Lafzullah

تأويلات أهل السنة — الشورى 42:1 – الزخرف 43:89

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. الشورى 42:1
  2. الشورى 42:3
  3. الشورى 42:4
  4. الشورى 42:5
  5. الشورى 42:6
  6. الشورى 42:7
  7. الشورى 42:8
  8. الشورى 42:9
  9. الشورى 42:10
  10. الشورى 42:11
  11. الشورى 42:12
  12. الشورى 42:13
  13. الشورى 42:14
  14. الشورى 42:15
  15. الشورى 42:16
  16. الشورى 42:17
  17. الشورى 42:18
  18. الشورى 42:19
  19. الشورى 42:20
  20. الشورى 42:21
  21. الشورى 42:22
  22. الشورى 42:23
  23. الشورى 42:24
  24. الشورى 42:25
  25. الشورى 42:26
  26. الشورى 42:27
  27. الشورى 42:28
  28. الشورى 42:29
  29. الشورى 42:30
  30. الشورى 42:31
  31. الشورى 42:32
  32. الشورى 42:33
  33. الشورى 42:34
  34. الشورى 42:35
  35. الشورى 42:36
  36. الشورى 42:37
  37. الشورى 42:38
  38. الشورى 42:39
  39. الشورى 42:40
  40. الشورى 42:41
  41. الشورى 42:42
  42. الشورى 42:43
  43. الشورى 42:44
  44. الشورى 42:45
  45. الشورى 42:46
  46. الشورى 42:47
  47. الشورى 42:48
  48. الشورى 42:49
  49. الشورى 42:50
  50. الشورى 42:51
  51. الشورى 42:52
  52. الشورى 42:53
  53. الزخرف 43:1
  54. الزخرف 43:3
  55. الزخرف 43:4
  56. الزخرف 43:5
  57. الزخرف 43:6
  58. الزخرف 43:8
  59. الزخرف 43:9
  60. الزخرف 43:10
  61. الزخرف 43:11
  62. الزخرف 43:12
  63. الزخرف 43:13
  64. الزخرف 43:14
  65. الزخرف 43:15
  66. الزخرف 43:16
  67. الزخرف 43:17
  68. الزخرف 43:18
  69. الزخرف 43:19
  70. الزخرف 43:20
  71. الزخرف 43:21
  72. الزخرف 43:22
  73. الزخرف 43:23
  74. الزخرف 43:24
  75. الزخرف 43:25
  76. الزخرف 43:26
  77. الزخرف 43:27
  78. الزخرف 43:28
  79. الزخرف 43:29
  80. الزخرف 43:30
  81. الزخرف 43:31
  82. الزخرف 43:32
  83. الزخرف 43:33
  84. الزخرف 43:34
  85. الزخرف 43:35
  86. الزخرف 43:36
  87. الزخرف 43:37
  88. الزخرف 43:38
  89. الزخرف 43:39
  90. الزخرف 43:40
  91. الزخرف 43:41
  92. الزخرف 43:42
  93. الزخرف 43:43
  94. الزخرف 43:44
  95. الزخرف 43:45
  96. الزخرف 43:46
  97. الزخرف 43:47
  98. الزخرف 43:48
  99. الزخرف 43:49
  100. الزخرف 43:50
  101. الزخرف 43:51
  102. الزخرف 43:52
  103. الزخرف 43:53
  104. الزخرف 43:54
  105. الزخرف 43:55
  106. الزخرف 43:56
  107. الزخرف 43:57
  108. الزخرف 43:58
  109. الزخرف 43:59
  110. الزخرف 43:60
  111. الزخرف 43:61
  112. الزخرف 43:62
  113. الزخرف 43:63
  114. الزخرف 43:64
  115. الزخرف 43:65
  116. الزخرف 43:66
  117. الزخرف 43:67
  118. الزخرف 43:68
  119. الزخرف 43:69
  120. الزخرف 43:70
  121. الزخرف 43:71
  122. الزخرف 43:72
  123. الزخرف 43:73
  124. الزخرف 43:74
  125. الزخرف 43:75
  126. الزخرف 43:76
  127. الزخرف 43:77
  128. الزخرف 43:78
  129. الزخرف 43:79
  130. الزخرف 43:80
  131. الزخرف 43:81
  132. الزخرف 43:82
  133. الزخرف 43:83
  134. الزخرف 43:84
  135. الزخرف 43:85
  136. الزخرف 43:86
  137. الزخرف 43:87
  138. الزخرف 43:88
  139. الزخرف 43:89

الشورى 42:1

سُورَةُ (حم عسق) مَكِّيَّة إلا آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حم (١) عسق (٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: (حم) وهو اسم من أسماء اللَّه تعالى. وقيل: هو اسم من أسماء القرآن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (حم) أي: قضى ما هو كائن. وقد ضعف هذا القول ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والصحيح من الأقوال: أن " حم " خبر مبتدأ محذوف، و " تنزيل الكتاب " خبره (مِنَ اللَّهِ) صفة الكتاب، والتقدير: هذا حم تنزيل الكتاب من اللَّه العزيز الحكيم. وقَالَ بَعْضُهُمْ في (حم. عسق): عين عبارة عن عذابه، والسين عن المسخ، والقاف كناية عن القذف، يقول صاحب هذا القول: يخرج عين من الأرض فيها عذاب، ويمسخ رجل من هذه الأمة بالبادية فيقذفه الناس بالحجارة، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ - وهو قول ابن عَبَّاسٍ -: (حم سق) على إسقاط حرف العين، ثم يقول: السين كل فرقة تكون، والقاف كل جماعة تكون. وذُكِرَ: كان يعلم علي بن أبي طالب - كرم اللَّه وجهه - حساب العين، وكذلك ذكر في ابن مسعود وأبي - رضي اللَّه عنهما - و (حم سق) على طرح العين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: العين عبارة عن العذاب، والسين عبارة عن سيكون، والقاف عبارة عن الوقوع، أي: قضى ما سيكون ذلك، واللَّه أعلم. وذكر عن جعفر بن مُحَمَّد بن علي - رضي اللَّه عنهم - قال: العين عبارة عن العذاب، والسين عبارة عن سيكون، ولم يفسر القاف وقال: عجب أو كلام نحوه، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: العين عبارة عن علمه، والسين السلام، والقاف عبارة عن القدرة، وكذا محتمل.

الشورى 42:3

الآية ٣ وقوله تعالى :﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك﴾ أي كما أوحى إليك فقد أوحى إلى الذين من قبلك مثله. ثم اختلف في قوله :﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك﴾ قال بعضهم : أي كما أوحينا إليك بسورة ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ بعينها فقد أوحينا بعين هذه الحروف إلى الذين من قبلك، وهي ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ وقال بعضهم كما أوحينا إليك ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ أوحينا إلى الذين من قبلك من الرسل بمعنى ذلك. عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ليس نبي إلا وقد أوحي إليه ب ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ كما أوحي إلى النبي ﷺ وهو على ما ذكرنا.

الشورى 42:4

وجائز أن يكون كل حرف من هذه الحروف المقطعة عبارة عن صفة من صفاته أو اسم من أسمائه، على عادة العرب بالاكتفاء عن حرفٍ عبارة عن جميع الكلمة: فالحاء عبارة عن حلمه وحكمته وحكمه، والميم عبارة عن ملكه ومجده، والعين عبارة عن علمه، والسين عبارة عن سنائه وسؤدده، والقاف عبارة عن قدرته وقوته يكون كل حرف من هذه الحروف عبارة عن اسم من أسمائه أو صفة من صفاته، وعبارة عن حكم من أحكامه، وهذا الذي ذكرنا كله على الإمكان والاحتمال لا يسع أن يحقق فيه التفسير أنه كذا، وأنه أراد كذا؛ لأنه من المتشابه، وأنه من السر الذي لم يطلع اللَّه - تعالى - عليه أحدًا إلا رسله، عليهم الصلاة والسلام. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) أي: كما أوحى إليك فقد أوحى إلى الذين من قبلك مثله. ثم اختلف في قوله: (كَذَلِكَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: كما أوحينا إليك بسورة (حم. عسق) أوحينا بها إلى الذين من قبلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: كما أوحينا إليك بهذه الحروف، يعني: (حم. عسق) بعينها فقد أوحينا بعين هذه الحروف إلى الذين من قبلك، وهي (حم. عسق). وقَالَ بَعْضُهُمْ: كما أوحينا إليك (حم. عسق) أوحينا إلى الذين من قبلك من الرسل بمعنى ذلك. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: ليس نبي إلا وقد أوحي إليه بـ (حم. عسق) كما أوحي إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو على ما ذكرنا. وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) يخرج ذكر هذا في هذا الموضع على وجوه: أي: له ما في السماوات وما في الأرض شهود على ألوهيته ووحدانيته. والثاني: أن ما في السماوات والأرض وما فيها له دلالات وحدانيته وربوبيته. والثالث: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، أي: كلهم عبيده وملكه؛ فلا يحتمل أن يتخذ من ملكه وعبيده ما ذكروا من: الولد، والشريك، والصاحبة، وما قالوا؛ إذ لا أحد يتخذ من عبيده ومن ملكه ما ذكروا: من الولد، والشريك، والصاحبة؛ فعلى ذلك يتعالى اللَّه عن أن يكون له في ملكه ما ذكر، واللَّه أعلم.

الشورى 42:5

وقوله: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). العلوّ والعظمة -في الشاهد- يكون من وجوه ثلاثة: أحدها: العلو عبارة عن القهر والغلبة؛ يقال: فلان عالٍ؛ أي: غالب وقاهر. والعظمة عبارة عن القدر، والمنزلة، ونفاذ الأمر. والثاني: يكون العلو عبارة عن الكبرياء، والسؤدد، وكذلك العظمة. والثالث: العلو يكون عبارة عن الارتفاع في المكان، والعظمة: عظمة في البدن والنفس، وهذا مما لا يكون فيه كثرة منقبة وقدر، ولا شيء من ذلك، ولا يزيد ذلك في صاحبه رفعة ولا مرتبة، واللَّه يتعالى عن الوصف بهذا، فإنما رجع الوصف له بالعلوّ والعظمة إلى الوجهين الأوّلين، والسلطان، والقدرة، ونفاذ الأمر والمشيئة والكبرياء، والغلبة. فأمَّا ما رجع إلى الارتفاع في الأمكنة، والعظمة في البدن - فهو صفة المخلوق، وهم الموصوفون بذلك، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. وقوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ... (٥) يحتمل هذا وجهين: أحدهما: تكاد يتفطرن لذنوب أهل الأرض، وفسادهم، وعظيم ما قالت الملاحدة في اللَّه من الولد، والشريك، والصاحبة، كادت تنشق لذلك وتتساقط، كقوله في آية أخرى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا). بين في هذه الآية أنها كادت تنفطر وتنشق لماذا؛ وهو دعواهم للرحمن ولدا؛ فلذلك يحتمل - هاهنا - هذا المعنى، واللَّه أعلم. والثاني: كادت تنشق لبكاء أهلها عليها، وإشفاقًا ورحمة على أهل الأرض. ويحتمل: تكاد تنشق لعظمة الربّ، وجلاله، وعظم سلطانه؛ كقوله - تعالى -: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ). أخبر أنه لو جعل في الجبال والأرض والسماء من المعنى والتمييز ما جعل في البشر، لكانت هذه الأشياء بالوصف الذي ذكر من الخضوع لربّها، وهو كما ذكر في آية أخرى: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، يخبر عن شدّة خضوع هذه الأشياء وخشوعها لربها وتذللها له، وعناد الكفرة واستكبارهم، وقلة خضوعهم لربهم، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون قوله - تعالى - (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ)؛ لكثرة أهلها وازدحامهم فيها، وعبادتهم لربهم، على ما ذكر في الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم فيها إلا وملك فيها: ساجد، أو راكع، أو قائم، يسبح اللَّه - تعالى - ويصلي له "، واللَّه أعلم. وقوله: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ). هذا يدل على أن ما ذكر من تفطر السماء؛ لعظم ما يقوله الملاحدة فيه من الشريك، والولد، والصاحبة، حيث قال على إثره: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)، أي: الملائكة ينزهونه ويبرئونه عما يقولون فيه، ويثنون عليه بالثناء الذي يليق به، ويصفونه بما هو أهله، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) امتحنهم - جل وعلا - بالتسبيح، والثناء له، والاستغفار لأهل الأرض، على ما ذكر. ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: إن قوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) منسوخ بقوله - تعالى -: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا)؛ لأن الأول عام لجميع أهل الأرض، والثاني خاص، لكن هذا بعيد، ومحال أن يستغفر الملائكة، ويطلبون التجاوز من ربهم لمن يقول له بالشريك والولد والصاحبة، وإذا كان كذلك كان استغفارهم يرجع إلى المؤمنين خاصة؛ على ما ذكر في آية أخرى: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)، وبقوله: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)؛ فكان المراد من العام: هو الخاص؛ لأنّ المراد منه العموم، ثم صار منسوخًا بورود الخاص متراخيًا، واللَّه أعلم. ثم إن كان استغفارهم لجملة أهل الأرض -على ما يقولون- فهو عبارة عن طلب السبب الذي به تقع لهم المغفرة؛ وهو التوبة عن الشرك والتوحيد؛ فيكون هذا سؤال التوحيد والهداية لهم؛ لتقع المغفرة لهم بذلك والتجاوز؛ ويصيروا لذلك، وعلى ذلك يخرج استغفار إبراهيم - عليه السلام - لأبيه أنه سؤال وطلب السبب الذي به تقع المغفرة له، وأن يجعله أهلا لذلك، وكذلك أمر الرسل - عليهم السلام - قومهم بالاستغفار لهم، وهو ما قال هود - عليه السلام - و (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)، وقول نوح: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)، لا يحتمل أن يقولوا لهم: قولوا: نستغفر اللَّه، ولكن يقولون لهم: اطلبوا، واسألوا ربكم السبب الذي به تقع المغفرة لكم؛ وهو التوبة عما هم فيه، واختيار الهداية والرشد لأنفسهم؛ ليكونوا لذلك أهلا، فعلى ذلك يخرج استغفار الملائكة إن كان لجملة أهل الأرض، على ما يقول بعض أهل التأويل،

الشورى 42:6

وعلى هذا لا حاجة إلى النسخ ولا يحتمله. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢) وقوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ). يحتمل قوله: (أَوْلِيَاءَ): الأصنام التي عبدوها دون اللَّه؛ كقوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، وقوله - تعالى - (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، وقوله - تعالى -: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ). يخبر أنه لا عن غفلة وجهل منه يعملون ما يعملون، ولكنه حفيظ عليهم وعلى أعمالهم، لكنه يؤخر ذلك عنهم لحكمة، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ). يحتمل وجهين: أحدهما: وما كنت عليهم بوكيل، أي: لا تؤاخذ أنت بمكانهم؛ كقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ). والثاني: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)، أي: بمسلط عليهم ولا حفيظ، إنما أنت رسول فعليك البلاغ، كقوله تعالى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)، وقوله: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا... (٧)؛ ليكون أقرب إلى الفهم، وأولى أن يكون حجة عليهم وأبلغ في الحجاج؛ لأنه ذكر فيه الأنباء السالفة والأخبار المتقدمة باللسان العربي، غير لسان تلك الأنبياء، ومن غير أن يختلف إلى أحد من أهل ذلك اللسان؛

الشورى 42:7

الآية ٧ وقوله تعالى :﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا﴾ ليكون أقرب إلى الفهم، وأولى أن يكون حجة عليهم، وأبلغ في الحجاج لأنه ذكر فيه الأنباء السالفة والأخبار المتقدمة باللسان العربي غير لسان تلك الأنباء ومن غير أن يختلف إلى أحد من أهل ذلك اللسان [ ولو اختلف ](١) لتُوهّم العلم منهم بلسانهم والنقل بلسانه(٢) نفسه. فدلّ أنه إنما عرف [ ذلك ](٣) والله أعلم. وقوله تعالى :﴿لتُنذر أمّ القرى ومن حولها﴾ أي لينذر أهل أم القرى وأهل من حولها من القرى. ثم تحتمل تسمية مكة أمّ القرى وجوها ثلاثة : أحدها : سمّاها أمّ القرى لما منها دُحيت سائر الأرضين والقرى. والثاني : سمّاها أمّ القرى لأنها أول بيت وضع للناس، وأول بناء بني في الأرض، فسمّها لذلك أمّ القرى، والله أعلم. والثالث : سمّاها أمّ القرى لما على الناس أن يؤمّوها، ويقصدوها بالزيارة، ولأن رسول الله ﷺ أول ما بُعث رسولا [ بُعث ](٤) فيها، فإليها يُؤمّ، ويقصد، بالدعوة أول ما(٥) يُؤمّ، ويُقصد. ثم من بعد ذلك يُؤمّ إلى سائر القُرى والبلدان، ويقصد، والأم القصد، ومنه أُخذ التيمم. ولذلك سمّاها أمّ القرى، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وتُنذر يوم الجمع﴾ أي وتنذر بيوم الجمع. ويحتمل أن يكون قوله :﴿وتُنذر يوم الجمع﴾ أي تنذر بالقرآن ﴿يوم الجمع لا ريب فيه﴾. وقوله تعالى :﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ قد بيّن الله تعالى السبيلين جميعا على الإبلاغ، وبيّن عاقبة كل سبيل إلى ما يُفضي من سلكها، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: بلسان.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٥ في الأصل وم: مما..

الشورى 42:8

لتوهم التعلم منهم بلسانهم، والنقل بلسان نفسه؛ فدل أنه إنما عرف باللَّه تعالى، وقوله: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا). أي: لينذر أهل أم القرى وأهل من حولها من القرى. ثم يحتمل تسمية مكة: أم القرى وجوهًا ثلاثة: أحدها: سماها: أم القرى؛ لما منها دحيت سائر الأرضين والقرى. والثاني: سماها: أم القرى؛ لأنها أول بيت وضع للناس، وأول بناء بني في الأرض، فسماها لذلك: أمّ القرى، واللَّه أعلم. والثالث: سماها: أم القرى؛ لما على الناس أن يؤموها ويقصدوها بالزيارة، ولأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أول ما بعث رسولا فيها، فإليها يؤم ويقصد بالدعوة أول ما يؤم ويقصد، ثم من بعد ذلك يؤم إلى سائر القرى والبلدان، ويقصد، والأَمُّ: القصد، ومنه أخذ التيمم؛ ولذلك سمّاها: أمّ القرى، واللَّه أعلم. وقوله: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ)، أي: وينذر بيوم الجمع. ويحتمل أن يكون قوله: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ)، أي: ينذر بالقرآن يوم الجمع لا ريب فيه. وقوله: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) قد بين اللَّه - تعالى - السبيلين جميعًا على الإبلاغ، وبين عاقبة كل سبيل إلى ماذا يفضي من سلكها، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) يخبر أن عنده من اللطائف والقدرة، ما لو شاء لجعلهم جميعًا أمة واحدة وعلى دين واحد، وهو ما قال: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ...) الآية، فلو جعل ذلك لأهل التوحيد والإيمان، لكانوا جميعًا على دين الإسلام؛ على ما أخبر أنه لو كان ذلك مع أهل الكفر لكانوا جميعًا أهل كفر. ثم قوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) لا يحتمل مشيئة الجبر والقسر على ما يقوله المعتزلة لوجوه: أحدها: لما لا يكون الإيمان في حال الجبر والقهر؛ لأنه لا صنع لهم في ذلك، ولا اختيار لهم. والثاني: أنّ كل أحد بشهادة الخلقة مؤمن موحد لله - تعالى - ثم لم يصيروا بذلك مؤمنين؛ فعلى ذلك بالجبر والقهر؛ إذ في الحالين يكون فعل المؤمن إنما هو فعل غيره؛ فدل أنه أراد أن يشاء منهم ما يكون مختارين في الإيمان لا مجبورين. والثالث: أن الإيمان بالجبر والقهر مِمَّا لا يعرفه الناس، ولا يطلق اسم الإيمان عليه في العرف، وقد وعدهم الإيمان، وجعل الدِّين واحدا، وهذا عند المتعارف ينصرف إلى ما يوجد منهم عن طوع واختيار، لا بالجبر والقهر؛ فتكون الآية منصرفة إلى المعهود عند الناس؛ على ما هو الأصل في الكلام، واللَّه الموفق. وعندنا: أراد به مشيئة الاختيار، وأخبر أن عنده من اللطائف ما لو أعطى الكل لآمنوا جميعًا عن اختيار، لكنه لم يعطهم ذلك ولم يشأ؛ لما علم منهم أنهم لا يرغبون فيه، ولا يختارون ذلك، ولكن إنّما يختارون ضد ذلك ونقيضه؛ لذلك لم يشأ لهم، وإنَّمَا يشاء لمن علم أنه يختار ذلك فضلا. وقوله: (وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) يخبر أن من أعطى ذلك إنما يعطيه رحمة منه وفضلا، لا أنهم يستوجبون ذلك منه، ويستحقونه عليه، واللَّه الموفق. ثم إن اللَّه تعالى سمى الإيمان مرة: رحمة بقوله: (وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ)، ومرة سماه: منة بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)، وبقوله: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ...) الآية، فلو كان الإيمان يقوم بالذي يكون الكفر من القدرة ولم يكن من اللَّه - تعالى - إلى المؤمنين إلا وقد كان مثله إلى الكافر، على ما يقوله المعتزلة: إن الإيمان إنما يكون بالذي يكون الكفر، لم يكن لتسمية هذا نعمة ومنَّة ورحمة، وتسمية الكفر ضده - معنى، واللَّه أعلم. وبعد: فإنه لو كان على ما يقوله المعتزلة لكان ما ذكر من النعمة والمنَّة والرحمة إنما يكون بالخلق منهم، لا باللَّه - تعالى - ومنه دل أن عنده لطائف، من أعطى تلك اللطائف آمن واهتدى، ومن لم يعطه إيَّاها لم يؤمن، وقد أعطى المؤمن تلك، ولم يعط الكافر؛ لذلك كان ما ذكرنا، واللَّه الموفق. ثم في تخصيص أم القرى ومن حولها بالنذارة وجوه، لأنه ذكر في آية أخرى أنه نذير للعالمين جميعًا بقوله: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)، فإذا كان مبعوثًا إلى جميع العالم، لا إلى بعض دون بعض، كما كان بعض الأنبياء - عليهم السلام - فلا بد أن يكون لتخصيص أم القرى ومن حولها معنى وحكمة: أحدها: لما يحتمل أن يكون لأهل مكة طمع في شفاعته وإن لم يتبعوه: إما بحق القرابة والاتصال، وإما بحق الأيادي، ومن حولهم بحق الجوار؛ فذكر تخصيصهم بالإنذار بيوم الجمع حتى يزول طمعهم بدون الاتباع، والنزوع عن الشرك؛ إذ ذلك لا يزول بمطلق الإنذار؛ لما عندهم -في زعمهم- أن المراد بذلك غيرهم؛ لما لهم من

الشورى 42:9

زيادة سبب الوسيلة معه. والثاني: أن ينذر هَؤُلَاءِ ومن ذكر شفاهًا، ولمن بعد منهم خبرًا. أو خصّ هَؤُلَاءِ بحق البداية ثم بالأقرب فالأقرب، وعلى ذلك يخرج قوله - تعالى -: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، على الوجوه التي ذكرنا. وقوله - سبحانه وتعالى -: (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)، أي: ما لهم من وليّ يشفع، ولا من نصير ينصرهم، ويمنعهم من عذاب اللَّه. وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ... (٩) أي: أربابًا، (فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ)، أي: هو الربّ، (وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى) وقد عرفوا أنَّ الإحياء إنما يكون باللَّه - تعالى - لا بالأصنام التي عبدوها، وإن كانوا ينكرون البعث والإحياء بعد الموت، فلو عرفوا أنه لو كان إنما يكون باللَّه - تعالى - لا بالأصنام التي عبدوا دونه، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ظاهر، قد تقدم ذكره. وقوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) يحتمل قوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ) وجوهًا: أحدها: في القرآن. والثاني: في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه رسول أو ليس برسول، فقد أقام من الدلائل والبراهين ما يدل على رسالته ونبوته: سمعيات وعقليات، ما لا يتعرض لردّها إلا من كابر عقله وعاند لبّه، وكذلك لو كان اختلافهم في الدِّين فقد أقام ما يعلم كل ذي عقل ولب: أنه هو الصواب، وأن غيره من الأديان ليس بحق. وقال بعض أهل التأويل في قوله: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) أي: إلى كتاب اللَّه، كقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، أي: إلى كتاب اللَّه. لكن هذا لا يصح، فإن قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، إنما هو في المؤمنين إذا وقع بينهم الاختلاف في شيء من الأحكام يردّ ذلك إلى كتاب اللَّه، وإلى سنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وأمّا قوله - تعالى -: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) إنما هو في محاجة الكفرة، فهو في غير ذلك المعنى؛ إذ هم لا يعتقدون كونه حجة، وإنما يرجع إلى دليل آخر عقلي. وقوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي)، أي: ذلك الذي يفعل هذا هو ربي (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، في كل أمري، (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) بالطاعة.

الشورى 42:10

الآية ١٠ وقوله تعالى :﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ يحتمل قوله :﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحُكمه إلى الله﴾ وجوها : أحدها : في القرآن. والثاني : في رسول الله ﷺ. والثالث : في الدين. فإن كان اختلافهم في القرآن فقوله :﴿فحكمه إلى الله﴾ في ما أقام من الحُجج والبراهين أنه من الله، ومن عنده جاء حين(١) عجِزوا عن إتيان مثله أو مقابلة شيء يوازيه. وإن كان اختلافهم في رسول الله ﷺ [ أنه رسول ](٢) أو ليس برسول، فقد أقام من الدلائل والبراهين ما يدل على رسالته ونبوّته سمعيات وعقليات ما لا يتعرّض لردّها إلا من كابر عقله، وعاند لبّه. وكذلك لو كان اختلافهم في الدين فقد أقام ما يعلم كل ذي عقل ولبٍّ أنه هو الصواب، وأن غيره من الأديان ليس بحق. وقال بعض أهل التأويل في قوله :﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ أي إلى كتاب الله كقوله :﴿فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩] أي إلى كتاب الله. لكن هذا لا يصح لأن قوله :﴿فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول﴾ إنما هو في المؤمنين إذا وقع بينهم الاختلاف في شيء من الأحكام يرد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وأما قوله تعالى :﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ إنما هو مُحاجّة الكفرة، فهو من غير ذلك المعنى، إذ هم لا يعتقدون كونه حجة، وإنما يُرجع إلى دليل آخر عقلي. وقوله تعالى :﴿ذلكم الله ربي﴾ أي ذلك الذي يفعل هذا هو ربي ﴿عليه توكّلت﴾ في كل أمري ﴿وإليه أُنيب﴾ بالطاعة. ويحتمل أن يكون اختلافهم الذي ذكر، هو اختلافهم في الله تعالى كقوله :﴿والذين يُحاجّون في الله﴾ [الشورى: ١٦] وقوله تعالى :﴿ذلكم الله ربي﴾ أي ذلكم الذي اختلفتم فيه هو ربي ﴿عليه توكّلت﴾ أي عليه اعتمدت ﴿وإليه أنيب﴾ أي إليه أرجع. ١ في الأصل وم: حيث.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..

الشورى 42:11

ويحتمل أن يكون اختلافهم الذي ذكر هو اختلافهم في اللَّه - تعالى - كقوله: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ). وقوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي)، أي: ذلكم الذي اختلفتم فيه هو ربي (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، أي: عليه اعتمدت، (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، أي: إليه أرجع. ثم نعته فقال: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... (١١) وقال هو في موضع آخر: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وفي موضع آخر: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، وقال في موضع آخر: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). قال بعض الباطنية: المبدع: هو الذي ينشئ الأشياء لا من شيء، والخالق: هو الذي ينشئ الشيء من شيء ولا من شيء، والفاطر: هو الذي ينشئ من شيء أو نحوه من الكلام. وعندنا أن هذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها وافترق اشتقاقها ومأخذها، فهي في المعاني واحدة، الإبداع هو الإنشاء بلا احتذاء سبق، والخلق هو الإنشاء والتقدير، لكن غيره لا يجوز أن يسمى: خالقًا؛ لأنه لا يقدر على تقدير شيء إلا على مشاهدة: عاينه ورآه، والفاطر كأنه مأخوذ من الشق، يشق الشيء ويخرج منه أشياء، كله خلق، وفاعله خالق على الحقيقة، وهو اللَّه تعالى، وباللَّه القوة والتوفيق. وقوله: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) أي: جعل من نفس آدم وحواء - عليهما السلام - أزواجًا نسبنا جميعًا إليهما؛ لأنهما الأصل، وإنا جميعًا إنما كنا من ذلك الأصل، وهو كنسبته إيانا إلى التراب بقوله: (خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، وإنما خلق أصلنا من التراب، لكنه نسبنا إليه؛ لما منه كنا جميعًا؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) أي: من نفس آدم وحوّاء، ونسبنا إليهما؛ لما منهما كنا جميعًا، واللَّه أعلم. والثاني: يقول: جعل بعضكم من بعض أزواجًا أي: حلائل، أي: خلق الإناث من الرجال، والرجال من الإناث، وهو ما ذكر في آية أخرى: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا...) الآية. والثالث: أي: جعل لكم من مثل خلقكم أزواجا؛ أي: أصنافًا وأشكالا، جعل الخلائق كلها ذات أشكال وأمثال، وذات أزواج، وكذلك يخرج قوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا) على وجهين: أحدهما: يقول - واللَّه أعلم -: إنه جعل الأنعام - أيضًا - ذات أزواج وأشكال. والثاني: جعل منها الذكور والإناث - أيضًا - كما جعل من البشر. وقوله: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) اختلف في تأويل قوله: (يَذْرَؤُكُمْ)، والمراد بقوله: (فِيهِ): أن الهاء كناية عن ماذا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: (يَذْرَؤُكُمْ) أي: يكثركم. وقيل: يعيشكم فيه. وقيل: يرزقكم فيه، ويعمركم. وقيل: يخلقكم. وأما قوله: (فِيهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يجيء قوله: (فِيهِ)، أي: فيها، كناية عن الأنعام، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهَا) أي: في الأنعام؛ لما جعل للبشر فيها من أنواع المنافع. وأما من قرأه (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) بغير ألف فهو يجعله كناية عن العالم؛ كأنه يقول: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) أي: يخلقكم في العالم ويكثركم فيه ويعيشكم ويعمركم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَذْرَؤُكُمْ) أي: يكثركم في هذا التزويج الذي جعل بينكم؛ أي: يكثركم بسبب هذا التزويج لم يكثر الناس. وجائز أن يكون قوله: (فِيهِ) كناية عن التدبير؛ يقول: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ): يخلقكم فيه نسلا بعد نسل؛ كقوله - تعالى - (ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ)، وهو قول الْقُتَبِيّ وأبي عَوْسَجَةَ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...) الآية. يستدل بعض أهل التشبيه بأن له مثلا بقوله - تعالى - (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) يقولون: لو لم يكن مثل لم يذكركاف التشبيه؛ حيث قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، لكن نفى مثلية الأشياء عن مثله؛ فيكون فيه إثبات مثل له لا يشبه سائر الأشياء سواه؛ أو كلام نحو هذا. وعندنا: قوله - تعالى - (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) أي: ليس مثله شيء، والكاف قد تزاد في الكلام. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ليس كهو شيء، والعرب قد تقيم المثل مقام النفس.

الشورى 42:12

وأصله: أن الخلق ذو أعداد، وكل ذي عدد له أشكال وأمثال من حيث العدد. والأصل في ذلك: أن الخلق وإن كانوا ذا أمثال وأشكال وأشباه، فليس يشبه بعضهم بعضًا من جميع الوجوه وكل الجهات، ولكن إنما يشبه بعضهم بعضا لا من جميع الوجوه، أو بوجه أو بصفة، أو بجهة أو بنفس، ثم صار بعضهم أمثالا لبعض وأشباهًا بتلك الجهة وبذلك الوصف؛ فدل أن اللَّه - تعالى - ليس يشبه الخلق، ولا له مثال منهم بوجه من الوجوه، ولا له شبه منهم، لا ما يرجع إلى النفس، وهو يتعالى عن جميع معاني الخلق وصفاتهم، ودل قوله - تعالى -: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ): أنه شيء؛ لأنه نفى عن نفسه المثلية ولم ينف الشيئية، لكن يقال: شيء لا كالأشياء ينفى عنه شبه الأشياء، والشيء إثبات، وفي الإثبات توحيد، ولو لم يكن شيئًا لكان يقول: ليس هو شيئًا؛ دل أنه ما ذكر. وقوله - سبحانه -: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ذكر في غير موضع، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... (١٢) وقال في آية أخرى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ)، وقوله: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقوله: (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر المفاتيح والمقاليد والخزائن التي أضافها إلى نفسه، ثم لم يفهم الخلق من المفاتيح المضافة والمقاليد والخزائن ما يفهم لو أضيف إلى الخلق؛ بل فهموا من المفاتيح المضافة إلى الخلق والمقاليد المنسوبة إليهم معنى لم يفهموا ذلك المعنى من المفاتيح والمقاليد المضافة إلى اللَّه - تعالى - فما ينبغي أن يفهموه من قوله: (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)، وقوله - تعالى - (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ)، ونحو ذلك ما يفهموه من اليد المضافة إلى الخلق، لكنه ذكر المفاتيح والمقاليد وأضافها إلى نفسه، لأن كل محجوب ومستور عن الخلق فيما بينهم إنما توصلهم إلى ذلك المحجوب والمستور عنهم بالمفاتيح والمقاليد التي ذكر؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من اليد وغيرها؛ لما باليد يبسط في الشاهد، وبها يمنع، وبها يكتسب ويفعل ما يفعل؛ فأضاف إلى نفسه ما به يكون في الشاهد من الفعل والبسط والمنع كناية عن هذه الأفعال، واللَّه الموفق. وقوله: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الرزق المذكور يحتمل وجوهًا: أحدها: ما ذكر في قوله - تعالى -: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)،

الشورى 42:13

وهو المطر. والثاني: الأملاك التي يكتسبون. والثالث: المنافع التي جعل لهم. ثم الإشكال أن الأملاك التي تكون لهم، والمنافع التي ينتفعون بها وجعلت لهم إنما تكون بأسباب واكتساب منهم، ثم أضاف ذلك إلى نفسه في البسط والتقتير؛ حيث قال (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)؛ دل أن لله - تعالى - في ذلك صنعًا وتدبيرًا، وهو أَنْ خلق أكسابهم وأسبابهم التي بها يوصل إليهم الرزق. وقوله: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تقدم. * * * قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) الدِّين يذكر، ويراد به الجزاء، وهو قوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، أي: يوم الجزاء، أو يذكر ويراد به الحكم؛ كقوله - تعالى - خبرًا عن يوسف - عليه السلام -: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ)، أي: في حكم الملك، ويذكر ويراد به المذهب والمعتقد؛ كقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، وقوله - تعالى -: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)، فكأن المعنى من قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا): هو المذهب وما يعتقد، وقد ذكر الدِّين معرفًا بالألف واللام وأنه للجنس، فيكون كأنه قال: شرع لكم من الأديان جملة الدِّين الذي وصى به نوحًا ومن ذكر من الأنبياء، وهو التوحيد لله - تعالى - والعبادة له، والأنبياء والرسل جميعًا إنما بعثوا للدعاء إلى توحيد اللَّه، وجعل العبادة له، وإن اختلفت شرائعهم وأحكامهم، وذلك قوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). ومن الناس من يقول: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ) أي: شرع لكم الدِّين، ويجعل (مِن) صلة زائدة فيه؛ أي: شرع لكم الدِّين الذي وصى به نوحًا ومن ذكر، والوجه فيه ما ذكرنا. فَإِنْ قِيلَ: ما معنى تخصيص نوح ومن ذكر من الأنبياء هنا، والكل بعثوا للدعاء إلى هذا الدِّين، وقد وصى الكل بهذا الدِّين. فنقول: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما خص نوحًا ومن ذكر بهذا؛ لأن التحليل والتحريم لم يكن قبل زمن نوح عليه السلام، وإنما جاء ذلك في زمن نوح؛ لذلك خصَّ نوحًا بما ذكر. ويحتمل أن يكون ذكر هَؤُلَاءِ لا على تخصيصهم بذلك من بين غيرهم من الأنبياء، ولكن ذكر بعضًا هاهنا، وترك ذكر البعض، ليس أنه شرع له ما وصى به نوحًا ومن ذكر من الأنبياء ولم يشرع له ما وصى به غيرهم؛ بل شرع له ما وصى به هَؤُلَاءِ وغيرهم من الدِّين، كقوله - تعالى -: (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، ذكر بعض هَؤُلَاءِ وغيرهم، ثم أمره أن يقتدي بما هم عليه؛ دل أن ذكر البعض في موضع ليس للتخصيص، لما ذكر البعض في موضع آخر، والكل في موضع آخر، واللَّه أعلم. ويحتمل تخصيص هَؤُلَاءِ بالذكر لمعنى لم يطلعنا اللَّه على ذلك المعنى، كما خص إبراهيم بالصلاة عليه على ما أمرنا به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لقوله: " كما صليت على إبراهيم " لمعنى لم يطلعنا على ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) يحتمل وجهين: أحدهما: (وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، أي: في عبادة اللَّه - تعالى - أي: اعبدوه جميعًا. والثاني: (وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) أي: في الدِّين الذي ذكر، وهو التوحيد، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) أي: عظم عليهم دعاؤكم إلى التوحيد وعبادة اللَّه وحده. وقوله: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) هذا ينقض على المعتزلة: إنه - تعالى - أخبر أنه يجتبي إليه من يشاء، ولو كان على ما يقوله المعتزلة أنه قد أعطى الكافر جميع ما أعطى المؤمن، فالمؤمن حيث صار مجتبى مصطفى مختارًا إنما كان منه بفعله لا من اللَّه - تعالى - وقد أخبر أنه هو يجتبي من يشاء، وهو يهديه؛ فبطل قولهم. وقوله: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي: هو يهدي من يطلب منه ما به يكون الهدى، وهو التوفيق؛ أي: ما لم يطلب منه ذلك ولم يسأل فإنه لا يهدي به ولا يوفقه.

