Lafzullah

تأويلات أهل السنة — الواقعة 56:1 – المجادلة 58:22

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. الواقعة 56:1
  2. الواقعة 56:2
  3. الواقعة 56:3
  4. الواقعة 56:4
  5. الواقعة 56:5
  6. الواقعة 56:6
  7. الواقعة 56:7
  8. الواقعة 56:8
  9. الواقعة 56:11
  10. الواقعة 56:12
  11. الواقعة 56:13
  12. الواقعة 56:14
  13. الواقعة 56:15
  14. الواقعة 56:16
  15. الواقعة 56:17
  16. الواقعة 56:18
  17. الواقعة 56:19
  18. الواقعة 56:20
  19. الواقعة 56:21
  20. الواقعة 56:22
  21. الواقعة 56:23
  22. الواقعة 56:24
  23. الواقعة 56:25
  24. الواقعة 56:26
  25. الواقعة 56:27
  26. الواقعة 56:28
  27. الواقعة 56:29
  28. الواقعة 56:30
  29. الواقعة 56:31
  30. الواقعة 56:32
  31. الواقعة 56:33
  32. الواقعة 56:34
  33. الواقعة 56:35
  34. الواقعة 56:36
  35. الواقعة 56:37
  36. الواقعة 56:38
  37. الواقعة 56:39
  38. الواقعة 56:40
  39. الواقعة 56:41
  40. الواقعة 56:42
  41. الواقعة 56:43
  42. الواقعة 56:44
  43. الواقعة 56:45
  44. الواقعة 56:46
  45. الواقعة 56:47
  46. الواقعة 56:48
  47. الواقعة 56:49
  48. الواقعة 56:50
  49. الواقعة 56:51
  50. الواقعة 56:52
  51. الواقعة 56:53
  52. الواقعة 56:54
  53. الواقعة 56:55
  54. الواقعة 56:56
  55. الواقعة 56:57
  56. الواقعة 56:58
  57. الواقعة 56:59
  58. الواقعة 56:60
  59. الواقعة 56:61
  60. الواقعة 56:62
  61. الواقعة 56:63
  62. الواقعة 56:64
  63. الواقعة 56:65
  64. الواقعة 56:66
  65. الواقعة 56:67
  66. الواقعة 56:68
  67. الواقعة 56:69
  68. الواقعة 56:70
  69. الواقعة 56:71
  70. الواقعة 56:72
  71. الواقعة 56:73
  72. الواقعة 56:74
  73. الواقعة 56:75
  74. الواقعة 56:76
  75. الواقعة 56:77
  76. الواقعة 56:78
  77. الواقعة 56:79
  78. الواقعة 56:80
  79. الواقعة 56:81
  80. الواقعة 56:82
  81. الواقعة 56:83
  82. الواقعة 56:84
  83. الواقعة 56:85
  84. الواقعة 56:86
  85. الواقعة 56:87
  86. الواقعة 56:88
  87. الواقعة 56:89
  88. الواقعة 56:90
  89. الواقعة 56:91
  90. الواقعة 56:92
  91. الواقعة 56:93
  92. الواقعة 56:94
  93. الواقعة 56:95
  94. الواقعة 56:96
  95. الحديد 57:1
  96. الحديد 57:2
  97. الحديد 57:3
  98. الحديد 57:4
  99. الحديد 57:5
  100. الحديد 57:6
  101. الحديد 57:7
  102. الحديد 57:8
  103. الحديد 57:9
  104. الحديد 57:10
  105. الحديد 57:11
  106. الحديد 57:12
  107. الحديد 57:13
  108. الحديد 57:14
  109. الحديد 57:15
  110. الحديد 57:16
  111. الحديد 57:17
  112. الحديد 57:18
  113. الحديد 57:19
  114. الحديد 57:20
  115. الحديد 57:21
  116. الحديد 57:22
  117. الحديد 57:23
  118. الحديد 57:24
  119. الحديد 57:25
  120. الحديد 57:26
  121. الحديد 57:27
  122. الحديد 57:28
  123. الحديد 57:29
  124. المجادلة 58:1
  125. المجادلة 58:2
  126. المجادلة 58:3
  127. المجادلة 58:4
  128. المجادلة 58:5
  129. المجادلة 58:6
  130. المجادلة 58:7
  131. المجادلة 58:8
  132. المجادلة 58:9
  133. المجادلة 58:10
  134. المجادلة 58:11
  135. المجادلة 58:12
  136. المجادلة 58:13
  137. المجادلة 58:14
  138. المجادلة 58:15
  139. المجادلة 58:16
  140. المجادلة 58:17
  141. المجادلة 58:18
  142. المجادلة 58:19
  143. المجادلة 58:20
  144. المجادلة 58:21
  145. المجادلة 58:22

الواقعة 56:1

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ. خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) هذا مما لم يبتدأ به الخطاب، وإنما هو جواب سؤال وخطاب لم يذكر؛ فيحتمل أن يكون المؤمنون ذكروا كراماتهم التي وعدوا في الآخرة، فقال لهم أُولَئِكَ الكفرة: متى يكون ذلك لكم؟ فقالوا: إذا وقعت الواقعة؛ كما يسأل الرجل: متى يكون أمر كذا؟ فيقول: إذا كان كذا، فهو حرف جواب لسؤاله، وعلى هذا يخرج جميع ما ذكر في القرآن من هذا النوع؛ من نحو قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، ونحو ذلك، وقوله: (الْوَاقِعَةُ) كناية عنها، جائز أن يكون تأويله: إذا وقعت المثوبة والعقوبة؛ فتكون الواقعة كناية عنها. وجائز أن تكون الواقعة: اسما من أسماء البعث: كالقيامة والساعة، وغير ذلك، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ليس لوقعتها مَثْنَويَّة ولا ترداد، يقال: حمل عليه فما كذب، أي: فما رجع. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: هي حق، ليست بكذب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: لا يكذب بها أحد إذا وقعت، ليست كالآيات التي عاينوها في الدنيا مع ما عرفوا أنها آيات كذبوها؛ كقوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)، وغير ذلك يكذبونها مع العلم بأنها آيات، يقول تعالى: إذا عاينوا القيامة يقرون بها؛ ويصدقونها، ولا يكذبون بها؛

الواقعة 56:2

الآية ٢ وقوله تعالى :﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ قال بعضهم : أي ليس لوقعتها مثوبة، ولا ترد. وبقال : حمل عليه، فما كذب، أي فما رجع. وقال بعضهم : أي هي حق، ليست بكذب. وقال بعضهم : أي لا يكذب بها أحد إذا وقعت، ليست كالآيات التي عاينوها في الدنيا مع ما عرفوا أنها آيات كذبوها كقوله تعالى :﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون﴾ ﴿لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾ [ الحجر : ١٤ و١٥ ] وغير ذلك ؛ يكذبونها مع العلم بأنها آيات. يقول تعالى : إذا عاينوا القيامة، يقرون بها، ويصدقونها، ولا يكذبون بها، كقوله تعالى :﴿فارجعنا نعمل صالحا﴾ [السجدة: ١٢] غير الذي كنا نعمل ونحوه. ويحتمل أن يكون :﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ أي ليست الأنباء والأخبار التي جاءت على وقوعها وقيامها كاذبة، بل هي صادقة.

الواقعة 56:3

كقوله: (أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)، ونحوه. ويحتمل أن يكون قوله: (لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)، أي: ليست الأنباء والأخبار التي جاءت على وقوعها وقيامها كاذبة بل هي صادقة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) قَالَ بَعْضُهُمْ: خافضة: تسمع القريب، رافعة: تسمع البعيد؛ وقال صاحب هذا التأويل: إن تفسير الواقعة هو الصيحة، وتلك خافضة رافعة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: خافضة أناسا في النار ورافعة أناسا في الجنة. ويحتمل خافضة لمن تكبر وتعظم على الخلق ورده، ورافعة لمن تواضع للخلق وانقاد له وقبله. وقيل: خافضة لأهل النار في النار، كقوله تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ)، ورافعة لأهل الجنة، كقوله: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ)، وقوله: (لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ). وقوله: - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) يخرج على السؤال، كأنهم لما سمعوا وصف القيامة والواقعة من المؤمنين، فقالوا عند ذلك: متى تكون الواقعة؟ فعند ذلك قال: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا)، وهو كقوله: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، فزلزلت حتى تلقي ما في بطنها. وقوله - عزَّ وجلَّ -: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) قيل: فتتت حتى تصير كالدقيق، ومنه يقال للطعام المبسوس والبسيسة: سويق يلت به الزيت والخلط. وقال الحسن: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ) أي: سيرت تسييرا. وقوله: (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) قيل: الهباء: الذي يكون فوق النار إذا خمدت، لا يكون غيره (مُنْبَثًّا)؛ أي: متفرقا. وقيل: (هَبَاءً مُنْبَثًّا) أي: ترابا.

الواقعة 56:4

الآية ٤ وقوله تعالى :﴿إذا رجّت الأرض رجا﴾ يخرج على السؤال ؛ كأنهم لما سمعوا وصف القيامة والواقعة من المؤمنين، قالوا(١) عند ذلك : متى تكون الواقعة ؟ فعند ذلك قال :﴿إذا رجت الأرض رجا﴾ وهو كقوله عز وجل :﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ فزلزلت حتى تلقي ما في بطنها. ١ في الأصل و م: فقالوا..

الواقعة 56:5

الآية ٥ وقوله تعالى :﴿وبست الجبال بسا﴾ قيل : فتّتت حتى تصير كالدقيق، ومنه يقال للسّويق : المبسوس، والسويق يلتّ به الزيت والخلط. وقال الحسن :﴿وبست الجبال بسا﴾ أي سيرت تسييرا.

الواقعة 56:6

الآية ٦ وقوله تعالى :﴿فكانت هباء منبثا﴾ قيل : الهباء الذي يكون فوق النار إذا خمدت، لا يكون غيره ﴿منبثا﴾ أي متفرقا. وقيل :﴿هباء﴾ أي ترابا منتشرا. وقيل : الهباء المبثوث هو ما يسطع من سنابك الخيل. وقيل : الهباء الغبار الذي تراه في الشمس إذا دخلت من الكوّة. وفيه(١) إخبار عن شدة ذلك اليوم وهوله أنه يفعل بالجبال كذا مع صلابتها وطاعتها الله تعالى، فكيف يفعل بكم يا بني آدم مع ضعفكم وكفركم ومعصيتكم ؟ والله أعلم. ١ الواو ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:7

وقيل: الهباء المنبث، هو ما يسطع من سنابك الخيل. وقيل: الهباء: الغبار الذي تراه في الشَّمس إذا دخلت من الكوة؛ يخبر تعالى عن شدة ذلك اليوم وهوله أنه يفعل بالجبال كذا مع صلابتها وطاعتها لله تعالى، فكيف يفعل بكم يا بني آدم مع ضعفكم ومعصيتكم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) أي: أصنافا ثلاثة: ما فسر عقيبه؛ حيث قال: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) الآية. وقيل: الأصناف الثلاثة: المكذبون، والمصدقون، والسابقون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) يحتمل وجهين: أحدهما: أصحاب الميمنة من اليمن، وأصحاب المشأمة من الشؤم. والثاني: سموا: أصحاب الميمنة؛ لأنهم أصحاب اليمين، وهي التي تستعمل في الطيبات، والكفرة أصحاب الشمال؛ لأنهم أصحاب الخبائث، والشمال تستعمل في الخبائث. وهو كقوله: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)؛ لأن في كتبهم طيبات وخيرات، وفي كتب الكفرة خبائث فتؤتى بشمالهم. وقيل: أصحاب الميمنة والمشأمة؛ لما ذكر اللَّه تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)، وقوله: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ...)، فكذا؛ فكل من أوتي كتابه بيمينه فهو من أصحاب اليمين، ومن أوتي كتابه بشماله فهو من أصحاب الشمال. وقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ... (١٠) يحتمل وجهين: أحدهما: السابقون في الخيرات، يسبقون الناس في كل خير. والثاني: السابقون في الإجابة لله ورسوله إلى ما دعاهم إليه. ثم جائز أن يكون الخطاب به للناس كافة: الأولين والآخرين؛ فيكون جميعهم أصنافا ثلاثة: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.

الواقعة 56:8

الآيات ٨ ١٠ [ والأصناف الثلاثة ](١) ما فسر عقيبه حين(٢) قال :﴿فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة﴾ ﴿وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة﴾ ﴿والسابقون السابقون﴾ [ وقيل : الأصناف الثلاثة ](٣) المكذبون والمحسنون والسابقون. وقوله تعالى :﴿فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة﴾ ﴿وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أصحاب الميمنة من اليمن، وأصحاب المشأمة من الشؤم. والثاني :[ سمي هؤلاء ](٤) أصحاب الميمنة لأنهم أصحاب الطيبات، واليمين هي التي تستعمل في الطيبات [ وسمي ](٥) الكفرة أصحاب الشمال لأنهم أصحاب الخبائث، والشمال تستعمل في الخبائث. وعلى ذلك قوله :﴿فمن أوتي كتابه بيمينه﴾ [ الإسراء : ٧١ و. . . . ] لأن في كتبهم طيبات وخيرات، وفي كتب الكفر خبائث، فتؤتي بشمالهم. وقيل : سموا أصحاب الميمنة والمشأمة لما ذكر الله تعالى :﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ ﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [ الانشقاق : ٧و٨ ] وقوله :﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ [الانشقاق: ١٠]. فكذا فكل من أوتي كتابه بيمينه فهو [ من ](٦) أصحاب اليمن، ومن أوتي كتابه بشماله فهو [ من ](٧) أصحاب المشأمة. وكذا قوله تعالى :﴿والسابقون السابقون﴾ يحتمل وجهين أيضا : أحدهما : السابقون في الخيرات، يسبقون الناس في كل خير. والثاني : السابقون في الإجابة لله ورسوله في ما دعاهم إليه. ثم جائز أن يكون الخطاب به للناس كافة : الأولين والآخرين، فيكون الناس كلهم أصنافا ثلاثة : السابقون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال. وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة عامة ؛ ففيهم السابقون، وفيهم أصحاب اليمين ن وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها، وأصحاب الشمال، وهم الكفرة. ثم قوله تعالى :﴿فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة﴾ على التعجب لرسول ﷺ بما يكرمهم، أو على التعظيم لأولئك لعظم ما يعطيهم. وكذلك قوله تعالى :﴿وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة﴾ يخرج على هذين الوجهين : على التعجب والتعظيم لما يحل بهم / ٥٤٥_ أ/ وكذلك قوله تعالى :﴿والسابقون السابقون﴾ يخرج على هذا أيضا : فلان ما أمر فلان ؟ فيقال : فلان فلان على تعظيم أمره وشأنه. فعلى ذلك هذا. ثم في قوله تعالى :﴿و كنتم أزواجا ثلاثة﴾ يقول أصحابنا، رحمهم الله، في جعلهم الكفر كله ملة واحدة : لأنه جعل الله تعالى أهل الكفر على اختلاف مذاهبهم وأديانهم زوجا وأهل الإسلام زوجين حين جعل الكل أزواجا ثلاثة، والله أعلم. ١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: حيث. ٣ من م، ساقطة من الأصل.. ٤ في الأصل و م: سموا.. ٥ ساقطة من الأصل و م. ٦ ساقطة من الأصل و م. ٧ ساقطة من الأصل و م.

الواقعة 56:11

وجائز أن يكون الخطاب بهذه الآية لهذه الأمة: ففيهم السابقون، وفيهم أصحاب اليمين، وهم أصحاب النظر في الحجج والآيات والتأمل فيها وفيهم أصحاب الشمال، وهم الكفرة. وقوله تعالى: (فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) على التعجب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما يكرمهم، أو على التعظيم لأُولَئِكَ لعظم منزلتهم. وكذلك قوله: (وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) يخرج على هذين الوجهين: على التعجب والتعظيم لما يحل بهم. وقوله: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) يخرج على هذا أيضا: فلان ما أمر فلان، فيقال: فلان فلان؛ على تعظيم أمره وشأنه. ثم في قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً) دليل لقول أصحابنا - رحمهم اللَّه - في جعلهم الكفر كله ملة واحدة؛ لأنه جعل اللَّه تعالى الكفرة على اختلاف مذاهبهم وأديانهم زوجا، وأهل الإسلام زوجين، حيث جعل الكل أزواجا ثلاثة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) يحتمل أن يكون وصف القرب لهم لمسابقتهم في الخيرات في الدنيا. ويحتمل: أنهم مقربون في الآخرة والمنزلة، لسبقهم في الخيرات، أو: في الإجابة، والسبق فعلهم، والتقريب بلطف من اللَّه تعالى وفضل منه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) جميع الجنات نعيم؛ لأن فيها نعيما، وله أن يسمى واحدة منها: نعيما، والأخرى: عدنا، والفردوس والمأوى، يسمى ما شاء بما شاء وكيف شاء. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) اختلف في ذلك: قال بعضهم: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) ممن شهد رسول اللَّه، وقربوا منه، (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) ممن بعد من هذه الأمة من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بنفسه وإدراك زمانه، وقليل من المقربين من الآخرين، وهو ما ووي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم "، وعلى ذلك قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)، على ما يذكر، واللَّه أعلم. ومنهم من قال: (مِنَ الْأَوَّلِينَ)، أي: جماعة من المؤمنين الذين كانوا في الأمم

الواقعة 56:12

الآية ١٢ وقوله تعالى :﴿في جنات النعيم﴾ جميع الجنات نعيم، لأن فيها نعيما، وله أن يسمى واحدة منها نعيما والأخرى عدنا والفردوس والمأوى لما له أن يسمي ما شاء بما شاء وكيف شاء.

الواقعة 56:13

الآيتان ١٣ و ١٤ وقوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ اختلف في ذلك. قال بعضهم : أي ﴿ثلة من الأولين﴾ ممن شهد رسول الله ﷺ وقربوا منه ﴿وقليل من الآخرين﴾ ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله صلى الله عليه و سلم وصحبته وإدراك زمانه، ﴿وقليل﴾ من المقربين ﴿من الآخرين﴾ وهو ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :﴿خير الناس قرني ثم الذين يلونهم﴾ [ البخاري ٢٦٥٢ ] وعلى ذلك قوله تعالى :﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] على ما يذكر، والله أعلم. ومنهم من قال :﴿ثلة من الأولين﴾ أي جماعة من المؤمنين الذي كانوا في الأمم ﴿وقليل من الآخرين﴾ أي من هذه الأمة. و هكذا يكون لو اجتمع أهل الإيمان من هذه [ الأمة ](١) مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم. ويحتمل أيضا أن السابقين المقربين من الأمم الماضية أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة، لأن الأنبياء عليهم السلام كلهم من الأمم السالفة. وقال أهل التأويل لما نزل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ وجد أصحاب رسول الله ﷺ وجدا شديدا، وقالوا : لن يدخل الجنة منا إلا قليل، فنزل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ [ الآيتان : ٣٩ و٤٠ ] لكن هذا لا يحتمل لأنه خبر، ولا ورد(٢) في الأخبار نسخ، وما قالوه فهو نسخ، والوجه فيه ما ذكرنا. ويحتمل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين جميعا، أي جماعة كثيرة من الأولين وجماعة كثيرة من الآخرين. ثم يحتمل أن يكون الأولون والآخرون من هذه الأمة، ويحتمل أن يكون الأولون من الأمم الماضية والآخرون من هذه الأمة، وهم المؤمنون، وقوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ في المقربين خاصة، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل و م: يرد..

الواقعة 56:14

الآيتان ١٣ و ١٤ وقوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ اختلف في ذلك. قال بعضهم : أي ﴿ثلة من الأولين﴾ ممن شهد رسول الله ﷺ وقربوا منه ﴿وقليل من الآخرين﴾ ممن بعد من هذه الأمة من رسول الله صلى الله عليه و سلم وصحبته وإدراك زمانه، ﴿وقليل﴾ من المقربين ﴿من الآخرين﴾ وهو ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :﴿خير الناس قرني ثم الذين يلونهم﴾ [ البخاري ٢٦٥٢ ] وعلى ذلك قوله تعالى :﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ [الحديد: ١٠] على ما يذكر، والله أعلم. ومنهم من قال :﴿ثلة من الأولين﴾ أي جماعة من المؤمنين الذي كانوا في الأمم ﴿وقليل من الآخرين﴾ أي من هذه الأمة. و هكذا يكون لو اجتمع أهل الإيمان من هذه [ الأمة ](١) مع الأمم الماضية يكون هؤلاء أقل منهم. ويحتمل أيضا أن السابقين المقربين من الأمم الماضية أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة، لأن الأنبياء عليهم السلام كلهم من الأمم السالفة. وقال أهل التأويل لما نزل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ وجد أصحاب رسول الله ﷺ وجدا شديدا، وقالوا : لن يدخل الجنة منا إلا قليل، فنزل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ [ الآيتان : ٣٩ و٤٠ ] لكن هذا لا يحتمل لأنه خبر، ولا ورد(٢) في الأخبار نسخ، وما قالوه فهو نسخ، والوجه فيه ما ذكرنا. ويحتمل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين جميعا، أي جماعة كثيرة من الأولين وجماعة كثيرة من الآخرين. ثم يحتمل أن يكون الأولون والآخرون من هذه الأمة، ويحتمل أن يكون الأولون من الأمم الماضية والآخرون من هذه الأمة، وهم المؤمنون، وقوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وقليل من الآخرين﴾ في المقربين خاصة، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل و م: يرد..

الواقعة 56:15

الماضية، (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) أي: من هذه الأمة، وهكذا يكون عدد أهل الإيمان من هذه الأمة مع الأمم الماضية يكون هَؤُلَاءِ أقل منهم. ويحتمل - أيضا - أن السابقين المقربين من الأمم السابقة أكثر من السابقين المقربين من هذه الأمة؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كلهم من الأمم السالفة. وقال أهل التأويل لما نزلت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ)، وجد أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وجدا شديدا، وقالوا: لن يدخل الجنة منا إلا قليل؛ فنزل قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ). لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه خبر، ولا يرد في الأخبار نسخ، وما قالوه لا يصح، والوجه فيه ما ذكرنا. ويحتمل قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ)، هم أصحاب اليمين من الأولين والآخرين، وهم جماعة كثيرة من الأولين، وجماعة كثيرة من الآخرين في المقربين خاصة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) وقال في آية أخرى: (عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ)، والسرر قد تكون في الدنيا مصفوفة، ولكن لا تكون موضونة؛ أي: منسوجة؛ والوضن -هو النسج- لا يكون بين السرر في الآخرة انفصال ولا فروج، كما يكون في الدنيا، لكن موصولة بعضها ببعض. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا... (١٦) أي: على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة. وقوله: (مُتَقَابِلِينَ)، أي: يقابل بعضهم بعضا، ولا يرضون، ولا ينظر بعضهم إلى بعض باحتقار كما يجعل أهل المجالس في الدنيا يعرض بعضهم عن بعض ويحقر بعضهم بعضا يخبر أنهم يكونون في الآخرة خلاف ما في الدنيا، لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) فيه أنهم يعطون في الجنة ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش، وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم فيه. ثم ذكر أنهم ولدان، وإن لم يكن في الجنة ولاد؛ فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكونوا على هيئة الولدان وإن لم يولدوا.

الواقعة 56:16

الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿متكئين عليها﴾ أي على السرر التي ذكر أنها مصفوفة موضونة. وقوله تعالى :﴿متقابلين﴾ أي يقابل [ بعضهم بعضا ](١) ولا يعرضون، ولا ينظر بعضهم إلى بعض بالقفا كما يفعل أصحاب المجالس في الدنيا ؛ يعرض بعضهم عن بعض، ويحقر بعضهم بعضا ؛ يخبر أنهم يكونون(٢) في الآخرة خلاف ما في الدنيا بحيث لا يتأذى بعض من بعض بوجه ما. ١ في الأصل: بعضها، في م: بعضا. ٢ في الأصل و م: يكون..

الواقعة 56:17

الآية ١٧ وقوله تعالى :﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون﴾ أي(١)إنهم يعطون في الجنة على ما يستحبون في الدنيا من الشرف وطواف الولدان، وكذلك ما ذكر من السرر والفرش وغير ذلك من أنواع ما ترغب أنفسهم في الدنيا. ثم ذكر أنهم ولدان، وإن لم يكن في الجنة أولاد، فهو يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكونوا(٢) على هيئة الولدان، وإن لم يولدوا. [ و الثاني(٣) : سموا ولدانا لولادهم في الدنيا، وإن لم يولدوا ](٤) في الجنة لأن التوالد في الدنيا لحاجة البقاء، وأهل الجنة باقون. وقوله عز وجل :﴿مخلدون﴾ قال بعضهم : أي المقرطون، والخلد : القرط. وقال بعضهم : هو من الخلود كقوله تعالى :﴿خالدين فيها﴾ [ التوبة : ١٠٠ و. . . ] أي باقين(٥). ويقال : مسورون من السوار. ١ في الأصل و م: وفيه.. ٢ في الأصل و م: يكون.. ٣ في م: أو. ٤ من م، ساقطة من الأصل... ٥ في الأصل و م: باقون..

الواقعة 56:18

والثاني: سماهم: ولدانا؛ لولادهم في الدنيا وإن لم يولدوا في الجنة؛ لأن التوالد في الدنيا لحاجة البقاء وأهل الجنة باقون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُخَلَّدُونَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: المقرطون، والخَلَدَة: القرط، وجمعه: الخِلَدَة. قَالَ بَعْضُهُمْ: هو من الخلود، كقوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا)، أي: باقون. وقيل: مسورون من السوار. وقوله: (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) الأكواب: هي الكيزان المدورة الرءوس التي لا عرى لها، والأباريق التي لها عرى وخراطيم، وهم يسمون الأكواب: القداح التي يشربون بها؛ لأن في الدنيا يكون لأهل الشراب الأباريق والأقداح يصبون من الأباريق في القدح، ويشربون ولا يشربون من الأباريق، فعلى ذلك وعدوا في الجنة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ): الكأس: هو القدح المملوء من الشراب. وأما المعين: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو الظاهر من الماء، يقع عليه البصر، فوعد لأهل الجنة ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) قرئ بكسر الزاي ونصبه؛ أي: لا تصدع خمورهم في الجنة رءوسهم كما تصدع خمور الدنيا أهلها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُنْزِفُونَ) قيل: بكسر الزاي: لا ينفد شرابهم، وبالفتح: لا يسكرون؛ فيه أنه ليس في خمورهم الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، والصداع، والنفاد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) جميع فواكه الجنة مختارة، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن جميع فواكهها مما يتخيرون. والثاني: العرف في الفواكه أن تقدم من أجناس مختلفة وألوان، لا من لون واحد ونوع واحد، فيتخيرون من أي نوع اشتهوا أو شاءوا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) إن أهل الجنة إنما يتناولون ما يتناولون على الشهوة، لا على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ).

الواقعة 56:19

الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿لا يصدعون عنها ولا ينزفون﴾ قرئ بكسر الزاي ونصبه(١)، أي لا تصدع(٢) خمورهم في الجنة رؤوسهم في الجنة رؤوسهم كما تصدع خمور الدنيا أهلها. وقوله تعالى :﴿ولا ينزفون﴾ قيل : بكسر الزاي لا ينفذ شرابهم، وبالفتح : لا يسكرون ؛ أي(٣) إنه ليس في خمورهم الآفة التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل والصداع والنفاذ. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٦٤.. ٢ في الأصل و م: فيه يصدعون. ٣ في الأصل و م: فيه.

الواقعة 56:20

الآية ٢٠ وقوله تعالى :﴿وفاكهة مما يتخيرون﴾ جميع فواكه الجنة مختارة لكن يخرج على وجهين : أحدهما : أن جميع فواكهها مما يتخيرون. والثاني : العرف في الفواكه أن تقدم من أجناس مختلفة وألوان لا من لون واحد ونوع واحد، فيتخيرون من أي نوع اشتهوا، وشاؤوا.

الواقعة 56:21

الآية ٢١ وقوله تعالى :﴿ولحم طير مما يشتهون﴾ إن أهل الجنة إنما يتناولون على الشهوة [ لا ](١) على الحاجة وسد الجوع، وهو كما ذكر :﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ [الزخرف: ٧١]. ١ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:22

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) يحتمل تشبيه الحور العين باللؤلؤ وجهين: أحدهما: لما لا شيء أصفى من اللؤلؤ والياقوت، فضرب مثلهن بذلك؛ لصفائه وبياضه، وإلا ما خطر اللؤلؤ حتى يشبه الموعود في الجنة من الجواري به؟!. والثاني: أن للؤلؤ فضلا ومنزلة عند العرب، وليس الخطر لغيره من الأشياء، فيشبه ضرب مثلهن به لفضل خطر ذلك عندهم، ليس ذلك لغيره، وهو كقوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ)، ضرب مثل من يشرك باللَّه بالذي يخر من السماء، والشرك باللَّه أعظم مما ذكر، لكن ليس شيء أعظم وأبعد من الخر من فوق السماء السابعة؛ فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. وقوله: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) إن اللَّه تعالى ذكر للأعمال جزاء كأنهم عملوا له فضلا منه وكرما في حق عباده، وإن كانوا في الحقيقة عاملين لأنفسهم؛ كقوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ)، وكذلك ما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم، وما ذكر من الإقراض في قوله تعالى: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)، وإن كانت أنفسهم وأموالهم له، وإن كان عامَلَ عباده في أنفسهم وأموالهم كأنها ليست له، فضلا وكرما؛ فعلى ذلك ذكر لأعمالهم جزاء؛ كان منهم إلى اللَّه - تعالى - صنعا وإحسانا، وإن كانوا عاملين لأنفسهم ومنافع أعمالهم ترجع إليهم بفضله وكرمه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) هذا يرجع إلى وصف خمور أهل الجنة؛ أي: ليس فيها الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل، وقول اللغو، والهذيان، مثل ما يجري على ألسنتهم في الدنيا حين يشربون الخمور، وما يأثمون به، وذكر لهم هذه الخمور في الجنة؛ لأن قوما يرغبون فيها في الدنيا، فوعد لهم؛ ليرغبوا فيها فيطلبوها بالامتناع عن شربها في الدنيا من الخمور المحرمة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إلا كلاما فيه سلامة عن جميع الآفات التي ذكر. والثاني: (إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام؛ كقوله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ). * * * قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩)

الواقعة 56:23

الآيتان ٢٢ و ٢٣ وقوله تعالى :﴿وحور عين﴾ ﴿كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ يحتمل تشبيه الحور العين باللؤلؤ وجهين : أحدهما : لما لا شيء أصفى من اللؤلؤ والياقوت ؛ فضرب مثلهن بذلك لصفائه وبياضه، وإلا ما خطر(١) اللؤلؤ حتى يشبه الموعود من الجنة من الحور(٢) به ؟ والثاني : أن للؤلؤ [ فضلا ومنزلة ](٣) عند العرب، وليس الخطر لغيره من الأشياء، فيشبه ضرب مثلهن به لفضل خطر ذلك عندهم، ليس ذلك لغيره، وهو كقوله تعالى :﴿ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء﴾ [الحج: ٣١] ضرب مثل من يشرك بالله بالذي خرّ من السماء، والشرك بالله أعظم مما ذكر، لكن ليس شيء أعظم وأبعد من الخرّ من السماء السابعة(٤) فعلى ذلك الأول، والله أعلم. ١ في م: خص.. ٢ في الأصل و م. الحواري. ٣ في الأصل و م: فضل و منزلة.. ٤ في الأصل و م: السابع..

الواقعة 56:24

الآية ٢٤ وقوله تعالى :﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ إن الله تعالى ذكر للأعمال جزاء كأنهم عملوا له فضلا منهم(١) و كرما في حق عباده، وإن كانو في الحقيقة عاملين لأنفسهم كقوله تعالى :﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ [الإسراء: ٧] وكذلك ما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم وما ذكر من الإقراض بقوله تعالى :﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ [المزمل: ٢٠] وإن كانت أنفسهم وأموالهم له [ ومع أن الله ](٢) عامل على عباده في أنفسهم وأموالهم [ فكأنها ليست منه ](٣) فضلا وكرما. فعلى ذلك ذكر لأعمالهم جزاء كأنها(٤) منهم إلى الله تعالى [ صنعا وإحسانا. وحتى إن ](٥) كانوا عاملين [ لأنفسهم فمنافع ](٦) أعمالهم إليهم بفضله وكرمه، والله أعلم. ١ في الأصل و م: منه.. ٢ في الأصل و م: و إن كان.. ٣ في الأصل و م: كأنها ليست له.. ٤ في الأصل و م: كأن. ٥ في الأصل و م: صنع و إحسان و إن.. ٦ في الأصل: أنفسهم و منافع، في م: لأنفسهم و منافع..

الواقعة 56:25

الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما﴾هذا يرجع إلى وصف خمور أهل الجنة، أي ليس فيها الآفات التي تكون في خمور الدنيا من ذهاب العقل وقول اللغو والهذيان مثل ما يجري على ألسنتهم في الدنيا حين يشربون(١) الخمور وما يأثمون به. وذكر لهم هذه الخمور في الجنة لأن قوما يرغبون فيها، ويطلبونها بالامتناع عن شبهها في الدنيا من الخمور المحرمة، والله أعلم. ١ في الأصل و م: شربوا..

الواقعة 56:26

الآية ٢٦ وقوله تعالى :﴿إلا قيلا سلاما / ٥٤٥- ب/ سلاما﴾ يخرج على وجهين : أحدهما : أي إلا كلاما، فيه سلامة من جميع الآفات التي ذكر. والثاني :﴿إلا قيلا سلاما سلاما﴾ أي يحيي بعضهم بعضا بالسلام كقوله تعالى :﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ [يونس: ١٠]

الواقعة 56:27

وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) أصحاب اليمين هم المؤمنون على ما ذكرنا. ثم اختلف في ذكر شجر السدر لهم، وما ذكر من الطلح، وغير ذلك. فمنهم من قال: إنما ذكر هذا لهم لتفضيل المقربين على أصحاب اليمين؛ لأنه قال في المقربين: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ...)، إلى آخر ما ذكر من عظيم الكرامات التي ذكر لهم، ثم ذكر لأصحاب اليمين دون ذلك؛ ليعلم تفضيل المقربين على أصحاب اليمين. ومنهم من قال: إن قوما من العرب ينتفعون بذلك؛ لأن لها ثمرة، لكن ليست بمرغوبة، ولها شوك، فأخبر اللَّه تعالى أن لهم في الجنة ذلك بلا شوك ولا أذى؛ بل رغب فيه، وهو كما وعد لهم من الخمور، ثم نفى عن خمورها الآفات؛ فعلى ذلك جائز أن يكون شجر السدر فيها بغير آفات، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ)، منهم من قال: هو طلع منضود متراكم؛ كما ذكر في آية أخرى (طَلْعٌ نَضِيدٌ)، ذكر في إحدى الآيتين فعيل، وفي الأخرى مفعول، وذلك جائز في اللغة. وقيل: طلح: بالحاء: هو الموز. وذكر أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سمع قارئا يقرأ: (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ)، فقال علي - رضي اللَّه عنه -: ما شأن الطلح؟ إنما هو طلع؛ فقيل له: إن في المصحف (وَطَلْحٍ) أفلا نغيره؟ فقال: إن المصحف لا يغير اليوم؛ وهذا يؤيد التأويل. وقال أبو معاذ: الطلح في كلام العرب: شجر عظام، كثير الأغصان، واحدها: طلحة، وقال مخضود: أي: مقطوع الشوك؛ خلقت هنالك هكذا بلا شوك، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - في شجر الحرم: " لا يخضد شوكها، ولا يعضد شجرها ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) يصف أنه ليس فيها شمس يؤذي حرها، ولا برد يؤذي، بل ظل؛ لأن الظل شيء لطيف لا أذى فيه، ولا شيء يثقل على الأبدان؛ بل هو

الواقعة 56:28

الآيات ٢٧ – ٢٩ وقوله تعالى :﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ ﴿في سدر مخضود﴾ ﴿وطلح منضود﴾ أصحاب اليمين هم المؤمنون على ما ذكرنا. ثم اختلف في ذكر شجر السدر لهم وما ذكر من الطلح وغير ذلك. منهم من قال : إنما ذكر هذا لهم لتفضيل المقربين على أصحاب اليمين لأنه قال في المقربين :﴿والسابقون السابقون﴾ ﴿أولئك المقربون﴾ ﴿في جنات النعيم﴾[ الآيات : ١٠- ١٢ ] إلى آخر ما ذكر من عظم الكرامات التي ذكر لهم، ثم ذكر لأصحاب اليمين دون ذلك ليعلم تفضيل المقربين على أصحاب اليمين. ومنهم من قال : إن قوما من العرب ينتفعون بذلك لأن لها ثمرة، لكن ليست بمرغّبة، ولها شوك ؛ فأخبر الله تعالى : أن لهم في الجنة ذلك بلا شوك ولا أذى، بل رغب فيه، وهو كما وعد لهم من الخمور. ثم نفى(١) عن خمورها الآفات. فعلى ذلك جائز أن يكون شجر السدر فيها بغير آفات، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وطلح منضود﴾ منهم من قال : هو طلح منضود متراكم كما ذكر في آية أخرى :﴿لها طلع نضيد﴾ [ق: ١٠] ذكر في إحدى الآيتين فعيلا(٢) وفي الأخرى مفعولا(٣) وذلك جائز في اللغة. وقيل :﴿وطلح﴾ بالحاء : هو الموز، وذكر أن عليا رضي الله عنه سمع قارئا يقرأ :﴿وطلح منضود﴾ فقال علي رضي الله عنه : ما شأن الطلح ؟ إنما هو طلع، فقيل له : إن في المصحف :﴿وطلح﴾ أفلا نغيره ؟ فقال : إن المصحف لا يغير اليوم. وهذا يؤيد التأويل الأول. وقال أبو معاذ : الطلح في كلام العرب شجر عظام كثير الأغصان، واحدها طلحة، وقال :﴿مخضود﴾ أي مقطوع الشوك، خلق هنالك هكذا بلا شوك. ومنه قوله عليه السلام في شجر الحرم :( لا يخضد شوكها، ولا يعضد شجرها ) [ البخاري ١١٢ ]. ١ من م، في الأصل: نهى.. ٢ في الأصل و م: فعيل.. ٣ في الأصل و م: مفعول..

الواقعة 56:29

الآيات ٢٧ – ٢٩ وقوله تعالى :﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ ﴿في سدر مخضود﴾ ﴿وطلح منضود﴾ أصحاب اليمين هم المؤمنون على ما ذكرنا. ثم اختلف في ذكر شجر السدر لهم وما ذكر من الطلح وغير ذلك. منهم من قال : إنما ذكر هذا لهم لتفضيل المقربين على أصحاب اليمين لأنه قال في المقربين :﴿والسابقون السابقون﴾ ﴿أولئك المقربون﴾ ﴿في جنات النعيم﴾[ الآيات : ١٠- ١٢ ] إلى آخر ما ذكر من عظم الكرامات التي ذكر لهم، ثم ذكر لأصحاب اليمين دون ذلك ليعلم تفضيل المقربين على أصحاب اليمين. ومنهم من قال : إن قوما من العرب ينتفعون بذلك لأن لها ثمرة، لكن ليست بمرغّبة، ولها شوك ؛ فأخبر الله تعالى : أن لهم في الجنة ذلك بلا شوك ولا أذى، بل رغب فيه، وهو كما وعد لهم من الخمور. ثم نفى(١) عن خمورها الآفات. فعلى ذلك جائز أن يكون شجر السدر فيها بغير آفات، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وطلح منضود﴾ منهم من قال : هو طلح منضود متراكم كما ذكر في آية أخرى :﴿لها طلع نضيد﴾ [ق: ١٠] ذكر في إحدى الآيتين فعيلا(٢) وفي الأخرى مفعولا(٣) وذلك جائز في اللغة. وقيل :﴿وطلح﴾ بالحاء : هو الموز، وذكر أن عليا رضي الله عنه سمع قارئا يقرأ :﴿وطلح منضود﴾ فقال علي رضي الله عنه : ما شأن الطلح ؟ إنما هو طلع، فقيل له : إن في المصحف :﴿وطلح﴾ أفلا نغيره ؟ فقال : إن المصحف لا يغير اليوم. وهذا يؤيد التأويل الأول. وقال أبو معاذ : الطلح في كلام العرب شجر عظام كثير الأغصان، واحدها طلحة، وقال :﴿مخضود﴾ أي مقطوع الشوك، خلق هنالك هكذا بلا شوك. ومنه قوله عليه السلام في شجر الحرم :( لا يخضد شوكها، ولا يعضد شجرها ) [ البخاري ١١٢ ]. ١ من م، في الأصل: نهى.. ٢ في الأصل و م: فعيل.. ٣ في الأصل و م: مفعول..

الواقعة 56:30

الآية ٣٠ وقوله تعالى :﴿وظل ممدود﴾ يصفه(١) أنه ليس فيه(٢) شمس، يؤذي حرها، ولا برد، يؤذي. بل ظل لأن الظل شيء لطيف، لا أذى فيه، ولا [ هو شيء يثقل ](٣) على الأبدان، بل هو شيء يوافق البدن، ويخف عليه. وقيل :﴿ممدود﴾ لأنه لا شمس فيه(٤) فتنسخه وبالشمس يعرف الظل ههنا، وظل الآخرة ممدود أبدا. ١ في الأصل و م: يصف.. ٢ في الأصل و م: فيها.. ٣ في الأصل و م: شيء أثقل.. ٤ في الأصل و م: فيها..

