تأويلات أهل السنة — الدخان 44:1 – محمد 47:38
المحتويات
- الدخان 44:1
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:1
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:7
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:14
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:19
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:27
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:32
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:34
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
الدخان 44:1
سُورَةُ حم الدُّخَانِ
وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ (٣) قال أهل التأويل: إنا أنزلنا الكتاب -أي: القرآن- في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم أنزل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالتفاريق.
ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى قوله: (حم) أي: قضى ما هو كائن على ما قال بعض أهل التأويل: إن ما قضى في كل سنة من الموت والحياة والرزق ونحو ذلك ينزل في ليلة القدر نسخها الملائكة الذين وكلوا على ذلك، فهذا يحتمل.
ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى ما ضمن في قوله: (حم) على ما أراد به، والله أعلم.
ويحتمل أنه أراد بهذا إنزال شيء وأمر في ليلة القدر، عرفه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، فيخبر أنه أنزل ذلك ولم يبينوا لنا ذلك؛ لما لا حاجة لنا إلى معرفته.
وقالت الروافض في قوله - تعالى - (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ): إن اللَّه - تعالى - أنزل شيئًا على رسوله، يكون ذلك الشيء على رأسه وعلى رءوس الأئمة الذين يكونون بعده بحيث يروا ذلك دون غيرهم، إذا استقبلهم أمر أو بدا لهم شيء، نظروا في ذلك الشيء، وعرفوا ما احتاجوا، وما يكون لهم من الصلاح، أو كلام نحو هذا.
وأما عند أهل التأويل هو ما ذكرنا راجع إلى ذلك الكتاب المنزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو إلى ما ذكرنا من تضمين ما ضمن في قوله: (حم)، وكذلك قالوا - أيضًا - في قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، وقوله: (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) هي ليلة القدر، سماها: مباركة، وقد سمى المطر والماء المنزل من السماء مباركا؛ كقوله - تعالى -: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا)، وكذلك الأرزاق المنزلة من السماء والمستخرجة من الأرض مباركة بقوله: (بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، والمبارك هو
الدخان 44:3
الآية ٣ وقوله تعالى :﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ قال أهل التأويل : إنا أنزلنا /٥٠٢-ب/ الكتاب أي القرآن في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ثم أُنزل على النبي ﷺ بالتفاريق.
ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى قوله :﴿حم﴾ أي قضى ما هو كائن على ما قال بعض أهل التأويل : إن ما قضى في كل سنة من الموت والحياة والرزق ونحو ذلك ينزل في ليلة القدر، ونسخُه(١) إلى الملائكة الذين وُكّلوا على ذلك. فهذا يحتمل.
ويحتمل أن تكون الهاء راجعة إلى ما ضمّن في قوله ﴿حم﴾ على ما أراد به، والله أعلم.
ويحتمل أنه أراد بهذا إنزال شيء وأمر في ليلة القدر، عرفه(٢) رسول الله ﷺ وأصحابه، فيُخبر أنه أنزل ذلك، ولم يبيّنوا لنا ذلك لما لا حاجة لنا إلى معرفته.
وقال الرّوافض في قوله :﴿إنا أنزلناه﴾ : إن الله تعالى أنزل شيئا على رسوله، يكون ذلك الشيء على رأسه وعلى رؤوس الأئمة الذين يكونون بعده بحيث يرون ذلك دون غيرهم إذا استقبلهم أمرا، أو بدا لهم شيء، نظروا في ذلك الشيء، فعرفوا(٣) ما احتاجوا وما يكون لهم من الصلاح، أو كلام نحو هذا.
وأما عند أهل التأويل فهو ما ذكرنا راجع إلى ذلك الكتاب المُنزَل على رسول الله ﷺ وإلى ما ذكرنا من تضمين ما ضمّن في قوله :﴿حم﴾ وكذلك قالوا أيضا في قوله :﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١].
وقوله تعالى :﴿في ليلة مباركة﴾ وهي ليلة القدر، سمّاها مباركة، وقد سمّى المطر والماء المُنزَل من السماء [ مباركا بقوله ](٤) تعالى :﴿ونزّلنا من السماء ماء مباركا﴾ [ق: ٩] وكذلك الأرزاق المُنزلة من السماء والمستخرجة من الأرض مباركة بقوله :﴿بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦] والمبارك هو الذي عنده تُدرَك كل الخيرات. والبركة هي اسم كل خير يكون أبدا على الزيادة والنماء، فسمّى تلك الليلة مباركة لم جعل فيها من الخيرات والبركات.
وقوله تعالى :﴿إنا كنا منذِرين﴾ يحتمل ﴿إنا كنا منذرين﴾ الخلق إذا أُنشئوا، وبلغوا المبلغ الذي يستوجبون الإنذار.
ويحتمل ﴿إنا كنا منذرين﴾ الخلق بالرسل ؛ هذا هو الظاهر أن هذا القول من الله تعالى، والله أعلم : قال :﴿إنا كنا منذرين﴾ بالقرآن بما أنزل على [ الرسول ](٥).
١ في الأصل: ونسخها، في م: نسخها..
٢ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٣ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: كقوله..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الدخان 44:4
الذي عنده يدرك كل الخيرات، والبركة: هي اسم كل خير يكون أبدًا على الزيادة والنماء، فسمى تلك الليلة: مباركة؛ لما جعل فيها من الخيرات والبركات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ).
يحتمل (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) للخلق إذا أنشئوا وبلغوا المبلغ الذي يستوجبون الإنذار.
ويحتمل (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) الخلق بالرسل؛ هذا هو الظاهر؛ أن هذا القول من الله تعالى - واللَّه أعلم - قال: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) بالقرآن بما أنزل علي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤).
يحتمل: أي: يفصل ويبين كل أمر هو كائن في ليلة القدر.
ويحتمل: أي: يبين في ليلة القدر كل ما يكون في تلك السنة.
ثم قوله: (كلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) يحتمل أي: كل أمر فيه حكمة.
ويحتمل. كل أمر محكم متقن (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا... (٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) الأمر الذي ذكر بقوله: (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦).
يحتمل قوله: (رَحْمَةً) أي: ما أنزل من الكتاب هو رحمة من ربك.
ويحتمل: ليلة القدر؛ أي: جعلها رحمة منه.
ويحتمل ما ذكر من أمر حكيم هو رحمة منه.
ويحتمل: أي: الرسول المبعوث إليهم رحمة منه لهم، وهو كقوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
وقوله: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) يحتمل قوله: (السَّمِيعُ) بأقوالهم التي أسروها، (الْعَلِيمُ) بأفعالهم وأعمالهم التي أخفوها وأضمروها.
ويحتمل (السَّمِيعُ): المجيب لمن دعا، (الْعَلِيمُ) بما يرجع إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم.
وقوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧).
قَالَ بَعْضُهُمْ: رب الشيء هو مصلحه؛ معناه: مصلح السماوات والأرض وما فيهما،
وحافظ ذلك كله.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: مالكهما ومالك ما فيهما.
ويحتمل: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: خالقهما، وخالق ما فيهما، ومنشئ ذلك كله.
الدخان 44:5
الآية ٥ [ وقوله تعالى :﴿أمرا من عندنا﴾ يحتمل ](١) كل أمر محكم متقن ﴿أمرا من عندنا﴾.
وقوله تعالى :﴿إنا كنا مرسلين﴾ الأمر الذي ذكر بقوله :﴿كل أمر حكيم﴾ والله أعلم.
١ في الأصل وم: ويحتمل..
الدخان 44:6
الآية ٦ وقوله تعالى :﴿رحمة من ربك﴾ يحتمل قوله :﴿رحمة﴾ أي ما أنزل من الكتاب هو رحمة من ربك، ويحتمل، ليلة القدر، أي جعلها رحمة منه، ويحتمل ما ذكر من أمر حكيم، هو رحمة منه، ويحتمل أي الرسول المبعوث إليهم رحمة منه لهم، وهو كقوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقوله تعالى :﴿إنه هو السميع العليم﴾ بأقوالهم التي أسرّوها ﴿العليم﴾ بأفعالهم وأعمالهم التي أخْفَوها، وأضمروها. ويحتمل ﴿السميع﴾ المجيب لمن دعا ﴿العليم﴾ بما يرجع إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم.
الدخان 44:7
الآية ٧ وقوله تعالى :﴿رب السماوات والأرض وما بينهما﴾ قال بعضهم : رب الشيء، هو مُصلحه ؛ معناه مصلح السماوات والأرض وما فيهما، وحافظ ذلك كله.
وقال بعضهم :﴿رب السماوات والأرض﴾ أي مالكهما ومالك ما فيهما. ويحتمل ﴿رب السماوات والأرض﴾ أي خالقهما وخالق ما فيهما ومُنشئ ذلك كله.
وقوله تعالى :﴿إن كنتم موقنين﴾ قال بعضهم : هذا على إتمام الآية ومراعاة المقاطع على وجهها. هذا وأمثاله(١) يخرّج على هذا، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله :﴿إن كنتم موقنين﴾ على إثر قوله :﴿رب السماوات والأرض﴾ أي هو رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم تعلمون أنه رب ما ذكر، فكيف تصرفون العبادة واسم الألوهية إلى من ليس برب ما ذكر أن الإيقان، هو العلم بالشيء حقيقة ؟
١ في الأصل وم: وأمثالها..
الدخان 44:8
وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا على إتمام الآية، ومراعاة المقاطع على وجهها، هذا وأمثاله يخرج على هذا، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) على إثر قوله: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: هو رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم تعلمون: أنه رب ما ذكر، فكيف تصرفون العبادة واسم الألوهية إلى من ليس برب؟! لما ذكر أن الإيقان هو العلم بالشيء حقيقة.
ثم نعت الربّ فقال: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ... (٨) فكأنه يقول: لا معبود يستحق العبادة سواه؛ لأن الإله هو المعبود عند العرب؛ يقول: لا تستحق الأشياء التي يعبدون العبادة إنما المستحق لها هو الذي لا إله غيره.
ويحتمل أن يقول: لا يستحق اسم الألوهية إلا هو، لا الأشياء التي سميتموها: آلهة، ثم نعته فقال: (يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) أي: هو يحيي ويميت، وهو ربكم ورب آبائكم الأولين.
إن من عادة العرب أنهم كانوا يعبدون ويخدمون شيئًا دون اللَّه - تعالى - رجاء أن تشفع لهم وتقربهم تلك العبادة إلى اللَّه - تعالى - فيقول: إن الذين تعبدون دونه لا يقع لهم العلم بعبادتكم إياها، فاصرفوا العبادة إلى الذي يعلم بعبادتكم على كل حال، وأخلصوا له ذلك، ولا تشركوا غيره.
* * *
قوله تعالى: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ. يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) ويحتمل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ) أي: في أمر القرآن.
ويحتمل: بل هم في شك في أمر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) اختلف أهل التأويل فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: ليس هو على حقيقة الدخان، ولكن على التمثيل والمجاز.
ثم اختلف في كيفية ذلك، مع اتفاقهم أنه قد مضى ذلك وقد كان؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: (بِدُخَانٍ) أي: بجدب وقحط؛ جعل الدخان كناية عن الجدب؛ لوجوه:
أحدها: لما يقال: إن الجائع في القحط كان يرى بينه وبين السماء والناس دخانًا من شدة الجوع، كالذي يشتد به العطش يرى السراب ماء؛ وذلك لأنه لما اشتد الجوع ضعفت أبصارهم وغطاها الجوع؛ فيكون الجوع سبب ترائي الدخان، فاستعير له، ولأن في سنة الجدب تيبس الأرض، وينقطع النبات، فيرتفع الغبار، ويصعد الريح ليبسها، فيشبه ذلك الغبار الذي يرتفع من يبس الأرض بالدخان ولذلك قيل للسنة: غبراء، وقيل: جوع أغبر؛ لأن العرب ربما وضعت الدخان موضع الشر إذا علا، فيقولون: لو كان بيننا: أمر ارتفع له دخان، وقالوا: إن هذا القحط الذي جعل الدخان كناية عنه قد كان، فإنه اشتد بهم القحط، وقلت الأمطار، ويبست الأرض، وارتفع الغبار، وصعدت الريح كالدخان، وضعفت الأبصار لشدة الجوع، حتى كانوا يرون السماء كالدخان؛ على ما روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: كان أحدهم ينظر إلى السماء، فيرى كهيئة الدخان من شدة الجوع.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما مثل الأرض يومئذ كمثل بيت أوقد ليس فيه خصاصة.
وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قد مضى الدخان، وهو سنون كسني يوسف - عليه السلام - فجهد الناس، واللَّه أعلم.
ومنهم من يقول: هو على حقيقة الدخان، وأنه لم يمض بعد، وكذلك روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: الدخان لم يمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينتفخ الكافر حتى ينفذ، وكذلك قال أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والحسن وغيرهم، لكن صرف الدخان المذكور في الآية على التمثيل أشبه؛ لأن الأمر إذا اشتد وبلغ نهايته يشبه بالنار والدخان، كقوله: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ)، وليس هناك نار، لكن وصف شدة الحرب فعلى ذلك جائز تشبيه ما اشتد بهم من الجوع والجدب والقحط بالدخان الذي ذكر، وكذلك يصف الناس الأمر إذا اشتد؛ يقولون: هاج الدخان وثار، واللَّه أعلم.
الدخان 44:9
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿بل هم في شك يلعبون﴾ يحتمل قوله :﴿بل هم في شك﴾ في أمر القرآن، ويحتمل ﴿بل هم في شك﴾ في أمر الرسول ﷺ ونحوه، والله أعلم.
الدخان 44:10
الآية ١٠ وقوله تعالى :﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ اختلف أهل التأويل فيه :
قال بعضهم : ليس هو على حقيقة الدخان، ولكن على التمثيل والمجاز. ثم اختُلف في كيفية ذلك مع اتفاقهم أنه قد مضى ذلك، وقد كان.
قال بعضهم :﴿بدخان﴾ أي بجدب وقحط، جعل الدخان كناية عن الجدب لوجوه :
أحدها : لما يقال : إن الجائع في القحط، كان يرى بينه وبين السماء دخانا من شدة الجوع كالذي يشتد به العطش يرى السّراب ماء ؛ وذلك لأنه لما اشتد [ بهم ](١) الجوع، ضعُفت أبصارهم، وغطّاها الجوع، فيكون الجوع سبب ترائي الدخان، فاستُعير له.
[ والثاني ](٢) : لأن في سنة الجدب تتيبّس الأرض، وينقطع النبات، فيرتفع الغبار، ويصعد بالريح(٣). فيُشبَّه ذلك الغبار الذي يرتفع من يُبس الأرض بالدخان [ ويسمّى بالدخان ](٤). ولذلك قيل : السّنة غبراء، وقيل : جوع أغبر، لأن العرب ربما وضعت الدخان مواضع الشر إذا علا، فيقولون : لو كان يبِس أمر ارتفع له دخان، وقالوا : إن هذا القحط الذي جعل الدخان كناية عنه، قد كان، فإنه اشتد بهم القحط، وقلّت الأمطار، ويبِست الأرض، وارتفع الغبار، وصعد بالريح كالدخان، وضعُفت الأبصار لشدة الجوع حتى كانوا يرون السماء كأنها على ما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : كان أحدهم ينظر إلى السماء، فيرى كهيئة الدخان /٥٠٣-أ/ من شدة الجوع.
وقال بعضهم : إن مثل الأرض يومئذ كمثل بيت أُوقد ليس فيه خُصاصة.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قد مضى الدخان، وهو سِنون كسني يوسف، فجهد الناس، والله أعلم.
ومنهم من يقول : هو على حقيقة الدخان، وإنه لم يمض بعد، وكذلك رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال : الدخان لم يمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفُخ الكافر حتى ينفذ، وكذلك قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه والحسن وغيرهما.
لكن صرف الدخان المذكور في الآية على التمثيل أشبه لأن الأمر إذا اشتدّ، وبلغ نهايته، يُشبه النار والدخان كقوله :﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾ [المائدة: ٦٤] وليس هنالك نار، لكن وصف شدة الحرب. فعلى ذلك جائز تشبيه ما اشتد بهم من الجوع والجدب والقحط بالدخان الذي ذكر. وكذلك يصف الناس الأمر إذا اشتدّ ؛ يقولون : هاج الدخان، وثار، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: الريح ليبسها..
٤ ساقطة من م..
الدخان 44:11
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) يحتمل قوله: (يَغْشَى النَّاسَ) أي: غشي الناس ما ذكر، وهو عذاب أليم؛ على تأويل من قال: إنه ماضٍ كائن.
ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: يغشى، فيقول الناس: هذا عذاب أليم؛ وهو على قول من يقول: إنه لم يمض بعد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلََّ: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أي: إنا نؤمن بك فيما تدعونا إليه لو كشفت عنا العذاب، في معنى الشرط والجزاء، وهو كقول قوم موسى - عليه السلام - حيث قالوا: (يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ...) الآية.
ويحتمل أن يكون قوله: (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) على الحال؛ كأنهم قالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون للحال.
ثم أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم لا يؤمنون، وأنهم كذبة فيما قالوا؛ حيث قال - تعالى -: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) يقول: أنى يتوبون؟! أو من أين تنفعهم توبتهم في ذلك بعدما خرجت أنفسهم من أيديهم، وقد جاءهم رسول قبل ذلك الوقت مبين أنه رسول؟! واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ... (١٤) يحتمل: أي: أعرضوا عما جاء به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من القرآن.
ويحتمل تولوا عما دعاهم إليه رسول اللَّه وأمرهم به.
ويحتمل: تولوا عن رسول اللَّه نفسه.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ).
قولهم: (مُعَلَّمٌ) لأنهم يقولون: إنما يعلمه بشر.
وقوله: (مَجْنُونٌ) نسبوه إلى الجنون؛ لوجهين:
أحدهما: ما ذكر: أنه إذا نزل به الوحي، تغيرت حاله ولونه؛ لثقل ذلك عليه، فيقولون: به آفة وجنون.
والثاني: لما رأوه قد خاطر بروحه ونفسه؛ لأنه خالف الفراعنة منهم والأكابر الذين كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم ودعاهم إلى غير الذي كانوا عليه، إذن نسبوه إلى الجنون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) في معاصيكم وكفركم الذي كنتم فيه.
الدخان 44:12
الآية ١٢ وقوله تعالى :﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ أي إنا نؤمن بك في ما تدعونا إليه لو كشفت(١) عنا العذاب في معنى الشرط والجزاء، وهو كقول موسى عليه السلام حين(٢) ﴿قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهِد عندك لئن كشفت عنا الرّجز لنُؤمنن لك﴾ [الأعراف: ١٣٤].
ويحتمل أن يكون قوله :﴿إنا مؤمنون﴾ على الحال كأنهم قالوا : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون للحال.
١ في الأصل وم: كشف..
٢ في الأصل وم: حيث..
الدخان 44:13
الآية ١٣ ثم أخبر الله عز وجل أنهم لا يؤمنون، وأنهم كذَبة في ما قالوا حين(١) قال تعالى :﴿أنا لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين﴾ يقول(٢) : أنا يتوبون ؟ أو من أين تنفعهم توبتهم في ذلك بعد ما خرجت أنفسهم من أيديهم ﴿وقد جاءهم رسول﴾ قبل ذلك الوقت ﴿مبين﴾ أنه رسول، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: يقولون..
الدخان 44:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿ثم تولّوا عنه﴾ يحتمل أي أعرضوا عما جاء به رسول الله ﷺ من القرآن. ويحتمل تولّوا عما دعاهم إليه رسول الله ﷺ وأمرهم به. ويحتمل تولّوا عن رسول الله نفسه.
وقوله تعالى :﴿وقالوا معلَّم مجنون﴾ قولهم :﴿معلّم﴾ لأنهم يقولون :﴿إنما يعلّمه بشر﴾ [النحل: ١٠٣].
وقولهم(١) :﴿مجنون﴾ نسبوه إلى الجنون لوجهين :
أحدهما : ما ذُكر أنه إذا نزل به الوحي تغيّرت حاله ولونه لثقل ذلك عليه، فيقولون : به آفة وجنون.
والثاني : لمّا رأوه قد خاطر بروحه ونفسه لأنه خالف الفراعنة منهم والأكابر الذين كانت همّتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم، ودعاهم إلى غير الذي كانوا عليه، نسبوه(٢) إلى الجنون، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وقوله..
٢ أدرج قبلها في الأصل وم: إذا..
الدخان 44:15
الآية ١٥ وقوله تعالى :﴿إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون﴾ قال بعضهم : إنكم عائدون إلى(١) معاصيكم وكُفركم الذي كنتم فيه. وقال بعضهم : إنكم عائدون إلى عذاب يوم القيامة، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وفي..
الدخان 44:16
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) إلى عذاب يوم القيامة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦).
قَالَ بَعْضُهُمْ: ذلك يوم بدر، وهو قول ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقول عامة أهل التأويل، وقالوا ذلك أشد من الدخان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو عذاب يوم القيامة؛ وهو قول ابن عَبَّاسٍ والحسن، والله أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ) يقول - واللَّه أعلم -: ولقد فتنا قوم فرعون بموسى قبل قومك كما فتنا قومك بك.
أو يحتمل أن يقول: ولقد فتنا قوم فرعون بمثل الذي فتنا قومك.
ثم افتتان قوم فرعون بمثل الذي فتن قومه يخرج على وجوه:
أحدها: أن موسى - عليه السلام - قد أتاهم بالبينات المعجزات ما لم يقدر فرعون وقومه على مقابلة تلك الآيات، وعجزوا عن الإتيان بمثلها، فمهما أتاهم بذلك وعرفوا أنها آيات اللَّه - تعالى - كذبوها وردوها ونسبوا موسى إلى السحر والكذب والافتراء على اللَّه تعالى - فعلى ذلك عمل أهل مكة برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعاملوه بالذي عامل أُولَئِكَ موسى من النسبة إلى السحر والجنون والكذب والافتراء على اللَّه - تعالى - واللَّه أعلم.
الدخان 44:17
الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿ولقد فتنّا قبلهم قوم فرعون﴾ يقول، والله أعلم : ولقد فتنّا قوم فرعون بموسى قبل قومك كما فتنّا قومك بك. ويحتمل أن يقول : ولقد فتنا قوم فرعون بمثل الذي فتنّا قومك.
ثم افتتان قوم فرعون بمثل الذي فتن قومه [ يحتمل ](١) وجوها :
أحدها : أن موسى عليه السلام قد أتاهم بالبينات المعجزات وما لم يقدر فرعون على مقابلة تلك الآيات، وعجزوا عن الإتيان بمثلها، فمهما أتاهم بذلك، وعرفوا أنها آيات الله تعالى، كذّبوها وردّوها، ونسبوا موسى إلى السحر والكذب والافتراء على الله تعالى.
فعلى ذلك عمل أهل مكة برسول الله ﷺ وعاملوه بالذي عامل أولئك موسى من النسبة إلى السحر والجنون والكذب والافتراء على الله تعالى، والله أعلم.
[ والثاني : ما ](٢) قال بعضهم : إن فرعون وقومه، ازدروا موسى، وحقّروه، لأنه وُلد فيهم كما ازدرى أهل مكة محمدا ﷺ فقالوا : أنت أصغرنا وأفقرُنا وأقلّنا حيلة كما قال فرعون لموسى :﴿ألم نربّك فينا وليدا﴾ الآية [الشعراء: ١٨].
[ والثالث :](٣) أن يكون أهل مكة سألوا اليهود عن الأنباء التي يجدونها في القتل ليحاجّوا بها رسول الله ﷺ يطلبون بذلك ظهورا لكذب من رسول الله في ما كان يخبرهم عن الأنباء المتقدمة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وجاءهم رسول كريم﴾ كان جميع رسل الله عليهم السلام كراما لأن الله تعالى كان بعثهم إلى قوم جهّال سفهاء كان لهم الركون إلى الدنيا والميل إليها والرغبة فيها، فبعث إليهم كرام الخُلق ليُذكّروا أولئك الأقوام، وتتهيأ لهم [ المعاملة لهم ](٤) والتحمّل منهم سوء(٥) ما كانوا يعاملونهم، والله أعلم.
ولذلك وصف رسول الله ﷺ بالخُلق العظيم حين(٦) قال :﴿وإنك لعلى خُلق عظيم﴾ [القلم: ٤].
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: ويحتمل..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: لسوء..
٦ في الأصل وم: حيث..
الدخان 44:18
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن فرعون وقومه ازدروا موسى وحقروه؛ لأنه ولد فيهم كما ازدرى أهل مكة محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: أنت أصغرنا وأفقرنا وأقلنا حيلة، كما قال فرعون لموسى: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا...) الآية.
ويحتمل أن يكون أهل مكة سألوا اليهود من الأنباء التي يجدونها في كتبهم؛ ليحاجوا بها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يطلبون بذلك ظهور الكذب من رسول اللَّه فيما كان يخبرهم من الأنباء المتقدمة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ) كان جميع رسل اللَّه - عليهم الصلاة والسلام - كرامًا؛ لأن اللَّه - تعالى - كان بعثهم إلى قوم جهال سفهاء، كان لهم الركون إلى الدنيا، والميل إليها والرغبة فيها، فبعث إليهم كرام الخلق؛ ليداروا أُولَئِكَ الأقوام، ويتهيأ لهم المعاملة لهم والتحمل منهم؛ لسوء ما كانوا يعاملونهم، واللَّه أعلم بذلك؛ ولذلك وصف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالخلق العظيم؛ حيث قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ... (١٨) يقول: أن أرسلوا معي بني إسرائيل، وخلوا عنهم، ولا تحبسوهم، ولا تستعبدوهم، فإنهم أحرار.
ويحتمل أن يقول: أرسلوا معي بني إسرائيل فإنهم يرغبون في إجابتي إلى ما أدعوهم إليه، ويطمعون في اتباعي فيما آمرهم به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) أي: إني لكم سول أمين على الوحي والرسالة.
ويحتمل أن يقول: إني كنت أمينًا فيما بينكم، لا يظهر لكم مني خيانة؛ ولا اطلعتم على كذب قط، فلماذا تكذبونني وتنسبونني إلى السحر؟! واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ... (١٩) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: وألا تتكبروا، ولا تتعظموا على اللَّه.
لكن عندنا معناه: وألا تتكبروا وتتعظموا على رسول اللَّه، ولا تتعظموا على عبادة الله وعلى دينه؛ إذ لا أحد يقصد قصد التكبر على اللَّه - تعالى - وأن ينسب إليه، فهو على إرادة أوليائه أو دينه؛ كقوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي: آتيكم بحجة بينة أنها من اللَّه، وأني رسول اللَّه، وهو ما آتاهم من الآيات المعجزات أو الحجج والبراهين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) لا يحتمل أن يكون هذا الكلام
الدخان 44:19
الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿وأن لا تعلُوا على الله﴾ قال بعضهم : أي وألاّ تتكبّروا، ولا تتعظّموا على الله تعالى.
لكن عندنا معناه : وألا تتكبّروا، ولا تتعظّموا على رسول الله، ولا تتعظموا على عبادة الله وعلى دينه ؛ إذ لا أحد يقصد قصد التكبّر على الله تعالى، وإن تنسّب إليه فهو على إرادة أوليائه أو دينه كقوله تعالى :﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧] ونحوه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إني آتيكم بسلطان مبين﴾ أي آتيكم بحجّة بيّنة أنها من الله وأني رسول الله ؛ وهو ما أتاهم من الآيات المعجزات والحجج والبراهين، والله أعلم.
الدخان 44:20
الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿وإني عُذت بربي وربكم أن ترجُمونِ﴾ لا يحتمل أن يكون هذا الكلام من موسى عليه السلام على ابتداء بلا سبب، كان من فرعون، ولا أمر، سبق ؛ فكان سببه /٥٠٣-ب/ ونازلتُه، والله أعلم، هو ما ذكر في سورة أخرى حين(١) قال :﴿ذروني أقتل موسى وليدع ربه﴾ الآية [غافر: ٢٦].
لمّا قال فرعون ذلك، وهمّ أن يقتل موسى [ قال له موسى ](٢) عند ذلك :﴿وإني عُذت بربي وربكم أن ترجمون﴾. في ذلك دلالة أنه آية من آيات الله [ آيات ](٣) الرسالة لأنه [ لما ](٤) قال فرعون :﴿ذروني أقتل موسى وليدع ربه﴾ ليمنعني عن قتله، فقال :﴿وإني عُذت بربي وربكم﴾ الآية دلّ هذا القول على أنه علِم قول فرعون وقصده بقتله وتعبيره بالدعاء إلى الله ليمنعه عن ذلك، وعلِم أن الله تعالى يعصمه عن شرّه وكيده متى قال ذلك.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
الدخان 44:21
من موسى - عليه السلام - على ابتداء بلا سبب كان من فرعون، ولا أمر سبق، فكأن سببه ونازلته - واللَّه أعلم - هو ما ذكر في سورة أخرى؛ حيث قال: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) الآية، لما قال فرعون ذلك وهم أن يقتل موسى قال له موسى عند ذلك: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) وفي ذلك دلالة آية من آيات اللَّه لرسالته؛ لأنه قال فرعون: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ)، ليمنعني عن قتله، فقال: (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ...) الآية دل هذا القول على أنه علم قول فرعون، وقصده بقتله، وتعبيره بالدعاء إلى اللَّه - تعالى - ليمنعه عن ذلك، وعلم أن اللَّه - تعالى - يعصمه عن شره وكيده حتى قال ذلك.
وقوله: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) يقول: فإن لم تصدقوني فيما أدعوكم إليك وآمركم به فاتركوني فأصدق وأومن به، ولا يضركم تصديقي وإيماني.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: دعوني خفافا جانبًا، لا عليَّ ولا لي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) ولا تقتلون.
وقوله: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) وهو كقوله حيث قال: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ)، وكقول نوح - عليه السلام -: (إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا)، ونحو ذلك يقولون: يا ربنا إنا قد عاملناهم المعاملة التي أمرتنا أن نعاملهم، واحتلنا الحيل التي علمتنا أن نحتال معهم، فلم ينجع ذلك فيهم ولا تبعونا، ولا أجابونا إلى ذلك، فهل من حيلة سوى ذلك أو معاملة غير ذلك نعاملهم بها، لعلهم يتبعوننا ويجيبوننا، هذا الدعاء وهذا القول منهم يكون بعد ما أجهدوا أنفسهم في دعائهم إلى الحق زمانًا طويلا ليس يحتمل في ابتداء الأمر.
وقوله: (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) كان في إخراج موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من بين أظهر أعدائهم ليلا من غير أن شعر علم أحد من أعدائهم بذلك، وهم العدد الذي ذكر في القصة أنهم زهاء ستمائة ألف - آية عظيمة عجيبة لموسى - عليه السلام - على رسالته؛ إذ خروج عدد ستين من بين أظهرهم عسير صعب، فكيف خروج العدد الذي ذكر في القصة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: قوم فرعون يتبعونهم؛ ليردوهم إلى الأمر الذي كانوا يستعملونهم من قبل، من نحو الاستخدام والاستعباد، واللَّه أعلم.
والثاني: أن يتبعوهم للعناد والحرب؛ لأنه ذكر في القصة أنهم أخذوا أموالهم من
الدخان 44:22
الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون﴾ وهو كقوله حين(١) قال :﴿وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون﴾ [الزخرف: ٨٨] وقول نوح عليه السلام ﴿رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا﴾ ﴿فلم يزدهم دعائي إلا فرارا﴾ [ نوح : ٥ و٦ ] ونحو ذلك ؛ يقولون : يا ربنا إنا قد عاملناهم المعاملة التي أمرتنا أن نعاملهم، واحتلنا الحيل التي علّمتنا أن نحتال معهم، فلم ينجع ذلك فيهم، ولم(٢) يتبعونا، ولا أجابونا إلى ذلك. فهل من حيلة سوى ذلك أو معاملة غير ذلك نُعاملهم بها، لعلّهم يتبعوننا، ويجيبوننا ؟
هذا الدعاء وهذا القول منهم يكون [ بعد ](٣) ما أجهدوا أنفسهم في دعائهم إلى الحق زمانا طويلا، ليس يحتمل في ابتداء الأمر.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: ولا..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
الدخان 44:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿فأسر بعبادي ليلا إنكم متّبَعون﴾ كان في إخراج موسى عليه السلام وبني إسرائيل من بين أظهُر أعدائهم ليلا من غير أن شعر، وعلم أحد من أعدائهم بذلك، وهم العدو [ الذين ذُكروا ](١) في القصة أنهم زُهاء ستّ مائة ألف، آية عظيمة عجيبة لموسى عليه السلام على رسالته، إذ خروج عدد ستّين من بين أظهُرهم عسير صعب، فكيف خروج العدد الذي ذُكر في القصة ؟ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إنكم متّبعون﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : أي قوم فرعون يتبعونهم ليردّوهم إلى الأمر الذي كانوا يستعملونهم من قبل من نحو الاستخدام والاستعداد، والله أعلم.
والثاني : أي يتبعونهم للقتال والحرب لأنه ذُكر في القصة أنهم أخذوا أموالهم من الحُليّ واللباس، فخرجوا بها. فجائز أن يكون اتّباعهم إياهم ليقاتلوهم كما يقاتَل الأعداء.
١ في الأصل: الذي ذكر، في م: الذين ذكر..
الدخان 44:24
الحلي واللباس فخرجوا بها، فجائز أن يكون اتباعهم إياهم ليقاتلوهم كما يقاتل الأعداء.
وقوله: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) يحتمل قوله: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ) كأن موسى - عليه السلام - كان يضرب البحر بعصا، ليصل الماء بعضه ببعض؛ لئلا يعبر فرعون وقومه، فقال له: اتركه كما هو (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ).
ثم اختلف في قوله: (رَهْوًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: هي فارسية عربت؛ أي: اترك البحر " راه ".
وقال بعض أهل اللسان: (رَهْوًا) أي: ساكنًا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (رَهْوًا) أي: متصلا؛ وهو قول أبي عَوْسَجَةَ.
وقال أهل التأويل: (رَهْوًا) أي: يابسًا، وهو كقوله: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا).
وقوله - تعالى -: (إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) قد وعدهم - جل وعلا - أن يغرق فرعون وقومه ففعل.
وقوله: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) أي: ناعمين.
وقيل: معجزين.
من الناس من قال: إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -، (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ...) الآية، ثم قال اللَّه - تعالى - (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا)، فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أموالهم فطمست لا محالة فكيف ذكر (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ...) الآية، وما معنى قوله: (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ).
لكن عندنا أنه لا مخالفة بين الآيتين؛ إذ جائز أن يكون طمس أموالهم التي كانت لهم من الحلي وغير ذلك من الصامت ونحوه خاصة، فأما الأموال التي كانت لهم بالشركة من نحو البستان والزروع وأمثالها فتلك لم يطمسها، ولكنه تركها على ما هي عليه لبني إسرائيل، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ) أي: مثل ذلك أورثناها قومًا آخرين، وهو كما ذكر في آية أخرى حيث قال: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا)، فيه أن بني إسرائيل قد عادوا إلى مصر،
الدخان 44:25
الآيات ٢٥ -٢٧ وقوله تعالى :﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ ﴿و زروع ومقام كريم﴾ ﴿ونَعمةٍ كانوا فيها فاكهين﴾ أي ناعمين وقيل : فرحين(١).
من الناس من قال : إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج، وهو قوله عز وجل ﴿ربنا ليُضلّوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدُد على قلوبهم﴾ الآية [يونس: ٨٨] ثم قال الله تعالى :﴿قد أُجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أعمالهم، فطُمست، لا محالة. فكيف ذكر ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ الآيات(٢) ؟
١ في الأصل وم: معجزين..
٢ في الأصل وم: الآية..
الدخان 44:26
الآيات ٢٥ -٢٧ وقوله تعالى :﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ ﴿و زروع ومقام كريم﴾ ﴿ونَعمةٍ كانوا فيها فاكهين﴾ أي ناعمين وقيل : فرحين(١).
من الناس من قال : إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج، وهو قوله عز وجل ﴿ربنا ليُضلّوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدُد على قلوبهم﴾ الآية [يونس: ٨٨] ثم قال الله تعالى :﴿قد أُجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أعمالهم، فطُمست، لا محالة. فكيف ذكر ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ الآيات(٢) ؟
١ في الأصل وم: معجزين..
٢ في الأصل وم: الآية..
الدخان 44:27
الآيات ٢٥ -٢٧ وقوله تعالى :﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ ﴿و زروع ومقام كريم﴾ ﴿ونَعمةٍ كانوا فيها فاكهين﴾ أي ناعمين وقيل : فرحين(١).
من الناس من قال : إن هذه الآية مخالفة للآية الأخرى في ظاهر المخرج، وهو قوله عز وجل ﴿ربنا ليُضلّوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدُد على قلوبهم﴾ الآية [يونس: ٨٨] ثم قال الله تعالى :﴿قد أُجيبت دعوتكما﴾ [يونس: ٨٩] فإذا كانت قد أجيبت دعوتهما في طمس أعمالهم، فطُمست، لا محالة. فكيف ذكر ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ الآيات(٢) ؟
١ في الأصل وم: معجزين..
٢ في الأصل وم: الآية..
الدخان 44:28
الآية ٢٨ وما معنى قوله :﴿كذلك وأورثناها قوما آخرين﴾ ؟
لكن عندنا أنه لا مخالفة بين الآيتين، إذ جائز أن يكون طمس أموالهم التي كانت من الحُليّ وغير ذلك من الصامت ونحوه خاصة.
فأما الأموال التي كانت لهم بالشركة من نحو [ البساتين والزروع ](١) وأمثالها فذلك لم يطمسها، ولكنه تركها على ما هي عليها، لبني إسرائيل، وهو قوله عز وجل :﴿كذلك وأورثناها قوما آخرين﴾ أي مثل ذلك ﴿وأورثناها قوما آخرين﴾ وهو كما ذكر في آية أخرى [ حين قال ](٢) :﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها﴾ [الأعراف: ١٣٧]. فيه أن بني إسرائيل قد عادوا إلى مصر، ونزلوا أوطانهم ومنازلهم وبساتينهم.
١ في الأصل وم: البستان وزروع..
٢ في الأصل: حيث، في م، حيث قال..
الدخان 44:29
ونزلوا أوطانهم ومنازلهم وبساتينهم.
وقوله: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض؛ بل سروا بذلك واستبشروا بهلاكهم؛ فيكون ذكر نفي البكاء لإثبات ضده وهو السرور والفرح، لا لعينه، وذلك جائز في اللغة أن يذكر نفي الشيء ويراد به إثبات ضده، لا عين النفي، كقوله - تعالى -: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)، ليس المراد إثبات نفي الربح؛ أي: لم يربح فحسب؛ بل المراد إثبات الخسران والوضيعة، أي: خسرت ووضعت؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) أي: ضحكت وسرت واستبشرت بهلاكهم؛ لأنهم جميعًا أبغضوهم وعادوهم لادعائهم ما ادعوا من الألوهية لفرعون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) يحتمل أن المراد به ما روي في الخبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " ما من مؤمن إلا وله باب في السماء يصعد إليه عمله الصالح، وفي الأرض مصلى يصلي فيه، فإذا مات بكى ذلك عليه كذا كذا يومًا " وهم ليس لهم ذلك فلا يبكى عليهم.
وجائز أن يكون - أيضًا - قوله - تعالى -: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) أي: لم يبق لهم أحد يبكي عليهم من الأولاد وغيرهم؛ لأنهم استؤصلوا جميعًا من الأولاد وغيرهم، فلم يبك عليهم أحد، فأمَّا سائر الموتى قد يبقى لهم من يبكي عليهم؛ لذلك كان ما ذكر، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يذكر بكاء السماء إذا عظم الأمر على التمثيل، من نحو موت الملوك والقادة ومن عظم قدره عندهم، فيخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن موت فرعون وأتباعه لم يعظم على أهل السماء والأرض؛ لما لا قدر لهم عندهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ) الذي نزل بفرعون وقومه، وهو الغرق في البحر، أغرق أُولَئِكَ ونجى هَؤُلَاءِ.