الشورى 42:14

وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) تفسير قوله - تعالى -: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: يجتبي للهداية من ينيب إليه، فأمَّا من لم ينب إليه فلا يجتبيه للهداية، لكن المراد من الهداية - هاهنا - ليس هدى البيان؛ لأن هدى البيان قد كان عامًّا لمن أناب إليه ومن لم ينب، ولكن الهدى - هاهنا - هدى الرحمة، أو هدى النعمة، والنعمة سميّ التوحيد والإيمان مرة: رحمة؛ كقوله - تعالى -: (وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ)، وسمّاه: نعمة؛ كقوله: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، وسمَّاه: منَّة؛ كقوله - تعالى -: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ)، وسماه: نورًا؛ كقوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)؛ فلذلك قلنا: إن الهدى المذكور - هاهنا - ليس هو هدى البيان، ولكن سواه، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: أنهم تفرقوا في رسول اللَّه مُحَمَّد - عليه أفضل الصلاة - بعدما جاءهم العلم في كتبهم أنه رسول؛ لما كانوا يجحدون نعته وصفته في كتبهم، لكنهم اختلفوا وتفرقوا؛ فآمن بعضهم به على ما وجدوه في كتبهم، وكفر بعضهم، وحرفوا ما في كتبهم من نعته وصفته، واللَّه أعلم. والثاني: أي: (وَمَا تَفَرَّقُوا) فيما جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الدِّين (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ)؛ إذ الذي جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو الذي وصى به نوحًا ومن ذكر من الأنبياء عليهم السلام. ويحتمل أي: (وَمَا تَفَرَّقُوا) في الإيمان بالرسل والكفر بهم (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أنهم على الحق، وأنهم رسل اللَّه مبعوثون إليهم، فتفرقوا، فآمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض بغيًا بينهم. ويحتمل: أي: (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ): أن الفرقة ضلالة وهلاك، وعن علم بالفرقة أنها ضلال وهلاك تفرقوا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) يحتمل: حسدًا بينهم؛ لما قيل: إنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث؛ لما وجدوا نعته وصفته في كتبهم ظنًا منهم أنه يبعث منهم، فلما بعث من غيرهم حسدوه وكفروا به واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي: عدوانًا وظلمًا يكون فيما بينهم ذلك التفرق. وقوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: لولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عنهم إلى وقت وإلا كانت الكلمة منه في تعجيل العذاب بهم،

الشورى 42:15

واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: إن الذين أعطوا الكتاب من بعد الرسل الذين ذكر (لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)، أخبر أنهم كانوا في شك مما جاء به الرسل، لكنهم لم يعذروا في شكهم؛ لما تركوا النظر والتفكر في ذلك، ولو نظروا في ذلك وتفكروا فيه، لوقع ذلك لهم وبانَ الحق؛ فلم يعذروا في ذلك؛ لأنه منهم كان ذلك الشك والريب، ولو تفكروا ونظروا لتجلى لهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) اختلف في قوله - تعالى - (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ): عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أي: فبهذا القرآن الذي أنزل إليك فادع. وكذا قال قتادة: فبهذا القرآن فادعُ. وقيل: فلذلك وعد أن ينزل عليك فادع. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: وإلى ذلك الكتاب فادعُ. وقيل: فإلى التوحيد الذي بعث الرسل إلى الدعاء إليه فادع. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَلِذَلِكَ)، أي: فلأجل الذي بعث الرسل فادع؛ أي: ادع إلى التوحيد الذي لأجله بعث الرسل، واللَّه أعلم. ثم إن قوله: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ دليل على أنه كان قد سبق له الأمر بالاستقامة. ثم يحتمل ما ذكر من الاستقامة التي أمر بها هو تبليغ الرسالة إليهم. ويحتمل: العبادة له والطاعة. ويحتمل: الاستقامة في التوحيد له ودعاء الخلق إليه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَن تَابَ مَعَكَ)، على هذين الوجهين الآخرين يخرج الأمر بالاستقامة لمن تاب معه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) أي: في ترك الدعاء إلى التوحيد؛ إذ هو هوى الكفرة أن يترك هو الدعاء إلى التوحيد. ويحتمل أنه نهى عن إجابته إياهم فيما دعَوْا هم؛ إذ هوى الكفرة أن يجيبهم فيما دعَوْا هم إليه من الشرك، واللَّه أعلم. وقوله: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ) أمره بأن يخبر بأنه مؤمن بجميع الكتب

الشورى 42:16

التي أنزل اللَّه؛ ليوافقوه في الإيمان بجميع الكتب، وأُولَئِكَ الكفرة كانوا يؤمنون ببعض الكتب، ويكفرون ببعض. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) ويحتمل وجوهًا: أحدها: أي: أمرت لأعدل بينكم يحتمل: في الحكم؛ أي: أحكم فيما بينكم بالعدل؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا). ويحتمل قوله: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) في الدعاء إلى توحيد اللَّه ودينه، والعدل في الدعاء، دعاؤهم إلى دينه الذي أمر أن يدعوهم إليه. وجائز أن يكون قوله: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) أي: أمرت أن أكون عدلا فيما بينكم؛ أي: يسوي بينهم. ثم نعت الذي كان يدعوهم إلى توحيده، وهو قوله: (اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ). وقوله: (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على المنابذة؛ كقوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، وإنَّمَا يقال هذا بعدما انتهت الحجج غايتها، والحجاج نهايته، فلم ينجع ذلك فيهم وأيسوا منهم. والثاني: يقول: إنا لا نؤاخذ بأعمالكم، ولا أنتم تؤاخذون بأعمالنا، (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، ونحوه. وقوله: (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) ويحتمل قوله: (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) أي: لا حجة بقيت فيما ادعيت ودعوتكم إليه إلا وقد أقمتها عليكم؛ أي: لم يبق حجة في ذلك وقد أقمتها. ويحتمل أن يقول: (لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا أي: لا حجة ولا خصومة بيننا بعدما بلغ الأمر ما بلغ. ثم قال: (اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا) في الآخرة وإليه المصير. وقوله: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن أهل الكفر قالوا للمؤمنين: إن دينكم الإسلام إنما كان ما دام مُحَمَّد بين أظهركم وما دام حيَّا، فإذا مات فتصيرون أنتم ومن تبع الإسلام إلى ديننا أو كلام نحوه؛ فنزل لقولهم ذا قوله: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن اليهود قدموا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا للمؤمنين: إن ديننا أفضل؛ فنزلت الآية فيهم بقولهم هذا: إن ديننا أفضل - لأنه دين الأنبياء - عليهم السلام - فقال: (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) أي: هكذا إذا كانوا على دين الأنبياء، وهو الإسلام؛

الشورى 42:17

فأما إذا تركوا دين الإسلام وتمسكوا باليهودية واختاروها فليس بأفضل، ولا شيء دونها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن قريشًا قالوا: كيف نعبد من لم نره؟ ولم نعاينه إنه مم هو؟ وكيف هو؟ أو كلام نحوه فنزلت: (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) عند ربهم؛ لأن التوحيد ومعرفة اللَّه تعالى إنما يكون بالدلائل والآيات في الدنيا عن غيب، ليس بالمعاينة والمشاهدة؛ فيزول الامتحان. ثم احتمل أن يكون نزول الآية لقول كان من أُولَئِكَ على ما ذكر أهل التأويل. ويحتمل أن يكون على غير ذلك، ومعناه: والذين يحاجون في اللَّه في دفع آيات الله وردها. ويحتمل: أي: في دفع توحيد اللَّه وألوهيته (مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ) أي: من بعد ما استجيب له بحق الخلقة: أنه واحد، وأنه رب كل شيء. ويحتمل قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ) بما في كتبهم من الإيمان بها وبما فيها من نعوت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصفاته. ثم أخبر أن (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) هذا يخرج على هذين. يحتمل: أي: (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) يوم القيامة؛ أي: باطلة غير مقبولة. ويحتمل: أي: (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) في الدنيا بما أقام اللَّه - تعالى - من حجج التوحيد؛ فأبطل حججهم. وقوله: (وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) بيان الجزاء لهم في الآخرة. * * * قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) وقوله: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) يحتمل قوله: (بِالْحَقِّ): الذي لله عليهم، أو (بِالْحَقِّ) الذي لبعضهم على بعض، و (وَالْمِيزَانَ): بالعدل فيما بينهم؛ أي:

الشورى 42:18

بالعدل فيما بينهم، أعني: الخلق. وجائز أن يكون قوله: (بِالْحَقِّ) أي: بالصدق بما فيه من الأنباء والأخبار (وَالْمِيزَانَ) أي: بالعدل في الأحكام؛ جعل الميزان كناية عن العدل؛ أي: هو طريق العدل وسببه، وهو كقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، وقوله - تعالى -: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)، وقوله - تعالى -: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا)، وقوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) أي: صدقا فيما فيه من النبأ والخبر، وعدلا في الحكم فيما بينهم، واللَّه أعلم. ثم قوله - تعالى - (وَالْمِيزَانَ) يحتمل أن يكون على الكتاب، وهو الظاهر، والمراد منه العدل؛ فيصير تقدير الآية - واللَّه أعلم -: اللَّه الذي أنزل الكتاب بالحق، وأنزل العدل فيما بين الخلق، أو أنزل العدل في الأحكام. ويحتمل أن يكون عطفًا على الحق؛ فيصير تقديره: أنزل الكتاب بالحق وبالعدل في الأحكام فيما بينهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)]، لم يطلع اللَّه - جل وعلا - أحدًا على العلم بوقت الساعة؛ على ما ذكرنا في غير موضع. وقوله: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا... (١٨) كان استعجالهم بها استهزاء منهم وتكذيبًا لها أنها كائنة؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يوعدهم بها، ويخبر أنها كائنة، فكانوا يستعجلون استعجال تكذيب لها. وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ)؛ لأن لأهل الإيمان والتوحيد زلات ومساوئ لم يتبين لهم التجاوز عنها والعفو منها؛ فيكونوا أبدًا خائفين مشفقين لتلك الزلات والمساوئ وما يكون فيها من الأهوال والأفزاع، فأمَّا أهل الكفر فهم لا يؤمنون بها، ولا يصدقون أنها كائنة؛ فلا يخافونها وما فيها من الأهوال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ): قوله: (يُمَارُونَ) يحتمل يجادلون ويخاصمون فيها أنها ليست بكائنة. ويحتمل: (يُمَارُونَ) من المرية، وهو الريب والشك؛ أي: يشكون فيها. ودل قوله: (لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ): أنهم لا يؤمنون أبدًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) من الناس من قال: إن الآية وإن جاءت مجيئًا عامًّا فهي خاصة للمؤمنين، هو لطيف؛ أي: بار للمؤمنين بها. ومنهم من يقول: إن الآية للفريقين جميعًا: للكافر والمؤمن، بار بهما، لطيف بهما بما يرزقهم جميعًا: الكافر والمؤمن، فأما في الآخرة فهو رحيم بار بالمؤمنين خاصة.

الشورى 42:19

الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز﴾ من الناس من قال : إن الآية، وإن جاءت مجيئا عاما فهي خاصة للمؤمنين : هو لطيف أي بارٌّ بالمؤمنين، ومنهم من يقول : إن الآية للفريقين جميعا. للكافر والمؤمن. فأما في الآخرة فهو رحيم بار بالمؤمنين خاصة. ويحتمل أن يكون [ رحيما بارًّا ](١) بالفريقين. أما في حق المؤمنين فلا(٢) شك أنه بار رحيم بهم، وأما الكفرة [ فهو ](٣) بار في حقهم حين(٤) أخّر عنهم العذاب في الدنيا. ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعا [ على ](٥) ما ذكرنا. فإن قيل إنه وصف [ نفسه ](٦) بالحلم والرحمة، وقد أخبر أنه يعذّبهم في الآخرة. قيل : إنه وإن عذّبهم فإن ذلك لا يُخرجه عن الحلم والرحمة، لأنه لو ترك تعذيبهم يكون سفيها لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبدا، وليس في التعذيب خروج عن الرحمة والحلم، بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة. لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق. وقوله تعالى :﴿يرزق من يشاء﴾ قد ذكرنا في قوله تعالى :﴿يبسط الرزق لمن يشاء﴾ [ الرعد : ٢٦ والعنكبوت : ٦٢ ] تأويله ومعناه، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وهو القوي العزيز﴾ هذا يخرَّج على وجهين : أحدهما : أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به، وامتحنهم، ولا يعز بذلك، لأنه قوي بذاته عزيز بنفسه. والثاني :﴿القوي﴾ في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه ﴿العزيز﴾ الذي لا يُعجزه شيء، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة والائتمار. ١ في الأصل وم: رحيم بار.. ٢ الفاء ساقطة من الأصل وم.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ في الأصل وم: حين.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ ساقطة من الأصل وم..

الشورى 42:20

ويحتمل أن يكون رحيمًا بارًّا بالفريقين، أما في حق المؤمنين لا شك أنه بار رحيم بهم، وأما الكفرة: بار في حقهم، حيث أخر عنهم العذاب في الدنيا. ثم في حق المحنة يجوز أن يوصف بالرحمة في الفريقين جميعًا على ما ذكرنا. فَإِنْ قِيلَ: إنه وصف بالحلم والرحمة، وقد أخبر أنه يعذبهم في الآخرة. قيل: إنه وإن عذبهم فإن ذلك لا يخرجه عن الحلم والرحمة؛ لأنه لو ترك تعذيبهم يكون سفيهًا؛ لأنهم قد استحقوا بالكفر التعذيب أبدًا، وليس في التعذيب خروج عن الرحمة والحلم؛ بل في ترك التعذيب سفه وخروج عن الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ) قد ذكرنا في قوله - تعالى -: (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ)، تأويله ومعناه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أنه لا يقوى بشيء مما أمرهم به وامتحنهم، ولا يعز بذلك؛ لأنه قوي بذاته، عزيز بنفسه. والثاني: (الْقَوِيُّ) في الانتقام والانتصار من أعدائه لأوليائه، (الْعَزِيزُ): الذي لا يعجزه شيء، ولا يلحقه الذل في ترك الطاعة له والائتمار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) جعل اللَّه - تعالى - الدنيا مزارع لأهلها ما زرعوا فيها حصدوا ذلك في الآخرة، إن زرعوا خيرًا حسنًا حصدوا خيرًا ونعيمًا في الآخرة، وإن زرعوا شرًّا وسوءًا، حصدوا في الآخرة شرًّا وعذابًا دائمًا. وكذلك صيّرها متجرًا يتجّرون فيها، فإن اتجروا خيرًا وحسنًا ربحوا في الآخرة، وإن اتجروا شرًّا وسوءًا خسروا في الآخرة. وكذلك صيرها مسلكًا إلى الآخرة، والآخرة غاية لها، فإن سلكوا سبيل الخير وما أمروا به أفضى بهم ذلك إلى الخير والنعيم الدائم والسرور، وإن سلكوا سبيل الشر وما نهوا عنه أفضى بهم إلى العذاب الدائم والحزن الدائم. وما ذكر في غير آي من القرآن من قوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ...) الآية، وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى...) الآية، وقوله: (اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ)، وقوله -

الشورى 42:21

تعالى -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ...) الآية، ونحو ذلك كثير؛ على هذا بني أمر الدنيا والآخرة، واللَّه أعلم. ثم قوله - تعالى -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) يخرج على وجهين: أحدهما: أي: من كان يريد حرث الآخرة، نزد له في حرثه، أي: من كان يريد بمحاسنه في الدنيا وخيراته ثواب الآخرة وخيراتها نزد له في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا هو التوفيق على الطاعات، والزيادة له والنماء، وأما في الآخرة فالنعيم الدائم والسرور الدائم. والثاني: أي: من كان عَمِل للآخرة وسعي لها نزد له ما ذكر من المحاسن، وتكون الإرادة هاهنا صفة لكل فاعل، كقوله: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)، وهي لا تكون بدون الفعل، فكان ذكرها ذكرًا للفعل ضرورة؛ فكان المراد منها الإرادة مع الفعل، فكذلك يخرج قوله: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) على وجهين: أحدهما: من كان يريد محاسن الدنيا وسعتها، نؤته منها، ونوسع عليه. والثاني: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ) أي: من عمل للدنيا وسعى لها، نؤته منها وما عمل لها وما له في الآخرة من نصيب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) قال بعض أهل التأويل: أم لهم آلهة دوني (شَرَعُوا لَهُم) أي: سنوا لهم (مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)، يعني بالشركاء: الأصنام التي عبدوها، لكن علموا أن الأصنام لم يشرعوا لهم من الدِّين شيئًا، إلا أن يقال بأنه أضاف ذلك إلى الأصنام؛ لما هم شرعوا لأنفسهم عبادتها فأضيف إليها لذلك، وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)، وأنهن لم يضللن أحدًا، لكنه أضاف إليهن الإضلال؛ لما بهن ضلوا، فأضاف إليهن على التسبب؛ فعلى ذلك الأول يحتمل ذلك. ويشبه أن يكون غيره أولى بذلك، وهو أن القادة والرؤساء هم الذين سنوا للأتباع و (شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)؛ أي: ما لم يأمر به اللَّه، وهم كذلك كانوا يفعلون، يشرعون للأتباع دينا من ذات أنفسهم بلا حجة ولا برهان، فيتبعون به، والرسل - عليهم السلام - قد أتوهم بالدِّين بالحجج والبراهين من اللَّه - تعالى - فلم يتبعوهم، فيقولون: إنهم بشر، ثم يتبعون بشرًا بلا حجة ولا برهان؛ يذكر سفههم فيما ذكر، فكان

الشورى 42:22

المراد من الشركاء هم الرؤساء والقادة، واللَّه أعلم. قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ) أي: عمل الآخرة، يقال: فلان يحرث للدنيا؛ أي: يعمل لها، ويجمع المال، ومنه قول ابن عمر - رضي اللَّه عنه -: " احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا "، ومنه سمي الرجل: حارثًا. (شَرَعُوا لَهُم) أي: ابتدعوا وسنوا، وكذلك في قوله: (شَرَعَ لَكُم)، أي: ابتدع وسن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يحتمل وجهين: أحدهما: الحكم؛ كأنه يقول: لولا أن اللَّه - تعالى - حكم في هذه الآية بتأخير العذاب إلى يوم القيامة، وهو ما ذكر أنه بعث رسوله - يختَ رحمة لهم بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). والثاني: (الْفَصْلِ): البيان تأويله: لولا ما وعد في الدنيا أنه يفصل بينهم في الآخرة فيما ذكر: (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ)، ونحوه، وقيل: (وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ) أي: القضاء السابق: أن الجزاء يوم القيامة - لقضي بينهم في الدِّين، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذكر إشفاق الكفرة والظلمة وخوفهم في الآخرة، وإشفاق المؤمنين وخوفهم في الدنيا، فمن خاف عقوبته في الدنيا آمنه اللَّه - تعالى - عن خوف الآخرة، ومن استهزأ بعذاب اللَّه في الدنيا خوفه اللَّه في الآخرة، وعلى ذلك يخرج قوله - عليه السلام -: " لا يجمع اللَّه على أحد خوفين: خوف الدنيا وخوف الآخرة: من خافه في الدنيا أمن في الآخرة، ومن لم يخف في الدنيا خاف في الآخرة ". ثم أخبر ما للمؤمنين في الآخرة، وهو قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، ذكر ما لكل فريق بما كسبوا في الدنيا والآخرة. قَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: الروضة: البستان. وقال الكسائي: الروضة: العشب حول القَرِيِّ.

الشورى 42:23

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) أخبر أن ما يعطى لهم من الآخرة والفضل منه، لا أنهم يستوجبون ذلك، وسماه: كبيرًا؛ لأنه دائم لا ينقطع أبدًا. وقوله: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) قوله: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّه) أي: الذي ذكر من الفضل الكبير، ووعد أنه يعطيهم، يبشر اللَّه - تعالى - به من ذكر: (عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، واللَّه أعلم. وقوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) قال بعض أهل التأويل: قالت الأنصار: إنا فعلنا، وفعلنا كذا؛ فكأنهم افتخروا، وقالوا: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأتاهم فقال: " يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم اللَّه تعالى؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: " ألم تكونوا فقراء فأغناكم اللَّه تعالى؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: " أفلا تجيبونني؟ " قالوا: ما نقول يا رسول اللَّه؟ قال: " ألا تقولون: ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أولم يكذبوك فصدقناك؟ أولم يخذلوك فنصرناك؟ " قال: فما زال يقول حتى جثوا للركب بين يديه، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لرسول اللَّه، والفضل لرسوله؛ فنزل قوله - تعالى -: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) لكن ذكر في الخبر ما لا يليق ذلك بالأنصار أن يظنوا ذلك برسول اللَّه، وكذلك ما ذكر من فخرهم وقولهم: " لنا الفضل عليكم " هذا لا يحتمل منهم؛ فدل أن الحديث غير صحيح، أو الزيادة التي لا تحتمل، واللَّه أعلم. وفي بعض الأخبار: أن الأنصار - رضي اللَّه عنهم - قالوا: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تنوبه النوائب من القرابة وغيرهم، فتعالوا حتى نجمع له شيئًا من أموالنا، فيستعين على من ينوبه من الحقوق، ففعلوا، ثم أتوا به، فقالوا: إنك قد تنوبك نوائب وحقوق، وليس عندك لها سعة، فأتيناك بشيء تستعين به على ما ينوبك من النفقة في أهلك والنازلين بك، فنزل قوله: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) وهو يخرج، على وجوه: أحدها: يقول: لا أسألكم على ما أبلغكم من الرسالة، وأدعوكم إلى الإيمان باللَّه - تعالى - وبي أجرا إلا صلة أرحامكم وقرابتكم؛ أي: لا أسألكم على تبليغ الرسالة إليكم وما أدعوكم إليه أجرًا، إلا أن تصلوا قراباتكم وأرحامكم؛ فتدل الآية على وجوب صلة الأرحام. ويحتمل أن يكون ذكر هذا ردًّا لقول أُولَئِكَ الكفرة؛ حيث قالوا: إن محمدًا جاء يقطع الأرحام ويفرق القرابات، حتى فرق بين من أجابه إلى ما دعاه إليه وبين من لم يجبه، من الوالد والولد، والزوج والزوجة، ونحو ذلك؛ فقال عند ذلك: لا أسألكم عليه أجرًا، ولا أدعوكم إلى قطع الأرحام والقرابات؛ بل ما أطلب منكم إلا صلة الأرحام بما دعوتكم إليه. ويحتمل أن يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرًا، ولا أقبله منكم إن أعطيتموني، إلا أن تصلوني بحق القرابة والرحم التي بيني وبينكم فأقبله منكم، وقد كان بينه وبينهم قرابات ورحم. ويحتمل ما قال الحسن فقال: واللَّه ما كان نبي اللَّه - تعالى - يسأل على هذا القرآن أجرًا، ولكنه أمر أن يتقربوا إلى اللَّه تعالى بطاعته وحبّ كتابه، فكان معنى الآية: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، أي: إلا التقرب إلى اللَّه - تعالى - والتودد بالعمل الصالح. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) إلا أن تودوني لأجل قرابتي كما تودون لقرابتكم وتواصلون بها، ليس هذا الذي جئت به يقطع ذلك عني، ولست أبتغي على الذي جئت به أجرًا آخذه منكم على ذلك. وقال قتادة: إن اللَّه - تعالى - أمر محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ألا يسأل على هذا القرآن والتبليغ أجرًا: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) إلا أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة، وكل بطون قريش بينه وبينهم قرابة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إلا أن تودّوا قرابتي. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن لم تتبعوني إلى ما أدعوكم إليه وآمركم به فاحفظوني في قرابتي " وأصله ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) هو كقوله - تعالى -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)، واللَّه أعلم. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الاقتراف: الاكتساب، والمقارفة: المعاشرة، وقرف فلان فهو مقروف؛ أي: اتهم بشيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)، قوله (غَفُورٌ) أي: يغفر لهم وإن لم

الشورى 42:24

يحققوا التوبة والرجوع سرًّا وعلانية، ولم يستوجبوا الغفران والعفو. وقوله: (شَكُورٌ) أي: يشكر ويقبل منهم الشكر وإن لم يحققوا له الشكر، ولم يستحقوا قبوله، فضلا منه ونعمة، واللَّه أعلم. وقال أهل التأويل: (غَفُورٌ) للذنوب، (شَكُورٌ) للحسنات يضاعفها، والله أعلم. * * * قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أي: بل يقولون: افترى مُحَمَّد على اللَّه كذبا. وقوله: (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) بالصبر حتى لا تجد مشقة استهزائهم بك، ولا غصة تكذيبهم إياك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فإن يشأ اللَّه أن ينسيك القرآن فلا تبلغه إليهم فلا يستهزئوا بك، ولا يكذبوك، أو كلام نحوه. وعندنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا بدءًا (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) بالصبر حتى لا تجد مشقة الاستهزاء ولا غصة التكذيب. والثاني: يحتمل: (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) كما ختم قلوب أُولَئِكَ الكفرة حتى لا تفهم ولا تعقل الحق من الباطل، كما فعل بأُولَئِكَ، يذكره إحسانه إليه وفضله بما أكرمه بأنواع الكرامات التي أكرمه بها؛ ليشكر ربه على ذلك، ويرحم على أُولَئِكَ بما ختم على قلوبهم، وما ينزل بهم من أنواع العذاب وعلى ذلك بلغ أمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من المرحمة والشفقة عليهم ما ذكر (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ...) الآية، وقوله - تعالى -: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ)، كادت نفسه تهلك إشفاقًا عليهم

الشورى 42:25

ورحمة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يظهر ويظفر أهل الحق على أهل الباطل وينصرهم حتى يصير أهل الحق ظاهرين قاهرين على أهل الباطل؛ فذلك محق الباطل وإحقاق الحق. والثاني: يحق الحق بالحجج والبراهين حتى يعرف كل أحد الحق من الباطل بالحجج التي أقامها إذا تأمّل فيها حق التأمّل، وهو كقوله - تعالى -: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، واللَّه أعلم. وقوله: (بِكَلِمَاتِهِ) أي: بحججه وبراهينه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) قال أهل التأويل: أي: عليم بما في الصدور، ولكن قوله: (بِذَاتِ الصُّدُورِ) عبارة عمن له الصدور عن الرأي والتدبير، وهم البشر واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) قد ذكرنا أنه لا أحد يحقق التوبة؛ لأن تحقق التوبة هو أن يهرب وينفر عما استوجب به النار كهربه من النار لو كان فيها، وفراره منها لو وجد مهربًا، ولا أحد يهرب من الذنب ويفر منه كهربه وفراره من النار لو كان فيها، لكن اللَّه بفضله وكرمه يقبل ذلك منه وإن لم يكن التوبة منه على الحد الذي ذكرنا. ثم قوله - تعالى -: (يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) أي: يقبل حسناتهم وخيراتهم (وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) أي: يكفر عن سيئاتهم؛ كقوله - تعالى -: (نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) هذا وعيد، يخبر رسوله أنه يعلم ما تفعلون سرًّا وعلانية، وأنه عن علم بما يكون منهم امتحنهم وأمرهم ونهاهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦) أي: يجيب الذين آمنوا بما يدعون ويسألون ربهم، وهو كقوله - تعالى - (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، أي: يجيبهم على الذي ذكر في الآية، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) أي: يزيدهم من فضله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب امرئ مسلم، وهي الجنة؛ وذلك زيادة من فضله، والله أعلم.

الشورى 42:26

الآية ٢٦ وقوله تعالى :﴿ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي يجيب الذين آمنوا بما يدعون، ويسألون ربهم، وهو كقوله تعالى :﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الدّاع إذا دعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] أي يجيبهم على الذي ذكر في الآية، الله أعلم. وقوله تعالى :﴿ويزيدهم من فضله﴾ أي يزيدهم من فضله [ وهو قوله ﷺ :](١) ( ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر(٢) ) [ البخاري ٣٢٤٤ ومسلم ٢٨٢٤ ]، وهي الجنة، وذلك زيادة من فضله، والله أعلم. وقال في حق الكفرة :﴿والكافرون لهم عذاب شديد﴾. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: امرئ مسلم..

الشورى 42:27

وقال في حق الكفرة: (وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ). * * * قوله تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) قال أهل التأويل: إن الآية نزلت في أهل الصفة، تمنوا أن يكون لهم الدنيا، فإن كانت فيهم فكأنه كتب عليهم الضيق والقتر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) أي: يتقلبون من لباس إلى لباس، ومن مركب إلى مركب، ولكن ليس في ذلك كثير بغي؛ فلا يصح صرف التأويل إليه. ثم عندنا يخرج (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) مخرج الامتنان والإفضال، وله أن يبسط عليهم وإن علم منهم البغي؛ ألا ترى أنه لو لم يوسع على فرعون لا يدعي الألوهية، لكنه مَنَّ على بعض المؤمنين فضيق عليهم حتى لا يبغوا، فيلزمهم بذلك القيام بشكر ما منَّ عليهم وأنعم بالتضييق حتى لا يبغوا، وكذلك يخرج ما: روي " مَنْعُ الله عطاء "، وفيما ذكرنا جواب عمّن تعلق بظاهر الآية على أن الأصلح واجب؛ حيث قال: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) بيَّن أن الأصلح لهم ألا يبسط؛ لأنا نقول: قد بسط كثيرًا من الفراعنة والكفرة فبغوا، لكن ذكر هذا؛ لبيان المنة والإنعام بالتقتير والتضييق في حق البعض حتى لا يبغوا، واللَّه أعلم. ثم البغي: هو التعدي عن حد اللَّه الذي حدّ لهم، والمجاوزة عنه. ولكن لا نفسر ما الحد الذي يسمى التعدي عنه: بغيًا؛ لما لا يعلم ما هو؟ ويحتمل أن يكون معنى قوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) أنه لو بسط

الشورى 42:28

عليهم ووسع، لزمهم الشكر، والبسط، وكثرة المال تشغلهم وتمنعهم عن القيام بشكره وما أوجب عليهم من الفرائض والأحكام، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ما لا يشغلهم ولا يمنعهم عن القيام بالذي يلزمهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) قد تقدم تأويله. ثم حاصل تأويلها يرجع إلى وجوه ثلاثة: أحدها: إلى أهل الكفر: أنه لو وسع عليهم وبسط، لبغوا في الأرض، أي: صاروا كلهم أهل كفر وضلال، كقوله - تعالى -: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ...) الآية. والثاني: يتوجه إلى خاص من المؤمنين؛ لما علم منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم وقتر؛ امتنانًا منه وفضلا؛ لئلا يبغوا، وهو كما ذكرنا في أحد تأويل قوله - تعالى -: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ): أنه إن كان على حقيقة خلقهم، فهو في الذين علم منهم أنهم يعبدونه لا محالة؛ ليعبدوه على ما ذكر، فأما الذين يعلم أنهم لا يعبدونه لا يحتمل أن يخلقهم للعبادة، ولكن يخلقهم لما علم أنه يكون منهم، واللَّه أعلم. فعلى ذلك قوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) يرجع إلى قوم خاص يعلم اللَّه - تعالى - منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع، لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم؛ فضلا منه ومنة؛ فيلزمهم القيام بشكر ذلك له، واللَّه أعلم. أو أن يرجع ذلك إلى جملة الخلق من مؤمن وكافر: أنه لو وسع وبسط على الكل لصاروا جميعًا ملوكًا ومن عادة الملوك وطباعهم البغي والغلبة على من نازعهم في ملكهم ومملكتهم، وفي ذلك التفاني والفساد؛ فوسع على بعضهم وبسط، وضيق على بعض؛ لئلا يبغي بعض على بعض، إذ في ذلك تفانٍ وتفاسد، واللَّه أعلم بذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨) يحتمل قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) أي: من رحمته. أو (مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) من الأصنام التي عبدوها؛ رجاء الغوث والشفاعة لهم والزلفى عند اللَّه، قنطوا ما رجوا منها، كقوله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ). ثم سمى المطر: رحمة وغيثًا، أي: الغوث؛ ليعلم أن له أن يمسك عنهم، ويمسكهم على الحال الأولى في القحط والضيق؛ إذ لو كان عليه إرساله ولم يكن له إمساكه لم

الشورى 42:29

يسمه: رحمة، ولا غوثًا؛ لأن من عليه فعل شيء لم يوصف بالفضل والرحمة، فهو على المعتزلة في الأصلح، واللَّه الموفق. وقوله: (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) يحتمل (الْوَلِيُّ) أي: هو الرب، (الْحَمِيدُ) هو المستحق للحمد. أو الولي: هو الحافظ لهم، وولي كل نعمة أعطاهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) قوله - تعالى -: (وَمِنْ آيَاتِهِ) يحتمل: من آيات ربوبيته وتوحيده خلق السماوات والأرض وما ذكر. أو من آيات حكمته وعلمه وتدبيره خلق ما ذكر. أو من آيات قدرته وسلطانه ما ذكر. أو من آيات إحسانه ونعمه وأياديه ما ذكر، وقد بينا وجه كل ذلك ودلالته على قدر فهمنا منه فيما تقدم. ثم اختلفوا في قوله: (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا) أي: في الأرض خاصّة؛ ألا ترى أنه قال: (مِنْ دَابَّةٍ) وهي اسم لما يدب، وأهل السماء ملائكة، ولهم الطيران دون الدبيب، وهو كقوله - تعالى -: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)، وإنما يخرج من أحدهما. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فِيهِمَا) أي: في السماء الملائكة، وفي الأرض الدواب، لكنه سمى أهل السماء باسم ما في الأرض من الدواب، وذلك جائز في اللغة ذكر شيئين باسم أحدهما؛ كقوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ)، والكناية ترجع إلى الصلاة لفظًا، والمراد ما سبق من الصبر والصلاة، وكذا قوله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا)، كنى عن التجارة وأراد كليهما، ونحو ذلك؛ فعلى ذلك هذا. ثم قوله: (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا) قالوا: أي: نشر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) يحتمل ما ذكر من جمعهم: بعثهم وإحياؤهم قدير على ذلك، كما هو قدير على ما ذكر من خلق السماوات والأرض

الشورى 42:30

وما ذكر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) يحتمل ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم: المصيبة التي تعم الخلق جميعًا ممن كان منهم الزلة، وما ذكر من كسب اليد، وممن لم يكن منهم كسب اليد من الزلة والمعصية؛ من نحو الجدب، والقحط، وغلبة الأعداء، وغير ذلك من الأشياء التي تعم الخلائق ممن كان منه الجناية وممن لم يكن: من الصغار، والدواب، والأبرار، والأخيار، ويكون ما أصاب ممن كان ذلك منه واستوجب؛ تنبيهًا لهم وموعظة، أو كفارة لما كان منهم من كسب اليد، وما أصاب ذلك ممن لم يكن منهم ذلك من الصغار والأخيار فذلك في الحكمة، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: يصيب ذلك لهم ابتلاء بشيء سبق منهم؛ ليعلم أن ما يعطيهم من السلامة والصحة والحسنات والخيرات كان فضلا منه، وهم عبيده وإماؤه وملكه، إن شاء أهلكهم، وإن شاء أبقاهم. أو أن يفعل بهم ما ذكر وإن لم يسبق منهم ما ذكر من كسب اليد والزلة؛ لعوض يعوّض في الآخرة. وكيفما كان، فهو غير خارج عن الحكمة، والإيلام للتعويض جائز ممكن، لكن ليس بواجب لا محالة التعويض؛ خلافًا للمعتزلة؛ فإنه عندهم واجب، وبالله العصمة. وجائز أن يكون ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم بكسب اليد أن يريد ألما في نفسه يصيبه بما سبق منه من شيء ارتكبه واكتسبه، فالسبيل فيه أن ينظر كل في نفسه: ما الذي سبق منه حتى أصابه ما أصاب؟ فيراجع نفسه عن ذلك، ويتوب إلى اللَّه - تعالى - ثم يخرج ذلك لهم إما تنبيهًا وزجرًا عن المعاودة إلى مثله، وإما تكفيرًا وتمحيصًا لما كان منهم، ولزمهم الشكر على ذلك. وقد روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: " لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو اللَّه كثير ". وعلى قول المعتزلة ليس اللَّه - تعالى - في إعطائهم الخيرات والحسنات والسعة محسنًا مفضلا منعمًا؛ لأن من أخذ شيئًا بعوض لا يوصف بالإفضال والإنعام، وقد سمى نفسه بذلك: محسنًا منعمًا؛ فيكون ما قالوا حلاف ذلك.

الشورى 42:31

والثاني: إن كان بعوض على ما يقولون يجب أن يعوضهم عوضًا يرضون بذلك العوض، ويكون ذلك العوض مثل ما أخذ منهم، وهم لا يشترطون ذلك دل أن له أن يفعل لهم ما ذكرنا. وأصله ما ذكرنا: أن الخلق كلهم عبيده وإماؤه، ولكل ذي ملك أن يفعل في ملكه ما شاء، لا لائمة عليه؛ إذ كان له حقيقة الملك؛ فعلى ذلك اللَّه - سبحانه وتعالى - إذ له حقيقة ملك الأشياء؛ فله أن يفعل ما يشاء بلا عوض ولا بدل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) ليس أحد يصيبه شيء من الشدة والبلاء إلا ويكون في ذلك عفو منه - جل جلاله - لأنه ما من ألم إلا ويتوهم زيادة الألم في ذلك، فيكون منع تلك الزيادة عنه عفوًا عنه وفضلا، وكذلك هذا في هلاك كل شيء من حقوقه ما يقل ويكثر. ويحتمل أن يكون قوله: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) أي: لا بكل زلة منهم تكون يؤاخذ بها، بل يؤاخذ ببعض، ويتجاوز عنهم في بعض، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ... (٣١) يقول: لا تقدرون الهرب مما يريد أن يصيبكم بزلاتكم وما يريد أن يفعل بكم، ولا لكم ملجأ (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) ينصركم ويمنعكم من عذاب اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) يحتمل (آيَاتِهِ) ما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره وحكمته، وآيات نعمه وإحسانه، وهو ما جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في سرية الخشب في السفن معنى لو اجتمع حكماء البشر؛ ليعرفوا ذلك المعنى واللطف الذي جعل في الخشب - ما قدروا على إدراكه، وذلك المعنى واللطف المجعول فيها وما جعل من طبعها السكون على وجه الماء والقرار عليه مع ثقلها وغلظها، وإن كان بدون ذلك الثقل والعظم بكثير من غير جوهر الخشب مما يتسرب في الأرض وينحدر، وكذلك ما يحمل في السفن من الأحمال العظيمة الثقيلة مما طبع كل من ذلك الحمل أن يتسرب وينحدر في الماء لو لم تكن السفن وما ذكر من الخشب، واللَّه أعلم. ثم قوله: (كَالْأَعْلَامِ) قال عامة أهل التأويل: أي: كالجبال في البحار. وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: الأعلام: الجبال، واحدها علم.

