، وليس في ذكر الرضاع نفسه ذكر تمامه؛ لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم. وقوله: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ). أمر بالشكر له ولوالديه، وحاصل الشكر راجع إليه دون من يشكر له؛ إذ كل من صنع إلى آخر ما يستوجب به الشكر والثناء - فباللَّه صنع ذلك إليه وبنعمه كان منه ذلك؛ فكل من حمد دونه أو شكر - فراجع إليه في الحقيقة ذلك. ثم يخرج قوله: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) على وجهين: أحدهما: اشكر لي فيما تشكر والديك بإحسانهما إليك؛ فإنهما ما أحسنا إليك إلا بفضلي ورحمتي؛ كقوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ)، أي: اذكروا اللَّه فيما تذكرون آباءكم بصنعهم؛ فإنهم إنما فعلوا ذلك بفضل اللَّه. أو أن يكون قوله: (اشْكُرْ لِي) فيما أنعصت عليك، (وَلِوَالِدَيْكَ): فيما أحسنا إليك وربياك، واللَّه أعلم. وقوله: (إِلَيَّ الْمَصِيرُ): قد ذكرنا أنه خص ذلك المصير إليه، وإن كانوا في جميع الأوقات صائرين إليه راجعين بارزين له؛ لما المقصود من إنشائهم في هذا ذاك، وصار

لقمان 31:15

إنشاؤهم وخلقهم في الدنيا حكمة بذاك، ما لولا ذلك لكان عبثًا باطلا، على ما ذكر، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) أمر في الآية الأولى بالإحسان إليهما وبالبر لهما والطاعة، ثم بين أن لا في كل أمر يطاعان، ولا في جميع ما يأمران ويسألان يجابان؛ إنما يطاعان ويجابان فيما يؤذن لهما ويباح لهما، لا فيما لا يؤذن ولا يباح بحال؛ بل يؤمر بالخلاف لهما واعتقاد المعاداة، فضلا أن يطاعا ويجابا إلى ما يدعوان أو يأمران، وكذلك ذكر في الخبر: " أن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ". وإنما أمر بحسن المصاحبة لهما والمعروف: فيما لم يكن في ذلك معصية الخالق؛ حيث قال: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). وقوله: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ). قَالَ بَعْضُهُمْ: اتبع دين من أقبل إلى ورجج إلى طاعتي وهو النبي. أو أن يكون قوله: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)، أي: اتبع سبيلي وديني؛ كقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ)، فعلى ذلك الأول جائز أن يكون تأويله: اتبع سبيلي وديني، ولا تتبع غيري، واتبع سبيل من أناب ورجع إلي، ولا تتبع سبيل من لم ينب ولم يرجع إلي. ثم أخبر برجوع الكل إليه: من رجع وأناب إليه، ومن لم يرجع ولم ينب إليه؛ على الوعيد حيث قال: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ...) الآية، وهو كقوله: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ...)، إلى قوله: (فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)، أي: من استنكف ومن لم يستنكف يحشر إليه جميعًا؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. وقوله: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان كان لابنه ابتداء من غير سؤال كان في ذلك؛ فيعلم أنه كان ذلك منه عن سؤال، لكن لا نعلم ما كان السؤال؟ وعم كان؟ فإما أن كان السؤال عن علمه، فأخبره بما ذكر من حبة مستترة التي ذكر، مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق، فيما لا يطلع أحد منهم ولا يبلغه علم الخلائق (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ)، أي: يعلمها اللَّه؛ فإن كان على هذا الذي، ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبدًا مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم؛ لما لا يخفى عليه شيء. أو أن يكون السؤال عن قدرة اللَّه وسلطانه؛ فأخبر أن اللَّه - تعالى - قادر على استخراج تلك الحبة التي استترت واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر: ما يعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة؛ فيخافون قدرة اللَّه، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه. أو أن يكون السؤال عن الرزق؛ فيخبر بهذا أن الشيء وإن كان في مكان لا يبلغه وسع البشر وحيلهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال - فاللَّه سبحانه؛ بلطفه يرزق الخلق بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم الطمع في ذلك؛ ليكونوا أبدًا في كل حال مطمئنين في الرزق لا يؤيسهم عجزهم ولا تعذر حيلهم عن ذلك، وألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها يكتسبون؛ وكذلك قال: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ). أو أن يكون السؤال عن جزاء ما يعمل المرء من قليل أو كثير ومما عظم ولطف، فيخبر أنه يجزي بقليل العمل وكثيره، وكذلك يقول بعض أهل التأويل ذلك: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ): من خير أو شر، (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ): في جبل، (أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ)، أي: يجازيها اللَّه؛ فيكون على هذا التأويل كقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)، فأي شيء كان، ففي ذلك: دلالة وحدانية اللَّه، ودلالة علمه وتدبيره، ودلالة قدرته وسلطانه، ودلالة الثقة به، والتوكل عليه في الرزف، والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع الخلق، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ). قال عامة أهل التأويل: إن اللَّه لطيف في استخراج تلك الحبة، خبير بمكانها، وتأويل هذا الكلام: أي: يستخرج تلك الحبة من الحجب التي ذكر والأستار التي بين استخراجا لا يشعر بها أحد، ولا علم كيفية الاستخراج منها ولا ماهيته. واللطيف: هو البار. ثم يخرج هو على وجهين: أحدهما: فيما أرسل من الرسول، وما أنزل من الكتب؛ ليدلهم إلى ما يهتدون وإِلَى ما به نجاتهم، خبير بحوائجهم. والثاني: تأويل اللطيف يحتمل وجهين: أحدهما: البار على ما ذكرنا.

لقمان 31:16

الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله﴾. لا يحتمل أن يكون هذا الكلام والقول من لقمان، كان لابنه ابتداء من غير سؤال. لكن لا يعلم ما كان السؤال وعما كان ؟ فأما إن كان السؤال عن علمه، فأخبره(١) بما ذكر من حبة مستترة(٢) مكنونة في أخفى الأمكنة عن الخلق في ما لا يطلع أحد منهم، ولا يبلغه علم الخلائق ﴿يأت بها الله﴾ أي يعلمها الله. فإن كان على هذا ذكر فيلزمهم أن يكونوا أبدا مراقبين أعمالهم وأحوالهم في جميع حالاتهم وأوقاتهم وجميع أمورهم لما لا يخفى عليه شيء. [ وأما إن كان ](٣) السؤال عن قدرة الله وسلطانه فأخبر أن الله تعالى قادر على استخراج تلك الحبة التي استترت، واحتجبت عن الخلق بالحجب التي ذكر ما تعجز الخلائق عن استخراج مثلها من مثل تلك الحجب والأمكنة، فيخافون قدرة الله، ويهابون سلطانه في الانتقام منهم في مخالفة أمره ونهيه. [ وأما إن كان ](٤) السؤال عن الرزق، فيخبر بهذا : أن الشيء، وإن كان في مكان لا يبلغه وسع البشر وحيلتهم في استخراج ذلك منه والوصول إليه بحال، فالله سبحانه بلطفه يرزق الخلق /٤١٧-أ/ بأشياء خارجة عن وسعهم وحيلهم ما لا يقع لهم الطمع في ذلك ليكونوا أبدا في حال مطمئنين في الرزق، لا يؤلمهم(٥) عجزهم ولا تعذر حيلهم عن ذلك، ولا يعلقون(٦) قلوبهم في الرزق بالأسباب التي بها يكتسبون. ولذلك قال :﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق: ٣]. [ وأما إن كان ](٧) السؤال عن جزاء ما يعمل المرء من قليل أو كثير ومما عظم، ولطف، فيخبر أنه يجزي بقليل العمل أو كثيره. وكذلك يقول بعض أهل التأويل ذلك :﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل﴾ من خير أو شر ﴿فتكن في صخرة﴾ في جبل ﴿أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله﴾ [ أي يجاز بها ](٨) الله، فيكون على هذا التأويل كقوله :﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]. فأي شيء كان ففي ذلك دلالة وحدانية الله ودلالة علمه وتدبيره ودلالة قدرته وسلطانه ودلالة الثقة به والتوكل عليه في الرزق والتفويض في الأمر في كل ما خرج عن وسع الخلق، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إن الله لطيف خبير﴾ قال عامة أهل التأويل ﴿إن الله لطيف﴾ في استخراج تلك الحبة ﴿خبير﴾ بمكانها. وتأويل هذا الكلام أي يستخرج تلك الحبة من الحجب التي ذكر والأستار التي بين استخراجا، لا يشعر بها أحد، ولا يعلم(٩) كيفية الاستخراج منها ولا ماهيته. واللطيف هو بار. ثم يخرج هو على وجهين : أحدهما : البار(١٠) في ما أرسل من الرسل(١١) وما أنزل من الكتب ليدلهم إلى ما يهتدون إلى ما به نجاتهم، والخبير(١٢) بحوائجهم. والثاني : في استخراج أمور، لا يبلغها وسع الخلق ولا علمهم وحيلهم، والله أعلم. ١ في الأصل وم: فأخبروه.. ٢ أدرج بعدها في الأصل وم: التي ذكر.. ٣ في الأصل وم: أو أن يكون.. ٤ في الأصل وم: أو أن يكون.. ٥ في الأصل وم: يوليهم.. ٦ في الأصل وم: وألا يعقلوا.. ٧ في الأصل وم: أو أن يكون. ٨ من نسخة الحرم المكي، في الأصل: أو يجازيها، في م: أي يجازيها.. ٩ في الأصل وم: علم.. ١٠ في الأصل: بار، ساقطة من م.. ١١ في الأصل وم: الرسول.. ١٢ في الأصل وم: خبير..

لقمان 31:17

والثاني: في استخراج أمور لا يبلغها وسع الخلق ولا علمهم وحيلهم، واللَّه أعلم. وقوله: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) يحتمل الأمر بإقامة الصلاة وجهين: أحدهما: الصلاة التي عرفتها العرب، وهي المسألة والدعاء والثناء على اللَّه والتحميد له والتمجيد؛ كقوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ...) الآية. وهذه الصلاة المذكورة في هذه الآية هي الدعاء والاستغفار والرحمة له والمغفرة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأمر بإقامة الصلاة هو الأمر بمسألة الرب حوائجه ومغفرته ورحمته؛ ليكون أبدًا في كل حال متضرعًا إلى اللَّه، مظهرًا حاجته إليه ومثنيا عليه، واصفًا عظمته وجلاله وبريائه. والثاني: أراد به الصلاة المعروفة المعهودة على شرائطها التي جعلت وشرعت؛ فإن كان هذا ففيها -أيضًا- ما في الأول من الدعاء والثناء على اللَّه - تعالى - والوصف له بالعظمة والجلال؛ لأنها جعلت من أولها إلى آخرها ذلك. وإن كان أراد بالصلاة: الصلاة المعروفة ففيه أن الصلاة التي شرعت لنا كانت للأمم المتقدمة، وعلى ذلك يخرج قول إبراهيم حيث قال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ)، وقول عيسى حيث قال: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ). المعروف: اسم كل بر وخير وكل مستحسن في العقل والطبع. والمنكر: اسم كل شر وسوء مستقبح في العقل والطبع. ثم يخرج قوله: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) على وجوه: أحدها: المعروف الذي جاءت به الرسل عن اللَّه، وشرعوه للخلق، ودعوا إليه الخلق. والمنكر -أيضًا-: هو الذي أنكرته الرسل، ونهت الخلق عنه. أو أن يكون المعروف هو الذي يقبله كل عقل صحيح، ويستحسنه كل طبع سليم. والمنكر: هو الذي ينكره كل عقل صحيح ولا يقبله، ويستقبحه كل طبع سليم، يعرف بالبداهة قبحه وحسنه. أو يعرف أنه معروف أو منكر عند التأمل والتفكر؛ فكله يرجع إلى واحد: إلى ما ذكرنا بدءًا، لكنه يختلف فيما ذكرنا من السبب. وقوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ).

لقمان 31:18

من الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهل السفه منهم والفسق؛ فلا بد من أن يصيب الأذى من تولى ذلك، وهذا يدل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اللوازم: لا يسع تركه، وإن أصابه الأذى في ذلك. وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: إن ذلك من حزم الأمور، والحزم: من إحكام الشيء وإتقانه؛ كأنه يقول: إن ذلك من محكم الأمور ومتقنها؛ لأن الشيء إذا حزم وشدد يؤمن عن سقوطه وذهابه؛ فعلى ذلك ما ذكر. وقال: العزم: هو القطع والثبات على شيء، تقول: عزمت على كذا وعلى أمر كذا: إذا قطع تدبيره ورأيه واضطرابه، وجعله بحيث لا يرجع ولا يتحول عنه للدنيا، أو لأمر من أمورها؛ ولكن ثبت على ما عزم وقطع " فهو العزم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) قوله: [(ولا تصاعر] و (وَلَا تُصَعِّرْ)، بالألف وبغير الألف، كلاهما لغتان. ثم أهل التأويل أو أكثرهم يقولون: قوله: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)، أي: لا تعرض وجهك عن الناس؛ تعظمًا وتجبرًا وتكبرًا، وكذلك في قوله: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا): بطرا فرحا بالمعصية في الخيلاء والعظمة، مستكبرًا جبارًا، عامتهم يفسرونه بالإعراض للتكبر والتجبر، وكذلك يقول الحسن: إنه قال: هو الإعراض عن الناس من الكبر؛ استحقارا لهم واستخفافا بهم. والزجاج يقول: الصعر: هو داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه؛ فعلى تأويله يكون قوله: (وَلَا تُصَعِّرْ)، أي: لا تلو عنقك عن الناس. وأَبُو عَوْسَجَةَ يقول قريبًا من ذلك؛ يقول: (وَلَا تُصَعِّرْ)، أي: لا تتجبر، وهو أن تلوي عنقك؛ فلا تنظر إليهم كبرًا. ويقول: الصعر: هو اعوجاج في العنق؛ يقال: رجل أصعر، وبعير أصعر، وبه صعر، ويقال في الكلام: فلان صعر خده؛ إذا لوى رأسه عن الناس؛ فلم ينظر إليهم؛ كبرا منه. وقال - كما قال الزجاج -: إن الصعر داء يأخذ البعير؛ فيلوي عنقه، وأصله: الإعراض؛ على ما ذكره أهل التأويل وأهل الأدب.