ويحتمل أن يكون المراد: أنه نجاهم من العذاب الذي كانوا يعذبون؛ من نحو القتل والاستخدام والاستعباد وأنواع العذاب الذي كانوا يعذبون هم ما داموا بين أظهرهم وفي
الدخان 44:30
الآية ٣٠ وقوله تعالى :﴿ولقد نجّينا بني إسرائيل من العذاب المهين﴾ قال بعضهم : نجّينا بني إسرائيل من العذاب الذي نزل بفرعون وقومه، وهو الغرق في البحر ؛ [ أغرق ](١) أولئك، ونجّى هؤلاء.
ويحتمل أن يكون المراد أنه نجّاهم من العذاب الذي كانوا يُعذّبون من نحو القتل والاستخدام والاستعباد وأنواع العذاب الذي كانوا يعذّبونهم ما داموا بين أظهُرهم وفي أيديهم، فنجّاهم من ذلك حين(٢) أخرجهم من بين أيديهم، والله أعلم.
وهو أشبه بما قال :﴿ولقد نجّينا بني إسرائيل من العذاب المهين﴾.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: حيث..
الدخان 44:31
أيديهم، فنجاهم من ذلك؛ حيث أخرجهم من بين أيديهم - واللَّه اعلم - وهو أشبه؛ لما قال: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١).
قوله: (عَالِيًا) أي: غالبًا عليهم، قاهرًا لهم بأنواع القهر الذي كان يقهرهم، والله أعلم.
وقوله: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) أي: اخترنا بني إسرائيل.
وقوله: (عَلَى عِلْمٍ) يخرج هذا على وجوه:
أحدها: أي: (اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ) أي: بسبب علم آتيناهم ذلك، لم يؤت ذلك غيرهم؛ لتظهر فضيلة العلم على العالمين وشرفه، واللَّه أعلم.
والثاني: يحتمل: (اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ) منا بأسباب فيهم وأشياء لم تعلم تلك الأسباب والمعاني في غيرهم، بها استوجبوا الاختيار على العالمين.
والثالث: أي: (اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ) أي: بسبب علم أحوجنا غيرهم إليهم، فصاروا مختارين مفضلين بسبب تعليمهم إياهم ما احتاجوا إليه؛ فيكون لهم فضل الأستاذ على التلميذ، وهذا كما يقال: إن العرب أفضل من الموالي؛ لأن الموالي احتاجوا إلى العرب في معرفة لسانهم، ومعرفة أشياء احتاجوا إليها، فاستوجبوا الفضيلة؛ لحاجتهم إليهم؛ ولذلك فضلت قريش على سائر العرب؛ لما احتاجت سائر العرب إلى قريش في معرفة أشياء لا يصلون إلى ذلك إلا أنهم فضلوا على غيرهم لذلك؛ فعلى ذلك يحتمل أنه أحوج إلى بني إسرائيل غيرهم في معرفة أشياء، فاستوجبوا بذلك الاختيار والفضيلة على غيرهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣) من وجهين:
أحدهما: أي: محنة بينة، وهي أنواع ما امتحنهم من البلايا والشدائد، واللَّه أعلم.
والثاني: يحتمل أن يكون قوله: (بَلَاءٌ مُبِينٌ) أي: نعم عظيمة، وهو ما آتاهم من أنواع النعم من المن، والسلوى، وتظليل الغمام عليهم، وخروج العيون من الحجر، ومجاوزتهم من البحر، وإهلاك عدوهم، وغيرهم من النعم التي آتاهم مما لا يحصى، وهو ما ذكر في سورة البقرة، وهو قوله - تعالى -: (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) أي: نعمة عظيمة من ربكم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَمَا خَلَقْنَا
الدخان 44:32
الآية ٣٢ وقوله تعالى :﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ أي /٥٠٤-أ/ اخترنا بني إسرائيل.
وقوله عز وجل :﴿على علم﴾ يخرّج هذا على وجوه :
أحدها : أي اخترناهم على علم أي بسبب علم، آتيناهم ذلك، لم نُؤت ذلك غيرهم ليُظهر فضيلة العلم على العالمين وشرفه، والله أعلم.
والثاني : يحتمل :﴿اخترناهم على علم﴾ منا بأسباب فيهم وأشياء، لم تُعلم تلك الأسباب والمعاني في غيرهم، بها استوجبوا الاختيار على العالمين.
والثالث : أي اخترناهم على علم، أي بسبب علم أخرجنا غيرهم إليه، فصاروا مختارين مفضّلين بسبب تعليمهم إياهم ما احتاجوا إليه، أي فيكون لهم فضل الأستاذ على التلميذ.
وهذا كما يقال(١) : إن العرب أفضل من الموالي لأن الموالي احتاجوا إلى العرب في معرفة لسانهم ومعرفة أشياء احتاجوا إليها، فاستوجبوا الفضيلة لحاجتهم إليهم، وكذلك(٢) فضل قريش على سائر العرب لما احتاجت سائر العرب إلى قريش في معرفة أشياء، لا يصلون إلى ذلك إلا أنهم فُضّلوا على غيرهم بذلك(٣).
فعلى ذلك يحتمل أنه أحوج إلى بني إسرائيل غيرهم في معرفة أشياء، فاستوجبوا بذلك الاختيار والفضيلة على غيرهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يقول..
٢ في الأصل وم: ولذلك..
٣ في الأصل وم: لذلك..
الدخان 44:33
الآية ٣٣ وقوله تعالى :﴿وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين﴾ [ يحتمل قوله ﴿بلاءٌ مبين﴾ ](١) وجهين :
أحدهما : أي محنة بيّنة، وهي أنواع ما امتحنهم من البلايا والشدائد، والله أعلم.
والثاني : يحتمل أن يكون قوله :﴿بلاء مبين﴾ أي نِعم عظيمة، وهو ما آتاهم من أنواع النعم من المنّ والسلوى وتظليل الغمام عليهم وخروج العيون من الحجر ومجاوزتهم من البحر وإهلاك عدوّهم وغيرها(٢) من النعم التي آتاهم ممّا لا يُحصى، وهو ما ذكر في سورة البقرة، وهو قوله تعالى :﴿وفي ذلكم بلاء من ربك عظيم﴾ [البقرة: ٤٩] أي نعمة عظيمة من ربكم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: من..
٢ في الأصل وم: وغيرهم..
الدخان 44:34
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) يقول اللَّه تعالى - وهو أعلم -: إن الذي يحمل هَؤُلَاءِ على الإنكار والكفر بك وترك الإيمان بك - إنكارهم البعث والإحياء بعد الموت؛ كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ)، ممن آمن بالآخرة فأما من لم يؤمن بالآخرة لا يؤمن به، واللَّه أعلم.
وأصله أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعث لدعاء الخلق إلى الزهد في هذه الدنيا، والرغبة في الآخرة، والقطع عن جميع شهواتهم ومناهم في الدنيا، وتأخير ذلك إلى الآخرة، فمن آمن بالآخرة سهل عليه ترك ذلك كله، وهانَ عليه قطع نفسه عن قضاء ذلك كله، ومن أنكر الآخرة وجحدها اشتد ذلك عليه وصعب، وحمله ذلك على إنكارها والجحود لها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) هذا منهم احتجاج عليه، يقولون: لو كنت صادقًا فيما تقول: إنه بعث وإحياء، فأحيي من ذكروا وائت بهم، لكن هذا احتجاج باطل؛ لأن الآيات والحجج ليست تنزل وتأتي على ما تشتهي أنفس أُولَئِكَ، ولكن تنزل على ما توجبه الحكمة، وعلى ما فيه الحجة، لا على ما يريد المقام عليهم الحجة، كما في الشاهد أن الواجب على المدعي إقامة ما هو حجة في ذاتها، لا إقامة ما يريدها المدعى عليه، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد أتاهم من البيان والحجة ما يوجب البعث والإحياء بعد الموت لو تأملوا ولم يكابروا عقولهم، وكون سؤالهم منه آية أخرى مردود عليهم، والله أعلم.
وبعد: فإن اللَّه - تعالى عَزَّ وَجَلَّ - قد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة، ولو أعطاهم ما سألوا من الآيات ثم أنكروها أهلكوا واستؤصلوا؛ إذ من سنته أن كل آية أتت ونزلت على إثر سؤال كان منهم، ثم أنكروا - كان في ذلك هلاك وعذاب؛ لذلك لم يعطهم ما سألوا، واللَّه أعلم.
الدخان 44:35
الآيتان ٣٤ و٣٥ وقوله تعالى :﴿إن هؤلاء ليقولون﴾ ﴿إن هي إلا موتتُنا الأولى وما نحن بمُنشَرين﴾ يقول الله تعالى، وهو أعلم : إنّ الذي يحمل هؤلاء على الإنكار والكفر بك وترك الإيمان بك وإنكارهم البعث والإحياء بعد الموت كقوله تعالى :﴿والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به﴾ [الأنعام: ٩٢] فأما من لم يؤمن بالآخرة لا يؤمن به، والله أعلم.
وأصله أن رسول الله ﷺ بُعث لدعاء الخلق إلى الزهد في هذه الدنيا والرغبة في الآخرة والقطع عن جميع شهواتهم ومُناهم في الدنيا وتأخير ذلك إلى الآخرة.
فمن آمن بالآخرة سهُل عليه ترك ذلك كلّه، وهان عليه قطع نفسه عن قضاء ذلك كلّه. ومن أنكر الآخرة وجحدها اشتدّ ذلك عليه، وصعُب حمله ذلك على إنكارها والجحود لها، والله أعلم.
الدخان 44:36
الآية ٣٦ وقوله تعالى :﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ هذا منهم احتجاج عليه ؛ يقولون : لو كنت صادقا فيما تقول : إنه بعث وإحياء، فأخّر من ذُكر، وأرِ آيات بهم.
لكن هذا احتجاج باطل لأن الآيات والحجج ليست تنزل، وتأتي على [ ما ](١) تشتهي أنفس أولئك، ولكن تنزل على [ ما ](٢) توجبه الحكمة وعلى ما فيه الحجة لا على ما يريد المقام عليهم الحجة كما في الشاهد أنّ الواجب على المُدّعي إقامة ما هو حجة في ذاتها لا إقامة ما يريد(٣) من المُدّعى عليه.
والنبي ﷺ قد أتاهم من البيان والحجة ما يوجب البعث والإحياء بعد الموت، لو تأمّلوا، ولم يكابروا عقولهم. ويكول سؤالهم منه آية أخرى مردودا(٤) عليهم، والله أعلم.
وبعد فإن الله تعالى عز وجل قد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة، ولو أعطاهم ما سألوا من الآيات، ثم أنكروها، أُهلكوا، واستُؤصِلوا، إذ من سنّته أن كل آية، أتت، ونزلت، على إثر سؤال كان منهم، ثم أنكروا، كان في ذلك هلاك وعذاب. لذلك لم يُعطهم ما سألوا، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: ها..
٤ في الأصل وم: مردود..
الدخان 44:37
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) ليس في هذا جواب لقولهم: (فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، ولم يأت بجواب ذلك، وإنما كان؛ لأنهم لم يستحقوا الجواب لهذا السؤال؛ لأنهم سألوا ذلك تعنتًا وعنادًا.
ويحتمل أن يكون في هذا جواب لقولهم وسؤالهم الآية المخترعة، وفي الآية دلالة على البعث أيضًا:
بيان الأول: أنه أخبر عن قوم تبع ومن ذكر من الأمم الخالية، كانوا ينكرون رسالة رسلهم، ويكذبونهم، ويوعدونهم الرسل بالعذاب والهلاك، فيكذبونهم - أيضًا - فيما يوعدون من البعث، فجاءهم الهلاك، فيقول: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) ومن ذكر، أي: أُولَئِكَ هم أشد قوة أم هَؤُلَاءِ؟ وهم علموا أن أُولَئِكَ أشد قوة وبطشًا، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع من عذاب اللَّه الذي نزل بهم بتكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، فأنتم دون أُولَئِكَ، فكيف يتهيأ لكم الامتناع من العذاب إذا نزل بكم؟! وهو كقوله - تعالى -: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ)، وإذا لم يتهيأ لهم الدفع ومن سنته الاستئصال بالتكذيب للآيات المخترعة، وقد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة وكونه رحمة للخلق؛ لذلك لم يعطهم الآية التي سألوا، واللَّه أعلم.
وأما الثاني: وهو أنه لما أخبر: أن تعذيب أُولَئِكَ الكفرة؛ لتكذيب الرسل وإنكار البعث؛ فدل أن البعث حق حتى يستحق منكره العذاب، واللَّه أعلم.
وذكر أن تبعًا كان رجلا صالحًا، وعائشة - رضي اللَّه عنها - تقول: " لا تسبوا تبعًا؛ فإنه كان رجلا صالحًا ".
وذكر أنه كان رسولا، وقد ذكرنا نعته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) وقال في آية أخرى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا): إن الكفرة كانوا لا يطلقون القول، فلا يقولون: إن اللَّه - تعالى - خلقهما وخلق ما بينهما باطلا ولعبًا، لكن خلق ذلك كله على فتياهم وظنهم، وعلى ما عندهم يصير عبثًا باطلا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: أن لا بعث، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كان فتياهم وظنهم أن لا بعث ولا نشور، يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر - باطلا ولعبًا؛ لأن المقصود بخلق ما ذكر -على زعمهم- لم يكن إلا الإفناء والإهلاك، ومن لم
الدخان 44:38
الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ وقال في آية أخرى :﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا﴾ [ص: ٢٧] إن الكفرة كانوا لا يُطلقون القول، فلا يقولون : إن الله تعالى خلقهما، وخلق ما بينهما باطلا ولعبا لكن خلق ذلك كله على فُتْياهم وظنّهم وعلى [ ما ](١) عندهم يصير عبَثا باطلا لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون : أن لا بعث، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب.
فإذا كان فُتياهم وظنهم أن لا بعث ولا نشور يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر باطلا لعبا لأن المقصود بخلق ما ذكر على زعمهم لم يكن إلا الإفناء والإهلاك. ومن لم يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة كان في بنائه وقصده سفيها غير حكيم.
فعلى ذلك الله سبحانه وتعالى في خلقه إياهم وإنشائه لهم وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المُضغة إلى حال تصوير الإنسان ثم إلى [ حال ](٢) الكِبرِ. لو لم يكن ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا كان سَفها باطلا غير حكمة لما ذكرنا من قصْد من قَصَد في البناء الإفناء خاصة لا غير كان في فعله وقصده لاعبا عابثا سفيها.
ولذلك سفّه الله تعالى تلك المرأة التي لم يكن قصدها في غزلها إلا نقضه في العاقبة حين(٣) قال :﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾ الآية [النحل: ٩٢].
فعلى ذلك خلق الخَلْق إذ لم يكن بعث ولا نشور على ما قال أولئك الكفرة، وظنّوا، كان كذلك سَفَها غير حكمة. ولذلك قال :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا تُرجعون﴾ [المؤمنون: ١١٥] جعل خَلقه إياهم [ لا ](٤) للرجوع إليه /٥٠٤-ب/ عبثا، والله الموفّق.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ ساقطة من الأصل وم..
الدخان 44:39
يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة، كان في بنائه وقصده سفيهًا، غير حكيم، فعلى ذلك اللَّه - سبحانه وتعالى - في خلقه إياهم، وإنشائه لهم، وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى: من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة إلى حال تصوير الإنسان، ثم إلى حال الكبر، لو لم يكن ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا - كان سفهًا باطلا، غير حكمة؛ لما ذكرنا: من قصد في البناء الإفناء خاصة لا غير، كان في فعله وقصده لاعبًا عابثًا سفيهًا؛ ولذلك سفه اللَّه تلك المرأة التي لم يكن قصدها في غزلها إلا نقضه في العاقبة؛ حيث قال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا...) الآية، فعلى ذلك خلق اللَّه إذا لم يكن بعث ولا نشور -على ما قال أُولَئِكَ الكفرة وظنوا- كان كذلك سفهًا غير حكمة؛ ولذلك قال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، جعل خلقه إياهم لا للرجوع إليه عبثًا، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ... (٣٩) قَالَ بَعْضُهُمْ: إلا لإقامة الحق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إلا لأمر كائن مراد.
وأصل الحق: هو أن يحمد عليه فاعله في العاقبة، والباطل هو ما يذم عليه فاعله، وإنما خلق - جل وعلا - ما ذكر؛ ليحمد على فعله، لا ليذم، ولو لم يكن القصد في خلقهم إلا الإفناء والإهلاك لكان لا يحمد عليه، ولكن يذم، على ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أنهما لم يخلقا باطلا وعبثًا، وهو ما ظنوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) سمي يوم القيامة مرة: يوم الجمع، ومرة يوم التفريق، ومرة يوم الفصل، فهو يوم الجمع؛ لما يجمع فيه الخلائق جميعًا، وكذلك يوم الحشر.
ويوم الفصل يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يفصل بين أوليائه وأعدائه، ينزل أولياءه في دار الكرامة والمنزلة وهي الجنة، وأعداءه في دار الهوان والعقاب، وهو ما قال: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ).
ويحتمل أن يكون قوله: (يَوْمَ الْفَصْلِ) أي: يوم القضاء والحكم، أي: يقضي ويحكم بين المؤمنين والكافرين فيما تنازعوا واختلفوا في الدنيا بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
الدخان 44:40
الآية ٤٠ وقوله تعالى :﴿إن يوم الفصل ميقاتُهم أجمعين﴾ سمّى يوم القيامة مرة ﴿يوم الجَمْع﴾ [الشورى: ٧] ومرّة يوم ﴿الفصل﴾ [ الصافات : ٢١ و. . . ] فهو يوم ﴿الجمع﴾ الجمع لما يجتمع فيه الخلائق جميعا وكذلك يوم ﴿الحشر﴾ [الحشر: ٢]. ويوم الفصل يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه يفصل بين أوليائه في دار الكرامة والمنزلة، وهي الجنة، وأعدائه في دار الهوان والعقاب، وهو(١) ما قال :﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ [الشورى: ٧].
[ والثاني ](٢) : يحتمل أن يكون قوله :﴿يوم الفصل﴾ يوم القضاء والحُكم، أي يقضي، ويحكُم بين المؤمنين والكافرين في ما تنازعوا، واختلفوا في الدنيا بقوله :﴿إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ [يونس: ٩٣].
ويحتمل أيضا ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما [ لو ](٣) لم يكن ذلك في الآخرة بينهم كان جامعا مُسوّيا بين الأولياء والأعداء، وهم استووا، واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم. ومن سوّى بين وليّه وعدوّه كان سفيها غير حكيم. دلّ أنّ هناك دارا أخرى يفصل بينهما، ويُميّز، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وهي..
٢ في الأصل وم: و..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
الدخان 44:41
ويحتمل - أيضًا - ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما لو لم يكن ذلك في الآخرة بينهم وإن جامعًا مسويًا بين الأولياء والأعداء، وهم استووا واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم، ومن سوى بين وليه وعدوه، كان سفيهًا غير حكيم - دل أن هنالك دارًا أخرى يفصل بينهما، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) هذا في الكفار خاصة يخبر أنه لا ولي ينفعهم في الآخرة، ولا يعين بعضهم بعضًا على ما يعان في الدنيا إذا نزل ببعض منهم بلاء وشدة، وهو ما ذكر في آية أخرى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَاخْشَوْا يَوْمًا...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)، واللَّه الموفق.
ثم قوله - تعالى -: (لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا) يحتمل مولى الأعلى ومولى الأسفل، على ما يعين بعضهم بعضا في الدنيا.
ويحتمل كل ولي وقريب؛ يخبر أنه لا قريب يملك دفع ما نزل به، ولا ولي، ولا يملك نصره ولا معونته؛ لأن ولايتهم يومئذ تصير عداوة بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ...) الآية، استثنى المتقين، وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضًا حيث قال: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ... (٤٢) ومنَّ عليه، وهداه الإيمان، ورزقه التوحيد فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء ينصر بعضهم بعضا، ويشفع بعضهم لبعض، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ): (الْعَزِيزُ) في نقمته من أعدائه لأوليائه (الرَّحِيمُ) للمؤمنين الذين استثنى في الآية؛ حيث قال: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ).
وقوله: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) ظاهر الآية أنها طعام كل أثيم، لكنها ليست بطعام كل أثيم؛ بل هي طعام أثيم دون أثيم، وهو الكافر؛ لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه، وهو الكافر، فأما المؤمن المسلم لا يكون أثيمًا مطلقًا مع قيام إيمانه وكثير طاعته؛ فلا يكون صاحب الكبيرة داخلا تحت الآية.
قال بعض أهل التأويل: إنه لما نزل قوله - تعالى -: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الْأَثِيمِ) أتى بعض الكفار بالعسل والزبد، وقالوا لأصحابهم: تعالوا نتزقم فإن
الدخان 44:42
الآية ٤٢ وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضا حين(١) قال :﴿إلا من رحم الله﴾ ومنّ عليه، وهداه الإيمان، ورزقه التوحيد، فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء، ينصر بعضهم بعضا، ويشفع بعضهم لبعض، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إنه هو العزيز الرحيم﴾ العزيز في نقمته من أعدائه لأوليائه، الرحيم للمؤمنين الذين استثنى في الآية حين(٢) قال :﴿إلا من رحم الله﴾.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: حيث..
الدخان 44:43
الآيتان ٤٣ و٤٤ وقوله تعالى :﴿إن شجرة الزّقوم﴾ ﴿طعام الأثيم﴾ ظاهر الآية أنها طعام كل أثير دون إثم، لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه، وهو [ صفة ](١) الكافر. فأما المؤمن المسلم فلا(٢) يكون أثيما مطلقا مع قيام إيمانه وكثير طاعته، فلا يكون. وصاحب الكبيرة [ يكون ](٣) داخلا تحت الآية.
قال بعض أهل التأويل(٤) : يدل قوله تعالى :﴿إن شجرة الزقوم﴾ ﴿طعام الأثيم﴾ [ على أنه ](٥) أتى بعض الكفار بالعسل والزّبد، وقالوا لأصحابهم : تعالوا نتزقّم، فإن محمدا وعدنا بذلك لما كان الزقوم، هو الزُّبد والتمر أو العسل بلغة قوم من العرب، فنزل عند ذلك قوله تعالى :﴿إنها شجرة تخرُج في أصل الجحيم﴾ ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ [ الصافات : ٦٤ و٦٥ ] أخبر أنها شجرة أُنشئت من النار لقوله(٦) تعالى :﴿إنها شجرة تخرُج في أصل الجحيم﴾ ليست كسائر الأشجار.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ أدرج بعدها في الأصل وم: أنه..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: كقوله تعالى..
الدخان 44:44
الآيتان ٤٣ و٤٤ وقوله تعالى :﴿إن شجرة الزّقوم﴾ ﴿طعام الأثيم﴾ ظاهر الآية أنها طعام كل أثير دون إثم، لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه، وهو [ صفة ](١) الكافر. فأما المؤمن المسلم فلا(٢) يكون أثيما مطلقا مع قيام إيمانه وكثير طاعته، فلا يكون. وصاحب الكبيرة [ يكون ](٣) داخلا تحت الآية.
قال بعض أهل التأويل(٤) : يدل قوله تعالى :﴿إن شجرة الزقوم﴾ ﴿طعام الأثيم﴾ [ على أنه ](٥) أتى بعض الكفار بالعسل والزّبد، وقالوا لأصحابهم : تعالوا نتزقّم، فإن محمدا وعدنا بذلك لما كان الزقوم، هو الزُّبد والتمر أو العسل بلغة قوم من العرب، فنزل عند ذلك قوله تعالى :﴿إنها شجرة تخرُج في أصل الجحيم﴾ ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ [ الصافات : ٦٤ و٦٥ ] أخبر أنها شجرة أُنشئت من النار لقوله(٦) تعالى :﴿إنها شجرة تخرُج في أصل الجحيم﴾ ليست كسائر الأشجار.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ أدرج بعدها في الأصل وم: أنه..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: كقوله تعالى..
الدخان 44:45
محمدًا وعدنا بذلك؛ لما كان الزقوم هو الزبد والتمر والعسل بلغة قوم من العرب، فنزل عند ذلك قوله - تعالى -: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ...) الآية، أخبر أنها شجرة أنشئت من النار، بقوله - تعالى -: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ) الآية، ليست كسائر الأشجار، ثم شبهها بالمهل بقوله - تعالى -: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) والمهل: دُرْدِيُّ الزيت.
ثم يحتمل تشبيهها بالمهل وجهين:
أحدهما: لالتصاقه بالبدن؛ لأنه قيل: إنه ألصق الأشياء بالبدن.
ويحتمل أن يشبهها بذلك؛ لكثرة ألوانها وتغيرها من حال إلى حال.
ثم الإشكال أنه ليس في أكل دُرْدِيُّ الزيت فضل شدة وكثير مؤنة، فما معنى التشبيه به؟ لكن نقول: إنّه بين أن ذلك المهل والدردي من النار؛ حيث قال: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ).
ثم الإشكال أن شجرة الزقوم كيف تكون للأثيم؟ فيحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: أنه يخرج منها شيء ويسيل، فيسقى ذلك الكافر.
ويحتمل: أنه يأكلها كما هي، فتذوب في بطنه، فتغلي، فيكون ما ذكر.
وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه رأى فضة قد أذيبت، فقال: هذا المهل، فجائز أن يكون على هذا كل شيء يذاب ويحرق فهو المهل، والحميم هو الشيء الحار الذي قد انتهى حره غايته واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ظاهر هذا أن يكون بعدما أدخلوا في النار، لكن يحتمل أيضًا أن يكون ذلك في أول ما يراد أن يدخلوا النار؛ كقوله: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ)، فعلى ذلك (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ).
ثم قوله - تعالى -: (فَاعْتِلُوهُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ادفعوه (إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) أي: إلى وسط الجحيم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَاعْتِلُوهُ) أي: قودوه قودًا إلى (إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ) يقال: جيء بفلان يعتل إلى السلطان؛ أي: يجرُّ ويُقاد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو السوق الذي فيه شدة وتعنيف؛ أي: سوقوه سوقًا شديدًا عنيفًا.
الدخان 44:46
الآيتان ٤٥ و٤٦ ثم شبّهها بالمهل يقوله تعالى :﴿كالمُهل يغلي في البطون﴾ ﴿كغلي الحميم﴾ والمُهل درديّ الزيت، ثم يحتمل تشبيهُها بالمُهل لوجهين(١) :
أحدهما لالتصاقه بالبدن، لأنه قيل : إنه ألصق الأشياء بالبدن.
[ والثاني ](٢) : يحتمل أن يشبّهها بذلك لكثرة تلوّنها وتغيُّرها من حال إلى حال.
ثم الإشكال أنه ليس في أكل دُرديّ الزيت فضل شدّة وكثرة مُؤنة، فما معنى التشبيه به ؟
لكن نقول : إنه بيّن أن ذلك المهل والدّرديّ من النار حين(٣) قال :﴿كالمُهل يغلي في البطون﴾ ﴿كغلي الحميم﴾ ثم الإشكال : أن شجرة الزّقوم كيف تكون للأثيم ؟ فيحتمل ذلك وجهين :
أحدهما أنه يخرُج منها شيء، ويسيل، فيسقي ذلك الكافر.
[ والثاني ](٤) : يحتمل [ أنها تُؤكَل ](٥) كما هي، فتذوب في بطنه، فتغلي. فيكون ما ذُكر. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه رأى فضة، قد أُذيبت، فقال : هذا المُهل.
فجائز أن يكون على هذا كل شيء يُذاب، ويحرق، فهو المُهل.
والحميم : هو الشيء الحارّ الذي قد انتهى حرّه غايته، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وجهين..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: و..
٥ في الأصل وم: أنه يأكل..
الدخان 44:47
الآية ٤٧ وقوله تعالى :﴿خُذوه فاعتِلوه إلى سواء الجحيم﴾ ظاهر هذا أن يكون هذا ذلك بعد ما أُدخلوا في النار. لكن يحتمل أيضا أن يكون ذلك في أوّل ما يراد أن يُدخَلوا النار كقوله تعالى :﴿خذوه فغلّوه﴾ ﴿ثم الجحيم صلّوه﴾ [ الحاقة : ٣٠ و٣١ ] فعلى ذلك ﴿خُذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم﴾.
ثم قوله تعالى :﴿فاعتلوه﴾ قال بعضهم : أي ادفعوه إلى سواء الجحيم أي إلى وسْط الجحيم.
وقال بعضُهم :﴿فاعتلوه﴾ أي قودوه إلى سواء الجحيم. يقال : جيء بفلان يُعتل إلى السلطان أي يُجرّ، ويقاد.
وقال بعضهم : هو السّوق الذي فيه شدّة وتعنيف، أي سوقوه سوقا شديدا عنيفا. وبعضه قريب من بعض. والجحيم، هو مُعظم النار، والله أعلم.
الدخان 44:48
وبعضه قريب من بعض.
والجحيم: هو معظم النار، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) أي: من شراب الحميم؛ جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لأهل النار من ألوان الشراب: الحميم، والصديد، ونحوهما، مكان ما جعل لأهل الجنة من أنواع الشراب؛ حيث قال: (فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ...) الآية.
ثم في الآية أن الفريقين جميعًا لا يتولون شرابها بأنفسهم، لكنهم يُسقون؛ على ما ذكر في أهل الجنة في غير آي من القرآن؛ حيث قال: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ...)، وقوله - تعالى -: (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا...)، ونحو ذلك كثير، وقال في أهل النار: (ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ)، وقوله - تعالى -: (تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ)، وقال في آية أخرى: (مِنْ غِسْلِينٍ)، وغير ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) قال أهل التأويل: إنما يقال هذا لأبي جهل اللعين، وله ذلك العذاب الذي ذكر في الآية، وهو المراد بالأثيم؛ كان في الدنيا يفتخر، ويقول: أنا العزيز الكريم، وليس فيما بين كذا إلى كذا أعزّ منّي، وأنا المتعزز المتكرم، فيقال له في الآخرة: (ذُقْ) هذا الذي ذكر (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) في الدنيا يصغرونه ويهينونه.
ويحتمل أن يكون هذا في كل كافر يتعزز في الدنيا ويتكرّم، وكل رئيس منهم، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) أي: ذق فإنك لست بعزيز ولا كريم، ثم يقال ذلك له على التهزي به؛ أي: لو كنت عزيزًا كريمًا ما دخلت النار، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) فيه لغتان: (مُقَامٍ) بالرفع،
الدخان 44:49
الآية ٤٩ وقوله تعالى :﴿ذُق إنك أنت العزيز الكريم﴾ قال أهل التأويل : إنما يقال هذا لأبي جهل اللعين، وله ذلك العذاب الذي ذُكر في الآية، وهو المراد بالأثيم، كان في الدنيا يفتخر ويقول : أنا العزيز الكريم، وليس ما بين كذا إلى كذا أعزّ مني، وأنا المتعزّز المتكرّم. فيقال له في الآخرة :﴿ذُق﴾ هذا الذي ذكر ﴿إنك أنت العزيز الحكيم﴾ في الدنيا ؛ يصغّرونه، ويُهينونه.
ويحتمل أن يكون هذا في كل كافر يتعزّز في الدنيا، ويتكرّم، وكل رئيس منهم، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله :﴿ذُق إنك أنت العزيز الكريم﴾ أي ذُق فإنك لست بعزيز ولا كريم.
الدخان 44:50
الآية ٥٠ ثم يقال ذلك له على الهُزء به ﴿إن هذا ما كنتم به تمترون﴾ أي لو كنت عزيزا كريما ما دخلت النار، والله أعلم. /٥٠٥-أ/
الدخان 44:51
الآية ٥١ وقوله تعالى :﴿إن المتقين في مقام أمين﴾ فيه لغتان : مُقام بالرفع(١) ومقام بالنصب. فمن قرأ بالنصب فهو موضع المقام، وهو المنزل والمسكن، معناه : في مسكن أمين : أمِنوا فيه(٢) من الآفات والأوصاب والأسقام.
ومن قرأ برفع الميم فهو المصدر ؛ يعني الإقامة، أي يُقيمون فيها آمنين من الخروج عنها والزوال، والله أعلم.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/ ١٤٣..
٢ في الأصل وم: فيها..
الدخان 44:52
و (مَقَامٍ) بالنصب:
فمن قرأ بالنصب فهو موضع المقام، وهو المنزل والمسكن؛ معناه: في مسكن أمين؛ أي: آمنوا فيها من الآفات والأوصاب والأسقام.
ومن قرأ برفع الميم فهو المصدر؛ يعني: الإقامة؛ أي: يقيمون فيها، آمنين عن الخروج عنها والزوال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣)، قالوا: السندس: ما رق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه.
ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من اللبس لما رق منه، فأما ما غلظ منه فإنه يبسط، وإن كان ذكر اللبس فيهما -في الظاهر- يتناول ما رق منه وما غلظ، فالمراد من ذكر اللبس يرجع إلى ما يلبس، وهو الذي يرق منه ويدق.
وجائز في اللغة أن يذكر الشيئان باسم أحدهما إذا كان بينهما ازدواج في الجملة عادة أو حقيقة، واللَّه أعلم.
ويحتمل أنه إنما ذكرهما جميعًا؛ لما يكون من رغبة الناس إليهما جميعًا في الدنيا، فرغبهم في الآخرة، ووعد لهم أن يكون لهم ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُتَقَابِلِينَ) يخبر أن مجلسهم في الجنة نحو مجلسهم في الدنيا مقابل بعضهم بعضا، حيث قال: (كَذَلِكَ... (٥٤) على إثر ذلك، يكونون في الجنة كما كانوا في الدنيا من مقابلة بعض بعضًا، واجتماعهم في المجلس في الشراب وغيره، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (بِحُورٍ) أي: ببيض الوجوه، و (عِينٍ)، أي: حسان الأعين.
وقال بعض أهل الأدب: الحور في العين هو شدة سواد سوادها وبياض بياضها، ويقال: امرأة حوراء، ونسوة حور، ورجل أحور، وقوم حور، والعيناء: الحسنة العينين؛ يقال رجل أعين، ورجال عين، وامرأة عيناء، ونسوة عين، فالجماعة على هيئة واحدة في هذا الباب في المذكر والمؤنث، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥).
تأويله - واللَّه أعلم - أي: ثمار الجنة وفواكهها، ليس لها فساد ولا انقطاع، ولا
الدخان 44:53
الآيتان ٥٢ و٥٣ وقوله تعالى :﴿في جنّات وعيون﴾ ﴿يلبسون من سُندس وإستبرق متقابلين﴾ قالوا : السّندس ما رقّ من الديباج، والإستبرق ما غلُظ منه.
ثم يحتمل أن يكون ما ذُكر من اللّبس لما رقّ منه. فأما ما غلظ منه فإنه يُبسط، وإن كان ذلك اللبس فيهما في الظاهر يتناول ما رقّ منه، وما غلظ. فالمُراد من ذكر اللّبس يرجع إلى ما يُلبس، وهو الذي يرقّ منه، ويدقّ.
وجائز في اللغة أن يُذكر الشيئان باسم أحدهما إذا كان بينهما ازدواج في الجملة عادة أو حقيقة، والله أعلم.
ويحتمل أنه إنما ذكرهما جميعا لما يكون من رغبة الناس إليهما جميعا في الدنيا، فرغّبهم في الآخرة، ووعد لهم أن يكون لهم ذلك، والله أعلم.
الدخان 44:54
الآية ٥٤ وقوله تعالى :﴿كذلك وزوّجناهم بحور عين﴾ قال بعضهم :﴿بحور﴾ ببيض الوجوه، و﴿عين﴾ أي حِسان الأعين. وقال بعض أهل الأدب : الحَوَر في العين، هو شدة سوادها وبياض بياضها، ويقال : امرأة حوراء، ونسوة حُور، ورجل أحور، وقوم حور، والعيناء الحسنة العينين ؛ يقال : رجل أعين، ورجال عين، وامرأة عيناء ونسوة عِين، فالجماعة على هيئة واحدة في هذا الباب في المذكر والمؤنث، والله أعلم.
الدخان 44:55
الآية ٥٥ وقوله تعالى :﴿يدعون فيها بكل فاكهة آمنين﴾ تأويله، والله أعلم : أي ثمار الجنة وفواكهها ليس فيها فساد ولا انقطاع، ولا نقصان ولا زوال ﴿يدعون﴾ يسألون إذا حضروها، كما يسألون في الدنيا : هل بقي شيء ؟ أو هل عندكم شيء من الفواكه ؟ ونحو ذلك لما ذكرنا أن لثمار الدنيا ما ذكرنا انقطاعا(١) وفناء، وليس لثمار الجنة وفواكهها كذلك. لذلك ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿آمنين﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :﴿آمنين﴾ من انقطاع فواكهها وثمارها وما ذكر.
[ والثاني ](٢) :﴿آمنين﴾ فيها في الجنة، ليس لهم خوف الخروج عنها والزوال، و﴿آمنين﴾ من جميع الآفات التي تكون في الدنيا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: انقطاع..
٢ في الأصل وم: ويحتمل..
الدخان 44:56
ْنقصان، ولا زوال (يَدْعُونَ) يسألون أن أحضروها، لا يسألون كما يسألون في الدنيا هل بقي شيء، أو هل عندكم شيء من الفواكه؟ ونحو ذلك؛ لما ذكرنا أن لثمار الدنيا انقطاع وفناء، وليس لثمار الجنة وفواكهها كذلك، لذلك ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (آمِنِينَ) يحتمل وجهين:
أحدهما: (آمِنِينَ) عن انقطاع فواكهها وثمارها وما ذكر.
ويحتمل (آمِنِينَ) وفيها في الجنة ليس لهم خوف الخروج عنها والزوال، وآمنون عن جميع الآفات التي تكون في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى... (٥٦) والإشكال: أنه نفى الموت في الجنة واستثنى الموتة الأولى، وليس في الجنة موت أصلا، كيف يستثني الموتة الأولى وأن ظاهر الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، فيوهم أن يكون في الجنة موت؟!
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن " إلا " بمعنى غير وسوى، وفيه إضمار؛ كأنه قال: لا يذوقون فيها -أي: في الجنة- الموت سوى الموتة الأولى التي ذاقوا في الدنيا؛ لأن الموتة التي ذاقوا وهي الموتة الأولى لا يتصور ذوقها ثانيًا، ولو كان يكون مثلها، ولأن الجنة ليست محل الموت، فكأن المراد ما قلنا، أي: لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموت الذي ذاقوا في الدنيا، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ...) الآية؛ أي: سوى ما قد سلف، (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً)، في ذلك الوقت؛ على أحد التأويلين، واللَّه أعلم.
وعندنا يخرج تأويله على وجهين:
أحدهما: لا يذوقون فيها الموت إلا ما ذاقوا من الموتة الأولى؛ لأنه ذكر في الخبر أنه: " يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح -أو كذا- فيذبح بين أيديهم، فعند ذلك يأمنون الموت هنالك " واللَّه أعلم.
والثاني: لا يذوقون فيها الموت ولا يرونه إلا الموتة الأولى التي رأوها في الدنيا، تلك يعرفونها ويذكرونها، فأما سواها فلا، والذوق سبب المعرفة، فاستعير للمعرفة مجازًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) ليس هو تخصيص وقاية عذاب
الدخان 44:57
الجحيم فحسب؛ بل المراد نفيهم العذاب كله، لكن الجحيم معظم النار، فذكره كناية عن الكل، فضلا منه، ليس باستحقاق منهم بالأعمال، على ما تقدم ذكره في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) الفوز بأحد شيئين: إما الظفر بما يأمل ويرجو، فإذا ظفر بذلك يقال: فاز، وإما النجاة مما يحذر ويخاف إذا حذر أمرًا وخافه فيخلص من ذلك ويقال، فأيهما كان فهو فوز، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْعَظِيمُ) جميع أمور الآخرة وحالها سمي: عظيمًا، من العذاب والنعيم؛ قال اللَّه - تعالى - (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)، و (عَذَابٌ عَظِيمٌ)، و (فَوْزًا عَظِيمًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ... (٥٨) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: كأنه يقول: فإنما أنزلنا القرآن بلسانك ويسرناه للذكر؛ ليلزمهم التذكر؛ لأنه أنزله بلسانه ويسره لقومه؛ لأنه لو كان منزلا بغير لسانه، لم يكن ميسرًا لهم للذكر، وهو ما ذكر في آية أخرى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ)، أخبر أنه يسره للذكر؛ لأنه يسره باللسان، ولكن معناه ما ذكرنا: أنه أنزله بلسانه ويسره للذكر، واللَّه أعلم.