الشورى 42:32

الآية ٣٢ وقوله تعالى :﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام﴾ تحتمل آياته ما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته وآيات قدرته وسلطانه وآيات علمه وتدبيره وحكمته وآيات نعمه وإحسانه، وهو ما جعل عز وجل في سرّية الخشب في السُّفن معنى لو اجتمع حكماء البشر ليعرفوا ذلك المعنى واللطف الذي جعل في الخشب ما قدروا على [ إدراك ذلك ](١) المعنى واللطف المجعول فيها وما جعل من طبعها السكون على وجه الماء والقرار عليه مع ثقلها وغِلظها، وإن كان بدون ذلك الثقل والعِظم بكثير من غير جوهر الخشب مما يتسرّب في الأرض، وينحدر. وكذلك مما يُحمل في السفن من الأحمال العظيمة الثقيلة مما طبع كل من ذلك الحمل أن يتسرّب، وينحدر في الماء، لو لم تكن السفن وما ذكر من الخشب، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿كالأعلام﴾ قال عامة أهل التأويل : كالجبال في البحار. وقال القتبيّ وأبو عوسجة : الأعلام الجبال، واحدها علم. ومعنى هذا الكلام هو ما ذكر من ميد الأرض بأهلها والتسرّب في الماء، ثم أرساها وأثبتها بالجبال، وطبع الجبال التسرّب والانحدار في الماء، فيجيء أن يزيد في التسرّب والانحدار في الماء، لا أن يُثبتها، ويقرّها على وجه الماء. لكن بلطفه ومنّه أقرّ بها الأرض، وأثبتها(٢)، ومنع بها(٣) التسرّب والانحدار والميد بأهلها. فعلى ذلك السفن في البحار تستقر على الماء، ولا تنحدر، كالجبال مع الأرض [ في ](٤) القرار على الماء، والله أعلم. ويحتمل قوله :﴿كالأعلام﴾ معنى آخر، وهو الأعلام نفسها، وهو أن جعل السفن سببا وطريقا للوصول إلى منافع بعُدت منه، وصعُبت عليهم. فإذا حُمل فيها الأحمال من بلد إلى آخر ومن مكان إلى مكان يُسَرّ أهل المحمول إليهم بتلك الأحمال والسفن إذا رأوها في البحار تحمل إليهم [ سِلعا يتجُرون ](٥) بها ومنافع تصل لهم. وكذلك يسرّ أهل المحمول عنهم إذا رأوها راجعة إليهم سالمة لما يحصل لهم من المنافع(٦) والأعراض بها، فتكون السفن أعلاما وأدلّة لهم على الأعراض والمنافع، والله أعلم. ١ في الأصل وم: إدراكه وذلك.. ٢ في الأصل وم: ولا يثبتها.. ٣ أدرج بعدها في الأصل وم: عن.. ٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٥ في الأصل وم: لسعة يرجون.. ٦ في الأصل وم: الأيمان..

الشورى 42:33

ومعنى هذا الكلام هو ما ذكر من ميد الأرض بأهلها، والتسرب في الماء، ثم أرساها وأثبتها بالجبال، وطبع الجبال التسرب والانحدار في الماء فيجيء أن تزيد في التسرب والانحدار في الماء، لا أن تثبتها وتقرها على وجه الماء، لكن بلطفه ومنّه أقر بها الأرض، وأثبتها ومنع بها عن التسرب والانحدار والميد بأهلها، فعلى ذلك السفن في البحار تستقر على الماء ولا تنحدر كالجبال مع الأرض في القرار على الماء، واللَّه أعلم. ويحتمل قوله: (كَالْأَعْلَامِ) معنى آخر وهو الأعلام أنفسها، وهو أن جعل السفن سببا وطريقًا للوصول إلى منافع بعدت منهم، وصعبت عليهم، فإذا حمل فيها الأحمال من بلد إلى بلد آخر ومن مكان إلى مكان يسر أهل المحمول إليهم بتلك الأحمال والسفن إذا رأوها في البحار تحمل إليهم؛ لسعة يرجون بها ومنافع تصل لهم، وكذلك يسر أهل البلد المحمول إذا رأوها راجعة إليهم سالمة؛ لما يحصل لهم من الأثمان والأغراض بها، فتكون السفن أعلامًا وأدلة لهم على الوصول إلى الأغراض والمنافع، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) يذكر فضله ومنته بما أجرى هذه السفن في البحار التي ذكر، فأخبر أنه لو شاء لأمسكها ومنعها على الجريان ثم صير الريح نوعين: أحدهما: طيبة بها تجري السفن. والأخرى: عاصفة شديدة تهلك بها السفن، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله - تعالى -: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ...) الآية. ثم في ذلك خلال ثلاث تدل على أن الريح ليست تجري السفن وتهب بطبعها وبنفسها، ولكن باللَّه تعالى -: أحدها: أخبر أنه جعل نوعًا منها طيبة تجري السفن، والأخرى عاصفة، تهلك السفن، وتهيج الأمواج. والثاني: ما ذكر في هذه الآية: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ) أخبر أنه لو شاء لأسكن الريح فبقين رواكد على ظهر الماء؛ فدل أنه هو المجري لها حيث كان هو المسكن. والثالث: أن فعل الطبيعي على سنن واحد كالحرارة في النار، والبرودة في الثلج وأمثال ذلك، ولو كان جريان الريح وهبوبها بنفسها وطبعها، لكانت لا تسكن في حال، ولا تكون مرة طيبة سالمة، ومرة شديدة عاصفة مهلكة؛ دل أن ذلك كان باللَّه - تعالى - لا بالطبع، واللَّه الموفق.

الشورى 42:34

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: سمى المؤمن: صبورًا شكورًا. والثاني: سمى من صبر على ما أصاب من الشدائد والمصائب التي ذكر: صبورًا، ومن شكر ما ذكر من النعم في السفن وغيرها: شكورًا، واللَّه أعلم. وقوله: (رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ) قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: أي: وقوف، وصرفه: ركد يركد ركدا وركودًا. وقوله: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) جائز أن يكون هذا صلة ما ذكر من السفن الجواري في البحر؛ حيث قال: (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ) ويقول: إن شاء أسكن الريح التي بها تجري السفن في البحار فبقين رواكد في الماء، وإن شاء أرسل ريحًا عاصفة شديدة فيهلكن -يعني: السفن- وأراد: أهل السفن؛ بما كان منهم؛ يخبر أن له أن يفعل ما ذكر من الإهلاك في البحر أو الإبقاء فيه، لكنه بفضله ينجي من أنجى وأخرج سالمًا، واللَّه أعلم. وكذا قال أَبُو عَوْسَجَةَ (يُوبِقْهُنَّ) أي: يهلك أهل السفن. ويحتمل أن يكون ذلك صلة ما تقدم من قوله - تعالى -: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) فيكون ما يصيبهم من المصيبة ما بلغت النفس أو مما لم تبلغ النفس؛ فيكون كل ذلك لهم من كسب أيديهم على ما ذكر، ثم أخبر أنه يعفو عن كثير مما كسبت أيديهم مما يستوجبون الإهلاك ويتجاوز عنهم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) المجادلة في آياته تخرج على وجهين: أحدهما: أن يجادلوه في تقدير أحكام اللَّه - تعالى - وفهم ما ضمن فيها، وذلك ممدوح محمود، وهو كقوله - تعالى -: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا)، فهذه المجادلة، والمراء المذكور في هذا محمود. والمجادلة الثانية: هي المجادلة في دفع أحكام آيات اللَّه - تعالى - عن فهم ما ضمن أفيها، وهي مذمومة، وما ذكر هاهنا من قوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا) هي المجادلة في دفع أحكام آياته، ثم أخبر أنه لا محيص لهم ولا ملجأ من عذاب الله بمجادلتهم في دفع آياته والمنع عن فهم ما فيها.

الشورى 42:35

الآية ٣٥ وقوله تعالى :﴿ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص﴾ المجادلة في آياته تخرّج على وجهين : أحدهما : أن يجادلوه في تقدير أحكام الله تعالى وفهم ما ضُمّن فيها ؛ وذلك ممدوح محمود، وهو كقوله تعالى :﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقوله تعالى :﴿فلا تُمار فيهم إلا مراءً ظاهرا﴾ [الكهف: ٢٢] فهذه المجادلة والمِراء المذكور في هذا محمود. والمجادلة الثانية هي المجادلة في دفع أحكام آيات الله عن فهم ما ضُمّن [ فيها ](١) وهي مذمومة. وما ذُكر ههنا في دفع آيات الله والمنع عن فهم ما فيها. ١ ساقطة من الأصل وم..

الشورى 42:36

قوله تعالى: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وقوله: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن اللَّه - تعالى - أعطى من أعطى هذه النعم واللذات في هذه الدنيا؛ ليكتسبوا بها نعمة دائمة ولذة باقية، وكذلك ما أعطاهم من السمع، والبصر، وغير ذلك من الحواس؛ ليكتسبوا بها ما يدوم ويبقى، فمن استعمل ما أعطاه من الأموال واللذات مما ذكرنا في غير ما أمر به وجعل سمي: خاسرًا عابثًا، وكذلك من استعمل ما أعطاه من الحواس في غير ما جعلت وأمر باستعمالها يسمّى: أصم أبكم أعمى، وكذلك النفس؛ إذ المرء لم يكتسب بها حياة دائمة سمي: ميتًا، واللَّه أعلم. أو أن يقال: إنهم ما أعطوا في هذه الدنيا من اللذات والمتعة إلا ترغيبًا فيما أبقى عنده ووعدهم في الآخرة، وكذلك ما امتحنوا من الشدائد والمصائب إلا تحذيرًا وترهيبًا عما أوعدهم وخوفهم في الآخرة. ثم قوله: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: تتمتعون به فيفنى ويزول عن سريع وما أبقى، ولم يؤتكم هو الباقي الدائم، ثم بين أن ما أبقى عنده لمن؟ بقوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) آمنوا بأن له الدنيا والآخرة، وأن له الخلق والأمر، وأنه بريء عن جميع معاني الخلق (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، أي: يكلون أمورهم إلى ربهم، هو مفزعهم ومعتمدهم، لا يفزعون إلى أحد سواه، ولا يعتمدون غيره في جميع أحوالهم. ثم نعتهم - أيضًا - بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش فقال: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) جائز أن يكون ما ذكر من كبائر الإثم هي الفواحش، والفواحش هي كبائر الإثم، كل واحد منهما في معنى الآخر، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كبائر الإثم: أنواع ما بها يصير المرء مشركًا، وهي كبائر الشرك، والفواحش هي التي توجب الحدود في الدنيا. وقيل: الكبيرة: ما يكبر ويعظم عن الذنب، والفاحشة: ما يفحش من العمل، وقد

الشورى 42:37

الآية ٣٧ ثم نعتهم أيضا بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش، فقال :﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم﴾ هي الفواحش ﴿والفواحش﴾ هي كبائر الإثم، كل واحد منهما في معنى الآخر، والله أعلم. وقال بعضهم :﴿كبائر الإثم﴾ أنواع : ما بها يصير المرء مُشركا، وهي كبائر الشرك ﴿والفواحش﴾ هي التي توجب الحدود في الدنيا. وقيل : الكبيرة ما يكبُر، ويعظم من الذنب، والفاحشة ما يفحش من العمل، وقد ذكرنا وجوها في ذلك في ما تقدم في سورة النساء، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ أي إذا غضبوا هم مما يرجع إلى الأموال والأنفس وأمر الدنيا يغفرون، ويتجاوزون عن ذلك. فأما ما يُرجع ذلك الغضب إلى أمر الدين فإنه لا يسع المغفرة عن ذلك [ ولكن ](١) يجب الرجوع والتوبة إلى الله، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل..

الشورى 42:38

ذكرنا وجوهًا في ذلك فيما تقدم في سورة النساء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) أي: إذا ما غضبوا هم مما يرجع إلى الأموال والأنفس وأمر الدنيا - يغفرون، ويتجاوزون عن ذلك، فأما ما يرجع ذلك الغضب إلى أمر الدِّين فإنه لا يسع المغفرة عن ذلك، ولكن يجب الرجوع والتوبة إلى اللَّه، واللَّه - تعالى - أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) أي: أجابوا لربهم إلى ما دعاهم ربهم، وقد دعاهم إلى دار السلام بقوله: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ)، لكن جعل لإجابتهم شرائط وأعلامًا فمن وفي بها استوجب الموعود، وهو كقوله - تعالى -: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ...) الآية، (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ...)، إلى آخر ما ذكر؛ فعلى ذلك علم إجابتهم لربهم وشرطها ما ذكر من قوله - تعالى -: (وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ...) إلى آخر ما ذكر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ذكر بعضهم أن الأنصار كانوا يتشاورون فيما بينهم ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عنهم غائب، فنزل هذا مدحًا لهم على فعلهم. وذكر عن الحسن أنه تلا هذه الآية: قوله: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) قال: واللَّه ما شاور قوم قط إلا هداهم اللَّه - تعالى - لأفضل ما بحضرتهم. وأصله: أن اللَّه - تعالى جل وعلا - أمر رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يشاور صحابته حيث قال: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ). وقال الحسن: ما شاور قوم في أمر قط إلا هداهم اللَّه - تعالى - لأفضل ما بحضرتهم؛ لأن المشاورة اجتماع العقول والأذهان، وإذا اجتمعت كانت إلى استدراك الحق والصواب أسرع وأبلغ مما لو انفرد كل عقل بنفسه، واللَّه أعلم. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) أي: يتشاورون فيه. وقوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ): ظاهر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) صير المنتصر من الباغي، والغافر لمظلمة من ظلمه جميعًا في الذين استجابوا لربهم إلى ما دعاهم إليه، والمنتصر مستوفي حقٍّ جعل له، والغافر تارك الحق، لكن إذا جعل له الاستيفاء دخل فيما ذكر من المستجيبين لله تعالى، لكن تارك الحق أفضل من مستوفي الحق، وعلى ذلك حث اللَّه - تعالى - رسوله بالعفو عن المظلمة وترك الانتصار والمكافأة، وأخبر أنه من عزم الأمور؛

الشورى 42:39

الآية ٣٩ وقوله تعالى :﴿والذين إذا أصابهم البغيُ هم ينتصرون﴾ صيّر المنتصر من الباغي والغافر لمظلمة من ظُلمه جميعا في الذين استجابوا لربهم إلى ما دعاهم إليه، والمنتصر مستوفي حق جُعل له، والغافر تارك الحق. لكن إذ جعل له الاستيفاء دخل في ما ذكر من المستجيبين لله تعالى. لكن تارك الحق أفضل من مستوفي الحق. وعلى ذلك حثّ الله تعالى رسوله [ على العفو ](١) عن المظلمة وترك الانتصار والمكافأة. وأخبر أنه من عزم الأمور حين(٢) قال :﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ [الشورى: ٤٣]. ويحتمل أن يكون قوله تعالى :﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ [الشورى: ٣٧] راجعا(٣) إلى الأذى باللسان من نحو الشتيمة والسّبّ والذي لا يترك(٤) في النفس /٤٩٣-أ/ أثرا حثّهم على المغفرة والعفو، ومدحهم على ذلك. وقوله تعالى :﴿والذين إذا أصابهم البغيُ هم ينصرون﴾ راجع إلى ما يؤثّر في النفس والأبدان تأثيرا من الجِراحات وغيرها(٥)، جثّهم على العفو في ما يرجع إلى الأذى باللسان وألاّ يكافئوهم على ذلك. وفي ما رجع إلى الأنفس والأبدان جعل لهم الاستيفاء والانتصار، وإن كان ترك الاستيفاء والعفو عن الكل أفضل على ما قال :﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ١ في م: بالعفو، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل وم: حيث.. ٣ في الأصل وم: راجع.. ٤ في الأصل وم: يؤثر.. ٥ في الأصل وم: وغيرهم..

الشورى 42:40

حيث قال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) راجع إلى الأذى باللسان؛ من نحو الشتيمة، والسب، والذي لا يؤثر في النفس أثرا، حثهم على المغفرة والعفو، ومدحهم على ذلك. وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) راجع إلى ما يؤثر في الأنفس والأبدان تأثيرًا من الجراحات وغيرها، حثهم على العفو فيما يرجع إلى الأذى باللسان، وألا يكافئوهم على ذلك، وفيما رجع إلى الأنفس والأبدان جعل لهم الاستيفاء والانتصار، وإن كان ترك الاستيفاء والعفو عن الكل أفضل؛ على ما قال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). وقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) سمى الثانية: سيئة وإن لم تكن في الحقيقة سيئة؛ لأنها جزاء السيئة؛ فسمّاها باسم الأولى. أو سماها: سيئة؛ لأنه لو لم تكن الأولى كانت سيئة ثانية - أيضًا - فسماها على ما هو في نفسها من باب الإضرار والضرر - سيئة في نفسه، وإن كان حسنًا لغيره، واللَّه أعلم. ويشبه أن يكون سماها بما ذكر؛ لاختلاف الأحوال: هي عند الذي يقتص منه ويُجَازَى بها سيئة، وتلك الحال عنده سيئة، وهو كقوله - تعالى -: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، سمى حالة الضيق والشدة: سيئة؛ لأنها عندهم سيئة، وحال السعة والرخاء: حسنة؛ لأنها عندهم حسنة، وإن لم تكن تلك الحال في الحقيقة سيئة، لكنه سماها: سيئة على ما عندهم؛ فعلى ذلك جائز أنه سمى الثانية: سيئة؛ لما هي عند المفعول به سيئة، واللَّه أعلم. وقوله: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ) هو ما ذكرنا أنه وإن جعل لهم حق الاستيفاء والانتصار، فالعفو عن ذلك أفضل. ثم فيه دلالة ألا يجمع بين العفو وأخذ البدل إذا لم يكن من الآخر الرضا بذلك؛ لأنه قال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ) أخبر أنه إذا عفا عنه يكون أجره على اللَّه فليس له أن يأخذ من المعفو عنه شيئًا، واللَّه أعلم. فهو ينقض على من يقول بأنه يأخذ البدل من الجاني شاء أو أبى، وأن يعفو عنه ويأخذ البدل، واللَّه أعلم. وقوله: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) لأنه لا يحب الظلم، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن أخذ ما ليس له أَخْذُه فهو ظالم.

الشورى 42:41

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) أي: أُولَئِكَ ما عليهم من حجة، أوما عليهم من تبعة. وقوله: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) إنما الحجة والتبعة على الذين يظلمون الناس ابتداء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: يأخذون من الناس ما ليس لهم أن يأخذوا؛ فالتبعة والحجة عليهم، فأما من يأخذ حقًّا وجب له واستوفاه فلا تبعة عليه ولا حجة. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويفسدون في الأرض). وقوله: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) أي: من صبر على الأذى والمظلمة وعفا عنها وتجاوز فإن ذلك من عزم الأمور؛ أي: ذلك من تحقيق الأمور وإحكامها. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ) أي: من أضله اللَّه لما آثر ولاية الشيطان، لا وفي له سواه بعده يرشده، أو لا ولي ينفعه من بعده، وهو كما قال: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ)، أخبر أن سلطان الشيطان على من يتولاه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ) قال أهل التأويل: أي: هل إلى رجوع الدنيا من سبيل، يقولون: يسألون ربهم الرجوع إلى الدنيا. والأشبه أن يكون سؤالهم الرجوع إلى المحنة التي امتحنوا في الدنيا قبل موتهم؛ أي:

الشورى 42:42

الآية ٤٢ وقوله تعالى :﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾ إنما الحجة والتّبعة على الذين يظلمون الناس ابتداء. وقوله تعالى :﴿ويبغون في الأرض بغير حق﴾ أي يأخذون من الناس ما ليس لهم أن يأخذوا، فالتّبعة والحُجّة عليهم. فأما من يأخذ حقا، وجب له، واستوفاه، فلا تبعة عليه، ولا حجة. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه :﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾ ويفسدون في الأرض.

الشورى 42:43

الآية ٤٣ وقوله تعالى :﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ أي من صبر على الأذى والمظلمة، وعفا عنها، وتجاوز، فإن ذلك من عزم الأمور، أي ذلك من تحقيق الأمور وإحكامها(١). ١ في الأصل وم: وإحكامه..

الشورى 42:44

الآية ٤٤ وقوله تعالى :﴿ومن يُضلل الله فما له من وليّ من بعده﴾ أي من أضله الله لما آثر ولاية الشيطان فلا(١) وليّ له سواه بعده يرشده، وهو كما قال :﴿إنما سلطانه على الذين يتولّونه﴾ [النحل: ١٠٠] أخبر أن سلطان الشيطان علة من(٢) يتولاّه. وقوله عز وجل :﴿وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مردّ من سبيل﴾ قال أهل التأويل : أي هل إلى رجوع الدنيا من سبيل ؛ يقولون : يسألون ربهم الرجوع إلى الدنيا. والأشبه أن يكون سؤالهم الرجوع إلى المِحنة التي امتُحنوا في الدنيا قبل موتهم، أي سألوا أن يكلّفهم، ويمتحنهم في الآخرة ليُظهروا الطاعة لله تعالى في أوامره ونواهيه، والله أعلم. ١ الفاء ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: ما..

الشورى 42:45

سألوا أن يكلفهم ويمتحنهم في الآخرة؛ ليظهروا الطاعة لله - تعالى - في أوامره ونواهيه، واللَّه أعلم. وقوله: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) قال أهل التأويل: يعرضون على النار قبل أن يدخلوها؛ كقوله - تعالى -: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)، وكقوله - تعالى -: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ)؛ لأن اللَّه - تعالى - أذلهم في الآخرة بما اختاروا في الدنيا من سوء صنيعهم، وأعطوا أنفسهم شهواتهم ومناهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) يحتمل ما ذكر من نظرهم من طرف خفي ما ذكر في آية أخرى: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)؛ هو لشدة هولهم وفزعهم في ذلك اليوم لا يرفعون رءوسهم، ولا ينظرون إلى موضع. ويحتمل أن يكون قوله: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) أي: لا ينظرون إلى الناس، ولا يقبلون بوجوههم إليهم إلا نظر التلصص والتغفل؛ حياء منهم؛ لسوء فعالهم، وهكذا المعروف في الناس؛ لأن من صنع إلى آخر سوءًا لا يتهيأ له رفع الطرف إليه ونظره إليه متصلا إلا على التلصص منه والتغفل؛ فعلى ذلك أُولَئِكَ، واللَّه أعلم. وقال بعض أهل التأويل: إنهم يحشرون عميًا؛ فلا يرون بأعينهم، إنما يرون بقلوبهم، وهو الطرف الخفي. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ)، أي: قد غضوا أبصارهم من الذل. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: ينظرون نظرًا مستقيمًا، واللَّه أعلم. وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...)، الآية. يخرج ما ذكر من خسران أنفسهم وأهليهم على وجوه: أحدها: ما ذكر بقوله - تعالى -: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)، أمروا بأن يقوا أنفسهم وأهليهم النار، فهم حيث لم يقوا ما ذكر من الأنفس والأهل خسروا، والله أعلم.

الشورى 42:46

والثاني: قوله: (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ) أي: خسروا بسبب أنفسهم، وبسبب أهليهم؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)؛ لما يعملون أمورًا بسبب الأموال والأولاد والأزواج، هي فتنة لهم، وكقوله: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ)، فقد يخسر الرجل ويصير مؤاخذًا بسبب هَؤُلَاءِ. والثالث: يحتمل أن يكون خسرانهم أنفسهم وأهليهم ما قالوا: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا)، وقوله: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى)، خسر ما كان رجاه وطمع أن له عند ربه في الآخرة للحسنى. على هذه الوجوه الثلاثة يخرج تأويل الآية. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: ليس من أحد من كافر ومسلم إلا وله أهل ومنزل في الجنة، فإن أطاع اللَّه - تعالى - أتى منزله وأهله، وإن عصاه خسر نفسه وأهله، ومنزله في الجنة وورثه المؤمنون عنه. لكن لا يحتمل أن يكون اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - مع علمه أنه يموت كافرًا أن يجعل له الأهل والمنزل في الجنة، اللهم إلا أن يفعل ذلك ليكون لهم حسرة على ذلك وغيظًا. وقوله: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ... (٤٦) يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما كان للأصنام التي عبدوها دون اللَّه تعالى ولاية النصر لهم وقدرة دفع العذاب عنهم؛ لأنهم كانوا يعبدونها في الدنيا رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وأن تزلفهم، فأخبر اللَّه - تعالى - أن ليس لها ولاية النصر لهم؛ على ما رجوا وطمعوا من عبادتها الشفاعة لهم والدفع عنهم، واللَّه أعلم. والثاني: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: ما كان للرؤساء الذين اتخذوهم في الدنيا أربابًا ولايةُ النصر لهم؛ لأنهم لا يملكون دفع ذلك عن أنفسهم، فكيف يملكون دفع ما نزل بأتباعهم؛ يخبر أن ليس لهم ولاية دفع العذاب عنهم، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) يحتمل قوله: (فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) أي: من حجة، أي: من أضله اللَّه، فلا حجة له أن يقول: إنك أضللتني؛ لأنه إنما يضله لما يختاره ويؤثره. والأصل: لا أحد يفعل ما يفعل من المعاصي وقت فعله لأن اللَّه تعالى قضى له ذلك أو أراده، أو قدره وقضاه؛ إنما يفعله لغرض له وهواه؛ فلم يكن له الاحتجاج عليه بذلك، وباللَّه العصمة.

الشورى 42:47

والثاني: أنه ليس له حجة عليه بذلك؛ لأنه يعلم أنه لو خيّر بين ما يريد أن يختاره ويؤثره وبين ضدّ ذلك، لكان يختار ذلك على ضده، ويختار تحصيله، ويؤثره على ترك ذلك، فكيف يكون له حجة بذلك؟ واللَّه الموفق. ويحتمل قوله: (فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) أي: من أضله اللَّه - تعالى - فما له إلى الهدى من سبيل أي: ليس له سبيل، ولكن عليه السبيل؛ أي: لا يملك أحد إرشاده. ويحتمل: أي: من أضله اللَّه فما له من سبيل؛ أي: ليس له سبيل، ولكن عليه السبيل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) أي: أجيبوا له، وقد ذكرناه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ...) الآية. هذا يخرج من وجهين: أحدهما: أي: أجيبوا له من قبل أن يأتي يوم لا يملك أحد ردّ ذلك اليوم إذا أتاهم؛ لأنه هو اليوم الذي يجزي فيه الخلائق، وفيه أهوال وأفزاع؛ يقول: لا أحد يملك ردّ ذلك اليوم؛ واللَّه أعلم. والثاني: أي: أجيبوا من قبل أن يأتي يوم لا مرد لما ينزل فيه بهم من العذاب والعقاب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ) هذا - أيضًا - يخرج على وجهين: أحدهما: أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام في الدنيا؛ لتكون لهم شفعاء، وملجأ يلتجئون إليها؛ يقول: ما لكم من أُولَئِكَ الأصنام ملجأ تلتجئون إليها بل تكونون كما ذكر في آية أخرى: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، وقوله - تعالى -: (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ...) الآية، واللَّه أعلم. والثاني: (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ) أي: ما لهم من حيل يحتالون بها دفع ما نزل بهم من العذاب، على ما يكون في الدنيا من حيل يحتالون بها دفع ما نزل بهم من البلاء والشدائد، وباللَّه النجاة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ). هذا - أيضًا - يخرج على وجهين: أحدهما: أي: لا يملكون أن ينكروا على اللَّه - تعالى - ما يفعل بهم؛ لأنه إنما يفعل بهم ذلك بما كسبت أيديهم؛ فلا يقدرون على إنكار ذلك على اللَّه تعالى. والثاني: (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) أي: ما لكم من تغيير؛ أي: ما يملكون دفع ذلك

الشورى 42:48

عن أنفسهم، ولا منعه وتغييره. وقيل: لا يملكون أن يمنعوا اللَّه - تعالى - عما يريد أن يفعل بهم، وهو ما ذكرنا. وقوله - تعالى -: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨) أي: إن تولوا عن إجابتك إلى ما تدعوهم إليه (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل: أي: فما أرسلناك لأنْ تحفظ عليهم أفعالهم وأعمالهم (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) أي: ما عليك إلا التبليغ، إنما حفظ أعمالهم وأفعالهم على الملائكة الذين جعلوا حفاظًا عليهم، وهم الكرام الكاتبون. والثاني: (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) يحتمل: فما أرسلناك لأنْ تمنعهم عما يفعلون حسًّا، إنما عليك البلاغ فحسب وبيان الحق، وأنت غير مؤاخذ بما يفعلون، وهو كقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)، ونحو ذلك. وقوله: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا) إن كان هذا في المسلم فيكون قوله: (فَرِحَ بِهَا) أي: رضي بها، وسُر بها، وإن كان في الكافر فيكون له فرح بها؛ أي: بطر بها وأشر. وقوله: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) وهذا - أيضًا - إن كان في المسلم فإنه إذا أصابه شدّة أو بلاء ينسى ما كان إليه من اللَّه - تعالى - من النعمى، فجعل يشكو مما أصابه، فهو كفور للنعم التي كانت له من قبل ذلك. وإن كان في الكافر فهو ظاهر أنه كفور لنعمه وإحسانه أجمع، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) وقوله: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يخبر أنه بما يأمرهم وينهاهم، وبما يمتحنهم بأنواع المحن بأمر ونهي، ولا يمتحن بحاجة نفسه في جرّ منفعة، واستفادة خير، أو دفع مضرة أو بلاء؛ إذ له ملك السماوات والأرض، ولكن إنما يأمرهم وينهاهم ويمتحنهم؛ لحاجة أنفسهم في إصلاحها وفكاكها ونجاتها عن المهالك، وهو كقوله: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، يخبر بما ذكر أنه غني، لا

الشورى 42:49

الآية ٤٩ وقوله تعالى :﴿لله ملك السماوات والأرض﴾ يُخبر أنه بما يأمرهم، وينهاهم، وبما يمتحنهم بأنواع المحن، ليس يأمرهم [ ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم لحاجة ](١) نفسه في جر منفعة واستفادة خير أو دفع مضرّة أو بلاء ؛ إذ له ملك السماوات والأرض. ولكن إنما يأمرهم، وينهاهم، ويمتحنهم لحاجة أنفسهم في إصلاحها وفكاكِها(٢) ونجاتها من المهالك، وهو كقوله :﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غنيّ كريم﴾ [النمل: ٤٠] يخبر بما ذكر أنه غنيّ، لا ينفعه إيمان مؤمن، ولا يزيد في ملكه، ولا يضره كُفر كافر، لا يُنقِص من ملكه. ويحتمل أن يكون قوله :﴿لله ملك السماوات والأرض﴾ كقوله :﴿قل اللهم مالك الملك﴾ الآية [آل عمران: ٢٦] ويحتمل أن يقول :﴿لله ملك السماوات والأرض﴾ أي هو يُؤتي الملك من [ يشاء ](٣) له الملك في الدنيا، وهو ينزع ممن يشاء على ما ذكر في آية أخرى ﴿تُؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء﴾ الآية [آل عمران: ٢٦]. وفيه نقض [ قول ](٤) المعتزلة في خلق أفعال منهم وإنكارهم أن يكون فعل الله تعالى مخافة وقوع الشرك في ذلك بينهم وبين الله تعالى، فيكون ذلك فعل الله تعالى وفعل العبد ؛ إذ هو تفسير الشركة في الشاهد، فيقال لهم : إن الله تعالى قال :﴿لله ملك السماوات والأرض﴾ وقال في آية أخرى ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ [الإسراء: ١١١] أخبر أن ليس له شريك في الملك. وقد رأينا الملوك في الدنيا. ثم لم يوجب مُلك الشّركة في ملكه لاختلاف المعنى والجهات ؛ إذ حقيقة المُلك له، ولغيره ليست حقيقة(٥)، إنما له ملك الانتفاع لا على الإطلاق. فعلى ذلك أفعال العباد [ تكون خلق الله تعالى وكسبا لهم، ولا يوجب ذلك شركا فيه على ما لم يوجب ذكرنا من المُلك لهم شركا بينهم وبين الله تعالى، والله الموفّق. وقوله تعالى :﴿يخلق ما يشاء﴾ هو أيضا على المعتزلة لأنه أخبر أنه يخلق ما يشاء، وهم يقولون بأن جميع الخيرات مما شاء الله، ثم لا يجعلون ما فعل العباد ](٦) من الخيرات خلقا لله تعالى. فيكون على قولهم غير خالق لأكثر الأشياء مما شاء. وهذا لأن قوله :﴿يخلق ما يشاء﴾ إما أن يخرّج على الوصف بالرّبوبية لله تعالى والألوهية [ وإما ](٧) على وجه الوعد والخبر(٨) بأنه يخلُق ما يشاء. فإن كان على الوصف له بالربوبية ؛ فلا يكون ذلك وصف الرّبوبية ؛ إذ لا يكون خالقا لجزء من عشرة آلاف من الأشياء التي شاء أن يخلُقها. وإن كان على الوعد والخبر فيخرج الخبر كذبا على قولهم. فنعوذ بالله تعالى من السّرف في القول، والله الموفّق. وقوله تعالى :﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور﴾ يُخبر تعالى أن الأولاد جميعا من الذكور والإناث مواهب الله تعالى وهداياه، يجب أن يقبلوها منه قبول الهدايا والهبات على الشكر له والمِنّة. ثم بدأ بذكر الإناث ثم بالذكور لأن من الناس من إذا وُلد له الإناث يعد ذلك(٩) مصيبة، ويثقُل عليه. وعلى ذلك ما أخبر من الكفرة أنهم إذا بُشّروا بالأنثى ظلّت وجوههم مسودّة كقوله(١٠) تعالى :﴿وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًّا وهو كظيم﴾ [النحل: ٥٨] يخبر عن ثقل ذلك عليهم وغيظهم على ذلك. فبدأ بذكر ذلك لئلا يعدّ أهل الإسلام الأولاد(١١) الإناث مصيبة وبلاء على ما عدّها الكفرة، والله أعلم. ١ في الأصل وم: لا نهى ولا يمتحن بحاجة.. ٢ من م، في الأصل: ونكاحها.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ أدرج بعدها في الأصل وم: الملك.. ٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: أو.. ٨ من م، في الأصل: هو الخبر.. ٩ أدرجت في الأصل وم بعد: ويثقل.. ١٠ في الأصل وم: بقوله.. ١١ في الأصل وم: أولاد..

