تأويلات أهل السنة — الحشر 59:1 – التغابن 64:18
المحتويات
- الحشر 59:1
- الحشر 59:2
- الحشر 59:3
- الحشر 59:4
- الحشر 59:5
- الحشر 59:6
- الحشر 59:7
- الحشر 59:8
- الحشر 59:9
- الحشر 59:10
- الحشر 59:11
- الحشر 59:12
- الحشر 59:13
- الحشر 59:14
- الحشر 59:15
- الحشر 59:16
- الحشر 59:17
- الحشر 59:18
- الحشر 59:19
- الحشر 59:20
- الحشر 59:21
- الحشر 59:22
- الحشر 59:23
- الحشر 59:24
- الممتحنة 60:1
- الممتحنة 60:2
- الممتحنة 60:3
- الممتحنة 60:4
- الممتحنة 60:5
- الممتحنة 60:6
- الممتحنة 60:7
- الممتحنة 60:8
- الممتحنة 60:9
- الممتحنة 60:10
- الممتحنة 60:11
- الممتحنة 60:12
- الممتحنة 60:13
- الصف 61:1
- الصف 61:2
- الصف 61:3
- الصف 61:4
- الصف 61:5
- الصف 61:6
- الصف 61:7
- الصف 61:8
- الصف 61:9
- الصف 61:10
- الصف 61:11
- الصف 61:12
- الصف 61:13
- الصف 61:14
- الجمعة 62:1
- الجمعة 62:2
- الجمعة 62:3
- الجمعة 62:4
- الجمعة 62:5
- الجمعة 62:6
- الجمعة 62:7
- الجمعة 62:8
- الجمعة 62:9
- الجمعة 62:10
- الجمعة 62:11
- المنافقون 63:1
- المنافقون 63:2
- المنافقون 63:3
- المنافقون 63:4
- المنافقون 63:5
- المنافقون 63:6
- المنافقون 63:7
- المنافقون 63:8
- المنافقون 63:9
- المنافقون 63:10
- المنافقون 63:11
- التغابن 64:1
- التغابن 64:2
- التغابن 64:3
- التغابن 64:4
- التغابن 64:5
- التغابن 64:6
- التغابن 64:7
- التغابن 64:8
- التغابن 64:9
- التغابن 64:10
- التغابن 64:11
- التغابن 64:12
- التغابن 64:13
- التغابن 64:14
- التغابن 64:15
- التغابن 64:16
- التغابن 64:17
- التغابن 64:18
الحشر 59:1
سُورَةُ الْحَشْرِ وهي مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ. وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
قد سبق تأويل التسبيح وبيان وجوهه.
وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
العزيز: هو الغالب القاهر، وقيل: هو العزيز؛ حيث جعل في كل شيء من خلقه أثر الذل والحاجة، وقوله: (الْحَكِيمُ) له أحد معنيين: معنى الإحكام ومعنى الحكمة: فأما معنى الإحكام فهو أنه أحكم الأشياء على اختلافها وتضادها؛ حيث تشهد له بالوحدانية فهو حكيم؛ حيث وضع الأشياء مواضعها، وخلق الأشياء مواضع.
ثم الأصول التي يتولد منها هذه الأشياء والأفعال ثلاثة: الكيانات والطبائع والعقول:
أما الكيانات: فنحو النطفة أنها بحيث تصلح أن يكون منها البشر إذا اتصلت بها موادها، ونحو الماء فإنه بحيث يحيا به كل شيء، وبحيث يصلح به كل شيء.
والطبائع: حيث خلق في البشر، وهي ما يميلون بها إلى المحاسن والمنافع ويحترزون من المساوي والمضار.
والعقول: ليدركوا بها العواقب، ثم إنه علمهم الوجوه التي تتولد من هذه الأشياء؛ فهو حكيم حيث خلق الأصول التي وصفنا، وعلم عباده الأسباب التي بها يولدون، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) [هم بنو قريظة، وقال غيره من المفسرين]: هم بنو النضير وهو أقرب. ثم المعنى في إضافة الإخراج إليه يخرج على وجهين:
أحدهما: أنه اضطرهم إلى الخروج فنسب الإخراج إليه؛ كما قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا...) الآية.
والثاني: أنه خلق الخروج من ديارهم منهم؛ فأضيف إليه بحكم الخلق، ثم الأصل في إضافة الفعل إلى اللَّه تعالى أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق وعلى التسبيب، وأما الخلق قلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على التمكين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ).
اختلفوا فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أول الحشر الجلاء إلى الشام، والحشر الثاني: حشر القيامة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أول الحشر حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر الثاني: حين أجلاهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى الشام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) أي: ما ظننتم أيها المؤمنون أن تنتصروا منهم، فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف اللَّه ومنته عليكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ).
لا يحتمل أن يتوهم أحد هذا، والمعنى في ذلك عندنا وجهان - واللَّه أعلم -:
أحدهما: أنهم ظنوا أن اللَّه - تعالى - حيث آتاهم القوة والحصون لا يبلغ بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب وكانوا يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، ويكون قوله: (مِنَ اللَّهِ)، أي: باللَّه وبأمره؛ كقوله - تعالى -: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) أي: بأمر اللَّه؛ فعلى ذلك، الأول.
والثاني: أي: ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء اللَّه أن يظهروا عليهم، أو من دين اللَّه أن يظهر فيهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا).
يعني: أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر؛ لأن المسلمين لم يظنوا أن يقهروهم ويغلبوهم؛ مع قلة عددهم وكثرة عدد أُولَئِكَ، وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون ويغلبون، حتى منَّ اللَّه - تعالى - على المؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من اللَّه - تعالى - إلى المؤمنين، واللَّه أعلم.
ثم الأصل فيما خرج هذا المخرج من نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ)، ومن نحو قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)، ومن نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ)، وما يشاكله أن نحمله على أحد معان ثلاث:
أحدها: أن نقول: المراد إتيان آثار فعل اللَّه - تعالى - ويجوز أن يضاف إليه سبيل إضافة حقيقة العمل؛ كما يقال: الصلاة أمر اللَّه، ونحن نعلم أنها ليست بعين أمر اللَّه؛ لكنها أثر أمر اللَّه - تعالى - وكذلك يقال: المطر رحمة اللَّه - تعالى - يعني: أثر رحمته؛ فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم اللَّه - تعالى - وتدبيره وفعله: وهو العذاب جاز أن يضاف إليه إضافة حقيقة الفعل، واللَّه أعلم.
والثاني: أن يقال بأن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن يراد منه تلك الصلة، وإنَّمَا نتكلم بإضافة هذا الفعل إليه مجازا؛ على ما اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوها أن يأتوها بأنفسهم، وشرح ذلك وبيانه أنه قال: (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ)، فكان المقصود من هذا تلك الصلة، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ). وكذلك قوله - تعالى -: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)، وكذلك ما أشبهه من نحو قوله - عز وجل -: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)، ومن قوله - تعالى -: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ)، أي: استوى تدبيره من حيث وصل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه، هذا، واللَّه أعلم.
والثالث: نقول بأن هذه أسماء مشتركة المعنى، وما كان سبيله هذا السبيل جاز أَن يضاف إلى اللَّه - تعالى - على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين؛ ألا ترى أنه يقال: جاء الليل وذهب النهار، ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ).
هذا يدل على أن الملك للمسلمين في أموال أهل الحرب ليس يقع بمجرد الغلبة ما لم يكن ثم أسر؛ لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم: أضاف الملك إلى الكفرة، مع أن الغلبة للمسلمين؛ فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن اللَّه - تعالى - منَّ عليكم؛ حيث أخرج الكفار من ديارهم؛ فإنه لم يكن ذلك بقوتكم.
ويحتمل أن يكون المعنى فيه: فاعتبروا يا أولي الأبصار من أهل الكفار؛ فإن ذلك
الحشر 59:2
الآية ٢ وقوله تعالى :﴿هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾[ قيل :](١) هم بنو قريظة، و قال جماعة(٢) من المفسرين : هم بنو النضير، وهو أقرب.
ثم المعنى /٥٥٩- أ/ في إضافة الإخراج يخرج على وجهين :
أحدهما : أنه اضطرهم إلى الخروج، فنسب الإخراج إليه كما قال الله عز وجل :﴿إذ أخرجه الذين كفروا﴾ الآية [التوبة: ٤٠].
والثاني : أنه خلق الخروج من ديارهم منهم، فأضيف إليه بحكم الخلق.
ثم الأصل في إضافة الفعل إلى الله تعالى أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق وعلى التسبيب : فأما [ إضافة الفعل إلى ](٣) الخلق فلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على التمكين، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿لأول الحشر﴾ اختلفوا فيه ؛ قال بعضهم : أول الحشر الجلاء إلى الشام، والحشر الثاني : حشر القيامة. وقال بعضهم : أول الحشر، هو حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر الثاني حين أجلاهم عمر رضي الله عنه إلى الشام.
وقوله تعالى :﴿ما ظننتم أن يخرجوا﴾ أي ما ظننتم أيها المؤمنون أن تنتصروا منهم فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف الله ومنته عليكم.
وقوله تعالى :﴿وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله﴾ ولا يحتمل أن يتوهم أحد هذا. والمعنى في ذلك عندنا وجهان، والله أعلم.
أحدهما : أنهم ظنوا أن الله تعالى حين(٤) آتاهم القوة والحصون لا يبلغ بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم لأنهم كانوا أهل الكتاب، وكانوا يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله تعالى :﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ [المائدة: ١٨] ويكون قوله :﴿من الله﴾ أي بالله وبأمره كقوله تعالى :﴿له معاقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١] أي بأمر الله. فعلى ذلك [ ﴿مانعتهم حصونهم﴾(٥) من الله ] أي بأمر الله. فعلى ذلك الأول.
والثاني : أنهم(٦) ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء الله أن يظهروا عليهم أو من دين الله أن يظهر فيهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا﴾ يعني أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر، لأن المسلمين لم يظنوا أن يقهروهم، ويغلبوهم، مع قلة عددهم وكثرة عدد أولئك.
وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون، ويغلبون، حتى من الله تعالى على المؤمنين. فإن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من الله تعالى إلى المؤمنين والله أعلم.
ثم الأصل في ما خرج هذا المخرج من نحو قوله عز وجل ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ [النحل: ٢٦] ومن نحو قوله تعالى :﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢] ومن نحو قوله تعالى :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ [ البقرة ٢١٠ ] وما يشاكله أن يحمله على إحدى معان ثلاثة :
أحدها : أن يكون(٧) المراد إتيان آثار فعل الله تعالى ؛ ويجوز أن يضاف إليه سبيل إضافة حقيقة العمل كما يقال : الصلاة أمر الله، ونحن نعلم أنها ليست بعين أمر الله، لكنها أثر أمر الله تعالى، وكذلك يقال : المطر رحمة الله تعالى ؛ يعني أثر رحمته. فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم الله تعالى وتدبيره وفعله، وهي العذاب جاز أن تضاف [ إليه آثار ](٨) حقيقة الفعل، والله أعلم.
والثاني : أن يقال : إن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن يراد منه تلك الصلة، وإنما نتكلم بإضافة(٩) هذا الفعل إليه مجازا على ما اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوا(١٠) أن يأتوها بأنفسهم.
وشرح ذلك وبيانه أنه قال :﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ عليهم السقف من فوقهم﴾ وكذلك قوله تعالى :﴿فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب﴾ وكذلك ما أشبهه من نحو قوله تعالى :﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾[الفجر: ٢٢] ومن [ نحو ](١١) قوله تعالى :﴿ثم استوى إلى السماء﴾[ البقرة : ٢٩ وفصلت : ١١ ] أي استوى تدبيره من حيث وصل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه هذا، والله أعلم.
والثالث : يقول : إن هذه أسماء مشتركة المعنى. وما كان سبيله هذا السبيل جاز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين.
ألا ترى أنه يقال : جاء الليل، وذهب النهار ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه ؟ .
وقوله تعالى ﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ هذا يدل على أن الملك للمسلمين في أموال أهل الحرب، ليس يقع بمجرد الغلبة ما لم يكن ثم أسر لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم ؛ أضاف الملك إلى الكفرة مع أن الغلبة للمسلمين.
قوله تعالى :﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن الله من عليكم حين(١٢) أخرج الكفار من ديارهم ؛ فإنه لم يكن ذلك بقوّتكم.
ويحتمل أن يكون المعنى فيه ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ من أهل الكفار فإن ذلك يدلكم، ويعرفكم، أن اتفاقكم على النفرة على النبي ﷺ لا يغنيكم كما لم يغن هؤلاء الذين خرجوا إلى مكة، واتفقوا مع المشركين، ثم لم يغنيهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: غيره..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: حيث.
٥ في الأصل و م: يحفظونه..
٦ في الأصل و م: أي..
٧ في الأصل و م: يقول..
٨ من نسخة الحرم المكي، في م: إضافة، ساقطة من الأصل..
٩ من م، في الأصل: بالإضافة..
١٠ في الأصل و م: أردوها..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ في الأصل و م: حيث..
الحشر 59:3
يدلكم ويعرفكم أن اتفاقكم على النصرة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا يغنيكم، كما لم يغن هَؤُلَاءِ الذين خرجوا إلى مكة واتفقوا مع المشركين، ثم لم يغنهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا... (٣).
يعني: لولا أن كتب اللَّه عليهم الجلاء في اللوح المحفوظ، لعذبهم في الدنيا بالقتل.
وقوله: (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ).
قال هذا في قوم علم أنهم يموتون على الكفر، وما روي أن أحدًا منهم مات على الإسلام؛ فيكون فيه دلالة أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يخبر ذلك بالوحي والتنزيل، لا من تلقاء نفسه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤).
يحتمل أوجهًا ثلاثة:
أحدها: أن يقول: (ذَلِكَ)، يعني: ذلك العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، ثم المشاقة والمعاداة والمحادة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله: بمعنى المعاداة.
وقوله: (وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
يحتمل أن يكون على التقديم والتأخير؛ ووجهه أن يقول: إن اللَّه شديد العقاب لمن يشاقق اللَّه ورسوله، أو يكون فيه إضمار كأنه يقول: إن عقوبته لمن يشاق اللَّه ورسوله شديدة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥).
وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين: إنكم تزعمون أن اللَّه لا يحب الفساد، وأنتم تفسدون بقطع النخيل لا يحتمل هذا؛ قال اللَّه - تعالى - قبل: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)، فإذا كانت أنفسهم تسخو بتخريب البيوت؛ فما بالها لا تسخو بقطع الأشجار؟! ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها، وقد يؤمل في النخيل منافع بعد قطعها، ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوفوهم بالقتل؛ فقالوا على أثر ذلك: إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخيل لكم؛ فكيف تفسدون أملاككم؟!
الحشر 59:4
الآية : ٤ وقوله تعالى :﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ يحتمل أوجها ثلاثة(١) :
أحدها : أن يكون(٢) هذا العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله. ثم المشاقة والمعاداة والمحادّة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله بمعنى المعاداة.
وقوله تعالى :﴿ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾ يحتمل أن يكون على التقديم والتأخير ؛ ووجه أن يقول : إن الله شديد العقاب لمن يشاقق الله ورسوله، ويكون فيه إضمار ؛ كأنه يقول : إن عقوبته لمن يشاقق الله ورسوله شديدة.
١ لم يذكر المؤلف أبو منصور إلا وجها واحدا..
٢ في الأصل و م: يقول..
الحشر 59:5
الآية ٥ وقوله تعالى :﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين أنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد، وأنتم تفسدون بقطع النخيل، لا يحتمل هذا.
قال الله تعالى قبل [ ذلك ](١) :﴿يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين﴾ فإذا كانت أنفسهم تسخى بتخريب البيوت فما بالها لا تسخى بقطع الأشجار ؟
ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها، وقد يؤٍٍٍمل في النخيل منافع بعد قطعها. ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوّفوهم بالقتل، فقالوا على إثر ذلك : إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخل ملكا لكم، فكيف تفسدون أملاككم ؟
ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه(٢) من التأويل :
أحدها : أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم بل ليستسلموا لله ولرسوله ويخضعوا لدينه.
والوجه الثاني : أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم وإتلافهم، فما ظنك بأموالهم ؟ .
والوجه الثالث : أن الله عز وجل كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم، وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ؛ ليقطع طمع من أجلي عن المقام. فأذن الله تعالى في قطع النخيل إتماما/ ٥٥٩- ب / لما كتب عليهم من الجلاء، والله أعلم.
[ والوجه ](٣) الرابع : أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود والتحريف والتبديل للتوراة، إنما وقع منهم رغبة في الدنيا وسعتها، فأذن الله تعالى في قطع النخيل عقوبة لهم وخزيا من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فبإذن الله﴾ إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله تعالى أمر بالقطع والترك جميعا، وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله تعالى قد شاء الأمرين جميعا، والله أعلم.
واللينة اللون من النخيل كما تقول : قوت وقيتة.
وقوله تعالى :﴿وليخزي الفاسقين﴾ أي ليكون كبتا وغيظا للفاسقين، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: أوجها..
٣ ساقطة من الأصل و م..
الحشر 59:6
ثم في إذن اللَّه بقطع النخيل أوجه من التأويل:
أحدها: أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم؛ بل ليستسلموا لله ولرسوله، ويخضعوا لدينه.
والوجه الثاني: أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم وإتلافهم؛ فما ظنك بأموالهم؟!
والوجه الثالث: أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ليقطع طمع من أجلي عن المقام؛ فأذن اللَّه - تعالى - في قطع النخيل إتمامًا لما كتب عليهم من الجلاء، والله أعلم.
والرابع: أن هَؤُلَاءِ كانوا أئمة اليهود، والتحريف والتبديل للتوراة إنما وقع منهم؛ رغبة في الدنيا وسعتها؛ فأذن اللَّه - تعالى - في قطع النخيل عقوبة لهم، وحزنًا من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبِإِذْنِ اللَّهِ).
إن كان المراد منه العلم فوجهه أن اللَّه - تعالى - علم منهم ذلك، ولو كان فسادا فيه لنهاهم عن ذلك.
وإن كان المراد منه الأمر فهو أن اللَّه - تعالى - أمر بالقطع والترك جميعًا.
وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن اللَّه - تعالى - قد شاء الأمرين جميعًا، واللَّه أعلم.
واللينة: اللون من النخيل؛ كما تقول: فوت وفيتة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ).
أي: ليكون كبتًا وغيظًا للفاسقين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦).
قال: حق هذه الآية أن تكون مؤخرة، وأن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)، متقدمة؛ لوجهين:
أحدهما: أنه ذكر فيه الواو، والواو لا يبتدأ بها إلا في القسم.
والثاني: أن قوله: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) حرف كناية، والكناية لا بد لها من معرفة تعطف عليها فترجع إليها؛ فلذلك قلنا: إن حقه التأخير وحق الثانية التقديم، وعلى ذلك قراءة عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وإذا كان كذلك فوجهه: أن الذي وجب صرفه إلى الأصناف التي ذكرنا إنما هو الخمس، وأوجب - هاهنا - من كل الغنيمة، فأبان بقوله: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) أنه إنما يصرف هذه الأربعة الأخماس إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دونهم؛ لهذا المعنى: أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب، أشار إلى أن استحقاقهم الأربعة الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب، واللَّه أعلم.
وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال، ليس على التقديم والتأخير، فإنه يحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) صلة قوله: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ... وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ)، وإذا كان بناؤه على ذلك، استقام أن يذكر بحرف الواو وحرف الكناية.
قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن المنافقين وأهل الضعف من المؤمنين الذي آمنوا بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين الذين هاجروا إليه، وكيف آثر بها نفسه؟
والجواب عن هذا: أن هَؤُلَاءِ الأصناف قوم عامة المسلمين تحمل مؤنتهم لولا هذه الغنيمة، ومعلوم أن أنفس المسلمين ببذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص، وعلى هذه العبارة تجري مسائل لنا:
أحدها: ما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه جعل العقل على أهل الديوان؛ لأن ذلك يخرج مخرج المعونة، ومعلوم أن المعونة على عامتهم؛ فبذل ما رجع من هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم لو صرف إلى خاصتهم، وكذلك قوله: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا)، ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن تذهب إلى دار الحرب بشيء من مال زوجها كان واجبًا على العامة، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة وفيها مال مسلم قد غلب عليه المشركون: أنه ما دام الملك للعامة ولم يقسم يرد عليه من غير بدل، وإذا قسموا، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل؛ فكذلك الأول، واللَّه أعلم.
قال الفقيه - رحمه اللَّه -: والذي يجب من جهة العرف والشريعة: أن يكون تحمل مؤنة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أمته: أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كان مؤنته على ذلك القول له، وكذلك من جهة الشريعة، ومعلوم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو مال العامة، وذلك هو الفيء، هذا لو اختصه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لنفسه؛ فكيف وقد قسمه بين
الحشر 59:7
الفقراء وأهل الحاجة، ولم يأخذه لنفسه؟!
ووجه آخر في هذا: ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي "، وقال: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين "، فلو اختص ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لنفسه، لجاز له بما قال، ولكن اللَّه جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤنتهم على المسلمين لولا هذا الفيء؛ كي يكون منَّة له على أمته، ولئلا يكون لأحد من أمته عنده - عليه الصلاة والسلام - يد ولا صنيعة، واللَّه أعلم.
ووجه آخر: أنه لما لم يؤذن لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في كسب شيء من الدنيا وفضولها؛ حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل اللَّه له الفيء ليكتسب به الفضائل. والمعروف، واللَّه أعلم.
وفي قوله: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين ": دلالة أن ما أفاء اللَّه على رسوله وأعطاه فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه فيمن شاء، والقول عند أصحابنا في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب فيئًا يشترك فيه قومه؛ لأن هبة الأئمة إنما هي لقومهم، وكان هبة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما نصر بالرعب؛ فجاز أن يختص بها قومه واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠).
ثم قوله: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى).
يعني: رد اللَّه على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى اللَّه لرسوله من ملك الكفرة.
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) يجوز أن يكون قرى قد أعطوه، أو يكون هذه بشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في فتح القرى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِذِي الْقُرْبَى). يجوز أن يقال: إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها غير قرابة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى "، فقرابة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إنما تدخل في هذه الآية بالتأويل، وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة المخاطبين في الآية، ومعلوم أن الخطاب بالقسم إنما هو للمغتنمين.
وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) إنما يفهم منه قرابة الرسول - عليه السلام - وذوو القربى من أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين:
منهم من يقول: إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين.
أحدهما: قوله: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) وكان المراد منه منصرفًا إلى المحتاجين؛ فكذلك في القرابة.
ومنهم من قال: إن الخمس كان لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يصل به إلى قرابته، فلما قبض - عليه السلام - انقطع ذلك الحق؛ لوجهين:
أحدهما: قوله - عليه السلام -: " إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة ".
والثاني: إنما كانوا يستوجبونه برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فإذا قبض انقطع ذلك عنهم؛ على سبيل انقطاع الحقوق عن أصحابها عند وفاتهم، ثم الفائدة في منع ما كان لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الوراثة من وجهين:
أحدهما: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائمًا لله تعالى؛ فإذا كان كذلك، جاز أن يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: أليست الأملاك كلها لله؟
قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله - تعالى -: (نَاقَةُ اللَّهِ)، وبيت اللَّه.
ووجه آخر: ما كان لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فهو وقف عليه إلى يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضا - أن يوقف عليه ملكه - عليه السلام - ومعلوم أن ما كان موقوفًا فسبيله التصدق، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ).
له معنيان:
أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -
الحشر 59:8
يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم.
ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول ما يقع في يده يستمتع به في منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، واللَّه أعلم.
قَالَ بَعْضُهُمْ: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدّولة: واحدة، وهي فعلة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).
يعني: ما أعطاكم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من هذه الغنيمة فخذوه ولا تظنوا به ظنًّا مكروهًا وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.
وعلى قراءة ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)، يحمل معنى الأمر ومعنى الإعطاء، أي: ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من الدنيا عنه -يعني: زجركم عنه- فانتهوا عنه.
قال - رحمه اللَّه -: ويروى: أن عامة الفقهاء يحتجون بهذه الآية في موضع الأمر مع لفظ الإيتاء، وليس يوجب ظاهره هذا؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والتمليك، كقوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، ولكن وجه الاحتجاج به: أن اللَّه - تعالى - لما أمرنا بأخذ معروفه - عليه السلام - وإن كان في أخذ المعروف من غيره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خيار: فلأن يلزمنا الأخذ بأمره والاتباع له أحرى وأولى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨).
وما نسق عليه من قوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ...)، وقوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ...) الآيات ظاهر هذا يقتضي إيجاب حق لهم؛ لأنه إذا قيل: لفلان، لم يكن بد من أن يقال: كذا وكذا، وإذا كان كذلك لم يكن به من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضًا أن يخفي اللَّه - تعالى - علم ذلك الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه؛ فالسبيل في ذلك من جهة التأويل عندنا، واللَّه أعلم.
ثم يحتمل أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سئل عن جوابه: لمن؟ قال: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ).
ويحتمل أن يكون الرسول سأل ربه - جل وعلا - عن جوابه: لمن؟ فأخبر: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ). ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق، هو ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا فتحت وهو ما روي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال لعلي وابن مسعود - رضي اللَّه عنهما - حين فتح سواد الكوفة: أني أستشيركم في أمر، قد أغناني اللَّه - تعالى - عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ)، ثم قال: لهَؤُلَاءِ خاصة، وتلا قوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، ثم قال: ليس لهَؤُلَاءِ خاصة، وتلا قوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ...).
وروي أن بلالا قال له: اقسم بيننا كما قسم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خيبر بين أهل العسكر، وقال: اللهم اكفني بلالا وأهله. ثم قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من هذا، وأخبر اللَّه بقوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) أنهم شركاء هَؤُلَاءِ؛ فجائز أن يكون عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فعلم أن الحق الذي أوجب اللَّه - تعالى - لهَؤُلَاءِ ذلك.
أو يجوز أن يكون اللَّه - تعالى - بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود - رضي اللَّه عنهم - لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك؛ ولذلك قال أصحابنا: إن الإمام إذا افتتح قرية من قرى أهل الحرب فهو فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين أهلها ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر. وإنَّمَا كان كذلك؛ لأن المقصود من المقاتلة أحد معنيين: إما لتوسيع أمكنة الإسلام أن تضيق، أو يضيق المكان بهم؛ ليستسلموا لدين اللَّه، وينقادوا لأمره، وينظروا في حججه، وليست مقاتلتهم عقوبة كفرهم؛ بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد يستفاد إذا وظف عليهم الخراج؛ فلذلك كان للإمام الخيار، واللَّه أعلم.
ولو فهم بلال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المعنى الذي لأجله قسم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خيبر بينهم لم يقس سواد الكوفة عليه.
والمعنى من قسمته - عليه السلام - خيبر بينهم، عندنا - واللَّه أعلم -: هو أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية بشرهم اللَّه - تعالى - بفتح قريب؛ عوضًا عما نالهم فيما أصابهم، وأما سواد الكوفة فلم يكن فيها شيء من هذا المعنى؛ فلم يجز أن يكون أمره مقيسًا عليه، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) يحتمل أن يكون المراد منه المجاهدين المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي: لهم هذا الحق الذي سبق وصفه.
الحشر 59:9
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ).
لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن أضيف الإخراج إليهم؛ لما كانوا أسبابًا لخروجهم، وهذا كقوله - تعالى -: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، وإبليس -عليه اللعنة- لم يتول إخراجهما من الجنة، ولكن حرضهما على سبب إتيانه؛ فلم يستقرا بعده في ذلك المكان؛ فأضيف الفعل إليه، وقد وصفنا أن هذه الأفعال إذا أضيفت إلى العباد فإنما معنى ذلك أسباب تكون منهم لا حقيقة تلك الأفعال، وما أضيف إلى اللَّه - تعالى - من ذلك فهو يحتمل الأمرين جميعًا: الحقيقة والسبب في ذلك؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على التسبب، فأما رب العالمين فإنه قادر على إقدار العبد على فعل وقت فعله؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يراد حقيقة الفعل فيما يضاف إلى اللَّه تعالى، وهو الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ).
يدل على أنه كانت لهم بمكةَ ديار وأموال، ثم مع هذا لم يرو عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رَدُّ شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أُولَئِكَ شيئًا من أموالهم؛ ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ).
يعني: أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال؛ يبتغون الرزق من اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
دل أن هذا الحق للمجاهدين منهم، ثم قوله: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ)؛ يحتمل وجهين:
أحدهما: ينصرون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وذكر (اللَّهَ) صلة.
والثاني: ينصرون دين اللَّه، ويطيعون رسوله، عليه السلام.
وقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).
يعني: الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم؛ لهجرتهم لدينهم وسعيهم إلى ما يزلفهم إلى اللَّه - تعالى - ويقرب إليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩).
يعني: الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار.
وقوله: (وَالْإِيمَانَ).
أي: أنهم آمنوا قبل هجرة هَؤُلَاءِ، لكي يأمن هَؤُلَاءِ المهاجرون من [إحنهم]، ولا يخافوا شرهم.
وقوله: (مِنْ قَبْلِهِمْ).
يعني: من قبل الهجرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)، يعني: أن اللَّه - تعالى - ألقى إليهم محبة؛ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا).
يعني: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما قسم خيبر بين المهاجرين، وترك الأنصار لم يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أَعطى المهاجرين، يعني: أن اللَّه - تعالى - أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا عن حاجة ولا مقت ألبتَّة.
ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة - هاهنا -: الغل والحسد، يعني: أن اللَّه - تعالى - طهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
أي: يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون هم حاجة مما يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
إن اللَّه - تعالى - خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع والطلب لها، وبغض المساوي والمضار والهرب عنها، ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون، وحمل النفس على ما يكرهون؛ طلبًا لنجاتهم، وتوصلا إلى ثوابهم، ثم وقاية الأنفس من الشح تكون بوجهين:
أحدهما: أن يمن اللَّه على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل كالشاهد؛ فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له.
والثاني: يوفقه اللَّه - تعالى - ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه؛ حتى يقهر نفسه ويحملها على الائتمار بأمر اللَّه - تعالى - والانتهاء عما نهى عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك.
ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزانته شيء لم يؤته عبده، حتى يصف نفسه بأنه يقي عنه شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية نفسه عن شحها
الحشر 59:10
معنى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفلِحُونَ).
يعني: الباقون في النعيم الدائم، والفلاح في الحقيقة: هو البقاء في النعيم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠).
قد علم اللَّه - تعالى - أنه قد يكون في أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم.
وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة؛ لأن الروافض من قولهم: إن القوم لما ولوا الخلافة أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كفروا. ومن قول الخوارج: إن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كفر بقتاله معاوية وأصحابه. وقالت المعتزلة بأن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان، ولو كان ما ارتكبوا من الزلات يكفرهم أو يخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى؛ لأن اللَّه - تعالى - نهى عن الاستغفار للمشركين، فإذا أذن - هاهنا - بالاستغفار لهم تبين بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب، لم يخرجهم من الإيمان، ولأنه أبقى الأخوة فيما بينهم، مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين أخوة إلا في الدِّين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، والله أعلم.
ولأنه قال - تعالى -: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا)، ولو كان ذلك يخرجهم من الإيمان، لم يكن لهذا الدعاء معنى؛ لأن الواجب أن يكون في قلوب المؤمنين عداوة الكفار ومقتهم، فلما ندب جل شأنه في هذه الآية إلى نفي الغل والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أنهم كانوا مؤمنين، واللَّه أعلم.
ثم في الأمر بالاستغفار لهم دلالة أنه قد كانت منهم ذنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل اللَّه ومغفرته، وإن كانوا فيما يتعاطونه مجتهدين؛ ليعلم أنه ليس كل مجتهد مصيبًا.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا).
يعني: عداوة يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم.
ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
الرحمة من اللَّه - تعالى - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ): فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، واللَّه أعلم.
الحشر 59:11
ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان:
أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة.
والثاني: حقيقة المغفرة.
وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلا على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناؤه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، واللَّه أعلم.
وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا) ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئًا لم يفهم منه أنه يفعله إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال تعالى نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة؛ ألا ترى أنه قال: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
فإن قال: تأويله: أنه خلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها.
قلنا: غير محتمل أن يخلق اللَّه - تعالى - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ).
هذه الآية تدل على أن اللَّه - تعالى - جعل حجة رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قول المنافقين في أنفسهم؛ لأنهم قالوا هذا القول سرا منهم إلى أهل الكتاب؛ لأنه لا يحتمل أن يظهروا مثل هذا القول بين يدي المؤمنين؛ ولا كان الكفار يخبرون بهذا أحدًا من المؤمنين، فلما أخبر
الحشر 59:12
بما قال المنافقون، ثبت أنه ما علمه إلا من الوحي والتنزيل، وذلك علم نبوته عليهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ).
يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا قالوا لهم هذا على أن يتكثر أتباعهم في القتال.
والثاني: أنهم قالوا ذلك لأهل الكتاب على حسبان منهم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا علم بحال هَؤُلَاءِ، لم يخرجهم من المدينة؛ خوفًا أن يقال: أخرج أصحابه، وإذن لم يخرج أهل الكتاب ولم يقاتلوا.
وقوله: (وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا).
يعني: لا ننظر أحدًا فيكم أبدًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) يحتمل أن يكونوا وعدوا نصرهم هذا في قرى محصنة، ثم أخبر أنهم: وإن نصروهم ثم انهزموا، هربوا ونفروا وتولوا ولم ينصروهم بعد ذلك أبدًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
لقائل أن يقول: كيف يشهد عليهم بالكذب، والكذب إنما يدخل في الأخبار، وقولهم الذي قالوا إنما هو وعد منهم؛ فحقه أن يقال: إنهم لمخلفو الوعد؟ وبمثل هذه الحجة احتج الخوارج في تكفير من أذنب ذنبًا، وذلك أنهم يقولون: إن من آمن باللَّه - تعالى - فقد اعتقد ألا يعصيه، فإذا عصاه تبين بعصيانه أنه كذب في اعتقاده؛ فكفر لهذا المعنى.
ومن جوابنا عن هذا: أن قول المنافقين لأهل الكتاب إخبار منهم عن موالاتهم إياهم، فأخبر اللَّه - تعالى - أنهم كاذبون فيما أخبروا عن الموالاة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢).
في هذه الآية حجة رسالته على الفريقين جميعًا وذلك أن هذا خبر عن الغائب، وذلك لا يوصل إلى علمه إلا بالتعليم، ولم يكن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اختلف إلى أحد غيره، ولا تلقن شيئًا من أحد من البشر، فإذا أخبر عما يحدث وعما هو غائب، ثبت أنه ما قاله إلا عن الرسالة والوحي، واللَّه أعلم.
قال: ويجوز أن يكون اللَّه - تعالى - ذكر المؤمنين بهذه الآيات على ما لقي الرسول - عليه السلام - ممن كان الواجب عليهم -على ما عليه كانت عادتهم-: الإحسان إليه؛
الحشر 59:13
وذلك أنه كان من عادة العرب المعونة والنصرة لمن قاربهم في النسب أو القبيلة، وإن كان ظالمًا، ثم إن اللَّه - سبحانه وتعالى - أرسل محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من بين أظهرهم من قريش، فأظهروا معه من العداوة ما أظهروا حتى هموا بقتله، وجعل محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حين أرسله حجة يظهر لليهود والنصارى وجميع أهل الكتاب ما ذكر في كتابهم من نعته وصفته، فقابلوه بذلك ما قابلوا من سوء الصنيع وإظهار العداوة، وكان هذا كله - واللَّه أعلم - حجة وعلامة، يعلم بها أن رسالته - عليه السلام - لم تظهر بمعاونة أحد؛ بل بنصر اللَّه وفضله وتأييده، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣).