والثاني: فإنما يسرناه على لسانك كي تذكره وتحفظه بلا كتابة ولا نظر في كتاب؛ لأنه ذكر أنه كان - عليه السلام -: يحفظ سورة طويلة إذا تلا عليه جبريل - صلوات اللَّه عليه - وقد آمنه اللَّه - سبحانه وتعالى - عن النسيان بقوله - تعالى -: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) هو يخرج على وجوه:
أحدها: لكي يلزمهم التذكر.
ويحتمل: لكي يتذكروا ما قد نسوا من حق اللَّه الذي عليهم.
أو ليتعظوا بمواعظ اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) على وجهين:
أحدهما: ارتقب ما وعد اللَّه أن ينزل بهم من العذاب فإنهم مرتقبون هلاكك وانقطاعك ونحوه.
أو يقول: ارتقب، ولا تكافئهم، ولا تدع عليهم بالهلاك، فإنهم مرتقبون بما ألقى الشيطان في أمنيتهم بأن ملكك يزول، وأنه يعود إليهم، واللَّه أعلم.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فارتقبهم إنهم مرتقبون) والارتقاب: الانتظار، واللَّه أعلم.
الدخان 44:58
الآية ٥٨ وقوله تعالى :﴿فإنما يسّرناه بلسانك﴾ هذا يُخرّج على وجهين :
أحدهما : كأنه يقول : فإنما أنزلنا القرآن بلسانك، ويسّرناه للذِّكر ليُلزمهم الشكر(١)، لأنه أنزله بلسانه، ويسّره لقومه، لأنه لو كان مُنزلا بغير لسانه لم يكن مُيسّرا لهم للذّكر، وهو ما ذكر في آية أخرى :﴿ولقد يسّرنا القرآن للذّكر﴾ [القمر: ١٧] أخبر أنه يسّره للذكر ؛ لأنه يسّره باللسان. ولكن معناه ما ذكرنا أنه أنزله بلسانه، ويسّره للذّكر، والله أعلم.
والثاني :﴿فإنما يسّرناه﴾ على لسانك كي [ تذكُره، وتحفظه ](٢) بلا كتابة ولا نظر في كتاب ؛ لأنه ذُكر أنه كان عليه السلام يحفظ سورة طويلة إذا تلا عليه جبريل عليه السلام وقد أمّنه الله سبحانه وتعالى من النسيان بقوله تعالى :﴿سنُقرئك فلا تنسى﴾ الأعلى : ٦ ].
[ وقوله ](٣) عز وجل :﴿لعلّهم يتذكّرون﴾ يُخرّج على [ وجهين :
أحدهما :](٤) لكي يُلزمهم التذكّر.
[ والثاني ](٥) لكي يتذكّروا ما(٦) قد نسُوا من حق الله الذي عليهم ليتّعظوا بمواعظ الله تعالى.
١ في الأصل وم: التذكير..
٢ في الأصل وم: ذكرته، وحفظته..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: وجوه أحدها..
٥ في الأصل وم: ويحتمل..
٦ في الأصل وم: وإما..
الدخان 44:59
الآية ٥٩ وقوله تعالى :﴿فارتقب إنهم مرتقبون﴾ على وجهين :
أحدهما : ارتقب ما وعد الله أن ينزِل بهم من العذاب فإنهم مرتقِبون هلاكك وانقطاعك ونحوه.
والثاني : ارتقِب، ولا تكافئهم، ولا تدع عليهم بالهلاك، فإنهم مرتقبون ما ألقى الشيطان في أمنيّتهم بأن مُلكك يزول، وأنه يعود إليهم، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه : فارتقبهم(١) إنهم مرتقَبون. والارتقاب الانتظار، والله أعلم [ بالصواب، وإليه المرجع والمآب ](٢).
١ من م، في الأصل: فارتقب..
٢ ساقطة من م..
الجاثية 45:1
سُورَةُ الْجَاثِيَةِ
وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حم. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ) قد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) قد ذكرنا - أيضًا - تأويل " العزيز الحكيم " في غير موضع أيضًا.
ثم إنما ذكر قوله: (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) على إثر ذلك؛ ليعلم أنه ما أنزل الكتاب، وما أمرهم، وما نهاهم، وامتحنهم بأنواع المحن؛ ليتعزز هو بذلك، أو يزيد له عزَّا وسطانًا أو قوة إذا ائتمروه وأطاعوه، وإذا خالفوه ولم يطيعوه فيما أمرهم، وارتكبوا ما نهاهم يلحقه ذل أو نقصان في ملكه وسطانه؛ بل إنما فعل ذلك من الأمر والنهي وأنواع المحن لمنفعة أنفس الممتحنين، ليتعززوا إذا اتبعوا أمره وأطاعوه، ويلحقهم ذل ونقصان إذا تركوا اتباعه، بخلاف ملوك الأرض، فإنه يزيد لهم اتباع من اتبعهم عزًّا وسطانًا وقوة في ملكهم، وترك اتباعهم إياهم وارتكاب ما نهوهم عنه يوجب لهم ذلا ونقصانًا في ملكهم؛ لأن المخلوق كان عزيزًا بغيره، فإذا زال ذلك زال عزه وصار ذليلا؛ فأما اللَّه - سبحانه وتعالى - عزيز بذاته فلا يلحقه النقصان بمخالفة من خالفه، ولا يزداد عزه بائتمار من ائتمره.
وقوله: (الْحَكِيمِ) والحكيم هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ يذكر هذا؛ ليعلم أنّ من أنشأه من الخلائق على علم منه أنهم يكفرون به ويعصونه لم يزل عنه الحكمة، ولا أخرجه منها؛ لما ذكرنا أنه لم ينشئهم لحاجة له فيهم، أو لمنفعة ترجع إليه، ولكن لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إلى أنفسهم، ومثله في الشاهد يزيل الحكمة ويدخل في حد السفه؛ لما ذكرنا أنهم إنما يفعلون لحوائجهم، فكان الفعل مع العلم بأنه لا منفعة له فيه، بل مضرة لا يكون حكمة منهم؛ لذلك افترق الشاهد والغائب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) و (آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) و (آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ونحو ذلك، يخرج ذكر الآيات لهَؤُلَاءِ على وجوه:
الجاثية 45:2
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيتان ١و٢ قوله تعالى :﴿حم﴾ ﴿تنزيل الكتاب﴾ قد ذكرنا في غير موضع.
وقوله تعالى :﴿من الله العزيز الحكيم﴾ قد ذكرنا أيضا تأويل ﴿العزيز الحكيم﴾ في غير موضع أيضا /٥٠٥-ب/ ثم إنما ذكر ﴿العزيز الحكيم﴾ على إثر ذلك ليُعلم أنه ما أنزل الكتاب، وما أمرهم، وما نهاهم، وامتحنهم بأنواع المِحن ليتعزّز هو بذلك، أو يريد له عِزا وسلطانا أو قوة إذا ائتمروه، وأطاعوه. وإذا خالفوه، ولم يطيعوه في ما أمرهم، وارتكبوا ما نهاهم، يلحقه ذلّ أو نقصان في مُلكه وسلطانه.
بل إنما فعل ذلك من الأمر والنهي وأنواع المِحن لمنفعة [ أنفس ](١) المُمتحَنين ليتعزّزوا إذا اتّبعوا أمره، وأطاعوه، ويلحقهم ذلّ ونقصان إذا تركوا اتّباعه، بخلاف ملوك الأرض فإنه يزيد لهم اتّباع من اتّبعهم عزا وسلطانا وقوة في ملكهم، وترك أتباعهم إياهم وارتكاب ما نهوهم عنهم يوجب لهم ذلاّ ونقصانا في ملكهم، لأن المخلوق كان عزيزا بغيره، فإذا زال ذلك زال عزّه، وصار ذُلاًّ.
فأما الله سبحانه وتعالى [ فهو ](٢) عزيز بذاته، فلا يلحقه النقصان بمخالفة من خالفه، ولا يزداد عِزّه بائتمار من ائتمَره.
وهو(٣) الحكيم، والحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير. يذكر هذا ليُعلم أن من أنشأ من الخلائق على علم منه أنهم يكفرون به، ويعصونه، لم يزل عنه الحكمة، ولا أخرجه منها لما ذكرنا أنه لم يُنشئهم لحاجة له(٤) فيهم أو لمنفعة ترجع إليه، ولكن لحاجة لهم ولمنفعة ترجع إلى أنفسهم، ومثله في الشاهد يزيل الحكمة، ويدخل في حد السّفه لما ذكرنا أنهم إنما يفعلون لحوائجهم.
فكان الفعل مع العلم بأنه لا منفعة له فيه، ولا(٥) مضرّة، لا يكون حكمة منهم. لذلك افترق والغائب، والله أعلم.
الجاثية 45:3
الآيتان ٣ و٤ و٥ وقوله تعالى :﴿إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين﴾ ﴿وفي خلقكم وما يبُثّ من دابة آيات لقوم يوقنون﴾ ﴿واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون﴾ ونحو ذلك، يخرّج ذكر الآيات لهؤلاء [ على ](١) وجوه :
أحدها : أن يكون ما ذكر من الآيات لهؤلاء آيات على أعدائهم، يحتجّون بها عليهم، فتكون هي آيات على أعدائهم.
والثاني : أن منفعة هذه الآيات تُجعل لهؤلاء، وهم المنتفِعون بها، أعني متّبعيها دون من ترك اتّباعها.
والثالث : هنّ آيات لمن اعتقد اتباع الآيات والإيقان بها، وهم المؤمنون.
فأما من اعتقد ردّها وترك الاتّباع لها فليست هي آيات لهم، والله أعلم.
وقد ذكرنا في غير موضع جهة الآيات في ما ذكر من السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وإنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به وإخراج ما أخرج منها. في ذلك آيات هيبته وآيات وحدانيته وآيات قُدرته وسلطانه وآيات عِلمه وتدبيره وآيات حكمته وغير ذلك ما يطول الكتاب بذكرها، والله الموفّق.
١ ساقطة من الأصل وم..
الجاثية 45:6
أحدها: أن يكون ما ذكر من الآيات لهَؤُلَاءِ آيات على أعدائهم يحتجون بها عليهم؛ فتكون هي آيات لهم على أعدائهم.
والثاني: أن منفعة هذه الآيات تجعل لهَؤُلَاءِ، وهم المنتفعون بها؛ أعني: متبعها دون من ترك أتباعها.
والثالث: هنَّ آيات لمن اعتقد اتباع الآيات والإيقان بها، وهم المؤمنون، فأما من اعتقد ردّها وترك الاتباع لها فليست هي آيات لهم، واللَّه أعلم.
وقد ذكرنا في غير موضع، جهة الآيات فيما ذكر من السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وإنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض به، وإخراج ما أخرج منها، في ذلك آيات هيبته، وآيات وحدانيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره، وآيات حكمته، وغير ذلك مما يطول بذكرها، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تِلْكَ) إشارة إلى الآيات التي تقدم ذكرها (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ) أنها من اللَّه - تعالى - لما عجزوا عن إدراك ذلك من الحكمة البشرية به فيعلموا أنها من اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول - واللَّه أعلم -: لو كانوا بالذين يقبلون حديثًا قط، فلا حديث أظهر صدقًا من حديث اللَّه تعالى ولا أبين حقًّا فيه من كلامه؛ لأنها آيات معجزات، عجزوا عن إتيان مثلها.
وإن كانوا بالذين لا يقبلون حديثًا فيلحقهم السفه في ذلك، فيكفي مؤنتهم، والله الهادي.
* * *
قوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) الأفاك: هو المصروف عن اتباع ما توجب الحكمة اتباعه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأفاك: الكذاب، والأثيم: هو الذي اعتاد الإثم، وهو أكثر من الآثم.
الجاثية 45:7
الآية ٧ وقوله تعالى :﴿ويل لكلّ أفّاك أثيم﴾ الأفّاك هو المصروف عن اتّباع ما توجب الحكمة اتّباعه. وقال بعضهم : الأفّاك الكذّاب، والأثيم، هو الذي اعتاد الإثم، وهو أكثر من الآثم.
الجاثية 45:8
ثم نعت ذلك الأفاك فقال: (يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨).
يحتمل قوله: (آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ) القرآن.
ويحتمل: (آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ) آيات وحدانية اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أو آيات رسالة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ثم أخبر عن تعنته وعناده في آيات اللَّه حيث قال: (ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا) أي: يصر مستكبرًا بعد تلاوة الآيات عليه، وبعد معرفته وفهمه أنها آيات اللَّه، كما كان يصر قبل ذلك؛ لأنها آيات خارجات عن وسعهم؛ إذ عجزوا عن إتيان مثلها، فإذا كانت خارجة عن احتمال وسعهم فكذلك هي خارجات عن وسع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ هو واحد من البشر مثلهم، فيعرفون أنه إنما قدر على إتيان مثلها باللَّه - تعالى - بما أوحى إليه وأعلمه بذلك (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا)؛ عنادًا منه واستكبارًا.
ثم أوعده العذاب الأليم، وهو قوله: (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: مؤلم موجع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) أي: عذاب يهينهم باستهزائهم بالآيات.
ثم قال: (مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) أضاف جهنم إلى ورائهم يحتمل أن يكون المراد من ذكر (مِنْ وَرَائِهِمْ) وراء الدنيا؛ كأنه قال: من وراء هذه الدنيا لهم جهنّم، لكنه أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم فيها، وهم أهلها.
ويحتمل أن يكون قوله: (مِنْ وَرَائِهِمْ) أي: من وراء أحوالهم التي هم عليها جهنم.
وقوله: (وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ).
يحتمل: (وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا) أي: ما عملوا من القرب التي عملوها؛ رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة، أو يقربهم ذلك ألى اللَّه زلفى؛ يخبر أن ذلك مما لا يغنيهم ولا ينفعهم في الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وعد لهم في كل حال وكل أمر كان منهم عذابًا غير العذاب في حال أخرى؛ ذكر في الحال التي عبدوا الأصنام دونه، واتخذوها أربابًا العذاب العظيم، وذكر لهم باستهزائهم بآيات اللَّه العذاب المهين، عذابًا يهينهم، ويهانون في ذلك، وذكر لهم بإصرارهم بما هم عليه واستكبارهم على آيات اللَّه وعلى رسوله العذاب الأليم، حتى يكون مقابل كل فعل كان منهم نوعًا من العذاب غير النوع الآخر، وبصفة غير الصفة الأخرى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا هُدًى... (١١) أي: بيان لهم.
الجاثية 45:9
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هُزوًا أولئك لهم عذاب مهين﴾ أي عذاب يُهينهم باستهزائهم بالآيات.
الجاثية 45:10
الآية ١٠ ثم قوله(١) تعالى :﴿من ورائهم جهنم﴾ أضاف جهنم إلى ورائهم ؛ يحتمل أن يكون المراد من ذكر ﴿من ورائهم﴾ وراء الدنيا، كأنه قال : من وراء هذه الدنيا لهم جهنم، لكنه أضاف ذلك إليهم لأنهم فيها، وهم أهلها.
ويحتمل أن يكون قوله :﴿من ورائهم جهنم﴾ أي من وراء أحوالهم التي هم عليها جهنم.
وقوله تعالى :﴿ولا يُغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء﴾ يحتمل :﴿ولا يُغني عنهم ما كسبوا﴾ أي ما عمِلوا من القُرب التي عملوها رجاء أن ينفعهم ذلك في الآخرة، أو يقرّبهم ذلك إلى الله زُلفى ؛ يخبر أن ذلك ممّا لا يغنيهم، ولا ينفعهم في الآخرة.
وقوله تعالى :﴿ولهم عذاب عظيم﴾ وعد لهم في كل حال وكلّ أمر كان منهم عذابا غير العذاب في حال أخرى، ذكر في الحال التي عبدوا الأصنام دونه، واتخذوها أربابًا، العذاب العظيم، وذكر لهم باستهزائهم بآيات الله العذاب المهين : عذابا يُهينهم، ويهانون في ذلك، وذكر لهم بإصرارهم بما هم عليه واستكبارهم على آيات الله وعلى رسوله العذاب الأليم حتى يكون مقابل كل [ ما ](٢) كان منهم نوع(٣) من العذاب غير النوع الآخر، [ وذو صفة ](٤) غير الصفة الأخرى، والله أعلم.
١ في الأصل وم: قال..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: عذابا..
٤ في الأصل وم: وبصفة..
الجاثية 45:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿هذا هُدى﴾ أي بيان لهم.
وقوله تعالى :﴿والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم﴾ أي عذاب من عذاب أليم ؛ إذ الرّجز هو العذاب ؛ كأنه فسّر ذلك العذاب، ووصفه بالألم، والله أعلم.
الجاثية 45:12
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ) أي: عذاب من عذاب أليم؛ إذ الرجز هو العذاب، كأنه فسر ذلك العذاب ووصفه بالألم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ) يذكرهم عظيم نعمه في تسخير البحار لهم مع أهوالها وكثرة أمواجها، وامتناعها عن منافع الخلق، صيرها بلطفه ورحمته لهم كسائر البقاع في الوصول إلى ما فيها من الجواهر واللآلئ بالغوص فيها، والخوض والاصطياد؛ لما فيها من أنواع الصيد، وغير ذلك من الأشياء، بحيل علمهم، وأسباب جعل لهم، حتى يصلوا إلى ما فيها من أنواع الجواهر والأموال النفيسة، واللَّه أعلم.
وسخرها لهم - أيضًا - حتى عبروا البحر ومروا هم عليه بسفن أعطاهم، وحيل علمهم، حتى قدروا على عبوره والمرور عليه؛ ليصلوا إلى قضاء حوائجهم التي تكون في البلدان النائية، وهو ما قال: (لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ).
ثم قوله - تعالى -: (بِأَمْرِهِ) يحتمل أن يكون عبارة عن تكوينه؛ أي: بما كونه وأنشأه كذلك، كقوله - تعالى -: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
والثاني: يحتمل (بِأَمْرِهِ) أي: بالأمر الذي له على العباد وسائر خلائقه.
ويحتمل: (بِأَمْرِهِ) أي: بإذنه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:: (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: لكي يلزمكم الشكر بذلك، أو ما ذكر فيه من الوجوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) أي: سخر لهم ما في السماوات من الملائكة، والشمس، والقمر، والنجوم، وغيرها، وما في الأرض من الأشجار، والنبات، والبهائم، والدواب، حتى استعملوها كلها في منافعهم وحوائجهم، كما استعملوا أملاكهم التي تحويها أيديهم بتسخير اللَّه - تعالى - إياهم ذلك كله، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَمِيعًا) أي: جميع ذلك من اللَّه - تعالى - أخبر أنه سخر جميع ما في هذين في السماوات والأرض، ثم أخبر (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وقد ذكرنا
الجاثية 45:13
الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه﴾ أي سخّر لهم ما في السماوات من الملائكة والشمس /٥٠٦-أ/ والقمر والنجوم وغيرها ﴿وما في الأرض﴾ من الأشجار والنبات والبهائم والدّواب حتى استعملوها كلها في منافعهم وحوائجهم كما استعملوا أملاكهم التي تحويها أيديهم بتسخير الله تعالى إياهم ذلك كلّه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿جميعا﴾ أي جميع ذلك من الله تعالى. أخبر أنه سخّر جميع ما في هذين في السماوات والأرض، ثم أخبر أن ﴿في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون﴾ وقد ذكرنا جهة الآية في ذلك في غير موضع، والله أعلم.
الجاثية 45:14
جهة الآية في ذلك في غير موضع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) أمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - للمؤمنين بالعفو والصفح عمن أساء إليهم وظلمهم حتى أمرهم بالعفو والمغفرة عمن ظلمهم وأساء إليهم من الكفرة؛ ليعلم عظيم موقع العفو والصفح عن المظلمة والإساءة عند اللَّه، وما يكون لذلك من الثواب الجزيل، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: إن هذه الآيات إنما نزلت بمكة، ومن أسلم من أهل مكة بمكة كانوا مستخفين مقهورين في أيدي الكفرة، ثم لا يتهيأ لهم الانتصار منهم والانتقام عن مساويهم، وإنما يؤمر المرء بالعفو عن مظلمة من ظلمه وأساء إليه عند مقدرة الانتقام والانتصار، فأما من لا يكون على مقدرة من ذلك فلا معنى للأمر له بذلك؛ إذ هو عاجز عن ذلك، فيكون الأمر بالعفو والصفح عنهم -وإن كان أهل الإسلام منهم مقهورين مغلوبين في أيدي أُولَئِكَ الكفرة على ما ذكرتم- لوجهين:
أحدهما: أنه أمرهم بذلك ليتقربوا بذلك؛ إلى اللَّه - تعالى - ويجعلوا ذلك وسيلة وقربة فيما بينهم وبين ربهم، وإن لم يكن لهم مقدرة الانتقام والانتصار منهم؛ ليكون العفو عنهم بحق القربة، لا بحق التذلل والخشوع؛ إذ يعفو كل عن اختيار وطوع، ويصير على ذلك ابتغاء لوجه اللَّه - تعالى - ويترك الجزع في نفسه والمخاصمة لو قدر على الانتقام، وهو ما أمر رسوله - عليه السلام - بالهجرة إلى المدينة بعدما أخبره أنهم يريدون أن يقتلوه أو يخرجوه؛ حيث قال: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ...) الآية؛ لتكون الهجرة له إلى اللَّه - تعالى - بحق القربة، لا بحق التذلل بإخراجهم إياه، والله أعلم.
والثاني: أن يرجع الأمر بالعفو إلى كل واحد منهم في خاصة نفسه، وقد كان من المسلمين فيهم من يقدر على الانتقام والانتصار من الأفراد والآحاد منهم، وإن لم تكن له القدرة على الانتقام من جملتهم، واللَّه أعلم.
ثم قولهَ عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) هذا يخرج على وجوه:
أحدها: (أَيَّامَ اللَّهِ) أي: نعم اللَّه الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع، التي وعدها في الآخرة لأهل الإيمان، وهو ما قال في آية أخرى في قصة موسى - عليه السلام - حيث قال: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)، أي: بنعم اللَّه - تعالى - ألا ترى أن موسى - عليه السلام - فسر أيام اللَّه بالنعمة؛ حيث قال على إثره: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ...) الآية.
الجاثية 45:15
والثاني: (لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) على حقيقة الأيام؛ لأنهم كانوا يرون هذه النعم والسعة في الدنيا بجهد أنفسهم وكدهم، لا بما أجرى اللَّه - تعالى - النعم إليهم في الأيام، والله أعلم.
والثالث: (لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) أي: لا يحذرون نقمة اللَّه وعقوبته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: ليجزي كل قوم بما كسبوا من خير أو شر، يجزي من عفا منهم جزاء العفو، ويجزي المحسن جزاء الإحسان، والمسيء جزاء الإساءة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) يخبر أن من عمل من خير فإنما يعمل لنفسه، ومن عمل من سوء فإنما يعمل على نفسه، يخبر أن من عمل من خير أو صالح فلنفسه سعى في الآخرة، ومن عمل من شر فعلى نفسه سعى في الآخرة، كمن عمل في الدنيا من الأكل والشرب فلنفسه يعمل، ومن جنى من جنايات، فعلى نفسه جنى في الدنيا والآخرة؛ حيث تهلك به نفسه، ويرجع إليه وبال ذلك في الدنيا والآخرة، فعلى ذلك ما قلنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) أي: ثم إلى ما وعد ربكم من الثواب والعقاب ترجعون.
* * *
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ) قال أهل التأويل: أي: التوراة.
والإشكال: أنه آتى بني إسرائيل جملة كتبًا كثيرة، أما التوراة والإنجيل والزبور هي كتب معروفة قد نعرفها، وقد يجوز أن يكون لهم كتب غيرها، فما معنى ذكر الكتاب؟ وما معنى حملهم على أن التوراة هي المرادة، إلا أن نقول: يجوز أن يريد بذكر الكتاب:
الجاثية 45:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب﴾ قال أهل التأويل : أي التوراة. والإشكال أنه آتى بني إسرائيل جملة كُتبًا كثيرة ؛ أما التوراة والإنجيل والزبور فهي(١) كتب قد يعرفونها(٢) وقد يجوز أن يكون لهم كتاب غيرها، فما معنى ذكر الكتاب ؟ وما معنى حملهم على التوراة إلا أن نقول : يجوز أن يريد بذكر الكتاب الكتب، فإن أدخل الألف واللام، فيكون لاستغراق الجنس.
ويحتمل أنه أراد به التوراة كما قال أهل التأويل ؛ إذ قد يجوز أن يُذكر اسم العام، ويراد به الخاص، وهو الواحد منهم.
ويحتمل أن يكون التوراة هو الكتاب الذي فيه عامة الأحكام، فإنه قيل : إن الزبور [ ليس ](٣) فيه الحِكَم، إنما فيه التسبيح والتحميد. وكذا الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة، فيجوز أن يكون المراد به التوراة لهذا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والحُكم﴾ قال بعضهم :﴿والحُكم﴾ أي فهم ما فيه. وقال بعضهم :﴿والحُكم﴾ فقه ما في الكتاب ؛ إذ الحكم الظاهر داخل تحت قوله ﴿الكتاب﴾ بيّن بقوله :﴿والحُكم﴾ أنه أعطى له الحكم الظاهر فيه والحكم المستخرج منه بالاستنباط والاجتهاد، والله أعلم.
ويحتمل أن يراد بالكتاب هو ما يُتلى في ما بينهم وبين ربهم ﴿والحُكم﴾ هو ما أمرهم فيه أن يحكموا فيما بين العباد، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والنبوّة﴾ إنما ذكر النبوة ؛ لأن النبوة كانت ظاهرة [ في ](٤) بني إسرائيل كذا كذا رسولا ونبيا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ورزقناهم من الطيبات﴾ قد كان رزقهم الطيبات ما ذكر من المنّ والسّلوى، وغير ذلك من الطيبات فلا يُحصى.
وقوله تعالى :﴿وفضّلناهم على العالمين﴾ قد ذكرنا تفضيلهم على العالمين في [ غير موضع ](٥).
١ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٢ قي الأصل وم: يعرفها..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: موضعه..
الجاثية 45:17
الكتب؛ فإنه أدخل الألف واللام، فيكون لاستغراق الجنس.
ويحتمل أنه أراد به التوراة، كما قال أهل التأويل؛ إذ يجوز أن يذكر اسم العام ويراد به الخاص، وهو الواحد منهم.
ويحتمل أن تكون التوراة هي الكتاب الذي فيه عامة الأحكام، فإنه قيل: إن الزبور ليس فيه الحكم، إنما فيه التسبيح والتحميد، وكذا الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة، فيجوز أن يكون المراد: التوراة لهذا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَالْحُكْمَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالْحُكْمَ) أي: فهم ما فيه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالْحُكْمَ): فقه ما في الكتاب؛ إذ الحكم الظاهر داخل تحت قوله: (الْكِتَابَ) وبين بقوله: (وَالْحُكْمَ) أنه أعطى الحكم الظاهر فيه، والحكم المستخرج منه بالاستنباط والاجتهاد، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يراد بالكتاب: هو ما يتلى فيما بينهم وبين ربهم، والحكم هو ما أمرهم فيه أن يحكموا فيما بين العباد واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنُّبُوَّةَ) إنما ذكر النبوة؛ لأن النبوة كانت ظاهرة في بني إسرائيل، فإنه ذكر أن في بني إسرائيل كذا كذا رسولا ونبيًّا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) قد كان رزقهم من الطيبات ما ذكر من المن والسلوى، وغير ذلك من الطيبات، ما لا يحصى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) قد ذكرنا تفضيلهم على العالمين في موضعه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) قَالَ بَعْضُهُمْ: (بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) أي: آيات من الأمر.
وقيل: (بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) أي: ما بين لهم من الحلال والحرام والشبه، ونبأ ما كان قبلهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل (بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) أي: بيان ما تقع الحاجة إليه من الأمر.
وعندنا (بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) يخرج على وجهين:
أحدهما: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) أي: بينات التكوين ودلالات لما جعل اللَّه لهم في نفس كل أحد من دلالات وحدانيته وألوهيته.
الجاثية 45:18
أو ما أقام من الآيات في العالم على التكوين يدل على جعل الألوهية والربوبية له.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) على ما ذكرنا من أمر التكوين؛ أي: ما اختلفوا في صرف الألوهية والوحدانية عن اللَّه - تعالى - إلى غيره (إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي: إلا من بعد ما بين لهم أن الألوهية والربوبية له بالدلالة الواضحة والحجة النيرة، وأن له الخلق والأمر؛ إلا أنه ذكر العلم وأراد به أسباب العلم ودلائله، واللَّه أعلم.
والثاني: يحتمل قوله - تعالى -: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ): أمر المجيء من الأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وبيان ما يؤتى وما يتقى، وما لهم وما عليهم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) واختلافهم فيما امتحنوا يتوجه إلى وجوه:
أحدها: ما اختلفوا فيما امتحنوا من الدِّين، أو فيما امتحنوا في اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والإجابة له إلى ما يدعوهم إليه والطاعة له.
ويحتمل: اختلافهم الذي ذكر الاختلاف في القرآن، أو فيما امتحنوا من التحليل والتحريم.
ثم يخبر اللَّه - تعالى جل وعلا - أنهم ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بالحق في ذلك والبيان أنه من اللَّه، وأن ما هم عليه باطل مضمحل.
ثم أخبر أن اختلافهم إنما هو لبغي بينهم وحسد، حملهم ذلك على الاختلاف فيما بينهم.
ثم أخبر أنه (يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
ثم قوله - تعالى -: (يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: يجزيهم في الآخرة جزاء اختلافهم في الدنيا.
أو (يَقْضِي): أي: يفصل ويبين لهم يوم القيامة الحق من الباطل، والمحق والمبطل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) يحتمل أن يكون هذا صلة قوله - تعالى -: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) كأنه يقول: وآتيناهم بينات من الأمر، وجعلنا ذلك شريعة لك، فاتبعها أنت وإن لم يتبعوها هم.
والشريعة: هي الملة والمذهب، وهي ما شرع فيه ويذهب إليه؛ كذلك قاله الْقُتَبِيّ؛ قال: يقال: شرع فلان في كذا إذا أخذ فيه، ومنه: مشارع الماء: الفُرَض التي يشرع فيها
الجاثية 45:19
الناس والواردة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الشريعة: السنة، واللَّه أعلم.
ثم أخبر أن الذي هم عليه إنما هو هوى النفس، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
يحتمل قوله - تعالى -: (لَا يَعْلَمُونَ) لما لم يتأملوا فيه ولم يتفكروا ما لو تأملوا
وتقكروا فيه لعلموا؛ لأنه قد ذكر في أوّل الآية أنهم إنما اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم؛ أي: جاءهم من دلائل العلم ما لو تأملوا ونظروا فيها لعلموا.
والثاني: نفى عنهم العلم؛ لما لم ينتفعوا بما علموا وما جعل لهم من العلم، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) أي: لو اتبعت أهواءهم (لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ)؛ أي: لم يغنوا أُولَئِكَ عن دفع ما ينزل بك من عذاب اللَّه شيئًا، وهو ما قال في آية أخرى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ...) إلى قوله: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ...) الآية.
ثم أخبر أن الظالمين بعضهم أولياء بعض بقوله: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) يحتمل ولاية الدِّين والمذهب؛ أي: بعضهم يوالي بعضًا في الدِّين.
ويحتمل في غيره؛ أي: يلي بعضهم أمر بعض في الإعانة والنصرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) يحتمل: أي: يلي أمور المتقين.
ويحتمل: (وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) أي: ناصرهم ومعينهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) سمى اللَّه - تعالى - هذا القرآن: بصائر، وهو ما يبصر به، ومرة: هدى، وبيانًا، ورحمة، ونورًا، ونحوه، وهو هكذا، هو هدى، وبيان، ونور، وبصيرة لمن اتبعه ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل وقبله.
ويحتمل: (بَصَائِرُ): بيان يبين لهم أنه من اللَّه، فيبين لهم الحق من الباطل، ويبين ما لهم وما عليهم لمن ذكر (لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
* * *
قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا
الجاثية 45:20
الآية ٢٠ [ وقوله تعالى ](١) :﴿هذا بصائر للناس﴾ سمى الله تعالى هذا القرآن مرة بصائر، وهو ما يُبصَر به، ومرة هدى وبيانا ورحمة ونورا ونحوه، وهو هكذا، هو هدىً وبيان ونور وبصيرة لمن اتبعه، ونظر إليه بعين التعظيم والتبجيل، وقبِله.
ويحتمل ﴿بصائر﴾ بيانا(٢) يبيّن لهم أنه من الله، فيُبيّن لهم الحق من الباطل، ويبيّن ما لهم وما عليهم لمن ذكر ﴿لقوم يوقنون﴾.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: بيان..
الجاثية 45:21
وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١).
وقال بعض أهل التأويل: نفر من الكفرة قالوا: واللَّه إن كان ما يقوله مُحَمَّد من الثواب والنعيم في الجنة حقًّا فنحن أولى بذلك منهم، كما كنا في نعيم الدنيا ولذاتها أولى منهم، ولنعطين أفضل مما يعطون، ولنفضلن عليهم كما فضلنا في الدنيا؛ فأنزل اللَّه - سبحانه وتعالى - في ذلك: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...) الآية.
لكن هذا التأويل ضعيف؛ لأن هذا لا يصلح أن يكون جوابًا للنازلة التي ذكرها أهل التأويل؛ لأن أُولَئِكَ قالوا: نحن أولى بما يكون في الآخرة من النعيم واللذات منهم كما كنا في الدنيا أولى، وكما فضلنا في الدنيا نفضل في الآخرة؛ فلا يكون قوله - تعالى -: (أَنْ نَجْعَلَهُمْ... سَوَاءً) جوابًا لما قالوا، وهم إنما قالوا: نحن أولى بذلك، ونحن نفضل فيها كما فضلنا في الدنيا؛ فإذا كانوا حسبوا هم أنهم يفضلون على المؤمنين في الآخرة دون المساواة كيف يخبر عنهم أنهم حسبوا التساوي، ولا خلف في خبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه أعلم.
لكن الآية عندنا إنما كانت في منكري البعث وجاحديه، يقول - واللَّه أعلم -: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً...) الآية أي: لو كان الأمر على ما ظن أُولَئِكَ بأن لا بعث ولا نشور كان في ذلك جعل (الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) -أي: الشرك- (كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ)؛ لأنهم جميعًا قد استووا في هذه الدنيا، في لذاتها، ونعيمها، وشدتها، وآلامها، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز، وإنزال كل واحد منهما منزلته، وما يستحقه المسيء العقوبة، وجزاء الإساءة، والمحسن الإحسان والإفضال وجزاء إحسانه، فإذا جمع بينهما في هذه الدنيا على ما ذكرنا دل أن هنالك دارًا أخرى فيها يفرق ويميز بينهما في حق الثواب والعقاب - واللَّه أعلم - وهو كقوله - تعالى -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، لو كان كما ظن أُولَئِكَ الكفرة أن لا بعث ولا نشور كان خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما باطلا على ظنهم، فكذلك قوله تعالى:
الجاثية 45:22
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، صير خلق السماوات والأرض إذا لم يكن هنالك رجوع إليه عبثًا باطلا، فهذا أولى وأحق أن يصرف إليه الآية، وعلى ذلك ما ذكر في قوله - تعالى -: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا)، أي: لا يستويان، ولو كان الأمر على ما ظن أُولَئِكَ أن لا بعث ولا نشور ولا حياة، كان في ذلك استواء بين من ذكر، وقد سوى بينهما في الدنيا، وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما والتمييز؛ إذ لا يجوز التسوية بين الولي والعدوّ، وقد سوى بينهما في الدنيا؛ فعلم أن المراد به نفي الاستواء بينهما في دار أخرى، والله الموفق.
ثم اختلف أهل الكلام فيما يعطى الولي والعدو في هذه الدنيا من الصحة والسلامة؛ على قول أكثر المعتزلة أن اللَّه - تعالى - لا يعطي أحدًا في الدنيا من كافر أو مؤمن شيئًا إلا وهو أصلح له في الدِّين، ثم على قولهم لا يظهر عفو اللَّه تعالى في الآخرة؛ لأنهم يقولون: إنما يستوجبون الثواب والجنة بأعمالهم، لا برحمة اللَّه - تعالى - فإذا عفَا عن المسيء فلا يعلم أنه كان مستحقًّا لذلك أو يعفو عنه فضلا.
وعندنا أن ما أعطاهم إنما يعطيهم إفضالا منه ورحمة، فيعرفون فضله وإحسانه وعفوه، وأكثر أصحابنا يقولون: إن جميع ما أعطى الكافر في الدنيا فهو شر له؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ)، ونحو ذلك ما يخبر أن ما يعطي إياهم يكون شرًّا لهم، وما أعطى المؤمنين يكون خيرًا لهم.
ولكن عندنا ليس هذا على الإطلاق والإرسال، ولكن ما كان توفيقًا منه على الخيرات في نفسها فهو خير له، وما كان خذلانًا فهو شر له، وليس على اللَّه حفظ الأصلح لهم؛ على ما يقوله المعتزلة، ولكنه يفعل بهم ما هو حكمة وعدل كما يفعل ما هو إحسان وفضل، واللَّه الموفق.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: (اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) أي: اكتسبوها، ومنه قيل لكلاب الصيد: جوارح.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) كأنه يقول - واللَّه أعلم -: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) أي: إنما خلق ما ذكر بالحق لتجزى كل نفس بما كسبت، فلو لم
الجاثية 45:23
يكن جزاء لما كسبوا في الدنيا في الآخرة على ما قال أُولَئِكَ الكفرة أن لا جزاء من الثواب والعقاب؛ لإنكارهم البعث - لم يكن خلقهما بالحق؛ على ما ذكرنا، فتبين أنه إنما صار خلقهما بالحق إذا كان هنالك جزاء؛ وهذا يدل على أن الآية الأولى هي في منكري البعث، ليست فيما ذكر أهل التأويل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على التحقيق؛ على ما قاله عامة أهل التأويل: أنهم عبدوا كل شيء استحسنوه، فإذا استحسنوا شيئًا آخر أحسن منه تركوا عبادة الأول وعبدوا الثاني، فتلك كانت عادتهم، وذلك اتخاذ الآلهة بهواهم؛ إذ الإله هو المعبود عندهم، وهو التحقيق الذي ذكرنا.
والثاني: على التمثيل، وهو ما قال قتادة أنهم ما هووا شيئًا إلا ركبوه، لا تمنعهم مخافة اللَّه عما هووه، ولا تردعهم خشيته عما اشتهوا، فصيروا هواهم متبعًا، فهو كالإله لهم، لا يتبعون أمر اللَّه، فلا يكترثون له، أو كلام نحوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) هذا يخرج على وجوه:
أحدها: أي: أضله اللَّه على علم من ذلك الإنسان بطريق الهدى والحق، لا أنه أضله على خفاء من ذلك الإنسان بالطريق الحق وسبيله؛ أي: قد بين له السبيل وطريق الحق، لكنه باختياره الضلال أضله؛ لما علم منه أنه يختار الضلال والكفر؛ ليكون ما علم أنه يكون ويختار، واللَّه أعلم.
والثالث: أضله اللَّه - تعالى - على علم؛ أي: أنشأ منه فعل الضلال على علم منه بذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً)؛ هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: غطى قلبه بما هواه، وجعل فيه ظلمة، فتلك الظلمة وذلك الغطاء أوجب غطاء السمع والبصر، وحال بينه وبين سماع الحجج والبراهين، وصارت ظلمة البصر وغطاؤه مانعًا لهم عن اكتساب التدبّر والتفكر.
ويحتمل أن يكون ما هووه مانعًا لهم عن اكتساب الحياة الدائمة لما لو اتبعوا أمر اللَّه - تعالى - وما دعاهم إليه كانت لهم تلك الحياة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، وكقوله - تعالى -: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)، فما هووه واتبعوه منعهم عن اكتساب الحياة الدائمة المدعو
الجاثية 45:24
إليها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ) هذا - أيضًا - يحتمل وجهين:
أحدهما: حقيقة الهداية، وهو التوفيق والعصمة، فكأنه يقول - واللَّه أعلم -: فمن يقدر دون اللَّه على هدايته وتوفيقه بعد اختياره الضلال.