الشورى 42:50

ينفعه إيمان مؤمن، ولا يزيد في ملكه، ولا يضره كفر كافر، ولا ينقص من ملكه. ويحتمل أن يكون قوله: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) كقوله: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ...) الآية. ويحتمل أن يقول: له ملك السماوات والأرض؛ أي: هو يؤتي الملك من له الملك في الدنيا، وهو ينزع عمّن يشاء؛ على ما ذكر في آية أخرى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ...) الآية. وفيه نقض قول المعتزلة في خلق أفعال العباد منهم، وإنكارهم أن يكون فعل اللَّه - تعالى - مخافة وقوع الشرك في ذلك بينهم وبين اللَّه - تعالى - فيكون ذلك فعل اللَّه - تعالى - وفعل العبد؛ إذ هو تفسير الشركة في الشاهد. فيقال لهم: إن اللَّه - تعالى - قال: له ملك السماوات والأرض، وقال في آية أخرى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)، وقد رأينا الملوك في الدنيا، ثم لم يوجب ذلك الشركة في ملكه؛ لاختلاف المعنى والجهات؛ إذ حقيقة الملك له، ولغيره ليست حقيقة الملك، إنما له ملك الانتفاع، لا على الإطلاق؛ فعلى ذلك أفعال العباد من الخيرات خلقًا لله تعالى، فيكون على قولهم غير خالق لأكثر الأشياء مما شاء؛ وهذا لأن قوله: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) إما أن خرج على الوصف بالربوبية لله تعالى والألوهية، أو على وجه الوعد والخبر بأنه يخلق ما يشاء. فإن كان على الوصف له بالربوبية؛ فلا يكون ذلك وصف الربوبية؛ إذ لا يكون خالقًا لجزء من عشرة آلاف من الأشياء التي شاء أن يخلقها، وإن كان على الوعد والخبر فيخرج كذبًا على قولهم، فنعوذ باللَّه تعالى من السرف في القول، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) يخبر - تعالى - أن الأولاد جميعًا من الذكور والإناث مواهب اللَّه - تعالى - وهداياه، فيجب أن يقبلوها منه قبول الهدايا والهبات على الشكر له والمنة، ثم بدأ بذكر الإناث ثم بالذكور؛ لأن من الناس من إذا ولد له الإناث يعدها مصيبة، ويثقل ذلك عليه، وعلى ذلك ما أخبر عن الكفرة أنهم إذا بشروا بالأنثى ظلت وجوههم مسودة بقوله - تعالى -: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ)، يخبر عن ثقل ذلك عليهم، وغيظهم على ذلك فبدأ بذكر ذلك؛ لئلا يعد أهل الإسلام الأولاد الإناث مصيبة وبلاء على ما عدها الكفرة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠) التزويج: هو الجمع بين الشكلين

الشورى 42:51

والمتماثلين في الحقيقة، وقد يسمى التزويج بين المتضادين مجازًا - واللَّه أعلم - فيكون معنى قوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) أي: يقرن ويجمع بين الإناث والذكور، فيهب له من النوعين جميعًا حالة واحدة. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا)، أي: يجعل بعضهم بنين وبعضهم بنات، تقول العرب: زوجت أهلي: إذا قرنت بعضها ببعض، وزوجت الكبار بالصغار إذا قرنت كبيرًا بصغير. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) والعقيم من النساء: التي لا تلد، وهي لا توصف بالبركة، ويقال: إنها ليست مباركة، لا يرغب فيها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (عَلِيمٌ): بإنشاء الأولاد والإناث في الرحم، (قَدِيرٌ) على ذلك. أو (عَلِيمٌ) بمصالح الخلق، (قَدِيرٌ): لا يعجزه شيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) كأن هذا إنما ذكر وأخبر عن نازلة أو سؤال كان عن كيفية الرسالة، وهل الرسل - عليهم السلام - يرون ربهم ويشاهدونه ويشافهونه؟ فأخبر أنه ليس من البشر من يكلمه إلا بالطرق الثلاثة التي ذكرها، والسؤال وقع عن الرؤية في الدنيا، فيكون الجواب بناء على السؤال، واللَّه أعلم. ثم قوله: (إِلَّا وَحْيًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا وَحْيًا): ما يرى في المنام، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - حقيقة. وقوله: (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) نحو ما كلم موسى - عليه السلام - ألقى في مسامعه صوتًا مخلوقًا على ما شاء وكيف أشاء، من غير أنْ كان ثَمَّ ثالثٌ. وقوله: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) أي: يرسل ملكا يخبره عن اللَّه - تعالى - وطرق الرسول إلى معرفة ذلك في الدنيا الوجوه التي ذكرنا: إما الإلهام، وإما الإلقاء في المسامع، وإما رسول يرسل فيخبر عن أمره وكلامه، فأما أن يحتمل وسع أحد رؤيته أو يشافهه أو يعاينه في الدنيا فلا، واللَّه الموفق. ثم اختلف في قوله: (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: الحجب أنفسها هي حقيقة الحجب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحجاب: هو عجزهم عن احتمال رؤيته؛ لأن اللَّه - تعالى - أنشأهم على بنية وخلقة لا تقوم أنفسهم القيام لذلك على ما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - حيث قال

الشورى 42:52

لموسى - عليه السلام -: (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، أي: فإن احتمل ذلك فاحتمل ما سألت، واللَّه أعلم. وفي الآية: أن اللَّه - تعالى - يكون مكلمًا للبشر بالرسول، وإن لم يشافهه المرسل، وكأن ذلك تسمية بطريق المجاز؛ إذ لم يكن في الحقيقة كلام الرسول كلام المرسل، وكذلك في قوله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، لا يكون ما يسمع من الرسول - عليه السلام - كلام اللَّه حقيقة، وكذا ما يقال: سمعت من فلانة قول فلان، أو حديث فلان كله، على المجاز، ليس على التحقيق، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون سبب نزول قوله: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا...) والآية - قول أُولَئِكَ الكفرة؛ حيث أخبر اللَّه - تعالى - بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ...) الآية، وقولهم: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا)، سألوا أن يروا ربهم جهارًا، فقد حجبوا عن رؤية اللَّه - تعالى - في الدنيا والآخرة، حيث قال: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)، وسألوا أن يكلمهم شفاها، فأخبر أنه لا يكلم أحدًا شفاهًا، ولكن يكلم بما ذكر من الأوجه الثلاثة؛ حيث قال: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) ردًّا عليهم، فأخبر اللَّه - تعالى -: أن طريق تكليمه الخلق في الدنيا هذه الوجوه التي ذكرنا، وقد كلم البشر من هذه السبيل والطريق التي ذكر؛ حيث قال: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)، أخبر أنه أنزل إليهم ما ذكر، كما أنزل على الرسول، وحيث قال: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ...) الآية، وغير ذلك من الآيات مما يكون كأنه قد كلمهم بما ذكر، كما كلم الرسل من الوجوه التي ذكر. وقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) كأنه يقول: هكذا أوحينا إلى الرسل الذين من قبلك بالوجوه والطرق التي ذكرنا كما أوحينا إلى الذين من قبلك. وقوله: (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا). قَالَ بَعْضُهُمْ: (رُوحًا) جبريل بأمرنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أوحينا إليك أمرًا من أمرنا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) أي: الكتاب الذي أنزله عليه وأوجبه إليه، سماه: روحًا؛ لأنه يحيي به أن دين، وتكون به حياة الدِّين، ويحيي به الأبدان، وهو حياة الذكر والشرف، وهو كقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ). ، حياة الذكر والشرف، واللَّه أعلم. وقوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) أمَّا الكتاب فإنه لا شك أنه كان لا يدريه ولا يعلمه حتى أدراه وأعلمه، وأمَّا الإيمان حيث أخبر أنه لا يدريه فهو يحتمل وجوهًا: أحدها: ما كنت تدري ما الإيمان؟ في حق اللسان. أو ما كنت تدري ما الإيمان؟ في حق الإيمان. أو ما كنت تدري ما الإيمان؟ في حق قدره ومحله ومنزلته عند اللَّه تعالى. فإن كان المراد في حق اللسان، فهو ظاهر أنه كان لا يدري في حق ابتداء الأمر أن الإيمان هو التصديق أو التوحيد، أو ما هو؟ وهو معروف أنه كان لا يدريه في حق اللسان حتى أدراه وأعلمه أنه ماذا؟ وكذلك جميع أهل اللسان، لا علم لهم بذلك حتى علمهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فنزل جبريل، وسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ على صورة أعرابي حتى قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن هذا كان جبريل نزل ليعلمكم معالم دينكم "، والله أعلم. وإن كان في حق فعل الإيمان ومباشرة ركنه، فهو إذن كان غير قادر على فعله وإتيانه على هذه وكان لا يدري، لكنه لا يدريه فإنه لا يوصف بالجهل به؛ ألا ترى أن الصغار لا يدرون، ولا يقال: إنهم جهلة، وإنَّمَا يوصف بالجهل من ملك الفكرة والنظر وأسباب العلم ثم ترك ذلك، فعند ذلك يوصف بالجهل، فأما من لم يملك ذلك ولم يبلغ هذا المبلغ فإنه لا يوصف بالجهل؛ ألا ترى أنه يقال للأعراض والأشياء: إنها لا تدري ولا توصف بالجهل؛ فعلى ذلك يجوز أن يوصف ويقال: إنه كان لا يدري، ولا يوصف ولا يقال: إنه كان جاهلا به، واللَّه أعلم. ألا ترى أن الولد في البطن لا يوصف بأن له سمعًا وبصرًا ونحوه؛ لأنه ليس بمحل للسماع والبصر، فإذا أخرج منه عند ذلك يجعل له لما مكن من السماع والبصر، وهو ما ذكر بقوله: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ)، عندما مكن لهم ذلك. وإن كان المراد: أنه لا يدري في حق المحل والمنزلة والقدر، فهو هكذا كان لا يدري

الشورى 42:53

ما محل الإيمان وقدره عند اللَّه تعالى؟ حتى أدراه وأعلمه محله ومنزلته، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) فإن كان المراد هو الإيمان فهو نور بالحجج والبرهان، وهو كما ذكر: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ). وإن كان المراد هو الكتاب، فهو نور لما يرفع جميع حُجب القلوب وسواترها عمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم. وقوله: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ) من علم أنه يختاره شاء أن يهديه. ثم قوله: (نَهْدِي بِهِ) يحتمل: القرآن. ويحتمل الإيمان نفسه؛ أي: يجعله بالإيمان مهتديًا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). قوله: (لَتَهْدِي) يحتمل: لتدعو، أو لتبين لهم الصراط المستقيم، ثم فسره بقوله - تعالى -: (صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ... (٥٣) لم يفهم من صراط اللَّه ما يفهم من صراط الخلق، أو صراط فلان، فكيف يفهم من مجيئه أو إتيانه ما يفهم من مجيء الخلق أو إتيانه، فهذا يدل أن لا كل ما أضيف إلى اللَّه - تعالى - يفهم منه ما يفهم مما يكون من الخلق، واللَّه أعلم. وقوله - عزَّ وجلَّ -: (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ). يحتمل: ألا إلى اللَّه يرجع تدبير الأمور. ويحتمل: ألا إلى اللَّه تصير الأمور في الآخرة، وهو البعث، واللَّه أعلم بالصواب. * * *

الزخرف 43:1

سُورَةُ الزُّخْرُفِ ذكر أن سُورَةَ الزُّخْرُفِ كلها مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢). قال قتادة: هو اسم السورة. وقال غيره: (حم) قضى ما هو كائن، وقد ذكرناه. وقوله: (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ). قال قتادة: مبين بركته وهداه ورشده. وقَالَ بَعْضُهُمْ: مبين بين الحلال والحرام، وما يؤتى وما يتقى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: مبين بين الحق والباطل. وهو عندنا مبين بأنه من اللَّه - تعالى - ليس هو من تأليف البشر، ولا من توليدهم، ولكنه من اللَّه تعالى حيث عجزوا عن إتيان مثله، واللَّه الموفق. وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) كأنه يقول: جعلنا ذلك الكتاب عربيًّا لعلكم تعقلون. وقيل: (جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا) أي: أنزلناه قرآنًا عربيًّا. قيل: (جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا) أي: سميناه قرآنا، ليس أن جعله قرآنا، ولكن معناه: جعلناه عربيًّا، أي: نظمناه بالعربية؛ لتعقلوا، أو سميناه: قرآنا. ثم قوله - تعالى -: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) يخرج على وجوه: أحدها: أي: أنزلناه عربيًّا على رجاء أن تعقلوا. والثاني: أنزلناه عربيًّا لتعقلوا، وذلك يرجع إلى قوم مخصوصين قد عقلوه وفهموه؛ إذ لم يعقلوه جميعًا، ولا يتصور أن ينزله ليعقلوه ولا يعقلوه، فإن ما أراد اللَّه - تعالى - يكون لا محالة، وما فعل ينفعل؛ قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ

الزخرف 43:3

الآية ٣ وقوله تعالى :﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ كأن يقول : جعلنا ذلك الكتاب ﴿عربيا لعلكم تعقلون﴾ وقيل :﴿جعلناه﴾ أي أنزلناه ﴿قرآنا عربيا﴾ وقيل :﴿جعلناه قرآنا عربيا﴾ أي سمّيناه ﴿قرآنا عربيا﴾ ليس أن جعلناه قرآنا، ولكن معناه : جعلناه عربيا، أي نظمناه بالعربية لتعقِلوا، وسمّيناه قرآنا. ثم قوله تعالى :﴿لعلكم تعقلون﴾ يُخرّج على وجوه : أحدها : أي أنزلناه عربيا على رجاء أن تعقلوا. والثاني : أنزلناه عربيا لتعقلوه ؛ وذلك يرجع إلى قوم مخصوصين قد عقلوه، وفهموه ؛ إذ لم يعقلوه جميعا. ولا يُتصوّر أن يُنزله لتعقلوه، ولا تعقلوه، فإن ما أراد الله تعالى يكون، لا محالة، وما فعل ينفعِل، قال الله تعالى :﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠]. والثالث : أنزلناه عربيا لكي نُلزمهم أن يعقلوه، ويتّبعوه، ليزول عُذرهم والاحتجاج على الله تعالى أنه كان على غير لسانه، والله أعلم. وعلى هذا يُخرّج تأويل : لعل في جميع القرآن أنه للتحقيق إذا كان من الله تعالى. فإن قيل : فعلى التأويل الأخير كيف يُخرّج قوله :﴿لعلّكم تُفلحون﴾ [ البقرة : ١٨٩ و. . . ] لا يستقيم أن يقال : لكي يُلزمكم أن تُفلحوا ؟ قيل : معناه لكي يُلزمكم السبب الذي به تُفلحون، وهو مباشرة الإيمان والطاعات، والله أعلم.

الزخرف 43:4

لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). والثالث: أنزلناه عَرَبِيًّا لكي يلزمهم أن يعقلوه ويتبعوه؛ ليزول عذرهم والاحتجاج على اللَّه - تعالى - أنه كان على غير لساننا، واللَّه أعلم. وعلى هذا يخرج تأويل " لعل " في جميع القرآن أنه للتحقيق إذا كان من اللَّه تعالى. فَإِنْ قِيلَ: فعلى التأويل الأخير، كيف يخرج قوله: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، لا يستقيم أن يقال: لكي يلزمكم أن تفلحوا؟ قيل: معناه: لكي يلزمكم السبب الذي به تفلحون، وهو مباشرة الإيمان والطاعات، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤). قوله: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ) يرجع إلى وجهين: أحدهما: أي: القرآن في أصل الكتاب، وبه أقول، وهو اللوح المحفوظ، وأم الشيء: أصله ويسمى أم القرى مكة؛ لهذا. والثاني: أي: القرآن في الكتب المتقدمة، فإن الأمهات سميت: أمهات؛ لتقدمها على الولد، وهو كقوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)، وقوله - تعالى -: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ). قال ابن عَبَّاسٍ: أي: هو أعلى الكتب وأحكمها وأعدلها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: وصف كتابه بالعظمة والمنزلة والشرف عنده. وقوله: (حَكِيمٌ) يحتمل وجهين: أحدهما: حكيم بمعنى: محكم؛ كقوله - تعالى -: (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ)، أي: بالحجج والبراهين. والثاني: سماه: حكيمًا؛ لما جعل فيه من الحكمة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) اختلف في الذكر: قَالَ بَعْضُهُمْ: القرآن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الرسول. وقَالَ بَعْضُهُمْ: العذاب والعقوبة. واختلف في قوله: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: أفنترك ونذر الذكر سدى (أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) أي: لأنكم كذا، ولأجل أنكم كذا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أفنترك الوحي لا نأمركم بشيء، ولا ننهاكم عن شيء، ولا نرسل إليكم رسولا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَفَنَضْرِبُ) أي: أفنذهب عنكم بهذا القرآن سدى، لا تسألون، ولا تعاقبون على تكذيبكم إياه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ) أي: فيمسك عنكم فلا يذكركم (صَفْحًا) أي: إعراضًا؛ وهو قول الْقُتَبِيّ؛ يقول: صفحت عن فلان: أي: أعرضت عنه، وأصل ذلك أنك توليه صفحتك؛ يقال ضربت وأضربت عن فلان: أي: أمسكته. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (أَفَنَضْرِبُ) أي: مسكت؛ ضربت وأضربت، أي: مسكت. وقوله: (صَفْحًا) أي: ردًّا؛ يقال: سألني فلان حاجة فصفحته صفحًا؛ أي: رددته، واللَّه أعلم. وبعضه قريب من بعض. ثم الأصل عندنا أن الذكر يحتمل ما قالوا فيه من المعاني الثلاثة: القرآن، والرسول، والعذاب؛ لكن لا يحتمل قوله: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) أن يخرج على الابتداء على غير تقدم النوازل؛ لأنه لا يبتدأ بمثله. ثم النوازل يحتمل أن كان منهم قول يقولون: يا مُحَمَّد، لو كان ما تقوله أنت: إنه من عند اللَّه وإنك رسوله، فكيف أنزل الكتاب أو أرسل الرسول إلينا على علم منه أنا نكذبه ونرده ولا نقبله، ومن علم من الملوك في الشاهد أنه يكذب رسوله ولا يقبل، لا يبعث الرسول، فكيف بعثك رسولا إلينا، أو أنزله عليك، أو بعثك رسولا فكذبناه وكذبناك، ورددناه ورددناك، فلا يرفعه ويرفعك دون تركه فينا؟ فيقول اللَّه - تبارك وتعالى - جوابًا لهم وردًّا لقولهم: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) ويقول: إنا لا نترككم سدى وإن علمنا منكم التكذيب والرد للرسول والوحي، ولا يمنعنا ذلك عن إنزاله إليكم، وتركه فيكم، ولا يحملنا ذلك على رفعه من بينكم؛ بل نأمركم وتنهاكم وإن كنتم تكذبونه ولا تقبلونه؛ وهذا لما ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من اللَّه - تعالى - يخرج على الإيجاب والتحقيق. وقوله: (أَفَنَضْرِبُ) أي: لا نترك إنزاله وإرساله وإن علمنا منكم التكذيب، وهو كقوله - تعالى -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)، وقوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى)، أي: لا يترك سدى، ولا تحسبون أنا إنما خلقناكم عبثًا، فعلى ذلك قوله: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) فإن كان الذكر هو القرآن أو الرسول، فالتأويل: أنه وإن علم منكم الرد والتكذيب، فلا يمنعه ذلك عن إنزاله عليكم، وبعثه رسولا إليكم، وإن أنكرتم وإن كذبتموه ورددتموه فلا يحمله ذلك على رفعه من بينكم بشرككم وكفركم، وهو كما ذكر في قوله: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)، أي: إنا وإن علمنا من أوائلكم التكذيب للرسل والكتاب، فلا يمنعنا ذلك عن إنزاله عليكم وبعثه إليكم؛ فعلى ذلك أنتم وإن علمنا منكم تكذيب الرسول وكتابه، لا يمنعنا ذلك عن إرساله وإنزاله؛ ليلزمكم الحجة، أو لعل فيكم من يصدقه ويؤمن به، أو غيركم يؤمن به ويصدقه وإن كذبتم أنتم. هذا إن كان تأويل الذكر: رسولا أو كتابًا، وإن كان تأويل الذكر: العذاب، فيصير كأنه يقول: أفنترك تعذيبكم أو نمسك عنه ولا نعاقبكم وأنتم قوم مسرفون، أي: مشركون، على ما ذكر على إثره العذاب؛ حيث قال: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) أي: قوة، معناه: عذبناهم بالتكذيب مع شدة بطشهم وقوتهم وأنتم دونهم لا تعذبون؟ بل تعذبون، والله أعلم. وعن قتادة يقول: لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة، لهلكوا، لكن اللَّه - تعالى بفضله ورحمته كرره عليهم، ودعاهم إليه كذا كذا سنة وما شاء اللَّه تعالى. وعن الحسن قال: لم يبعث اللَّه تعالى نبيًّا إلا أنزل عليه كتابًا، فإن قبله قومه وإلا رفع، فذلك قوله: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ) لا تقبلونه، فتلقته قلوب بقية، فقالوا: قبلناه ربنا قبلناه، لو لم يفعلوا ذلك رفع، ولم يترك على ظهر الأرض منه شيء. ثم القراءة العامة (أَنْ كُنْتُمْ) منصوبة الألف بمعنى: إذ كنتم، ويقرأ - أيضًا - (إن كنتم) مكسورة على (إن) الشرط ومعناه: لا نتركه ولا نمسك عن إنزاله وإن كنتم قومًا مسرفين مشركين.

الزخرف 43:5

الآية ٥ وقوله تعالى :﴿أفنضرب عنكم الذّكر صَفْحاً أن كنتم قوما مسرفين﴾ اختُلف في الذّكر ؛ قال بعضهم : القرآن. وقال بعضهم : الرسول. وقال بعضهم : العذاب والعقوبة. واختُلف في قوله :﴿أفنضرب عنكم الذّكر صفحا﴾ قال بعضهم : أفنترك، ونذر الذّكر سُدًى ﴿أن كنتم قوما مسرفين﴾ أي ألأنكم(١) كذا ولأجل أنكم كذا ؟ وقال بعضهم : أفنترك الوحي، لا نأمركم بشيء، ولا ننهاكم عن شيء، ولا نُرسل إليكم رسولا ؟ وقال بعضهم :﴿أفنضرب﴾ أي أفنذهب عنكم بهذا القرآن سُدى لا تُسألون، ولا تعاقبون على تكذيبكم إياه ؟ وقال بعضهم :﴿أفنضرب عنكم﴾ أي أفنُمسك عنكم فلا نذكركم ﴿صفحا﴾ أي إعراضا، وهو قول القتبيّ ؛ يقول : صفحت عن فلان، أي أعرضت عنه. وأصل ذلك أنك توليه صحفتك، يقال : ضربت، وأضربت عن فلان، أي [ أمسكت عنه ](٢). وقال أبو عوسجة :﴿أفنضرب﴾ أي نسكت، ضربت، وأضربت، أي سكتُّ، وقوله :﴿صفحا﴾ أي ردّا، يقال : سألني فلان حاجة، فصفحته صفحا، أي رددته، والله أعلم. وبعضه قريب من بعض. ثم الأصل عندنا أن الذكر يحتمل ما قالوا فيه من المعاني الثلاثة : القرآن والرسول والعذاب. لكن لا يحتمل قوله :﴿أفنضرب عنكم الذّكر صفحا﴾ أي يُخرّج على الابتداء على غير تقدّم النوازل لأنه لا يُبتدأ بمثله. ثم النوازل تحتمل إن كان منهم قول يقولون : يا محمد لو كان ما تقوله أنت : إنه من عند الله، وإنك رسوله، فكيف أنزل الكتاب، أو أرسل الرسول على علم منه أنّا نكذّبه(٣)، ونردّه، ولا نقبله ؟ وما(٤) عُلم من الملوك في الشاهد [ أن تُكذّب الرسل ](٥)، ولا تُقبل، ولا(٦) تُبعث، فكيف بعثك رسولا إلينا ؟ وإن أنزله عليك، أو بعثك رسولا، فكذّبناه، وكذّبناك، ورددناه، ورددناك، فلا يرفعه، ويرفعك دون تركه فينا ؟ فيقول الله، تبارك، وتعالى، جوابا لهم وردّا لقولهم :﴿أفنضرب عنكم الذّكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين﴾ يقول : إنا لا نترككم سُدًى، وإن علمنا منكم التكذيب والرّدّ للرسول والوحي، ولا يمنعنا ذلك عن إنزاله إليكم وتركه فيكم، ولا يحملنا ذلك على رفعه من بينكم، بل نأمركم، وننهاكم، وإن كنتم تكذّبونه، ولا تقبلونه. وهذا لما ذكرنا أن حرف الاستفهام من الله تعالى يخرّج على الإيجاب والتحقيق. وقوله تعالى :﴿أفنضرب﴾ أي لا نترك إنزاله وإرساله، وإن علمنا منكم التكذيب. وهو قوله تعالى :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقوله تعالى :﴿أيحسب الإنسان أن يُترك سُدى﴾ [القيامة: ٣٦] أي لا يُترك سدى، ولا تحسبوا(٧) أنا إنما خلقناكم عبثا. فعلى ذلك قوله :﴿أفنضرب عنكم الذّكر صفحا﴾ فإن كان الذّكر هو القرآن، أو الرسول، فالتأويل أنه وإن علم منكم الرّدّ والتكذيب فلا يمنعه ذلك عن /٤٩٥-أ/ إنزاله عليكم وبعثه رسولا إليكم [ وإن أنكرتموه، وكذّبتموه ](٨) ورددتموه، فلا يحملنا(٩) ذلك على رفعه من بينكم بشرككم وكفركم، وهو كما ذكر في قوله :﴿وكم أرسلنا من نبيّ في الأولين﴾ ﴿وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤون﴾ [ الزخرف : ٦ و٧ ] أي إنا، وإن علمنا من أوائلكم تكذيب(١٠) الرسل والكتاب، فلا(١١) يمنعنا ذلك عن إنزاله [ عليكم وبعثه إليكم ](١٢). فعلى ذلك أنتم، وإن علمنا منكم تكذيب الرسول وكتابه فلا يمنعنا ذلك عن إرساله وإنزاله لنُلزمكم الحجة. أو لعل فيكم من يصدّقه، ويؤمن به، أو غيركم يؤمن به، ويُصدّقه، وإن كذّبتم أنتم. هذا إن كان تأويل الذّكر رسولا أو كتابا. وإن كان تأويل الذّكر العذاب فيصير كأنه يقول : أفنتُرك تعذيبكم، أو نمسك عنه، ولا نعاقبكم، وأنتم قوم مسرفون أي مشركون على ما ذكر على إثره حين(١٣) قال :﴿فأهلكنا أشد منهم بطشا﴾ أي قوة ؟ معناه عذّبناهم بالتكذيب مع شدة بطشهم وقوتهم، وأنتم دونهم لا تعذَّبون ؟ بل تعذَّبون، والله أعلم. وعن قتادة [ أنه ](١٤) يقول : لو أن هذا القرآن رُفع حين ردّه أوائل هذه الأمة، فهَلكوا، لردّه الله بفضله ورحمته، وكرّره(١٥) عليهم، ودعاهم إليه كذا كذا سنة وما شاء الله تعالى. وعن الحسن [ أنه ](١٦) قال : لم يبعث الله تعالى نبيا إلا أنزل عليه كتابا، فإن قبله قومه، وإلا رُفع. فذلك قوله :﴿أفنضرب عنكم الذّكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين﴾ لا تقبلونه، فتقبله قلوب بقية، فيقولون(١٧). قبِلناه ربنا قبِلناه. لو لم يفعلوا ذلك رُفع، ولم يُترك على الأرض منه شيء. ثم القراءة العامة ﴿أن كنتم﴾ منصوبة بالألف بمعنى إذ كنتم، ويُقرأ أيضا : إن كنتم مكسورة(١٨) على أنه الشرط ومعناه : لا نترك، ولا نُمسك عن إنزاله، وإن كنتم قوما مسرفين مشركين. ١ همزة الاستفهام ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: أمسكته.. ٣ الهاء ساقطة من الأصل وم.. ٤ في الأصل وم: ومن.. ٥ في الأصل وم: أنه يكذب رسوله.. ٦ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٧ في الأصل وم: تحسبون.. ٨ في الأصل وم: وأنكرتم وإن كذبتموه.. ٩ في الأصل وم: نحمله.. ١٠ في الأصل وم: التكذيب.. ١١ في الأصل وم: وما.. ١٢ في الأصل وم: عليهم وبعثهم إليهم.. ١٣ في الأصل وم: حيث.. ١٤ ساقطة من الأصل وم.. ١٥ في الأصل وم: لكنه.. ١٦ الواو ساقطة من الأصل وم.. ١٧ في الأصل وم: فقالوا.. ١٨ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٦/١٠١..

الزخرف 43:6

وقوله: (وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٧): فيه دعاء الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى الصبر بما يعامله قومه؛ حيث ذكر له أن من أرسل من الرسل الذين كانوا قبله عاملهم قومهم من الاستهزاء بهم والأذى لهم مثل معاملة قومك إياك، فصبروا على ذلك، فاصبر أنت على أذى قومك إياك وسوء معاملتهم، واللَّه أعلم. وفيه أنه يرسل الرسول وإن علم منهم أنهم يكذبونه، وكذا ينزل الكتاب وإن علم منهم أنهم يردونه ولا يقبلونه؛ لأنه ليس يرسل الرسول ولا ينزل الكتب لمنفعة نفسه، ولا لدفع المضرة عن نفسه، ولكن إنما يرسل وينزل لمنفعتهم، ولدفع المضرة عن أنفسهم، فسواء عليه أن قبلوه أو ردوه، وليس كملوك الأرض إذا أرسلوا رسولا وكتابًا إلى من يعلمون أنهم يكذبون رسلهم ويردون كتابهم، يكونون سفهاء؛ لأنهم إنما يرسلون لحاجة أنفسهم؛ أو لدفع المضرة؛ فحيث لم يحصل غرضهم؛ بل يلحقهم بذلك ضرر وزيادة صدّ له واستخفاف، لم يكن ذلك حكمة، بل يكون سفهًا، فأمَّا اللَّه - سبحانه وتعالى - إذا لم يرسل وينزل لجرّ النفع ودفع الضرر؛ بل لإلزام الحجة وإزالة العذر، ونحو ذلك كان حكمة، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) فيه تحذير أُولَئِكَ الكفرة أن ينزل بهم بتكذيبهم الرسول، وسوء معاملتهم إياه، كما نزل بأُولَئِكَ الكفرة المتقدمين بتكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم، واللَّه أعلم. وقوله: (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أهلكنا من كان أشد قوة وبطشًا من هَؤُلَاءِ، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع لشدة قوتهم وبطشهم عما نزل بهم من العذاب، فعلى ذلك لو نزل لهَؤُلَاءِ لم يتهيأ لهم الامتناع مع ضعفهم. والثاني: أن يكون قوله: (أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا) وصف ذلك العذاب الذي نزل بهم؛ أي: ملك العذاب أشدّ منهم بطشًا؛ فلا يمتنع عمله؛ لبطشهم وفوتهم، أما إذا كان شدة العذاب وبطشه دون بطشهم ربما لا يعمل ولا يؤثر فيه؛ لذلك وصف العذاب بكونه أشد منهم بطشًا، وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ)، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي: صار عذاب الأولين عبرة وعظة ومثلا للمتأخرين، كقوله: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ). والثاني: (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أي: مضى عذاب الأولين، وهو عذاب الاستئصال؛

الزخرف 43:8

الآية ٨ وقوله تعالى :﴿فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين﴾ فيه تحذير أولئك الكفرة أن يُنزل بهم بتكذيبهم الرسول وسوء معاملتهم إياه كما أنزل(١) بأولئك المتقدّمين بتكذيب الرسل وسوء معاملتهم إياه، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فأهلكنا أشد منهم بطشا﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أي أهلكنا من كان أشد قوة وبطشا من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع [ مع شدة ](٢) قوتهم وبطشهم عما نزل بهم من العذاب. فعلى ذلك لو نزل بهؤلاء لم يتهيأ لهم الامتناع مع ضعفهم. والثاني أن يكون قوله :﴿أشد منهم بطشا﴾ وصف ذلك العذاب الذي نزل بهم أي ذلك العذاب ﴿أشد منهم بطشا﴾ وهو كقوله :﴿إن عذابي لشديد﴾ [إبراهيم: ٧] والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ومضى مثل الأولين﴾ هذا يُخرّج على وجهين : أحدهما :﴿ومضى مثل الأولين﴾ أي صار عذاب الأولين عبرة وعظة ومثلا للمتأخّرين كقوله :﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين﴾ [البقرة: ٦٦]. والثاني :﴿ومضى مثل الأولين﴾ أي مضى عذاب الأولين، وهو عذاب الاستئصال، فلا يعذّب هذه الأمة بمثل عذابهم لفضيلة نبينا محمد ﷺ. وبركته ورحمته، وهو لما قال الله عز وجل :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] بفضله ورحمته أبقى هذه الأمة إلى يوم القيامة والله أعلم. ١ في الأصل وم: ينزل.. ٢ في الأصل وم: لشدة..

الزخرف 43:9

فلا يعذب هذه الأمة بمثل عذابهم؛ لفضل نبينا مُحَمَّد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - وبركته ورحمته وهو ما قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) بفضله ورحمته أبقى هذه الأمة إلى يوم القيامة، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ). في قولهم وجوابهم: أن اللَّه خلق السماوات والأرض - دلالة أنهم قد عرفوا أنه رسول، لكن كذبوه عنادًا ومكابرة؛ لأن أهل مكة كانوا لا يؤمنون بالرسل حتى يزعموا أنا عرفنا أن اللَّه خلق السماوات والأرض بقولهم، وينكرون رسالته خاصة؛ بل ينكرون الرسل أجمع، ثم هم ما عرفوا أن اللَّه هو خلق السماوات والأرض إلا بالرسل؛ إذ هم ليسوا من الذين عادتهم الاستدلال والنظر في الدلائل؛ ليعرفوا اللَّه - تعالى - بالدلائل العقلية، والظاهر في العوام جملة المعرفة بالدلائل السمعية؛ فكان الظاهر هذا: أن معرفتهم: أن اللَّه خلق السماوات والأرض بقول الرسل - عليهم السلام - لكنهم كذبوه ولم يصدقوه عنادًا منهم ومكابرة، وما به عرفوا سائر الرسل من المعجزات موجود معاين في حق رسولنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا بد أن يعرفوه رسولا، لكنهم كذبوه عنادًا؛ فدل أن قولهم هذا دليل على معرفتهم برسالته، واللَّه أعلم. ثم تمام الاحتجاج بهذا أن يقال لهم: قد عرفتم أن اللَّه هو خلق السماوات والأرض، فهلا عرفتم أنه لم يجعلهما عبثًا باطلا؛ إذ لو كان على ما يزعمون أن لا رسل ولا بعث ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب يكون خلقه إياهما عبثًا باطلا، فكان إقرارهم بخلقه إياهما إقرارًا لخلقه على وجه الحكمة، ولن يخرج خلقه على الحكمة إلا بالإقرار بالرسل والبعث والثواب والعقاب؛ على ما عرف غير مرة. أو أن يقال: فإذا عرفتم أن اللَّه - تعالى - هو خلق السماوات والأرض وما ذكر إلى آخره... فكيف أنكرتم قدرته على البعث والإعادة بعد الموت، والأعجوبة في خلق السماوات والأرض أعظم وأكثر من الأعجوبة في بعثكم وإعادتكم، فكيف أنكرتم ما هو

الزخرف 43:10

أقل في القدرة والأعجوبة؟ واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) جائز أن يكون ذكر هذا على سبيل النعت والوصف لله - تعالى عَزَّ وَجَلَّ - صلة لقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) الذي وصفه أنه جعل الأرض كذا وأنزل كذا. ويحتمل أن يكون أراد: ولئن سألتهم عن الأرض وما ذكر أنه من جعلها مهدًا؟ ومن جعل لهم فيها سبلا؟ فقالوا: اللَّه جعل ذلك على ما قالوا في السماوات والأرض. وفيه وجوه من الدلالة: أحدها: يذكرهم نعمه عليهم؛ حيث جعل هذه الأرض بحيث يمهدونها، ويفترشونها، وينتفعون بها بأنواع المنافع، وبحيث مكن لهم الوصول إلى حوائجهم التي فرقها في الأمكنة المتباعدة بما جعل لهم فيها سبلا وطرقًا يسلكون فيها ليصلوا إلى الحوائج التي فرقت في البلدان المتباعدة، ما لولا جعله فيها السبل والطرق التي جعل ما قدروا السلوك فيها، ولا عرفوا أنهم من أي جهة يصلون إلى حوائجهم التي فرقت؟ فيلزمهم بما ذكر القيام بشكره على تلك النعم. وفيه دلالة حكمته؛ ليدلهم أنه إنما جعل لهم ما ذكر لحكمة، لم يجعلها عبثًا باطلا؛ فيلزم حيث فرق حوائجهم في أمكنة متباعدة ثم مكن لهم الوصول إليها؛ ليعلم أن الذي ملك أنفسهم هو مالك أطراف الأرض؛ إذ لو كان هذا غير مالك ذلك، لمنعهم عن الوصول إلى حوائجهم. وفيه دلالة قدرته، حيث جعل لهم في الأرض ما ذكر من التسخير لهم، حتى ظهروها ويفترشوها ويسلكوا فيها السبل التي جعلها لهم إلى حيث أرادوها وقصدوها، ومكن لهم ذلك ليعلم أن من قدر على ما ذكر لا يعجزه شيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١). فيما ذكر من إنزال الماء من السماء، ونشره في الأرض، وإنبات النبات فيها بذلك الماء دلالة من الوجوه التي ذكرنا في قوله: (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) فإنه أنزل الماء من السماء؛ ليكون في الأرض أنواع النعم التي ذكر، وجعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما؛ ليعلموا أعظم نعمه عليهم، وليعلموا أن مالكهما واحد، وما

الزخرف 43:11

الآية ١١ وقوله تعالى :﴿والذي نزّل من السماء ماء بقَدرٍ فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تُخرَجون﴾ في ما ذكر من إنزال الماء من السماء ونشره في الأرض وإنبات النبات فيها بذلك الماء دلالة من الوجوه التي ذكرنا في قوله :﴿الذي جعل لكم الأرض مهدا﴾ فإنه أنزل الماء من السماء ليكون في الأرض أنواع النّعم التي ذكر، ويجعل منافع السماء متّصلة بمنافع الأرض على بُعد ما بينهما ليعلموا عِظم نعمه عليهم وليعلموا أن مالكها واحد وما جعل في الماء من المعنى واللطف ما يوافق جميع النبات والثمار على اختلاف أجناسها وجواهرها [ ليعلموا أن من ](١) قدر على إحياء الأرض بذلك المعنى الذي جعل في الماء موافقته جميع النبات والثمار على اختلاف جواهرها وأجناسها، لا يُحتمل أن يعجزه شيء من بعث أو غيره ؛ إذ الأعجوبة في ما ذكر من إحياء الأرض بذلك الماء وموافقة المعنى المجعول(٢) في الماء جميع ما ذكر أعظم وأكثر من البعث لأنه إعادة، وذلك ابتداء. فمن ملك، وقدر على ما ذكر من الإحياء فهو على البعث أقدر وأملك. ولذلك قال الله تعالى :﴿كذلك تُخرجون﴾ أي تُبعثون والله الموفّق. ١ في الأصل وم: ليعلم أن.. ٢ من م، في الأصل: المجهول..

الزخرف 43:12

جعل في الماء من المعنى واللطف ما يوافق جميع النبات والثمار على اختلاف النبات والثمار واختلاف أجناسها وجواهرها؛ ليعلم أن من قدر على إحياء الأرض بذلك المعنى الذي جعل في الماء موافقته جميع النبات والثمار على اختلاف جواهرها وأجناسها - لا يحتمل أن يعجزه شيء من بعث أو غيره؛ إذ الأعجوبة فيما ذكر من إحياء الأرض بذلك الماء، وموافقة المعنى المجعول في الماء جميع ما ذكر - أعظم وأكثر من البعث؛ لأنه إعادة، وذلك ابتداء، فمن ملك وقدر على ما ذكر من الأشياء فهو على البعث أقدر وأملك؛ ولذلك قال اللَّه تعالى: (كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) أي: تبعثون، واللَّه الموفق. وقوله: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) جائز أن يدخل فيما ذكر من خلق الأزواج كلها جميع ما يكون لها أزواج من مقابلات وأشكال؛ إذ التزاوج قد يقع ويستعمل في الأضداد والأشكال من الأفعال والجواهر من الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية؛ فيكون في ذلك دلالة خلق أفعال العباد إذ أخبر أنه خلق الأزواج كلها، وبين هذه الأفعال ازدواج وإن كانت متضادة متقابلة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) فيه ما ذكرنا من الوجوه: أنه فرق حوائج الخلق في أمكنة بعيدة، وبينهم وبين أمكنة حوائجهم مفاوز وفيافي وبحار، فجعل لهم في المفاوز أنعامًا يركبونها؛ ليصلوا إلى حوائجهم، وفي البحار سفنًا ليركبوها؛ ليصلوا إلى حوائجهم التي في البحار؛ يذكرهم نعمه؛ ليتأدى بذلك شكرها، ويذكرهم قدرته أن من ملك هذا وقدر لا يعجزه شيء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) جعل ظهوره بحيث يستوون عليها ويقرون، وكان له أن يجعل ظهورها بحيث لا يستوون عليها ولا يقرون، وهذا من نعمة اللَّه تعالى عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) ثم نعمته تخرج على وجوه: ما ذلل لهم من الأنعام وسخرها لهم بقوتها وشدتها. أو جعل لهم أن يستعملوا الدواب وهي تتألم وتتلذذ كما تتألمون وتتلذذون، ثم جعلها متعة لهم، لا أن جعلوا لها. أو أن تكون نعمته التي أمرهم أن يذكروها: الإسلام والتوحيد، قولوا: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وتقولوا: (سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ). أو يأمرهم أن يذكروا ما أنشأ لهم من النعم العظيمة.

الزخرف 43:13

الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿لتستووا على ظهوره﴾ جعل ظهوره بحيث يستوون عليها، ويقرّون. وكان له أن يجعل ظهورها بحيث لا يستوون عليها، ولا يقرون، وهذا من نعم الله تعالى عليهم. وقوله تعالى :﴿ثم تذكُروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾ ثم نعمته تخرّج على وجوه : [ أحدها : ما ](١) ذلّل لهم من الأنعام، وسخّرها لهم بقوتها وشدّتها. [ والثاني : ما ](٢) جعل لهم أن يستعملوا الدوابّ، وهي تتألّم، وتتلذّذ كما يتألّمون، ويتلذّذون. [ والثالث :](٣) جعلها منفعة لهم، لا أن جُعلوا لها. [ والرابع :](٤) أن تكون نعمته التي أمرهم أن يذكروها الإسلام والتوحيد، ويقولوا(٥) : الحمد لله الذي هدانا للإسلام ﴿وتقولوا سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مُقرِنين﴾. [ والخامس : أن ](٦) يأمرهم أن يذكروا ما أنشأ لهم من النّعم العظيمة. وقوله تعالى :﴿وما كنا له مُقرِنين﴾ قال بعضهم : مطيقين. يقال : أنا لك مُقرِن مطيق، ويقال : أنا مُقرِن لهذا العمل أي قوي عليه. وأصل هذا التأويل أنّ الدواب والأنعام في أنفسها أشد وأكثر قوة وأعظمها من البشر. لكن الله تعالى بفضله ومنّه علّم الإنسان الحِيل حتى قدر على استعمال الدواب والأنعام مع قوتها وشدتها حيث شاؤوا وفي ما شاؤوا، وسخّرها لهم. ويحتمل أن يكون قوله :﴿وما كنا له مقرنين﴾ أي لم يجعلنا من قرن الدواب ومن قرنها بحيث نُستعمَل لما تُستعمَل الدواب وتُركب على الظهور، أي لم يجعلنا من قرن الدواب ومن أشكالها، والله أعلم. ١ في الأصل: لما، في م: ما.. ٢ في الأصل وم: أو.. ٣ في الأصل وم: ثم.. ٤ في الأصل وم: أو.. ٥ في الأصل وم: أو.. ٦ في الأصل وم: أم..