يحتمل أن يكون رهبة هَؤُلَاءِ في صدورهم على التحقيق، ويجوز أن تكون على التمثيل:
فأما وجه التمثيل فهو ما قال: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)؛ فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف؛ فيجوز أن يكون معاملتهم هذه -التمثيل- معاملة من يرهبهم؛ فسمى ذلك: رهبة في قلوبهم، وهذا نحو قوله - تعالى -: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ)، يعني: جمع ماله جمع من يحسب أن ماله أخلده؛ فكذلك الأول.
ويجوز أن يكون على التحقيق؛ ولذلك أوجه من التأويل:
أحدها: أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق، وكان عندهم أن اللَّه - تعالى - ولي أحد الفريقين لا محالة، وإذا نجا أحد الفريقين نجوا هم أيضًا؛ فكأنهم على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعًا، لا أن يختص به المؤمنون، وكانوا لا يرهبون اللَّه؛ لأنهم أمنوا ناحيته من الوجه الذي وصفنا.
ويجوز أن يكون رهبتهم من المؤمنين خاصة، وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا من أحد الصنفين: أما إذا كانوا دهرية فنافقوا إذا كانوا أهل كتاب، وإن كانوا أهل كتاب فنافقوا، فإن كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون اللَّه - تعالى - لما كانوا غير مقرين بالصانع، وإن كانوا أهل كتاب، فإنهم قد أمنوا - أيضًا - لما كانوا يصفون من قولهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، وإذا سقطت الرهبة من كلا الجانبين من اللَّه - تعالى - حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة، واللَّه أعلم.
ويجوز أن يكون تفسير قوله - تعالى -: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) في قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)، وذلك يحتمل وجهين:
الحشر 59:14
أحدهما: أنهم لا يفقهون أن البلايا التي في الدنيا ونعيمها تذكير لبلايا الآخرة ونعيمها، وكانوا يرون أنها جعلت لأنفسها، وإذا كان هذا وهمهم وحسبانهم لم يرهبوا من اللَّه تعالى.
والثاني: أنهم قوم لا يفقهون من الوعد والوعيد؛ بل كانت رهبتهم ممن كانوا يأملون منهم المنافع ويحذرون مضارهم، فلا يرهبون من اللَّه تعالى.
ولقائل أن يقول: إنه لا أحد من أهل الإسلام إلا ورهبته من الناس أشد من رهبة اللَّه - تعالى - لأنك ترى الرجل يمتنع عن الزلة عند اطلاع الناس عليه ما لا يمتنع عن كثير من الزلات فيما بينه وبين اللَّه تعالى.
والجواب عن هذا وجهان:
أحدهما: أنه ليس بإزاء الخوف من الإنسان رجاء يرجوه، وبإزاء رهبته من اللَّه - تعالى - رجاء يرجوه من رحمته وفضله وإحسانه؛ فيجوز أن يكون الرجاء من رحمته وفضله يغلب عليه؛ فيقترف الذنوب ويرتكبها.
والوجه الثاني: إذا كان فيما يرتكبه من الذنب شرك فليس يهابهم، وإنَّمَا خوفه من قوم فيهم سمعة الصلاح وأمارة النصر لدين اللَّه - تعالى - ليس من نفس المخلوقين، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤).
قوله: (جَمِيعًا)، أي: لا يقاتلكم أهل النفاق وأهل الكتاب جميعًا معا، وإنهم ليسوا بفاعلين ما وعدوا لأهل الكتاب من النصر والقتال.
واحتمل أن يكون استثناؤه من الوعد الذي وعدوا لأهل الكتاب، فإن كان من القتال فهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أنهم لا يقاتلون إلا أن يكونوا في قرى أو حصون أو من وراء جدر، لا يعلم بهم أهل الإسلام، واللَّه أعلم.
وإن كان من الوجه الثاني فهو يحتمل وجهين أيضًا.
أحدهما: أنهم لا يوفون ما وعدوا من النصر في القتال لأهل الكتاب، ولكنهم يلتجئون إلى قرى محصنة؛ ألا ترى إلى ما أخبر اللَّه - تعالى - منهم في ناحية المسلمين: (وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ)، فأخبر أنهم قد أظهروا الموالاة للمسلمين كما أظهروا لأهل الكتاب إلى أن جاء القتال التجئوا إلى مكان يستمعون من أخبارهم؛ فعلى ذلك النحو يجوز أن يكون في أهل الكتاب.
والوجه الثاني: أنهم لا يقاتلون، ولكنهم يدخلون في قرى محصنة يتربصون لمن يكون
الحشر 59:15
الظفر والعاقبة؟ كما أخبر عنهم في آية أخرى، وهو قوله - تعالى -: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ): فأخبر اللَّه - تعالى -: أنهم يتربصون العاقبة، فالتجاؤهم إلى قرى محصنة يجوز أن يكون بهذا التأويل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ).
يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يقول: (بَأْسُهُمْ)، يعني: قوتهم (بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)، ما لم يروا أعداء ظاهرة.
أو يقول: بأسهم شديد ما دام القتال بينهم؛ لأنه ليس فيهم من أكرم بالرعب مسيرة شهرين، فإذا أكرم بالرعب هذا المقدار من المسير، فلا يحرم ذلك في أهل قريته، وإذا كان كذلك ثبت أن التأويل ما وصفنا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى).
لأن همة المنافقين سلامة الأنفس وراحة الأبدان، وهمة أهل الكتاب الذب عن المذهب والسعي في إقامته، فإذا اختلف همتهم ومقاصدهم تشتت قلوبهم، وذلك معنى قوله: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ)، يعني: في الهمم والقلوب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ).
يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم لا يعقلون حق الوعد والوعيد.
والثاني: أنهم لا ينتفعون بما يعقلون.
والثالث: أنهم لا يعقلون لمن يكون له العاقبة، وقد وصفنا أن عادتهم التربص لمن يكون الظفر والعاقبة، فإذا اشتبهت عليهم العاقبة ولم يعقلوها لم يوالوا واحدًا من الفريقين في الظاهر والباطن جميعًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥). يجوز أن يكون في هذا إضمار مثل آخر؛ كأنه يقول: مثل هَؤُلَاءِ الكفار كمثل الذين كانوا من قبلهم، وكذلك في قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً)، يعني: مثل مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ومثل هَؤُلَاءِ الكفار، على إضمار مثل آخر، ثم التمثيل وكيفيته يحتمل أوجهًا ثلاثة:
أحدها: أن يقول: مثل هَؤُلَاءِ الكفار الذين أساءوا لرسوله كمثل الكفار الذين أساءوا
الحشر 59:16
للرسل من قبله، كان قريبًا أن ذاقوا وبال أمرهم.
والوجه الثاني: أن يقول: مثل أهل المدينة من الكفار حين هموا بإخراج الرسول من المدينة كمثل أهل مكة حين أخرجوا الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من مكة وكان قريبًا، حتى ذاقوا وبال أمرهم من الأسر والقتل، والدليل على أن كفار المدينة هموا بإخراج الرسول على قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا...) الآية.
ويحئمل أن يكون تخصيصًا لقرية أو قبيلة، ووجه ذلك أن يقول: مثل بني قريظة كمثل الذين من قبلهم وهم بنو النضير، وإن كانوا قريبًا أن ذاقوا وبال أمرهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
هذا إخبار أنهم يموتون على الكفر، وفيه دلالة رسالته على حيث أخبر عن الغيب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦).
فكذلك المنافقون يظهرون الموالاة والنصر، فإذا جاء القتال امتنعوا وتبرءوا عنهم.
ثم قوله: (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ) يجوز أن يكون في الآخرة؛ حيث يقول: (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ).
ويجوز أن يكون في الدنيا، وهو قوله: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) [... ].
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ).
الأصل إذا ذكرت حال بين العبد وبين سيده، لم يكن بد من إضمار يدخل في ذلك، مثاله قوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا)، يعني: أنه معهم في النصر والمعونة، وقوله: (لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ): في التوفيق والولاية. وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اتَّقُوا اللَّهَ)؛ لأنه لا يحتمل أن يتقوا اللَّه حتى يكون معهم في التقوى؛ إذ ظاهر اللفظ يقتضي هذا؛ كقوله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، أي: في الصدق، وإذا ثبت فيه الإضمار كان الوجه في ذلك أحد معانٍ:
إما أن يقول: اتقوا حق اللَّه - تعالى - أن تضيعوه، أو اتقوا حده أن تعدوه وتبطلوه، أو اتقوا سخطه واتقوا مخالفته، أو اتقوا الأسباب التي تستوجبون بها مقت اللَّه تعالى.
ويحتمل أن يراد من التقوى في هذه الآية أوامره ونواهيه، على ما وصفنا أن لفظ التقوى إذا أطلق جاز أن يراد به الأوامر والنواهي، وإذا ذكر مقابلة أمر كان المعنى منه محارمه ونواهيه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: من عمل بما أمر في هذه الآية سلم من تبعات الآخرة؛ لأنه إذا شعر قلبه أن الذي يفعله يقدمه لغد امتنع عن ارتكاب ما يجب أن يستحي منه أو يخرب عليه في ذلك الوقت، وأتى بما يستر عليه، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون معنى الآية على النظر لما قدمته نفسه للغد، وذلك أنه إذا تذكر، فنظر فيما قدمت نفسه للغد، وذلك أنه دعاه إلى أحد أمرين: إما إلى التوبة عن السيئة التي قدمها أو إلى الشكر على الحسنة التي يتعاطاها، وكل ذلك منه زيادة في الخير، فكان الواجب ألا يغفل المرء عن ذلك، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون هذا على المستأنف من الأفعال أنه ينظر فيما يريد أن يقدمه لغد، فإن كانت عاقبته الهلاك: انتهى عنه، وإن كانت عاقبته النجاة: مضى عليه وأتى به، والله أعلم.
ويحتمل قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) أن يكون المراد منه: الاتقاء عن ترك النظر لما تقدمه نفسه لغد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اتَّقُوا اللَّهَ): ذكر قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ) مرة أخرى، والآية واحدة، يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المراد من الأول: أن اتقوا مخالفة اللَّه في أوامره ونواهيه، وفي الثاني: اتقوا سخطه وعقوبته.
والثاني: أنه خرج على التكرار على ما جرت العادة في الكلام في التكرير عند الوعيد على التأكيد؛ كقوله - تعالى -: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ)، وكقوله:
الحشر 59:17
الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاؤا الظالمين﴾ ظاهر.
الحشر 59:18
الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ الأصل إذا ذكرت حال بين العبد وبين سيده لم يكن بد من إضمار يدخل في ذلك.
مثاله قوله تعالى :﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾ [النحل: ١٢٨] يعني أنه معهم في النصر والمعونة، وقوله تعالى :﴿وإن الله لمع المحسنين﴾ [العنكبوت: ٦٩] في التوفيق والولاية. وكذلك قوله تعالى :﴿واتقوا الله﴾ لأن لا يحتمل أن يتقي الله حتى يكون معهم في التقوى ؛ إذ ظاهر اللفظ يقتضي هذا كقوله تعالى :﴿وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩] أي في الصدق.
وإذا ثبت فيه الإضمار كان الوجه في ذلك أحد معان :
إما أن يقول : اتقوا حق الله تعالى : أن تضيعوه، أو : اتقوا حده أن تعدوه، وتبطلوه، أو : اتقوا سخطه، أو اتقوا الأسباب التي تستوجبون بها مقت الله تعالى.
ويحتمل أن يراد من التقوى في هذه الآية أوامره ونواهيه على ما وصفنا أن التقوى إذا أطلق جاز أن يراد به الأوامر والنواهي، وإذا ذكر مقابلة أمر كان المعنى منه أوامره ونواهيه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ قال : من عمل بما أمر في هذه الآية سلم من تبعات الآخرة، لأنه إذا شعر قلبه وقت فعله أن الذي يفعله تقدمة لغد امتنع عن ارتكاب ما يجب أن يستحيي منه، أو يحزن عليه في ذلك الوقت، وأتى بما يسر عليه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون معنى الآية على النظر لما قدمته نفسه للغد ؛ وذلك أنه إذا تذكر، فنظر في ما قدمت نفسه للغد ؛ وذلك أنه دعاه إلى أحد أمرين : إما إلى التوبة عن السيئة التي قدمها، وإما(١) إلى الشكر على الحسنة التي يتعاطاها. وكل ذلك منه زيادة في الخير، فكان الواجب ألا يغفل المرء عن ذلك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون هذا على المستأنف من الأفعال أنه ينظر في ما يريد أن يقدمه لغد ؛ فإن كانت عاقبته الهلاك انتهى عنه، وإن كانت عاقبته النجاة مضى إليه، وأتى به، والله أعلم.
ويحتمل قوله تعالى :﴿اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ أن يكون المراد منه الاتقاء عن ترك النظر لما تقدمه نفس لغد، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿اتقوا الله﴾ ذكر قوله :﴿اتقوا الله﴾ مرة أخرى، والآية واحدة، يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون المراد من الأول : أن اتقوا مخالفة الله في أوامره ونواهيه، ومن(٢) الثاني :[ أن ](٣) اتقوا سخط الله وعقوبته.
والثاني : أنه خرج على(٤) التكرار على ما جرت العادة في الكلام في التكرير عند الوعيد على التأكيد كقوله تعالى :﴿* هيهات هيهات لما توعدون﴾ [المؤمنون: ٣٦] وكقوله تعالى :﴿أولى لك فأولى﴾ ﴿ثم أولى لك فأولى﴾ [ القيامة : ٣٤ و ٣٥ ] والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن الله خبير بما تعملون﴾ فيه تحريض على المراقبة والتيقظ وقت فعله(٥)، لأن من علم وقت فعله أن الله تعالى مطلع على ما يرتكبه من الذنوب، ويقربه من الشرور، امتنع عنها، [ وزجر نفسه ](٦).
وقالوا : في قوله تعالى :﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ وعيد في(٧) أربعة أوجه :
أحدها : في قوله تعالى :﴿اتقوا الله﴾ والثاني : في قوله تعالى :﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ والثالث : في قوله تعالى :﴿واتقوا الله﴾ [ والرابع : في قوله تعالى :](٨) ﴿إن الله خبير بما تعملون﴾.
ثم ذكر هذه المواعيد [ في الكفرة خرج بعد ](٩) ما خاطب المؤمنين كقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ج فكان الوعيد في المؤمنين أكثر من الوعيد في الكفرة. لكن المؤمنين توعدهم عن ما هي معدة للكافرين لئلا يعملوا عملا/٥٦٢ – أ/ يستوجبون به(١٠) ما أعد للكافرين، وهو كقوله تعالى :﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ } [آل عمران: ١٣١].
ثم إن الله تعالى سمى الآخرة باسم الغد لسرعة مجيئه، وسمى الدنيا بالأمس لسرعة فنائها، وهو كقوله ﴿فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس: ٢٤] فيذكرهم، ويعظهم بهذه الآية لتتفكر كل أحد في نفسه ما به خلق : للعبث ؟ أم خلق لأمر عظيم على ما ذكره الله تعالى.
١ في الأصل و م: أو..
٢ في الأصل و م: وفي..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ من م، في الأصل: عن..
٥ من م، في الأصل: فعل..
٦ في الأصل و م: وازدجر..
٧ في الأصل و م: من..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ من نسخة الحرم المكي، في الأصل: خرج، في م: خرج بعد..
١٠ في الأصل و م: بذلك..
الحشر 59:19
(أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
فيه تحريض على المراقبة والتيقظ وقت فعله؛ لأن علم وقت فعله أن اللَّه - تعالى - مطلع على ما يرتكبه من الذنوب ويقربه من الشرور، امتنع عنها وازدجر، وقالوا: في قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) وعيد من أربعة أوجه:
أحدها: في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ).
والثاني: في قوله: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ).
والثالث: في قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ).
والرابع: في قوله: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
ثم ذكر هذا الوعيد خرج بعدما خاطب المؤمنين، كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ)، فكان الوعيد في المؤمنين أكثر من الوعيد في الكفرة، لكن المؤمنين يوعدهم عما هي معدة للكافرين؛ لئلا يعملوا عملا يستوجبون بذلك ما أعد للكافرين، وهو كقوله - تعالى -: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، ثم إن اللَّه - عز وجل - سمى الآخرة باسم الغد؛ لسرعة مجيئه، وسمى الدنيا باسم الأمس؛ لسرعة فنائها، وهو كقوله: (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ)، فيذكرهم ويعظهم بهذه الآية؛ ليتفكر كل أحد في نفسه ما به: خلق للعبث، أم خلق لأمر عظيم؟ على ما ذكره اللَّه، تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩).
قال بعض المفسرين: (نَسُوا اللَّهَ)، أي: نسوا العمل لله، والنسيان هو الترك، أي: تركوا العمل الواجب لله - تعالى - فأنساهم أنفسهم، أي: خذلهم اللَّه - تعالى - بما نسوا.
ثم الوجه عندنا في الآية: أن ليس أحد من البشر يعمل عملا إلا وهو يأمل بذلك نفعًا لنفسه؛ إذ من لا يعمل للنفع فهو عابث في الشاهد في ذلك العمل؛ فهَؤُلَاءِ الكفرة لما لم يأتمروا بأمر اللَّه - تعالى - ولم يطيعوا، وتركوا العمل -صار تركهم العمل لله- والعمل له عمل لأنفسهم - فصاروا تاركين العمل لأنفسهم؛ فكأنه قال: نسوا أنفسهم؛ فصاروا منسيين.
الحشر 59:20
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)، أي: خلق فعل النسيان والترك فيهم: أضاف اختيار النسيان إليهم، ثم أضاف الإنساء إلى نفسه وأثبت فعله فيه، وليس هذا على أن تقدم منهم فعل النسيان، ثم هو أنساهم بعد ذلك؛ لكن على أن خلق ذلك فيهم وقتما اختاروا ذلك الفعل، وهو كقولهم: هداه اللَّه - تعالى - فاهتدى، واهتدى فهداه اللَّه؛ فذلك كله في وقت واحد؛ فكذلك هذا في الخذلان والنسيان: لما اختار هو فعل النسيان خلق اللَّه - تعالى - ذلك النسيان فيه، كما خلق الهداية والكفر باختياره، ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقدم بعض على بعض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) كقوله: (نَسُوا اللَّهَ)؛ إذ قوله - تعالى - هذا داخل في قوله: (نَسُوا اللَّهَ)؛ إذ العمل لله هو العمل لأنفسهم، والعمل لأنفسهم هو العمل للذي أريد به وجه اللَّه؛ فلذلك قلنا بأن المراد منهما ما في الآخرة.
ويحتمل وجهًا آخر، وهو أنهم لما تركوا طاعة اللَّه فخذلهم اللَّه - تعالى - بتركهم أمر اللَّه تركهم أنفسهم لهم فلم يهتدوا، ثَمَّ للخيرات والطاعات، وهذا من أشد العقوبات.
ويحتمل أن يكون معناه: أي: يجازيهم في الآخرة جزاء ما عملوا بأن تركهم في الآخرة في العذاب الدائم؛ فيكون ذلك جزاء لهم بما عملوا في الدنيا وبما تركوا من الإيمان باللَّه تعالى، وهذان التأويلان يرجعان إلى ما ذكر من الخذلان فيما فعلوا، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
فالفسق هو الخروج عن أمر اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠).
أي: الناجون، والفوز: هو الظفر بالحاجة، ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: ألا يستووا في الدنيا، أو لا يستووا في الآخرة، فإن كان على الأول فمعناه: لا يستوي عمل أهل الجنة في الدنيا في العقول وعمل أهل النار، إذ عمل أهل النار بالذي يستقبحه العقول، وأما أفعال أهل الجنة الداعية إليها بالتي يستحسنها العقول؛ لأن عمل هَؤُلَاءِ بالذي ظهر بالبراهين والحجج، وليس لعمل أُولَئِكَ براهين وما أقيم بالبراهين
الحشر 59:21
والحجج فهو في العقول أحسن من الذي لا برهان عليه، وكذلك كل عمل يستحق صاحبه عليه الثواب فهو في العقول مستحسن، وما يستحق صاحبه عليه العقاب فهو في العقول مستقبح؛ فلم يستويا.
وأما الوجه الثاني: لا يستوي جزاء أهل النار وجزاء الجنة؛ إذ في الجنة النعيم الدائم، وفي النار الشدة والنقمة الدائمة؛ فلم يستويا، يذكر اللَّه - تعالى - هذا؛ لينتهوا عن غفلتهم، ويعملوا لله - تعالى - حتى يستوجبوا بها الثواب في الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١).
اختلف الناس في تأويل هذه الآية: قَالَ بَعْضُهُمْ: هي التمثيل، وهي على التنبيه والتذكير، وذهبوا في ذلك إلى أن العرب إذا استقبلهم أمر، وأرادوا أن يصفوه بالعظم والشدة كانوا يضربون الأمثال بما يعظم ذلك عندهم وصفه - لم يكن يريدون به الحقيقة في ذلك، وهو كقولهم عند شدة الأمر: أظلم عليَّ ما بين السماء والأرض، وكقولهم: ضاقت علي الأرض برحبها، وكما وصف اللَّه - تعالى - من أمر لوط - عليه السلام -: (وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا). فهذا القول من العرب إنما كان على التمثيل فيما يريدون أن يصفوا الشيء بغايتة لا على الحقيقة؛ لأنه معلوم أن الدنيا عليه كما كانت لم تتغير، وكذلك لم يظلم عليه ذلك، لكنهم تكلموا على التمثيل من شدة ما نزل بهم من الأمر، وكذلك قوله - تعالى -: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ...)، يقول: لو كانت هذه الحجج أنزلت على جبل مع صلابته وشدته، لخضع لله - تعالى - وانصدع؛ من خشيته على وجه التمثيل، لكن قلوب هَؤُلَاءِ أقسى منه؛ حيث لم تخضع ولم تخشع، وهو كقوله: (كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)؛ إذ الحجارة قد تكون فيها منافع: نحو خروج الماء وغيره، فأما قلوب هَؤُلَاءِ الكفرة فليس فيها شيء من المنافع، بل هي قاسية لا تخشع ولا تتصدع، وعلى ذلك حملوا تأويل قوله - تعالى -: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ)، على التمثيل، ليس على حقيقة ذلك.
وقال قائلون: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ): إنه حقيقة ذلك الفعل منه: وهو الانصداع والخشوع، وكذلك تأويل قوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ)، فمعناه: لو كان نزول هذا القرآن وما فيه من الأحكام والأمانات التي أوجب على البشر على الجبل، وكان هو بحيث يملك قبول ذلك باختياره لقيام شرائطه - لكان هو يفزع ويخضع ويتصدع من خشية اللَّه - تعالى - وكان لا يقبل؛ مخافة ألا يمكنه أداء ما لزمه بنزوله، وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ...): فيقول: معناه: لو أنزلنا هذه الأمانات التي في هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا؛ إذ الأمانات التي في هذا القرآن مما قد يلزم المرء لا يمكن أداؤها كلها؛ لأن الأمانات مما يكثر عدها، فضلا من أن يمكن أداؤها؛ فعلى هذا التأويل يخرج على حقيقة التصدع أن لو أنزل عليه -مع عظمه وصلابته- لانصدع؛ فعلى هذا تنبيه للخلق وتذكير لهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن في هذه الآية تذكير الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - منته عليه وعلى جميع الرسل: لولا فضل اللَّه ومنته على الرسل، لكان لا يطيق أحد من الرسل حمل ما في الكتب، ولا أداء ما افترض مدَّكرٌ؛ فيسر عليهم وثقل العمل بما فيه، فيقولون كذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ): لثقل ما فيه، لكنه نزله عليك، ويسر ذكره ووفقك تبليغ ما فيه إلى أهله.
وقال قائلون: إن اللَّه - تعالى - لما أراد أن ينزل التوراة على موسى - عليه السلام - وكانت في لوح من زبرجدة حمراء - أمر الملائكة أن يحملوها فلم يطيقوا حملها، ثم أمرهم أن يحملوا كل حرف منها، فلم يطيقوا ذلك؛ فخفف اللَّه - تعالى - على موسى - عليه السلام - حتى حمل ذلك، فكذلك ذكر ذلك في عيسى وداود - عليهما لصلاة والسلام - ثم خفف ذلك على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فكأنه يقول لرسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ...) كذا، لكنه خفف ذلك عليك كما خفف على الأنبياء من قبلك، وإليه يذهب الكلبي، لكن إن صح هذا الخبر فإن ذلك الثقل لم يكن في تلك الكتابة التي في الألواح، لكن ذلك فيما يلزمهم من العمل بذلك من أداء الأمانات وغيرها؛ لأنه - تعالى - أخبر أنه لو كان أنزل هذا القرآن على جبل (لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، وقال في موضع آخر: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ...) الآية.
ثم كانت تلك الألواح قد احتملها الأرض، وأمكن لموسى - عليه السلام - حملها؛ فكذلك هذا القرآن كله والتوراة والإنجيل والزبور مما قد يحتمل حقيقة، ويمكن كتابته في قليل الألواح، ثبت أن المراد من ذكره ليس هو الحروف، إنما كان على ما فيه من الأمر والنهي وأداء الأمانات واتقاء اللَّه حق تقاته، لا على نفس تلك الألواح، وهذا الذي ذكرنا
الحشر 59:22
هو تأويل القوم في نزول هذه الآية، فأما أنا لا علم لي بحقيقة تأويل هذه الآية، ولولا أن في الآية تذكيرًا وتنبيهًا لكنا نقول: هي من المتشابه المكتوم الذي لا يفسر، لكنه لما خرج مخرج التذكير واستئداء شكر ما سهل علينا قراءته - احتجنا إلى تأويله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
هو ظاهر.
* * *
قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ).
فمن الناس من يقول: إن قوله: (هُوَ) من أرفع أسماء اللَّه - تعالى - وذكر عن بعض أهل بيت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يدعو بقوله: يا هو، يا من لا إله إلا هو، تأويل هذا الكلام: أن كل شيء بهويته كان.
وقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، قيل فيه بوجوه ثلاثة:
أحدها: أنه عالم بما غاب عن الخلق وبما شهدوا.
والثاني: بما قد كان وبما يكون.
والثالث: أنه عليم بما قد كان ويعلمه أن كيف يكون إذا كان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) فهما اسمان مشتقان من الرحمة، وفي هذه الآية بيان وجوه أربعة:
أحدها: فيها بيان التوحيد، وهو قوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) اسم المعبود: أن كل معبود دونه باطل.
والثاني: أن فيها تنبيهًا وتحذيرًا بأن يتذكر الإنسان في جميع أحواله اطلاع اللَّه - تعالى - عليه، وعلمه فيه، وذلك من قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).
والثالث: فيها ترغيب في رحمته وإخبار لهم: أن كل نعمة لهم في الدنيا والآخرة من اللَّه تعالى؛ إذ هو - عَزَّ وَجَلَّ -: (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ).
الحشر 59:23
والرابع: ما ذكرنا في قوله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) (الْمَلِكُ) من الملك، أي: ملك كل شيء له، ليس لأحد سواه حقيقة الملك، (الْقُدُّوسُ) قيل فيه بوجهين:
قَالَ بَعْضُهُمْ: القدوس هو المبارك، والبركة اسم كل خير، أي: منه جميع الخيرات، لكن لا يجوز أن يقال لله - تعالى -: يا مبارك، وإن كان المعنى منه يؤدي إلى أن يأتي منه كل خير؛ لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه بذلك؛ لذلك قلنا بأنه لا يجوز التسمي بالمبارك، واللَّه الموفق.
والثاني: القدوس هو الطاهر، يعني: هو مقدس عما قالت الملاحدة والكفرة فيه من الولد والشريك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (السَّلَامُ).
اختلف في تأويله منهم من قال: سمى نفسه: سلامًا؛ لما هو سالم عن الآفات، وغيره من المخلوقين لا يسلمون من حلول الآفات بهم.
وقال آخرون: سمى نفسه: سلامًا؛ لما سلم المؤمنون من عذابه. والتأويل الأول أقرب.
وقوله: (الْمُؤْمِنُ).
اختلف الناس في تأويله:
قال قائلون: هو الأمان: أن يؤمن المؤمنين من العذاب، ولا يمكن لأحد أن يؤمن أحدًا من عذابه.
وقال قائلون: أصله من الإيمان: وهو التصديق، ثم ذلك يتوجه إلى وجهين:
أحدهما: أي: مصدق القول بما وعد للمؤمنين الجنة.
والثاني: المؤمن هو المصدق لما قال المؤمنون المصدقون من تصديقهم، فيصدقهم بما قالوا.
ومن الناس من قال: سمى نفسه بما أخبر أن هذا القرآن لما بين يديه مصدق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْمُهَيْمِنُ) اختلف فيه - أيضًا -: قال قائلون: المهيمن هو الأمين.
وقال قائلون: المهيمن هو المسلط.
وقال قائلون: المهيمن هو الشاهد.
فمن قال بالأول فإنه يذهب إلى أن أصل ذلك من المؤتمن، وهو من الأمانة، وإلى هذا التأويل يذهب الْقُتَبِيّ، أي: أمين في كل ما يقول، وفي كل ما يفعل لا يجور.
ومن قال بأنه هو المسلط، أصله من: هيمن يهيمن، أي: سلط يسلط، سئل عن تأويل المسلط؛ فقال: هو كالظاهر؛ إذ قهر العباد كلهم، وهم ملك له.
ومن فسره بالشاهد فإنه يحتمل تأويلين:
أحدهما: أي: شاهد على أفعال العباد من حيث لا يغيب عنه شيء.
والثاني: أي: شاهد بما أنزل على رسوله بالصدق، وهو كقوله - تعالى -: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)، أي: شاهدًا عليه.
وقوله: (الْعَزِيزُ).
أي: ما من عزيز دونه إلا وهو ذليل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْجَبَّارُ)، قيل فيه بوجهين:
أحدهما: سمى نفسه: الجبار؛ لأنه هو المجبر لكل كبير.
فقال قائلون: سمى نفسه: الجبار؛ لجبروته وعظمته، ولا يجوز لأحد أن يسمى بذلك الاسم إلا هو أي: اللَّه تعالى وتجبر عن أن يكون له أمثال وأشكال.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْمُتَكَبِّرُ).
من الكبرياء والعظمة، هذا الاسم لا يليق بغيره؛ لأن الخلق بعضهم لبعض أكفاء في الخلقة؛ فلا فضل لأحد على آخر، فلما استووا لم يجز لأحد على آخر التكبر؛ فصار الحق في ذلك لله تعالى، والتكبر على الآخر هو الارتفاع، والأصل فيه واحد، وهو ألا يرى لنفسه شكلا، واللَّه أعلم.
إنما سمى نفسه: متكبرًا؛ إذ هو المتكبر لذاته لم يكن تكبره بغيره؛ فلذلك قلنا: إنه لا يستحق أحد من الخلائق التكبر إلا اللَّه - تعالى - إذ لم يكن أحد له شكلا ولا ضدا ولا ندًّا، وأما غيره من الخلائق فكل واحد منهم بالذي له شكل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
فيه تنزيه لله - تعالى - عما قالت الملاحدة فيه، فهذا اسم سمى به نفسه، وأمر الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى قوله: (سُبْحَانَ اللَّهِ)، أي: معاذ
الحشر 59:24
اللَّه أن يكون ذلك على ما قالت الكفرة، وسمى نفسه: جبارًا؛ لما أنه يجبر الأشياء فيجعلها على ما يشاء، وهو كقوله: (الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ).
على ما يريد هو الأشياء، لا على ما يريده غيره.
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: إن اللَّه - تعالى - يتعالى بمعان أربعة:
أحدها: تعاليه عن الظلم والجور وجميع ما لا يليق.
والثاني: تعاليه على الأشياء كلها بقهره لها وتصريفه إياها على ما يشاء، أي: ليس أحد يقهره، بل هو يقهر الخلائق.
والثالث: تعاليه عن أن تمسه الحاجة والآفة وكل من هو دونه لا يخلو عن ذلك.
والرابع: تعاليه عما قال الظالمون فيه من الولد والأضداد والأشكال والأنداد، وتعاليه عن جميع الآفات التي تصيب الخلق، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤).
فالخالق والبارئ واحد، ويقال: برأ، أي: خلق، والبرية هي الخلق، ويقال: سميت البرية: برية؛ لأنه خلق من التراب إذ البري من التراب.
وقوله: (الْمُصَوِّرُ)، والمصور هو الذي يعطي كل شيء صورته، فيصوره على ما هو، فالتصوير هو بيان الحدود، وهو قول الناس: صورت الأمر عند فلان؛ أي: حددته.
وقوله: (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).
أي: الأمثال العلا، وهي الصفات؛ إذ الصفة ترجع إلى وجهين: إلى الصفة مرة، وإلى التشبيه مرة أخرى، فإذا رجع إلى الصفة فإنه يرجع إلى حقيقة ذلك، وإن رجع إلى التشبيه فإنه لا يرجع إلى حقيقة ذلك.
ثم قوله: (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)، أي: الصفات العلا، أي: لا يسمى بذلك إلا هو؛ إذ لا يقال لغيره: الرب، ولا الرحمن، ولا المالك إلا أن يضاف ذلك إلى شيء، فأما على الإطلاق فلا يطلق ذلك إلا له جل وعلا.
ويحتمل وجهًا آخر: أي: لا شبيه له في أسمائه وألا يشركه أحد في تلك الأسماء؛ بل هي له خاصة، واللَّه المستعان.
* * *
الممتحنة 60:1
سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ، مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ).
هذه الآية وما أشبهها من قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ)، وفي كل ما ذكر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) دلالة واضحة أن الإيمان ذو حد في نفسه، وأنه ليس كما قالت الحشوية وأصحاب الحديث: إن الطاعات كلها إيمان، ووجه ذلك أن كلا في نفسه قد فهم من هذه الآية أنه محتمل لهذا الخطاب وأنه له؛ فثبت أنه ذو حد في نفسه وهو التصديق بالقلب، وغيره من الطاعات شرائعه، واللَّه أعلم.
وفيما ذكر من قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، وما أشبهها من الآي دلالة على أن الإنسان ما يشاهد، وليس كما قال النظام: إن الإنسان إنما هو جسم آخر سوى هذا الإنسان، ولا كما قال الناشئ: إن الإنسان إنما هو جوهر بسيط في هذا الإنسان.
ووجه ذاك: أنه ليس كل أحد يعلم كونه جوهرًا بسيطًا أو جسمًا آخر فيه لطيفًا، وقد فهم الكل من هذه الآيات أنه محتمل للخطاب بها؛ فثبت بما وصفنا أن الإنسان هو ما نشاهده واللَّه أعلم.
وفيه دلالة أن ما يفهم من هذه الآيات من عموم أو خصوص ليس يفهم بظاهر الخطاب؛ ولكن بما توجبه الحكمة، فإن أوجبت عمومها أجروها على عمومها، وإن أوجبت تخصيصها أجروها على ذلك، والذي يدل على ما وصفنا أنه قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، وهذا مخرجه في الظاهر على العموم، ولكنه لما قال: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)، معلوم أن الذي كان يلقي بالمودة خاص لا كل المؤمنين، فكان يجب أن يكون مجراها على الخصوص؛ لما بين في سياق هذه الآية، ولكن الحكمة توجب تعميم هذه الآية؛ لأنه لو قال لواحد: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) كان هذا الخطاب لازمًا للكل بما توجبه الحكمة، أنه إذا علم من أحد عداوته ألا يتخذه وليا، وكذلك قوله: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ).
خرج مخرج العموم في الظاهر، ولكن الذين أخرجوه إنما كانوا أهل مكة خاصة دون سائر الكفرة، فهذا يبين أن ما أجري مجرى العموم لم يجر لظاهر اللفظ، ولكن لما يوجب الحكمة والدليل. وكذلك قوله - تعالى -: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ...) الآية: ليس أن السعي إنما فرض يوم الجمعة لتخصيصه بالذكر؛ ولكن لما أن النداء في يوم الجمعة إلى ذكرين، وفي غيره من الأيام إلى ذكر واحد؛ ولأجل أن النداء المضيق في يوم الجمعة هو النداء الأول، وفي غيره من الأيام هو النداء الثاني، فإذا جاز أن يكون فرض السعي في يوم الجمعة إنما هو لهذين المعنيين - ثبت أن التخصيص ليس لظاهر اللفظ، واللَّه أعلم.