والثاني: الهدى: البيان؛ فكأنه يقول: فمن يقدر أن يأتي ببيان أكثر وأبين من بعد بيان اللَّه - تعالى - الذي بين له؟ أي: لا أحد يقدر على ذلك (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) أي: أفلا تتعظون، أو (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) بيان اللَّه أو ما بين لكم، واللَّه أعلم.
ثم الآية في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا؛ لئلا يشتغل بهم، ولا يهمّ لهم، ولكن يشتغل بغيرهم، ويقطع طمعه عن إيمانهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) أي: ما قالوا: ما الحياة إلا حياة الدنيا.
ويحتمل أنهم يقولون: (مَا هِيَ) أي: لا حياة إلا الحياة التي دنت منا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: نموت نحن وتحيا أبناؤنا وأولادنا.
والثاني: (نَمُوتُ) أي: كنا ميتين فحيينا (نَمُوتُ) بمعنى: كنا أمواتًا (وَنَحْيَا) أي: فصرنا أحياء، ثم لا حياة بعد تلك الحياة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: ما يهلكنا إلا مرور الأزمنة والأوقات؛ أي: بسبب مرور الأوقات ينتهي آجالنا، ونبلغ إلى الهلاك، وكذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) أي: إلا مرور السنين والأيام.
والثاني: أن يكون الدهر عندهم عبارة عن الأبد؛ فكأنهم يقولون في قوله: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ): وما يهلك أنفسنا إلا الدهر؛ لأن أنفسنا لم تجعل للأبد، ولا للبقاء للأبد، بل جعلت للانقضاء والفناء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) أي: ما هم إلا على ظن يظنون.
والثاني: (وَمَا لَهُم بِذَلِكَ) أي: وما لهم بما قالوا: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) - (مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) أي: ما هم إلا على ظن يظنون؛ أي: على ظن يقولون ذلك، لا عن علم، واللَّه أعلم.
الجاثية 45:25
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) أي: وإذا تتلى عليهم آياتنا في البعث والحياة بعد الموت (بَيِّنَاتٍ) أي: ما يوضح ويبين لهم البعث والحياة بعد الموت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، والإشكال: أنه لماذا ذكر (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ) وإذ لم يعذروا.
فنقول: الحجة هي التي إذا أقامها الإنسان وأتى بها عذر في ذلك، وما قالوا لم يكن حجة؛ إذ لم يعذروا، فيكون معنى قوله: (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ) أي: ما كان احتجاجهم إلا أن قالوا كذا.
أو نقول: ما كانوا يحتجون إلا أن قالوا كذا.
ثم قوله: (ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فيه دلالة ألا يلزم المسئول أن يأتي بحجة وآية يختارها السائل ويشتهيها، لكن يلزمه أن يأتي بما هو حجة في نفسه، ويلزمه الاتباع بها، فأما أن يلزم على ما يختاره السائل أو يتمناه فلا، وقد أتاهم اللَّه - تعالى - من الآيات والحجج ما ألزمهم القول بالبعث والإقرار به.
ثم أخبر أن اللَّه - تعالى - هو يحييكم ثم يميتكم، لا الدهر الذي قالوا، وهو قوله: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦) يحتمل قوله: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ) أي: يحييكم في قبوركم، (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) وفيها، (ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
أو يقول: (اللَّهُ يُحْيِيكُمْ) في ابتداء الأمر، (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) في الدنيا عند انقضاء آجالكم، (ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) أي: ولكن أكثر الناس لا ينتفعون بما يعلمون.
أو يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لما تركوا النظر بالتأمل في أسباب العلم.
* * *
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا
الجاثية 45:26
الآية ٢٦ وهو قوله تعالى :﴿قل الله يُحييكم ثم يُميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة﴾ يحتمل قوله :﴿قل الله يُحييكم﴾ أي يُحييكم في قبوركم ﴿ثم يُميتكم﴾ فيها ﴿ثم يجمعكم إلى يوم القيامة﴾ أو يقول : الله يُحييكم في ابتداء الأمر، ثم يُميتكم في الدنيا عند انقضاء آجالكم ﴿ثم يجمعُكم إلى يوم القيامة﴾.
وقوله تعالى :﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ أي ولكن أكثر الناس لا [ ينتفعون بما ](١) يعلمون لما تركوا النظر والتأمّل(٢) في أسباب العلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: بالتأمل..
الجاثية 45:27
وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧).
وقوله - عَزَّ وجل -: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) هذا يخرج على وجوه:
أحدها: ولله ملك كل ملك في السماوات والأرض.
أو (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ أي: خزائن السماوات والأرض، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
أو يقول: ولله حقيقة ملك السماوات والأرض.
فإن كان التأويل هو الأول فإن له ملك كل ملك في السماوات والأرض، ففيه إخبار وإعلام بليغ أتباعَ أُولَئِكَ الملوك، وذوي التعظيم لهم، والإجلال، والخدمة لهم بما في أيديهم من الملك والسلطان وفضل الأموال ألا يصرفوا ذلك إليهم؛ بل فيه الأمر بصرف ذلك كله إلى اللَّه - تعالى - والقيام له بالشكر، لا لأُولَئِكَ؛ لأن الذي في أيديهم لله - تعالى - وهو الجاعل في أيديهم، والواضع عندهم، فإليه يلزم صرف الشكر والعبادة، واللَّه أعلم.
وإن كان تأويل الملك: الخزائن، ففيه قطع الأطماع عما في أيدي الناس، والأمر بصرف ذلك إلى اللَّه - تعالى - والرجاء منه دون من سواه، واللَّه أعلم.
وإن كان الثالث، وهو أن حقيقة الملك لله - تعالى - ففيه أنه فيما امتحنهم في الدنيا بأنواع المحن لم يمتحنهم لمنفعة ترجع إلى نفسه، أو لمضرة يدفع عنها، وكذلك ما يثيبهم في الآخرة ويعاقبهم، ليس يفعل ذلك لمنفعة كانت له في الدنيا أو دفع مضرة عنه، ولكن لحكمة أوجبت ذلك لهم وعليهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وجل -: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) سمى القيامة: ساعة، فجائز أن يكون سماها بذلك؛ لسرعة قيامها، أو نفاذها؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ).
أو أن يكون سماها بذلك؛ لما يكون حسابهم وأمرهم يوم القيامة إنما يكون في ساعة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وجل -: (يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ) يحتمل: أي: يومئذ يبين خسران المبطلين في الدنيا، وعلى ذلك يبين خسران كل مشتركين في تجارة الدنيا؛ إذا اشتركوا في عمل عند القسمة يتبين خسران عملهم وتجارتهم.
وأصله أن اللَّه - تعالى - جعل الدنيا وما أنشأ فيها من الأموال والأملاك رءوس أموال
الجاثية 45:28
لأهلها يتجرون ويكتسبون بها الربح في الآخرة، وأنه إنما أنشأ الدنيا للآخرة، لا أنه أنشأها لنفسها؛ ولذلك قال: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) الآية، وقال: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)، ونحوه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) يحتمل أن يكون ما ذكر من الجثو للركب في الآخرة تعريف لهم وإنباء أنهم يختصمون يوم القيامة جاثين للركب، كما يختصم في الدنيا عند الحكام والأمراء جاثين للركب، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يذكر جثوهم؛ لما لا تقوم بهم الأقدام، أو لا تحملهم؛ لهول ذلك اليوم والخوف فيها؛ فيكونون جاثين للركب ويقومون بها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) يحتمل: (كِتَابِهَا): كتاب كل في نفسه، وهو كقوله - تعالى -: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)، وقوله - تعالى -: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)، و (أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ) ونحوه.
ويحتمل أن يكون قوله: (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) الذي دعيت كل أمة إليه في الدنيا؛ من نحو القرآن، ونحوه؛ فيقال: يا أهل الإنجيل، يا أهل التوراة، ونحو ذلك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) أي: إلى حسابها الذي عملت في الدنيا؛ تفسير ذلك ما ذكر: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ... (٢٩) يحتمل الكتاب الذي أضاف إلى نفسه هو القرآن الذي كان ينطق لهم بالحق؛ أي: بالحق الذي لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.
أو (بِالْحَقِّ) أي: بالصدق بأنه من اللَّه - تعالى - واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون ذلك الكتاب هو الكتاب الذي يكون لكلٍّ بالانفراد للذي كتبته له الملائكة مما عملوا من خير أو شر، وهو كقوله - تعالى -: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) اختلف في تأويله:
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الحفظة تكتب أعمال بني آدم ثم يعارضون ذلك بما في اللوح المحفوظ المكتوب فيه: أن فلانًا يعمل كذا وكذا، فلا يؤيد شيء ولا ينقص.
الجاثية 45:29
الآية ٢٩ وقوله تعالى :﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ يحتمل الكتاب الذي أضاف إلى نفسه، هو القرآن الذي كان ينطق لهم بالحق أي بالحق الذي لله عليهم وما لبعضهم على بعض أو ﴿بالحق﴾ أي بالصدق بأنه من الله تعالى، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ذلك الكتاب هو الكتاب الذي يكون لكلٍّ بالانفراد، كتبه له الملائكة مما عمل(١) من خير أو شر، وهو كقوله تعالى :﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ [الإسراء: ١٤] والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ اختُلف في تأويله :
قال بعضهم : إن الحفظة تكتب أعمال(٢) بني آدم، ثم يعارضون ذلك بما في اللوح المحفوظ المكتوب فيه : أن فلانا يعمل كذا وكذا، فلا يُزاد(٣) شيء، ولا يُنقص.
وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه قال ](٤) قريبا من هذا : إن في السماء كتابا، عليه ملائكة، والملائكة الذين مع بني آدم يستنسخون من ذلك الكتاب ما يعملون، ثم قال : وهل تكون النسخة إلا من كتاب أو شيء ؟ والله أعلم.
وقال بعضهم : ملكان موكلان بالكتابة، يكتب كل واحد منهما ما يعمله، فإذا أراد أن يصعد إلى السماء، يُعارض(٥) كل واحد منهما كتابة الذي كتبه مع كتاب الآخر، فلا يتخطّى حرفا مما كتب هذا ما كتب الآخر، والله أعلم.
وقال بعضهم : عرض كتاب الناس الذي عملوا كل يوم أو كل خميس، فيُنسخ منه الخير والشر من غير أخذ من كتاب أو نحوه، فإنه يجوز أن يُستعمل الانتساخ في ابتداء الكتابة على غير أخذ من الكتاب أو غيره نحو أن يقول الرجل : استنسخته، أي كتبته، فيكون كأنه قال : إنا كنا نستنسخ، أي نكتب ما كنتم تعملون ونُثبته عليكم من خير أو شر، فنُخرج لهم كتبهم التي في أعمالهم، فكان عليهم حجة، وهي التي كتبت عليهم الحفظة.
وقال أبو عوسجة : الجاثية، هي التي جثت، واجتمعت، ويقول : تجاثينا، أي بركنا على رُكبنا.
وقال القتبيّ : جاثية على الركب ؛ يراد بها أنها غير مطمئنة، وقوله تعالى :﴿تُدعى إلى كتابها﴾ إلى حسابها، وقوله :﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ يريد أنهم يقرؤونه، فيدلُّهم، ويذكّرهم، فكأنه ينطق عليهم، وقوله :﴿إنا كنا نستنسخ﴾ أي نكتب على ما ذكرنا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: عملوا..
٢ من م، في الأصل: أعمالهم..
٣ في الأصل وم: يزيد..
٤ في الأصل وم: يقول..
٥ في الأصل وم: فيعارض..
الجاثية 45:30
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يقول قريبًا من هذا: إن في السماء كتابًا عليه ملائكة، والملائكة الذين مع بني آدم يستنسخون من ذلك الكتاب ما يعملون، ثم قال: وهل تكون النسخة إلا من كتاب أو شيء، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ملكان موكلان بالكتابة، يكتب كل واحد منهما ما يعمله، فإذا أرادا أن يصعدا إلى السماء فيعارض كل واحد منهما كتابه الذي كتبه مع كتاب الآخر فلا يخطئ حرفًا مما كتب هذا ما كتب الآخر، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: عرض كتاب الناس الذي عملوا كل يوم أو كل خميس، فينسخ منه الخير والشر، وما يثاب عليه وما يعاقب، ويلقى ما سوى ذلك مما لا ثواب له ولا عقاب، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يراد من الانتساخ: ابتداء الكتابة من غير أخذ من كتاب أو نحوه، فإنه يجوز أن يستعمل الانتساخ في ابتداء الكتابة على غير أخذ من الكتاب أو غيره، نحو أن يقول الرجل: انتسخته، أي: كتبته، فيكون كأنه قال: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ) أي: نكتب ما كنتم تعملون ونثبته عليكم من خير أو شر، فيخرج لهم كتبهم التي فيها أعمالهم، فكانت عليهم حجة، وهي التي كتبت عليهم الحفظة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الجاثية هي التي جثت واجتمعت، ويقال: تجاثينا: أي: بركنا على ركبنا للخصومة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: جاثية على الركب، يراد: أنها غير مطمئنة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) أي: إلى حسابها.
وقوله: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) يريد: أنهم يقرءونه فيدلهم ويذكرهم؛ فكأنه ينطق عليهم.
وقوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ) أي: نكتب على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) أي: آمنوا بجميع ما كان عليهم الإيمان به والتصديق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: عملوا بما فيه صلاحهم، وما يوجبه الحكمة من العمل (فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ) أي: في جنته، سمى الجنة: رحمة؛ لأنها
الجاثية 45:31
تنال برحمته، ويدخل فيها.
أو سماها: رحمة؛ لأنها هي النهاية والغاية التي تطلب بالرحمة وتراد بها.
وقوله: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) الآية.
الفوز: هو الظفر بما يؤمل ويرجو من العمل، أو يقال: الفوز: هو الفلاح الذي لا خوف بعده، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ... (٣١) كأن فيه إضمارًا؛ لأن قوله - تعالى -: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) إنما هو إخبار عن المعاينة.
وقوله - تعالى -: (أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) خطاب ومشافهة، فليس هو من جواب الأول، ولا من نوعه؛ فكأنه قال - واللَّه أعلم -: وأما الذين كفروا في الدنيا فيقال لهم في الآخرة إذا طلبوا الرجوع والإقالة أو التخفيف ونحو ذلك: (أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ) في الدنيا.
ثم يحتمل: آياته: آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على التعذيب، أو آيات قدرته على البعث أو آيات رسالته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ) لا أحد يقصد قصد الاستكبار على آيات اللَّه، لكنهم لما كذبوها وردوا آياته ولم يعملوا بها، فكأنهم استكبروا عليها، وهو كما قال: (لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما عبدوا الأصنام بأمر الشيطان فكأنهم عبدوه.
ويحتمل أن يكونوا استكبروا على رسله؛ فيكون استكبارهم على رسله كأنهم استكبروا على آياته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ) قيل: المجرم هو الوثَّاب في المعصية، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) كان عندهم فيها ريب، لكنهم لو تأملوا ونظروا فيما أقام من آياته، زال عنهم الريب الذي كان لهم فيها.
ويحتمل أن يقال هذا على الإيقان إذا كان القائل به موقنًا، وإن كان الذي يقال له شاكًّا في ذلك.
والأول أقرب وأشبه.
ثم الناس رجلان في الساعة:
الجاثية 45:32
الآية ٣٢ وقوله تعالى :﴿وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن تظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ كان عندهم فيها ريب، لكنهم لو تأمّلوا، ونظروا في ما أقام من آياته زال عنهم الريب الذي كان لهم فيها.
ويحتمل أن يقال هذا على الإيقان إذا كان القائل به موقنا، وإن كان الذي يقال له شاكًّا في ذلك، والأول أقرب وأشبه.
ثم الناس رجلان في الساعة :[ أحدهما :](١) موقن بها، ومُتحقّق، ولكن بالعمل بها والاستعداد لها كالظانّ.
والثاني : ظانّ/٥٠٨-أ/ بها، شاكّ فيها، جاحد لها، ومُكذّب ألا تكون.
ثم الإيقان بالشيء، هو العلم بالأسباب الظاهرة، وقد يدخل في تلك الأسباب أدنى شُبهة وشك، لذلك ذُكر فيه الظنّ، والله أعلم.
وأما العلم بالشيء فقد يكون بالسبب، وقد يكون بالتجلّي له بلا سبب، ولذلك وُصف الله تعالى بالعلم، ولم يوصف بالإيقان، ولا يقال : إنه موقن لما ذكرنا أن أحدهما يكون بأسباب، والآخر لا، والله أعلم. فيتمكّن في الإيقان أدنى شُبهة وشك، وقد تُحمل غالبا الأسباب على حقيقة الأعمال نحو المكروه، على الشر يُحمل(٢) بما أوعد به بغالب أسبابه ليس على الحقيقة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: يعمل..
الجاثية 45:33
موقن بها ومتحقق، ولكن في العمل لها والاستعداد لها كالظان.
والثاني: ظان بها، شاك فيها جاحد لها ومكذب كالموقن ألا تكون.
ثم الإيقان بالشيء هو العلم بالأسباب الظاهرة، وقد يدخل في تلك الأسباب أدنى شبهة وشك؛ لذلك ذكر فيه الظن، واللَّه أعلم.
وأما العلم بالشيء قد يكون بالسبب، وقد يكون بالتجلي له بلا سبب؛ ولذلك وصف اللَّه - تعالى - بالعلم، ولم يوصف بالإيقان، ولا يقال: إنه موقن؛ لما ذكرنا: أن أحدهما يكون بأسباب والآخر لا - واللَّه أعلم - فيتمكن في الإيقان أدنى شبهة وشك، وقد يعمل غالبًا لأسباب على حقيقة الأعمال؛ نحو المكره على الشرّ يعلم بما أوعد به بغالب أسبابه ليس على الحقيقة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٣٣) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: بدا لهم أن الأعمال في الدنيا أنها أسباب في الآخرة؛ لأنهم عملوها في الدنيا وعندهم أنها حسنات، فيظهر لهم في الآخرة أنها سيئات.
والثاني: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) أي: ظهر لهم في الآخرة وتذكروا سيئات ما عملوا في الدنيا والآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) أي: نزل بهم، ووجب ما كانوا يستعجلون من الرسل، وهو العذاب الذي كانوا يوعدونهم؛ لأنهم كانوا يستعجلون ذلك استهزاء منهم بهم بأنه غير كائن، ولا نازل بهم ما كانوا يوعدونهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) والإشكال: أنهم كيف ينسون يومئذ؟ لأنهم لو كانوا ينسون، لسلموا من العذاب، لكن ما ذكر من النسيان يخرج على وجهين:
أحدهما: كنى بالنسيان عن الترك؛ يقول: اليوم نترككم في النار وفي العذاب كما تركتم أنتم العمل لذلك اليوم والنظر فيه.
والثاني: على التمثيل؛ أي: اليوم نصيركم في النار كالشيء المنسي لا يكترث إليكم، ولا يلتفت، ولا يعبأ بكم كما صيرتم أنتم ذلك اليوم كالشيء المنسي، لم تكترثوا إليه، ولم تعملوا له، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) جعل اللَّه - تعالى - النار لهم مأوى بإزاء كل ما افتخروا في الدنيا على رسل اللَّه - عليهم السلام - وأتباعهم من المنازل، والمراكب، والملابس، وغير ذلك، وأخبر أنه لا ناصر لهم يملك إخراجهم
الجاثية 45:34
الآية ٣٤ وقوله تعالى :﴿وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾ والإشكال أنهم كيف يُنسون يومئذ ؟ لأنهم لو كانوا يُنسون لسلموا من العذاب، لكن ما ذُكر من النسيان يخرّج على وجهين :
أحدهما : كنّى بالنسيان عن الترك، يقول : اليوم نترككم في النار وفي العذاب كما تركتم أنتم العمل لذلك اليوم والنظر فيه.
والثاني : على التمثيل : نُصيّركم في النار كالشيء المنسيّ، لا يُكترث إليكم، ولا يُلتفت، ولا يُعبأ بكم، كما صيّرتم أنتم ذلك اليوم كالشيء المنسيّ، لم تكترثوا إليه، ولم تعنوا له، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ومأواكم النار وما لكم من ناصرين﴾ جعل الله تعالى النار لهم مأوى بإزاء كل ما افتخروا [ به ](١) في الدنيا على رسل الله صلى الله عليهم السلام وأتباعهم من المنازل والمراكب والملابس وغير ذلك، وأخبر أنه لا ناصر لهم، يملك إخراجهم من النار والمأوى الذي جعل لهم، ولا يقدر دفع ذلك عنهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
الجاثية 45:35
من تلك النار والمأوى الذي جعل لهم، ولا يقدر دفع ذلك عنهم، واللَّه أعلم.
ثم أخبر أن بعض ذلك الذي أصابهم ونزل بهم إنما كان بما ذكر من اتخاذهم آيات الله هزوا في الدنيا، هزوا بها وسُخرًا بالرسل، عليهم السلام.
ثم آيات اللَّه يحتمل ما ذكرنا من آيات وحدانيته وألوهيته، أو آيات قدرته وسلطانه على البعث، أو آيات رسالة الرسول، عليه السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا... (٣٥) قد ذكرنا فيما تقدم معنى نسبة التغرير إلى الحياة الدنيا، وإضافته إليها وإن لم يكن منها على التحقيق تغرير وخداع، وهو أنهم إنما اغتروا بها، فنسب فعل التغرير إليها، هي غرتهم، وقد ينسب الفعل إلى السبب الذي به صار ذلك، وإن لم يكن منه حقيقة ذلك؛ نحو قوله - تعالى -: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، أي: يبصر به، وذلك كثير في اللغة.
أو يقال: إن ما كان منها، لو كان ذلك ممن يحتمل التغرير ويملك ذلك كان تغريرًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) اختلف في قوله: (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم يعاتبون إلى أن يدخلو! النار: إنكم فعلتم كذا، وتركتم كذا، ولم فعلتم كذا؟ فإذا دخلوا النار يترك العتاب ويجعل كالشيء المنسي فيها، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) أي: لا يسترجعون إلى ما يطلبون من العود والرجوع إلى العمل الصالح؛ لقولهم: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ...) الآية.
ثم في قوله: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)، وقوله: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) - دلالة ألا يجب أن يفهم على ظاهر ما خرج الخطاب؛ لأنه ذكر الظن في المؤمنين، والمراد به: الإيقان، لا ظاهر الظن، وذكر في الكافرين الظن وأريد به الحقيقة، ولا يجوز أن يفهم من الظن في الفريقين معنى واحد، بل يفهم من هذا غير الذي فهم من الآخر، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) إن جميع ما ذكر في القرآن من الحمد له فإنما ذكر لأحد شيئين:
أحدهما: بما يستحق من الثناء بتعاليه عن جميع معاني الخلق وأوصافهم.
الجاثية 45:36
الآية ٣٦ وقوله تعالى :﴿فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين﴾ إن جميع ما ذُكر في القرآن من الحمد له فإنما ذُكر لأحد شيئين :
أحدهما : لما يستحق من الثناء بتعاليه على جميع معاني الخَلق وأوصافهم.
والثاني : لما يستحق من الثناء عليهم من النعم والإحسان الذي منه إليهم، وهو ما قال :﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة: ١] وقال(١) :﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١] ونحو ذلك، والله أعلم.
وأصل آخر : أنه إذا أضيفت كلّية الأشياء إلى الله تعالى ففيه وصف له بالعظمة والجلال، وإذا أُضيفت جُزئية الأشياء وخاصّيتها(٢)، فإنما فيه تعظيم تلك الخاصية المضافة إليه.
وفي قوله تعالى :﴿فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض﴾ إضافة كلّية الأشياء إليه والخاصية والجُزئية : فيه(٣) الأمران جميعا.
فإن قوله عز وجل :﴿فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض﴾ إضافة جزئية الأشياء إليه وخاصّيتها(٤). وقوله :﴿رب العالمين﴾ إضافة كلّية الأشياء إليه، والله أعلم. وقد تقدّم ذكر الرب في غير موضع.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: وخاصيته..
٣ في الأصل وم: ففيه..
٤ في الأصل وم: وخاصيته..
الجاثية 45:37
والثاني: بما يستحق مِن الثناء بتفضله عليهم بالنعم والإحسان الذي منه إليهم، وهو ما قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)، ونحو ذلك، واللَّه أعلم.
وأصل آخر: أنه إذا أضيفت كلية الأشياء إلى اللَّه - تعالى - ففيه وصف له بالعظمة والجلال وإذا أضيفت جزئية الأشياء إليه وخاصيتها، فإنما فيه تعظيم تلك الخاصية المضافة إليه، وفي قوله - تعالى -: (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إضافة كلية الأشياء إليه والخاصية والجزئية، ففيه الأمران جميعًا، فإن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ) إضافة جزئية الأشياء إليه وخاصيته، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) إضافة كلية الأشياء إليه، واللَّه أعلم.
وقد تقدم ذكر الرب في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: وله الوصف بالكبرياء والعظمة على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة.
أو: من حقه على أهل السماوات وأهل الأرض أن يصفوه بالكبرياء والعظمة والجلال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: هو العزيز الذي لا يلحقه الذل بخلاف الخلق له ولا بعصيانهم.
أو (وَهُوَ الْعَزِيزُ) بما به يتعزز من أعز دونه، ومن وصف بعز دونه، فذلك راجع في الحقيقة إليه، (الْحَكِيمُ) الذي وضع كل شيء موضعه، أو الحكيم الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، واللَّه الموفق، والحمد لله رب العالمين.
* * *
الأحقاف 46:1
سُورَةُ الْأَحْقَافِ
وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ... (٣).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: ما أخلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي صار به إنشاء ذلك وخلقه حكمة؛ لأنه لو كان الأمر على ما ظن أُولَئِكَ الكفرة وتوهموا بأن لا بعث ولا جزاء من ثواب وعقاب كان إنشاء ما ذكر من السماوات والأرض وخلق ذلك كله - عبثًا باطلا على ما تقدم ذكره في غير موضع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) يحتمل (عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) وجوها:
أحدها: أي: بما ألزمهم من النظر والتفكر فيما ذكر من خلق السماوات والأرض، وما أنشأ فيهما من المنافع، وجعل ذلك لهم آية، لم يفعل ذلك كله عبثًا باطلا، ولكن لعاقبة تقصد، ولأمر يراد؛ إذ عرفوا بعقولهم: أنه لا يجوز خلق الخلق على أن يهملوا ويتركوا سدى لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يمتحنون، فأعرضوا عما ألزمهم من النظر والتفكر في ذلك فهم معرضون إعراض ترك النظر والتفكر، واللَّه أعلم.
والثاني: ما أنذروا بما نزل بمن تقدمهم من مكذبي الرسل، عليهم السلام.
والثالث: بما أنذر وأوعد لهم من العذاب في الآخرة، فهم معرضون عن ذلك كله، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) يحتمل أن يكون ما ذكر كله موصولا بعضه ببعض. ويحتمل أن يكون بعضه مفصولا عن بعض.
فإن كان على الوصل، فكأنه يقول: أرأيتم ما تعبدون من دون اللَّه من الأصنام وتدعونها آلهة: هل خلقوا مما لكم من المنافع، ومما به حياتكم وقوامكم ومعاشكم مما يخرج من الأرض، أو هل ينزلون لكم من المنافع التي جعلت لكم في السماء من الأمطار وغيرها.
أو هل أتاكم كتاب من عند اللَّه فيه أنه أمركم بعبادة من تعبدونه (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) هو يخرج على وجهين:
أحدهما: أو جاءكم من الحكماء الأولين المتقدمين كتاب أو قول فيه الأمر بذلك، واستخرجتم من العلوم ذلك؛ ففعلتم به؟ يقول - واللَّه أعلم -: إن الأسباب التي تحمل الناس على العبادة والخدمة لهم هذه الوجوه: إما منافع تتصل بهم منهم مما به قوامهم ومعاشهم وحياتهم وإما كتاب من اللَّه - تعالى - فيه حجة لهم، وأمر لهم في ذلك، أو كتاب من الحكماء والرسل يأمرون لهم، وهم قوم لا يؤمنون بالرسل، ولا بالكتاب، وليست لهم علوم مستخرجة من العلوم، يقول: ليس لكم شيء مما ذكر من الأسباب والعلوم فبم عبدتموها؟ وكيف اخترتم عبادتها على عبادة من عرفتم أن ما به قوامكم وحياتكم منه؟! واللَّه أعلم.
وإن كان مفصولا من بعض فيكون كأنه يقول: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) من المنافع وغيرها، (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ) فيما ذكر؟ فإن قالوا: قد خلقوا ما ذكر، ولهم شرك فيما ذكر، فقل لهم (ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا) من كتاب الحكماء أو العلوم المستخرجة من العلوم (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أنهم خلقوا ما ذكرتم، أو لهم شرك فيما ذكر - واللَّه أعلم - وقد علموا أنهم لا يقدرون أن يرونه ما ذكر؛ لما لم يكن لهم من هذه الأسباب شيء؛ إذ هي أسباب العلم، وقد عجزوا عن ذلك كله.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أو خاصة من علم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أو بقية من علم أوائلهم؛ وهو قول الْقُتَبِيّ؛ أي: بقية من علم يؤثر عن الأولين، ويقرأ (أثرة) و [(إثارة)]، وأصله ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: كتاب الحكماء والرسل.
والثاني: العلوم المستخرجة من سائر العلوم.
الأحقاف 46:3
الآية ٣ وقوله تعالى :﴿ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ /٥٠٨-ب/ قوله عز وجل ﴿إلا بالحق﴾ أي ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي صار إنشاء ذلك وخلقُه حكمة، لأنه لو كان الأمر على ما ظن أولئك الكفرة، وتوهّموا بأن لا بعث، ولا جزاء من ثواب أو عقاب كان إنشاء ما ذكر من السماوات والأرض وخلقُ ذلك كله عبثا باطلا على ما تقدّم ذكره في غير موضع، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والذين كفروا عما أُنذروا معرِضون﴾ [ يحتمل :﴿عما أُنذروا معرضون﴾ ](١) [ وجوها :
أحدها ](٢) : بما ألزمهم من النظر والتفكّر في ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما أنشأ فيهما من المنافع، وجعل ذلك لهم آية، لم يفعل ذلك كله عبثا باطلا، ولكن لعاقبة تقصد ولأمر يراد ؛ إذ عرفوا بعقولهم أنه لا يجوز خلقُ الخلق على أن يُهمَلوا، ويُتركوا سُدى، لا يُؤمرون، ولا يُنهون، ولا يُمتحنون(٣)، فأعرضوا عما ألزمهم من النظر والتفكّر في ذلك، فهم مُعرِضون إعراض ترك النظر والتّفكّر، والله أعلم.
والثاني : بما أُنذِروا بما نزل بمن تقدّمهم من مُكذّبي الرسل عليهم السلام.
[ والثالث ](٤) : بما أُنذروا، وأوعدهم(٥) من العذاب في الآخرة.
فهم مُعرضون عن ذلك كله، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: وجهين أحدهما أي..
٣ في الأصل وم: يمتحنهم..
٤ في الأصل وم: والثاني..
٥ في الأصل وم: وأوعد لهم..
الأحقاف 46:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين﴾ يحتمل أن يكون ما ذكر كله موصولا بعضه ببعض، ويحتمل أن يكون بعضه مفصولا عن بعض.
فإن كان على الوصل فكأنه يقول : أرأيتم ما تعبدون من الأصنام، وتدعونها آلهة، هل خلقوا مما [ خلق الله ](١) لكم من المنافع ومما به حياتكم وقِوامُكم ومعاشكم مما تُخرج الأرض ؟ أو هل يُنزِلون لكم من المنافع التي جعلها(٢) لكم في السماء من الأمطار وغيرها ؟ أو هل أتاكم كتاب من عند الله، فيه أنه أمركُم بعبادة من تعبدونه ؟
[ وقوله تعالى ](٣) :﴿أو أثارة من علم﴾ هو يخرّج على وجهين :
أحدهما : أو جاءكم من الحكماء الأولين المتقدّمين كتاب أو قول فيه الأمر بذلك ؟
[ والثاني : أو استخرجتكم ](٤) من العلوم ذلك، فقلتم به ؟
يقول، والله أعلم : إن الأسباب التي تحمل الناس على العبادة والخدمة لهم [ في ](٥) هذه الوجوه : إما منافع تتصل بهم منهم مما به قوامهم ومعاشهم وحياتهم، وإما كتاب من الله تعالى، فيه حجة لهم وأمر لهم بذلك [ وإما ](٦) كتاب من الحكماء والرسل [ يأمرونهم فيه ](٧) وهم قوم لا يؤمنون بالرسل ولا بالكتاب، وليست لهم علوم مُستخرَجة من العلوم.
يقول : ليس لكم مما ذكر من الأسباب والعلوم بما عبدتموها، فكيف اخترتم عبادتها على عبادة من عرفتم أن ما به قوامُكم وحياتكم منه، والله أعلم.
وإن كان [ بعضه ](٨) مفصولا من بعض فيكون كأنه يقول :﴿أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ من المنافع وغيرها ﴿أم لهم شرك﴾ في ما ذكر. فإن قالوا : قد خلقوا ما ذكر، ولهم شرك في ما ذكر فقل لهم :﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا﴾ من كتب الحكماء أو العلوم المستخرجة من العلوم ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنهم خلقوا ما ذكرتم، أو لهم شرك في ما ذكر، والله أعلم.
وقد علموا أنهم لا يقدرون أن يُرُوهُ(٩) ما ذكر لما لم يكن لهم من هذه الأسباب شيء ؛ إذ هي أسباب العلم، وقد عجِزوا عن ذلك كلّه.
ثم قوله تعالى :﴿أو أثارة من عِلمٍ﴾ قال بعضهم : أو خاصة من علم. وقال بعضهم : أو بقية من علم أوائلهم، وهو قول القتبيّ : أي بقية من علم، يُؤثَر عن الأولين. ويُقرأ : أثرةٍ(١٠) وأثارة.
وأصله ما ذكرنا من الوجهين : أحدهما : كتاب الحكماء والرسل عليهم السلام.
والثاني : العلوم المستخرجة من سائر العلوم.
وقال بعضهم :﴿أو أثارة من علم﴾ هو الخطّ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه.
وذُكر عن النبي ﷺ [ أنه ](١١) قال :( كان نبي من الأنبياء عليهم السلام يخُطّ فمن صادف مثل خطه عَلِمَ ) [ السيوطي في الدر المنشور ٧/٤٣٤ ].
وقال أبو عوسجة :﴿أو أثارة من علم﴾ أي قديم من علم ؛ قال : ذو(١٢) الأثارة الشحم القديم. وقيل : أثارة من علم، أي رواية عن الأنبياء عليهم السلام.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: جعل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: واستخرجتم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: أو..
٧ في الأصل وم: يأمرون لهم..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: يرونه..
١٠ انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/١٦١ و/١٦٢..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: ذا..
الأحقاف 46:5
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) هو الخط؛ وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنه.
وذكر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " كان نبي من الأنبياء - عليهم السلام - يخط، فمن صادف مثل خطه علم ".
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أي: قديم من علم، قال: ذا الأثارة: الشحم القديم.
وقيل: (أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) أي: رواية عن الأنبياء عليهم السلام.
ثم ذكر سفههم وبين نهاية تعنتهم، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ... (٥) لأنه لا يملك إجابته ولا يحتمل ذلك.
والثاني: لا يستجيب له إلى يوم القيامة، ثم إذا جاء به يوم القيامة أجابه باللعن والتبري، كقوله - تعالى -: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)، وقوله - تعالى -: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ)، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر تبرى بعضهم من بعضٍ، ولعن بعضهم بعضًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) لم يكن منهم لهم أمر بذلك ولا دعاء ولا شيء من ذلك، كقوله - تعالى -: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) هو ما ذكرنا أنه يصير بعضهم لبعض أعداء يتبرءون منهم، ويلعنونهم، ويكفرون بعبادتهم.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ
الأحقاف 46:6
الآية ٦ وقوله تعالى :﴿وإذا حُشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ هو ما ذكرنا أنه يصير بعضهم لبعض أعداء، يتبرّؤون منهم، ويلعنونهم، ويكفرون بعبادتهم.
الأحقاف 46:7
كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ... (٧) أي: بينات أنها من اللَّه تعالى.
أو بينات: واضحات، ما يبين لهم ما عليهم مما لهم، وما لبعض على بعض وما لله عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) يحتمل أن يكون الحق الذي قالوا: إنه سحر، هو تلك الآيات البينات التي ذكر أنها بينت عليهم قالوا لها: إنها سحر، ودل قولهم: إنها سحر، على أنها كانت معجزات خارجات عن وسعهم، حيث نسبوها إلى السحر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) هذا حرف المنابذة، يقول: إن افتريته فلا تملكون أنتم دفع عقوبة ذلك الافتراء عن نفسي، وهو كقوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي)، يقول: عليَّ إثم ذلك وجرمه، وإنَّمَا يقال هذا عند انتهاء الحجج والبراهين غايتها، حتى لا يطمع منهم القبول والنجع فيهم، ويؤيس منهم، فعند ذلك يقال وينابذ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ) أي: بما تخوضون فيه، يقول هذا ويذكر؛ لئلا يقولوا ولا يدعوا غفلته عن ذلك؛ بل يذكرهم أنه كان عالمًا بما يسرون ويعلنون.
وقيل: (تُفِيضُونَ) من قولهم: أفاضوا، إذا علموا وتحدثوا؛ وهو قول الْقُتَبِيّ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) يخرج على وجهين:
أحدهما: أي؛ يشهدون في الآخرة: أنّه قد بلغ رسالته.
والثاني: أي: كفى به شهيدًا بيني وبينكم في الدنيا بما علم ما كان منهم من الشرك والتكذيب، ومني من التبليغ، فهو شاهد بما كان مني ومنكم في الدنيا من سرّ وعلانية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ذكر هذا في هذا الموضع على إثر ما ذكر من غاية سفههم وتعنتهم - واللَّه أعلم - كأنه يقول: إنكم وإن بلغتم في السفه ما بلغتم فإنكم إذا رجعتم عن ذلك وتبتم يغفر لكم ما كان منكم، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ)، إن كان على
الأحقاف 46:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا﴾ هذا حرف المنابذة ؛ يقول : إن افتريته فلا تملكون أنتم دفع عقوبة ذلك الافتراء عن نفسي، وهو كقوله تعالى :﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعليّ إجرامي﴾ [هود: ٣٥] يقول : عليّ إثم ذلك وجُرمه. وإنما يقال هذا عند انتهاء الحجج والبراهين غايتها حتى لا يُقطع منهم القبول والنجع فيهم، ويُيأس منهم، فعند ذلك يقال ذلك، ويُنابَذ، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وهو أعلم بما تُفيضون فيه﴾ أي بما تخوضون فيه، يقول هذا، ويذكر لئلا يقولوا، ولا يدّعوا غفلته عن ذلك، بل يُذكّرهم أنه كان عالما بما يُسرّون، ويُعلنون.
وقيل :﴿تُفيضون﴾ من قولهم : أفاضوا إذا علموا، وتحدّثوا، وهو قول القتبيّ.
وقوله تعالى :﴿كفى به شهيدا بيني وبينكم﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما : أي يشهدون في الآخرة أنه قد بلّغ رسالته.
والثاني : أي كفى به شهيدا بيني وبينكم في الدنيا بما علم ما كان منكم من الشرك والتكذيب ومنّي من التبليغ، فهو شاهد بما كان منّي ومنكم في الدنيا من سرّ وعلانية، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وهو الغفور الرحيم﴾ ذُكر هذا في هذا الموضع على إثر ما ذكر من غاية سفههم تعنُّتهم، والله أعلم، كأنه يقول : إنكم وإن بلغتم في السَّفه ما بلغتم، فإنكم إذا رجعتم عن ذلك، وتُبتم، يغفر لك ما كان منكم، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿ومن أضلّ ممن يدعو من دون الله﴾ [الأحقاف: ٥] إنه كان على حقيقة العبادة فهو صلة قوله :﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات﴾ [الأحقاف: ٤] يقول، والله أعلم : ومن أضلّ /٥٠٩-أ/ ممن يعبد من لا يملك ما ذكر من خلق الأرض، وله(١) شريك في السماوات وممّن(٢) ترك عبادة من خلق السماوات وخلق الأرض، وشهد كل شيء له بذلك، وأتى بالحُجج والبراهين على ذلك، أي لا أحد أضلّ ممن ترك عبادة من هذا وصفه، وصرف العبادة إلى الذي لا يملك شيئا من ذلك، والله أعلم.