الزخرف 43:14

وقوله: (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: مطيقين؛ يقال: أنا لك مقرن: أي: مطيق، ويقال: أنا مقرن لهذا العمل، أي: أقوى عليه. وأصل هذا التأويل أن الدواب والأنعام في أنفسها أشد وأكثر قوة وأعظمها من البشر، لكن اللَّه - تعالى - بفضله ومنه علَّم الإنسانَ الحيلَ، حتى قدر على استعمال الدواب والأنعام مع قوتها وشدتها حيث شاءوا وسخرها لهم. ويحتمل أن يكون قوله: (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) أي: لم يجعلنا من قرن الدواب ومن قرنها بحيث نستعمل لما تستعمل الدواب، ونركب على الظهور؛ أي: لم يجعلنا من قرن الدواب ومن أشكالها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤) هذا يحتمل وجوهًا: أحدها: يحتمل البعث؛ على ما قاله أهل التأويل. ويحتمل: وإنا إلى ما جعل لنا ربنا من الوصول إلى حوائجنا لمنقلبون بها وراجعون - واللَّه أعلم - وإنا إلى أوطاننا ومنازلنا راجعون بها ما لولا هي لم يتهيأ لنا الرجوع إلى ذلك، ولا الوصول إلى ما جعل لنا من الحوائج التي فرقت في الأمكنة المتباعدة، والله أعلم. * * * قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا).

الزخرف 43:15

الآية ١٥ وقوله تعالى :﴿وجعلوا له من عباده جُزءًا﴾ قال عامة أهل التأويل : إن(١) الكفرة جعلوا لله تعالى من عباده أنثى أي بنتا. وقال الزّجّاج :﴿جزءا﴾ أي بنتا، وقال : إن الجزء عند بعض العرب البنت لأن الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم، وهم مختلفون في كفرهم. تقول الثنويّة بالاثنين ؛ يقولون عن الله تعالى : هو خالق الخيرات، وخالق الشرور غيره على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو ؟ فهؤلاء الثنوية جعلوا لله تعالى من عباده جزءا، وهو الخيرات، ولم يجعلوا(٢) له الجزء الآخر. ومُشركو العرب جعلوا له في ما رزقهم جزءا(٣) وجزءا لشركائهم حين(٤) قال :﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾ [الأنعام: ١٣٦]. فهؤلاء جعلوا له جزءا مما رزقهم، وهو الظاهر، وفريق آخر جعلوا له جزءا من عباده، وهو الإناث، ولم يجعلوا لله البنين كقوله تعالى :﴿ويجعلون لله البنات﴾ [النحل: ٥٧] فجعلوا(٥) الجزء له على ما ذكر(٦) أهل التأويل، وصرفوه إليه، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إن الإنسان لكفور مبين﴾ أي كفور لنعمه مبين أي يُبيّن كفرانه. ١ في الأصل وم: أي.. ٢ في الأصل وم: يجعل.. ٣ أدرج بعدها في الأصل وم: ولله تعالى.. ٤ في الأصل وم: حيث.. ٥ في الأصل وم: فجعل.. ٦ أدرج بعدها في الأصل وم: ما أظهره مما ذكره..

الزخرف 43:16

قال عامة أهل التأويل: أي: الكفرة جعلوا لله - تعالى - من عباده أنثى، أي: بنتًا. وقال الزجاج: (جُزْءًا) أي: بنتًا، وقال: إن الجزء عند بعض العرب البنت؛ لأن الكفرة قد اختلف أنواع كفرهم، وهم مختلفون في كفرهم؛ يقول الثنوية بالاثنين، يقولون: إن اللَّه - تعالى - هو خالق الخيرات، وخالق الشرور غيره؛ على حسب ما اختلفوا في ذلك الغير ما هو؟ فهَؤُلَاءِ الثنوية جعلوا لله - تعالى - من عباده جزءًا وهو الخيرات، ولم يجعلوا له الجزء الآخر، ومشركو العرب جعلوا له فيما رزقهم جزءًا لله - تعالى - وجزءًا لشركائهم؛ حيث قال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا)، فهَؤُلَاءِ جعلوا له جزءًا مما رزقهم، وهو الظاهر، وفريق آخر جعلوا له جزءًا من عباده وهو الإناث، ولم يجعلوا لله البنين، كقوله - تعالى -: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ)، فجعل الجزء له على ما ذكر أظهر مما ذكره أهل التأويل وصرفوه إليه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ) أي: كفور لنعمه (مُبِينٌ) أي: يبين كفرانه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) هو على الإضمار؛ كأنه يقول: أم يقولون: اتخذ مما يخلق بنات لنفسه وأصفاكم بالبنين، وهو ما ذكر في آية أخرى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ). ثم قوله - تعالى -: (أَمِ اتَّخَذَ) أي: قالوا: بل اتخذ مما يخلق بنات. يذكر في هذه الآيات سفه أهل مكة وشدة تعنتهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل، وما ذكروا من اتخاذ الولد، وما ادعوا بأن الملائكة بنات اللَّه، وما أقروا حين سئلوا: مَن خلق السموات والأرض؟ أن اللَّه هو خالق ذلك كله مما لا سبيل إلى معرفة ما قالوا وادعوا إلا بالرسل، وهم ينكرون الرسل، فكيف ادعوا ما ادعوا وهم ينكرون خبرهم؛ لأن من ادعى ولدًا لغائب لا يعلمه إلا بخبر صادق، وكذلك معرفة الملائكة إنما هو بخبر يأتيهم، ثم هم ينكرون الأخبار والرسل؛ فتتناقض دعواهم وتضمحل، على ما ذكرنا. ثم أخبر عنهم ما يظهرون من الحزن عندما يولد لهم من الإناث، وما يلحقهم من الكراهة في ذلك بقوله - تعالى -: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧).

الزخرف 43:17

الآية ١٧ ثم أخبر عنهم ما يُظهرون من الحزن عندما يولد لهم من الإناث وما يلحقُهم من الكراهة في ذلك بقوله تعالى :﴿وذا بُشّر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودّا وهو كظيم﴾. ثم قوله تعالى :﴿بما ضرب للرحمن مثلا﴾ أي شبها بالخلق، وإنه يُخرّج على وجهين : أحدهما : بما جعلوا له ولدا، والولد، هو شبيه الوالد، فكان إثبات الولد إثبات المثل والشبيه. والثاني : في إثبات الولد له إثبات المشابهة بينه وبين جميع الخلق، لأن الخلق لا يخلو : إما أن يكون مولودا من آخر، ويولد منه آخر، وإما أن يكون له شريك في ما يملكه، وإما(١) يكون هو شريك غيره، فيكون البعض شبيها بالبعض. فمن أثبت لله شريكا وولدا فقد جعله شبيها بالخلق. ولهذا بيّن الله تعالى من الولد الشريك تبرّيا واحدا بقوله تعالى :﴿لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك﴾ [الإسراء: ١١١] نفى الولد والشريك عن نفسه نفيا واحدا وبراءة واحدة، والله الموفّق. وقوله تعالى :﴿أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين﴾ يحتمل أن يكون تفسيرا لقوله :﴿وجعلوا له من عباده جُزءا﴾ وعلى ذلك قول أهل التأويل : إنهم جعلوا هذه تفسيرا للأولى. وجائز أن يكون لا على التفسير للأولى، ولكن على الابتداء في قوم آخرين سواهم على ما ذكرنا نحن من التأويل، والله أعلم. ١ في الأصل وم: و..

الزخرف 43:18

ثم قوله: (بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا) أي: شبهًا بالخلق، وأنه يخرج على وجهين: أحدهما: بما جعلوا له ولدًا، والولد هو شبيه الوالد؛ فكان في إثبات الولد إثبات المثل والشبيه. والثاني: في إثبات الولد له إثبات المشابهة بينه وبين جميع الخلق؛ لأن الخلق لا يخلو إما أن يكون مولودًا من آخر أو يولد آخر منه، وإما أن يكون له شريك فيما يملكه، أو يكون هو شريك غيره، فيكون البعض شبيهًا بالبعض، فمن أثبت لله شريكًا وولدًا فقد جعله شبيهًا بالخلق؛ ولهذا تبرأ اللَّه - تعالى - من الولد والشريك تبرؤًا واحدًا بقوله - تعالى -: (وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)، نفى الولد والشريك عن نفسه نفيًا واحدًا وبراءة واحدة، واللَّه الموفق. وقوله: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ) يحتمل أن يكون تفسيرًا لقوله: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا)، وعلى ذلك قول أهل التأويل: إنهم جعلوا هذه تفسيرًا للأولى. وجائز أن يكون لا على التفسير للأولى، ولكن على الابتداء في قوم آخرين سواهم، على ما ذكرنا نحن من التأويل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: هي الأصنام التي عبدوها، حلّوها وزينوها بأنواع الزينة والحليّ، يقول - واللَّه أعلم -: ولو حلي بالحليّ وزين بالزينة وهو لا يملك نفعًا، ولا ضرًّا، ولا تكلما، ولا خصومة، ولا شيئًا من ذلك، ولا يلتفت إليه، ولا يكترث له، لولا تلك الحلي والزينة التي بها في جعل العبادة له كمن منه خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما فيها من المنافع، أي: ليس هذا بسواء لذلك، يذكر سفههم في اختيارهم الأصنام التي هذا وصفها في العبادة على عبادة اللَّه تعالى الذي منه كل شيء؛ يصبر رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أذاهم وتكذيبهم إياه وسوء معاملتهم معه، واللَّه أعلم. وقال بعصهم: قوله: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) وهي الإناث؛ يقول - واللَّه أعلم -: إن الأنثى ضعيفة، قليلة الحيلة، وهي عند الخصومة والمحاورة غير مبينة؛ يصف عجزهن وضعفهن ونقصانهنّ، يقول - واللَّه أعلم -: كيف نسبوا إلى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ما هو أضعف وأعجز وأنقص فيما ذكر، وقد اتقوا هم منها، واختاروا لأنفسهم ما هو أكمل وأقوى وهم الذكور، وهو صلة قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمِ

الزخرف 43:19

اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ...) إلى آخر ما ذكر، وكل حرف مما تقدم ذكره من قوله: (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) ونحو ذلك. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) يحتمل أن يرجع إلى معنى آخر غير المعنى فيما ذكر من الآيات، وكل حرف من هذه الحروف يرجع إلى فريق غير الفريق الآخر؛ لأنهم كانوا في المذاهب مختلفين متفرقين. وجائز أن يرجع الكل إلى معنى واحد، واللَّه أعلم. وفي هذه الآيات ما ذكرنا من الوجوه من تصبير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أذى القوم، ومن بيان سفه أُولَئِكَ، ومن التحذير لما تأخر منهم، واللَّه أعلم. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) أي: يرى في الحلي، وهي البنات، يريد جعلهم بنات لله - تعالى - وهم إذا كان لأحدهم بنت (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ)؛ أي: حزين، والخصام جمع: خصيم (غَيرُ مُبِينٍ) أي: غير مبين الحجة. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) أي: ينشأ؛ كما يقال: ينشأ الصبي ينشأ، أي: يشب ويرتفع، والخصام: المخاصمة. وقال أبو معاذ: (يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) - واللَّه أعلم -: البنت، ويقرأ (يُنَشَّأُ) بالتشديد، و (يُنْشَأُ) بالتخفيف، وهما لغتان، وقرأ بعضهم: (يَنْشَأُ في الحلية)، والله أعلم. وقوله - عز رجل -: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) فَإِنْ قِيلَ: كيف سفههم في جعلهم عباد الرحمن إناثًا، وقد جعل اللَّه من عباده إناثًا، لماذا عاتبهم على ذلك؟ قيل: عن هذا وجهان: أحدهما: إنما سفههم وعاتبهم؛ لشهادتهم على اللَّه - سبحانه وتعالى - أنه جعل الملائكة إناثًا، وهم لم يشاهدوها، ولا يؤمنون بالرسل - عليهم السلام - حتى يقع لهم العلم والخبر بذلك بقول الرسل، واللَّه أعلم. والثاني: أن اللَّه - تعالى - وصف ملائكته بأنهم لا يفترون عن عبادته، وأنهم لا يستحسرون، وأنهم مطيعون لله - تعالى - على الدوام بحيث لا يرد منهم عصيان طرفة عين؛ على ما نطق بذلك الكتاب، فهم إذا قالوا: إنهم إناث، وصفوهم بالضعف والعجز، فلا يتهيأ لهنّ القيام بما ذكر، واللَّه أعلم.

الزخرف 43:20

ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا)، وقوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ)، وقوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ)، - ليس على حقيقة الجعل، ولكن على الوصف له والقول؛ أي: قالوا: إن الملائكة بنات اللَّه، ووصفوا لهم بما ذكر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) تعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن اللهَ تعالى - لم يشأ الكفر من الكافر، وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن اللَّه - تعالى - شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام؛ حيث قالوا: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) أي: لو شاء منا ترك عبادة الأصنام لتركناها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، واللَّه - تعالى - رد عليهم قولهم واعتقادهم فقال: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)، أي: ما هم إلا يكذبون. وعندنا الآية تخرج على وجوه: أحدها: أنهم في قولهم: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) صدقة؛ فإن معناه: لو شاء منهم تركهم عبادة الأصنام ما عبدوها، ولكن شاء أن يعبدوها فعبدوها؛ فيكون هذا منهم إخبارًا عن المخبر به على ما هو؛ فيكون صدقًا. ثم قوله - تعالى -: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) يحتمل: إنما سماهم كذلك لما قالت المعتزلة: إنهم ادعوا وأخبروا أن الكفر بمشيئة اللَّه - تعالى - وأنه شاء منهم الكفر دون الإيمان، فاللَّه - تعالى - شاء منهم الإيمان دون الكفر، فقد أخبروا على خلاف المخبر به؛ فيكونون كاذبين. ويحتمل أنهم قالوا ذلك وفي قلوبهم بخلاف ما أخبروا، وهو أن الكفر ليس مما شاء اللَّه - تعالى - وإنما شاء الإيمان كما تقوله المعتزلة، ولكن يقولون ذلك ردًّا على المسلمين الذين يدعونهم إلى الإيمان والرجوع عن الكفر: إنه إذا كان شاء منا الكفر دون الإيمان كيف نؤمن ونترك الكفر؟ والإخبار عما هو به وإن كان صدقًا، ولكن إذا كان في قلب المخبر واعتقاده خلاف ذلك فيكون ذلك الإخبار في نفسه صدقًا، لكن من حيث إنه إخبار عما في الضمير يكون كذبًا، وهذا كقول اللَّه - تعالى -: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وهم في قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) صدقة، لكن في إخبارهم عما في ضميرهم كذبة؛ لما لا يوافق ظاهر كلامهم حقيقة ما في قلوبهم، فيرجع تكذيب اللَّه - تعالى - إياهم لكذب قلوبهم، وإن كانوا في نفس قولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) صدقة، وإذا احتمل الوجهين فلا تكون الآية حجة لهم مع الاحتمال، وعلى الوجهين جميعًا يكونون كاذبين؛ لذلك قال: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)، واللَّه أعلم. والثاني: أنهم وإن كانوا صادقين في ذلك فهم ربما قالوا ذلك على الاستهزاء والسخرية، لا على الجد؛ فيكون قصدهم تلبيس الصدق على الناس ورده، كقوله - عز وجل -: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا)، وهذا القول من هذا الإنسان حق وصدق، لكن إنما قال ذلك استهزاء منه وإنكارًا للبعث؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - وعظه على ذلك وذكره، حيث قال: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا)، فعلى ذلك قول أُولَئِكَ وإن كان في الظاهر صدقًا فهم إنما قالوا ذلك استهزاء وسخرية على سبيل الإنكار وتلبيس الحق؛ فيكون إخبارهم من هذا الوجه ولهذا الغرض خرصًا وكذبًا، واللَّه أعلم. والثالث: غرضهم بذلك الاحتجاج على المسلمين في توعيدهم بالعذاب بسبب العناد والكفران كيف نعذب وإنما باشرنا الكفر بمشيئته، ولو شاء أن نترك العبادة للأصنام تركنا فإذا كان شاء منا الكفر حتى كفرنا لماذا عاقبنا؟ فأبطل احتجاجهم بقوله - تعالى -: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي: هم جاهلون في الاحتجاج بهذا، كاذبون في أنهم باشروا الكفر بسبب مشيئة اللَّه - تعالى - إياهم الكفر، ولكن لسوء اختيارهم، وأسباب حاملة لهم على ذلك، وأصله: أن لا أحد من العصاة والفسقة والكفرة يفعل وعنده أن اللَّه - تعالى - شاء ذلك منهم، فإذا كان وقت فعله لا يفعل ما يفعل؛ لأن الله تعالى شاء ذلك منه لم يكن له هذا الاحتجاج والقول الذي قالوا، واللَّه الموفق. والرابع: يحتمل أنهم يقولون: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ)، وقولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، أي: لو أمرنا اللَّه - تعالى - بترك عبادتنا أُولَئِكَ الأصنام ما عبدناهم، لكن أمرنا أن نعبدهم، كانوا يدعون أنما يعبدون لأمر من اللَّه - تعالى - كقوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا). أو أرادوا بالمشيئة: الرضا؛ يقولون: لولا أن اللَّه - تعالى - قد رضي بذلك عنا وعن آبائنا، وإلا ما تركنا وهم على ذلك؛ فاستدلوا بتركهم على ما اختاروا على أن اللَّه - تعالى - قد رضي بذلك عنهم، فردّ اللَّه - سبحانه وتعالى - بقوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) وبقوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ...) الآية، وقد ذكرناه على الاستقصاء في قوله - تعالى -: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا...) الآية، واللَّه أعلم.

الزخرف 43:21

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) أي: لم نؤتهم كتابًا ليكون لهم العلم بذلك؛ يسفههم في قولهم؛ لأنهم قوم لا يؤمنون ولا يصدقون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) إنهم قوم ينكرون الرسل، ويكذبونهم بعلة أنهم بشر، ثم اقتدوا بآبائهم واتبعوهم وهم بشر أيضًا، فهذا تناقض في القول؛ يذكر سفههم وتناقضهم في القول. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) يصبِّر رسوله على ما قال هَؤُلَاءِ: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ): أنه ليس ببديع من هَؤُلَاءِ؛ بل قال أوائلهم لرسلهم على ما قال قومك؛ يصبره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويعزيه، ويذكر سفههم في اتباعهم إياهم واقتدائهم بهم وهم بشر، فيقول: فإذا كنتم لا محالة تتبعون البشر فاتبعوا أمر من هم أهدى من آبائكم، وهم الرسل، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ... (٢٤) قالوا عند ذلك: (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) عنادًا وتعنتًا منهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: قل يا مُحَمَّد: (أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ) أي: إن جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم من الدِّين، أفتتبعونني فيما جئتكم؟ فردوا عليه وقالوا: (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) هذا وعيد. ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) يقول: هو رجوع إلى ذكر الأمم الخالية، فقال: فانتقمنا منهم بالعذاب الذي نزل. ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) وذلك جائز. وقوله: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) يحتمل: مكذبي الرسل. ويحتمل: مكذبي العذاب. * * * قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ

الزخرف 43:22

الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿بل قالوا إنا وجدنا آبائنا على أمّة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ إنهم قوم يُنكرون [ الرسل ](١) ويكذّبونهم بعلة أنهم بشر، ثم اقتدوا بآبائهم، واتبعوهم، وهم بشر أيضا. فهذا تناقض في القول ؛ يذكر سفههم وتناقضهم في القول. ١ ساقطة من الأصل وم..

الزخرف 43:23

الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ يصبّر رسوله على ما قال هؤلاء :﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة إنّا على آثارهم مقتدون﴾. إنه ليس ببديع منه هؤلاء بل قال أوائلُهم لرسلهم على قال قومك ؛ يصبّره ﷺ ويعزّيه، ويذكر سفههم في اتّباعهم إياهم واقتدائهم بهم، وهم بشر، فيقول : فإذا كنتم لا محالة تتّبعون(١) البشر، فاتّبعوا أمر [ من ](٢) هم أهدى من آبائهم، وهم الرسل. ١ من م، في الأصل: تتبعونه.. ٢ ساقطة من الأصل وم..

الزخرف 43:24

الآية ٢٤ وهو ما قال عز وجل :﴿قال أولو جئتُكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا﴾ عند ذلك ﴿إنا بما أُرسلتم به كافرون﴾ عنادا وتعنّتا منهم. وقال بعضهم :﴿قال﴾ يا محمد ﴿أولو جئتُكم بأهدى مما وجدتكم عليه آباءكم﴾ من الدين أفتتّبعوني في ما جئتكم ؟ فردّوا عليه، وقالوا :﴿إنا بما أُرسلتم به كافرون﴾.

الزخرف 43:25

الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين﴾ هذا وعيد. ثم قال بعضهم :﴿فانتقمنا منهم﴾ يقول : هو رجوع إلى ذكر الأمم الخالية. فقال : فانتقمنا منهم بالعذاب الذي نزل(١). وقوله تعالى :﴿فانظر كيف كان عاقبة المكذبين﴾ يحتمل مكذّبي الرسل، ويحتمل مكذّبي العذاب. ١ أدرج بعدها في الأصل وم: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿فانتقمنا منهم﴾ وذلك جائز..

الزخرف 43:26

ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥). وقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي... (٢٧) والإشكال: أنه - عليه السلام - تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون، واستثنى عبادة الذي فطره وهو اللَّه - تعالى - وهم لا يعبدون الذي فطره، فكيف يستثنى من جملة عبادة من يعبدون، والاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه. فنقول: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنه تبرأ من عبادة من عبدوا واستثنى عبادة من فطره؛ لأن فيهم من عبد الذي فطره، وهو اللَّه - تعالى - فلو تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون على الإطلاق لصار متبرئًا عن عبادة اللَّه - تعالى - لذلك استثنى عبادة اللَّه، واللَّه أعلم. لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد اللَّه - تعالى - وهو الذي فطره وخلقه، فما معنى الاستثناء، فيقال: إنه لم يكن في قومه من يعبد الذي فطره، فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الذي فطرهم، فيرجع استثناؤه إلى ذلك، واللَّه أعلم. ويحتمل أنه إنما استثنى الذي فطره على طريق الاحتياط؛ لاحتمال أن يكون فيهم من يعبد اللَّه - تعالى - ولا وقوف له على ذلك فيصير متبرئًا من ذلك لو تبرأ ممن يعبدون جميعًا، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان دون اللَّه - تعالى - رجاء أن تشفع لهم فتقربهم إلى اللَّه زلفى؛ لقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ)، فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذي قصدوا بالعبادة، وهو الذي فطرهم، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعًا وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى لكن، معناه: إني براء مما تعبدون، ولكن أعبد الذي فطرني، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله - تعالى -: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ)، أي: ولكن تجارة عن تراض؛ لأنه لا يجوز أن يستثنى التجارة عن تراض من الباطل، ولا السلام من اللغو، ونحو ذلك كثير، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) ذكر أن هذا الحرف (بَرَاءٌ) على ميزان واحد في الوحدان والتثنية والجمع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: سيثبتني على الهدى.

الزخرف 43:27

الآيتان ٢٦ و٢٧ وقوله تعالى :﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون﴾ ﴿إلا الذي فطرني﴾ والإشكال أنه عليه السلام تبرّأ من عبادة جميع ما يعبدون، واستثنى عبادة الذي فطره، وهو الله تعالى، وهم لا يعبدون الذي فطره، فكيف يستثني من جملة عبادة من يعبدون، والاستثناء من جنس المستثنى منه ؟ فيقول بعضهم : إنه تبرّأ من عبادة من عبدوا، واستثنى عبادة من فطره لأن فيهم من عبد الذي فطره(١) الله تعالى. فلو تبرّأ من عبادة جميع ما يعبدون على الإطلاق لصار متبرّئا من عبادة الله تعالى. لذلك استثنى عبادة الله، والله أعلم. لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد الله تعالى، وهو الذي فطره، وخلقه. فما معنى الاستثناء ؟ فيقال : إن لم يكن في قومه من يعبد الذي فطره فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الله تعالى، ولا وقوف له على ذلك، فيصير متبرّئا من ذلك لو تبرّؤوا ممن يعبدون جميعا، والله أعلم. ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره لأنهم يعبدون هذه الأصنام والأوثان دون الله تعالى رجاء أن تشفع لهم، فتقرّبهم إلى الله زلفى لقولهم :﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زُلفى﴾ [الزمر: ٣] وقولهم :﴿هؤلاء شفعائنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذين قصدوا بالعبادة، وهو الذي فطرهم، والله أعلم. ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعا، وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى. لكن معناه : أني براء مما تعبدون، ولكن أعبد الذي فطرني، وذلك جائز في اللغة كقوله تعالى :﴿لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما﴾ [مريم: ٦٢] [ وقوله تعالى ](٢) :﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض﴾ [النساء: ٢٩] أي ولكن تجارة عن تراض لأنه لا يجوز أن تُستثنى التجارة عن تراض من الباطل، ولا السلام من اللغو. ونحو ذلك كثير، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿إنني براء مما تعبدون﴾ ذُكر أن هذا الحرف ﴿براء﴾ على ميزان واحد في الوُحدان /٤٩٧-أ/ والتثنية والجمع. ١ الهاء ساقطة من الأصل وم.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. وقوله تعالى :﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ هذا يخرّج على وجهين : أحدهما : أنه سيثبّتُني على الهدى. والثاني : أي إنه سيهديني في حادث الوقت، والهدى مما يتجدّد، فينصرف إلى إرادة حقيقة الهدى. فعلى هذين الوجهين يخرّج على التوفيق على الهدى والعصمة عن ضده في المستقبل. ولا يحتمل أن يريد بهذا الهدى البيان فإن يقول : فإنه سيُبيّن لي لأنه قد بيّن له جميع ما تقع له الحاجة إليه، فلا يحتمل أن يسأل البيان، ولا يحتمل الأمر أيضا فإنه قد تقدم الأمر به، ويرجع إلى حقيقة الهدى أو إلى التوفيق والعصمة. ويكون في الآية دلالة على أن عند الله تعالى لطفا، وهو من أعطى ذلك يصير مهتديا، وأنه لم يعط الكفرة ذلك، ولو أعطاهم لآمنوا.

الزخرف 43:28

والثاني: أي: فإنه سيهديني في حادث الوقت، والهدى مما يتجدد، فينصرف إلى إرادة حقيقة الهدى. فعلى هذين الوجهين يخرج على التوفيق إلى الهدى، والعصمة عن ضده في المستقبل، ولا يحتمل أن يريد بهذا الهدى البيان بأن يقول: فإنه سيبين لي؛ لأنه قد بين له جميع ما يقع له الحاجة إليه، فلا يحتمل أن يسأل البيان، ولا يحتمل الأمر - أيضًا - فإنه قد تقدم الأمر به، ويرجع إلى حقيقة الهدى، أو إلى التوفيق والعصمة، ويكون في الآية دلالة على أن عند اللَّه - تعالى - لطفًا، وهو ما ذكرنا: أنه من أعطى ذلك يصير مهتديًا، وأنه لم يعط الكفرة ذلك، ولو أعطاهم لآمنوا. وقوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨). هذا يحتمل وجهين: أحدهما: الكلمة الباقية هي كلمة الهداية والتوحيد، فإنه سأل أن يجعل ما وجد منه من التبري من غير اللَّه - تعالى - وتحقيق عبادة اللَّه - تعالى - بقوله: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) كلمة باقية، وأنه كلمة التوحيد، فإن قوله: " لا إله "، نفي غير اللَّه، وقوله: " إلا اللَّه "، إثبات ألوهية اللَّه - تعالى - وذلك معنى قوله: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) وهو كقوله - تعالى -: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...) الآية، وأجاب اللَّه - تعالى - سؤاله في دعائه، فلم يزل في ذرية إبراهيم وعقبه من يقولها، وذلك قوله - تعالى -: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). والثاني: الكلمة الباقية: هي كلمة الدعوة إلى الهدى والتوحيد، وهي عبارة عن إبقاء النبوة والخلافة في ذريته إلى يوم القيامة، وهو ما قال: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أخبر أن الظالم من ذريته لا ينال عهده، فأما من لم يكن ظالمًا فإنه ينال عهده، وقد استجاب اللَّه دعاءه، فلم يزل الدعوة في ذريته والنبوة في خلفائهم إلى يوم القيامة؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) أخبر أنه متعهم وآباءهم في مكان لا نبات فيه، ولا زرع، ولا ماء، سخر الناس وحملهم على أن يحملوا إليهم الطعام، والأغذية، وأنواع الفواكه من الأمكنة البعيدة، ويجلبون إليهم ما ذكرنا، فذلك ما ذكر من تمتيعه إياهم.

الزخرف 43:29

الآية ٢٩ قوله تعالى :﴿بل متّعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين﴾ أخبر أنه متّعهم وآباءهم في مكان لا نبات فيه، ولا زرع، ولا ماء. سخّر الناس، وحملهم على أن يحملوا إليهم الطعام والأغذية وأنواع الفواكه من الأمكنة البعيدة، ويجلُبوا إليهم ما ذكرنا من تمتيعهم إياهم. وقوله تعالى :﴿حتى جاءهم الحق﴾ أي القرآن ﴿ورسول مبين﴾ أي محمد ﷺ بيّن أنه من عند الله تعالى جاء، وأنه رسوله ﷺ.

الزخرف 43:30

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَاءَهُمُ الْحَقُّ) أي: القرآن (وَرَسُولٌ مُبِينٌ) أي: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بين أنه من عند اللَّه - تعالى - جاء، وأنه رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) لم تزل كانت عادة رؤساء الكفرة والأشراف منهم التكلم بهذه الكلمة عند نزول الآيات والمعجزات؛ يريدون بذلك التمويه على أتباعهم والتلبيس، فعلى ذلك قول هَؤُلَاءِ: (هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) ظن هَؤُلَاءِ أنه لما وسع عليهم الدنيا، وأنعم عليهم، وأعطى لهم الأموال إنما أعطوا ذلك ووسع عليهم لكرامة لهم عند اللَّه - تعالى - وفضل وقدر لديه، ومن ضيق عليه الدنيا ولم يعط ذلك إنما ضيق عليه ومنع لهوانه عنده، فقالوا عند ادعاء مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الرسالة ونزول القرآن عليه من اللَّه - تعالى -: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وظنوا أن من عظم قدره ومنزلته عند الخلق بما وسع عليه وأعطي من الأموال هو عند اللَّه كذلك، قالوا: لو كان ما يقول مُحَمَّد حقًّا: إن هذا القرآن إنما أنزل من عند اللَّه، هلا أنزل على رجل من القريتين عظيم؟ فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه لم يوسع الدنيا على من وسع لفضل منزلته وقدره عنده، وعلى من ضيق إنما ضيق لهوان له عنده، لكن رب مضيق عليه مكرم عظيم عند اللَّه، ورب موسع عليه يكون مهانًا عنده. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) هو يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنهم لا يملكون قسمها على تدبير ما أنشئوا، وعلى تقدير ما خلقوا، وهي ما ذكر من المعاش وأسباب الرزق من التوسيع والتفضيل، فالذي لم يجعل إليهم في ذلك شيء من تدبيره وتقديره أحق وأولى ألا يملكوا قسم ذلك بينهم واختياره، وهو النبوة والرسالة، ووضعها حيث شاءوا؛ هذا أحد التأويلين. ثم قوله - تعالى -: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ) دلالة في خلق أفعال الخلق؛ لأن التفضيل والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتساب يكون منهم، وأسباب جعلت لهم، ثم أخبر أنه هو يقسم ذلك، دل ذلك على أنه هو منشئ أكسابهم، وخالق أفعالهم، وأن له في ذلك تدبيرًا؛ لأنا نرى من هو أعلم وأقدر على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق، ومن هو دونه في تلك الأسباب والاكتساب كانت عليه أوسع؛ دل ذلك على أنه لو كان على تدبيرهم خاصة، لكانت تكون هي أوسع على من هو أجمع لأسبابها واكتسابها، وأقدر على ذلك، وتكون أضيق على من ليست له تلك الأسباب.

الزخرف 43:31

الآية ٣١ وقوله تعالى :﴿وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ ظن هؤلاء أنه لما وُسّع عليهم الدنيا، وأُنعم عليهم، وأُعطي لهم الأموال، إنما أُعطوا ذلك ووُسّع عليهم، لكرامة لهم عند الله وفضل وقدر لديه. ومن ضُيّق عليه الدنيا، ولم يُعط ذلك، إنما ضُيّق عليه، ومُنع لهوان له عنده. فقالوا [ عند ](١) ادّعاء محمد ﷺ الرسالة ونزول القرآن عليه من الله تعالى :﴿لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ ظنوا أن من عظُم قدره ومنزلته عند الخلق بما وُسّع عليه، وأُعطي من الأموال، هو عند الله كذلك. قالوا(٢) لو كان ما يقول محمد حقا : إن هذا القرآن إنما أُنزل من عند الله هلاّ أُنزل على رجل من القريتين عظيم ؟ فأخبر عز وجل أنه لم يوسّع الدنيا على من وسّع لفضل منزلته وقدره عنده، [ وضيّق ](٣) على من ضيق لهوان له عنده. لكن رُبّ مضيق عليه مكرّم عظيم عند الله، وربّ مُوسّع عليه يكون مهانا عنده. ١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: قال.. ٣ في الأصل وم: و..

الزخرف 43:32

الآية ٣٢ وقوله تعالى :﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾ وهو يخرّج على وجهين : أحدهما : أي أنهم لا يملكون قسمها على تدبير ما أُنشئوا وعلى تقدير ما خُلقوا، وهي ما ذكر من المعاش وأسباب الرزق من التوسيع والتفضيل. فالذي لم يُجعل إليهم في ذلك شيء من تدبيره وتقديره أحق وأولى ألا يملكوا قسمة ذلك بينهم واختياره، وهو النبوّة والرسالة ووضعها حيث شاء، وهذا أحد التأويلين. [ والثاني ](١) : قوله تعالى :{ { نحن قسمنا بينهم معيشتهم } دلالة في خلق أفعال الخلق، لأن التضييق(٢) والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتساب يكون منهم وأسباب جُعلت لهم. ثم [ في إخباره ](٣) أنه هو يقسم ذلك دليل(٤) على أنه هو مُنشئ أكسابهم وخالق أفعالهم وأن له في ذلك تدبيرا، لأنا نرى من هو أعلم وأقدر على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق، ومن دونه في تلك الأسباب والاكتساب كانت عليه أوسع. دلّ [ ذلك ](٥) على أنه [ لو كانت ](٦) على تدبيرهم خاصة لكانت تكون هي أوسع على من هو أجمع لأسبابها واكتسابها بها وأقدر على ذلك، وتكون [ أضيق ](٧) على من ليست له تلك الأسباب. ثم قال جعفر بن حرب للخروج عن هذا الالتزام : إنما(٨) وسّع على من وسّع لأن التوسيع له أصلح وأخير، وضيّق على من ضيّق لأن التضييق له أصلح وأخير في الدين. فيقال : لو كان التوسيع والتضييق لأجل الأصلح لهم في الدين والأخير لم يكن ما ذكر من رفع بعض على بعض وتفضيل بعض على بعض في الرزق معنى، وقد أخبر أنه رفع بعضهم على بعض درجات. ولو كان الكل في ذلك سواء لا يكون لبعض على بعض في ذلك فضل ولا درجة، ولأنه لو كانوا على ما يقولون هم : إنه يعطي كلا ما هو الأصلح في الدين وأخير لهم في ذلك، فهؤلاء الفراعنة منهم والرؤساء لو لم يكن لهم تلك السعة وتلك الأموال لكان لا يتهيأ لهم فعل ما فعلوا ومنع الناس عن اتباع رسل الله عليهم السلام. وعلى ذلك فرعون إنما ادّعى لنفسه الألوهية بما أُعطي له من المُلك والسعة ما لو لم يكن له ذلك لم يدّع ذلك، وكان ذلك أصلح [ له ](٩) في الدين. فدلّ أن الله تعالى قد يترك ما هو الأصلح لهم في الدين، وأن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين. وقوله تعالى :﴿ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضا سُخريا﴾ قال بعضهم : سخريا : بكسر السين(١٠) الاستهزاء. وتأويله : أنه عليم منهم أن بعضهم يستهزئ ببعض، ويهزأ بعضهم [ من بعض ](١١) أعطى ذلك لهم ليكون منهم ما علم منهم من الهُزء والسخرية، لا أن يكون يرفع بعضهم على بعض ليأمر بما علم أنه يكون منهم، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ورحمة ربك خير مما يجمعون﴾ يحتمل قوله :﴿ورحمة ربك﴾ أي النبوة أي ما اختار لرسول(١٢) الله ﷺ من الرسالة والنبوة خير مما يجمع أولئك الكفرة. ويحتمل ما يدعوهم محمد ﷺ ويختار لهم من التوحيد والدين ﴿خير مما يجمعون﴾ هم من الأموال. ويحتمل ما وعد لأهل الإيمان من الثواب والكرامة بإيمانهم، وهو /٤٩٧-ب/ الجنة ﴿خير مما يجمعون﴾ والله أعلم. ١ في الأصل وم: ثم.. ٢ في الأصل وم: التفضيل.. ٣ في الأصل وم: أخبر.. ٤ في الأصل وم: دل ذلك.. ٥ ساقطة من الأصل وم.. ٦ ساقطة من الأصل وم.. ٧ ساقطة من الأصل وم.. ٨ أدرج قبلها في الأصل وم: فقال.. ٩ ساقطة من الأصل وم.. ١٠ انظر معجم القراءات القرآنية ح٦/١١١.. ١١ في الأصل وم: بعضا.. ١٢ اللام ساقطة من الأصل وم..

الزخرف 43:33

ثم قال جعفر بن حرب للخروج عن هذا الإلزام: إنما وسع على من وسع؛ لأن التوسيع له أصلح وأخير، وضيق على من ضيق؛ لأن التضييق له أصلح وأخير في الدِّين؛ فيقال: لو كان التوسيع والتضييق لأجل الأصلح لهم في الدِّين والأخير، لم يكن ما ذكر من رفع بعض على بعض وتفضيل بعض على بعض في الرزق معنى، وقد أخبر أنه رفع بعضهم على بعض درجات، ولو كان الكل في ذلك سواء، لا يكون لبعض على بعض في ذلك فضل ولا درجة، ولأنه لو كانوا على ما يقولون هم: إنه يعطي كُلَّا ما هو الأصلح في الدِّين وأخير لهم في ذلك، فهَؤُلَاءِ الفراعنة منهم والرؤساء لو لم يكن لهم تلك السعة وتلك الأموال لا يتهيأ لهم فعل ما فعلوا ومنع الناس عن اتباع رسل اللَّه - عليهم السلام - وعلى ذلك فرعون إنما ادعى لنفسه الألوهية بما أعطي له من الملك والسعة ما لو لم يكن له ذلك لم يدع ذلك، وكان ذلك أصلح في الدِّين؛ فدل أن اللَّه تعالى قد يترك ما هو الأصلح لهم في الدِّين، وأن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدِّين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا). قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (سِخْرِيًّا) -بكسر السين-: الاستهزاء، وتأويله: أنه علم منهم أن بعضهم يستهزئ ببعض، ويهزأ بعضهم بعضًا، أعطى ذلك لهم؛ ليكون منهم ما علم منهم من الهزء والسخرية، لا أن يكون يرفع بعضهم على بعض؛ ليأمر بما علم أنه يكون منهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). يحتمل قوله: (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ): النبوة؛ أي: ما اختار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الرسالة والنبوة خير مما يجمع أُولَئِكَ الكفرة. ويحتمل: ما يدعوهم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويختار لهم من التوحيد والدِّين خير مما يجمعون هم من الأموال. ويحتمل: ما وعد لأهل الإيمان من الثواب والكرامة بإيمانهم -وهو الجنة- خير مما يجمعون، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) أي: لولا أن يصير الناس كلهم على ملة واحدة - وهو دين الكفر - وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا. في الآية دلالة التزهيد في الدنيا؛ لأنه ذكر أنه أعطى الكفار ما ذكر، لولا رعاية قلوب ضعفة الإيمان، حتى لا يتحولوا إلى دين الكفر، فما منع الكافر ما منع إنما منع بسبب المؤمن، فيجب أن يزهد فيها. وفي الآية دلالة جوده وكرمه؛ حيث لم يمنع من عادى أولياءه وعاداه نعيم الدنيا، وفي الشاهد أن من عادى آخر يمنعه ذلك ما عنده من الفضل والمال. وفيها دلالة هوان الدنيا على اللَّه - تعالى - على ما ذكره أهل التأويل؛ إذ لو كان لها عنده خطر وقدر لم يعط الكافر منها جناح بعوضة أو جناح ذبابة؛ فدل ذلك على هوانها على اللَّه تعالى. وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث قالوا: ليس على اللَّه أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين؛ لأنه أخبر - تعالى - أنه لولا ما يختار أهل الإيمان الكفر والدخول فيه وإلا جعل لأهل الكفر ما ذكر من جعل النعم، فلو كان الأصلح واجبًا في الدنيا لكان يجب أن يعطي لأهل الإيمان مثل ذلك الذي ذكر أنه لو أعطى لأهل الكفر فيكونون جميعًا أهل كفر، وإذا أعطى ذلك لأهل الإيمان لا يكونون جميعًا أهل الإيمان، وهو الأصلح في الدِّين، ومع ذلك لم يعط - دل أنه ليس على اللَّه - تعالى - حفظ الأصلح لهم في الدِّين، ولا حفظ الأخير، واللَّه الموفق. والأصل في قوله - تعالى -: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ...) الآية أنهم خيروا في هذه الدنيا أن يختاروا النعم الدائمة، أو اللذة الفانية، والنعمة الزائلة المنقطعة، فمن اختار وآثر النعيم الدائم واللذة الباقية على النعمة الزائلة واللذة الفانية، ضيق عليهم النعم الزائلة واللذة الفانية؛ لما آثر واختار الباقية على الفانية، ومن آثر الفانية الزائلة على الباقية الدائمة وسع عليه الفانية لما اختار وآثر وهو ما ذكر في قوله - تعالى -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...) الآية. بين لكل ما اختار وآثر من النعم الفانية والدائمة، وذكر الفضة والذهب وإن كانت أشياء أخر قد تكون أرفع وأعظم قدرًا منها؛ لأن هذين هما أعز الأشياء عندهم، وبهما يوصل إلى كل رفيع وعظيم، واللَّه أعلم. ثم ما ذكر من جعل السقف والمعارج من الفضة، وما ذكر من الزخرف هو رد ما قاله فرعون في حق موسى - عليه السلام -: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ)، أي: لخساسة الدنيا، وهو أنها لم يعط لأوليائه والأخيار من عباده، ولولا ما يكون من ترك أهل الإيمان وإلا لكان في حق كل كافر مثل ما

الزخرف 43:34

الآيات ٣٣ و٣٤ و٣٥ وقوله تعالى :﴿ولولا أن يكون الناس أمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾ ﴿ولبيوتهم أبوابا وسُررا عليها يتّكئون﴾ ﴿وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين﴾ أي لولا أن يصير الناس كلهم على [ ملة ](١) واحدة، وهو دين الكفر، وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا. وفي(٢) الآية دلالة التزهيد في الدنيا لأنه ذكر أنه أعطى الكفار ما ذكر لولا رعاية قلوب ضَعَفة المؤمنين حتى لا يتحولوا إلى دين الكفر. فما منع الكافر ما منع إنما منع بسبب المؤمن، فيجب أن يزهد فيها. وفي الآية دلالة جوده وكرمه حين(٣) لم يمنع من عادى أولياءه عن(٤) نعيم الدنيا. وفي الشاهد أن من عادى آخر يمنعه ذلك من الفضل والمال. وفيها دلالة هوان الدنيا على الله على ما ذكر أهل التأويل ؛ إذ لو كان لها عنده خطر وقدر لم يُعط الكافر منها جناح بعرضة أو جناح ذُبابة. فدلّ ذلك على هوانها على الله تعالى. وفيه دلالة نقض قول المعتزلة حين(٥) قالوا : ليس على الله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين، لأنه أخبر تعالى. أنه لولا ما يختار أهل الإيمان الكفر والدخول فيه، وإلا جعل لأهل الكفر ما ذكر من جعل النعم. فلو كان الأصلح واجبا في الدنيا لكان يجب أن يُعطي لأهل [ الإيمان ](٦) مثل ذلك الذي ذكر أنه لو أعطى لأهل الكفر، فيكونون جميعا أهل كفر. وإذا أعطى ذلك لأهل الإيمان لا يكونون جميعا [ أهل الإيمان ](٧) وهو الأصلح في الدين، ومع ذلك لم يُعط. دلّ أنه ليس على الله تعالى حفظ الأصلح لهم في الدين ولا حفظ الأخير، والله الموفّق. والأصل في قوله تعالى :﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن﴾ الآية أنهم خُيّروا في هذه الدنيا [ بين ](٨) أن يختاروا النعم الدائمة واللذة [ الباقية وبين أن يختاروا اللذة ](٩) الفانية والنعمة الزائلة المنقطعة. فمن اختار، وآثر النّعم الدائمة واللذة الباقية على النعمة الزائلة واللذة [ الفانية ](١٠) ضيّق عليه النعم الزائلة واللذة الفانية لما آثر، واختار الباقية على الفانية. ومن آثر الفانية الزائلة على الباقية الدائمة وسّع عليه الفانية لما اختار، وآثر، وهو ما ذكر في قوله تعالى :﴿من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا﴾ ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيا وهو مؤمن﴾ الآية [ الإسراء :‍١٨ و١٩ ] بيّن لكل ما اختار، وآثر من النعم الفانية والدائمة، وذكر الفضة والذهب، وإن كانت أشياء أُخر، قد تكون أرفع وأعظم قدرا منها، لأن هذين هما أعزّ الأشياء عندهم، وبهما يوصل إلى كل رفيع وعظيم، والله أعلم. ثم ما ذكر من جعل السّقف والمعارج وما ذكر من الزخرف هو ردّ ما قاله فرعون في حق موسى عليه السلام :﴿فلولا أُلقي عليه أسوِرة(١١) من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾ [الزخرف: ٥٣] أي لخساسة الدنيا وهوانها لم يُعط الأولياء والأخيار من عباده. ولولا ما يكون من ترك أهل الإيمان وإلا لكان في حق كل كافر سُئل ما فعل في حق فرعون وأمثاله، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين﴾ أي كل ما ذكر ليس إلا متاع الحياة الدنيا أعطى من آثره(١٢) على نعيم الآخرة، والعاقبة للمتقين لما(١٣) اختاروها على غيرها، والله المستعان. قال القتبيّ : المعارج، يقال : عرج أي صعِد، ومنه المعراج لأنه سبب إلى السماء، أي(١٤) طرق ﴿عليها يظهرون﴾ أي يعلنون ؛ ظهرت على البيت إذا علوت سطحه، والزخرف : الذهب. وكذا قول أبي عوسجة : المعارج المصاعد، والمعراج المِصعد، والزخرف كل شيء حسن، والزخرفة التحسين والتزيين. وهذا أشبه. ألا ترى أنه قال في آية أخرى :﴿إذا أخذت الأرض زُخرفها﴾ [يونس: ٢٤] أي زينتها وحسنها، والسقف هو سماء البيت. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٣ في الأصل وم: حيث.. ٤ في الأصل وم: عاداه.. ٥ في الأصل وم: حيث.. ٦ من م، ساقطة من الأصل.. ٧ من م، في الأصل: لأهل.. ٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ٩ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.. ١٠ ساقطة من الأصل وم.. ١١ في الأصل وم: اساور. انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/١١٩.. ١٢ الهاء ساقطة من الأصل وم.. ١٣ في الأصل وم: كما.. ١٤ في الأصل وم: أو..

الزخرف 43:35

فعل في حق فرعون وأمثاله، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) أي: كل ما ذكر ليس إلا متاع الحياة الدنيا، أعطى من آثره على نعيم الآخرة والعاقبة للمتقين كما اختاروها على غيرها، واللَّه المستعان. قَالَ الْقُتَبِيُّ: المعارج: الدرج؛ يقال: عرج: أي: صعد، ومنه المعراج؛ لأنه سبب إلى السماء أو طرف، (عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ) أي: يعلون؛ ظهرت على البيت: إذا علوت سطحه، والزخرف الذهب، وكذا قول أبي عَوْسَجَةَ: المعارج: المصاعد، والمعراج: الصعود، والزخرف: كل شيء حسن، والزخرفة: التحسين والتزيين. وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ). أي: زينتها وحسنها، والسُّقُفُ: جمع السَّقْفِ، وهو سمك البيت. * * * قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا). قَالَ بَعْضُهُمْ: (يَعْشُ) أي: يعرض عن ذكر الرحمن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (يَعْشُ) أي: يعمى بصره، ويضعف عن ذكر الرحمن؛ أي: يعمى عنه ولا يقبله. وقَالَ بَعْضُهُمْ: عشى يعشو من عمى البصر وضعفه، وعشى يعشى من الإعراض. وقال أبو عبيدة: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) أي: يظلم بصره. وقال الفراء: (وَمَنْ يَعْشُ) أي: يعرض عنه، (وَمَنْ يَعْشَ) بنصب الشين أي: يعمى

الزخرف 43:36

الآية ٣٦ وقوله تعالى :﴿ومن يعْشُ عن ذكر الرحمن نُقيّض له شيطانا﴾ قال بعضهم :﴿يعشُ﴾ أي يُعرِض ﴿عن ذكر الرحمن﴾ وقال بعضهم :﴿يعش﴾ أي يعم بصره، ويضعف ﴿عن ذكر الرحمان﴾ أي يعم عمه، ولا يقبله. وقال بعضهم : عشِيَ يعشى من عمَى البصر وضعفه، وعشى يعشو من الإعراض. وقال أو عبيدة :﴿ومن يعشُ عن ذكر الرحمن﴾ أي يظلم بصره. وقال الفرّاء :﴿ومن يعشُ﴾ أي يُعرِض عنه، ومن يعش بنصب(١) الشين أي يعم عنه. وقال أبو عوسجة : يعش أي يجاوز، وإن شئت جعلته من العشا، وهو ظلمة البصر، وإن شئت جعلته من التعاشي، وهو التّعامي، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿عن ذكر الرحمن﴾ القرآن، ويحتمل التوحيد والإيمان، ويحتمل رسول الله ﷺ. وقوله تعالى :﴿نُقيّض له شيطانا فهو له قرين﴾ قال بعضهم :﴿نقيّض﴾ نقدّر، والتقييض التقدير ؛ يقال : قيّض الله لك خيرا أي قدّره، وهو قول أبي عوسجة : وقال بعضهم :﴿نقيّض﴾ أي نهيّئ ﴿له شيطانا﴾ ونضمّ إليه ﴿فهو له قرين﴾. والأصل في ذلك أن من آثر معصية الله، واختارها على طاعته، وكانت لذّته وشهوته في ذلك، فالشيطان حين اختار معصية الله على طاعته، صارت لذّته في ذلك. وعلى ذلك من اتّبعه في ما دعاه، وأجابه إلى ما دعاه، وصارت لذّته في ذلك، قاربه، ولازمه في ذلك ليكونا جميعا في الدنيا والآخرة على ما ذكر في آية أخرى :﴿احشُروا الذين ظلموا وأزواجهم﴾ الآية [الصافات: ٢٢]. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/١١٣..

الزخرف 43:37

عنه. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يَعْشُ) أي: يجاوز، وإن شئت جعلته من العشى، وهو ظلمة البصر، وإن شئت جعلته من التعاشي، وهو التعامي، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ): القرآن. ويحتمل: التوحيد والإيمان. ويحتمل: رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ). قَالَ بَعْضُهُمْ: نقيض: نقدر، والتقييض: التقدير؛ يقال: قيض اللَّه لك خيرًا، أي: قدره، وهو قول أبي عَوْسَجَةَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نقيض: أي: نهيئ له شيطانًا ويضم إليه (فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)، والأصل في ذلك أن من آثر معصية اللَّه واختارها على طاعته كانت لذته وشهوته في ذلك، فالشيطان حيث اختار معصية اللَّه على طاعته صارت لذته في ذلك، وعلى ذلك من اتبعه فيما دعاه، وأجابه إلى ما دعاه إليه صارت لذته في ذلك، قارنه ولازمه في ذلك ليكونا جميعًا في ذلك في الدنيا والآخرة؛ على ما ذكر في آية أخرى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ... (٣٧) السبيل المطلق هو سبيل اللَّه، والدِّين المطلق هو دين اللَّه، والكتاب المطلق هو كتاب اللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) كانوا يحسبون أنهم مهتدون؛ لأن الشياطين كانوا يزينون لهم ويقولون: إن الذي أنتم عليه هو دين آبائكم وأجدادكم، ولو كانوا على باطل لا على حق ما تركوا على ذلك، ولكن أهلكوا واستؤصلوا، فإذ لم يهلكوا وتركوا على ذلك ظهر أنهم كانوا على الحق والهدى؛ كانوا يموهون لهم ويزينون كذلك، وظنوا أنهم على الهدى كما يقول لهم الشيطان، واللَّه الهادي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا [جَاءَانَا] (١)... (٣٨) أي: الكافر وقرينه في الآخرة (قَالَ) الكافر (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) يحتمل أن يقول في الآخرة: يا ليت كان بينك وبيني في الدنيا بعد المشرقين؛ حتى لم أكن أراك ولم أتبعك. ويحتمل أن يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين في الآخرة. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: ما بين مشرق الصيف إلى مشرق الشتاء. (١) قال السمين: قوله: ﴿إِذَا جَآءَنَا﴾: قرأ أبو عمروٍ والأخوان وحفصٌ «جاءنا» بإسنادِ الفعلِ إلى ضميرٍ مفردٍ يعودُ على لفظ «مَنْ» وهو العاشي، وحينئذٍ يكونُ هذا ممَّا حُمِل فيه على اللفظ ثم على المعنى، ثم على اللفظ، فإنَّه حُمِلَ أولاً على لفظِها في قوله: «نُقَيِّضْ له» «فهو له»، ثم جُمِع على معناها في قوله: «وإنَّهم ليَصُدُّونهم» و «يَحْسَبون أنهم»، ثم رَجَعَ إلى لفظِها في قوله: «جاءنا»، والباقون «جاءانا» مُسْنداً إلى ضميرِ تثنيةٍ، وهما العاشي وقَرينُه. (الدر المصون. ٩/ ٥٨٩) اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).

الزخرف 43:38

الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿حتى إذا جاءنا﴾ أي الكافر وقرينه في الآخرة ﴿قال﴾ الكافر ﴿يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين﴾ يحتمل أن يقول في الآخرة يا ليت كان بيني وبينك في الدنيا بُعدُ المشرقين حتى لم أكن أراك، ولم أتّبعك. ويحتمل أن يقول :﴿يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين﴾ في الآخرة. ثم قوله :﴿بُعد المشرقين﴾ قال بعضهم : ما بين مشرق الصيف والشتاء. وقال بعضهم : يحتمل [ أن يكون ](١) بُعد المشرق عن(٢) المغرب، لكن ذكر باسم ذلك أحدهما كما يقال :[ عُمَران وأسودان ](٣) سمّاهما باسم واحدهما، لأن الأسود منهما واحد، وهي الحية دون العقرب. والمراد من عُمَرين : أبو بكر وعمر. فعلى ذلك قوله :﴿بُعد المشرقين﴾. وقوله تعالى :﴿فبئس القرين﴾ حين(٤) ألجأه، وألقاه في النار والإهلاك لما ذكرناه. ١ في الأصل وم: أي.. ٢ في الأصل وم: و.. ٣ في الأصل وم: عمرين وأسودين.. ٤ في الأصل وم: حيث..

الزخرف 43:39

وقَالَ بَعْضُهُمْ: يحتمل: أي: بعد المشرق والمغرب، لكن ذكر باسم أحدهما، كما يقال: عمرين، وأسودين؛ سماهما باسم واحدهما؛ لأن الأسود منهما واحدة، وهي الحية دون العقرب، والمراد من عمرين: أبو بكر وعمر، فعلى ذلك قوله: (بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ). وقوله: (فَبِئْسَ الْقَرِينُ) حيث ألجأه وألقاه في النار والإهلاك؛ لما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ... (٣٩) أي: لا ينفعكم في الآخرة الاعتذار (إِذْ ظَلَمْتُمْ) في الدنيا؛ أي: وضعتموها غير مواضعها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) ظاهر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) ولا يملك هداية من كان في ضلال مبين. ثم معلوم أنه لم يرد بالهدى هداية البيان، ولا إسماع الآذان؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يملك ذلك كله، وقد فعل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولكنه أراد الهداية التي لا يملكها إلا هو، والإسماع الذي لا يملكه غيره، وهو التوفيق والعصمة والرشد الذي إذا أعطي من أعطي اهتدى؛ يذكر عجز رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، وهو على المعتزلة؛ لأنه أخبر أن عنده لطائف وأشياء لم يعطها كل أحد، إنما أعطى بعضها دون بعضٍ، فمن أعطاه تلك اللطائف اهتدى، وهو ما ذكرنا من التوفيق والعصمة، وعلى قولهم ليس عند اللَّه شيء يملك به هدايتهم؛ لأنهم يقولون: قد أعطى كل كافر ما لو أراد الكافر أن يهتدي يصير مهتديًا بذلك، ولم يبق عنده شيء يملك بذلك هدايتهم؛ فعلى قولهم عجزه - تعالى - عن ذلك كعجز رسول اللَّه عن ذلك، وهو إنما ذكر ذلك إعلامًا أنه هو المالك لذلك دون عباده، ومعلوم أنه إنما ذكر على الربوبية والألوهية له في ذلك، واللَّه الموفق. وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ) إنما ذكر لإياس رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن إيمان قوم علم اللَّه - تعالى - أنهم لا يؤمنون، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فيه دلالة منع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن سؤال إنزال العذاب الموعود لهم عليهم، ثم المنع فيه من وجهين: أحدهما: النهي عن سؤال بيان الوقت أن يسأل متى ينزله عليهم؟

الزخرف 43:40

الآية ٤٠ وقوله تعالى :﴿أفأنت تُسمع الصمّ أو تهدي العُمي﴾ ولا تملك هداية /٤٩٨-أ/ ﴿ومن كان في ضلال مبين﴾. ثم معلوم أنه لم يُرد بالهدى هداية البيان ولا إسماع الآذان، لأن رسول الله ﷺ كان يملك ذلك كلّه، وهو فعل رسول الله ﷺ ولكنه أراد الهداية التي لا يملك إلا هو، والإسماع [ الذي ](١) لا يملك غيره، وهو التوفيق والعصمة والرُّشد الذي إذا أعطى من أعطى اهتدى. يذكر عجز رسول الله ﷺ عن ذلك. وهو على المعتزلة لأنه أخبر أن عنده لطائف وأشياء لم يُعطها كل أحد، إنما أعطى بعضها دون بعض. فمن أعطاه تلك اللطائف اهتدى، وهو ما ذكرنا من التوفيق والعصمة. وعلى قولهم : ليس عند الله شيء يملك به هدايتهم لأنهم يقولون : قد أعطى كل كافر ما لو أراد الكافر أن يهتدي يصير مهتديا بذلك، ولم يبق عنده شيء يملك بذلك هدايتهم. فعلى قولهم : عجزه تعالى عن ذلك كعجز رسول الله عن ذلك. وهو إنما ذكر ذلك إعلاما أنه هو المالك لذلك دون عباده. ومعلوم أنه إنما ذكر على الربوبية والألوهية له [ والله الموفّق ](٢). وجائز أن يكون قوله تعالى :﴿أفأنت تُسمع الصمّ أو تهدي العُمى﴾ إنما ذكره لإياس رسول الله ﷺ من إيمان قوم، علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون، والله أعلم.

الزخرف 43:41

الآيتان ٤١ و٤٢ وقوله تعالى :﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون﴾ ﴿أو نرينّك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون﴾ فيه دلالة منع رسول الله ﷺ عن سؤال إنزال العذاب الموعود لهم عليهم. ثم المنع فيه من وجهين : أحدهما : النهي عن سؤال بيان الوقت أن يسأله متى يُنزله عليهم ؟ والثاني : النهي عن استعجاله كقوله :﴿ولا تستعجل لهم﴾ الأحقاف : ٣٥ ] كأنه يقول : ليس ذلك [ إليك إنما ذلك }(١) إلى أن شئت أنزلت في حياتك، وأريتُك ذلك، وإن شئت أمتُّك، ولم أُرك شيئا، وهو كما قال :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨]. وقال قتادة في ذلك : إن الله تعالى أذهب نبيه ﷺ وأبقى النقمة بعده، ولم يُره في أمته إلا الذي يقرّ به عينه. وليس نبي أو رسول إلا وقد رأى في أمّته العقوبة غير نبيكم، عافاه الله تعالى عن ذلك، ولا أراه إلا ما يقرّ به عينه. وقال : وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ أُري الذي تلقى أمّته من بعده، فما زال منقبضا، ما استشاط ضحِكا حتى لحق بالله تعالى. وقال الحسن قريبا من قول قتادة في قوله تعالى :﴿فإما نذهبنّ بك فإنا منهم منتقمون﴾ قال : أكرم الله تعالى نبيه ﷺ ألا يُريه في أمته ما يكره، ورفع الله تعالى، وبقيت النقمة. ١ من م، ساقطة من الأصل..

الزخرف 43:42

الآيتان ٤١ و٤٢ وقوله تعالى :﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون﴾ ﴿أو نرينّك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون﴾ فيه دلالة منع رسول الله ﷺ عن سؤال إنزال العذاب الموعود لهم عليهم. ثم المنع فيه من وجهين : أحدهما : النهي عن سؤال بيان الوقت أن يسأله متى يُنزله عليهم ؟ والثاني : النهي عن استعجاله كقوله :﴿ولا تستعجل لهم﴾ الأحقاف : ٣٥ ] كأنه يقول : ليس ذلك [ إليك إنما ذلك }(١) إلى أن شئت أنزلت في حياتك، وأريتُك ذلك، وإن شئت أمتُّك، ولم أُرك شيئا، وهو كما قال :﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨]. وقال قتادة في ذلك : إن الله تعالى أذهب نبيه ﷺ وأبقى النقمة بعده، ولم يُره في أمته إلا الذي يقرّ به عينه. وليس نبي أو رسول إلا وقد رأى في أمّته العقوبة غير نبيكم، عافاه الله تعالى عن ذلك، ولا أراه إلا ما يقرّ به عينه. وقال : وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ أُري الذي تلقى أمّته من بعده، فما زال منقبضا، ما استشاط ضحِكا حتى لحق بالله تعالى. وقال الحسن قريبا من قول قتادة في قوله تعالى :﴿فإما نذهبنّ بك فإنا منهم منتقمون﴾ قال : أكرم الله تعالى نبيه ﷺ ألا يُريه في أمته ما يكره، ورفع الله تعالى، وبقيت النقمة. ١ من م، ساقطة من الأصل..

الزخرف 43:43

والثاني: النهي عن استعجاله؛ كقوله: (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)، كأنه يقول: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إليَّ: إن شئت أنزلت في حياتك وأريتك ذلك، وإن شئت أمتك ولم أرك شيئًا من ذلك، وهو كما قال: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ...) الآية. وقال قتادة في ذلك: إن اللَّه - تعالى - أذهب نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأبقى النقمة بعده، ولم يره في أمته إلا الذي تقر به عينه، وليس نبي أو رسول إلا وقد رأى في أمته العقوبة غير نبيكم، عافاه اللَّه - تعالى - عن ذلك، ولا أراه إلا ما يقر به عينه، قال: وذكر لنا أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أري الذي تلقى أمته من بعده، فما زال إلا منقبضًا ما استشاط ضحكًا حتى لحق بالله تعالى. وقال الحسن قريبًا من قول قتادة في قوله - تعالى -: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) قال: أكرم اللَّه - تعالى - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يريه في أمته ما يكره، ورفعه اللَّه - تعالى - وبقيت النقمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) الوحي إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من وجوه ثلاثة: أحدها: القرآن، وهو الظاهر من الوحي إليه. والثاني: وحي بيان، يبين للناس ما لهم وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض على لسان الملك جبريل أو غيره؛ على ما أراد اللَّه تعالى. والثالث: وحي إلهام وإفهام، كقوله - تعالى -: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)، وما أراه اللَّه - تعالى - هو ما ألهمه وأفهمه أمره - عَزَّ وَجَلَّ - بالتمسك على أنواع ما أوحي إليه ما هو قرآن وما هو بيان، وما هو إفهام، وأراه وآمنه أن يزيغ أو يزل أو يعدل عن الصواب في ذلك كله، ويبشره في ذلك كله أنك لو تمسكت بجميع ما أوحي إليك كنت على صراط مستقيم؛ حيث قال: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) جائز أن يكون المراد بالذكر جميع أنواع ما أوحي إليه؛ فإن قوله: (وَإِنَّهُ) كناية عن قوله: (بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ) أي: جميع ما

الزخرف 43:44

الآية ٤٤ وقوله تعالى :﴿وإنه لذِكر لك ولقومك﴾ وجائز أن يكون المراد بالذّكر جميع ما أوحي إليه. فإن قوله :﴿وإنه﴾ لكناية عن قوله :﴿بالذي أوحي إليك﴾ أي جميع ما أوحي إليه شرف له ولقومه لما اختصّه، واختاره بذلك من بين غيرهم، والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد من الذّكر حقيقة الذّكر، أي ما أوحي إليه ذكر له ولقومه ؛ يذكّرهم ما لله عليهم وما لبعضهم على بعض، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وسوف تُسألون﴾ يحتمل ﴿وسوف تُسألون﴾ شُكر ما أوحي إليك وأن يصير ما أوحي إليك ذِكرا لك ولقومك وعن القيام بشُكر ذلك. ويحتمل :﴿وسوف تسألون﴾ القيام بالأداء(١) جميع القرآن وفي ما أوحي إليه. ويحتمل :﴿وسوف تُسألون﴾ من كذّبه على ما يقول بعض أهل التأويل ؟ [ ويحتمل ](٢) :﴿وسوف تسألون﴾ أشكرتم تلك النعمة أم لا ؟ ويحتمل :﴿وسوف تسألون﴾ يوم القيامة عن القرآن : هل عملتم بما فيه ؟ والله أعلم. ١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: تأول.. ٢ في الأصل وم: أو..

الزخرف 43:45

أوحي إليه شرف له ولقومه؛ لما اختصه واختاره بذلك من بين غيرهم، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون المراد من الذكر حقيقة الذكر؛ أي: ما أوحي إليه ذكر له ولقومه، يذكر لهم ما لله عليهم وما لبعضهم على بعض، واللَّه أعلم. وقوله: (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) يحتمل: وسوف تسألون بشكر ما أوحي إليك، وأن يصير ما أوحي إليك ذكرًا لك ولقومك، وعن القيام بشكر ذلك. ويحتمل: (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) القيام بأوامر جميع القرآن وفيما أوحي إليه. ويحتمل: (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) مَن كذبه؟ على ما يقول بعض أهل التأويل. أو (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) أشكرتم تلك النعمة أم لا؟ ويحتمل (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) يوم القيامة عن القرآن هل عملتم بما فيه؟ واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) والإشكال: أن ما كان عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من آيات صدقه أظهر من أمره أن يسأل من أهل الكتاب؛ إذ آيات صدقه معجزات عجزت الكفرة عن إتيان مثلها، وليس مع من أمره بالسؤال عن ذلك آيات المعجزات، فما معنى السؤال له من أهل الكتاب عن ذلك؟ فنقول: أمره - عَزَّ وَجَلَّ - إياه بالسؤال عنهم يخرج على وجهين: أحدهما: يسألهم سؤال توبيخ وتعيير، وسؤال تقرير وتنبيه: هل أتى رسول من الرسل - عليهم السلام - الذين أرسلوا من قبلك أو كتاب بالأمر بعبادة غير اللَّه؟ فيقرون جميعًا أنه لم يأت رسول بإباحة ذلك، ولا أمر أحد منهم بذلك. والثاني: أن هذا أمر لغيره أن يسألهم، وإن كان ظاهر الأمر والخطاب له؛ لما ذكرنا أن

الزخرف 43:46

أدلة صدقه أظهر من دلالة صدق أُولَئِكَ، وهو كقوله: (يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ...) إلى قوله: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا)، وكقوله: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، و (الْمُشْرِكِينَ)؛ إذ معلوم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان لا يشك ولا يمتري في شيء من ذلك، فرجع الخطاب إلى غير ما ذكرنا. ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا...) الآية؛ أي: لو سألتهم عن ذلك لقالوا جميعًا: لم يرسل بأمر بعبادة غير اللَّه - تعالى - واللَّه أعلم. وحكاية على هذا -وليس من نسخة الأصل- سمعت مفسرًا ببخارى يقول: نزلت هذه الآية ليلة المعراج ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما دخل بيت المقدس رأى الرسل والأنبياء - عليهم السلام - مجتمعين، ثم تقدم وصلى بهم ركعتين، فقام جبريل - عليه السلام - من الصف وقال: يا مُحَمَّد (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ؍ (٤٦) قد ذكرنا آيات موسى - عليه السلام - التي أتى بها في غير موضع، وفيه الأمر بتبليغ الرسالة.؍ وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وفيه أن التقية لا تسع للرسل - عليهم السلام - في ترك تبليغ الرسالة وإن خافوا على أنفسهم الهلاك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) هكذا عادة الفراعنة والرؤساء من الكفرة أنهم إذا أتاهم الرسل بالآيات ضحكوا منهم، واستهزءوا بهم؛ كقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ...) الآية. وقوله: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن كل آية تأخرت عن الآية الأخرى فهي أعظم وأكبر من التي تقدمت؛ نحو ما كان منهم من الاستعانة؛ حيث قالوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ)، ثم هو مما أراهم من الآيات قبل ذلك أعظم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا) وكانت اليد أعظم وأكبر من العصا؛ لأن العصا قد تهيأ للسحرة تمويهها وتحويلها من جنس العصا وجوهرها إلى غيرها من الجواهر، ولم يتهيأ لهم تحويل اليد عن جوهر اليد، وقد كان ذلك لموسى - عليه

الزخرف 43:47

الآية ٤٧ وقوله تعالى :﴿فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون﴾ هكذا عادة الفراعنة والرؤساء من الكفرة أنهم إذا أتاهم الرسل بالآيات ضحِكوا منهم، واستهزؤوا بهم كقوله تعالى :﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون﴾ الآية [المطففين: ٢٩].

الزخرف 43:48

الآية ٤٨ وقوله تعالى :﴿وما نُريهم من آية إلا هي أكبر من أُختها﴾ قال بعضهم : إن كل /٤٩٨-ب/ آية تأخّرت عن الآية الأخرى، فهي أعظم وأكبر من التي تقدمت نحو ما كان منهم من الاستغاثة حين(١) قالوا :﴿ادعُ لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرّجز لنؤمننّ لك﴾ [الأعراف: ١٣٤] ثم هو مما أراهم من الآيات قبل ذلك أعظم. وقال بعضهم :﴿إلا هي أكبر من أختها﴾ كانت اليد أعظم وأكبر من العصا لأن العصا قد تتهيأ للسّحرة تمويها، وتحويلها من جنس العصا في جوهرها إلى غير الجواهر، ولم يتهيأ لهم تحويل اليد عن جوهر اليد، وقد كان ذلك لموسى. دلّ أن آية اليد أكبر من آية العصا، والله أعلم. وقال بعضهم : هذا ليس على تحقيق جعل آية أكبر وأعظم من آية العصا. ولكن وصف الكل بالعِظم والكِبر كقوله تعالى :﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا﴾ [النساء: ١١] ليس على إثبات القُرب في أحدهما دون الآخر. ولكن وصف قرب كل واحد منهما من الآخر على السؤال، وكما يقال في العُرف : إن أفراس فلان، كل واحد أعدى من الآخر، وإن أصحاب فلان، كل واحد أفضل من الآخر، وإنه لا يُراد بذلك الترجيح، ولكن إثبات الخبر على السؤال. فعلى ذلك قوله تعالى :﴿وما نُريهم من آية إلا هي أكبر من أختها﴾ وصف لهما جميع بالكِبر، والله أعلم. ثم ذكر قوله تعالى :﴿فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون﴾ وغير ذلك من أمثاله لرسول الله ﷺ ليصبّره على أذى قومه وأنواع ما كانوا يستقبلون من الاستهزاء به وبأتباعه والضحك بما أتاهم من الآيات والحجج على رسالته. وعلى ذلك ما قال :﴿وكلاّ نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نُثبّت به فؤادك﴾ [هود: ١٢٠] أخبر أنه إنما قصّ عليه أنباء الرسل المتقدمة لتسلية فؤاده، والله أعلم. ١ في الأصل وم: حيث..

الزخرف 43:49

السلام - دل أن آية اليد أكبر من آية العصا، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا ليس على تحقيق جعل آية أكبر وأعظم من آية العصا، ولكن وصف الكل بالعظم والكبر؛ كقوله - تعالى -: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)، ليس على إثبات القرب في أحدهما دون الآخر، ولكن وصف قرب كل واحد منها من الآخر على السؤال، وكما يقال في العرف: إن أفراس فلان كل واحد أعدى من الآخر، وإن أصحاب فلان كل واحد أفضل من الآخر، وأنه لا يراد بذلك الترجيح، ولكن إثبات المخبر عنه؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا) وصف لهما جميعًا بالكبر، واللَّه أعلم. ثم ذكر قوله - تعالى -: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ) وغير ذلك من أمثاله لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليصبره على أذى قومه، وأنواع ما كانوا يستقبلونه من الاستهزاء به وبأتباعه، والضحك بما أتاهم من الآيات والحجج على رسالته، وعلى ذلك ما قال: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) أخبر أنه إنما قص عليه أنباء الرسل المتقدمة لتسلية فؤاده، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) والإشكال أنهم كيف يسمونه ساحرًا وكانوا يطلبون منه أن يدعو ربه ويسأله حتى يكشف عنهم العذاب؟ فنقول: روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: سموه: ساحرًا؛ لأن الساحر عندهم هو العالم المعظم الذي بلغ في العلم غايته ونهايته؛ لذلك قالوا: يا ساحر، ادع لنا ربك، وإلا لا يحتمل أن يكونوا يسألونه ويطلبون منه أن يدعو ربه ليكشف عنهم العذاب، ثم يسمونه: ساحرًا ويعنون به: سحرًا للكذب والباطل، واللَّه أعلم. وقال مقاتل: إنهم قالوا: (يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) قال لهم موسى - عليه السلام -: كيف أدعو ربي ليكشف عنكم ما ينزل بكم، وقد تسمونني ساحرًا، فرجعوا عن ذلك فقالوا: (يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ)؛ على ما ذكر في سورة الأعراف: الآية، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون قولهم: (يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) سموه: ساحرًا على ما كان عندهم أنه ساحر، فيقولون: إنك ساحر، إلا أن تدعو ربك فيكشف عنا الرجز؛ فعند ذلك

الزخرف 43:50

نعلم أنك لست بساحر وأنك رسول؛ فنؤمن بك. ويحتمل أن يكون عندهم أن اليد البيضاء والعصا، وما أتى به موسى مما يبلغ السحر إلى تغيير ذلك عن جوهره، ويستفاد بالسحر مثله، لكن سألوا منه أن يسأل ربه ما ذكروا؛ لما علموا أن إجابة الدعاء فيما دعا لا يكون لساحر، ولا يجاب إلا للرسول والذي على الحق، فإذا أجابك إلى ما سألت آمنا بك، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك على حقيقة إرادة السحر على التناقض والتمويه على الأتباع؛ كقوله: (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا)، فالآية لا يسحرهم بها؛ لأن الآية هي التي لا حقيقة لها ولا دوام، فإذا كان آية لا يسحرهم بها، ولا تكون سحرًا، وإذا كان سحرًا لا يكون آية، فكانت عامة أقوالهم خرجت على التناقض؛ على ما ذكرنا في غير آي من القرآن، فعلى ذلك يحتمل هذا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) قد كان اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عاهد موسى - عليه السلام - لئن آمنوا، أكشف عنهم العذاب، فلما دعا وكشف عنهم العذاب، لم يؤمنوا، واللَّه أعلم. ويشبه أن يكون عهده إليه ما جعله نبيًّا واختصه لرسالته. ويحتمل قوله - تعالى -: (بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) على الإضمار؛ كأنهم قالوا: ادع لنا ربك بما عهد كل واحد منا عندك لئن كشفت عنا العذاب إنا لمهتدون، وهو قوله - تعالى - في آية أخرى: (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ)، ألا ترى أنه قال: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) أي: ينقضوا ما عهدوا، وعهدهم ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) يقول اللعين هذا مقابل ما ادعى موسى - عليه السلام - من الرسالة، يموه بذلك على قومه وأتباعه؛ أي: لئن كان اللَّه أرسل رسولا، فأنا أحق وأولى بالرسالة من موسى؛ ولذلك قال: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) أي؛ ضعيف لا مال له، ولا حشم، ولا تبع، (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) حجته، وكذلك قال: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) كما ألقي عليَّ، وكما أعطاني من المال والذهب. أو يقول: إن من كان له رسول يكرمه بأنواع الكرامات ويبذل له أموالا، فإذ لم يؤته شيئًا من ذلك فليس برسول. أو يقول؛ إنه لو كان رسولا كما يقول، لألقى اللَّه عليه من الأساورة ما ألقيت أنا على

الزخرف 43:51

الآية ٥١ وقوله تعالى :﴿ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي مُلك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تُبصرون﴾ يقول اللعين هذا مقابل ما ادّعى موسى عليه السلام من الرسالة، يُموّه بذلك على قومه وأتباعه، أي لئن كان الله أرسل رسولا فأنا أحق وأولى بالرسالة من موسى.

الزخرف 43:52

أتباعي وحشمي، ونحوه. وكان فرعون لا يزال يموه أمر موسى - عليه السلام - على قومه، من ذلك قوله: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ)، ومنه قوله: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ)، ونحو ذلك كثير، فعلى ذلك هذا منه تمويه على قومه، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢). قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: لا يكاد يبين حجته؛ لما في لسانه عقدة ورُتَّة؛ يقول: عيي اللسان. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن فرعون لا يعني ذلك؛ لأن اللَّه - تعالى - قد أذهب تلك العقدة والرتة التي في لسانه حين دعا وسأل ربه بقوله: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي)، وقد أجاب اللَّه دعاءه؛ حيث قال: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)، ولكن أراد - واللَّه أعلم -: لا يكاد يبين حجته؛ أي: ليس يأتي بحجة تأخذ القلوب. وقَالَ الْقُتَبِيُّ في قوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) قال: أما أنا خير منه؟ وقال أهل التأويل: أنا خير منه. وجائز أن يكون قوله: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ) موصولا بقول فرعون حيث قال: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) أنا خير منه بأن لي ملك مصر، وليس لموسى - عليه السلام - ذلك؛ على ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) هذا القول منه يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: إن كان موسى يدعي الملك في الدنيا ويطلبه فهلا ألقي عليه أساور من ذهب كما يلقى للملوك من الأساور، والتاج، وغير ذلك، وإن كان يدعي الرسالة لنفسه فهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ ولا يزال الكفرة يطلبون من الرسل الآيات على وجه يتمنون هم ويشتهون، فأخبر أن الآيات ليست تأتي على ما يتمنون ويشتهون، ولكن على ما أراد اللَّه تعالى. والثاني: يجمع الأمرين جميعًا فيقول: إنه يدعي الرسالة، والرسول معظم عند

الزخرف 43:53

الآية ٥٣ وقوله تعالى :﴿فلولا أُلقي عليه أسوِرة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين﴾ هذا القول منه يخرّج على وجهين : أحدهما : يقول : إن كان موسى يدّعي المُلك في الدنيا، ويطلبه فهلا أُلقي عليه أساور من ذهب كما يُلقى على الملوك من الأساور والتاج وغير ذلك. وإن كان يدّعي الرسالة /٤٩٩-أ/ بنفسه فهلاّ كان معه الملائكة مقترنين ؟ ولا يزال الكفرة يطلبون من الرسل الآيات على وجه، يتمنّونه(١)، ويشتهون. فأخبر أن الآيات ليست تأتي على ما يتمنّون، ويشتهون، ولكن [ على ](٢) ما أراد الله تعالى. والثاني : يجمع الأمرين جميعا، فيقول : إنه يدّعي الرسالة، والرسول معظّم عند المُرسِل، فيقول : إن كان ما يقول حقا فهلاّ أُلقي عليه الأساور تعظيما له ؟ وهلاّ كان معه الملائكة مقترنين تعظيما له وإجلالا ؟ والله أعلم. وقال بعضهم : في قوله :﴿فلولا أُلقي عليه أسوِرة من ذهب﴾ أي هلاّ سُوِّر لأن الرجل منهم إذا ارتفع فيهم سوّروه، أو جاء معه الملائكة مصدّقين له بالرسالة. وقال القتبيّ وأبو عوسجة : أساور وأسورة جمع السّوار، والرجل إسوار أي رام، وقوم أساورة، وإنما سمّي الرامي إسوارا لأنه إذا أجاد الرمي جُعل في يده سوار من ذهب ١ في الأصل وم: يتمنون هم.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..

الزخرف 43:54

المرسِل، فيقول: إن كان ما يقول حقًّا فهلا ألقي عليه الأساور تعظيمًا، وهلا كان معه الملائكة مقترنين؛ تعظيمًا له وإجلالا، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) أي: هلا سوّر؟ لأن الرجل منهم إذا ارتفع فيهم سوروه، أو جاء معه الملائكة مصدقين له بالرسالة. قَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: أساور وأسورة جمع السوار، ورجل أسوار؛ أي: رامي، وقوم أساورة، وإنما سمي الرامي: أسوارًا؛ لأنه إذا أجاد الرمي جعل في يده سوارًا من ذهب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: فاستخف بقومه واسترذلهم فأطاعوه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) أي: استرذلهم واستفزهم بالخروج على أتباع موسى وطلبه فأطاعوه، وذلك أنه أمرهم بالخروج معه في طلب موسى لما خرج من عندهم نحو البحر، فأطاعوه في ذلك، وخرجوا معه في طلبه، حتى أصابهم ما أصابهم؛ وكأن هذا أشبه وأقرب، واللَّه أعلم. وقوله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥). هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: فلما عملوا الأعمال التي استوجبوا لها الغضب انتقمنا منهم على ذلك؛ لأن ظاهر قوله - تعالى -: (آسَفُونَا) أي: أغضبونا، وصفة الغضب على الحدوث لله - تعالى - لا تجوز، فكأن المراد منه: ظهور أثر الغضب استوجب العذاب، والله أعلم. والثاني: (فَلَمَّا آسَفُونَا) أي: أغضبوا أولياءنا (انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ)؛ أي: سلطنا عليهم بدعاء أُولَئِكَ الأولياء. أو ننتقم منهم بسبب إغضابهم أولياءنا، وهو كقوله - تعالى -: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ)، أي: يخادعون أولياء اللَّه؛ فعلى ذلك هذا. وقوله: (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) هو يخرج على وجهين: أحدهما: جعلناهم في العقوبة سلفًا للمتأخرين ومثلا للمؤمنين؛ أي: عبرة لهم، وهو كقوله: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).

الزخرف 43:55

الآية ٥٥ وقوله تعالى :﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين﴾ هذا يخرّج على وجهين : أحدهما : أي فلما عملوا الأعمال التي استوجبوا لها الغضب انتقمنا منهم على ذلك، لأن ظاهر قوله :﴿آسفونا انتقمنا منهم﴾ أي أغضبونا. وصفة الغضب على الحدوث لله تعالى لا يجوز، فكان المراد منه ظهور أثر الغضب واستيجاب(١) العذاب، والله أعلم. والثاني :﴿فلما آسفونا﴾ أي أغضبوا(٢) أولياءنا ﴿انتقمنا منهم﴾ أي سلّطنا عليهم بدعاء أولئك الأولياء، لننتقم منهم بسبب إغضابهم أولياءنا، وهو كقوله :﴿يُخادعون لله﴾ [البقرة: ٩] أي يخادعون أولياء الله. فعلى ذلك هذا. ١ الواو ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: أغضبونا..

الزخرف 43:56

الآية ٥٦ وقوله تعالى :﴿فجعلناهم سلَفاً ومثلا للآخرين﴾ هو يخرّج على وجهين : أحدهما : جعلناهم في العقوبة سلفا للمتأخرين ومثلا للمؤمنين أي عبرة لهم، وهو كقوله :﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين﴾ [البقرة: ٦٦]. والثاني :﴿فجعلناهم سلَفًا ومثلا للآخرين﴾ في العظة والانزجار لهم ليمتنعوا عن مثل ما فعلوا خوفا من الوقوع في ما وقعوا، والله أعلم. وقل القُتبيّ :﴿فجعلناهم سلَفًا﴾ بالرفع والنصب(١) وهو من التقدم، أي جعلناهم قُدُما ؛ تقدّموا، مثل خَشب وخُشُب وثَمَر وثُمُر. وكذلك يقول أبو عوسجة، وقال : السّلف الخيرات والجميع سُلوف. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/١٢٠..

الزخرف 43:57

والثاني: جعلناهم سلفًا ومثلا للآخرين في العظة والانزجار لهم؛ ليمتنعوا عن مثل ما فعلوا خوفًا عن الوقوع فيما وقعوا، واللَّه أعلم. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (فجعلناهم سلفًا) بالرفع والنصب، وهو من التقدم؛ أي جعلناهم قدمًا تقدموا، مثل: خَبَث، وخُبُث، وثَمَر، وثمُر. وكذلك يقول أَبُو عَوْسَجَةَ؛ وقال: السلف: الخيرات، والجميع: سلوف. * * * قوله تعالى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) اختلف فيما ذكر من ضرب المثل لعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام: قَالَ بَعْضُهُمْ: لما نزل قوله - تعالى -: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) فقال أُولَئِكَ الكفرة الذين كانوا يعبدون الأصنام: إن عيسى عبد دونه، وعزير والملائكة يعبدون دونه، فهَؤُلَاءِ جميعًا في النار إذن؛ لأنهم عبدوا دونه، فإن كان هَؤُلَاءِ في النار فقد رضينا أن نكون معهم وهم معنا، وهو ما ذكروا على إثره: (أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) يعنون بقولهم: (هُوَ): عيسى - عليه السلام - فذلك منهم يخرج على وجهين: أحدهما: لئن جاز أن يعذب عيسى - عليه السلام - ومن عُبِدَ من هَؤُلَاءِ دون اللَّه في النار رضينا أن تُعذب آلهتنا في النار؛ إذ هم ليسوا بخير من عيسى - عليه السلام - وهَؤُلَاءِ الذي عبدوا دون اللَّه من الملائكة وغيرهم. والثاني: يقولون: إن كان عيسى يعذب في النار لما عبد دونه فآلهتنا التي نعبدها دونه خير منه فلا تعذب؛ لأنها خير. فأحد التأويلين يرجع إلى أنهم يقولون: لو جاز وصلح أن يعذب كل معبود دونه جاز أن تعذب الأصنام التي نعبدها نحن. والثاني: يقولون: إن كان يعذب عيسى وغيره الذين عبدوا دونه فالأصنام التي نعبدها نحن لا تعذب؛ لأنها خير من أُولَئِكَ، واللَّه أعلم. فنقول: إنما يكون لهم هذا الاحتجاج بالآية؛ أن لو كانت الأصنام إنما تحرق في النار تعذيبًا لها، أعني: الأصنام؛ فأما إذا كانت الأصنام إنما تحرق بالنار تعذيبًا لمن عبدها، وعقوبة لمن اتخذها أربابًا دون اللَّه فلا، وإنما تحرق الأصنام التي اتخذوها من الحجارة والحديد والصُّفْر؛ لزيادة تعذيب العبدة؛ كقوله - تعالى -: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، مع أنه لا جناية من الأصنام، ولا ضرر لها بالإحراق؛ فكيف يحرق عيسى ومن عبد دونه من الملائكة، وفي إحراقهم تعذيبهم؛ إذ هم يتضررون بها، ولا جناية منهم، فإذا كان إدخال الأصنام التي عبدوها وإحراقها في النار لتعذيب أُولَئِكَ الذين عبدوها فلا معنى لتلك الخصومة والمجادلة التي كانت منهم، واللَّه أعلم. وبعد: فإن في الآية بيانًا على أن الذي ذكر من جعل المعبود حصبًا للنار راجع إلى عبادة الأصنام والأوثان خاصة دون غيرهم؛ لأنه خاطب أهل مكة بقوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ...) الآية، وأهل مكة كانوا لا يعبدون إلا الأصنام والأوثان، لا عيسى ولا غيره من البشر والملائكة، فذلك لهم ولكل عابد الأصنام دون غيرهم من المعبودين؛ استدلالا بهم، واللَّه أعلم. على أن في الآية بيانًا - أيضًا - أنه لم يرجع إلى ما ذكروا من عيسى وغيره، فإنه قال: (وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وكلمة " ما " تستعمل في غير العقلاء من الجمادات وغيرها، لا في ذوات العقلاء. وعلى أن في الآية بيانًا من وجه آخر - أيضًا - على أنهم غير مرادين بها، فإنه استثنى وخصّ بقوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)، أخبر أن من سبقت له منه الحسنى يكون مبعدًا عنها، ولا شك أن عيسى والملائكة - عليهم السلام - قد سبقت لهم منه الحسنى، فلا يحتمل صرف تلك الآية إليهم، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ...) الآية ، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك، وهم الشياطين؛ لأن من عبد دون اللَّه أحدًا إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه، فأما من كان يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل، وذلك نحو قوله - تعالى -: (يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وقال إبراهيم لأبيه: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ)

الزخرف 43:58

ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن من عبد شيئًا دون اللَّه إنما يعبده بأمر الشيطان، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة الكفار فيما خاصموا، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: ضرب المثل لعيسى - عليه السلام - هو أن اللَّه - تعالى - لما ذكر عيسى - عليه السلام - في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ما أردت بذكر عيسى؟ وقالوا: إنما يريد مُحَمَّد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى وعبدته، فقالوا: (أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ) فلا يصنع مُحَمَّد ذلك بآلهتنا، فواللَّه لهم خير من عيسى، أو ما قالوا؛ فقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) أي: إلا ليجادلوك بالباطل، وهو قول قتادة. ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم - عليهما السلام - من قومه - أعني: عيسى - لا من قوم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذلك أن قومه قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه إله وإنه رب، ومنهم من قال: إنه ابن الإله، ومنهم من قال: إنه وأمه إلهان، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه، فيكون قوله: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا) قال قومه على ما ذكروا فيه، ثم قال: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) أي: يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا، واللَّه أعلم. أو أن نكف ونمسك عن بيان ذكر المثل الذي ذكر في الآية؛ لما لا حاجة إلى ذلك، وهو شيء ذكره أُولَئِكَ الكفرة، واللَّه أعلم. ثم قوله - تعالى -: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) قرئ برفع الصاد وكسرها. قَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (يَصِدُّونَ) بالكسر: يضجون، والتصدية منه، وهو التصفيق، ومن قرأ بالرفع يقول: يعدلون ويعرضون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) هو يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) أي: عبرة وآية لبني إسرائيل؛ لما كان هو مولودًا من غير والد، ولما كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وما كان منه من تكليمه للناس وهو في المهد، وغير ذلك من الآيات

الزخرف 43:59

الآية ٥٩ وقوله تعالى :﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل﴾ أي عبرة وآية لبني إسرائيل لما كان، هو مولود من غير والد ولِما كان يُحيي الموتى، ويُبرئ الأكمه والأبرص، وما كان منه من تكليمه الناس، وهو في المهد، وغير ذلك من الآيات التي خُصّ بها، والله أعلم.

الزخرف 43:60

التي كان خص بها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً... (٦٠) على وجهين: أحدهما: أي: لو نشاء لجعلنا من جوهركم وجنسكم ملائكة؛ ليعلم أن إنشاء الملائكة من النور على ما ذكر ليس ذلك منه استعانة بذلك النور لإنشاء الملائكة منه قادر بذاته لا يعجزه شيء، ينشئ ما يشاء مما شاء كيف شاء. والثاني: أي: لو نشاء لجعلنا الملائكة بدلا منكم نهلككم ونبدل مكانكم ملائكة لا يعصون، ولا يخالفون ولا يفترون عن العبادة ولا يستحسرون، لكن لم يفعل ذلك؛ لما ليس في عصيان من عصاه ولا مخالفة من خالفه له ضرر، ولا بطاعة من أطاعه واتبع أمره ونهيه نفع، ولا أنشأ هذا العالم والخلق لحاجة نفسه، ولا امتحنهم بأنواع المحن لمنفعة نفسه، ولا لمضرة يدفع بذلك عن نفسه، ولكن أنشأهم وامتحنهم لحاجة أنفسهم، فإذا كان ما ذكرنا: إنشاء ما يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه حكمة، وفعل من يعلم في الشاهد أنه يضره ولا ينفعه سفه؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه، فصار فعله مع علمه ما ذكرنا يكون سفهًا، فافترق الأمران، واللَّه الموفق. ثم قوله - تعالى -: (مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يخلف الملائكة بعضهم بعضًا، قرنًا عن قرن بالتناسل والتوالد؛ كالبشر يخلف بعض بعضًا، قرنًا عن قرن بالتناسل والتوالد؛ إذ ليس في الملائكة توالد ولا تناسل. والثاني: (يَخْلُفُونَ) أي: يكونون خلفًا وبدلا عنكم بعد هلاككم على ما ذكرنا، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ... (٦١) وعَلَمٌ للساعة كلاهما قد قُرئا، ثم اختلف في ذلك: فمنهم من يقول: هو عيسى، يكون نزوله من السماء علمًا للساعة وآية لها؛ فيكون على هذا هو صلة ما تقدم من قوله: (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ) كأنه قال: (وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا) أي: آية وعبرة لهم على ما ذكرناه، وجعلناه - أيضًا - علمًا للساعة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) أي: مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما أنزل عليه من القرآن

الزخرف 43:61

الآية ٦١ وقوله تعالى :﴿وإنه لعِلم للساعة﴾ ولعَلَم للساعة، كلاهما قد قُرئ(١)‍. ثم اختُلف في ذلك. فمنهم من يقول : هو عيسى يكون نزوله من السماء عَلَما للساعة وآية لها، فيكون على هذا هو صلة ما تقدّم من قوله :﴿وجعلناه مثلا لبني إسرائيل﴾ كأن قد قال : وجعلناه مثلا أي آية وعبرة لهم على ما ذكرنا، وجعلناه أيضا عَلَما للساعة. وقال بعضهم : قوله : إنه لعَلَم للساعة : أي محمد ﷺ وما أنزل عليه من القرآن عَلَم للساعة لأنه به ختم النبوّة والرسالة، وقال :( بُعثت أنا والساعة كهاتين ) [ البخاري ٦٥٠٣ ] وأشار إلى أصبعين من يده، وإنما بعثه الله تعالى [ عند قُرب الساعة، فهو عَلَم للساعة ](٢) عند من قرأ لعَلَم للساعة بالتثقيل ؛ فمعناه العلامة لها والدليل عليها. ومن قرأ :﴿لعِلْم للساعة﴾ بالجزم فمعناه يُعلم به قرب الساعة. وقوله تعالى :﴿فلا تمترُن بها﴾ أي لا تشُكّن بالساعة فإنها كائنة، لا محالة. وعلى ذلك يقولون في بعض التأويلات في قوله تعالى :﴿فقد جاء أشراطها﴾ [محمد: ١٨] أي أعلامها أي محمد، عليه أفضل الصلاة وأكمل التحيات، وقوله تعالى :﴿واتّبعون هذا صراط مستقيم﴾. فإن كان قوله : وإنه لعَلَم للساعة، هو محمد ﷺ فكأنه قال عليه السلام : أنا عَلَم للساعة، وقريب منها فاتبعوني. وإن كان [ قوله :﴿وإنه لعِلم للساعة﴾ ](٣) عيسى، على نبينا وعليه السلام، فيقول(٤) : إنه عِلم للساعة، وآية لها فاتّبعوني قبل أن يُخرج، ويُنزل. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٦/١٢٢ و١٢٣.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ الفاء ساقطة من الأصل وم..

الزخرف 43:62

علم للساعة؛ لأنه به ختم النبوة والرسالة، وقال: " أنا والساعة كهاتين " وأشار إلى إصبعين من يده، وإنما بعثه اللَّه - تعالى - عند قرب الساعة، فهو علم للساعة. ثم قراءة (عَلَمٌ لِلسَّاعَةِ) بالتثقيل، فمعناه: العلامة لها والدليل عليها، ومن قرأ (عِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) بالجزم، فمعناه: يعلم به قرب الساعة. وقوله: (فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا) أي: لا تشكنّ بالساعة فإنها كائنة لا محالة، وعلى ذلك يقولون في بعض التأويلات في قوله - تعالى -: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)، أي: أعلامها؛ أي: مُحَمَّد، عليه أكمل التحيات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)، فإن كان قوله: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) هو مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فكأنه قال - عليه السلام -: أنا علم للساعة وقريب منها فاتبعوني، وإن كان عيسى - على نبينا وعليه السلام - يقول: إنه علم للساعة وآية لها، فاتبعوني قبل أن يخرج وينزل. وقوله: (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢). يحتمل قوله - تعالى -: (وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) عن الإيمان بالساعة وكونها؛ فإنه عدو مبين. ويحتمل: لا يصدنكم عن مُحَمَّد وعن الصراط المستقيم الذي ذكر؛ فإنه عدو مبين بين عداوته إياكم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣). قال أهل التأويل: بيناته: هي ما كان يأتي به من نحو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإنباء بما يأكلون وما يدخرون، ونحو ذلك. والأصل في آيات الأنبياء والرسل أنها كانت من وجوه ثلاثة تُلزمهم التصديق بهم: أحدها: ما يأتون في كل شيء صغر أو عظم، دلالة ذلك ما يعلم كل ذي لب وعقل على أن ذلك حكمة وعقل عليهم اتباعهم في ذلك، وهو توحيد اللَّه - تعالى - وتنزيهه عما لا يليق به، واللَّه أعلم. والثاني: كانت في أنفسهم وأحوالهم التي كانوا عليها بينات تلزمهم تصديقهم، وهو أنهم لبثوا بين أظهرهم، وكانوا فيهم طول عمرهم، فلم يؤخذ عليهم كذب قط، ولا ظهر منهم ما يرجع إلى دناءة الأخلاق، ولا شيء من ذلك، واللَّه أعلم. والثالث: ما كانوا يأتون من الأفعال والمعجزة الخارجة عن توهم العباد والمعتاد من فعلهم يلزم كل صنف قبولها.

الزخرف 43:63

الآية ٦٣ وقوله تعالى :﴿ولما جاء عيسى بالبينات﴾ الآية قال أهل التأويل : بيّناته، هي ما كان يأتي به من نحو إحياء الموتى وبراءة الأكمه والأبرص وإيتاء ما يأكلون، ويدّخرون ونحو ذلك. والأصل في آيات الأنبياء والرسل عليهم السلام أنها كانت من وجوه ثلاثة تُلزمهم التصديق بهم : أحدها : ما يأتون [ به من ](١) كل شيء، صَغُر، أو عَظُم ؛ دلالة ذلك ما يعلم كل ذي لبّ وعقل أن ذلك حكمة وحق(٢)، عليهم اتّباعهم في ذلك، وهو توحيد الله تعالى وتنزيهه عمّا [ لا ](٣) يليق به، والله أعلم. والثاني : كانت في أنفسهم وأحوالهم التي كانوا عليها بينات تُلزمهم تصديقهم، وهو أنهم لبثوا بين أظهرهم، وكانوا فيهم طول عمرهم، فلم يأخذ عليهم كذب قط، ولا ظهر منهم ما يرجع إلى دناءة الأخلاق ولا شيء من ذلك، والله أعلم. والثالث : ما كانوا يأتون من الأفعال المعجزة عن توهّم العباد والمعتاد من فعلهم [ لَيُلزِم كل مُنصف ](٤) قبولَها. فعلى هذه الوجوه التي ذكرنا كانت آيات الرسل عليهم السلام والله أعلم. وقوله تعالى :﴿قال قد جئتكم بالحكمة﴾ قال بعضهم : الحكمة ههنا هي الإنجيل. وقد ذكر في آية أخرى الكتاب والحكمة حين(٥) قال :﴿وإذا علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ [المائدة: ١١٠]. ثم جائز أن يكون الكل واحدا، وجائز أن يكون الكتاب ما يُكتب، ويُتلى، والحكمة ما أُودع في المتلوّ والمكتوب من المعنى، والله أعلم. ويحتمل أن تكون الحكمة راجعة إلى كل ما يوجب العقل القول به وفعله(٦)، وقد ذكرنا في ما تقدم، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ولأبيّن لكم بعض الذي تختلفون فيه﴾ قال بعضهم : أي أبيّن لكم كل الذي تختلفون فيه، إذ لا يجوز أن يبيّن بعضا، ويترك [ بيان بعض ](٧)وقد يُذكر البعض، ويراد به الكل، نحو ما يقال في كثير من المواضع : الخطاب للرسول ﷺ والمراد بذلك أمّته. ويحتمل أن يكون المراد من البعض، هو البعض نفسه لا الكل. ثم يخرّج على وجوه ثلاثة : أحدها : أي أبيّن لكم بعض ما تختلفون فيه، فيأتيكم رسول من بعدي، ويبين لكم باقي ذلك، أو كلام نحوه، لأنه لم يقل : أبيّن لكم بعض ما اختلفتم فيه، ولكن قال :﴿بعض الذي تختلفون فيه﴾ فهو في الظاهر على الاستقبال. والثاني : يقول : أبيّن لكم أصول(٨) ما تقدرون على استخراج الفروع من تلك الأصول، والله أعلم. /٥٠٠-أ/ والثالث : يقول : أبيّن لكم الذي تختلفون فيه، وهو يرجع إلى أمر الدين دون الراجع إلى أمر المعاش، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فاتقوا الله وأطيعونِ﴾ في ما آمركم به، وأدعوكم إليه، وأنهاكم عنه. ويحتمل أن يكون يقول : اتقوا مهالككم، والزموا ما به نجاتكم، وأطيعوني في ذلك. ١ في الأصل وم: في.. ٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: وعقل.. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ في الأصل وم: لا يلزم كل ضعف.. ٥ في الأصل وم: حيث.. ٦ في الأصل وم: وقوله.. ٧ في الأصل وم: البيان لبعض.. ٨ في الأصل وم: الأصول..

الزخرف 43:64

فعلى هذه الوجوه التي ذكرنا كانت آيات الرسل - عليهم السلام - واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: الحكمة - هاهنا - هي الإنجيل، وقد ذكر في آية أخرى الكتاب والحكمة؛ حيث قال: (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ). ثم جائز أن يكون الكل واحدًا. وجائز أن يكون الكتاب: ما يكتب ويتلى والحكمة: ما أودع في المتلو والمكتوب من المعنى، واللَّه أعلم. ويحتمل أن تكون الحكمة راجعة إلى كل ما يوجب العقل للقول به وقوله، وقد ذكرناه فيما تقدم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ). قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أبين لكم كل الذي تختلفون فيه؛ إذ لا يجوز أن يبين بعضًا ويترك البيان لبعض، وقد يذكر البعض ويراد به الكل؛ نحو ما يقال في كثير من المواضع: الخطاب للرسول - عليه السلام - والمراد بذلك أمته. ويحتمل أن يكون المراد من البعض هو البعض نفسه لا الكل. ثم هو يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: أبين لكم بعض ما تختلفون فيه، ثم يأتيكم رسول بعدي ويبين لكم باقي ذلك، أو كلام نحوه؛ لأنه لم يقل: أبين لكم بعض ما اختلفتم فيه، ولكن قال: (بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ)، فهو في الظاهر على الاستقبال. والثاني: يقول: أبين لكم الأصول ما تقدرون على استخراج الفروع من تلك الأصول، واللَّه أعلم. والثالث: يقول: أبين لكم الذي تختلفون فيه، وهو يرجع إلى أمر الدِّين دون الراجع إلى أمر المعاش، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) فيما آمركم به وأدعوكم إليه وأنهاكم عنه. ويحتمل أن يكون يقول: اتقوا مهالككم، والزموا ما به نجاتكم، وأطيعوني في ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) ذكر هذا؛ ليعلموا أنه وإن عظم

الزخرف 43:65

قدره عند اللَّه وجلت صولته عنده فإنه لا يخرج من العُبُودة، وأنه عبد اللَّه، ليس بإله، ولا ابنٍِ له، على ما زعم أُولَئِكَ الكفرة، واللَّه الهادي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥). هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حرف " من " صلة زائدة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، والاختلاف فيما بينهم في عيسى أمر ظاهر بين (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) أي: اختلف الأحزاب من اختراع كان منهم فيما بينهم، أو كلام نحوه؛ ولذلك كان الاختلاف الواقع بينهم إنما كان باختراع من ذات أنفسهم، لا أن كان ذلك سماعًا من الرسل - عليهم السلام - ولذلك نهى هذه الأمة عن الاختلاف والتفرق؛ حيث قال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)، وقد اختلفت هذه الأمة بعد وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حتى قاتلهم أبو بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على ذلك، واتبعه سائر الصحابة على ذلك، حتى قاتل الرجال، وسبى النساء والذراري، وظهرت - أيضًا - الخوارج في زمن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على ذلك، حتى اجتمعوا على الوفاق، وغير ذلك من الاختلاف والتفرق الذي كان ظهر ووقع فيما بينهم، وكان في ذلك دلالة الرسالة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنه ذكر - عَزَّ وَجَلَّ - في كتابه أنهم يختلفون بعد وفاته، وأنهم ينقلبون على أعقابهم؛ حيث قال: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ...) الآية، وقال في ارتدادهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، هذا في أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقال في علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية، وقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يقاتل هذا بالتأويل كما نقاتل نحن على التنزيل " يعني: عليًّا - رضي الله عنه - وقد كان كل ما ذكر من الاختلاف والتفرق والتنازع في الدِّين من الانقلاب على الأعقاب والارتداد والامتناع عن إيتاء الزكاة، وإتيان ما ذكر من قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وغلبة حزب اللَّه وأهل توحيده على أُولَئِكَ؛ ففي ذلك كله دلالة إثبات الرسالة؛ إذ خرج على ما أخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذكر في المستقبل، واللَّه أعلم. ثم إن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بفضله وبرحمته رفع ذلك الاختلاف والتفرق والتنازع بينهم، وجمعهم على ألفة وحب، ولم يرفع من بين أُولَئِكَ فقال: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) والأحزاب: الفرق الذين تحزبوا؛ أي: تفرقوا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) هي ظاهرة.

الزخرف 43:66

قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ. يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) أي: فجأة (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) وبإتيانها وقيامها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧). يحتمل قوله: (إِلَّا الْمُتَّقِينَ): الموحدين، فتكون خلة أهل الكفر فيما بينهم في الدنيا عداوة في الآخرة؛ لقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، وما ذكر في غير آي من القرآن من لعن بعضهم بعضًا، وتبرؤ بعضهم عن بعض، كقوله - تعالى -: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا...) الآية، وأما خلة الموحدين المؤمنين فيما بينهم فهي خلة في الدارين جميعًا؛ هذا يحتمل، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون قوله: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) استثنى خلة من اتقى النار بنفسه ووقى صاحبه - أيضًا - بما أمره بالطاعات لله - تعالى - والقيام بالخيرات، وزجره عن معاصيه ومخالفة أمره، كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)، أمرهم بوقاية أنفسهم وأهليهم نارًا، وإنَّمَا يتقون تلك النار بالقيام بالأسباب التي أمروا بالقيام بها، والامتناع والانتهاء عما نهوا عنها وزجروا منها، فكل خلة فيما بين المؤمنين على هذا الوجه فهي خلة ومودة في الدارين جميعًا، لا تصير عداوة؛ لأنها لله - تعالى - وطلب مرضاته، فأما الخلة التي تكون فيما بينهم للدنيا فهي تصير عداوة - أيضًا - على ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقد روي في الخبر عن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الأخلاء أربعة: مؤمنان وكافران، فمات أحد المؤمنين فيسأل عن خليله، فقال: اللهم لم أر خليلا آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر منه، اللهم اهده كما هداني وأمته على ما أمتني؛ فإنه كان يأمرني بالمعروف والخيرات والطاعة لك، وينهاني عن المنكر والشر والمعصية لك، ومات أحد الكافرين، فيسأل عن خليله، فقال: اللهم لم أر خليلا آمر بمنكر ولا أنهى عن معروف منه، اللهم أضله كما أضلني، وأمته كما أمتني، قال: ثم يبعثون يوم القيامة، فقال: لعن بعضكم على بعض،

الزخرف 43:67

الآية ٦٧ وقوله تعالى :﴿الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ يحتمل قوله :﴿المتقين﴾ الموحّدين. فتكون خِلّة أهل الكفر في ما بينهم في الدنيا عداوة في الآخرة لقوله :﴿يوم القيامة يكفُر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وما ذُكر في غير آية(١) من القرآن لعن [ بعضهم ](٢) عن بعض وتبرّؤ بعضهم(٣) من بعض كقوله تعالى :﴿إذ تبرّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتّبعوا﴾ الآية [البقرة: ١٦٦]. وأمّا خلّة الموحّدين في ما بينهم فهي خلّة في الدارين جميعا. هذا يحتمل، والله أعلم. ويحتمل أن يكون قوله :﴿الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين﴾ استثنى خلّة من اتقى النار بنفسه، ووقى صاحبه أيضا مما أمره بالطاعات لله تعالى والقيام بالخيرات، وزجره عن معاصيه ومخالفة أمره كقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ [التحريم: ٦] أمرهم بوقاية أنفسهم وأهليهم(٤) نارا، وإنما [ يتقون تلك ](٥) النار بالقيام [ بالأسباب التي أُمروا بالقيام ](٦) بها والامتناع والانتهاء عما نهوا عنها، وزُجروا منها. فكلّ خلّة في ما بين المؤمنين على هذا الوجه فهي خلّة ومودة في الدارين جميعا، لا تصير عداوة لأنها لله تعالى وطلب مرضاته. فأما الخلّة التي تكون في ما بينهم للدنيا فهي تصير عداوة أيضا على ما ذكرنا، والله أعلم. وقد رُوي في الخبر عن نبي الله ﷺ أنه قال :[ الأخلاء أربعة مؤمنان وكافران، فمات أحد المؤمنين، فسُئل عن خليله، فقال : اللهم لم أر خليلا آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر منه. اللهم اهده كما هديتني، وأمته على ما أمتّني عليه. ومات أحد الكافرين، فسُئل عن خليله، فقال : اللهم لم أر خليلا آمر بمنكر ولا أنهى عن معروف منه. اللهم أضلّه كما أضللتني، وأمته كما أمتّني. قال : ثم يُبعثون يوم القيامة، فقال : ليُثن بعضكم على بعض. فأما المؤمنان فيُثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء حسنا. وأما الكافران فيثني كل واحد منهما على الآخر ثناء قبيحا ) [ السيوطي في الدر المنثور ٧/٣٨٨ ]. وعلى هذا السبيل رُوي هذا الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :( أحبَّ في الله، وأبغض في الله، ووادّ في الله، ووال في الله، فإنما تُنال ولاية الله في ذلك، لا ينال ما عند الله إلا بذلك ). وقال ﷺ :( ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثُرت صلاته وصيامه وصدقته حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس اليوم على الدنيا. ولكن لا تجزي عن أهله شيئا، ثم قرأ :﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين﴾ وقرأ :﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ الآية [المجادلة: ٢٢] [ عن ابن عمر أبو نعيم في الحلية ١/٣١٢ ] فقول ابن عباس يومئ إلى أن كل خِلّة ومؤاخاة في ما بين المؤمنين للدنيا، فهي تصير عداوة في الآخرة، والله أعلم. ١ في الأصل وم: أي.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ من م، في الأصل: بعضكم.. ٤ في الأصل وم: وأهليكم.. ٥ في الأصل وم: يقون ذلك.. ٦ من م، ساقطة من الأصل..

الزخرف 43:68

فأما المؤمنان فيثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء حسنًا، أما الكافران فيثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء قبيحًا ". وعلى هذا السبيل روي هذا الحديث عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: أحب في اللَّه، وأبغض في اللَّه، وواد في اللَّه، ووال في اللَّه، فإنما ينال ولاية اللَّه في ذلك، لا ينال ما عند اللَّه إلا بذلك، وقال: ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه وصدقته، حتى يكون كذلك، وقد صار عامة مؤاخاة الناس اليوم، ولكن لا تجزئ عن أهله شيئًا، ثم قرأ: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) وقرأ: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...) الآية، فقول ابن عَبَّاسٍ يومئ إلى أن كل خلة ومؤاخاة فيما بين المؤمنين للدنيا فهي تصير عداوة في الآخرة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) أي: لا خوف عليكم خوف الغير، كقوله - تعالى -: (لَا يَبْغُونَ عَنهَا)، (وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) أي: لا خوف عليكم خوف الأحوال؛ أي: لا حزن لهم في حال كونهم فيها، ولا لهم فيها خوف غير ذلك، ولا زواله عليهم؛ لأن خوف الزوال مما ينغص صاحبه النعمة التي هي له؛ يخبر أن ذلك دائم باق لا زوال له ولا فناء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) والإشكال: أنه سماهم مؤمنين مسلمين بالآيات، والإيمان والإسلام يكون باللَّه تعالى. فنقول: لأن الإيمان هو التصديق -في اللغة- بما أنبأت الآيات بوحدانية الله وألوهيته؛ لأن جهة سبيل معرفة اللَّه تعالى وطريق العلم به إنما هو بالآيات والحجج التي أقامها على ذلك، ليس من جهة العيان والمشاهدة؛ فالإيمان بالآيات والتصديق بها تصديق باللَّه حقيقة وإيمان به، واللَّه أعلم. وقوله: (وَكَانُوا مُسْلِمِينَ) ظاهر هذا يوهم أن الإيمان والإسلام غَيران، لكن هذا من حيث ظاهر العبارة، فأما في الحقيقة هما يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن الإسلام هو جعل كل شيء لله - تعالى - سالمًا، لا يشرك فيه غيره؛ كقوله - تعالى -: (وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)

الزخرف 43:69

الآية ٦٩ وقوله تعالى :﴿الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين﴾ والإشكال أنه سمّى(١) المؤمنين مسلمين بالآيات والإيمان. والإسلام يكون بالله تعالى، فنقول : لأن الإيمان هو التصديق في اللغة، وإنما(٢) أنبأت الآيات بوحدانية الله وألوهيته، لأن جهة سبيل معرفة الله تعالى وطريق العلم به إنما هو بالآيات والحجج التي أقامها على ذلك ليس من جهة العيان والمشاهدة. فالإيمان بالآيات والتصديق بها تصديق /٥٠٠-ب/ بالله حقيقة وإيمان به، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وكانوا مسلمين﴾ هذا يوهم أن الإيمان والإسلام متغايران، لكن هذا من حيث ظاهر العبارة، فأما في الحقيقة فهما يرجعان إلى معنى واحد لأن الإسلام هو جعل كل شيء لله تعالى سالما، لا يُشرك فيه غيره كقوله تعالى ﴿ورجلا سَلَما لرجل﴾ [الزمر: ٢٩] أي خالصا سالما، لا حق لأحد فيه سواه. والإيمان هو الوصف له بالربوبية في كل شيء، ومعناهما في الحاصل والتحقيق يرجع إلى معنى واحد ؛ لأنك إذا وصفته بالألوهية والربوبية في كل شيء [ كان ](٣) لله تعالى سالما، وإذا جعلت كل شيء لله تعالى سالما وصفته بالألوهية والربوبية في كل شيء. فدلّ أن حاصل الإيمان والإسلام واحد، وإن كانا من حيث ظاهر العبارة مختلفين، والله أعلم. ١ في الأصل وم: سمّاهم.. ٢ في الأصل وم: بما.. ٣ ساقطة من الأصل وم..

الزخرف 43:70

أي: خالصًا سالمًا، لا حق لأحد فيه سواه، والإيمان هو الوصف له بالربوبية في كل شيء، ومعناهما في الحاصل والتحقيق يرجع إلى معنى واحد؛ لأنك إذا وصفته بالألوهية والربوبية جعلت كل شيء لله سالمًا، وإذا جعلت كل شيء لله - تعالى - سالمًا وصفته بالألوهية والربوبية في كل شيء؛ فدل أن حاصل الإيمان والإسلام واحد، وإن كانا من حيث ظاهر العبارة مختلفين، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يحتمل الأزواج من وجهين: أحدهما: الأزواج المعروفة؛ وهي الأهل؛ لما وقوهم في الدنيا عن الأسباب التي بها يستوجبون النار؛ كقوله - تعالى -: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا). ويحتمل الأزواج التي ذكر: القرناء، والأشكال الذين أعانوا على الأعمال الصالحة التي بها نالوا الجنة كقوله - تعالى -: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)، أزواجهم - هاهنا - قرناؤهم الذين أعانوهم على ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُحْبَرُونَ). قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: أي تسرون، والحبرة: السرور. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (تُحْبَرُونَ) أي: تكرمون وتنعمون، وهو ما ذكرنا؛ أي: ليس عليهم خوف الزوال والفناء ولا حزن الحال، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١). يحتمل ذكر الصحاف من الذهب والأكواب وجوهًا: أحدها: ذكر ذلك لهم في الآخرة؛ ترغيبًا لهم فيها، وتحريضًا لما يرغبون بمثل ذلك إلى السعي للآخرة، واللَّه أعلم. والثاني: يحتمل إنما ذكر ذلك؛ لأن أهل الدنيا كانوا يتفاخرون بهذه الأشياء في الدنيا، فيخبر أن لأوليائه ذلك في الآخرة، وذلك دائم، وهذا فانٍ، ولا عبرة للفاني؛ فلا معنى للافتخار به. ويحتمل أنه ذكر ذلك؛ لأنه حرم عليهم الانتفاع في الدنيا باستعمال الذهب والفضة والحرير، فأخبر أن لهم الانتفاع بذلك في الآخرة التي هي دار التنعم، فأمَّا ما سوى ذلك من الفرش والأواني فإنه لا بأس بذلك، وهو مباح في الدارين جميعًا.

الزخرف 43:71

الآية ٧١ وقوله تعالى :﴿يُطاف عليهم بصِحاف من ذهب وأكواب﴾ يحتمل ذكر الصحاف من الذهب والأكواب وجوها : أحدها : ذكر ذلك لهم في الآخرة ترغيبا لهم فيها وتحريضا لما يرغبون بمثل ذلك إلى السعي للآخرة، والله أعلم. والثاني : يحتمل أن ما ذكر ذلك لأن أهل الدنيا كانوا يتفاخرون بهذه الأشياء في الدنيا، فيُخبِر أن لأوليائه ذلك في الآخرة، وذلك دائم، وهذا فانٍ، ولا عبرة للفاني، فما معنى الافتخار به ؟ [ والثالث ](٣) : يحتمل أنه ذكر ذلك لأنه حرّم عليهم الانتفاع في الدنيا باستعمال الذهب والفضة والحرير، فأخبر أن لهم الانتفاع بذلك في الآخرة التي هي دار التنعُّم. فأما ما سوى ذلك من العُرُش والأواني فإنه لا بأس بذلك، وهو مباح في الدارين جميعا. وأما ذكر الأكواب [ فيحتمل وجهين أيضا : أحدهما : الترغيب ](٤) على ما ذكرنا لأنهم يتمنّون، ويرغبون فيها في الدنيا. والثاني : يُخبر أن لا مُؤنة عليهم في حمل الأواني ورفعها عند الشرب والأكل، ولا يتولّون ذلك بأنفسهم. لكن الخدم هم الذين يتولّون سقيهم. الصّحاف : جمع الصّحفة، وهي القصعة التي ليست بضخمة، والأكواب : الأباريق التي لا عُرا لها، ولا خراطيم، واحدها كوب، ويقال : كيزان، ولا عُرا لها. قاله أبو عوسجة والقتبيّ. وقوله تعالى :﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين﴾ فذلك في الجنة، ليس كنعيم الدنيا، لأن في الدنيا قد يشتهي شاربها، ولا تلذّ به العيون، والله أعلم. ويحتمل أنه ذكر ذلك في الآخرة لما مُنعوا، وحُرموا في الدنيا مما لا يحلّ، والله أعلم.

الزخرف 43:72

وأما ذكر الأكواب يحتمل للترغيب؛ على ما ذكرنا؛ لأنهم يتمنون ويرغبون فيها في الدنيا. والثاني: يخبر أن لا مؤنة عليهم في حمل الأواني ورفعها عند الشرب والأكل، ولا يتولون ذلك بأنفسهم، لكن الخدم هم الذين يتولون سقيهم. الصحاف: جمع الصحفة؛ وهي القصعة التي ليست بضخمة، والأكواب: الأباريق التي لا عرا لها ولا خراطيم، واحدها: كوب، ويقال: كيزان لا عرا لها؛ قاله أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) فذلك في الجنة ليس كنعيم الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يشتهي شيئا ولا تلذ به العيون واللَّه أعلم. ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك في الآخرة؛ لما منعوا وحرموا في الدنيا ما اشتهت أنفسهم الانتفاع به والتلذذ؛ عوضًا وبدلا عما كفوا أنفسهم في الدنيا عن الانتفاع بذلك، وإعطاء الأنفس، أو حرموا ومنعوا وحيل بينهم وبين ذلك وما تلذ به الأعين لما غضوا أبصارهم في الدنيا عما لا يحل واللَّه أعلم. وقوله: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) أن اللَّه بفضله عود عباده لما كان منه من الإحسان والإنعام، كأن ذلك كله منهم إليه، فضلا منه؛ حيث نسب الجنة التي يعطيهم إلى أعمالهم التي عملوها، وإن كانوا لا يستوجبون الجنة وما فيها بالأعمال حقيقة؛ فلذلك ما ذكر في الخبر عن نبي اللَّه أنه قال: " لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة اللَّه "، قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته "، أخبر أن لا أحد يدخل الجنة إلا برحمته، لكنه نسب الجنة التي يعطيهم وما ذكر من الثواب إلى أعمالهم؛ فضلا منه وإنعامًا، وكذلك ما ذكر من قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)، ذكر أنه اشترى أنفسهم وأموالهم بالجنة يعطيهم، وأنفسهم وأموالهم في الحقيقة له، ولا أحد يشتري ملكه، وماله بمال نفسه وملكه، لكنه ذكر ذلك شراء إفضالا منه؛ كأن لا ملك له في ذلك ولا حق، وكذلك ما ذكر من الإقراض له بقوله: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، ولا أحد يستقرض ماله وملكه من غيره، لكنه عاملهم معاملة من لا ملك له في أموالهم وأنفسهم بما جعل لهم من الثواب والعوض؛ فعلى ذلك نسبة الجنة والثواب الذي ذكر لهم إلى أعمالهم؛ إفضالا منه وإنعامًا، وإن لم يستوجبوا ما ذكر بالأعمال. وقوله: (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣).

الزخرف 43:73

الآية ٧٣ وقوله تعالى :﴿لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون﴾ مثل هذا الوعد كأنه إنما جاء لأهل مكة، فكان لا فواكه لهم فيها، ولا ثمار. يخبر أن لكم في الجنة من الفواكه الكثيرة ما لا يفنى، ولا ينقطع ﴿منها تأكلون﴾ ما تأكلون، فلا يؤذيكم، ولا يضرّكم، وإن أكثرتم. ويحتمل أن ما ذكر لما عرف من رغبة الناس إلى الفواكه والثمار في الدنيا، رغّبهم بها في الآخرة، وحثّهم على دفع ذلك لهم، والله أعلم.

الزخرف 43:74

مثل هذ الوعد كأنه إنما جاء لأهل مكة، فكان لا فواكه لهم فيها ولا ثمار، يخبر أن لكم في الجنة من الفواكه الكثيرة ما لا يفني، ولا ينقطع، (مِنْهَا تَأْكُلُونَ) تأكلون ما شئتم؛ فلا يؤذيكم ولا يضركم وإن أكثرتم. ويحتمل إنما ذكر؛ لما عرف من رغبة الناس إلى الفواكه والثمار في الدنيا، رغبهم بها في الآخرة، وحثهم على رفع الهمم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ. وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ. لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ). الإجرام: هو الكسب في اللغة، والمجرم: الكاسب؛ يرجع ذلك إلى كل كاسب مما جل أو دق، إلا أن الناس عرفوا أن العذاب المذكور للمجرم الخاص وهو الكافر المشرك؛ فلا يجوز صرفه إلى كل كاسب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ... (٧٥). يذكر هذا؛ ليعلم أن النار وإن أنضجت جلودهم وأحرقتهم، لا يفتر التألم عنهم بنضج الجلود، بل التوجع والتألم بعد نضج جلودهم واحتراقها على ما كان قبل النضج، والله أعلم. قال: (وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ). قَالَ بَعْضُهُمْ: المبلس: الآيس. وقَالَ بَعْضُهُمْ: المبلس: الذليل الخاضع. وقال الزجاج: المبلس: هو الساكت عن الكلام كمن لا يرجو الفرج من نطقه؛ لأن من يتكلم إنما يتكلم لفرج يرجو من نطقه أو كلام ونحوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ... (٧٦) في التعذيب الذي يعذبون، (وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ)، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث عبدوا من لا يملك دفع العذاب عنهم، وتركوا عبادة من يملك دفع ذلك عنهم، واللَّه أعلم. ويحتمل: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ) في ترك البيان عليهم، أي: لم نترك بيان ما عليهم وما لهم، بل بينا لهم عاقبة السبيلين جميعًا أنه إلى ذلك وذا يفضي عاقبة هذا السبيل، ولكن هم ظلموا أنفسهم حيث اختاروا السبيل الذي أفضاهم إلى ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧).

الزخرف 43:75

الآية ٧٥ وقوله تعالى :﴿لا يُفتَّر عنهم﴾ يذكر هذا ليُعلم أن النار، وإن أنضجت جلودهم، وأحرقتهم، لا تفتّر التألم عنهم بنضج الجلود، بل [ تزيد ](١) التوجّع والتألم بعد نضج جلودهم واحتراقها على ما كان قبل النضج، والله أعلم. وقوله(٢) تعالى :﴿وهم فيه مُبلسون﴾ قال بعضهم : المبلِس الآيس. وقال بعضهم : المُبلس الذليل الخاضع. وقال الزّجّاج : المبلس هو الساكت عن الكلام، كمن لا يرجو الفرح من نطقه لأن من يتكلم فإنما يتكلم لفرح يرجو من نطقه، أو كلام نحوه. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: وقال..

الزخرف 43:76

الآية ٧٦ وقوله تعالى :﴿وما ظلمناهم﴾ في التعذيب الذي يعذّبون ﴿ولكن كانوا هم الظالمين﴾ ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم حين(١) عبدوا من لا يملك دفع العذاب عنهم، والله أعلم. ويحتمل :﴿وما ظلمناهم﴾ في ترك البيان لهم(٢)، أي لم نترك [ ما ](٣) عليهم ومالهم، بل بيّنا لهم عاقبة السبيلين جميعا : أنه إلى ذلك ذا يُفضي [ وإلى ذلك ](٤) عاقبة هذا السبيل. ولكن هم ظلموا أنفسهم حين(٥) اختاروا السبيل الذي أفضاهم إلى ذلك، والله أعلم. ١ في الأصل وم: حيث.. ٢ في الأصل وم: عليهم.. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ في الأصل وم: حيث..

الزخرف 43:77

الآية ٧٧ وقوله تعالى :﴿ونادوا يا مالك لِيقض علينا ربك قال إنهم ماكثون﴾ كأنهم يقولون : سل ربك ليقض علينا بالموت. يفزعون أولا إلى المؤمنين، وهو قولهم :﴿أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرّمهما على الكافرين﴾ [الأعراف: ٥٠] فلما أيِسوا من ذلك يفزعون إلى الله تعالى، يسألون الرجوع إلى المحنة ليعملوا غير الذي عملوا بقولهم ﴿ربنا أخرجنا /٥٠١-أ/ نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾ [فاطر: ٣٧] فلما أيسوا من ذلك يفزعون إلى مالك ليسأل ربه ليقضي عليهم بالموت، فقال :﴿إنكم ماكثون﴾ وهو ما قال عز وجل :﴿لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفّف عنهم من عذابها﴾ الآية [فاطر: ٣٦].

الزخرف 43:78

كأنهم يقولون: يا مالك، سل ربك ليقض علينا بالموت، يفزعون أولا إلى المؤمنين وهو قولهم: (أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ)، فلما أيسوا من ذلك يفزعون إلى اللَّه تعالى يسألون الرجوع إلى المحنة؛ ليعملوا غير الذي عملوا بقولهم: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، فلما أيسوا عن ذلك يفزعون إلى مالك؛ ليسأل ربه؛ ليقضي عليهم بالموت، فقال: (إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) هذا على أثر ما ذكر؛ كقوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا)، على أثر قوله: (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ...) الآية. يحتمل أن يكون القولان جميعًا من اللَّه تعالى، أعني: قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ)، وقوله - تعالى -: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا)، واللَّه أعلم. ويمكن أن يكون العذاب جميعه من الملائكة؛ إذ جائز إضافة الرسل إلى الملائكة؛ إذ هم رسل الناس رسولنا فعل كذا، واللَّه أعلم. ثم قوله: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ). الحق: كل ما يحمد عليه فاعله ويحمد هو بما منه ذلك الفعل، والباطل: كل ما يذم عليه فاعله ويذم هو بما منه، واللَّه أعلم. ثم الحق المذكور يحتمل القرآن، ويحتمل الحق: ما تركوا اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى ما دعاهم إليه، ويقولون: الحق هو الذي عليه آباؤنا (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، ثم قال: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ)، وقال هاهنا: (لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ) أي: جئناكم بما هو أهدى وأحق مما عليه آباؤكم. وقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). فَإِنْ قِيلَ: كيف قال: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) وإنما خاطب به أهل النار، وكانوا جميعًا كارهين للحق. نقول: إنه يخرج على وجهين: أحدهما: أن أكثرهم قد عرفوا أنه الحق، لكنهم كرهوا اتباعه والانقياد له؛ عنادًا منهم ومكابرة بعد ظهور الحق عندهم وتبينه لديهم؛ مخافة ذهاب الرياسة عنهم وزوال مكانتهم ولم يظهر لأقلهم، ولم يعرفوا، واللَّه أعلم.

الزخرف 43:79

ويحتمل أن يكون ما ذكر من كراهة أكثرهم للحق بحق الطباع؛ كان في طباع أكثرهم كراهة ذلك الحق، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ). ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من إبرامهم أمرًا ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله تعالى: (وَإِذ يَمْكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُوا)، إبرامهم أمرا: هو مكرهم الذي مكروا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما ذكر، واللَّه أعلم. ويحتمل: أن يكون إبرامهم الذي ذكر غير ذلك، وكيفما كان، ففيه وجهان من الدلالة: أحدهما: ليعلموا أن اللَّه - تعالى - عالم سميع بما يبرمون فيما بينهم من أمر سرًّا؛ لأنه في ظنهم أن اللَّه لا يعلم ولا يسمع ما يبرمون من الأمر سرًّا؛ ولذلك قال تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ). والثاني: فيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أبرموا ذلك الأمر فيما بينهم سرًّا، ثم أخبرهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما أبرموا وأحكموا من الأمر؛ ليعرفوا أنه إنما علم ذلك باللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّا مُبْرِمُونَ). يحتمل: فإنا جازون جزاء إبرامهم. ويحتمل: (فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) أي: إلينا يرجع تدبير إبرامهم الأمر ومكرهم جميعًا؛ وعلى ذلك قوله: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا)، على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ... (٨٠). أي: بل يحسبون على ما ذكرنا: أن حرف الاستفهام منه يخرج على الإيجاب؛ كأنه قال: بل يحسبون؛ ألا ترى أنه قال: (بَلَى وَرُسُلُنَا).

الزخرف 43:80

الآية ٨٠ وقوله تعالى :﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرّهم ونجواهم﴾ أي بل يحسبون على ما ذكرنا أن حرف الاستفهام منه يخرّج على الإيجاب ؛ كأنه قال : بل يحسبون. ألا ترى أنه قال :﴿بلى ورُسلنا لديهم يكتبون﴾ ؟ وقوله تعالى :﴿بلى ورسلنا لديهم يكتبون﴾ هذا وعيد وتنبيه منه لهم ؛ يُخبر أن رسله يكتبون ما يُسرّون ويُخفون من المنكر وغيره ليكونوا أبدا على حذر ويقظة، والله أعلم.

الزخرف 43:81

وقوله: (بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ). هذا وعيد وتنبيه منه لهم؛ يخبر أن رسله يكتبون ما يسترون ويخفون من المنكر وغيره؛ ليكونوا أبدا على حذر ويقظة، واللَّه أعلم. وقوله: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) له بالتعالي والتنزيه عن الولد، أي: وأنا أول من يعبد الرحمن بالإيمان والتصديق أنه ليس له ولد، على هذا أعبد اللَّه تعالى. والثاني: ما كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين، وهو من عَبِدَ يَعْبِد، أي: أنف يأنف، فيكون هذا تنزيه تَصريحٍ عن الولد، والأول تنزيه له بالكناية، هذا إذا كان معنى قوله: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) ما كان للرحمن ولد. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) يخرج على التأويل - أيضًا - على وجهين: أحدهما: أي: لو كان للرحمن ولد على زعمكم وعلى ما عندكم فأنا أول من أتبرأ عن أن يكون له ولد، وأدعوكم إلى الرحمن الذي لا ولد له، وهو كقوله - تعالى -: (أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)، أي: أين شركائي الذين تزعمون أنتم أنهم شركاء؟ وقوله تعالى: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا)، أي: انظر إلى إلهك الذي هو في زعمك إله. والثاني: يحتمل أن يقول له: قل: لو كان يجوز أو يحتمل أن يكون له ولد، فأنا أول من أعبده على ذلك، أو أول من أقول أنا بذلك، فإذ لم أقل بذلك وأنا رسول اللَّه، فظهر أنه لا يحتمل ولا يجوز أن يكون له ولد، وهو كقوله - تعالى -: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)، أي: لو كان يجوز أن يريد اللَّه أن يتخذ ولدًا لاصطفى ممن عنده وممن شاء، لا مما هو عندكم ومما تختارون أنتم، لكن لا يحتمل ولا يجوز أن يتخذ ولدًا. وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله - تعالى -: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) يقول: كما أني لست أول من عبد اللَّه، فكذلك ليس للرحمن ولد؛ كقول الرجل: لو كان ما تقول حقًّا فأنا حمار، معناه: ليس الذي تقوله بحق، كما أني لست بحمار، واللَّه أعلم. ثم نزه نفسه عن الولد، وأنه لا يجوز أن يكون له ولد حيث قال: (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) أي: رب السماوات، ورب الأرض، ورب من فيهن، ورب العرش. قال أهل التأويل: أي: رب السرير. لكن لا يحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - السرير، فينسب إلى السرير، فيقال:

الزخرف 43:82

الآية ٨٢ [ ثم ](١) نزّه نفسه عن الولد وأنه لا يجوز أن يكون له ولد حين(٢) قال :﴿سبحان رب السماوات والأرض ربّ العرش عما يصفون﴾ أي رب السماوات ورب الأرض ورب من فيهن ورب العرش. قال أهل التأويل : أي ربّ السرير، لكن لا يحتمل أن يكون تأويل العرش ههنا السرير، فيُنسب إلى السرير، فيقال : رب السرير، ويجوز لغيره أيضا أن يقال : رب السرير، فتثبُت المشاركة في النسبة بينه وبين الخلق إلا أن يقال. إن لذلك السرير عند الخلائق موقعا وقدرا عظيما يليق القسم به، وإنه من أعظم المخلوقات وأعجبها فكانت نسبة هذا إلى الله سبحانه وتعالى من باب التعظيم والإجلال بمنزلة نسبة كل العالم إليه، فيكون جائزا(٣)، والله أعلم. ويحتمل تأويل العرش ههنا(٤) المُلك ؛ يقول :﴿سبحان رب السماوات والأرض رب العرش﴾ المُلك عما يصفون. ثم قد بيّنا حكمة ذكر السماوات والأرض على إثر ذكر الولد في غير موضع. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: حيث.. ٣ في الأصل وم: جائز.. ٤ أدرج بعدها في الأصل وم: هو..

الزخرف 43:83

رب السرير، ويجوز لغيره - أيضًا - أن يقال له: رب السرير، فيثبت المشاركة في النسبة بينه وبين الخلق، إلا أن يقال: إن لذلك السرير عند الخلائق موقعًا وقدرًا عظيمًا يليق القسم به، وإنه من أعظم المخلوقات وأعجبها، فكان نسبة هذا إلى اللَّه - سبحانه وتعالى - من باب التعظيم والإجلال له بمنزلة نسبة كل العالم إليه؛ فيكون جائزًا، والله أعلم. ويحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - هو الملك؛ يقول: سبحان رب السماوات والأرض ورب الملك عما يصفون، ثم قد بينا حكمة ذكر السماوات والأرض على إثر ذكر الولد في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) هذا -في الظاهر- أمر بتركهم على ما هم عليه من الخوض واللعب وغيره، ومثل هذا مما لا يليق بالحكمة؛ إذ هو حرام في العقل، لكن يخرج على الوعيد، وإن كان صيغته صيغة الأمر، كقوله: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)، هو في الظاهر وإن كان أمرًا فهو في الحقيقة وعيد، فعلى ذلك هذا يخرج على الوعيد. ويحتمل أن يخرج على ترك المكافأة على ما يصنعون من الاستهزاء بهم، والأنواع من الأذى إلى اليوم الذي يلاقون ويعاينون العذاب حين لا تنفعهم الندامة في الرجوع في ذلك اليوم. وأصل ذلك أن اللَّه - تعالى - قد أوعدهم بمواعيد شديدة، ووعظهم بمواعظ بليغة، فلم تنجع تلك المواعيد فيهم، ولا نفعهم شيء من ذلك. والثاني: قد بين ما يزيل عنهم الشبه، وما يوجب التعلق به، وأوضح لهم طريق الحق والهدى، فلم يسلكوا مسلك طريق الحق، فأوعد لهم بما ذكر في ذلك اليوم ما لا تنفعهم ندامتهم في ذلك الوقت، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) الإله في اللغة هو المعبود؛ كأنه يقول - واللَّه أعلم -: إنكم تعلمون أن اللَّه - تعالى - هو المعبود في السماء، وهو المعبود في الأرض، والأصنام التي تعبدونها أنتم لا يعبدها إلا أنتم، فكيف تركتم عبادة المعبود الذي هو معبود في السماء والأرض، واخترتم عبادة من ليس بمعبود إلا بعبادتكم؟!. ويحتمل أن يقول: تعلمون أنتم أن اللَّه - سبحانه وتعالى - هو إله السماء والأرض وإله من فيهما وما فيهما، وأنه خالق ذلك كله؛ لقوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ

الزخرف 43:84

الآية ٨٤ وقوله تعالى :﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ الإله في اللغة، هو المعبود ؛ كأنه يقول، والله أعلم : إنكم تعلمون أن الله تعالى، هو المعبود في السماء، وهو المعبود في الأرض، والأصنام التي تعبدونها أنتم لا يعبدها إلا أنتم، فكيف تركتم عبادة المعبود الذي هو معبود في السماء والأرض، واخترتم عبادة من ليس بمعبود إلا بعبادتكم ؟ ويحتمل أن يقول : تعلمون أنتم أن الله سبحانه وتعالى هو إله في السماء والأرض، وإله [ من ](١) فيهما وما فيهما، وأنه خالق ذلك كلّه لقوله :﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ [ لقمان : ٢٥ و. . . ] والأصنام التي تعبدونها لم يفعلوا ذلك، ولا يملكون شيئا من ذلك، فكيف اتخذتموها آلهة دونه ؟ والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وهو الحكيم العليم﴾ ذكر الحكيم والعليم على إثر ذلك يخرّج على وجوه : أحدها : لسؤال الثنوية أن الله عز وجل لا يجوز أن يبسُط، ويوسّع الدنيا على من يعلم أنه يعاديه، ويشتُمه، ويعادي أولياءه، ويشتُمهم، لأن في الشاهد من يصنع إلى من يعلم أنه يعاديه معروفا، فليس بحكيم. فعلى ذلك يقولون : إن ذلك ليس من الله تعالى، ولكن من إله غيره سفيه، لأن وصف نفسه بالحكمة، وأنه يريد الحكمة. [ والثاني : قول ](٢) البراهمة في إنكارهم الرسالة أصلا ؛ يقولون : ليس من الحكمة بعث الرسل إلى من يعلم أنه يُكذّبه، ويُكذّب رسُله، ولا يقبل شهادته، بل يقتله، ويعاديه. لذلك ينكرون رسالة الرسل، فأخبر تعالى بقوله :﴿وهو الحكيم العليم﴾ أنّ إعطائي إياهم ما أعطيتهم وبعثي الرسل إليهم على علم مني بما يكون منهم من التكذيب والعداوة، لا يُخرجني عن الحكمة، ويُخرج فاعل ذلك في الشاهد عن الحكمة، لأن ملوك الأرض إنما يرسلون الرسل، ويبعثون الهدايا لمنافع أنفسهم ولحاجتهم. فإذا علموا من المبعوث إليهم الرسل والمصنوع إليهم المعروف ما ذكرنا خرج [ ذلك ](٣) عن الحكمة. فأما الله تعالى إنما بعث الرسل لحاجة المبعوث إليهم ولمنافع أنفسهم، فكذلك ما يعطيهم من الدنيا لمنافع أنفسهم، فلم يخرُج ذلك عن الحكمة، لأنه لا يضرّه معاداة من عاداه، ولا تنفعُه موالاة من والاه. بل كل ذلك راجع إليهم بل صُنع ما يصنع من المعروف إلى من يعلم أنه يعاديه يكون وصفا له بغاية الكرم والجود. لذلك [ كان ] ما ذكرنا، وبطل قول الثنوية والبراهمة، والله الموفّق. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل وم: وكقول.. ٣ ساقطة من الأصل وم..

الزخرف 43:85

وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)، والأصنام التي تعبدونها لم يفعلوا ذلك، ولا يملكون شيئًا من ذلك، فكيف اتخذتموها آلهة دونه؟! واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) ذكر الحكيم والعليم على إثر ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: لسؤال الثنوية: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يجوز أن يبسط الرزق ويوسع الدنيا على من يعلم أنه يعاديه ويشتمه، ويعادي أولياءه ويشتمهم؛ لأن في الشاهد من يصنع إلى من يعلم أنه يعاديه معروفًا فليس بحكيم، فعلى ذلك يقولون: إن ذلك ليس من اللَّه - تعالى - ولكنه من إله غيره سفيه؛ لأنه وصف نفسه بالحكمة، وأنه يزيل الحكمة. والثاني: لقول البراهمة في إنكارهم الرسالة أصلا، يقولون: ليس من الحكمة بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويكذب رسله ولا يقبل رسالته؛ بل يقتله ويعاديه؛ لذلك ينكرون رسالة الرسل، فأخبر - تعالى - بقوله: (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) أن إعطائي إياهم ما أعطيتهم وبعثي الرسل إليهم على علم مني بما يكون منهم من التكذيب والعداوة - لا يخرجني عن الحكمة، ويخرج فاعل ذلك في الشاهد عن الحكمة؛ لأن ملوك الأرض إنما يرسلون الرسل ويبعثون الهدايا لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فإذا علموا من المبعوث إليهم الرسل والمصنوع إليهم المعروف ما ذكرنا - خرج من الحكمة، فأما اللَّه - تعالى - إنما بعث الرسل لحاجة المبعوث إليهم، ولمنافع أنفسهم، فكذلك ما يعطيهم من الدنيا لمنافع أنفسهم؛ فلم يخرج بذلك من الحكمة؛ لأنه لا تضره معاداة من عاداه، ولا تنفعه موالاة من والاه؛ بل كل ذلك راجع إليهم؛ بل صنع ما يصنع من المعروف إلى من يعلم أنه يعاديه يكون وصفًا له بغاية الكرم والجود، كذلك ما ذكرنا، وبطل قوله الثنوية والبراهمة، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) قوله: (تَبَارَكَ) قال أهل التأويل: أي: تعالى وتعاظم عما قالت الملاحدة فيه من الشريك، والولد، والصاحبة، وغير ذلك مما لا يليق به، ولا يجوز؛ فيكون تنزيهًا عن جميع ما قالوا فيه، وهو كحرف (سُبْحَانَ) الذي يكون تنزيهًا عما قالوا فيه، واللَّه أعلم. قال بعض أهل الأدب: (تَبَارَكَ) هو من البركة، لكن بعض العلماء قالوا: إن هذا التأويل لا يصح؛ لأن قوله: (تَبَارَكَ) هو من وقوع البركة بنفسه، فهو اسم ملازم، ولا يجوز أن يوصف اللَّه - تعالى - بوقوع البركة، لكن عندنا (تَبَارَكَ) وهو تفاعل، والتفاعل هو فعل اثنين؛ فجائز نسبة البركة إليهما على حقيقة وقوعها بأحدهما وهو الخلق للإيصال؛ على ما هو الأصل في مثل هذا، وله نظائر كثيرة. وأصل تأويل (تَبَارَكَ): ما قاله أهل التأويل: تعالى وتعاظم عن جميع ما قالت الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد، والشريك، وغير ذلك، لكن هو على التأويل، لا على تحقيق الاسم، فنظيره ما فسروا في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " وتعالى جدُّك " أي: عظمتك، والجد هو في الحقيقة ليس هو اسم العظمة، ولكن هو خروج الأمر على ما يريد ويشاء، ويسميه الناس فيما بينهم بالفارسية: بختا، فسروا الجد بالعظمة؛ لنفاذ مشيئة العظيم، وخروج الأمور على ما يريده ويشاؤه، فعلى ذلك تفسيرهم (تَبَارَكَ) بما قالوا: تعالى وتعاظم على التأويل، لا على تحقيق الاسم؛ إذ هو من البركة، لكن كل من بورك فيه صار متعاليًا، فأطلقوا عليه (تَبَارَكَ) بمعنى: تعالى، لا بمعنى حقيقة الاسم، واللَّه أعلم. ثم قوله: (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) بيان منه وتعليم للخلق ما يجوز النسبة له فقال: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقال: (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، ونحو ذلك، يبين لهم أن ينسبوا إليه هذا، ولا ينسبوا إليه من الولد، والشريك، والصاحبة ونحو ذلك؛ لأن نسبة الأشياء بكليتها يخرج مخرج الوصف له بالعظمة والجلال، نحو ما ذكرنا من قوله - تعالى -: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وقوله: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، ونسبة خاصية الأشياء إليه يخرج مخرج التعظيم والتبجيل لتلك الأشياء، ثم ينظر بعد هذا: فإن كانت تلك الأشياء الخاصة مما يجوز تعظيمها نسبت إليه وأضيفت، نحو قوله: بيت اللَّه، ومساجد اللَّه، ورسول اللَّه، وغير ذلك من الأشياء التي عظمها اللَّه - تعالى - ورفع قدرها ومنزلتها عنده، وإن كانت الأشياء مما يستقذر ويستقبح ويسترذل فلا يجوز النسبة إليه والإضافة؛ لما ذكرنا أن نسبتها إليه وإضافتها يخرج مخرج التعظيم لها، وهي ليست بمعظمة، ولكنها مسترذلة مستقذرة؛ فيكون وضع الشيء غير موضعه، وأنه خلاف الحكمة، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) يخرج على وجوه: أحدها: أي: عنده علم ساعة: الصعقة؛ كقوله - تعالى -: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ...) الآية. ويحتمل (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ): الزلزلة؛ كقوله: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ). ويحتمل: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ): الفزع والهول؛ كقوله: (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ...).

الزخرف 43:86

ويحتمل: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ): القيامة؛ كقوله - تعالى -: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، ونحو ذلك، واللَّه أعلم. أخبر أنه لم يطلع اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - على حقيقة ما ذكر أحدًا من خلقه. وقوله: (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) قد ذكرنا في غير موضع: أن تخصيص ذلك بالرجوع إليه يخرج على وجوه، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين فيه إلى اللَّه - تعالى - صائرين إليه: أحدها: لأن المقصود من إنشائهم ذلك -أعني: البعث- كي لا يكون خلقهم عبثًا، على ما ذكرنا غير مرة. ويحتمل أنه خص ذلك اليوم بالرجوع إليه والمصير والخروج؛ لأنه يومئذ يخلص خروجهم ورجوعهم إليه وانقيادهم له، وقد ذكرناه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) إن قومًا كانوا يجدون الملائكة؛ رجاء أن يكونوا لهم شفعاء؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضلهم عند اللَّه - تعالى - وذلك معروف في الناس أنهم يخدمون ويكرمون خواص ملوكهم رجاء أن يشفع لهم أُولَئِكَ الخواص عند الملك إذا نزل بهم بلاء ووقعت لهم حاجة يومًا من الدهر، فعلى ذلك هَؤُلَاءِ الكفرة كانوا يعبدون الملائكة؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضل منزلتهم عند اللَّه تعالى. ثم أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - عن الملائكة أنهم لا يملكون الشفاعة بقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)، وهو قوله: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، أي: إلا لمن شهد بوحدانية اللَّه - تعالى - وألوهيته، لا يشفعون لأُولَئِكَ، إنما يشفعون لمن ذكر، وإن كانت لهم خصوصية عند اللَّه - تعالى - لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نهى أُولَئِكَ أن يعبدوا الملائكة ويعظموهم من جهة العبادة؛ لذلك لا يملكون الشفاعة لهم؛ فيكون مثل هذا مثل ملك نهى قومه أن يخدموا أو يعظموا أحدًا سواه من خواصه، فإذا فعلوا ذلك وخدموهم وتركوا نهيه لا يملك أُولَئِكَ الخواص ولا يتجاسرون على طلب الشفاعة عند الملك لأُولَئِكَ الذين نهاهم الملك أن يخدموهم ويعظموهم دونه، فعلى ذلك الملائكة، لم يجعل لهم شفاعة لأُولَئِكَ الذين عبدوهم دونه إلا لمن ذكر، وهم: الذين شهدوا بالحق، وقاموا بعبادة اللَّه - تعالى - فقد أذن اللَّه لهم بالشفاعة لأُولَئِكَ، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون قوله: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ) أي: لو كانت لهم

الزخرف 43:87

الشفاعة لكانت لا تنفعهم؛ كقوله - تعالى -: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) أي: لو كانت لهم شفعاء لكانت لا تنفعهم شفاعتهم، ليس أن يكون لهم شفاعة أو شفعاء، وهو كقوله - تعالى -: (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ) الآية. ، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ...)) الآية؛ فعلى ذلك يحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ) أي: لا ينفعهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) يخرج قوله: (وَهُم يَعْلَمُونَ) على وجهين: أحدهما: يرجع إلى الملائكة، فيكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة وهم يعلمون أنهم لا يملكون الشفاعة. والثاني: يرجع إلى من شهد بالحق، يكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون أنهم يشهدون بالحق، والشهادة بالحق ما ذكرنا، يعني: يشهدون على وحدانية اللَّه - تعالى - وألوهيته، وأنه هو المستحق بالعبادة دون من عبدوهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ... (٨٧) وقال في أول السورة: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)، ثم نعته فقال: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ...)، إلى آخر ما ذكر؛ قد أقروا جميعًا: أن الذي خلق السماوات والأرض وخلقهم وما يحتاجون إليه هو اللَّه تعالى. ثم علمهم وعرفانهم بذلك يحتمل وجوهًا: يحتمل: علم حقيقة على التسخير والاضطرار بأن أنشأ اللَّه - تعالى - علمًا في قلوبهم، فعلموا بذلك حقيقة أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هو خالق ذلك كله. ويحتمل علموا علم الاستدلال بالتأمل والنظر؛ إذ من عادة العرب التأمل والنظر في الأشياء، فنظروا وتأملوا، فعرفوا بالاستدلال العقلي أنه كذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) يقول: فأي شيء يصرفهم ويأفكهم عن القيام بوفاء ما أعطوا بألسنتهم، وتحقيق ما أقروا ونطقوا أن اللَّه خالق ذلك كله، وأن ذلك كله منهم، وجعل ذلك لمن يعلمون أنه لا شيء من ذلك منهم، وبعد معرفتهم بذلك، أعني: الأصنام التي يعبدونها، واللَّه الهادي. وقال أهل التأويل: أي: فأنى يكذبون بعد علمهم ومعرفتهم ذلك في تسميتهم

الزخرف 43:88

معبودهم: إلهًا، أو شكرهم غير الذي صنع ذلك لهم بالعبادة له دون اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) قرئ بنصب اللام وكسرها فمن قرأه بالنصب جعله مقطوعًا على قوله: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) ونسمع قيله؛ أي: قوله الذي أغفلوه؛ أي: بل نسمع ذلك كله. ومن قرأه بالكسر عطفه على قوله: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) أي: عنده علم الساعة وعلم قيله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ) كأنه على الإضمار، أي: قيل لهم: قل: إن هَؤُلَاءِ قوم لا يصدقون. وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أخبر أنهم لا يؤمنون، وقد كان على ما أخبر لم يؤمنوا؛ دل أنه باللَّه عرف ذلك وعلمه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ... (٨٩) أي: أعرض ودعهم، (وَقُلْ سَلَامٌ) أي: قل الصواب والحق (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) يومًا، فهو وعيد لهم. ويحتمل أن يكون قوله: (وَقُلْ سَلَامٌ) أي: سلام عليهم، لكنه على المؤمنين، ليس على أُولَئِكَ الكفرة: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) بالتاء يكون لو صرف إلى المؤمنين، وهو كقوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ)، فيكون كأنه - عز وجل - قال: فسوف تعلمون أيها المؤمنون ما ينزل بأُولَئِكَ، واللَّه أعلم. * * *

الزخرف 43:89

الآية ٨٩ وقوله تعالى :﴿فاصفح عنهم﴾ أي أعرض [ عنهم ](١) ودعهم ﴿وقل سلام﴾ أي قل الصواب والحق ﴿فسوف يعلمون﴾ يوما، فهو وعيد. ويحتمل أن يكون قوله :﴿وقل سلام﴾ أي سلام عليهم. لكنه على المؤمنين، ليس على أولئك الكفرة فسوف تعلمون بالتاء(٢)، يكون لو صُرف إلى المؤمنين، وهو كقوله تعالى :﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم﴾ [الأنعام: ٥٤] فيكون كأنه عز وجل قال : فسوف تعلمون أيها المؤمنون ما ينزل بأولئك، والله أعلم بالصواب. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ انظر معجم القراءات القرآنية ح٦/١٣١..