وفي هذه الآية دلالة رسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذلك أن قوله: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) أن ذلك الرجل لم يطلع على سره أحدًا، وقد أطلع اللَّه - تعالى - نبيه؛ حيث أخبرهم بالكتاب؛ فثبت أنه علمه بالوحي، واللَّه أعلم.
ثم اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟
فقال الحسن: إنها نزلت في أهل النفاق.
وقال غيره من عامة المفسرين: إنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وهذا أشبه التأويل بالصواب، وأقرب إلى الحق؛ وذلك أن اللَّه - تعالى - قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ): فقد أخبر أن الكفرة عدو لهم، ولو كانت الآية في أهل النفاق لم يكن الكفرة عدوًّا لهم؛ بل كانوا أولياء، فثبت أن المراد منه: المؤمنون، واللَّه أعلم.
وفي هذه الآية دلالة أن ذلك الذنب الذي ارتكبه ذلك الرجل لم يخرجه من الولاية؛ لأنه قال: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، ولو كان ذلك الذنب يكفره ويخرجه عن الإيمان لم يكن ذلك الكافر عدوًّا له؛ بل يكون وليًّا له بقوله: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، ولأجل أنه قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا): سماه: مؤمنًا، والدليل على أن ذلك الذنب كان كبيرة أنه أخبرهم بأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - جهزهم للقتال، وفيما أخبر: أمر بأن يستعدوا لقتال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وحربه، ولا يشكل أن من أمر بقتال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان مرتكب كبيرة، وإذا كان كذلك، وقد أحله اللَّه - تعالى - في جملة المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي) وبما وصفناه من الدليل - ثبت أن الكبيرة لا تكفره، ولا تغير اسم الإيمان عنه، واللَّه الموفق.
ثم فيما نهانا أن نتخذ عدونا وعدوه أولياء دلالة أن ليس في الحكمة اتخاذ الولاية مع الأعداء. ثم من قول المعتزلة: إن اللَّه - تعالى - أراد من جميع عباده أن يؤمنوا، وإذا أراد أن يؤمنوا فقد أراد أن يواليهم مع علمه أنهم يختارون عداوته؛ فكأنهم وصفوا اللَّه - تعالى - بما يخرجه من الحكمة ويدخل في السفه والجهل بالعواقب، وذلك كله منفي عن اللَّه - سبحانه وتعالى - والمعتزلة فيما وصفوا فجرة فسقة، ويخشى أن يكونوا كفرة، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)، أي: بما كتب في الكتاب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ)، وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي).
يحتمل أن يكون ذلك فيمن هاجر من مكة إلى المدينة، وهو أقرب التأويلين؛ لأن حاطبًا إنما كان هاجر من مكة إلى المدينة وفيه نزلت الآية.
ويحتمل أن يكون ذلك حين أرادوا الجهاد إلى مكة، واللَّه أعلم أي ذلك كان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ).
أي: هو (أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ) من كتابة الكتاب إلى أهل مكة، (وَمَا أَعْلَنْتُمْ): بما أظهرتم من العذر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ)، أي: من اتخاذ الولاية مع أعدائه، (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ)، في الاعتقاد: إن اعتقد ذلك، وفي الفعل: إن لم يعتقده، واللَّه أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ).
التزام مراقبة اللَّه - تعالى - في السر والعلانية، وتحذير لهم؛ ليجمعوا بين السر والعلانية وتخويف لهم عن أن يطلع رسوله - عليه الصلاة والسلام - على سرائرهم كما أطلعه على أمر الكتاب إلى أهل مكة. ثم في هذه الآية أعظم شيء في زجرهم ونهيهم عن المعاصي، وذلك أنه لما أطلعه على جميع ما يتعاطونه من الذنوب سرًّا وعلانية؛ فإذا علموا أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعلم من سرهم ما يعلم من علانيتهم بما يطلعه اللَّه عليه؛ يحملهم ذلك على الانتهاء عن المعاصي في السر والعلانية، وعلى الإجابة إلى ما يدعوهم إليه، واللَّه أعلم.
الممتحنة 60:2
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢).
فوجه ذلك وتأويله عندنا - واللَّه أعلم -: أنه لما رآهم رغبوا في أموالهم ومودتهم رغبة منهم في الكفرة أن يحفظوا أولادهم وأموالهم، أخبرهم أن كيف يرغبون في حفظهم ذلك، وهم لو قدروا عليكم وظفروا بكم قتلوكم وآذوكم بألسنتهم؟! فكأنه يقول: كيف توالونهم من حيث تسرون إليهم بالمودة، وهم لو ظفروا بكم قتلوكم، وكانوا لكم أعداء؟!
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ).
يعني: أنهم يودون أن يكفروا، ومع ما يودون أن يكفروا: لو قدروا عليكم قتلوكم، فمن كانت حالهم معكم مثل هذا: فكيف تطمعون أن يحفظوا أولادكم وأموالكم؟!
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) له وجهان: أحدهما: أن كيف توالون الكفرة؛ لمكان أولادكم وأرحامكم، وهم لا ينفعونكم يوم القيامة؟!
والثاني: أن أرحامكم لا تنفعكم ولا تشفع لكم يوم القيامة.
وقوله: (يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) يحتمل - أيضًا - وجهين:
أحدهما: ، أي: بينكم وبين أرحامكم؛ لقوله - تعالى -: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ).
والثاني: أي: يفصل بينكم وبين أرحامكم؛ لاختلاف أعمالكم؛ فينزل كل واحد منكم منزل عمله.
* * *
قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ...) الآية.
الأصل في أنباء المتقدمين أنها عِبَرٌ لهذه الأمة، فما ذكر منها في المؤمنين منهم فهو تذكير للمؤمنين من هذه الأمة، وتعليم لهم معاملة الكفرة ومنابذتهم على مثل ما فعل المؤمنون منهم بكَفَرتهم من سائر الأمم.
وما ذكر منها في الكفرة من الأمم الماضية؛ فهو تخويف لكفرة هذه الأمة لئلا يصنعوا مثل صنيعهم فيستوجبوا من النقمة مثل ما استوجب أُولَئِكَ.
وما كان منها في حق الرسل - عليهم السلام. - فهو في حق التسلي لرسولنا وسيدنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن بعض ما مسه.
وأصل آخر: أن الخطاب قد يلزم المخاطب مرة بما يخاطب في نفسه، ومرة بما يؤمر بالاقتداء بغيره إذا كان ذلك الغير لم يفعل ما فعله إلا عن أمر.
ثم إن اللَّه - تعالى - أمر المؤمنين من هذه الأمة الاقتداء بإبراهيم - عليه السلام - ومن معه من المؤمنين، وأخبرهم عن معاملتهم إياهم وترك مولاتهم؛ فكأنه قال: اتركوا موالاة الكفرة والإسرار إليهم بالمودة ما داموا على كفرهم، كما فعله إبراهيم - عليه السلام - والذين معه (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ): فنابذوهم ولم يوالوهم، فافعلوا كفعلهم.
(إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ).
فكأنه قال: اقتدوا بهم إلا بما قال إبراهيم لأبيه: (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ)، يعني: لا تستغفروا للمشركين مثلما استغفر إبراهيم لأبيه المشرك؛ لأنكم لا تعلمون المعنى الذي استغفر إبراهيم - عليه السلام - لأبيه.
ثم اختلفوا في المعنى الذي استغفر إبراهيم لأبيه:
فقال أبو بكر: إنه كان - صلوات اللَّه عليه - وعد أن يستغفر لأبيه، ورأى أن إيجاب الوعد لازم عليه؛ فاستغفر لهذا المعنى.
وقال الحسن: إنه إنما استغفر له لوقت توبته لا في حال الشرك؛ لأنه لا يتوهم أنه لم يعلم أنه لا يحل له أن يستغفر للمشرك، ومن علم أنه يحل له لم يكن كل سلمًا مؤمنًا؛ فثبت أنه إنما استغفر لوقت إسلامه.
وعندنا: الاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة من اللَّه - تعالى - على وجهين:
أحدهما: مغفرة رحمة وفضل وكرم.
والثاني: أن يوفقه للسبب الذي إذا جاء به غفر له؛ ألا ترى إلى قوله: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)، أي: السبب الذي إذا جئتم به غفر لكم، وإذا كان كذلك جاز أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه على هذا الوجه أن يكون طلب من اللَّه - تعالى - التوفيق له بالسبب الذي إذا جاء به غفر له، وذلك مستقيم، ولكنه لما تبين أنه لا يوفقه لذلك السبب تبرأ منه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ).
أي: لا أملك أن أدفع عنك عذاب اللَّه من شيء، أو لا أملك أن أهديك دون أن
الممتحنة 60:3
الآية ٣ وقوله تعالى :﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم﴾ له وجهان :
أحدهما : أن كيف توالون الكفرة لمكان أولادكم وأرحامكم، وهم لا ينفعونكم يوم القيامة ؟ .
والثاني : أن أرحامكم لا تنفعكم، ولا تشفع لكم يوم القيامة.
وقوله تعالى :﴿يفصل بينكم﴾ [ له وجهان أيضا :
أحدهما :] (١) أن يفصل بينكم وبين أرحامكم بقوله تعالى :﴿يوم يفر المرء من أخيه﴾ ﴿وأمه وأبيه﴾ [ عبس : ٣٤ و ٣٥ ].
والثاني : أي يفصل بينكم وبين أرحامكم لاختلاف أعمالكم، فنزل كل واحد منكم منزل عمله.
١ ساقطة من الأصل و م..
الممتحنة 60:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براءوا منكم ومما تعبدون من دون الله﴾ الآية، الأصل في أنباء المتقدمين أنها عبر لهذه الأمة. فما ذكر منها في المؤمنين من الأمم الماضية فهو تخويف لكفرة هذه الأمة لئلا يصنعوا مثل صنيعهم، فيستوجبوا من النقمة مثل ما استوجب أولئك. وما كان منها في حق الرسل ﷺ فهو في حق التسلي لرسولنا وسيدنا ﷺ عن بعض ما مسه.
وأصل آخر : أن الخطاب قد يلزم المخاطب مرة بما يخاطب في نفسه ومرة بما يؤمر بالاقتداء بغيره، وإذا كان ذلك الغير، لم يفعل ما فعله إلا عن أمر.
ثم إن الله تعالى أمر المؤمنين من هذه الأمة الاقتداء بإبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين وأخبرهم عن معاملتهم إياهم وتركهم موالاتهم، فكأنه قال : اتركوا موالاة الكفرة والإسرار إليهم بالمودة ما داموا على كفرهم كما فعله إبراهيم عليه السلام ﴿إذ قالوا لقومهم إنا براءوا منكم ومما تعبدون﴾ فنابذوهم، ولم يوالوهم. فافعلوا كفعلهم ﴿إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك﴾.
فكأنه قال (١) : اقتدوا بهم إلا بما قال إبراهيم لأبيه :﴿لأستغفرن لك﴾ يعني لا تستغفروا للمشركين مثل ما استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه المشرك، لأنكم لا تعلمون المعنى الذي له استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه.
ثم اختلفوا في المعنى الذي له استغفر إبراهيم لأبيه، فقال أبو بكر : إنه كان، صلوات الله عليه، وعد أن يستغفر لأبيه، ورأى أن إيجاب الوعد لازم عليه، فاستغفر لهذا المعنى.
[ وقال ] (٢)الحسن : إنه إنما استغفر له لوقت توبته لا في حال الشرك، لأنه لا يتوهم أنه [ لم يعلم أنه ](٣) لا يحل له أن يستغفر للمشركين. وعلم أنه يحل له لم يكن مسلما مؤمنا فثبت أنه إنما استغفر لوقت إسلامه.
وعندنا الاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى على وجهين :
أحدهما : مغفرة رحمة وفضل وكرم.
والثاني : أن يوفقه للسبب الذي إذا جاء به غفر له. ألا ترى إلى قوله :﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ ؟ [نوح: ١٠]أي السبب الذي إذا جئتم به غفر لكم. وإذا كان كذلك جاز أن يكون استغفار إبراهيم لأبيه على هذا الوجه : أن يكون طلب من الله تعالى التوفيق له بالسبب الذي إذا جاء به غفر له، وذلك مستقيم، ولكنه لما تبين أنه لا يوفقه لذلك السبب تبرأ منه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وما أملك لك من الله من شيء﴾ أي لا أملك أن أدفع عنك عذاب الله من شيء، أو لا أملك أن أهديك دون أن يهديك الله.
[ ألا ترى على قوله تعالى :﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ ؟ القصص : ٥٦ ] ](٤) وكأنه قال : سواء أن أدعو لك بالتوفيق للهداية [ أم ألا أدعو لك ] (٥) لا أملك لك من عذاب الله من شيء.
وقوله تعالى :﴿ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا﴾ يجوز أن يكون هذا عند المنابذة وإظهار العداوة مع الكفرة، يعني عليك معتمدنا في النصر على أعدائنا عند قلة عددنا وكثرة عددهم، وإليك مرجعنا ومفزعنا، ﴿وإليك المصير﴾إذا قبضنا.
١ في الأصل و م: قالوا..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
٥ ساقطة من الأصل و م..
الممتحنة 60:5
يهديك اللَّه؛ فكأنه قال: لا أملك سوى أن أدعو لك بالتوفيق للهداية لا أملك لك من عذاب اللَّه من شيء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا).
يجوز أن يكون هذا عند المنابذة وإظهار العداوة مع الكفرة، يعني: عليك معتمدنا في النصر على أعدائنا عند قلة عددنا وكثرة عددهم، وإليك مرجعنا ومفزعنا.
(وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، إذا قبضنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥).
ذكر أهل التفسير أن تأويل هذه الآية يخرج على ثلاثة أوجه:
أحدها: أي: لا تسلط علينا أعداءنا؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.
أو لا تنزل علينا العذاب دونهم؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.
أو لا توسع عليهم الدنيا وتضيق علينا؛ فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل.
ولو كان التأويل هو الثاني لكان يجيء على هذا أن يكون الواجب على العدول من هذه الأمة أن يسألوا اللَّه - تعالى - العافية؛ لئلا يتوهم فساقهم أنهم على الحق.
ولكن الجواب عن هذا أن الفساق من هذه الأمة قد علموا أن الذي هم فيه من الفسق محظور، وأما الكفرة فإن عندهم أن ما يدينون به من الكفر حق؛ فإذا سلطوا على المؤمنين توهموا أن الذي حسبوه حقًّا: حق، وأما الفسقة من هذه الأمة إذ علموا أن الفسق منهي عنه محظور، لا يقع لهم هذا الحسبان، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون المعنى من قوله: (لَا تَجْعَلْنَا)، يعني: عذابًا، أي: سببًا يعذب به الكفرة؛ كما قال: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ)، وكان تأويله أن آتنا السبب الذي نستوجب به ما وعدتنا على رسلك، فكذلك الأول، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
يعني: المنتقم من أعدائه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦).
يعني: لقد كانت لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة تحسنون بها إذا اقتديتم بهم وأطعتموهم. وقوله: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) يحتمل معنيين:
أحدهما: أي: لمن كان يرجو ثواب اللَّه تعالى.
والثاني: أن يؤمن بالبعث؛ وذلك أن اللَّه - تعالى - وصف أمر البعث في كتابه بصفات مختلفة: مرة أضافه إلى نفسه بقوله: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ)، وكان المعنى منه البعث. ومرة وصفه بصفة أخرى.
وإن كان المراد: الثواب؛ ففيه إخبار أن الراجي في الحقيقة هو الطالب لما يرجوه بالأسباب التي يرجو الوصول بها إلى ما دعا ورجا، والخائف في الحقيقة هو الحاذر عما حذر، والمنتهي عما نهي عنه وحظر. فإن من اعتمد على مجرد الرجاء والخوف دون التمسك بسببهما، فهو متمن على اللَّه تعالى.
والدليل على تأييد ما نقول: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ)، ألا تراه كيف حقق معنى الرجاء بالمجاهدة في سبيل اللَّه والعمل بطاعته، واللَّه أعلم.
وإن كان على البعث فكذلك أيضًا؛ لأنه أضرب عما نهي عنه، وطلب لما أمر به؛ فقد تبين أنه يوالي من تفضي موالاته إلى ثواب اللَّه ورحمته، وأنه يعادي من تفضي موالاته إلى نقمة اللَّه وعذابه، ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا من يؤمن بالبعث؛ فإنما يوالي من رجا منه منفعة الدنيا ويتولى عمن يضره في هذه الدنيا، واللَّه أعلم.
رقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَتَوَلَّ).
يعني: من يتول عن طاعة اللَّه فيما أمره من معاداة من عادوا ربهم.
(فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
يعني: عن طاعة الخلق؛ ليعلم أن ما أمرهم به لم يأمرهم لحاجة له في طاعتهم أو لمنفعة ترجع إليه؛ بل هو غني عن كل ذلك؛ وإنما أمرهم لحاجتهم إلى ذلك، ولما علم أن منافع طاعتهم ترجع إليهم خاصة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْحَمِيدُ) له معنيان: معنى: الحامد، ومعنى: المحمود.
فإن كان المراد منه: المحمود، ففيه أن اللَّه - تعالى - يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم.
وإن كان المراد: الحامد، فمعناه: أن اللَّه يحمد الخلق ويشكرهم، حتى يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال فيتفضل عليهم بأعمالهم، فهو حميد من هذين المعنيين.
الممتحنة 60:6
الآية ٦ وقوله تعالى :﴿لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم /٥٦٤ –أ الآخر﴾ يعني لقد كانت لكم في إبراهيم والذين معه قدوة حسنة تحسنون بها إذا اقتديتم بهم، وأطعتموهم.
وقوله تعالى :﴿لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر﴾يحتمل معنيين :
أحدهما : أي لمن كان يرجو ثواب الله تعالى.
والثاني [ أي لمن ](١) يؤمن بالبعث، وذلك أن الله تعالى وصف أمر البعث في كتابه بصفات مختلفة :
مرة أضافه إلى نفسه بقوله :﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه﴾ [الكهف: ١١٠] وكان المعنى منه البعث، ومرة وصفه بصفة أخرى وإن كان المراد الثواب، ففيه أن الراجي في الحقيقة، هو الطالب لما يرجوه بالأسباب التي يرجو الوصول بها إلى ما دعي، وأرجي. والخائف في الحقيقة، هو الهارب عما حذر، والمنتهى عما نهي عنه، وحظر.
فإن من اعتمد على مجرد الرجاء والخوف دون التمسك بسببها فهو متمنّ على الله تعالى :
والدليل على تأييد ما نقول قوله عز وجل :﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله﴾[البقرة: ٢١٨] أفلا تراه كيف حقق معنى الرجاء بالمجاهدة في سبيل الله والعمل بطاعته، والله اعلم.
وإن كان [ معتمدا ] (٢)على البعث فكذلك أيضا لأنه إذا هرب عما نهي عنه، وطلب لما أمر به، فقد تبين أن يوالي من يقضي موالاته إلى ثواب الله ورحمته وأنه يعادي من يقضي عاقبة موالاته إلى نقمة الله وعذابه.
ومعلوم أنه لا يفعل ذلك إلا من يؤمن بالبعث فإنما يوالي من رجا منه منفعة الدنيا، ويهرب عمن يضره في هذه الدنيا، والله اعلم.
وقوله تعالى :﴿ومن يتول﴾ يعني من يتول عن طاعة الله في ما أمره من الاقتداء بهم ﴿فإن الله هو الغني الحميد﴾ يعني ﴿الغني﴾ عن طاعة الخلق ليعلم أنه (٣) ما أمرهم به لم يأمرهم لحاجة له في طاعتهم أو لمنفعة ترجع إليه، بل هو ﴿الغني﴾ عن كل ذلك. وإنما أمرهم لحاجتهم إلى ذلك ولما علم أن منافع طاعتهم ترجع إليهم خاصة.
وقوله تعالى :﴿الحميد﴾ له معنيان. . . معنى الحامد ومعنى المحمود.
فإن كان المراد منه المحمود ففيه أن الله تعالى يستحق الحمد من خلقه بما أنعم عليهم.
وإن كان المراد الحامد فمعناه أن الله يحمد الخلق، ويشكرهم حين (٤) يجزيهم بالكثير من الثواب عن القليل من الأعمال، أو يثني عليهم بأعمالهم، فهو حميد من هذين المعنيين.
١ في الأصل و م: أن.
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: أن.
٤ في الأصل و م: حتى..
الممتحنة 60:7
قوله تعالى: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
إن اللَّه أمر المؤمنين بمعاداة الكفرة ومنابذتهم وترك موالاتهم ما داموا كفارا، ثم وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة إذا آمنوا؛ فكان في هذا أعظم الدليل على أن الخلق عند اللَّه - تعالى - في كل حال على ما هم عليه في أحوالهم وأمورهم.
وقال بعض الجهال: إنه من يؤمن في وقت من الأوقات؛ فهو عند اللَّه مؤمن في حال كفره، وهذا خلاف ما وصف اللَّه - تعالى - نفسه في هذه الآية، واللَّه أعلم.
ثم المعتزلة قد خالفوا هذه الآيات وعاندوها على قولهم؛ وذلك أن اللَّه - تعالى - قال: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، ومن قولهم: إن من كان على خلاف مذهبهم فهو عدو لهم، ولا شك أنهم يوالونه ويصافونه، وقد نهى اللَّه - تعالى - عن ذلك فهذا أحد الخلافين.
والثاني: أن اللَّه - تعالى - وعد أن يجعل بيننا وبينهم مودة، ومن قولهم: إنه لا يقدر على شيء من أفعال العباد فكأن اللَّه - تعالى - على قولهم وعد ما لا يقدر عليه، وهذا لا يليق بأسفه خلق اللَّه؛ فكيف برب العالمين؟! فثبت أنهم عاندوا الآيات، والله أعلم.
وخلاف ثالث: أن اللَّه - سبحانه وتعالى - وصف نفسه بالقدرة، (وَاللَّهُ قَدِيرٌ)، ومن قولهم: إنه ليس بقدير على خلق أفعال الخلق؛ فأي خلاف أشهر من هذا وأظهر؟! والله الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨).
لا يحتمل أن يكون النهي في الإقساط؛ لأن الإقساط هو العدل، وليس ينهى عن العدل إلى ما كان وليا أو عدوا؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا)، فقد أخبر أنه لا يحل له ترك العدل لمكان العداوة، وإذا كان كذلك ثبت المراد من هذا النهي وغيره، وهو قوله: (أَنْ تَبَرُّوهُمْ). ثم الذي لم ينه عنه خلاف ما نهى في الظاهر؛ لأنه قال: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ)، وقال فيما نهى (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ)، ومعلوا أنه قد يجوز أن يبر من لا يجوز أن يتولاه؛ ألا ترى إلى قوله: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)؟! ثم نهى عن تولي الكفار بقوله: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)، ولكنه لما جاز أن يجتمع في نفس واحدة البر وترك التولي؛ فكذلك جاز أن يؤمر بالبر بمن ينهى عن التولي معه، واللَّه أعلم.
ثم قوله - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) يحتمل أن يكون المراد منه لا ينهاكم، بل يأمركم.
ويحتمل أن يكون معناه: يرخص لكم؛ كقوله: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)، ومعناه: بل خسرت، وإن كان قد يجوز أن يكون التجارة إذا لم تربح لا تخسر؛ فكذلك قوله - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)، بل يأمركم أن تبروهم.
ويحتمل أن يكون المراد: بل يرخص لكم أن تبروهم، واللَّه أعلم.
ثم اختلفوا فيمن أمر ببرهم ونهى عن توليهم:
فقَالَ بَعْضُهُمْ: هم المستضعفون من أهل مكة الذين آمنوا في السر وخشوا إظهاره من المشركين، فأمر اللَّه - تعالى - المؤمنين بالمدينة أن يبروهم بالكتب إليهم؛ ليحتالوا في انقياد أنفسهم؛ لأن المشركين من أهل مكة إذا علموا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ظهر لقتالهم كان يجوز أن يخشى على أُولَئِكَ المؤمنين المستضعفين؛ فأمر هَؤُلَاءِ أن يبروهم بالكتاب إليهم ليتأهبوا في أنفسهم ويحتالوا؛ لما يخشى عليهم من المشركين، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا في الذين كان بينهم وبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عهد وذمة؛ فأمر المؤمنين أن يبروا أُولَئِكَ في إيفاء عهودهم إلى مدتهم، ونهاهم عن أن يتولوا من قاتلهم ونقض عهودهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: في النساء والولدان من المشركين: أمر المؤمنين أن يبروهم بترك القتال، وألا يتولوا من قاتلهم من جملة الرجال من المشركين من الرجال، بل يقاتلوهم.
ثم قال: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
أي: ومن يقولهم في الاعتقاد فأولئك هم الظالمون في حق الاعتقاد.
أو من يتولهم في الأفعال فأُولَئِكَ هم الظالمون في حق الأفعال، كما وصفنا في قوله: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).
الممتحنة 60:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ لا يحتمل أن يكون النهي في الإقساط لأن الإقساط، هو العدل، وليس ينهى عن العدل إلى من (١) كان وليا أو عدوا.
ألا ترى إلى قوله :﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ ؟ [المائدة: ٨]فقد أخبر أنه لا يحل لهم (٢) ترك العدل لمكان العداوة. وإذا كان كذلك ثبت المراد من هذا النهي وغيره، وهو قوله :﴿أن تبروهم﴾.
ثم الذي لم ينه عنه خلاف ما نهى في الظاهر لأنه قال :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرهم﴾.
١ في الأصل و م: ما..
٢ في الأصل و م: ما..
الممتحنة 60:9
الآية ٩ وقال في ما نهى :﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظهروا على إخراجكم أن تولوهم﴾[ الآية ٩ ].
ومعلوم أنه قد يجوز أن نبر من لا يجوز ألا نتولاه. ألا ترى إلى قوله :﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ ؟ [لقمان: ١٥].
ثم نهى عن تولي الكفار بقوله :﴿لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ ولكنه لما جاز أن يجتمع في نفس واحدة البر وترك التولي، فكذلك جاز أن تؤمر بالبر وتنهى (١)عن التولية(٢) معه، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ﴿لا ينهاكم﴾ بل يأمركم، ويحتمل أن يكون معناه : يرخص لكم كقوله :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ [ البقرة١٦ ] ومعناه بل خسرت، وإن كان، قد يجوز أن تكون التجارة إذا لم تربح، لا تخسر، فكذلك قوله تعالى :﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ بل يأمركم أن تبروهم، ويحتمل أن يكون المراد بل يرخص لكم أن تبرّوهم، والله اعلم.
ثم اختلفوا في من أمر ببرّهم ونهى [ عن تركهم ](٣)فقال بعضهم : هم المستضعفون من أهل مكة الذين آمنوا في السر، وخشوا [ إظهار إيمانهم ](٤)من المشركين، فأمر الله تعالى المؤمنين بالمدينة أن يبروهم بالكتاب إليهم، ليحتالوا في قياد أنفسهم، لأن المشركين من أهل مكة إذا علموا أن رسول الله ﷺ ظهر لقتالهم كان يجوز أن يخشى على أولئك المؤمنين المستضعفين، فأمر هؤلاء أن يبروهم بالكتاب إليهم، ليتأهّبوا في أنفسهم ويحتالوا لما يخشى عليهم من المشركين والله أعلم.
وقال بعضهم : هذا في الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد وذمة، فأمر المؤمنين أن يبروا أولئك في إبقاء عهودهم إلى مدتهم، ونهاهم على أن يتولوا من قاتلهم، ونقض عهدهم.
وقال بعضهم :[ هذا ](٥) في النساء والولدان من المشركين، أمر المؤمنين أن يبروهم بترك القتال وألا يتولوا من قاتلهم. من جملة الرجال من المشركين.
ثم قال :﴿ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ أي ومن يتولهم من الاعتقاد، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ في حق الاعتقاد، أو من يتولهم في الأفعال، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ في حق الأفعال كما وصفنا في قوله تعالى :﴿فقد ضل سواء السبيل﴾.
١ في الأصل و م: ممن تنهى..
٢ في الأصل و م: التولي..
٣ في الأصل و م: توليهم.
٤ في الأصل و م: إظهاره..
٥ ساقطة من الأصل و م..
الممتحنة 60:10
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ).
المعنى عندنا - واللَّه أعلم -: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ)، يعني: قائلات: إنهن مؤمنات.
(فَامْتَحِنُوهُنَّ).
لأنه لو كان على حقيقة الإيمان لم يكن لقوله: (فَامْتَحِنُوهُنَّ) معنى، فلما أمر بالامتحان ثبت أن تأويل قوله: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ) ما وصفنا بدءًا.
ومثل هذا ما قال: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)، وكان المعنى منه: من تكلم بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فكذلك يجوز أن يكون المعنى من الأول ما سبق ذكره، واللَّه أعلم.
ثم إن المفسرين ذكروا وصف امتحانهن: أنهن يحلفن باللَّه ما أخرجهن من دارهن بغض أزواجهن، أو يحلفن أنهن ما أردن بخروجهن أرضا سوى أرضهن؛ وإنَّمَا أردن بذلك الإسلام. وهذا تأويل فاسد؛ وذلك أنها إذا أسلمت كان الحق عليها في دينها أن تبغض زوجها الكافر، كقوله - تعالى -: (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)، فكيف يجوز أن يكون صفة امتحانهن ما ذكروا، وحكم الشريعة والدِّين يوجب ما كن يفعلنه؟! فلذلك قلنا: إن هذا التأويل -الذي ذكره بعض المفسرين في وصف الامتحان- غير مستقيم.
ويجوز أن يكون تأويل امتحانهن على وجهين:
أحدهما: أن يستوصفن عن الإيمان: ما هو؟ فإذا أخبرن عن حقيقة الإيمان علم أنهن مؤمنات.
والثاني: يعرض عليهن ما على المؤمنات في إيمانهن، كما قال - تعالى -: (وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ)، فإذا قبلن ذلك كله كان ذلك امتحانهن، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِإِيمَانِهِنَّ).
هذا يدل على أن الذي كلف به المؤمنون من امتحانهن؛ إنما هو لما يعلمون من إيمانهن في الظاهر وأن الحقيقة إنما يعلمها رب العالمين، وهذا يبين أن العلم علمان: علم العمل وعلم الشهادة، فعلم العمل: ما يعلمه الخلق في الظاهر فيعملون به، وعلم الشهادة: ما يجوز أن يشهد على اللَّه به، وذلك إنما يوصل إليه، وذلك بما يطلعهم الله عليه نصا إما بكتاب أو بسنة متواترة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وعلم العمل هو الذي يساغ فيه الاجتهاد، نحو: خبر الآحاد وجهة القياس وغير ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ).
ذكر في القصة أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - صالح عام الحديبية مشركي أهل مكة على أن من أتاه من أهل مكة فهو عليهم رد، ومن أتى مكة من أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فهو لهم، وغير ذلك، وكتب بذلك كتابًا وهو بالحديبية، فلما فرغ من الكتاب إذ أتت سبيعة مسلمة، فجاء زوجها إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول اللَّه، رد علي امرأتي؛ فإنك قد شرطت لنا ذلك، وهذه طيبة لم يخف بعد؛ فأنزل اللَّه - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)، يقول: لا تردوهن إلى أزواجهن الكفار.
(لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ).
يقول: لا يحل نكاح مؤمنة لكافر ولا نكاح كافر لمؤمنة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا).
يقول: أعطوا زوجها الكافر ما أنفق عليها، على ما كان جرى من الصلح بينهم وبين المسلمين: أن ما خرج من نساء أهل مكة إلى المدينة مؤمنات لم يرجعوهن إلى الكفار، وأعطوا أزواجهم ما أنفقوا من المهور، وما خرج من نساء المسلمين مرتدات لم يردوا إلى المدينة، وأعطوا أزواجهن ما أنفقوا.
ثم معلوم أنه كان يؤخذ بإعطاء الصداق وإيتاء ما أنفق غير الذي أخذ الصداق، ولكن كان يؤخذ به من كان من جنسه على ما ذكرنا نظائره فيما تقدم؛ ولذلك قال أصحابنا: إن أهل الإسلام يأخذون من تجار أهل الحرب مجازاة لما يأخذه أهل الحرب من تجار المسلمين، وإنما يؤخذ ذلك ممن كان من نجسه، وأن ذلك غير الذي أخذ منه؛ وعلى ذلك نقول: إن المحنة قد يجوز أن تستوي على البر والفاجر وأن ما ينزل بالآدمي من المحن يجوز ألا يكون جزاء؛ لما تعاطى من الذنوب والسيئات؛ لأن لله - تعالى - أن يمتحن عبده في هذه الدنيا مبتدأ، وأما في الآخرة فلا يؤاخذ فيها أحد بذنب آخر، بل يجزي كل بعمله: إن شرا فشر، وإن خيرًا فخير، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
يقول: لا إثم عليكم -يعني: المسلمين- أن تتزوجوهن (إذا آتيتموهن مهورهن).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ).
عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن زينب بنت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أسلمت قبل زوجها، ثم أسلم بعد ذلك زوجها، فردها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالنكاح الأول قبل أن ينزل: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، فلما نزلت كان إذا أسلم الزوج، وخرج إلى دار الإسلام انقطعت الصلة بالإسلام بينه وبين امرأته، وكذلك المرأة إذا خرجت وبقي الزوج.
ثم قوله: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: بعقد الكوافر، فمن كانت له امرأة بمكة كافرة فلا يقيدن بالمرأة الكافرة؛ فإنها ليست بامرأة له، وقد انقطعت العصمة بينهما.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ): حظر علينا الامتناع والكف والإمساك من نكاح المهاجرة لأجل زوجها الحربي. وعُصِمتْ والعصمة: المنع، والكوافر يجوز أن يتناول الرجال، وظاهره في هذا الموضع للرجال؛ لأنه في ذكر المهاجرات، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا).
يقول: إذا لحقت امرأة المسلم بكفار مكة فاسألوا مهرها من أهل مكة، وردوا إلى زوجها، (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا)، يقول: إن جاءت امرأة من أهل مكة مهاجرة إليكم فردوا على زوجها المشرك ما أعطاها من المهر؛ وذلك من أجل العهد الذي كان بين أهل مكة وبين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ). يقول: هذا هو حكم اللَّه بين المسلمين والكفار من أهل العهد من أهل مكة في أن يرد بعضهم على بعض النفقة، أي: المهر.
وقوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
الممتحنة 60:11
أي: فيما حكم بين المسلمين وأهل العهد ما ذكرنا من الحكم.
وقوله: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١).
يقول: إن لحقت امرأة مؤمنة بكفار مكة من أهل الحرب ممن ليس بينكم وبينهم عهد، لها زوج عندكم مسلم، (فَعَاقَبْتُمْ): أي: أعقبكم مالا من الغنيمة، (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ)، من المهر مما أصبتم من الغنيمة قبل القسمة.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ).
فيما فرض عليكم من هذا.
(الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ).
أي: مصدقون؛ فلا تنقصوه، واللَّه أعلم. وهكذا روى مسروق، رحمه اللَّه.
وعن الزهري أنه قال: من حكم اللَّه - تعالى -: أن يسأل المسلمون من الكفار مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم، ويسأل الكفار من المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة، فأُمِر المؤمنون إذا ذهبت امرأة مسلمة ولها زوج إلى الكفار: أن يردوا إلى زوجها ما أعطاها من المهر من صداق كان في أيديهم مما يودون أن يردوا إلى المشركين بمهاجرة امرأة مسلمة إلينا، وإن لم يكن في أيديهم صداق وجب رده على أهل الحرب فعوضوهم من غنيمة أصبتموها.