وإن كان على الدعاء نفسه فهو صلة ما ذكر من قوله :﴿لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ [الأحقاف: ٥] أي ومن أضل ممن يدعو الله من دون الله : من لا يملك إجابته، ويسمع دعاءه، ويقدر على قضاء ما يدعون، ويسألون، أي لا أحد أضلّ ممن اختار دعاء من لا يملك شيئا من ذلك كلّه. يُسفّههم في صنيعهم واختيارهم ما اختاروا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ولا له..
٢ في الأصل وم: وما ذكر..
الأحقاف 46:9
حقيقة العبادة فهو صلة قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ...) الآية؛ يقول - واللَّه أعلم -: ومن أضل ممن يعبد من لا يملك ما ذكر من خلق الأرض، ولا له شرك في السماوات وما ذكر، وترك عبادة من خلق السماوات، وخلق الأرض، وشهد كل شيء له بذلك، وأتى بالحجج والبراهين على ذلك؛ أي: لا أحد أضل ممن ترك عبادة من هذا وصفه، وصرف العبادة إلى الذي لا يملك شيئًا من ذلك، واللَّه أعلم.
وإن كان على الدعاء نفسه فهو صلة ما ذكر من قوله: (لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)، أي: ومن أضل ممن يدعو من دون اللَّه من لا يملك إجابته، ولا يسمع دعاءه، وترك دعاء من يملك إجابته ويسمع دعاءه، ويقدر قضاء ما يدعون ويسألون؛ أي: لا أحد أضل ممن اختار دعاء من لا يملك شيئًا من ذلك على دعاء من يملك ذلك كله؛ يسفههم في صنيعهم واختيارهم على ما اختاروا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) كأن هذا إنما ذكر - واللَّه أعلم - لإنكار أهل مكة الرسل من البشر، واستعظامهم وضع الرسالة فيهم، فقال عند ذلك: (مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) أي: لست أنا بأول رسول من البشر؛ بل لم يزل الرسل من قبل كانوا من البشر في آفاق الأرض وأطرافها، فما بالكم تنكرون رسالتي؛ لأني كنت من البشر وتستعظمونها وسائر الرسل الذين من قبلي كانوا من البشر؟! واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مَا كُنْتُ بِدْعًا) أي: ما أنا بأولهم، قد أرسل قبلي.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: وما كنت بدءًا منهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) هذا يخرج على وجوه:
أحدها: أي: ما كنت أدري قبل ذلك ما يفعل بي ولا بكم: أُرسَل، وأُختَص للرسالة، وأُختار لها، وأبعث إليكم، وتلزمون أنتم اتباعي والإجابة إلى ما أدعوكم إليه، والله أعلم.
والثاني: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) من إخراجي من بين أظهركم وإهلاككم كما فعل بالرسل الذين كانوا من قبل وأقوامهم، أمروا بالخروج من بين أظهرهم، ثم تعقب ذلك استئصال قومهم؛ أي: ما أدري أيفعل بي وبكم ما ذكرنا كما فعل بمن تقدمنا من الرسل وقومهم، واللَّه أعلم.
والثالث: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) مخافة التغيير عليه والتبديل؛ ولم يزل الرسل - عليهم السلام - يخافون تغيير الأحوال عليهم، وتبديل ما أنعم عليهم، وذهاب ما اختصوا هم به؛ كقول إبراهيم - عليه السلام -: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)، وقال شعيب - عليه السلام -: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) الآية، وما ذكر في سورة يوسف - عليه السلام -: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ...) الآية، وقول يوسف - عليه السلام -: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، وقول يعقوب - عليه السلام -: (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، وقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " يا مقلب القلوب ثبت
قلوبنا على طاعتك " لم تزل كانت الرسل - عليهم الصلاة والسلام - على خوف من تغيير الأحوال التي كانوا عليها، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) أتغير عليَّ وعليكم الأحوال التي نحن عليها اليوم أم نترك على ذلك؟ وحقيقة هذا الكلام على الاستقصاء قد مرت، واللَّه أعلم.
وذكر بعض أهل التأويل: أن أهل مكة كانوا يؤذون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - بأنواع الأذية، فشكوا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما كانوا يلقون منهم، فقال: " إني لم أومر بشيء فيهم من القتال وغيره فاصبروا على ذلك، ولكني رأيت في المنام أن أهاجر إلى أرض أخرى ذات... " كذا؛ فاستبشروا بذلك، ومكثوا بعد ذلك زمانًا لا يرون شيئًا مما ذكر، فشكوا إليه ثانيًا بما يلقون منهم، وقالوا: ما نرى ما قلت لنا من الخروج عنهم، فقال: " إنما رأيت ذلك في المنام ولم يأت به وحي من السماء أيكون ذلك أم لا يكون؟ " أو نحو هذا من الكلام، وهذا لا يحتمل أن يكون؛ فإنه لا يُظن بأصحابه - رضي اللَّه عنهم - أن يقولوا له: ما نرى الذي قلت لنا من الخروج عنهم، وفي ذلك اتهامه بذلك، وترك تعظيمه، ولا نظن بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يقول لهم: " أنا رأيت ذلك في المنام، ولم يأت به وحي من السماء "؛ جوابًا لقولهم، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - كالوحي من السماء، دل أن هذا لا يحتمل أن يصح ويثبت، واللَّه أعلم.
وإنما جائز بعض ما ذكر في القصة من الشكاية منهم من الأذى، والوعد لهم بالخروج من بينهم، واللَّه أعلم.
والوجوه التي ذكرنا أشبه وأقرب إلى العقل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) ظاهر.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
الأحقاف 46:10
عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ... (١٠) الآية.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن عبد اللَّه بن سلام آمن برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وشهد أنه رسول اللَّه، ثم شهد بمثل ذلك ابن يامين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: شهد ابن يامين أولا: أنه رسول، وآمن وصدقه، ثم شهد بمثله ابن سلام، واللَّه أعلم.
والأشبه في هذا أن يكون قوله - تعالى -: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) التوراة أو موسى - عليه السلام - على ذلك، كقوله - تعالى -: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا)، شهد كتاب وسول اللَّه ورسوله - عليه السلام - واللَّه أعلم.
ولأن عبد اللَّه بن سلام إنما أسلم بالمدينة، وكذلك ابن يامين، وهذه السورة مكية، لكنهم يقولون: هذه السورة مكية إلا هذه الآيات الثلاث، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) يحتمل أن يكون هذا القول من الأجلة والرؤساء منهم الذين كان منهم صلة الأرحام وأنواع الخيرات والأعمال الصالحة، قالوا: إنا قد سبقناهم في الخيرات سوى ذلك، فلو كان ذلك الذي تدعونا إليه خيرًا ما سبقونا كما لم يسبقونا إلى سائر الخيرات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) أي: وإذ لم يهتدوا به هم من بيننا فيقولون: هذا القرآن إفك قديم، أي: كذب قديم، فكأن قولهم: (لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) بحق الاحتجاج، وقولهم: (فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) تكذيب منهم ورد لذلك.
ثم قوله: (إِفْكٌ قَدِيمٌ) يقولون - واللَّه أعلم -: لم يزل من ادعى الرسالة يدعي على اللَّه ما يدعي مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من إنزال الكتب عليهم، وبعثه إياهم ابن سلام إلى الناس يطلب الرسالة له عليهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) أي: إمامًا يقتدى به، ورحمة لمن اتبعه في دفع العذاب عنه.
وقوله - تعالى -: (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ) ذكر - هاهنا - مصدق، ولم يذكر أنه مصدق لماذا؟ لكن قد ذكر في غير آي من القرآن (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)، ثم
الأحقاف 46:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾ يحتمل أن يكون هذا القول من الأجِلّة والرؤساء منهم الذين كان منهم صلة الأرحام وأنواع الخيرات والأعمال الصالحة ؛ قالوا : إنا سبقناهم في الخيرات سوى ذلك. فلو كان ذلك الذي تدعونا إليه خيرا ما سبقونا إليه كما لم يسبقونا إلى سائر الخيرات.
وقوله تعالى :﴿وإذ لو يهتدوا به فسيقولون هذا إفكٌ قديم﴾ أي وإذ لم يهتدوا به هم من بيننا فسيقولون : هذا القرآن إفك قديم أي كذب قديم. فكأن قولهم :﴿لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾ بحق الاحتجاج، وقولهم :﴿فسيقولون هذا إفك قديم﴾ تكذيب منهم وردّ لذلك.
ثم قوله :﴿إفك قديم﴾ يقولون، والله أعلم : لم يزل من ادّعى(١) الرسالة يدّعي على الله ما يدّعي محمد ﷺ من إنزال الكتب عليهم وبعثه إياهم رسلا(٢) إلى الناس، يُطلعون الرسالة لهم عليهم.
١ من م، في الأصل: الدعي..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ابن سلام..
الأحقاف 46:12
الآية ١٢ وقوله تعالى :﴿ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة﴾ أي إماما يُقتدى به ورحمة لمن اتّبعه في دفع العذاب عنه.
وقوله تعالى :﴿وهذا كتاب مُصدّق﴾ ذكر ههنا ﴿مصدّق﴾ ولم يذكر أنه مصدّق لماذا ؟ لكن قد ذكر في غير آية(١) من القرآن ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ يحتمل أي موافقا لما لم يحرَّف، ولم يغيَّر من تلك الكتب، لأن تلك الكتب قد حرّفوها، وغيّروها، ولم يغيَّر، ولم يحرَّف هذا الكتاب، وقد حفظه الله تعالى عز وجل من التبديل والتغيير ؛ فهو مصدّق موافق لما لم يغيَّر، ولم يحرَّف من تلك الكتب /٥٠٩-ب/ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لسانا عربيا﴾ أي أنزله بلسان عربي ليُعلَم أنه لم يأخذه محمد ﷺ من تلك الكتب لأن تلك الكتب كانت على غير لسان العرب، ولسانه عربيّ، ولكن جاء من الله تعالى بلسانه.
وقوله تعالى :﴿ليُنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين﴾ فمن قرأ لتُنذر(٢) بالتاء فتأويله لتُنذر يا محمد الذين ظلموا، ومن قرأ بالياء ﴿ليُنذِر﴾ أي لينذرهم القرآن، وقد ذكرنا في ما تقدّم تفسير النذارة والبشارة، والله أعلم.
١ في الأصل وم: آي..
٢ انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/١٦٤..
الأحقاف 46:13
قوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)، يحتمل: أي: موافقًا لما لم يحرف ولم يغير من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب قد حرفوها وغيروها، ولم يحرف هذا الكتاب، وقد حفظه اللَّه - تعالى - عن التبديل والتغيير، فهو مصدق موافق لما لم يغير ولم يحرف من تلك الكتب، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِسَانًا عَرَبِيًّا) أي: أنزله بلسان عربي؛ ليعلم أنه لم يأخذه مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب كانت على غير لسان العرب، ولسانه عربي، ولكن جاءه من اللَّه - تعالى - بلسانه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ) فمن قرأ: (لِتُنذِرَ) بالتاء فتأويله: لتنذر يا مُحَمَّد الذين ظلموا، ومن قرأ بالياء (ليُنذِرَ) أي: لينذرهم القرآن، وقد ذكرنا فيما تقدم تفسير النذارة والبشارة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) الاستقامة تحتمل وجهين:
أحدهما: أي: (قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) على ذلك القول الذي قالوا، وثبتوا على ذلك، ولم تتغير، ولم تتبدل حالتهم تلك، واللَّه أعلم.
والثاني: (قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) بحق الوفاء بالعمل بما أعطوا بلسانهم وقلوبهم (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) جعل ذلك لهم جزاء أعمالهم بفضله ورحمته، لا أنهم يستوجبون ذلك بنفس عملهم، ولكن بالتفضل والرحمة، وذكر جزاءه الأعمال فضلا منه.
* * *
قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ
الأحقاف 46:14
الآية ١٤ [ وقوله تعالى :](١) ﴿أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها﴾ وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله تعالى :﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ جعل ذلك لهم جزاء أعمالهم بفضله ورحمته، لا أنهم يستوجبون ذلك بنفس عملهم، ولمن بالتفضّل والرحمة. ذكر جزاءه الأعمال فضلا منه.
١ ساقطة من الأصل وم..
الأحقاف 46:15
بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا... (١٥) و (حُسْنًا)؛ كأنه قال: أمرنا الإنسان أن يحسن إلى والديه، فالحسن: هو اسم ما يقع بهم من البر، وهو المفعول، والإحسان هو اسم فعله الذي يفعل بهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا)، وقال في آية أخرى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)، وقال في آية أخرى: (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا)، أي: إنها في أول ما حملت أحملت، حملا خفيفًا، فلما كبر أثقلت، وهو وصف الولد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ)، وذلك في الأم؛ لأنها لا تزال تضعف وتوهن من أول ما حملت إلى آخر ما وضعت.
وقوله - تعالى -: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) في أول ما تحمل تجد كراهة في نفسها إلى وقت وضعها.
والثاني: يشبه أن يكون على الجمع في الأم دون الولد على اختلاف الأحوال، وهو في الابتداء يخف عليها الحمل، ويثقل ذلك عليها إذا دنا وقت وضعها، وما ذكر من الوهن فهو ما ذكرنا أنها لا تزال تزداد ضعفًا فيها ووهنًا من أوّل حملها إلى وقت وضعها، وما ذكر من الكراهة فهو إذا تم حملها شق ذلك عليها، وكذلك الوضع، لا شك أن ذلك يشق عليها.
والتأويل الأوّل على التفريق في حال يرجع الوصف إلى الولد، وفي حال إلى الوالدة، والثاني يرجع ذلك كله إلى وصف الأم، وعلى التأويلين حصل التوفيق بين الآيات؛ لرجوعها إلى اختلاف الأحوال، فأمكن الجمع بين الكل في أحوال، والاختلاف إنما يكون في حال واحد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حملته أمه كرهًا؛ أي: بمشقة، ووضعته بمشقة، ثم وضعته على تمام ستة أشهر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الآية نزلت في الحسن أو الحسين - رضي اللَّه عنهما - وضعته أمه على ما ذكر في المدة.
ثم منهم من يقول: الآية وإن نزلت في نازلة بعينها، لكن ما ذكر من الحكم فذلك في كل إنسان، وهو أن يكون الولد ثابت النسب من الأب بهذه المدة، فإنه روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أُتي بامرأة وضعت في ستة أشهر، فأراد أن يرجمها، فقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يا أمير المؤمنين، إن اللَّه - تعالى - قد جعل في كتابه مخرجًا؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)، وقال: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) ستة أشهر لحملها، ورضاعه سنتين، فأخذ بقول ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ودرأ عنها الرجم.
وكذلك روي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أُتي بامرأة وضعت لستة أشهر، فهمّ أن يرجمها، فقال له ابن عَبَّاسٍ: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب اللَّه خصمتكم، ثم تلا هذه الآية.
وكذلك ذكر عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما أمر برجم المرأة التي وضعت لستة أشهر، فسمع علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فأتى عثمان - رضي الله عنه - فقال له: ما صنعت؟ فقال له عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهل تلد المرأة الولد التام لستة أشهر؟ قال: نعم، ثم تلا عليه هذه الآية.
فهَؤُلَاءِ الصحابة - رضي اللَّه عنهم - قد رأوا الآية في كل امرأة وضعت لتلك المدة في حق ذلك الحكم الذي ذكر، واللَّه أعلم.
ثم روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إذا وضعت المرأة لستة أشهر أرضعته حولين كاملين؛ لأن اللَّه - تعالى - يقول: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) وإذا وضعت لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهرًا، وإذا وضعته لتسعة أشهر، أرضعته أحدًا وعشرين شهرًا، فعلى قياس هذا جائز أنها إن وضعته لسنتين أن يكفي رضاع ستة أشهر، يزاد وينقص على ذلك القدر؛ ألا ترى أنه روي أن المرأة التي حملت سنتين ولدت وقد ثبتت له سنتان؛ فمثل هذا الولد لا يحتاج من الرضاع ما يحتاج الذي ولد لستة أشهر؛ لذلك كان ما ذكرنا.
ثم إذا احتمل النقصان عن الحولين؛ لما ذكرنا جازت الزيادة على الحولين؛ على ما قال أبو حنيفة - رحمه اللَّه - لأن ما ذكر من الحولين إنما هو رضاع أقل الحمل، وهو ستة أشهر؛ لأن الذي ولد لستة أشهر كان إلى الاغتذاء بالطعام أبعد من الذي ولد لتسعة أشهر؛ لضعفه في نفسه، والذي ولد لتسعة أشهر فهو إلى الاغتذاء بالطعام أقرب منه، والذي ولد لسنتين هو أقرب إلى الاغتذاء بالطعام من المولود لتسعة أشهر؛ لقوته وقلة حاجته إلى الغذاء باللبن، فإذا كان قوله - تعالى -: (حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ)، هو أقل رضاع يكون؛ لأنه ذكر للمولود لأقل الحمل؛ حيث قال: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) قال: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، فإذا كان أقل احتمل الزيادة التي ذكر أبو حنيفة - رحمه اللَّه - وهو ستة أشهر على السنتين، كما يصير رضاع أكثر الحمل ستة أشهر، واعتبر في الباب إلى قوة الولد، واحتمال الغذاء بالطعام، وعدم الاحتمال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً...) إلى آخر ما ذكر.
دلت هذه الآية على أن الآية التي ذكرنا نزلت في نازلة؛ حيث أخبر أنه إذا بلغ ذلك المبلغ قال: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ..) الآية.
ثم قوله - تعالى -: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) ذكر أوّل ما يشتد عقله، ويدخل في القوة إلى الوقت الذي يكون على الزيادة، فإذا جاوز ذلك الوقت يأخذ في الانتقاص، وهو أربعون سنة.
وقال أهل النأويل: بلوغ الأشد هو ثماني عشرة سنة إلى أربعين، وهو ما ذكرنا: أنه أول وقت دخوله في الزيادة والقوة إلى الوقت الذي إذا بلغ ذلك يأخذ في النقصان، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) دل قوله: (وَعَلَى وَالِدَيَّ) على أن على الرجل شكر ما أنعم على والديه وأحسن إليهما كما يلزمه شكر ما أنعم عليه؛ لما يكون بدء إسلام الأولاد الصغار بالوالدين وما لهما من النعم يصل نفعها إليهم - أيضًا - فيلزمهم شكر ما أنعم عليهم بالإيمان والنعم في وقته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) هذا على كل مسلم أن يدعو بمثل هذا الدعاء، يسأل ربه التوفيق على عمل صالح يرضاه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: أصلح لي ذريتي؛ على طرح حرف (فِي) منه؛ كقوله: (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)، واللَّه أعلم.
ثم قوله - تعالى -: (أَوْزِعْنِيَ): ألهمني.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه سأل ربه أن يوزعه شكر ما أنعم عليه، ومن قولهم
الأحقاف 46:16
أن ليس على المرء الشكر إلا بعد إعطاء جميع ما به يشكر حتى لا يبقى عنده مزيد؛ فيكون مثل هذا الدعاء من العباد ردًّا على قولهم؛ لأنهم يسألون ما يعلمون أن ليس عنده ذلك، وأنّه لا يملكه، وكذلك قوله: (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ)، ومن قولهم أنه ليس عنده ما يغيثه، فيخرج دعاؤهم على ما ذكرنا على مذهبهم، وباللَّه العصمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) كأنْ لهم عملان: حسنات وسيئات، فأخبر أنه يتقبل عنهم حسناتهم، ويجزيهم جزاءها، ويتجاوز عن سيئاتهم ويكفرها، ولا يجزيهم جزاءها؛ فضلا منه ورحمة، والمراد من الأحسن: الحسن، ويجوز ذلك في اللغة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) أي: ذلك الذي أخبر وذكر أنه يفعل لهم هو وعد الصدق يفي ذلك لهم، وهو قادر على وفاء الوعد، ومن يكون منه الخلف في الوعد في الشاهد إنما يكون لأحد وجوه ثلاثة:
إما لعجز يمنعه عن وفاء ما وعد.
أو جهل وبدو شيء رآه فرجع عن ذلك.
أو حاجة.
واللَّه - سبحانه وتعالى - يتعالى عن ذلك كله؛ للقدرة الذاتية، والغنى الذاتي، والعلم الأزلي، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) إلى آخر ما ذكر.
خرج أهل التأويل هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي اللَّه عنهما - ووالدته فلانة، والآية الأولى في أبي بكر الصديق ووالديه، وهي قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ) فيقولون: إن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أطاع والديه وأمر بالإحسان إليهما، والشكر لهما، وسأل التوفيق في الشكر له به على ما أنعم عليه وأنعم على والديه، وعبد الرحمن ابنه قد عصى والديه وخالفهما فيما يدعوانه إليه، وقال لهما قولا [رديًّا]؛ حيث قال: (أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ) من القبر وأحيا (وَقَدْ خَلَتِ) من قبلي من القرون فلا أراهم بعثوا، ونحو ذلك من الكلام.
إلا أن هذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في أجلة الصحابة - رضي
الأحقاف 46:17
الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿والذي قال لوالديه أفٍّ لكما أتعدانني أن أُخرج وقد خلت القرون من قبلي﴾ إلى آخر ما ذكر. خرّج أهل التأويل هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ووالدتُه فلانة. والآية الأولى في أبي بكر الصديق ووالديه، وهي قوله :﴿ووصّينا الإنسان بوالديه﴾ فيقولون : إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أطاع والديه، وأمر بالإحسان إليهما والشكر لهما، وسأل التوفيق في الشكر لربه على ما أنعم عليه، وأنعم على والديه. وعبد الرحمن ابنه، قد عصى والديه، وخالفهما فيما يدعوانه إليه، وقال لهما قولا رديّا حين(١) قال :﴿أفٍّ لكما أتعدانني أن أُخرج﴾ من القبر، وأُحيَى ﴿وقد خلت القرون من قبلي﴾ فلا أراهم بُعثوا، ونحو ذلك من الكلام.
إلا أن هذا لا يصح لأن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق من أجلّة الصحابة رضي الله عنهم فالظاهر أنه لم يكن منه هذه المجادلة، ولأن أهل التأويل قالوا : إنه كان قال لوالديه ؛ إن كان ما تقولون حقّا : أخرجوا فلانا، وذكر(٢) نفرا من أجداده، فقال :﴿أولئك الذين حق عليهم القول﴾ الآية.
ولا يحتمل أن يكون هذا جواب ما تقدّم من القول لأنه في وجوب ما ذكر، وهو استحقاق العذاب عليهم، منَع العود والإحياء في الدنيا، ولأنهم لو كانوا يعادون لا يسقط ذلك الذي حق عليهم، إذ هم لا يؤمنون.
ألا ترى أن الله تعالى قال :﴿ولو ردّوا لعادوا لما نُهوا عنه﴾ ؟ الأنعام : ٢٨ ].
لكن جائز أن تكون الآيتان في رجلين من بني آدم عليه السلام مع والديهما(٣) : أطاع أحدهما والديه، وأجابهما إلى ما دعواه، وأبى الآخر إجابة والديه إلى ما دعواه إليه، وخالفهما في أمرهما، فاستغاث والدا من عصاهما، وخالفهما في أمرهما، وقالا ما ذُكر في الآية.
وقال من أجابهما ما ذُكر، وهو كما ذكرنا في قوله تعالى :﴿حملت حملا خفيفا﴾ [الأعراف: ١٨٩] صرف أهل التأويل بأجمعهم هذه الآية إلى آدم وزوجته حواء عليهما السلام.
وقلنا نحن : جائز أن يكون هذا في كل والد ووالدة ؛ يقولان ما ذُكر [ ويدعوان إلى ما ذُكر ](٤) :﴿فلما آتاهما﴾ [الأعراف: ١٩٠] ما ذكر من الصلاح كانا ما ذكر.
فعلى ذلك جائز أن تكون الآيتان اللتان ذكرناهما تكونان في كل ولد من والديه : من أجاب والديه، ومن عصاهما، والله أعلم، فلا تُصرَف الآية إلى من ذكروا إلا ببيان من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ أنها في كذا وكذا وفي فلان وفلان على طريق التواتر. فعند ذلك يقال ما قالوا.
فأما إذا لم تُثبَت النصوص والإشارة إلى قوم بالتواتر فالكف عن ذلك أسلم، والله أعلم.
ودلّ قوله :﴿وهما يستغيثان الله ويلك آمن﴾ أن وعد الله لطف(٥) ؛ لو أُعطي ذلك لآمن. لذلك(٦) ﴿يستغيثان الله﴾ تعالى [ ويأمرانه بالإيمان بقولهما ](٧) ﴿ويلك آمن﴾ والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: والديه..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: لطفا..
٦ في الأصل وم: وقوله {وهما..
٧ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ويلك آمن فيقولان..
الأحقاف 46:18
الآيتان ١٨ و١٩ وقوله تعالى :﴿أولئك الذين حق عليهم القول في أُمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين﴾(١) ﴿ولكل درجات مما عملوا وليُوفّيهم أعمالهم وهم لا يُظلمون﴾ أي ليُوفّيهم أجر أعمالهم وجزاء أعمالهم من خير أو شر ﴿وهم لا يُظلمون﴾ أي لا يُنقصون من خيراتهم، ولا يُزاد لهم في سيّئاتهم.
١ ساقطة من الأصل وم..
الأحقاف 46:19
اللَّه عنهم - فالظاهر أنه لم يكن منه مثل هذه المجادلة؛ ولأن أهل التأويل قالوا: إنه كان قال لوالديه: إن كان ما تقولون حقًّا أخرجوا فلانًا وفلانًا؛ ذكر نفرًا من أجداده، فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ...) الآية، ولا يحتمل أن يكون هذا جواب ما تقدم من القول؛ لأنه في وجوب ما ذكر -وهو استحقاق العذاب عليهم- منع العود والإحياء في الدنيا، ولأنهم لو كانوا يعادون لا يسقط ذلك الذي حق عليهم؛ إذ هم لا يؤمنون؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ).
لكن جائز أن تكون الآيتان في رجلين من ولد بني آدم مع والديهما: أطاع أحدهما والديه وأجابهما إلى ما دعواه إليه، وأبى الآخر إجابة والديه إلى ما دعواه إليه، وخالفهما في أمرهما فاستغاث والداه ممن عصاهما وخالفهما في أمرهما وقالا ما ذكر في الآية، وقال من أجابهما ما ذكر، وهو كما ذكرنا في قوله - تعالى -: (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا)، صرف أهل التأويل بأجمعهم هذه الآية إلى آدم وزوجته حوّاء - عليهما السلام - وقلنا نحن: جائز أن يكون هذا في كل والد ووالدة يقولان ما ذكر ويدعوان إلى ما ذكر، فلما آتاهما ما ذكر من الصلاح كانا ما ذكر، فعلى ذلك جائز أن تكون الآيتان اللتان ذكرناهما تكونان في كل ولد مع والديه: من أجاب والديه ومن عصاهما - والله أعلم - فلا تصرف الآية إلى من ذكروا إلا ببيان من اللَّه - تعالى - على لسان رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنها في كذا وكذا، وفي فلان وفلان، على طريق التواتر، فعند ذلك يقال ما قالوا، فأما إذا لم تثبت النصوص والإشارة إلى قوم بالتواتر فالكف عن ذلك أسلم، واللَّه أعلم.
ودل قوله: (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ) أن عند اللَّه لطفا لو أعطى ذلك لآمن.
وقوله: (وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ) أي: ، فيقولان: (وَيْلَكَ آمِنْ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) من خير أو شر (وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي: ليوفينهم أجر أعمالهم، وجزاء أعمالهم من خير أو شر (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي: لا ينقصون من خيراتهم، ولا يزداد لهم في سيئاتهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا)، وقال في آية أخرى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ) وقال في آية أخرى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا)، ونحوها؛ يذكرهم بهذه الآيات وأمثالها؛ ليعرفوا ما كان منهم، وما استوجبوا من العقوبات إنما استوجبوا بما كان منهم في الدنيا من التكذيب والاستهزاء بآياته؛ لينزجروا عن ذلك.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) يخرج على
الأحقاف 46:20
الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم﴾ كقوله(١) تعالى في آية أخرى :﴿ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق﴾ [الأحقاف: ٣٤] وقوله(٢) تعالى في آية أخرى :﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زُمرًا﴾ [الزمر: ٧١] ونحوها(٣).
يذكّرهم بهذه الآيات وأمثالها ليعرفوا ما كان منهم، وما استوجبوا من العقوبات إنما استوجبوا بما كان منهم في الدنيا من التكذيب والاستهزاء بآياته لينزجروا عن ذلك.
ثم قوله تعالى :﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما :﴿أذهبتم طيباتكم﴾ التي أعطيتموها في منافعكم، وأتلفتموها، ولم تؤدّوا شكرها، ولم تقوموا بوفاءها، والله أعلم.
والثاني :﴿أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا﴾ أي أتلفتموها، ولم تكتسبوها بالطيبات الموعودة في الآخرة والنِّعم الدائمة.
فكل ما أعطى في هذه الدنيا من الأموال(٤) إنما أعطى ليستعينوا بها على عمل الآخرة، وليتزوّدوا لها، ويجعلوها زادا للآخرة.
فأما إذا جعلوها في غير ذلك فهو إتلاف وجعل في غير ما جُعل ؛ وذلك وبال عليهم وحسرة، وهو ما قال الله تعالى :﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو﴾ [الأنعام: ٣٢] وكذا ذكر :﴿مثل ما يُنفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صِرّ﴾ [آل عمران: ١١٧] فكل نفقة كانت في غير ما ذكر من الاستعانة على زاد الآخرة والتزوّد لها فهو للحياة الدنيا، وهو لعب ولهو، وهو ما ذكر من الريح ﴿فيها صرّ﴾ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فاليوم تُجزون عذاب الهون﴾ أي عذابا تهانون فيه، ويُهينكم ذلك العذاب.
وقوله تعالى :﴿بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق﴾ يحتمل استكبارهم الذي ذكر على الرسل [ استكبروا على الرسل ](٥) فتركوا اتباعهم، فاستكبروا على آياته.
وقوله تعالى :﴿وبما كنتم تفسُقون﴾ والفسق هو الخروج عن أمر الله تعالى.
١ في الأصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: وقال..
٣ في الأصل وم: ونحوهما..
٤ من م، في الأصل: الأعمال..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
الأحقاف 46:21
وجهين: أحدهما أذهبتم طيباتكم التي أعطيتموها في منافعكم وأتلفتموها ولم تؤدوا شكرها، ولم تقوموا بوفائها، واللَّه أعلم.
والثاني: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا) أي: أتلفتموها، ولم تكتسبوا بها الطيبات الموعودة في الآخرة والنعم الدائمة، فكل ما أعطى في هذه الدنيا من الأموال إنما أعطى ليستعينوا بها على عمل الآخرة، وليتزودوا بها، ويجعلوها زادًا للآخرة، فأما إذا جعلوها في غير ذلك فهو إتلاف، وجعل في غير ما جعل، وذلك وبال عليهم وحسرة، وهو ما قال اللَّه - تعالى -: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)، وكذا ذكر: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ)، فكل نفقة كانت في غير ما ذكر من الاستعانة على زاد الآخرة والتزود لها فهي لحياة الدنيا، وهي لعب ولهو، وهو ما ذكر من الريح فيها صرّ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وجل -: (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) أي: عذاب تهانون فيه، يهينكم ذلك العذاب.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) يحتمل استكبارهم الذي ذكر على الرسل، استكبروا على الرسل فتركوا اتباعهم، فاستكبروا على آياته.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) والفسق هو الخروج عن أمر اللَّه تعالى.
* * *
قوله تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ).
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: اذكر نبأ أخي عاد، وهو هود - عليه السلام - بما عامله قومه من سوء المعاملة، وما قاسى هو منهم؛ لتتسلى بذلك عن بعض ما عامل به قومك معك، والله أعلم.
والثاني: واذكر نبأ عاد بما نزل بهم من العذاب والاستئصال بتكذيبهم الرسل، والاستكبار عليهم، والاستهزاء بهم؛ لتحذر به قومك في تكذيبك والاستهزاء بك، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ) أي: خوف قومه بالأحقاف.
وقد اختلف في تأويل الأحقاف:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو اسم أرض خوفهم بنزول العذاب هنالك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي جبال من رمل مستطيلة مرتفعة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الأحقاف: واحده: حقف، وهو الرمل ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الأحقاف: رمل بشحر عمان، وهي منازل عاد فيما زعموا وشحر تلاوة.
وقيل: الحقف: تل معوج.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأحقاف: الجبل حين نضب الماء زمان الغرف كان ينضب عن المكان من الجبل ويبقى أثره، وينضب من مكان أسفل من ذلك ويبقى أثره دون ذلك؛ فذلك الأحقاف.
وقيل - أيضًا -: الأحقاف: جبل بالشام.
وقيل: هو المكان الذي كان منازل عاد ومقامهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) أي: خلت الرسل من قبل هود ومن بعده، عليه الصلاة والسلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) كأن الخطاب بهذا وقع للكل؛ يقول: ثم الرسل - عليهم السلام - ينذرون قومهم بأنواع العذاب عند تكذيبهم إياهم، ولم يزل الرسل - عليهم السلام - من قبل ومن بعد، دعوا الناس إلى عبادة اللَّه - تعالى - ونهوهم عن عبادة غيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) يحتمل قوله: (أَخَافُ
الأحقاف 46:22
عَلَيْكُمْ) حقيقة الخوف؛ لما لم ييئس من إيمانهم واتباعهم إياه؛ لذلك لم يقطع فيهم القول بنزول العذاب بهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون الخوف هو العلم حقيقة؛ أي: أعلم أن ينزل بكم عذاب يوم عظيم إن ختمتم على ما أنتم عليه، وقد يذكر الخوف في موضع العلم.
وقوله: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا... (٢٢) أي: قالوا لهود - عليه السلام -: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لتردنا عن عبادة آلهتنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لتكذبنا في آلهتنا، والإفك: الكذب؛ وكله واحد.
وأصل الإفك: الصرف؛ كأنهم قالوا: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) كانوا يقولون ذلك استهزاء به منهم، ولم يزل الكفرة يسألون ويستعجلون العذاب الذي كانوا يوعدون استهزاء منهم وتكذيبًا بما يوعدون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣).
أجابهم هود - عليه السلام - أن العلم بنزول العذاب ووقته عند اللَّه، وأبلغكم ما أرسلت به من الدعاء إلى توحيد اللَّه - تعالى - والنهي عن عبادة غيره.
أو يقول: أبلغكم ما أمرت من التبليغ بنزول العذاب بكم، ولست أبلغكم أنه متى ينزل بكم؟ لما لم أومر به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) دين اللَّه، أو تجهلون آيات الله وقبولها، أو تجهلون نعم اللَّه وإحسانه، أو تجهلون أمر اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤).
قَالَ بَعْضُهُمْ: العارض: السحاب، فقالوا: هذا سحاب ممطرنا، وكان حقيقة العارض الريح التي فيها عذاب أليم ظنوا أنها سحاب، ولم تكن سحابًا، ولكن كانت ريحًا، لكن من ذلك الجانب كان يأتيهم السحاب الممطر؛ لذلك، (قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ) كأن هودًا - عليه السلام - قال لهم: ليس هو بعارض ممطر، ولكن هو ما استعجلتم به من العذاب حيث: قلتم: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) هو ريح فيها عذاب أليم.
ثم وصف تلك الريح فقال كما أخبر اللَّه - تعالى - بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا... (٢٥) يخرج قوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) على وجهين: أحدهما: تدمر كل شيء أرسلت وأمرت بتدميره، لا تجاوز أمر ربها، ولا تدمر ما لم ترسل ولم تؤمر بتدميره؛ كقوله - تعالى -: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) هذه الآية تفسر قوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) أتت عليه وأمرت بتدميره، فأما ما لم تؤمر بتدميره فلا؛ على ما ذكر في تلك الآية، واللَّه أعلم.
والثاني: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) أي: عند من عاينها وتأملها عنده أنها تدمر كل شيء، لا تبقي شيئًا على وجه الأرض؛ لشدتها وقوتها، لكنها لا تجاوز أمر ربها؛ ألا ترى أنها لا تدمر هودًا وأتباعه، وهم فيهم وبقرب منهم، وهو كقوله - تعالى -: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) أي: يأتيه أسباب الموت وما به يموت لو كان فيه أمر الموت، فعلى ذلك قوله - تعالى -: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) أي: تدمر كل شيء عند من عاينها ونظر في أحوالها وأهوالها أن لو كان لها أمر بذلك، لكنها لم تجاوز أمر ربها؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) في ظاهر هذه الآية أنها قد أبقت مساكنهم ولم تدمرها، وكذلك قال في آية أخرى: (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) قَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم لما التجئوا إلى مساكنهم وهربوا منها كانت تدخل الريح مساكنهم وتخرجهم منها فتلقيهم في صحاريهم وأفنيتهم موتى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: تنزع مفاصلهم، وتقطعها، ثم تلقيهم في أفنيتهم؛ على ما وصف، وشبههم بأعجاز نخل منقعر، فالريح التي تعمل في إخراج أهلها من مساكنهم وإبقائهم في الفيافي، لأن تعمل في هدم المساكن والمنازل أولى، وكذلك إذا عملت في نزع المفاصل وقطعها ففي نقض البنيان والمساكن أولى، ومع ذلك لم تعمل في هدم مساكنهم؛ فدل ما ذكرنا أنها لم تجاوز أمر ربها في الإهلاك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ...) الآية.
يحتمل: (لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) وجهين:
أحدهما: أي: لم تترك الريح من عاد ومما لهم إلا مساكنهم التي ذكر.
والثاني: (لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) إلا آثار مساكنهم.
فعلى أحد التأويلين تركت لهم المساكن، لم تهلكها، وعلى التأويل الآخر: تركت آثار مساكنهم، فأما نفس مساكنهم فقد أهلكتها.
وهذان التأويلان خرجا على ما ذكرنا من التأويلين في قوله - تعالى -: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)، فالأول على التأويل الأول في قوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) أرسلت وأمرت
الأحقاف 46:23
الآية ٢٣ وقوله تعالى :﴿قال إنما العلم عند الله﴾ الآية أجابهم هود عليه السلام : إن العلم بنزول العذاب ووقته عند الله ﴿وأُبلّغكم ما أُرسلت به﴾ من الدعاء إلى توحيد الله تعالى والنهي عن عبادة غيره. أو يقول : أبلّغكُم ما أُمرت به من التبليغ بنزول العذاب بكم، ولست أبلّغكم أنه متى ينزل بكم لما لم أُؤمر به.
وقوله تعال :﴿ولكني أراكم قوما تجهلون﴾ أي تجهلون دين الله، أو تجهلون آيات الله وقبولها، أو تجهلون نعم الله وإحسانه، أو تجهلون أمر الله تعالى.
الأحقاف 46:24
الآية ٢٤ وقوله تعالى :﴿فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ها عارض مُمطرنا﴾ قال بعضهم : العارض السحاب، فقالوا هذا سحاب ممطرنا، وكان حقيقة العارض الريح التي فيها عذاب أليم ظنوا أنها سحاب، ولم تكن سحابا، ولكن كانت ريحا، لكن من ذلك الجانب كان يأتيهم السحاب المُمطر ﴿قالوا هذا عارض ممطرنا﴾.
وقوله تعالى :﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ كان هود عليه السلام قال لهم : ليس هو بعارض ممطر، ولكن هو ما استعجلتم به من العذاب حين(١) قلتم :﴿فأتنا بما تعدُنا إن كنت من الصادقين﴾ [الأحقاف: ٢٢] هو ﴿ريح فيها عذاب أليم﴾.
١ في الأصل وم: حيث قال..