الواقعة 56:31

شيء يوافق البدن، ويخف عليه. وقيل: ممدود؛ لأنه لا شمس فيها فتنسخه، وبالشمس يعرف الظل هاهنا، وظل الآخرة ممدود أبدا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) قيل: جار غير منقطع؛ وهو قول الْقُتَبِيّ. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: مصبوب. والأول كأنه أقرب؛ أي: جار أبدا، ليس كمياه الدنيا؛ إلا أن يراد بالانصباب صبه من الأعلى إلى الأسفل، وذلك مما رغب إليه في الدنيا. ثم قوله: (وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ) جائز أن يكون ذكر هذا لأصحاب اليمين، وما ذكر من قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)، وقوله: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ)؛ فيكون للمقربين قوله: (عَيْنًا يَشْرَبُ)، ولأصحاب اليمين (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ)، وكذلك ما ذكر من (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، للمقربين يكونون في العليين، وتكون الأنهار تحتهم، وما ينسكب وينصب من الأعلى لأصحاب اليمين؛ لأنهم يكونون دونهم في الدرجة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ... (٣٣) كانقطاع فواكه الدنيا، يخبر أنها لا تنقطع في الجنة في وقت من الأوقات، وأنها كلما قطعت مرة خرجت أخرى مكانها بهيئة الأكل من غير أن يحتاج فيه إلى وقت النضج كما في الدنيا تنقطع من وقت خروجها إلى وقت نضجها، وبعد النضج والإدراك تنقطع إلى وقت وجود حمل آخر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - ": (وَلَا مَمْنُوعَةٍ) أي: لا آفة بها تصير ممنوعة؛ كفواكه الدنيا، إذ هي ربما تمتنع بآفة تصيبها. وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأَبُو عَوْسَجَةَ: (لَا مَقْطُوعَةٍ) أي: لا تحبس، كما يمنع في الدنيا بعضهم من بعض. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) أي: مرفوعة القدر والمنزلة، أو مرفوعة بنفسها في القيامة، وهو ما ذكرنا في قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا)، وقيل: (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) مرفوعة النساء، يقال: امرأه فريش ونساء فرش. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) قال: الأصم وغيره: إن هذا صلة قوله: (وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)، كأنه قال على أثره. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: إنه لما ذكر على إثر قوله: (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ): (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ) دل أن الفرش

الواقعة 56:32

الآيتان ٣٢ و ٣٣ وقوله تعالى :﴿وفاكهة كثيرة﴾ ﴿لا مقطوعة﴾ كانقطاع فواكه الدنيا ؛ يخبر أنها لا تنقطع في الجنة في وقت من الأوقات وأنها كلما قطعت مرة خرجت أخرى مكانها مهيئة للأكل من غير أن يحتاج فيه إلى وقت للنضج كما في الدنيا تنقطع من وقت خروجها إلى وقت نضجها، وبعد النضج والإدراك تنقطع إلى وقت وجود حمل آخر. وقوله تعالى :﴿ولا ممنوعة﴾ أي لا آفة بها فتصير(١) ممنوعة كفواكه الدنيا ؛ إذ هي تمنع بآفة تصيبها. وقال القتبي وأبو عوسجة :﴿لا مقطوعة﴾أي لا تحبس كما يمنع في الدنيا بعض من بعض. ١ الفاء ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:33

الآيتان ٣٢ و ٣٣ وقوله تعالى :﴿وفاكهة كثيرة﴾ ﴿لا مقطوعة﴾ كانقطاع فواكه الدنيا ؛ يخبر أنها لا تنقطع في الجنة في وقت من الأوقات وأنها كلما قطعت مرة خرجت أخرى مكانها مهيئة للأكل من غير أن يحتاج فيه إلى وقت للنضج كما في الدنيا تنقطع من وقت خروجها إلى وقت نضجها، وبعد النضج والإدراك تنقطع إلى وقت وجود حمل آخر. وقوله تعالى :﴿ولا ممنوعة﴾ أي لا آفة بها فتصير(١) ممنوعة كفواكه الدنيا ؛ إذ هي تمنع بآفة تصيبها. وقال القتبي وأبو عوسجة :﴿لا مقطوعة﴾أي لا تحبس كما يمنع في الدنيا بعض من بعض. ١ الفاء ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:34

الآية ٣٤ وقوله تعالى :﴿وفرش مرفوعة﴾ أي مرفوعة القدر والمنزلة، أو مرفوعة بنفسها في القيامة، وهو ما ذكرنا في قوله تعالى :﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ [الرحمن: ٧]. وقيل :﴿وفرش مرفوعة﴾ النساء : يقال : امرأة فريش، ونساء فرش.

الواقعة 56:35

الآية ٣٥ وقوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ قال الأصم وغيره : إن هذا صلة قوله :﴿وحور عين﴾ ﴿كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ [ الآيتان : ٢٢ و٢٣ ] كأنه قاله(١) على إثره وقال القتبي : إنه لما ذكر على إثر قوله تعالى :﴿وفرش مرفوعة﴾ ﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ دل أن الفرش كناية عن الأزواج ؛ إذ هن اللواتي(٢) تفرش، وواحدة الفرش فريش. وقيل : قد استفرشت الناقة إذا اشتهت الجمل. والأشبه أن يكون هذا على صلة ﴿وحور عين﴾ ﴿كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾ إذ ذكر قوله(٣) :﴿وحور عين﴾ على [ إثر ذكر ](٤) المجالس والزوجات، فلا(٥) معنى لذكرهن في هذا الموضع. وقوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ أي أنشأناهن في الابتداء على هيئة الإستمتاع، ليس كنساء الدنيا، وهو كما ذكرنا في قوله في صفة الفواكه أنها غير مقطوعة ولا ممنوعة، أي أنها تخرج أول ما تخرج [ مهيئة للأكل ](٦) لا كثمار الدنيا. ١ في الأصل و م: قال.. ٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: اللؤلؤ.. ٣ أدرج قبلها في الأصل و م: في. ٤ في الأصل و م: ذكر إثر.. ٥ الفاء ساقطة من الأصل و م.. ٦ في الأصل و م: على هيئة الأكل..

الواقعة 56:36

كناية عن الأزواج؛ إذ هن اللؤلؤ يفرش وواحدة الفرش: فريش. وقيل: قد استفرشت الناقة إذا اشتهت العمل. والأشبه أن يكون هذا على صلة (وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)، ؛ إذ ذكر في قوله (وَحُورٌ عِينٌ) على أثر ذكر أثر المجالس والزوجات لا معنى لذكرهن في هذا الموضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً) أي: أنشأناهن في الابتداء على هيئة الاستمتاع ليس كنساء الدنيا، وهو كما ذكرنا في قوله في صفة الفواكه: إنها غير مقطوعة ولا ممنوعة؛ أي: إنها تخرج أول ما تخرج على هيئة الأكل، لا كثمار الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) قيل: أي: خلقناهن كذلك، ويكن أبدا كذلك، كلما ذهبت عذريتهن عادت؛ فيكن أبدا على تلك اللذة؛ لأنهن أنشئن هكذا، واللَّه أعلم. وقال عامة أهل التأويل في قوله تعالى: (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا) أي: خلقنا نساء الدنيا من الثيبات والأبكار خلقا جديدا سوى الخلق الذي كان في الدنيا، (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا)، وكن في الدنيا عجائز وثيبات، وروي على ذلك خبر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إن ثبت - أنه قال في قوله: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً): " الثيب والبكر ". وفي بعض الأخبار قال: " إن العجوز لا تدخل الجنة ". ثم قوله: (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا. عُرُبًا أَتْرَابًا) من قال: هو صلة قوله: (وَحُورٌ عِينٌ)، هو لسِنِّ نساء الدنيا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عُرْبًا أَتْرَابًا) بجزم الراء مخففة ومضمومة. وقال أبو عبيد: تقرؤها بالضم لوجهين. أحدهما: التفخيم. والثاني: أنها أقيس في العربية؛ لأن واحدها: عروب، مثل: صبور وصبر، وشكور وشكر وأما الوجه الآخر التخفيف. وقيل في تأويل: (عُرُبًا): عاشقات لأزواجهن.

الواقعة 56:37

الآيات ٣٦ – ٤٠ وقوله تعالى :﴿فجعلناهن أبكارا﴾﴿عربا أترابا﴾[ ﴿لأصحاب اليمين﴾ ﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾ ](١) قيل : أي خلقناهن كذلك، ويكن أبدا كذلك كلما ذهبت عذرتهن عادت، فيكن أبدا على تلك اللذة لأنهن أنشئن(٢) هكذا، والله أعلم. وقال عامة أهل التأويل في قوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ أي جعلنا(٣) نساء الدنيا من الثيبات والأبكار[ وخلقنا نساء الجنة ](٤) خلقا جديدا سوى الخلق الذي كان في الدنيا ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ وكن في الدنيا عجائز وثيبات. وروي على ذلك خبر عن النبي ﷺ إن ثبت، أنه قال في قوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ ﴿الثيب والبكر﴾ [ الطبري في تفسيره٢٧/١٨٥ ]. وفي بعض الأخبار [ أنه ](٥) قال :﴿إن العجوز لا تدخل الجنة﴾[ المرتضي الزبيدي في الاتحاف ٧/٤٩٩ ] في(٦) قوله :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾. ومن قال : هو صلة قوله :﴿وحور عين﴾ فهن(٧) لسن كنساء الدنيا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿عربا أترابا﴾ بجزم الراء مخففة [ وضمها. وكان ](٨) أبو عبيد يقرؤها بالضم لوجهين : أحدهما : التفخيم، على(٩) أنها أقيس في العربية لأن واحدتها(١٠) عروب، وهو مثل صبور وصبر وشكور وشكر. وأما الوجه الأخر التخفيف فقيل في تأويله : عربا عاشقات لأزواجهن. وقال أبو عوسجة : العروب المرحة، وقال القتبي : هي المتحبّبة إلى زوجها، وقيل : الغنجات إلى أزواجهن. وقيل : إن أهل مكة يسمونها العربة، وأهل المدينة غنجة، و أهل العراق الشكلة. وقال سعيد بن جبير :﴿عربا﴾ ضبعات، والضبعات هي التي تعرض للزوج من الشهوة، ويقال للناقة إذا اشتهت الضراب : ضبعة. وقوله تعالى :﴿أترابا﴾ أي مستويات الأسنان. وقال القتبي : الترب واللّدة واحدة، وهو بالفارسية همراه. وأصله أنهن استسننّ بلا ولاد يتقدم، ويتأخر، كما كن يتفاضلن في الأسنان، فصرن في الآخرة أترابا ثم قال تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾ قد ذكرنا تأويله أنه يخرج على الوجهين. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه [ عن النبي ](١١) ﷺ أنه قال :﴿هما جميعا من أمتي﴾ [ الطبري في تفسيره٢٧/١٩١ ] وكذلك تأويل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: امسين.. ٣ في الأصل و م: خلقنا.. ٤ ساقطة من الأصل و م.. ٥ في الأصل و م: ثم.. ٦ في الأصل و م: ثم.. ٧ في الأصل و م: هو. ٨ في الأصل و م: و مضمومة وقال، انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٦٧. ٩ في الأصل و م: والثاني.. ١٠ في الأصل و م: واحدها.. ١١ من م، ساقطة من الأصل...

الواقعة 56:38

الآيات ٣٦ – ٤٠ وقوله تعالى :﴿فجعلناهن أبكارا﴾﴿عربا أترابا﴾[ ﴿لأصحاب اليمين﴾ ﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾ ](١) قيل : أي خلقناهن كذلك، ويكن أبدا كذلك كلما ذهبت عذرتهن عادت، فيكن أبدا على تلك اللذة لأنهن أنشئن(٢) هكذا، والله أعلم. وقال عامة أهل التأويل في قوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ أي جعلنا(٣) نساء الدنيا من الثيبات والأبكار[ وخلقنا نساء الجنة ](٤) خلقا جديدا سوى الخلق الذي كان في الدنيا ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ وكن في الدنيا عجائز وثيبات. وروي على ذلك خبر عن النبي ﷺ إن ثبت، أنه قال في قوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ ﴿الثيب والبكر﴾ [ الطبري في تفسيره٢٧/١٨٥ ]. وفي بعض الأخبار [ أنه ](٥) قال :﴿إن العجوز لا تدخل الجنة﴾[ المرتضي الزبيدي في الاتحاف ٧/٤٩٩ ] في(٦) قوله :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾. ومن قال : هو صلة قوله :﴿وحور عين﴾ فهن(٧) لسن كنساء الدنيا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿عربا أترابا﴾ بجزم الراء مخففة [ وضمها. وكان ](٨) أبو عبيد يقرؤها بالضم لوجهين : أحدهما : التفخيم، على(٩) أنها أقيس في العربية لأن واحدتها(١٠) عروب، وهو مثل صبور وصبر وشكور وشكر. وأما الوجه الأخر التخفيف فقيل في تأويله : عربا عاشقات لأزواجهن. وقال أبو عوسجة : العروب المرحة، وقال القتبي : هي المتحبّبة إلى زوجها، وقيل : الغنجات إلى أزواجهن. وقيل : إن أهل مكة يسمونها العربة، وأهل المدينة غنجة، و أهل العراق الشكلة. وقال سعيد بن جبير :﴿عربا﴾ ضبعات، والضبعات هي التي تعرض للزوج من الشهوة، ويقال للناقة إذا اشتهت الضراب : ضبعة. وقوله تعالى :﴿أترابا﴾ أي مستويات الأسنان. وقال القتبي : الترب واللّدة واحدة، وهو بالفارسية همراه. وأصله أنهن استسننّ بلا ولاد يتقدم، ويتأخر، كما كن يتفاضلن في الأسنان، فصرن في الآخرة أترابا ثم قال تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾ قد ذكرنا تأويله أنه يخرج على الوجهين. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه [ عن النبي ](١١) ﷺ أنه قال :﴿هما جميعا من أمتي﴾ [ الطبري في تفسيره٢٧/١٩١ ] وكذلك تأويل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: امسين.. ٣ في الأصل و م: خلقنا.. ٤ ساقطة من الأصل و م.. ٥ في الأصل و م: ثم.. ٦ في الأصل و م: ثم.. ٧ في الأصل و م: هو. ٨ في الأصل و م: و مضمومة وقال، انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٦٧. ٩ في الأصل و م: والثاني.. ١٠ في الأصل و م: واحدها.. ١١ من م، ساقطة من الأصل...

الواقعة 56:39

الآيات ٣٦ – ٤٠ وقوله تعالى :﴿فجعلناهن أبكارا﴾﴿عربا أترابا﴾[ ﴿لأصحاب اليمين﴾ ﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾ ](١) قيل : أي خلقناهن كذلك، ويكن أبدا كذلك كلما ذهبت عذرتهن عادت، فيكن أبدا على تلك اللذة لأنهن أنشئن(٢) هكذا، والله أعلم. وقال عامة أهل التأويل في قوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ أي جعلنا(٣) نساء الدنيا من الثيبات والأبكار[ وخلقنا نساء الجنة ](٤) خلقا جديدا سوى الخلق الذي كان في الدنيا ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ وكن في الدنيا عجائز وثيبات. وروي على ذلك خبر عن النبي ﷺ إن ثبت، أنه قال في قوله تعالى :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾ ﴿الثيب والبكر﴾ [ الطبري في تفسيره٢٧/١٨٥ ]. وفي بعض الأخبار [ أنه ](٥) قال :﴿إن العجوز لا تدخل الجنة﴾[ المرتضي الزبيدي في الاتحاف ٧/٤٩٩ ] في(٦) قوله :﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾ ﴿فجعلناهن أبكارا﴾. ومن قال : هو صلة قوله :﴿وحور عين﴾ فهن(٧) لسن كنساء الدنيا، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿عربا أترابا﴾ بجزم الراء مخففة [ وضمها. وكان ](٨) أبو عبيد يقرؤها بالضم لوجهين : أحدهما : التفخيم، على(٩) أنها أقيس في العربية لأن واحدتها(١٠) عروب، وهو مثل صبور وصبر وشكور وشكر. وأما الوجه الأخر التخفيف فقيل في تأويله : عربا عاشقات لأزواجهن. وقال أبو عوسجة : العروب المرحة، وقال القتبي : هي المتحبّبة إلى زوجها، وقيل : الغنجات إلى أزواجهن. وقيل : إن أهل مكة يسمونها العربة، وأهل المدينة غنجة، و أهل العراق الشكلة. وقال سعيد بن جبير :﴿عربا﴾ ضبعات، والضبعات هي التي تعرض للزوج من الشهوة، ويقال للناقة إذا اشتهت الضراب : ضبعة. وقوله تعالى :﴿أترابا﴾ أي مستويات الأسنان. وقال القتبي : الترب واللّدة واحدة، وهو بالفارسية همراه. وأصله أنهن استسننّ بلا ولاد يتقدم، ويتأخر، كما كن يتفاضلن في الأسنان، فصرن في الآخرة أترابا ثم قال تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾ قد ذكرنا تأويله أنه يخرج على الوجهين. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه [ عن النبي ](١١) ﷺ أنه قال :﴿هما جميعا من أمتي﴾ [ الطبري في تفسيره٢٧/١٩١ ] وكذلك تأويل قوله تعالى :﴿ثلة من الأولين﴾ ﴿وثلة من الآخرين﴾. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: امسين.. ٣ في الأصل و م: خلقنا.. ٤ ساقطة من الأصل و م.. ٥ في الأصل و م: ثم.. ٦ في الأصل و م: ثم.. ٧ في الأصل و م: هو. ٨ في الأصل و م: و مضمومة وقال، انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٦٧. ٩ في الأصل و م: والثاني.. ١٠ في الأصل و م: واحدها.. ١١ من م، ساقطة من الأصل...

الواقعة 56:40

وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: العروب: المراحة. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: هي المتحببة إلى زوجها. وقيل: الغنجات لأزواجهن. وقيل: إن أهل مكة يسمونها: العربة، وأهل المدينة الغنجة، وأهل العراق: الشكلة. وقال سعيد بن جبير: عربا: ضبعات، والضبعات: هي التي تعرض للزوج من الشهوة، ويقال للناقة إذا اشتهت الضراب: ضبعة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتْرَابًا)، أي: مستويات الأسنان. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الترب واللدة واحد، وهو بالفارسية: همزاد. وأصله: أنهن أنشئن بلا ولاد يتقدم ويتأخر كما يكون في الدنيا يتفاضلن في الأسنان؛ فصرن في الآخرة أترابا. ثم قال: (وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) قد ذكرنا تأويله: أنه يخرج على الوجهين: وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " هما جميعا من أمتي "، وكذلك تأويل قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ). * * * قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ)، وذكر في أصحاب اليمين مثله من التعجب، وأخبر عما يكرمهم ويعطيهم من أنواع النعم، وذكر أصحاب الشمال، وذكر على إثره ما أعد لهم من العذاب والهوان بقوله: (سَمُومٍ وَحَمِيمٍ...) الآية، ثم ذكر في أول السورة أصحاب الميمنة والمشأمة، ولم يذكر لهم الثواب ولا العذاب؛ وذلك - والله أعلم - لأن في ذكر الميمنة والمشأمة دلالة ما لهم؛ لأن الميمنة من اليمن، والمشأمة من

الواقعة 56:41

الآية ٤١ وقوله تعالى :﴿وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال﴾ ذكر في أصحاب اليمين ما ذكر من التعجب، وأخبر عما يكرمهم، ويعطيهم من أنواع النعم، وذكر أصحاب الشمال، وذكر على إثره ما أوعد لهم من العذاب بقوله :﴿في سموم وحميم﴾ الآيات(١). ثم ذكر في أول السورة أصحاب الميمنة والمشأمة، ولم يذكر لهم الثواب ولا العذاب ؛ وذلك، والله أعلم، لأن في ذكر الميمنة والمشأمة دلالة ما لهم، لأن الميمنة من اليمن، والمشأمة من الشؤم. ففي ذكر ذلك بيان [ ما ](٢) لهم من الكرامات وما لأولئك من العقوبات. وليس / ٥٤٦- أ/ في ذكر اليمين والشمال بيان العقاب، فذكر على إثر ذلك ليعرف ما لكل فريق من الجزاء، والله أعلم. ١ في الأصل و م: الآية.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:42

الشؤم، ففي ذكر ذلك بيان ما لهم من الكرامات، وما لأُولَئِكَ من العقوبات، وليس في ذكر اليمين والشمال بيان العقاب؛ فذكر على أثر ذلك؛ ليعرف ما لكل فريق من الجزاء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) قيل: السموم: هو فيح جهنم، والحميم: هو الذي قد انتهى حره غايته. وقيل: السموم: هو حر النار. وقيل: هو ريح باردة. وقيل: ريح حارة. وأصله: أنه لما أصابهم السموم، اشتد بهم العطش، فعند ذلك يشربون الحميم؛ رجاء أن يسكن به عطشهم، ويذهب ذلك عنهم، فلا يزداد لهم بذلك إلا شدة عطش على ما كان، واللَّه أعلم. وقوله: (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) قيل: هو دخان أسود. وقَالَ بَعْضُهُمْ: اليحموم: هو من الحميم. وقال أبو بكر: أي: ظل من بخار يجعل اليحموم بخارا. ثم الظل الذي ذكر هاهنا يحتمل أن يكون هو الظل الذي ذكر في قوله: (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ)، وقوله: لهم ظلل من النار. وقيل: هو السرادق من النار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) (لَا بَارِدٍ)؛ لأنه من النار (وَلَا كَرِيمٍ)؛ لأنه لهوانهم ليس للكرامة. وقال الحسن وقتادة: (لَا بَارِدٍ) المنزل، (وَلَا كَرِيمٍ) المنظر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) أي: هذا الجزاء لهم؛ لأنهم كانوا يقولون في الدنيا: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، وإنما قال ذلك مترفوهم دون السفلة والأتباع؛ لقوله تعالى: (إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَكَانُوا

الواقعة 56:43

الآية ٤٣ وقوله تعالى :﴿وظل من يحموم﴾ قيل : هو دخان أسود، وقال بعضهم : اليحموم هو من الحميم، وقال أبو بكر : أي ظل من بخار، يجعل اليحموم بخارا. ثم الظل الذي ذكر ههنا يحتمل أن يكون هو الظل الذي ذكر في قوله :﴿انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب﴾ [المرسلات: ٣٠] وقوله :﴿ظلل من النار﴾ [الزمر: ١٦] وقيل : هو السرادق من النار.

الواقعة 56:44

الآية ٤٤ وقوله تعالى :﴿لا بارد ولا كريم﴾ ﴿لا بارد﴾ لأنه من النار ﴿ولا كريم﴾ لأنه لهوانهم ليس للكرامة. وقال الحسن وقتادة : لا بارد المنزل ولا كريم المنظر.

الواقعة 56:45

الآية ٤٥ وقوله تعالى :﴿إنهم كانوا قبل ذلك مترفين﴾ أي هذا الجزاء لهم لأنهم كانوا يقولون في الدنيا :﴿نحن أكثر أموالا وأولادا﴾ [سبأ: ٣٥] وإنما قال ذلك مترفوهم دون السفلة والأتباع [ لرسله عليهم السلام ](١) ﴿إنا بما أرسلتم به كافرون﴾ [سبأ: ٣٤]. ١ في الأصل و م: لقوله تعالى..

الواقعة 56:46

الآية ٤٦ وقوله تعالى :﴿وكانوا يصرون على الحنث العظيم﴾ اختلفوا فيه. قال بعضهم :﴿وكانوا يصرون على الحنث العظيم﴾ أي على الإثم العظيم، وهو الشرك. وقيل : الحنث العظيم :[ الحنث هو الكبائر، والعظيم هو الإصرار والإدامة ](١). وقال بعضهم : يصرون على أنفسهم : يقسمون، ويحنثون فيه كقوله تعالى :﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ [النحل: ٣٨] أقسموا أنهم لا يبعثون، فحنثوا في ذلك، لأنه تعالى أخبر أنهم يبعثون حين(٢) قال :﴿بلى وعدا عليه حقا﴾ [النحل: ٣٨]. ويحتمل أن يكون قسمهم ما ذكر :﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقوله :﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم ندير ليكونن أهدى من إحدى الأمم﴾ [فاطر: ٤٢] وقد جاءهم الندير، فلم يكونوا أهدى، وجاءتهم الآيات، فلم يؤمنوا بها، فحنثوا فيها. فإن كان قسمهم بأنهم لا يبعثون حنثوا حين فراغهم من اليمين لأنهم أيسوا من ذلك وفيه دلالة صحة مذهب أصحابنا : إن من حلف يلمس السماء فإنه(٣) يحنث عند فراغه من اليمين. ١ في الأصل و م: الكبائر و الإصرار هو الإدامة. ٢ في الأصل و م: حيث.. ٣ في الأصل و م: أنه..

الواقعة 56:47

يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ)، أي: على الإثم العظيم، وهو الشرك. وقيل: الحنث العظيم: الكبائر، والإصرار: هو الإدامة عليها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يصرون على أنهم يقسمون ويحنثون فيه؛ كقوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)، أقسموا: أنهم لا يبعثون، فحنثوا في ذلك؛ لأنه تعالى أخبر أنهم يبعثون؛ حيث قال: (بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا). ويحتمل أن يكون قسمهم ما ذكر: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا)، وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ)، وقد جاءهم النذير، فلم يكونوا أهدى، وجاءتهم الآيات، فلم يؤمنوا بها، فحنثوا فيها، فإن كان قسمهم بأنهم لا يبعثون حنثوا حين فراغهم من اليمين؛ لأنهم أيسوا عن ذلك. وفيه دلالة لصحة مذهب أصحاينا: أن من حلف: للمس السماء، أنه يحنث عند فراغه من اليمين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قالوا هذا على الاستهزاء والاستبعاد للبعث؛ ألا ترى أنه أجابهم، فقال: (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠). ثم قوله: (إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ) يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يجمع الأولين والآخرين في التخليق؛ أي: جمع بين الأولين والآخرين في التخليق؛ حيث خلق الآخرين على إثر الأولين، وإلا لم يكونوا وقتما قال: (لَمَجْمُوعُونَ)؛ إذ الآخرون لم يكونوا مخلوقين بعد. والثاني: مجموعون في الأرض، أي: في القبور (إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) بآيات اللَّه الدالة على توحيده، ورسله، والبعث. وقوله: (لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) أخبر أن المكذبين يكونون آكلين من شجر الزقوم؛ فيكون كما أخبر. ثم شجرة الزقوم: هي التي ذكر (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)، وقد ذكرنا تأويله في موضعه. وقوله: (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) يخبر أن ليس لهم مما يأكلون ويشربون إلا امتلاء

الواقعة 56:48

الآية ٤٧ و ٤٨ وقوله تعالى :﴿وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون﴾ ﴿أو آباؤنا الأولون﴾ قالوا هذا على الاستهزاء والاستبعاد للبعث.

الواقعة 56:49

الآيتان ٤٩ و ٥٠ ألا ترى أنه أجابهم، فقال :﴿قل إن الأولين والآخرين﴾ ﴿لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ ؟ ثم قوله تعالى :﴿إن الأولين والآخرين﴾ يخرج على وجهين : أحدهما : أي يجمع الأولين والآخرين في التخليق، أي جمع بين الأولين والآخرين في التخليق حين(١) خلق الآخرين على إثر الأولين، وإلا لم يكونوا مخلوقين بعد. والثاني :﴿لمجموعون﴾ في الأرض أي في القبور ﴿إلى ميقات يوم معلوم﴾ ١ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:50

الآيتان ٤٩ و ٥٠ ألا ترى أنه أجابهم، فقال :﴿قل إن الأولين والآخرين﴾ ﴿لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم﴾ ؟ ثم قوله تعالى :﴿إن الأولين والآخرين﴾ يخرج على وجهين : أحدهما : أي يجمع الأولين والآخرين في التخليق، أي جمع بين الأولين والآخرين في التخليق حين(١) خلق الآخرين على إثر الأولين، وإلا لم يكونوا مخلوقين بعد. والثاني :﴿لمجموعون﴾ في الأرض أي في القبور ﴿إلى ميقات يوم معلوم﴾ ١ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:51

الآية ٥١ وقوله تعالى :﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون﴾ بآيات الله الدالة على توحيده ورسله والبعث.

الواقعة 56:52

الآية ٥٢ وقوله تعالى :﴿لآكلون من شجر من زقوم﴾ أخبر أن المكذبين يكونون آكلين من الشجر الزقوم، فيكون كما أخبر. ثم شجرة الزقوم هي التي ذكر أنها ﴿تخرج في أصل الجحيم﴾ ﴿طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ [ الصافات : ٦٤ و ٦٥ ]. وقد ذكرنا تأويله في موضعه.

الواقعة 56:53

الآية ٥٣ وقوله تعالى :﴿فمالئون منها البطون﴾ يخبر أن ليس لهم مما يأكلون، ويشربون إلا امتلاء البطون ؛ لا يدفع عنهم ما يأكلون من الزقوم وغيره الجوع وما يشربون من الحميم العطش عنهم [ بل ](١) يزداد لهم بذلك [ جوع وعطش ](٢) على ما كان، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: جوعا و عطشا..

الواقعة 56:54

البطون، لا يدفع عنهم ما يأكلون من الزقوم وغيره الجوع، ولا ما يشربون من الحميم العطش عنهم، بل يزداد لهم بذلك جوع وعطش على ما كان، واللَّه أعلم. وقوله: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) قيل: الهيم: هو إبل يأخذه الداء، فيشرب حتى يملأ البطن، فلا يروى أبدا؛ للداء الذي فيه؛ فعلى ذلك أهل النار يشربون ويأكلون حتى تمتليء بطونهم، فلا يروون ولا يشبعون، واللَّه أعلم. وقيل: الهيم: الإبل الذي يهيم في الأرض ولا يرد الماء أياما، ثم إذا ورد الماء فيشرب، فتمتلئ بطنه حتى يهلك؛ لامتلاء البطن؛ وهو قول الأصم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) أي: الذي ذكر غذاؤهم ورزقهم يوم الدِّين. * * * قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - واللَّه أعلم -: لما صدقتموني ورسلي بأنا خلقناكم في الابتداء، فهلا صدقتمونا ورسلنا بأنا نعيدكم تارة أخرى؛ إذ الأعجوبة في ابتداء الأشياء أكثر منها في الإعادة، وهو ما قال: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ). والثاني: إنكم صدقتموه ورسله: أنه أنشأكم في بطون أمهاتكم في الظلمات الثلاث، ونقلكم من حال إلى حال، لا يحتمل أن يترككم سدى بلا عاقبة؛ فيكون فيه إثبات البعث؛ إذ لولا ذلك لكان خلقهم وتحويلهم من حال إلى حال عبثا؛ كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون، ولا خلقوا أنفسهم، فيقول - واللَّه أعلم -: قد أقررتم أنكم لم تخلقوا

الواقعة 56:55

الآيتان ٥٤ و ٥٥ : وقوله تعالى :﴿فشاربون عليه من الحميم﴾ ﴿فشاربون شرب الهيم﴾ قيل : الهيم هو إبل يأخذ الداء، يشرب، حتى يملأ البطن، فلا يروى أبدا للداء الذي فيه. فعلى ذلك أهل النار يشربون، ويأكلون، حتى تمتلئ بطونهم، فلا يروون، ولا يشبعون، والله أعلم وقيل : الهيم الإبل الذي يهيم في الأرض، ولا يرد الماء أياما، ثم إذا أورد الماء يشرب، فيمتلئ بطنه حتى يهلك لامتلاء البطن، وهو قول الأصم.

الواقعة 56:56

الآية ٥٦ وقوله تعالى :﴿هذا نزلهم يوم الدين﴾ أي الذين ذكر [ هذا ](١) غذاؤهم ورزقهم يوم الدين. ١ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:57

الآية ٥٧ وقوله تعالى :﴿نحن خلقناكم فلولا تصدقون﴾ هذا يخرج على وجهين : أحدهما : يقول لما صدقتموني ورسلي بأنا خلقناكم في الابتداء، فهلا صدقتمونا ورسلنا بأنا نعيدكم تارة أخرى ؟ إذ الأعجوبة في ابتداء الأشياء أكثر منها في الإعادة، وهو ما قال :﴿وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]. والثاني : إنكم صدّقتموه ورسله أنه أنشأكم في بطون أمهاتكم في الظلمات الثلاث، ونقلكم من حال إلى حال، لا يحتمل أن يترككم سدى بلا عاقبة، فيكون فيه إثبات البعث ؛ إذ لولا ذلك لكان خلقهم وتحويلهم من حال إلى حال عبثا كما قال تعالى :﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ [المؤمنون: ١١٥] والله أعلم.

الواقعة 56:58

الآيتان ٥٨ و ٥٩ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ ﴿أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون، ولا خلقوا أنفسهم فيقول، والله أعلم : قد أقررتم أنكم لم تخلقوا [ ماء منيتكم ](١) ولا تملكون ذلك ؛ فقد عرفتم أن الله، هو خالقكم وخالق ذلك كله، وهو المالك لذلك. فإذا عرفتم ذلك، وأنتم أهل تمييز وأكمل عقلا من غيركم، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم فالذين هم دونكم أحق [ ألا يملكوا خلق أنفسهم(٢) ](٣) وخلق ما ذكر، ثبت أن الله تعالى هو خالق ذلك كله، فكيف عبدتم غيره، وصرفتم الألوهية إلى غيره ؟. ١ في الأصل و م: ما أمنيتهم.. ٢ في م: أنفسكم.. ٣ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:59

الآيتان ٥٨ و ٥٩ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ ﴿أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون، ولا خلقوا أنفسهم فيقول، والله أعلم : قد أقررتم أنكم لم تخلقوا [ ماء منيتكم ](١) ولا تملكون ذلك ؛ فقد عرفتم أن الله، هو خالقكم وخالق ذلك كله، وهو المالك لذلك. فإذا عرفتم ذلك، وأنتم أهل تمييز وأكمل عقلا من غيركم، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم فالذين هم دونكم أحق [ ألا يملكوا خلق أنفسهم(٢) ](٣) وخلق ما ذكر، ثبت أن الله تعالى هو خالق ذلك كله، فكيف عبدتم غيره، وصرفتم الألوهية إلى غيره ؟. ١ في الأصل و م: ما أمنيتهم.. ٢ في م: أنفسكم.. ٣ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:60

ما أمنيتم، ولا أنفسكم، ولا تملكون ذلك، فقد عرفتم أن اللَّه هو خالقكم وخالق ذلك كله، وهو المالك لذلك؛ فإذا عرفتم ذلك، وأنتم أهل تمييز، وأكمل عقلا من غيركم، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم، فالذين هم دونكم أحق ألا يملكوا خلق أنفسكم وخلق ما ذكر ثبت أن اللَّه تعالى هو خالق ذلك كله؛ فكيف عبدتم غيره، وصرفتم الألوهية إلى غيره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ... (٦٠) يحتمل وجوها: أحدها: أنه لما كان هو الذي خلقكم وما ذكر، ثم قدر بينكم الموت، وفيكم الولي له والعدو، وقد سوى في الدنيا بين الولي والعدو، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما. والثاني: (قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ)، أي: المعجل والمؤجل؛ أي: لم يجعل موت جميعكم في وقت واحد، بل جعل أجلا مؤجلا في الأصل، وقدر أن تكون مدة أجل هذا أكثر من مدة أجل الآخر. وقيل: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) أي: سوينا بينكم في الموت بين عزيزكم وذليلكم، ورفيعكم ووضيعكم، لا يسلم أحد عنه. ويحتمل وجها آخر هو -أولى-: وهو أنه قدر بينكم الموت، وكل واحد منكم يكره الموت، ثم لم تملكوا دفع الموت عن أنفسكم؛ دل أن هاهنا قاهرا قادرا يجب القول بوجوده، والانقياد لأوامره ونواهيه. وقوله: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) أي: وما نحن بمغلوبين في تبديل أمثالكم. أو يقول: وما نحن بعاجزين على أن نبدل أمثالكم. وقوله: (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) قال أبو بكر الأصم: فيما لا تعلمون من تبديلكم إلى صورة ذميمة قبيحة؛ كصورة القردة والخنازير، ونحوها. وقيل: (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) في أي خلق شاء؛ وهو أقرب من الأول. وجائز أن يكون معناه (وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) في ظلمات ثلاث الذي لا يبلغه علم البشر، ولا تدبير الحكماء إلى أن بلغوا ما بلغوا، فمن ملك ذلك لا يحتمل أن يعجز عن بعث أو غيره، واللَّه أعلم.

الواقعة 56:61

الآية ٦١ وقوله تعالى :﴿وما نحن بمسبوقين﴾ ﴿على أن نبدّل أمثالكم﴾ أي وما نحن بمغلوبين في تبديل أمثالكم، أو يقول : وما نحن بعاجزين ﴿على أن نبدّل أمثالكم﴾. وقوله تعالى :﴿وننشئكم في ما لا تعلمون﴾ قال أبو بكر الأصم :﴿وننشئكم في ما لا تعلمون﴾ من تبديلكم إلى صورة ذميمة قبيحة كصورة القردة والخنازير ونحوها. وقيل :﴿وننشئكم في ما لا تعلمون﴾ في أي خلق شاء، وهو أقرب من الأول. وجائز أن يكون معناه :﴿وننشئكم في ما لا تعلمون﴾ في ظلمات ثلاث، الذي لا يبلغه علم البشر ولا تدبير الحكماء إلى أن يبلغوا ما بلغوا فمن ملك فلا يحتمل أن يعجز عن بعث أو غيره، والله أعلم.

الواقعة 56:62

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى... (٦٢) فهو على ما ذكرنا: إنكم لما عرفتم أنه هو الذي أنشأكم النشأة الأولى لا عن أصل سبق، لا يحتمل أن يعجز عن النشأة الآخرة؛ لأنها مثل الأولى؛ بل في وهمكم أسهل وأهون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) يخرج على ما ذكرنا: هلا تذكرون وحدانيته وربوبيته. أو هلا تذكرون أن قادر على البعث. أو هلا تذكرون أنه هو المستوجب لشكر ما أنعم عليكم، وهلا تذكرون نعمه وإحسانه. ومن الناس من قال: النشأة الأولى هاهنا نشأة آدم - عليه السلام - وخلقه؛ أي: علمتم نشأته لا عن أصل ولا احتذاء لغير، فمن قدر على ذلك فهو على النشأة الأخرى لقادر، وعلى تقدير وهمكم أقدر، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ)، كأنه يقول: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تخلقون الزرع أم نحن الخالقون له؟ فيكون فيه الذي ذكرنا في ذلك، واللَّه أعلم. والثاني: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم جعلتم الحراثة بحيث تنبت أم نحن الجاعلون بحيث تنبت؟ ثم قال: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا... (٦٥) أي: يابسا. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أي: متكسر؛ يذكر نعمته التي أنعمها عليهم؛ يقوله: هو الذي جعله بحيث ينتفع به ويبقى، ولو شاء لجعله بحيث لا ينتفع به، ويخبر عن قدرته: أنه قادر على الإنبات، وعلى الإهلاك؛ فعلى ذلك قادر على الإنشاء والإعادة. وأهل التأويل يقولون: أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون، وأصله ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) قيل: تعجبون. وقيل: تندمون، وهي لغة عكيل. وقال أبو بكر الأصم: أي: صرتم تتنعمون وتتلذذون؛ كما يقول الرجل لآخر: لو أخذت مالك أو سلبته صرت غنيا أو استغنيت. ولكن لا ندري أيقال ما ذكر أم لا؟ فإن كان يقال ذلك، يصير تقديره كأنه يتلذذ؛ لكثرة

الواقعة 56:63

الآيتان ٦٣ و٦٤ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ ﴿أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [ يحتمل وجهين : أحدهما :](١) جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله :﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ كأنه يقول :﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ أأنتم تخلقون الزرع، أم نحن الخالقون له ؟ فيكون فيه الذي ذكرنا في ذلك، والله أعلم. والثاني :﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ أأنتم جعلتم الحراثة بحيث ينبت أم نحن الجاعلون بحيث ينبت ؟ ١ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:64

الآيتان ٦٣ و٦٤ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ ﴿أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [ يحتمل وجهين : أحدهما :](١) جائز أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله :﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ كأنه يقول :﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ أأنتم تخلقون الزرع، أم نحن الخالقون له ؟ فيكون فيه الذي ذكرنا في ذلك، والله أعلم. والثاني :﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ أأنتم جعلتم الحراثة بحيث ينبت أم نحن الجاعلون بحيث ينبت ؟ ١ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:65

الآية ٦٥ ثم قال :﴿لو نشاء لجعلناه حطاما﴾ أي يابسا، قال أبو عوسجة : أي متكسّرا، ليذكر نعمه التي أنعمها عليهم ؛ يقول : هو الذي جعله بحيث ينتفع [ به ](١) ويبقى. ولو شاء لجعله بحيث لا ينتفع به، أو يخبر عن قدرته أنه قادر على الإنبات وعلى الإهلاك. فعلى ذلك [ هو ](٢) قادر على الإنشاء والإعادة. وأهل التأويل يقولون :﴿أفرأيتم ما تحرثون﴾ أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون. وأصله ما ذكرنا. وقوله تعالى :﴿فظلتم تفكّهون﴾ قيل : تعجبون، وقيل : تندّمون، وهي لغة عكل وقال أبو بكر الأصم : أي صرتم تتنعّمون، وتتلذذون، كما يقول الرجل لآخر : لو أخذت مالك، أو سلبته، صرت غنيا، أو استغنيت. ولكن لا ندري أيقال هذا أم لا ؟ فإن كان يقال ذلك فيصير تقديره كأنه يتلذذ بكثرة ما يذكره في كل وقت لأن الرجل إذا ذهب ماله لا يزال يذكره كالمتلذذ به والمتنعم. وعن ابن عباس رضي الله عنه :﴿فظلتم تفكّهون﴾ أي تتلاومون، وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه : فصرتم تفكهون، وقوله :﴿فظلتم﴾ يستعمل في زمان النهار دون الليل. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:66

ما يذكره في كل وقت؛ لأن الرجل إذا ذهب ماله لا يزال يذكره كالمتلذذ به والمتنعم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ)، أي: تلاومون. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فصرتم تفكهون)، وقوله: (فَظَلْتُمْ) يستعمل في زمان النهار دون الليل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أي: فظلتم تقولون: إنا لمغرمون. ثم اختلف فيه: قيل: إنا لمعذبون بقوله: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا). وقيل: إنا المذمومون الملقون للشر، ونحو ذلك، لكنه من الغرم الظاهر؛ لأن مرتجعه خسران في ماله، أو هلاك يلحقه الغرامة؛ لما يحتاج إلى غيره، وأصله كأنه يقول - واللَّه أعلم -: لو جعله حطاما يابسا لا تنتفعون به، ظلتم تقولون: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ). وقوله: (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) قيل: المحروم: هو الذي ينتفى عنه المال أو ما ينتفع به. وقَالَ بَعْضُهُمْ: محدودون. وقيل: محاربون. لكن المحروم ظاهر، لا يحتاج إلى التفسير، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) يذكر نعمه عليهم بما أنزل لهم من الماء العذب فيشربون، وأخبر أنه لو شاء، لجعله أجاجا مالحًا ما يهلك الأنفس، ولا تقوم به، وكذلك قوله: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) حتى يخرج من أن يكون غذاء فيه، ولكن بفضله ورحمته أبقى لهم ذلك أغذية وأشربة؛ ولذلك قال في آخره: (فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أي: هلا تشكرون ما أنعم عليكم؟ ثم في هذه الآية دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد؛ حيث قال: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)، والإمناء: هو فعل العبد؛ إذ هو دفق المني، ثم أخبر أنه هو خالق ذلك؛ حيث قال: (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ)، وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك. وفي قوله تعالى: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) و (أجَاجًا) نقض قولهم في الأصلح؛

الواقعة 56:67

الآيتان ٦٦ و٦٧ و قوله تعالى :﴿إنا لمغرمون﴾ ﴿بل نحن محرومون﴾ أي فظلتم تقولون :﴿إنا لمغرمون﴾ ثم اختلف فيه ؛ قيل : إنا لمعذبون لقوله :﴿إن عذابها كان غراما﴾ [الفرقان: ٦٥] وقيل : إنا لمذمّون الملقون للشر، أو نحو ذلك. لكنه من الغرم الظاهر لأن مرتجعه خسران في ماله أو هلاك تلحقه الغرامة لما يحتاج إلى غيره. وأصله : كأنه يقول، والله أعلم، لو جعله حطاما يابسا [ لا ](١) تنتفعون به ظلتم تقولون :﴿إنا لمغرمون﴾. وقوله تعالى :﴿بل نحن محرومون﴾ قيل : المحروم، هو الذي ينتفى عنه المال أو ما ينتفع به. وقال بعضهم : محدودون، وقيل محارفون. لكن المحروم ظاهر، لا يحتاج إلى التفسير، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.

الواقعة 56:68

الآيتان ٦٨ و٦٩ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾ ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ يذكر نعمه عليهم بما أنزل إليهم من الماء العذب، فيشربون.

الواقعة 56:69

الآيتان ٦٨ و٦٩ وقوله تعالى :﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون﴾ ﴿أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ يذكر نعمه عليهم بما أنزل إليهم من الماء العذب، فيشربون.

الواقعة 56:70

الآية ٧٠ وأخبر أنه ﴿لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون﴾ مالحا يهلك(١) الأنفس، ولا تقوم به(٢). وكذلك قوله :﴿لو نشاء لجعلناه حطاما﴾ [ الآية : ٦٥ ] حتى يخرج من أن يكون، غذاء فيه لكن بفضله ورحمته أبقى لهم ذلك أغذية وأشربة. ولذلك قال في آخره ﴿فلولا تشكرون﴾ أي هلا تشكرون [ ما ](٣) أنعم عليكم ؟ ثم هذه الآيات دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد حين(٤) قال :﴿أفرأيتم ما تمنون﴾ ﴿أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون﴾ [ الآيتان : ٥٨ و٥٩ ] والإمناء، هو فعل العبد ؛ إذ هو دفق المني. ثم أخبر أنه خالق ذلك حين(٥) قال :﴿أأنتم تخلقونه﴾ وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك. وفي(٦) قوله تعالى :﴿لو نشاء لجعلناه حطاما﴾ [ الآية : ٦٥ ] وقوله :﴿لو نشاء جعلناه أجاجا﴾ نقض قولهم في الأصلح. فإنه يقال لهم : إن قوله ﴿لو نشاء﴾ فجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك الأصلح، أو يكون الأصلح لهم في ابقاء ذلك، فيصير كأنه قال : لو شاء لجعل ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال : إن الله تعالى لو شاء أن يجور لجار. فعلى أي الوجهين حمل كان في ذلك نقض مذهبهم. وفي قوله تعالى :﴿نحن قدرنا بينكم الموت﴾ [ الآية : ٦٠ ] نقض قولهم في أن المقتول لم يمت بأجله، لأن الله تعالى أخبر أنه قدّر الموت بينهم، وعندهم أن من قتل لم يمت بما قدر الله تعالى، ولم يمت بأجله، وقد أخبر أنه هو قدّر ذلك، وأنه لا يسبق في ذلك لقوله :﴿وما نحن بمسبوقين﴾. ولو كان على ما تقوله المعتزلة : يموت قبل أجله فقد قالوا : إنه لم يقدر له الموت، وإن القاتل قد سبقه، ومنعه عن وفاء ما جعل له من الأجل والبلوغ إلى ذلك الأجل الذي جعل له، وكذبه في خبره أنه يبلغ إلى ذلك الأجل، والله الموفق. ثم قوله تعالى :﴿أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون﴾ اختلف في تأويل المزن : قال عامة أهل التأويل والأدب : المزن هو السحاب. وقال أبو بكر الأصم : المزن، هو الماء العذب فعلى قوله يكون حرف ﴿من﴾ صلة ؛ كأنه قال : أأنتم أنزلتم المزن ؟. والظاهر ما ذهب إليه أولئك أنه ينزل من السحاب، والله أعلم. ١ أدرج فبلها في الأصل و م: ما.. ٢ في الأصل و م: له. ٣ من، م ساقطة من الأصل.. ٤ في الأصل و م: حيث. ٥ في الأصل و م: حيث. ٦ الواو ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:71

فإنه يقال لهم: إن قوله: لو شاء لجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك الأصلح لهم، أو يكون الأصلح لهم في إبقاء ذلك؛ فيصير كأنه قال: لو شاء لجعل ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال: إن اللَّه تعالى لو شاء أن يجور لجار؛ فعلى أي الوجهين حمل، كان في ذلك نقض مذهبهم. وفي قوله تعالى: (قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) نقض قولهم من أن المقتول لم يمت بأجله؛ لأنه - تعالى - أخبر أنه قدر الموت بينهم، وعندهم: أن من قتل لم يمت بما قدر الله تعالى، ولم يمت بأجله، وقد أخبر أنه هو قدر ذلك، وأنه لا يسبق في ذلك بقوله: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)، ولو كان على ما تقوله المعتزلة يموت قبل أجله، فقد قالوا: إنه لم يقدر له الموت، وأن القاتل قد سبقه ومنعه عن وفاء ما جعل له من الأجل والبلوغ إلى ذلك الأجل الذي جعل له وكذبه في خبره: أنه يبلغ إلى ذلك الأجل، واللَّه الموفق. ثم قوله: (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) اختلف في تأويل المزن: قال عامة أهل التأويل والأدب: المزن: هو السحاب. وقال أبو بكر الأصم: المزن: هو الماء العذب؛ فعلى قوله يكون حرف (مِن) صلة، كأنه قال: أأنتم أنزلتم المزن. والظاهر ما ذهب إليه أُولَئِكَ: أنه ينزل من السحاب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) قَالَ بَعْضُهُمْ: توقدون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: تقدحون، يقال: قدحت النار، وأوريتها: أي أخرجتها؛ يقال: ورت الناس تري وريا؛ فهي وارية، أي: أضاءت. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) قيل: هي الشجرة التي تجعل حطبا، وتوقد بها النار وتحرق. وقيل: هي الشجرة التي فيها النار، وهي التي يتخذ منها الزيوت، والأول أقرب، والله أعلم. وقوله: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) قال بعض أهل التأويل: أي: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى، وهي نار الآخرة. ويحتمل أن يكون (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا)، أي: هذه النعم الحاضرة تذكرة للنعم الموعودة. أو جعلنا هذه الشدائد والبلايا في الدنيا تذكرة لما أوعدنا في الآخرة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) قال بعض أهل التأويل: أي متاعا للمسافرين، خص المسافرين، لنزولهم القواء، وهو القفر؛ وهو قول الْقُتَبِيّ.

الواقعة 56:72

الآية ٧٢ وقوله تعالى :﴿أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ قيل : هي الشجرة التي تجعل حطبا، وتوقد بها النار، وتحرق. وقيل : هي الشجرة التي فيها النار التي تتخذ منها الزّنود. والأول أقرب، والله أعلم.

الواقعة 56:73

الآية ٧٣ وقوله تعالى :﴿نحن جعلناها تذكرة﴾ قال بعض أهل التأويل : أي جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى، وهي نار الآخرة. ويحتمل أن يكون ﴿نحن جعلناها﴾ أي هذه النعم الحاضرة ﴿تذكرة﴾ للنعم الموعودة، أو جعلنا هذه الشدائد والبلايا في الدنيا تذكرة لما أوعدنا(١) في الآخرة، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ومتاعا للمقوين﴾ قال بعض أهل التأويل : أي متاعا للمسافرين ؛ خص المسافرين لنزولهم القواء، وهو القفر، وهو القتبي. وقيل :﴿للمقوين﴾ المستمتعين. وقال أبو عوسجة : المقوي الذي لا زاد له. وقيل : الذي يقع في أرض قواء، والقواء [ الأرض ](٢) الخالية من الناس. وقال أبو عبيد :[ لا ](٣) أرى الذي لا زاد له معه [ أولى بالنار ولا أحوج إليها من الذي معه الزاد ](٤) بل صاحب الزاد إليها أحوج. ويقال : رجل مقو إذا كانت معه مطية قوية. ١ في الأصل و م: أوعدها.. ٢ من م، ساقطة من الأصل... ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ من م، ساقطة من الأصل، .

الواقعة 56:74

الآية ٧٤ [ وقوله تعالى :﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ ](١). ١ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:75

وقيل: المقوين: المستمتعين. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: المقوي: الذي لا زاد له. وقيل: الذي يقع في أرض قواء، والقواء: الأرض الخالية من الناس. وقال أبو عبيد: أرى الذي لا زاد له ليس أولى بالنار، ولا أحوج إليها من الذي معه الزاد؛ بل صاحب الزاد إليها أحوج، ويقال: رجل مقوٍ: إذا كانت معه مطية قوية. قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) عن ابن مسعود وإبراهيم أنهما قرآ: (بموقع النجوم)، على الوحدان. وعن الحسن: أنه قرأها بمواقع على الجمع، وبه أخذ أبو عبيد، وقال: إن بعض أهل التأويل يتأولونها على منازل القرآن، وبعضهم على مغايب الكواكب ومساقطها، وأي الوجهين كان، فالجمع فيه أولى من الوحدان. ثم اختلف في قوله: (فَلَا أُقْسِمُ): منهم من قال: إن حرف (لا) هاهنا صلة؛ كأنه قال: أقسم بمواقع النجوم، وذلك جائز في اللغة، كقوله: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ)، ونحوه، يكون على الصلة والزيادة على التوكيد. ومنهم من قال: على إثبات حرف (لا)، لكنه جعل ذكره لرد قول كان من أُولَئِكَ الكفرة، ولدفع منازعة كانت منهم، لكن لم يذكر ذلك؛ لما كانت معروفة بينهم، فرد ذلك بقوله: (فَلَا) ثم ابتدأ القسم بقوله: (أُقْسِمُ)، كأنه قال: أقسم قسما بمواقع النجوم. ثم اختلف في تأويل قوله: (بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) على الوجهين اللذين ذكرناهما. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ): بمواقع نزول القرآن نجومًا؛ دليله: ما ذكر على أثره: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ) والثاني: (بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) النجوم المعروفة؛ على ما قَالَ بَعْضُهُمْ. ثم إن كان المراد منه: الكواكب، فالقسم بها يكون على وجوه. أحدها: لعظم موقع النجوم ومحلها في القلوب، وجليل قدرها عند الناس حتى يجعلها بعض الملحدة مدبرة العالم. أو لكثرة منافع الخلق بها من معرفة الطرق بها والسبل، ومعرفة كثرة الأنواء والمياه، ومعرفة الأوقات والأزمنة، وغيرها مما يكثر ذكرها. أو (بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) أي: مساقطها، وفي ذلك إخبار وإنباء عن شدة طاعة النجوم وتسخيره إياها للخلق؛ حيث تملك قطع مسيرة خمسمائة يوم في ليلة واحدة ما لا يتوهم قطع ذلك من سواها من ذوي الأرواح والأجنحة التي هي أسرع لقطع المسافات والوصول إلى مقاصدها، واللَّه أعلم. ثم قال أهل التأويل بأجمعهم بأن القسم بها من اللَّه تعالى. وجائز أن يكون القسم من الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لكن أضافه إلى نفسه؛ تعلميا منه لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يقسم برب هذه الأشياء؛ وكذلك تعليما لغيره من الرسل القسم برب هذه الأشياء؛ إذ لا تنازع بينهم وبين اللَّه تعالى؛ ليقسم وإنما وضع القسم لتأكيد الخبر عند الإنكار والتنازع، ولكن التنازع فيما بينهم وبين الرسل، وكذلك ما ذكر: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ)، ليس من اللَّه تعالى، ولكن من الرسول؛ إذ لا يحتمل أن يكون الرب - عَزَّ وَجَلَّ - هو المقسم، ويقول: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ)؛ فظاهره أن يكون الرسول هو المقسم بها، فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم. ومن الناس من قال: إن الأقسام التي جرى ذكرها في القرآن بالأشياء التي ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت تلك الأشياء تؤكد وتوجب القسم، وتؤكد أن لو وقع بها القسم؛ لأن الأقسام فيه إنما جرى أكثرها في إيجاب البعث والتوحيد، وإثبات الرسالة، ونحوها، وما جرى ذكرها لو لم يكن القسم بها، لكانت توجب ما يوجب القسم؛ لأن في هذه الأشياء دلالات على البعث والتوحيد والرسالة، واللَّه الموفق.

الواقعة 56:76

الآيتان ٧٥ و٧٦ وقوله تعالى :﴿* فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ عن ابن مسعود وإبراهيم أنهما قرأا بموقع على الوحدان(١) وعن الحسن أنه قرأها ﴿بمواقع﴾ على الجمع، وبه أخذ أبو عبيد، وقال : إن بعض أهل التأويل يتأولونها على منازل القرآن، وبعضهم على مغائب الكواكب(٢) ومساقطها. وأي الوجهين كان فالجمع فيه أولى من الوحدان. ثم اختلف في قوله :﴿* فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ منهم من قال : إن حرف لا ههنا صلة ؛ كأنه قال : أقسم بمواقع النجوم، وذلك جائز في اللغة كقوله :﴿ما منعك ألا تسجد﴾[الأعراف: ١٢] ونحوه يكون على الصلة، والزيادة على التوكيد. ومنهم من قال على إثبات حرف لا. لكنه جعل ذكره لرد قول كان من أولئك الكفرة ولدفع منازعة كانت منهم، لكن لم يذكر ذلك لما كانت معروفة بينهم، فرد ذلك بقوله :﴿فلا﴾ ثم ابتدأ القسم بقوله :﴿أقسم﴾ كأنه قال : أقسم قسما بمواقع النجوم. ثم اختلف في تأويل قوله :﴿بمواقع النجوم﴾ على الوجهين اللذين ذكرناهما : [ أحدهما : ما ](٣) قال بعضهم :﴿بمواقع النجوم﴾ أي بمواقع نزول القرآن نجوما : دليله ما ذكر على إثره :﴿إنه لقرآن كريم﴾ ﴿في كتاب مكنون﴾ [ الآيتان : ٧٧ و٧٨ ]. والثاني :﴿بمواقع النجوم﴾ المعروفة على ما قال بعضهم. ثم إن كان المراد منه[ مغائب الكواكب ](٤) فالقسم بها يكون على وجوه : أحدها : لعظم مواقع النجوم ومحلها في القلوب وجليل قدرها عند الناس حتى يجعلها بعض/٥٤٧ أ/ الملحدة مدبرة الخلق. [ والثاني ](٥) لكثرة منافع الخلق بها من معرفة [ الطرق ](٦) بها والسبل ومعرفة كثرة الأنداء والمياه ومعرفة الأوقات والأزمنة وغيرها مما يكثر ذكرها. [ والثالث ](٧) :﴿بمواقع النجوم﴾ أي بمساقطها ؛ وفي ذلك إخبار وإنباء عن شدة طاعة النجوم وتسخيره إياها للخلق حتى(٨) تملك قطع مسيرة خمس مئة [ عام ](٩) بيوم وليلة واحدة مالا يتوهم قطع ذلك من سواها من ذوي الأرواح والأجنحة التي هي أسرع لقطع المسافة والوصول إلى مقاصدها، والله أعلم. ثم قال أهل التأويل بأجمعهم : إن القسم بها من الله تعالى، وجائز أن يكون القسم من الرسول ﷺ لكن أضاف إلى نفسه تعليما منه لرسول الله ﷺ أن يقسم برب هذه الأشياء إذا [ لم يقع ](١٠) التنازع بينهم وبين رسول الله تعالى ليقسم، وإنما وضع القسم لتأكيد الخبر عند الإنكار والتنازع في ما بينهم وبين الرسل عليهم السلام. وكذلك ما ذكر :﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ [المعارج: ٤٠] ليس من الرسول ؛ إذ لا يحتمل أن يكون الرب عز وجل هو المقسم، ويقول :﴿برب المشارق والمغارب﴾ وظاهره(١١) أن يكون الرسول هو المقسم بها. فعلى ذلك الأول، والله أعلم. ومن الناس من قال : إن الأقسام التي جرى ذكرها في القرآن بالأشياء التي ذكرها لو لم يكن القسم بها لكانت تلك الأشياء تؤكد، وتوجب القسم ؛ وتؤكد أن لو وقع بها القسم، لأن الأقسام فيه إنما جرى أكثرها في إيجاب البعث والتوحيد وإثبات الرسالة، ونحوها وما جرى ذكرها، لو لم يكن القسم لها لكان يوجب ما يوجب القسم، لأن في هذه الأشياء دلالات على البعث والتوحيد والرسالة، والله الموفق. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٧٣.. ٢ في الأصل و م: الكوكب.. ٣ في الأصل و م: و.. ٤ في الأصل و م: الكوكب.. ٥ في الأصل و م: أو.. ٦ من م، ساقطة من الأصل.. ٧ في الأصل و م: أو.. ٨ في الأصل و م: حيث.. ٩ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ١٠ ساقطة من الأصل و م. ١١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: بظاهره..

الواقعة 56:77

وقوله: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) على قول من يجعل القسم بالقرآن، فهو ظاهر: أن يقول: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ)، أي: الذي أقسم به وأنزله نجومًا هو كريم. وعلى التأويل الذي يجعل القسم بالنجوم المعروفة، يجعل قوله: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) ابتداء ذكر منه له. ثم تسميته القرآن: كريما، يخرج على وجوه: أحدها: وصفه بالكرم؛ لما هو محل لقضاء الحوائج الدنيوية والأخروية، وفي العرف: الكريم: من نصب نفسه وأعدها لقضاء حوائج الخلق والقيام لإنجازها. أو وصفه بالكرم؛ لأن من اتبعه، كرم وشرف. أو كريم عند اللَّه عظيم: لذلك وصفه بالكرم، واللَّه أعلم. وقوله: (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) قال أهل التأويل: في اللوح المحفوظ؛ سماه مكنونا: لأنه مستور على خلقه عند اللَّه. وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) يقول: لا يمس ذلك إلا المطهرون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهم؛ كقوله تعالى: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ)، طهروا من الذنوب والآثام، وكأنه ذكر هذا ليأمنوا عن تحريف هذا الكتاب وتبديله، وهو ما قال على أثره: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أي: أنه مكنون عمن يحرفه ويبدله، وأنه لا يمسه إلا المطهرون من الذنوب، والتحريف: إثم وذنب من رب العالمين، وهو كما ذكر في آية أخرى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ)، ، وقال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)، أخبر أن الذي نزل به من السماء أمين، لا يكون منه التحريف ولا التبديل، وأنه قوي، لا يقدر أحد من جني وإنسي أخذه من يده، ولا تحريفه، ثم تمام الأمن بقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وكل حفظه إلى نفسه؛ لا إلى أحد من خلقه؛ فصار محفوظا عن التبديل والتحريف، واللَّه أعلم. وقوله: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) قَالَ بَعْضُهُمْ: أفبهذا القرآن أنتم كافرون؟ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) اللَّه تعالى جعل هذا القرآن حياة الدِّين وقوامه، والرزق حياة الأبدان وما به قوامها، فكذبوا الأمرين جميعا، ما به حياة الدِّين والأبدان جميعا. ثم يخرج ما ذكر من تكذب الرزق على وجوه: أحدها: ما ذكر بعض الناس أهل التأويل: أنهم كانوا يقولون: رزقنا بنوء كذا؛ كانوا

الواقعة 56:78

الآية ٧٨ وقوله تعالى :﴿في كتاب مكنون﴾ قال أهل التأويل : في اللوح المحفوظ ؛ سماه مكنونا لأنه مستور عن خلقه عند الله.

الواقعة 56:79

الآية ٧٩ وقوله تعالى :﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ يقول : لا يمس ذلك إلا المطهرون. وقال بعضهم : هم الملائكة الذين يجري ذلك على أيديهم كقوله تعالى :﴿بأيدي سفرة﴾ ﴿كرام بررة﴾ [ عبس : ١٥ و ١٦ ] طهروا من الذنوب والآثام. وكان ذكر هذا ليأمنوا من تحريف هذا الكتاب وتبديله.

الواقعة 56:80

الآية ٨٠ وهو ما قال على إثره :﴿تنزيل من رب العالمين﴾ أي إنه مكنون عمن يحرفه، ويبدله، وإنه ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ من الذنوب، والتحريف إثم وذنب [ وإنه ](١) من رب العالمين. وهو كما ذكر في آية أخرى :﴿نزل به الروح الأمين﴾﴿على قلبك﴾ [ الشعراء : ١٩٣ و١٩٤ ] وقال [ في آية أخرى ](٢) :﴿علمه شديد القوى﴾ [النجم: ٥]. أخبر أن الذي نزل به من السماء أمين، لا يكون منه التحريف ولا التبديل، وأنه قوي، ولا يقدر أحد من جن أو إنس أخذه من يده ولا تحريفه. ثم تمام الأمن بقوله تعالى :﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] وكل حفظه إلى نفسه لا إلى أحد من خلقه، فصار محفوظا من التبديل والتحريف، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:81

الآية ٨١ وقوله تعالى :﴿أفبهذا الحديث أنتم مدهنون﴾ قال بعضهم : أفبهذا القرآن أنتم كافرون ؟

الواقعة 56:82

الآية ٨٢ [ وقوله تعالى :](١) ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون﴾ الله تعالى جعل هذا القرآن حياة للدين وقواما، والرزق حياة للأبدان وما به قوامها، فكذبوا الأمرين جميعا ما به حياة الدين وحياة الأبدان جميعا. ثم يخرج ما ذكر من تكذيب الرزق على وجوه : أحدها : ما ذكر بعض الناس [ من ](٢) أهل التأويل : إنهم كانوا يقولون : رزقنا بنوء كذا ؛ كانوا ينسبون الرزق [ إلى ](٣) ذلك النوء. فهذا يرد(٤) على قول المنجمة : إن النجوم هي مدبرة العالم وأرزاقهم، لا يجعلون لله في ذلك تدبيرا. وأما من ينسب الرزق إلى الله تعالى، ويقول : رزقنا الله تعالى بنوء كذا فليس في ذلك تكذبيه، إنما يخرج ذكر النوء [ على ](٥) ذكر سبب من الأسباب التي يرزق الله تعالى بها، وكذلك من رأى الرزق من الأسباب خاصة. وأما من يقول : رزقنا الله تعالى بسبب كذا فذلك جائز القول به. [ والثاني : ما ](٦) قال بعضهم :﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ أي تجعلون شكر الرزق التكذيب. وبه قال أبو عبيدة. [ والثالث :](٧) جائز أن يكون تكذيبهم الرزق صرف تسمية الألوهية إلى غير الذي رزقهم والعبادة لغير المستحق لها، والله أعلم. وقال الحسن :﴿تجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ بئسما أجدّ القوم لأنفسهم حتى لم يرزقوا من كتاب الله تعالى إلا التكذيب ؛ يقول : صار حظكم من القرآن التكذيب، ويجعل هذه الآية [ مع الآية الأولى ](٨) :﴿أفبهذا الحديث أنتم مدهنون﴾. وقال أبو بكر الأصم في هذه الآية :﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ :﴿وتجعلون رزقكم﴾ وهو هذا القرآن الذي خصكم به دون آبائكم، ورزقكم به ما لم يرزق آبائكم منه، ثم جعلتم تكذبون ذلك الرزق الذي خصصتم به، ورزقتم، أو كلام من نحوه، وهو كقوله تعالى :﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ [الأنعام: ٩١]. وقال في قوله تعالى :﴿أفبهذا الحديث أنتم مدهنون﴾ : هو الذي يري الموافقة، ويحتال في دفع حجة ما يلزمه، ويرد عليه، أو كلام يشبه معناه هذا، والله أعلم. وقال أبو معاذ : مدهن ومداهن لغتان، ثم أصل المداهنة من المخادعة ؛ يقال : داهنته، وأدهنته، ثم الفرق بين المداهنة والمداراة. كأن المداهنة لطمع له فيه : يخادعه حتى يصل إلى ما يطمع، والمداراة الشفقة، يداريه إشفاقا عليه ليتحقق عنده الحق، ليسلم له، وإلا هما في الظاهر واحد، وهما الملاينة وخفض الجناح. لكن الفرق بينهما ما ذكرنا، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ في الأصل و م: يخرج.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ في الأصل و م: و.. ٧ في الأصل و م: و.. ٨ من م، في الأصل: أولى..

الواقعة 56:83

ينسبون الرزق لذلك النوء؛ فهذا يخرج على قول المنجمة: إن النجوم هي مدبرة العالم ورازقتهم؛ لا يجعلون لله تعالى في ذلك تدبيرا. فأما من ينسب الرزق إلى اللَّه تعالى، ويقول: رزقنا اللَّه بنوء كذا، فليس في ذلك تكذيبه؛ إنما يخرج ذكر النوء ذكر سبب من الأسباب التي يرزق اللَّه تعالى بها، وكذلك من رأى الرزق من الأسباب خاصة، وأما من يقول: رزقنا تعالى بسبب كذا، فذلك جائز القول به. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) أي: تجعلون شكر الرزق التكذيب؛ وبه قال أبو عبيدة. وجائز أن يكون تكذيبهم الرزق: صرف تسمية الألوهية إلى غير الذي رزقهم، والعبادة لغير المستحق لها، واللَّه أعلم. وقال الحسن: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) بئسما أخذ القوم لأنفسهم؛ حتى لم يرزقوا من كتاب اللَّه تعالى إلا التكذيب؛ يقول: صار حظكم من القرآن التكذيب، ويجعل هذه الآية مع الآية الأولى: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ). وقال أبو بكر الأصم في هذه الآية: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ)، وهو هذا القرآن الذي خصكم به دون آبائكم، ورزقتم به ما لم يرزق آباؤكم منه، ثم جعلتم تكذبون بذلك الرزق الذي خصصتم به ورزقتم، أو كلام من نحوه، وهو كقوله تعالى: (وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ). وقال في قوله تعالى: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ): هو الذي يرى الموافقة، ويحتال في دفع حجة ما يلزمه ويرد عليه، أو كلام يشبه معناه هذا، واللَّه أعلم. وقال أبو معاذ: مُدَّهِن وَمُدْهِن لغتان، ثم أصل المداهنة من المخادعة، يقال: داهنته وادهنته. ثم الفرق بين المداهنة والمداراة كأن المداهنة؛ لطمع له فيه مخادعة حتى يصل إلى ما يطمع، والمداراة الشفقة، يداريه إشفاقًا عليه ليتحقق له عليه الحق؛ ليسلم له دينه، وإلا هما في الظاهر واحد، وهما الملاينة وخفض الجناح، لكن الفرق بينهما ما ذكرنا، والله أعلم. وقوله: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) ليس هذا الكلام صلة ما تقدم

الواقعة 56:84

الآيتان ٨٣ و ٨٤ وقوله تعالى :﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ ﴿وأنتم حينئذ تنظرون﴾ ليس هذا الكلام صلة ما تقدم من الكلام. ثم يشبه أن يكون صلة ما قال أولئك الكفرة : لو كانوا عندنا لما ماتوا ؛ وما قتلوا، يقول، والله اعلم : لو كانوا عندكم لم يموتوا، ولم يقتلوا، على ما زعمتم. فهلا، إذا كانوا عندكم، فبلغت الأرواح الحلقوم [ تقدرون ](١) أن ترجعوها، وتردّوها إلى الأجساد التي كانت [ فيها ](٢) لو كنتم صادقين في قولكم : لو كانوا عندنا لما ماتوا وما قتلوا. على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وأنتم حينئذ تنظرون﴾ يخرج على وجهين : أحدهما :﴿تنظرون﴾ خروج الروح ؛ إنها متى تخرج، فلا يملكون ردها إلى حيث كانت، ولكن ينتظرون خروجها متى تخرج. والثاني :﴿وأنتم حينئذ تنظرون﴾ [ على حقيقة النظر، أي تنظرون ](٣) إلى سلطاني وقدرتي. وقيل : هو من الانتظار، أي تنتظرون أن يحل بكم الموت، [ وهو ](٤) ما ذكرنا. وجائز أن يكون قوله :﴿وأنتم حينئذ تنظرون﴾ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم في ضيق الحال [ وإنما يضيق الحال ](٥) عليهم والأمر(٦) عند حلول الموت ؛ إذ لا بعث عندهم، فيقول :﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ فتشفع لهم الأصنام التي يعبدونها، وترد الروح(٧) إلى المكان الذي كانت [ فيه ](٨) فإذا لم تملك ذلك فكيف عبدتموها ؟ والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ من م، ساقطة من الأصل و م.. ٤ ساقطة من الأصل وم.. ٥ من م، ساقطة من الأصل.. ٦ الواو ساقطة من الأصل وم. ٧ في الأصل و م: الأرواح.. ٨ ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:85

من الكلام. ثم يشبه أن يكون صلة ما قال أُولَئِكَ للمؤمنين: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا)، يقول - واللَّه أعلم -: لو كانوا عندكم لم يموتوا ولم يقتلوا على ما زعمتم، فهلا إذا كانوا عندكم، وقد بلغت الأرواح الحلقوم أن ترجعوها، وتردوها إلى الأجساد التي كانت لو كنتم صادقين في قولكم: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا...) الآية، على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) يخرج على وجهين: أحدهما: (تَنْظُرُونَ) أي: تنتظرون خروج الروح أنها متى تخرج؟ لا تملكون ردها إلى حيث كانت، ولكن تنتظرون خروجها متى تخرج؟ والثاني: (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) على حقيقة النظر؛ أي: تنظرون إلى سلطاني وقدرتي. وقيل: هو من الانتظار؛ أي: تنتظرون أن يحل بكم الموت، وهو ما ذكرنا. وجائز أن يكون قوله: (وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ)؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم في ضيق الحال، وإنما يضيق الحال عليهم الأمر عند حلول الموت؛ إذ لا بعث عندهم، فيقول: فلولا إذا بلغت الأرواح الحلقوم فتنفع لهم الأصنام التي يعبدونها، وترد الأرواح إلى المكان الذي كانت، فإذا لم تملك ذلك فكيف عبدتموها؟ واللَّه أعلم. وقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) قال بعض أهل التأويل: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ) أي: ملائكتي ورسلي في ذلك الوقت أقرب إليه منكم (وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) الملائكة، لكن أضاف إلى نفسه؛ لما أن الملائكة بأمره وتسليطه يعملون. وقيل: نحن أقرب إليه منكم، أي: أولى به في ذلك الوقت؛ لما يعلم هو خطأه، ويتبين له الحق في ذلك الوقت من الباطل: (وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) أنتم، أي: لا تعلمون ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) قَالَ بَعْضُهُمْ: (غَيْرَ مَدِينِينَ) أي: لو كنتم غير مملوكين لله تعالى على ما زعمتم، ترجعون الأرواح، وتردونها إلى الأجساد التي كانت فيها؛ إن كنتم صادقين: أنكم غير مملوكين، فإذا كنتم عندكم غير مملوكين، تكونون مالكين؛ إذ ليس إلا المملوك والمالك، فإذا لم تكونوا مملوكين تكونون مالكين فتملكون ردها إلى ما فيها، فإذا لم تملكوا كنتم مملوكين، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (غَيْرَ مَدِينِينَ) أي: غير محاسبين ولا مجزيين، فردوا النشأة الأولى،

الواقعة 56:86

الآيتان ٨٦ و٨٧ وقوله تعالى :﴿فلولا إن كنتم غير مدينين﴾ ﴿ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ قال بعضهم :﴿غير مدينين﴾ أي لو كنتم غير مملوكين لله تعالى على [ ما ](١) زعمتم ترجعون الأرواح، وتردّونها إلى الأجساد التي كانت فيها. ﴿إن كنتم غير مدينين﴾ أنكم غير مملوكين. فإذا كنتم عندكم غير مملوكين تكونون مالكين ؛ إذ ليس إلا المملوك والمالك. فإذا لم تكونوا مملوكين تكونون مالكين، فتملكون ردها إلى ما [ كانت ](٢) فيها. فإذا لم تملكوا كنتم مملوكين، والله اعلم. وقال بعضهم :﴿غير مدينين﴾ أي غير محاسبين ولا مجزيّين، فردوا النشأة الأولى، واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى حكمة إذ لم تملكوا رد هذه الأرواح إلى الأنفس، أو اجعلوا النشأة الأولى [ لغير الذي يكوّن النشأة الأخرى حتى تكون النشأة الأولى ](٣) حكمة، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:87

الآيتان ٨٦ و٨٧ وقوله تعالى :﴿فلولا إن كنتم غير مدينين﴾ ﴿ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ قال بعضهم :﴿غير مدينين﴾ أي لو كنتم غير مملوكين لله تعالى على [ ما ](١) زعمتم ترجعون الأرواح، وتردّونها إلى الأجساد التي كانت فيها. ﴿إن كنتم غير مدينين﴾ أنكم غير مملوكين. فإذا كنتم عندكم غير مملوكين تكونون مالكين ؛ إذ ليس إلا المملوك والمالك. فإذا لم تكونوا مملوكين تكونون مالكين، فتملكون ردها إلى ما [ كانت ](٢) فيها. فإذا لم تملكوا كنتم مملوكين، والله اعلم. وقال بعضهم :﴿غير مدينين﴾ أي غير محاسبين ولا مجزيّين، فردوا النشأة الأولى، واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى حكمة إذ لم تملكوا رد هذه الأرواح إلى الأنفس، أو اجعلوا النشأة الأولى [ لغير الذي يكوّن النشأة الأخرى حتى تكون النشأة الأولى ](٣) حكمة، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..

الواقعة 56:88

واجعلوها بأنفسكم حتى تكون النشأة الأولى حكمة؛ إذ لم تملكوا رد هذه الأرواح إلى الأنفس، أو اجعلوا النشأة الأولى حكمة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) إلى آخره، اختلف في وقت ما ذكر ولمن ذكر ذلك؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: إن ذلك يقال لهم عند الموت؛ بشارة لهم بما يكون لهم في الجنة. ومنهم من يقول: إنما يقال ذلك إذا دخل هَؤُلَاءِ الجنة، وأُولَئِكَ النار؛ أعني: الكافرين، وهو ما ذكر، (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ. إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ). وجائز أن يكون يقال ذلك لهم عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الجنة، وصفًا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عنده في الجنة، ومكانهم لديه، على ما كانوا عنده في الدنيا السابقين كانوا في الدنيا المقربين عنده، ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين؛ فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب، ويكون قوله: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) أي: يستأنس هو بهم ويستأنسون به، لا يفارقونه ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا، وسائر المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر: و (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما. ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت -أعني للمؤمنين والكافرين- في حق المؤمنين: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ)، (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ...) كذا، وفي حق الكفرة: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)...) الآية. ويحتمل ما ذكر بعضهم: أن ذلك يقال لهم بعدما دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) اختلف في تأويله وتلاوته: أما تلاوته: روي عن عائشة - رضي اللَّه عنها - قالت: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقرأ هذا الحرف (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) تعني: بضم الراء. وعن الحسن: أنه قرأها بالضم أيضا. وعن الضحاك: بفتح الراء، وعليه جميع القراء. وقال أبو عبيد: لولا كراهة خلاف الأمة، وإلا ما قرأتها إلا بالضم، ولكن لا أجد أحدًا عليها، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع اللَّه تعالى أمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على الضلالة.

الواقعة 56:89

الآيتان ٨٨- ٩٤ وقوله تعالى :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ [ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ ](١) اختلف في وقت ما ذكر لمن ذكر ذلك. قال بعضهم : إن ذلك :[ ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٢) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ] يقال للمؤمنين(٣) عند الموت بشارة لهم بما يكون لهم في الجنة. ومنهم من يقول : إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة وأولئك النار ؛ أعني الكافرين، وهو ما ذكر :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ إلى ٩٤ ]. وجائز أن يكون يقال ذلك للمؤمنين(٤) عند رسول الله ﷺ في الجنة [ وهو ](٥) وصف رسول الله ﷺ ﴿ومن﴾(٦)عنده في الجنة ومكانهم لديه على ما كانوا في الدنيا : المقربون عنده ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين. فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب. ويكون قوله :﴿فروح وريحان﴾ أي يستأنس هو بهم، ويستأنسون به، لا يفارقونه، ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا. وسائر المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآية : ٩١ ] على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما. ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت ؛ أعني المؤمنين والكافرين : في حق المؤمنين [ قوله تعالى ](٧) :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ [ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٨) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ]. وفي حق الكفرة [ قوله تعالى ](٩) :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ - ٩٤ ]. ويحتمل [ ما ](١٠) ذكر بعضهم أن ذلك يقال لهم بعد ما دخل أهل الجنة الجنة وأصحاب النار النار، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ اختلف في تلاوته [ وتأويله ](١١). أما تلاوته [ فقد ](١٢) روي عن عائشة رضي الله عنها [ أنها ](١٣) قالت : كان رسول الله ﷺ يقرأ هذا الحرف : فروح وريحان ؛ يعني بضم(١٤) الراء، وعن الحسن أنه قرأها بالضم أيضا، وعن الضحاك بفتح الراء، وعليه جميع القراء. وقال أبو عبيد : لولا كراهة خلاف الأمة وإلا ما قرأتها إلا بالضم، ولكن لا أجد عليها أحد، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله تعالى أمة محمد ﷺ على الضلالة. وأما تأويله فعلى قراءة الرفع عن الحسن [ أنه ](١٥) قال : الروح الرحمة، والريحان ريحانها، وعن أبي عبيد [ أنه ](١٦) قال : بالرفع هي(١٧) الحياة والبقاء، وعن الضحاك بالفتح : الروح الاستراحة، والريحان الرزق. وقال بعضهم : الروح كناية عن دوام النعمة والسعة ؛ يقال : فلان في روح إذا كان في سعة ونعمة، والريحان كناية عن الشرف والمنزلة ؛ يقال : فلان ريحاني، وذلك لشرفه ومنزلته. ومنهم من قال : الروح الراحة، والريحان الرزق في الجنة. وقال بعضهم : الروح بالرفع من الرحمة، وبالنصب الراحة، ونحن نقول : جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة لقوله تعالى :﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾(١٨) [يوسف: ٨٧] أي من رحمته وقوله(١٩) في موضع آخر ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة: ٢٢] يخبر الله تعالى أن المقربين يكونون في رحمة الله ونعمته، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآيتان : ٩٠ و٩١ ] يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي ﷺ ويحيّي بعضهم بعضا بالسلام. ويحتمل ﴿فسلام لك﴾ [ أي السلامة لك ](٢٠) منهم من جميع الآفات والأذى. وذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه : فسلام إنك من أصحاب اليمين. فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم. وقيل : يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم. ١ في الأصل و م: إلى أخره.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ في الأصل و م: لهم.. ٤ في الأصل و م: لهم.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ ساقطة من الأصل وم. ٧ ساقطة من الأصل و م.. ٨ في الأصل و م: كذا.. ٩ ساقطة من الأصل و م.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ من م، ساقطة من الأصل و م.. ١٢ ساقطة من الأصل و م.. ١٣ ساقطة من الأصل و م.. ١٤ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٧٠.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ في الأصل و م.. ١٨ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٣/١٨٩.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:90

وأما تأويله: فعلى قراءة الرفع، عن الحسن قال: الروح: الرحمة، والريحان: ريحاننا. وعن أبي عبيد قال: بالرفع: هو الحياة والبقاء. وعن الضحاك: بالفتح: الروح: الاستراحة، والريحان: الرزق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الروح: كناية عن دوام النعمة والسعة، يقال: فلان في روح؛ إذا كان في سعة ونعمة، والريحان: كناية عن الشرف والمنزلة، يقال: فلان ريحاني؛ وذلك لشرفه ومنزلته عنده. ومنهم من قال: الروح: الراحة، والريحان: الرزق في الجنة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الروح -بالرفع-: من الرحمة، وبالنصب: الراحة. ونحن نقول: جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة؛ لقوله: (لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، أي: من رحمته، وقال في موضع آخر: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)، أي: برحمة منه، يخبر اللَّه تعالى أن المقربين يكونون في الجنة في رحمة اللَّه ونعمته، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويحيي بعضهم بعضا بالسلام. ويحتمل (فَسَلَامٌ لَكَ) أي: السلامة لك منهم من جميع الآفات والأذى. وذكر في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فسلام إنك من أصحاب اليمين)، فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، واللَّه أعلم. وقيل: يسلم عليهم الملائكة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) يقول: هذا الذي ذكرنا للمقربين، ولأصحاب اليمين، وللمكذبين هو حق اليقين؛ أي كائن لا محالة، لا شك فيه؛ مثل هذا يقال على التأكيد وتحقيق ما سبق ذكره ووصفه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) يقول - واللَّه أعلم - فسبح ربك باسم لا يسمى به غيره؛ أي: نزهه عن جميع ما قالت الملاحدة فيه من الولد والشريك، وتسمية من دونه: إلها وغير ذلك، واللَّه الموفق للسداد وإليه المرجع والمآب. * * *

الواقعة 56:91

الآيتان ٨٨- ٩٤ وقوله تعالى :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ [ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ ](١) اختلف في وقت ما ذكر لمن ذكر ذلك. قال بعضهم : إن ذلك :[ ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٢) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ] يقال للمؤمنين(٣) عند الموت بشارة لهم بما يكون لهم في الجنة. ومنهم من يقول : إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة وأولئك النار ؛ أعني الكافرين، وهو ما ذكر :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ إلى ٩٤ ]. وجائز أن يكون يقال ذلك للمؤمنين(٤) عند رسول الله ﷺ في الجنة [ وهو ](٥) وصف رسول الله ﷺ ﴿ومن﴾(٦)عنده في الجنة ومكانهم لديه على ما كانوا في الدنيا : المقربون عنده ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين. فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب. ويكون قوله :﴿فروح وريحان﴾ أي يستأنس هو بهم، ويستأنسون به، لا يفارقونه، ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا. وسائر المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآية : ٩١ ] على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما. ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت ؛ أعني المؤمنين والكافرين : في حق المؤمنين [ قوله تعالى ](٧) :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ [ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٨) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ]. وفي حق الكفرة [ قوله تعالى ](٩) :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ - ٩٤ ]. ويحتمل [ ما ](١٠) ذكر بعضهم أن ذلك يقال لهم بعد ما دخل أهل الجنة الجنة وأصحاب النار النار، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ اختلف في تلاوته [ وتأويله ](١١). أما تلاوته [ فقد ](١٢) روي عن عائشة رضي الله عنها [ أنها ](١٣) قالت : كان رسول الله ﷺ يقرأ هذا الحرف : فروح وريحان ؛ يعني بضم(١٤) الراء، وعن الحسن أنه قرأها بالضم أيضا، وعن الضحاك بفتح الراء، وعليه جميع القراء. وقال أبو عبيد : لولا كراهة خلاف الأمة وإلا ما قرأتها إلا بالضم، ولكن لا أجد عليها أحد، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله تعالى أمة محمد ﷺ على الضلالة. وأما تأويله فعلى قراءة الرفع عن الحسن [ أنه ](١٥) قال : الروح الرحمة، والريحان ريحانها، وعن أبي عبيد [ أنه ](١٦) قال : بالرفع هي(١٧) الحياة والبقاء، وعن الضحاك بالفتح : الروح الاستراحة، والريحان الرزق. وقال بعضهم : الروح كناية عن دوام النعمة والسعة ؛ يقال : فلان في روح إذا كان في سعة ونعمة، والريحان كناية عن الشرف والمنزلة ؛ يقال : فلان ريحاني، وذلك لشرفه ومنزلته. ومنهم من قال : الروح الراحة، والريحان الرزق في الجنة. وقال بعضهم : الروح بالرفع من الرحمة، وبالنصب الراحة، ونحن نقول : جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة لقوله تعالى :﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾(١٨) [يوسف: ٨٧] أي من رحمته وقوله(١٩) في موضع آخر ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة: ٢٢] يخبر الله تعالى أن المقربين يكونون في رحمة الله ونعمته، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآيتان : ٩٠ و٩١ ] يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي ﷺ ويحيّي بعضهم بعضا بالسلام. ويحتمل ﴿فسلام لك﴾ [ أي السلامة لك ](٢٠) منهم من جميع الآفات والأذى. وذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه : فسلام إنك من أصحاب اليمين. فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم. وقيل : يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم. ١ في الأصل و م: إلى أخره.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ في الأصل و م: لهم.. ٤ في الأصل و م: لهم.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ ساقطة من الأصل وم. ٧ ساقطة من الأصل و م.. ٨ في الأصل و م: كذا.. ٩ ساقطة من الأصل و م.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ من م، ساقطة من الأصل و م.. ١٢ ساقطة من الأصل و م.. ١٣ ساقطة من الأصل و م.. ١٤ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٧٠.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ في الأصل و م.. ١٨ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٣/١٨٩.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:92

الآيتان ٨٨- ٩٤ وقوله تعالى :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ [ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ ](١) اختلف في وقت ما ذكر لمن ذكر ذلك. قال بعضهم : إن ذلك :[ ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٢) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ] يقال للمؤمنين(٣) عند الموت بشارة لهم بما يكون لهم في الجنة. ومنهم من يقول : إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة وأولئك النار ؛ أعني الكافرين، وهو ما ذكر :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ إلى ٩٤ ]. وجائز أن يكون يقال ذلك للمؤمنين(٤) عند رسول الله ﷺ في الجنة [ وهو ](٥) وصف رسول الله ﷺ ﴿ومن﴾(٦)عنده في الجنة ومكانهم لديه على ما كانوا في الدنيا : المقربون عنده ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين. فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب. ويكون قوله :﴿فروح وريحان﴾ أي يستأنس هو بهم، ويستأنسون به، لا يفارقونه، ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا. وسائر المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآية : ٩١ ] على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما. ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت ؛ أعني المؤمنين والكافرين : في حق المؤمنين [ قوله تعالى ](٧) :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ [ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٨) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ]. وفي حق الكفرة [ قوله تعالى ](٩) :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ - ٩٤ ]. ويحتمل [ ما ](١٠) ذكر بعضهم أن ذلك يقال لهم بعد ما دخل أهل الجنة الجنة وأصحاب النار النار، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ اختلف في تلاوته [ وتأويله ](١١). أما تلاوته [ فقد ](١٢) روي عن عائشة رضي الله عنها [ أنها ](١٣) قالت : كان رسول الله ﷺ يقرأ هذا الحرف : فروح وريحان ؛ يعني بضم(١٤) الراء، وعن الحسن أنه قرأها بالضم أيضا، وعن الضحاك بفتح الراء، وعليه جميع القراء. وقال أبو عبيد : لولا كراهة خلاف الأمة وإلا ما قرأتها إلا بالضم، ولكن لا أجد عليها أحد، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله تعالى أمة محمد ﷺ على الضلالة. وأما تأويله فعلى قراءة الرفع عن الحسن [ أنه ](١٥) قال : الروح الرحمة، والريحان ريحانها، وعن أبي عبيد [ أنه ](١٦) قال : بالرفع هي(١٧) الحياة والبقاء، وعن الضحاك بالفتح : الروح الاستراحة، والريحان الرزق. وقال بعضهم : الروح كناية عن دوام النعمة والسعة ؛ يقال : فلان في روح إذا كان في سعة ونعمة، والريحان كناية عن الشرف والمنزلة ؛ يقال : فلان ريحاني، وذلك لشرفه ومنزلته. ومنهم من قال : الروح الراحة، والريحان الرزق في الجنة. وقال بعضهم : الروح بالرفع من الرحمة، وبالنصب الراحة، ونحن نقول : جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة لقوله تعالى :﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾(١٨) [يوسف: ٨٧] أي من رحمته وقوله(١٩) في موضع آخر ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة: ٢٢] يخبر الله تعالى أن المقربين يكونون في رحمة الله ونعمته، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآيتان : ٩٠ و٩١ ] يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي ﷺ ويحيّي بعضهم بعضا بالسلام. ويحتمل ﴿فسلام لك﴾ [ أي السلامة لك ](٢٠) منهم من جميع الآفات والأذى. وذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه : فسلام إنك من أصحاب اليمين. فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم. وقيل : يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم. ١ في الأصل و م: إلى أخره.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ في الأصل و م: لهم.. ٤ في الأصل و م: لهم.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ ساقطة من الأصل وم. ٧ ساقطة من الأصل و م.. ٨ في الأصل و م: كذا.. ٩ ساقطة من الأصل و م.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ من م، ساقطة من الأصل و م.. ١٢ ساقطة من الأصل و م.. ١٣ ساقطة من الأصل و م.. ١٤ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٧٠.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ في الأصل و م.. ١٨ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٣/١٨٩.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:93

الآيتان ٨٨- ٩٤ وقوله تعالى :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ [ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ ](١) اختلف في وقت ما ذكر لمن ذكر ذلك. قال بعضهم : إن ذلك :[ ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٢) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ] يقال للمؤمنين(٣) عند الموت بشارة لهم بما يكون لهم في الجنة. ومنهم من يقول : إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة وأولئك النار ؛ أعني الكافرين، وهو ما ذكر :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ إلى ٩٤ ]. وجائز أن يكون يقال ذلك للمؤمنين(٤) عند رسول الله ﷺ في الجنة [ وهو ](٥) وصف رسول الله ﷺ ﴿ومن﴾(٦)عنده في الجنة ومكانهم لديه على ما كانوا في الدنيا : المقربون عنده ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين. فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب. ويكون قوله :﴿فروح وريحان﴾ أي يستأنس هو بهم، ويستأنسون به، لا يفارقونه، ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا. وسائر المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآية : ٩١ ] على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما. ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت ؛ أعني المؤمنين والكافرين : في حق المؤمنين [ قوله تعالى ](٧) :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ [ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٨) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ]. وفي حق الكفرة [ قوله تعالى ](٩) :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ - ٩٤ ]. ويحتمل [ ما ](١٠) ذكر بعضهم أن ذلك يقال لهم بعد ما دخل أهل الجنة الجنة وأصحاب النار النار، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ اختلف في تلاوته [ وتأويله ](١١). أما تلاوته [ فقد ](١٢) روي عن عائشة رضي الله عنها [ أنها ](١٣) قالت : كان رسول الله ﷺ يقرأ هذا الحرف : فروح وريحان ؛ يعني بضم(١٤) الراء، وعن الحسن أنه قرأها بالضم أيضا، وعن الضحاك بفتح الراء، وعليه جميع القراء. وقال أبو عبيد : لولا كراهة خلاف الأمة وإلا ما قرأتها إلا بالضم، ولكن لا أجد عليها أحد، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله تعالى أمة محمد ﷺ على الضلالة. وأما تأويله فعلى قراءة الرفع عن الحسن [ أنه ](١٥) قال : الروح الرحمة، والريحان ريحانها، وعن أبي عبيد [ أنه ](١٦) قال : بالرفع هي(١٧) الحياة والبقاء، وعن الضحاك بالفتح : الروح الاستراحة، والريحان الرزق. وقال بعضهم : الروح كناية عن دوام النعمة والسعة ؛ يقال : فلان في روح إذا كان في سعة ونعمة، والريحان كناية عن الشرف والمنزلة ؛ يقال : فلان ريحاني، وذلك لشرفه ومنزلته. ومنهم من قال : الروح الراحة، والريحان الرزق في الجنة. وقال بعضهم : الروح بالرفع من الرحمة، وبالنصب الراحة، ونحن نقول : جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة لقوله تعالى :﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾(١٨) [يوسف: ٨٧] أي من رحمته وقوله(١٩) في موضع آخر ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة: ٢٢] يخبر الله تعالى أن المقربين يكونون في رحمة الله ونعمته، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآيتان : ٩٠ و٩١ ] يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي ﷺ ويحيّي بعضهم بعضا بالسلام. ويحتمل ﴿فسلام لك﴾ [ أي السلامة لك ](٢٠) منهم من جميع الآفات والأذى. وذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه : فسلام إنك من أصحاب اليمين. فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم. وقيل : يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم. ١ في الأصل و م: إلى أخره.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ في الأصل و م: لهم.. ٤ في الأصل و م: لهم.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ ساقطة من الأصل وم. ٧ ساقطة من الأصل و م.. ٨ في الأصل و م: كذا.. ٩ ساقطة من الأصل و م.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ من م، ساقطة من الأصل و م.. ١٢ ساقطة من الأصل و م.. ١٣ ساقطة من الأصل و م.. ١٤ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٧٠.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ في الأصل و م.. ١٨ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٣/١٨٩.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:94

الآيتان ٨٨- ٩٤ وقوله تعالى :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ [ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ ](١) اختلف في وقت ما ذكر لمن ذكر ذلك. قال بعضهم : إن ذلك :[ ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٢) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ] يقال للمؤمنين(٣) عند الموت بشارة لهم بما يكون لهم في الجنة. ومنهم من يقول : إنما يقال ذلك إذا دخل هؤلاء الجنة وأولئك النار ؛ أعني الكافرين، وهو ما ذكر :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ إلى ٩٤ ]. وجائز أن يكون يقال ذلك للمؤمنين(٤) عند رسول الله ﷺ في الجنة [ وهو ](٥) وصف رسول الله ﷺ ﴿ومن﴾(٦)عنده في الجنة ومكانهم لديه على ما كانوا في الدنيا : المقربون عنده ومكانهم لديه أقرب من مكان غيرهم من المؤمنين. فعلى ذلك يخبر أن السابقين في الإجابة يكونون في الآخرة عنده أقرب. ويكون قوله :﴿فروح وريحان﴾ أي يستأنس هو بهم، ويستأنسون به، لا يفارقونه، ولا يفارقهم، على ما كانوا في الدنيا. وسائر المؤمنين يسلمون عليه في أوقات، وهو ما ذكر :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآية : ٩١ ] على ما كانوا يفعلون في الدنيا، وهو أقرب من الوجهين اللذين ذكرناهما. ويحتمل ما ذكروا من البشارة عند الموت ؛ أعني المؤمنين والكافرين : في حق المؤمنين [ قوله تعالى ](٧) :﴿فأما إن كان من المقربين﴾ ﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾ [ ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ](٨) [ الآيات : ٨٨ – ٩١ ]. وفي حق الكفرة [ قوله تعالى ](٩) :﴿وأما إن كان من المكذبين الضالين﴾ ﴿فنزل من حميم﴾ ﴿وتصلية جحيم﴾ [ الآيات : ٩٢ - ٩٤ ]. ويحتمل [ ما ](١٠) ذكر بعضهم أن ذلك يقال لهم بعد ما دخل أهل الجنة الجنة وأصحاب النار النار، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿فروح وريحان وجنات نعيم﴾ اختلف في تلاوته [ وتأويله ](١١). أما تلاوته [ فقد ](١٢) روي عن عائشة رضي الله عنها [ أنها ](١٣) قالت : كان رسول الله ﷺ يقرأ هذا الحرف : فروح وريحان ؛ يعني بضم(١٤) الراء، وعن الحسن أنه قرأها بالضم أيضا، وعن الضحاك بفتح الراء، وعليه جميع القراء. وقال أبو عبيد : لولا كراهة خلاف الأمة وإلا ما قرأتها إلا بالضم، ولكن لا أجد عليها أحد، فأستوحش من مفارقة الناس، ولا يجمع الله تعالى أمة محمد ﷺ على الضلالة. وأما تأويله فعلى قراءة الرفع عن الحسن [ أنه ](١٥) قال : الروح الرحمة، والريحان ريحانها، وعن أبي عبيد [ أنه ](١٦) قال : بالرفع هي(١٧) الحياة والبقاء، وعن الضحاك بالفتح : الروح الاستراحة، والريحان الرزق. وقال بعضهم : الروح كناية عن دوام النعمة والسعة ؛ يقال : فلان في روح إذا كان في سعة ونعمة، والريحان كناية عن الشرف والمنزلة ؛ يقال : فلان ريحاني، وذلك لشرفه ومنزلته. ومنهم من قال : الروح الراحة، والريحان الرزق في الجنة. وقال بعضهم : الروح بالرفع من الرحمة، وبالنصب الراحة، ونحن نقول : جائز أن يكونا جميعا بالنصب والرفع من الرحمة لقوله تعالى :﴿إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾(١٨) [يوسف: ٨٧] أي من رحمته وقوله(١٩) في موضع آخر ﴿وأيدهم بروح منه﴾ [المجادلة: ٢٢] يخبر الله تعالى أن المقربين يكونون في رحمة الله ونعمته، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين﴾﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ [ الآيتان : ٩٠ و٩١ ] يحتمل ما وصفنا أن أصحاب اليمين يسلمون على النبي ﷺ ويحيّي بعضهم بعضا بالسلام. ويحتمل ﴿فسلام لك﴾ [ أي السلامة لك ](٢٠) منهم من جميع الآفات والأذى. وذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه : فسلام إنك من أصحاب اليمين. فهذا إن ثبت فهو يخرج على البشارة له عند الموت، والله أعلم. وقيل : يسلم عليهم الملائكة، والله أعلم. ١ في الأصل و م: إلى أخره.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ في الأصل و م: لهم.. ٤ في الأصل و م: لهم.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ ساقطة من الأصل وم. ٧ ساقطة من الأصل و م.. ٨ في الأصل و م: كذا.. ٩ ساقطة من الأصل و م.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ من م، ساقطة من الأصل و م.. ١٢ ساقطة من الأصل و م.. ١٣ ساقطة من الأصل و م.. ١٤ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٧/٧٠.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ في الأصل و م.. ١٨ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٣/١٨٩.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ من م، ساقطة من الأصل..

الواقعة 56:95

الآية٩٥ وقوله تعالى :﴿إن هذا لهو حق اليقين﴾ يقول هذا الذي ذكرنا للمقربين ولأصحاب اليمين وللمكذبين، هو حق اليقين أي كائن، لا محالة، لا شك فيه، مثل هذا يقال على التأكيد وتحقيق ما سبق ذكره ووصفه.

الواقعة 56:96

الآية ٩٦ وقوله تعالى :﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ يقول، والله أعلم : فسبح ربك باسم لا يسمى به غيره، أي نزهه عن جميع ما قالت الملحدة فيه من الولد والشريك وتسمية من دونه إلها وغيره ذلك، والله الموفق.

الحديد 57:1

سُورَةُ الْحَدِيدِ وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يجوز أن يقرأ (سَبَّحَ لِلَّهِ) وسبح اللَّه، كما يقال في الكلام: شكر لله، وشكر اللَّه، ونصح لله ونصح اللَّه. ويجوز أن يكون معناهما في الظاهر مختلفا، ويتفق في الحقيقة والباطن؛ لأن التسبيح: هو التخليص والتنزيه والتبرئة، فمتى أضيف الفعل إلى اللَّه تعالى، ووقع عليه، فيقال سبح لله، فمعناه: أنه نزهه وبرأه عن جميع معاني الخلق، وخلصه عن شبه المخلوقين، وإذا قيل: سبح لله، فقد وقع الفعل على الأشياء المخلوقة؛ أي: خلصها كلها له وبرأها عن غيره، وإذا وصف بأن كل الأشياء له، وهو المالك لها، وهم عبيده ومماليكه، خاضعون أذلاء، فقد وصف بالغناء ونفي الحاجة عنه، وأنه متبرئ عن الشبه بمماليكه ومخلوقاته، فهما جميعا من هذا الوجه ينظمان معنى واحدا، وإن كانا مختلفين وفي الباطن مؤتلفين؛ كما أن الإسلام: هو أن يجعل كل شيء من الخلق لله تعالى خالصا سالمًا له، والإيمان: هو التصديق بالربوبية له في كل شيء، فمتى صدق اللَّه تعالى بالربوبية في الخلق والأمر، فقد جعل الخلق سالما له، فمتى جعل سالما له فقد صدقه في الربوبية، فقد اتفقا من حيث المعنى، وإن اختلفا من حيث الظاهر، فعلى ذلك هذا، والله الموفق. ثم يحتمل ما ذكر من التسبيح: هو تسبيح الخلقة، تشهد له خلقة كل شيء بالوحدانية والألوهية، فهذا على خلقة الكافر والمؤمن جميعا وغيرهما من المخلوقات. ويحتمل أن يكون أراد الممتحنين الذين في السماوات والأرض، ويرجع إلى تسبيح خاص، وهو تسبيح النطق واللسان عن اختيار. وجائِز أن يرجع إلى كل ذي روح يجعل اللَّه في سرية هذه الأشياء من التسبيح له ما

الحديد 57:2

يعلمه هو لا يعلمه غيره إلا بإعلام اللَّه تعالى إياه ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يخرج على وجوه: أحدها: العزيز: هو الذي أفقر الخلق وأحوجهم إليه، والحكيم: هو المحكم للأشياء المتقن لها. أو العزيز: القاهر الغالب، الحكيم: هو العالم بالأشياء على حقيقتها. أو العزيز: هو المالك كل ملك؛ كقوله: (مَالِكَ الْمُلْكِ)، الحكيم: الواضع كل شيء موضعه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) جائز أن يكون (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) تفسيرًا لقوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: يملك أن يحيي هذا، ويميت غيره، أو يحيي من شاء، ويميت من شاء، ويملك إحياء من شاء وإماتة من شاء، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) من الإحياء والإماتة وغيرهما (قَدِيرٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) قالت الباطنية: الأول: معناه: المبدع الأول، والآخر: المبدع الثاني، والظاهر: هو الناطق، وهو الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والباطن: هو صاحب التأويل؛ يقولون: إن المبدع الأول أتم للمبدع الثاني المعونة؛ فيستعين بها المبدع الثاني على خلق هذا العالم وإنشائهم؛ لأنهم يقولون: إن المبدع الثاني هو الذي دبر هذا العالم، وأنشأهم بإعانة المبدع الأول، والناطق هو الذي دبر الشرائع، والباطن -وهو صاحب التأويل- هو الذي يبين الشرائع التي دبرها الناطق وهو الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولا يصفون أن اللَّه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ويقولون: لا يجوز أن يوصف بهذه الأشياء؛ لأن الأولية تنفي الآخرية، والظاهر ينفي الباطن؛ كل حرف من هذه الحروف يبطل الآخر في الشاهد. وجوابنا: أن ما قلتم من المبدع الأول والثاني والناطق والباطن، ليس بشيء له معنى على ما ذكرنا في موضعه، وأما عندنا: فإن قوله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) هو حرف التوحيد: هو الأول بذاته، والآخر بذاته والباطن بذاته؛ قال هذا؛ ليعلم ولا يفهم من أوليته أولية غيره، ولا يفهم من آخريته آخرية غيره، فكذلك لا يفهم من ظاهريته ظاهرية غيره، ولا من باطنيته باطنية غيره؛ لأن في الشاهد من كان له أولية لا يكون له آخرية، ومن كان له آخرية لا يكون له أولية، وكذلك من كان له ظاهرية لا يكون له باطنية، ومن كان له باطنية لا يكون له ظاهرية؛ فكل حرف من هذه الحروف مما ينقض

الحديد 57:3

الآية ٣ وقوله تعالى :﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ قالت الباطنية :﴿الأول﴾ معناه المبدع الأول و﴿والآخر﴾ هو المبدع الثاني، و﴿والظاهر﴾ هو الناطق، وهو الرسول ﷺ ﴿والباطن﴾ هو صاحب التأويل. يقولون : إن [ ﴿الأول﴾ ](١) المبدع الأول، ثم للمبدع الثاني المعونة، فيستعين بها المبدع الأول(٢) على خلق هذا العالم وإنشائهم لأنهم يقولون : إن المبدع الثاني، هو الذي دبر هذا العالم، وأنشأهم بإعانته(٣) المبدع الأول، والناطق هو الذي دبر الشرائع، ﴿والباطن﴾ وهو صاحب التأويل ؛ هو الذي يبين الشرائع التي دبرها الناطق، وهو الرسول عليه السلام. ولا يصفون الله تعالى أنه(٤) ﴿هوالأول والآخر والظاهر والباطن﴾ ويقولون : لا يجوز أن يوصف بهذه الأشياء لأن الأولية تنفي الآخرية، والظاهر ينفي الباطن، كل حرف من هذه الحروف يبطل الآخر في الشاهد. وجوابنا : أن ما قلتم من المبدع الأول والثاني والناطق ليس بشيء له معنى على ما ذكرنا في موضعه. وأما عندنا فإن قوله تعالى :﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ هي حروف التوحيد : هو الأول بذاته والآخر بذاته والظاهر بذاته والباطن بذاته. قال هذا لئلا يعلم ولا يفهم من أوليته أولية غيره، ولا يفهم من آخريته آخرية غيره. فكذلك لا يفهم من ظاهريته ظاهرية غيره ولا من باطنيته باطنية غيره ؛ لأن في الشاهد من كان له أولية لا يكون له آخرية، ومن كان له آخرية لا يكون له أولية، وكذلك من كان له ظاهرية لا يكون له باطنية، ومن كان له باطنية لا يكون له ظاهرية. فكل حرف من هذه الحروف مما ينقض الحرف الآخر، وينفيه في الشاهد ؛ فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه ليعلم ألا يفهم من أوليته أولية الأشياء، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخرية الأشياء. وكذلك ما ذكرنا من ظاهريته وباطنيته. وهذا كما ذكر أنه﴿العظيم﴾ [ الشورى : ٤ و. . . ] و﴿اللطيف﴾ [ الأنعام : ١٠٣ و. . . ] وكل واحد في الشاهد مما يناقض الآخر، وينفيه ؛ ما عظم منه لم يلطف، وما لطف لم يعظم، لئلا يفهم من عظمته ما يفهم من عظمة غيره ولا من لطافته[ ما يفهم ](٥) من لطافة غيره، والله الموفق. وقال بعضهم :﴿هو الأول﴾ الذي لا ابتداء له﴿والآخر﴾ الذي لا انتهاء له ﴿والظاهر﴾ هو الغالب القاهر الذي لا يغلبه شيء﴿والباطن﴾ الذي لا تدركه الأوهام. وقال بعضهم :﴿هو الأول﴾ الذي له أولية الأشياء ﴿والآخر﴾ الذي له آخريتها(٦) ﴿والظاهر﴾ الحجج والآيات ﴿والباطن﴾ الذي لا تدركه الأوهام، والله الموفق. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: الثاني.. ٣ في الأصل و م: بإعانة.. ٤ في الأصل و م أن مدرجة بعد: ولا يصفون.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ في الأصل و م: آخرية..

الحديد 57:4

الحرف الآخر وينفيه في الشاهد، فإنما ذكر هذه الأحرف لنفسه؛ ليعلم ألا يفهم من أوليته أولية الأشياء، ولا يفهم من آخريته ما يفهم من آخرية الأشياء، وكذلك ما ذكر من ظاهريته وباطنيته، وهذا كما ذكر: أنه عظيم ولطيف، وكل واحد منهما في الشاهد مما يناقض الآخر وينفيه: ما عظم ينفي ويناقض ما لطف؛ لئلا يفهم من عظمة ما يفهم من عظمة غيره، ولا من لطافته ما يفهم من لطافة غيره، واللَّه الموفق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأول: الذي لا ابتداء له، والآخر: الذي لا انتهاء له، والظاهر: هو الغالب القاهر، الذي لا يغلبه شيء، والباطن: الذي لا تدركه الأوهام. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الأول الذي له أولية الأشياء، والآخر الذي له آخرية الأشياء، والظاهر بالحجج والآيات، والباطن الذي لا تدركه الأوهام، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) كأن خلق ما ذكر من السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام: الستة الأيام التي تدور عليها أيام الدنيا، وهي أيام حكمة، فإنما خلق في هذه الأيام كيان الأشياء وأصولها، لا أنه خلق كلية الأشياء فيها، وما يكون أبد الآبدين، فعلى هذا التأويل يكون قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) أي: استوى أمره، فخلق الممتحن، وهم البشر؛ إذ المقصود بخلق هذه الأشياء كلها البشر، ولهم إنشاء هذه الأشياء. وإن كان المراد من قوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أيام الدنيا الذي يكون اليوم مقداره ألف سنة؛ على ما ذكره في اية أخرى؛ فيكون ما ذكره من خلق السماوات والأرض وما بينهما خلق أصول الأشياء وكيانها وما يتولد منها، بل يقع ذلك على الكل، فيكون على هذا تأويل قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) البعث؛ أي: استوى خلق ما خلق وأنشأ من العالم بالبعث ما لولا ذلك البعث لم يكن إنشاء هذا العالم الأول حكمة؛ فالمقصود من إنشاء هذا العالم البعث، وله يصير إنشاؤه حكمة، فيكون به استواء الأمر. ثم تأويل العرش: يحتمل الملك؛ استوى ملكه بخلق الممتحن أو بالبعث الذي ذكرنا، ولا نفسر أنه ما أراد بقوله: (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)؛ لأنه لا يعلم ما أراد به، إذ قال في ذلك: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) أمر أن يسأل به خبيرا، ولم يرد بذلك: أنه يسأل به عنه؛ فلا يسمع تفسيره، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا)، أي: كثرة ذلك وازدحامه، لا يلتبس عليه ولا يستر عنه شيء.

الحديد 57:5

والثاني: يخبر أن السماء والأرض مع ثقلهما وكثافتهما لا يستران ولا يحجبان عليه الوالج فيهما، والخارج منهما والنازل منهما، والإحاطة بذلك؛ ليعلم أن لا شيء يحجب عنه، ولا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) هذا الحرف يخرج على وجهين: أحدهما: (وَهُوَ مَعَكُمْ): أي: عالم بكم وبأفعالكم، ومحيط بكم، وحافظ عليكم. والثاني: (وَهُوَ مَعَكُمْ) يتوجه المعنى فيه لاختلاف الأحوال؛ يقول: إن كنتم محبين له، خاضعين مطيعين، فهو معكم بالنصر لكم والمعونة على أعدائكم، وإن كنتم معرضين عنه معاندين فهو معكم بالمعونة عليكم، والانتقام منكم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وقال أهل التأويل: أي: علمه وسلطانه وقدرته معكم أينما كنتم، وأصله ما ذكرنا فيما تقدم: أنه إذا ذكر - جل وعلا - بلا ذكر الخلق معه، ولا ضم أحد إليه سواه، يوصف بالأزل، فيقال: لم يزل عالما قادرا خالقا، بلا ذكر وقت، ولا حد ولا شيء من المكان وغيره، وإذا ذكر معه شيء من الخلق يذكر على ما عليه هذا الخلق من الوقت والمكان والأحوال للخلق دون اللَّه تعالى، فيقال: لم يزل عالما للخلق وقت كونهم، لم يزل خالقا للعالم وقت كونه؛ حتى لا يتوهم قدم المخلوق، وعلى ذلك قوله تعالى: (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) الآية، (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) وقوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ)، وقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ...) الآية، وقوله تعايى: (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ)، ونحوها مما كثر ذكره كذلك على ما عليه أحوال الخلق، فعلى هذا قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) الملك إنما ينسب بحق نفاذ المشيئة والأمر والولاية، فجائز أن يكون قوله: (مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أي: له نفاذ المشيئة، وله الولاية في السماوات والأرض، وعلى أهلهما، وله السلطان عليهم، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون قوله: (مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أي: له خزائن السماوات والأرض، يعطى من يشاء، ويحرم من يشاء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي: إلى اللَّه يرجع تدبير الأمور من إحداث وتكوين وإعطاء وبذل ومنع وحرمان، ليس تدبير ذلك إلى الخلق، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون قوله: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، أي إلى اللَّه ترجع أمور الممتحنين في الآخرة من الحساب والسؤال، والثواب والعقاب وغير ذلك، واللَّه أعلم.

الحديد 57:6

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ... (٦) إيلاج الشيء: إنما هو إدخاله فيه على إبقاء المدخل فيه؛ هذا هو المعروف، لكن ما ذكر هاهنا من إيلاج هذا في هذا، وهذا أن جعل ما كان في حال الاستواء في حد الليل نهارا، وجعل ما كان في حال الاستواء في حد النهار ليلا؛ على إتلاف كل واحد منهما بالآخر، لا على الإبقاء، وفي ذلك وجوه من الدلالة: أحدها: يدل ذلك على أنه فعل واحد عليم له تدبير، لا فعل عدد، أو لا تدبير له؛ لأنه لو كان فعل عدد، لكان لا يجري على سنن واحد وتدبير واحد منذ كان إلى أبد الآبدين؛ بل يقع في ذلك تمانع وتغالب يمنع كل واحد ما له مما لغيره، ولغلبه عليه، ولا يوافقه في تدبيره؛ على ما يكون من عادة الملوك؛ على ما قال: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، وقال: (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، واللَّه الموفق. وفيه دلالة البعث، وهو إتيان الليل بعد ذهاب أثر النهار، وإتيان النهار بعد ذهاب أثر الليل، ونحو ذلك؛ على ما تقدم ذكره. وقوله: (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، قال أهل التأويل: أي: عليم بما في الصدور. وجائز أن يكون تأويله: وهو عليم بما في الصدور: أرباب الصدور، وهم البشر الذين لهم الصدور والتدبير؛ لأن الصدور إنما يقال للذين لهم تدبير وتمييز، وهم البشر، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) الإيمان باللَّه: هو أن تجعله رب كل

الحديد 57:7

الآية ٧ وقوله تعالى :﴿آمنوا بالله ورسوله﴾ الإيمان بالله : هو أن يجعل(١) رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر والإيمان برسوله هو أن يصدّق(٢) في كل ما يخبر عن الله تعالى وفي كل قول وفعل، وأنه محق، ويعلم أنه بأمر الله تعالى ونهيه يأمر، وينهى، ويفعل، لا من ذات نفسه. هذا الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ. وقوله تعالى :﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ يقول، والله أعلم : وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم لأن الناس يخلف بعضهم بعضا في هذه الأموال ؛ كأنه يقول : أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم كما ترك الإنفاق من تقدمكم ؛ إذ هي إنما أنشئت للإنفاق والانتفاع بها لا للترك كما هي، والله أعلم. ثم أخبر تعالى بقوله :﴿فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير﴾ أن من كان آمن به، وأنفق، فله أجر كبير : ما وعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه والإفضال فوق الاستحقاق ؛ إذ المال ماله، وهم عبيده، ولا يلزم للعبد أجر على سيده، والله الموفق. ١ في الأصل و م: يجعله.. ٢ في الأصل و م: يصدقه..

الحديد 57:8

شيء، وأن له الخلق والأمر، والإيمان برسوله: هو أن صدقه في كل ما يخبر عن الله تعالى وفي كل قول وفعل، وأنه صادق، وأنه محق، وتعلم أنه بأمر اللَّه تعالى ونهيه يأمر وينهى ويفعل لا من ذات نفسه؛ هذا هو الإيمان باللَّه تعالى ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) يقول - واللَّه أعلم -: وأنفقوا من المال الذي جعلكم فيه خلفاء من تقدمكم؛ لأن الناس يخلف بعضهم بعضا في هذه الأموال؛ كأنه يقول: أنفقوا من المال الذي جعلكم خلفاء من تقدمكم قبل أن يخلفكم من بعدكم؛ كما ترك الإنفاق من تقدمكم؛ إذ هي إنما أنشئت للإنفاق والانتفاع بها، لا للترك كما هي، واللَّه أعلم. ثم أخبر تعالى بقوله: (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أن من كان أمر به وأنفق، فله أجر كبير: ما أوعد لهم من الأجر على جهة الإنعام منه والإفضال، دون الاستحقاق؛ إذ المال ماله، وهم عبيده، ولا يلزم للعبد أجر على سيده، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) في ظاهره متناقض؛ لأنه يقول: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ)، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون باللَّه وبالرسول، ويصدقونه: أنه رسول اللَّه؛ إذ التصديق بالرسول تصديق بالمرسل، وهم لا يؤمنون باللَّه، فكيف يصدقون الرسول؟ لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما لكم لا تؤمنون باللَّه؟ أي: بقدرة اللَّه على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم قد أتاكم ودعاكم بما تبين لكم من قدرته وسلطانه على البعث، فما لكم لا تؤمنون بقدرته؟ على هذا جائز أن يخرج؛ لأن أهل مكة كانوا أصنافا: منهم من يذهب مذهب الدهر، ومنهم من يذهب مذهب الشرك، ومنهم من يقر بالتوحيد وينكر البعث، والله أعلم. والثاني يقول: أي: عذر لكم في ترك الإيمان باللَّه تعالى والرسول دعاكم، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه؟ فأي عذر لكم من ترككم الإيمان به؟ فما لكم لا تؤمنون؟ وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ) قد ذكرنا فيما تقدم أن أخذ الميثاق من الله تعالى يخرج على وجوه: أحدها: على ألسن الرسل - عليهم السلام - كقوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي...)، إلى آخر ما ذكر، وغير ذلك من أمثاله.

الحديد 57:9

والثاني: أخذ الميثاق ما جعل في خلقة كل أحد من شهادة الوحدانية له. والثالث: عهد إليهم؛ حيث ركب فيهم العقول والأفهام، وجعلهم بحيث يميزون ما لهم مما عليهم، فيما لا يحتمل إهمال مثلهم وتركهم سدى. ويحتمل ما ذكر بعض أهل التأويل من إخراجهم من صلب آدم - عليه السلام -، والوجوه الأول أقرب. وجائز أن يكون قوله: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين باللَّه ورسوله مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - واللَّه أعلم -: ما لكم لا تؤمنون باللَّه والرسول الذي كنتم مؤمنين به؟! ويحتمل أن تكون الآية في أهل النفاق الذين كانوا يظهرون الإيمان به، ولا يحققونه؛ يقول: ما لكم لا تحققون الإيمان باللَّه والرسول يدعوكم لتحققوا الإيمان بربكم؟ وهو كقوله: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ)، أي: لا عذر لكم في الكفر باللَّه ورسوله، وترك الإيمان بهما، فعلى ذلك الأول، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بالآيات والحجج. أو يذكر هذا لا على الشرط؛ بل على التأكيد؛ كقوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، لأنهن إذا كن أذعن الإيمان، لم يحل لهن أيضا كتمان ما في أرحامهن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) الآيات في الحقيقة: هي الأعلام، لكن فسرت الآيات بالحجج؛ لأن الآيات حجج من عند اللَّه تعالى جاءت، لا أنها مفتعلات من الخلق. وقوله: (بَيِّنَاتٍ): واضحات أنها من عند اللَّه جاءت، لا من عند الخلق، أو بينات أمره ونهيه، وما لهم وما عليهم، وما يؤتى وما يتقى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) ما أضيف إلى اللَّه تعالى من الإخراج، فهو على وجهين: أحدهما: على حقيقة الإخراج، وهو أن يوفقهم إلى الإيمان، ويعطيهم المعونة والعصمة؛ فيخرجون مما ذكر من الكفر إلى الإيمان. والثاني: يخرج على الأمر به، والدعاء إلى الإيمان، ليس على حقيقة الإخراج، وهو كقوله: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) في هذه الآية، ونظير حقيقة الإخراج قوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، وعلى هذا يخرج إضافة

الحديد 57:10

الهداية إلى اللَّه تعالى: على التوفيق وإنشاء فعل الهداية منهم، والثاني: على الدعاء والبيان، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) جائز أن يكون معناه: وإن اللَّه بمن خرج من الظلمات إلى النور لرءوف رحيم، وهو يرجع إلى المؤمنين خاصة. وجائز أيضا أن يوصف بالرحمة والرأفة على الكل؛ أي: بكم لرءوف رحيم بما أرسل إليكم الرسول، وأنزل عليكم الكتاب، وإن كان في أنفسكم وعقولكم كفاية على معرفة وحدانية اللَّه تعالى وربوبيته بدون إنزال الكتاب وإرسال الرسول، لكن بفضله ورحمته أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون ذلك أدعى لهم، وأوصل إلى إدراك ما دعوا إليه، وأقرب في دفع الشبه والعذر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: ما قال أهل التأويل: إن الخلق يفنون كلهم، ويبقى اللَّه تعالى؛ كقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا)، فعلى هذا قوله: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: ما لكم لا تنفقون في سبيل اللَّه قبل أن يزول ملككم ويصير ميراثا لله تعالى. وجائز أن يكون قوله: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إضافة وراثة بعضهم من بعض إليه؛ لما أنهم عبيده وإماؤه، ومال العبد يكون لسيده؛ فيصير كأنه يقول: ما لكم ألا تنفقوا لأنفسكم، وما يرجع إلى منافعكم، قبل أن يصير ذلك ميراثا لغيركم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً...) الآية. قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ)، أي: لا يستوي منكم من آمن قبل الفتح؛ لأن قبل الفتح كان على من آمن خوف الهلاك وأنواع العقوبات؛ لأن الغلبة في ذلك الوقت كانت لأهل الكفر؛ لذلك لم يستو من آمن منهم قبل الفتح، ومن آمن منهم بعد الفتح، وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمانهم لرجح "؛ لأن إيمانه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في وقت الخوف على متبعي الإسلام. أو لما يكون بإيمانه إيمان نفر كثير؛ لأنه كان رئيسهم، وكذلك الإنفاق في ذلك الوقت أفضل وأعظم، لما في الإنفاق في ذلك الوقت معونة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولمن تابعه. أو لما أن الإنفاق من بعد الفتح يقع به طمع الوصول إلى المنافع والأبدال من الصدقات والمغانم، وقبل الفتح، لم يكن ذلك المعنى، فهو لله خالص بلا بدل ولا طمع كان معه، واللَّه أعلم.

الحديد 57:11

وقيل: لا يستوي من هاجر ومن لم يهاجر، ولا هجرة بعد فتح مكة؛ فلذلك روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا هجرة بعد اليوم، ولكن جهاد ونية " وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)، أي: وعد اللَّه لكلا الفريقين: من أنفق قبل الفتح وبعده الجنة والثواب الحسن. وقال بعض أهل التأويل: هذه الآية نزلت في فتح الحديبية، فقيل: يا رسول اللَّه، فتح هو؟ قال: " نعم، فتح عظيم ". وعن قتادة: هو فتح مكة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) فيه ترغيب وترهيب فيما يرغب ويرهب عنه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) قد ذكرنا فيما تقدم: أنه - جل وعلا - عامل عباده بكرمه وجوده معاملة من لا حق له ولا ملك في أنفسهم وأموالهم، لا معاملة من حقيقة أملاكهم وأموالهم وأنفسهم له؛ من نحو ما ذكر من الإقراض له، وما ذكر من شرائه أنفسهم وأموالهم منهم بأن لهم الجنة، وما ذكر لأعمالهم من الأجر، وهم عبيده، وأعمالهم التي يعملون لأنفسهم، كأنهم عاملون له، وما يمسكون لأنفسهم ويدخرونه في وقت الحاجة لهم، سماه: قرضا، وما يكتسبون به للحياة الدئمة والنعم الباقية، فهم المنتفعون بها، ولا أحد في الشاهد يستقرض مال نفسه من آخر ببدل ثم يعطي له الأجر على ذلك؛ هذا كله خاج عن عادة الخلق، وطبعهم، وصنيعهم بعضهم مع بعض، لكن عاملهم بما يليق بكرمه وجوده وعد لهم بما أمسكوا لأنفسهم أضعافا مضاعفة. ثم جائز تسميته ما يمسكون لوقت حاجتهم: قرضا؛ لئلا يمنوا على الفقراء وأهل الحاجة بما أعطوهم منه؛ لما عرف - جل وعلا - من طبعهم الامتنان عليهم، أو لما يدفع عنهم مؤنة حفظ ذلك إلى وقت حاجتهم من السرقة، والغصب وغير ذلك من أنواع ما يخاف التلف منها، واللَّه أعلم.

الحديد 57:12

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، قال أهل التأويل: أي: أجر حسن، والله أعلم. وجائز تسميته: كريما؛ لما أن من ناله يصير كريما، أو لما يؤمل ويرجى أن يكون لهم ذلك، والكريم في الشاهد: هو الذي يرجى منه كل خير ويؤمل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) جائز أن يكون قوله: (يَسْعَى نُورُهُمْ) أي: كتبهم التي يعطون في الآخرة، فإنه يعطى كتاب المقربين والسابقين من أمامهم وقدامهم، وكتاب سائر المؤمنين من أيمانهم، وكتاب أهل الشرك من وراء ظهورهم، يؤيده حرف حفصة - رضي اللَّه عنها -: (نورهم يسعى بين أيديهم وفي أيمانهم) كقوله: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ...) الآية. وجائز أن يكون نور إيمانهم ودينهم الذي كانوا عليه في الدنيا. وجائز أن يكون نورهم الذي ذكر كناية عن الطريق الذي يسلك فيه السابقون، يرون ما أمامهم، وسائر المؤمنين عن أيمانهم وما سلكوا في الدنيا، وأهل الشرك بشمالهم، وأهل النفاق من ورائهم. وجائز أن يكون قوله: (وَبِأَيْمَانِهِمْ) كناية عن اليمن والبركة؛ إذ إنما بالأيمان ينال اليمن والبركات فسماها بذلك. ويحتمل ما ذكر أهل التأويل: أنه يرفع لهم نور، فيمشون بذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) إنما يقال ذلك قبل دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ وهذا يدل أن النور المذكور لهم يكون قبل دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. وقوله: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)؛ لأنه لا هلاك بعده ولا تبعة، ولا انقطاع لذلك. ثم قوله: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) ليس أن يراه هو خاصة لا يرى غيره ذلك؛ بل يرى ذلك جميع المؤمنين؛ فيبطل به قول من جعل التنصيص على الشيء دالا على التخصيص ونفي غيره. وعن قتادة: أنه قال: ذكر لنا أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إن من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، وإلى صنعاء، فدون ذلك، حتى من المؤمنين مؤمن لا يضيء نوره إلى موضع قدميه، وللمؤمنين منازل لأعمالهم ".

الحديد 57:13

وروي في بعض الأخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ): ما أفرطوا من أولادهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) منهم من قرأ: (لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)، ومنهم من قرأ مقطوعة من (أنظرت)؛ قال أبو عبيدة: فالاتصال أحب إلينا؛ لأن تأويلها - واللَّه أعلم -: انتظرونا، يقال منه: نظرت فلانا أنظره. وأما القراءة الأخرى؛ فإنها من التأخير؛ يقال منه: أنظرت فلانا أنظره؛ إذا أخرته، ولا أعرف للتأخير هاهنا موضعا. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: أنظرته ونظرته، أي: انتظرته، يقال منه: نظر نظرة. ثم الآية دلت على أن أهل النفاق يكونون ببعد من المؤمنين وألا ينتفعوا بنور المؤمنين، ولكن يرون ذلك اليوم من بعد؛ حيث قالوا: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ)، ولو كانوا بقرب منهم أو ينتفعون بنورهم، لكانوا لا يطلبون منهم الانتظار لهم، والاقتباس من نورهم، واللَّه أعلم. وقوله: (قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) من الناس من يقول: إن هذا هو الاستهزاء الذي ذكر في آية أخرى: أنه يستهزئ بهم، حيث قال: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)، فقوله: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) هو ذلك الاستهزاء. وقلنا نحن في قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)، أي: يجزيهم جزاء استهزائهم، الذين استهزءوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبالمؤمنين. وجائز أن يكون قوله: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ) وليس على الأمر بالرجوع من وراء والتماس النور، ولكن على التوبيخ والتعيير، أي: النور إنما يطلب من وراء هذا اليوم؛ أي: من قبل هذا اليوم، لا يطلب فيه، واللَّه أعلم. وقوله: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) الآية. جائز أن يكون السور الذي ذكر الذي ضرب بينهم ما ذكر في سورة الأعراف؛ حيث قال: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ)، السور: هو الأعراف التي ذكر أنها تكون حجابا بين أهل النار وأهل الجنة، يرفع ذلك السور بينهم؛ لئلا ينتفعوا بنور المؤمنين. وقوله: (لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ). جائز أن يكون قوله: (بَابٌ) ليس على حقيقة الباب، ولكن الباب كناية عن الطريق والسبيل؛ يقول: هو طريق وسبيل، من يأخذ ذلك السبيل، أفضاه إلى الرحمة، ومن

الحديد 57:14

سلك ظاهره، أفضاه إلى العذاب. وجائز أن يُفتح من النار إلى الجنة باب؛ فيرون ما حل بهم من العذاب، ويرون أهل النار أهل الجنة على ما هم عليه من النعيم؛ ليزداد لهم حسرة وندامة. أو يكون اطلاعا لا من باب، ولكن من السور والأعراف الذي ذكر، وهو ما قال: قوله تعالى: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ)، والاطلاع في الظاهر إنما يكون من مكان عال مرتفع إلى موضع منحدر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) أي: ينادي أهل النفاق المؤمنين ألم نكن معكم قالوا بلى، جائز أن يكون هذا القول منهم (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) تغرير منهم للمسلمين يومئذ كما كانوا يغرونهم في الدنيا، وهو ما أخبر عنهم، يكذبون في الآخرة كما كانوا في الدنيا؛ حيث قال: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)، ثم أخبر أنهم هم الكاذبون في حلفهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قولهم: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) يخرج على تغريرهم إياهم. ثم الإشكال والكلام قول المؤمنين: (بَلَى)، وقد علموا أنهم لم يكونوا معهم، فكيف قالوا: بلى؟ فنقول: جائز أن يكون جوابهم خرج لأُولَئِكَ على ما عرفوا من خطابهم ومرادهم، فأجابوهم على ذلك. أو أن يكون قولهم: بلى إن كنتم تقولون بأنا معكم، ولكن لم تكونوا معنا. أو يخرج جوابهم على ظاهر ما يرون من أنفسهم الموافقة دون الحقيقة. وقوله: (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) يخرج على وجوه: أحدها: امتحنتم أنفسكم في الرجوعِ إلى من جعل لكم المنافع والعاقبة، كقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) أي شدة، وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي: أثمتموها. وقوله: (وَتَرَبَّصْتُمْ) يخرج على وجهين: يحتمل تربصتم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه سيموت عن قريب، أو أنه يرجع عن الإسلام إلى دين أُولَئِكَ الكفرة. وقوله: (وَارْتَبْتُمْ)، أي: شككتم وإن قام لكم ما يدفع الارتياب والشك عنكم والشبه. وقوله: (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ) يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا من اتباعهم المنافع التي كانوا يتوقعونها فكيفما كان يتبعون غرضهم في ذلك. والثاني: ما تمنت أنفسهم من موت رسول اللَّه وهلاكه، أو عوده إلى دينهم.

الحديد 57:15

وقوله: (حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ) أي: الأمر بالهلاك، أو يوم القيامة. وقوله: (وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) أي: غركم عن دين اللَّه الشيطان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥). قرئ بالياء والتاء، وأكثرهم على الياء، معناهما واحد، أي: لا يكون لهم فدية يومئذ، ليس أنه يكون لهم فدية ولا تؤخذ. أو أن يقول على التمثيل، أي: لو كان لهم فدية، لكان لا تقبل منهم، يخبر أن أمر الآخرة على خلاف ما يكون في الدنيا؛ إذ في [الدنيا] ربما يحتال لدفع البلاء بالفداء مرة وبالشفاء ثانيا. وقوله: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ)، أي يأوون إليها. وقوله: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ)، أي: أولى بكم وأحق. وقوله: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، أي: بئس ما يصيرون إليها. ثم في الآية دلالة نقض قول المعتزلة في تخليد أصحاب الكبائر في النار؛ لأنه تعالى جعل الناس على ثلاث فرق، وأنزلهم منازل ثلاثة: المنافقين، والكافرين كفر تصريح، والمؤمنين، وجعل النار لأهل الكفر وأهل النفاق، ولم يجعلها لغيرهما، وصاحب الكبيرة ليس هو بمنافق ولا كافر عندهم، وكذلك ما قسم اللَّه تعالى الناس أقساما ثلاثة: السابقين، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال هم المكذبون، وأصحاب الكبائر ليسوا بمكذبين عندهم، وهو ما جعل النار إلا للمكذبين؛ ألا ترى أنه قال في آخره: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥). جعل الجنة للمقربين وأصحاب اليمين والنار للمكذبين خاصة، لم يجعلها لغيرهم، فمن جعلها لغيرهم، فهو مخالف لظاهر هذه الآيات التي ذكرنا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (وَمَا نَزَلَ) قرئ مخففا ومثقلا، فمن شدد شدد لما سبق من ذكر اللَّه تعالى، ومن خفف، جعل الفعل للحق. ثم الآية تحتمل وجوها: أحدها: ما قال بعض أهل التأويل: إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر، (أَلَمْ يَأْنِ)، أي: قد أنى للذين آمنوا ظاهرًا وأظهروا الموافقة للمؤمنين (أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)، أي: إذا ذكر اللَّه (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)، أي: القرآن إذا يتلى عليهم، أي: يرق قلوبهم وتؤمن به؛ لأنهم كانوا يتربصون برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والدوائر، ويطمعون هلاكه، أمّن اللَّه تعالى المؤمنين من ذلك الخوف وآيس أُولَئِكَ عما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) ظاهرًا (أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به، واللَّه أعلم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ). على هذا التأويل: أي: لا تكونوا كأُولَئِكَ الذين تمادوا في الضلال وقساوة القلوب؛ لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب. ويحتمل أن يكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يبعث فيقول: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) به من قبل أن يبعث (أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ) أي كتابهم (وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) وهو القرآن أن يؤمنوا به، كما كانوا آمنوا به لما وجدوا نعته في كتابهم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ...) الآية. أي: لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب، (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) أي: طال عليهم أن ينظروا في كتبهم؛ (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) بطول ترك نظرهم فيها، واللَّه أعلم. ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان باللَّه ورسوله، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: (أَلَمْ يَأْنِ)، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم عند ذكر اللَّه بالنظر والتأمل في ذلك؛ فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم عند ذكر اللَّه، ويزداد لهم الإيمان واليقين؛ للنظر فيه والتفكر، وفهم ما فيه، واللَّه أعلم. والثاني: (أَلَمْ يَأْنِ)، أي: قد أنى للذين آمنوا أن تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر اللَّه، (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، أي: لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره ولا تتركوا النظر فيه والتفكر، كالذين غفلوا عما فيه؛ فقست قلوبهم فلا تكونوا

الحديد 57:16

الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ وما نزل قرئ مخففا ومثقلا(١) ؛ فمن شدد شدد لما سبق من ذكر الله تعالى، ومن خفف جعل الفعل للحق. ثم الآية تحتمل وجوها : أحدها : ما قال بعض أهل التأويل : إنها نزلت في المنافقين الذين أظهروا الإيمان، وأضمروا الكفر :﴿ألم يأن﴾ أي قد أنى للذين آمنوا ظاهرا، وأظهروا الموافقة للمؤمنين ﴿أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ أي إذا ذكر الله ﴿وما نزل من الحق﴾ أي القرآن إذا يتلى عليهم أن ترق قلوبهم، وتؤمن به، لأنهم كانوا يتربصون برسول الله ﷺ الدوائر/٥٥٠-أ/ويطمعون بهلاكه. أمّن الله تعالى المؤمنين من ذلك، وآيس أولئك مما تربصوا فيه من نزول الدوائر، فقال تعالى :﴿ألم يأن للذين آمنوا﴾ ظاهرا ﴿أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ والقرآن، وترق لذلك، وتؤمن به ؟ والله أعلم. وقال(٢) تعالى :﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾ على هذا التأويل ؛ أي لا تكونوا كأولئك الذين تمادوا في الضلال وقساوة القلوب لما طال عليهم الوقت، وتركوا النظر في الكتب. [ والثاني ](٣) : أن تكون الآية في أهل الكتاب الذين كانوا مؤمنين برسول الله ﷺ قبل أن يبعث. فيقول تعالى :﴿ألم يأن للذين آمنوا﴾ به من قبل أن يبعث ﴿أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ أي كتابهم ﴿وما نزل من الحق﴾ وهو القرآن أن يؤمنوا به كما كانوا آمنو به لما وجدوا بعثه في كتابهم. ويقول(٤) تعالى :﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل﴾ أي لا تكونوا كالذين كانوا من قبلكم من أهل الكتاب ﴿فطال عليهم الأمد﴾ أي طال عليهم أن ينظروا في كتبهم ﴿فقست قلوبهم﴾ بطول ترك نظرهم فيها، والله أعلم. [ والثالث ](٥) : أن تكون الآية في المؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله، وهو مخرج على وجهين : أحدهما :﴿ألم يأن﴾ أي قد أنى ﴿أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ بالنظر والتأمل(٦) في ذلك، فيحملهم ذلك على خشوع قلوبهم [ كقوله تعالى :﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾ [الأنفال: ٢] جعل وصف المؤمنين أن توجل قلوبهم ](٧) عند ذكر الله، ويزداد لهم الإيمان واليقين بالنظر فيه والتفكر وفهم ما فيه، والله أعلم. والثاني :﴿ألم يأن﴾ أي قد أنى﴿للذين آمنوا أن﴾ تقطع شهواتهم وأمانيهم في الدنيا، وتخشع قلوبهم لذكر الله ﴿ولا يكونوا كالذين أوتو الكتاب﴾ أي لا تغفلوا عن كتاب الله وذكره، ولا تتركوا النظر فيه والتفكر، فتغفلوا عما فيه ﴿فقست قلوبهم﴾ فلا تكونوا أنتم كهم، فتقسو قلوبكم كما قست قلوبهم. وقوله تعالى :﴿وكثير منهم فاسقون﴾ أي كثير من أولئك الذين أوتوا الكتاب فاسقون لتركهم النظر في الكتاب. وجائز :﴿وكثير منهم فاسقون﴾ أي المعاندون، والقليل منهم المقلدون، وهو كقوله تعالى :﴿وأكثرهم للحق كارهون﴾ [ المؤمنون : ٧٠ والزخرف : ٧٨ ] أي معاندون، وهم الرؤساء، والقادة الذين كابروا رسل الله، وعاندوهم إلا قليلا(٨) منهم اتبعوهم، وقلدوهم. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٧/٨٦.. ٢ في الأصل و م: ثم قوله.. ٣ في الأصل و م: ويحتمل.. ٤ في الأصل و م: ثم وقوله.. ٥ في الأصل و م: ويحتمل.. ٦ من م، في الأصل: و التأويل.. ٧ ساقطة من م.. ٨ في الأصل و م: قليل..

الحديد 57:17

أنتم كهم؛ فتقسوا قلوبكم كما قست قلوبهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)، أي: كثير من أُولَئِكَ الذين أوتوا الكتاب فاسقون؛ لتركهم النظر في الكتاب. وجائز (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) أي: المعاندون، والقليل منهم المقلدون؛ وهو كقوله: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، أي: معاندون، وهم الرؤساء والقادة الذين كابروا الرسل وعاندوهم إلا قليل منهم اتبعوهم وقلدوهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧). ذكر هذا ليس على أنهم لم يكونوا علموا أن اللَّه هو يحيي الأرض بعد موتها، بل كانوا عالمين بذلك، لكنه ذكر كما ذكر لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، أي: أشعر قلبك في كل وقت وساعة الربوبية لله تعالى والواحدانية له؛ فعلى هذا يحتمل قوله: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)، أي: أشعروا قلوبكم في كل وقت جعل الألوهية والربوبية لله تعالى، وصرف العبادة إليه، والتنزيه والتبرئة له عما لا يليق به مما يوصف به الخلق؛ إذ علمتم أنه يحيي الأرض بعد موتها، فاعلموا، أنه يمتحنكم بأنواع المحن؛ إذ لا يحتمل إحياء ما ذكر بغير فائدة وتركهم سدى. أو يقول: قد علمتم أن اللَّه تعالى هو يحيي الأرض بعد موتها، وأنتم ترغبون فيما أحياه، وتصيبون منه، وتجتهدون في نيل ذلك وإصابته، فاجتهدوا في إصابة البركات الدائمة في الحياة الباقية. أو يقول: كما علمتم: أنه قادر على إحياء الأرض بعد موتها، فاعلموا أنه قادر على البعث، واللَّه أعلم. وقوله: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف " لعل " من الله تعالى يخرج على الإيجاب، لكن يخرج هاهنا على الترجي وإطماع العقل للآيات والفهم لها إذا نظروا فيها وتأملوا أنها آيات من اللَّه تعالى. أو أن يرجع ذلك إلى خاص من الناس لو خرج حرف " لعل " للإيجاب دون الترجي، وهم الذين علم اللَّه تعالى أنهم يعقلون أنها آيات ويؤمنون بها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ... (١٨) قرئ مشدد الصاد والدال، ومخفف الصاد، فمن شدده جعله من التصدق، أي: المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد؛ فيصير الْمُصَّدِّقِينَ، مثل: المزمل والمدثر؛ يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قرأ بالتاء: (إن المتصدقين والمتصدقات).

الحديد 57:18

الآية ١٨ وقوله تعالى :﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ قرئ مشدد الصاد والدال ومخفف الصاد(١) فمن شدده جعله من التصدق : أي المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد، فصار(٢) مثل المزمل والمدثر. يؤيد ذلك ما ذكر في حرف أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأه بالتاء : إن المتصدقين والمتصدقات. ومن خفّفه جعله(٣) من التصدق والإيمان. وقوله تعالى :﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾ قد ذكرنا تأويله في ما تقدم. ١ انظر القراءات القرآنية ج٨/٨٧.. ٢ في الأصل و م: فيصير.. ٣ في الأصل و م: جعلها..

الحديد 57:19

ومن خففه، جعلهما من أن تصديق والإيمان. وقوله: (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ). قد ذكرنا تأويله فيما تقدم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩) سمى المؤمنين: صديقين، والصديق لا يقال إلا لمن يكثر منه التصديق، وقد يكثر من كل مؤمن التصديق وإن كان ما يأتي به إنما هو شيء واحد نحو إذا صدق اللَّه - صدق رسله فيما أخبروا عن اللَّه تعالى وفيما دعوهم إلى ما دعوا، وبلغوا عن اللَّه إلى الناس، وصدق الخلائق جميعا فيما شهدوا على وحدانية اللَّه تعالى وألوهيته من حيث شهادة الخلقة وشهادة الأخبار في حق المؤمنين، فتصديقه يكثر، وإن كان الكلام في نفسه يقل، وهو كما قلنا لأبي حنيفة - رحمه اللَّه - في جواز الخطبة بتسبيحة أو تهليلة: إنها كلمة وجيزة، لو فسرت وبسطت، صارت خطبة طويلة، واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: إن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فضل باسم الصديق على غيره من الأمة، فإذا استحق غيره من المؤمنين هذا الاسم لم يختص هو بتلك الفضيلة؟ قيل: إن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سمي: صديقا وخص به من بين سائر الصحابة والمؤمنين؛ لمعنى اختص به من بينهم، وغيره من المؤمنين سموا: صديقين من بين سائر أهل الأرض جميعا إلا في مقابلته، كهو اختص بهذا الاسم من بين سائرهم إلا في مقابلة النبي وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هذا هو معنى تفضيله، والفضل عند المقابلة يكون. ويحتمل أن يكون ذلك الاختصاص له للاعتقاد والمعاملة جميعا وسائر المؤمنين سموا: صديقين؛ للاعتقاد خاصة، ومن وفي الأمرين جميعا كان أفضل ممن وفي أمرا واحدًا. وقوله: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) من الناس. من جعل قوله: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) على الابتداء مقطوعا من قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ)، ومنهم من وصله به: فمن قطع عنه؛ فإنه يقول: الشهداء هم الرسل؛ لقوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، ثم أخبر أن لهم أجرهم. ومن قال إنه موصول ذهب إلى أن المؤمنين شهداء على الناس؛ كقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...) الآية، سماهم: شهداء على غيرهم من الأمم، واللَّه أعلم.

الحديد 57:20

ولأهل الاعتزال أدنى تعلق بظاهر هذه الآية؛ وذلك لأنهم يقولون: إن اللَّه تعالى إذا ذكر المؤمنين على الإطلاق، ذكر على أثر ذلك ما وعد لهم من الكرامات والثواب الجزيل، وإذا ذكرهم مع جريمتهم ذكر الوعيد لهم، يستدلون بذكر الوعيد على أثر ذلك على أنه قد خرج من الإيمان، لكن ليس لهم بذلك دليل وإنما ذكر مقابل ما ذكر للمؤمنين من الكرامات للكفار الجحيم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤). وقوله: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ). ففي ظاهر ما ذكر من هذه الآية ونحوها من الآيات لأهل الإلحاد طعن عظيم؛ فإنهم يقولون: إن كانت الحياة الدنيا لعبا ولهوا، فلم أنشأ اللَّه تعالى لعبا ولهوا ولا منشئ سواه؟ فلهم موضع الطعن على هذا الوجه، ولهم دعوى التناقض - أيضا - فيه؛ لما ذكر في بعض الآيات، فقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، وقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، وقال في هذه الآية وغيرها: (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ). فنقول: إن الآية تخرج على وجوه: أحدها: على التقديم والتأخير مع الإضمار: كأنه قال: اعلموا أن مثل الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، أي: يتزينون بها ويتفاخرون بالأولاد والأموال، ويتلهون بها ويلعبون - كمثل الغيث أعجب الكفار نباته، ثم يصير ما ذكر حتى لا ينتفع به؛ فعلى ذلك حياة الدنيا، واللَّه أعلم. والثاني: إنما الحياة الدنيا على ما هي عندكم، وعلى ما اتخذتموها، وعلى ما ظننتم: أنه لا بعث ولا حياة بعده -كان إنشاؤها عبثا ولهوا- إذ لو كان على ما ظنوا لم يكن إنشاؤها إلا للإفناء والإهلاك خاصة، وبناء البناء المحكم للإفناء خاصة عبث وسفه، ليس بحكمة، وهو ما ذكر: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، ذلك ظن الذين كفروا، وكان ظنهم أن لا بعث ولا حياة بعده؛ فعلى ما كان ظنهم، كان إنشاؤها لعبا ولهوا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد حكمة وحق وصواب، وعلى ما كان عند أهل الإلحاد، فهي سفه وباطل، وقد رد اللَّه عليهم بقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). وجائز أن يكون معنى قوله: (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)، أي: لو قوبلت بحياة الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، وهو ما ذكر: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى)؛ لأنها باقية، والدنيا فانية. أو يقول: إنما الحياة الدنيا للدنيا خاصة لعب ولهو، أي: من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة تكون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبلغة إليها، فهي ليست بلعب، وهو ما قال تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)، أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صر، وقال في النفقة التي تكون في الدنيا لحياة الآخرة: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...) الآية، واللَّه أعلم. وقوله: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ). والإشكال: أنه كيف خص الكفار بعجبهم ظاهر ذلك النبات وقد يعجب النبات لأهل الإيمان؟ فنقول: لأن الكفار يعجبهم ظاهر ذلك النبات وما يرون من النزهة، لا يرون إلى ما ضمن في ذلك النبات وجعل فيه من المنفعة في العاقبة لكن ينظرون إلى ظاهره، وأما المؤمنون إنما يعجبهم ما في ذلك النبات من المنفعة في العاقبة، وإلى ذلك يكون نظرهم لا إلى ظاهره، وهو كما شبه إنفاق الكفرة بالريح التي فيها صر يصيب حرث قوم؛ لما لا يقصدون بإنفاقهم سوى نفس الإنفاق، وشبه نفقة أهل الإيمان بالحبة التي تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ لما كان مقصدهم في الإنفاق عاقبته، لا عين الإنفاق. ويحتمل أن يكون المراد من الكفار الزراع، وبه فسر بعض أهل الأدب؛ وهو كقوله: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ...)، فعلى هذا التأويل، رجع إلى الكل، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ)، أي: لهَؤُلَاءِ الذين اتخذوا الدنيا لعبا ولهوا، وصيروها تفاخرا وتكاثرا دون أن يتخذوها زادا وبلغة إلى الآخرة. وقوله: (وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ)، فهو للمؤمنين الذين اتخذوا الحياة الدنيا للآخرة، وعقلوا الآيات التي بينها لهم؛ للنظر فيها والتفكر والتأمل فيها، ووضعوها مواضعها، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله: (أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ). قال الإمام الهندي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ): إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت وجعلت له -حكمة وحق وسرور ليس بغرور، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي أنشئت وجعلت- غرور ولعب ولهو؛ لأن من أحب شيئا استكثر منه، وحبسه لنفسه، وحفظه من نقصه وضياعه، واستبقاه لوقت حاجته ويوم فقره؛ فعلى ذلك من جمع الدنيا لنفسه وأحبها واستعملها فيما أذن له، وهو أن يجعلها زادا للآخرة وبلغة إليها، فإذا علم ذلك استكثر منها عند اللَّه ليوم فاقته، فمن أحبها واختارها لهذا، فليس بغرور، ولا لعب، بل سرور وبهجة، ومن طلبها لغيره واستعملها في غير ما أنشئت، كان غرورا ولعبا، على ما ذكر في قوله: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) على ما يختارون هم ويحبونها؛ وذلك أن اللَّه تعالى أنشأ لنا هذه النعم؛ حيث قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، يجب أن ينظر إلى ذلك بالتعظيم لها والإجلال، وليس الاستخفاف والهوان؛ ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو أكرم أحدًا بكرامة وأهداه بهدية، ثم علم منه الاستخفاف بها؛ فإنه يسلب منه هديته ويستحقره؛ فعلى ذلك يجب أن نتلقي نعمة اللَّه تعالى بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن، لا على الاستخفاف بها والإهانة. ثم الناس بعد هذا رجلان: رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها، وجعلها عند اللَّه ذخرًا وزادا لوقت فقره وحاجته. ورجل زهد فيها؛ خوفا من التقصير في عبادة اللَّه تعالى في حقوقه أن يشتغل بها، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما أمره، وله أسوة حسنة بنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وأما من ترك الدنيا وما أنشأ اللَّه تعالى فيها من النعم؛ استخفافا بها وهوانا، فهو الجاهل المستخف بنعم اللَّه تعالى الغافل عما أنشئت له الدنيا وما فيها، فهذا والذي

الحديد 57:21

طلب الدنيا للدنيا مذمومان، والذي طلبها لنفسه زادا للآخرة والذي زهد فيها محمودان، واللَّه أعلم. وعلى ذلك يخرج " إن حب الدنيا رأس كل خطيئة ": أن من أحبها لغيره ولغير الذي جعلت له تكون رأس كل خطيئة، ومن أحبها لنفسه، واتخذها زادا للآخرة، فهي رأس كل حسنة وطاعة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) يقول: اجعلوا المسابقة فيما بينكم في مغفرة ربكم إلى الجنة، لا إلى جمع الأموال والأولاد، وكان أهل الكفر جعلوا المسابقة في الدنيا في جمع الأموال والتفاخر والتكاثر بها، فيقول لأهل الإيمان: اجعلوا أنتم المسابقة في طلب مغفرة اللَّه وجنته، واللَّه أعلم. ويحتمل تسبقون آجالكم بأعمالكم التي توجب لكم المغفرة واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ...) الآية، ذكر سعة الجنة؛ لأن العرض إنما يذكر لسعة تكون للشيء، وقد ذكر سعتها فيها؛ حيث قال: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ)، وقال - تعالى -: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ)، ونحو ذلك؛ ذكر ما فيها من السعة وسعتها، واللَّه أعلم. ثم ذكر عرضها كعرض السماء والأرض، وهو يخرج على التحديد والتقدير: أن عرضها مثل عرض السماوات والأرض، لكن لما لا شيء أوسع في أوهام الخلق مما ذكر، وهو كقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)، ذكر دوامهما؛ لما لا شيء أبقى وأدوم منهما في الأذهان، وإلا كانتا تفنيان. ويحتمل أن يقول: (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، أي: تصير السماوات والأرض جميعا جنة لهم. ثم وصف الجنة بالسعة، ووصف النار بالضيق، حيث قال: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا)، وذلك أنه ليس في فضل النار على قدر المجعول الذي يصل إلى المعذب بها فائدة فلذلك تضيقت، ولفضل الجنة على قدر الحاجة لذة وسرور ومنفعة؛ فوسعت لذلك، واللَّه أعلم. ثم أخبر أنها أعدت للذين آمنوا باللَّه ورسوله، والإيمان باللَّه - تعالى -: هو أن يصدق

الحديد 57:22

كل شيء يشهد على وحدانيته وألوهيته، والإيمان برسله: هو أن يصدقهم فيما أخبروا عن اللَّه تعالى، وكل صاحب كبيرة مصدق بالذي ذكرنا، فهو مؤمن؛ وذلك على المعتزلة؛ لقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)؛ دلت الآية على أن ما يعطي من الثواب لعبيده فضل منه وإن سماه: جزاء، وأجرا؛ لأنه قد سبق منه إليهم من الإحسان والنعم ما يصير تلك الأفعال -وإن كثرت- شكرا لأدنى نعمه، وإن طال عمره، فأنى يستوجب الشكر والثواب على تلك الأعمال ثوابا وجزاء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) أي: ذكرها في كتاب، كان ذلك الكتاب قبل أن نبرأ المصائب، أي: نخلقها؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب في الكتاب قبل خلقها؛ فدل على كون ذكر المصائب فيه، وهو كقوله: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)، وليست الشجرة في القرآن، ولكن ذكرها فيه من ذلك ما روي في الخبر أنه " نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو "، أي: نهى أن يسافر بالذي كتب فيه القرآن، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف؛ فعلى ذلك ما ذكر من المصائب، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة، واللَّه أعلم. ثم اختلف في قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا): منهم من قال: من قبل أن نخلق تلك المصائب. ومنهم من قال: من قبل أن نبرأ تلك الأنفس والأرض؛ والأول أصح. وقوله: (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) يخرج على وجهين: أي: كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على اللَّه، غير شديد عليه، ليس كملوك الأرض؛ لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم؛ لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم، ولهم منافع فيهم، واللَّه يتعالى بذاته، ليس له في بقاء الخلق منفعة، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر، فذلك يكون عليه يسير. والثاني: أن كتابه لم يكن بعد ولم يخلق، وعلمه قبل كونه على اللَّه يسير هين، يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها، لا يصعب عليه، ولا يشتد العلم بها قبل

الحديد 57:23

كونها وقبل ظهورها كما يشتد على الخلق ويصعب عليهم، واللَّه أعلم. وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأن اسم المصائب يقع على ما للخلق فيه صنع كما يقع على ما لا صنع لهم فيه، ثم أضاف اللَّه تعالى خلقها إلى نفسه مطلقا بقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا)، دل أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ ألا ترى أن اللَّه تعالى سمى ما يصيب بأيدي الخلق: مصيبة، فقال: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا)، وقال في آية أخرى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ...) الآية. قالت المعتزلة: يقال: أصابنا كذا فيما لا صنع للخلق في ذلك، فأما ما فيه، صنع للخلق يقال: " أصبنا ". لكن هذا فاسد؛ فإنه جائز أن يقال في كل ما أصابك: أصبته، وما أصبته أصابك؛ لأنه إذا أصابك شيء فقد أصبته، وذلك جائز في اللغة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) جعل اللَّه تعالى في طباع الخلق الحزن والأسى على ما فاتهم من النعمة وما ينزل بهم من البلاء والشدة، والسعة والفرح والسرور بما ينالون من النعمة، هذا هو المنشأ والمجعول في طباعهم. ثم يخرج تأويل الآية بالنهي عن الأسى والحزن بفوت النعمة، وعن الفرح والسرور عند إصابتها على وجوه: أحدها: يقول - واللَّه أعلم - لكيلا تستكثروا من الأسى والحزن على ما فاتكم، فيحملكم ذلك على الشكوى من اللَّه تعالى، (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) أي: لا تستكثروا من الفرح والسرور حتى يحملكم ذلك على الطغيان والعدوان، كما ذكر في الخبر: " أعوذ باللَّه من الفقر المنسي والغناء المطغي "، واللَّه أعلم. والثاني: يقول: لكيلا يشغلكم الأسى والحزن على ما فاتكم من النعمة حتى يفوتكم أضعاف ذلك، وهو ما وعد لهم من الثواب إذا صبروا؛ كقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، ثم قال: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)، يقول: لا يشغلكم الجزع وترك الصبر عمَّا وعد لكم من الصلاة والرحمة والاهتداء؛ ولذلك الجزع في المصيبة أعظم المصيبتين، ويقول - أيضا -: ولا يشغلكم شدة الفرح والسرور بما

الحديد 57:24

آتاكم عن الشكر حتى تفوتكم الزيادة على ذلك؛ لأن اللَّه تعالى وعد الزيادة على النعمة إذا شكر بقوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)، واللَّه أعلم. والثالث: يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى ما كان منكم من الجريمة حتى فاتكم ذلك؛ حيث قال: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)، يقول: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن انظروا إلى تفريطكم في جنب اللَّه، وارجعوا عن ذلك؛ وكذلك يقول: لا تفرحوا بما آتاكم، ولكن انظروا إلى إحسان اللَّه الذي كان إليكم، واللَّه أعلم. ويحتمل: أن يقول: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، ولكن انظروا إلى ما امتحنكم به وابتلاكم؛ إذ هو امتحن بعضا بالشدائد والبلايا، وأمرهم بالصبر على ذلك، وبعضا بالسعة والرخاء، وأمرهم بالشكر على ذلك، فاصبروا ولا تجزعوا إن فاتكم النعم وأصابتكم المصائب، واشكروا له، ولا تفرحوا عند النعم فرحا يكون بطرا وأشرا. أو يقول: لا تأسوا على ما فاتكم؛ فإن الذي أخذ من النعم لم يكن في الحقيقة لكم، إنما هو لغيركم، ومن كان عنده مال لآخر فأخذه لا يجب أن يحزن على ذلك، ولا تفرحوا بما آتاكم، فإن النعم التي آتاكم يجوز أن تكون لغيركم لا لكم، واللَّه أعلم. وقوله: (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) قرئ ممدودًا ومقصورا، فمن مده، رد الفعل إلى اللَّه تعالى، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء؛ لموافقة قوله: (عَلَى مَا فَاتَكُمْ)، ولم يقل: أفاتكم. وقوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، ولكن يحب ضد ذلك وخلاف المختال المتكبر، فيحب المتواضع الخاضع. والفخور هو الذي يفتخر بما أنعم اللَّه عليه على الناس، فيحب الذي يشكره على نعمه بالتوسيع على عباده. وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار؛ كأنه يقول: لا يحب كل كفار؛ كقوله: (صَبَّارٍ شَكُورٍ)، أي: يحب المؤمن؛ لأن المؤمن يكون صبارا على المصائب، شكورا لنعمائه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) جائز أن يكون هذا صلة قوله: (لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) تفسيرا له. وجائز أن يكون على الابتداء، وهو كقوله: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ)، كأن قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) مفصول من الأول، وكذلك هذا. ثم قوله: (يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) يحتمل ما ذكر من بخلهم في آية أخرى، فقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) بخلوا بالإنفاق على المؤمنين، أو بخلوا بالإنفاق على أتباعهم؛ ليبقى الكرم والرياسة عليهم. وجائز أن يكون ما ذكره بعض أهل التأويل أن ذلك نزل في الرؤساء من أهل الكتاب؛ بخلوا ببيان صفة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - التي كانت في كتبهم، وأمروا أمثالهم وأشكالهم بكتمان ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، أي: ومن يعرض عن ذلك فاللَّه هو الغني الحميد؛ الغني عن عبادتكم وعما دعاكم إليه؛ إذ لم يدعكم إلى ما دعاكم لحاجة نفسه؛ إذ هو الغني بذاته، الحميد بفعاله؛ أي: بما علم منكم من الرد لرسالته لا يخرج فعله من أن يكون محمودا، ولا يصير لفعله إلى أعدائه بما صنع غير حميد، واللَّه أعلم. ثم في قوله: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) وجوه أيضا: أحدها: أن المصائب ربما تجري على أيدي الناس وتصيبهم منهم، فقال: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) ما جرى ذلك على أيدي الناس؛ لأنه لا يزول منهم؛ فيحملهم ذلك على العداوة والبغضاء، ولكن يرون ذلك مكتوبا عليهم من اللَّه تعالى، وكذلك ما ذكر فيما يؤتيهم من النعم على أيدي الخلق، فلا يزال ذلك منهم؛ فيشغلهم عن القيام بشكر الرب - جل وعلا - ولكن يرونه من فضل اللَّه تعالى ومنه فيشكرونه. والثاني: يحتمل: أن يكون النهي عن الحزن أمرا بالفرح؛ أي: لا تأسوا على ما فاتكم، ولكن افرحوا بالعمل الذي يأتيكم؛ فإنهم لو لم يفتهم لكان يشغلهم عن القيام بحقوق اللَّه تعالى وأداء ما عليهم من الفرائض، واللَّه أعلم. وفي قوله - تعالى -: (وَلَا تَفْرَحُوا) أمر بالحزن، وقد يذكر الشيء ويراد به إثبات ضده؛ كقوله تعالى: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)، أي: خسرت تجارتهم، وينبغي أن تتلقى نعم اللَّه تعالى على وجهين: أحدهما: بحسن القبول لها والتعظيم والشكر للمنعم؛ إذ أغناه بذلك عن النظر لما في أيدي الناس ورفع الحاجة، وذلك من أعظم النعم. والثاني: يخاف؛ لما لعله فعل ذلك به استدراجا وامتحانا؛ إذ الأموال ربما تكون فتنة

الحديد 57:25

وبلاء أو تشغله عن أداء ما عليه إن كان ذلك سبب استدراجه وبلائه، فأخذ منه. أو لما يصل بذهابه إلى أداء الفرائض من العبادات، وكان ذلك يمنعه. ويحزن من وجهين أيضا: أحدهما: لما لعل قوته يحوجه إلى ما في أيدي الناس، وكان غنيا عنهم. أو لما لعل ذلك عقوبة لتفريط كان منه؛ كقوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)، واللَّه أعلم. ثم أضاف ما نالوا من النعم إلى نفسه حيث قال: (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ)، ولم يضف ما فاتهم إلى نفسه، وهو كما قال في آية أخرى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)، وهو ما ذكرنا أنه جائز أن يكون ما يفوتهم من النعم باكتساب وسبب كان منهم، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أرسلنا بما يبين ويوضح أنهم رسل اللَّه، وأن تلك الآيات التي أتوا بها من عند اللَّه لا باختراع من عندهم؛ لما هي خارجة عن وسع البشر. والثاني: ما يبين صدق الرسل في خبرهم، وعدلهم في حكمهم، أو يبين ما لهم وما عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، وقال في آية أخرى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ)، ثم يحتمل (وَالْمِيزَانَ): الموازين المعروفة التي بها تستوفى الحقوق فيما بين الناس، وبها يوفَّى وبها تحفظ حقوق الأموال التي بينهم وحدودها. فإن كان المراد هذا فكأنه قال: وأنزلنا معهم الكتاب الذي به يحفظ الدِّين وحدوده، والميزان الذي به يحفظ حدود الأموال، لا يزاد على الحق، ولا ينقص منه، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون المراد بالميزان: الحكمة؛ إذ ذكره على إثر الكتاب؛ كقوله: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)؛ كأنه يقول - واللَّه أعلم -: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)؛ فيكون الكتاب ما يحفظ حدود الأفعال والأقوال، وتكون الحكمة ما يقوم الناس بها بالقسط. أو أن تكون الحكمة ما أودع في الكتاب من المعاني. وقال الحسن في قوله: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ): إنهما واحد. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) يخرج على وجهين: أحدهما: أنزل ما ذكر من الكتاب والميزان؛ ليلزم الناس القيام بالعدل، وقد ألزمهم ذلك بما أنزل عليهم من الكتاب والميزان وبين الحدود. والثاني: أنزل ما ذكر؛ ليقوم الناس بالقسط؛ على وجود القيام بالعدل. فإن كان المراد منه الوجود فهو راجع إلى خاص من الناس، وإن كان على الإلزام فهو راجع إلى الكل وهو كقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فإن كان على وجود العبادة فهو يرجع إلى خاص من الناس، وإن كان المراد بقوله: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي: لأمرهم وإلزامهم فهو للكل؛ فإنه قد خلقهم ليأمرهم ويلزمهم، وقد أمرهم وألزمهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)، خص اللَّه تعالى ذكر الحديد بما جعل فيه من البأس من بين غيره من الأشياء، وإن كان يشاركه غيره في احتمال الأذى والضرر به مما يطعن به فينفذ ويضرب به، ويستعمل في الحروب والقتال؛ لأمرين: أحدهما: أنه هو الكامل في الظفر والنفاذ والجرح، وإن كان قد يتحقق من غيره؛ ولذلك اعتاده الناس آلة القتال والحرب؛ فيكون البأس فيه أشد. والثاني: لما يتحصن به باتخاذ الدرع؛ لقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ)؛ لهذا اختص الحديد، واللَّه أعلم. وقوله: (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) جعل اللَّه تعالى في الحديد منافع ليست تلك في غيره، وهو ما يتخذ منه ما يحرز به ويخاط من الخفاف وغيره، مما لا يحتمل هذا النوع لغيره، وكذلك حوائج الخلق لا تقوم في سائر أنواع الحرف والأعمال من التجارة والزراعة والبناء وغيرها إلا به. وفيه خصوصية في حق المحن، وهو ما يظهر عند فرض القتال صدق إيمان المحقق ونفاق المرتاب؛ بقوله: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)، ونحو ذلك، فظهر الصادق من الكاذب في الحروب، وإنما ذلك بالحديد؛ فصار مخصوصا في حق المحنة وغيرها من المنافع، حتى لا يلتئم أمر من أمور المعاش إلا به؛ فلذلك خص، واللَّه أعلم. وقال أهل التأويل: أنزل من السماء المطرقة والفلاة والكلبتين. وعندنا ليس على حقيقة الإنزال من السماء كذلك. ومعنى قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ)، أي: خلقنا؛ كقوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ)، أي: خلقها، وقوله تعالى: (أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ)، ومعلوم أنه لم ينزل اللباس على ما هو عليه؛ ولكن معناه: خلقه لباسا لهم؛ كذلك هذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ) يحتمل (مَنْ يَنْصُرُهُ) أي: دينه أو أراد بإضافة النصر إلى نفسه نصر رسوله مُحَمَّد وسائر رسله عليهم الصلاة والسلام. ثم نصر الرسل مرة يكون بتبليغ ما أمروا إلى قومهم، ينصرونهم، ويعينونهم على ذلك، ونصر دينه إظهاره في الخلق والذب عن أهله والمعونة لهم؛ هذا يحتمل، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، واللَّه أعلم. وجائِز أن يكون المراد من إضافة النصر إليه نصر أنفسهم ودينهم، إذ هم المنتفعون بذلك، ولهم يحصل ذلك النفع وتلك المعونة، لكنه بفضله وكرمه، سمى ذلك: نصره، وأضافه إلى نفسه، على ما جعل لأعمالهم التي يعملونها لأنفسهم ثوابا، وذكر لهم على ذلك أجرا، كأنهم عاملون له، وهم المنتفعون بها، المحتاجون إليها، فعلى ذلك جائز أن يكون ما عملوا لأنفسهم سماه: نصرا له وإن كان ذلك النصر لهم، وأنه ناصر الكل؛ حيث قال: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)، أخبر أنه إذا نصرهم لا غالب لهم سواه، وإذا خذلهم لا ناصر لهم دونه، واللَّه أعلم. ثم قوله - عَزَّ وجل -: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ) يخرج على وجهين: أحدهما: ليعلم من قد علم أنه ينصر: ناصرًا وليعلم من قد علم بالغيب أنه يكون كائنا شاهدا، والتغيير على المعلوم لا على العلم. والثاني: يريد بالعلم المعلوم، وذلك جائز في اللغة، ذكر العلم والفعل على إرادة المعلوم والمفعول: نحو ما يقال: الصلاة أمر اللَّه، أي: بأمر اللَّه؛ لأن الصلاة لا تكون أمره. وقوله - عَزَّ وجل -: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ذكر هذا؛ ليعلم أنه لم يأمر فيما أمرهم من القتال والنصر لحاجة نفسه، ولا استعملهم فيما استعمل من النصر والمعونة لنفسه، ولا

الحديد 57:26

أن يكتسب بذلك العز لنفسه؛ حيث أخبر أنه قوي بنفسه عزيز بذاته، ولكن أمرهم بما أمر، واستعملهم فيما استعمل؛ لنصر أنفسهم ولقوتهم، واللَّه أعلم. قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) وإنما ذكر نوحا وإبراهيم - واللَّه أعلم - لما أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب؛ وإلا قد ذكر الرسل بجملتهم في قوله تعالى؛ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)؛ فدخل نوح وإبراهيم - عليهما السلام - في قوله: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)، ثم ذكر أن منهم من اهتدى -أي: من قومهم- وكثير منهم فاسقون بقوله: (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)، يخبر رسوله عليه الصلاة والسلام أنه قد كان في قومهم من اتبعهم؛ فصاروا مهتدين، ومنهم من ترك اتباعهم، وخرجوا من أمر اللَّه؛ فصاروا فاسقين، يصبره، ويسكن قلبه على ما كان في قوم من تقدم من الرسل من المجيبين لرسله والتاركين للإجابة كقومك، أي: لست أنت بأول من كذب ورد قوله؛ تعنتا وعنادا، واللَّه الهادي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧) أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، وبعث منهم رسلا. ذكر في الآية الأولى أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولم يذكر الرسالة، وذكر في هذه الآية الرسالة فيهم وفي ذريتهم، أي: أرسلنا رسولا على أثر رسول، وأتبعنا بعضهم بعضا: من قفا يقفو. ثم ذكر أنه قفى بعيسى ابن مريم؛ لأن عيسى - عليه السلام - من أولاد إسحاق - عليه السلام - وبعث محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من بعد، وهو من ولد إسماعيل، عليه السلام. وقال بعض أهل التأويل: وقفينا أي أتبعنا، ويقال: قفيت فلانا، أي: عينته وسميته، وقفوته أقفوه قفوا وقفيا، واقتفيت به، أي: لزمته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً)، وصف اللَّه تعالى الذين اتبعوا الرسل وآمنوا بهم بالرحمة والرأفة فيما بينهم، وهو كما ذكر في آية آخرى: (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)، وقال في آية أخرى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، وقال: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)، ونحو ذلك؛ وذلك لأن السبب الذي جمعهم واحد، وهو التوحيد والإسلام. قيل: كيف وقع بينهم من العداوة والبغضاء ما وقع وسبب الجمع قائم، حتى استحل بعضهم قتال بعض من نحو الخوارج والمعتزلة؟ قيل: إنما وقع ذلك فيما بينهم وإن كان سبب الجمع قائما؛ لما كانت تلك الألفة والرأفة بلطف من اللَّه تعالى، وقد زال ذلك اللطف وارتفع، وحدث بينهم ما حدث. أو نقول: إن الخوارج قد أحدثوا من أنفسهم أشياء حتى سموا المسلمين كفرة بما ارتكبوا الكبائر، حتى نصبوا القتال والحرب معهم، وكذلك المعتزلة سموا أصحاب الكبائر: فسقة وفجرة ومنزلتهم بين الكفر والإيمان ومن سمى آخر: كافرا أو فاسقا، فلا شك أن يحدث بينهما عداوة وتباغض، فما حدث بيننا وبينهم من العداوة بتسميتهم إيانا فسقة وفجرة وكفرة بارتكاب الكبائر، وإن كان السبب الذي جمعهم قائما عندنا، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ...) الآية، ذكر في القصة أن في الفترة التي كانت بين عيسى ومُحَمَّد - عليهما الصلاة والسلام - كان من بني إسرائيل ملوك غيروا التوراة والإنجيل، وبقي منهم أناس مؤمنون بعيسى - عليه السلام - ويعملون بما في الكتب، فهم هَؤُلَاءِ الملوك أن يقتلوهم لإبائهم اتباعهم والعود إلى مذهبهم، فخرجوا من بينهم، فترهبوا؛ رجاء أن يتخلصوا منهم، فذلك (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)، أي: فرضنا عليهم تلك الرهبانية، ولم نأمرهم بها، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة أن يطلبوا رضوان اللَّه فابتدعوا تلك الرهبانية؛ رجاء أن يكون فيها رضوان اللَّه، واللَّه أعلم. قال: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا)، أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم يكتب عليهم، ثم ذكر أنهم لم يرعوه حق رعايته، ذمهم، لتركهم الرعاية لما ابتدعوه، ففيه دلالة أن من افتتح أمرًا لم يفرض عليه من صلاة أو صوم أو نحو ذلك، ثم لم يقم بوفائه وإتمامه، لحقه ذم كما لحق هَؤُلَاءِ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) أخبر أن الذين آمنوا وثبتوا على الإيمان أنه يؤتيهم أجرهم، أي يوجب لهم أجرهم، (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)، أي: كافرون. كذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وكثير منهم كافرون). وذكر أن بعضا بعدما ترهبوا اشتد عليهم الترهب؛ فعادوا، ورجعوا، ودخلوا في دين

الحديد 57:27

الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا﴾ أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، وبعث منهم رسلا ؛ ذكر في الآية الأولى أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولم يذكر الرسالة، وذكر في هذه الآية الرسالة فيهم وفي ذريتهم، أي أرسلنا رسولا على إثر رسول، وأتبعنا بعضهم بعضا، من قفا يقفو، ثم ذكر أنه قفى بعيسى ابن مريم، لأن عيسى عليه السلام من أولاد إسحاق عليهم السلام فبعث محمدا ﷺ من بعده، وهو من ولد إسماعيل عليه السلام. وقال بعض أهل التأويل :﴿وقفينا﴾ أي أتبعنا، ويقال : قفيت فلانا، أي عينته، وسميته، وقفوته أقفوه قفوا ﴿وقفينا﴾ واقتفيت به، أي لزمته. وقوله تعالى :﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة﴾ وصف الله تعالى الذين اتبعوا الرسل، وآمنوا بهم بالرحمة والرأفة في ما بينهم، وهو كما ذكر في آية أخرى :﴿إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقال [ في آية أخرى :](١) ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ ﴿مريم : ٩٦﴾ وقال في آية أخرى :﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ ﴿الفتح : ٢٩﴾ وقال في آية أخرى :}(٢)[المائدة: ٥٤] ونحو ذلك ؛ وذلك لأن السبب الذي جمعهم واحد، وهو التوحيد والإسلام. فإن قيل : كيف وقع بينهم من العداوة والبغضاء ما وقع، وسبب الجمع قائم، حتى استحل بعضهم قتال بعض من نحو الخوارج والمعتزلة ؟ قيل : إنما وقع ذلك في ما بينهم، وإن كان سبب الجمع قائما، لما كانت الألفة والرأفة بلطف من الله تعالى، وقد زال ذلك اللطف، وارتفع، وحدث بينهم ما حدث. أو نقول : إن الخوارج قد أحدثوا من أنفسهم أشياء حتى سموا المسلمين كفرة بما ارتكبوا من الكبائر حتى نصبوا القتال والحرب معهم، وكذلك المعتزلة سموا أصحاب الكبائر فسقة وفجرة، وأنزلوهم بين الكفر والإيمان. ومن سمي آخر كافرا أو فاسقا فلا شك أن يحدث بينهما عداوة وتباغض. فما حدث بيننا وبينهم من العداوة بتسميتهم إيانا فسقة وفجرة وكفرة بارتكاب الكبائر، وإن كان السبب الذي جمعهم قائما عندنا، والله الموفق. وقوله تعالى :﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها﴾ الآية ؛ ذكر في القصة أن الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد عليهم السلام، كان على بني إسرائيل ملوك غيروا التوراة والإنجيل، وبقي منهم أناس مؤمنون بعيسى عليه السلام ويعملون بما في الكتب، فهم أولئك الملوك أن يقتلوهم لإبائهم والعود إلى مذهبهم، فخرجوا من بغيهم، فترهبوا رجاء أن يتخلصوا منهم. فذلك قوله :﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها﴾ أي [ ما ](٣) فرضنا عليهم تلك الرهبانية، ولم نأمرهم بها، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة ابتغاء رضوان الله تعالى، فابتدعوا تلك الرهبانية رجاء أن يكون فيها رضوان الله تعالى، والله أعلم. قال :﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم يكتب عليهم، ثم ذكر أنهم لم يرعوه(٤) حق رعايته ؛ ذمهم لتركهم الرعاية لما ابتدعوه ؛ ففيه دلالة أن من افتتح قربة، لم تفرض عليه من صلة أو صوم أو نحو [ ذلك ](٥) ثم لم يقم [ بوفائها وإتمامها ](٦) لحقه ذم كما لحق هؤلاء. وقوله تعالى :﴿فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾ أخبر أن الذين آمنوا، وثبتوا على الإيمان، يؤتيهم أجرهم، أي يوجب لهم ﴿أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾ أي كافرون. كذلك ذكر في حرف ابن مسعود رضي الله عنه وكثير منهم كافرون. وذكر أن بعضا منهم بعدما ترهبوا اشتد عليهم الترهب، فعادوا، ورجعوا، ودخلوا في دين أولئك الملوك، والله أعلم. قال القتبي :﴿ورهبانية﴾ أي العبادة، يعني الخوف، و﴿ابتدعوها﴾ الابتداع أن تفعل شيئا، لم يفعل قبلك، يقال منه : أبدعت، وابتدعت أيضا. و قيل : الرهبانية اسم مبني من الرهبة لما [ فضل عن المقدار، وأفرط ](٧) فيه، وهو ما نهى الله تعالى عنه بقوله تعالى :﴿لا تغلوا في دينكم﴾ [ النساء : ١٧١ والمائدة : ٧٧ ] ويقال : دين الله بين المقصر والغالي، وقوله تعالى :﴿ما كتبناها عليهم﴾ أي ما أمرناهم بها، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ الهاء ساقطة من الأصل و م.. ٥ من م: ساقطة من الأصل.. ٦ في الأصل و م: بوفائه و إتمامه.. ٧ من تفسير غريب القرآن ص: ٤٥٤..

الحديد 57:28

أُولَئِكَ الملوك، واللَّه أعلم. قَالَ الْقُتَبِيُّ: (وَرَهْبَانِيَّةً): أي: العبادة، يعني: الخوف. و (ابْتَدَعُوهَا) الابتداع أن تفعل شيئا لم يفعل قبلك، يقال منه: أبدعت، وابتدعت، وبدعت أيضا. وقيل: الرهبانية اسم مبني من الرهبة، لما فرط فيه وقد نهى اللَّه عنه بقوله: (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)، ويقال: دين اللَّه بين المقصر والغالي. وقوله: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ)، أي: ما أمرناهم بها، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ) يقول بعض أهل التأويل: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا بعيسى ابن مريم آمنوا بمُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ولكن هذا ضعيف؛ لأن الإيمان برسول من الرسل إيمان بجميع الرسل عليهم السلام. وتأويل الآية: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا بالرسل جملة على غير الإشارة والتفسير، آمنوا برسول اللَّه مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على الإشارة به؛ لأن الإيمان بالرسل على غير الإشارة أمر سهل وإنَّمَا يصعب الإيمان به ويشتد بالإشارة إلى واحد؛ لأنه لما آمن بالمشار إليه، لزمه اتباع أمره، ونهيه، ولزمه موالاة من والاه واتبعه، ويلزمه معاداة من عاداه وخالفه في أمره ونهيه وترك اتباعه، وإن كان له أبناء وآباء، وذو إحسان، يجب أن يكون أحب الناس إليه وأقرب وأبر، فهذه معاملة الرسول الذي آمن به على الإشارة إليه وأنها تشتد في الطلب. وأما عند الإجمال والإرسال فأمر سهل إنما فيه تصديق كل صادق وتكذيب كل كاذب، وكل الناس قد اعتقدوا أصل تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، وليس في الإجمال والإرسال، إلا ذلك، وأما عند التعيين يوجد الامتحان، وبه يظهر نفاق المنافقين وتحقيق المؤمنين المحققين، وذلك قوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ. وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ)، ظهر نفاقهم بما أمروا بالجهاد والخروج معه على الإشارة، وكقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)، وقد وعدوا في الجملة أنه لو أعطاهم كذا من فضله لنصدقن، فلما أوتوا ذلك وأمروا بإخراجه أبوا إخراج ذلك عند الإشارة إليه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون تأويله: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا بالرسل جملة، آمنوا بهذا الرسول المشار إليه؛ لما يصعب الأمر، ولما يلزم في ذلك معاداة من خالفه وترك اتباعه وإن كان أقرب الخلائق إليه، وكذلك عامل أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أقاربهم وأرحامهم لما آمنوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وصار عندهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أحب إليهم من أنفسهم وآبائهم وأولادهم، وعادوا جميع أقاربهم الذين خالفوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتركوا اتباعه، وفي ذلك آية عظيمة؛ ولذلك فضل إيمان من آمن في أول خروجه عن إيمان من تأخر منهم عن ذلك الوقت، ولا قوة إلا باللَّه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ): قوله: (يُؤْتِكُمْ)، أي: يوجب لكم (كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي؛ أجرين: أجر الإيمان بالرسل كلهم على الإجمال، وأجر الإيمان بالرسل على الإشارة والتفصيل؛ ذكر هاهنا (كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)، وقال في آية أخرى: (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا)، يحتمل قوله: (كِفْلَيْنِ): مرتين وقوله: (مَرَّتَيْنِ): كفلين؛ فيكون أحدهما تفسيرًا للآخر. ثم ذكر هاهنا الأجر لهم من رحمته، وذكر هنالك الأجر مطلقا؛ ليعلم أن ما ذكر لأعمالهم من الأجر إنما هو فضل منه ورحمة لا استحقاق على ما ذكرنا، واللَّه الموفق. ثم يحتمل ما ذكر من الأجر مرتين يكون مرة في الدنيا، والأخرى في الآخرة كقوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) الآية، وقوله: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً)، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون ما ذكر من الأجر مرتين يكون وعدا في الآخرة، ويكون قوله: (مَرَّتَيْنِ) أي: كفلين، أي: ضعفين، كقوله: (يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ). ثم قوله: (كِفْلَيْنِ) قال أكثر أهل التأويل: أي: أجرين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: حظين، ونصيبين. وجائز أن يكون سماه: كفلا؛ لأنه كفله؛ ألا ترى أن ذا الكفل ذكر إنما سمي به؛ لأنه كان يكفل لفلان، فعلى ذلك جائز تسميته هذا كفلا؛ لأنه يكفل به، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) هذا يخرج على وجهين: أحدهما: النور كناية عما يبصر به ويتضح، والمشي كناية عن الأمور، يقول - والله أعلم -: يجعل ما تبصرون به السبيل، ويتضح لكم الأمور، ويزول عنكم الشبه؛ فيكون

الحديد 57:29

المشي كناية عن الأمور، والنور كناية عن البصر، واللَّه أعلم، وهو كقوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ)، أي: لا سواء، وهو كناية عما ذكرنا ليس بتصريح. والثاني: على حقيقة إرادة المشي، وحقيقة النور، وذلك يكون في الآخرة، كقوله: (يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا...) الآية. وقال أهل التأويل: النور هاهنا القرآن، أي: أعطاكم قرآنا يفضي بكم إلى سبيل الخير، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) الغفران من الستر، كأنه يقول: يستر علكيم مساويكم بينكم؛ لأن ذكر المساوي ينقصهم النعم، ويحملهم على الحياء من ربهم. وقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، أي: يرحمهم، ويخلدهم في جنته. وقوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) أجمع أهل التأويل واللغة أن حرف " لا " زيادة هاهنا وصلة، أي: ليعلم أهل الكتاب، وقد يزاد في الكلام حرف " لا " ويسقط بحق الصلة، يعرف ذلك أهل الحكمة والفقه؛ كقوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)، ليس يبين لنا أن نضل، ولكن يبين لنا لنعلم ونهتدي، فعرف الحكماء والفقهاء أن كلمة " لا " أسقطت هاهنا؛ فعلى ذلك عرفوا أن حرف " لا " هاهنا في قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) زيادة، معناه: ليعلم أهل الكتاب: أن لا يقدرون على شيء من فضل اللَّه. ثم لا يحتمل أن يكون ذكر قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) وعلى غير تقدم قول كان منهم حتى خرج هذا جوابا لهم عن ذلك؛ ولكن يذكر شيئا يشبه أن يكون الذي ذكر هو جواب ذلك الذي كان منهم، وهو أنهم كانوا أهل كتاب وأهل علم بالكتاب، يرون لأنفسهم فضلا على غيرهم وخصوصية ليست لغيرهم عندهم، فلما بعث اللَّه تعالى محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رسولا إليهم وإلى الناس كافة، وأنزل عليه كتابا، وهو أمين عندهم، وذكر في كتابه ما كان في كتبهم، وأمرهم باتباعه والانقياد له والطاعة، وأحوجهم جميعا إليه وإلى ما في كتابه، أنكروا فضل اللَّه عليه وإحسانه إليه، فعند ذلك قال: (يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)، أي: يفضل من شاء على من يشاء، ليس ذلك إليهم. ثم في قوله تعالى: (يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) دلالة نقض قول المعتزلة في أن اللَّه تعالى قد أعطى كل شيء ما يقدر على الوصول إلى جميع فضائله وإحسانه، وقد أخبر (يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، والمعتزلة يقولون، بل يقدرون فهذا خلاف لظاهر الآية، واللَّه أعلم. وفي قوله: (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) - أيضًا - دلالة نقض قول المعتزلة من جهة أخرى، وهو أنه ذكر المشيئة فيما هو حقه فضل وما هو حقه عدل، حيث قال. (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ)، ولم يذكر المشيئة فيما هو حقه عدل، وما هو ظلم وجور، بل أطلق القول في ذلك، فقال: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)، وقال: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ)، وقال: (لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، وقال: (لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا)، وغير ذلك من الآيات نفى أن يلحق أحدا منه الظلم والجور؛ ليعلم أن فعل الهدى منه يصل إلى من هداه وأرشده، والإضلال منه عدل، وكذلك قال: (يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، أي: من نال الهدى والرشد إنما ناله بفضله ورحمته، ومن ضل فذلك عدل منه؛ ولذلك قال: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ)، واللَّه الهادي. * * *

المجادلة 58:1

سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤). قوله - عزوجل -: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) قال جماعة من أهل التفسير: إنها نزلت في أوس بن الصامت -أخي عبادة بن الصامت- وامرأته، غير أنهم اختلفوا في اسم امرأته. قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كان اسمها خولة. وعن عائشة - رضي اللَّه عنها - أنها كانت جميلة. وقَالَ بَعْضُهُمْ بأنها كانت تسمى: خويلة على تصغير خولة. وروي في بعض الروايات أنه كان سبب هذا القول من أوس لزوجته لما دعاها ليلة إلى فراشه، وكانت امرأتُهُ بحيث لا يحل له التمتع بها؛ فأبت عليه، وأرادت أن تخرج من البيت؛ فقال لها: " إن خرجت من البيت فأنت عليَّ كظهر أمي "، فخرجت، فلما أصبحت قال لها زوجها: ما أراك إلا قد حرمت عليَّ، قالت: واللَّه ما ذكرت لي طلاقا، قال: فَأْتِي رسولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واسأليه، فإني أستحي أن أسأله عن هذا، فأتت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأخبرته، فنزلت فيهما هذه الآية. وروي في بعض الأخبار أن أول من ظاهر من امرأته أوس، قال: وكان به لمم، فقال في بعض ضجراته ذلك القول، وهذا يرويه مُحَمَّد بن كعب القرظي، لكنه لا يحتمل أن يكون أراد باللمم الجنون؛ لأن المجنون لو طلق امرأته لا يقع الطلاق فضلا أن يكون ظهاره ظهارا. وتأويل قوله: " وكان به لمم "، أي: فضل غضب وشدة؛ فكأنه لم يكن به حلم، ثم اختلفت الروايات في شأنها وشأن زوجها: منهم من روى -وهو مُحَمَّد بن كعب-: أنها أتت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وقالت: إن أوسا أبو ولدي، وابن عمي، وأحب الناس إليَّ، وقال كليمة؛ والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، قال: أنت عليَّ كظهر أمي. فقال لها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " قالت: يا رسول اللَّه، لا تقل ذاك ما ذكر طلاقًا، فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، وكررت المرأة ذلك، ويرد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم قالت: " اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي به، وما يشق علي من فراقه، اللهم أنزل على نبيك، فأنزل الله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ...) إلى قوله: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا). وفي بعض الأخبار رواها الكلبي: أنها أتت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالت: يا رسول اللَّه، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني يوم تزوجني وأنا شابة، ذات أهل كثير ومال كثير، فأكل شبابي حتى إذا كبرت عنده سني، وذهب أهلي، وتفرق مالي، وضعفت - جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، وقد ندم وندمت؛ فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول اللَّه؟! فقال - عليه السلام -: " أطلقك؟ " قالت: لا، قال: " ما أمرت في شأنك من شيء، فإن نزل علي في شأنك شيء أبينه لك "، فرفعت يديها إلى السماء تدعوه وتتضرع إليه أن ينزل إليه بيان أمرهما، ثم خرجت من عنده، وأتت زوجها، فنزل جبريل - عليه السلام - بهذه الآية. وروي في بعض الأخبار أنها أتت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقالت: إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وإني شابة ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وكبرت سني، ورق عظمي، وباد أهلي - جعلني عليه كظهر أمه، ولي منه صبيان إن أنا وكلتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلى نفسي جاعوا، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اغربي فلعلك الظالمة لزوجك "، فقالت: يا أمين اللَّه في أرضه، إنه لظالم لي، فقال: " اذهبي؛ فإن فيكن الضعف والعجز " قال: فجعلت تجادله، فلما رأت أنه لا يرفع بها رأسا، ولا تجد عنده مخرجا، خرجت فرفعت طرفها إلى السماء تشكو إلى اللَّه صنع زوجها بها، وقالت: " اللهم إني أتيت أمينك في أرضك، فلم يرفع لي رأسا، فتول اليوم حاجتي، وارحم ضعفي وقلة حيلتي "، فلم تصل منزلها حتى هبط جبريل - عليه السلام - بالوحي: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) فدعا أوسا زوجها فقال: " ما الذي حملك على ما صنعت بخولة، وقد أنزل اللَّه فيها ما أنزل؟ "، وبعث إليها فرحب بها، فقال: يا رسول اللَّه عمل الشيطان، فهل من أمر يجمعني اللَّه وإياها؟ قال: نعم، ثم تلا عليهم آية الكفارة إلى آخرها. ثم بين هذه الروايات اختلاف: [ذكر في رواية القرطبي] (١) أنه قال - عليه السلام -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، وفي رواية قال لها: " ما أمرت في شأنك من شيء "، لكنه يمكن التوفيق بين الخبرين، وهو أن قوله: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " على ما كان أهل الجاهلية يرونه محرما، فقال: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " من ذا الوجه، لكنه لم ينزل علي شيء في بيان هذا، فإن ينزل شيء عليَّ في هذا أبينه لك. والثاني: أن ليس في قوله: " ما أراك " إثبات حرمة، بل هو قول على الظن بما قد كان الناس يعرفون بينهم لذلك القول، ويجوز أن يراد التقرير على ذلك، أو يرد لهذه الحادثة الحرمة بالوحي، فتوقف في الجواب مع الإشارة لها بالامتناع من الزوج؛ احتياطا لباب الحرمة، واللَّه أعلم. ثم إن بعض الفقهاء ذكر الاختلاف بين السلف في حكم الظهار قبل نزول الآية: عن عكرمة أنه قال: كانت النساء تحرم بالظهار حتى أنزل اللَّه تعالى هذه الآية، وكان طلاقا قبل نزول الآية، فجعله اللَّه تعالى بهذه الآية ظهارا. وعن أبي قلابة وغيره: كان طلاقهم في الجاهلية الإيلاء والظهار. وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: إنما كان طلاق أهل الجاهلية الظهار، وقد جعل لهذه الأمة حرمة ترتفع وتزول بالكفارة التي أوجب. وعن الحسن أنه قال: كان الظهار أشد الطلاق، وأحرم الحرام، إذا ظاهر من امرأته لم يرجع إليها أبدا. والأشبه أنه لا يكون طلاقا في الإسلام لو كان يكون في الجاهلية، وأنه لا يكون موجبا حرمة لا ترتفع أبدا؛ كما قال الحسن؛ فإنه ذكر في حديث خولة أن زوجها لما قال لها: ما أراك إلا وقد حرمت علي، قالت: واللَّه ما ذكرت لي طلاقا، ولو كان الظهار طلاقا لعرفته، وكذلك لما أخبرت رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لي: أنت عليَّ كظهر أمي، (١) هذا إشكال آخر يضاف إلى سابقه، إذ كيف ينقل الماتريدي عن القرطبي، وهو يتقدمه بقرون؟!!، وكان الأحرى بمحقق الكتاب التنبيه على ذلك. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية). فقال - عليه السلام -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، قالت: يا رسول اللَّه، لا تقل ذاك؛ ما ذكر طلاقا، ولم يرد عليها اعتقادها في أن الظهار طلاق، وكذلك ما روي في رواية أخرى في حديث طويل: جعلني عليه كظهر أمه، ثم تركني إلى غير شيء، فهل من شيء يجمعني وإياه يا رسول اللَّه؟ فقال - عليه السلام -: " أطلقك؟ " قالت: لا، قال: " ما أمرت في شأنك من شيء "، ولو كان الظهار طلاقا بعد الإسلام قبل نزول هذه الآية لما قال: " أطلقك؟ " بعدما قالت: " جعلني عليه كظهر أمه "، ولما قال: " ما أمرت في شأنك من شيء "، وحكم شريعته أنه طلاق مزيل للملك، دل هذا يقرر ما قلنا إنه ذكر في حديث خولة وأوس أنه أول من ظاهر في الإسلام فكيف يكون طلاقا؟! فَإِنْ قِيلَ: أليس - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، والحرمة التي لا ترفع النكاح بالظهار إنما ثبتت بعد نزول الآية، والآية نزلت بعد صدور القول من أوس بن الصامت؛ فدل أن مراده تحريم الطلاق، فهذا يدل على أن هذا الحكم كان ثابتا في شريعته قبل نزول آية الظهار بوحي غير متلو وإن كان قبل ذلك في حكم الجاهلية، فكذلك ذلك الزوج قال للمرأة - أيضا -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليَّ "؛ دل هذا على أنه كان طلاقا قبل نزول الآية. قلنا: هذا حجة عليكم؛ فإنه لو كان المراد بقوله - عليه السلام -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " إثباتا للحرمة فيها بالظهار؛ لكونه طلاقا، فكيف يحكم عليها بالحرمة بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص بعينه، وقد صح في الحديث أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - دعا أوسا وامرأته بالكفارة، وأبقى النكاح بينهما لو كان ذلك طلاقا؟! والمثبت حكمه إنما ينسخ بالآية الثانية إلى حكم آخر، فظهر ذلك في المستقبل لا في الماضي؛ فدل أن هذا حجة عليه، ولكن إنما قال: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه؛ " للوجهين اللذين ذكرناهما، واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يحكم بالطلاق في حقها، مع أن الظهار كان طلاقا بطريق القطع، بل قال: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " على طريق الظن؛ لأنه جائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه سينسخ حكم هذا القول وينقله من الطلاق إلى تحريم المتعة، فلم يقطع القول فيه حتى نزلت الآية. قيل: لو كان ذلك حكما ثابتا مقررا في شريعته، لم يمتنع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن العمل به، وحكمه بذلك ما لم ينزل عليه الناسخ وإن أعلم أنه سينسخ؛ لأنه يجب عليه العمل بما أنزل عليه؛ لقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)، وقوله: (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)، وإذا ورد الناسخ بخلافه يكون عمله في المستقبل لا فيما مضى، وإنما يستقيم هذا على ما قلنا: إن الظهار قبل نزول الآية لا حكم له في الإسلام، وكان تحريما في الجاهلية؛ فمتى وجد هذا السبب، ووقعت هذه الحادثة، أمرها بالاجتناب عن الزوج؛ احتياطا حتى نزلت الآية؛ فيظهر أن حكمه ما هو؟ من حين وجوده؛ إذ يجوز أن يريد اللَّه تعالى بهذا هذا الحكم، وإن كان لا علم للمباشر به؛ إذا كان بحيث يمكنه الوصول إلى العلم به عند الحاجة إلى العمل به، والحكم كالنص الذي ورد مجملا في إيجاب حكم، ثم ورد البيان متأخرا، والنص العام الذي يتأخر بيانه على خلاف ظاهره؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)، أي: سمع قولها ومجادلتها في زوجها، ومجادلتها مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في سؤالها إياه عما ابتليت بقول زوجها لها: " أنت علي كظهر أمي ". والمجادلة هي المخاصمة، وهي المحاورة، وكان مجادلتها في زوجها أن قالت: " واللَّه ما ذكرت طلاقا "، حين قال لها بعدما قال لها: " إن خرجت من الدار، فأنت علي كظهر أمى "، وخرجت -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليَّ ". وأما مجادلتها مع النبي - عليه السلام - ومحاورتها هي قولها: " لا تقل ذلك "، وقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، فهذه محاورتهما. ومن الناس من يقول: المحاورة: هي المراجعة في الكلام، وهما يرددان الكلام ويراجعانه ويكررانه، وهو ما ذكر أن النبي - عليه السلام - يكرر قوله: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، وهي تردد وتكرر قولها: " لا تقل ذلك يا رسول اللَّه؛ فإنه ما ذكر طلاقا "، ولكن هذا قريب من الأول. وقال بعض أهل اللغة: (تَحَاوُرَكُمَا)، أي: كلامكما، والتحاور: الكلام بين اثنين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) قيل فيه بوجهين: أحدهما: أن تشتكي إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لكن اللَّه تعالى أضاف إلى نفسه؛ لأن مرادها أن تنزل آية من اللَّه تعالى على رسوله بالفرج عنها. والثاني: أن شكواها إلى اللَّه تعالى وتضرعها قد كان حيث لم تجد الفرج والمخرج فيما قال لها رسول اللَّه عليه الصلاة. والسلام: " ما أراك إلا وقد حرمت عليه "، فاشتكت إلى اللَّه تعالى، ودعت، وتضرعت؛ حتى أنزل اللَّه تعالى على رسوله الآية فيها، وجاءت الرخصة لهما بالاجتماع بعد التكفير على ما ذكر في الخبر، واللَّه أعلم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا)، أي: سمع لها بما أجاب وأغاث بالفرج فيما اشتكت إليه، وسمع لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما أبان ما ظهر له من الحكم في الحادثة التي أشبهت عليه، وأشكل عليه ذلك. ثم اختلفت الأخبار في أمرهما - أيضا - حيث دعا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أوسًا، وأخبره بالآية التي نزلت في أمرهما: [قال القرطبي] (١): لما نزلت الآية دعا زوجها أوسا، فقال له: " أعتق رقبة "، قال: ما عندي رقبة أعتقها، قال: " فصم شهرين "، قال: ما أستطيع يا رسول اللَّه، إني لأصوم يوما واحدا فيشق عليَّ، فكيف صوم شهرين متتابعين؟ قال: " فأطعم ستين مسكينا "، قال: فنعم، قال: فأطعم ستين مسكينا فأمسكها. وفي رواية أخرى ذكرها الكلبي: لما نزلت رخصتهما أرسل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى أوس ابن الصامت فأتاه، فقال: " ويحك ما حملك على ما صنعت وقلت؟ " قال: الشيطان يا رسول اللَّه؛ فهل من رخصة تجمعني وإياها؟ قال: " نعم "، وقرأ عليه هذه الآيات الأربع، وقال له: " هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ " قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، إن المال لقليل غير كثير وإن الرقاب لغالية، قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، لولا أني آكل في يوم ثلاث مرات لكلَّ بصري، ولظننت أني سأموت، قال: " فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، إلا أن تعينني فأعانه عليه السلام بخمسة عشر صاعا، وأخرج أوس من عنده خمسة عشر صاعا فتصدق به على ستين مسكينا، فجمع اللَّه بينه وبينها. وذكر في خبر آخر أن رجلا كان ظاهر من امرأته، وكان هو يصوم عنه، فواقع امرأته في وقت الصوم، فأتى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأخبره بذلك، [فعابه] رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على فعله، ثم أمره بأن يكفر بما وصفنا من الكفارات، فقال في كل واحدة: لا أستطيع قال: فأمره - عليه السلام - أن يأتي موضع كذا إلى أبي زريق، ويأخذ منه وسقا من التمر، فيعطي ستين مسكينا كل مسكين ينفقه على عياله، ذكر في الإطعام في خبر: " لا أستطيع "، وفي (١) سبق التنبيه إلى مثله، فالماتريدي يتقدم القرطبي بزمان طويل - رحمهما اللَّه -. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).

المجادلة 58:2

خبر أنه قال: " أما هذا فنعم "، وفي حديث آخر: " لا إلا أن تعينني "؛ فيشبه أن يكون هذا القول منه: " أما هذا فنعم " بعدما وعده رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في الإعانة أو بإعطاء الوسق؛ فتكون الأخبار على الوفاق، واللَّه أعلم. وفي هذه الأخبار دليل على أن الكفارة إذا لزم فيها طعام، فمن الحنطة نصف صاع؛ لأنه جعل نصف صاع من الحنطة طعام مسكين، وأنه يجوز من صدقة الفطر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) قرئ (يُظَّهَّرُونَ) مشددة الظاء بغير ألف، وهو في الأصل: " يتظهرون "، فأدغمت التاء في الظاء، وشددت. وقرئ بفتح الياء وتشديد الظاء بألف، وهو في الأصل " يتظاهر " فأدغمت التاء في الظاء وشددت. وقرئ - أيضا - (يُظَاهِرُونَ)، بتخفيف الظاء بألف من: ظاهر يظاهر مظاهرة. والمعنى واحد فيما اختلف من قراءاتهم يقال: ظاهر الرجل من امرأته، وتظاهر وتظهَّر منها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها: " أنت عليَّ كظهر أمي ". وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (يُظَاهِرُونَ)، أي: يحرمون تحريم ظهور الأمهات. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يُظَاهِرُونَ) هذه يمين أن يقول الرجل لامرأته: " أنت عليَّ كظهر أمي "، وأما " يظَّاهرون " من " التظاهر " وهو التعاون، يقال: تظاهروا، أي: تعاونوا، ولكن هو خلاف ما تضمنته الآية واللَّه أعلم. ثم الظهار كان عند أُولَئِكَ القوم ظاهرا، وهو ما روينا في قصة امرأة أوس لما همت أن تخرج من الدار، قال لها: " إن خرجت من الدار، فأنت عليَّ كظهر أمي "، وكذلك هذه الدلالة في قوله: (يُظَاهِرُونَ). والظهار أخذ اسمه من " الظهر "، وكذلك فيما عرف المسلمون فيما بينهم هذا اللفظ، وهو قوله: " أنت عليَّ كظهر أمي "، والآية توجب أن يكون الظهار فيما يقول: " أنت عليَّ كأُمي "، وهو قوله: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ)، ذكر الأمهات، ولم يذكر ظهور الأمهات؛ فصار ظاهر الآية يوجب هذا. وبهذا احتج مُحَمَّد - رحمه اللَّه - لمذهبه فيمن قال لامرأته: " أنت عليَّ كأُمي "، قال: يكون ظهارا. وأما أبو حنيفة - رحمه اللَّه - فإنه قال: لا يكون مظاهرا، إلا أن ينوي بذلك الحرمة، فإن نوى به كان، وذهب في ذلك إلى ما روي من ذلك الحرف -أعني: قوله: أنت عليَّ كظهر أمي- وإنما نزلت الآية فيمن قال ذلك القول، فلا يحل لنا أن نصرفه إلى غيره إلا بدليل. وقوله: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، أي: ما هن لهم كأمهاتهم؛ لأنه تعالى قال: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) على سبيل الرد لما قالوه، وقوله: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ)، أي: قالوا لنسائهم: " أنتن علينا كظهور أمهاتنا ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) يكون ردًّا لقول من قالوا لنسائهم: " إنهن أمهاتنا " لا لمن قالوا: " إنهن كأُمهاتنا " و " كظهور أُمهاتنا "، فيحتمل بذلك القول تبعا لقوله: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، أي: كأمهاتهم ولكن الإشكال أنه إذا صار تقدير الآية ما هن كأمهاتهم، فما معنى قوله: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ)؛ لأنهم كانوا يدعون التشبيه بالأمهات، واللَّه تعالى نفى ما ادعوا من التشبيه؛ فما معنى البيان حقيقة بقولهم: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ)، وهم يعرفون ذلك ولا ينكرونه، ولا يدعون في نسائهم أنهن أمهاتهم حقيقة؛ حتى يرد عليهم دعواهم. بقوله: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ)؟ وإشكال آخر: أنه قال: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا)، وظاهر هذا القول منهم ليس من الزور، ولا المنكر؛ إذ ليس في قولهم: " ظهرك كظهر أمي " أو " أنت عليَّ كظهر أمي " أو " كأمي " إلا التشبيه وهي لعلها تشبهها، فإن ظهرها كظهر أمه؛ في الشبه والخلقة والتشبيه لا يقتضي العموم، فما معنى تسميته تشبيه المرأة بالأم: منكرا وزورا. وإشكال آخر: أنه جعل الأمهات اللائي ولدنهم أمهات لهم؛ فإنه قال في نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - رضي اللَّه عنهن: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، وقال فيمن يرضعن أولاد الغير: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) وإن لم يلدنهم. فنقول - وباللَّه التوفيق -: إنهم كانوا يريدون أن يوجبوا حقوقا وأحكاما ما كانت في أمهاتهم، لم يكن لهم إيجاب ذلك؛ فإنهم كانوا يشبهون النساء بالأمهات، ولم يريدوا بذلك من حيث الصورة، ولكن يريدون بذلك التشبيه في الحرمة، وحرمة النساء في الأصل غير حرمة الأمهات؛ فإن الأم حرام الاستمتاع بها لكن يباح للرجل أن يدخل على أمه، ويخدمها، ويسافر بها، ويباح النظر، والمس، والإركاب، والإنزال، والخلوة بها، والمرأة متى حرمت بالطلاق الثلاث، أو بالبينونة، لا يثبت شيء من هذه الحقوق، والمشابهة بين الشيئين -إن كانت- لا تقتضي مشابهتها من كل وجه، ولكن تقتضي المساواة بينهما في وجه من الوجوه على الكمال - فإن الذات في الشاهد إذا قام به العلم، يسمى: عالما، واللَّه تعالى يسمى: عالمًا ولا يوجب التشبيه؛ لانعدام التماثل بين العلمين، والتساوي من كل وجه، فلم يعد تشابها تعالى اللَّه عن ذلك، وتشبيههم النساء بأمهاتهم أرادوا أن يجعلوا حرمة نسائهم كحرمة أمهاتهم، ويوجبون فيهن حقوقا وأحكاما كحقوقهن وأحكامهن؛ حتى يباح لهم في المعاملة مع نسائهم ما يباح مع أمهاتهم، ويحرم ما يحرم معهن ويكون احترامهن كاحترامهن، واللَّه تعالى لم يجعل ذلك، ونهاهم عن ذلك، فقال: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، أي: كأمهاتهم في هذه الحرمة التي يريدون إثباتها، وأنه لم يجعل لنسائهم حرمة أمهاتهم، ثم قال: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ)، أي: أن هذه الحرمة التي يريدون إثباتها فيهن مما جعلنا لأمهاتهم اللائي ولدنهم، فما بالهم يخترعون من أنفسهم شيئا لم أجعله، ولم أشرعه؛ فرد صنيعهم بهذا. وعلى هذا يخرج تأويل قوله: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا)، إنما كذبهم بما قالوا من إيجاب تلك الحقوق والأحكام على أنفسهم في نسائهم من غير أن جعل الله تعالى ذلك، أي: وإنهم ليقولون منكرا وزورا في إيجاب الحقوق فيهن كما في الأمهات، وتشبيههم إياهن بالأمهات في الأحكام والحقوق والحرمة، وإن كان كلامهم وقولهم من حيث ظاهر التشبيه ليس بمنكر ولا بزور، وهذا كقوله في وصف المنافقين: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وهَؤُلَاءِ المنافقون فيما قالوا في الظاهر كانوا صدقة، ولكن لما كان قصدهم غير ذلك، وكان في قلوبهم إيجاب شيء غير ما أظهروا - سماهم: كذبة، فكذلك هَؤُلَاءِ المظاهرون لما أرادوا إيجاب حكم لم يجعل لهم ذلك سمى قولهم: منكرا وزورا. والمنكر: هو الذي لا يعرف في الشريعة، والزور: هو الكذب؛ فنهاهم اللَّه تعالى عن ذلك. وأما قولهم: إن اللَّه تعالى قد سمى غير من يلزمهم: أمهات من نساء النبي - عليه السلام - والمرضعات -: منهم من قال: جائز أن تكون هذه الآية متقدمة على قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، وعلى قوله: (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، فلم يكن في ذلك الوقت أمهات من رضاع، ثم كانت من بعد؛ فيكون الإخبار بهذا مقيدا بذلك الوقت، وهو كقوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ)، لم يجد في ذلك الوقت، ثم وجد من بعد ذلك غيره محرما، فعلى ذلك هذا. وقيل: يحتمل أن يكون قال ذلك في قوم خاص وقبيلة خاصة، لم يكن لهم أمهات من إرضاع؛ فيكون الإخبار بأن أمهاتهم لسن إلا اللائي ولدنهم صدقا. ولكن هذا تكلف؛ لأن قوله: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) يعني: أن هذه الحقوق والأحكام التي يوجبون ليس تثبت إلا في الأمهات اللاتي تلدنهم، أو من كانت في معناهن

المجادلة 58:3

وصرن أمثالهن بأمر يجعله اللَّه تعالى؛ كأزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والأمهات بسبب الرضاع، والله تعالى لم يجعل لنسائهم تلك الحقوق التي جعلها لمن لحقن بالأمهات، فيكون تشبيههن بهن في هذه الحقوق منكرا من القول وزورا، واللَّه أعلم. وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) اختلف في حكم العود ما هو؟ وفي تأويل العود عن طاوس قولان: في قول قال: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا): الوطء، فإذا حنث، فعليه الكفارة؛ وهذا تأويل بعيد مخالف للنص؛ لأن اللَّه تعالى يقول: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) وإنَّمَا الذي ذهب إليه حكم الإيلاء: أنه إذا وطئ تجب الكفارة، أما في الظهار تجب الكفارة قبل الوطء وفي قول: أنه إذا تكلم الظهار يجب عليه الكفارة، ولم يشترط معه شيء آخر. وعن مالك أنه إذا ظاهر من امرأته، ثم أجمع، وعزم على إمساكها وإصابتها، وجبت عليه الكفارة حتى إذا طلقها أو ماتت المرأة بعد العزم على الإمساك والإصابة، أو بعد الإصابة - بقي وجوب الكفارة عليه. وإن لم يجمع على إمساكها حتى ماتت، تسقط الكفارة. وكذلك إذا طلقها، لكنه إذا تزوجها بعد ذلك، لم يمسها حتى يكفر؛ فيكون العود: هو إمساكها ليطأها. وعن الحسن: أن العود هو العزم على الجماع؛ حتى إذا عزم على جماعها، تجب الكفارة، وإن أراد تركها بعد ذلك. وقال عُثْمَانَ الْبَتِّيُّ فيمن ظاهر من امرأته، ثم طلقها قبل أن يطأها، قال: أرى عليه الكفارة، راجعها أو لم يراجعها، وإن ماتت، لم يرتفع الظهار والكفارة، ولا يرث حتى يكفر. وقال الشافعي: العود هو الإمساك، والكفارة تجب به، وحكم الظهار هو تحريم المتعة؛ حتى إذا أمكنه أن يطلقها بعد الظهار، ولم يطلق، وأمسكها ساعة؛ ليطأها، فقد وجبت عليه الكفارة عاشت أو ماتت، وإذا عاشت طلقها أو لم يطلقها، راجعها أو لا. وإذا طلقها عقيب الظهار بلا فصل يبطل الظهار، ولا تجب الكفارة بعزم إمساك المرأة. وقال بعض المتأخرين في تأويل قوله تعالى: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)، أي: يعودون إلى القول الأول فيكررون ذلك القول، وعندهم لا يكون الرجل مظاهرا حتى يقول: " أنت عليَّ كظهر أمي " مرتين. وأما عندنا فحكم الظهار هو تحريم مؤقت بالكفارة، ولا نرفعه إلا بالكفارة، هكذا روي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " إذا قال أنت عليَّ كظهر أمي "، لم تحل له حتى يكفر. وعندنا لا تجب الكفارة بنفس الظهار، وإنما الظهار يوجب الحرمة لا غير، وإنما تجب بالعود حتى إنها إذا ماتت لا يجب عليه الكفار وإذا ارتفع المعنى الذي يجب، وهو استباحة الوطء وكذلك إذا طلقها بائنا أو ثلاثا، لا تجب الكفارة لهذا؛ حتى إذا عادت إليه بالتزوج، وأقدم على استباحة الوطء، تجب الكفارة. وهو عند أصحابنا أن يجعل المرأة على الحالة الأولى، ويحللها على نفسه على ما كان عليه، ويستبيح وطأها، فإذا أراد أن يحللها على نفسه ويستبيحها ويقدم عليه، يجب عليه أن يكفر، ولا تزول تلك الحرمة عندنا إلا بالكفارة؛ فالتكفير سبب الحل؛ كذا ذكر العمي في تأويل: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)، أي: يعودون إلى فسخ ما قالوا ونقض ذلك، واستدل بما ذكر عن الأصمعي: أن أعرابيا تكلم بين يديه بأنه كان شيء ما ثم يعود إليه، قال له الأصمعي: ما أردت به؟ فقال: أي: أنقضه، وأفسخه؛ فهذا يدل على أن المراد من قوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ)، أي: يعودون إلى استحلال ما حرموا، وينقضون ذلك، ويردون الحل إلى الحالة الأولى، إلا أن ظاهره العود إلى القول بقوله: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا) ولكن أراد به المقول والثابت به وهو الحرمة؛ كأنه قال: ثم يعودون لما حرموا بالقول فيستبيحونه؛ ويجوز أن يذكر الفعل ويراد به المفعول؛ كقوله - عليه السلام -: " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه "، وإنما هو عائد في الموهوب، وقال اللَّه تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، أي: الموقن به، واللَّه أعلم. فَإِنْ قِيلَ: العود الذي يوجب الكفارة هو العزم على استباحة الوطء، والقصد على تحليلها على نفسه وإعادة الحل إلى الحالة الأولى، أو الإقدام على الوطء أو مباشرة نفس الوطء، فإن كان المراد هو الأول، يجب أن تقولوا: تجب الكفارة بنفس العزم على الاستباحة والتحليل، كما قال مالك رحمه اللَّه، والحسن رحمه اللَّه. وإن كان المراد إيقاع الوطء يجب أن تقولوا: إنه لا تجب الكفارة إلا بعد الوطء كما قاله قوم، وهو خلاف الآية، وخلاف قولكم. قيل: نعني بذلك: هو الإقدام على استباحة الوطء، والاشتغال بإقامته، فيقدم التكفير، ثم يفعله؛ إذ لا يجب بمجرد العزم، ولا بعد تحقق الفعل، وهذا لأنه إذا ظاهر حرمت المرأة عليه بسبب فعله الواجب عليه توفير حقها في الجماع إن كانت بكرا في الحكم حتى يجبر عليه، وهذا وإن كانت ثيبا وقد وطئها مرة يجب عليه فيما بينه وبين اللَّه تعالى إيصال ذلك إليها. وعند بعض أصحابنا يجبر في الحكم أيضا على ذلك، فإذا أقدم على ذلك يجب عليه تحصيل الكفارة؛ ليتوصل إلى إقامة ذلك الواجب عليه من الجماع؛ إذ لا يحل ذلك بدون الكفارة، وهذا كالوضوء في باب الصلاة ليس بفرض مقصود بنفسه، لكن يجب لإقامة الصلاة؛ إذ لا يجوز الصلاة بدون الطهارة، فإذا أقدم على الصلاة يجب عليه تحصيل الوضوء؛ ليتمكن من أداء ما عليه، ولا يجب بنفس الإرادة، ولا يجب بنفس الحدث؛ حتى لا يجب الوضوء ما لم يدخل وقت الصلاة، ويقوم إليها، وكذلك المرأة إذا حاضت بعد الوقت حتى سقط عنها الصلاة يسقط الوضوء، فعلى ذلك هذا يجب عند الإقدام على إقامة هذا الواجب وهو الوطء، والظهار شرط؛ ولهذا إذا ماتت المرأة تسقط الكفارة؛ لانعدام ما هو المقصود بالإقدام، وهو الوطء، وكذلك إذا طلقها ثلاثا أو بائنا لكن إذا عادت إليه يلزمه الكفارة إذا أقدم على الوطء، ولم يبطل الظهار؛ لاحتمال حصول الغرض، واللَّه أعلم. ويحتمل وجها آخر: وهو قوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ...) الآية هذا خبر عن ظهار القوم الذين كانوا يظاهرون في جاهليتهم، أي: ظاهروا في ذلك الوقت، ثم يعودون لما قالوا، أي: لو قالوا ذلك القول بعد إسلامهم فعليهم ما ذكره؛ إذ الظهار كان ظاهرا في الجاهلية من عاد إلى ذلك القول، ورجع إليه وقت إسلامه؛ فعليه ما ذكر، وهو كقوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ)، فهذا يرجع إلى فعل ذلك مرة، وإلى استحلال ما حرم اللَّه ثانيا، وإن عاد إلى الفصل الأول لا من وجه الاستحلال، فينتقم اللَّه منه بالغرامة عليه، وإن عاد إلى استحلال، فينتقم اللَّه منه بالعذاب؛ وكذلك مثل هذا في آية الربا، حيث قال: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ... )، أي: عاد إلى ما كان يفعله قبل الإسلام، فكذلك هذا العود إلى الظهار على هذا التقرير يخرج تأويل الآية عنده، وهو كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، أي: كانوا يتناجون في الجاهلية، فنهاهم اللَّه تعالى عن العود إلى ما كانوا عليه؛ فعلى ذلك يحتمل هذا، واللَّه أعلم. لكن على هذا التأويل الإقدام على الوطء سببا لوجوب الكفارة لم يثبت بهذا النص، إنما فيه أن الظهار يوجب تحريما مؤقتا بالكفارة، وكذلك الأحاديث التي ذكرنا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أمر أوسا بالكفارة حين ظاهر من زوجه، وإنما يعرف من حيث الدلالة؛ فإنه لما كان التحريم مؤقتا بالكفارة، يكون رافعه له قائما، ويجب الرافع بالإقدام عليه، لا بسبب سابق موجب للتحريم؛ لأن رافع الحرمة لا يجب بما يوجب الحرمة؛ كما ذكرنا في الوضوء: أنه لا يجب لما يحدث الذي هو رافع للطهارة، ولكن لما وجب على المكلف الصلاة بالطهارة، ويجب عليه الوضوء بالإقدام على الصلاة التي لا تجوز بدونه؛ فكذلك هذا، واللَّه أعلم. وقول من جعل العود هو العزم على إمساك النكاح والبقاء عليه - فاسد، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أوجب الكفارة على أوس بن الصامت حين ظاهر من زوجه، ولم يسأله الإمساك والبقاء على النكاح. ولأن تفسير العود بالإمساك لا يستقيم؛ لأنه لم يعرف في الأصل إمساك المرأة عودا عليها ولا إمساك شيء من الأشياء يتكلم بالعود إليه؛ فيكون هذا خلاف اللغة، ولما ذكرنا: أن العود إلى الشيء هو الرجوع إلى ما كان عليه؛ فيقتضي انعدامه وزواله حتى يتحقق العود؛ إذ العود هو وجود ثان، وهذا إنما يتحقق فيما قلنا من الجزاء؛ لأنه قد يبدل بالحرمة، فأما العقد فهو قائم لم يزل بالظهار؛ فكيف يعود إلى العقد؟ فلا يكون البقاء على العقد وإمساك المرأة بالنكاح عودا. ولأن اللَّه تعالى قال: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا)، و " ثم " يقتضي التراخي. ومن جعل العود هو الإمساك والبقاء على النكاح، فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخٍ، وذلك خلاف ظاهر الآية. وقول من جعل العود هو العزيمة على الوطء، لا معنى له؛ لأن موجب الظهار هو تحريم الوطء لا تحريم العزم على الوطء وإن كان العزم على المحظور محظورًا؛ لكونه وسيلة إلى المحظور؛ فيكون العود هو الرجوع إلى ما يقوى به مقصودا لا وسيلة إلى حسب الأول. ولأنه لا حظَّ للعزيمة في حق تعلق الأحكام في سائر الأصول؛ ألا ترى أن سائر العقود والتحريم لا يتعلق بالعزيمة، فلا اعتبار بها، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن اللَّه تعالى عفا عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم يتكلموا به ويعملوا ". وقول من جعل العود تكرار القول الأول فاسد أيضا، وإن كان ظاهر اللفظ يحتمل، وهو العود إلى القول الأول؛ لأنه خلاف الإجماع وخلاف أصول الشرع: أما خلاف الإجماع؛ فإن السلف والخلف أجمعوا على أن هذا ليس بمراد من الآية؛ فيكون قائله خارجا عن الإجماع. وأما مخالفة الأصول؛ فلأن الحل والحرمة إنما تعلق وجوبهما بابتداء القول لا بتكراره في جميع الأصول من البياعات والنكاح والطلاق والعتاق والإجارات، فلما كان الأصل هذا في سائر الأسباب، والمظاهر موجب للحرمة بقوله؛ دل أن الموجب هو القول الأول دون الثاني؛ فيكون تعليق الحرمة بتكرار الموجب؛ مخالفة لسائر الأصول، وبهذا يبطل قول الشافعي في أن تعلق الحرمة بتكرار الرضعات لا برضعة واحدة، واللَّه أعلم. ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أمر بالكفارة في حق أوس، ولم يسأله عن تكرار القول، ولما لم يسأل دل أن الحكم غير متعلق بالتكرار. وما قاله الشافعي: أنه إذا طلقها بعد الظهار بلا فصل فلا كفارة عليه، وإن لبث ساعة، ثم طلقها، كفَّر راجعها أو لم يراجعها، أو ماتت - قول تفرد به؛ لأن طاوسا أوجب عليه الكفارة طلقها أو أمسكها، وسائر التابعين قالوا: إن ماتت أو طلقها، ولم يراجعها فلا كفارة عليه، ولم يفصلوا بين أن يطلقها على أثر الطلاق بلا فصل، أو بعد ذلك بساعة؛ فيكون الشافعي بهذا القول مخالفا للسلف؛ فلا يعتبر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) ظاهره يقتضي أن يكون الوطء محظورا عليه قبل الكفارة؛ لأنه جعل الحرمة مؤقتة بالكفارة، وإذا وطئ يسقط الظهار والكفارة؛ لأن كل ما تعلق بشرط أو توقت بوقت، فمتى فات الوقت، أو عدم الشرط، لم يجب لذلك النص، واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في الوقت الثاني، إلا أنه قد ثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن رجلا ظاهر من امرأته فوطئها، ثم سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال له: " استغفر اللَّه، ولا تعد حتى تكفر "، فصار التحريم الذي بعد الوطء عرفناه بالسنة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) يرجع إلى وجهين: مرة إلى اسم الرقبة. ومرة إلى ما يستحكم حكم الرقبة. فإن كان المراد من ذكر الرقبة اسم الرقبة نفسها، فيجيء أن يجوز كل ما يقع عليه اسم الرقبة، صغيرا كان أو كبيرا، كافرا أو مسلما، مقطوع الرجلين، أو أعمى، أو كيفما كان. وبشر المريسي: يذهب ويجبر كيفما كانت الرقبة. وإن كان المراد من ذكر الرقبة: ما يستحق حكم الرقبة فيجيء ألا يجوز إعتاق رقبة فيها نقصان؛ إذ الأصل في العبيد والإماء أن النقص فيما دون النفس يوجب نقصانًا في كل النفس؛ فيجيء ألا يجوز؛ إذ يصير معتقًا لبعض الرقبة لا كلها. ثم الدليل على أن النقصان الحال فيما دون النفس في الرقاب جعل كالنقصان الحال في النفس أن العبد إذا قطعت يده أو فقئت عينه يشترى بنصف ما كان يشترى وقت الصحة؛ فصار النقصان فيما دون النفس كتلف نصف القيمة من العبد وإن لم يكن ذلك من نفسه النصف؛ فيجيء على هذا ألا يجوز إذا كان فيه أدنى النقصان؛ إذ الحكم فيما دون النفس محمول على حكم الأنفس، وحكم الجناية عليهم محمول على حكم كمال النفس. لكن هذان التأويلان في الآية لا يصحان. وأما الجواب عن قولهم: إن النقصان الحال في بعض الرقبة كالحال في كلها: أن ذلك النقصان يرتفع بالعتق، وإن كان وقت قيام الرق يحكم عليه بالنقص؛ لما يصير رقبة له بحكم الكمال بالعتق إذا صار هو منتفعًا بالعتق إذ بالعتق جبر النقصان الذي كان به؛ فيسلم له الرقبة كلها من حيث المعنى فيجوز، كما إذا أعتق الرقبة السليمة، والدليل عليه: أنه لو جني عليه بعدما عتق، لم ينقص من ديته شيء في مقابلة النقصان في نفسه وقت العبودة والرق، وثبت بهذا أنه في حق نفسه كامل النفس، وإنما كان ذلك النقص من نقص في قيمته وقت العبودة؛ إذ هو لو كان منقوصًا في حق نفسه لا يرتفع عنه ذلك النقصان أبدًا؛ فلما ارتفع النقصان الذي به بإعتاقه دل أن إعتاقه جائز، والأصل فيما أوجب اللَّه تعالى من هذه الكفارة إنما أوجب ليكفر بها ما ارتكب من المآثم، وما ارتكب من المحظورات التي حظر عليه ارتكابها؛ ليتألم بهذه الكفارة؛ ليكون زجرًا عن العود إليها فعلينا أن ننظر في هذه الكفارة فإن كفر بشيء لا يتألم به نفسه، ولا يفجع عندها، فلا يجوز ذلك عن الكفارة، وإن كان بالذي يلحقه ويؤلمه يجوز. ثم ما يصل إليه من الألم بإعتاقه وجهان: أحدهما: أنه إذا تأمل ذهاب منافع ذلك المملوك عنه بما كان هو يصلح لخدمته يتألم بذلك ويتفجع. والثاني: لما يتأمل منه النفع في العاقبة وإن لم يكن للحال ينتفع به؛ فيتألم - أيضا - بذهاب تلك المنفعة المؤملة، فكل من كان يؤلم من هذين الوجهين جاز عتقه عن الكفارة، وإلا فلا، واللَّه أعلم. ثم لا يجوز إعتاق الأعمى والمقعد ومقطوع اليدين ونحو ذلك عن الكفارة، ويخرج على هذين المعنيين: أما على الأول: أنه وإن ارتفع النقص الحاصل في نفسه بسبب العبودة عند وجود الإعتاق إلا أن العيب لا يزال قائمًا فلا يجوز لا للنقصان لكن لأنه يصير معتقًا ببدل، والإعتاق ببدل لا يجوز عن الكفارة، وإن كانت الرقبة بصفة الكمال. ومعنى قولنا: إنه يصير معتقًا ببدل: أنه ما دام في ملكه على تلك الحال، فإن مؤنته تلحقه، وبالإعتاق تسقط مؤنته عن نفسه، وتلحق تلك المؤنة المسلمين؛ فلم تجزئ عن الكفارة لهذا. وأما على الثاني: فلا يلزم على الوجهين جميعًا أما على الأول: فلأنه لا يفجع ولا يتألم نفسه بإعتاق مثله؛ لما ليس له منفعة الخدمة؛ ليتألم بفوتها، وعلى الثاني: لما ليس له منفعة تؤمل في المآل؛ فيتألم بذلك - أيضًا - ولا يلزم الصغير على هذا العذر؛ لأنه ليس له منفعة الخدمة ونفقته عليه أيضًا، ومع ذلك يجوز إعتاقه عن التكفير؛ لأنا نقول: إنه إنما ينفق على الصغير، لما تؤمل منفعته في العاقبة، والناس إنما يربون الصغار والصغائر، وينفقون عليهم؛ لينتفعوا بإيمانها وإعتاقها في العواقب؛ فلم يصر عتقه عن هذا الوجه ببدل، والتألم في عتقه موجود، وحسب ما كان في الكبير أو أكثر. والأعور، ومقطوع إحدى اليدين وإحدى الرجلين يجوز عن الكفارة فإنه يمكنه الاكتساب؛ فيتألم مولاه بإعتاقه؛ لما فيه ذهاب منفعته؛ فيصلح أن يكون كفارة لما ارتكب من الشهوة، ولما قدمنا من جبر ذلك النقصان وارتفاعه بالعتق، واللَّه أعلم. وذكر عن الشافعي أنه لا يجيز عتق الرقبة الكافرة عن الكفارة، واحتج بذكر اللَّه - تعالى - في كفارة القتل الرقبة المؤمنة، فكذلك في كفارة الظهار؛ إذ هما كفارتان. ولكن نحن نقول: هذا على أصل مذهبه خطأ؛ لأن مذهبه العموم يعم كل رقبة في دار الدنيا، والأصل في ذلك عندنا أن اللَّه - تعالى - ذكر في كفارة الظهار الرقبة المؤمنة؛ فلا يجوز أن نوجب ما ذكره في كفارة القتل هاهنا؛ والدليل عليه: أنه ذكر في تلك الآية الأشياء، وهو قوله - تعالى -: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)، فذكر الدية، ثم ذكر الدية في آية القتل - لم يوجبها على المظاهر؛ إذ ترك ذكرها في آية الظهار، ومثله في القرآن كثير. وأيضًا: إن أحق ما يجوز في الكفارة إعتاق الرقبة الكافرة؛ وذلك لما أن المسلم قد يتألم بإعتاق الرقبة الكافرة، ولا يتألم بإعتاق المسلمة؛ لما يأبي طبعه الإحسان إلى

المجادلة 58:4

الكافر، ولا يأبى بمثله إلى المسلم، وقد وصفنا أن الكفارة للتألم بإخراج ما أمر بإخراجه عن ملكه، مع ما في القرآن دليل على جواز اصطناع المعروف إليهم، وهو قوله - تعالى -: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ)، ثم قال - أيضًا - بعد ذلك: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ). وذكر في القصة أن بعض أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا قد امتنعوا عن الإنفاق على أقربائهم لما أبوا الإسلام؛ فنزلت هذه الآية؛ فهذا يبين ذلك وأن في الاصطناع إليهم وإعتاقهم يكون تكفيرًا. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) فتأويله عند أبي حنيفة - رحمه اللَّه -: أي: عتقا لا مسيس فيه؛ لأن عنده الإعتاق يحتمل التجزؤ: أنه يعتق نصفه، ثم النصف الآخر؛ فيشترط أن يعتق النصفين جميعًا قبل المسيس، حتى لو مسها فيما بين ذلك يلزمه استئناف العتق، وعلى هذا التأويل قوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا... (٤) أي: صوم شهرين لا مسيس فيه، حتى لو واقعها في وقت لم يتم صوم شهرين بعد يلزمه الاستئناف، وكأن معناه: لا مسيس في خلال الكفارة؛ فمتى وجد المسيس في وقت لم يتم الكفارة بعد يلزمه الاستئناف، وتأويل قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) عند أبي يوسف - رحمه اللَّه -: أي: يعتق قبل وقت المسيس، ويصوم كذلك. ويقول بأن الآية خرجت لبيان وقت التكفير فيه: حتى إذا جامع امرأته في صوم الظهار أنه لا يستأنف الصوم، بل يصوم الباقي؛ إذ قد فات عن وقته فصار قاضيًا عما عليه، وليس بعد الجماع وقت لذلك الصوم، بل يكون ذلك على القضاء؛ فيجوز متفرقًا ومتتابعًا؛ كصوم شهر رمضان: لما تعين له وقت الأداء، ثم فات الوقت لا يجب متتابعًا؛ بل يجوز متفرقًا، كذا هذا، ولا يتصور المسألة في الإعتاق؛ لأنه لا يتجزأ عنده. ولا خلاف أنه إذا جامع بعدما أطعم ثلاثين مسكينًا أنه لا يلزمه استئناف الطعام، ولا خلاف أنه إذا جامع قبل الكفارة لا يلزمه شيء سوى التوبة والاستغفار في قول عامة الفقهاء. وعند بعضهم يلزمه كفارتان. لأبي يوسف - رحمه اللَّه - ما ذكرنا، ولأنه قد رأى أداء بعضها في الوقت وبعضها في غير الوقت أولى من أداء الكل بعد الوقت؛ ولهذا المعنى في الطعام كذلك. ولأبي حنيفة - رحمه اللَّه - أن الظهار ليس يوجب الكفارة؛ ولكن يوجب حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة، ولا يؤمر هو بالكفارة مقصودًا، ولكن إذا أراد الاستمتاع بها يقال له: ليس لك ذلك إلا بالكفارة، فإذا كان كذلك فإذا أدى بعضها، ثم ماسها، ثم أدى البقية - لم يصر ما أدى بعد المماسة؛ فضاعف الوقت الذي قبل المماسة، فإذا لم يصر قضاء عن ذلك جعل كالنص إنما جاء في هذه الحالة: أن حرروا رقبة قبل أن تماسوا ثانيًا، وصوموا شهرين متتابعين إذا أردتم العود إليها؛ ولذلك قال - عليه السلام - للمظاهر الذي جامع امرأته: " استغفر اللَّه، ولا تعد حتى تكفر ". لكن يدخل على هذا أمر الطعام أنه إذا أطعم بعض لطعام، ثم ماسها لم يلزمه الاستقبال، والعبارة التي ذكرناها توجب الاستئناف، لكن يستحسن في الطعام؛ لأن الطعام وقع في الأصل متفرقًا؛ إذ لو أطعم بعضه للحال وبعضه بعد سنة فإنه جائز من ذي الجهة، لكن يدخل عليه الإعتاق عند أبي حنيفة - رحمه اللَّه - فإنه إذا أعتق بعضه للحال وبعضه بعد سنة يجوز أيضًا، ومع ذلك إذا وجد المسيس فيما بين ذلك يلزمه الاستئناف. وما ذهب إليه أبو يوسف - رحمه اللَّه - من حمل الآية على بيان الوقت لا يصح؛ لأنا لو حملنا تأويل الآية على الوقت نفسه، لا فائدة تقع في الآية؛ لأن معرفة وقت ذلك ثابتة بدلالة العقل، وذلك أن قد علمنا إيجاب الحرمة بالظهار، وعلمنا أن تلك الحرمة لا ترتفع إلا بالكفارة؛ فصار وقت الحل بذكر الحرمة معلومًا؛ ولذلك هذا في جميع الحرمات من الطلاق وغيره أنه لا يرتفع إلا بسبب رفعه؛ فلو حمل تأويل الآية على بيان الوقت لم تفد شيئًا، ولو حمل على بيان إخلاء الكفارة عن المسيس، وعلى نفي المسيس في خلال الكفارة تفيد فائدة جديدة؛ فيكون هذا التأويل أحق وأولى. ثم في الآية دلالة بأن ليس ذلك على بيان الوقت، وهو قوله - تعالى -: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، ثم ذكر في العتق والصوم ترك المماسة، ولم يذكر ذلك في الإطعام، ولو كان ذلك على جعل الوقت له لكان يذكر فيه المماسة؛ إذ الكفارة إذا كانت عن شيء واحد لا يختلف فيه أوقاتها، بل يكون وقتها واحداً، ولا يقال: إنما لم يذكر الوقت في الإطعام؛ لأن ذكره في العتق والصوم: ذكره في الإطعام؛ لأنه من أنواع هذه الكفارة؛ فذكر الوقت في بعض يكون ذكرًا في الباقي، فإذا أدى بعضه في الوقت وبعضه في غير الوقت كان أولى من أن يؤدي الكل في غير الوقت؛ لأنا نقول: ذكره في العتق والصوم لا يصلح أن يكون بيانًا في الإطعام؛ لأن البيان على وجوه ثلاثة: بيان نهاية، وبيان كفاية، وبيان تفصيل: فأما بيان الكفاية: فهو أن يكتفى ببيان الواحد أو القليل عن الكل؛ ليعرف ذلك بالاجتهاد والقياس على نظائره؛ فيدل ذلك على معنى مودع فيه، وأنه محل الاجتهاد والتقليد. وأما بيان النهاية: هو أن يبين الكل على المبالغة؛ حتى لا يبقى للاجتهاد فيه موضع. وأما بيان التفصيل: هو الذي يبين في أكثره، ولا يبلغ به نهايته؛ فهو فيما يبين لا يتعدى إلى غيره؛ إذ لو كان فيه معنى مودع يجمع الكل لم يكن لذكر الزائد عليه وترك بعضه معنى. وهاهنا بيان تفصيل دون كفاية؛ إذ لم يكتف بذكر في واحد، ولا هو بيان نهاية؛ إذ لم ينه البيان في الكل؛ فهو بيان التفصيل الذي ذكرنا أنه يقر في المذكور، ولا يتعدى إلى آخر، ولو كان ذكر ذلك لبيان الوقت لاكتفى بذكره في الواحد عن الكل؛ إذ ذكر في الكل على المبالغة؛ فلما ذكر على بيان التفصيل دل أنه ليس لبيان الوقت، ولكن لنفي المسيس عن خلال الصوم والعتق المذكورين دون الطعام الذي لم يذكر فيه، وتبين أن إخلاء الصوم والعتق عن المسيس حكم عرفناه بالنص غير معقول المعنى؛ فلا يتعدى عنه إلى غيره، ويكون مثاله ما ذكر في قوله - تعالى -: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً...) الآية، على ما عرف في موضعه، والحاصل في المسألة طريقان: أحدهما: بحق القياس، والآخر: بحق الاحتياط. أما القياس ما ذكرنا أن قوله - تعالى -: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) لإخلاء الصوم عن المسيس عن خلال الكفارة، لكن إنما ذكر في الإعتاق والصوم دون الإطعام؛ فدلنا ذلك على أنه بيان تفصيل؛ فيكون دليلا على قصر الحكم على المنصوص، ومنع التعدية إلى غيره؛ لما هو علم أن العقول تقصر عن إدراك ذلك المعنى، فجعلنا نفي المسيس عن خلال الصوم والعتق واجبًا بالنص؛ حتى لا يكون كفارة بدونه، ولم يجعل في باب الإطعام شرطًا. وأما طريق الاحتياط، فهو أنه لما احتمل أن يكون لبيان الوقت أو لنفي المسيس عن خلال الصوم، فأخذ فيه بالاحتياط، وفي الإطعام أخذ بالقياس؛ لما أنه لم يذكر فيه المسيس، وذكره في الصوم والعتق لم يكن بيان كفاية حتى يكون ذكره ذكرا في الإطعام؛ بل هو بيان تفصيل وأن حكمه القصر على المنصوص دون التعدي، واللَّه أعلم. وفي الآية دلالة لصحة مذهب أبي حنيفة - رحمه اللَّه - في أن العتق يحتمل التجزئة، وهو أن يعتق بعضه، ويبقى الباقي بحاله ثم يعتقه بأوقات بعده؛ إذ قال: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، أي: تحرير رقبة بلا مماسة في التكفير، ولو كان بعض العتق يوجب عتق الكل لكان لا يفيد قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، ألا يقع العتق إلا قبل المماسة؛ فلما قال دل أنه أراد - واللَّه أعلم - بألا تمسوهن عندما أعتقتم بعضه ولم تعتقوا الكل حتى يكمل ويتم فيه الإعتاق؛ ولهذا قال بأنه يلزمه الاستئناف في العتق كما في الصوم؛ فدل أن الإعتاق متجزئ، واللَّه أعلم. ثم جعل الكفارة فيه ما ذكرنا، ولم يجعل الكفارة فيه التوبة والاستغفار فقط؛ لوجهين: أحدهما: أنه لو جعل توبته به لكان لا يظهر ذلك، وأنه أمر بينه وبين المرأة؛ فلا يدري أنه تاب أو لم يتب، وربما يظهر التوبة بالقول وإن لم يتب حقيقة بقلبه؛ فتتهمه المرأة؛ فجعل التوبة فيه أمرا ظاهرًا يعرف به توبته؛ دفعًا للتهمة عنه، وتسكينًا لقلب المرأة، والله أعلم. والثاني: أن اللَّه جعل الاستمتاع في النكاح نعمة عظيمة؛ فتشبيهها بالمحرم الذي يتأبد حرمته: أمر فظيع، فلم يجعل له الخروج منه بشيء لا يثقل عليه فيقدم ثانيًا وثالثًا لخفة أمره عليه؛ بل جعل ما يتألم عليه ويشتد عليه زجرا له عن مثله في المستقبل ولغيره: كما في الزنى وغيره من الأجرام. ثم لم يجعل ملك اليمين للاستمتاع خاصة -وإن أبيح لهم ذلك- ولا جعل لهن قبل السادات حق الاستمتاع؛ فلم يصر تشبيههن بمن ذكر كفران نعمة عظيمة، ولا إبطال حق لهن قبل مواليهن؛ لذلك افترقا، واللَّه أعلم. وقيل: إن الظهار كان طلاق قوم، فأبدل إلى تحريم المتعة، ولم يكن للإماء حظ من الطلاق، وهو الطلاق، ولم يكن لهن حظ من الذي صار وانتقل إليه. ولكن إن ثبت هذا كان طلاقًا يوجب حرمة لا ترتفع أبدًا، لا طلاقًا يوجب حرمة ترتفع بالنكاح، على ما تقدم ذكره. والإماء لم يكن لهن حظ من هذا التحريم؛ لعدم تصور ملك النكاح مع ملك اليمين، فأما لهن حظ من الحرمة المؤبدة بالمحرمية: فإن كان تلك الحرمة هي الأصل، وهن أصل لها، مع قيام ملك اليمين، يكن أهلا لما ينتقل إليه من الحرمة المؤقته؛ دل أن الطريق ما قلنا، واللَّه أعلم. وفي الآية دلالة جواز تأخير البيان؛ لأن ذلك الرجل ظاهر من امرأته اشتد بهم الحاجة إلى معرفة ما يجب فيه من الأحكام، ثم تأخر نزول بيان ما يجب عليهم؛ فطلبوا من عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بيان الحكم؛ فدل أن البيان قد يجوز أن يتأخر عن وقت قرع الخطاب السمع؛ بخلاف الأولى؛ لأن في الأول قد ظهرت الحاجة واشتدت لوقوع النازلة وفي نزول العام الذي أريد به الخصوص لا وكذلك على هذا ما نزل من أحكام الإيلاء والقاذف زوجته بعد وقوع النازلة بأوقات، دليل على ما ذكرنا، واللَّه أعلم. ثم جعل صيام شهرين بدلا عن العتق في كفارة الظهار والقتل وكفارة الإفطار في شهر رمضان، وجعل في كفارة اليمين صوم ثلاثة أيام بدلا عن العتق، وقد ذكرنا الوجه في ذلك فيما تقدم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ). صرح صاحب [(الواضح)] بأن قوله: (ذَلِكَ)، أي: ذلك أمرتم ونهيتم؛ (لِتُؤْمِنُوا). ولكن عندنا تأويل قوله: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّه) هو صلة قوله - تعالى -: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا...) الآية، يقول: أخبركم بما كان ذلك منكم في السر، وأطلعكم على ذلك؛ لتؤمنوا باللَّه ورسوله، أي: لتصدقوا وتعلموا أنه لا يخفى على الله من أعمالكم شيء. ومنهم من قال: ذلك راجع إلى قوله: (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) أي: ذلك الفرج والمخرج عما امتحنتم به من الحرمة وما اشتد عليكم؛ لتؤمنوا باللَّه ورسوله لما فرج عنكم بالخروج بما ذكر، واللَّه أعلم. ومنهم من قال: (ذَلِكَ): القول المنكر الزور الذي قلتم وأعلمكم أنه منكر وزور؛ لتؤمنوا باللَّه ورسوله؛ فيخرج ذلك على الأمر بالشكر له ما أنعم عليهم، وجعل لهم من الفرج والمخرج عما امتحنوا بأدائها، وهكذا العبادات التي أمروا بها: أمروا؛ لإحدى ثلاث خلال: إما بحق الشكر بما أنعم عليهم. أو لتسليم الأمر له والخضوع. أو لحق الاستغفار والتكفير بما سبق من التفريط والتقصير، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) على غير هذا، أي: ذلك الذي أنزل؛ لتؤمنوا، أي: لتجددوا الإيمان باللَّه - تعالى - ورسوله في كل وقت وكل ساعة؛ إذ يلزم الناس إحداث الإيمان، وتجديده لإحداث الرخص والعزائم التي تجددت واللَّه أعلم.

المجادلة 58:5

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ). قيل: أي الذي افترضه اللَّه عليكم من الأحكام، وقال الزجاج (حُدُودُ اللَّهِ)، أي: موانع اللَّه تعالى؛ لذلك سمي الحاجب: حدادًا؛ لأنه يمنع الناس منه. وعندنا قوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: زواجر اللَّه وموانعه، على معنى أنه يمنع كل شيء عن الدخول في حد الآخر يمنع الباطل عن الدخول في حد الحق والاختلاط به. وفي الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أضاف الفرائض، وهي الطاعات إلى نفسه بقوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)، وأنها أفعال العباد؛ دل أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله - تعالى - وإنما خص هذه الأعمال بالإضافة إلى نفسه، مع أن جميع الأفعال مضافة إليه بخلقه إياها تبجيلا وتعظيمًا لها، كما قال اللَّه - تعالى -: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، أضاف المساجد لنفسه؛ تبجيلا وتعظيمًا لها. وعلى هذا يخرج تأويل من قال في قوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا)، من نفسي؛ فكيف أظهرها لمن دونه أراد بهذه الإضافة تبجيلا وتعظيمًا لأمر الساعة؛ فكأنه يقول: إنما لم أظهر أمر الساعة لذلك الخلق الذي هو بهذه المنزلة، فكيف أظهرها لكم أي: لا أفعل ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ). أي: للكافرين باللَّه وبحدوده عذاب أليم في الآخرة؛ لأن عذاب الكفر إنما يكون في الآخرة عذابًا دائمًا لا انقضاء له، ولا قوة إلا باللَّه. * * * قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). قال بعض أهل الأدب: المحاد هو الذي يجعل نفسه في حد غير الحد الذي أمره الله ورسوله، وكذلك قوله: يشاقون اللَّه، أي: يكونون في شق غير الشق الذي عليه رسول اللَّه، أو كلام نحوه.

المجادلة 58:6

ومنهم من قال: حددته عن طريقه، أي: عدلته عنه، وبعضه قريب من بعض. وأصله ما ذكر: (يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، أي: يمانعون الناس ويزجرونهم عن الطريق؛ لئلا يأتوا محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويتبعوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). قيل: غلبوا وردوا بغير حاجتهم كما غلب ورد الذين كانوا من قبلهم. وقيل: أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم. وقيل: أخزوا كما أخزي الذين كانوا من قبلهم. وكله قريب بعضه من بعض. ثم يخرج تأويله على وجهين: أحدهما: أي: كبت هَؤُلَاءِ الذين منعوا الناس عن اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من أهل مكة، كما كبت من قبلهم. أو كبت هَؤُلَاءِ الذين مانعوا الناس عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة، كما كبت الذين مانعوهم عنه بمكة؛ لأن هذه السورة مدنية، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ). أي: آيات تبين حدود اللَّه من غير حدوده، أو ما يبين الحق من الباطل، والرسول من غيره، أو المحاد من غير المحاد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ). أي: للكافرين كلهم عذاب يهينهم؛ كما أهانوا المؤمنين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦). أي: الأولين والآخرين، والمحادين والموافقين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ). أي: ليبعثهم اللَّه جميعًا، فينبئهم بما عملوا من خير أو شر، أحصى اللَّه ما عملوا، وإن طال ذلك أو كثر، ونسوا هم تلك الأعمال. خرج هذا على الوعيد، وفيه دلالة رسالته؛ إذ أخبر أن اللَّه - تعالى - يحصي ذلك عليهم، وأنهم نسوا؛ فلم يتهيأ لهم أن ينكروا عليه أنهم لم ينسوا؛ دل أنه باللَّه علم ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).

المجادلة 58:7

أي: على كل شيء من الإحصاء والحفظ وغير ذلك شهيد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧). فإن كان هذا الخطاب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يكون فيه دلالة رسالته أن أطلعه على ما أسروا فيما بينهم من المكر برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، وتناجوا بينهم من الكيد والخداع، أطلع اللَّه - تعالى - رسوله على ذلك؛ ليعلم أنه باللَّه علم ذلك. والثاني: بشارة له بالنصر والمعونة، وهو كقوله - تعالى - لموسى وهارون - عليهما السلام -: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، أي: أسمع ما يقول لكما وما يجيب، أو أرى ما قصد بكما، وأدفع عنكما ما قصد بكما؛ فعلى ذلك ما ذكر له: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) فيطلعك على ما هموا بك وأسروا فيك، فينصرك ويدفع عنك كيدهم. وجائز أن يكون الخطاب ليس لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة؛ ولكن لكل في نفسه؛ فيصير كأنه قال: ألم تر إلى عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض قبل إنشاء أهلها فيهما، فإذا رأيت عجائب ما أنشأ من السماوات والأرض وأهلهما، وعلمت ذلك فاعلم أنه بما يكون ومن نجواهم، فيما ذكر عالم؛ فيخرج على التنبيه والزجر عن الإسرار والنجوى. ثم قوله: (رَابِعُهُمْ)، و (سَادِسُهُمْ)، و (مَعَهُم) ونحوه يجب أن ينظر إلى المقدم من الكلام؛ فيصرف قوله: (هُوَ مَعَهُم) إلى ذلك، نحو قوله (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا)، (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)، ونحوه - يكون معهم في التوفيق والمعونة لهم والنصر؛ فعلى ذلك ما ذكر من قوله: هو معهم في النجوى وما أسروا فيما بينهم، أي: شاهد معهم حافظ عليهم، يدفع عنكم كيدهم ومكرهم وينصركم، واللَّه أعلم. وقوله: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). أي: ينبئهم بما تناجوا وأسروا من الكيد يوم القيامة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨). هذا الخطاب لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: اعلم أن الذين نهوا عن النجوى، (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ...) الآية. وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنه أخبر أنهم عادوا إلى ما نهوا عنه وهو النجوى، ومعلوم أنهم لا يعودون إلى ما نهوا عنه بحضرة أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولكن عند غيبة منهم؛ دل أنه باللَّه علم. ثم اختلف في سبب تلك النجوى: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنه كان بين اليهود وبين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - موادعة، فإذا وجد رجل من المسلمين وحده يتناجون بقتله بينهم، أو يظن المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره؛ فيترك الطريق من المخافة، فبلغ ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فنهاهم عن النجوى، فلم ينتهوا، وعادوا إلى النجوى؛ فنزل ما ذكر. ومنهم من قال: إن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا إذا خرجوا من عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قام أناس من اليهود وأناس من المنافقين يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون نحو واحد منهم، فإذا رآهم ينظرون نحوه، قال: ما أظن هَؤُلَاءِ إلا قد بلغهم خبر أقربائي الذين بعثهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في السرايا من قتل أو موت؛ فيقع في قلبه من ذلك ما يحزنه، فلا يزال كذلك حتى يقدم حميمه من تلك السرية. لكن الأولى عندنا السكوت عن ذكر هذا وأمثاله؛ لأنه خرج مخرج الاحتجاج وجعله آية عليهم؛ فيجوز أن يكون على خلاف ما ذكر؛ فيوجب الكذب في الخبر؛ فالإمساك عنه أحق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ). ذكر أنهم كانوا إذا أتوا رسول اللَّه يقولون: السام عليك يا مُحَمَّد؛ فيجيبهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويرد عليهم ويقول: عليكم. ففيه دلالة رسالته؛ لأنهم حيوه شرًّا منه، فأطلعه اللَّه - تعالى - على ما أسروا، وكذلك ما قال: (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ): هلا يعذبنا اللَّه بما نقول في السر فيه دلالة الرسالة؛ لأنه معلوم أنهم قالوا ذلك سرا في أنفسهم، فأطلع اللَّه - تعالى - رسوله على ما في أنفسهم، ففيه أنه باللَّه - تعالى - عرف أذلك. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ - خبرا عنهم: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ). جائز أن يكون من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لهم وعيد بالتعذيب؛ لأجل التناجي الذي كان فلما تأخر ذلك عنهم قالوا عند ذلك: إنه لو كان رسولًا على ما يقوله لعذبنا على ما قال ووعد، لكن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إن كان وعد لهم العذاب لم يبين متى يعذبون، فعذابهم ما ذكر حيث قال: (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، واللَّه أعلم.

المجادلة 58:8

وقوله تعالى :﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه﴾ هذا الخطاب لرسول الله ﷺ يقول : اعلم أن الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه، الآية ٨، فيه(١) دلالة إثبات الرسالة لأنه أخبر أنهم عادوا إلى ما نهوا عنه، وهو النجوى، ومعلوم أنهم لا يعودون إلى ما نهوا عنه بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ ولكن عند غيبة منهم، دل أنه بالله علم. ثم اختلف في سبب تلك النجوى ؛ قال بعضهم : إنه كان بين اليهود وبين النبي ﷺ موادعة، فإذا [ رأوا رجلا ] (٢) من المسلمين وحده، يتناجون بينهم(٣) يظن المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فيترك الطريق من المخافة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنهاهم عن النجوى، فلم ينتهوا، وعادوا إلى النجوى، فنزل ما ذكر. ومنهم من قال : إن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا خرجوا من عند رسول الله ﷺ قام أناس من اليهود وأناس من المنافقين يتناجون في ما بينهم دون المؤمنين، وينظرون نحو واحد منهم، فإذا رآهم ينظرون نحوه، قال : ما أظن هؤلاء إلا وقد بلغهم خبر أقربائي الذي بعثهم رسول الله ﷺ في السرايا من قتل أو موت، فيقع في قلبه من ذلك ما يحزنه، فلا يزال كذلك حتى تقدم جمعة من تلك السرية. لكن الأولى عند السكوت عن ذكر هذا وأمثاله، لأنه خرج مخرج الإحتياج، وجعله آية عليهم، فيجوز أن يكون على خلاف ما ذكر فيوجب الكذب في الخبر، فالإمساك عنه أحق. وقوله تعالى :﴿وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله﴾ ذكر أنهم كانوا إذا أتوا رسول الله ﷺ يقولون : السام عليك يا محمد فيجيبهم النبي ﷺ ويرد عليهم ويقول :﴿وعليكم﴾. ففيه دلالة رسالته لأنهم حيوه سرا منه، فأطلعه الله تعالى على ما أسروا، وكذلك ما قال :﴿ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول﴾ هلا يعذبنا الله بما نقول في السر، فيه دلالة الرسالة، لأنه معلوم أنهم قالوا ذلك سرا في أنفسهم، فأطلع الله تعالى رسوله ﷺ على ما في أنفسهم، ففيه أنه بالله تعالى عرف. وقوله تعالى خبرا عنهم :﴿لولا يعذبنا الله بما نقول﴾ جائز أن يكون من رسول الله ﷺ لهم وعيد بالتعذيب لأجل التناجي الذي ﴿كان﴾ (٤) منهم، فلما تأخر ذلك عنهم قالوا عند ذلك إنه لو كان رسولا على ما يقوله لعذبنا على ما قال ووعد، لكن رسول الله ﷺ إن كان لهم العذاب، لم يبين متى يعذبون فعذابهم ما ذكر حين(٥) قال :﴿حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير﴾ والله أعلم. ويحتمل أن يكون قولهم :﴿لولا يعذبنا الله بما نقول﴾ إنما قالوا ذلك عند رد رسول الله ﷺ بما حيوه حين قال : وعليكم، يقولون : إنه دعا بقوله :﴿وعليكم﴾ فإن كان رسولا لأجيب دعاؤه الذي دعا علينا. لكن رسول الله ﷺ لم يدع عليهم، إنما رد قولهم عليهم ردا، والله أعلم. ١ في الأصل وم: وفيه. ٢ في الأصل وم: رجل. ٣ أدرج قبلها في الأصل وم: بقتله. ٤ من م ساقطة من الأصل. ٥ في الأصل وم: حيث.

المجادلة 58:9

ويحتمل أن يكون قولهم: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) إنما قالوا ذلك عند رد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عليهم بما حيوه حين قال: " وعليكم " يقولون: إنه دعا علينا بقوله: " وعليكم "، فإن كان رسولا لأجيب دعاؤه الذي دعا علينا، لكن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يدع عليهم؛ إنما رد قولهم عليهم ردًّا، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى). إن أهل التأويل صرفوا الآية إلى المنافقين، وعندنا يحتمل صرف النهي إلى المؤمنين عن التناجي بمثل ما تناجوا أُولَئِكَ، أي: لا تتناجوا أنتم يا أهل الإيمان فيهم بالإثم والعدوان كما تناجوا فيكم، يقول: لا تجازوهم بالذي فعلوا هم بكم، ولكن تناجوا فيهم بالبر والتقوى، وهو كقوله - تعالى -: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا): نهى المؤمنين أن يجازوهم جزاء الاعتداء الذي كان منهم من صدهم عن المسجد الحرام؛ بل أمرهم بالتعاون على البر والتقوى، قال: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، فعلى ذلك يحتمل هذا، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون في المؤمنين حقيقة على الابتداء؛ نهيا منه لهم، يقول: إذا تناجيتم فلا تتناجوا فيما يؤثمكم ويحملكم على العدوان: على المجاوزة عن الحد، ومعصية الرسول فيما يأمركم وينهاكم، (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى): يحتمل كل أنواع الخير، وأما التقوى فهو كل ما يقون به أنفسهم عن النار، وقد تقدم ذكره. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). جائز أن يكون هذا الخطاب لهم -أعني: المؤمنين والكافرين الذين يقرون بالحشر-

المجادلة 58:10

لأن أهل الكتاب وبعض المشركين يقرون بالبعث، وبعض المشركين ينكرون مع الدهرية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠). أي: النجوى الذين كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، ليس كل نجوى على ظاهر ما يخرج الخطاب عامًّا؛ ولكن يرجع إلى النجوى التي ذكرنا، وهو الذي نهوا عنه. ثم قوله: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ) جائز أن يكون معناه: ابتداء النجوى في الشر من الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن اللَّه - تعالى - لما خلق آدم - عليه السلام - قال إبليس للملائكة: أرأيتم إن فضل هو عليكم ما تصنعون؟ فأجابوه بما أجابوا؛ فقال هو: إن فضلت عليه لأهلكنَّه، [وإن فضل هو عليَّ لأعصينَّه]، فقد ناجاهم في أمر آدم - عليه السلام - بالشر، فكان أول النجوى في الشر من الشيطان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا). لولا أن الشيطان في حال الحزن يكون أملك على إفسادهم وإخراجهم من أمر اللَّه - تعالى - وإدخالهم في نهيه؛ وإلا لم يكن لقوله: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) معنى؛ فدل أنه - لعنه اللَّه - في حال الحزن والغضب أملك وأقدر من حال السرور والسعة، لكنه بما يدعوه إلى اللذات ويمنيه أشياء كان قصده من ذلك أن يوقعه في الضيق والشدة لما هو عليه أقدر في تلك الحال؛ ولذلك قال لآدم وحواء - عليهما السلام -: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى)، تلقاهم بالغرور بالذي ذكر، ومناهم ما ذكر، وكان قصده من ذلك إبداء عورتهما وإيقاعهما في الضيق والبلاء؛ حيث قال: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا...) الآية، مكن اللَّه - تعالى - إبليس من الشر بالذي ذكرنا، ولم يمكن له من إفساد الطعام واللباس والأشربة ونحو ذلك، وهو دون الأول، وذلك أكثر، لكن هذا في الضرر الدنياوي أكثر؛ فلم يمكنه من إفساد هذه الأشياء تفضلا منه وإحسانًا عليهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ). أي: ليسوا بضارين لهم فيما يتناجون من الكيد بهم والمكر، واللَّه أعلم. ثم قال: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ). أي: في دفع من قصدهم من الكيد بهم والمكر والهلاك، وعليه يتوكلون في النصر لهم والمعونة على أعدائهم، والتوفيق لهم في كل خير، وكل هذا وصف المؤمنين وأما المعتزلة، فهم بمعزل عن هذه الآية، وكذلك: المؤمنون على قولهم غير متوكلين على (١) في المطبوع هكذا [وإن فضل هو عليَّ لأعاديه] والتصويب من (أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي. ١/ ٦٣).

المجادلة 58:11

اللَّه؛ لأنهم يقولون: إن اللَّه - تعالى - قد أعطى كلا من النصر والمعونة ما ينتصر على أعدائه وينتقم منهم حتى لا يبقى عنده مزيد ما ينصرهم ويعينهم على شيء؛ فعلى قولهم لا يقع للمؤمنين في التوكل على اللَّه - تعالى - شيء؛ لأنه ليس عنده ما ينصرهم ولا ما يعينهم، فعلى ماذا يتوكلون عليه على قولهم إذا لم يملك ما ذكرنا، ومن قولهم: إن على اللَّه - تعالى - أن يعطي من المعونة والتوفيق حتى لا يبقى عنده مزيد بشيء فلو منع شيئًا من ذلك لم يعطهم يكون جائرًا، ثم إذا أعطاهم ما ذكروا، ولا يهتدون ولا ينتصرون، واللَّه - تعالى - قال: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)، وقال: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي)؛ فدل أن ما قالوا مخالف للكتاب. ثم اختلف في اشتقاق النجوى: فمنهم من قال: هو من النجوة، وهو المكان العالي المرتفع: وذلك أنهم كانوا يقومون في مكان مرتفع فيتحدثون فيه فإذا رأوا من قصد بهم فيتفرقون، أو كلام نحو هذا معناه. ومنهم من قال: التناجي: التخالي بما ذكروا، فيكون معنى قوله: (إِذَا تَنَاجَيْتُمْ) أي: إذا تحاليتم فلا تتخالوا بما ذكر. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: التناجي من التشاور، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١). يخرج على وجهين: أحدهما: وإذا قيل لكم تأخروا في المجلس فتأخروا، (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا)، أي: ارتفعوا وتقدموا؛ فيكون قوله: (تَفَسَّحُوا) إذا كان الحضور أولا هم الذين همتهم السماع والعمل به ثم جاء من يريد التفقه فيه، فقيل لهم: تأخروا؛ حتى يقرب من يصير إمامًا للناس وفقيهًا لهم. وإذا كان الحضور هم الذين همتهم أن يكونوا هم الأئمة، ثم جاء بعد ذلك من كان همتهم السماع والعمل به، قيل للذين تقدموا أولا: ارتفعوا وتقدموا حتى يسمع من حضر بعدكم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واللَّه أعلم. والثاني: أنه إذا كان في المجلس أدنى سعة وفسحة ما يمكن تمكين غيره بالتحريك والتفسح دون القيام يقال لهم: تفسحوا. وإذا لم يمكن ذلك إلا بالقيام قيل لهم: قوموا وارتفعوا وتقدموا. وقوله: (يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) يحتمل وجوهًا: أحدها: يفسح اللَّه لكم في القبر، أو في الآخرة في الجنة، أو يفسح اللَّه لكم في المجلس أو يفسح لكم فسحة القلب وتوسعة للعلم والحكم، واللَّه أعلم. وقال الحسن: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ)، أي: في القتال والحرب، (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا)، أي: إذا قيل: انهزوا إلى العدو فانهزوا. قال قتادة: أي: إذا دعيتم إلى خير أو صلاة فأجيبوا. وقيل: هو كل خير: من قتال عدو، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو حق كائنًا ما كان، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). أخبر أنه يرفع اللَّه الذين آمنوا، وأخبر أنه يرفع اللَّه الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤتوا العلم درجات؛ لفضل العلم على سائر العبادات من الجهاد وغيره؛ ألا ترى أنه قال في آية الجهاد: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً)، جعل للمجاهدين على القاعدين فضل درجة، وللذين أوتوا العلم على الذين لم يؤتوا درجات؛ ليعلم فضيلة العلم على غيره، وكذلك قوله - تعالى -: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ). قَالَ بَعْضُهُمْ: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يجلس قومًا عند نفسه؛ ليتفقهوا في الدِّين، ويبعث قومًا سرايا، حتى إذا رجع السرايا أنذرهم الذين تفقهوا في الدِّين وتعلموا من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. فإن كان التأويل هذا؛ ففيه دلالة فضيلة العلم على الجهاد؛ حتى أحوج أُولَئِكَ إليهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان ينفر من كل قوم طائفة؛ ليتفقهوا في الدِّين، فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروا قومهم. وقال قتادة: إن بالعلم لأهله فضيلة، وإن له على أهله حقًّا، ولعمري الحق عليك أيها العالم أفضل، واللَّه يعطي كلا من فضل فضله. وقتادة يقول في قوله - تعالى -: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا): إنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلا يضنون بمجالسهم عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأمر اللَّه - تعالى - أن يفسح بعضهم لبعض. وقال مقاتل: أقبل نفر من الأنصار ممن شهد بدرًا، فسلموا على نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ومن حوله، فردوا السلام، وضنوا بمجلسهم من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فلم يوسعوا لهم؛ فقال لهم رسول اللَّه: " قم يا فلان ويا فلان " لنفر منهم من الذين لم يشهدوا بدرًا؛ فتكلم في ذلك

المجادلة 58:12

المنافقون؛ فنزلت هذه الآية، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢). يشبه أن يكون ما ذكر من مناجاة الرسول - عليه السلام - على وجوه، والناس في مناجاته طبقات: أحدهم: يناجيه مسترشدًا في أمر الدِّين، وما ينزل به من النوازل. والآخر: يناجيه افتخارًا به على غيره من الناس ومباهاة منه؛ ليعلم أن له خصوصية عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وفضلا له عنده، وهو صنيع المنافقين. والفريق الثالث: يناجونه؛ ليسمعوا الناس الكذب ويسمعوهم غير الذي سمعوا، كقوله - تعالى -: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ)، وهم اليهود وصنيعهم ما ذكر؛ فجائز أن يخرج المناجاة مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على الوجوه التي ذكرنا. ثم ما ذكر من تقديم الصدقة على المناجاة يخرج على وجوه: أحدها: أمر بتقديم الصدقة؛ لعظم قدر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والخصوصية له، يطهر بتلك الصدقة ويصير أهلا لمناجاة بها، وهو كالطهارة التي جعلها سببًا للوصول إلى مناجاة الرب، سبحانه وتعالى. والثاني: لما خصهم بمناجاة الرسول، وجعلهم أهلا لها، أمرهم بتقديم الصدقة؛ شكرًا له منهم بذلك. والثالث: جائز أن يكون أمرهم بتقديم الصدقة؛ امتحانًا منه إياهم؛ ليظهر حقيقة أمرهم، وهو ما جعل الأمر بالجهاد سببًا لظهور نفاقهم وارتيابهم في الأمر؛ فكذلك الأول، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون الأمر بالصدقة لأهل المناجاة على الذين كانت لهم حوائج عند رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيمنعونه عن قضاء حاجاتهم بالاشتغال بالمناجاة، أمرهم بالصلة لأُولَئِكَ؛ تطييبًا لقلوبهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ). أي: أن تقديم الصدقة أطهر لقلوبكم من ترك الصدقة. وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). جائز أن يكون هذا الأمر لأهل الغناء دون الفقر، حتى قال: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا) ما تصدقون به، (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

المجادلة 58:13

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣). قال عامة أهل التأويل: أي: أبخلتم يا أهل الميسرة أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات؟ وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ). أي: تجاوز عنكم إذ لم تفعلوا. (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). أي: إذا لم تصدقوا تلك الصدقة فآتوا زكاة أموالكم. قال أهل التأويل: نسخ ما أمروا به من الصدقة عند المناجاة بما ذكر: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). هذا وعيد، ثم في قوله: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ) دلالة قبول خبر الواحد؛ لأنه يناجيه ولا يعلم به غيره؛ دل أنه يقبل إذا أخبر به غيره. وفيه أن لا كل مناجاة تكون من الشيطان؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ناجى من ذكر؛ فدل أن قوله: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ) مصروف إلى ما سبق ذكره. وفيه ألا يفهم من ذكر اليد الجارحة لا محالة؛ فإنه قال: (بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ)، وليس للنجوى يد ولا بين، وكذلك قوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، ولم يشكل على أحد أنه لم يرد باليد الجارحة هاهنا؛ فكيف فهم فيما أضيف إلى اللَّه - تعالى - في قوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ)، وقول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " الصدقة تقع في يد الرحمن ": الجارحة، لولا فساد اعتقادهم في اللَّه - تعالى - وتشبيههم إياه بالخلق. وقال قتادة: أكثروا النجوى مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فمنعهم اللَّه تعالى عنه، فقال: (إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً...) الآية. وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: أنا أول من عمل بها، تصدقت بكذا، ثم نزلت الرخصة.

المجادلة 58:14

قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ). يذكر سفه المنافقين لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لتوليهم قومًا غضب عليهم، على ما علم منهم أن الله - تعالى - قد غضب عليهم؛ لكنهم تولوهم طمعا منهم في أموالهم وفيما كان عندهم من السعة وفضل الدنيا، ثم أخبر أنهم ليسوا منكم، أي: ليسوا على دينكم، ولا أنتم منهم، أي: على دينهم، أي: أُولَئِكَ اليهود؛ لكنهم يتولونهم طمعًا فيما عندهم من فضل الدنيا. (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). كأنه قيل لهم: لم توليتم قومًا غضب اللَّه عليهم؟! فحلفوا أنهم لم يتولوهم؛ فأخبر أنهم كاذبون في حلفهم. وفيه دلالة إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنهم تولوا اليهود سرًّا من المؤمنين، وحلفوا كذبًا، فأخبرهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بتوليهم وكذبهم في الحلف؛ دل أنه - عليه الصلاة والسلام - عرف ذلك بالوحي ثم أخبر ما أعد لهم في الآخرة بتوليهم أُولَئِكَ وحلفهم بالكذب، فقال: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥). أي: قد أساءوا إلى أنفسهم بعملهم الذي عملوا في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً... (١٦). أي: حلفهم الذي حلفوا: إنهم لم يتولوا أُولَئِكَ اليهود جنة. (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). يحتمل: صدوا أنفسهم عن سبيل اللَّه، أو صدوا الناس عن سبيله بما ذكر. (فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).

المجادلة 58:15

الآية ١٥ ثم أخبر ما أعد لهم في الآخرة بتوليتهم أولئك وحلفهم بالكذب، فقال :﴿أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون﴾ أي ساؤوا إلى أنفسهم بعملهم الذي عملوا في الدنيا.

المجادلة 58:16

الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ أي حلفهم الذي حلفوا أنهم لم يتولوا أولئك اليهود جنة، ﴿فصدوا عن سبيل الله﴾ يحتمل صدوا أنفسهم عن سبيل الله، أو صدوا الناس عن سبيله بما ذكر، ﴿فلهم عذاب مهين﴾ أي يهانون في ذلك العذاب.

المجادلة 58:17

أي: يهانون في ذلك العذاب. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧). يخبر أن أموالهم التي لأجلها تولوا اليهود وعاندوا المؤمنين لا تغنيهم تلك الأموال من عذاب اللَّه شيئًا إذا نزل بهم، ثم أخبر عن شدة سفههم أنهم يحلفون في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا بقوله: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ... (١٨). ثم فيه أن الآية لا تضطر أحدًا إلى الإيمان به والتوحيد؛ لأن الآية ليست أعظم من قيام الساعة، ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب والكفر به، ولا اضطرهم إلى الإيمان به، وكذلك قوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، في الدنيا؛ فإذا كان ما ذكرنا، كان تأويل قوله: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)، وقوله - تعالى -: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ): أنهم يؤمنون إذا شاء اللَّه، ولا يؤمنون، وإن نزل عليهم الآيات التي ذكر، ولا آية أعظم مما ذكر من إنزال الملائكة، وإحياء الموتى، وتكليمهم أنهم على الباطل، وأن الحق هو الذي دعا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إليه؛ دل هذا كله أن الآية لا تضطر أهلها على الإيمان، واللَّه أعلم. وقوله: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩). قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: (اسْتَحْوَذَ)، أي: غلبهم الشيطان. وقال مقاتل: أي أحاط بهم. وقال الزجاج والْقُتَبِيّ: أي: استولى عليهم. وذلك كله يرجع إلى معنى واحد، وفيه أن الشيطان قد سلط عليهم حتى غلب عليهم بإجابتهم بما دعاهم إليه من معاداة اللَّه ورسوله والمؤمنين، ولكن سلطانه على ما ذكر، وهو قوله: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ)، فعليهم إذا عملوا بما أراد وأجابوه إلى ما دعا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ). يحتمل: أي: أنساهم عظمة اللَّه، أو نعم اللَّه وإحسانه، أو شكر نعمه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ). الحزب هو جمع الفرق؛ تحزبوا، أي: تفرقوا، فحزبه هو جنده كما قال أهل التأويل؛ لأنهم يصيرون فرقًا، ثم يجتمعون، فيكونون جندا له، وجند الرجل هم الذين يستعملهم فيما شاء من القتال وغيره، ويصدرون لرأيه؛ فعلى ذلك أُولَئِكَ الكفرة هم جنده. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

المجادلة 58:18

الآية ١٨ ثم أخبر عن شدة سفههم أنهم يحلفون في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا بقوله :﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم﴾. ثم فيه أن الآية لا تضطر أحدا إلى الإيمان به والتوحيد، لأنه [ لا آية ](١) أعظم من قيام الساعة. ثم لم يمنعهم ذلك عن الكذب والكفر به، ولا اضطرّهم إلى الإيمان به. وكذلك قوله تعالى :﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] في الدنيا. فإذا كان ما ذكرنا كان تأويل قوله تعالى :﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء: ٤] وقوله تعالى :﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾[الأنعام: ١١١]، أنهم يؤمنون إذا شاء الله، ولا يؤمنون وإن نزلنا عليهم الآيات التي ذكر، ولا آية أعظم مما ذكر من إنزال الملائكة وإحياء الموتى وتكليمهم أنهم على الباطل، وأن الحق هو الذي دعا رسول الله ﷺ إليه. دل هذا كله أن الآية لا تضطر أحدا(١) إلى الإيمان، والله أعلم. ١ في الأصل و م: الآية..

المجادلة 58:19

الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه :﴿استحوذ﴾ [ أي غلبهم ](٢) الشيطان. وقال مقاتل : أي أحاط بهم. وقال الزجاج والقتبي : أي استولى عليهم ؛ وذلك كله راجع إلى معنى واحد. وفيه أن الشيطان قد تسلط عليهم حتى تغلّب عليهم بإجابتهم إلى ما دعاهم إليه من معاداة الله ورسوله والمؤمنين، ولكن سلطانه على ما ذكر، وهو قوله :﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ [النحل: ١٠٠] فعليهم إذا عملوا بما أراد، وأجابوه إلى ما دعا. وقوله تعالى :﴿فأنساهم ذكر الله﴾ يحتمل أي أنساهم عظمة الله أو نعم الله وإحسانه أو شكر نعمه. وقوله تعالى :﴿أولئك حزب الشيطان﴾ الحزب هو جمع الفرق، تحزبوا أي تفرقوا، فحزبه هو جنده كما قال أهل التأويل لأنهم يصيرون فرقا، ثم يجتمعون، فيكونون(٣) جندا له، وجند الرجل، ثم الذين يستعملهم في ما شاء من القتال وغيره، ويصدرون(٤) لرأيه، فعلى ذلك أولئك الكفرة، هم جنده. وقوله تعالى :﴿ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون﴾ لأنه مناهم في الدنيا، وأملهم تأميلا في ما اتبعوه، فلم يصلوا / ٥٥٨ – ب/ إلى شيء من ذلك. وفي الآخرة بقوله : أن لا بعث، ولا جنة، ولا نار، فلهم فيها عذاب، فخسروا الدارين جميعا. ٢ من م، في الأصل: عليهم.. ٣ في الأصل و م: ويكون.. ٤ في الأصل و م: ويصدون..

المجادلة 58:20

لأنه مناهم في الدنيا أمورا، وأملهم تأميلا فيما اتبعوه، فلم يصلوا إلى شيء من ذلك، وفي الآخرة بقوله: أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ولهم فيها عذاب؛ فخسروا الدارين جميعًا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠). قيل: في الأسفلين، وقيل: في المهزومين، وقيل: في الآخرين، وقيل: هو في الآخرة؛ كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وأما في الدنيا فربما يكونون هم الغالبين. ومنهم من يقول: ذلك في الدارين جميعًا هم الأذلاء، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١). أي: قضاء اللَّه لأغلبن، ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: ليغلبن مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كقوله - تعالى -: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، وفعل ذلك. وجائز أن يكون المراد منه جملة رسله؛ كقوله - تعالى -: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)، وقوله - تعالى -: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا)، ثم الغلبة قد تكون من وجهين: أحدهما: بالحجج والبراهين، وما من رسول إلا وقد غلب على خصمائه بالحجة. والثاني: بالقتال والحرب، وكانت العاقبة للرسل - عليهم السلام - لما لم يذكر أنه قتل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واللَّه أعلم. وإضافة الغلبة إلى نفسه؛ على إرادة الرسل وأوليائه؛ على ما ذكرنا في غير موضع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). قوي بذاته؛ لأنه يكون قوة من دونه، وكذلك كل من دونه بتكوينه. أو يكون فيه بشارة لأوليائه أنه قوي عزيز بذاته: أنه ينصرهم على أعدائهم ويقهرهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢). قال عامة أهل التأويل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة؛ لأنه كان كتب إلى أهل مكة: إن رسول اللَّه يقصد إليكم؛ فخذوا حذركم، وكان له بمكة أهل؛ فأراد أن يكون له عندهم يد، فشعر بذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: " ما حملك على هذا؟ " فقال ما ذكرنا؛ فنزلت الآية فإن كان نزولها فيه على ما ذكروا فهي في براءته من وجهين: أحدهما: أنه لم يرجع عن الإيمان والتصديق لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأنه لا يعود إلى مثله بعد ذلك أبدًا. والثاني: أنه لم يقصد بصنيعه مودتهم؛ ولكن قصد إلقاء المودة إليهم؛ ليقع عندهم أنه وادهم، وهو في الحقيقة يلقي المودة، وقد يكون ذلك كقوله - تعالى -: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)، واللَّه أعلم. وإن كانت الآية في غير حاطب فهي للمؤمنين الذين حققوا الإيمان باللَّه - تعالى - وثبتوا عليه؛ لأن أهل الإيمان كانوا أصنافًا ثلاثة: صنف محققون، وصنف يظهرون القتال مع أعدائهم، وصنف منهم لا يقدرون على إظهار ذلك والمناصبة معهم، ولكن يتبعون الأقوياء منهم فأهل الصنف الثالث مترددون يوادون الكفرة في السر، ويظهرون الموافقة للمؤمنين؛ فجائز أن يكون قوله - تعالى -: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ... )، أي الذين يحققون الإيمان باللَّه - تعالى - واليوم الآخر لا (يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ)؛ ولكن إنما يوادهم من لم يحقق الإيمان؛ فيكون فيه إخبار عن إثبات الإيمان في قلوبهم كقوله - تعالى -: (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)، أي: أثبت في قلوبهم الإيمان؛ فلا يرجعون عنه، وفيه أن الإيمان موضعه القلب. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ما كان لقوم يؤمنون باللَّه واليوم الآخر أن يوادوا من حاد الله) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ). قيل: أيدهم بنور الإيمان الذي أثبت في قلوبهم، وأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه أثبت المؤمنين على الإيمان (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)، وقال: (كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ). وقيل: (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)، أي: برحمة منه. ثم وصف ما أعد اللَّه تعالى لهم في الآحرة فقال: (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ). أي: جند اللَّه، على ما ذكرنا: أنهم يأتمرون بأمره، ويقاتلون أعداءه، ويوالون أولياءه؛ فهم جند اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). قيل: هم الناجون، وقيل: الباقون في نعم اللَّه - تعالى - واللَّه أعلم بالصواب.

المجادلة 58:21

الآية ٢١ وقوله تعالى :﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ أي قضى الله لأغلبن. ثم قال بعضهم : ليغلبنّ محمد ﷺ كقوله تعالى :﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ [التوبة: ٣٣] وفعل ذلك. وجائز أن يكون المراد منه جملة رسله كقوله تعالى :﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون﴾[ الصافات : ١٧١ – ١٧٣ ]، وقوله تعالى :﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾[غافر: ٥١]. ثم الغلبة قد تكون من وجهين : أحدهما : بالحجج والبراهين، وما من رسول إلا وقد غلب على خصمائه بالحجة. والثاني : بالقتال والحرب، وكانت العاقبة للرسل عليهم السلام لما لم يذكر أنه قتل رسول الله ﷺ والله أعلم. وإضافة الغلبة إلى نفسه على إرادة الرسل أولياءه على [ ما ](١) ذكرنا في غير موضع. وقوله تعالى :﴿إن الله قوي عزيز﴾ قوي بذاته، لأنه تكون قوة(٢) من دونه[ به ](٣) وكذلك كل من دونه بتكوينه، أو تكون فيه بشارة لأوليائه أنه قوي عزيز بذاته، أنه ينصرهم على أعدائهم، ويقرهم(٤). ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل و م: قوته.. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ في الأصل: ويقررهم، في م: ويقهرهم..

المجادلة 58:22

الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ الآية : قال عامة أهل التأويل : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة لأنه كان كتب إلى أهل مكة أن رسول الله، يقصد إليكم، فخذوا حذركم، وكان له بمكة أهل، فأراد أن يكون له عندهم يد، فشعر بذلك رسول الله ﷺ فقال : ما حملك على هذا ؟ فقال ما ذكرنا، فنزلت الآية. فإذا كان نزولها فيه على ما ذكروا فهي في براءته من وجهين : أحدهما : أنه لم يرجع عن الإيمان والتصديق لرسول الله ﷺ وأنه لا يعود إلى مثله بعد ذلك أبدا. والثاني : أنه لم يقصد بصنيعه موادّتهم، ولكن قصد إلقاء المودة إليهم ليقع عندهم أنه وادّهم، وهو في الحقيقة يلقي المودة، وقد يكون ذلك كقوله تعالى :﴿تلقون إليهم بالمودة﴾[الممتحنة: ١] والله أعلم. وإن كانت الآية في غير حاطب فهي بالمؤمنين الذين حققوا الإيمان بالله تعالى، وثبتوا عليه، لأن أهل الإيمان كانوا أصنافا ثلاثة : صنف محققون الإيمان مظهرون القتال مع أعدائهم، وصنف منهم، لا يقدرون على إظهار ذلك والمناصبة معهم، ولكن يتبعون الأقوياء منهم، والصنف الثالث(١) مترددون، يوادون الكفرة في السر، ويظهرون الموافقة للمؤمنين. فجائز أن يكون قوله تعالى :﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله﴾ أي الذين يحققون الإيمان بالله تعالى ﴿واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله﴾ ولكن إنما يوادون من لم يحقق الإيمان، فيكون فيه إخبار عن إثبات الإيمان في قلوبهم كقوله تعالى :﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢] أي أثبت في قلوبهم الإيمان، فلا يرجعون عنه. وفيه أن الإيمان، موضعه القلب. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه : ما كان للقوم يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يوادوا من حاد الله. وقوله تعالى :﴿وأيدهم بروح منه﴾ قيل : أيدهم بنور الإيمان الذي أثبت في قلوبهم. وأخبر عز وجل أنه أثبت المؤمنين على الإيمان، فقال :﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾[إبراهيم: ٢٧] وقال :﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت﴾[إبراهيم: ٢٤]. وقيل :﴿وأيدهم بروح منه﴾ أي برحمة منه. ثم وصف حالهم وثوابهم في الآخرة، فقال :﴿ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله﴾ أي جند الله على ما ذكرنا أنهم يأتمرون بأمره، ويقاتلون أعداءه، ويوالون أولياءه، فهم جند الله. وقوله تعالى :﴿ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ قيل : هم الناجون، وقيل : الباقون في نعم الله تعالى [ والله أعلم بالصواب ](٢) ١ من م، في الأصل: الثاني.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..