وأصل هذا - واللَّه أعلم -: وإن فاتكم شيء مما أنفقتم على أزواجكم، ثم ظفرتم على أعدائكم وغنمتم -فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ما فات عنهم مما أنفقوا؛ فكأنه يقول: واسألوا أُولَئِكَ الذين ذهبت نساؤكم إليهم ما أنفقتم، فإن سألتم ولم يعطوكم شيئًا، وفاتكم ذلك من ذلك الوجه، ثم قاتلتموهم وغنمتم- فأعطوا الذين فات عنهم أزواجهم ما أنفقوا.
قال المصنف - رحمه اللَّه -: اعلم بأن هذه الآية تنتظم أحكامًا:
أحدها: جواز الاجتهاد والعمل بالعلم الظاهر؛ فإنه قال: (فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ)، أي: بالاجتهاد والامتحان (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)، وهذا حكم مبني على العلم الظاهر؛ دل أن العمل به جائز.
والثاني: أن أحد الزوجين إذا أسلم في دار واحد إما دار الإسلام أو دار الحرب - هل تقع الفرقة بنفس الإسلام أو بانضمام شيء آخر إليه؟
قال بشر المريسي بأن الفرقة تقع للحال من غير انضمام شيء آخر إليه.
وقال الشافعي: إن كانت المرأة مدخولا بها لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاث حيض، وإذا كانت غير مدخول بها وقعت الفرقة للحال.
وقال أصحابنا: إذا كانا في دار الحرب، فأسلم أحدهما - لم تقع الفرقة حتى تحيض ثلاثا، وإذا كانا في دار الإسلام ذميين، فأسلم أحدهما - لم تقع الفرقة حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر، فإذا عرض عليه الإسلام وأبي، يفرق بينهما.
فأما بشر: احتج بظاهر قوله - تعالى -: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...) إلى قوله: (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)؛ فقد أخبر أنه لا يحل واحد منهما لصاحبه، ولم يذكر شيئًا آخر؛ فلا يقرن به شيء آخر.
وأما أصحابنا - رحمهم اللَّه - فإنهم احتجوا، وقالوا: إن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام بقوله: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) إذا كانت الفرقة واقعة بمجرد الإيمان لم يكن للامتحان معنى، فلما لم يذكر الحرمة إلا بالامتحان ثبت أن الفرقة لا تقع بمجرد الإيمان.
ويجوز أن يكون مثال هذا قوله - تعالى -: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)، ثم قال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ)؛ فلو كان الزنا يوجب الحرمة لم يكن هو راميًا للزوجة؛ بل إذا قال لها: زنيت؛ فكأنه قال: لم يكن بيني وبينك نكاح، ولما ثبت رمي الزوجات بقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ)، ثبت أن الزنى لا يوجب حرمتها عليه؛ فكذلك الإيمان بمجرده لو كان يحرمها على الأزواج لم يكن للأمر بالامتحان معنى، فلما أمر بالامتحان على إيمانها، بعد أن أظهرت في نفسها الإيمان، ثبت أن الحرمة لا تقع بنفس الإيمان حتى ينضم إليه شيء آخر، وتبين أن العمل بظاهر الآية غير ممكن؛ إذ لا يجري على إطلاقها، واللَّه أعلم.
ودليل ذلك أن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أولى بتجديد النكاح؛ ثبت أن الفرقة لا تقع بمجرد الإسلام، واللَّه أعلم.
والوجه فيه ما روي عن الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - على اختلاف الأسباب باختلاف الدارين ونحوه: روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنهما على النكاح حتى تحيض المرأة ثلاث حيض إذا كانا في دار الحرب.
وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنهما على النكاح بينهما إلى الهجرة.
وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنهما إذا كانا في دار الإسلام، فأسلم أحدهما فهما على النكاح حتى يعرض السلطان الإسلام على الآخر.
فهَؤُلَاءِ قد ثبت عنهم أن الفرقة لا تقع بنفس الإسلام إلا أن يضامه شيء آخر، ولم يثبت عن غيرهم خلاف ذلك؛ فيكون إجماعا؛ فلذلك أخذ أصحابنا - رحمهم اللَّه - بقولهم، واللَّه أعلم.
والثالث: أن أحد الزوجين إذا خرج إلى دار الإسلام مهاجرًا، وبقي الآخر في دار الحرب - تقع الفرقة بينهما عندنا.
وعند الشافعي: لا تقع الفرقة بتباين الدارين؛ قال: لأن المسلم إذا دخل بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم يقع الفرقة بينه وبين زوجته؛ وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ودخل أحدهما إلى دار الإسلام لم يقع الفرقة؛ فعلم أنه لا يعتبر باختلاف الدارين في إيجاب الفرقة.
ولكن عندنا ليس معنى اختلاف الدارين ما ذكر؛ إنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار الإسلام: إما بالإسلام أو بالذمة، والآخر من أهل دار الحرب أي: يكون حربيًّا كافرًا.
فأما إذا كانا مسلمين فهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيمًا في دار الحرب والآخر في دار الإسلام، وفي هذه الآية دلالة على ما قلنا من وجوه:
أحدها: أنه قال: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)، ولو كانت الزوجية باقية بعد التباين، لكان الزوج أولى بها، وبأن تكون معه، فلا معنى للنهي عن الرجوع إلى الزوج الكافر.
وكذا قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ): أثبت الحرمة بين المهاجرات وأزواجهن، ولا يتصور بقاء النكاح في غير محل الحل.
أو كأن معناه تحريم الاستمتاع، ولكن النكاح لما لم يكن المقصود إلا الاستمتاع وما هذا من آثاره؛ فكان في تحريم الاستمتاع تحريم النكاح.
وكذا قوله - تعالى -: (وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا) دليل عليه أيضًا؛ فإنه أمر برد مهرهن إلى الزوج، ولو كانت الزوجية باقية لما استحق الزوج استرداد المهر؛ لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله.
وكذا قوله - تعالى -: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، ولو كان نكاح الأول باقيًا، لما جاز للمسلم في دار الإسلام أن يتزوجها.
وكذا قال اللَّه - تعالى -: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ): نهانا عن الإمساك والامتناع من تزويجها لأجل عصمة الزوج الكافر وحرمته؛ دل أن الحرمة تقع بالتباين.
ودليل آخر من جهة المعقول على ما ذكرنا، وهو أنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقعت الفرقة حتى يحل للسابي وطء المسبية بعد الاستبراء، فإما أن تقع الفرقة بإسلامها. وقد اتفق الجمهور من الفقهاء على أنه لا تقع الفرقة بنفس الإسلام إذا كان بعد الدخول -ما لم ينضم إليه شيء آخر- أو بحدوث الملك للسابي، ومعلوم أن الملك لا يمنع النكاح؛ ألا ترى أنه يجوز ابتداء العقد على المملوك؛ ولهذا لو بيعت الجارية لم تقع الفرقة، وإن وجد الملك فيها للمشتري، وكذلك إذا مات رجل وخلف أمة منكوحة: ثبت الملك فيها للوارث ولا يبطل النكاح. وإذا لم يثبت الفرقة بهذين الوجهين - لم يبق إلا تباين الدارين؛ فدل أن سبب الفرقة هو تباين الدارين في المسبية، والتباين موجود في المهاجرة، واللَّه أعلم.
[فإن احتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عَبَّاسٍ قال: " رد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول بعد سنين "]، وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي زوجها مشركًا بمكة، ثم ردها عليه بالنكاح الأول؛ فدل أن اختلاف الدارين لا يوجب الفرقة.
فنقول له: لا يصح الاحتجاج به من وجوه:
أحدها: أنه ردها بعد ست سنين بالنكاح الأول؛ ولا خلاف بين الفقهاء لا يرد إلى الزوج بالعقد الأول بعد انقضاء ثلاث حيض، ومعلوم أنه ليس في العادة ألا يكون ثلاث حيض في ست سنين؛ فسقط الاحتجاج به.
والثاني: أنه روي عن عكرمة عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قال في اليهودية تسلم قبل زوجها: " إنها أملك بنفسها "، فكان من مذهبه أن الفرقة وقعت بإسلامها، والراوي متى عمل بخلاف ما روى؛ دل على انتساخ ذلك؛ إذ لا يظن به أنه خالف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
والثالث: أن عمرو بن شعيب رُويَ عن أبيه عن جده أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رد بنته زينب - رضي اللَّه عنها - على أبي العاص بنكاح ثانٍ؛ فوقع التعارض بين الحديثين؛ فبطل احتجاجه بالحديث. ثم الترجيح لما رويناه؛ لأن فيما رواه إخبارًا عن كونها زوجة له بعدما أسلم الزوج، ولم يعلم حدوث عقد ثانٍ. وفي حديث عمرو بن شعيب إخبار عن حدوث عقد ثانٍ بعد إسلامه، والثاني: إخبار عن معنى حادث علمه، وهذا كما رجحنا حديث ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تزوج ميمونة وهو محرم على حديث يزيد الأصم: أنه تزوجها وهو حلال؛ لأن في حديث ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إخبارا عن حالة حادثة.
وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول، ولحديث بريرة أنه كان زوجها حرًّا حتى أعتقت، ورواية من روي أنه كان عبدًا يكون الأول أولى؛ لإخباره عن حال حادثة والثاني إخبار عن ظاهر الحال؛ فكان الأول أولى؛ فكذلك هذا.
والرابع: أن المهاجرة لا عدة عليها عند أبي حنيفة - رحمه اللَّه - وعلى قولهما: عليها العدة. وهذه الآية دليل لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - من وجوه:
فإنه - عَزَّ وَجَلَّ -: قال: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ): نهى عن الرد إلى الزوج الأول، ولو كانت عليها العدة، لكان للزوج أن يردها إلى مسكنه لتعتد؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ): كيف أمر الأزواج بإسكانهن في بيوتهم ما دمن في عدتهن، فلما قال - هاهنا -: (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) دل على أن لا عدة عليها.
وكذا قال: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) فأباح نكاحها مطلقًا من غير ذكر العدة.
وكذا قال: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، ولو كانت العدة عليها واجبة لكانت باقية بقوله: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)؛ ألا تراه كيف جعل العدة في حقه، وإذا كان للزوج عليها حق كانت هي في عصمته، وقوله: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) يوجب قطع العصمة، فلما كان في إيجاب العدة إبقاء العصمة بينهما، ونهى الله - تعالى - عن ذلك؛ فقطعناها وأسقطنا العدة عنها، واللَّه أعلم.
ولأنهم أجمعوا أنها إذا سبيت وقعت الفرقة وسقطت العدة، والملك ليس بسبب لإسقاط العدة؛ ولكنه سبب لنقض العدة، فلما سقطت العدة عند السبي والمهاجرة، والسبي لا يوجب الإسقاط دل على سقوط العدة لاختلاف الدارين، واللَّه أعلم.
والخامس: فيه دليل على أن الكتاب يجوز أن ينسخ حكمه بترك الناس العمل؛ فإن في قوله: (وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا)، وقوله: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) الحكم متروك من غير أن يكون في تركه كتاب أو سنة، ولكن الناس إنما أجمعوا على تركه، وهذا وأمثاله في حكم عرف ثبوته على الخصوص لمعنى، ثم ينعدم المعنى، وما لا يعقل معناه يجب العمل بالكتاب ولا يترك بترك الناس، ولا يجوز لهم الإجماع على تركه، ولا يتحقق الإجماع على ذلك وجماعة من أصحابنا قالوا: إنه صار منسوخًا بقوله: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)، وبقوله - عليه السلام -: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا من طيبة من نفسه "، واللَّه أعلم.
والسادس: في قوله - تعالى -: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) دلالة على أنه سوى في الحكم بين أموالنا وأموالهم ثم الإجماع جرى على أنا إذا غلبنا على أموال أهل الحرب ملكناها، فكذلك إذا غلبوا على أموالنا يجب أن يملكوها، وفيما أوجب من الحرمة إذا جاءت النسوة إلينا مؤمنات مهاجرات - دلالة على أن الأحكام في الأنفس مختلفة؛ وعلى هذا ما خلف كل واحد منهما من المال في الدار التي هاجر منها إلى أخرى أنه يصير فيئًا؛ لما لم يرو عن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه لما فتح مكة أن يكون تفحص عن شيء من ملك الأموال التي كانت مخلفة حين هاجروا إلى المدينة؛ فلا بد أن يكون ذلك للتوارث، أو لما ذكرنا أنها تكون فيئًا لهم، ومعلوم أن التوارث بين أهل الإسلام وأهل الكفر منقطع، وإذا بطل وجه التوارث ثبت الوجه الآخر، واللَّه أعلم.
والسابع: في قوله: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) دلالة على وجوب العدل بين الأعداء، وهو كقوله - تعالى -: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا...)، وقال: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا)، وقال - هاهنا -: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) سوى بين أموالنا وأموالهم، وهو العدل؛ فكأنه يقول: ذلك الذي أمر من العدل بينكم وبين أعدائكم حكم اللَّه يحكم بينكم؛ لكي إذا علموا أن العداوة لا تحملكم على ترك العدل - حملهم ذلك على التآلف والتعطف، وعلموا أنكم إذا تركتم شهواتكم وأنفقتم العدل والتسوية: فليس ذلك من عندكم، ولكن من عند اللَّه - تعالى - فرغبهم ذلك في الإسلام؛ فكأنه قال: ذلك الذي أمر من العدل وجعله سببًا، يرغب أعداءكم في الإسلام، ويحملهم على التآلف (حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ)، يعني: بما أمر من العدل والتسوية، (حَكِيمٌ) لا يلحقه الخطأ في التدبير؛ فدل أن العدل واجب بينهم، واللَّه الموفق.
والثامن: في الآية دلالة على أن النساء إذا ارتددن لم يقتلن؛ فإنه قال: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)؛ فثبت أنهم إذا لم يعلموهن مؤمنات رجعوهن إلى الكفار؛ لما كان جرى بينهم من الصلح، ومعلوم أنه إذا رجعن إلى الكفار بعدما أظهرن الإيمان كن مرتدات، ولو كانت المرتدة تقتل لكان إذا ظهر ذلك عندهم قتلوها ولم يرجعوها إلى
الممتحنة 60:12
الكفار، فلما ثبت بما وصفنا أنهم كانوا يصرفون النساء إليهم مع علمهم أنهن مرتدات ثبت أن المرتدة لا تقتل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢).
المبايعة والهجرة كانتا واجبتين في عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ومعناهما اليوم واجب أيضًا: وذلك أن الهجرة إنما كانت من مكة إلى المدينة؛ لما كان أحدهم إذا أسلم يخاف على نفسه من فساد الدِّين بالكفران لو أقام بين أظهرهم، وكان أيضًا يحتاج إلى علم الشرائع والأحكام، وإنما ارتفعت الهجرة اليوم من مكة إلى المدينة. فأما واحد من أهل الحرب إذا أسلم وخشي على نفسه فساد الدِّين بالكفران لو أقام بين أظهرهم، فالواجب عليه أن يهاجر منها إلى دار الإسلام؛ ليأمن فساد دينه، ويحصل على علم الشرائع.
وأما المبايعة فإن معناها في النساء: ترغيب الكفرة في الإسلام، وفي الرجال: حمل الكفرة إلى الإسلام، وذلك أن الذي أمر به النساء من المبايعة من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، والكفرة إذا علموا أن هذا يؤمر فيه بمحاسن الأمور: رغبهم ذلك في الإسلام. والذي أمر به الرجال إنما هو من جهة النصر والمجاهدة مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وذلك يظهر الإسلام ويبين، وهذان المعنيان على كل في نفسه في زماننا هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا)
يتوجه إلى الاعتقاد والمعاملة جميعًا.
وقوله: (وَلَا يَسْرِقْنَ).
يتضمن النهي عن الخيانة في الأموال كافة، والنقصان عن العبادة جملة؛ لأنه يقال: أسرقُ السارق من سرق من صلاته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَزْنِينَ).
يحتمل أن يكون على حقيقة الزنا وعلى دواعيه؛ على ما روي من قوله - عليه السلام -: " اليدان تزنيان، والعينان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ".
وقوله: (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ).
يحتمل أن يكون نهيًا عن إلحاق الولد بأزواجهن وهن يعلمن أنه من الزنا، وهكذا روي عنه ابن عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ).
الممتحنة 60:13
فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره؛ ألا ترى إلى قوله: (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ)، يجوز أن يكون هذا كناية عن الأمر؛ لأنه بين النواهي والمناكير، ثم قال اللَّه - تعالى -: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)؛ فكأنه أمرهن أن ينتهين عن هذه المناهي وأن يتبعن أمره؛ ألا ترى إلى قوله: (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ)، ولم يقل هاهنا: امتحنوهن، كما قال في المهاجرات، ومعنى ذلك عندنا وجهان:
أحدهما: أنه قد تبين هاهنا وجه الامتحان بقوله: (لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ)، فاستغنى عن ذكر الامتحان.
والوجه الثاني: أن المهاجرات إنما كن يأتين من دار الحرب، ولم يكن علمن الشرائع؛ فاحتجن إلى الامتحان، وأما هَؤُلَاءِ: كن في دار الإسلام، وقد علمن شرائعه؛ فلم يذكر الامتحان لذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ) هذا يدل على أن الكبائر لا تخرجهن عن الإيمان؛ لأنه يعلم أن الاستغفار لما يجيء منهن من تضييع هذه الحدود ولو كن يخرجن بتضييعها من الإيمان لم يؤمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالاستغفار لهن؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة، ويستحيل أن يطلب منه مغفرة من ليس له غفران؛ فدل على ما وصفنا: أن ارتكاب الكبائر لا يخرج صاحبه من الإيمان، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ).
فكأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أمَرنا أن نغضب على من غضب هو عليه، وأن نعادي من عاداه، ونوالي من والاه.
وقوله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) الآية.
له تأويلان:
أحدهما: يعني به: الذين غيروا نعت نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وحرفوه من التوراة؛ فكأن في التوراة أن اللَّه تعالى آيسهم من ثوابه في الآخرة، كما أيس الكفار من أصحاب القبور أن يبعثوا.
ويجوز أن يكون معناه: ييئس هَؤُلَاءِ من رحمة اللَّه، كما يئس الكفار الذين هم في القبور من رحمة اللَّه، تعالى.
الصف 61:1
سُورَةُ الصَّفِّ وهي مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
قال هاهنا: (سَبَّحَ)، وقال في موضع آخر: (يُسَبِّحُ)، ليعلم أنه تسبيح غير منقطع، وأنه يسبح من حين كان، ويسبح إلى أن يكون.
وفيه تسفيه أُولَئِكَ الكفرة المتمردة؛ وذلك أن التسبيح والثناء في الشاهد إنما يرجعان إلى المسبح والمثني؛ لأنه لا يثني إلا على من يستحق الثناء، ولا يسبح إلا من يستحقه، فإنما تسبيح المسبح وثناؤه خضوع له وتقرب إليه، وذلك يزيده شرفا ونبلا، فكأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أخبر أنه قد خضع لله تعالى، واستسلم له، وأتى بما فيه شرف له وزين وتقرب إلى ربه - كلُّ شيء إلا الكفرة؛ فإنهم تركوا التسبيح لله تعالى مع ما فيه من نبلهم وشرفهم وزينهم، واللَّه الموفق.
ويجوز أن يكون ذكر سفههم أيضًا من وجه آخر، وهو أنه لو كان لله تعالى بتسبيح شيء من الخلائق حاجة، لكان في تسبيح من ذكر كفاية وغناء عن تسبيح الكفرة، ولكنهم تركوا التسبيح، واللَّه تعالى غني عنهم وعن تسبيحهم؛ فما تركوه إلا لسفههم، والله أعلم.
وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ).
يدل على أنه عزيز في ذاته، وأن ترك التسبيح من الكفرة إياه لا يذله، بل هو عزيز منيع.
وقوله: (الْحَكِيمُ):
يعني: حكيم؛ حيث جعل في الأشياء المتضادة علم ألوهيته، وآية وحدانيته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢).
قَالَ بَعْضُهُمْ: هذه الآية في أهل النفاق في القتال؛ لأنهم تمنوا القتال، فلما أمرهم اللَّه تعالى به قالوا: (لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ)، فأنزل اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
الصف 61:2
الآية ٢ وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾ قال بعضهم : هذه الآية في أهل النفاق في القتال [ لأنهم تمنوا القتال ](١) فلما أمرهم الله تعالى به قالوا ﴿ربنا لم كتبت علينا القتال﴾ [النساء: ٧٧] فأنزل الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون﴾ أي لم تعدون مالا تفون به ؟
ومنهم من قال : إنها في بعض المؤمنين في القتال أيضا، وإنها على التقديم والتأخير، ووجه ذلك أنهم أحبوا أن يعملوا أحب الأعمال إلى الله تعالى [ فأنزل الله تعالى قوله :] (٢)﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾الآية [ الصف : ١٠ وقوله :﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا﴾ [الصف: ٤]فلم يفوا بما وعدوا، فأنزل الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون﴾، ويجوز أن تكون هذه الآية في كل مؤمن لأنه قد اعتقد كل من آمن بإيمانه الوفاء بما وعده من الطاعة لله تعالى والاستسلام له والخضوع. فلما لم يف بما وعد خيف عليه / ٥٦٦ –ب / في كل زلة أن يدخل في هذه الآية، وليس أحد من المؤمنين قد وفى بما وعد كله، والواجب عليه أن يتوب من ذلك توبة بليغة.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.
الصف 61:3
آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)، أي: لم تعدون ما لا تفون به؟
ومنهم من قال: إنها في بعض المؤمنين في القتال أيضًا، وإنها على التقديم والتأخير.
ووجه ذلك: أنهم أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ...) الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا).
فلما يفوا بما وعدوا؛ فأنزل اللَّه تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ).
ويجوز أن تكون هذه الآية في كل مؤمن؛ لأنه قد اعتقد كل من آمن بإيمانه الوفاء بما وعده من الطاعة لله تعالى والاستسلام له والخضوع، فإذا لم يف بما وعد، خيف عليه في كل زلة أن يدخل في هذه الآية، وليس أحد من المؤمنين قد وفي بما وعد كله، والواجب عليه أن يتوب من ذلك توبة بليغة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣).
المقت: البغض، ومن استوجب مقت اللَّه، لزمه العقاب عنه لا محالة، ولكنه يحتمل أن يكون هذا فيمن اعتقد ترك الوفاء بما وعد واستحلال ما نهاه اللَّه تعالى عنه؛ فيستوجب مقت اللَّه تعالى ونقمته لا محالة.
وإن كان فيمن تثبت على اعتقاده، وزل في أفعاله، فالواجب أن يقسم الذنوب؛ فيلزمه الخوف على مراتبها ودرجاتها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤).
ليس فيه أن اللَّه تعالى لا يحب المبارز؛ لأن الجهاد والقتال على المبارز أشد، وذلك أنه إذا كان في الصف أعانه على القتال غيره؛ فكان أمنه على نفسه في الصف أكثر، وأما المبارز فإنه وحده ليس له معين؛ فإن ظفر على صاحبه وإلا هلك، والخوف عليه في ذلك أشد؛ فيجب أن تكون المحنة فيه أكثر.
ولكنه يجوز أن يكون اللَّه تعالى علمهم بهذه الآية كيفية القتال؛ ليستعين بعضهم ببعض، وليكون كلمتهم واحدة؛ لأنهم إذا تفرقوا اختلفت آراؤهم، فيخشى عليهم الهزيمة والإدبار، وإذا كانت آراؤهم متفقة، وكلمتهم واحدة، وشوكتهم واحدة، فذلك قوة في
الصف 61:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾ ليس فيه أن الله، لا يحب المبارزة لأن الجهاد والقتال المبارز أشد، وذلك أنه إذا كان في الصف أعانه على القتال غيره، فكان أمنه على نفسه في الصف أكثر، وأما المبارز، فإنه وحده، ليس له معين، فإن ظفر على صاحبه، وإلا هلك، والخوف عليه في ذلك أشد، فيجب أن تكون المحنة فيه أكثر.
ولكنه يجوز أن يكون الله تعالى، علمهم بهذه الآية كيفية القتال ليستعين بعضهم ببعض ولتكون كلمتهم واحدة لأنهم إذا تفرقوا اختلفت آراؤهم، فيخشى عليهم الهزيمة والإدبار، وإذا كانت آراؤهم متفقة وكلمتهم واحدة وشوكتهم واحدة، وذلك في القتال زيادة نصرة الله، والله اعلم.
ثم قوله تعالى :﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾ قال بعضهم : ضرب هذا المثل للثبات يعني : إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الذي (١) تكون ثابتة مستقرة، لا ينتقض بأدنى شيء.
ومنهم من ضرب هذا المثل لأن تكون كلمتهم واحدة، ويعين بعضهم بعضا.
ويشبه أن يكون للأمرين جميعا، لأنهم إذا ثبتوا أعان بعضهم بعضا، وكانت كلمتهم واحدة، وإذا كانت كلمتهم واحدة كان ذلك أدعى إلى الثبات وأقرب إليه فلذلك قلنا : إنه يجوز للأمرين جميعا، والله أعلم.
ثم المحبة تحتمل وجهين : أحدهما :[ الرضا ](٢) عن الخلق، والثاني : الثناء عليهم بما يفعلون.
١ في الأصل و م: التي..
٢ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.
الصف 61:5
القتال وزيادة نصرة، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: ضرب هذا المثل للثبات، يعني: إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الذي يكون ثابتا مستقرًّا لا ينتقض بأدنى شيء.
ومنهم من قال: ضرب هذا المثل؛ لأن يكون كلمتهم واحدة، ويعين بعضهم بعضًا.
ويشبه أن يكون للأمرين جميعًا؛ لأنهم إذا ثبتوا أعان بعضهم بعضًا، وكانت كلمتهم واحدة، وإذا كانت كلمتهم واحدة، كان ذلك أدعى إلى الثبات وأقرب إليه؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يكون للأمرين جميعًا، واللَّه أعلم.
ثم المحبة تحتمل وجهين:
أحدهما: عن الخلق.
والثاني: الثناء عليهم بما يفعلون.
* * *
قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩).
وقوله - تعالى -: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ).
يحتمل وجهين:
أحدهما: تنبيه لهم، وإعلام عن معاملة اعتادوها فيما بينهم من غير أن يعلموا فيها أذى لموسى - عليه السلام - نحو أن قال في حق رسولنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)؛ فيجوز أن يكونوا لا يعدون تلك المعاملة أذى لموسى - عليه السلام - ولا يعلمونها؛ فأخبرهم أنها تؤذيه؛ لينتهوا عن ذلك.
والثاني: أنه يجوز أن يكونوا علموا أن ذلك يؤذيه، ولكنهم عاندوه وكابروه، فيخبرهم عن كيف (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)، وقد علموا أن حق رسل الملوك التعظيم والتبجيل؛ فكيف رسول رب العالمين؟! فأخبرهم أنه يؤذونه شكاية منهم إليهم.
ثم اختلفوا في الأذى: فقَالَ بَعْضُهُمْ: إن موسى - عليه السلام - كان لا يكشف عن نفسه؛ فأذوه بأن قالوا: إن في بدنه آفة ومكروها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن موسى - عليه السلام - ذهب مع هارون - عليه السلام - إلى جبل، فقبض هارون في ذلك الجبل، فآذوه بأن قالوا: قتل موسى أخاه.
ومنهم من قال: كانوا يؤذونه بألسنتهم حيث قالوا: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)، وبقولهم: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، وبقولهم: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ)؛ ولكن الوجه أن لا يشار إلى شيء بعينه.
فإن كان التأويل هو الوجه الأول: أنهم آذوه من غير أن يعلموا أن ذلك يؤذيه أن لا يصرف إليه شيء من هذه الأوجه الثلاثة، وإن كان على الوجه الثاني فكذلك، وإن كان على الوجه الثالث جاز أن يصرف إليه أي الوجوه منها، واللَّه أعلم.
ثم حق هذه في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يخرج على وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون بنو إسرائيل آذوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فذكره اللَّه تعالى أمر موسى - عليه السلام - وإيذاءهم إياه؛ ليكون فيه تصبير لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتسكين لقلبه.
أو يجوز أن يكون هذا تحذيرًا لأصحابه عن أن يرتكبوا ما يخاف أن يكون فيه أذاه - عليه السلام - واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) له معنيان:
أحدهما: أن يقول: (أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، يعني: خلق فعل الزيغ في قلوبهم يعني: خذلهم اللَّه، ووكلهم إلى أنفسهم.
قالت المعتزلة محتجين علينا: إن اللَّه تعالى قال: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)، ذكر أنه إنما يضله بعدما فسق، وأنتم تقولون: إنه يضله وهو يهدي؟
قلنا: إن هذا تمويه علينا، وذلك أنا نقول: إن اللَّه تعالى يضله لوقت اختياره الضلال، ويزيغه لوقت اختياره الزيغ، وإذا كان كذلك، لم يلزم ما قالت المعتزلة، مع أنهم يقولون: إن اللَّه تعالى يضله بعد ضلالته بنفسه؛ عقوبة له، ويريد له هدى بعد اهتدائه ثوابا له.
ولا يستقيم كذلك؛ لأنا قد نراه في الشاهد يكفر بعد إيمان ويؤمن بعد كفره، وإذا كفر بعدما كان مؤمنا، وذلك وقت يريده اللَّه تعالى هُدِي؛ ثوابا لإيمانه المتقدم؛ فإذا كفر فكأن هداية اللَّه تعالى كانت سببًا لكفره، أو إذا آمن بعدما كان كافرا وقت عقوبته بالكفر؛ فكأن عقوبة اللَّه تعالى بالكفر على الكفر المتقدم كان سببا للإيمان، وهذا كلام مستقبح.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
الصف 61:6
يعني: الذين علم اللَّه منهم أنهم يختارون الضلال والكفر؛ فلا يتوبون منه ولا ينقلعون؛ فلا يهدي أُولَئِكَ، وأما من علم منهم أنه يتوب ويسلم فإنه يهديه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦).
قوله؛ (مُصَدِّقًا) يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يقول جئت إليكم بالنعت الذي وصفت في التوراة، أو (مُصَدِّقًا) وبالتوراة وبكتب اللَّه تعالى؛ ليعلم أن الرسل كان يلزمهم الإيمان بالكتب المتقدمة والرسل جميعا، كما يلزم ذلك أمتهم.
أو يقول: (مُصَدِّقًا)، يعني: آمركم بعبادة اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - وتوحيده كما أمرتم به في التوراة؛ ليعلم أن الرسل كان دينهم واحدا، وإن كلهم يدعون إلى التوحيد وعبادة الرحمن، وأما الشرائع فقد يجوز اختلافها ولا يدل ذلك على اختلاف في الدِّين؛ لأن الشرائع قد تختلف في رسول واحد ولا يختلف دينه؛ فكذلك الرسل، واللَّه الموفق.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ).
يعني: مبشرا برسول يصدق بالتوراة على مثل تصديقي؛ فكأنه قيل له: ما اسمه؟ فقال: (اسْمُهُ أَحْمَدُ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: الذي جاءهم عيسى، عليه السلام.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مُحَمَّد، عليه الصلاة والسلام.
وقد جاءا جميعًا.
وقوله: (بِالْبَيِّنَاتِ)، أي: بالبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء من عند اللَّه.
وقوله: (هَذَا سِحْرٌ)، و (ساحر مبين)، واختلفوا فيمن قيل له هذا:
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو عيسى، عليه السلام.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو مُحَمَّد، عليه الصلاة والسلام. وقيل: قالوا لهما جميعا.
ويحتمل أن يكون هذا قول أكابر الكفرة للضعفاء منهم؛ وذلك أنهم لم يجدوا سببًا للتمويه سوى أن نسبوه للسحر، وهذا يدل أنه جاءهم بالآيات المعجزة؛ حيث نسبوه إلى السحر، وقالوا: (هَذَا سِحْرٌ)، وإنا لا نعلم السحر، ولو كان الذي جاءهم به سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا أن الرسل لم يختلفوا إلى السحرة، ولم يتعلموا منهم، وكان لا يتهيأ لهم اختراعه من تلقاء أنفسهم، فلو كان سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا
الصف 61:7
ما ذكرنا، ولكن اللَّه تعالى برأه ونزهه من السحر، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ).
نور اللَّه يعني: دين اللَّه، أو كتاب اللَّه، أو رسل اللَّه.
وقوله: (بِأَفْوَاهِهِمْ) أي: ليست عندهم حجة ولا معنى يدفعون به هذا النور، سوى أن يقولوا بألسنتهم: هذا سحر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧).
أي: ومن أوحش ظلمًا وأقبح ممن بلغ افتراؤه المبلغ الذي يفتري على اللَّه تعالى الكذب؛ لأنهم قد علموا أن ما نالوا من نعمه وكرمه، فإنما نالوه باللَّه، ثم كفروا به، وكذبوا على اللَّه وعلى رسوله.
أو يقول: لا أحد أظلم ممن يفتري على اللَّه الكذب؛ وذلك أن قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ) كلام استفهام، ومعلوم أن اللَّه تعالى لا يستفهم أحدًا، وإذا كان كذلك، كان حق كل ما خرج مخرج الاستفهام أن ينظر إلى جوابه لو كان مستفهمًا؛ فيفهم منه معنى قول رب العالمين، وإنما المفهوم من جواب من يسألهم عن مثل هذا أن يقول: لا أحد أظلم ممن افترى على اللَّه الكذب، واللَّه يدعو إلى الإسلام، وهو أن يجعل الأشياء كلها سالمة له، فهو إذ علم أن ما ناله من نعمة فإنما ناله باللَّه تعالى، وعلم الأشياء كلها لله تعالى، فكيف افترى على اللَّه تعالى الكذب، وهو يعلم فإنه علم هذا؟!
فلا أحد أظلم منه حتى افترى على اللَّه الكذب، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ... (٨).
له أوجه:
أحدها: بالحجج والبراهين.
والثاني: بنصر أهله وغلبته.
والثالث: بإظهاره في الأماكن كلها.
فإن كان على النصر والغلبة، فقد كان حتى كأن المشركين في خوف والمسلمون في أمن؛ ألا ترى إلى قوله: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ)، وإلى ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين ".
وإن كان بالحجج فقد كان أيضًا، لأنهم عجزوا عن أن يأتوا بما يشبه أن يكون مثلا له؛
الصف 61:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿والله متم نوره﴾ له أوجه :
أحدها : بالحجج والبراهين.
والثاني : بنصر أهله وغلبتهم(١).
والثالث : بإظهاره في الأماكن كلها.
فإن كان ذلك على النصر والغلبة فقد كان حتى كان المشركون(٢) في خوف، والمسلمون في أمن. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله﴾ ؟ [الرعد: ٣١] وإلى ما روي عن النبي ﷺ :" نصرت بالرعب مسرة شهرين " ؟ [ الطبراني في الكبير ١١٠٥٦ ].
وإن كان بالحجج فقد [ كان ](٣) أيضا لأنهم عجزوا عن أن يأتوا بما يشبه أن يكون مثلا له فضلا عن أن يأتوا بمثله. فدل أنه قد أتم نوره بالنصر والغلبة والبراهين والحجج.
وإن كان المراد منه إظهاره فإنه يرجئ أن يظهره على ما روي أنه إذا نزل عيسى، صلوات الله عليه، لم يبق على وجه الأرض إلا دين الإسلام.
وقوله تعالى :﴿والله متم نوره﴾ ليس فيه أنه كان به شيء من الكدر، فصفاه، ولكن على ما ذكرنا من التأويل فكذلك : لا يجب أن يفهم من قوله :﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] أنه كان ناقصا، فأكمله بالشرائع، ولكنه على هذه الوجوه، يعني أظهر الدين بالشرائع التي وصفناها من قوله :﴿والله متم نوره﴾ والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولو كره الكافرون﴾ وقال حين ذكر الإظهار﴿ولو كره المشركون﴾ [ الآية : ٩ ] لأن هؤلاء كفروا بالرسول والكتاب [ وكذلك بنعم ](٤) الله تعالى فقال :﴿ولو كره الكافرون﴾ وأولئك أشركوا به في التوحيد فقال :﴿ولو كره المشركون﴾ والله اعلم.
١ في الأصل و م: وغلبته.
٢ في الأصل و م: المشركين.
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: وذلك نعم..