الأحقاف 46:25
الآية ٢٥ ثم وصف ذلك الريح، فقال : كما أخبر الله تعالى بقوله عز وجل :﴿تُدمِّر كل شيء بأمر ربها﴾ يخرّج قوله :﴿تُدمِّر كل شيء بأمر ربها﴾ على وجهين :
أحدهما :﴿تدمّر كل شيء﴾ أُرسلَت، وأُمرَت بتدميره، لا تُجاوز أمر ربها، ولا تدمّر ما لم تُرسَل، وتُؤمَر بتدميره كقوله تعالى :﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ ﴿وما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ [ الذاريات : ٤١ و٤٢ ]. هذه الآية تُفسّر قوله :﴿تدمّر كل شيء﴾ أتت عليه، وأُمرت بتدميره. فأما ما لم [ تؤمر ](١) بالتدمير فلا على ما ذكر في تلك الآية، والله أعلم.
والثاني :﴿تُدمِّر كل شيء﴾ عند من عايَنها، وتأمّلها، عنده أنها تدمّر كل شيء، لا تُبقي شيئا على وجه الأرض لشدتها وقوّتها، لكنها لا تُجاوز أمر ربها. ألا ترى أنها لا تُدمّر هودا وأتباعه، وهم فيهم، وبقرب منه ؟ وهو قوله تعالى :﴿ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميّت﴾ [إبراهيم: ١٧] أي تأتيه أسباب الموت، وما به يموت لو كان فيه أمر الموت.
فعلى ذلك قوله تعالى :﴿تُدمّر كل شيء﴾ أي تدمّر كل شيء عند من عاينها، ونظر في أحوالها وأهوالها أن لو كان لها أمر بذلك، لكنها لم تجاوز أمر ربها. ألا ترى أنه قال في آية أخرى :﴿فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم﴾ ؟ في ظاهر هذه الآية أنها قد أبقت مساكنهم، ولم تُدمّرها، وكذلك قال في آية أخرى :﴿تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل مُنْقَعِر﴾ [القمر: ٢٠].
قال بعضهم : إنهم لمّا التجؤوا إلى مساكنهم، وهربوا منها، كانت تدخل الريح مساكنهم، وتُخرِجهم منها، فتلقيهم في صحاريهم وأفنيتهم موتى.
وقال بعضهم : تنزع مفاصلهم، وتقطعها، ثم تُلقيهم في أفنيتهم على ما وصف، وشبّههم بأعجاز نخل مُنقعِر. فالريح التي تعمل في إخراج أهلها من مساكنهم وإلقائهم في الفيافي ؛ لأن تعمل في هدم المساكن والمنازل أولى، ومع ذلك وكذلك إذا عملت في نزع المفاصل أو قطعها ؛ ففي نقض البنيان والمساكن أولى. ومع ذلك لم تعمل في هدم مساكنهم. فدل ما ذكرنا أنها لم تجاوز أمر ربها في الإهلاك، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم﴾ الآية : يحتمل لا تُرى إلا مساكنهم، إلا آثار مساكنهم.
فعلى أحد التأويلين تركت لهم المساكن، لم تهلكها. وعلى التأويل الآخر تركت آثار مساكنهم، فأما نفس مساكنهم فقد أهلكتها.
وهذان التأويلان خرجا على ما ذكرنا من التأويلين في قوله تعالى :﴿تُدمِّر كل شيء بأمر ربها﴾ فالأول على التأويل الأول في قوله :﴿تدمّر كل شيء﴾ أُرسلت، وأُمرَت بتدميره، ولم تُؤمر بتدمير مساكنهم، فبقِيت.
والتأويل الثاني على التأويل الثاني في قوله :﴿تدمّر كل شيء﴾ عند من عاينها، ونظر إليها، لشدتها وقوتها فتدمّر مساكنهم أيضا، فلا تُرى إلا آثارها.
لكن سمّاها مساكن باسم ما قد كان، وإنه أمر مستعمل في عُرف لسان اللغة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿كذلك نجزي القوم المجرمين﴾ كأن المجرم هو الذي يُديم اكتساب الجرم والإثم، وقال بعضهم : هو الوثّاب في الجُرم، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
الأحقاف 46:26
بتدميره، ولم تؤمر بتدمير مساكنهم، فبقيت، والتأويل الثاني على التأويل الثاني في قوله: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) عند من عاينها ونظر إليها؛ لشدتها وقوتها، فتدمر مساكنهم - أيضًا - فلا ترى إلا آثارها، لكن سماها: مساكن باسم ما قد كان، وأنه أمر مستعمل في عرف لسان اللغة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) كأن المجرم هو الذي يديم اكتساب الجرم والإثم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الوثاب في الجرم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٢٦) يَرْجِعُونَ (٢٧) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (إِن) هاهنا في موضع " لم " كأنه يقول: ولقد مكناهم فيما لم نمكن لكم من القوة، والشدة، والعقل، والبصيرة، وغير ذلك، وذلك قوله - تعالى -: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي: قد مكنا عادًا فيما ذكرنا ما لم نمكن لكم يا أهل مكة في ذلك؛ ثم إذا أتاهم عذاب اللَّه بتكذيبهم الرسل لم يملكوا دفع عذابه، فأنتم حيث لم نمكن لكم ذلك أحرى ألا تملكوا دفع عذابه إذا نزل بكم بتكذيبكم الرسول، عليه الصلاة والسلام.
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن حرف (إِن) صلة زائدة؛ فيكون تقدير الآية كأنه يقول: ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد، ثم لم يملكوا دفع العذاب عن أنفسهم، فأنتم لا تملكون - أيضًا - دفعه عن أنفسكم، وكان لهم ما لكم مما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ) على التأويل الأول؛ حيث ذكرنا أنهم مكنوا ما لم يمكن هَؤُلَاءِ، يكون ما ذكر من السمع والبصر والفؤاد لا يراد به أعيانها حقيقة، لكن السمع يكون كناية عن العقل؛ كقوله - تعالى -: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ)، ذكر السمع، ثم فسر به العقل، ويكون قوله: (وَأَبْصَارًا) أريد به: البصائر، فالبصر يذكر ويراد به البصيرة؛ إذ قد وصفهم اللَّه - تعالى - بذلك بقوله: (وَعَادًا وَثَمُودَ...) إلى قوله: (وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ)، ويكون قوله: (وَأَفْئِدَةً) كناية عن القوى؛ فالفؤاد يكنى به عن القوة؛ يخبر - تعالى - أنهم مكنوا من العقل والبصيرة والقوة ما لم تمكنوا
الأحقاف 46:27
أنتم يا أهل مكة، ثم لم يقدروا على دفع عذاب اللَّه إذا نزل بهم، فأنتم كيف تملكون دفعه، وليس لكم تلك الأسباب؟!
وعلى التأويل الثاني، كأن المراد هو حقيقة ما ذكر من السمع، والبصر، والفؤاد؛ فيكون معناه ما ذكرنا: أن لكم هذه الأسباب مثل ما لهم، ثم هم لم يقدروا على دفع ما حل بهم من العذاب، فأنتم لم تقدروا أيضًا بها، واللَّه أعلم.
ثم بين اللَّه - سبحانه وتعالى - الذي بهم نزل ما نزل من العذاب؛ حيث قال: (إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) وكان استهزاؤهم مرة بما يوعد لهم الرسل - عليهم السلام - بالعذاب، ومرة كانوا يستهزئون بالرسل - عليهم السلام - لما يدعوهم إلى ما دعوا، واللَّه أعلم.
ثم عذب عادًا بالريح التي وصفها اللَّه - تعالى - في سورة الحاقة، وذكر فيها؛ حيث قال: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)، أي: شديدة عادية (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا...) الآية، وقال في آية أخرى: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) خلق اللَّه - تعالى - البشر على طبعٍ وبنية وحال يحذرون ما ينزل بأشكالهم وأمثالهم بذنوب ارتكبوها، ويتعظون بغيرهم؛ فكأنه يقول: احذروا صنع الذين أهلكوا من حولكم وبقربكم؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأُولَئِكَ الذين أهلكوا حولكم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أُولَئِكَ حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأُولَئِكَ بتكذيبهم الرسل وعنادهم واستهزائهم بهم؛ يحذرهم ما نزل بأُولَئِكَ الذين أهلكوا حولهم؛ ليرتدعوا عن ذلك، وألا يعاملوا رسوله كما عامل أُولَئِكَ حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بأُولَئِكَ؛ واللَّه أعلم.
وقوله - عز جل -: (وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، قوله: (وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ) يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: جعلنا للرسل - عليهم السلام - آيات أقاموها على قومهم ما يعلمهم ذلك، ويخبرهم على صدقهم، فردّوها وكذبوهم بها، فعند ذلك أهلكناهم، فعلى ذلك جعلنا لمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الآيات ما تعلمكم يا أهل مكة وتخبركم عن صدقه، وتدلكم على رسالته، فلا تردوها حتى لا ينزل بكم ما نزل بهم، واللَّه أعلم.
والثاني: (وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ) أي: نشرنا في الآفاق والأطراف النائية ما حل بأُولَئِكَ ونزل بهم بتكذيب الرسل، وما كان منهم من العناد والرد ما يلزم من بلغه ذلك الخبر، واتصل به
الأحقاف 46:28
ما نزل بأُولَئِكَ الرجوع عن مثل صنيعهم، ومثل معاملتهم.
فأحد التأويلين يرجع إلى انتشار ما نزل بأُولَئِكَ في الآفاق؛ ليرجعوا عن ذلك؛ فيصير ذلك آية لهم؛ فيحملهم على الرجوع عن صنيع أُولَئِكَ؛ ليرجعوا عن ذلك.
والثاني: إخبار أنه جعل لكل رسول ونبي آية على صدقه، ودلالة على رسالته؛ أي: لم يهلكهم إلا بعد لزومهم التصديق لهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) هذا يخرج على وجهين، أحدهما: يرجع إلى اللَّه - تعالى - والآخر: يرجع إلى الأصنام التي عبدوها واتخذوها آلهة:
فأما الذي يرجع إلى اللَّه تعالى يقول: لولا نصرهم اللَّه؛ أي: هلا نصرهم اللَّه عند نزول العذاب بهم ولا يهلكهم لو كان عبادتهم الأصنام مما تقربهم إلى اللَّه زلفى، ويكونون شفعاء عنده، يقول - واللَّه أعلم -: لو كان ظنكم حقًّا أن ذلك مما يقربكم إلى اللَّه هلا نصركم اللَّه عند نزول ذلك بكم، فإذا لم ينصر اللَّه - تعالى - أُولَئِكَ بل أهلكهم فاعلموا أنه ليس الأمر كما توهمتم وظننتم، واللَّه أعلم.
والثاني: يقول - واللَّه أعلم -: لو كان للأصنام التي تعبدونها شفاعة عند اللَّه - تعالى - على ما زعمتم هلا نصروا أُولَئِكَ ودفعوا الهلاك عنهم بشفاعتهم، وإذ لم يفعلوا ذلك، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم، فعلى ذلك لا يملكون دفع ذلك عنكم إذا نزل بكم ما نزل بأُولَئِكَ، واللَّه أعلم.
وتفسير (فَلَولَا) هاهنا: هلا، وهلا تستعمل في الماضي؛ فيكون معناه: لم تفعل؛ أي: لم تنصرهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ) أي: ضل هَؤُلَاءِ عنها.
أو ضل الأصنام عنهم، فلم يكن لهم منهم ما طمعوا ورجوا بسبب عبادتهم إياها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) يحتمل أن يكون إفكهم وافتراؤهم هو قولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، ونحوه، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ
الأحقاف 46:29
أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ... (٢٩) أي: فرغ من قراءته (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: إن النفر من الجن والإنس، والنذر من الإنس، فإن كان ما ذكر فجائز على هذا أن يكون النفر الذي ذكر أنه صرفهم إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليستمعوا القرآن منه هم النذر، يدل على ذلك قوله: (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ).
وفي ظاهر قوله - تعالى -: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)، أن قد يكون من الجن الرسل كما يكون من البشر، إلا أن يقال بأنه قد يذكر الاثنان والمراد به أحدهما، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله - تعالى -: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ)، وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح، فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
ثم يحتمل (صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ) أي: ألهمنا وقذفنا في قلوبهم حتى صاروا إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وتوجهوا إليه؛ ليستمعوا القرآن منه.
ويحتمل أنه أمرهم في الكتب التي أعطوا معرفتها بالتوجه إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليستمعوا منه القرآن؛ لأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ - على إثره خبرًا عنهم: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ... (٣٠) هذا يدل على أنهم قد عرفوا الكتب قبل هذا الكتاب؛ حيث قالوا: (سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) فجائز أن يكونوا أمروا بتلك الكتب استماع هذا الكتاب والعمل به.
ويحتمل أن يكونوا عرفوا بذلك لما كانوا يسترقون السمع إلى السماء فيستمعون أخبار السماء، ثم ينزلون فيخبرون أهل الأرض بذلك؛ ليكون العلم لهم بذلك من الوجوه الثلاثة التي ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١).
فيه دلالة لزوم العمل بخبر الواحد؛ لأن النفر الذين حضروا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الجن سمعوا القرآن منه وصدقوه كانوا قليلي العدد لما رجعوا إلى قومهم فإنما يرجع كل إلى قومه، وقد يحتمل الاجتماع والتواصل على ذلك، ودعا كل قومه إلى إجابة داعي اللَّه - تعالى - وحذرهم مخالفته، وأنه يحتمل ما ذكرنا من الأفراد والآحاد، دل أن خبر الواحد حجة في حق العمل، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)، فكان العمل بخبر الآحاد والأفراد ظاهرًا مشهورًا في
الأحقاف 46:30
الآية ٣٠ ويحتمل أنه أمرهم في الكتب التي أُعطوا معرفتها بالتوبة إلى رسول الله ﷺ، ليستمعوا منه إلى القرآن لأنه قال عز وجل على إثره خبرا عنهم :﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أُنزل من بعد موسى مصدّقا لما بين يديه﴾ هذا يدلّ على أنهم قد عرفوا الكتاب قبل هذا الكتاب حين(١) ﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أُنزل من بعد موسى مصدّقا لما بين يديه﴾ فجائز أن يكونوا أُمروا بتلك الكتب باستماع هذا الكتاب والعمل به.
ويحتمل أن يكونوا عرفوا بذلك لما كانوا يسترقّون /٥١١-ب/ السمع [ إذ يصعدون ](٢) إلى السماء، فيستمعون إلى أخبار السماء، ثم ينزلون، فيخبرون أهل الأرض بذلك ليكون العلم لهم بذلك من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ ساقطة من الأصل وم..
الأحقاف 46:31
الآية ٣١ وقوله تعالى :﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به﴾ فيه دلالة لزوم العمل بخبر الواحد لأن النفر الذي حضروا رسول الله ﷺ من الجن سمعوا القرآن منه، وصدّقوه، كانوا قليلي(١) العدد لما رجعوا إلى أقوامهم، فإنما يرجع كلّ إلى قومه، وقد يحتمل الاجتماع والتواصل على ذلك، ودعا كل قومه إلى(٢) إجابته داعي الله تعالى، وحذّرهم مخالفته.
وإنه يحتمل ما ذكرنا من الإفراد والآحاد دلّ أنّ خبر الواحد حجّة في حق العمل، وهو ما قال عز وجل ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢] فكان العمل بخبر الآحاد والإفراد ظاهرا مشهورا في الإنس والجن حين(٣) ذكر ما ذكرنا، وألزمهم الإجابة والحذر، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿أجيبوا داعي الله﴾ يحتمل الإجابة له في الاعتقاد والإيمان به، ويحتمل في المعاملة في كل أمر وفي كل شيء.
١ في الأصل وم: قليل..
٢ من م، في الأصل إذا..
٣ في الأصل وم: حيث..
الأحقاف 46:32
الإنس والجن؛ حيث ذكر ما ذكرنا وألزمهم الإجابة والحذر، واللَّه أعلم.
ثم قوله - تعالى -: (أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) يحتمل الإجابة له في الاعتقاد والإيمان به.
ويحتمل في المعاملة في كل أمر، وفي كل شيء، فكذلك قوله: (وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ... (٣٢) فيما دعاه (فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ) أي: ليس بسابق ولا هارب من عذابه؛ يقول - واللَّه أعلم -: أن ليس يقدر أحد التخلص من عذابه بهربه منه والفرار عنه كما يقدر الفرار والهرب بعض من عذاب بعض في الدنيا ربما؛ ولذلك ما قال: (وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ) أي: ليس لهم من دونه أولياء ينفعونه ويدفعون العذاب عنهم كما يقوم بعض في دفع ما يلحقهم من البلايا والشدائد في الدنيا؛ إذ ليس قوله: (وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ) وأن لا ولاية لهم؛ إذ قال في موضع آخر: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، ولكن لا تنفع ولايتهم يومئذ كما لا تنفع في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: من لم يجب داعي اللَّه فهم في ضلال مبين.
* * *
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...) الآية.
والإشكال: ما معنى قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا)، وهم لم يشاهدوا خلقهما، ولم يروا، لكن قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أولم يخبروا؟
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أولم يعلموا؟ أي: قد أخبروا وعلموا؛ ذكر هذا لأنهم كانوا مقرين جميعًا أن اللَّه هو الذي خلق السماوات والأرض.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) ويقول - واللَّه أعلم - أي: لما علموا أن اللَّه - سبحانه وتعالى - هو خلق السماوات والأرض، ولم يضعفه خلق ما ذكر، ولم يعجزه ذلك عن تدبير ما يحتاج ذلك إليه من الإمساك والقيام بما به قوام ما خلق فيهن من الخلائق وإصلاحهم، فإذ لم يعجز عما ذكره لا يحتمل أن يكون عاجزًا عن إحياء الموتى، أو عن شيء ألبتَّة.
أو يقول: حيث لم يعي؛ ولم يظهر فيه الضعف في خلق ما ذكر، ثم لا أحد يملك أن
الأحقاف 46:33
الآية ٣٣ وقوله تعالى :﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض﴾ الآية ؛ والإشكال ما معنى قوله :﴿أو لم يروا﴾ وهم لم يشاهدوا خلقهما ؛ ولم يروا ؟ لكن قال بعضهم : أي أولم يُخبَروا. وقال بعضهم : أو لم يعلموا ؟ أي قد أُخبروا، أو علموا ذكر هذا لأنهم كانوا مقرّين جميعا ﴿أن الله الذي خلق السماوات والأرض﴾.
ثم قوله تعالى :﴿ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى﴾ يقول، والله أعلم، أي لما علموا أن الله سبحانه وتعالى هو خلق السماوات والأرض، ولم يُضعفه خلق ما ذكر، ولم يُعجزه ذلك عن تدبير ما يحتاج ذلك إليه من الإمساك والقيام بما به قوام ما خلق فيهن من الخلائق وإصلاحهم. فإذ لم يعجز عما ذكر لا يحتمل أن يكون عاجزا عن إحياء الموتى أو عن شيء البتّة.
أو يقول : حين(١) لم يعيَ، ولم يظهر فيه الضعف في خلق ما ذكر، ثم لا أحد يملك أن يعمل عملا إلا ويظهر منه الضعف ؛ فإذا لم يعجز، ولم يضعُف في خلق ما ذكر، دلّ ذلك على أنه إنما لم يُضعفه لأن قدرته ذاتية. ومن كانت قدرته ذاتية لم يُعجزه شيء. فأما غيره فإنما يعمل بأسباب ؛ فيقدر على العمل على قدر الأسباب، ويعجز ربما عنه، والله أعلم.
أو يقول : إذ قد عرفتم أن الله تعالى، هو خلق السماوات والأرض، ثم لا يحتمل أن يخلُقهما باطلا عبثا. وأصله ما ذكرنا بدءا، أن من قدر على إنشاء من ذكر من السماوات والأرض وما فيهما بلا احتذاء تقدّم ولا استعانة بغير. ثم الإمساك والقوام على التدبير الذي دبّر إلى آخر الدهر لا يحتمل أن يُعجزه شيء.
وقوله تعالى :﴿بلى إنه على كل شيء قدير﴾ لأنه قادر بذاته لا بقدرة مستفادة.
قال أبو عوسجة والقتبيّ : قوله :﴿ولم يعيَ بخلقهن﴾ يقال : عييتُ بهذا، أي لم أُحسِنه، ولم أقدر عليه.
١ في الأصل وم: حيث..
الأحقاف 46:34
يعمل عملا إلا ويظهر فيه الضعف، فإذا لم يعجز ولم يضعف في خلق ما ذكر؛ دل ذلك على أنه إنما لم يضعفه؛ لأن قدرته ذاتية، ومن كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شيء، فأما غيره إنما يعمل بأسباب فيقدر على العمل على قدر الأسباب ويعجز ربما عنه، والله أعلم.
أو يقول: إذ قد عرفتم أن اللَّه - تعالى - هو خلق السماوات والأرض، ثم لا يحتمل أن يخلقهما عبثًا باطلا؛ إذ لو لم يكن بعث كان خلقهما باطلا عبثًا، وأصله ما ذكرنا بدءًا: أن من قدر على إنشاء ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما بلا احتذاء تقدم ولا استعانة بغير، ثم الإمساك والقوام على التدبير الذي دبر إلى آخر الدهر، لا يحتمل أن يعجزه شيء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ والْقُتَبِيّ: قوله: (وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ) يقال: عييت بهذا: أي: لم أحسنه، ولم أقو عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) مرة قيل لهم: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى)، ومرة قيل لهم: (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا) يقص هذا عليهم يومئذ ليعترفوا بالذي كانوا ينكرون في الدنيا؛ لأنهم كانوا ينكرون في الدنيا الرسل والآيات، وكانوا ينكرون كون البعث وعذابه، فيعرضون على النار، فيقال لهم: هذا الذي وعدتم في الدنيا، أليس هو حقا؟ فيعترفون ويقولون: (بَلَى وَرَبِّنَا) فيقال لهم: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥) يلزم الرسل الصبر من وجوه ستة: ثلاثة مما خصوا هم بها، لا يشركهم غيرهم فيها، وثلاثة مما يشترك غيرهم فيها؛ فأما الثلاثة التي خصوا بها:
أحدها: هم بعثوا لتبليغ الرسالة إلى الفراعنة والأكابر والجبابرة الذين كانت عادتهم وهمتهم القتل، وإهلاك من خالفهم وعصى أمرهم ومذهبهم، فلم يعذروا في ترك تبليغ الرسالة إليهم مع ما ذكرنا من خوف الهلاك والقتل، فأمّا غيرهم من الناس قد أبيح لهم كتمان الدِّين الحق منهم حتى لا يهلكوا.
والثاني: ألزمهم الصبر بالمقام بين أظهر قومهم واحتمال ما كان يلحقهم منهم من الاستهزاء بهم، والافتراء عليهم، والتكذيب لهم، وأنواع الأذى الذي كان منهم إلى الرسل، لم يؤذن لهم بمفارقتهم لذلك؛ ولذلك قال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)، لم يكن منه سوى الخروج من بين قومه لسلامة دينه لو لم يسلموا، ثم أصابه ما أصاب بذلك الخروج لما لم يؤذن له بالخروج، واللَّه أعلم.
والثالث: لم يجعل لهم الدعاء على قومهم بالهلاك والعذاب وإن كان منهم من التمرد والتعنت ما كان.
فهذه الثلاثة من المعاملة مما خص الرسل - عليهم السلام - بها من بين سائر الناس.
وأما الثلاثة التي يشترك فيها غيرهم:
أحدها: أمروا بالصبر على ما يصيبهم وينزل من البلايا والشدائد.
والثاني: أمروا بالمحافظة على العبادات التي جعلت عليهم، ومحافظة حدودها، والصبر على القيام بها.
والثالث: أمروا بالصبر على ترك قضاء الشهوة، وترك إعطاء النفس هواها ومناها.
فهذه الثلاثة لهم فيما بينهم وبين ربهم، وهي مما يشترك فيها غيرهم، والثلاثة الأولى لهم فيما بينهم وبين الخلق، وهم قد خصّوا بتلك الثلاثة دون غيرهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أولو العزم من الرسل هم: نوح، وإبراهيم، ويعقوب، ويوسف، وموسى - عليهم الصلاة والسلام - وهَؤُلَاءِ عدوا نفرًا منهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الرسل جميعًا.
وجائز أن يكون أولو العزم من الرسل هم الذين كان منهم الصبر على ما ذكرنا من المعاملة مع قومهم.
وقيل: أولو العزم هم الذين كانوا أبدًا المتيقظين، القائمين بأمر اللَّه، الحافظين لحدوده، وقال في آدم - عليه السلام -: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) أي: لا تستعجل عليهم بالهلاك والنقمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول - واللَّه أعلم -: كأنك لا توعدهم بالعذاب إلا ساعة من النهار، وعذاب ساعة من النهار مما لا يحملهم على ترك قضاء شهواتهم، ومنع ما هم فيه من الأحوال.
والثاني: كأنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة وشاهدوه استقصروا المقام في الدنيا، كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ)، استقصروا المقام في الدنيا إذا عاينوا يوم القبامة وأهوالها، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلَاغٌ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الإبلاغ.
وقيل: البلاع من البلغة؛ أي: زاد يبلغ به السفر حيث يريد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) كأنه يقول: لا يهلك الهلاك الدائم المؤبد إلا القوم الفاسقون، وإلا الهلاك الذي ليس هو بالهلاك الدائم المؤبد مما يهلك الفاسق وغير الفاسق إذ يكون حقًّا على الكل.
أو يقول: لا يهلك هلاك العذاب إلا الفاسق، فأما الهلاك الذي هو هلاك النجاة والفوز عن شدائد الدنيا فمما يهلك به الصالح، واللَّه أعلم.
* * *
الأحقاف 46:35
الآية ٣٥ وقوله تعالى :﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ يُلزم الرسل الصبر من وجوه ستة :
ثلاثة مما خُصّوا هم بها، لا يشرُكُهم غيرهم فيها، وثلاثة مما يشترك غيرهم فيها.
فأما الثلاثة التي خُصّوا بها :
فإحداها : أنهم(١) بُعثوا لتبليغ الرسالة إلى الفراعنة والأكابر والجبابرة الذين كانت عادتهم وهمُّهم القتل وإهلاك من خالفهم، وعصى أمرهم ومذهبهم، فلم يُعذروا(٢) في ترك تبليغ الرسالة إليهم مع ما ذكرنا من خوف الهلاك والقتل. فأما غيرهم من الناس فقد أُبيح لهم كتمان الدين الحق عنهم حتى لا يُهلكوا.
والثانية(٣) : ألزمهم الصبر بالمُقام بين أظهُر قومهم واحتمال ما كان يلحقهم منهم من الاستهزاء بهم والافتراء عليهم والتكذيب لهم وأنواع الأذى الذي كان منهم إلى الرسل، لم يأذن لهم بمفارقتهم، لذلك قال :﴿فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت﴾ [القلم: ٤٨] لم يكن منه سوى الخروج من بين قومه لسلامة دينه لو لم يسلم، ثم أصابه ما أصابه بذلك الخروج لما لم يُؤذن [ له ](٤) بالخروج، والله أعلم.
والثالثة(٥) : لم يجعل لهم الدعاء على أقوامهم بالهلاك والعذاب، وإن كان منهم من التمرّد والتعنّت ما كان. فهذه الثلاثة من المعاملة مما خصّ من الرسل عليهم السلام بها من بين سائر الناس.
وأما الثلاثة [ التي ](٦) يشترك فيها غيرهم.
[ فإحداهما(٧) : أُمروا بالصبر على ما يصيبهم، وينزل [ بهم ](٨) من البلايا والشدائد.
والثانية(٩) : أُمروا بالمحافظة على العبادات [ التي ](١٠) جُعلت عليهم والمحافظة [ على ](١١) حدودها والصبر على القيام بها.
والثالثة(١٢) : أُمروا بالصبر على ترك قضاء الشهوة وترك إعطاء النفس هواها.
فهذه الثلاثة لهم في ما بينهم وبين ربهم، وهي مما يشترك فيها غيرهم. والثلاثة لأولى في ما بينهم وبين الخلق، وهم قد خُصّوا بتلك الثلاثة دون غيرهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿أولو العزم من الرسل﴾ قال بعضهم :﴿أولو العزم من الرسل﴾ : هم نوح وإبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى عليهم السلام وهؤلاء عُدّوا نفرا منهم. وقال بعضهم : هم الرسل جميعا.
وجائز أن يكون أولو العزم من الرسل هم الذين كان منهم الصبر على ما ذكرنا من المعاملة مع قومهم.
وقيل : أولو العزم هم الذين كانوا أبدا المتيقّظين القائمين بأمر الله الحافظين لحدوده، وقالوا في آدم عليه السلام ﴿ولم نجد له عزما﴾ [طه: ١١٥] والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولا تستعجل لهم﴾ أي لا تستعجل عليهم بالهلاك والنقمة.
وقوله تعالى :﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ هذا يُخرّج على وجهين :
أحدهما(١٣) : يقول، والله أعلم : كأنك لا تُوعدهم بالساعة إلا ساعة من نهار. وهذا(١٤) يخرّج على وجهين :
أحدهما : يقول والله أعلم : كأنك لا توعدُهم بالعذاب إلا ساعة من النهار. وعذاب ساعة /٥١٢-أ/ من النهار مما لا يحملهم على ترك قضاء شهواتهم ومنع ما هم فيه من الأحوال.
والثاني : كأنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة، وشاهدوه استقصروا المُقام في الدنيا ؛ كأنهم ﴿لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ وهو كقوله عز وجل :﴿كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩] وقوله تعالى :﴿ويوم تقوم الساعة يُقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة﴾ [الروم: ٥٥] استقصروا(١٥) المقام في الدنيا إذ [ ما ](١٦) عاينوا يوم القيامة وأهوالها، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿بلاغ﴾ قال بعضهم :[ من ](١٧) الإبلاغ، وقيل : البلاغ من البُلغة، أي زادٌ يُبلغ به السفر [ حين يُراد ](١٨)، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فهل يُهلك إلا القوم الفاسقون﴾ كأنه يقول : لا يُهلك الهلاك الدائم المؤبّد إلا القوم الفاسقون ؛ الهلاك الذي ليس هو بالهلاك المؤبّد مما يُهلَك الفاسق وغير الفاسق ؛ إذ الموت حق على الكل، أو يقول : لا يهلك هلاك العذاب إلا الفاسق. فأما الهلاك الذي هو النجاة والفوز على شدائد الدنيا في ما يهلك به الصالح، والله أعلم بالصواب(١٩).
١ في الأصل وم: هم..
٢ في الأصل وم: يعذر..
٣ في الأصل وم: والثاني..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: والثالث..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: أحدها..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: والثاني..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: والثالث..
١٣ لم يذكر الوجه الثاني في الأصل وم..
١٤ الواو ساقطة من الأصل وم..
١٥ في الأصل وم: اقتصروا..
١٦ ساقطة من الأصل وم..
١٧ من نسخة الحرم المكي..
١٨ في الأصل وم: حيث يريد..
١٩ ساقطة من م..
محمد 47:1
سُورَةُ مُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام
مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) قال عامة أهل التأويل: هم أهل مكة.
والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة وهم أهل الكتاب؛ لأن السورة مدنية؛ على ما قال بعض أهل التأويل، لكن جائز أن يكون كما قال أهل التأويل بأنها نزلت في كفار مكة؛ لأن هذه السورة ذكرت على أثر خبرهم وعقيب نبئهم في سورة الأحقاف.
ثم إن كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون يحتمل: الذين كفروا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما أنزل عليه (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أبطل إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقوله - والله أعلم -: قد أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا بعدما بعث.
وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم؛ فيكون قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) بوحدانية اللَّه - تعالى - أو كفروا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبما أنزل عليه، أو كفروا بالبعث، ونحو ذلك (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أبطل حسناتهم التي كانت لهم في حال كفرهم؛ من نحو الصدقات، وصلة الأرحام، وفك الرقاب، وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقربون بها - واللَّه أعلم - قد أبطل أعمالهم التي كانوا يتقربون بها ويرونها قربة عند اللَّه.
أو يقول: قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتقربهم عبادتهم إلى اللَّه زلفى؛ لقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ)، يقول: قد أبطل ذلك ولم يكن على ما رجوا وطمعوا، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) يحتمل أن صدوا بأنفسهم؛ أي: أعرضوا عن سبيل الله؛ على ما ذكر عنهم.
ويحتمل: (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: صدوا الناس عن سبيل اللَّه، وقد كان منهم الأمران جميعًا (أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) أي: أبطل؛ يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غلب فلم يتبين.
محمد 47:2
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) يقول: والذين آمنوا باللَّه وبمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وآمنوا بما نزل عليه، وثبتوا على ذلك - لم يضل أعمالهم، ولم يبطل إيمانهم الذي كان منهم؛ بل يكفر سيئاتهم التي كانت منهم من الكفر وغيره من السيئات.
أو يقول: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)
وهو الكفر والمساوي التي كانت لهم من الكفر؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، إن كانت الآية في مؤمني ومشركي العرب وأهل مكة فيكون قوله: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ): الشرك والمساوي التي كانت لهم في حال الكفر، وإن كان في مؤمني أهل الكتاب، فيكون قوله: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) في حال إيمانهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: آمنوا بما نزل على مُحَمَّد وهو الحق من ربهم نزل، وكل شيء من اللَّه فهو الحق.
والثاني: (وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: وهو الصدق من ربهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ) أي: حالهم وشأنهم فيما كان من قبل وفيما بعده.
ثم أخبر أن الذي أبطل أعمالهم لأُولَئِكَ الكفرة وما ذكر، وثبت الذين آمنوا ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم هو ما قال (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ... (٣) يحتمل: الباطل: الشيطان، أو هوى النفس، أو كل باطل، وهو الذي يذم عليه فاعله ومتبعه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ) يقول: لهَؤُلَاءِ ما ذكر لاتباعهم الباطل، ولهَؤُلَاءِ ما ذكر لاتباعهم الحق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) أي: مثل الذي بين ما لهَؤُلَاءِ وما لهَؤُلَاءِ، يبين ما لكل متبع الباطل ومتبع الحق، وضرب المثل هو أن يبين لهم ما خفي وأثبته عليهم بالذي ظهر عندهم وتقرر وتجلى لهم؛ ليصير الذي خفي عليهم وأثبته ظاهرًا متجليًا.
* * *
قوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ)، وقال في آية أخرى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)، جائز أن يكون قوله - تعالى -: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) في القتال والحرب، وكذلك قوله - تعالى: (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)، في الحرب والقتال - أيضًا - يضربون ويقتلون على ما يظفرون ويقدرون بهم من المفاصل، ولكن إبانة من المفصل - واللَّه أعلم - لما روي في الخبر: " إذا قتلتم فأحسنوا القتل " وحسن القتل هو أن يضرب ويبان من المفصل، والله أعلم.
فعلى هذا جائز أن يخرج تأويل قوله تعالى: (فَاضْربُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)، وتأويل قوله: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ).
وجائز أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار، ولكن كل آية على نظم ما ذكر، واللَّه أعلم.
ثم إن كان على ما ذكرنا من التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال - تعالى -: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوا الرقاب حتى إذا أثخنتموهم وأسرتموهم، فاضربوا فوق الأعناق؛ لأن الإمام بالخيار عندنا إذا أخذهم وظفر بهم إن شاء قتلهم، وإن شاء منَّ عليهم وتركهم بالجزية، لقوله: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ)، ويكون قوله: (فَشُدُّوا الْوَثَاقَ) على هذا في المنِّ يستوثقهم بالمواثيق، وإن شاء فاداهم، لكنهم اختلفوا في المفاداة:
قَالَ بَعْضُهُمْ: يفدون بالأموال وأسراء المسلمين منهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يفادون بالأسراء منهم، ولكن لا يجوز أن يفادوا بالأموال، وهو قولنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يفادون بأسراء المسلمين ولا بالأموال؛ وهو قول أبي حنيفة، رحمه اللَّه.
واختلفوا في قتل الأسراء منهم:
قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يقتلون، ولكن يمن عليهم أو يفادون.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الإمام بالخيار: إن شاء قتلهم، وإن شاء منَّ عليهم، وإن شاء فاداهم بالأسارى من المسلمين؛ أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله: (فَاضْربُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ)، ولما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه استشار أبا بكر، وعمر، وسائر الصحابة - رضي اللَّه عنهم - في أسارى بدر، فأشاروا إلى المنِّ عليهم والترك، وأشار عمر إلى القتل فيهم، وقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عند ذلك: " لو جاءت من السماء نار ما نجا منكم إلا عمر " أو كلام نحوه - دل أن الحكم فيهم القتل؛ أعني: في هَؤُلَاءِ الذين حكم فيهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بالقتل؛ لذلك قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما نجا إلا عمر " فدل هذا الخبر أن للإمام أن يقتل أسارى أهل الشرك، وله أن يمنَّ عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب والعجم، فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا الإسلام وتركهم على ما هم عليه، فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدوة عليهم.
ثم قالا بعضهم: الآية -وهو قوله: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) - تخالف من حيث الظاهر لقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ)، ونحو ذلك، ولكن أمكن التوفيق بين الآيتين: هذه في قوم، والأخرى في قوم آخرين، أو هذه في وقت والأخرى في وقت آخر، واللَّه أعلم.
وقوله - عز وجل -: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا).
قال بعضهم: حتى يخرج عيسى ابن مريم - عليهما السلام - فعند ذلك تذهب الحروب والقتال، أي: اقتلوهم، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى - عليه السلام - وقَالَ بَعْضُهُمْ: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) أي: حتى يضعوا أسلحتهم ويتركوا القتال.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: حتى يذهب الكفر والشرك، ولا يكون الدِّين إلا دين الإسلام، وهو كقوله - تعالى -؛ (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، أي: شرك وكفر، والله أعلم.
قيل: الإثخان: هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (أَثْخَنْتُمُوهُمْ)، أي: أكثرتم فيهم القتل والجراحة، ويقال في الكلام: ضربته حتى أثخنته: حتى لا يقدر أن يتحرك، والوثاق: ما أوثقت به كل يدي الرجل أو رجليه؛ يقال: أوثقته واستوثقت منه.
وقوله: (أَوْزَارَهَا) أيٍ: أثقالها، واحدها: وزر، وهو الثقل.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) أي: يضع أهل الحرب السلاح. وأصل الوزر ما حملته، فسمي السلاح: وزرًا؛ لأنه يحمل، واللَّه أعلم.
محمد 47:3
الآية ٣ ثم أخبر أن الذي أبطل [ أعمال أولئك ](١) الكفرة وما ذكر، وثبّت الذين آمنوا، ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم، هو ما قال :﴿ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل﴾ يحتمل الباطل الشيطان أو هوى النفس أو كل باطل ؛ وهو الذي يُذمّ عليه فاعله ومُتّبعه.
وقوله تعالى :﴿وأن الذين آمنوا اتّبعوا الحق من ربهم﴾ يقول لهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الحق وقبوله.
وقوله تعالى :﴿كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾ أي مثل الذي بيّن ما لهؤلاء وما لهؤلاء ؛ يبيّن ما لكل متّبع الحق ومتّبع الباطل. وضرب المثل هو أن يبين لهم ما خفي، واشتبه عليهم، بالذي ظهر عندهم، وتقرّر، وتجلّى لهم، ليصير الذي خفي عليهم، واشتبه، ظاهرا مُتجلّيا.
١ في الأصل وم: أعمالهم لأولئك..
محمد 47:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ كقوله(١) في آية أخرى :﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢].
جائز أن يكون قوله تعالى :﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرّقاب﴾ في القتال والحرب، وكذلك قوله تعالى :﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ في الحرب والقتال أيضا ؛ يضربون، ويقتلون على ما يظفرون، ويقدرون [ على ضربهم في ](٢) المفاصل [ وغير المفاصل وفي كل موضع، ويكون قوله :﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ في المفاصل التي ليس فيها كسر عظم ولا شيء من ذلك ](٣) ولكن إبانة من المفصل، والله أعلم، لما رُوي في الخبر :( إذا قتلتم فأحسنوا القِتل ) [ بنحوه مسلم ١٩٥٥ ] وحُسن القتل أن يُضرَب، ويُبان من المفصل، والله أعلم.
فعلى هذا جائز أن يخرّج تأويل قوله تعالى :﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ وتأويل قوله :﴿فضرب الرقاب﴾ وجائز /٥١٢-ب/ أن يكون لا على التقديم والتأخير والإضمار، ولكن كل آية على نظم ما ذكر، والله أعلم.