لقمان 31:19

ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكر أهل التأويل من حقيقة الإعراض؛ تكبرًا وتعظيمًا لأنفسهم، واستخفافا بالناس واستحقارا لهم؛ لما لم يروا الناس أمثالا لأنفسهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (وَلَا تمَشِ فِي الْأَرْضِ) على حقيقة المشي على التكبر والتجبر، على ما ذكرنا. والثاني: ليس على حقيقة الإعراض بالوجه عنهم، ولا على حقيقة المشي بالأقدام؛ ولكنه كناية عن الامتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والترك لذلك، لا على التكبر والتجبر عليهم والاستخفاف بهم، ولكن على الحذر والخوف منهم. فإن كان الامتناع والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فلم يعذروا في ترك ذلك؛ لما يحذرون ويخافون منهم. وكذلك يخرج قوله: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ (١٩) على الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: على الأمر بقصد المشي وخفض الصوت: حقيقة المشي وحقيقة الصوت. والثاني: على الكناية عن كيفية المعاملة وماهيتها فيما بين الناس. فإن كان على حقيقة المشي والصوت، فكأنه يقول: أي اقصد في المشي في الناس، ولا تمش متكبرا مستخفا بهم؛ لتؤذيهم، (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)، أي: لا ترفع صوتك فوق أصواتهم فتؤذيهم بالصوت، ولكن لينهم بالقول. وقَالَ بَعْضُهُمْ: امش هينًا لينا، ناكس الرأس، ناظرًا حيث تمشي، غير ناظر إلى ما لا يحل ولا يسع، ولا رافع صوتك على الناس فتؤذيهم؛ فيكون صوتك عندهم كصوت الحمير الذي ذكر؛ فينكرونه كما ينكر صوت الحمير. وإن كان على الكناية عن الأحوال في المعاملة فيما بين الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تطلبوا لأنفسكم في ذلك العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله؛ ولكن كونوا في ذلك عادلين قاصدين غير طالبين العلو والرفعة ونفاذ القول وقبوله. وقوله: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ). يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، أي: لا ترفع صوتك على الناس فتؤذيهم كما يؤذي الحمار؛ فيكون صوتك عليهم كصوت الحمار. أو يذكر هذا؛ لأن الحمار إنما يصيح لحاجة لنفسه وشهوته، وسائر الأشياء إذا صاحوا

لقمان 31:20

إنما يصيحون لحاجة أهلها؛ فيذكر أنكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر لا تفعلوا لمنفعة أنفسكم أو لحاجتكم؛ ولكن قوموا لله في ذلك أو لما ذكرنا. أو خصَّ صوت الحمير؛ لأنه ليس من صوت إلا وفيه لذة ومعونة، غير صوت الحمير؛ فإنه ليس فيه لذة ولا منفعة. أو ذكر؛ لما قيل: إن أوله زفير وآخره شهيق؛ فيشبه زفير أهل النار وشهيقهم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ). قال: المختال: المتكبر البطر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المختال: الخداع الغدار، والفخور: يحتمل الذي يفتخر بكثرة المال؛ أو لما لا يرى أحدًا شكلا لنفسه. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وقوله: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). قوله: (أَلَمْ تَرَوْا): قد ذكرنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الخبر: أن قد رأوا وعلموا أنه سخر لهم ما ذكر. والثاني: على الأمر، أي: انظروا وروا: أنه سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض؛ لينتفعوا بجميع ما يحتاجون إليه، ويصلوا إلى مرادهم وحاجتهم وإلى قضاء وطرهم كيف شاءوا بما شاءوا. أو أن يذكر قدرته وسلطانه: أن من ملك تسخير ما ذكر لنا ومكنا وأقدرنا على تدبير استعمال ما سخر لنا والانتفاع به - لقادر على البعث والإحياء بعد الموت، وأنه لا يعجزه شيء. أو أن يذكر حكمته وعلمه: أن مثل هذا التسخير لا يكون إلا بحكمته، ولو لم يكن هنالك بعث وعاقبة، لكان خلق الخلق وتسخير ما ذكر لعبا باطلا، على ما ذكرنا في غير موضع. وقوله: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ): المسخر ما في السماوات يحتمل: المطر والسحاب

لقمان 31:21

والشَّمس والقمر، ونحوه مما جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع الأرض إلا بمنافع السماء. أو الملائكة؛ لأنهم قد امتحنوا ببعض ما يقع بمنافع البشر، واللَّه أعلم. وقوله: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً). ذكر عن ابن عَبَّاسٍ أنه قال: سألت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقلت: يا رسول اللَّه، ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؛ قال: " أما ما ظهر - يا ابن عَبَّاسٍ - فالإسلام، وما سوى من خلقك، وما أسبغ عليكم من الرزق، وأما ما بطن: ستر مساوي عملك فلم يفضحك بها. "، فإن ثبت الخبر فلا تقع الحاجة إلى غيره؛ فهو تأويل الآية، وإلى هذا ذهب عامة أهل التأويل. وجائز أن يكون النعمة الظاهرة هو ما ظهر من الحسن والطهارة. وأما النعمة الباطنة: ما ستر من الأنجاس والعيوب والأقذار ما لو ظهر ذلك لم يدن مكه أحد، لخبثه ونجاسته. وبعضهم يقولون: الظاهرة باللسان، والباطنة بالقلب. وقال مجاهد: الظاهرة: الإسلام والرزق، والباطنة: ما ستر من الذنوب والعيوب، وهو قريب مما ذكر في الخبر المرفوع واللَّه أعلم. وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ). المجادلة في اللَّه: يحتمل في توحيد اللَّه، أو في الرسالة أنه أرسل أو لم يرسل؛ أو في البعث: أيبعث أو لا يبعث؛ ونحوه، أو يجادل في كتابه. وقوله: (بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ). أسباب العلم ثلاثة: العقل، والسنة، والكتاب: يتفكر وينظر بالعقل؛ فيعرف، وبيان السنة والكتاب يبيق؛ فلم يكن مع الذين يجادلون رسول اللَّه في الشيء من ذلك وخاصة أهل مكة: كانوا لا يؤمنون بالرسل والكتب؛ فكأنه يقول: ومن الناس من يجادل في اللَّه وهم يعلمون أنه ليس معه معقول ولا بيان من السنة والكتاب، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١) وقال في اية أخرى: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) ، وقال في آية أخرى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)؛ كأنه يقول لرسول اللَّه: أن قل لهم: تتبعون آباءكم وتقلدونهم، وإن ظهر لكم وتبين أن الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وأنهم من أصحاب السعير، وتتبعون آثارهم مقتدين بهم وإن ظهر لكم وتبين أن الذي أدعوكم أنا إليه وجئتكم أهدى مما عليه آباؤكم؛ إذ تتبعون آباءكم وإن ظهر وتبين أن آباءكم كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون؟! حتى إن قالوا: نعم، نتبعهم وإن كانوا كما ذكرت - فإنه يظهر ويبين عنادهم ومكابرتهم عند اتباعهم؛ حيث ظهر الحق لهم فلم يتبعوا، بل اتبعوا أهواءهم ويظهر كذبهم في قولهم: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)، أو في قولهم: إن آباءهم على ما هم عليه؛ بل في آبائهم من هو على خلاف ما هم عليه ونحوه. وإن قالوا: لا نتبعهم إذا كانوا على ما ذكرت؛ فعند ذلك يقترن ويثبت عندهم بالحجج والبرهان. وفيه دلالة: أن أهل الفترة يعذبون ويؤاخذون بتركهم الدِّين والشرائع؛ لأن هَؤُلَاءِ الذين أخبر أنهم من أصحاب السعير هم أهل الفترة ما بين عيسى وبين مُحَمَّد. وأهل التأويل يقولون: أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. ومُحَمَّد بن إسحاق يقول: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)، أي: لا تعرض بوجهك عن فقراء الناس، أي: إذا كلموك و (مَرَحًا)، أي: فخرا بالخيلاء والعظمة، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، أي: بطر ومرح، فخور في نعم اللَّه لا يأخذ بالشكر، (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ): رويدًا، لا تختل في مشيك ولا تنظر حيث لا يحل، (وَاغْضُضْ)، أي: اخفض (مِنْ صَوْتِكَ)، أي: من كلامك، يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق، ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا فقال: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) لشدة صوتهم. وقوله: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ): يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، (وَمَا فِي الْأَرْضِ)، أي: الجبال والأنهار والبحار فيها السفن والأشجار والنبت عاما بعام، (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً): تسوية الخلق والرزق والإسلام، (وَبَاطِنَةً)، أي: ما ستر من الذنوب من ابن آدم فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها، فهذا كله من النعم؛ فالحمد لله على ذلك حمدًا كئيزا كما أصله. وقال في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ): في زعمه أن لله البنات، أي: الملائكة، (وَلَا هُدًى)، أي: لا بيان معه من اللَّه بما يقول، (وَلَا كِتَابٍ): له فيه

لقمان 31:22

وأصله ما ذكرنا: (يُجَادِلُ فِي اللَّهِ) من الوجوه التي ذكرنا: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) من جهة العقل، (وَلَا هُدًى) أي: ولا بيان من جهة السنة، (وَلَا كِتَابٍ) من اللَّه فيه حجة له، وأسباب العلم هذه، فلم يكن له شيء مما ذكر، وباللَّه العصمة. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: المرح: النشاط، وهذا لا يكون إلا من الكبر؛ لأنه يتبختر، (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ)، أي: امش مشيًا رفيقًا، (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أي: ارفق لا تصوت صوتًا شديدًا، وهذا -أيضًا- من التبختر، (وَأَسْبغَ)، أي: أوسع، والسابغ: الواسع التام الطويل العريض. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الأصعر: مُعْرِض الوجه، وأنكر الأصوات: أقبحها، عرفه قبح رفع الصوت في المخاطبة. وقوله: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) يحتمل قوله: (وَجْهَهُ)، أي: نفسه؛ كأنه قال: ومن يسلم نفسه لله، وجعلها سالمة له لم يجعل لأحد فيها شركا. (وَهُوَ مُحْسِنٌ). في عمله إلى نفسه، أي: لا يستعملها إلا في طاعة اللَّه، وفيما أمر به، فإذا فعل ذلك، (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)، أي: فقد استمسك باوثق العرا وأثبتها؛ على ما ذكر في آية أخرى: (لَا انْفِصَامَ لَهَا)، أي: فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع ولا زوال؛ لأنها ثبتت بالحجج والبراهين، لا بالهوى؛ فكل شيء ثبت بالحجة والبرهان - فهو ثابت - أبدا لا زوال له ولا انقطاع، وكل شيء ثبت بالهوى؛ فهو يزول وينقطع عن قريب؛ لزوال الهوى. وجائز أن يكون قوله: (وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ)، أي: يسلم وجه أمره لله؛ فالوجه عبارة وكناية عن أمره، أي: يسلم أمره إلى اللَّه ويفوضه إليه. أو يكون كناية عن نفسه؛ فتأويله ما ذكر بدءًا. وأهل التأويل يقولون: (يُسْلِمْ وَجْهَهُ)، أي: دينه لله، أي: يخلص دينه لله، كقوله: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) أي: لكل أهل دين ومذهب، واللَّه أعلم. وقوله: (وَهُوَ مُحْسِنٌ) يحتمل وجوهًا:

لقمان 31:23

أحدها: ما ذكرنا: وهو محسن إلى نفسه في عمله: لا يستعملها إلا فيما أمر بالاستعمال فيه، وهو طاعة اللَّه لا يوقعها في المهالك. أو هو محسن إلى الناس بالمعروف والبر. أو محسن، أي: عالم؛ كما يقال: أحسن، أي: علم. وبعض أهل التأويل يقول: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ)، أي: أخلص عمله لله، (وَهُوَ مُحْسِنٌ)، أي: مؤمن؛ كقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، وهو قول ابن عَبَّاسٍ ومقاتل، يقول: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ)، أي: يخلص دينه لله، (وَهُوَ مُحْسِنٌ): في عمله، (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ). وقوله (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى): هو ما ذكرنا: أنه استصسك بأوثق العرا وأثبتها؛ لأنه إنما ثبت بالحجة والبرهان لا بالهوى والتمني، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ). هذا يخرج على وجوه: أحدها: وإلى اللَّه تدبير عاقبة الأمور وتقديرها، لا إلى الخلق. والثاني: إلى من له التدبير والتقدير يرجع عاقبة الأمور. أو أن يخص رجوع عاقبة الأمور والمصير والرجوع إليه والبروز له والخروج، وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك؛ لما ذكرنا - أن المقصود من خلق هذا العالم - العالم الثاني، والمقصود من خلق الدنيا: الآخرة؛ إذ به يصير حكمة وحقا؛ فخص ذلك له وأضافه إليه لذلك. أو لذكر ذلك؛ لما لا ينازع في ذلك اليوم وقد نوزع في هذه؛ ولذلك قال: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ). وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ... (٢٣) حزنا تتلف وتهلك فيه، كقوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)؛ فيخرج قوله: (فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ) على التخفيف عليه والتسلي، ليس على النهي، وكذلك قوله: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، على التخفيف عليه والتيسير، ليس على ترك الإشفاق والحزن عليهم؛ لأن رسول اللَّه كادت نفسه تهلك؛ إشفاقًا عليهم وحزنًا على كفرهم؛ فيخرج ذلك على التخفيف عليه والتسلي. والثاني: قوله: (فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ): لا يحزنك تكذيبه إياك؛ فذكر كفره؛ لأنه

لقمان 31:24

بتكذيبه ما يصير كافرا وهو سبب كفره؛ كقوله: (وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ...) والآية: كان رسول اللَّه يحزن ويهتم بتكذيبهم إياه فيما يقول ويخبر عن اللَّه، فيقول: لا يحزنك تكذيبهم إياك؛ فإنهم إلينا يرجعون فنجزيهم ونكافئهم جزاء التكذيب. والثالث: (فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ)، أي: فإن ضرر ذلك الكفر عليهم لا عليك؛ كقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ...) الآية، ونحوه من الآيات، يخبر رسوله ألا يحزن على كفر من كفر؛ فإن ضرر ذلك يلحقه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا). هذا وعيد، أي: إلينا مرجعهم فننبئهم عما غفلوا عنه واختاروه في الدنيا، فيحفظونه ويتذكرون ما عملوا. أو أن يكون قوله: (فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا)، أي: نجزيهم ونكافئهم جزاء أعمالهم ومكافأتهم. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). أي: عالم بما كان منهم وما جزاؤهم، واللَّه أعلم. وقوله: (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا... (٢٤) أي: في الدنيا؛ لأن متاع الدنيا قليل، على ما وصفه: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)، أي: يتمتعون ويعمرون بذلك القليل. (ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ). يذكر هذا مقابل ما ذكر لأهل الجنة؛ حيث قال: (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)، فيخبر أن أهل النار يضطرون ويدفعون إلى النار، لا أنهم يدخلونها اختيارا؛ كقوله: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا). وقوله: (غَلِيظٍ) جائز أن يكون كناية عن امتداده وطوله. وجائز أن يكون كناية عن شدته وألمه أو جراحته؛ كقوله: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ...) الآية. وقيل: يغلظ عليهم العذاب لونًا بعد لون، واللَّه أعلم.

لقمان 31:25

قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) وقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). أخبر رسوله أنك لو سألتهم من خلق السموات والأرض يقولون ذلك ويجيبونك: الله خلقهم. ثم يخرج قوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) على أثر إقرارهم له بالتوحيد له والتفرد بالخلق على وجهين: أحدهما: أمر رسوله بالحمد له؛ لما لا يحتاج إلى إقامة الحجة على وحدانية الله وربوبيته سوى إقرارهم؛ إذ قد أقروا له بالوحدانية فيما ذكر؛ فعلى ذلك يلزمهم ذلك في كل شيء، دق أو جلَّ؛ فيقع الأمر بالحمد على ذلك. أو يأمر رسوله بالحمد له؛ لما أنجاه وخلصه وسلمه عما ابتلوا هم وفتنوا من التكذيب وعبادة الأصنام بعد إقرارهم بالوحدانية له والألوهية؛ فحمده على إفضاله عليه ورحمته وعصمته له بين أُولَئِكَ الكفرة. على هذين الوجهين يخرج تأويل أمر الحمد على أثر ما ذكر، واللَّه أعلم. ويكون قوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) مقطوعًا مفصولا من قوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ)؛ إذ لو لم يجعل مفصولا منه، لخرج الأمر بالحمد له في الظاهر على ما لا يعلم أُولَئِكَ، وذلك لا يصلح. ثم قوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) على وجوه: أحدها: ما ذكرنا: أنه نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا به من نحو البصر والسمع واللسان ونحوه؛ فعلى ذلك العلم. والثاني: لا يعلمون؛ لما تركوا النظو والتفكر في أسباب العلم. أو أن يكون قوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ): أن عبادتهم الأصنام لا تقربهم إلى اللَّه زلفى ولا تشفع لهم؛ لأنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تزلفهم إلى اللَّه، ورجاء أن يكونوا لهم شفعاء عند اللَّه بقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، و (لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).