الصف 61:9
فضلا من أن يأتوا بمثله؛ فدل أنه قد أتم نوره بالنصر والغلبة والبراهين والحجج.
وإن كان المراد منه إظهاره؛ فإنه يرجى أن يظهر؛ على ما روي أنه إذا نزل عيسى - عليه السلام - لم يبق على وجه الأرض دين إلا الإسلام.
ثم قوله تعالى (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) ليس فيه أنه كان به شيء من الكدر فصفاه؛ ولكن على ما ذكرناه من التأويل؛ فكذلك لا يجب أن يفهم من قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) أنه كان ناقصا فأكلمه بالشرائع؛ ولكنه على هذه الوجوه، يعني: أظهر الدِّين بالشرائع التي وصفناها في قوله: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
وقال حين ذكر الإظهار: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) لأن هَؤُلَاءِ كفروا بالرسول والكتاب، وذلك نعم اللَّه تعالى؛ فقال: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، وأُولَئِكَ أشركوا به في التوحيد؛ فقال: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) يعني: بما لو اتبعوه اهتدوا به.
وقوله: (وَدِينِ الْحَقِّ) له أوجه ثلاثة:
أحدها: أن يجعل الحق كناية عن اللَّه تعالى فكأنه قال: ودين اللَّه.
والثاني: أن يجعل الحق نعتا للدِّين؛ فكأنه قال: والدِّين الذي هو الحق من بين سائر الأديان.
والثالث: أن يقول: الذي يحق على كل أحد قبوله والانقياد له، واللَّه أعلم.
وقوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) له وجهان:
أحدهما: أن يقول (لِيُظْهِرَهُ)، يعني: يظهر رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على غيره بما يحتاج في هذا الدِّين من النوازل؛ فيكون فيه بيان أن ما جاء عنه - عليه السلام - في هذه النوازل إنما هو بالوحي وبما أظهره اللَّه تعالى عليه.
ويحتمل: بإظهار هذا الدِّين في الأماكن.
قال: والدِّين: هو الخضوع والاستسلام لله تعالى، فحقيقته أن يجعل الأشياء كلها سالمة له.
وقوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، قال الشيخ - رحمه اللَّه -: ويقتضي هذا: ولو كره المعتزلة؛ لأن إتمام نوره كان بالحجج، أو بالنصر والغلبة، أو بإظهاره في الأماكن كلها فإنما يكون ذلك بأفعال العباد، ثم أضاف اللَّه تعالى إلى نفسه؛ فثبت أن لله تعالى في
الصف 61:10
أفعال العباد صنعا وتدبيرا، وإن كان أفعالهم كلها مخلوقة لله لا تخرج عن تدبيره ومشيئته، واللَّه المستعان.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ).
الإيمان باللَّه: أن يؤمن بأنه الواحد الأحد، الصمد الفرد، الذي لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ويؤمن بأن له الخلق والأمر، وأنه قادر لا يعجزه شيء، وعليم لا يخفى عليه شيء، وحكيم لا يخرج خلقه الأشياء المختلفة من السراء والضراء، والظلمة والنور، والمرض والصحة، عن حكمته.
وأنه ليس كما قالت الثنوية: إن خالق الظلمة والشر والقبيح غير خالق النور؛ بل يعلمه أنه خالق كل شيء، سواء من ظلمة ونور، وشر وخير، وسقم وصحة.
ولا على شبيه ما قالت المجوس: إن اللَّه تعالى غفل غفلة فتولد منه الشيطان؛ بل هو لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.
ولا على ما قالت النصارى: حيث شبهوه بالخلق حتى أجازوا أن يكون له ولد.
ولا على ما قالت القدرية: إنه لا يقدر شيئا من الشر والسقم والوجع.
ولا على ما قالت المعتزلة: إنه ليس له في أفعال العباد صنع وتدبير؛ بل يعلمه عليما بكل شيء، قديرا على كل شيء، متعاليًا عن كل شيء من معاني الخلق، متنزها عن كل آفة وحاجة وعيب، فهذا هو الإيمان باللَّه تعالى عندنا، واللَّه تعالى أعلم.
والإيمان بالرسول: هو أن يؤمن بأن ما جاء به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وفهو حق وصدق.
وقوله: (وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
هذا على وجهين:
أحدهما: أن يقاتلوا أعداء اللَّه تعالى.
والثاني: أن يجاهدوا في طاعة اللَّه تعالى، وفيما دعا إليه من الأمر بالجهاد ينصرف إلى أنواع أربعة:
جهاد في سبيل اللَّه بمقاتلة أعدائه، والاستقصاء في طاعته.
وجهاد فيما بين الإنسان ونفسه أن يجاهد في قهرها ومنعها عن لذاتها وشهواتها، وعما يعلم أنه يهلكها ويرديها.
وجهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع فيهم، وأن يشفق عليهم ويرحمهم، وألا يرجوهم ولا يخافهم.
وجهاد فيما بينه وبين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده، أو مَرمَّة لمعاشه، ولا يأخذ منها ما يضره في عقباه.
وكل هذه الأنواع يستقيم أن يسميها جهادا في سبيل اللَّه.
ثم إن هذه الآية تنتظم مسائل ثلاثًا:
إحدها: أن كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)؟
والثانية: أن كيف يرجى له النجاة إذا آمن باللَّه ورسوله، ولم يجاهد في سبيل اللَّه وقد أوجب عليه ذلك؟
والثالثة: أن كيف يخاف عليه العذاب إذا آمن باللَّه ورسوله، وجاهد في سبيل اللَّه، وأتى بالكبيرة مع قوله: (تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)؟
أما الجواب عن المسألة الأولى: أنه يحتمل أن يكون المراد من هذه الآية أهل النفاق؛ فيكون المعنى من قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) في الظاهر، (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، أي: تصدقون بقلوبكم.
ويجوز أن تكون في أهل الكتاب أيضًا فكأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا بالكتب المتقدمة، آمنوا باللَّه وبمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبهذا الكتاب.
هذا إذا كان في الكفار.
فأما إذا كان في المؤمنين يجوز أن يكون أمر بالإيمان من بعد ما آمنوا، بمعنى: الثبات عليه أو الزيادة وبحق التجدد، وأن الإيمان في حادث الأوقات له أسماء ثلاثة: الزيادة، والثبات، والتجدد؛ وذلك أن اللَّه تعالى ذكر هذا النوع في كتابه مرة باسم الزيادة؛ حيث قال: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)، ومرة باسم الثبات بقوله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ومرة بالإيمان بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ).
فإن كان على الزيادة والثبات، فذلك لطف من اللَّه تعالى؛ وذلك أن الزيادة والثبات هما اسمان يطلقان على فعل دائم، وفعل الإيمان منقضٍ، ولكنه يجوز أن يكون اللَّه تعالى
الصف 61:11
بلطفه جعل المنقضي كالدائم؛ فيخرج هذا الفعل مخرج الزيادة والثبات، واللَّه أعلم.
وإن كان على التجدد في الأوقات الحادثة، فذلك مستقيم؛ وذلك لأن المرء منهي عن الكفر في كل وقت يأتي عليه إذا أتى بالإيمان في ذلك الوقت انتهى عن الكفر؛ فصار لإيمانه حكم التجدد، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون المراد بقوله: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ... (١١) الاعتقاد، وإذا كان المراد منه ذلك، وأتى بما أمر من الاعتقاد بهذه الأمور، ولكنه لم يف بالفعل، فهو في رجاء من النجاة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ).
يعني: ذلك الذي أمركم به من الإيمان باللَّه تعالى ورسوله والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم.
(إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
عيانا بعلمكم أن ذلك خير لكم.
وقوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢).
يعني: يغفر اللَّه لكم بتلك النجاة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً).
يجوز أن يكون رغبهم في هذه الآية بما أمرهم بتركها؛ وذلك أنه أمرهم بمفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد بأنفسهم، ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ذلك آتاهم مكان كل ما فات عنهم خيرًا منها: مكان ما فارقوا من المساكن يؤتيهم مساكن طيبة، ومكان ما أنفقوا من أموالهم يؤتيهم النعيم الدائم، ومكان ما أفنوا من حياتهم وأنفسهم يؤتيهم حياة دائمة باقية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
يعني: ذلك الثواب الدائم هو الفوز العظيم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣).
فكأنه يقول يعطيكم اللَّه بتلك التجارة التي دلكم عليها ما ذكر من الثواب في الآجل، وأخرى تحبونها نصر من اللَّه على أعدائكم في الدنيا، وفتح البلاد.
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، بهما، وقد فعل اللَّه تعالى ذلك بهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤) هذا كلام يورث شبهة في القلب أن كيف قال (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) واللَّه تعالى لا يخاف أحدًا حتى يستنصر عليه غيره؟
ولكن السبيل في كشف هذه الغمة عن القلوب هو أن المعنى في هذا وفي قوله: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، وقد وصفنا في ذلك أن اللَّه تعالى جعل ما يصلون به أرحامهم ويتصدقون على فقرائهم كأنهم أقرضوا اللَّه؛ كرمًا منه وفضلا ولطفا، فكذلك يحتمل أن يكون جعل ما ينصرون به دينه أو رسوله نصرا له تعالى.
وكذلك قوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، والمعنى في هذا: إن تنصروا دين اللَّه ينصركم، أو إن تنصروا رسول اللَّه أو تنصروا الحق، واللَّه أعلم أي ذلك كان.
ويحتمل أن يكون المراد من ذلك كله، أي: اجعلوا ما تنصرون به دينكم لله تعالى ولوجهه. وكذلك قوله: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ)، تعالى: اجعلوا ذلك لله ولوجهه الكريم، ولا بد من أن يكون في هذه الآية إضمار: إما في الابتداء أو في الانتهاء حتى تستقيم عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ) فكأنه يقول: قل للذين آمنوا: كونوا أنصار اللَّه كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى اللَّه؟
أو يكون معناه وإضماره في حق الإجابة، أي: أجيبوا لله ورسوله وكونوا أنصارا له كما أجاب قوم عيسى بقولهم: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ). والحواريون: المتبصرون المنقون دينهم عن الشبهة، وهم قوم كانوا خيرة عيسى - عليه السلام - وخاصته حيث دعاهم إلى دينه فأجابوه وآمنوا به، ونقوا دينهم عن كل شبهة وآفة وعيب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) هذا يحتمل أن يكون في حياة عيسى - عليه السلام - حين اتبعه الحواريون ثم دعا بعد ذلك قومه إلى دينه فآمنت طائفة وكفرت طائفة، (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ) بالبراهين والحجج على الطائفة الذين كفروا؛ (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) على أعدائهم بالحجج والبراهين.
ويجوز أن يكون بعد وفاة عيسى - عليه السلام - حين اختلفوا في ماهيته: فمنهم من قال: هو اللَّه، ومنهم من قال: هو ابن اللَّه؛ فكفرت به هذه الطائفة وآمنت به طائفة أخرى، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم حين وقع لهم قتال؛ فنصروا عليهم وظفروا، والله أعلم.
تمت السورة بحمد اللَّه وحسن توفيقه، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحيه أجمعين.
* * *
الصف 61:12
الآية ١٢ وقوله تعالى :﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾ يعني ﴿يغفر لكم﴾ بتلك النجاة ﴿ذنوبكم﴾ وقوله تعالى :﴿ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة﴾ يجوز أن يكون رغبهم في هذه الآية بما أمرهم بتركها ؛ وذلك أنه أمرهم بمفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد(١) بأنفسهم.
ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ذلك آتاهم مكان كل ما فات عنهم خيرا(٢) منها مكان ما أفنوا من حياتهم وأنفسهم يؤتيهم حياة دائمة باقية، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ذلك الفوز العظيم﴾ يعني ذلك الثواب الدائم، وهو الفوز العظيم.
١ من م، في الأصل: بالجهاد.
٢ في الأصل وم: خير..
الصف 61:13
الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب﴾ فكأنه يقول : يعطيكم الله بتلك التجارة التي دلكم عليها ما ذكر من الثواب في الآجل، ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله﴾ على أعدائكم وفتح البلاد، ﴿وبشر المؤمنين﴾ بهما. وقد فعل الله تعالى ذلك لهم(١).
١ في الأصل وم: بهم..
الصف 61:14
الآية ١٤ وقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله﴾ هذا كلام، يورث شبهة في القلب : أن كيف قال :﴿كونوا أنصار الله﴾ والله تعالى، لا يخاف حتى يستنصر عليه غيره ؟ ولكن السبيل في كشف هذه الغمّة عن القلوب، هو أن المعنى في هذا وفي قوله :﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ [ المزمل : ٢٠ } وقد وصفنا في ذلك أن الله تعالى جعل ما يصلون به أرحامهم، ويتصدقون به على الفقراء، كأنهم أقرضوا الله كرما منه وفضلا ولطفا. فكذلك يحتمل أن يكون جعل ما ينصرون به دينه أو رسوله نصر الله تعالى.
وذلك قوله تعالى ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧] والمعنى في هذا : إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا رسول الله ﷺ أو إن تنصروا الحق، والله أعلم أي ذلك كان.
ويحتمل أن يكون المراد من ذلك كله : أي اجعلوا ما تنصرون به دينكم لله تعالى ولوجهه، وكذلك قوله تعالى :﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ [ أي ] (١)اجعلوا ذلك لله تعالى ولوجهه الكريم.
ولا بد من أن يكون في هذه الآية إضمار : إما في الابتداء [ وإما ] (٢)في الانتهاء حتى تستقيم عليه.
وقوله تعالى :﴿كما قال عيسى ابن مريم للحواريين﴾ كأنه يقول : قل للذين ﴿آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله﴾ أو يكون معناه وإضماره في حق الإجابة، أي أجيبوا الله ورسوله، وكونوا أنصارا له كما أجاب قوم عيسى بقولهم :﴿نحن أنصار الله﴾.
[ والحواريون : الناصرون الواقون ](٣) دينهم عن الشبهة، وهم قوم كانوا خيرة عيسى عليه السلام وخاصته حين (٤) دعاهم إلى دينه فأجابوه، وآمنوا به ووقوا(٥) دينهم عن كل شبهة وآفة وعيب.
وقوله تعالى :﴿فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة﴾ هذا يحتمل أن يكون في حياة عيسى عليه السلام حين اتبعه الحواريون، ثم دعا بعد ذلك قومه إلى دينه، ﴿فآمنت طائفة وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا﴾ بالبراهين والحجج على الطائفة الذين كفروا، فأصبحوا ظاهرين على أعدائهم بالحجج والبراهين.
ويجوز أن يكون [ ذلك ] (٦)بعد وفاة عيسى عليه السلام حين اختلفوا في ماهيته :
فمنهم من قال : هو الله، ومنهم من قال : هو ابن الله، فكفرت به هذه الطائفة وآمنت به طائفة أخرى، ﴿فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم﴾ حين وقع لهم قتال، فنصروا عليهم، وظفروا، والله أعلم.
تمت السورة بحمد الله وحسن توفيقه، والحمد لله رب العالمين.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أو..
٣ في الأصل وم: والحواريون المنصورين المتقون..
٤ في الأصل وم: حيث.
٥ في الأصل وم: وتقوا..
٦ ساقطة من الأصل وم.
الجمعة 62:1
سُورَةُ الْجُمُعَةِ وهي كلها مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
قال: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ)، ولم يقل: يسبح اللَّه، وقد جرت العادة في الناس التسبيح بالإله؛ كقولهم: سُبْحَانَ اللَّهِ، وسبحان ربي العظيم، فكان حق هذا القول على ما جرت به العادة في اللسان أن يقول: يسبح اللَّه ما في السماوات وما في الأرض، ولكنه يجوز أن يكون هذا من نوع ما يجري فيه اللفظان جميعًا؛ كما يقال: شكره وشكر له، ونصحه ونصح له.
والتسبيح يحتمل أوجها ثلاثة:
أحدها: تسبيح الخلقة: أنك إذا نظرت إلى كل شيء على الإشارة إليه والتعيين، دلك جوهره وخلقته على وحدانية اللَّه تعالى، وعلى تعاليه عن الأشباه وبراءته عن جميع العيوب والآفات؛ فذلك من كل شيء تسبيحه.
والثاني: تسبيح المعرفة، ووجه ذلك: أن يجعل اللَّه تعالى بلطفه في كل شيء حقيقة المعرفة؛ ليعرف اللَّه تعالى وينزهه، وإن كان لا يبلغه عقولنا؛ ألا ترى إلى قوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).
ولكن عندنا بواسطة إحداث نوع حياة فيه؛ إذ المعرفة بدون الحياة لا تتحقق.
والوجه الثالث: هو أن يكون التسبيح تسبيح ضرورة وتلقين، ووجهه: أن اللَّه تعالى يُجري التسبيح على ذلك الجوهر من غير أن يكون له حقيقة المعرفة، كما أظهر من آياته وأعلامه على عصا موسى، وكما أجرى السفينة على وجه الماء، وإن لم يكن لها حقيقة المعرفة؛ وذلك تسبيح كل شيء، واللَّه أعلم.
وقوله: (الْمَلِكِ).
يعني: الملك الذي له ملك الملوك، أو الذي له الملك في الحقيقة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْقُدُّوسِ)، له تأويلان:
أحدهما: الطاهر من كل عيب وآفة وحاجة، أو الطاهر مما يحتمله غيره.
الجمعة 62:2
والثاني: المبارك، يعني: به ينال كل بركة وخير.
ويجوز أن يجمع في المبارك معنى التنزيه من العيوب ومعنى البركة؛ لأنك إذا وصفته بالبركة فقد وصفته بالبراءة من كل عيب وأضفت إليه كل بركة ويمن؛ كما روي في الخبر أن قول: " سُبْحَانَ اللَّهِ نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان "، وكان معناهما عندنا أن قول: " سُبْحَانَ اللَّهِ " يختص بتبرئته من العيوب، " والحمد لله " ينتظم معنى التنزيه من العيوب، ومعنى إضافة النعم كلها إليه، فإذا كان فيه هذان المعنيان جميعًا، جاز أن يمتلئ به الميزان، ولما اختص " سُبْحَانَ اللَّهِ " بتطهيره من العيوب، ولم يتعده إلى غيره، أخذ نصف الميزان، واللَّه أعلم.
وكذلك هذا الاختلاف في تأويل قوله: (الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).
العزيز: يعني: الغالب القاهر، لا يعجزه شيء.
أو يجوز أن يكون العزيز مقابل الذليل، والذليل ينتظم كل فقر وحاجة وضعف؛
فالواجب: أن ينتظم العزيز -إذا كان ضدًّا ومقابلا- كل شرف ومكرمة وغناء وقوة، والله الموفق.
والحكيم: قالوا: هو الذي يضع الأشياء مواضعها، فاللَّه تعالى حكيم حيث وضع الأشياء مواضعها التي جعلها اللَّه تعالى مواضع لها، أو الحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، وهو معنى المصيب أيضًا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢).
احتج أهل الكتاب علينا أن اللَّه تعالى إنما بعث محمدا رسولا إلى الأميين خاصة بهذه الآية، وفهموا منها تخصيص الأميين بإرسال الرسول إليهم، فيقتضي نفيه عن غيرهم.
ولكن نقول: لا يجب أن يفهم من الآية نفي ما ذكر في ظاهرها، بل يفهم منها ظاهرها دون النفي، والتخصيص بالذكر لا يحتمل على النفي؛ لأنه إذا حمل التخصيص بالذكر على نفي غيره، أدى إلى ما لا يستقيم ولا يحل؛ ألا ترى إلى قوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، حيث لم يفهم أنه لم يخطه بيمينه أن كان خطه بشماله، ولا من قوله: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو)، أنه كان يتلى عليه، ولكن المعنى من ذلك كله واللَّه أعلم: أن اللَّه بعث رسوله أميًّا في قوم أميين لا يعلمون الحكمة وماهيتها، وجعل ذلك آية لرسالته وحجة لنبوته؛ لأنه إذا كان أميًّا لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ثم آتاهم الكتاب مؤلفًا منظومًا يوافق كتب أهل الكتاب دل أنه إنما علم ذلك بالوحي، وأنه لم يختلقه من عند نفسه، واللَّه أعلم.
ثم الدليل على أنه كان رسولا إليهم جميعًا قوله: (كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، وما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: " بعثت إلى الأحمر والأسود " يعني: إلى الإنس والجن، ولأجل أنه لما بعث إلى طائفة ليدعوهم إلى طاعة اللَّه تعالى وعبادته، علم أنه رسول إلى غيرهم؛ إذا لم يكن لهم رسول آخر؛ لأن الطائفة الأخرى إذ لم يكن لهم رسول آخر، واحتاجوا إلى معرفة الأمر والنهي وإلى طاعة الرحمن حاجة الطائفة التي بعث إليهم؛ دل أنه رسول إليهم جميعًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ).
معناه: أنه بعث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في قوم أميين لا يعرفون عبادة اللَّه ولا يقرءون الكتاب، بل كانت عادتهم عبادة الأصنام.
وقيل في تأويل الأميين: هم الذين لم يؤمنوا بالكتب، ولكن هذا فاسد؛ لأن اللَّه تعالى سمى نبيه - عليه السلام - أميًّا بقوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ).
وقيل: سماهم: أميين؛ لأنهم لا يقرءون الكتاب ولا يكتبون على الأعم الأغلب، وإن كان فيهم القليل ممن يقرأ ويكتب، ومن هذا سمي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أميًّا؛ لأنه كان لا يكتب ولا يقرأ في كتاب ولم يعلم ذلك؛ قال اللَّه تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، وعلى ذلك روي عن النبي - عليه السلام -: " الشهر هكذا وهكذا " وأشار بأصبعه، وقال: " إنما نحن أمة أمية لا تحسب ولا تكتب ".
وقال الزجاج: الأمي هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة ولم يتعلم، ويكون على ما سقط من أُمهِ فنسب إلى حال ولادته التي سقط من أمه؛ لأن ذلك إنما يكون بالتعليم دون الحال التي يجري فيها المولود.
ثم وجه الحكمة في جعل النبوة في الأمي أن يكون ذلك سبب معرفة نبوته وعلامة رسالته، بحيث يعلم أنه ما اخترع ذلك من لدن نفسه؛ إذ لم يعرف الكتابة والقراءة ولا اختلف إلى أحد؛ ليتعلم منه، ثم أحوج جميع الحكماء إلى حكمته، وجميع أهل الكتاب إلى معرفة كتابه؛ لحسن نظمه وتأليفه؛ ليعلم أنه إنما ناله بالوحي والرسالة، واللَّه أعلم.
وقوله: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ).
الآيات: الأعلام، فكأنه يقول: يتلو عليهم في كتابه أعلاما تبين رسالته وتظهر نبوته.
أو يجوز أن يكون الآيات: الحلال والحرام وما أشبهه.
أو الآيات: الحجج التي يستظهر بها الحق، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَيُزَكِّيهِمْ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: يصلحهم، يعني: يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون أذكياء أتقياء.
ويجوز أن يكون معنى قوله: (وَيُزَكِّيهِمْ) أي: يطهرهم من خبث الشرك وخبث الأخلاق وخبث الأقوال، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، اختلفوا فيه:
قال الحسن: هذا كلام مثنى؛ الكتاب والحكمة واحد.
وقال أبو بكر: الكتاب: ما يتلى من الآيات، والحكمة: هي الفرائض.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحكمة: هي السنة؛ لأنه كان يتلو عليهم آياته، ويعلمهم سنته؛ إما بلطف من اللَّه تعالى وإلهامه إياه أو بالوحي.
ومنهم من قال: الكتاب: ما يتلى من الآيات نصًّا، والحكمة: ما أودع فيها من المعاني؛ واللَّه أعلم، أي ذلك كان؟
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
أي: أنهم كانوا عن الكتاب والحكمة لفي ضلال بين ظاهر؛ لأنهم كانوا مشركين عبدة الأصنام، ليس عندهم كتاب، ولا يعرفون الحكمة.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي: في الشرك وعبادة الأصنام، فدعاهم الرسول إلى توحيده وترك ما هم فيه من عبادة الأصنام.
قال الفقيه - رحمه اللَّه - في قوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ): إن اللَّه تعالى قد
الجمعة 62:3
جعلهم أتقياء أذكياء علماء بعدما كانوا أميين جهالا سفهاء؛ آية ودلالة على حقية دينه - عليه السلام - على سائر الأديان؛ حيث لم يكن أهلها كذلك، ويكون فيه ترغيب للآخرين؛ ليصيروا علماء حكماء.
وقوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ).
يجوز أن يكون هذا تعليمًا من اللَّه تعالى؛ فيجعلهم علماء بعدما كانوا سفهاء، وأذكياء بعدما كانوا أنجاسًا وأقذارا عبدة الأوثان، وذلك من لطف اللَّه تعالى بهم؛ لأن ما أضيف من هذه الأفعال إلى اللَّه تعالى، فهو على حقيقة الوجود، وما أضيف إلى الرسول فهو على الأسباب، وذلك أنه لا يجوز أن يعلم اللَّه تعالى أحدا فلا يصير عالما؛ لأن تعليمه خلق العلم في المحل الذي أراد، وما أراد وخلق يكون لا محالة، فأما الرسول فيجوز أن يعلم البشر فلا يتعلم؛ لأن تعليمه بسبب؛ لأنه ليس له قدرة الخلق والإيجاد؛ فثبت أنه على جهة السبب، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣).
فإن كان معناه الخفض، فهو منسوق على قوله: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) ومن آخرين لم يلحقوا بهم؛ فيكون فيه إخبار أن رسالته تبقى إلى آخر الدهر.
وإن كان معناه النصب فهو منسوق على قوله: (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، فيكون فيه بشارة أنه يكون في الآخرين علماء أتقياء حكماء كما كان في هَؤُلَاءِ.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يحتمل أن يكون هذا في أهل النفاق؛ فيكون معناه: فهو الذي بعث في الأميين رسولا فيصيرون علماء حكماء مؤمنين على الحقيقة في الظاهر والباطن، وآخرين من هَؤُلَاءِ الأميين في الظاهر لما يلحقوا بهم في الباطن؛ والتأويل الأول أصح وأقرب.
وقوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ) حيث جعل في كل واحد من البشر أثر الذل به والفقر إليه.
وقوله: (الْحَكِيمُ).
في أمره حيث أمرهم بالحكمة.
أو الحكيم في تدبيره؛ حيث جعل في كل مخلوقاته ما يشهد بوحدانيته وتدبيره فيه.
أو هو الحكيم في تقديره؛ حيث خلق الأشياء المتضادة من نحو النور والظلمة والنيل والنهار؛ لأنه وضع كل شيء موضعه، لم يخلط ظلمة بنور ولا نورا بظلمة، ولا ليلا بنهار ولا نهارا بليل.
وقوله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ... (٤):
الجمعة 62:4
الآية ٤ وقوله تعالى :﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ يعني ذلك الفضل النبوة والرسالة ﴿يؤتيه من يشاء﴾ يعني يخلق من البشر من يصلح للنبوة والرسالة، أو ذلك الفضل من تعليم الكتاب والحكمة ﴿فضل الله يؤتيه من يشاء﴾.
وفيه دلالة على كذب قول المعتزلة، لأن من قولهم : أن الله لا يؤتي أحدا بفضل، بل حق عليه أن يفعل ذلك. فإن كان هذا على الله فعله كان ذلك حقا يقضيه، ومن قضى حقا فليس يوصف(١) بالفضل، وقد وصف الله تعلى نفسه بالفضل، فثبت بهذا كذب قولهم، والله الموفق.
وقوله تعالى :﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ أي ذو الفضل العظيم في الدنيا حين(٢) تفضل عليهم بالكتاب والحكمة بعد ما كانوا جهّالا. أو يجوز أن يكون هذا في الآخرة : أن الله يجزيهم عن أعمالهم الجنة فضلا منه عليهم.
[ وقوله تعالى :](٣) ﴿العظيم﴾ هو الدائم الباقي، والله أعلم.
١ أدرج قبلها في الأصل وم: فكيف..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ ساقطة من الأصل وم..
الجمعة 62:5
يعني: ذلك الفضل: -النبوة والرسالة- يؤتيه من يشاء، يعني: يخلق من البشر من يصلح للنبوة والرسالة.
أو ذلك الفضل من تعليم الكتاب والحكمة يؤتيه من يشاء.
وفيه دلالة على كذب قول المعتزلة؛ لأن من قولهم: إن اللَّه لا يؤتي أحدا شيئًا بفضله، بل حق عليه أن يفعل ذلك، فإذا كان هذا على اللَّه فعله كان ذلك حقًّا يقضيه، ومن قضى حقًّا، فليس يوصف بالفضل، وقد وصف اللَّه تعالى نفسه بالفضل، فثبت بهذا كذب قولهم، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
أي: ذو الفضل العظيم في الدنيا؛ حيث تفضل عليهم بالكتاب والحكمة بعدما كانوا جهالا.
أو يجوز أن يكون هذا في الآخرة أن اللَّه يجزيهم عن أعمالهم الجنة؛ فضلا منه عليهم.
(الْعَظِيمِ) هو الدائم الباقي، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨).
وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا).
له أوجه من التأويل:
أحدها: يحتمل أن يكون هذا كناية عن العمل، يعني: حملوا ما في التوراة فلم يعملوا بها.
والثاني: أن يقول: (لَمْ يَحْمِلُوهَا)، يعني: لَمْ يَحْمِلُوهَا إلى من أمروا بحملها إليهم على ما أمروا؛ لأنهم حرفوا وبدلوا.
أو يجوز أن يكون تأويله - واللَّه أعلم - أنهم كذبوا التوراة وتلقوها بالعناد والتكذيب فلم ينتفعوا بها، فمثلهم كمثل الحمار يحمل كتبا لا يعلم قدرها وخطرها كما قال: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)؛ لأنهم وإن عرفوا التوراة فحين لم يعظموها حق تعظيمها، وكذبوا بما فيها، كانوا كأنهم لا يعرفون قدرها وخطرها، فصار مثلهم كمثل
الجمعة 62:6
الحمار يحمل الكتب، لا يعلم ما قدرها وخطرها؟ وهذا التأويل أقرب؛ لأنه قال في سياق هذه الآية: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ)، فثبت أن المعنى من الأول التكذيب، واللَّه أعلم.
قال: ثم معلوم أن هذا التكذيب والتحريف إنما كان من عمل كبرائهم ورؤسائهم، فأخبر أنهم كذبوا ولم يعرفوا قدرها حين كذبوا؛ ليزجر متبعيهم عن اتباعهم، ويبين أن رؤساءهم ليسوا ممن يستحقون الاتباع.
وفيه - أيضًا - زجر للمسلمين أن يستخفوا كتاب اللَّه والعمل بما فيه، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يقول: بئس النعت والصفة صفة الذين بلغ كذبهم مبلغا كذبوا على اللَّه؛ لأن الكاذب في العباد موصوف بالشر، فإذا بلغ كذبه مبلغا يكذب على اللَّه تعالى، علم أنه في النهاية في الشر، فكأنه يقول: صفة الذين كذبوا على اللَّه في الغاية من الشر والقبح.
أو يقول: بئس مثل الذين كذبوا بآيات اللَّه؛ لأن اللَّه تعالى ضرب أمثال المشركين بكل ما يستخبث ويستقبح، وضرب أمثال المؤمنين بكل حسن وطيب، فقال: المثل يعني الشبه الذي شبه اللَّه تعالى به المكذبين بآياته شبه قبيح.
ثم في هذه الآية دلالة أن اللَّه تعالى يخلق القبيح والحسن والخبيث والطيب جميعًا؛ لأن قوله: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ)، وذلك المثل الذي شبههم به ما خلقه وقد سماه: بئسا، فثبت أن اللَّه تعالى قد خلق الخبيث والطيب والقبيح والحسن، وعند المعتزلة لم يخلق إلا الحسن، فتكون الآية حجة عليهم.
وقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، له تأويلان:
أحدهما: أنه لا يهدي القوم الظالمين لوقت اختيارهم الظلم والفسق، أو لا يهديهم بظلمهم الآيات ومكابرتهم وعنادهم إياها؛ فهو لا يهدي هَؤُلَاءِ، وأما من ظلم عن جهل أو فسق ثم استرشد، فإنه يهديه ويرشده، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وقال في موضع آخر: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)؛ فكان في هذا بيان أن من كان من أوليائه فله الدار الآخرة عند اللَّه خالصة، ومن كانت له الدار الآخرة فهو من أوليائه.
الجمعة 62:7
ويجوز أن يكون مآلهما جميعًا، واللَّه أعلم.
ثم المباهلة في المتعارف إنما هي المحاجة في بلوغ العناد والتمرد غايته، فكأنه لما قررت عندهم جميع الحجج فلم يقبلوها أمره بالمباهلة؛ فلم يباهله اليهود والنصارى؛ لأنه يجوز أن قد كان في كتابهم هذا أن المباهلة من غاية المحاجة وأن من باهَل، نزل عليه العذاب واللعنة إن لم يكن محقًّا؛ فلذلك امتنعوا من المباهلة، وأما العرب من المشركين فلم يكن لهم كتاب يعرفون به حكم المباهلة فباهلوا، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يقول: " اللهم انصر أحبنا إليك وأقرانا للضيف وأوصلنا للرحم " فنصر اللَّه تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فأبو جهل باهَله؛ لأنه لم يكن له كتاب، ولم يباهله اليهود والنصارى؛ لما كانت لهم كتب عرفوا فيها حكم المباهلة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧).
هذه الآية تدل على رسالة رسولنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنه لو كان يقوله من نفسه، لكانوا يبادرون فيتمنون الموت للحال؛ ليظهر كذبه فيه، فلما أخبر أنه لا يتمنونه أبدًا، ولم يتمنوا، تبين أنه قال من الوحي، وأنهم علموا ذلك حتى امتنعوا عن التمني؛ خوفا للهلاك على أنفسهم؛ لعلمهم أنهم لو تمنوا لماتوا، واللَّه أعلم.
وقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ).
أي: من تحريف التوراة والإنجيل؛ لأن قول النصارى (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)، لم يكن في الإنجيل، وقول اليهود: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا)، لم يكن في التوراة، ولكنهم غيروا وبدلوا؛ فلا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم من تحريف هذه الآيات وتبديلها وتغيير نعت مُحَمَّد، عليه الصلاة والسلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).
يعني: بظلمهم الآيات، وعنادهم لها، ومكابرتهم إياها.
وقوله: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨).
أي: الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف التوراة والإنجيل يلقاكم لا محالة وإن فررتم منه؛ فيكون فيه تذكيرهم إن رجعوا عما يهربون منه، يعني: الموت.
وقوله: (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).
يعني: إلى عالم ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل، وعالم ما غيبتم عن الخلق من
الجمعة 62:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿قل إن الموت الذي تفرون منه﴾ أي الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف التوراة والإنجيل ﴿فإنه ملاقيكم﴾ يلقاكم، لا محالة، وإن فررتم منه، فيكون فيه تذكيرهم، إن رجعوا عما يهربون منه، يعني الموت.
وقوله تعالى :﴿ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ يعني إلى عالم ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل وعالم ما غيبتم عن الخلق من نعت محمد ﷺ وغير ذلك، أو إلى عالم ما غيبتم في أنفسكم، وأسررتم من تكذيبكم بمحمد ﷺ وما أشهدتم عليه ضعفتكم وأتباعكم من نهيكم إياهم عن اتباعه.
وقوله تعالى :﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ إما عيانا تقرؤونه في كتابكم يوم القيامة، أو ينبئكم ﴿بما كنتم تعملون﴾ بالجزاء : إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، والله المستعان.
الجمعة 62:9
نعت مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وغير ذلك.
أو عالم ما غيبتم في أنفسكم وأسررتم من تكذيبكم بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما أشهدتم عليه ضعفتكم وأتباعكم من نهيكم إياهم عن اتباعه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
إما عيانا تقرءونه في كتابكم يوم القيامة، أو ينبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء إن خيرا فخير وإن شرًّا فشر، واللَّه المستعان.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، هذا السعي يحتمل وجهين:
أحدهما: أن أقبلوا على العمل الذي أمرتم به وامضوا فيه.