ثم إن كان على ما ذكرنا من التقديم والتأخير والإضمار فيكون كأنه قال تعالى :﴿فإذا لقيتم الذين كفروا﴾ فاضربوا الرقاب ﴿حتى إذا أثخنتُموهم﴾ وأسرتُموهم ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ لأن الإمام بالخيار عندنا : إذا أخذهم، وظفر بهم، إن شاء قتلهم، وإن شاء منّ عليهم، وتركهم بالجزية لقوله تعالى :﴿حتى يُعطوا الجزية عن يد﴾ [التوبة: ٢٩] ويكون قوله :﴿فشدّوا الوثاق﴾ أي هذا في المنّ ؛ يستوثقهم بالمواثيق، وإن شاء فاداهم.
لكنهم اختلفوا في المفاداة ؛ قال بعضهم : يفدون بالأموال أُسراء المسلمين منهم، وقال بعضهم : يفادون بالأُسَراء منهم، ولكن لا أن يُفادوا بالأموال، وهو قولنا، وقال بعضهم : لا يفادون بأُسراء المسلمين ولا بالأموال، وهو قول أبي حنيفة، رحمه الله.
واختلفوا في قتل الأُسراء منهم ؛ قال بعضهم : لا يُقتلون، ولكن يُمنّ عليهم، أو يُفادون، وقال بعضهم : الإمام بالخيار : إن شاء قتلهم، وإن شاء منّ عليهم، وإن شاء فاداهم بالأُسراء من المسلمين.
أما القتل فلما ذكرنا من الاستدلال بقوله :﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ ولما رُوي عن رسول الله ﷺ أنه استشار أبا بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم عند ذلك في أُسارى بدر، فأشاروا إلى المنّ عليهم والترك، وأشار عمر إلى القتل فيهم. وقال رسول الله ﷺ عند ذلك :( لو جاءت من السماء نار ما نجا منكم إلا عمر ) أو كلام نحوه.
[ دلّ ](٤) أن الحُكم فيهم القتل، أعني في هؤلاء الذين حكم فيهم عمر رضي الله عنه بالقتل. لذلك قال رسول الله ﷺ ( ما نجا منكم إلا عمر ) فدلّ هذا الخبر أن [ للإمام أنْ ](٥) يقتُل أسارى الشّرك، وله أن يمنّ عليهم بالترك بالجزية في حق أهل الكتاب والعَجَم ؛ فإنه لما جاز لنا في الابتداء أن نأخذ منهم الجزية إذا أبوا الإسلام وتركُهم على ما هم عليه. فعلى ذلك بعد الظفر بهم والقدرة عليهم.
ثم قال بعضهم : الآية، وهو قوله تعالى :﴿فإمّا مَنّا بعد وإمّا فداءً﴾ يخالف من حيث الظاهر لقوله :﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم﴾ [التوبة: ٥] ونحو ذلك، ولكن أمكن التوفيق بين الآيتين : هذه في قوم والأخرى في قوم آخرين، أو هذه في وقت، والأخرى في وقت آخر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ قال بعضهم : حتى يخرج عيسى ابن مريم عليه السلام فعند ذلك تذهب الحروب والقتال، أي اقتلوهم، وافعلوا بهم ما ذكر إلى وقت خروج عيسى عليه السلام.
وقال بعضهم :﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ أي حتى يضعوا أسلحتهم، ويتركوا القتال.
وقال بعضهم : حتى يذهب الكفر والشرك، ولا يكون الدين إلا دين الإسلام، وهو كقوله تعالى :﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [البقرة: ١٩٣] أي مشرك وكُفر، والله أعلم.
قيل : الإثخان، هو الغلبة والقهر بالقتل والجراح.
وقال أبو عوسجة :﴿أثخنتموهم﴾ أي أكثرثُم فيهم القتل والجراحة، يقال في الكلام : ضربته حتى أثخنتُه حتى لا يقدر أن يتحرك. والوثاق ما أوثقت به كل يديَ الرجل أو رجليه ؛ يقال : أوثقته، واستوثقت منه.
وقوله تعالى :﴿أوزارها﴾ أي أثقالها، واحدها : وِزر، وهو الثّقل.
وقال القتبيّ :﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ أي يضع أهل الحرب السلاح. وأصل الوزر ما حملته، فسمّي السلاح وزرا لأنه يُحمل، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم﴾ قوله :﴿ذلك﴾ أي ذلك الذي أمرهم(٦) به من أول ما ذكر من قوله تعالى :﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرْب الرقاب﴾ إلى قوله ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لو شاء الله تعالى لانتصر منهم﴾ لأوليائه من أعدائه بلا قتال ولا نصب الحروب في ما بينهم.
ثم انتصاره منهم يكون مرّة بأن يُهلكهم إهلاكا، ويقهرهم قهرا، ومرة ينصر منهم بأن يسلّط عليهم أضعف خلقه وأخسّهم، فيقهرهم بأضعف خلقه.
وقوله تعالى :﴿ولكن ليبلوَ بعضكم ببعض﴾ أي يمتحن بعضكم بقتال بعض وبأنواع المحن ؛ أنشأ الله عز وجل هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابها لبعض غير مخالف بعضهم بعضا ؛ فإنما يظهر الاختلاف(٧) بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال.
فعند ذلك يظهر المُصدّق من المُكذّب والمُحقّ من المُبطل والموافق من المخالِف والمتحقّق من المضطرب والموقن من الشاكّ على ما ذكر تعالى :﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾ [الأعراف: ١٦٨] [ وذكر ](٨) :﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ [الأنبياء: ٣٥] وذكر(٩) :﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملا﴾ [الملك: ٢] وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان(١٠) فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك، يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب والتحقيق [ وغير ذلك ](١١).
ثم لو كان، جل، وعلا، انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصُرهم على أعدائهم نصرا بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه لكان التوحيد وله والتصديق لرسله بحق الاضطرار لا بحق الاختيار، لأنهم إذا رأوا أنهم يُستأصلون، ويُهلكون إهلاكا بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم، بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم، فلا يظهر المختار من غيره. ولذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وقال.
٢ في الأصل وم: بهم من..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: أمرتهم..
٧ في الأصل وم: اختلاف..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: و..
١٠ في الأصل وم: وامتحان..
١١ في الأصل وم: وغيره..
محمد 47:5
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ) قوله: (ذَلِكَ) أي: ذلك الذي أمرتهم به من أول ما ذكر من قوله - تعالى -: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ...) إلى قوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ) لأوليائه من أعدائه بلا قتال، ولا نصب الحروب فيما بينهم، ثم انتصاره منهم يكون مرة بأن يهلكهم إهلاكًا، ويقهرهم قهرًا، ومرة ينتصر منهم بأن يسلط عليهم أضعف خلقه وأخسهم، فيقهرهم بأضعف خلقه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) أي: يمتحن بعضكم بقتال بعض، وبأنواع المحن: أنشأ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هذا البشر في ظاهر الأحوال بعضهم مشابهًا لبعض غير مخالف بعضهم بعضًا فإنما يظهر الاختلاف بالامتحان بأنواع المحن على اختلاف الأحوال، فعند ذلك يظهر المصدق من المكذب، والمحق من المبطل، والموافق من المخالف، والمتحقق من المضطرب، والموقن من الشاك؛ على ما ذكر - تعالى -: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)، (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، وغير ذلك من الآيات التي ذكر الاختلاف والامتحان فيها باختلاف الأحوال التي عند ذلك يظهر ما ذكر من التصديق والتكذيب والتحقيق وغيره.
ثم لو كان - جل وعلا - انتصر لأوليائه من أعدائه بما ذكرنا بأن ينصرهم على أعدائهم نصرًا بلا امتحان وكلفة منه لأوليائه - لكان التوحيد له والتصديق لرسله بحق الاضطرار، لا بحق الاختيار؛ لأنهم إذا رأوا أنهم يستأصلون ويهلكون إهلاكًا بخلافهم إياهم لكانوا لا يخالفونهم؛ بل يوافقونهم مخافة الهلاك والاستئصال، فيرتفع الابتلاء والامتحان عنهم، فلا يظهر المختار من غيره؛ لذلك كان ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فهزموا وغلبوا وهربوا في وقت أو في قتال، (فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) التي كانت منهم من الجهاد مع الأعداء وغير ذلك من الأعمال التي كانت لهم، (سَيَهْدِيهِمْ... (٥) أي: يوفقهم ثانيًا -مرة أخرى- للقتال والنصر لهم على أعدائهم في الدنيا، ويدخلهم في الآخرة الجنة.
والثاني: أي: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) في الآخرة، (سَيَهْدِيهِمْ) في الآخرة الجنة.
محمد 47:6
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: يدخلهم أن جنة التي بينها لهم في الدنيا ووصفها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: عرفها لهم في الآخرة حتى يعرف كل منزله وأهله من غير أعلام وأدلة جعلت لهم، كما يعرف كل أحد في الدنيا منزله وأهله وخدمه، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَرَّفَهَا لَهُمْ) أي: طيبها لهم؛ يقال: فلان معرف، أي: مطيب، وطعام معرف، أي: مطيب؛ وهو قول الْقُتَبِيّ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) أي: إن تنصروا دين الله ينصركم.
أو إن تنصروا أولياء اللَّه ينصركم على أعدائكم.
ثم نصرنا دين اللَّه وأولياءه يكون مرة بالأنفس والأموال ببذلها في سبيله لابتغاء وجهه.
والثاني: يكون نصرًا بالحجج والبراهين بإقامتها عليهم بما أمرنا من إقامة الحجج والآيات.
ثم يكون نصر اللَّه إيانا من وجهين:
أحدهما: ينصرنا على أعدائه بما يغلبهم ويقهرهم، لكن إن كان هذا، فيكون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت، لا في كل الأحوال.
والثاني: يكون نصره إيانا بما يجعل العاقبة لنا، وإن كنا غلبنا وقهرنا في بعض الحروب والقتال، وكانوا هم الغالبين علينا، قاهرين لنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).
يحتمل في الحروب والقتال، أو يثبت أقدامهم في الآخرة؛ كي لا تزول، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) أي: هلاكًا لهم.
وقيل: أي: محنة عند الهزيمة والقتل.
وجائز أن يكون أريد به الهلاك، وأصل التعس هو العثور والسقوط، وهو الهلاك، فيرجع إلى ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩) أي: ذلك الذي ذكر لهم من التعس والهلاك وإبطال الأعمال بأنهم تركوا اتباع ما أنزل اللَّه على رسوله؛ إذ كل من ترك اتباع شيء اعتقادًا، فقد كرهه، واللَّه أعلم.
محمد 47:7
الآية ٧ وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم﴾ أي إن تنصروا دين الله ينصركم، أي إن تنصروا أولياء الله ينصركم على أعدائكم.
ثم نصرُنا دين الله وأولياءه يكون مرة بالأنفس والأموال ببذلها في سبيله لابتغاء وجهه، ومرّة(١) يكون بالحجج والبراهين بإقامتها [ على أعدائنا ](٢) بما أمرنا من إقامة الحُجج والآيات.
ثم يكون نصر الله إيّانا من وجهين :
أحدهما : بنصرنا على أعدائه بما يغلبُهم، ويقهرُهم. لكن إن كان هذا فيكون في حال دون حال وفي وقت دون وقت، لا في كل الأحوال.
والثاني : يكون نصره إيانا بما يجعل العاقبة، وإن كنّا غُلبنا، وقُهرنا في بعض الحروب والقتال، وكانوا هم الغالبين علينا قاهرين لنا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ويثبّت أقدامكم﴾ /٥١٣-أ/ يحتمل في الحروب والقتال، أو يثبّت أقدامكم(٣) في الآخرة كيلا تزِلَّ(٤)، والله أعلم.
١ في الأصل وم: والثاني..
٢ في الأصل وم: عليهم..
٣ في الأصل وم: أقدامهم..
٤ في الأصل وم: تزول..
محمد 47:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿والذين كفروا فتعسا لهم﴾ أي هلاكا لهم، أي محنة عند الهزيمة والقتل.
وجائز أن يكون أُريد به الهلاك. وأصل التّعس العَثْرُ والسقوط، وهو الهلاك، فيرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.
محمد 47:9
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾ أي ذلك الذي ذكر لهم من التّعس والهلاك وإبطال الأعمال بأنهم تركوا اتباع ما أنزل الله على رسوله ؛ إذ كل من ترك اتباع شيء اعتقادا فقد كرهه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله :﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله﴾ أي كرهوا ما أنزل الله على غير بني إسرائيل. فإن كان هذا فالآية في أهل الكتاب لأنهم لم يروا الرسل من غير بني إسرائيل ولا إنزال الكتب على أحد من غير بني إسرائيل، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فأحبط أعمالهم﴾ أي بتركهم اتّباع ما أنزل الله وقبوله، والله أعلم.
محمد 47:10
ويحتمل أن يكون قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) أي: كرهوا ما أنزل اللَّه على غير بني إسرائيل، فإن كان هذا فالآية في أهل الكتاب؛ لأنهم لم يروا الرسل من غير بني إسرائيل ولا إنزال الكتب على أحد من غير بني إسرائيل، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) أي: بتركهم اتباع ما أنزل اللَّه وقبوله، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ... (١٠) قد ذكرنا فيما تقدم: أنه يخرج على وجوه ثلاثة:
أحدها: أي: لو ساروا في الأرض، لعرفوا ما نزل بأُولَئِكَ بماذا نزل بهم؟ وهو تكذيبهم للرسل وكفرهم بهم، ولعرفوا أن من نجا منهم بماذا نجا؟ وهو التصديق لهم، والإيمان بهم.
والثاني: على الأمر؛ أي: سيروا في الأرض، فانظروا ما الذي نزل بمكذبي الرسل ومستهزئيهم؛ ليكون ذلك مؤجرًا لهم عن مثل معاملتهم الرسول؛ عليه السلام.
والثالث: أي: قد ساروا في الأرض، لكن لم ينظروا ولم يعتبروا فيما نزل بأُولَئِكَ أنه بماذا نزل بهم، ولو تأملوا فيهم، لكان ذلك زجرًا لهم عن المعاودة إلى مثل ذلك، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) هذا خرج على وجوه:
أحدها: أي: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ) سوى هَؤُلَاءِ الكفار الذين دمر اللَّه عليهم أمثال ما لهم من الهلاك بتكذيبهم الرسل.
والثاني: أي: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) أي: للكافرين من قومك أمثالها، وهذا وعيد لقومه.
والثالث: أن يقول: لقومه ولكل كافر أمثال ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) تأويله: أي: ذلك الذي ذكر لهم؛ لأجل أن اللَّه ناصر الذبن اتبعوا أمره، وآمنوا به، وصدقوه، فدفع العذاب عنهم باتباعهم أمره، وإن للكافرين ذلك؛ لما ليس هو بناصر لهم؛ لتركهم اتباع أمره وتصديقهم إياه، فلم يدفع العذاب عنهم.
أو يقول: (ذَلِكَ)، أي: دفع العذاب عن الذين آمنوا؛ لما أن اللَّه يتولى أمورهم، ويعصمهم، وأنه لم يتول أمور الكفرة؛ أي: لم يعصمهم، وخذلهم، وتركهم على ما اختاروا؛ لعلمه باختيارهم ما اختاروا من التكذيب، وتولى المؤمنين وعصمهم؛ لعلمه بما يختارون من التصديق والاتباع له، واللَّه أعلم.
محمد 47:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ تأويله : أي ذلك الذي ذكر لهم لأجل أن الله ناصر الذين اتبعوا أمره، وآمنوا به، وصدّقوه، فدفع العذاب عنهم باتباعهم أمره، وأن [ الكافرين ليس ](١) هو بناصر لهم لتركهم اتباع أمره وتصديقهم إياه، فلم يدفع العذاب عنهم.
أو يقول ﴿ذلك﴾ أي دفع العذاب عن الذين آمنوا لما أن الله تولّى أمورهم، وعصمهم، وأنه لم يتولّ أمور الكفرة، أي لم يعصمهم، وخذلهم، وتركهم على ما اختاروا لعلمه باختيارهم ما اختاروا من التكذيب، وتولّى المؤمنين، وعصمهم لعلمه بما يختارون من التصديق والاتباع له، والله أعلم.
ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتّباع لأمره والتصديق لرسله عليهم السلام :
١ في الأصل: الكافر ذلك لما يئس، في م: الكافرين ذلك لما يئس..
محمد 47:12
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥).
ثم ذكر عاقبة المؤمنين من الاتباع لأمره والتصديق لرسله وهو قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، وبين ما لأُولَئِكَ الذين اختاروا من الكفر به والتكذيب لرسله في العاقبة، حيث قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) أي: مأوى لهم بما اختاروا، واللَّه أعلم.
وذلك أن أهل الإيمان والتوحيد نظروا في جميع أحوالهم وأمورهم إلى ما فيه أمر اللَّه - تعالى - وما يعقب لهم نفعًا في العاقبة، لم ينظروا إلى ما فيه قضاء شهواتهم ومناهم؛ بل اختاروا أمر اللَّه على جميع ما ذكرنا، وأُولَئِكَ الكفرة، لم ينظروا إلى ما فيه أمر اللَّه، ولا يوجب لهم في العاقبة من النفع؛ بل اختاروا لشهواتهم ومناهم، وما فيه هواهم على ما فيه أمر اللَّه ونهيه، فجعل للمؤمنين في الآخرة قضاء شهواتهم التي تركوا قضاءها في الدنيا، وكفوا أنفسهم عن مناها مكان ذلك في الجنة والبساتين التي وعد لهم في الآخرة، وجعل لأُولَئِكَ الكفرة في الآخرة مكان ما قضوا في الدنيا من شهواتهم، وإعطاء أنفسهم مناها النار، وما ينقصهم ما أعطوا أنفسهم في الدنيا.
ثم قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) يحتمل تشبيه أُولَئِكَ الكفرة بالأنعام في الأكل وجهين:
أحدهما: يخبر أنهم يأكلون، وهمتهم في الأكل ليست إلا الشبع، وامتلاء البطن، وقضاء الشهوة، لا ينظرون إلى ما أمر اللَّه به ونهاهم عنه، كالأنعام التي ذكر همتها ليست في الأكل إلا الشبع، وامتلاء البطن، واقتضاء الشهوة، واللَّه أعلم.
والثاني: يخبر عنهم أنهم لا ينظرون في أكلهم وشربهم إلى عاقبة، ولا إلى وقت ثانٍ؛ بل نظرهم إلى الحال التي هم فيها، كالأنعام التي ذكر أنها تأكل ولا تنظر، ولا تدّخر شيثًا لوقت ثانٍ، ولا تترك شيئًا ما دامت تشتهي، فعلى ذلك أُولَئِكَ الكفرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣) كانت سنة اللَّه - تعالى - في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل - عليهم
محمد 47:13
الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿وكأيّن من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم﴾ كأن سُنّة الله تعالى في الذين كانوا من قبل أنه إذا أخرج الرسل عليهم السلام من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب، إذ أُخرجت من بين أظهرهم، كما استوجب أولئك الكفرة.
لكن الله بفضله ورحمته أخّر ذلك عنهم لأنه بعثك إليهم رحمة كقوله تعالى :﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أو أخّر عنهم لما وعد أنه خاتم الأنبياء عليهم السلام لتبقى شريعته ورسالته إلى يوم القيامة. ولو أهلكهم، واستأصلهم على ما فعل بأولئك لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يُخلف الميعاد.
ثم أخبر أن أولئك الكفرة أكثر أهلا وأشد قوة وبطشا من هؤلاء، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله، ولا مانع يمنعهم عنه. فأنتم يا أهل مكة أولى أن تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿أخرجتك﴾ أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولّوا إخراجه بأنفسهم، بل اضطرّوه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأن قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء عليهما السلام من الجنة بقوله :﴿فأخرجهُما ممّا كانا﴾ [البقرة: ٣٦] والشيطان لم يتولّ إخراجهما حقيقة. لكن لما كان منه من أشياء ؛ حملهما(١) ذلك على الخروج، فكأنه وُجد الإخراج منه.
وأصله أن الأشياء والأفعال ربّما تُنسب إلى أسبابها، وإن لم [ يكن ](٢) لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فلا ناصر لهم﴾ هو خبر من الله تعالى، أي لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين :
أحدهما : لا يكون [ لهم ](٣) ناصر في الآخرة.
والثاني : على إضمار، أي لم يكن لهم ناصر وقت ما عُذّبوا في الدنيا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حملهم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
محمد 47:14
السلام - من بين أظهرهم أهلكهم، فيخبر أن أهل مكة قد استوجبوا العذاب؛ إذ أخرجت من بين أظهرهم كما يستوجب أُولَئِكَ الكفرة، لكن اللَّه بفضله ورحمته أخر ذلك عنهم؛ لأنه بعثك إليهم رحمة؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، أو أخر ذلك عنهم؛ لما وعد أنه خاتم الأنبياء - عليهم السلام - ليبقي شريعته إلى يوم القيامة، ولو أهلكهم واستأصلهم؛ على ما فعل بأُولَئِكَ لانقطعت رسالته وشريعته، وقد وعد أنها تبقى، وأنه رحمة لهم، وأنه لا يخلف الميعاد.
ثم أخبر أن أُولَئِكَ الكفرة أكثر أهلا وأشد قوة وبطشًا من هَؤُلَاءِ، ثم لم يتهيأ لهم دفع ما نزل بهم بقوتهم في أنفسهم وبطشهم، ولا كان لهم ناصر ينصرهم من عذاب اللَّه، ولا مانع يمنعهم عنه، فأنتم يا أهل مكة أولى ألا تدفعوا عن أنفسكم العذاب إذا نزل بكم، والله أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَخْرَجَتْكَ) أضاف الإخراج إلى قومه، وهم لم يتولوا إخراجه بأنفسهم؛ بل اضطروه حتى خرج هو بنفسه، لكنه أضاف الإخراج إليهم؛ لأن سبب خروجه من بينهم كان منهم، فكأنهم قد أخرجوه، وهو كما ذكر من إخراج الشيطان آدم وحواء - عليهما السلام - من الجنة بقوله: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، والشيطان لم يتول إخراجهما حقيقة، لكن لما كان منه من أشياء حملهم ذلك على الخروج، فكأنه وجد الإخراج منه، وأصله: أن الأشياء والأفعال ربما تنسب إلى أسبابها، وإن لم يكن لتلك الأسباب حقيقة الأفعال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) هو خبر من اللَّه - تعالى - أي: لا يكون لهم ناصر، وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يكون ناصر في الآخرة.
والثاني: على إضمار؛ أي: لم يكن لهم ناصر وقت ما عذبوا في الدنيا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) يخرج لهذا الحرف جواب؛ لما هم عرفوا بالبديهة أن ليس من كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله، واتبع هواه، يعرف ذلك بالبديهة كمن يقول: ليس المحسن كالمسيء، وليس من يحسن كمن يسيء، ونحو ذلك مما يعرفه كل أحد لا يحتاج إلى بيان وجواب، فعلى ذلك هذا.
ثم في ذلك وجهان:
أحدهما: يذكر سفههم باختيارهم اتباع هواهم وما زين لهم من سوء عملهم على اتباع
محمد 47:15
من كان على بينة منه، وبيان، على علم بذلك، ويقين، واللَّه أعلم.
والثاني: فيه ذكر دلالة البعث، يقول - واللَّه أعلم -: لما عرفتم أن من كان على بينة من ربه ليس كمن يتبع هوى نفسه، وقد استويا في هذه الدنيا: انتفع هذا كما انتفع الآخر، وفي العقول لا استواء بينهما؛ فدل استواؤهما في هذه الدار على أن هناك دارًا أخرى، ثم يفرق بينهما ويميز، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) هذا يخرج على وجوه:
أحدها: أن قوله - تعالى -: (وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) على حقيقة المثل، كأنه يقول: مثل الجنة التي وعد المتقون من جناتكم هذه لو كانت جناتكم في الدنيا على المثل الذي وصف في الآية، أليس كانت نفس كل أحد ترغب فيها، وتحرص في طلبها؛ لتكون تلك الجنة لها، فما بالكم لا ترغبون في تلك الجنة التي وعد المتقون في الآخرة لا ترغبون فيها، ولا تحرصون في طلبها؟ واللَّه أعلم.
ويخرج على هذا التأويل قوله - تعالى -. (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) أي: ليس من كان خالدًا في جنة من جناتكم التي ذكر وصفها كمن هو خالد في نار من نيرانكم.
والثاني: يحتمل قوله - تعالى -: (الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) ما ذكر، فيخرج على الصلة؛ لما تقدم من قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) ثم وصف ونعت الجنة التي أخبر أنه يدخلهم فيها فقال: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي: صفتها (فِيهَآ أَنهَارٌ مِنْ...) كذا وكذا الآية، وعلى هذا ما ذكر في آخره من قوله: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ) يحتمل أن يكون صلة قوله: (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)، ثم وصف تلك النار التي أخبر أنها مثوى لهم ومأوى لهم فقال: (وَسُقُوا مَآءً حمَيمًا...) الآية.
والثالث: يذكر على أن من وعد له ما وعد للمتقين من الجنة وما فيها من النعم، ليس كمن وعد له النار؛ ألا ترى أنه - جل وعلا - ذكر في آخر ما ذكر من وصف الجنة: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) أي: ليس هذا كهذا، ولا سواء بينهما، أي: لا مساواة، وهو كقوله - تعالى - فيما تقدم من حيث قال: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)، أي: ليس هذا كهذا؛ فعلى هذا يحتمل ما ذكر من وصف الجنة ووصف النار؛ أي: ليس من وعد له الجنة التي وصفها ونعتها كمن وعد له النار التي وصفها ما ذكر، واللَّه أعلم.
ثم قال: (أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ...) الآية، يخبر أن ما يكون في الجنة من المياه،
محمد 47:16
والخمور، والألبان، وما ذكر ليس كالتي في الدنيا؛ لأن المياه في الدنيا تتغير بأحد وجهين: إما النجاسة وآفة تصيبها، أو لطول الزمان والمكث، فيخبر أن ليس في الجنة شيء يغير مياهها، وكذلك اللبن في الدنيا يتغير ويفسد عن قريب إذا ترك لما ذكر، فيخبر أن ألبان الجنة لا تفسد للترك، ولا يصيبها شيء فيفسدها ويخرجها عن طعم اللبن، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) يخبر أن الخمر في الجنة مما يتلذذ بها أهلها عند الشرب ليس كخمور الدنيا يتكره أهلها عند شربها ويعبسون بوجوههم عند التناول منها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) أي: أنهار من عسل خلق، وأنشئ مصفى لا كدورة فيه، لا أنه كان كدرًا ثم صفي، أو كان خلق بعضه كدرًا وبعضه مصفى، ولكن خلق كله مصفى من الابتداء، وهو كقوله - تعالى -: (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ)، أي: خلقها في الابتداء مرفوعة، لا أنها كانت موضوعة ثم رفعها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) يحتمل: أي: من كل الثمرات التي عرفوها في الدنيا ورأوها.
أو يقول: (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) التي يريدون فيها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) أي: ليس من وعد له ما ذكر من الجنة وهو خالد فيها متنعم بما ذكر من ألوان الثمار والتنعم بما ذكر من المياه والخمور والألبان، كمن هو خالد في النار وما ذكر، والله أعلم.
* * *
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا
محمد 47:17
قَالَ آنِفًا) جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - آيات رسالة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وحججه على المنافقين - صنيعهم وما أسروا في أنفسهم من الخلاف له والعداوة، فأطلع اللَّه رسوله على ما أسروا في أنفسهم وأضمروه؛ ليكون ذلك آية لرسالته، وحجة لنبوته؛ إذ علموا أن لا أحد يطلع على ما في القلوب إلا اللَّه - تعالى - فإذا أخبر رسول اللَّه لهم بما أسروا وأضمروا، وعلموا أنه إنما عرف ذلك باللَّه - تعالى - كقوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا)، وقوله: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ)، ونحو ذلك.
ثم الناس في الاستماع إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يفرقون إلى فرق ثلاث:
فالمؤمنون كانوا يستمعون إليه للاسترشاد واستزادة الهدى، وهو كقوله - تعالى -: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا...) الآية، (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ...) الآية.
وقوله - تعالى -: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧).
يحتمل قوله: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) أي: أعطاهم ما اتقوا مخالفة أمره.
ويحتمل: (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) أي: يوفقهم ما يتقون مخالفة أمره من بعد في المستأنف.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أعطاهم اللَّه ثواب أعمالهم في الآخرة؛ يقول: كلما جاء من اللَّه أمر أخذوا به، فزادهم اللَّه - تعالى - هدى (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)؛ أي: أجرهم.
وفي حرف ابن مسعود - رضي أن له عنه -: (وأنطاهم تقواهم) أي: أعطاهم، وهي لغة معروفة، أنطى: أي: أعطى، وكذلك قرأ: (إنا أعطيناك الكوثر).
وقوله - تعالى -: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) كأن هذه الآية نزلت في قوم علم اللَّه أنهم لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة؛ كأنه يقول: ما ينظرون لإيمانهم إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت؛ كقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)، وقوله: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، كأنه - واللَّه أعلم - يؤيس رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الطمع في إيمانهم قبل ذلك الوقت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها هو رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه خاتم الأنبياء، وبه ختمت النبوة، وروي عنه أنه قال: " بعثت أنا والساعة كهاتين "، وأشار إلى
محمد 47:18
الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة﴾ كأن هذه الآية نزلت في قوم، علم الله أنهم لا يؤمنون إلا عند قيام الساعة كأنه يقول : ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، لكن لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت كقوله :﴿لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ [الأنعام: ١٥٨] وقوله :﴿فلم يكُ ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا بأسَنا﴾ [غافر: ٨٥] كأنه، والله أعلم، يُؤيِس رسول الله ﷺ عن الطمع في إيمانهم قبل ذلك الوقت.
وقوله تعالى :﴿فقد جاء أشراطها﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما : يحتمل ما ذكر من مجيء أشراطها، هو رسول الله ﷺ لأنه خاتم الأنبياء، وبه خُتمت النُّبوّة. ورُوي عنه أنه قال :[ بُعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار إلى إصبعين، وجمع بينهما ] [ البخاري : ٦٥٠٣ ].
فإن كان التأويل هذا فهو على تحقيق مجيء أشراط الساعة، أي قد جاء أشراط الساعة حقيقة، /٥١٤-أ/ وتحقّقت.
والثاني : يحتمل أن يكون ما ذكر من مجيء أشراطها، هي الأعلام، والشرائط التي جُعلت عَلَما لقيامها من نحو نزول عيسى وخروج دابة الأرض وخروج الدّجال وغير ذلك، فقد مضى بعض تلك الأعلام، فيكون قوله :﴿فقد جاء أشراطها﴾ أي كان قد جاء أشراطها ؛ إذ كل ما هو آت جاء، فكان ﴿فقد جاء﴾ كقوله تعالى :﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١].
وقوله تعالى :﴿فأنّى لهم إذا جاءهم ذِكراهم﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : مِن أنّى ينتفعون بإيمانهم في ذلك الوقت ؟ وكيف لهم منفعة الذكرى إذا جاءت ؟ والتوبة لا تُقبل حينئذ.
والثاني : من أين لهم الإيمان والتوبة إذا جاءتهم الذكرى ؟ أي ما يُذكّرهم في الدنيا قبل ذلك، فلم يؤمنوا، ولم يتذكّروا، والله أعلم.
محمد 47:19
أصبعين جمع بينهما، فإن كان التأويل هذا فهو على تحقيق مجيء أشراط الساعة؛ أي: قد جاءت أشراط الساعة حقيقة وتحققت.
والثاني: يحتمل أن يكون ما ذكر من مجيء أشراطها هي الأعلام والشرائط التي جعلت علمًا لقيامها؛ من نحو نزول عيسى، وخروج دابة الأرض، وخروج الدجال، وغير ذلك، فقد مضى بعض تلك الأعلام؛ فيكون قوله: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) أي: كأن قد جاء أشراطها؛ إذ كل ما هو آت جاءٍ؛ فكأنه قد جاء؛ كقوله - تعالى -: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ).
وقوله - عَزَّ وجل -: (فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) يحتمل وجهين:
أحدهما: من أنى ينتفعون بإيمانهم في ذلك الوقت؟ وكيف لهم منفعة الذكرى إذا جاءت، والتوبة لا تقبل حينئذ؟
والثاني: من أين لهم الإيمان والتوبة إذا جاءتهم الذكرى؛ أي: ما يذكرهم في الدنيا قبل ذلك فلم يؤمنوا، ولم يتذكروا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وجل -: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ... (١٩).
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: اعلم في حادث الوقت أنه لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ كقوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ)، ونحو ذلك.
والثاني: يقول: فاعلم أن الإله المستحق للعبادة والمعبود الحق هو الإله الذي لا إله غيره؛ إذ الإله عند العرب هو المعبود؛ يقول: إن المعبود الذي يستحق العبادة هو اللَّه - تعالى - لا الأصنام التي تعبدونها دونه وتزعمون أن عبادتكم إياها تقربكم إليه زلفى.
والثالث: أمره أن يشعر قلبه في كل وقت وحال كلمة الإخلاص، والتوحيد له، والقول به، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) جائز أن يكون قوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) إنما هو لافتتاح الكلام وابتدائه، على ما يؤمر المرء أن يبتدئ بالدعاء لنفسه عند أمره بالدعاء لغيره، وكان حقيقة الأمر بالدعاء للمؤمنين والمؤمنات دون نفسه، ولكن أمر بالدعاء لنفسه استحبابًا، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون له ذنب فيأمره بالاستغفار له، لكن نحن لا نعلم، وليس علينا أن نتكلف حفظ ذنوب الأنبياء - عليهم السلام - وذكرها، وكل موهوم منه الذنب يجوز أن يؤمر بالاستغقار، كقول إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)، لكن ليس ذنب الأنبياء وخطاياهم كذنب غيرهم؛ فذنب غيرهم ارتكاب القبائح من الصغائر والكبائر، وذنبهم ترك الأفضل دون مباشرة القبيح في نفسه، واللَّه الموفق.
ثم أرجى آية للمؤمنين هذه الآية؛ لأنه - عَزَّ وَجَلَّ - أمر رسوله - عليه السلام - أن يستغفر لهم، فلا يحتمل ألا يستغفر وقد أمره مولاه بالاستغفار، ثم لا يحتمل - أيضًا - أنه إذا استغفر لهم على ما أمره به فلا يجيب له، وكذلك دعاء سائر الأنبياء - عليهم السلام - نحو دعاء نوح - عليه السلام -: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، وقول إبراهيم - عليه السلام -: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)، ونحو ذلك، وكذا استغفار الملائكة لهم - أيضًا - لقوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ)، وقوله: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ...) الآية، هذه الآيات أرجى آيات للمؤمنين ودعوات الأنبياء - عليهم السلام - أفضل وسائل تكون إلى اللَّه - تعالى - وأعظم قربة عنده، واللَّه الموفق.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) فيه دلالة نقض قول المعتزلة، لأنهم يقولون: إن الصغائر مغفورة، لا يجوز لله - تعالى - أن يعذب عباده عليها، والكبائر مما لا يحل له أن يغفرها لهم إلا بالاستغفار منهم والتوبة؛ فهذه الآية تنقض قولهم ومذهبهم؛ لأنه أمر رسوله أن يستغفر لهم، فلا يخلو إما أن تكون صغائر، وهي مغفورة عندهم؛ فكأنه يقول: اللهم لا تجر؛ لأنها مغفورة لا يسع له أن يعذب عليها، أو كبائر ولا يحل له المغفرة عنها، فيكون قوله: اللهم اغفر لهم، كأنه قال: اللهم جر؛ لأن مغفرته إياهم الكبائر يكون جورًا ووضع الشيء في غير موضعه.
فكيفما كان ففيها نقض قولهم وحجة لقولنا: إن له أن يعذبهم عليها وإن كانت صغائر، وله أن يعفو عنها وإن كانت كبائر؛ إذ المغفرة عن الذنب تكون، واللَّه الموفق للصواب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) في النهار (وَمَثْوَاكُمْ) من الليل.
وقيل: يعلم ما ينقلبون بالنهار ويسكنون بالليل؛ وهما واحد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ) في الدنيا (وَمَثْوَاكُمْ) في الآخرة؛ أي: مقامكم
محمد 47:20
فيها.
وهو يخرج عندنا على وجوه:
أحمدها: يحتمل هذا لظن قوم وتوهمهم أن اللَّه - تعالى - يجهل عواقب الأمور؛ حيث أنشأ هذا العالم، فجحدوه وجحدوا نعمه، فلا يحتمل أن ينشئهم، ويجعل لهم النعم وهو يعلم أنهم يجحدون وينكرون نعمه؛ لأن من فعل هذا في الشاهد فهو عابث غير حكيم، فعلى ذلك هذا، على زعمهم، فقال - تعالى - جوابًا لهم: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) أي: على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم، لا عن جهل على ما ظنوا هم، لكن ما ينبغي لهم أن ينسبوا الجهل إلى اللَّه - تعالى - لجهلهم بحق الحكمة في فعله؛ لأن اللَّه - جل وعلا - لم ينشئ هذا العالم لحاجة له، أو لمنافع نفسه؛ بل إنما أنشأه لمنافع أنفسهم، ولحاجتهم، فإليهم ترجع منفعة الإجابة والطاعة، وعليهم تكون مضرة الجحود والرد، فأما في الشاهد فمن يأمر أحدًا أو ينهاه عن أمر أو أرسل إليه رسولا على علم منه بالرد والجحود فهو سفيه غير حكيم؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ولمنفعة له، فإذا علم منه الرد والإنكار فهو غير حكيم، فافترق الشاهد والغائب؛ لافتراق وجه الحكمة، والله الموفق.
والثاني: قوله - تعالى -: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) أي: يعلم جميع أحوالكم من حركاتكم، وسكونكم، وجميع تقلبكم؛ لتكونوا أبدًا على حذر ويقظة، واللَّه أعلم.
والثالث: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) أي: يعلم متقلبكم في الدنيا، ويعلم إلى ماذا يكون مرجعكم في الآخرة؛ أي: أنشأ كلا على ما علم أنه يكون منهم؛ كقوله - تعالى -: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ)، وقال في آية أخرى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي: أنشأ من علم أنه يختار الكفر وعداوته لجهنم، وأنشأ من علم أنه يختار التوحيد وولايته للجنة، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) إن الذين آمنوا كانوا يتمنون إنزال السورة، ويقولون: هلا نزلت سورة؛ لوجوه:
أحدها: لتكون السورة حجة لهم، وآية على أعدائهم في الرسالة والبعث والتوحيد.
والثاني: كانوا يستفيدون بإنزال السورة أشياء ويزداد لهم يقين وتحقق في الدِّين؛ كقوله - تعالى -: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ...) إلى قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)، وأما المنافقون (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) على ما ذكر.
والثالث: يتمنون نزول السورة؛ ليتبين لهم المصدق من المكذب، والمتحقق من المرتاب.
هذه الوجوه التي ذكرنا تكون لأهل الإيمان؛ لذلك يتمنون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ) أي: محدثة، والمحدثة ليست بتفسير للمحكمة، إلا أن يعنوا بالمحدث، الناسخ، والناسخ هو المحدث والمتأخر نزولا، وهو محكم؛ لأنه يلزم العمل به، واللَّه أعلم.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لولا نزلت سورة محدثة)، والوجه ما ذكرنا.
والمحكمة عندنا على وجهين:
أحدهما: أي: محكمة بالحجج والبراهين.
والثاني: لما أنزلت على أيدي قوم وتداولت فيما بينهم فلم يغيروه ولم يبدلوه؛ بل حفظوه؛ ليعلم أنه من عند اللَّه حقًّا ومنه نزل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ) جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في القتال خصالا:
أحدها: كثرة أهل الإسلام، وكثرة الأموال، وإن كان في ظاهر القتال إفناء الأنفس والأموال؛ لأنه قبل أن يفرض القتال كان يدخل من الإسلام واحد، فلما فرض القتال دخل فيه فوج فوج؛ على ما أخبر: (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا).
والثاني: ليتبين المصدق منهم من المكذب لهم، والمتحقق من المرتاب؛ لأنه لم يكن ليظهر ويتبين لهم المنافق من غيره إلى ذلك الوقت، فلما فرض القتال عند ذلك ظهر وتبين لهم أهل النفاق والارتياب من أهل الإيمان والتصديق.