لقمان 31:26

أو أن يكونوا لم يعلموا بجزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا - في الآخرة، واللَّه أعلم. وقوله: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) كأنه يخبرهم ويذكرهم: أن ما يأمرهم به وينهاهم عنه، وما يمتحنهم من جميع أنواع المحن لا لحاجة نفسه أو لدفع المضرة عن نفسه؛ ولكن لحاجة أنفس الممتحنين ولمنفعتهم ولدفع المضرة عنهم؛ إذ من بلغ ملكه وغناه وسلطانه المبلغ الذي ذكر حتى كان له جميع ما في السماوات والأرض - لا يحتمل أن يأمر الخلق وينهى أو يمتحن لحاجة نفسه؛ ولكن لحاجة الخلق في جر المنفعة ولدفع المضرة. أو يذكرهم نعمه عليهم؛ ليتأدى به شكره، حيث سخر لهم ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما، وحقيقة ملك ذلك كله له. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ): الغني بذاته لا يعجزه شيء، أو غني عمن استغنى عنه، (الْحَمِيدُ)، قيل: أهل أن يحمد ويشكر بذاته. وقيل: حميد في فعاله وصنائعه، ويكون الحميد بمعنى: الحامد، ويكون بمعنى: المحمود، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) لا يحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام ابتداء من غير أمر أو سؤال أو خطاب سبق من القوم حتى ذكر هذا، لكنا ما نعلم ما سبب ذلك؛ وما قصته؛ وما أمره؛ حتى أنزل هذا، لكن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول: إن اليهود - أعداء اللَّه - سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الروح وما هو؛ فنزل: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي: من علم ربي، لا علم لي به، وتلا قوله: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) أي: يسيرًا في علم اللَّه، فلما قرأ عليهم هذه الآية قالوا: كيف تزعم هذا وأنت تزعم أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا؛ فكيف يجتمع هذا: علم قليل وخير كثير؟! قال: فنزل (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ)، يقول: تبرى الشجرة أقلامًا، والبحر يمده سبعة أبحر؛ فتكون كلها مدادًا يكتب بها علم اللَّه لانكسرت الأقلام، ولنفذ المداد ولم ينفذ علم اللَّه، فما أعطاكم من العلم قليل فيما عنده من العلم كثير فيما عندكم، إلى هذا يذهب أكثرهم.

لقمان 31:27

الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ لا يحتمل أن يكون ذكر هذا الكلام ابتداء من غير أمر أو سؤال أو خطاب سبق من القوم حتى ذكر هذا. لكنا ما نعلم سبب ذلك، وما قصته، وما أمره، حتى أنزل هذا. لكن ابن عباس رضي الله عنه، يقول : إن اليهود أعداء الله، سألوا رسول الله ﷺ عن الروح، وما هو ؟ فنزل :﴿قل الروح من أمر ربي﴾ لا علم لي به، وتلا قوله :﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٦] أي [ يسيرا من ](١) علم الله. فلما قرأ عليهم هذه الآية قالوا : كيف تزعم هذا، وأنت تزعم أن من ﴿يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فكيف يجتمع هذا : علم قليل وخير كثير ؟ قال : فنزل :﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام﴾ يقول : تبرى الشجرة أقلاما :﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر﴾ فتكون كلها مدادا، يكتب بها علم الله، لانكسرت الأقلام، ولنفذ المداد، ولم ينفذ علم الله ؛ فما(٢) أعطاكم من العلم قليل، وما(٣) عنده من العلم كثير. إلى هذا يذهب أكثرهم، ولكن غير هذا كأنه أشبه بسبب نزوله وذكره، وهو يخرج على وجهين : أحدهما : ما ذكرنا في قوله :﴿لله ما في السماوات والأرض﴾ [لقمان: ٢٦] أنه بلغ ملكه وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها وأقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه لنفذ ذلك كله، ولم ينفذ خلقه، ولم يبلغوا غاية ذلك. [ والثاني ](٤) : ذكر هذا [ في وصف ](٥) القرآن لقول، كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب فيه، أن يقولوا : كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة، وهي أوقار، وهي جزء ؟ فيخبر، والله أعلم : أنه جمع في هذا من المعاني والعلم والحكمة ما لو فسره، وبين ما أودع فيه، وضمنه كما لو جعل ما في الأرض من الشجر أقلاما والبحار مدادا، فكتب فيه ما أودع فيه، وضمنه، لتعذر ذلك كله، ولم ينفد ما جمع فيه، وضمنه. هذا، والله أعلم، يشبه أن يكون تأويله وسبب نزوله، والله أعلم، بذلك ﴿إن الله عزيز حكيم﴾. ١ في الأصل: يسيروا في، في م: يسير في.. ٢ في الأصل وم: في ما.. ٣ في الأصل وم: في ما.. ٤ في الأصل وم: أو.. ٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل: لهذا..

لقمان 31:28

ولكن غير هذا كأنه أشبه بسبب نزوله وذكره، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا في قوله: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أنه بلغ ملكه وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها أقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه [لنفد] ذلك كله، [ولم ينفد] خلقه ولم يبلغوا غاية ذلك. أو ذكر هذا لهذا القرآن؛ لقول كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب هو فيه أن يقولوا: كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة، وهي أوقار وهو جزء؟! فيخبر - واللَّه أعلم -: أنه جمع في هذا من المعاني والعلم والحكمة ما لو فسره وبين ما أودع فيه وضمنه، ما لو جعل ما في الأرض من الشجر أقلامًا والبحار مدادًا، فكتب ما أودع فيه وضمنه - لنفدَ ذلك كله ولم ينفدْ ما جمع فيه وضمنه، هذا - والله أعلم -: يشبه أن يكون تأويله وسبب نزوله، واللَّه أعلم بذلك. (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وقوله: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: ذكر هذا؛ لأن نفرًا من قريش قالوا للنبي: إن اللَّه خلقنا أطوارا: نطفة، علقة، مضغة، عظما، لحمًا، ثم تزعم أنا نبعث خلقًا جديدًا في ساعة واحدة؟! فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ) أيها الناس جميعًا على اللَّه في القدرة إلا كبعث نفس واحدة. (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ)، القولهم الذي قالوه: إنا لا نبعث، (بَصِيرٌ)، بأمر الخلق والبعث. وجائز أن يكون قال هذا، لما قد أقروا ببعث نفس واحدة لما انتهى إليهم من الأخبار عما كان في الأمم السالفة من الإحياء بعد الممات وتواترت على ذلك، من ذلك قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)، وكقولهم - حيث قالوا -: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً...) الآية، وكقوله: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ)، وقوله: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)، فكأنهم أقروا ببعث هَؤُلَاءِ لما تواترت عليهم الأخبار بذلك، وأنكروا بعث سائرهم؛ فقال: ما خلقكم ولا بعثكم جميعًا إلا كبعث نفس واحدة: إذا ثبت لواحد ففي الكل كذلك. أو أن يذكر هذا؛ لأن الأسباب إنما تختلف في الأمور على الخلق وتعسر لخصال ثلاث: إما لعجز، أو لجهل، أو لشغل، فإذا كان اللَّه - سبحانه وتعالى - يتعالى عن أن يعجزه شيء، أو يخفى عليه شيء، أو يشغله شيء؛ فصار خلق الكل عليه وبعث الكل كخلق نفس واحدة وكبعث نفس واحدة.

لقمان 31:29

أو أن يذكر هذا؛ لأن الواحد والكل والقليل والكثير وما كان وما يكون تحت قوله: (كُن فَيَكُونُ)، معبر بكن مترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، لكنه ذكر (كُن)؛ لأنه أوجز حرف في كلام العرب وأقصر كلام يترجم به من غير أن كان منه (كاف) أو (نون)، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ): كأنه قد كان من أُولَئِكَ من قول أو كلام في ذلك؛ حتى قال: (سَمِيعٌ) لذلك، (بَصِيرٌ) عالم لذلك. أو بصير بأحوال الخلق وبأمورهم. وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) يذكرهم قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره، وفيه دلالة البعث. أما قدرته: فلما أدخل الليل في النهار والنهار في الليل، ثم حفظهما على حد واحد وعلى ميزان واحد، على غير تفاوت يقع في ذلك ولا تغير؛ فمن قدر على ذلك لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء، وكذلك ما ذكر: من تسخير الشمس والقمر، وما يقطعان في يوم واحد وليلة واحدة - مسيرة خمسمائة عام ما لا يتصور ذلك في أوهام الخلق ولا في تقديرهم قطع ذلك المقدار من المسير في مثل تلك المدة. ودل إنشاء أحدهما وإحداثه بعدما ذهب الآخر برمته وكليته حتى لا يبقى له أثر - على أنه قادر على الإحياء بعد الموت وبعدما ذهب أثره؛ ففي ذلك دلائل من وجوه: أحدها: دلالة قدرته؛ حيث أدخل أحدهما في الآخر، وحفظهما كذلك على حد واحد وتقدير واحد، على غير تغيير وتفاوت يقع في ذلك؛ دل ذلك على قدرته وعلمه وتدبيره. ودل إنشاء كل واحد منهما بعدما ذهب الآخر على القدرة على البعث. وقوله: (كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى). إلى الوقت الذي جعل له، لا يتقدم ولا يتأخر. (وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ): ظاهرًا وباطنًا هذا وعيد؛ ليكونوا أبدًا خائفين حذرين متيقظين، واللَّه أعلم. وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أي: ذلك الذي ذكر من خلق الخلق وإنشاء ما ذكر وتسخيره لمن ذلك، وصنعه في الليل والنهار والشمس والقمر وجميع ما ذكر هو صنع الإله الحق المستحق لتسمية

لقمان 31:30

الآية ٣٠ وقوله تعالى :﴿ذلك بأن الله هو الحق﴾ أي ذلك ذكر من خلق الخلق وإنشاء ما ذكر وتسخيره(١) وصنعه في الليل والنهار والشمس والقمر وجميع ما ذكر صنع الإله الحق المستحق لتسميته الألوهية والعبادة. أو ﴿هو الحق﴾ لأنه هو الذي يسوق إليكم هذه النعم والمنافع ﴿وأن ما يدعون من دونه الباطل﴾ لا تنفعكم عبادتكم إياها ﴿وأن الله هو العلي الكبير﴾. ١ أدرج بعدها في الأصل وم: لمن ذكر ذلك..

لقمان 31:31

الألوهية والعبادة. (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ)، من الأصنام مبطلون غير مستحقين تسمية الألوهية والعبادة. أو هو الحق؛ لأنه هو الذي يسوق إليكم هذه النعم والمنافع، (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ): لا ينفعكم عبادتكم إياها. (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ). * * * قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ). وقال في موضع آخر: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ)، قوله: (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) هي النعمة التي ذكر في هذه الآية. وقوله: (تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ) - يحتمل وجهين: أحدهما: لما جعل لهم الفلك بحيث تجري على وجه الماء مع أحمال ثقيلة، ومن طبعها التسرب في الماء والانحدار فيه، فجعلها بحيث تستمسك على وجه الماء وتجري؛ ليصلوا إلى حوائجهم ومنافعهم في أمكنة متباعدة ممتنعة: ما لولا السفن لم يصلوا إلى ذلك بحال. والثاني: ما ذكر فيه من الريح الطيبة التي بها تجري السفن في البحار، وماؤها راكد ساكن؛ فتعمل تلك الريح الطيبة عمل جريان الماء وسكونه، وذلك نعمته، والله أعلم. وقوله: (لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ). يحتمل آيات وحدانيته وآيات قدرته وسلطانه، وآيات نعمته: أما آيات نعمته، فما ذكر، وآيات قدرته وسلطانه: ما ذكرنا: أنه من قدرته وسلطانه أن جعل الفلك والسفن في البحار بحيث تستمسك وتحتبس، ولا تتسرب ولا تنحدر مع أحمال ثقيلة، ومن طبع ذلك

لقمان 31:32

كله التسرب والانحدار، وما ذكر من إجرائها بالريح الطيبة، ولو كان فِعْلَ عدد لا فعل واحد لكان يمنع عن جريها، دل أنه تدبير واحد لا عدد. وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ). جائز أن يكون الصبار هو المؤمن، والشكور كذلك، الصبر كناية عن الإيمان، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ذكر الصبر مكان قوله: (آمَنُوا)؛ لأنه ذكر في آية أخرى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، والشكر كناية عن الإيمان؛ كقوله: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، وقوله: (تَشْكُرُوا)، أي: تؤمنوا. ويحتمل: (صَبَّارٍ) على بلاياه، و (شَكُورٍ) على نعمائه. أو جعل الآيات لمن ذكر؛ لأنه هو المنتفع بها دون غيرهم. أو (صَبَّارٍ) فيما أصابهم في البحر من الشدائد والأهوال، و (شَكُورٍ) فيما دفع عنهم وأنجاهم من تلك الأهوال، واللَّه أعلم. وقوله: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: (كَالظُّلَلِ)، أي: كالظلل: هو سواد من كثرة الماء ومعظمه. وقيل: يصير الموج كالظلمة فوق السفينة. وجائز أن يكون الظلل التي ذكر على التمثيل لا على التحقيق؛ كناية عن حيرتهم في الدِّين، كقوله: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا)، وهو على المثال لا على التحقيق، يخبر عن حيرتهم في الدِّين وتيههم فيه؛ فعلى ذلك الأول. ثم يذكر أهل التأويل أن الآية في أهل الكفر: كانوا يخلصون الدعاء لله والدِّين له: عندما اشتد بهم الخوف على الهلاك عند معاينتهم الأهوال والشدائد في البحار؛ لأن أهل الإسلام يخلصون له الدعاء والدِّين في الأحوال كلها فهي فيهم. وقوله: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ). قَالَ بَعْضُهُمْ: (نُقئَصِد)، أي: حسن القول بلسانه كافر بقلبه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)، أي: عدل، أي: بقي على الإيمان والإخلاص

لقمان 31:33

الذي كان منه في تلك الأهوال لم يعد إلى الكفر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ): الوسط. العدل، وهو ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ). قيل: الختار: الغدار. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الختار. هو الذي بلغ في الغدر غايته ونهايته. وقوله: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) العلي يتوجه وجهين: أحدهما: العلو: القهر والغلبة؛ كقوله: (إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ)، أي: غلب وقهر، وقوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ)؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون قوله: (الْعَلِيُّ) أي: القاهر الغالب. والثاني: أن يكون العلو: الارتفاع؛ فإن كان الارتفاع، فهو يرتفع ويتعالى عن أن يحتمل ما يحتمل الخلق من التغير والزوال وغير ذلك مما يحتمل الخلق، ارتفع وتعالى عن احتمال ما يحتمل الخلق. والكبير، أي: تكبر من أن يلحقه شيء مما يلحق الخلق، واللَّه أعلم. وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) يحتمل: (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) في الجهة التي له عليكم، وأوفوا له ذلك. أو اتقوا مخالفة ربكم ومعصيته. أو اتقوا نقمة ربكم وعذابه. لكنه يختلف الأمر بالاتقاء في المؤمن والكافر: يكون للكافر: اتقوا الشرك وعبادة غير اللَّه، وفي المؤمن: اتقوا مخالفة اللَّه في جميع ما يأمركم وينهاكم، واتقوا عبادة غير الله أو الشرك في حادث الوقت. وقوله: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا). يذكر هذا على الإياس وقطع طمع بعضهم عن بعض؛ بالوصلة التي كانت بينهم في الدنيا، والمنافع التي كان ينفع بعضهم بعضا في الدنيا، يخبر أن ذلك كله منقطع في الآخرة؛ لهول ذلك اليوم، واشتغال كل بنفسه؛ حتى لا ينفع أحد صاحبه، وخاصة ما ذكر من الولد لوالده والوالد لولده، مما لا يحتمل قلب واحد منهما أن يلحق المكروه بالآخر، ولا يصبر ألا يدفع ذلك عنه بكل ما به وسعه وطاقته؛ للشفقة والمحبة التي جعلت فيهم. ثم أخبر ألا ينفع أحدهما صاحبه؛ لاشتغاله بنفسه، وعلى ذلك روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " كل نسب وسبب فهو منقطع، إلا نسبي وسبببي "، ونسبه: دينه الذي دعانا إليه وعلمناه، وسببه: شفاعته يوم القيامة، فذلك كله منقطع إلا هذين؛ فإنه من تمسك بدينه فإنه يشفع له يوم القيامة فيما قصر وفرط، فأما من لم يقبل دينه، ولم يجبه إلى ما دعاه - فإنه ليس له واحد من هذين من الأسباب والأنساب، منقطع؛ كقوله: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ)، قال: هذه الآية في الكفار؛ فأما المؤمنون فينفع الوالد ولده والولد والده في الآخرة: يدفع إلى ابنه بفضل عمله، وكذلك الولد إلى أبيه؛ كقوله: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ). فيما ذكر من الإياس وقطع طمع بعضهم من بعض، أو ما ذكر من قيام الساعة وكونها أنها تكون لا محالة، أو في الثواب والعقاب. وقوله: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). هذا يحتمل وجهين على التحقيق والتمثيل. أما التحقيق: ألا تشغلنكم الحياة الدنيا ولذاتها، ولا تلهينكم عن ذكر اللَّه وعن الآخرة، ولا تغتروا بها؛ فإنها لعب ولهو، على ما ذكر أنها لعب ولهو على ما هي عندكم؛ لأنها عندهم أنها إنما أنشئت وخلقت لها لا للآخرة، فالدنيا - على ما هي عندهم - لعب ولهو، وأما على ما هي عندنا هي حق ليس بباطل؛ لأنها أنشئت للآخرة وبلغة إليها. وأما التمثيل: أضاف التغرير إليها؛ لأن ما كان منها من التزيين والتحسين في الظاهر وإظهار بهجتها وسرورها ولذاتها لو كان ممن له التمييز والعقل والفهم وحقيقة التزيين والتحسين كان تغريرا؛ فعلى ذلك ما كان منها على الظاهر فهو تغرير على التمثيل.

لقمان 31:34

أو أن يكون ما ذكر: ألا تغتروا بالحياة الدنيا وما فيها من لذاتها، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ). قيل: الغرور: الشيطان، لا يغرنكم، ولقول: إن اللَّه كريم رحيم جواد ولا يعذبكم. أو يقول: إن اللَّه غني قادر لا يأمركم بأمر ولا ينهاكم؛ إذ إنما يأمر وينهى في الشاهد من كان محتاجًا، فأما الغني فلا يأمر، أو نحوه، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) ذكر في بعض الأخبار عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا اللَّه "، وعدّ هذه الخمسة التي ذكرت في هذه الآية. وكذلك روي أبو هريرة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " خمس لا يعلمهن إلا اللَّه؛ ثم تلا، قوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) إلى آخر الآية ". فإن ثبت هذا فهو ما ذكر، ويرجع ذلك إلى معرفة حقيقة ما ذكر؛ وإلا جائز أن يقال: إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام؛ من نحو المطر أنه متى يمطر، أو ما في الأرحام: أنه ولد وأنه ذكر أو أنثى، وإن لم يعلم ماهية ما في الأرحام؛ نحو ما يعلم المنجمة بذلك بالحساب وبأعلام، يخرج ذلك على الصدق مما أخبروا ربما؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات اللَّه عليه - قال: (إِنِّي سَقِيمٌ)، لما نظر في النجوم، أي: سأسقم. وروي أن أبا بكر الصديق - رضي اللَّه عنه - قال: إني ألقي إليَّ أن ذا بطن بنت خارجة جارية، وكان كما ذكر؛ فلا يحتمل أبو بكر يعلم ذلك لما ألقي إليه، ورسول اللَّه لا يعلم الساعة؛ فإنه لا يطلع عليها أحد، إلا أن يقال بأن رسول اللَّه لم يؤذن له بالتكلم والقول بشيء إلا من جهة الوحي من السماء، فأما الاشتغال بمثله فلا؛ لأن الاشتغال بمثله تضييع لكثير مما امتحن، وترك لبعض ما يؤمر وينهى، أو لما يخرج ذلك مخرج التطير والتفاؤل واكتساب الرزق على غير الجهة التي جعل وأبيح لهم؛ فكان المنع لذلك، واللَّه أعلم. ثم قوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) يحتمل قوله: (عِلْمُ السَّاعَةِ) أي: وقت الساعة، كقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ)، وقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا. إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا): أخبر أنه لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا، وذكر لرسول اللَّه: إنك (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا)، فأما ما سوى ذلك فليس إليك. أو أن يكون قوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)، أي: عنده علم بماهية الساعة وأهوالها، ولم يذكر ماهيتها وحدها وقدرها؛ فأخبر أنه يعلم هو ذلك. وقوله: (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ). سمى المطر: غيثًا، فيشبه أن يكون سماه: غيثًا؛ لما به يكون للناس غياث فيما به قوام أنفسهم ودنياهم، وسماه في موضع: رحمة، وفي موضع: مباركًا، فتسميته: رحمة؛ لما به نجاة أنفسهم وأبدانهم وذلك صورة الرحمة، وسماه: مباركًا؛ لما به ينمو ويزداد كل شيء؛ إذ البركة هي اسم كل خير ينمو ويزاد بلا اكتساب. وقوله: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ). من انتقال النطفة إلى العلقة، وانتقال العلقة إلى المضغة، وتحوله من حال إلى حال أخرى، وقدر زيادة ما فيه في كل وقت وفي كل ساعة، ونحو ذلك لا يعلمه إلا اللَّه. وأما العلم بأن فيه ولدا وأنه ذكر أو أنثى - فجائز أن يعلم ذلك غيره أيضًا. وقوله: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ). جائز أن يكون كتم ذلك وأخفاه؛ ليكونوا في كل حال على حذر وخوف وعلى يقظة؛ إذ لو كان أطلعهم على ذلك - لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت؛ فيعملون بكل ما يريدون ويشاءون؛ فيكون في ذلك ارتفاع المحنة، فلبس ذلك عليهم؛ ليكونوا أبدًا في كل وقت وكل حال - على حأ ر وخوت ويقظة، واللَّه أعلم. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). وذكر بعض أهل التأويل أن رجلا من أهل البادية يقال له: الوارث بن عمرو بن حارثة ابن محارب جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: إن أرضنا أجدبت، فمتى الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى؛ فماذا تلد؟ وقد علمتُ أنِّي ولدت؛ ففي أي أرض أموت؟ وقد علمت ما عملت اليوم؛ فماذا أعمل غدًا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل اللَّه - تعالى - في مسألة المحاربي: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ): لا يعلمها غيره، (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ): من ذكر أو أنثى، (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ) برة أو فاجزة (مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا): من خير أو شر، (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ): في سهل أو حمل، أو بر أو بحر (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) بهذا الذي ذكر كله فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أين السائل عن الساعة؟ " فقال المحاربي: هاهنا؛ فقرأ النبي صلوات اللَّه عليه هذه الآية. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: قوله (كَالظُّلَلِ)، أي: ما استظللت به، والظلة: السحاب. قَالَ الْقُتَبِيُّ: (كَالظُّلَلِ): جمع ظلة، يريد: أن بعضه فوق بعض؛ فله سواد من كثرته، والبحر ذو ظلال لأمواجه. والختار: الغدار، والختر: أقبح الغدر وأشده. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الختار: الكذاب الغدار؛ يقال: ختر، يختر، خترا؛ فهو خاتر. وقوله: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي)، أي: لا يغني؛ تقول جزى يجزي؛ فهو جاز، أي: أغنى، وأجزى يجزي مثله، وأجزأني عن كذا وكذا، أي: كفاني، وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ. وقال: الغرور - بنصب الغين -: الشيطان، والغرور - بضم الغين -: الباطل. * * *

السجدة 32:1

سُورَةُ الْسَّجْدَةِ مَكِّيَّة إلا ثلاث آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (الم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ. قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الم (١) قد ذكرنا تأويله في صدر الكتاب. وقوله: (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ... (٢) الكتاب المطلق: كتاب اللَّه، والدِّين المطلق: دين اللَّه، والسبيل المطلق والطريق المطلق: سبيل اللَّه وطريقه. وقوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ). أنه منزل من اللَّه؛ لأنه أنزل على أيدي الأمناء البررة: لم يغيروه ولا بدلوه ولا حرفوه. أو يقول: (لَا رَيْبَ فِيهِ) أنه ليس بمخترق ولا مخترع ولا مفتري من عند الرسول؛ بل منزل من عند رب العالمين. أو (لَا رَيْبَ فِيهِ): لا شك؛ على ما يقول الناس لكل محكم من الأمر مبين، واللَّه أعلم. (مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ). العالم: هو اسم جنس من الخلق وجوهر منه، (الْعَالَمِينَ): جمعه؛ فيدخل في ذلك الأولون والآخرون الذين يكونون إلى آخر ما يكونون؛ ففيه أنه يوصف - جل وعلا - أنه رب لكل ما كان ويكون، ومالك ما كان وما يكون؛ كقوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ): أخبر أنه مالكه، وهو بعد ما لم يكن، أعني: ذلك اليوم. وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)

السجدة 32:2

الآية ٢ وقوله تعالى :﴿تنزيل الكتاب﴾ الكتاب المطلق كتاب الله، والدين المطلق دين الله والسبيل المطلق والطريق المطلق سبيل الله وطريقه. وقوله تعالى :﴿لا ريب فيه﴾ أنه منزل من الله، لأنه أنزل على أيدي الأمناء البررة، لم يغيروه، ولا بدلوه، ولا حرفوه. أو يقول :﴿لا ريب فيه﴾ أنه ليس بمخترق ولا مخترع ولا مفترى من عند الرسول، بل منزل من عند رب العالمين. أو ﴿لا ريب فيه﴾ لا شك فيه على ما يقول الناس لكل محكم من الأمر مبين، والله أعلم. [ وقوله تعالى ](١) :﴿من رب العالمين﴾ العالم هو اسم جنس من الخلق، وجوهر منه. والعالمين : جمعه، فيدخل في ذلك الأولون والآخرون الذين يكونون. ففيه أنه رب لكل ما كان، ويكون كقوله :﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة: ٣] أخبر أنه مالكه، وهو بعد لم يكن، أعني ذلك اليوم. ١ ساقطة من الأصل وم..

السجدة 32:3

الآية ٣ وقوله تعالى :﴿أم يقولون افتراه﴾ قوله ﴿أم يقولون﴾ هو استفهام وشك في الظاهر. لكنه من الله يخرّج على تحقيق إلزام وإيجاب أو تحقيق نفي على ما لو كان ذلك من مستفهم ومسترشد، كيف يجاب له، ويقال فيه ؟ فإنما يقال للمستفهم : لا أو بلى. فعلى ذلك هو من الله على تحقيق إثبات وإيجاب أو تحقيق نفي ؛ إذ لا يحتمل الاستفهام والسؤال كقوله :﴿أم للإنسان ما تمنى﴾ [النجم: ٢٤] كأنه قال : ليس للإنسان ما تمنى. فعلى ذلك كأنه قال ههنا : بل يقولون افتراه. ثم رد ما قالوا : إنه افتراه، فقال :﴿بل هو الحق من ربك﴾ يحتمل قوله :﴿هو الحق من ربك﴾ ليس بمخترع ولا مخترق ولا مفترى من محمد. بل منزه من عند الله على ما ذكرنا في قوله :﴿لا ريب فيه من العالمين﴾ أو ﴿هو الحق من ربك﴾ ليس بكلام البشر، ولا في وسعهم إتيان مثله. فهو الحق منه ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه﴾ /٤٢٠-أ/ الآية [فصلت: ٤٢]. وقوله تعالى :﴿لتنذر قوما﴾ أي لتنذر بالكتاب الذي أنزل ﴿قوما ما أتاهم من نذير من قبلك﴾ هذا يحتمل وجهين : أحدهما : على الجحد أي لتنذر قوما لم يأتهم نذير، وهم أهل الفترة الذين كانوا بين عيسى ومحمد ﷺ. والثاني :﴿لتنذر قوما﴾ الذين قد أتاهم نذير من قبلك، وهم آباؤهم وأجدادهم الذين كانوا من قبله، الذين قد أتاهم نذير من قبلهم(١)، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿لعلهم يهتدون﴾ هذا أيضا يحتمل وجهين : أحدهما : لتنذر قوما لكي تلزمهم به حجة الاهتداء. والثاني : لتنذر قوما على رجاء وطمع أن يهتدوا، والله أعلم. ١ في الأصل وم: قبله..

السجدة 32:4

قوله: (أَمْ يَقُولُونَ) هو استفهام وشك في الظاهر، لكنه من اللَّه يخرج على تحقيق إلزام وإيجاب أو تحقيق نفي، على ما لو كان ذلك من مستفهم ومسترشد: كيف يجاب له ويقال فيه؛ فإنما يقال للمستفهم: لا أو بلى؛ فعلى ذلك هو من اللَّه على تحقيق إثبات وإيجاب، أو تحقيق نفي؛ إذ لا يحتمل الاستفهام والسؤال؛ كقوله: (أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى)؛ كأنه قال: ليس للإنسان ما تمنى؛ فعلى ذلك كأنه قال - هاهنا -: بل يقولون: (افْتَرَاهُ)، ثم رد ما قالوا: إنه افتراه؛ فقال: (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ). يحتمل قوله: (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ): ليس بمخترع ولا مخترق ولا مفتري من مُحَمَّد؛ بل منزل من عند اللَّه، على ما ذكرنا في قوله: (لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ). أو هو الحق من ربك، ليس بكلام البشر ولا في وسعهم إتيان مثله؛ فهو الحق منه (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ...) الآية. وقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا). أي: لتنذر بالكتاب الذي أنزل قومًا. (مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ). هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الجحد، أي: لتنذر قومًا لم يأتهم نذير، وهم أهل الفترة الذين كانوا بين عيسى ومُحَمَّد، عليهما الصلاة والسلام. والثاني: لتنذر قومًا: الذين قد أتاهم من نذير من قبلك، وهم آباؤهم وأجدادهم الذين كانوا من قبله، الذين قد أتاهم نذير من قبله، واللَّه أعلم. وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ). هذا -أيضًا- يحتمل وجهين: أحدهما: لتنذر قومًا؛ لكي تلزمهم به حجة الاهتداء. والثاني: لتنذر قومًا؛ على رجاء وطمع أن يهتدوا، واللَّه أعلم. وقوله: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) هذا -أيضًا- قد ذكرناه فيما تقدم. وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). وفي هذا -أيضًا- قد ذكرنا فيما تقدم تأويلات كثيرة، لكنا نذكر فيه حرفًا لم نذكره

السجدة 32:5

فيما تقدم من الذكر؛ وكأنه أصوب وأقرب إلى الحق، وهو أن ذلك حرف وكلام لم يجعل اللَّه - تعالى - في العقول والأفهام سبيل الدرك له والمعرفة - أعني: لقوله (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) - لأنه ذكر ذلك الحرف في موضع آخر، وأمره أن يسأل به خبيرًا؛ حيث قال: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)، ولو كان ذلك الحرف مما لعقول البشر وأفهامهم سبيل الوصول إلى معرفته ودركه لأدركه عقل رسول رب العالمين وفهمه من غير أن يسأل به الخبير من كان: اللَّه أو جبريل، فإذا أمره بالسؤال عنه دل أنه بالعقل والفهم لا يدرك ولا يعرف؛ ولكن بالسمع عن اللَّه. ولم يذكر عن الرسول أنه فسر ذلك أو قال فيه أو سأله أحد عنه، واللَّه أعلم. وقوله: (مَا لَكُم مِنْ دُونهِ مِن وَليٍّ وَلَا شفيع). يقول أهل التأويل: ما لكم من دونه من ولي ينفعكم في الآخرة، ولا شفيع يدفع عنكم عذابه. أو أن يكون قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ)، أي: رب وإله يلي أمركم سواه، (وَلَا شَفِيعٍ): لا هو ولا غيره، وأما للمؤمنين فإنه وليهم؛ كقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ). وقوله: (أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ). فيما ذكر من صنعه؛ فتوحدونه، واللَّه أعلم. وقوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) قال أهل التأويل: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)، أي: هو يقضي القضاء وحده من السماء والأرض. وعندنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)، أي: هو يكون الأمر ويدبره. أو هو يجعل الخلق بحيث يقبلون الأمر والنهي ويحتملون المحنة. أو هو يخرج الأمر كله على الحكمة والتدبير. والثاني: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)، أي: يولي من يدبر الأمر من السماء إلى الأرض؛ نحو ما ولى ملك الموت قبض أرواح الخلق، ونحو ما ولى بعض ملائكته أمر الأمطار والنبات وغير ذلك؛ فجائز أن يكون الأول يولي ملائكته أمر ما بين السماء والأرض. فإن كان الأول فليس ذكر السماء والأرض حدّا ولا تقديرًا؛ يدبر ما سوى ذلك، لكن ذكر هذا؛ لما إلى ذلك ينتهي تدبير البشر وعلمهم، وأما ما سوى ذلك فلا. وإن كان الثاني فهو على التحديد، واللَّه أعلم.

السجدة 32:6

وقوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُ). قال بعض أهل التأويل: (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ)، يقول: يصعد الملك إليه في يوم واحد من أيام الدنيا، كان مقدار ذلك اليوم، (أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)، أنتم؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام؛ فينزل مسيرة خمسمائة عام، ويصعد خمسمائة عام، وذلك مقدار مسيرة ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. وذكر في موضع آخر: (خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)؛ فجائز أن يكون ذلك وصف يوم القيامة؛ فيخرج ذلك لا على التحديد والتقدير؛ ولكن على التعظيم لذلك اليوم، والوصف له بما يعظم في قلوب الخلق، وهو ما وصفه بالعظمة؛ كقوله: (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ). أو أن يكون التحديدان والتقديران كانا حقيقة؛ لاختلاف أحواله وأوقاته، على اختلاف الأمور، يكون ألف سنة كما ذكر في حال ووقت لأمر، وخمسين ألف سنة بحال أخرى لأمور أخر؛ على ما سمى ذلك اليوم مرة: يوم الجمع، ومرة: يوم التفريق، ويوم الفصل، ويوم الحساب، ويوم البعث، ونحوه، ومعلوم أن ذلك اليوم من أوله إلى آخره ليس بيوم الجمع، ولا بيوم الافتراق، ولا يوم الحساب ولا يوم البعث؛ ولكن أسماه، بجميع ذلك كله؛ لاختلاف الأحوال والأوقات لأمور مختلفة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأول كذلك، واللَّه أعلم. ويكون قوله: (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ)، أي: يصير إليه ذلك؛ كقوله: (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)، ونحوه. وقوله: (يَعْرُجُ إِلَيْهِ)، أي: يصعد في قول الْقُتَبِيّ وأبي عَوْسَجَةَ، ويعرج: أي: احتبس. وقوله: (ذَلِكَ... (٦) أي: هذا الذي صنع ما ذكر من هذه الأشياء. (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ). يحتمل هذا وجوهًا: عالم ما غاب عن الخلق والشهادة: وعالم ما يشهدون ويعلنون. أو عالم ما يكون ويحدث، والشهادة: ما قد كان ومضى.

السجدة 32:7

أو عالم ما يغيب بعض من بعض، والشهادة ما يشهدون ويظهرون. أو عالم ما يغيب عن الخلق كيفية لمنافع الأشياء الظاهرة وماهيتها، نحو ما غاب عنهم المعنى المضر المودع في الطعام والشراب والأغذية جميعًا، الذي به حياة أنفسهم وقوامهم، وكذلك السمع والبصر والفهم والعقل: لا بدرك المعنى الذي به يسمع ويبصر ويفهم ويدرك وما به تحيا أنفسهم به، واللَّه أعلم. وقوله: (الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). العزيز في هذا الموضع: المنتقم من أعدائه، الرحيم على أوليائه. أو العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الرحيم: الذي له رحمة يسع الخلائق في رحمته. أو العزيز: الذي به يعز من عز، والرحيم: الذي برحمته يرحم من يرحم. ومنهم من يقول في قوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)، وقوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ)، قال: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره فوق السماوات، مقدار ذلك خمسون ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف سنة: ذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة. لكن قوله: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى أمره فوق السماوات كذا - فاسد؛ لأنه لا يجوز أن يكون لأمره أو لملكه نهاية أو حد، والوجه فيه ما ذكرنا. وقوله: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؍ (٧) بالجزم والتحريك جميعًا، كلاهما لغتان.؍ ثم يحتمل قوله: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ) أي: علم كل شيء خلقه: أن كيف يخلق من غير أن يعلمه أحد أو أعانه عليه أحد. وفي الشاهد لا يقدر أحد، ولا يمكن له صنع شيء إلا بمعلم يعلمه ذلك أو بمعين يعين على ذلك، يخبر عن جهلهم وسفههم بتقديرهم قدرة الله وقوته بقوى أنفسهم وقدرتهم في إنكارهم البعث؛ لخروجه عن تقدير الخلق وامتناعه عن وسعهم، يقول: لا تقدروا قدرة اللَّه بقدرة أنفسكم وقواكم، كما لم تقدروا علمه بعلمكم؛ إذ يعلم هو بذاته بلا معلم، وأنتم لا تعلمون إلا بعلم؛ فعلى ذلك هو قادر بذاته لا يعجزه شيء وأنتم لا تقدرون إلا بغير أو بسبب. ويحتمل هذا الوجه وجهًا آخر، وهو أن قوله: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)، أي: أعلم كل شيء من خلقه: ما به مصالحهم وفسادهم، وما يؤتى وما يتقى. والثاني: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)، أي: أحكم كل شيء خلقه وأتقنه. ثم يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أتقن وأحكم فيما به من المصالح والمعاني، وفي كل شيء من التسوية والتفرد وفي الجمع والتصوير. والثاني: أحسن، أي: أتقن وأحكم كل شيء خلقه في الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، أي: جعل في كل أثر وحدانيته يشهد على وحدانيته وربوبيته. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) لم يخلق الإنسان في خلق البهائم وصورتها ولا البهائم في خلق الإنسان. وقتادة يقول: كل شيء من خلقه حسن على ما خلق وعلم كيف يخلقه، وهو قريب مما ذكرنا بدءًا. ثم من قرأه: (خَلْقَهُ): بالجزم يكون معناه - واللَّه أعلم - أي: أحسن خلق كل شيء ومن قرأه (خَلَقَهُ) بالتحريك، أي: أحسن كل شيء منه وخلقه. ثم للمعتزلة في هذه الآية أدنى تعلق يقولون: أخبر أنه أحسن كل شيء خلقه، والكفر وشتم رب العالمين ونحوه - كله قبيح وسفه؛ دل أنه لم يخلقه، وأنه ليس بخالق لذلك. يقال لهم: إخوانكم الزنادقة يعارضونكم ويقولون: إن الخنزير والنجاسات، وجميع السباع الضارة والمؤذية، وجميع الخبائث كلها قبيحة، اللَّه ليس بخالق لها؛ فبم تدعون قولهم وسؤالهم في ذلك؟ فإن زعمتم في الأول في الكفر والشتم وجميع فعل الشرور: أنه ليس بخلق له؛ لأنه قبيح ضار مؤذ - يلزمكم مذهب الزنادقة فيما يقولون ويذكرون في إثبات خالق سراه؛ لأف قبيح ضار مؤذ. ويقال لهم: إن اللَّه - جل وعلا - سمى إبليس: باطلا؛ فهو إذن لم يخلقه؛ لأنه أخبر أنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا. ثم يقال لهم: إنا نقول: إنه خلق فعل الكفر من الكفرة قبيحًا، وخلق فعل الكفر والشتم من الشرير والشاتم قبيحًا، خلق فعل الشر على ما هو وعلى ما عرفه؛ فلا عيب يلحقه في جعل ما هو قبيح قبيحًا؛ كمن يعلم الكفر ليعلمه قبيحًا على ما هو، وكذلك جميع الشرور؛ فعلى ذلك ليس في خلق ما هو قبيح في نفسه قبيحًا - عيب؛ على ما لم

السجدة 32:8

يكن في تكلف معرفة القبيح ليعرفه قبيحًا على ما هو حقيقة - عيب، هذا إذا كان التأويل على ما يذهبون هم إليه. فأما إذا كان ما ذكرنا في قوله: (أَحْسَنَ)، أي: علم أو أعلم، فليس يدخل في ذلك شيء مما ذكروا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ). قال عامتهم: يعني: آدم. وقوله: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) أي: نسل آدم. (نَسْلَهُ): أي: ولده. وقال: السلالة: الخالص من كل شيء. (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩) أي: آدم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا؛ ولكن ذلك نعت ولده وذريته؛ لأن الأعجوبة في خلق ولده في الأرحام في ثلاث ظلمات من النطفة إن لم تكن أكثر من خلق آدم من طين لا تكون أقل؛ لأن صنع الأشياء الظاهرة البادية وتسويتها في الشاهد أيسر وأدون من صنعها وتسويتها إذا كانت غائبة مستكنة. وظاهره: أن يكون قوله: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ): آدم، (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ): ذريته؛ لأن النسل هو الولد والذرية. وقوله: (مِنْ سُلَالَةٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: السلالة: هو الصفوة من الماء، والخالص من كل شيء. وقَالَ بَعْضُهُمْ: السلالة: هي من السل: سل السيف، أي: أخرجه ونزعه؛ فعلى ذلك قوله: (مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ)، أي: استخرج من الظهر وسل منه ونزع. والمهين: هو الضعيف؛ يقال منه: مهن يمهن مهانة، فهو مهين، وهو قول أبي عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ. وقوله: (ثُمَّ سَوَّاهُ). أي: جمعه وقومه وركب بعضه ببعض. (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ).

السجدة 32:9

الآية ٩ وقوله تعالى :﴿ثم سواه﴾ أي جمعه، وقوّمه، وركّب بعضه على بعض ﴿ونفخ فيه من روحه﴾ هو الريح، وبالنفخ يتفرق في الجسد، ولذلك ذكر، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ثم سواه﴾ يحتمل ما ذكرنا من تركيب الجوارح والأعضاء، أو جعله بحيث يحتمل المحنة والأمر والنهي ﴿ونفخ فيه من روحه﴾ أي جعل فيه الروح، وذكر النفخ لما ذكرنا على تحقيق النفخ فيه، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ ذكر، جل، وعلا، جميع ما يوصل إلى العلوم الغائبة والحاضرة جميعا، ويدرك، ويوجد السبيل إليها، وهي السمع والبصر والقلب في الإنسان، لأنه بالسمع يوصل إلى ما غاب عنهم من العلم، يسمعون ما عند غيرهم، وكذلك بالبصر يرى، ويبصر ما عند غيره، وبالقلب يفهم، ويحفظ، ويميز بين ما يؤتى، وما يتقى. يبين أنه قد أعطاهم ما به يدركون، ويصلون إلى ما غاب عنهم، ويفهمون، ويميزون، وهو ما ذكر من الحواس. ثم قال :﴿قليلا ما تشكرون﴾ [ قال أهل التأويل : قوله :﴿قليلا ما تشكرون﴾ أي لا تشكرون ](١) قط، لأنهم يقولون : إنما خاطب به أهل مكة، أو يقال : إنهم يشكرون قليلا، لكنهم يفسدون، وينقضون ما يشكرون بكفرانهم من بعد. وأما أهل الإسلام، وإن كان شكرهم لما ذكر من هذه الحواس قليلا فإنهم قد اعتقدوا في أصل العقد الشكر له في جميع نعمه. والكافر اعتقد الكفران له. وإلا يجيء أن يكون قوله :﴿قليلا ما تشكرون﴾ للمؤمنين، ولهم يقال ذلك لا للكفرة، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل..

السجدة 32:10

وهو من الريح، وبالنفخ يتفرق في الجسد! لذلك ذكر، واللَّه أعلم. وقوله: (ثُمَّ سَوَّاهُ) هو يحتمل ما ذكرنا من تركيب الجوارح والأعضاء. أو سواه وجعله بحيث يحتمل المحنة والأمر والنهي. (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)، أي: جعل فيه الروح، وذكر النفخ لما ذكرنا على تحقيق النفخ فيه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ). ذكر - جل وعلا - جميع ما يوصل إلى العلوم الغائبة والحاضرة جميعًا، ويدرك ويوجد السبيل إليها وهو السمع والبصر والقلب في الإنسان؛ لأنه بالسمع يوصل إلى ما غاب عنهم من العلم: يسمعون ما عند غيرهم، وكذلك بالبصر يرى ويبصر ما عند غيره، وبالقلب يفهم ويحفظ ويميز بين ما يؤتى ويتقى، يبين أنه قد أعطاهم ما به يدركون ويصلون إلى ما غاب عنهم ويفهمون ويميزون، وهو ما ذكر من الحواس. ثم قال: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ). قال أهل التأويل قوله: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)، أي: لا تشكرون قط؛ لأنهم يقولون: إنما خاطب به أهل مكة. أو أن يقال: إنهم يشكرون قليلا، لكنهم يفسدون وينقضون ما يشكرون بكفرانهم من وأما أهل الإسلام وإن كان شكرهم لما ذكر من هذه الحواس قليلا فإنهم قد اعتقدوا - في أصل العقد - الشكر له في جميع نعمه، والكافر اعتقد الكفران له؛ وإلا يجيء أن يكون قوله: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) للمؤمنين ولهم يقال ذلك لا للكفرة، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) وقوله: (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ). هذا القول منهم في الظاهر يخرج على الاستفهام والسؤال: أئنا نبعث ونخلق خلقًا

السجدة 32:11

جديدًا؛ وعلى الإيجاب والتحقيق: إنا نبعث لا محالة؛ فلا يلحقهم بذلك لائمة ولا تعيير لو كان على ظاهر المخرج منهم، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكارًا للبعث؛ دليله ما قال على أثره: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)؛ وإلا ظاهر ذلك القول منهم على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما: استفهامًا، أو إيجابًا، وهو ما أخبر عن المنافقين؛ حيث قال: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ): هذا القول منهم حق وصدق، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك لم ينفع ذلك لهم؛ حيث قال: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)؛ فعلى ذلك القول منهم في الظاهر ما ذكرنا، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكارًا للبعث وجحودًا. وقوله: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) هذا الحرف في الظاهر ليس هو بصلة للأول؛ لأنه إنما يقال عن سؤال سابق في توفي الخلق وقبض أرواحهم: أنه من؟ فيقال عند ذلك: يتوفاكم ذلك ملك الموت. وجائز أن يكون على الصلة بالأول؛ لأنهم أنكروا البعث وإحياءه إياهم من التراب؛ لما لا يرون لله القدرة على ذلك؛ فيذكر أنه مكن وأقدر عبدا من عبيده على قبض أرواح جميع الخلائق من المشرق إلى المغرب، من غير أن يعلمه أحد أن كيف يقبض؟ وكيف يمكن له ذلك؟ فيخبر أن من قدر على هذا يقدر على إحياء الخلق بعدما صاروا ترابًا ورمادً بل قادر على ما شاء، كيف شاء، متى شاء، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. ثم قوله: (يَتَوَفَّاكُمْ) يحتمل من توفى العدد: يجعلهم وفاء لعدِّها؛ كقوله: (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا). وجائز أن يكون التوفي من الاستيفاء ووفاء التمام، أي: يستوفى الروح كله؛ حتى لا يبقى في الجسد منه شيء. ثم في الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أن ملك الموت يتوفاهم ويميتهم، وقد أخبر أنه خلق الموت والحياة؛ فدل أن جميع ما يفعل العباد هو خلق. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)، أي: بطلنا وصرنا ترابًا. وقال غيره: هلكنا. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (ضَلَلْنَا) [بالضاد]: إذا صرنا في القبور وبلينا فيها. ويقال: (ضَلِلْنَا) بالكسر من الضلال، ويقال: ضللت شيء كذا وكذا: إذا لم تدر أين ذهب؟ ويقال:

السجدة 32:12

صللنا -[بالصَّاد]-: وهو من صَلَّ اللحمُ، أي: أنتن. وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) يقول - واللَّه أعلم -: لو ترى - يا مُحَمَّد - ما نزل بالمجرمين يومئذ من العذاب، وما هم فيه من الحال الشديدة والهوان؛ بالتكذيب الذي كان منهم وإساءتهم إليك - لرحمتهم ولم تتكلف مكافأة إساءتهم وتكذيبهم؛ لعظم ما نزل بهم من العذاب والشدائد. (نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)؛ ندامة وحسرة و - ش نًا على ما كان منهم، على مثل هذا يخرج التأويل؛ وإلا ليس في ظاهر الآية جواب قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)؛ فجوابه ما ذكرنا، أو نحوه، واللَّه أعلم. وقوله: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا). هذا يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: (أَبْصَرْنَا): بالحجج والبراهين عيانًا بعدما كنا أبصرناها في الأولى بالدلالة، (وَسَمِعْنَا)، أي: قبلنا وأَجبنا؛ (فَارْجِعْنَا) إلى الأولى أو المحنة، (نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ). والثاني: ربنا أبصرنا صدق الرسل، وأيقنا بما وعدنا في الدنيا وسمعنا سماع إيقان وعيان، فارجعنا نعمل صالحًا إنا موقنون، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) أي: لو شئنا لآتينا كل نفس ما عندنا من اللطف: الذي لو كان منهم الاختيار لذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف؛ لما لم نعلم منهم كون ذلك الاختيار. وعلى قول المعتزلة: شاء أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها لكنها لم تهتد؛ فقولهم مخالف للآية؛ لأنهم يقولون: شاء أن تهتدي كل نفس، وآتى كل نفس ما به تهتدي، لكنها لم تهتد، ولكنهم يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة الجبر والقسر. فيقال لهم: زعمتم أنه قد شاء أن يهتدوا، وآتاهم ما به يهتدون فلم يهتدوا ولم تنفذ مشيئته؛ فأنى يقدر ويملك أن يشاء مشيئة تقهرهم وتجبرهم حتى يهتدوا؟! وكيف يؤمن على ذلك؟! فذلك بعيد على قولكم؛ فيقال لهم -أيضًا-: إن الإيمان والتوحيد في حال القهر والقسر لا يكون إيمانا؛ لأن القهر والجبر يرفع الفعل عن فاعله ويحوله عنه، فكيف تأويلكم على هذا؟! وقوله: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ). أي: لكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ويحدث ما يستوجبون به جهنم،

السجدة 32:13

الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها﴾ أي لو شئنا لآتينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم الاختيار لذلك لاهتدوا. لكن لم نعطهم ذلك اللطف لما لم نعلم منهم كون ذلك الاختيار. وعلى قول المعتزلة : شاء أن يعطي كل نفس ما به تهتدي، وقد أعطاها، لكنها لم تهتد. فقولهم، مخالف للآية لأنهم يقولون : شاء أن تهتدي كل نفس، وآتى كل نفس ما به تهتدي، لكنها لم تهتد، ولكنهم يقولون : المشيئة هنا مشيئة الجبر والقسر. فيقال لهم : زعمتم أنه قد شاء أن يهتدوا، وآتاهم ما به يهتدون، فلم يهتدوا، ولم تنفذ مشيئته. فأنى يقدر. ويملك ؟ إن شاء مشيئة تقهرهم، وتجبرهم حتى يهتدوا، وكيف يؤمن على ذلك، فذلك بعيد على قولكم. فيقال لهم أيضا : إن الإيمان والتوحيد في حال القهر والقسر لا يكون إيمانا لأن القهر والجبر يرفع الفعل عن فاعله، ويحوله عنه. فكيف يصح تأويلكم على هذا ؟ وقوله تعالى :﴿ولكن حق القول مني لأملأن جهنم﴾ أي لكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم، ويحدث ما يستوجبون جهنم، وهو ما علم منهم أنهم يختارون الرد والتكذيب. وقوله تعالى :﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ في هذه الآية دلالة أنه قد عصم ملائكته عن عمد ما يستوجبون به جهنم بعد قوله :﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم﴾ [الأنبياء: ٢٩] حين(١) خص الجن والإنس في ما يملأ بهما جهنم. فإن قيل : إنه قال في آية أخرى :﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة﴾ [المدثر: ٣١] قيل : هم أصحاب النار في تعذيب غيرهم، وليسوا هم بأصحابها في ما ينتهي إليهم العذاب. ولله أن يجعل، ويمتحن من يشاء على تعذيب من يشاء، والله أعلم. ١ في الأصل وم: حيث..

السجدة 32:14

وهو ما علم أنهم يختارون الرد والتكذيب. وقوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ). في هذه الآية دلالة: أنه عصم ملائكته عن عمد ما يستوجبون به جهنم بعد قوله: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ): خص الإنسان والجن فيما يملأ بهما جهنم. فَإِنْ قِيلَ: إنه قال في آية أخرى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً). قيل: هم أصحاب النار في تعذيب غيرهم، وليسوا هم بأصحابها فيما ينتهي إليهم العذاب، ولله أن يجعل ويمتحن من يشاء على تعذيب من شاء، واللَّه أعلم. وقوله: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) النسيان الذي ذكر منهم ليس هو نسيان غفلة وسهو؛ لأنه لا كلفة تلزم في حال السهو والغفلة. ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: تضييع وترك تصديق الرسل بما أوعدوهم به، وتكذيبهم ورد الحجج والآيات لذلك. والثاني: (نَسِيتُمْ)، أي: جعلتم ذلك كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه. والثالث: (إِنَّا نَسِينَاكُمْ)، أي: نجزيكم جزاء نسيانكم وترككم، أي: يجعلكم كالمنسي عن رحمته وفضله لا يكترث ولا يعبأ بكم؛ كما جعلتم أنتم آياته وحججه وما دعاكم إليه كالمنسمي المتروك الذي لا يكترث إليه. والرابع: وتضييعكم، ويجوز تسمية الجزاء باسم أصله وأوله، وإن لم يكن الثاني في الحقيقة سيئة ولا اعتداء؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. وقوله: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). أي: ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون وتعتقدون المذهب للخلود والأبد؛ لأن كل ذي مذهب ودين إنما يعتقد المذهب ويختاره للأبد؛ فعلى ذلك جعل تعذيبهم في النار للأبد، وأما من يرتكب المآثم والزلات من المؤمنين، فإنما يرتكب عند شدة الحاجة وغلبة الشهوة في وقت ارتكابه لا للأبد؛ لذلك افترقا. * * * قوله تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)

السجدة 32:15

وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وقوله: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا... (١٥) يخرج قوله: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ)، أي: يحقق الإيمان باللَّه وبآياته (الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا) أن لله حقيقة. ثم يحتمل (خَرُّوا سُجَّدًا) حقيقة السجود عند تلاوة الآيات التي فيها ذكر السجود. والثاني: يكون ذكر خرور الوجه والسجود كناية عن الخضوع لها، والانقياد والاستسلام والقبول لها؛ فأحدهما على حقيقة السجود عند تذكير الآيات لهم والتلاوة عليهم، والثاني: على الكناية على القبول لها والاستسلام، وإلا ليس من ذي مذهب من أهل الكفر من عبدة الأصنام وغيرهم إلا وهو يدعي الإيمان باللَّه وبآياته، ويزعم أن الذي هو عليه هو الإيمان به والمؤتمر بأمره؛ ألا ترى أنه كيف أخبر عنهم؛ حيث قال: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا): كانوا يدعون في جميع ما يعملون أن اللَّه - تعالى - أمرهم بذلك، وأنهم مؤمنون به مؤتمرون بأمره؛ فأخبر أنه إنما يحقق الإيمان باللَّه وبالآيات الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا لا أُولَئِكَ الذين يدعون ذلك وليسوا هم كذلك. وقوله: (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ). التسبيح: هو تنزيه الرب وتبرئة له عن جميع ما قالت الملاحدة فيه ونسبوه إليه، مما لا يليق به. يقول: (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)، أي: ذكروه بمحاسنه ومحامده وبرءوه ونزهوه عن جميع ما وصفه أُولَئِكَ ونسبوه إليه، هذا - واللَّه أعلم - هو التسبيح بحمده. وقوله: (وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ). لا أحد يخطر بباله أن يستكبر على اللَّه أو على أمره، ولكن كانوا يستكبرون على رسله؛ لما لا يرونهم أهلا لذلك، أو أن يكونوا يستكبرون على ما يدعون إليه ولا يجيبون لذلك. وقوله: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) روي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنها نزلت في أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لكن اختلفت عنه الروايات: ذكر في بعضها: أنها نزلت في نفر من عمال أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا يعملون بالنهار، فإذا جن عليهم الليل اضطجعوا بين المغرب والعشاء، فناموا؛ فلما نزل هذا اجتنبوا عن ذلك. وذكر عنه: أنهم كانوا يصلون بين المغرب والعشاء؛ فنزلت الآية فيهم. فإن كان هذا فنزول الآية لذلك يخرج مخرج المدح لهم والثناء الحسن. وإن كان الأول فهو على النهي والتوبيخ لذلك. ثم اختلف أهل التأويل في تأوللها: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو التيقظ والصلاة فيما بين المغرب والعشاء الآخرة. ومنهم من يقول: هو التجافي عن المضاجع لصلاة العشاء والفجر يصليهما. ومنهم من يقول: تتجافى جنوبهم بذكر اللَّه: كلما استيقظوا ذكروا اللَّه: إما صلاة، وإما قياما، وإما قعودًا، لا يزالون يذكرون اللَّه. ومنهم من يقول: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ): قيام الليل والصلاة فيه، وهذا أشبه التأويلات؛ لأنه قال: (عَنِ الْمَضَاجِعِ)، والتجافي عن المضاجع إنما يكون في الوقت الذي يضطجع فيه، وفيه يقع الامتداح والثناء الحسن؛ لأنه وقت أن غفلة والنوم فيه، وأفا سائر الأوقات فليس كذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا). يحتمل قوله: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا)، أي: يعبدون ربهم، ويحتمل حقيقة الدعاء. ثم قوله: (خَوْفًا وَطَمَعًا)، قَالَ بَعْضُهُمْ: خوفًا من عذاب اللَّه، وطمعًا في رحمته. أو أن يكون قوله: (خَوْفًا)، أي: يخافون التقصير في العبادة، (وَطَمَعًا)، أي: يطمعون إحسانه، وإحسانه في العفو والتجاوز، وهكذا عمل المؤمن من بين الخوف والطمع يخاف التقصير فيه، ويطمع إحسانه. روى الحسن عن النبي عجم قال: " قال ربكم - عَزَّ وَجَلَّ -: وعزتي وجلالي، لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع أمنين فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة "، ثم قرأ قوله: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا...) الآية.

السجدة 32:16

الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنها نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ، لكن اختلفت فيه الروايات : ذكر في بعضها أنها نزلت في نفر من عمال أصحاب رسول الله ﷺ، كانوا يعملون بالنهار، فإذا جن عليهم الليل اضطجعوا بين المغرب والعشاء، فناموا. فلما نزل هذا اجتنبوا عن ذلك ؟ وذكر عنه أنهم كانوا يصلون بين المغرب والعشاء، فنزلت الآية فيهم. فإن كان هذا فنزول الآية لذلك يخرج مخرج المدح لهم والثناء الحسن، وإن كان الأول فهو على النهي والتوبيخ لذلك. ثم اختلف أهل التأويل في تأويلها : قال بعضهم : هو التيقظ والصلاة بين المغرب والعشاء الآخرة. ومنهم من يقول : هو التجافي عن المضاجع لصلاة العشاء والفجر(١)، ومنهم ومن يقول :﴿تتجافى جنوبهم﴾ بذكر الله كلما استيقظوا ذكروا الله إما صلاة وإما قياما وإما قعودا، لا يزالون يذكرون الله. ومنهم من يقول ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ بقيام الليل والصلاة فيه. وهذا أشبه التأويلات لأنه قال :﴿عن المضاجع﴾ والتجافي عن المضاجع إنما يكون في الوقت(٢) الذي يضطجع فيه، وفيه يقع الامتداح والثناء الحسن لأنه وقت الغفلة والنوم فيه. وأما سائر الأوقات فليس كذلك، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ أي يعبدون ربهم. ويحتمل حقيقة الدعاء. ثم قوله تعالى :﴿خوفا وطمعا﴾ قال بعضهم ﴿خوفا﴾ من عذاب الله ﴿وطمعا﴾ في رحمته، أو يكون قوله :﴿خوفا﴾ أي يخافون التقصير في العبادة ﴿وطمعها﴾ أي يطمعون في إحسانه. وإحسانه في العفو والتجاوز. وهكذا عمل المؤمن بين الخوف والطمع ؛ يخاف التقصير فيه، ويطمع في إحسانه. ذكر عن الحسن عن النبي ﷺ، [ أنه ](٣) قال :( قال ربكم عز وجل : وعزتي وجلالي، لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع أمنين، فإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، ثم قرأ قوله :﴿يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ الآية ) [ البزار : في كشف الأستار ٣٢٣٢ ]. وقوله تعالى :﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ يحتمل الزكاة المفروضة، ويحتمل صدقة التطوع. وجائز أن يكون قوله :﴿ومما رزقناهم﴾ من القوى والأسباب البلية ﴿ينفقون﴾ أي يعملون، والله أعلم. ١ أدرج بعدها في الأصل وم: يصليهما.. ٢ في الأصل وم: وقت.. ٣ ساقطة من الأصل وم..

السجدة 32:17

وقوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). يحتمل الزكاة المفروضة. ويحتمل ينفقون صدقهَ التطوع. وجائز أن يكون قوله: ومما رزقناهم من الأسباب السليمة ينفقون، أي: يعملون، واللَّه أعلم. وقوله: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ذكر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " قال ربكم: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " هذا علم النفس أنها لا تعلم إلا مثال ما أحست وعاينت وشاهدت، فأما العقل فإنه جائز أن يعلم ويخطر ما لم ير ويحس ولم ير له مثالا، واللَّه أعلم. وعلى قول المعتزلة: يدعون ربهم أمنا وإياسا لا على الخوف والطمع على ما ذكر؛ لأنهم لا يخلو إما أن يكونوا أصحاب الصغائر، أو أصحاب الكبائر؛ فإن كانوا أصحاب الصغائر فهم آمنون على قولهم؛ لأنه لا يسع له أن يعذب على الصغيرة على قولهم، أو أصحاب الكبائر فهم آيسون من رحمته؛ إذ لا يسع له أن يغفر الكبائر على قولهم؛ فقولهم مخالف لظاهر الآية. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ)، أي: لا يضعونها بالأرض؛ يقال: تجافى جنبي: إذا لم يضطجع لم ينم، وجافيت جنبي، أي: لم ألزقه بالأرض. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (تَتَجَافَى)، أي: ترتفع عن الأرض. ونزلا من النزل، والنزل: ما يجعل للرجل يأكله وينفقه. وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) إن أهل التأويل يقولون: نزلت الآية في شأن علي بن أبي طالب، والوليد بن عقبة بن أبي معيط: كان بينه وبين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كلام وتنازع، حتى قال له علي: إنك فاسق وأنا مؤمن، فنزلت الآية فيهم، لكن الآية في جميع المؤمنين والفاسقين، يخبر أن ليس بينهم استواء. ثم جائز أن يكون ذكر هذا ونزل؛ لقولٍ كان من أُولَئِكَ الكفرة الفسقة للمؤمنين: إن منزلتنا ومنزلتكم وقدرنا في الآخرة عند اللَّه - سواء؛ فنزلت الآية لذلك أنهما ليسا بسواء؛ فبيِّن منزلة المؤمن عند اللَّه وقدره، وما ذكر من الثواب له والكرامة، ومنزلة الفاسق ما ذكر من الخلود في النار أبدًا، كقوله: (الم. أَحَسِبَ النَّاسُ)، وكقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ...) الآية. أو يذكر ذلك على الابتداء: إنكم تعرفون في عقولكم أنْ ليس المؤمن المصدق في الشاهد في المنزلة والقدر عنده كالخارج عن أمره وكالمكذب له، فكيف تطمعون الاستواء عند اللَّه وأنتم الفسقة الخارجون عن أمر اللَّه، وأُولَئِكَ هم الصادقون له؟! واللَّه أعلم بذلك. ثم الخوارج والمعتزلة يقولون: لو كان الفاسق مؤمنًا على ما تقولون لم يكن لما ذكر معنًى؛ فدل أن الفاسق لا يكون مؤمنًا؛ حيث ذكر أنهما لا يستويان وأن المؤمن مأواه في الجنة والخلود له فيها، والفاسق مقامه في النار، خالدين فيها على ما ذكر، فلو كان على ما تقولون لكانا يستويان، أو كلام نحو هذا. فيقال لهم: إنا وأنتم نتفق أن هذا الفاسق المذكور في الآية ليس بمؤمن، وأنه لا يستوِي هو والمؤمن؛ لأنه ذكر الفسق مقابل الإيمان، دليله آخر الآية؛ حيث قال: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) ذكر التكذيب، والتكذيب هو مقابل الإيمان والتصديق، وكل فسق كان مذكورًا مقابل الإيمان فهو كفر وتكذيب؛ فهو لا يكون مؤمنًا، ولكن هاتوا فاسقًا ذكر لا مقابل الإيمان، ولكن مقابل غيره من العصيان والمساوي، ويكون له هذا الوعيد الذي ذكر في هذا؛ ألا يُرى أن السؤال المذكور مقابل الإيمان كفر، كقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ)؟! فعلى ذلك الفسق المذكور مقابل الإيمان كفر لا يقع فيه استواء بحال، وأما الفسق المذكور لا مقابل الإيمان فجائز أن يقع فيهما استواء، وهو أن يغفر له ذنبه ويكفر عنه سيئته، ويدخل الجنة؛ حيث قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، وقال في آية أخرى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا...)، وقال في آية أخرى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) الآية. هو في مشيئة اللَّه إن شاء عذبه وإن شاء تجاوز عنه، وأصحاب الحديث يقولون: إن جميع الطاعات إيمان بهذه الآية؛ لأنه قال: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا)، ثم فسر

السجدة 32:18

الآيات ١٨ و١٩ و٢٠ وقوله تعالى :﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ [ إلى قوله :﴿ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ ](١) إن أهل التأويل يقولون : نزلت الآية في شأن علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان بينه وبين علي رضي الله عنه كلام وتنازع حتى قال له علي : إنك فاسق وأنا مؤمن، فنزلت الآية في جميع المؤمنين والفاسقين ؛ يخبر أن ليس بينهم استواء. ثم جائز أن يكون ذكر هذا، ونزل لقول قائل من أولئك الكفرة الفسقة للمؤمنين : إن منزلتنا ومنزلتكم وقدرنا وقدركم في الآخرة عند الله سواء. فنزلت الآية لذلك أنهما ليسا بسواء، فبين منزلة المؤمن عند الله وقدره وما ذكر من الثواب له ومنزلة الفاسق وما(٢) ذكر من الخلود في النار أبدا كقوله :﴿الم﴾ ﴿أحسب الناس﴾ [ العنكبوت : ١ و٢ ]. وكقوله :﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾ الآية [الجاثية: ٢١]. أو نزل(٣) ذلك على الابتداء : إنكم تعرفون في عقولكم أن ليس المؤمن المصدق في الشاهد في المنزلة والقدر عنده كالخارج عن أمره والمكذب له. فكيف تطمعون الاستواء عند الله، وأنتم الفسقة الخارجون عن أمر الله، وأولئك هم الصادقون له ؟ والله أعلم بذلك. ثم الخوارج والمعتزلة يقولون : لو كان الفاسق مؤمنا على ما تقولون لم يكن لما ذكر معنى. فدل أن الفاسق لا يكون مؤمنا حين(٤) ذكر أنهما لا يستويان، وأن المؤمن، مأواه الجنة، والخلود له فيها، والفاسق مقامه في النار، خالد(٥) فيها على ما ذكر. فلو كان على ما تقولون لكانا يستويان، أو كلام نحو هذا. فيقال لهم. إنا وأنتم نتفق أن هذا الفاسق المذكور في الآية ليس بمؤمن، وأنه لا يستوي المؤمن [ والفاسق ](٦) لأنه ذكر الفسق مقابل الإيمان. دليله آخر الآية حيث قال :﴿ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ٢٠]. ذكر التكذيب، والتكذيب هو مقابل الإيمان والتصديق. وكل فسق، كان مذكورا مقابل الإيمان، هو كفر وتكذيب، فهو لا يكون مؤمنا. ولكن هاتوا فسقا ذكر لا مقابل الإيمان، ولكن مقابل غيره من العصيان والمساوئ، ويكون له هذا الوعيد الذي ذكر في هذا. ألا ترى أن السؤال المذكور مقابل الإيمان كفر كقوله :﴿وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء﴾ ؟ [غافر: ٥٨]. فعلى ذلك الفسق المذكور مقابل الإيمان كفر، لا يقع فيه استواء بحال. وأمثال الفسق المذكور، لا يقابل الإيمان. فجائز أن يقع فيهما استواء، وهو أن يغفر له ذنبه، ويكفر عنه سيئته، ويدخل الجنة حين(٧) قال :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] وقال في آية أخرى :﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١] وقال في آية أخرى :﴿أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم﴾ الآية [الأحقاف: ١٦] هو في مشيئة الله، وإن شاء عذب، وإن شاء تجاوز عنه. وأصحاب الحديث يقولون : إن جميع الطاعات إيمان بهذه الآية لأنه قال :﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا﴾. ثم فسر ذلك المؤمن، فقال :﴿أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى﴾ وعد لهم الجنات بالإيمان وعمل الصالحات. فيقال : إن الوعد المطلق هو لمن آمن، وعمل الصالحات. فأما من آمن، ولم يعمل من الصالحات شيئا فلا(٨) نقول : إن له ذلك الوعد /٤٢٢-أ/ المطلق، ولكن له الوعد الذي ذكرنا. وفي الآية دلالة : أن قد يعمل المؤمن غير الصالحات، وهو مؤمن، لأنه لو لم يكن منه غير عمل الصالحات لم يكن لشرط العمل الصالح له معنى، دل أن يكون من المؤمن غير العمل الصالح. وذلك على المعتزلة والخوارج. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: يذكر.. ٤ في الأصل وم: حيث.. ٥ في الأصل وم: خالدين.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: حيث.. ٨ في الأصل وم: لأنا..

السجدة 32:19

ذلك المؤمن فقال: (أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وعد لهم الجنات بالإيمان وعمل الصالحات، فيقال: إن الوعد المطلق هو لمن آمن وعمل الصالحات، فأما من آمن ولم يعمل من الصالحات شيئًا، لا نقول بأن له ذلك الوعد المطلق، ولكن له الوعد الذي ذكرنا. وفي الآية دلالة أَنْ قد يعمل المؤمن غير الصالحات وهو مؤمن؛ لأنه لو لم يكن منه غير عمل الصالحات لم يكن لشرط العمل الصالح له معنى، دل أنه يكون من المؤمن غير العمل الصالح، وذلك على المعتزلة والخوارج. (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) اختلف في العذاب الأدنى: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو القتل يوم بدر. ومنهم من يقول: هو الجوع في السنين التي كانت لهم فيها، والضيق والشدة. ومنهم من يقول: هو المصائب التي تصيبهم. وأمثال ذلك كثير، لكن ذلك العذاب ليس هو عذاب الكفر؛ لأن عذاب الكفر يكون في الآخرة أبدًا دائمًا لا زوال ولا انقطاع، فأما عذاب الدنيا لهم عذاب عنادهم وما يكون منهم من الجنايات في حال كفرهم يعذبون في الدنيا؛ ليذكرهم ذلك العذاب في الآخرة العذاب الدائم ليمنعهم عما به يعذبون في الدنيا عن عذاب الآخرة، وكذلك ما أعطى لهم من اللذات والنعيم في الدنيا - وإن كان منقطعًا - ليذكرهم ذلك النعيم وتلك اللذاتُ لذات الآخرة ونعمها الدائمة؛ ولذلك رغب اللَّه خلقه إلى طلب الآخرة، وأخبر أن لهم فيها من اللذات كذا في غير آي من القرآن؛ حيث قال: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ...) الآية، ونحوه كثير. والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، وهو عذاب الكفر والتكذيب. وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) لكي يلزمهم حجة الرجوع عما هم فيه من التكذيب؛ لئلا يقولوا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ) أي: هل أحد أظلم ممن ذكر (بِآيَاتِ رَبِّهِ) وقع له المعرفة والعلم أنها آيات ربه، (ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا) بعدما عرفها، وعلم بها - ليس أحد أظلم من ذلك. التذكير بآياته: ما ذكرنا أنهم يذكرون لتقع لهم بأنها آياته، ثم يحتمل آيات وحدانيته وآيات الرسالة، أو آيات البعث، أو آيات القرآن، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) جرمهم هاهنا جرم كفر، ينتقم منهم انتقام الكفر

السجدة 32:20

الآيات ١٨ و١٩ و٢٠ وقوله تعالى :﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ [ إلى قوله :﴿ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ ](١) إن أهل التأويل يقولون : نزلت الآية في شأن علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان بينه وبين علي رضي الله عنه كلام وتنازع حتى قال له علي : إنك فاسق وأنا مؤمن، فنزلت الآية في جميع المؤمنين والفاسقين ؛ يخبر أن ليس بينهم استواء. ثم جائز أن يكون ذكر هذا، ونزل لقول قائل من أولئك الكفرة الفسقة للمؤمنين : إن منزلتنا ومنزلتكم وقدرنا وقدركم في الآخرة عند الله سواء. فنزلت الآية لذلك أنهما ليسا بسواء، فبين منزلة المؤمن عند الله وقدره وما ذكر من الثواب له ومنزلة الفاسق وما(٢) ذكر من الخلود في النار أبدا كقوله :﴿الم﴾ ﴿أحسب الناس﴾ [ العنكبوت : ١ و٢ ]. وكقوله :﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات﴾ الآية [الجاثية: ٢١]. أو نزل(٣) ذلك على الابتداء : إنكم تعرفون في عقولكم أن ليس المؤمن المصدق في الشاهد في المنزلة والقدر عنده كالخارج عن أمره والمكذب له. فكيف تطمعون الاستواء عند الله، وأنتم الفسقة الخارجون عن أمر الله، وأولئك هم الصادقون له ؟ والله أعلم بذلك. ثم الخوارج والمعتزلة يقولون : لو كان الفاسق مؤمنا على ما تقولون لم يكن لما ذكر معنى. فدل أن الفاسق لا يكون مؤمنا حين(٤) ذكر أنهما لا يستويان، وأن المؤمن، مأواه الجنة، والخلود له فيها، والفاسق مقامه في النار، خالد(٥) فيها على ما ذكر. فلو كان على ما تقولون لكانا يستويان، أو كلام نحو هذا. فيقال لهم. إنا وأنتم نتفق أن هذا الفاسق المذكور في الآية ليس بمؤمن، وأنه لا يستوي المؤمن [ والفاسق ](٦) لأنه ذكر الفسق مقابل الإيمان. دليله آخر الآية حيث قال :﴿ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ٢٠]. ذكر التكذيب، والتكذيب هو مقابل الإيمان والتصديق. وكل فسق، كان مذكورا مقابل الإيمان، هو كفر وتكذيب، فهو لا يكون مؤمنا. ولكن هاتوا فسقا ذكر لا مقابل الإيمان، ولكن مقابل غيره من العصيان والمساوئ، ويكون له هذا الوعيد الذي ذكر في هذا. ألا ترى أن السؤال المذكور مقابل الإيمان كفر كقوله :﴿وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء﴾ ؟ [غافر: ٥٨]. فعلى ذلك الفسق المذكور مقابل الإيمان كفر، لا يقع فيه استواء بحال. وأمثال الفسق المذكور، لا يقابل الإيمان. فجائز أن يقع فيهما استواء، وهو أن يغفر له ذنبه، ويكفر عنه سيئته، ويدخل الجنة حين(٧) قال :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] وقال في آية أخرى :﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١] وقال في آية أخرى :﴿أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم﴾ الآية [الأحقاف: ١٦] هو في مشيئة الله، وإن شاء عذب، وإن شاء تجاوز عنه. وأصحاب الحديث يقولون : إن جميع الطاعات إيمان بهذه الآية لأنه قال :﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا﴾. ثم فسر ذلك المؤمن، فقال :﴿أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى﴾ وعد لهم الجنات بالإيمان وعمل الصالحات. فيقال : إن الوعد المطلق هو لمن آمن، وعمل الصالحات. فأما من آمن، ولم يعمل من الصالحات شيئا فلا(٨) نقول : إن له ذلك الوعد /٤٢٢-أ/ المطلق، ولكن له الوعد الذي ذكرنا. وفي الآية دلالة : أن قد يعمل المؤمن غير الصالحات، وهو مؤمن، لأنه لو لم يكن منه غير عمل الصالحات لم يكن لشرط العمل الصالح له معنى، دل أن يكون من المؤمن غير العمل الصالح. وذلك على المعتزلة والخوارج. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: يذكر.. ٤ في الأصل وم: حيث.. ٥ في الأصل وم: خالدين.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: حيث.. ٨ في الأصل وم: لأنا..

السجدة 32:21

الآية ٢١ [ وقوله تعالى ](١) :﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾ اختلف في العذاب الأدنى : قال بعضهم : هو القتل يوم بدر، ومنهم من يقول : هو الجوع في السنين التي كانت لهم فيها، والضيق والشدة، ومنهم من يقول : هو المصائب التي تصيبهم، وأمثال ذلك كثيرة. لكن ذلك العذاب، ليس هو عذاب الكفر، لأن عذاب الكفر في الآخرة أبدا دائما، لا زوال ولا انقطاع. فأما عذاب الدنيا لهم [ فهو ](٢) عذاب عنادهم وما يكون منهم من الجنايات في حال كفرهم، يعذبون في الدنيا ليذكرهم ذلك العذاب في الآخرة العذاب الدائم ليمنعهم ما(٣) به يعذبون في الدنيا عن عذاب الآخرة. وكذلك ما أعطى لهم من اللذات والنعيم في الدنيا، وإن كان منقطعا، ليذكرهم(٤) ذلك النعيم وتلك اللذات لذات الآخرة ونعمها الدائمة. ولذلك رغب الله خلقه إلى طلب الآخرة، وأخبر أن لهم فيها من اللذات كذا في غير آية من القرآن كقوله(٥) :﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ الآية [الزخرف: ٧١] ونحوه كثير. والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، وهو عذاب الكفر والتكذيب. وقوله تعالى :﴿لعلهم يرجعون﴾ لكي يلزمهم حجة الرجوع عما هم فيه من التكذيب لئلا يقولوا ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢] والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: عما.. ٤ من م، في الأصل: ليذكر.. ٥ في الأصل وم: حيث قال..

السجدة 32:22

الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها﴾ قوله :﴿ومن أظلم﴾ أي [ لا ](١) أحد ﴿أظلم ممن ذكر بآيات ربه﴾ ووقع له المعرفة والعلم أنها آيات ربه ﴿ثم أعرض عنها﴾ بعد ما عرفها، وعلم بها. ليس أحد أظلم من ذلك المذكر(٢) بآياته ما ذكرنا. إنهم يذكرون ليقع لهم أنها آياته. ثم يحتمل آيات وحدانيته وآيات الرسالة وآيات البعث أو آيات القرآن، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ جرمهم ههنا جرم كفر ؛ ينتقم منهم انتقام الكفر والتكذيب. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: التذكير..

السجدة 32:23

والتكذيب. قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ) أي: من أن تلقاه يوم القيامة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فلا تكن في مرية من لقاء موسى التوراة؛ فإن اللَّه ألقى الكتاب عليه - أي: التوراة - حقًّا، فلقيها عيانًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فلا تكن في مرية من لقائه ليلة أسري به، قد روي مثل هذا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقد أسري وأعرج إلى السماء، فقال له موسى كذا وكذا - أشياء ذكرت في أمر الصلوات وغيره - فلا ندري أيثبت ذلك أم لا، أو إن ثبت كيف كان ذلك: أنه أوحي له فقال ما ذكر، أو رأى ذلك في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أو كيف كان لأمر اللَّه، والله أعلم. وقوله: (وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: جعلنا موسى هدًى لبني إسرائيل؛ يجعل الهاء كناية عن موسى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَجَعَلْنَاهُ) أي: الكتاب الذي آتى موسى - (هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ)، ثم يحتمل قوله: (هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) وجهين: أحدهما: البيان، أي: جعلناه بيانًا لهم يبين ما لهم وما عليهم وما لله عليهم. والثاني: (هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: دعاء لبني إسرائيل يدعون الخلق به إلى توحيد الله وألوهيته. الهدى المضاف إلى الخلق يخرج على هذين الوجهين: على البيان، والدعاء. والهدى المضاف إلى اللَّه يخرج على وجوه: على البيان، وعلى الدعاء - الذي ذكرنا أيضًا - وعلى وجهين آخرين: أحدهما: التوفيق والمعونة. والثاني: على خلق فعل الاهتداء منهم. على هذه الوجوه الأربعة يخرج إضافة الهدى إلى اللَّه وإلى الخلق على الوجهين اللذين ذكرناهما. فَإِنْ قِيلَ: كيف خص موسى أنه جعله هدى لمن ذكر، وذلك قد يكون في غيره، وهو

السجدة 32:24

ما جعل في خِلْقة كل أحد شهادة وحدانيته وألوهيته قبل ذلك إنما يدرك بالنظر والتفكر، وأما فيما ذكر يدرك بالبديهة، واللَّه أعلم. وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) أي: قادة في الخير: يحتمل قوله: (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) أي: يدعون الناس بما أمرهم، وهو التوحيد، أو (يَهْدونَ)، أي: يبينون لهم بالذي أمرنا: ما لهم وما عليهم. وقوله: (لَمَّا صَبَرُوا): ْقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: بما صبروا على البلاء وتعذيب فرعون إياهم وأذاه إياهم، أي: آمنوا ودعوا غيرهم إلى ذلك على الخوف، كقوله: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ...) الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَمَا صَبَرُوا) على الطاعات. وقد قرئ: (لَمَّا صَبَرُوا): بالتشديد، ومعناه - واللَّه أعلم - أي: بما يهدون؛ لما كان منهم الصبر على ذلك، أي: بالصبر الذي كان منهم هدوا أُولَئِكَ. وقوله: (وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ). أنها من اللَّه، وأنها آياته. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَمَّا صَبَرُوا)، أي: لم يركنوا إلى الدنيا، ولا اشتغلوا بها، ولكن صبروا على أمره؛ إذ كلفوا، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) إن أهل الأديان جميعًا، والمذاهب على اختلاف أديانهم ومذاهبهم اتفقوا أن الدِّين الذي جاء من اللَّه واحد، وأن الدِّين الذي أمر اللَّه أن يدينوا به واحد، لكن كلا منهم ادّعى أن الذي هو عليه دين اللَّه، وأن الأمر به من اللَّه وقع على ما يدين هو به، وغيره على باطل على غير دين اللَّه الذي أمر بالديانة به، وكذلك قالوا: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً...) الآية، فأخبر أنه يفصل بينهم ويبين الدِّين الذي أمر أن يدينوا به في الدنيا بيان الاحتجاج عليهم؛ وإلا قد أبان لهم وأظهر الذين الذي أمرهم أن يدينوا به بالحجج والآيات، وعرفوا ذلك، لكنهم كابروا وعاندوا، وكتموا ذلك ولبسوا على الناس والأتباع؛ فيبين ما كتموا في الدنيا ولبسوا في الآخرة، فيظهر عنادهم ومكابرتهم؛ احتجاجًا عليهم،

السجدة 32:25

الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ إن أهل الأديان جميعا والمذاهب على اختلاف أديانهم ومذاهبهم اتفقوا أن الدين الذي جاء من الله واحد، وأن الدين الذي أمر الله أن يدينوا به واحد. لكن [ كلا ](١) منهم ادعى أن الذي هو عليه دين الله، وأن الأمر به من الله، وقع ما يدين هو به، وغيره على باطل على غير دين الله الذي أمر بالديانة به. وكذلك(٢) قال ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾الآية [الأعراف: ٢٨]. فأخبر أنه يفصل بينهم، ويبين الذي أمر أن يدينوا به في الدنيا بيان الاحتجاج عليهم، وإلا فقد أبان لهم، وأظهر الدين الذي أمره أن يدينوا به بالحجج والآيات، وعرفوا(٣) ذلك. لكنهم كابروا، وعاندوا، وكتموا ذلك، ولبسوه(٤) على الناس والأتباع، ويبين ما كتموا في الدنيا، ولبسوا في الآخرة، فيظهر عنادهم ومكابرتهم احتجاجا عليهم، وإن كان الحق قد بان لهم، وظهر في الدنيا. هذا، والله أعلم، يشبه أن يكون تأويل(٥) الآية. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ من م، في الأصل: ولذلك.. ٣ في الأصل وم: وعرفوه.. ٤ في الأصل وم: ولبسوا.. ٥ في الأصل وم: تأويلا..

السجدة 32:26

وإن كان الحق قد بأن لهم وظهر في الدنيا، هذا - واللَّه أعلم - يشبه أن يكون تأويل الآية. * * * قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) وقوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) يقول - واللَّه أعلم -: أولم يبين لأهل مكة، ولم يكفهم من الهداية والبيان ما أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم، فيرون ما حل بهم، ومن أهلك ومن نجا منهم؛ فيقع الاعتبار لهم بمن ذكر من وجهين: أحدهما: زعموا أن آباءهم على ما هم عليه، وأنهم يقلدونهم في ذلك، وأنهم أمروا بذلك، فيخبر أنكم أولاد من نجا منهم، لا أولاد من أهلكوا؛ لأنهم استؤصلوا؛ فلا يحتمل أن تكونوا أولاد من استؤصلوا؛ فدل أنهم أولاد من نجا منهم، وإنما نجا منهم المصدق لا المكذب، فيخبر أن كيف لا اتبعتم آباءكم الذين نجوا منهم وهم المصدقون، دون الذين أهلكوا بالتكذيب والعناد؟! والثاني: يعتبرون فيعلمون أن إهلاكهم واستئصالهم كان؛ للتكذيب والعناد مع الرسل والخلاف لهم؛ فيمنعهم ما حل بهم بالتكذيب والخلاف للرسل عن تكذيب رسول الله ومجادلتهم إياه. وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: أفلا يبصرون ذلك حيث يمشون في مساكن أُولَئِكَ، ويمرون فيها؟! وقَالَ بَعْضُهُمْ: أفلا يسمعون ما يحدث لهم عن أُولَئِكَ، وما حل بهم، وبم نزل ذلك بهم؟! وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَفَلَا يَسْمَعُونَ): أفلا يعقلون لماذا أهلكوا أو استؤصلوا؛ فيمتنعون عن ذلك؟! وقَالَ بَعْضُهُمْ: أفلا يستمعون الوعيد الذي أوعد لهم. وقيل: أفلا يستمعون التوحيد، واللَّه أعلم. وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا... (٢٧) إلى آخر ما ذكر.

السجدة 32:27

الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿أو لم أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا﴾ إلى آخر ما ذكر. هذه الآية ذكرت في الاحتجاج عليهم لإنكارهم البعث. والأولى ذكرت لإنكارهم نزول العذاب بالتكذيب والخلاف للرسل ؛ فيخبرهم إن من قدر على سوق [ الماء ](١) إلى الأرض الميتة اليابسة وإحيائها لقادر على إحيائكم بعد الموت ؛ إذ الأعجوبة والقدرة في إحياء الأرض الميتة اليابسة : إن لم يكن أكثر، فلا تكون دون(٢) ما أنكروا. فكيف أنكرتم القدرة على إحياء الموتى، وقد عاينتم ما هو أكثر أو مثله ؟ والأرض الجرز : قال أبو عوسجة : هي التي لا نبت فيها ؛ وأرَضون أجراز [ وأراض أجراز ](٣) وكذلك قال القتبي : الأرض الجرز اليابسة التي لا نبت فيها، وجمعها أجراز، ويقال : سنون أجراز إذا كانت سني جدب. وقال بعضهم : الأرض الجرز التي تأكل نباتها، أي يحترق فيها. يقال : امرأة جرزاء إذا كانت أكولة، أو كلام نحوه. [ وقوله تعالى ](٤) :﴿تأكل منه﴾ من الزرع الذي ذكر أنه يخرج من الأرض اليابسة ﴿أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون﴾ قدرته في إخراج ما ذكر مما فيه عداؤكم وغذاء ما سخر لكم من الأنعام. [ ويحتمل أن ](٥) يذكر نعمه ؛ يقول :﴿أفلا يبصرون﴾ نعمه، فكيف تكفرونه، وتعبدون غيره، وتصرفون الشكر إلى غيره ؟ وذكر عن عمر رضي الله عنه، أنه قال : الأرض الجرز التي لا نبات فيها. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في من م، في الأصل: دونه. . ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ في الأصل وم: أو..

السجدة 32:28

هذه الآية ذكرت في الاحتجاج عليهم لإنكارهم البعث، والأولى ذكرت لإنكارهم نزول العذاب بالتكذيب والخلاف للرسل، فيخبرهم أن من قدر على سوق الماء إلى الأرض الميتة اليابسة وإحيائها، لقادر على إحيائكم بعد الموت؛ إذ الأعجوبة والقدرة في إحياء الأرض الميتة اليابسة إن لم يكن أكثر فلا تكون دون ما أنكروا؛ فكيف أنكرتم القدرة على إحياء الموتى، وقد عاينتم ما هو أكثر أو مثله؟!. والأرض الجرز: قال أَبُو عَوْسَجَةَ: هي التي لا نبت فيها، وأرضون أجراز، وأرض أجراز، وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ: الأرض الجرز: اليابسة: التي لا نبت فيها، وجمعها أجراز، ويقال: سنون أجراز: إذا كانت سني جدب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأرض الجرز: التي تأكل نباتها، أي: يحترق فيها، يقال: امرأة جرزاء: إذا كانت أكولة، أو كلام نحوه. (تَأْكُلُ مِنْهُ)، من الزرع الذي ذكر أنه يخرج من الأرض اليابسة بالماء. (أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ)، قدرته في إخراج ما ذكر مما فيه غذاؤكم وغذاء ما سخر لكم من الأنعام. أو يذكر نعمه، يقول: أفلا تبصرون نعمه؛ فكيف تكفرونه، وتعبدون غيره، وتصرفون الشكر إلى غيره؟! وذكر عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " الأرض الجرز التي لا نبات فيها ". وقوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا يقولون ويتحدثون: إن لنا يومًا أوشك أن نستريح فيه ونتنعم فيه - يعنون: يوم القيامة - فقال كفار مكة: متى هذا الفتح؛ وهو القضاء. (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ): بأنه كائن، فإن كان البعث والقيامة حقا - صدّقنا يومئذ وآمنا؛ فأنزل اللَّه - تعالى -، (قُلْ... (٢٩) يا مُحَمَّد لهم: (يَوْمَ الْفَتْحِ): يوم القضاء، (لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ). بالبعث؛ لقولهم: لو كان البعث الذي يقولون حقًّا صدقناه يومئذ. (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ): يقول: لا ينظر بهم بالعذاب حين يعذبون.

السجدة 32:29

الآية ٢٩ فأنزل الله تعالى :﴿قل﴾ يا محمد لهم ﴿يوم الفتح﴾ يوم القضاء ﴿لا ينفع الذين كفروا إيمانهم﴾ بالبعث لقولهم : لو كان البعث الذي تقولون حقا صدّقناه يومئذ ﴿ولا هم ينظرون﴾ يقول : لا يناظر بهم بالعذاب حين يعذبون. وقال بعضهم : إن أصحاب رسول الله كانوا يتذاكرون، وهم بمكة، فتح مكة لهم، فكان ناس من أهل مكة إذا سمعوا ذلك منهم هزؤوا منهم، وسخروا، ويقولن لهم : متى فتحكم الذي تزعمون. فنزل :﴿ويقولن متى هذا الفتح﴾ يا أصحاب محمد ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنها تفتح عليكم. لكن هذا بعيد لأنه يقول على إثره ﴿قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون﴾ ولو كان فتح مكة لكان ينفعهم إيمانهم، ولهم نظرة وإنظار. دل أنه يبعد صرفه على فتح مكة. والأول أشبه أن يكون لما ذكر من ترك قبول الإيمان والإنظار، وفي الدنيا يقبل ذلك كله، فظهر أن الأول أشبه [ لما ](١) كان السؤال عن الساعة أو عن المحاكمة إلا أن يثبت ما ذكر في الخبر أنه لما فتح الله مكة أقام النبي ﷺ وأصحابه ذلك اليوم، وانهزم المشركون، فخرجوا من مكة. وأقام من أقام بها، فأمنه النبي ﷺ. فأدرج خالد بن الوليد تلك الليلة دلجة في سبع مئة رجل، ومعه أبو قتادة الأنصاري، وأسروا في أسفل مكة حتى سقطوا من وراء الحرم، فوجدوا الذين كانوا يهزؤون بأصحاب محمد، ويقولون : متى فتحكم هذا ؟ فوق جبل، وقد تحصنوا فيه. فلما رأوا خالد بن الوليد قالوا : هذا خالد بن الوليد وإحنته، وقد كان بينه وبينهم في الجاهلية إحنة، فقال لهم ابن الوليد : مالكم ؟ قالوا : أسلمنا. قال : إن كنتم قد أسلمتم فانزلوا، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال رجل منهم : أطيعوني، ولا تنزلوا إليه، فو الله لئن نزلتم إليه ليهلكنكم إنه لخالد بن الوليد وإحنته، قالوا : والله ما علينا سبيل، لقد أسلمنا، ثم نزلوا، ووضع عليهم خالد بن الوليد السلاح، واعتزل أبو قتادة، فقال : معاذ الله أنراهنن(٢) على شيء مما ههنا ؟ فبلغ ذلك النبي، فبعث إليهم علي بن أبي طالب بالدية من غنائم خيبر، فوادعهم(٣) بالدية، حتى بعث إليهم بروعة الخيل، حين راعوهم، ومساقي الكلاب كانوا كسروها، فوادهم رسول الله ﷺ كل شيء. فذلك قوله :﴿قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون﴾. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: أنراعين.. ٣ في الأصل وم: فوداهم..

السجدة 32:30

وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا يتذاكرون - وهم بمكة - فتح مكة لهم؛ فكان ناس من أهل مكة إذا سمعوا ذلك منهم هزءوا بهم وسخروا ويقولون لهم: متى فتحكم الذي تزعمون؟ فنزل: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ) يا أصحاب مُحَمَّد، (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أنها تفتح عليكم. لكن هذا بعيد؛ لأنه يقول على أئره: (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ)، ولو كان فتح مكة، لكان ينفعهم إيمانهم، ولهم نظرة وإنظار؛ دل أنه يبعد صرفه إلى فتح مكة، والأول أشبه أن يكون؛ لما ذكر من ترك قبول الإيمان والإنظار، وفي الدنيا يقبل ذلك كله؛ فظهر أن الأول أشبه: كان السؤال عن الساعة أو عن المحاكمة، إلا أن يثبت ما ذكر في الخبر: أنه لما فتح مكة أقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه ذلك اليوم وانهزم المشركون؛ فخرجوا من مكة، وأقام من أقام بها؛ فأمنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأدلج خالد بن الوليد تلك الليلة دلجة في سبعمائة رجل ومعه أبو قتادة الأنصاري، فأسروا في أسفل مكة حتى سقطوا من وراء الحرم، فوجدوا الذين كانوا يهزءون بأصحاب مُحَمَّد، ويقولون: متى فتحكم هذا؛ فوق جبل قد تحصنوا فيه، فلما رأوا خالد بن الوليد قالوا: هذا خالد بن الوليد وإحنته، وقد كان بينه وبينهم في الجاهلية إحنة، فقال لهم خالد بن الوليد: ما لكم؟ قانوا: قد أسلمنا، قال: إن كنتم قد أسلمتم فأنزلوا، فنظر بعضهم إلى بعض، فقال رجل منهم: أطيعوني ولا تنزلوا إليه؛ فواللَّه لئن نزلتم إليه ليهلكنكم، إنه لخالد بن الوليد وإحنته، قالوا: واللَّه ما علينا سبيل؛ لقد أسلمنا، ثم نزلوا ووضع عليهم خالد بن الوليد السلاح، واعتزل أبو قتادة، فقال: معاذ اللَّه أن أعين على شيء مما هاهنا، فبلغ ذلك النبي؛ فبعث إليهم علي بن أبي طالب بالدية من غنائم خيبر، فوداهم إليه بالدية حتى بعث إليهم بردعة الخيل حين راعوهم، ومساقي الكلاب كانوا كسروها فوداهم رسول اللَّه - ﷺ - كل شيء لهم، فذلك قوله: (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ). (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ... (٣٠) يا مُحَمَّد إلى مدة لهم، (وَانْتَظِرْ)، بهم العذاب، أي: القتل وهلاكهم (إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) هلاككم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): إلى ذلك اليوم، (وَانْتَظِرْ): بهم فتح مكة، (إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ): هلاكك. أو أن يكون قوله: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، (وَانْتَظِرْ): مكافأتنا إياهم، (إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ): ذلك، واللَّه أعلم بالصواب. * * *