والثاني: واسعوا في المشي وأسرعوا، لأن السعي في المشي هو السرعة فيه، والسعي في الأعمال هو الإقبال عليها والمبادرة إليها، فإن كان المراد من هذا السعي في المشي فخروج الآية مخرج الترهيب والتضييق؛ ألا ترى إلى قوله: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) كيف أمرك بترك البيع وقد يمكن البيع في حال المشي، وإلى قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) كيف أمر بالانتشار في الأرض بعد الفراغ من الفريضة دون أن يذكر هنالك شيئًا في أدائها، ولو كان المراد منه الترغيب، لكان يأمره بالعدو إليها؛ فدلت هذه المعاني أن تخرج الآية على الترهيب والتضييق، وإن كان السعي في سائر الصلاة المفروضة غير مندوب إليه؛ على ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعون، عليكم بالسكينة والوقار، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا " فاختص الجمعة به؛ لما ذكرنا من التضييق هاهنا والتوسيع في سائر الصلاة، ولكن الأشبه أن المراد من السعي هو الإقبال على أدائها والتأهب لها والمبادرة إليها، والسعي مستعمل في هذا؛ قال اللَّه تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)، وإنما أراد العمل، وكذلك روي عن عمر وابن مسعود وأبي وابن الزبير - رضي اللَّه عنهم - أنهم قرءوا: (فامضوا إلى ذكر) حتى قال عبد اللَّه: " لو كانت القراءة (فَاسْعَوْا) لسعيت، ولو سقط ردائي لم ألتفت إليه "؛ خوفا من تضييع حقها؛ فذلك يدل على أن تأويل الأول عندهم على الإقبال والمبادرة إليها دون السرعة والمشي، ولأن هذا موافق لسائر الصلوات في أن العدو غير مستحب، واللَّه أعلم.
والحديث الوارد في السكينة الوقار مطلق ليس فيه فصل بين الجمعة وغيرها، وعليه إجماع الفقهاء أنه يمشي إلى الجمعة على هينته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) قال بعض الناس بأنه إذا باع في وقت الجمعة، لم يجز بيعه؛ لهذه الآية.
وعندنا أن البيع جائز، لكنه مكروه.
والذي يدل على جوازه أن النهي عن البيع في هذه الآية ليس لمكان البيع، ولكن لمكان الجمعة، فالفساد إذا ورد فإنما يرد في الجمعة لا في البيع؛ لأنه إذا باع في الصلاة فالبيع يفسد الصلاة؛ لأن الصلاة تفسد البيع، ولأن الأصل عنذنا أن كل عقد نهي لأجل غيره، فالنقصان إذا ورد من النهي فإنما يرد في ذلك الغير لا في العقد، وعلى هذا ما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: " المحرم لا ينكح ولا ينكح " إذ النهي عن النكاح إنما هو لمكان الإحرام ليس لمكان النكاح؛ ولذلك نقول بجواز نكاح المحرم وبفساد الحج إذا جامع بذلك النكاح؛ لأن النهي إذا لم يكن لنفس العقد لم يستقم فساد العقد والنهي ليس من أجله، واللَّه أعلم.
ثم لما قال: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) لم يقل: إلى الجمعة، ولا: لها؛ دل أنه قبل الجمعة ذكر يجب الاستماع إليه والسعي إليه؛ فدل هذا على فرضية الخطبة، ولما ثبت أن المعنى من قوله: (إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) أن المراد بالذكر الخطبة، ثم أمر بترك البيع للسعي إلى هذا الذكر والاستماع له - ثبت أن الكلام في وقت الخطبة مكروه، وفي وقت خروج الإمام إلى الخطبة مكروه أيضًا؛ لأن البيع في ذلك الوقت مكروه، والبيع كلام؛ فيدل على كراهية كل كلام؛ فيدل على صحة مذهب أبي حنيفة - رحمه اللَّه - في أنه يلزم السكوت إذا خرج الإمام حتى يفرغ من الصلاة، وعلى ذلك ورد الحديث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " من أتى الجمعة ثم صلى ما شاء أن يصلي، ثم إذا خرج الإمام سكت إلى أن يفرغ من صلاته - كان ذلك كفارة له من الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام بعده "، فلما ألزمه السكوت من حين يخرج الإمام إلى أن يفرغ من الصلاة، ثبت أن الكلام في ذلك الوقت مكروه، واللَّه أعلم.
قال: وفي هذه الآية دلالة على كذب من قال: إن الصلاة إنما تفترض في آخر الوقت، وأن من أدى فرضًا في أول وقت فإنما يؤدي تطوعا؛ لأنه أمره بالسعي وفرض عليه إذا نودي، ومعلوم أنه إذا تهيأ للإمام تأخير الصلاة في ذلك الوقت نص عليه مع ذلك؛ فدل هذا على كذب مقالتهم، واللَّه أعلم.
وأقبح من هذا أنهم قالوا: إن الصلوات مفروضات على الكفرة في حال كفرهم وعلى المسلمين تطوع مع أنه يجيء على قولهم: إنه ليس أحد من الأمة أدى فرضا ألبتَّة؛ لأنه لم يذكر عن أحد منهم أنه فرط في أداء الصلاة حتى خاف خروج وقتها، فهذا قول قبيح يجب أن يستتاب عنه صاحبه وعن أمثاله، واللَّه أعلم.
وفي هذه الآية دلالة على أن الجمعة لا تجب على من بعد من الإمام بفرسخين؛ لأنه أمره بالسعي بعد النداء، ومن بعد فرسخين، قد يخرج وقت الجمعة ولا يدركها؛ فثبث أنه على ما دونه وهو أن يكون في حد الأمصار، واللَّه أعلم.
ثم الوقت الذي نهي عن البيع فيه يوم الجمعة: عن مسروق وجماعة: هو وقت الزوال إلى أن يفرغ الإمام من الجمعة.
وعن مجاهد والزهري: أنه ينهى عن البيع بعد النداء؛ عملا بظاهر الآية: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)، والأول أشبه؛ لأنه إنما يجب الحضور إلى الجمعة عند دخول الوقت وهو زوال الشمس وإن تأخر النداء؛ ولأن النداء بعد الزوال غير معتبر فكان وجوده وعدمه سواء.
الجمعة 62:10
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) أي: رحمة اللَّه؛ هذا خرج في الظاهر مخرج الأمر، ولكنه في حكم الإباحة عندنا؛ لأن هذا أمر خرج على أثر الحظر، والأصل المجمع عليه عندهم: أن كل أمر خرج على أثر الحظر فهو في حكم الإباحة، وما خرج مخرج الإباحة فإن الحكم فيه يتصرف على تصرف الأحوال، فإن كانت الحالة توجب فرضيته كان فرضًا، وإن كانت توجب واجبا فواجب، وإن أدبا فأدب.
والدليل على أن كل أمر خرج على أثر الحظر، فهو في حق الإباحة - قوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)، وقوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)، ولم يكن ذلك محمولا على الفرض والحتم الذي لا يجوز تركه، ولكن على إباحة الاصطياد، أي: اصطادوا إن شئتم، وأتوهن إن أردتم، فكذلك يجوز أن يكون المعنى من قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) على ذلك الوجه، وإذا كان الأمر على هذا السبيل صار كأنه قال: فإذا قضيت الصلاة التي نودي لها، فانشروا في الأرض إن أردتم أو إن شئتم، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).
يعني: التجارة والكسب، قال: البيع؛ كأنه ينتظم ابتغاء فضل اللَّه، لكن قال فيما خرج مخرج الإذن والإطلاق: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، وقال فيما نهى عن ذلك: (وَذَرُوا الْبَيْعَ)، وإن كان المراد منهما جميعًا البيع؛ لأن كان يقبح أن يقول: وذروا ابتغاء فضل اللَّه؛ ولأن ابتغاء الفضل يتضمن البيع وغيره؛ فلا يستقيم أن يقال: " وذروا ابتغاء فضل اللَّه "، فقال هاهنا (وَذَرُوا الْبَيْعَ)؛ ليلحقه النهي خاصة، وأما الإطلاق والإذن، فإنه يستقيم في البيع وغيره، فقال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، واللَّه المستعان.
وقوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)، يحتمل وجهين:
أحدهما: اذكروا اللَّه كثيرا بألسنتكم وقلوبكم.
والثاني: اذكروا اللَّه بالإقبال على الطاعات التي فيها تحقق ذكر اللَّه.
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، له أوجه:
أحدها: على رجاء الفلاح.
والثاني: أي: لكي تفلحوا.
والثالث: على قطع وجوب الفلاح إذا فعل ذلك؛ بما قالوا: إن (لعل) و (عسى) من اللَّه تعالى واجب.
وقوله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١). التجارة واللهو لا يريان في الحقيقة، وإنما يرى اللاهي والتاجر، ولكنه ذكر فيه الرؤية؛ لقرب اللهو من اللاهي والتجارة من التاجر، كما قال تعالى: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، وكما يقال: سمعت كلام فلان، والكلام ليس بمسموع في الحقيقة، وإنما المسموع في ذلك الصوت الذي به يفهم كلامه، ولكن أطلق لفظ السماع في ذلك لتقاربهما، واللَّه أعلم.
وبعد، فإن المعنى من هذا - واللَّه أعلم - ليس نفس الرؤية؛ وإنما المعنى منه عندنا: كأنه قال: (وإذا علموا)؛ وذلك أنهم كانوا لا يرون التجارة، ولكن ينهى إليهم خبرها فيعلمون بها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (انْفَضُّوا إِلَيْهَا).
ولم يقل: (إليهما) وقد ذكر شيئين، ولم يلحق ما بعدهما من الكناية بهما، بل بأحدهما، ويجوز مثل ذلك؛ كقوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا)، ولم يقل: (ولا ينفقونهما) لرجع الكناية إلى جميع ما سبق ذكره، وكما قال: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)، وقد رجعت الكناية إلى أحد المذكورين لا إليهما، وكذلك هذا، وهذا؛ لأن المقصود من خروجهم إنما كان هو التجارة دون اللهو، ولكنهم إنما يعلمون ما يجلب إليهم بذلك اللهو؛ فجاز أن يكون ذكر اللَّه لهذا المعنى، وإنما المقصود من ذلك التجارة، وكذلك قوله: (وَلَا ينُفِقُونَهَا)، فذكر حق الإنفاق فيما كان الإنفاق منه أيسر وأسهل في المتعارف وذلك الفضة، وإن كان الحق واجبا فيهما جميعًا؛ لما أن المقصود واحد وهو الصرف إلى الفقراء فعلى ذلك هاهنا، وأما المعنى منه عندنا: إنما خص الصلاة برجوع الكناية إليها؛ لأنها ثقلت على اليهود؛ لأن القبلة كانت أولا إلى بيت المقدس فلما حولت إلى الكعبة ثقلت الصلاة إلى الكعبة على الكفار، فقال: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ)، يعني: الصلاة إلى الكعبة، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: كيف جاز أن ينفر أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وهو في الخطبة إلى اللهو والتجارة، مع جلال قدرهم وتعظيمهم للنبي عليه السلام، وكذلك السؤال عن ضحكهم حين دخل الأعمى المسجد فوقع في بئر؟!
والجواب عن هذا أن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكانوا من سوقة القوم ومن سفلتهم، ولم يكونوا عرفوا حق الخطاب وحق الخطبة عليهم، وكانت تلك تجارة يأملون منها منافع لو لم يبادروا إليها ذهبت عنهم، فإنما خرجوا من المسجد؛ جهلا منهم بحق الخُطْبة والخاطب.
وبعد فإنهم لم يكونوا من أجلة القوم، ولا صَاحَبُوا أجلتهم؛ ليعرفوا حق الخُطْبة والخاطب، فانفلت منهم الزلة، ومن مثلهم هذه، فأما الذين كانوا من أجلة الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - ومن علمائهم، فلم ينفر واحد منهم.
وكذلك الضحك أيضًا يجوز أن يكون من ضحك من أتباع القوم وسفلتهم، ولم يكونوا من الأجلة والنجباء، ولا يستنكر من مثل أُولَئِكَ هذا الصنيع، واللَّه أعلم.
قال: والمعنى من ترك النبي عليه السلام نهيهم عن الخروج - وجهان:
أحدهما: أن يكون الكلام كان محرمًا وقت الخطبة؛ فلم ينههم للنهي عن الكلام في ذلك الوقت.
والثاني: يجوز أن يكونوا أسرعوا الخروج؛ فلم يبلغهم نهيه، أو لم ينههم؛ لما علم أنهم لم يسمعوا، واللَّه أعلم.
وفي الخبر أنه عد الذين ثبتوا معه بعدما فرغ من الصلاة فوجدهم اثني عشر رجلا، فقال: " لو لحق آخركم بأولكم لاضطرم الوادي نارا " أي: المدينة، ففي هذا دلالة على أن الجمعة تقام بدون الأربعين؛ لأنه - عليه السلام - جمع باثني عشر رجلا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا).
هذا يدل على أن الخطبة إنما تكون قائما.
وقوله: (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ).
قال إمام الهدى: ولولا هذا قد كان يعلم أن ما عند اللَّه خير من اللهو ومن التجارة، ولكن المعنى من ذلك - واللَّه أعلم - أن الدنيا كلها متجر، وأن أهلها فيها تجار: إما تجارة الدنيا، أو تجارة الآخرة؛ لأن الطاعة والعبادة في الاعتبار كأنها تجارة؛ لأنه يكتسب بها منافع الآخرة، وتجارة الدنيا يكتسب بها منافع الدنيا، فقال؛ التجارة التي عند اللَّه في طاعته واكتساب منافع الآخرة خير من اللهو، ومن التجارة التي يكتسب بها منافع الدنيا، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون معناه كأنه قال: اتقوا اللَّه؛ فإنكم إذا اتقيتموه اكتسبتم به المنافع في الرزق وغيره، والتجارة الدنيوية لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا؛ ألا ترى إلى قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وقال في موضع آخر: (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ)، فإذا كانت التقوى يستفاد بها الرزق والبر في الأمور وكفارة الذنوب، والتجارة لا يكتسب بها إلا منافع الدنيا، فرغبهم فيما فيه جملة المنافع وهو التقوى؛ ليمكثوا عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فيقول: رغبتكم فيما يكسبكم جملة المنافع إن اتقيتم ومكثتم عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خير من اللهو ومن التجارة التي تُكْسِبكم منفعة واحدة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
ليس يقتضي ذكر هذا أن هناك رازقا آخر؛ ليكون هو خيرهم، ولكن المعنى من هذا كالمعنى في قوله: (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، و (أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)؛ لأنه كان هو خير الرازقين، وأحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين؛ لأنه لا يحكم إلا عدلا، ولا يخلق إلا ما فيه حكمة؛ فكذلك قوله: (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
وجائز أن يضاف الرزق والخلق والحكم إلى العبيد مجازا، فقال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ممن يرزقكم؛ لأن غيره من الخلق إنما يرزق غيره من رزقه، ويعدل بحكمه، ويفعل بتوفيقه وتسديده، فقال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) الذين يرزقون من رزقه، واللَّه أعلم.
* * *
الجمعة 62:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾ التجارة واللهو لا يريان في الحقيقة، وإنما يرى اللاّهي والتاجر، ولكنه ذكر فيه الرؤية لقرب اللهو من اللاّهي والتجارة من التاجر كما قال تعالى :﴿حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦] وكما يقال : سمعت كلام فلان، والكلام، ليس بمسموع في الحقيقة، وإنما المسموع في ذلك الصوت الذي يفهم به كلامه، ولكن أطلق لفظ السماع في ذلك لتقاربهما، والله أعلم.
وبعد فإن المعنى من هذا، والله أعلم، ليس الرؤية، وإنما المعنى منه عندنا كأنه قال : وإذا علموا، وذلك أنهم كانوا لا يرون التجارة، ولكن ينهى إليهم خبرها، فيعلمون بها، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿انفضوا إليها﴾ ولم يقل إليهما، وقد ذكر شيئين، ولم يلحق ما بعدهما من الكناية بهما، بل بأحدهما، ويجوز مثل ذلك كقوله :﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها﴾ [التوبة: ٣٤] ولم يقل : ولا ينفقونهما لرجع الكناية إلى جميع ما سبق ذكره، وكما قال :﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة: ٣٥] وقد رجعت الكناية إلى أحد المذكورين لا إليهما، وكذلك هذا.
وهذا لأن المقصود من خروجهم إنما كان، هو التجارة دون اللهو، ولكنهم إنما يعلمون ما يجلب إليهم بذلك اللهو ؛ فجاز أن يكون ذكر اللهو لهذا المعنى، وإنما المقصود من ذلك التجارة، وكذلك قوله :﴿ولا ينفقونها﴾ فذكر حق الإنفاق في ما كان الإنفاق منه أيسر وأسهل في المتعارف، وكذلك الفضة، وإن كان الحق واجبا فيها جميعا لمآل(١) المقصود، وهو الصرف إلى الفقراء فعلى ذلك ههنا.
وأما المعنى منه عندنا إنما خص الصلاة برجوع الكناية إليها لأنها ثقلت على اليهود، لأن القبلة كانت أولا إلى بيت المقدس، فلما حولت إلى الكعبة ثقلت الصلاة إلى الكعبة على الكفار، فقال :﴿وإنها لكبيرة﴾ يعني الصلاة إلى الكعبة، والله أعلم.
فإن قيل : كيف جاز أن ينفر أصحاب رسول الله ﷺ وهو في الخطبة إلى اللهو والتجارة مع جلال قدرهم وتعظيمهم للنبي ﷺ ؟ وكذلك السؤال عن ضحكهم حين دخل الأعمى المسجد، فوقع في بئر ؟
والجواب عن هذا أن القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكانوا من سوقة القوم ومن سفلتها، ولم يكونوا عرفوا حق الخطاب وحق الخطبة عليهم، فكانت تلك تجارة يأملون منها منافع، لو لم يبادروا إليها ذهبت منهم. فإنما(٢) نفروا من المسجد جهلا منهم بحق الخطبة والخطاب.
وبعد فإنهم لم يكونوا من أجلّة القوم، ولا صحبوا أجلّتهم، ليعرفوا حق الخطبة والمخاطب، فانفلتت منهم الزلة ومن مثلهم(٣)
فأما الذين كانوا من أجلة الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومن علمائهم، فلم ينفر أحد منهم، وكذلك أمر الضحك أيضا يجوز أن يكون من ضحك من أتباع القوم ومن سفلتهم، ولم يكونوا من الأجلة والنجباء، ولا يستنكر من مثل أولئك هذا الصنيع، والله أعلم.
قال : والمعنى من ترك النبي ﷺ نهيهم عن الخروج وجهان :
أحدهما : أن الكلام كان محرما وقت الخطبة، فلم ينههم للنهي عن الكلام في ذلك الوقت.
والثاني : يجوز أن يكونوا أسرعوا الخروج، فلم يبلغهم نهيه، أو لم ينههم لما علم أنهم لم يسمعوا، والله أعلم.
وفي الخبر أنه ( عدّ الذين ثبتوا معه بعد ما فرغ من الصلاة، فوجدهم اثني عشر رجلا، فقال : لو لحق أخركم بأولكم لاضطرم الوادي نارا ) أي المدينة [ السيوطي في الدر المنثور ٨/١٦٥ ].
ففي هذا دلالة على أن الجمعة، تقام بدون الأربعين، لأنه عليه السلام جمّع باثني عشر رجلا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وتركوك قائما﴾ هذا يدل على أن الخطيب(٤)، إنما يكون قائما.
وقوله تعالى :﴿قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة﴾ قال إمام الهدى : ولولا هذا لكان(٥) يعلم أن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة. ولكن المعنى من ذلك، والله أعلم، أن الدنيا كلها متجر، وأن أهلها فيها تجار : إما تجارة الدنيا [ وإما ](٦) تجارة الآخرة ؛ لأن الطاعة والعبادة في الاعتبار كأنها تجارة، لأنها(٧) تكتسب بها منافع الآخرة، وتجارة الدنيا [ تكتسب بها ](٨) منافع الدنيا.
فقال : التجارة التي عند الله في طاعته واكتساب منافع الآخرة خير من اللهو ومن التجارة التي تكتسب بها منافع الدنيا، والله أعلم.
وجائز أن يكون معناه : كأنه قال : اتقوا الله فإنكم إذا اتّقيتموه اكتسبتم به المنافع في الرزق وغيره ؛ والتجارة الدنيوية لا يكتسب بها إلا منافع [ الدنيا ](٩).
ألا ترى إلى [ قوله تعالى ](١٠) :﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾ ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ ؟ [ الطلاق : ٢ و٣ ] وقوله(١١) تعالى في موضع آخر :﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيآته ويعظم له أجرا﴾ ؟ [الطلاق: ٥].
فإذا كان التقوى يستفاد به الرزق والبر في الأمور وكفارة الذنوب، والتجارة لا يكتسب بها إلا متاع الدنيا، فرغبهم في ما فيه جملة المنافع، وهو التقوى ليمكثوا إلى النبي ﷺ فيقول : رغبتكم في ما يكسبكم جملة المنافع، إن اتقيتم، ومكثتم عند النبي ﷺ [ فهو ](١٢) خير من اللهو ومن التجارة التي تكسبكم منفعة واحدة، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿والله خير الرازقين﴾ ليس يقتضي ذكر هذا أن هناك رازقا آخر ليكون هو/ ٥٧٠- أ/ خيرهم. ولكن المعنى من هذا في قوله :﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] وقوله(١٣) :﴿وأنت أحكم الحاكمين﴾ [هود: ٤٥]. لأنه كان هو خير الرازقين، وأحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين، لأنه لا يحكم إلا عدلا، ولا يخلق إلا ما فيه حكمة. فكذلك قوله :﴿والله خير الرازقين﴾.
وجائز أن يضاف الرزق والخلق والحكم إلى العبيد مجازا، فقال :﴿والله خير الرازقين﴾ ممن يرزقكم، لأن غيره من الخلق إنما يرزق غيره من رزقه، ويعدل بحكمه، ويفعل بتوفيقه وتسديده، فقال :﴿والله خير الرازقين﴾ الذين يرزقون من رزقه، والله أعلم.
١ في م: لما أن..
٢ من م، في الأصل: فلما.
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: هذه..
٤ في الأصل وم: الخطبة..
٥ في الأصل وم: قد كان..
٦ في الأصل وم: أو..
٧ في الأصل وم: لأنه.
٨ من م، في الأصل: تكتسبه..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: وقال..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ في الأصل وم: و..
المنافقون 63:1
سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ).
اختلفوا في تأويل قوله تعالى: (نَشْهَدُ):
قَالَ بَعْضُهُمْ: (نَشْهَدُ) بمعنى: نقسم ونحلف.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (نَشْهَدُ) على ابتداء الشهادة.
فمن حمله على القسم قرأه (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) يعني: حلفهم، ومن حمله على الشهادة ابتداء قرأ: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ) يعني: تصديقهم، ليس أنها قراءة واحدة فقرئت بلفظين، ولكنهما كانا جميعا فقرئت بالمعنيين جميعًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ).
والإشكال أن كيف قال اللَّه تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وهم إنما قالوا: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)، ومعلوم أن هذا القول منهم صدق، ولكن المعنى من هذا - واللَّه أعلم - أنهم طعنوا فيما أظهروا من الخلاف والتكذيب عند غير رسول اللَّه، فحسبوا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اطلع على صنيعهم فأتوا رسول اللَّه يعتذرون إليه، ويقولون: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) وأن ما بلغك منا من القول كذب وما قلناه، فأخبر اللَّه تعالى أنهم لكاذبون فيما أخبروا أنهم ما قالوه، ألا ترى إلى قوله: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ).
ويحتمل أن يكون معناه: إنا نشهد أن في قلوبنا إنك لرسول اللَّه كما نظهره بألسنتنا،
المنافقون 63:2
فأخبر تعالى أن المنافقين لكاذبون فيما يشهدون بالإيمان في قلوبهم، ويعلم أن يكون المعنى من قوله: (نَشْهَدُ) أي: نعلم برسالتك في قلوبنا، واللَّه يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أخبروا أنهم يعلمون رسالته في قلوبهم، وقد كان ألزمهم برسالته من جهة الآيات والحجج، ولكن تعاموا عن ذلك العلم استخفافا منهم وتعنتا؛ فصار ذلك العلم كالجهل الحقيقي، ثم أخبروا هم عن أنفسهم وضمائرهم أنهم يعلمون، وأخبر اللَّه أنهم لكاذبون أنهم يعلمون برسالته، واللَّه أعلم.
ثم الواجب أن يعلم ما الذي أحوجهم إلى أن قالوا: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)، وقد كان كثير من المؤمنين يلقون رسول اللَّه ولا يقولون ذلك، فكيف قال المنافقون ذلك؟! فمعناه عندنا - واللَّه أعلم -: أنهم حيث اعتادوا مخادعة اللَّه ورسوله امتحنهم اللَّه تعالى بهذه المقالة. ويحتمل أن يكونوا جروا على عادتهم أنهم إذا لقوا المسلمين قالوا: بمثل ما آمنتم، وإذا لقوا المشركين قالوا: (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)، فإذا لقوا رسول اللَّه قالوا: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) على عادتهم في كل جنس بما يليق به وبمذهبه، واللَّه أعلم.
ويجوز أن يكونوا يخافون أن قد بلغ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خلافهم وتكذيبهم؛ فكانوا إذا لقوه قالوا: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)، اعتذارا عن ذلك الخلاف لو بلغه؛ ألا ترى إلى قوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) وكانوا يحسبون من سوء ما يضمرون في قلوبهم من النفاق أن كل من كلم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فإنما كلمه بسببهم، فكذلك الأول، واللَّه أعلم.
ثم قال هاهنا: (نَشْهَدُ) ولم يقل (نشهد بالله)؛ لأن المعنى من هذا الحلفُ، والحلف من المؤمنين في المتعارف إنما يكون باللَّه تعالى؛ فلذلك أجزئ بقوله: (نَشْهَدُ) وعن قوله: (بالله) فيكون هذا دليلا لقول أصحابنا: إن قوله: (نَشْهَدُ) يكون يمينا حيث ذكر هاهنا بطريق القسم، والمعنى ما أشير إليه، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ... (٢) له تأويلان:
أحدهما: (فَصَدُّوا) أي: أعرضوا بأنفسهم عن طاعة اللَّه والإيمان برسوله.
والثاني: أن صدوا الضعفة عن اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وعن الإيمان.
وقوله: (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
أي: بئس ما كانوا يعملون من الإعراض عن الآيات والحجج، وحيث آثروا الكفر على الإيمان.
ويحتمل: بئس ما كانوا يصنعون من صد الضعفة والأتباع عن الإيمان برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
المنافقون 63:3
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) له تأويلان:
أحدهما: ذلك بأنهم آمنوا بلسانهم ثم كفروا بقلوبهم.
والثاني: على حقيقة الإيمان والكفر، وذلك أنهم لما رأوا قلة المسلمين وضعفهم في أنفسهم يوم بدر، ثم رأوهم مع هذه القلة والضعف غلبوا على الكفار مع كثرتهم - آمنوا برسول اللَّه ورأوا أنهم لا يغلبون أبدًا، ثم إن المسلمين لما غلبوا يوم أحد وأصابهم الكفار، اضطربوا في إيمانهم وشكوا وكفروا؛ وذلك بمعنى قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ)، فكذلك تأويل قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا).
وقوله: (ذَلِكَ) إشارة إلى أن السبب الذي تولد منه نفاقهم وحلفهم.
وقولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) هو أنهم آمنوا ثم كفروا.
وجائز أنه لم يكن منهم حقيقة إيمان ولا كفر، ولكنهم كانوا أقواما همتهم الدنيا وسعتها، وكانوا يكونون مع من يكون معه الدنيا إن رأوها مع المؤمنين أظهروا من أنفسهم أنهم مؤمنون، وإن رأوها مع الكفار أظهروا أنهم كفار دون أن يكون منهم حقيقة إيمان أو كفر، واللَّه المستعان.
وقوله: (فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ).
الطبع يجوز أن يكون كناية عن ستر وظلمة في قلوبهم؛ فلا يرون بها الحق وحججه.
قال: ويجوز أن يجعل اللَّه تعالى الكفر ظلمة في القلب لا يبصرون به الحجج والآيات.
أو يجوز أن يجعل الكفر كنًّا في قلبه؛ ليضيق؛ فلا يرى من بعد ذلك منافعه ومضاره إلا من ذلك الوجه فيكفر، وأيهما كان فذلك معنى الآية، يعني: أن اشتغالهم بالكفر وكسبهم إياه غطى قلوبهم وسترها عن أن يبصروا الحق وحججه، واللَّه أعلم.
قال الفقيه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) أن المنافقين لم يجيئوا بأجمعهم رسول اللَّه، وإنما جاءه بعضهم، وكذلك في قوله: (نَشْهَدُ) أن المعنى من قوله: (نَشْهَدُ) في بعض التأويلات: نقسم، والقسم ليس من فعل الأتباع والسفلة، وإنما ذلك من فعل الأجلة والرؤساء؛ فدل أنه إنما تعاطى هذا الفعل بعض المنافقين، ثم ذكر اللَّه تعالى ذلك البعض بصيغة الكل؛ فعلم أنه ليس كل ما خرج في الظاهر مخرج العموم يتناول كل من دخل تحت ذلك الاسم، ولكنه ينظر في معنى اللفظ وحقيقته، فإن كان الدليل يوجب تعميمه أجري على عمومه، وإن كان يوجب
المنافقون 63:4
تخصيصه أجري على خصوصه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ).
يحتمل أن يكون معناه، أي: لا يفقهون؛ لأنه طبع على قلوبهم، وإلا لم يعرضوا عن الحق والآيات، وذلك بأنهم كانوا يظنون أنهم كانوا على الحق، فأخبر أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم حتى ظنوا أنهم على الحق، وجعلوا جميع همتهم في المنافع والمضار الدنيوية، وإلا لو فقهوا أن لله دارا أخرى يجازون فيه بأعمالهم، لعلموا أنه لا بد من دين يدينون به، ولم ينظروا إلى منافعهم ومضارهم، واللَّه المستعان.
ويحتمل: أي: لا يفقهون عن اللَّه تعالى، وأن تعبدهم وأمرهم بطاعة رسوله واتباعه ويحتمل أي: لا يفقهون أنهم يتعبدون، وأن لله دارا أخرى يسألهم عما فعلوا، ويجازيهم على جميع ذلك.
ثم قال هاهنا: (لَا يَفْقَهُونَ)، ولم يقل: (لا يعلمون)؛ لأن الفقه إنما هو الذي يعرف به الشيء بالشيء، فأخبر أنهم لا يعرفون الآخرة بالدنيا. وقال ابن الراوندي: الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره.
وعندنا أن الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على غيره كان ذلك نظيرا له أو لم يكن؛ لأن من عرف الخلق بمعناهم دله ذلك على معرفة الصانع، ومن عرف الدنيا دله ذلك على معرفة الآخرة، وليسا بنظيرين.
ثم بين الفقه والعلم فصل من وجه وإن كانا جميعا في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن العلم إنما يجلي الشيء له، وظهوره بنفسه، والفقه يعرف بغيره استدلالا؛ ولذلك جاز أن يقال: اللَّه تعالى عالم؛ لتجلي الأشياء له، ولم يجز أن يقال: إن الله فقيه؛ لأنه لا يعرف الأشياء بالاستدلال، واللَّه الموفق.
والحكمة: وضع الأشياء موضعها، والإيقان: إنما هو يتولد عن ظهور الأسباب؛ ولذلك جاز أن يقال: إن اللَّه تعالى حكيم، ولم يجز أن يقال: إنه موقن، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤).
في هذا بيان أن اللَّه تعالى قد كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، وأنه قد آتاهم العلم؛ لأن حسن البيان لا يكاد يكون إلا عن علم؛ فكأن اللَّه تعالى ذكر نعمه التي آتاهم؛ فإنهم لم يشكروا نعمه وأساءوا صحبتها، فكأنه يقول: كيف ترجو منهم حسن الصحبة لك، وإنهم لم يحسنوا صحبة نعمة رب العالمين؟! فيكون له بعض التسلي؛ لما اهتم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من سوء صنيعهم به، وإعراضهم عن اتباعه وطاعته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ).
يعني: وإن يقولوا تحسب قولهم حقًّا؛ فتسمع لقولهم لتقبله.
ويحتمل: تسمع لقولهم لما يعجبك قولهم، أو تسمع لقولهم على ما كانت عادته - عليه السلام - في كل من كلمه أنه لا يغير عليه ولا يقطع عليه كلامه حتى يفرغ منه، ثم قبله إن كان مما يجب قبوله، وغيره على صاحبه ورده إن كان مستحقًّا للتغيير عليه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ).
يقول: إنهم فيما يكون من جانبهم وناحيتهم من حسن الصورة والبيان بحيث يعجبك، وفيما يلقى إليهم من الحق والدِّين والحكمة كأنهم خشب مسندة لا ينجع فيهم الحق ولا يقبلونه كالخشب المسندة.
ويحتمل هذا تمثيلا بالخشب؛ من حيث إن الخشب المسندة في الظاهر هي الخشب اليابسة التي لا أجواف لها فيوضع فيها شيء، فكذلك المنافقون كأنهم لا أجواف لهم يوضع فيها الحكمة والدِّين والحق، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون معناه: كأنهم خشب مسندة؛ من حيث إن الخشب المسندة، ليس لها أسماع ولا أبصار ولا قلوب، فكذلك المنافقون كأنهم بكم عمي في ناحية الحق وقبوله، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ)، يحتمل وجهين:
أحدهما: يحسبون كل صيحة سمعوها كلمة تهتك عليهم سرهم وتفضحهم؛ ألا ترى إلى قوله: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ)، فأخبر أنهم كانوا يحسبون فضيحتهم وهتك أستارهم والاطلاع على ما في قلوبهم، فكذلك يحسبون أن من كلم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فإنما تكلم بما يهتك عليهم أستارهم ويفضحهم، واللَّه المستعان.
والثاني: يحتمل أن يكون ذلك في الحرب: أنهم كلما سمعوا صيحة في الحرب خافوا أن يكون فيه هلاكهم، وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكل فريق على حدة، وإذا وافقوا هذا الفريق صاروا حربًا للفريق الآخر، وإذا وافقوا الآخر صاروا حربًا لهَؤُلَاءِ، فأخبر الله تعالى أنهم يحسبون من كل صيحة سمعوها أن يكون ذلك سببًا لهلاكهم.
ويحتمل أن يكون اللَّه تعالى عاقبهم بالخوف الدائم؛ لتأميلهم الأمن من وجه لم يؤذنوا فيه؛ وذلك لما وصفنا أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكلٍّ؛ رجاء أمنهم، وكان جميع مقاصد في ذلك تحصيل منافع الدنيا دون الديانة بدين من الأديان، وذلك غير مأذون
المنافقون 63:5
فيه، فلما آثروا ذلك واختاروه من غير أن يؤذن لهم، عاقبهم بالخوف الدائم إما من الافتضاح والاطلاع على ما في قلوبهم أو من الهلاك، واللَّه أعلم.
وقوله: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ)، له أوجه من التأويل:
أحدها: أن يقول: هم العدو، يعني: أنهم أدنى عدوكم؛ فاحذرهم في جميع أحوالهم في المطعم والمشرب وغيره؛ لأن الحذر عمن قرب من الأعداء ودنا أوجب ممن بعد ونأى.
أو احذرهم أن تطلعهم على سر فيما تراه وتضمره من الجهاد والحرب؛ فيحتالون به على هلاكك، أو يطلعون الكفرة على سرك.
أو احذرهم أن تقبل منهم قولا يقولونه عن أصحابك؛ لأنهم يغرون أصحابك عليك، فاحذرهم أن تقبل قولهم على أصحابك.
وقوله: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) يعني: لعنهم.
وقوله: (أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، له تأويلان:
أحدهما: أن يقول: أي سبب يمنعهم عن الإيمان بك وطاعتك، وقد أتيتهم بالآيات والحجج في اطلاعك على سرائرهم، وذلك لا يكون إلا عن الوحي.