والثالث: فيه آية الرسالة والبعث، وأما آية الرسالة فلأن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا عددًا قليلا لا عدة لهم ولا قوة، أمروا بالقتال مع عدد لا يحصون، ولهم عدة وقوة؛ ليعلم أنهم لا بأنفسهم يقاتلون، ولكن باللَّه - تعالى - إذ لا يحتمل قيام أمثالهم لأمثال أُولَئِكَ مع كثرتهم وقوتهم، واللَّه أعلم.
وأما آية البعث فلأنهم أمروا بقتال أقاربهم، وأرحامهم، والمتعلق بهم، وفي ذلك قطع أرحامهم، وقطع صلة قراباتهم؛ ليعلم أنهم إنما يفعلون هذا بالأمر لعاقبة تؤمل وتقصد؛ إذ لا يحتمل فعل ذلك بلا عاقبة تقصد، وبلا شيء يعتقد، واللَّه أعلم.
محمد 47:21
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) كان أهل النفاق يكرهون نزول ما ينبئهم عما في ضميرهم من النفاق والارتياب، كقوله - تعالى -: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ)، وإذا أنزلت السورة يزداد لهم ما ذكر؛ حيث قال: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَوْلَى لَهُمْ) قال أهل التأويل: هذا وعيد لهم؛ كقوله: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى...) الآية، لكن ظاهره ليس بتوعد ولا تهدد، إنما ظاهره، أي: أحرى لكم وأولى أن تطيعوه، وأن تقولوا معروفًا، فإذا تركوا ذلك يكون وعيدًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ... (٢١) اختلف في تأويله:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو صلة قوله: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ)، وعزم الأمر؛ فعند ذلك كان ما ذكر من المنافقين حيث قال: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)، وليس في نفس ذكر القتال ما ذكر من نظر المغشي عليه من الموت إنما ذلك الوصف وتلك أن حال عند وجوب القتال، ولزومه، وتأكيده عليهم، وذلك في قوله - تعالى -: (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) أي: وجب وفرض، فعند ذلك يكون حالهم ما ذكر، فأما بذكر نفس القتال فلا، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ) هو في الآخرة، أي: فإذا تحقق وظهر ما كان أوعدهم الرسول - عليه السلام - من نزول العذاب بهم في الآخرة (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ) في الدنيا لكان خيرًا لهم في الآخرة؛ حيث كان لا ينزل العذاب بهم في الآخرة؛ أي: لو صدقوا رسول اللَّه فيما يوعدهم من العذاب أنه ينزل بهم في الآخرة وتركوا مخالفته في الدنيا - لكان خيرًا لهم في الآخرة، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)
محمد 47:22
الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿فهل عسيتم إن تولّيتم أن تُفسدوا في الأرض وتُقطّعوا أرحامكم﴾ اختُلف في تأويل هذه الآية :
قال بعضهم :﴿فهل عسيتم﴾ أي فلعلّكم(١) ﴿إن تولّيتم﴾ أي وُلّيتم أمر هذه الآية ﴿أن تُفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم﴾.
قال ابن عباس رضي الله عنه قد كان هذا، وهم بنوا أمية، ولوا أمر هذه الأمة، ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول الله ﷺ وكان منهم ما ذكر، والله أعلم.
وقال بعضهم : إن الآية في المنافقين ؛ كانوا يأتون رسول الله ﷺ ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولّوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر كقوله تعالى :﴿ومن الناس من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا [ ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام﴾ ](٢) ﴿وإذا تولّى سعى في الأرض﴾ إلى قوله :﴿والله لا يحب الفساد﴾ [ البقرة : ٢٠٤ و٢٠٥ ].
وقال بعضهم : ما نرى(٣) إلا نزلت الآية في الحروريّة، وهم(٤) الخوارج.
وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى حين(٥) قال :﴿أفإين مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [ آل عمران :١٤٤ ] وقد انقلبوا على ما أخبره(٦)، وهو في أهل الردّة، والله أعلم.
وقال قتادة :﴿فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خير لهم﴾ أي طواعية الله ورسوله وقول المعروف(٧) عند حقائق الأمور خير لهم ﴿فهل عسيتم إن تولّيتم﴾ يقول : إن تولّيتم عن كتابي وطاعتي ﴿أن تُفسدوا في الأرض﴾ يقول : كيف رأيتم القوم حين تولّوا عن كتاب الله ؟ ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطّعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام ؟
ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول الله ﷺ قبل أن يُبعث فلما بُعث كفروا به والله أعلم.
١ من م، في الأصل: فعليكم..
٢ في الأصل وم: إلى قوله..
٣ في الأصل وم: أراه..
٤ في الأصل وم: وهو..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في م: أخبر..
٧ من م، في الأصل: المعتزلة..
محمد 47:23
اختلف في تأويل هذه الآية:
قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ) أي: فلعلكم (إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أي: وليتم أمر هذه الأمة (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
قد كان هذا، وهم بنو أمية، ولوا أمر هذه الأمة ففعلوا ما ذكر من الفساد في الأرض وقطع الأرحام، وكان لهم اتصال برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وكان منهم ما ذكر، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن الآية في المنافقين؛ كانوا يأتون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويسمعون منه ما قال، ثم إذا تولوا عنه كانوا يسعون في الأرض بالفساد وما ذكر؛ كقوله - تعالى -: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...) إلى قوله: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ...) إلى قوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما أراه إلا نزلت الآية في الحرورية، وهم الخوارج.
وجائز أن يكون هذا ما ذكر في آية أخرى؛ حيث قال: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)، وقد انقلبوا، على ما أخبر، وهو في أهل الردة، والله أعلم.
وقال قتادة: (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)، أي: طواعية اللَّه ورسوله، وقول المعروف عند حقائق الأمور خير لهم، (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ) يقول: إن توليتم عن كتابي وطاعتي (أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) يقول: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب اللَّه، ألم يسفكوا الدماء الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن، وأكلوا المال الحرام؟!
ويحتمل أن تكون الآية في الذين آمنوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) اللعن: هو الطرد عن الرحمة، وهو كقوله لإبليس: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)، أي: أنت مطرود عن رحمتي، وقوله - تعالى -: (لَعَنَهُمُ اللَّهُ) أي: طردهم عن رحمته.
محمد 47:24
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) أي: أصمهم حتى لم يسمعوا سماع الاعتبار والتفكر، وأعمى أبصارهم حتى لم ينظروا فيما عاينوا نظر اعتبار وتفكر ما لو تفكروا وتأملوا ونظروا نظر معتبر، لأدركوا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤).
فيه أنهم لو تدبروا وتأملوا فيه، لأدركوا ما فيه.
وفيه - أيضًا - أنهم لو تدبروا العذاب لفتح تلك الأقفال التي ذكر أنها عليها، وذهب بها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) أي: على قلوب أقفالها.
ثم يحتمل أقفالها: الظلمة التي فيها، وهي ظلمة الكفر، تلك الظلمة تغطى نور البصر ونور السمع.
وجائز أن يكون ما ذكر من الأقفال هي كناية عن الطبع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) أي: زين، أضاف التزيين مرة إلى الشيطان، ومرة إلى نفسه، فما يفهم من تزيين الشيطان غير الذي يفهم من تزيين اللَّه - تعالى - كالإضلال المضاف إلى اللَّه - تعالى - والمضاف إلى الشيطان، فالمفهوم من إضلال اللَّه غير المفهوم من إضلال الشيطان؛ فعلى ذلك التزيين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمْلَى لَهُمْ) أي: أخرهم وأمهلهم إلى أجل ووقت؛ كقوله - تعالى -: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ...) الآية، أي: يؤخرهم؛ ليكون ما ذكر، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى...) الآية، جائز أن تكون الآية في اليهود؛ لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث؛ كقوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ...) الآية، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به واتبعوه.
وجائز أن تكون في المنافقين، ارتدوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبعدما أظهروا الموافقة في حياته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ) إن كان راجعًا إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ) كان المراد بذلك اليهود - فالمعنى فيه غير المعنى لو كان في المنافقين.
وإن كان قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ) راجعا إلى قوله: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ) فإذا احتمل ذلك
محمد 47:25
الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿إن الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم﴾ أي زيّن. أضاف التزيين مرة إلى الشيطان ومرة إلى نفسه. فما يُفهم من الشيطان غير الذي يُفهم من تزيين الله تعالى كالإضلال المضاف إلى الله تعالى والمضاف إلى الشيطان. فالمفهوم من إضلال الله غير المفهوم من إضلال الشيطان. فعلى ذلك التزيين.
وقوله تعالى :﴿وأملى لهم﴾ أي أخّرهم، وأمهلهم إلى أجل ووقت كقوله تعالى :﴿ولا يحسبنّ الذين كفروا أنما نُملي لهم خير لأنفسهم﴾ الآية [آل عمران: ١٧٨] أي يؤخّرهم ليكون ما ذكر، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى﴾ الآية جائز أن تكون الآية في اليهود لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يُبعث كقوله :﴿وكانوا من قبلُ يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم /٥١٥-أ/ ما عرفوا كفروا به﴾ الآية [البقرة: ٨٩] ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به، واتبعوه.
وجائز أن يكون في المنافقين ؛ ارتدّوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول الله ﷺ بعد ما أظهروا الموافقة في حياته، والله أعلم.
محمد 47:26
الآية ٢٦ وقوله تعالى :﴿ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزّل الله سنُطيعكم في بعض الأمر﴾ قوله :﴿ذلك بأنهم﴾ راجع إلى قوله :﴿الشيطان سوّل لهم﴾ فإذا احتمل ذلك الوجهين فلا نُفسّره أنه إلى ماذا يرجع.
ثم قال بعضهم :﴿للذين كرهوا ما نزّل الله﴾ هم المنافقون، قالوا لليهود : سنطيعكم في تكذيب محمد والمُظاهرة عليه.
وقال بعضهم : هم اليهود ظاهروا سائر الكفرة على محمد ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.
ثم كراهة نزول ما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ كانت(١) من اليهود وجميع الكفرة لقوله تعالى :﴿ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزَّل عليكم من خير من ربكم﴾ [البقرة: ١٠٥] والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والله يعلم إسرارهم﴾ هذا يدلّ على أنه لا يُفسَّر قوله :﴿ذلك بأنهم قالوا﴾ ولا يُشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا، لما أخبر الله تعالى أنه هو العالم بما أسرّوا، ولم يبيّن ذلك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: كان..
محمد 47:27
الوجهين، فلا نفسره أنه إلى ماذا يرجع.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: الذين كرهوا ما نزل اللَّه هم المنافقون، قالوا لليهود: سنطيعكم في تكذيب مُحَمَّد والمظاهرة عليه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم اليهود، ظاهروا سائر الكفرة على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه رضي الله عنهم.
ثم كراهة نزول ما أنزل اللَّه على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من اليهود وجميع الكفرة؛ لقوله - تعالى -: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) هذا يدل على أنه لا يفسر قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا) ولا يشار على أنه أراد كذا، ورجع إلى كذا؛ لما أخبر اللَّه - تعالى - أنه هو العالم بما أسروا، ولم يبين ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ... (٢٨) لا أحد يقصد قصد اتباع سخط اللَّه، ولا كراهة رضوانه، لكنهم لما اتبعوا الفعل الذي كان اللَّه يسخط ذلك الفعل، فكأنهم اتبعوا سخطه، وكذلك إذا تركوا اتباع ما كان اللَّه يرضاه وكرهوه فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله - تعالى -: (لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ)، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكنهم لما اتبعوه فيما يأمرهم ويدعوهم إليه فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير ممتنعة عن تسمية الشيء باسم سببه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) التي كانت قبل ارتهدادهم في حال اتباعهم إياه، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) أي: حسب المنافقون أن لن يظهر اللَّه عداوتهم، وأن لن يبدي اللَّه ما في قلوبهم من العداوة؛
محمد 47:28
الآيتان ٢٧ و٢٨ وقوله تعالى :﴿فكيف إذا توفّتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ ﴿ذلك بأنهم اتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه﴾ لا أحد يقصد قصد اتّباع سُخط الله ولا كراهة رضوانه، لكنهم لمّا اتّبعوا الفعل الذي كان الله يُسخِطه(١) ذلك الفعل فكأنهم اتّبعوا سُخطه. وكذلك إذا تركوا ما كان الله يرضاه، وكرهوه، فكأنهم كرهوا رضوانه، وهو كقوله تعالى :﴿لا تعبد الشيطان﴾ [مريم: ٤٤] ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان. لكنهم لمّا اتبعوه في ما يأمرهم، ويدعوهم إليه، فكأنهم عبدوه، وهو تسمية الشيء باسم سببه، واللغة غير مُمتنِعة عن تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فأحبط أعمالهم﴾ التي كانت قبل ارتدادهم في حال اتباعهم إياه، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يسخط..
محمد 47:29
الآية ٢٩ وقوله تعالى :﴿أم حسِب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم﴾ أي أم حسِب المنافقون أن لن يُظهر الله عداوته، وأن لن يُبدي الله ما في قلوبهم من العداوة ؛ جعل الله، جلّ، وعلا، في إظهار ما أسرّ أهل النّفاق وإبداء ما أخفوه في ما بينهم آية عظيمة ودلالة ظاهرة على رسالة رسوله ﷺ.
محمد 47:30
جعل اللَّه - جل وعلا - في إظهار ما أسر أهل النفاق وإبداء ما أخفوه فيما بينهم - آية عظيمة، ودلالة ظاهرة على رسالة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠) كأنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولو نشاء لأريناكهم بسيماهم بالنظر إليهم بالبديهة، ولتعرفنهم - أيضًا - في لحن القول؛ أي: لو نشاء لجعلنا لهم أعلامًا في الوجه والقول لتعرفنهم، ولكن لم نجعل لهم، ولكن جعل معرفتهم بأعمال يعملون فيظهر نفاقهم بذلك - واللَّه أعلم - كقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وقال في آية أخرى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)، وقوله: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ...) الآية، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)، وقوله: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ)، ونحو ذلك من الآيات مما كان يظهر نفاقهم وخلافهم بالأعمال التي كانوا يعملون؛ فدلت هذه الآيات على أنه كان لا يعرفهم بالسيماء والنطق والقول والأجسام، وإنَّمَا يعرفهم بأفعال كانوا يفعلونها، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) أي: فحوى الكلام، فكان يعرفهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وإذا تكلموا؛ فيخرج على هذا التأويل.
وقوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ) على الوعد؛ أي: تعرفهم في حادث الوقت، واللَّه أعلم.
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: يقال: رجل ألحن بحججه، ويقال: لحن يلحن -إذا أخطأ- لحنًا، فهو لاحن؛ كأنه من العدول والميل عن الحق.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) أي: في فحوى كلامهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: واللَّه يعلم ما تسرون من الأعمال وتخفونها.
والثاني: على الجملة؛ أي: يعلم جميع أعمالهم: ما أسروا وأعلنوا؛ يخرج على الوعيد، كقوله: (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١) هذا يخرج على وجوه:
أحدها: أي: حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين، فيكون المراد من إضافة العلم إلى نفسه علم أوليائه؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ
محمد 47:31
الآية ٣١ وقوله تعالى :﴿ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ هذا يخرّج على وجوه :
أحدها : أي حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين، فيكون المراد من إضافته العلم إلى نفسه علم أوليائه كقوله تعالى :﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧] وقوله عز وجل :﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢] ونحوه. فالمراد منه أوليائه على أحد التأويلات، والله أعلم.
والثاني : يكون المراد بالعلم المعلوم، وذلك جائز في اللسان واللغة، يقول الناس : الصلاة أمر الله، أي مأمور الله كقوله عز وجل :﴿حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر: ٩٩] أي الموقن به [ وقوله تعالى ](١) :﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ [المائدة: ٥] أي بالمؤمن به، ونحو ذلك كثير.
والثالث : أي يعلم كائنا ما قد علمه أنه سيكون ؛ إذ لا يجوز أن يوصف هو بعلم ما سيكون يعلمه كائنا أو بعلم ما قد كان يعلمه أنه يكون كائنا، ولكن يوصف بما قد علمه كائنا أنه علمه كائنا أو بعلم ما علِم أنه سيكون أنه يكون، لأنه يوجب الجهل، ويكون التغيّر في ذلك المعلوم لا في علمه، والله الموفّق.
وقوله تعالى :﴿ونبلوَ أخباركم﴾ أي ونبلوَ في أخباركم التي أخبرتم عن أنفسكم كقوله تعالى :﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر﴾ [التوبة: ٧٤] وقوله عز وجل :﴿ومنهم من عاهد الله﴾ [التوبة: ٧٥] إلى آخر ما ذكر ؛ نبلو في تلك الأخبار التي أخبروا عن أنفسهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكونوا ابتُلوا في قولهم الذي قالوا، وأعطوا بلسانهم حين(٢) قالوا : آمنا كقوله تعالى :﴿الم﴾ ﴿أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون﴾ [ العنكبوت : ١ و٢ ] فُتنوا في ما قالوا، وأخبروا، أي ابتُلوا ؛ فالفتنة والمحنة والابتلاء والبلاء واحد، والله أعلم.
وقال بعضهم :﴿ونبلوَ أخباركم﴾ أي نُظهر نفاقكم للمسلمين، إذ كان الله تعالى عالما قبل أن يبلوهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..
محمد 47:32
تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)، ونحوه، فالمراد منه أولياؤه على أحد التأويلات، واللَّه أعلم.
والثاني: يكون المراد بالعلم: المعلوم، وذلك جائز في اللسان واللغة؛ كقول الناس: الصلاة أمر اللَّه: أي: مأمور اللَّه، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، أي: الموقن به، وقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ)، أي: بالمؤمن به، ونحو ذلك كثير.
والثالث: أي: يعلم كائنًا ما قد علمه أنه سيكون؛ إذ لا يجوز أن يوصف هو بعلم ما سيكون بعلمه كائنًا، أو بعلم ما قد كان بعلمه أنه يكون كائنًا، ولكن يوصف بما قد علمه كائنًا أنه علمه كائنًا، أو يعلم ما علم أنه سيكون أنه يكون؛ لأنه يوجب الجهل، ويكون التغير في ذلك المعلوم لا في علمه، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) أي: ونبلو في أخباركم التي أخبرتم عن أنفسكم؛ كقوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ)، وقوله - عز وجل -: (مَن عَاهَدَ اللَّهَ...)، إلى آخر ما ذكر، ابتلوا في تلك الأخبار التي أخبروا عن أنفسهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكونوا ابتلوا في قولهم الذي قالوا لو أعطوا بلسانهم؛ حيث قالوا: آمنا؛ كقوله - تعالى -: (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)، فتنوا فيما قالوا وأخبروا؛ أي: ابتلوا، فالفتنة والمحنة والابتلاء والبلاء واحد، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) أي: نظهر نفاقكم للمسلمين؛ إذ كان اللَّه - تعالى - عالمًا قبل أن يبلوهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) قوله: (كَفَرُوا) أي: كفروا بنعم اللَّه؛ من الكفران.
أو كفروا بتوحيد اللَّه.
وقوله: (وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) يحتمل قوله: (وَصَدُّوا) أي: أعرضوا بأنفسهم عن دين اللَّه.
ويحتمل: (وَصَدُّوا) أي: صرفوا الناس عن دين اللَّه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَشَاقُّوا الرَّسُولَ) أي: عادوه وعاندوه (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى).
محمد 47:33
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) يحتمل: لن يضروا اللَّه بكفرانهم نعمه أو كفرهم بوحدانية اللَّه - تعالى - ومعناه - واللَّه أعلم -: أنه ليس يأمر بما يأمر أو ينهى عما ينهى لدفع مضرة عن نفسه، أو لجر منفعة إلى نفسه، ولكن يأمر وينهى لحاجة أنفس أُولَئِكَ ولمنافعهم، فهم بتركهم اتباع أمره والانتهاء من نهيه، ضروا أنفسهم، واللَّه أعلم.
وجائر أن يكون المراد من قوله (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) أي: لن يضروا أولياء اللَّه بما كفروا وصدوهم عن سبيله؛ بل ضروا أنفسهم؛ كقوله - تعالى -: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، أي: إن تنصروا أولياء اللَّه ينصركم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ).
يحتمل حبط الأعمال بالارتداد بعد الإيمان، وإحداث الكفر بعد الإسلام.
ويحتمل أعمالهم التي كانت لهم بالإيمان قبل بعثه عليه السلام.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨).
وقوله - عز وجهل -: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أطيعوا اللَّه في الجهاد، ولا تبطلوا حسناتكم بالرياء والسمعة.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (يَا أَيُّهَا الذين آمنوا اتقوا اللَّه وأطيعوا الرسول).
ويحتمل: ولا تبطلوا أعمالكم بالارتداد والكفر بعد الإيمان.
ويحتمل: أي: لا تبطلوا أعمالكم بالمنِّ على اللَّه، أو على الرسول في الإسلام؛ أي: تسلمون ممتنون على اللَّه أو على رسوله؛ كقوله - تعالى -: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ..) الآية.
وقال قتادة: ولا تبطلوا أعمالكم بالرياء، وقال: فمن استطاع منكم ألا يبطل عملا صالِحًا بعمل شر فليفعل؛ إن الشر ينسخ الخير، وإنما ملاك العمل بخواتيمه، فمن استطاع أن يختم بخير فليفعل، ولا قوة إلا باللَّه.
محمد 47:34
وعن عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه عنهما - قال: ما كنا معشر أصحاب مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نرى شيئًا يبطل أعمالنا حتى نزلت هذه الآية، فعلمنا ما الذي يبطل أعمالنا؟! الكبائر الموجبات والفواحش، فكنا على ذلك حتى أنزل اللَّه تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ..) الآية، فلما نزلت هذه الآية كففنا عن هذا القول.
وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) قال: هذا ليكونوا أبدًا على اليقظة والحذر؛ لئلا تبطل أعمالهم من حيث لا يشعرون؛ كقوله: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).
وفي حرف أبي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ولا تبطلوا إيمانكم).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) تأويلها ظاهر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) أي: لا تضعفوا وتدعوا إلى الصلح، كذلك قَالَ الْقُتَبِيُّ.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: السِّلم -بكسر السين-: الصلح، ولا أعرف بفتح السين هاهنا له معنى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أي: وأنتم الغالبون.
فيه النهي عن الدعاء إلى الصلح إذا كانوا هم الأعلون؛ أعني: أهل الإسلام.
ثم قوله - تعالى -: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) يحتمل وجوهًا:
يحتمل: الأعلون بالحجج والبراهين في كل وقت.
ويحتمل: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) بالقهر والغلبة في العاقبة؛ أي: آخر الأمر لكم.
ويحتمل (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) في الدنيا والآخرة؛ لأنهم وإن غلبوا في الدنيا وقتلوا كانت لهم الآخرة، وإن ظفروا بهم كانت لهم الدنيا والأموال.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) أي: وأنتم أولى باللَّه منهم، وهو ما ذكرنا في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) في النصر والغلبة.
محمد 47:35
الآية ٣٥ وقوله تعالى :﴿فلا تهِنوا وتدعوا إلى السّلم﴾ أي لا تضعُفوا، وتدعوا إلى الصّلح. كذلك قال القتبيّ، وقال أبو عوسجة، السِّلم بكسر(١) السين : الصّلح، ولا أعرف بفتح السين ههنا له معنى.
وقوله تعالى :﴿وأنتم الأعلون﴾ أي وأنتم الغالبون ؛ فيه النهي عن الدعاء إلى الصلح إذا كانوا هم الأعلون، أعني أهل الإسلام. ثم قوله تعالى :﴿وأنتم الأعلون﴾ يحتمل وجوها :
يحتمل ﴿الأعلون﴾ بالحُجج والبراهين في كل وقت. ويحتمل ﴿الأعلون﴾ بالقهر والغلبة في العاقبة، أي آخر الأمر لكم.
ويحتمل ﴿الأعلون﴾ في الدنيا والآخرة، لأنهم، وإن غُلبوا في الدنيا، وقُتلوا، كانت لهم الآخرة، وإن ظفروا بهم، كانت لهم الدنيا والأموال.
وقال بعضهم :﴿وأنتم الأعلون﴾ أي وأنتم أولى بالله منهم، وهو ما ذكرنا في الآخرة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والله معكم﴾ يحتمل ﴿معكم﴾ في النصر والغلبة، ويحتمل ﴿معكم﴾ في الوعد الذي وعد، أي ينجز ما وعد لكم في الدنيا، ويفي بذلك.
وقوله عز وجل :﴿ولن يتِركُم أعمالكم﴾ اختُلف فيه : قال بعضهم : أي لن يجعل الله للكافرين عليكم مظلمة ولا تبِعة، وهو يحتمل في الدنيا والآخرة كقوله تعالى :﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: ١٤١].
وقال بعضهم :﴿ولن يتركم أعمالكم﴾ أي لن ينقصكم أعمالكم، وكذا قال أبو عوسجة ؛ يقال : وَتَرَهُ، أي نَقَصَهُ، وقال بعضهم : لن يظلمكم أعمالكم ؛ يقال : وَتَرني حقّي أي بَخَسَنيه، كذلك قال القتبيّ، ولكن كلامهما واحد في المعنى، أي لا ينقص من أعمالهم شيئا، ولا يُظلمون فيها، ولا يُبخسون، والله أعلم.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٦/١٩٧..
محمد 47:36
ويحتمل معكم في الوعد الذي وعد؛ أي: ينجز ما وعد لكم في الدنيا ويفي بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ أي: لن يجعل اللَّه للكافرين عليكم مظلمة ولا تبعة، وهو يحتمل في الدنيا والآخرة؛ كقوله - تعالى -: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي: لن ينقصكم أعمالكم، وكذا قال أبو عَوْسَجَةَ؛ يقال: وتره: أي: نقصه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لن يظلمكم أعمالكم؛ يقال: وترني حقي، أي: بخسنيه، كذلك قال الْقُتَبِيّ، ولكن كلاهما واحد في المعنى، أي: لا ينقص من أعمالهم شيئا، ولا يظلمون فيها، ولا يبخسون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) أي: حياة الدنيا على ما عندهم وعلى ما يقدرون لعب ولهو؛ لأنهم كانوا يقولون أن لا بعث ولا حياة فعلى ما عندهم تكون حياة الدنيا على ما ذكر من اللهو.
ويحتمل أنه سماها: لهوًا ولعبا؛ لأنهم على ما يزعمون أنشأها للانقطاع والفناء، لا لتكتسب بها الحياة الدائمة في الآخرة؛ وإنشاء الشيء للانقطاع والفناء خاصة بلا عاقبة تقصد يكون لعبًا ولهوًا، ثم اللعب واللهو يجوز أن يكونا شيئا واحدًا، ويجوز أن يكون أحدهما ما يستمتع بظاهر الأشياء، والآخر ما يستمتع بباطن الأشياء: اللعب هو ما يستمتع بظواهر الأشياء، واللهو هو ما يتلهى ببواطنها، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ) أي: وإن تؤمنوا بما أمرتم الإيمان به وتتقوا عما نهيتم عن مخالفة أمره - (يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ): جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بفضله ورحمته لأعمالهم التي يعملون لأنفسهم أجرًا؛ إذ لا أحد يعمل لنفسه ويأخذ الأجر من غيره؛ لأنهم بالأعمال يسقطون عن أنفسهم التكليف بالشكر لنعم اللَّه - تعالى - حيث أسدى عليهم النعم ابتداء، لكنه جعل لأعمالهم أجرًا كأنهم يعملون له ابتداء، وإن كانوا عاملين لأنفسهم في الحقيقة، وإليه ترجع منافع أعمالهم، ولأن أنفسهم وأموالهم - في الحقيقة - لله - تعالى - فكيف يستحقون الأجر على مولاهم بأعمالهم؟ وهذا كما ذكرنا من الإقراض له والاستدانة منه كأنه لا ملك له في ذلك، وأن ليس له ذلك، وإن كانت حقيقة أملاكهم وأنفسهم لله - تعالى - فضلا منه وكرمًا، فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
محمد 47:37
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: ليس يسألكم الإنفاق من أموالكم، وإنما يسألكم من ماله يستمتعوا بمال غيره لأنفسكم وتجعلون ذخرًا لأنفسكم غير (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا)، أي: لو كان يسألكم من أموالكم لبخلتم وتركتم الإنفاق منها.
والثاني: (وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) أي: ولا يسألكم الإنفاق من جميع أموالكم، ولكن إنما يسألكم الإنفاق من طائفة من أموالكم (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ... (٣٧) أي: لو يسألكم جميع أموالكم، لحملكم ذلك على البخل وترك الإنفاق، فإن يسألكم الإنفاق من جزء من أموالكم فلماذا بخلتم وتركتم الإنفاق؟!
وقوله: (فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) يخرج من وجوه:
أحدها: أي: يحملكم على البخل لو سألكم جميع الأموال.
ويحتمل (فَيُحْفِكُمْ) أي: يجعلكم حفاة لا شيء يبقى عندكم: الإحفاء: أن يأخذ كل شيء عنده، وهو من الاستئصال، ومنه إحفاء الشوارب.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الإحفاء: شدة المسألة؛ أي: إن يلح عليكم فيما يوجبه في أموالكم تبخلوا؛ يقال: أحفى في المسألة وألحف وألح واحد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) أي: لو أمر بالإنفاق من جميع أموالكم ومن أموالكم حقيقة يظهر ذلك من أضغانكم التي في قلوبكم؛ لأن ذلك الأمر إنما يجري على ألسن الرسل؛ يوجب ذلك إظهار ما في قلوبهم من الضغائن للرسل، عليهم السلام.
فإن كان التأويل هذا فهو في المنافقين؛ فيكون الأمر بالإنفاق سبب إظهار نفاقهم
وضغائنهم وعداوتهم، فكان كالأمر بالقتال؛ كان سببًا لإظهار نفاقهم.
وإن كان في المسلمين فيحتمل أنه قال ذلك؛ تحريضًا لهم على الإنفاق والتصدق، أي: إنه سبب إخراج الضغائن والعداوة؛ لما فيه من التحبب والتودد بإيصال ما هو محبوب إليه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨) أي: هأنتم يا هَؤُلَاءِ تدعون لتنفقوا في سبيل اللَّه، أي: في إظهار دين اللَّه، أو في طاعة اللَّه، أو في الجهاد؛ لأن الإنفاق في ذلك كله في سبيل اللَّه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: الإنفاق لهم حقيقة إذا أنفقوا فيما أمرهم اللَّه - تعالى - بإلإنفاق في طاعته عند ذلك تصير تلك الأموال لهم؛ لأنهم إذا أنفقوا فيما أمر اللَّه - تعالى - انتفعوا بها في الدنيا، واستمتعت أنفسهم وتلذذت، وانتفعوا بها - أيضًا - في الآخرة وقت حاجتهم وفقرهم بذلك تتحقق وتحصل لهم تلك الأموال، فأما عند تركهم الإنفاق فيما أمروا بالإنفاق والبذل فلا تتحقق لهم تلك الأموال المجعولة في أيديهم؛ لأنه إما أن تجعل لوارثهم أو يأخذها منهم بلا سبب من غير أن يجعل لهم بذلك نفع يحصل لهم، فيكون ما ذكرنا، فذلك تأويل قوله - تعالى -: (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) - واللَّه أعلم - لما يهلك نفسه بترك الإنفاق منه ولم يتمتع ولم ينتفع به وقت حاجته إليه في الآخرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ) عن الصدقة والإنفاق في طاعة اللَّه، (وَمَنْ يَبْخَلْ) بالصدقة في طاعة اللَّه (فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) بالجزاء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) أي: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ) عن إنفاقكم وعما يأمركم بالإنفاق، (وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) إلى ما تنفقون؛ أي: أنتم المنتفعون بذلك الإنفاق الذي يأمركم به، لا أنه ترجع منفعة ذلك إليه، أو يأمر لحاجة نفسه، ولكن إنما يأمركم بذلك لحاجتكم إليه يومًا، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون يقول: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ) عنكم وعما في أيديكم (وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) إليه في كل وقت، وكل ساعة، في جميع أحوالكم وأوقاتكم؛ كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
ويحتمل: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ) عن أموالكم، (وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) إلى مغفرته ورزقه وجنته ورحمته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: قد تولوا، وهم أهل مكة، واستبدل قومًا غيرهم وهم أهل المدينة، لكن هذا بعيد؛ لأن السورة مدنية؛ فلا يحتمل الخطاب بها لأهل مكة بقوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا).
ومنهم من يقول: اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبر ووعد أهل المدينة أنهم إن يتولوا استبدل غيرهم أطوع منهم لله - تعالى - فلا تولوا هَؤُلَاءِ ولا استبدل غيرهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على وجهين:
أحدهما: قوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ)، أي: لم تتولوا ولم يستبدل قومًا غيركم.
والوجه الآخر: قد تولوا واستبدل بهم النخع، وأحمس، وناس من كندة، والذين تولوا حنظلة وأسد، وغطفان، وبنو فلان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) أي: لا يكونوا أمثالكم في الطاعة لله - تعالى - بل أطوع له وأخضع، واللَّه أعلم.
وذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل عن قوله: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) فضرب بيده على فخذ سلمان الفارسي، وقال: " والذي نفسي بيده، لو كان الدِّين منوطا بالثريا، لتناوله رجال من فارس ".
وقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " رأيت غيما سوداء، ردفها غيم بيض، فاختلطت بها فتعقب بهن جميعًا " قالوا: يا رسول اللَّه، فما أولت؟ قال: " العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم "، قالوا: العجم يا رسول اللَّه؟! قال: " نعم، لو كان الإيمان معلقًا بالثريا، لناله رجال من العجم، وأسعدهم به أهل فارس " فإن ثبت هذا الخبر، فجائز أن يستدل به على جعل العجم أكفاء العرب؛ لأنه قال: " يشركونكم في أنسابكم " فإذا أشركوهم في أنسابهم صاروا أكفاء لهم.
ويحتمل أن يكون قوله: " يشركونكم في أنسابكم "؛ لأنهم يسبونهم، فيلدون منهم أولادًا فيشتركون فيما ذكر، واللَّه أعلم.
وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: تلا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هذه الآية: (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)، قالوا: ومن يستبدل قومًا؟ قال: فضرب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على منكب سلمان، ثم قال: " هذا وقومه هذا "، وقال في حديث آخر: " والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطًا بالثريا، لناله رجال من فارس "، واللَّه أعلم بالصواب، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله أجمعين.
* * *
محمد 47:38
الآية ٣٨ وقوله تعالى :﴿هاأنتم هؤلاء تُدعَون لتُنفقوا في سبيل الله﴾ أي في إظهار دين الله أو في طاعة الله أو في الجهاد لأن الإنفاق في ذلك كلّه في سبيل الله، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾ جعل الله عز وجل /٥١٦-أ/ الإنفاق لهم حقيقة إذا أنفقوا في ما أمرهم الله تعالى بالإنفاق في طاعته، عند ذلك تصير تلك الأموال لهم لأنهم إذا أنفقوا في ما أمر الله تعالى انتفعوا بها في الدنيا، واستمتعت أنفسهم، وتلذّذت، وانتفعوا بها في الآخرة وقت حاجتهم وفقرهم، بذلك تُتحقّق لهم، وتُحصّل تلك الأموال.
فأما عند تركهم الإنفاق في ما أمر بالإنفاق والبذل فلا تُتحقّق لهم تلك الأموال المجعولة في أيديهم لأنه إما أن تُجعل لوارثهم، أو يأخذها منهم بلا سبب من غير أن يجعل لهم بذلك نفع يحصل لهم، فيكون ما ذكرنا.
فذلك تأويل قوله تعالى :﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾، والله أعلم، لما يُهلِك نفسه بترك الإنفاق منها، فلم يتمتّع، ولم ينتفع به وقت حاجته إليه في الآخرة.
وقال بعضهم : قوله تعالى :﴿فمنكم من يبخل﴾ عن الصدقة والإنفاق في طاعة الله ﴿ومن يبخل﴾ بالصدقة في طاعة الله ﴿فإنما يبخل عن نفسه﴾ بالجزاء، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والله الغنيّ وأنتم الفقراء﴾ أي والله الغني عن إنفاقكم وعما يأمركم بالإنفاق، وأنتم الفقراء إلى ما تُنفقون، أي أنتم المنتفعون بذلك الإنفاق الذي يأمركم به [ لا أنه ](١) يُرجِع منفعة ذلك غليهن أو يأمر لحاجة نفسه، ولكن إنما يأمركم بذلك لحاجتكم إليه يوما، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون يقول :﴿والله الغنيّ﴾ عنكم وعما في أيديكم ﴿وأنتم الفقراء﴾ إليه في كل وقت وكل ساعة في جميع أحوالكم وأوقاتكم كقوله تعالى :﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيّ الحميد﴾ [فاطر: ١٥].
ويحتمل أن يكون يقول :﴿والله الغنيّ﴾ عن أموالكم ﴿وأنتم الفقراء﴾ إلى مغفرته ورزقه وجنّته ورحمته.
وقوله تعالى :﴿وإن تتولَّّوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ قال بعضهم : قد تولَّوا، وهم أهل مكة، واستبدل قوما غيرهم(٢)، وهم أهل المدينة. لكنّ هذا بعيد لأن السورة مدنية فلا يحتمل الخطاب به لأهل مكة بقوله :﴿وإن تتولّوا﴾ ومنكم من يقول : الله عز وجل أخبر، ووعد أهل المدينة أنهم إن يتولّوا يستبدل(٣) غيرهم أطوع منهم لله تعالى، فلا تولّى(٤) هؤلاء، ولا استبدل غيرهم. وقال بعضهم : هو على وجهين :
أحدهما : قوله :﴿وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم﴾ [ أي لم تتولّوا، ولم يستبدل قوما غيركم ](٥).
والوجه الآخر : قد تولّوا، واستبدل بهم النُّخَعَ وأحْمَسَ وناسا(٦) من كِنْدَة. والذين تولَّوا : حنظلة وأسد وغَطَفان وبنو فلان.
وقوله تعالى :﴿ثم لا يكونوا﴾ أي لا يكونوا أمثالكم في الطاعة لله تعالى، بل أطوع له وأخضع والله أعلم.
وذُكر أن رسول الله ﷺ سُئل عن قوله تعالى :﴿وإن تتولّوا يستبدل قوما غيركم﴾ ( فضرب بيده على فخذ سَلْمان الفارسيّ، وقال : والذي نفسي بيده لو كان الدين منوطا بالثريّا لتناوله رجال من فارس ) [ الترمذي ٣٢٦١ ].
وقال رسول الله ﷺ :( رأيت غنمًا سوداء، ردفها غنمٌ بيض، فاختلطت بها، فتعقّبت بهم جميعا. قالوا : يا رسول الله ﷺ فما أوّلت ؟ قال : العَجَمُ يشركونكم في دينكم وأنسابكم. قالوا : العجم يا رسول الله ؟ قال : نعم، لو كان الإيمان معلّقا بالثُّريّا لتناوله رجال من العجَم، وأسعدهم به أهل فارس ) [ الحكم في المستدرك ٤/٣٩٥ ].
فإن ثبت هذا الخبر فجائز أن يُستدلّ به على جعل العجَم أكفاء العرب لأنه قال :[ يُشركونكم في أنسابكم ] فإذا أشركوهم في أنسابهم صاروا أكفاء لهم.
ويحتمل أن يكون قوله :( يشرُكونكم في أنسابكم ) لأنهم يتزاوجون(٧)، فيلد منهم أولاد، فيشرُكونهم في ما ذكر، والله أعلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال :( تلا رسول الله ﷺ هذه الآية :﴿وإن تتولَّوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالَكم﴾ قالوا : من هؤلاء ؟ فضرب رسول الله ﷺ على منكب سَلْمان، ثم قال : هذا وقومه ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره : ٢٦/٦٧ ].
وقال في حديث آخر :( والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثُّريّا لتناوله رجال من فارس ) [ الحاكم في المستدرك ٤/٣٩٥ ] والله أعلم بالصواب.
[ وصلى الله تعالى على محمد وآله أجمعين ](٨).
١ من م، في الأصل: لك..
٢ في الأصل وم: غيركم..
٣ في الأصل وم: استبدل..
٤ في الأصل وم: تولّوا..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: وناس..
٧ في الأصل: ينسبون، في م: ينسبونهم..
٨ من م، ساقطة من الأصل..