أو يقول: (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) يعني: أنى يكذبون؛ تقليدا لأُولَئِكَ الكفرة من غير أن يظهر لهم في ذلك آية وحجة، ولا يقلدون البرهان والحجة فيتبعونك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥).
ظاهر هذه الآية أن هذا القول منه إنما كان لجملة المنافقين، وكذلك قوله تعالى: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ).
وروى في الخبر أن هذه الآية نزلت في عبد اللَّه بن أبي ابن سلول المنافق؛ لأنه روي أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان كلما قام يوم الجمعة قام عبد اللَّه بن أُبي ابن سلول في ناحية المسجد، وقال: هذا رسول اللَّه، فوقروه، وعظموه، حتى نزلت هذه السورة، فقال بمثل مقالته، فقال له عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " اجلس يا كافر؛ فإن اللَّه تعالى قد فضحك "، قال: فخرج من المسجد قبل أن يصلي الجمعة، فاستقبله بعض القوم فسألوه عن خروجه من المسجد قبل أداء الجمعة، فأخبرهم عن القصة، فقالوا: ارجع إلى رسول اللَّه وسله أن يستغفر لك، فلوى رأسه وقال: ما لي إلى استغفاره حاجة.
وروي أنه لما قال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، ثم أراد دخول المدينة من بعد هذه المقالة، فحبسه ابنه وقال: لا أدعك تدخلها ما لم تقر أنك الأذل وأن رسول اللَّه هو الأعز، فبلغ ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأمره أن يخلي عن أبيه، ثم قال له: " إنك أولى أن تسمى: عبد اللَّه بن أبيك "، فسمى من بعد ذلك: عبد اللَّه، وكان يسمى حبابًا.
فهذان الخبران يدلان على أن هذه الآية إنما نزلت في واحد منهم، وظاهرها يدل على أن ذلك كان في جملة المنافقين.
ولكن الوجه في ذلك عندنا - واللَّه أعلم - أنه يجوز أن يكون اعتقاد جملتهم على ذلك، فذكرهم اللَّه تعالى؛ لاعتقادهم عليه، وذلك أنهم كانوا أقوامًا لا يؤمنون بالآخرة.
والاستغفار إنما هو طلب المغفرة، وذلك إنما يتحقق في الآخرة، فإذا كان على هذا أصل اعتقادهم جملة ذكرهم اللَّه تعالى على ذلك؛ وكذلك قوله: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) كان عندهم أن اللَّه تعالى إنما آتاهم العز والغناء والشرف؛ لفضيلة لهم على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فكانوا ينكرون عليه من ذلك الوجه، ثم إن اللَّه قد ذكر في هذه الآية أنباء أنه قد كان آتاهم جميع ما به العز والشرف في الدنيا؛ ليمتحنهم بحقوق هذه النعم وتعظيمها وشكرها، وأنهم بلغوا في كل ذلك غاية ما عليه عمل الكفرة في سوء الصحبة بالنعم، وذلك أنه لما قال: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)، دل أنه كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، ولما قال: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)؛ دل أنه قد كان آتاهم الغناء، ولما قال: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) دل أنه قد كان آتاهم العز والشرف، ومعلوم أن هذه الأسباب التي وصفنا هي أسباب العز والشرف في الظاهر، ثم أخبر أنهم تركوا شكر ما أنعم عليهم في تعظيم الحق ولم يؤدوا شكره، وأنهم بلغوا في الباطن في كل شيء من ذلك غايته في سوء الصنع؛ لأنه دل بقوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا) على غاية البخل؛ حيث امتنع عن الإنفاق بنفسه، وأمر غيره ألا ينفق أيضًا وذلك في غاية البخل، ولما قال: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)، فكأنهم كانوا في الغفلة عن ذكر اللَّه وقبول الموعظة غايته، ولما قال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ) دل أنهم كانوا في الاستخفاف به -حيث تركوا الإنصاف، وأخذوا سبيل الاعتساف والاستكبار عليه- غايته، ولما قال: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) دل أنهم كانوا في سوء السريرة غايته.
قال: ويجوز أن يقع ذلك منهم لوجهين:
المنافقون 63:6
أحدهما: أنهم رأوا ذلك حقًّا لهم على اللَّه تعالى.
أو يروا أن اللَّه تعالى آتاهم ذلك؛ تفضيلا لهم على غيرهم، فكانوا يتكبرون ويستعظمون على غيرهم، ويستخفون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لذلك الوجه، ولم يتأملوا ولم يتفكروا فيتبين لهم أن اللَّه تعالى آتاهم جميع تلك النعم محنة عليهم، تعبدهم بأداء شكرها وتعظيم حقها، وذلك معنى (لَا يَفْقَهُونَ) أي: لا يستعملون النظر في هذه النعم، وذلك أنه لو لم يكن رسول اللَّه، كان يلزمهم أن يتأملوا فيما أوتوا من النعم وينظروا، فإذا تفكروا في ذلك، ولم يجدوا لهم عند اللَّه صنعا استوجبوا به عنده مكافأة لذلك، ولا لهم فضل يفضلهم اللَّه به على غيرهم؛ فكان يتبين لهم أن اللَّه تعالى إنما أعطاهم هذه النعم محنة؛ ليتعبدهم بأداء شكرها؛ ولذلك وقع الفصل فيما بين العلم والفقه: أن ما كان حقه التأمل والنظر، فحق اللفظ فيه أن يقال: يفقهون، ولا يفقهون، وما كان حق العلم به السماع والخبر، أطلق فيه لفظ (العلم)؛ ولذلك قال عند العزة والغلبة والنصر: (لَا يَعْلَمُونَ)؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون النصر والغلبة لو لم يكن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقوله: (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)، له وجهان:
أحدهما: رأيتهم يصدون عن طاعتك واتباعك.
والثاني: يصدون ضعفتهم عن اتباعك.
وقوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) لأنهم لم يعدوا ذلك زلة وذنبا؛ لأنه كان عندهم أنهم على الحق.
والثاني: ما قلنا: إنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، والمغفرة إنما تطلب من اللَّه، ويتحقق ذلك في الآخرة.
وقوله: (لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم).
على ذلك أيضًا أنه لا يغفر أَستغفرت أم لم تستغفر.
قال - رحمه اللَّه -: ورسول اللَّه - عليه السلام - كان لا يستغفر للمنافقين بعدما ظهر عنده نفاقهم، ولكنه يجوز أن يكون هذا قبل ظهور نفاقهم، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم) يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: لن يغفر اللَّه لهم ما داموا على النفاق، ولم يتوبوا عنه.
والثاني: أن يقول: لن يغفر لهم في قوم علم اللَّه منهم: أنهم لا يؤمنون أبدًا، فقال في أُولَئِكَ: لن يغفر اللَّه لهم؛ وكذلك هذا في قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).
المنافقون 63:7
وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
فيه أن اللَّه تعالى يملك هداية وراء هداية البيان؛ لأن من لم يملك شيئًا لم يستقم أن يوصف بالتعظيم أنه لا يفعل؛ لأنه يعلم إذا لم يقدر ولم يملك لا يفعل، وإنَّمَا يوصف بهذا من يملك ذلك، ولكن لا يفعل، فلو لم يملك ولم يقدر خلق فعل الاهتداء فيمن أراد، لم يوصف بأنه لا يهدي الفاسقين؛ فدل أنه يملك هداية وراء هداية البيان، وهو خلق الاهتداء فيمن علم منه ذلك، واللَّه الموفق.
وقال أبو بكر: معنى قوله: (لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) أي: لا يهديهم لفسقهم.
وقالت المعتزلة: أي: لا يسميهم مهتدين إذا فسقوا وضلوا. وأيهما كان فهو محال؛ لأن من هدى ضالا لضلالته فهو سفيه، فكأنه يقول: لا يسفه: ومن سمى الضال: مهتديا فهو كاذب، فكأنه قال: لا يكذب، وهما جميعا غير مستقيم؛ لأنا نعلم أنه لا يسفه ولا يكذب، فثبت أن في ملكه هداية يهدي من يشاء من عباده سوى هداية البيان، وإذا ثبت ما وصفنا أن في ملكه هداية سوى هداية البيان، ثبت أن له فيها مشيئة؛ لأن من ملك سببًا لم يجز أن يقطع عنه سببه؛ فلذلك قلنا: إن اللَّه تعالى يضل من يشاء من عباده لمن علم أنه يؤثر الضلال ويختاره على الهدى، ويهدي من يشاء لمن علم أنه يؤثر الهدى على الضلالة؛ فيهديه لذلك ويوفقه ويسدده، واللَّه المستعان.
وقوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧).
قد وصفنا أن هذا من غاية بخلهم.
وقوله: (حَتَّى يَنْفَضُّوا) دلالة أنهم أرادوا إطفاء هذا النور وإخفاءه، فأبى اللَّه تعالى إلا إظهاره.
وقوله: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
يبسطها على المنافقين؛ ليمتحنهم بالإنفاق على المؤمنين.
أو لله خزائن السماوات والأرض يضيقها على المؤمنين؛ ليمتحنهم بالصبر في حال الضيق.
أو يجوز أن يكون هذا بشارة للمؤمنين بأن اللَّه تعالى يوسع عليهم الدنيا بعدما ضاقت، وقد جعل حيث فتح لهم الفتوح وآتاهم النصر والغلبة على أعدائهم، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨).
المنافقون 63:8
الآية ٨ وقوله تعالى :﴿يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ الأعز : قد يحتمل معاني :
أحدها : الأغلب الأقهر على مثال قوله تعالى :﴿وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣] أي غلبني في الخصومة.
والثاني : الأقوى والأشد على مثال قوله تعالى :﴿أعزة على الكافرين﴾ ( المائدة : ٥٤ ).
والثالث : الأعلى والأجل، وكذلك قوله تعالى :﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾.
فإن كان على الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل / ٥٧١- ب/ لأنهم اتبعوا الحكمة بالحجج، والكفار اتبعوا أهواءهم. وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم.
وإن كان على القوة والشدة فقد كان ذلك للمؤمنين، لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين. ولكنهم لما رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة وللكفار أخرى أظهروا الموافقة للفريقين جميعا. ولذلك قال ذلك المنافق :﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد توهم أنهم يغلبونهم أبدا، فأظهر النفاق، وقال عند ذلك ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ والله اعلم.
المنافقون 63:9
الأعز قد يحتمل معاني:
أحدها: الأغلب، وإلا فهو على مثال قوله: (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)، أي: غلبنى في الخصومة.
والثاني: الأقوى والأشد، على مثال قوله - تعالى -: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، يعني: أقوياء وأشداء.
والثالث: الأعلى الأجل، وكذلك قوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)، فإن كان الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل؛ لأنهم اتبعوا الحجة بالحجج، والكفار اتبعوا أهواءهم.
وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم.
وإن كان على القوة والشدة، فقد كان ذلك للمؤمنين؛ لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين، ولكنهم لما رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة، وللكفار أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعًا؛ ولذلك قال ذلك المنافق: قوله تعالى: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)؛ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد، توهم أنهم يغلبونهم أبدًا؛ فأظهر النفاق، وقال عند ذلك: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، واختلف فيه:
فمنهم من قال: هذه الآية في المنافقين.
ومنهم من قال: في المؤمنين.
فإن كانت في المنافقين، فكأنه يقول؛ يا أيها الذين أظهرتم بلسانكم الإيمان، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللَّه.
وإن كان في المؤمنين، فكأنه قال: يا أيها الذين حققوا الإيمان، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللَّه.
المنافقون 63:10
ثم اختلفوا في معنى ذكر اللَّه:
فمنهم من قال: معناه القرآن على مثال قوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا. رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ...)، يعني: قرآنا ورسولا.
ومنهم من قال: معنى الذكر التوحيد.
فإن كان تأويله القرآن، فهو يتوجه إلى المنافقين والمؤمنين جميعًا، فإن كان في المنافقين فكأنه قال: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر والتأمل في القرآن؛ لأن الله تعالى بين في القرآن أمورًا تطهر سرائرهم وما يظهر عندهم أن الرسول لا يختلقه من تلقاء نفسه، وأنه إنما يقوله بالوحي، فكأنه يقول: إذا تأملتم النظر في القرآن، حملكم ذلك على التحقيق في الإيمان، فلا يحملكم حب المال والولد على ترك التأمل في القرآن؛ لأنكم إذا نظرتم فيه، وتأملتم، حصلتم منه على تحقيق الإيمان، واللَّه أعلم.
وإن كان في المؤمنين، فمعناه: ألا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر في القرآن؛ فإنكم إذا نظرتم فيه، صرتم من أهله، وجل قدركم.
وإن كان المراد من الذكر التوحيد، فهو راجع إلى الناس كافة: فأما المؤمنون، فكأنه حذرهم عن حب المال والولد أن يحملهم غاية حبهما على أن ينسوا وحدانية اللَّه تعالى والإيمان بالرسل والبعث، فكأنه يقول: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم كما ألهى الكفرة، فيحذرهم عن أن يقعوا في الهلاك من حبه كما قال: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، يعني: اتقوا السبب الذي يفضي بكم إلى النار المعدة للكافرين، فكذلك الأول.
وإن كان في المنافقين فكأنه قال: لا يحملكم حب المال والولد أن تتركوا حقيقة الإيمان به والتوحيد له والطاعة لرسوله، عليه السلام.
وقوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
فعلى ما ذكرنا من التأويلين في إنكار البعث والتوحيد ظاهر، وإن كان في المؤمنين فمعنى الخسار: هو الخوف من أن يقع به الوعيد.
وقوله - تعالى -: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠).
يجوز أن يكون صلة قوله: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) فيمنعكم ذلك عن الإنفاق؛ فإنكم إذا امتنعتم عن الإنفاق ازداد حبكم، فتنسون وحدانية اللَّه تعالى وطاعة رسوله، عليه السلام.
المنافقون 63:11
وقوله - تعالى -: (لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: تمنى الرجعة؛ لما رأى من الهلاك والعذاب حيث ترك الحقوق.
وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " لو كان ثمة خير لما تمنى الكرَّة ".
ولكن المعنى في ذلك عندنا - واللَّه أعلم - أنه يتمنى الرجوع؛ ليتصدق ليس الإنفاق خاصة، ولكن ليتصدق، وليكون من الصالحين، أي: من الموحدين، وذلك مستقيم أن يقال إذا ترك التوحيد فنزل به الموت: إنه يتمنى الرجوع؛ لما يرى من الهلاك والعقوبة.
ويجوز أن يكون المعنى في هذا إن كانت الآية في المؤمنين الموحدين: أنهم يتمنون الرجوع؛ حياء من ربهم؛ لما ارتكبوا من الزلات وتركوا ما يستوجبون به الحسنات، وقصروا فيما فرض اللَّه عليهم من العبادات، وحق على كل مؤمن أن يستحي من ربه إذا لقيه بما ترك من حقوقه التي ألزمها عليه والأسباب الواجبة.
وقوله: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١).
ليس يحتمل تأخير اللَّه تعالى أجله إذا جاء؛ لأنه لو أخره، دل على أنه بدا له في أجله، ومن بدا له في أمر فذلك دليل الجهل بالعواقب، ولا يوصف رب العالمين بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم: سركم وعلانيتكم، واللَّه أعلم بحقيقة ما أراد، والحمد لله رب العالمين.
* * *
التغابن 64:1
سُورَةُ التَّغَابُنِ
مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) الآية.
والتسبيح يحتمل أوجهًا ثلاثة، وقد سبق ذكره.
وقوله: (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) يحتمل وجهين:
أحدهما: يحتمل الملك: الولاية والسلطان.
والثاني: يقول: (لَهُ الْمُلْكُ) يعني: ملك كل الملوك، كما قال في آيات أخرى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ...) الآية، فأخبر أن ملك الملوك كلها له، وأن من استفاد الملك إنما يستفيده باللَّه تعالى، وبامتنانه عليه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ).
يحتمل أوجها ثلاثة من التأويل:
أحدها: أن يقول: (وَلَهُ الْحَمْدُ) يعني: له الثناء الحسن بصفاته العلا وأسمائه الحسنى.
والوجه الثاني: أن يقول: (وَلَهُ الْحَمْدُ) يعني: حمد كل من يحمد، فحقيقة ذلك الحمد له بما أحسن إلى عباده وأنعم عليهم، وذلك معنى قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)، أي: الحمد والثناء الحسن لله تعالى على إحسانه إلينا وإنعامه علينا.
والثالث: أن يجعل معنى الحمد معنى الشكر؛ لأن الحمد قد يستعمل في موضع الشكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
يحتمل أن يكون معناه: وهو على كل شيء أراده قدير، وهو حجة على المعتزلة؛ لأن اللَّه - تعالى - لا يزال يمدح نفسه بأنه بصير عليم وأنه على كل شيء قدير، وأقرت المعتزلة بأنه بصير عليم، وأبت عن الإقرار بأنه قدير على أفعال العباد، أو على إصلاح
التغابن 64:2
أحد من العباد، وهذا خلاف ما مدح اللَّه أتعالى نفسه به، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) يحتمل أن يكون تأويله:
فمنكم من يدين بدين الكفر، ومنكم من يدين بدين الإسلام، ودل هذا على أن المعصية والطاعة يجتمعان في دين واحد، وأن المعصية لا تخرجه من دينه؛ لأن المعصية، لم يرتكبها تدينا بها، ولكن لغلبة شهوة أو غضب عليه، وأما الكفر والإيمان فإنه يأتي بهما المرء اختيارا ويتدين بالكفر والإيمان؛ لما عنده أنه حق، وفي هذه الآية دلالة أنه ليس بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، وليس كما قالت المعتزلة: إن صاحب الكبيرة بين منزلتين بين الكفر والإيمان، واللَّه تعالى قسم الناس صنفين: فمنهم من خلقه كافرا، ومنهم من خلقه مؤمنا، ولم يجعل فيما بينهما منزلة ثالثة، فلا يجب أن نجعل، واللَّه الموفق.
وفيه أيضًا وجه لطيف سوى ما ذكرنا، وهو أن كل أحد في الدنيا مؤمن وكافر في الحقيقة؛ لأن من كان مؤمنا باللَّه فهو كافر بالطاغوت، ومن كان كافرا باللَّه فهو مؤمن بالطاغوت، وإذا كان كذلك، وجب أن يبحث عن معنى قوله: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) ومعناه عندنا: أن الحقيقة وإن كانت كذلك فالإيمان إذا ذكر مطلقا لم يفهم منه إلا الإيمان باللَّه تعالى، والكفر إذا أطلق أيضًا لم يفهم منه إلا الكفر باللَّه تعالى، وإذا كان كذلك، جاز أن يكون لفظ الكتاب خارجا على ما عليه المعهود من المتعارف المعتاد، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) في الأزل بما يعمله العباد، وأنه ليس كما قال بعض الناس: ألا يعلم فعل العبد إلا وقت فعله، واحتجوا في ذلك أنا لو قلنا إن اللَّه تعالى بصير في الأزل بما نفعله، لكان قولا بما لا يستقيم في المعقول؛ ألا ترى أنا لا نرى في الشاهد من يبني بناء يعلم أنه يضره أو يشتري عبدا يعلم أنه يعاديه، فكذا لا يستقيم أن يقال إن اللَّه تعالى خلق عبدًا قد كان يعلم من قبل أنه إذا خلقه عاداه.
التغابن 64:3
والجواب عن هذا: أن هذا الذي وصفه غير مستقيم في الشاهد؛ لأن منافع ما يفعله العباد ومضاره ترجع إلى أنفسهم، وليس من العقل أن يفعل المرء فعلا يعلم أنه يضره، وأما رب العالمين فإنه لا يرجع شيء من المنافع والمضار إليه؛ فجاز أن يخلق خلقا يعلم أنه يختار عداوته؛ ليظهر عند الخلق أنه لا يرجع شيء من المنافع والمضار إليه بعد أن يكون في الحكمة ذلك، واللَّه أعلم.
ثم في قوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) و (عَلِيم)، و (وَكِيل)، و (حَفِيظ)، إلزام المراقبة والتحفظ والتيقظ وبيان الترغيب والترهيب؛ لأنه إذا علم المرء أن عليه في كل ما يفعله رقيبًا يتيقظ، ولم يفعل إلا ما يُرضي به ربه، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣).
قد وصفنا أن الحق إذا جرى ذكره يصرف في كل شيء إلى ما هو أليق به؛ فإذا ذكر في الأخبار أريد به: الصدق، وإذا ذكر في الأحكام أريد به: العدل، وإذا ذكر في الأقوال أريد به: الإصابة، فلما قال: (بِالْحَقِّ) هاهنا أفكأنه، أراد به: الحكمة، كأنه يقول: خلق السماوات والأرض بالحكمة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بِالْحَقِّ) يعني: للحق، وهو البعث، فكأنهم عنوا به: أن اللَّه تعالى لم يخلقهما عبثًا بل خلقهما للعبادة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: (فَأَحْسَنَ)، أي: أتقن، وأحكم، ومعنى ذلك: أن اللَّه تعالى خص صور بني آدم في الاستدلال بوحدانيته وربوبيته في أن جعل في أنفسهم حقيقة المعرفة والاستدلال بأنفسهم على وحدانية اللَّه تعالى، وأما غيرهم من الصور فإنما يقع الاستدلال لغيرها بما ليس لنفس تلك الصور حقيقة المعرفة والاستدلال بوحدانية الله تعالى؛ ولذلك كان خلق صور بني آدم أتقن وأحكم، واللَّه أعلم.
والثاني: أن يصرف الحسن إلى حسن المنظر، ومعنى ذلك: أن اللَّه تعالى خلق بني آدم على صورة لا يودون أن يكون صورتهم مثل صورة غيرهم من الخلائق، فثبت أن صورتهم في المنظر أحسن صورة، فذلك معنى قوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)، واللَّه أعلم.
التغابن 64:4
وقوله: (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) يعني: البعث، وأضاف ذلك إلى نفسه؛ لأنه هو النهاية والمقصود في خلقهم، ولما لم يفهم أحد من قوله: (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) معنى الانتقال والتحول من مكان إلى مكان من حيث إنه يضاف إلى اللَّه تعالى؛ لأن هذا فعل يكون باثنين، فإن من صار إلى شيء صار ذلك إليه، مثل الملاقاة والإتيان ونحو ذلك، فلما لم يفهم منه الانتقال لم ينبغ أن يفهم من قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)، معنى الانتقال، والله أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤).
في إخباره عن علمه بذلك كله إيجاب المراقبة والتيقظ والتبصر، والمحافظة على ما أمره اللَّه تعالى ونهاه، وفي هذا إخبار أن اللَّه تعالى مطلع على ما يضمرون، محصٍ عليكم جميع ما تظهرون، فاحذروا أن ترتكبوا ما فيه سخطه في الحالين جميعًا، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِذَاتِ الصُّدُورِ) قال أهل التفسير: أي: بما في الصدور.
ويحتمل أن يكون المراد منه بالأنفس التي لها أن صدور، وكل من كان ذا فكرة وتدبير فإنه يسمى: ذات الصدور، ومعناه: أن التدبير إنما يصدر عن ذلك الموضع، ويرجع إليه، وكل بنو آدم خصوا بهذا المعنى؛ فلذلك ذكر هذا فيهم، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥).
فتأويله عندنا - واللَّه أعلم - أي: قد أتاكم نبأ الذين كفروا من قبل، وماذا نزل بهم حين كفروا وعاندوا، ومعنى ذلك أن اللَّه تعالى قد حذرهم بما يكون في الآخرة من ألوان العذاب، فلم يتعظوا، لما لم يكونوا يؤمنون بالبعث، فلما لم ينجع فيهم
التغابن 64:5
الآية ٥ وقوله تعالى :﴿ألم يأتيكم نبؤا الذين كفروا من قبل﴾ فتأويله عندنا، والله أعلم، أي قد أتاكم نبأ الذين كفروا من قبل وما نزل بهم حين كفروا، وعاندوا. ومعنى ذلك أن الله تعالى قد حذرهم بما يكون في الآخرة من ألوان العذاب، فلم يتعظوا لما لم يكونوا يؤمنون بالبعث. فلما لم ينجع فيهم ذلك حذرهم بعقوبات تنزل بهم لو لم ينتهوا عما هم فيه من الطغيان.
وقوله تعالى :﴿فذاقوا وبال أمرهم﴾ [ أي شدة أمرهم ](١) ويحتمل أن يكون عاقبة أمرهم.
وقوله تعالى :﴿ولهم عذاب أليم﴾ فيه إخبار أن ما نزل بهم من العذاب في الدنيا، لم يكفر عنهم ذنب الكفر، وأن عذاب الدنيا إنما كان جزاء شركهم(٢) في الكفر، وأنه يعذبهم في الآخرة عذاب الكفر والشرك، والله أعلم
١ ساقطة من وم.
٢ في الأصل وم: شرهم.
التغابن 64:6
ذلك، حذرهم بعقوبات تنزل بهم لو لم ينتهوا عما هم فيه من الطغيان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ)، أي: شدة أمرهم، ويحتمل أن يكون عاقبة أمرهم.
وقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فيه إخبار أن ما نزل بهم من العذاب في الدنيا، لم يكفر عنهم الذنب، أعني: ذنب الكفر، وأن عذاب الدنيا إنما كان جزاء شرهم في الكفر، وأنه يعذبهم في الآخرة عذاب الكفر والشرك، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦).
فكأنه يريد بقوله: (ذَلِكَ) أي: تلك العقوبات التي نزلت بالأمم الماضية، إنما كان سببها: أن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، (فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا)، وكان قولهم: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) تلقين إبليس؛ حيث لقنهم مخالفة الرسول وتكذيبه، وأنكم لو احتجتم إلى طاعته ففيكم من هو أعظم منه درجة وأكثر منزلة، فإذا لم تطيعوه فكيف تطيعون بشرًا مثلكم؟! وهذا كله عناد وخطأ، وذلك أنهم قد كانوا يعبدون الأصنام؛ تقليدا منهم لبشر؛ ألا ترى إلى قوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، ومعلوم أن جعل الأصنام معبودا يعبدونه بقول البشر؛ تقليدا له - أكثر وأعظم من تصديق البشر: أنه رسول من عند اللَّه - تعالى - عند قيام الدليل المعجز، فإذا استجازوا تقليد البشر في ذلك، فكيف لا استجازوا تصديق الرسول فيما يدعوهم إلى توحيد اللَّه وطاعته فيما يرجع إليهم من المنافع والمضار، ولكنهم كانوا قوما سفهاء، فاتبعوا سفههم وعنادهم، واللَّه أعلم.
وكذلك قولهم: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)، وكيف يكون سحرًا، وقد أتاهم بآيات أعجزتهم وأعجزت السحرة أن يأتوا بمثلها؟! ولكنهم عاندوا، ولم يجدوا حيلة سوى أن قالوا: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ).
وقوله: (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ).
أي: كفروا بالرسل (وَتَوَلَّوْا): أعرضوا عن طاعته، وطاعة رسوله.
وقوله: (وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) لم يسمع من أحد من المتكلمين يقول: (وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) على الابتداء إلا ما ذكر في ظاهر هذه الآية، والقول في الاستغناء فيما يريد به الإخبار جائز؛ نحو قولك: اللَّه مستغن، فأما أن تبتدئ، فتقول: اللَّه مستغن، فيما فيه شك وريب، فإنه لا يجوز البداية به.
التغابن 64:7
وقد غلط بعض المفسرين حيث قالوا: استغنى اللَّه: بطاعة من أطاعه عن معصية من عصاه؛ لأن اللَّه تعالى لم يمتحن عباده بالطاعة والمعصية لمنافع يأملها أو مضرة يخشاها ويخافها، بل هو مستغنٍ بذاته عن ذلك في الأزل، واللَّه أعلم.
ويجوز أن يكون في هذا إضمار، يعني: واستغنى الرسول عن طاعتهم باللَّه تعالى، أو يصرف الاستغناء إلى الإخبار عن ذاته: أنه مستغنٍ بذاته في الأزل، لا تمسه حاجة، وأنه لا يضره كفر من كفر، ولا ينفعه إيمان من آمن، بل إنما يحصل ذلك كله للممتحن بهما، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).
قد وصفنا معنى الغني، وأما الحميد يحتمل وجهين:
أحدهما: يعني: المحمود، أي: المستحق للحمد بذاته؛ إذ يستحق من كل أحد الحمد على ما يحسن إليه، أو يحمل معنى الحميد على معنى الحامد، ووجه ذلك أن الله تعالى يحمد محاسن الخلق وآثار أفعالهم، وأن حقيقة تلك الأفعال من جهة التوفيق والتسديد إنما كانت به، وذلك غاية الكرم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧).
قوله: (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون هذا تعليما لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يعلمه القسم تأكيدا؛ لما كان يخبر عن البعث، وكذلك جميع ما ذكر من القسم في القرآن يجوز أن يكون على هذا المعنى؛ لأن القسم إنما هو لنفي تهمة تمكنت، واللَّه تعالى لا يتهم في خبره، والرسول هو الذي كانوا يتهمونه فيما يخبر؛ لما لم يثبت عندهم رسالته لعدم تأملهم في دلائله، فعلمه القسم؛ تأكيدا لما يخبر ونفيا للتهمة عما يقوله، واللَّه أعلم.
ويجوز أن يكون هذا قسمًا مقابلا لما أقسم به الكفرة في أمر البعث؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن أمر البعث على اللَّه يسير هين لأنهم أنكروا البعث بعدما صاروا ترابا؛
التغابن 64:8
فأخبر أن بعثهم وإعادتهم أهون في عقولهم من إنشائهم، ولم يكونوا شيئًا؛ فكيف أنكروا قدرته على إعادتهم بعد أن صاروا ترابا، فأخبر - جل وعلا - أن ذلك على اللَّه يسير.
والوجه الثاني من التأويل: أن يذكر ما عملوا من خير أو شر أحصاه عليهم كل سر وعلانية وكل صغير وكبير؛ ليعاينوا ذلك في كتبهم، ويعلموا تحقيقًا: أنها على اللَّه يسير.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨).
يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم، وذلك أن اللَّه تعالى ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، وأن ذلك إنما نزل بهم؛ لكفرهم باللَّه تعالى، وتكذيبهم الرسل، فآمنوا أنتم باللَّه ورسوله لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من البأس والعقوبة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) النور: هو القرآن، ويجوز أن يكون سماه: نورًا؛ لأنه يبصر به حقيقة المذاهب في الطاعة والمعصية والإحسان والإساءة والإيمان والكفر كما يبصر بنور النهار حقيقة الأشياء من جيدها ورديئها، كذلك يبصر بهذا منافع الطاعة ومضار المعصية، فسمي: نورًا من هذا الوجه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
أي: أن اللَّه خبير بما تسرون وما تعلنون، فراقبوه وحافظوه في الحالين جميعًا، وفي هذا بيان أن اللَّه تعالى عالم بما يعمله العباد في الأزل، وبما يكون منهم، وأنه ليس كما وصفه بعض الجهال، واللَّه المستعان.
وقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩).
ذلك اليوم في الحقيقة يوم جمع وتفريق، وهو أيضًا في الحقيقة يوم تغابن وترابح، وإن ذكر أحدهما؛ دليل ذلك ما ذكر في غيرها من الآيات؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، وإلى ما ذكر في عقيب قوله: (ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) من قوله: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، وهذا هو معنى الترابح، ولكنه - جل ثناؤه - يجوز أن يكون اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. ثم الغبن يذكر في التجارات، والأصل في ذلك عندنا أن كل سليم طبعه لا يخلو من عمل، وعمله لا يخلو من إحدى ثلاثة أوجه: إما أن يكون في مباح أو أمر أو نهي، ومعلوم أن من استعمل المباح فهو يستعين به في إقامة الأمر، إذ لا بد من البقاء لإقامة الأمر؛ وذلك باستعمال المباح والاشتغال بأسبابه، فكأنه في إقامة ذلك الأمر؛ فحقيقته ترجع إلى أن الأعمال في الحقيقة تنصرف إلى نوعين: إلى أمر ونهي، ومعلوم أن من كان في أمر، فهو تارك لما نُهِي عنه، ومن كان في نهي فهو تارك لما أمر به، والتجارة في الحقيقة هو أن يأخذ شيئًا ويترك شيئًا آخر، وإذا تحقق معنى التجارة في أعمال بني آدم، أطلق لها لفظ: التجارة.
قال: والدنيا لها ثلاثة أسماء: المتجر، والمزرع، والمسلك، وقد وصفنا معنى التجارة، وأما معنى المزرع؛ فلأجل أن كل من يعمل في الدنيا فإنما يعمل لعاقبة، ولا بد أن تكون عاقبته خيرا أو شرًّا، فكل من كانت عاقبته الخير فهو زارع للخير، ومن كانت عاقبته الشر، فهو زارع للشر، واللَّه أعلم.
وأما معنى المسلك والطريق، فلأجل أن الخلق لم يخلقوا في هذه الدنيا ليقروا فيها، وإنما خلقوا لأحد أمرين: إما للثواب أو للعقاب، فكل من عمل عملا يفضي به إلى الثواب والجنة فكأنه يسلك طريق الجنة، وكل من عمل عملا يفضي به إلى النار؛ فكأنه يسلك طريق النار؛ فلذلك سمي: مسلكا وطريقا، واللَّه أعلم.
ثم التغابن عندنا يجوز أن يكون معناه: أن أهل الكفر يغبنون في أهلهم وأموالهم في الدار الآخرة؛ لأنهم كانوا يتعاونون بهم في الدنيا، فحسبوا أنهم يكونون كذلك في الآخرة، فإذا لم يجدوا وصاروا يلعن بعضهم بعضا، غبنوا ما كانوا يأملونه منهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن لكل كافر في الجنة قصرا وبيتا وأهلا، فإذا صاروا إلى النار، ورث المؤمن أهله وقصره الذي كان له في الجنة؛ فهذا هو التغابن، ولكن هذا غير صحيح عندنا؛ لأنه لا يحتمل أن يبني اللَّه تعالى للكافر في الجنة بيتا مع علمه أنه لا يأتيه؛ لأن
التغابن 64:9
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن﴾ [ ذلك اليوم ](١) في الحقيقة يوم جمع وتفريق(٢)، وهو أيضا في الحقيقة يوم تغابن وترابح، وإن ذكر أحدهما :[ دليل ](٣) ذلك ما ذكر في غيرها من الآيات. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ ؟ [الشورى: ٧] وإلى ما ذكر في عقيب قوله ﴿ذلك يوم التغابن﴾ [ وهو ](٤) قوله :﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وهذا هو معنى الترابح، ولكنه، جل ثناؤه، يجوز أنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر. ثم الغبن يذكر في التجارات.
والأصل في ذلك عندنا أن كل سليم طبعه، لا يخلو من عمل، وعمله لا يخلو من إحدى ثلاثة أوجه : إما أن يكون في مباح [ وإما ](٥) أمرا [ وإما ](٦) نهي.
ومعلوم أن من استعمل المباح فهو يستعين به في إقامة الأمر ؛ إذ لا بد من البقاء لإقامة الأمر، وذلك باستعمال المباح والاشتغال بأسبابه، فكأنه في إقامة ذلك الأمر، فحقيقته ترجع إلى [ أن ](٧) الأعمال في الحقيقة تنصرف إلى نوعين : إلى أمر ونهي.
ومعلوم أن من كان في أمر فهو تارك لما نهي عنه، ومن كان في نهي فهو تارك لما أمر به.
والتجارة في الحقيقة هي أن [ يؤخذ شيء ](٨) بترك شيء آخر. وإذا تحقق معنى التجارة في أعمال بني آدم أطلق لها لفظ التجارة.
قال : والدنا لها ثلاثة أسماء : المتجر، والمزرع، والمسلك. وقد وصفنا معنى التجارة.
وأما معنى المزرع فلأجل أن كل من يعمل في الدنيا فإنما يعمل لعاقبة، ولا بد أن تكون عاقبته خيرا أو شرا ؛ فكل من كانت عاقبته الخير فهو زارع للخير، ومن كانت عاقبته الشر [ فهو زارع للشر ](٩)والله أعلم.
وأما معنى المسلك والطريق فلأجل أن الخلق لم يخلقوا في هذه الدنيا ليقروا فيها، وإنما خلقوا لأحد أمرين : إما للثواب[ وإما ](١٠) للعقاب ؛ فكل من عمل عملا، يفضي به إلى الثواب والجنة [ فكأنه يسلك طريق الجنة ](١١) وكل من عمل عملا يفضي به إلى النار فكأنه يسلك طريق النار، ولذلك سميت(١٢) مسلكا وطريقا، والله أعلم.
ثم التغابن عندنا يجوز أن يكون معناه أن أهل الكفر يغبنون في أهلهم وأموالهم في الآخرة، لأنهم كانوا يتعاونون بهم في الدنيا، فحسبوا أنهم يكونون كذلك في الآخرة. فإذا لم يجدوا، وصار(١٣) بعضهم يلعن بعضا، غبنوا ما كانوا يأملون منهم.
وقال بعضهم : إن لكل كافر في الجنة قصرا وبيتا وأهلا، فإذا صاروا إلى النار ورث المؤمن أهله وقصره الذي كان له في الجنة، فهذا هو التغابن.
ولكن هذا غير صحيح عندنا لأنه لا يحتمل أن يبني الله تعالى للكافر في الجنة بيتا مع علمه أنه لا يأتيه، لأن هذا فعل من لا يعلم العواقب ومن هو عابث في فعله، جل الله تعالى عن مثل هذا الوصف، إلا أن يحمل على الوعد إن ثبت الخبر، أي إن أسلم الكافر كان له ذلك المنزل في الجنة. وإن ارتد المسلم عن الإسلام كان له ذلك المنزل في النار، وهو عالم أن عاقبة أمره إزاء(١٤) الكفر أو الإسلام وأن مأواه النار أو الجنة، وحكمه على ما علم، وأراد.
ولكن الله تعالى عالم بما كان وما يكون وبما لا يكون : أي لو كان، أي لو كان كيف يكون، فأخبر على ذلك، وإلا لم يصح لما ذكرنا من المعنى، والله الموفق.
ويحتمل أنه إنما سماه يوم التغابن لأن الدنيا جعلت أسواقا، والأحوال التي تكون لهم رؤوس الأموال، والأعمال التي يعملون فيها، ويكتسبون، تجارة، قال الله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ [الصف: ١٠] ثم قال :﴿تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله﴾ الآية ؟ [الصف: ١١] وقال في آية أخرى :﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ الآية [التوبة: ١١١] وقال [ في موضعين آخرين ](١٥) ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ [ البقرة : ١٦ و١٧٥ ] وقال [ في آية أخرى ](١٦) :﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾ [البقرة: ٨٦].
فإذا كانت الدنيا متجرة، والآخرة هي التي تقسم فيها الأرباح، ففي(١٧) ذلك يقع الربح /٥٧٣- أ / [ والخسران، ويظهر الغبن والفضل والنقصان والزيادة، والله أعلم.
وسماه يوم التغابن لما يظهر لهم في ذلك أنهم خسروا، أو ربحوا، فلا يظهر لهم ذلك في الدنيا، ثم بين العمل الذي يربح ](١٨) عليه والعمل الذي يخسر به والتجارة التي يوصل بها إلى الأرباح والتي يلحق بها الخسران، وهو ما قال :﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ الآية، وقال :﴿والذين كفرا وكذبوا بآياتنا﴾ الآية [ المائدة : ١٠ و. . . والتغابن : ١٠ ].
وقوله تعالى : تعالى :﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا﴾ يعني ﴿ومن يؤمن بالله﴾ [ على ما جاءت ](١٩) به الرسل وأن له الخلق والأمر، ويؤمن بالرسل والبعث، فذلك هو الإيمان بالله تعالى.
وقوله تعالى :﴿ويعمل صالحا﴾ يعني ويعمل في إيمانه صالحا إلى أن يموت(٢٠).
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.
٢ في الأصل وم: والفريق.
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم.
٤ في الأصل وم: من.
٥ في الأصل وم: أو.
٦ في الأصل وم: أو.
٧ من م ساقطة من الأصل.
٨ في الأصل وم: يأخذ شيئا.
٩ من م، ساقطة من الأصل.
١٠ في الأصل وم: أو.
١١ من م، ساقطة من الأصل.
١٢ في الأصل وم: سمي.
١٣ في الأصل وم: وصاروا..
١٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم / بماذا.
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ ساقطة من الأصل وم.
١٧ في الأصل وم: وفي.
١٨ من م، ساقطة من الأصل.
١٩ من م، في الأصل: ويعمل صالحا وت..
٢٠ من م، في الأصل: يكون..
التغابن 64:10
هذا فعل من لا يعلم العواقب ومن هو عابث في فعله، جل اللَّه تعالى عن مثل هذا الوصف، إلا أن يحمل على الوعد إن ثبت الخبر، أي: إن أسلم الكافر كان له ذلك المنزل في الجنة، وإن ارتد المسلم عن الإسلام، كان له ذلك المنزل في النار، وهو عالم أن عاقبة أمره ماذا: الكفر أو الإسلام؟ وأن مأواه النار أو الجنة وحكمه على ما علم وأراد، ولكن اللَّه تعالى عالم بما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون، فأخبر على ذلك، وإلا لم يصح، لما ذكرنا من المعنى، واللَّه الموفق.
ويحتمل: أنه إنما سماه: يوم التغابن؛ لأن الدنيا جعلت أسواقا، والأحوال التي تكون لهم رءوس الأموال، والأعمال التي يعملون فيها ويكتسبون تجارة؛ قال اللَّه تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، ثم قال: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ...) الآية، وقال في آية أخرى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ...) الآية، وقال (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى)، وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ)، فإذا كانت الدنيا متجرًا فالآخرة هي التي يقسم فيها الأرباح، وفي ذلك يقع الربح والخسران، ويظهر الغبن والفضل أو النقصان والزيادة، واللَّه أعلم.
أو سماه: يوم التغابن؛ لما يظهر لهم في ذلك أنهم خسروا أو ربحوا، ولا يظهر لهم ذلك في الدنيا، ثم بين العمل الذي يربح عليه، والعمل الذي يخسر به، والتجارة التي يوصل بها إلى الأرباح، والتي يلحق بها الخسران، وهو ما قال: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...) الآية (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا...) الآية.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا).
يعني: ومن يؤمن باللَّه على ما جاءت به الرسل جملة، وأن له الخلق والأمر، ويؤمن بالرسل والبعث - فذلك هو الإيمان باللَّه تعالى.
وقوله: (وَيَعْمَلْ صَالِحًا).
يعني: ومن يؤمن باللَّه ويعمل، في إيمانه صالحا إلى أن يموت.
وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠).
يعني: كفروا بوحدانية اللَّه تعالى وبقدرته، وكذبوا بآياته، أي: بحججه، أو كذبوا بالبعث (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
التغابن 64:11
قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني: بأمر اللَّه، وهو قول الحسن.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني: بعلم اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني: بمشيئة اللَّه.
ولكل من ذلك وجه:
فأما من قال: بأمر اللَّه، فمعناه وحجته: أن هذه المصائب كلها عقوبات؛ ألا ترى إلى قوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).
ومعلوم أن جزاء ما كسبت يده عقوبة له، والتعذيب والعقوبة إنما يكون بأمر اللَّه؛ فلذلك قال: معنى قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بأمر اللَّه.
لكن عندنا هذا يرجع إلى ما يصيبهم من أيدي الخلق، كقوله تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)، وقوله: (هَلْ تَرَبَّصُونَ...) إلى قوله: (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا)، ونحو ذلك، وهذه المصائب لا تحتمل تأويلاً للأمر من اللَّه تعالى.
ومن قال: بعلم اللَّه، فوجه ذلك: أن هذه المصائب فيها إهلاك العبيد، وفي الشاهد أنه لا يحب أحدًا أن يعلم بما فيه هلاك عبيده وخدمه، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن هذه المصائب وإن كان فيها هلاك عبيده فإنما يكون ذلك بعلمه، وأن هلاكهم لا يضره، ولا ينقص من ملكه؛ لأن اللَّه - سبحانه وتعالى - أنشأ ما أنشأ من الخلائق لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إليهم ومضرة تلحقهم؛ فحلول ما يحل بهم من المصائب لا يضره ولا ينفعه لذلك كان علمها ما ذكر.
ومن قال: بمشيئة اللَّه وإرادته فوجه ذلك: أن اللَّه تعالى وعد وأوعد، ولا محالة يريد من عبيده ما يكون بوعيده عادلا وأن يضع وعده موضعه، وإذا كان كذلك ثبت أنه يريد من كل أحد ما يعلم أنه يكون منه؛ لأنه إذا خلق النار، وأوعد عليها، فلو أراد من كل منهم الطاعة، لكان إذا أحرق بالنار أحرق من أراد منه الطاعة فدخل في حد الجور، ولو كان يريد من كل منهم المعصية، لكان إذا أنجز وعده، وأدخله الجنة كان يضع ثوابه غير موضعه ويخرج عن حد الحكمة، وإذا كان كذلك، ثبت أنه أراد من كل ما علم أنه يختاره، ويكون منه ليخرج فعله على الحكمة، واللَّه الموفق.
ونحن نقول: قد ذكر اللَّه تعالى الإذن في مواضع مختلفة، ولكل من ذلك وجه غير وجه صاحبه، فالواجب أن يصرف معناه في كل موضع إلى ما يليق به، واللَّه أعلم.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ).
قال أبو بكر: أي: من آمن بما شاهد من التدبير، يهديه اللَّه تعالى؛ ليعلم أن من دبر هذا التدبير هو الذي ابتلاه بهذه المصيبة.
ويجوز أن يكون تأويله على وجه آخر، وهو أن يقول: من يؤمن باللَّه أن له الخلق والأمر - يهدِ قلبه؛ ليسكن، ويعلم أن اللَّه أولى به؛ فيسترجع عند ذلك، وذلك تأويل من قرأ (يهدأ قلبُه) أي: يسكن؛ من الهدوء وهو السكون، واللَّه أعلم.
والثاني: يحتمل أن تكون هذه الهداية وإن خرجت على لفظ الإحداث، فليس على الإحداث ولكن معناه: أن إيمانه باللَّه تعالى إنما كان بهدايته منه؛ لأنه لا يجوز أن يكون الإيمان متقدما والهداية متأخرة، ولكن حين هداه، آمن بما هداه؛ وهذا على ما قال اللَّه تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، فهذا خرج في الظاهر على لفظ الإحداث، ولكنه في الحقيقة ليس عليه ولكن على معنى أنهم لما آمنوا، أخرجهم بالإيمان من الظلمات إلى النور بعد الإيمان، فكذلك الأول، واللَّه أعلم.
ويجوز أن يكون تأويله: أن اللَّه يهدي قلبه، أي: يتوب عليه من الزلات عند الموت؛ على ما قال اللَّه تعالى: (وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).
وقيل: فيه لغات أربع (يَهْدِ قَلْبَهُ) بنصب الياء والباء جميعًا، و (يُهْدَ قَلْبُهُ) برفع الياء والباء جميعًا، و (يَهْدَ قلبُه) بفتح الياء وضم الباء، أي: يهتدي، و (يَهْدِ قَلْبَهُ) من السكون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
الأصل في الأسماء المشتركة إذا أضيف شيء منها إلى اللَّه تعالى، فحق التخصيص في
التغابن 64:12
الإضافة إليه أن يضاف بحق الكليات ليكون فرقا بينه وبين العباد فيقال: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، ويقال في الخلق: فلان عليم بكذا على الخصوص، وليعلموا أن العبيد إنما يعملون ما يعملون بعلمه، وكذلك هذا في قوله: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وهذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ليس بقادر على كثير من الأشياء فكأنهم أشركوا في اسم القدرة غيره؛ لأنه لا أحد من الخلق إلا وله جزء من القدرة، فلو قلنا: إن اللَّه تعالى يقدر على بعض ولا يقدر على بعض لسوينا بينه وبين خلقه، وشبهناه بهم، جل اللَّه - سبحانه وتعالى - عن مثل هذا الوصف، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ... (١٢).
يعني: أطيعوا اللَّه فيما تعبدكم به، وأطيعوا الرسول فيما أخبر عنه.
أو أطيعوا اللَّه فيما أمركم وأطيعوا الرسول فيما دعاكم إليه، وهذا كله واحد إلا التعبد؛ فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الرسول، وما سواه من الألفاظ من الأمر والدعاء والإخبار، فهو جائز أن يضاف إلى اللَّه تعالى وإلى الرسول - عليه السلام -.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ).
يعني: توليتم عن إجابة الرسول إلى ما دعاكم إليه وعن طاعته.
وقوله: (فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).
فيه بيان: أن توليهم عن إجابته وكفرهم به، لا يوجب تقصيرا في التبليغ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣).
يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم من الآيات من قوله: (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، و (عَلِيمٌ) و (يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ)، ثم قال اللَّه الذي له الأوصاف التي تقدمت هو الذي لا إله إلا هو، أي: لا معبود إلا هو، وأن معبودهم ليس يجوز أن يكون معبودا؛ لتعريه عن هذه الأوصاف التي تقدم ذكرها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
التغابن 64:13
الآية ١٣ وقوله تعالى :﴿الله لا إلاه إلا هو﴾ يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم من الآيات من قوله تعالى :﴿له الملك وله الحمد وهو على كل شيء﴾ [التغابن: ١] وقوله تعالى :﴿بصير﴾ [ الآية : ٢ ] وقوله تعالى :](١) ﴿ويعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ [ الآية : ٤ ].
ثم قوله (٢) تعالى :﴿الله﴾ الذي له الأوصاف التي تقدمت هو الذي ﴿لا إلاه إلا هو﴾ أي لا معبود إلا هو، وأن معبودهم ليس يجوز أن يكون معبودا لتعريه عن هذه الأوصاف التي تقدم ذكرها، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ فيه بيان أن معتمد المؤمنين على الله تعالى، وإن قلت أعوانهم وأنصارهم، وأنهم ليسوا كالمنافقين والكفرة حين(٣) تركوا اتباع المؤمنين لما رأوا من قلة الاتباع والأعوان لهم.
وأخبر أن المؤمنين بخلاف تلك الصفة، وأن ثقتهم واعتمادهم على الله تعالى [ ليس على ](٤) كثرة الأنصار، والله أعلم.
١ في الأصل وم: و﴿عليم﴾..
٢ في الأصل وم: قال..
٣ في الأصل وم: حيث.
٤ من م، ساقطة من الأصل.
التغابن 64:14
فيه بيان: أن معتمد المؤمنين على اللَّه تعالى، وإن قلت أعوانهم وأنصارهم، وأنهم ليسوا كالمنافقين والكفرة؛ حيث تركوا اتباع المؤمنين لما رأوا من قلة الأتباع والأعوان لهم وأخبر أن المؤمنين بخلاف تلك الصفة، وأن ثقتهم واعتمادهم على اللَّه تعالى ليس على كثرة الأنصار، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ).
يحتمل أن يكون على تحقيق العداوة، ويحتمل أن يكون على فعل العداوة؛ فإن كان على تحقيق العداوة فهو يحتمل وجهين:
أحدهما: عداوة ظاهرة، وهي عداوة الكفر والشرك؛ وذلك أنه كان في ذلك الزمان يسلم الرجل ويبقى ولده وزوجته على الكفر، فعلمهم اللَّه تعالى صحبة الأولاد والزوجات: أنه إذا دعوكم إلى الكفر والشرك، فاحذروهم أن تطيعوهم وأن تعفوا عن عقوبتهم على ما دعوكم إليه، وتغفروا؛ فإن اللَّه غفور رحيم.
ثم ذكر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - في صحبة الأولاد والزوجات إذا كانوا كفارا - العفو والصفح، ولم يذكر ذلك في الوالدين المشركين، ولكنه أمره أن يصاحبهما في الدنيا معروفا لقوله: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، فوجه ذلك - عندنا والله أعلم -: أن يجري سلطانه وغلبته وقهره على زوجته وولده، فأمره هاهنا بالعفو والصفح، وأما في الوالدين فليس يجري له عليهما السلطان والقهر والغلبة؛ فلا معنى للعفو والصفح عنهما، لكنه أمر أن يصاحبهما في الدنيا معروفا وألا يطيعهما فيما أمراه من المنكر، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن تكون هذه العداوة عداوة مستورة، وهي عداوة النفاق، فكأنه قال: إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم وأنتم لا تشعرون، وإن تعفوا عن جنايتهم ولم تؤذوهم
التغابن 64:15
عليها وتصفحوا وتغفروا؛ فإن اللَّه غفور رحيم؛ ألا ترى إلى ما حذر اللَّه المؤمنين من أهل النفاق مع أنهم من الضعف والفشل؛ كما أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عنهم بقوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) فكذلك الأزواج والأولاد وإن كانوا تحت قهره وغلبته، أمره بالحذر عنهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكون على فعل العداوة، ليس أنهم أعداء في الحقيقة، وذلك أنهم في المتعارف والمعتاد يدعون الآباء إلى البخل والمنع عن الإنفاق على غيرهم، ويشتد عليهم صنع أبيهم من الإحسان والبر في حق الناس، ويكرهون ذلك، وهذا في الظاهر فعل العدو؛ فيجوز أن يكون اللَّه تعالى علم صحبة هَؤُلَاءِ أن من أزواجكم وأولادكم من يظهر فعل العداوة فاحذروهم أن تمتنعوا عن وجوه الإحسان إليهم والتبرع بقولهم، وإن تعفوا عن صنيعهم بكم وتغفروا (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥).
المفتون: هو المولع بالشيء العاشق له، فكأنه قال: إنما أموالكم وأولادكم معشوقكم؛ فلا يحملكم حبهم على أن تتركوا ابتغاء الأجر العظيم عند اللَّه تعالى.
ويحتمل أن يكون معناه: أن اللَّه تعالى لم يخلق الأزواج والأولاد لكم مجانا، وإنما خلقهم ليبتليكم، ويمتحنكم: أن كيف تعاملون اللَّه تعالى فيما أمركم به ونهاكم عن حبهم، ثم أخبر أن اللَّه عنده أجر عظيم؛ ليتحملوا المؤنة العظيمة في أوامره ونواهيه عن حبهم الأولاد والأموال، وهذا معنى ما قَالَ بَعْضُهُمْ: إن الأزواج والأولاد كانوا يتعلقون بهم، ويقولون: ننشدك باللَّه أن لا تذرنا وتضيعنا، إذا أراد الرجل أن يهاجر إلى المدينة.
والأشبه ألا يكون هذا؛ لأن هذه الآية نزلت بالمدينة وأفعالهم هذه إنما كانت بمكة، إلا أن يكونوا كتبوا إليهم بها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦).
قَالَ بَعْضُهُمْ: نسخت هذه الآية قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)، حيث أمر هاهنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة، وثم بخلافه، ولكن هذا لا يستقيم؛ لأن قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لا فوق الطاقة والاستطاعة، لكنه إن كان فوجهه: أن (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)، وإن هلكت فيه طاقتكم؛ لأنهم أمروا بتقوى تهلك به طاقتهم على ما قال: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ)، ولو كتب عليهم أن يقتلوا أنفسهم جاز ولكنه تهلك طاقتهم فيه، فكذلك الأول، ثم قال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) تخفيفا عليهم وتيسيرا واللَّه أعلم.
ولكن الكلام في أن كيف قال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولم نكن نتقي لولا هذه الآية إلا ما استطعنا، ولكن معناه - واللَّه أعلم -: على جهة البشارة: أنكم إذا قصدتم قصد التقوى، آتاكم اللَّه - تعالى - الاستطاعة في تقواه، وهو كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى).
وهذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الاستطاعة تتقدم الفعل، وهي تزول عن الفاعل وتقدم عند الفعل، ولو كان كذلك كان يجعل قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) واستطاعة زالت عنهم، وكذلك قوله: (فَخُذهَا بِقُوَّةٍ)، وكذلك قوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)، زالت عنهم هذا مستحيل، والذي يؤيد قولنا قول اللَّه جل ثناؤه: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، والحاجة إلى هذه الاستطاعة تقع عند أداء البدل عن الأصل، فأما قبل ذلك إن كان مستطيعا أو غير مستطيع فهو سواء.
قوله تعالى: (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا).
أي: اسمعوا إلى ما أمركم اللَّه تعالى به ورسوله.
أو يكون قوله: (وَاسْمَعُوا) بمعنى: أجيبوا لما أمركم اللَّه به، وإلى ما دعاكم الله ورسوله؛ كقوله: " سمع اللَّه لمن حمده "، أي أجابه.
وقوله - تعالى -: (وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ).
أي: وأنفقوا مما رزقناكم خيرا لكم من أن تدعوا الإجابة لما أمركم والإنفاق مما رزقكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ).
قال سفيان بن عيينة: أي: ومن يوق ظلم نفسه، والشح: الظلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الشح: البخل، الذي فيه الحرص.
قال: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) أضاف الوقاية إلى نفسه؛ ليعلم أن من اتقاه فإنما اتقاه بما وقاه اللَّه تعالى بلطفه وكرمه، ألا ترى إلى قوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)، كيف علمهم ذلك التقوى بقوله: (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أن قولوا: وقنا عذاب النار؛ ليعلم أن جميع أفعال العباد إنما تقوم وتصح بتدبير اللَّه - تعالى - وتوفيقه وتسديده وتقديره، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فيه أوجه من الدلالة:
أحدها: أن قوله: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) لم يبين فاعله، ففيه بيان أن في سلطان الله وملكه ما يقي به شح عبده، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح، وكذلك في قوله: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)، إخبار أن من ينصره اللَّه فلا يغلب، وقد يرى في الشاهد من لا يوق شح نفسه ألبتَّة، ومن قد يوق شح نفسه ولا يفلح، وقد نرى من يجاهد أعداءه فيغلب، مع ما وعده وأخبر أنه هو الغالب وأنه لا يغلب، فلا بد في ذلك من أحد وجهين:
إما أن لم يكن لله تعالى النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى، فهو كاذب فيما ادعى، وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه فلم يفلح؛ فصار كاذبا في خبره.
فأما المعتزلة فإنهم زعموا أن اللَّه تعالى قد آتى عبده جميع ما يقي به شح نفسه حتى لم يبق في خزانته شيء يؤتيه ليقي به شح نفسه - كذبة، وإذا لم يكن بد من نسبة الكذب إلى اللَّه تعالى أو إلى المعتزلة، كانت المعتزلة أولى أن ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين فيما أخبروا هم، وأن اللَّه تعالى فيما أخبر صادق، وأن في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به شح نفسه، واللَّه المستعان.
وفيه دلالة على إبطال قول من قال: إن على الكفرة أداء هذه العبادات، والحقوق واجبة، وذلك أن اللَّه تعالى وعد في هذه الآية أن من وقي شح نفسه، وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق فقد أفلح، وقد ترى الكافر في الشاهد يوقى شح نفسه، ويؤدي
التغابن 64:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ قال بعضهم : نسخت هذه الآية قوله تعالى :﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: ١٠٢] حين(١) أمر ههنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة، وثم بخلافه.
ولكن هذا لا يستقيم لأن قوله تعالى :﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ لا يراد به الاتقاء في ما لا يستطيعون لا فوق الطاقة والاستطاعة. لكنه إن كان [ فوجهه أن ](٢) ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ وإن هلكت فيه طاقتكم، لأنه أمرهم بتقوى، تهلك بها(٣) طاقتهم على ما قال :﴿ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم﴾ [النساء: ٦٦] ولو كتب عليهم أن يقتلوا أنفسهم جاز، ولكنه [ أمر أن ](٤) تهلك طاقتهم فيه. فكذلك الأول. ثم قال :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ تخفيفا عليهم وتيسيرا، والله أعلم.
ولكن الكلام في أن كيف قال :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولم يكن يتقى لولا هذه الآية إلا ما يستطاع(٥).
ولكن معناه، والله أعلم، على جهة البشارة أنكم إذا قصدتم قصد التقوى آتاكم الله الاستطاعة في تقواه، وهو كقوله تعالى :﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقوله تعالى :﴿فأما من أعطى واتقى﴾ ﴿وصدّق بالحسنى﴾ ﴿فسنيسره لليسرى﴾ [ الليل / ٥ و٦ و٧ ].
وهذه الآية على المعتزلة، لأنهم يقولون : إن الاستطاعة تتقدم الفعل، وهي تزول عن الفاعل، وتتقدم على الفعل. ولو كان كذلك كان يجعل قوله :﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ استطاعة، زالت عنهم، وكذلك قوله، جل ثناؤه :﴿فخذها بقوة﴾ [ الأراف : ١٤٥ ] وكذلك قوله تعالى :﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ [ البقرة : ٦٣ و. . . ] زالت عنهم. وهذا(٦) مستحيل.
والذي يؤيد قولنا قوله، جل ثناؤه :﴿فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا﴾ [المجادلة: ٤] والحاجة إلى هذه الاستطاعة تقع عند أداء البدل عن الأصل.
فأما قيل ذلك، إن كان مستطيعا أو غير مستطيع، فهو سواء : قوله تعالى :﴿واسمعوا﴾ أي(٧) اسمعوا إلى ما أمركم الله تعالى به ورسوله، و(٨) قوله تعالى :﴿وأطيعوا﴾ بمعنى أجيبوا لما أمركم الله تعالى به وإلى ما دعاكم الله ورسوله لقوله ﷺ (٩) :( سمع الله لمن حمده )[ أبوداوود١١٨٠ ] أي أجابه.
وقوله تعالى :﴿وأنفقوا خيرا لأنفسكم﴾ أي وأنفقوا مما رزقتم [ يكن ](١٠) خيرا لكم من أن تدعوا للإجابة لما أمركم، والإنفاق مما رزقكم.
وقوله تعالى :﴿ومن يوق شح نفسه﴾ قال سفيان بن عيينة : أي ومن يوق ظلم نفسه، والشح : الظلم ؛ أضاف الوقاية إلى نفسه ليعلم أن من اتقاه فإنما اتقاه بما وقاه الله تعالى بلطفه وكرمه.
ألا ترى إلى [ قوله تعالى ](١١) :﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾ ؟ [التحريم: ٦] كيف علمهم ذلك التقوى بقوله :﴿وقنا عذاب النار﴾ [ البقرة : ٢٠١ و. . . ] ليعلم أن جميع أفعال العباد إنما تقوم، وتصح بتدبير الله تعالى وتوفيقه وتسديده وتقديره، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ فيه أوجه من الدلالة :
أحدها : أن قوله تعالى :﴿ومن يوق شح نفسه﴾ لم يبين فاعله، ففيه بيان أن في سلطان الله وملكه ما يقي به شح عبده، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح. وكذلك في قوله تعالى :﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾ [آل عمران: ١٦٠] إخبار أن من ينصره الله فلا يغلب.
وقد يرى في الشاهد من لا يوقى شح نفسه البتة، ومن قد يوقى شح نفسه، ولا يفلح، ويرى من يجاهد أعداءه، فيغلب مع ما وعده، وأخبره(١٢) أنه هو الغالب وأنه لا يغلب ؛ فلا بد[ في ](١٣) ذلك من أحد وجوه(١٤) :
إما أن لم يكن لله تعالى النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى فهو كاذب في ما ادعى.
وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه، فلم يفلح، فصار كاذبا في خبره.
وإما أن كانت المعتزلة في ما زعموا أن الله تعالى، قد آتى عبده جميع ما يقي به شح نفسه حتى لم يبق في خزائنه شيء، يؤتيه ليبقى به شح نفسه، كذبة.
وإذا لم يكن بد من نسبة الكذب إلى الله تعالى أو إلى المعتزلة كانت المعتزلة أولى أن ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين في ما أخبروا، وإن(١٥) الله تعالى في ما أخبر صادق، وإن(١٦) في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به شح نفسه، والله المستعان.
[ والثاني ](١٧) : دلالة على إبطال قول من قال : إن على الكفرة أداء هذه العبادات والحقوق واجبة ؛ وذلك أن الله تعالى وعد(١٨) في هذه الآية أن من وقي شح نفسه، وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق، فقد أفلح.
وقد نرى الكافر في الشاهد يوقى شح نفسه، ويؤدي حقوق أمواله، ويسخو بماله على الناس، ولا يفلح، ولو كان [ يرى أن ](١٩) عليه هذه الحقوق واجبة لكان يحصل له الفلاح.
فثبت أنه ليس عليه أداؤها، وإنما عليه قبولها، والله أعلم.
[ والثالث : دلالة ](٢٠) أن صاحب الكبيرة، قد يرجى له الفلاح، وإن لم يتب على الكبيرة [ حتى ](٢١) مات، لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه، وقد وعد الله عز وجل أن من يوق شح نفسه فهو من المفلحين / ٥٧٤- أ/ فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه، فقد ثبت أنه يرجى [ له ](٢٢) الفلاح.
١ في الأصل وم: حيث.
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: فوجهان.
٣ في الأصل وم: به.
٤ ساقطة من الأصل وم.
٥ في الأصل: استطعنا.
٦ الواو ساقطة من الأصل وم..
٧ من م، في الأصل إذ.
٨ في الأصل وم: أو يكون.
٩ ساقطة من الأصل وم.
١٠ ساقطة من الأصل وم.
١١ ساقطة من الأصل وم.
١٢ في الأصل وم: وأخبر.
١٣ ساقطة من الأصل وم.
١٤ في الأصل وم: وجهين.
١٥ الواوساقطة من الأصل وم.
١٦ الواوساقطة من الأصل وم.
١٧ في الأصل وم: وفيه.
١٨ في الأصل وم: أوعد.
١٩ ساقطة من الأصل وم.
٢٠ في الأصل وم: وفيه.
٢١ من م ساقطة من الأصل.
٢٢ من م ساقطة من الأصل.
التغابن 64:17
حقوق أمواله ويسخو بماله على الناس، ولا يفلح ولو كان عليه هذه الحقوق واجبة، لكان يحصل له الفلاح، ثبت أنه ليس عليه أداءها وإنما عليه قبولها، واللَّه أعلم.
وفيه أن صاحب الكبيرة قد يرجى له الفلاح وإن لم يتب عن الكبيرة حتى مات؛ لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه، وقد وعد اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أن من وقي شح نفسه، فهو من المفلحين، فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه؛ فقد ثبت أنه يرجى له الفلاح، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) تولد من هذه الآيات ظنون فاسدة:
أحدها: ظن اليهود، حيث قالوا: إن اللَّه فقير ونحن أغنياء؛ وذلك أنهم لما سمعوا أن اللَّه تعالى يقول: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) والاستقراض في الشاهد يدل على الحاجة إلى ما يستقرض، وكذلك قوله - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ)، والشراء يدل على حاجة في المشتري، وحيث استعمل عبيده في الأعمال، ثم قال: (فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، ورأوا أن من يستعمل آخر فإنما يستعمله في عمل ترجع منفعته عليه ويحتاج إلى عمله، ظنوا بذلك أن اللَّه فقير وأنه محتاج.
وظنت المعتزلة أن أنفس العبيد وأملاكهم ملك لهم حقيقة ليس لله - تعالى - في شيء من ذلك ملك ولا تدبير، قالوا: وذلك أن اللَّه تعالى استقرض من عبيده، والمرء في الشاهد لا يستقرض ملك نفسه، فلما استقرض واستباع دل أن هذه الأشياء كانت ملكا لهم حقيقة.
والذي يدل على أن قول المعتزلة على ما وصفنا: أن من قولهم: إن ليس لله تعالى أن يمرض أحدًا ولا يؤلم ذاته إلا بعوض، ومن لم يملك فعل شيء إلا بعوض أو بدل تبين أنه لا يملكه؛ فثبت على أن عندهم أنه لا يملك حقيقة، وأن حقيقة الملك فيه للعبيد.
ويشبه أن يكون ظن اليهود والمعتزلة، جميعًا إنما تولد من قولهم: إن ليس لله تعالى أن يفعل بعبيده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم، فذهبت اليهود إلى أن هذا لما كان حقًّا على اللَّه أن يفعله لا محالة حتى إذا لم يفعله يكون جائرا، ومن كان مأخوذا بحق أو بشيء يفعله، ففيه بيان أن حقيقة ذلك الفعل لغيره حتى أخذ به لا محالة؛ لذلك قلنا: إن ظنونهم تولدت عن القول بالأصلح، واللَّه المستعان.
وأما الحكماء وأهل العقل ومن انتفع بعقله، حمل هذه الآيات من اللَّه تعالى على نهاية الكرم وغاية الغناء؛ لأن اللَّه تعالى أعطى عبده، ثم استقرض منه ذلك الذي أعطاه؛ ليصير ذلك العطاء دائما ببدله الدائم، وهو النعيم في الآخرة، ومعلوم أن من أراد دوام عطاء من أعطاه فهو في غاية الكرم، وكذلك اشترى منه حياة فانية؛ ليعطي له حياة دائمة، وهذا من غاية الجود، ومن استعمل عبده في عمل يوصف بأنه جواد سخي ويشرف به، ويكرم ثم وعد له على ما فيه شرفه أجزا دائمًا، دل على غناه، فثبت أنه أراد بهذه الآيات أن يعلمنا غاية كرمه وغاية جوده ونهاية غناه، وأن جوده وكرمه مما لا تدركه عقولنا، والله المستعان.
والذي يدل على غاية كرمه وغاية جوده: أن جعل ما نتصدق به على فقرائنا وما نصل به أرحامنا قرضا حسنا على نفسه، ووعد الأجر بعمل يعمله العبد لنفسه، وعلى عمل على العبد فعله لا محالة، ولا شك أن ذلك من غاية الجود والكرم، والله المستعان.
ثم قوله: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: القرض: هو القطع، كأنه قال: اقطعوا شيئًا من أموالكم لله تعالى قطعا حسنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: اقرضوا، أي: اجعلوا ما تتصدقون به مما فضل عن حاجاتكم على فقرائكم قرضا حسنا على اللَّه تعالى يؤتكم أجره عند حاجتكم إليه.
وقوله: (يُضَاعِفْهُ لَكُمْ).
يعني: يضاعف ما يعطيكم في الآخرة من الثواب الذي تكرمون به، بما شرفتم به، وتزينتم في الدنيا بالتصدق.
وقوله: (وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ).
يعني: شكور؛ حيث شكر لكم على ما أعطيتموه شيئًا هو أعطاكم إياه.
التغابن 64:18
وقوله: (حَلِيمٌ).
وصف نفسه بالحلم، وعلى قول المعتزلة لا يتحقق هذا الوصف؛ لأنهم يقولون: إنه إذا وجبت العقوبة، فليس لله تعالى أن يؤخرها كرمًا منه، وأنه فيما أخرها كان ذلك حقًّا عليه؛ حيث رأى الأصلح في تأخيرها، ومعلوم أن من أدى حقًّا عليه لم يوصف بالحلم، ولكنه يقال: إنه ينفي الجور، والحليم من يحلم عن عقوبة لزمت فيؤخرها ويتركها ويعفو صاحبها عنها؛ فيوصف بالحلم عند ذلك، وأما أن يكون عليه تأخيرها، فلا يوصف بالحلم في هذا الموضع، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ... (١٨).
يعني: عالم ما غاب من أفعال الخلق عن الملائكة، وعالم بما شهدوا من أفعالهم، وعالم بما غاب عن العباد، وبما شهده العباد.
وقوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
العزيز: الذي لا يعجزه شيء، والحكيم: الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره، ثم المعتاد في القرآن أنه يذكر العزيز الحكيم بعد ذكره خلق الكفرة؛ ليعلم أن فسادهم لا يوجب وهْنًا في حكمته وتدبيره، ولا يبطل عزه وسلطانه؛ لأن من صنع إلى آخر شيئًا يعلم أنه يفسد؛ دل ذلك على جهله بالتدبير وإذا استعمل عبده بما يهلكه؛ دل على ذله فأخبر بعد خلق الكفرة: أنه عزيز ليعلم أن كفرهم لا يوجب نقصا في عزه، ولا يدخل ذلا عليه، وأن فسادهم لا يخرجه عن الحكمة والتدبير، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *