تأويلات أهل السنة — الحاقة 69:1 – الجن 72:28
المحتويات
- الحاقة 69:1
- الحاقة 69:3
- الحاقة 69:4
- الحاقة 69:5
- الحاقة 69:6
- الحاقة 69:7
- الحاقة 69:8
- الحاقة 69:9
- الحاقة 69:10
- الحاقة 69:11
- الحاقة 69:12
- الحاقة 69:13
- الحاقة 69:14
- الحاقة 69:15
- الحاقة 69:16
- الحاقة 69:17
- الحاقة 69:18
- الحاقة 69:19
- الحاقة 69:20
- الحاقة 69:21
- الحاقة 69:22
- الحاقة 69:23
- الحاقة 69:24
- الحاقة 69:25
- الحاقة 69:26
- الحاقة 69:27
- الحاقة 69:28
- الحاقة 69:29
- الحاقة 69:30
- الحاقة 69:31
- الحاقة 69:32
- الحاقة 69:33
- الحاقة 69:34
- الحاقة 69:35
- الحاقة 69:36
- الحاقة 69:37
- الحاقة 69:38
- الحاقة 69:39
- الحاقة 69:40
- الحاقة 69:41
- الحاقة 69:42
- الحاقة 69:43
- الحاقة 69:44
- الحاقة 69:45
- الحاقة 69:46
- الحاقة 69:47
- الحاقة 69:48
- الحاقة 69:49
- الحاقة 69:50
- الحاقة 69:51
- الحاقة 69:52
- المعارج 70:1
- المعارج 70:2
- المعارج 70:3
- المعارج 70:4
- المعارج 70:5
- المعارج 70:6
- المعارج 70:7
- المعارج 70:8
- المعارج 70:10
- المعارج 70:11
- المعارج 70:12
- المعارج 70:13
- المعارج 70:14
- المعارج 70:15
- المعارج 70:16
- المعارج 70:17
- المعارج 70:18
- المعارج 70:19
- المعارج 70:20
- المعارج 70:21
- المعارج 70:22
- المعارج 70:23
- المعارج 70:24
- المعارج 70:25
- المعارج 70:26
- المعارج 70:27
- المعارج 70:28
- المعارج 70:29
- المعارج 70:30
- المعارج 70:31
- المعارج 70:32
- المعارج 70:33
- المعارج 70:34
- المعارج 70:35
- المعارج 70:36
- المعارج 70:38
- المعارج 70:39
- المعارج 70:40
- المعارج 70:41
- المعارج 70:42
- المعارج 70:43
- المعارج 70:44
- نوح 71:1
- نوح 71:2
- نوح 71:3
- نوح 71:4
- نوح 71:5
- نوح 71:6
- نوح 71:7
- نوح 71:8
- نوح 71:10
- نوح 71:11
- نوح 71:12
- نوح 71:13
- نوح 71:14
- نوح 71:15
- نوح 71:16
- نوح 71:17
- نوح 71:18
- نوح 71:19
- نوح 71:21
- نوح 71:22
- نوح 71:23
- نوح 71:24
- نوح 71:25
- نوح 71:26
- نوح 71:27
- نوح 71:28
- الجن 72:1
- الجن 72:2
- الجن 72:3
- الجن 72:4
- الجن 72:5
- الجن 72:6
- الجن 72:7
- الجن 72:8
- الجن 72:9
- الجن 72:10
- الجن 72:11
- الجن 72:12
- الجن 72:13
- الجن 72:14
- الجن 72:15
- الجن 72:16
- الجن 72:17
- الجن 72:18
- الجن 72:19
- الجن 72:20
- الجن 72:21
- الجن 72:22
- الجن 72:23
- الجن 72:24
- الجن 72:25
- الجن 72:26
- الجن 72:27
- الجن 72:28
الحاقة 69:1
سُورَةُ الْحَاقَّةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ. كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ).
قد ذكرنا أن يوم القيامة سمي بأسماء النوازل التي تكون من البلايا والشدائد؛ ليقع بها التخويف والتهويل، وليس في تبيين وقته ولا في ذكر عينه ترهيب ولا ترغيب، فذكر ذلك اليوم بالأسباب التي هي أسباب الزجر والردع؛ فقوله: (الْحَاقَّةُ) أي: حقت لكل عامل عمله، وتحق لكل ذي حق حقه، فإن كان من أهل النار استوجبها، وإن كان من أهل الجنة دخلها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحاقة هي النار التي لا ترتفع أبدًا، وهو ما ينزل بالخلق من الجزاء وأنواع ما وعدوا به يوم القيامة.
وقيل: هي الواجبة مثل قوله: (وَحَاقَ بِهِمْ)، أي: وجب، ونزل بهم.
والأصل أن القيامة سميت بالأحوال التي يبتلى الخلق بها فيها؛ من نحو: القارعة، والواقعة، والتناد، والطامة، والصاخة، ونحو ذلك مما جاء في القرآن، أخذت أسماؤها من أحوال ما يبتلى الخلق بها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا الْحَاقَّةُ (٢).
فهو على تعظيم أمر ذلك اليوم أيضًا، كما يقال: فلان ما فلان؛ إذا وصف بالغاية في القوة والسخاوة، ونحوه.
وقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) أي فهو على تعظيم أمر ذلك اليوم، أيضًا أو (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ)، أي: لم تكن تدري ما ذلك اليوم؟ فأدراك اللَّه تعالى؛ لأنه لم يكن خبر القيامة
الحاقة 69:3
الآية٣ وقوله تعالى :﴿وما أدراك ما الحاقة﴾ ؟ فهو تعظيم أمر ذلك اليوم أيضا، أو ﴿وما أدراك ما الحاقة﴾ ؟ أي لم تكن تدري، فأدراك الله تعالى، لأنه لم يكن خبر القيامة [ في ](١) علمك ولا علم قومك. لكن الله تعالى أطلعك عليه لأن قومك(٢)كانوا منكري البعث، ولم يكن عندهم من خبره شيء، ذلك أن الله عز وجل لما ذكر لهم من دلائل البعث التي حججه تدركها العقول والحكمة من إحالة التسوية بين الفاجر والبر والمطيع والعاصي وأنه لا يجوز كون هذا العالم عبثا باطلا، والدلائل الأخر التي لا يأتي عليها الإحصاء، فلما لم يقنعهم ذلك، ولم يتفكروا في خلق السماوات والأرض، ولا اعتبروا بالآيات، احتج عليهم بما لقي من سلفهم من مكذبي البعث ومنكري الرسل حين (٣) استأصلهم، فلم يبق منهم سلف ولا خلف عنهم خلف ليكون ذلك أبلغ في الإنذار وذلك قوله تعالى :﴿كذبت ثمود وعاد بالقارعة﴾ ذكّرهم بما حل بثمود وعاد وما أصابهم بتكذيبهم الرسل.
يقول : سيصيبكم بتكذيبكم محمدا ﷺ في ما يخبركم من الأنباء عن الله تعالى كما أصاب (١) ثمودا وعادا بتكذيبهم رسلهم، لينتهوا عن تكذيبه.
أو يخبرهم أن ثمودا وعادا كذبوا رسلهم حتى صاروا إلى الهلاك فندموا (٢) على ما سبق من تكذيبهم، فستندمون أيضا إن دمتم على تكذيبكم محمدا ﷺ في ما يأتيكم من الأنباء بعد/٥٩٠ب/موتكم.
ثم ذكر لهم نبأ عاد وثمود وما (٣) كانوا مكذبين بتلك الأنباء لئلا يبقى لهم يوم القيامة حجة، فيقولوا :﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولأنهم لو بحثوا عن علم ذلك لكانت هذه الآيات والأنباء تحقق لهم ذلك. فقد وقعت هذه الآيات موقع الحجاج، لولا إغفالهم وإعراضهم عنها، فانقطع عذرهم، ولزمتهم الحجة لأن (٤) تركوا الإيمان بها.
ثم قوله عز وجل ﴿الحاقة﴾ ﴿ما الحاقة﴾ ؟ ﴿وما أدراك ما الحاقة﴾ ؟ وقوله تعالى :﴿القارعة﴾ ﴿ما القارعة﴾ ؟ ﴿وما أدراك ما القارعة﴾ ؟ [ القارعة١و٢و٣ ] يحتمل أن يكون هذا مخاطبة كل مكذب بالبعث، لا مخاطبة الرسول كقوله تعالى :﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾ ؟ [الانفطار: ٦] الذي إنه خطاب لمن يغتر بالدنيا لا لرسول الله ﷺ تعالى، وجائز أن يكون يخاطب به رسوله عليه السلام، فإن صرف الخطاب إلى رسول الله ﷺ اقتضى معنى غير ما يقتضيه لو أريد بالخطاب المكذبون.
والأصل أن قول القائل : فلان وما فلان ؟ يوجب اجتذاب الأسماع، ويستدعي السامع للبحث في الشاهد، لأنه إنما يذكر فلان بهذا لأعجوبة فيه أو لعظم أمره فيستبحث عن ذلك ليوقعه على تلك الأعجوبة التي فيه.
فإن كان الخطاب للمكذبين دعاهم ذلك إلى تعرف ما فيه من الأعجوبة والتعظيم. وفي قوله :﴿وما أدراك ما الحاقة﴾ مبالغة في التعجب، وإذا نظروا فيه، وفهموه، دعاهم ذلك إلى الإيمان به، فصارت الآية في موضع الإغراء واجتذاب الأسماع. .
وإن كان الخطاب في رسول الله ﷺ، فتأويله أن المكذبين يؤذونه، ويمكرون به، فيتأذّى بهم، ويشتد ذلك عليه، فذكر ما ينزل بهم من العذاب، ويحق عليهم، فيكون فيه بعض التسلي عما أصابه [ من ](٥) الأذى من ناحيتهم، أو ذكره، أن العذاب يحق عليهم، فلا يحزن بصنيعهم، بل يحمله ذلك على الشفقة عليهم والرحمة لهم.
وقيل : إن كان الخطاب في المكذبين ففيه تخويف لأهل مكة وتهويل أنهم إن كذبوا رسولهم في ما يخبرهم من أمر البعث نزل بهم من العذاب ما نزل بعاد وثمود بتكذيبهم الرسل، وقد عرف أهل مكة ما نزل بأولئك.
وإن كان الخطاب في رسول الله ﷺ ففي ذكر نبإ عاد وثمود ما يدعوه إلى الصبر على أذاهم، ويكون، له بعض التسلي [ بأنه يخبره ](٦) أنك لست بأول رسول كذب، بل شركك الرسل من قبل، وابتلوا بالتكذيب.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: قومه..
٣ في الأصل و م: حيث..
الحاقة 69:4
علمك ولا علم قومك، لكن اللَّه تعالى أطلعك عليه؛ لأن قومه كانوا منكري البعث ولم يكن عندهم من خبره شيء، وذلك أن اللَّه تعالى لما ذكرهم من دلائل البعث إلى جهة تدركها العقول، والحكمة من إحالة التسوية بين الفاجر والبر والمطيع والعاصي، وأنه لا يجوز خروج كون هذا العالم عبثًا باطلًا، والدلائل الأخرى التي لا يأتي عليها الإحصاء، فلما لم يقنعهم ذلك، ولم يتفكروا في خلق السماوات والأرض، ولا اعتبروا بالآيات، احتج عليهم بما لقي سلفهم من مكذبي البعث ومنكري الرسل، حيث استأصلهم، فلم يَبْق لهم سلف، ولا خلَفَ عنهم خلف؛ ليكون ذلك أبلغ في الإنذار وذلك قوله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) ذكرهم بما حل بثمود وعاد وما أصابهم بتكذيبهم الرسل، يقول: سيصيبكم بتكذيبكم محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يخبركم من الأنباء عن الله تعالى كما يصيبهم ما أصاب ثمود وعادًا بتكذيبهم رسلهم؛ لينتهوا عن تكذيبه.
أو يخبرهم أن ثمود وعادًا كذبوا رسلهم حتى صاروا إلى الهلاك، وندموا على ما سبق من تكذيبهم، فستندمون أيضًا إن دمتم على تكذيبكم محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يأتيكم من الأنباء بعد موتكم، ثم ذكرهم نبأ عاد وثمود وإن كانوا مكذبين بتلك الأنباء؛ لئلا يبقى لهم يوم القيامة حجة فيقولوا: (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، ولأنهم لو بحثوا عن علم ذلك، لكانت هذه الآيات والأنباء تحقق لهم ذلك، فقد وقعت هذه الآيات موقع الحجاج، لولا إغفالهم وإعراضهم عنها، فانقطع عذرهم، ولزمتهم الحجة وإن تركوا الإيمان بها.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ)، وقوله: (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ)، يحتمل أن يكون هذا مخاطبة كل مكذب بالبعث لا مخاطبة الرسول؛ كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)، إنه خطاب لمن يغتر بالدنيا لا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وجائز أن يكون يخاطب به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فإن صرف الخطاب إلى الرسول - عليه السلام - اقتضى معنى غير ما يقتضيه لو أريد بالخطاب المكذبون، والأصل أن قول
الحاقة 69:5
القائل: (فلان ما فلان) يوجب اجتذاب الأسماع ويستدعي السامع إلى البحث في الشاهد؛ لأنه إنما يذكر فلانًا بهذا؛ لأعجوبة فيه، أو لعظم أمره، فيستبحث عن ذلك؛ ليوقف على تلك الأعجوبة التي فيه، فإن كان الخطاب للمكذبين دعاهم ذلك إلى تعرف ما فيه من الأعجوبة والتعظيم، وفي قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) مبالغة في التعجب وإذا نظروا فيه وفهموه دعاهم ذلك إلى الإيمان به، فصارت الآية في موضع الإغراء واجتذاب الأسماع.
وإِن كان الخطاب في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فتأويله: أن المكذبين يؤذونه ويمكرون به فيتأذى بهم، ويشتد ذلك عليه، فذكر ما ينزل بهم من العذاب ويحق عليهم؛ فيكون فيه بعض التسلي عما أصابه من الأذى من ناحيتهم، أو ذكره أن العذاب يحق عليهم فلا يحزن بصنيعهم، بل يحمله ذلك على الشفقة عليهم والرحمة لهم.
وقيل: إن كان الخطاب في المكذبين، ففيه تخويف لأهل مكة وتهويل أنهم إن كذبوا رسولهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يخبرهم من أمر البعث، نزل بهم من العذاب ما نزل بعاد وثمود بتكذيبهم الرسل، وقد عرف أهل مكة ما نزل بأُولَئِكَ.
وإِن كان الخطاب في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ففي ذكر نبأ عاد وثمود ما يدعوه إلى الصبر على أذاهم، ويكون له بعض التسلي؛ لأنه يخبر أنك لست بأول رسول كذب، بل شركتك الرسل من قبل وابتلوا بالتكذيب، ثم بين ما نزل بعاد وثمود بالتكذيب بالقارعة، وهو قوله: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) والطاغية والعاتية والرابية يمكن أن يجعل هذا كله صفة للعذاب الذي نزل بهم.
وجائز أن يكون صفة الأحوال التي سبقت منهم وما كانوا عليه، فإن كان هذا صفة العذاب، فالطغيان عبارة عن الشدة، والطاغي: هو العاتي، الشديد لا يراقب ولا يتقي، فوصف العذاب الذي أرسله عليهم أنه لم يُبْقِ منهم أحدًا، بل استأصلهم وأهلكهم بجملتهم.
وقيل: ذلك العذاب هو الصاعقة.
وقيل: الصيحة، وسمي: طاغية: ولم يقل: طاغي؛ لهذا.
الحاقة 69:6
وقيل: اشتق هذا الاسم للعذاب من أفعال من عذب به ليس أنها طاغية، لكن أخذ اسمه عن فعل القوم؛ كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، وقال: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، وإنما ذلك كله جزاء سيئاتهم واعتدائهم.
وقيل: (بِالطَّاغِيَةِ) أي: بطغيانهم وذنوبهم الذي سلف منهم؛ كقوله تعالى: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ).
ويحتمل أن يكون هذا صفة لأحوالهم التي كانوا عليها من شدة التمرد والعتوّ ومن طغيانهم التكذيب بالحاقة والقارعة، ففيه تخويف لأهل مكة أن سيهلكهم اللَّه - تعالى - إن لم ينتهوا عن التكذيب كما أهلك أُولَئِكَ.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦).
قال الحسن: الريح الصرصر هي الصيحة، وهي التي لها صوت.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هي الريح الباردة الشديدة البرد؛ كقوله: (رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ...)، والصر: البارد، والصرصر المكرر منه، فوصفها لدوامها وتكررها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (عَاتِيَةٍ) فتأويلها على ما ذكرنا في الطاغية.
وذكر الكلبي وغيره: أنها سميت: عاتية؛ لأنها عتت على الخزان فلم يطيقوها، وهذا لا يستقيم؛ لأنه لا يجوز أن يوكل الخزان على حفظها، ثم لا يمكنون من الحفظ حتى تعتوا عليهم، إلا أن يقال بأنهم لم يوكلوا بحفظها في ذلك الوقت، فأما إذا وكلوا بحفظها، ثم لا يُجعل لهم إلى حفظها سبيل، فهذا مستحيل، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧).
قوله: (سَخَّرَهَا) قيل: أرسلها.
وقيل: أدامها عليهم.
وقيل: التسخير: التذليل، أي: ذللها؛ فصيّرها بحيث لا تمتنع عن المرور عليهم في الوجه الذي جعلها عليهم، وأطاعته في الوجه الذي أرسلها، وإنما أرسل الريح على أبدانهم خاصة، لم تهلك شيئًا من مساكنهم؛ كقوله (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)، والريح إذا عملت على الأبدان؛ فهي على البنيان أكثر، لكن اللَّه تعالى لم يأمرها بذلك، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) فيه تبيين أن الأيام لم تكن على عدد الليالي، ولو كانا على عدد واحد، لكان في ذكر أحد العددين ذكر العدد الآخر؛ لأن تسمية الليالي تسمية للأيام، وتسمية الأيام تسمية الليالي؛ ألا ترى إلى قوله في قصة زكريا: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا)، وقال في موضع آخر: (ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حُسُومًا)، قيل: متتابعة دائمة.
وقيل: قطعًا، قطعًا من الحسم، يقال: حسمت الريح كل شيء مرت به حسمًا، أي: قطعته.
وقيل: مشئومات حيث انقطعت بركتها عنهم.
وقوله تعالى: (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى).
أي: أنك لو أدركتهم وشهدتهم وعاينتهم، لرأيتهم صرعى.
(كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ).
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ترى الأعضاء المتفرقة، كل قطعة منها كأنها عجز نخلة؛ إذ كانوا هم أعظم في أنفسهم من أعجاز النخل، فيصرف تأويله إلى الأعضاء المتباينة.
ثم ذكر النخل هاهنا بالتأنيث، فقال: (أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)، ووصف في سورة (اقتربت) بصفة التذكير فقال: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ)؛ لأن النخل يذكر ويؤنث؛ كذا قاله الزجاج.
وقيل: النخل يذكر على كل حال، لكن قوله: (خَاوِيَةٍ) صفة الأعجاز لا صفة النخل، والأعجاز جماعة، والجماعة مؤنثة، والنخل واحد فيذكر، وليس كذلك؛ لأن الخاوية صفة النخل، ألا ترى عند الوصل يذكر بالخفض لا بالرفع.
ولأن النخل اسم جمع، يقال: نخلة ونخل؛ كما يقال: شجرة وشجر، وثمرة وثمر، ونحو ذلك.
الحاقة 69:7
الآية٧ووقوله تعالى :﴿سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾ وقوله :﴿سخرها﴾ قيل : أرسلها، وقيل : أدامها عليهم، وقيل : التسخير التذليل، أي ذللها، فصيرها، بحيث لا تمتنع عن المرور عليهم في الوجه الذي جعلها عليهم، وأطاعته في الوجه الذي أرسلها.
إنما أرسل الريح على أبدانهم خاصة، لم(١) تهلك شيئا من مساكنهم كقوله تعالى :﴿تدمّر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ [الأحقاف: ٢٥] والريح إذا عملت على الأبدان [ فهي على البنيان ](٢) أكثر. لكن الله تعالى لم يأمرها بذلك، والله أعلم.
ثم قوله تعالى :﴿سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾ فيه تبيين أن الأيام لم تكن على عدد الليالي، ولو كانتا(٣) على عدد واحد لكان في ذكر أحد العددين ذكر العدد الآخر، لأن تسمية الليالي تسمية الأيام، وتسمية الأيام تسمية الليالي. .
ألا ترى أنه قال في قصة زكرياء :﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ [آل عمران: ٤١] وقال في موضع آخر :﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا﴾ ؟ [مريم: ١٠] والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿حسوما﴾ قيل : متتابعة دائما، وقيل : قطعا قطعا من الحسم، يقال
حسمت الريح كل شيء مرت به حسما، أي قطعته، وقيل : مشؤومات حين(٤) انقطعت بركتها عنهم.
وقوله تعالى ﴿فترى القوم فيها صرعى﴾ أي إنك لو أدركتهم، وشهدتهم، وعاينتهم. لرأيتهم ﴿صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ وقال بعضهم : ألا ترى الأعضاء المتفرقة : كل قطعة منها كأنها عجز نخلة ؟ إذا كانوا هم أعظم في أنفسهم من أعجاز النخل [ فيصرف تأويله ](٥) إلى الأعضاء المتباينة.
ثم ذكر النخل هنا بالتأنيث، فقال :﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ ووصفه(٦) في سورة ﴿اقتربت الساعة﴾ بصفة التذكير، فقال :﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ [القمر: ٢٠] لأن النخل يذكر، ويؤنث. كذا قاله الزجاج.
وقيل : النخل يذكر على كل حال. لكن قوله :﴿خاوية﴾ صفة للأعجاز لا صفة النخل، والأعجاز جماعة، والجماعة مؤنثة، والنخل واحد، فيذكر. وليس كذلك، لأن الخاوية صفة النخل.
ألا ترى عند الوصل يذكر بالخفض لا بالرفع ؟ ولأن النخل اسم جمع، يقال : نخلة ونخل كما يقال : شجرة وشجر، وثمرة وثمر، ونحو ذلك.
وقوله تعالى :﴿خاوية﴾ قال بعضهم : أي بالية، وقيل : خاوية (٧) أي ساقطة كقوله تعالى :﴿وهي خاوية على عروشها﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي ساقطة على قوائمها. . وقيل : أي خالية، فوصفها بالخلاء لأنها اقتلعت من أصلها حتى خلا ذلك المكان منها. وأعجاز النخل أصوله.
١ من م، في الأصل: لمن..
٢ من م، في الأصل: فهو على الاليتيان..
٣ في الأصل و م: كانا..
٤ في الأصل و م: حيث..
٥ من م، في الأصل: فيضرب تأويل..
٦ في الأصل: وصف، في م: ووصف..
٧ في الأصل و م: الخاوية.
الحاقة 69:8
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (خَاوِيَةٍ).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: بالية.
وقيل: الخاوية، أي: ساقطة؛ كقوله - تعالى -: (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) أي: ساقطة على قوائمها.
وقيل: أي: خالية، فوصفها بالخلاء لأنها أقلعت من أصلها حتى خلا ذلك المكان عنها، وأعجاز النخل: أصوله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨).
فيه أنه لم يبق لهم نسل يذكرون بهم، بل أهلكوا بأجمعهم، وانقطع نسلهم، وانقطع عنهم الذكر إلا بالسوء، وإلا كان يرى لهم باقية، ففيه أنهم استؤصلوا وعم العذاب الكبير والصغير، يخوف أهل مكة بما يخبرهم عما فعل بأُولَئِكَ، وفيه إخبار أنهم عذبوا بعذاب لا رحمة فيه، وهكذا سنة اللَّه - تعالى - في مكذبي الرسل من قبل، وجعل تعذيب هذه الأمة أن يجاهدوا ويقاتلوا، فتعذيب هذه الأمة تعذيب فيه رحمة؛ لأن الصغار منهم لا يقاتلون، والنساء لا يقاتلن، بل يسبين رجاء أن يسلمن؛ فعلى هذا يخرج قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، واللَّه أعلم.
ويشبه أن يكون هذا جواب قولهم: إن محمدًا صرور، أي: ليس له ولد يُبقي نسله وذكره، فأخبر - تعالى - أن كثرة الأولاد لا تغني من اللَّه شيئًا؛ إذ قد كانت لهم أهالٍ وأولاد فأهلكوا عن آخرهم، وانقطع التناسل منهم؛ ليعلموا أنه يبقى ذكر لمن أطاع اللَّه - تعالى - ورسوله، كان ثَمَّ أولاد، أو لم يكن، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ... (٩).
قرئ بكسر القاف وفتح الباء، وقرئ بنصب القاف وجزم الباء.
فتأويل القراءة الأولى: أي: جاء فرعون ومن معه من جنده وأتباعه، أو من قبله: من كان من أهل القرى التي بغرب المصر، وقد روي في الشاذ في بعض الحروف: (وجاء فرعون ومن دونه).
وجائز أن يكونوا من أتباع فرعون.
وجائز ألا يكونوا.
وتأويل القراءة الثانية: أي: جاء فرعون ومن كان متقدمًا عليه من الأمم الماضية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ).
قيل: قريات لوط، ائتفكت على أهلها، أي: انقلبت عليهم؛ بما عصت رسلها.
وقيل: المؤتفك: الذي يأتفك من الصدق إلى الكذب، ومن الحق إلى الباطل، ومن العدل إلى الجور، فمن قرأه: (وَمَنْ قِبَلَهُ) بخفض القاف، كان قوله: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ) واقعا كله على العصيان لموسى - عليه السلام - والمراد من المؤتفكات: كل من ائتفك من الحق إلى الباطل، دون أهل قريات لوط؛ لأنهم كانوا قبل زمان موسى بكثير.
ومن قرأه: (وَمَنْ قَبْلَهُ) بنصب القاف، كان قوله: (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ) واقعًا على رسول كل فريق، كأنه قال: عصى كل أمة رسولها، وعلى هذا يجوز أن يكون المراد من المؤتفكات قوم لوط، عليه السلام.
ثم قوله: (بِالْخَاطِئَةِ)، أي: بالخطايا والشرك.
وذكر أبو معاذ عن مجاهد في تفسير الخاطئة الشرك والكفر، وأنكر ذلك، واحتج بأن اللَّه - تعالى - لم يذكر من قوم لوط - عليه السلام - كفرًا وشركًا في كتابه، إنما ذكر ركونهم للفاحشة وبها أهلكوا؛ إذ لم ينزعوا ولم يتوبوا.
قال: ولو كانوا مشركين، لم يقل لهم لوط: (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ)، أراد بذلك الإنكاح والكافر لا يصح منه نكاح المسلمة.
وليس كما زعم، بل كانوا أهل شرك وكفر باللَّه تعالى؛ ألا ترى إلى قوله فيما حكى عن قوم لوط من قولهم: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، فإخراج الرسل من أماكنها من صنيع أهل الكفر.
وقال في موضع آخر: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ)، فطابت أنفسهم بإخراج لوط - عليه السلام - من قراهم، ومن فعل ذلك، لم يشك في كفره.
وقال في قصة لوط أيضًا: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، فثبت أنهم كانوا كفارًا.
الحاقة 69:9
الآية ٩ وقوله تعالى :﴿وجاء فرعون ومن قبله﴾ قرئ بكسر القاف وفتح الباء، وقرئ بنصب القاف وجزم الباء.
فتأويل القراءة الأولى :{ أي جاء فرعون ومن معه من جنده وأتباعه، وقبله من كان من أهل القرى التي بقرب القرى. وقد روي في الشاذ في بعض الحروف : وجاء فرعون ومن دونه(١). وجائز [ أن يكونوا ](٢) من أتباع فرعون، وجائر ألا يكونوا ](٣).
وتأويل القراءة الثانية : أي جاء فرعون ومن كان مقدما عليه من الأمم الماضية. .
وقوله تعالى :﴿والمؤتفكات بالخاطئة﴾ قيل : قريات لوط ائتفكت على أهلها أي انقلبت عليهم بما عصت رسلها، وقيل : المؤتفك الذي يأتفك من الصدق إلى الكذب ومن الحق إلى الباطل ومن العدل إلى الجور.
فمن قرأ : ومن قبله بحفض القاف، كان قوله. جاء فرعون ومن قبله :﴿والمؤتفكات بالخاطئة﴾ ﴿فعصوا رسول ربهم﴾ واقعا كله على العصيان لموسى عليه السلام والمراد منه ﴿والمؤتفكات﴾ كل من ائتفك من الحق إلى الباطل دون أهل قريات لوط لأنهم كانوا كانوا قبل زمان موسى بكثير.
ومن قرأ : ومن قبله بنصب القاف، كان قوله :﴿فعصوا رسول ربهم﴾ واقعا على رسول كل فريف، كأنه قال : أي عصت كل أمة رسولها. وعلى هذا يجوز أن يكون المراد من ﴿والمؤتفكات﴾ قوم لوط.
ثم قوله تعالى :﴿بالخاطئة﴾ أي بالخطايا والشرك. وذكر أبو معاذ عن مجاهد في تفسير الخاطئة الشرك والكفر، وأنكر ذلك، واحتج بأن الله تعالى لم يذكر من قوم لوط كفرا وشركا في كتابه إنما ذكر ركونهم إلى الفاحشة، وبها أهلكوا، إذ (٤) لم ينزعوا، ولم يتوبوا.
قال : ولو كانوا مشركين لم يقل لهم لوط. ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ [هود: ٧٨]أراد بذلك الإنكاح، والكافر لا يصح له نكاح المسلمة.
وليس كما زعم، بل كانوا أهل شرك وكفر بالله تعالى. ألا ترى إلى قوله في ما حكى عن قوم لوط من قولهم(٥) ﴿لئن لم تنته يا لوط لتكونن من الخرجين﴾ ؟ [الشعراء: ١٦٧] فإخراج الرسل من أماكنها من صنيع أهل الكفر، وقولهم(٦) في موضع آخر :﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم﴾ [النمل: ٥٦] فطابت أنفسهم بإخراج لوط عليه السلام من قراهم. ومن فعل هذا لم يشك في كفره.
وقال في قصة لوط أيضا :﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ [ الذاريات : ٣٥و٣٦ ] فثبت أنهم كانوا كفارا.
ثم لقائل أن يقول في قوله ﴿وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة﴾ ﴿فعصوا رسول ربهم﴾ أخبر أنه جاء فرعون إلى موسى، وعصاه : كيف ذكر مجيء فرعون إلى موسى، ولم يوجد منه المجيء إلى الرسول، بل الرسول هو الذي جاءه، فعصاه فرعون، لا أن فرعون أتاه، فاستقبله بالعصيان ؟ قيل :[ فيه وجهان :
أحدهما(٧) ] أن كل من أتى آخر، وجاءه، فقد أتاه الآخر، ومن قرب [ إلى آخر فقد قرّب ] (٨)الآخر إليه، لأن المجيء فعل مشترك، لأنه اسم الالتقاء، وإنما يقع الالتقاء بهما جميعا، ليس بأحدهما، فلذلك استقام من إضافة المجيء إلى فرعون.
وعلى هذا تأويل قوله تعالى :﴿وأزلفت الجنة للمتقين﴾ أي قربت، وأهلها الذين يقربون على الحقيقة، ولكنهم إذا قربوا إليها، فقد قربت هي إليهم، فأضيف إلى التقريب. .
لهذه العبارة يمكن أن يتأول قوله تعالى :﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله تعالى :﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠] أي أتاه الخلق لا أن يكون هو الذي يأتيهم لأنه قال :﴿ويوم يرجعون إليه﴾ [النور: ٦٤] وقال :﴿وإلى الله المصير﴾ [ آل عمران : ٢٨و. . ]
وقال(٩) :﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ [ البقرة : ٢١٠ و. . ] فأخبر أن الخلق هم الذين يأتونه، ويرجعون إليه، ولكن ينسب (١٠) المجيء والإتيان إلى الله تعالى، لأنهم إذا أتوه فكأنه قد أتاهم من الوجه الذي ذكرنا دون أن يكون فيه إثبات الانتقال إلى الله تعالى. .
والثاني : أن اسم المجيء، وإن أطلق، واستعمل في المجيء إلى مكان، فقد يستعمل أيضا في الموضع الذي ليس فيه حركة ولا انتقال، قال الله تعالى :﴿وقل جاء الحق﴾ ومعناه : ظهر الحق، ليس أن الحق كان في موضع، فانتقل عنه إلى غيره، فأمكن أن يكون قوله :﴿وجاء فرعون﴾ أي كذب بما أنزل على موسى عليه السلام وجائز أن يكون قوله :﴿وجاء فرعون﴾ بالخاطئة، فيكون المجيء مصروفا إلى الخطايا، وهذا التأويل أملك بظاهر الآية لأنه قال :﴿وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة﴾ أي جاؤوا بالخطايا.
١ نظر معجم القراءات القرآنية ٢٠٦/٧..
٢ في م: يكون..
٣ من، في الأصل: ألا يكون..
٤ ي الأصل و م: إذا..
٥ في الأصل و م قوله..
٦ في الأصل و م: وقال..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: و..
١٠ في الأصل وم: يسبب..
الحاقة 69:10
ثم لقائل أن يقول في قوله: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ) أخبر أنه جاء فرعون إلى موسى وعصاه كيف ذكر مجيء فرعون إلى موسى، ولم يوجد منه المجيء إلى الرسول، بل الرسول هو الذي جاء فعصاه فرعون، لا أن فرعون أتاه، فاستقبله بالعصيان؟
قيل: إن كل من أتى آخر وجاءه، فقد أتاه الآخر، ومن قرب إلى الآخر، فقد قرب الآخر إليه؛ لأن المجيء فعل مشترك؛ لأنه اسم الالتقاء، وإنَّمَا يقع الالتقاء بهما جميعًا ليس بأحدهما؛ فلذلك استقام إضافة المجيء إلى فرعون، وعلى هذا تأويل قوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ)، أي: قربت للمتقين، وأهلها هم الذي يقربون إليها في الحقيقة، ولكنهم إذا قربوا إليها، فقد قربت هي إليهم، فأضيف إليها التقريب لهذا؛ فعلى هذه العبارة يمكن أن يتأول قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ)، أي: أتاه الخلق، لا أن يكون هو الذي يأتيهم؛ لأنه قال: (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ)، وقال: (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)، (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ)، فأخبر أن الخلق هم الذين يأتونه، ويرجعون إليه، ولكن نسب المجيء والإتيان إلى اللَّه تعالى؛ لأنهم إذا أتوه فكأنه قد أتاهم من الوجه الذي ذكرنا دون أن يكون فيه إثبات الانتقال في اللَّه تعالى.
والثاني: أن اسم المجيء وإن أطلق واستعمل في المجيء إلى مكان من مكان، فقد يستعمل أيضًا في الموضع الذي ليس فيه حركة ولا انتقال؛ قال اللَّه تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ)، ومعناه: ظهر الحق، ليس أن الحق كان في موضع فانتقل عنه إلى غيره؛ فأمكن أن يكون قوله: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ) أي: كذب بما أنزل على موسى، عليه السلام.
وجائز أن يكون قوله: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ) أي: جاء بالخاطئة؛ فيكون المجيء مصروفًا إلى الخطايا، وهذا التأويل أملك بظاهر الآية؛ لأنه قال: (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ)، أي: جاءوا بالخطايا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠).
أي: عالية؛ حيث علت أبدانهم.
وجائز أن يكون المراد منه: أن عقوبتهم ربت على الأخذ أي: زادت على الأخذ؛
الحاقة 69:11
لأنها أخذت أبدانهم وأهلكتها، ثم ردت أرواحهم إلى جهنم فتعرض عليها غدوًّا وعشيًّا، فذلك هو الزيادة على الأخذ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١).
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: طغى على الخزان؛ لأن الخُزَّان يطلقون القطر بالكيل والوزن والقدر المعلوم، ثم ذكر في موضع آخر: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ) أي: منصب؛ فيكون تأويله: أن اللَّه - تعالى - لم يمكنهم من حفظ القطر في ذلك الوقت؛ فطغى عليهم لهذا المعنى، وإلا لو لزموا حفظه في ذلك الوقت، لكان الماء لا يطغى عليهم، على ما ذكرنا: أنه لا يجوز أن يؤمروا بحفظه ولا يملكون حفظه.
وجائز أن يكون قوله: (طَغَا)، أي: طغى على الذين أهلكوا من مكذبي نوح - عليه السلام - وقد وصفنا تأويل الطاغي، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ).
قد ذكر أنه حملنا، ولم نكن نحن يومئذ فنُحْمَل، والخطاب للذين كانوا في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وإنما كان لأن بنجاة أُولَئِكَ المحمولين نجاة ذريتهم، وبهلاك أُولَئِكَ فناء ذريتهم؛ فكأنه قد حملهم بحمل أُولَئِكَ؛ لما حصلت لهم النجاة بحملهم.
أو أضاف إليهم؛ لأنه قدر كونهم من آبائهم؛ فكانوا حملوا تقديرًا، وهو كقوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ)، ومعناه: أنزلنا عليكم ما قدرنا كون اللباس منه، وهو المطر، فإذا أنزل المطر الذي قدر كون اللباس منه، فكأنه أنزل اللباس، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)، ونحن لم نخلق من التراب، ولكن لما قدر خلقنا من التراب الذي أصلنا منه فكأنا خلقنا منه؛ فعلى ذلك وإن لم نكن محمولين في السفينة، فقد حمل أصلنا؛ لنكون نحن من ذلك الأصل، فكأنا قد حملنا فيها؛ إذ
الحاقة 69:12
كنا في إرادة اللَّه - تعالى - من الكائنين، واللَّه أعلم.
أو ذكر ذلك منّة منه على الأبناء بصنيعه بالآباء؛ ليعلم أن على الأبناء شكر ما أحسن إلى آبائهم وأجدادهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) فوجه التذكرة فيه: أن أهل مكة أبوا إجابة الرسول، وقالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، فذكرهم أنهم، أولاد من حملوا مع نوح - عليه السلام - في السفينة، وهم إنما استوجبوا النجاة، وشرفوا في الدارين جميعًا باتباعهم الرسل، فما لكم لا تتبعونهم في تصديق الرسل دون أن تتبعوا المكذبين للرسل، أو يذكرهم كذبهم في قولهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ)، بل قد وجدتم آباءكم على خلاف ما أنتم عليه، وقد تعلمون أن آباءكم هم الذين اتبعوا نوحًا فنجوا، وهم المؤمنون دون الكفرة.
ووجه آخر: أنه ذكرهم أحوال المكذبين، وإلى ماذا آل أمرهم من الغرق والهلاك؛ فيكون فيه تخويف من كذب من أهل مكة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فصارت تلك الجارية وهي السفينة موعظة وتذكرة تذكرهم عواقب المصدقين بالرسل والمكذبين لهم.
أو ذكرهم عظيم نعمه على آبائهم الذين حملوا في السفينة؛ ليستأدي منهم شكر ذلك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كم من سفينة قد هلكت منذ ذلك الوقت وهي قائمة في موضع كذا عبرة وتذكرة.
ثم التذكرة تخرج على وجهين:
أحدهما: أن يراد بها الآية والعبرة؛ أي: جعلنا لكم ذلك؛ لتعتبروا، وتكون آية لكم على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته؛ كقوله: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ).
والثاني: أي: جعلنا تلك الأنباء تذكرة لكم؛ أي: جعلناها قرآنا تقرءونها وتذكرونها إلى آخر الأبد؛ فتشكرون اللَّه - تعالى - على ما صنع إليكم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) يقال: وعى الشيء: إذا حفظه، وأوعاه: إذا حفظه بإناء أو غيره؛ أي: تحفظها أذن واعية؛ بمعنى: حافظة؛ فأضاف الوعي والحفظ إلى الأذن، والأذن لا تعي؛ بل تسمع، ثم يعيه القلب، ولكن نسب الوعي إلى
الحاقة 69:13
الأذن؛ لأنه يوصل إلى الوعي من جهة الأذن؛ إذ بالسمع يوعى، والسمع من عمل الأذن، ثم يقع المسموع فيما فيه يُوعى، وهو القلب؛ فنسب الوعي إلى السمع؛ لما يتطرق به إلى الوعي، كما ذكرنا من إضافة اللباس إلى ما منه قدر اللباس، وهو المطر، وأضيف خلقنا إلى التراب؛ لأن أصل ما منه قدر خلقنا هو التراب.
وجائز أن يكون اللَّه - تعالى - يجعل للقلوب آذانًا بها تعي، وأبصارًا بها تبصر؛ فيضيف الوعي إلى آذان القلوب، ليس إلى آذان الرءوس، واللَّه أعلم.
وقيل: (أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) أي: عقلت عن اللَّه تعالى، وانتفعت بما سمعت من كتابه، وهي أذن المؤمن، فأما أذن الكافر؛ فإنها تسمع وتقذف ولا تعي؛ لما لم يحصل لهم الانتفاع به؛ ألا ترى أنه وصف آذانهم بالصمم؛ لما لم ينتفعوا بالمسموع، وكذلك قال: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)، جعل تركهم الانتفاع به نبذًا؛ فعلى ذلك جعل الانتفاع به وعيًا، وكذلك المتعارف في الخلق أنهم إذا أرادوا الانتفاع بعلم أو شيء، اجتهدوا في وعيهما وحفظهما.
* * *
قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ) فكأنهم سألوا: متى تكون الواقعة والحاقة والقارعة؟ فأخبر عن ذلك بقوله: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ)، فجوابهم في قوله: (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) ثم قد بيّنا أن الأسئلة كلها خرجت على بيان الوقت، واللَّه - تعالى - لم يبين لهم وقت كونه، وإنَّمَا أجاب عن الأحوال التي تكون في ذلك الوقت؛ لما لا فائدة لهم في تبيين وقته، ولا حاجة إلى معرفته، وإنَّمَا الفائدة في تبيين أحواله؛ لما يقع بها الترغيب والترهيب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ) فجائز أن يكون على حقيقة النفخ.
واحتمل أن يكون على قدر نفخة واحدة؛ فتكون فائدته ذكر سهولة أمر البعث على اللَّه - تعالى - لأن قدر النفخة مما يسهل على المرء في الشاهد، ولا يتعذر.
وجائز أن يكون ذكر النفخ؛ لما أن الروح تدخل في أجسادهم، وتنتشر فيها، وذلك
الحاقة 69:14
عمل النفخ؛ لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه وانتشرت، فكنى عن دخول الروح في الجسد بالنفخ؛ إذ ذلك عمله، وكنى بالنفخ عن خروج الروح من الأجساد لهذا، وعلى هذا تأويل قوله: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا)، ليس على حقيقة النفخ؛ ولكن عمل الروح فيها عمل النفخ، فقيل ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي الصُّورِ) قيل: الصور: هو القرن ينفخ فيه النفخة الأولى؛ فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه، ثم ينفخ فيه مرة فإذا هم قيام ينظرون.
ومنهم من يقول: أي: نفخ الروح في صور الخلق؛ لكن جمع الصورة: الصور، بنصب الواو؛ فلا يحتمل أن يكون المراد منه: جمع الصورة، لكنه يجوز أن يكون اللَّه - تعالى - جعل نفخ الصور سببًا لإفنائهم وإحيائهم، لا أنه يعجزه شيء عن الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور، لكنه جعله سببًا لنوع الحكمة والمصلحة أو لمحنة ذلك الملك والابتلاء؛ على ما عرف من أنواع المحن في الملائكة من إنزال المطر، وتسيير السحاب، وجعلهم الموكلين على أعمال بني آدم، وغير ذلك.
وقوله: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) كسرتا كسرة واحدة.
وقيل: هدمتا هدمة واحدة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: زلزلتا زلزلة واحدة؛ فكأنه يقول - واللَّه أعلم -: تتزلزل الأرض، فتقذف ما في بطنها من الفضول، وتخرج ما فيها من الجواهر التي ليست منها بتلك الدكة، وتخرج أصول الجبال منها، ثم يجعله اللَّه - تعالى - كثيبًا مهيلًا مثل الرمل، ثم يُعْمِل عليه الريح فيجعله هباء منثورًا، وتراه من لينه كالعهن المنفوش، ثم يسير مثل السحاب، فيقع في شعاب الأرض والأودية والأماكن المختلفة؛ فتصير الأرض كما قال - تعالى -: (فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)، وهكذا الريح إذا عملت على شيء وتقع عليه، تفرقه في النواحي، وتسوي به الشقوق، وتبسطه على وجه الأرض.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ) ليس أنها تحمل من مكان إلى مكان، ولكن تدخل هذه في هذه، وتضرب هذه على هذه بالدكة؛ فتصير كأنها حملت لذلك، وإذا كان
الحاقة 69:15
كذلك، فقد وقعت الواقعة يومئذ، وهذا على اختلاف الأوقات؛ ليكون معنى الآيات التي جاءت في الجبال على السواء، واللَّه أعلم.
وقيل: في آيات أخر بيان آخر: بيان تقديم فناء الجبال قبل الأرض بقوله: (يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا. فَيَذَرُهَا)، أي: يذر الأرض (قَاعًا صَفْصَفًا)، وغيرها من الآيات؛ مما يدل على تقديم فناء الجبال قبلها، فإما أن يكون معنى تبديل الأرض تغييرها عن الحالة التي هي عليها اليوم من انهدام البنيان، واستواء الأودية، وإزالة الجبال؛ على ما جاء في الأخبار، فسمي لذلك: تبديلًا؛ كما يقال لمن تغير عن الحالة الحسنة إلى غيرها: تبدلت، يراد: أي: تغيرت عن حالتك؛ فعلى ذلك معنى الآية؛ أي: تكسر الجبال، وتتغير حالة الأرض في دفعة واحدة.
أو يكون في الآية إخبار عن شدة الفزع في ذلك اليوم أن يدكه دكة واحدة؛ تفني الجبال والأرض، وإن كان إفناء الجبال قبل إفناء الأرض، ليس أنهما يفنيان جميعًا بدفعة واحدة، لكن بالدكة الواحدة تهلك الجبال والأرض؛ فيكون المراد بيان شدة اليوم وهوله؛ لا بيان ترتيب فناء البعض على البعض، واللَّه أعلم.
وقوله - تعالى -: (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وهو الحساب والجزاء؛ كقوله: (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ)، وأدخلت الهاء في أسماء القيامة تعظيمًا لشأنها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) قَالَ بَعْضُهُمْ: تفرقت، وهكذا الشيء إذا انشق تفرق وتباين، وبه يظهر الشق.
ويحتمل أن يكون الشق كناية عن اللين؛ أي: تلين بعد صعوبتها، دليله:
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ) أي: ضعيفة بعدما كانت تنسب إلى الصلابة، ويدل على ذلك قوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ)، وإنما يطوى الشيء في الشاهد بعدما يلين في نفسه.
وجائز أن تنشق السماء لنزول أهلها، فلا يبقى فيها إلا الملائكة الذين على أطرافها، ثم تنضم فتبين للطي، واللَّه أعلم.
الحاقة 69:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿وانشقت السماء فهي يومئذ واهية﴾ قال بعضهم : تفرقت، وهكذا الشيء إذ انشق، تفرق، وتناثر، وبه يظهر الشق. ويحتمل أن يكون الشق كناية عن اللين، أي تلين بعد [ صلابتها، وتصير ](١) ذليلة.
وقوله تعالى :﴿فهي يومئذ واهية﴾ أي ضعيفة بعدما كانت تنسب إلى الصلابة. ويدل على ذلك قوله :﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وإنما يطوى الشيء في الشاهد بعد ما كان يلين في نفسه.
وجائز أن تنشق السماء ليزول أهلها، فلا يبقى فيها إلا الملائكة الذين على أطرافها، ثم تنضم، فيتبين الطي، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذكر انشقاقها وانفطارها وانفتاحها تهويلا للخلق من الوجه الذي ذكرنا في ما قبل.
وجائز أن يكون للسماوات أبواب (٢)، فتفتح أبوابها، فيكون انشقاقها وانفطارها فتح أبوابها.
وجائز أن يكون الشق ليس فتح الأبواب لأنه ذكر هذا في موضع التهويل، وليس في فتح أبوابها كثير تهويل.
وقوله تعالى :﴿فهي يومئذ واهية﴾ أي ضعيفة مسترخية، وقيل : الوهي الخرق، وهو يحتمل لأنها إذا انشقت انخرقت.
١ في الأصل وم: صعوبتها.
٢ في الأصل وم: أبوابا..
الحاقة 69:17
وجائِز أن يكون ذكر انفطارها وانشقاقها وانفتاحها؛ تهويلاً للخلق من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل.
وجائِز أن تكون للسماوات أبواب فتفتح أبوابها؛ فيكون انشقاقها وانفطارها فتح أبوابها.
وجائز أن يكون الشق ليس فتح الأبواب؛ لأنه ذكر هذا في موضع التهويل، وليس في فتح أبوابها كثير تهويل.
وقوله: (فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ) أي: ضعيفة مسترخية.
وقيل: الوهي: الخرق، وهو يحتمل؛ لأنها إذا انشقت انخرقت.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) الأرجاء: النواحي والأطراف، وهي أطراف السماوات ونواحيها، وواحد الأرجاء: رجا، مقصور.
والملك أريد به الملائكة، أخبر أنهم على أطراف السماوات ونواحيها، فيحتمل أنهم وكلوا وامتحنوا بها وبحفظها بعد الشق؛ لئلا تسقط على أهل الأرض.
وجائز أن يجعل أطرافها وجوانبها لبعض الملائكة، فتفتح أبواب السماء فتنزل الملائكة الذين كان مسكنهم عندها إلى الأرض، كما قال - تعالى -: (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا)، ويبقى الملائكة الذين كان مسكنهم في أرجائها ينتظرون أمر ربهم.
ثم الملك ليس يحتاج إلى مكان يقر فيه وإن جعلت السماء مسكنًا لهم؛ لأن الملائكة ينزلون من السماء إلى الأرض، ويقرون على الهواء من غير أن يكون في الهواء مقر.
والثالث: يبين أنها لا تتفرق كل التفرق، ولكن وسطها ينشق لما ذكرنا، والباقي بحاله.
ويحتمل: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) على ما يمرّ به في السماء، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) فيحتمل أن يكون الملائكة في النفخة الأولى يصعقون إلا الثمانية الذين يحملون العرش كما قال: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ)، فيكون هَؤُلَاءِ الثمانية
الحاقة 69:18
من الذين استثنوا؛ فلا يصعقون؛ فهم يحملون العرش؛ فتكون أمكنتهم على أرجاء السماوات، وهو قوله: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (ثَمَانِيَةٌ) جائز أن يكون أراد به ثمانية أملاك.
وجائز أن يكون أراد به ثمانية أصناف من الملائكة، كما ذكر في التفسير.
وجائز أن يكون هَؤُلَاءِ الثمانية يهلكون ثم يحيون قبل أن يحيا سائر الخلق، فيحملون عرش ربنا على أكتافهم، فإذا بعث اللَّه - تعالى - الخلائق رأوا العرش على أكتافهم، والعرش هو سرير الملك.
وجائز أن يكون ذلك من نور، كما ذكر في الخبر: " أن عين الشمس إذا أرادت أن تطلع فإن جبريل - عليه السلام - يأتي العرش، فيأخذ كفًّا من ضيائه، ثم يلبس الشمس كما يلبس أحدكم قميصه، وإذا أراد القمر أن يطلع أخذ جبريل - عليه السلام - كفًّا من نور العرش، فيلبس القمر كما يلبس أحدكم قميصه "، فجائز أن يكون العرش من الضياء والنور.
ثم أجل الأشياء وأعظمها في أعين الخلق الضياء والنور، وإليهما ينتهي الرغب؛ فيكون في ذكر العرش ذكر عظيم عرش الرب وملكه جل جلاله.
ثم إن كل ملك في الشاهد يتخذ لنفسه عرشًا، يتفاوت ذلك على مقدار ملكهم وسلطانهم لا ليجعل ذلك مسكنًا لنفسه، فإذا لم يتوهم من الخلق أنهم يتخذون ذلك لمقاعدهم ومجالسهم فلأن لا يتوهم ذلك من اللَّه أولى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨) أي: تعرضون على أعمالكم فلا تخفى عليكم خافية، أي: يظهر لكم في ذلك اليوم، ويصير بارزًا في ذلك اليوم، كما قال - تعالى -: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)، أي: تظهر لهم سرائرهم حتى يعرفوها، ولا يخفى عليهم شيء منها.
وجائِز أن يكون قوله: (لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) أي: على اللَّه - تعالى - ولكن كل من ادعى إخفاء شيء من أمره على اللَّه - تعالى - وظن أن اللَّه - تعالى - لا يطلع عليه، فسيعلم في ذلك اليوم أنه لا تخفى عليه خافية، وهو كقوله - تعالى - (لِمَنِ الْمُلْكُ
الحاقة 69:19
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، ليس فيه أن الملك كان لغيره، ولكن بعض الناس كانوا يدعون الإشراك في الملك في الدنيا، فيتركون في ذلك اليوم دعواهم، ويتيقنون أنه هو المنفرد بالملك، وعلى ذلك قوله - تعالى - (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) ولم يكونوا بمختفين عنه قبل ذلك؛ بل كانوا له في كل وقت بارزين، ولكن من أنكر ادعاء الإخفاء في الدنيا يدع في ذلك اليوم، ويقر بالبروز، واللَّه المستعان.
ثم روي في الخبر " أن العرضات ثلاث: عرضتان فيهما خصومات ومعاذير " أي: يختصمون ويتنازعون، فإذا ظهر ذلك جعلوا يعتذرون، ويسألون ربهم العفو والصفح عن ذنوبهم وخصومهم، و " العرضة الثالثة عند تطاير الصحف ".
ومعنى قوله: (تُعْرَضُونَ) أي: يعرض الخلق بعضهم على بعض حتى لا يخفى على أحد خصمه.
أو تعرض أعمالهم حتى يذكر كل أحد صنيعه، وكل خصم خصومته؛ فكأنهم قد نسوا ذلك من كثرة الفزع وشدة الأهوال، لكن اللَّه - تعالى - يطلعهم على ذلك حتى يذكروا ذلك، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) ظاهر ما جرى به الخطاب في القرآن يوجب أن يُرحم المؤمنون جميعًا فلا يعذبون في الآخرة، ويعذب الكافرون ولا يرحمون؛ لأنه قسم الخلق يوم القيامة صنفين: فجعل صنفًا منهم أهل اليمين، وصنفًا أهل الشمال، ثم وصف كل واحد من الصنفين بأعلام ثلاثة: فذكر مرة أنه يخف ميزانهم بقوله: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ)، وذكر مرة أن وجوههم تسود، وذكر مرة أنهم يعطون كتابهم بشمالهم؛ فهذه الأعلام ذكرها في أحد الصنفين، وذكر في الصنف الثاني، ووصفهم بأعلام ثلاثة: ببياض الوجوه، وبثقل الميزان، وبإعطاء الكتاب بأيمانهم.
ثم فيما فيه سواد الوجوه ذكر فيه: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)، وكذلك حين ذكر خفة الميزان ذكر في آخره ما يبين أن الذين خفت موازينهم هم الكفرة؛ لأنه قال: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ)، وذكر فيه إعطاء الكتاب بشماله، وذكر فيه ما يبين أنه من أهل الكفر؛ لأنه قال: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)؛ فثبت أن الوعيد المطلق ذكر في أهل الكفر، وكذلك قال: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، ولم يقل: أعدت للخلق، وقال: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)؛ فثبت أن أهل النار هم الكفار، ثم المؤمنون قد تعرض منهم زلات ومآثم في هذه الدنيا، والكفار يوجد منهم المحاسن فيها، ولكن أهل الكفر يجزون جزاء حسناتهم في دنياهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وإذا لم يؤمنوا بها لم يقع سعيهم لها، وأمكن أن يكون المؤمن يجعل له العقاب بسيئاته في الدنيا فتخلص له الحسنات في الآخرة فيجزى بها.
وجائز أن تكفر سيئاته بالحسنات التي توجد منه؛ لأن المحاسن جعلت سببًا لتكفير المساوى؛ قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، وإذا كفرت سيئاته في الدنيا، لم يعذب بها في الآخرة.
وجائز أن يكون اللَّه - تعالى - يعذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يعفو عنهم بحسناتهم التي سبقت منهم من الإيمان، وغير ذلك، فكل مؤمن -في الحقيقة- آخره الجنة، ويثقل ميزانه، ويبيض وجهه، ويعطى كتايه بيمينه.
ثم يجوز أن يكون الذي يعاقب بذنوبه من أهل الإيمان يعاقب به قبل أن يعطى كتابه بيمينه، وقبل أن يبيض وجهه ويثقل ميزانه، وقبل أن يبيض وجهه، لم يكن مسود الوجه، ولكن على ما عليه في الدنيا.
ثم متى عفي عنه؟ في الخبر " أن الناس يعرضون يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في الأيدي "، فيجوز أن يكون تعذيبه قبل العرضة الثالثة، ثم يعطى كتابه في العرضة الثالثة بيمينه؛ فتظهر له أعلام السعادة إذ ذاك، فإذا ثبت أن الوعيد المطلق إنما جاء في أهل الكفر، لم
الحاقة 69:20
يلحق أهل الكبائر من أهل الإيمان بهم في الحكم؛ بل وجب الوقف في حالهم؛ كما قال أصحابنا، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: (هَآؤُمُ) أي: تعالوا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: " ها " بمعنى: هاكم؛ أي: خذوا، فأبدلت الهمزة مكان الكاف، فظاهر الآية أن المعطى له الكتاب؛ يقول هذا؛ يدعو الخلق إلى نحوه، أو يناولهم الكتاب؛ استبشارًا وحبورًا، فيبشرهم بعفو اللَّه - تعالى - عنه ورحمته عليه.
ولكن أهل التأويل صرفوا التأويل إلى المعطي، فقالوا بأن المعطي هو الذي يقول هذا؛ فكأن الذي كتب الكتاب في الدنيا من الملك هو الذي يعطي الكتاب إلى المكتوب عليه، ويقول: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) أي: خذوا اقرءوا، ما كتبت لكم وعليكم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فإن حملته على حقيقة الظن، فهو يخرج على ثلاثة أوجه.
أحدها: أي: إني ظننت في الدنيا أني ألاقي (حِسَابِيَهْ)، أي: الحساب الشديد فيما سبق من سيئاتي، وأؤاخذ بها، وأجازى عليها، وظننت الساعة ألا أنجو من ذنوبي؛ لفزع هذا اليوم، فوجدت سيئاتي قد غفرت، وخطاياي كفرت عني؛ فيكون قوله منه هذا شكرًا لله - تعالى - وإظهارًا لمنته.
والثاني: أي: إني تركت في دار الدنيا إذا عرضت لي الحوادث من الزلات والهفوات، ظننت أني ألاقي اللَّه - تعالى - بها، فأمسكت عنها، وانزجرت عن إتيانها؛ فيكون إخبارًا عن بيان سبب نيل ذلك.
والثالث: أني تفكرت في أمري؛ فظننت أن مثلي لا يترك سدى هملاً؛ فأدى ظني إلى اليقين، فآمنت وصدقت الرسل، فإنما نجوت بأول ظني وفكرتي.
ومنهم من صرف الظن إلى اليقين والعلم، فقال: معنى قوله: (ظَنَنْتُ) أي: أيقنت، وعلمت.
والأصل: أن كل يقين حدث في الأمور المستترة والعلوم الخفية فإنما يتولد ذلك على ظن يسبق، فيحمله ذلك الظن على النظر فيه والبحث عن حاله حتى يفضي به إلى الوقوف على ما استتر منه، ويصير الخفي له جليًّا، فيكون سبب بلوغه إلى اليقين والإحاطة الذي سبق منه؛ فجائز أن يسمى ذلك يقينًا مرة على الحقيقة وظنًّا ثانيًا على المجاز، على ما ذكرنا في قوله: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)، أن الأذن لا تعي شيئًا، بل تسمع، ولكنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن، فصارت الأذن سببًا للإيصال إلى الوعي، فأضاف الوعي إليها؛ فعلى ذلك ظنونهم في الابتداء إذا بلغتهم إلى اليقين والعلم سمّوا يقينهم وعلمهم ظنًّا مرة، ويقينًا ثانيًا؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - قال: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ)، وقال في موضع آخر: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)، فجعلهم مرة ظانين، ومرة موقنين، فيما كان طريقته البحث وإعمال الفكر؛ ولهذا لا يجوز أن يوصف اللَّه - تعالى - بالإيقان في أمر من الأمور؛ لأن الأشياء له بارزة ظاهرة؛ إذ هو منشئها وخالقها؛ فلا يخفى عليه شيء منها فيحتاج إلى البحث عنها والنظر فيها، والله الموفق.
أو نقول بأن الأمور التي سبيل دركها الاجتهاد، لا يخلو شيء منها من اعتراض وساوس وخواطر فيها، فتلك الوساوس والخواطر تفضي بصاحبها إلى الظنون فاستجازوا إطلاق الظن فيها؛ لما لا تخلو عنه، واستجازوا إطلاق اليقين لما غلب عليها دلالات اليقين والإحاطة؛ ألا ترى أن من تهدد بالوعيد الشديد، أو بالقتل على أن يكفر باللَّه - تعالى - أبيح له أن يجري كلمة الكفر على لسانه، وجعل كالموقن بإحلال العذاب من المكره، لو امتنع عن الإجابة إلى ما دعاه وإن لم يتيقن بأنه يفعل به لا محالة ما أوعد به؛ لأنه يجوز ألا يمكن من ذلك، ويجوز ألا يبقى إلى ذلك الوقت، ثم وسع له فعل ذلك بأكبر الرأي وغلبة الظن، وحل ذلك محل الإحاطة واليقين؛ فعلى ذلك هاهنا لما غلب دلالات اليقين والصدق، جاز إطلاق لفظة اليقين عليه، فأما الأشياء التي تدرك بالحواس والمشاهدات، فلا سبيل إلى تسمية مثله ظنًّا؛ لما لا يحتمل اعتراض الشبه فيها، واللَّه الموفق.
الحاقة 69:21
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) أي: في حياة راضية، يقال: عاش وحيا بمعنى واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَاضِيَةٍ) بمعنى: مرضية معناه، أن نفسه في حياة ترضى بها؛ كقوله: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ)، أي: مدفوق، ومثله في الكلام كثير.
ويجوز أن يكون المراد: نفس الجنة قد رضيت بأهلها، وأظهرت رضاها بهم، كما وصفت الجحيم بالسخط والتغيظ على أهلها، فجائز مثله في الجنة رضاء واستبشارًا، أي: على معنى أن الجنة تظهر لهم من أنواع الكرامات والخيرات ما لو كان ذلك من ذي العقل يكون ذلك دليل الرضاء، كما يضاف الغرور إلى الدنيا، وهي أنها تظهر من نفسها ما لو كان ذلك ممن يملك التغرير، يكون ذلك غرورًا من نفسها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: مرتفعة، على ما يستحب في الدنيا من الجنان في ربوة من الأرض مرتفعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الجنة: اسم لروضة ذات أشجار؛ فكأنه يصف أشجارها بالارتفاع والطول والمنظر، وذلك أشهى إلى أربابها، وهذا كما قال: (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) من غير ذكر الأشجار؛ لأن ذكر الجنة اقتضى ذكر الأشجار.
والثالث: يكون معنى العالية، أي: عظيمة القدر والخطر مرتفعة، وقد يوصف الشيء الرفع بالعلو، واللَّه أعلم.
ثم قوله - تعالى -: (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) أي: في القطوف متدانية من أهلها لمن يريد قطفها، وبعيدة لمن لا يريد قطفها.
وقيل: (دَانِيَةٌ) ينالها القاعد كما ينالها القائم.
وقيل: ثمارها دانية، أي: لا يرد أيديهم منها بعد ولا شوك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) تأويله أن يقال لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) إنما جعلتم أيامكم الخالية سلفًا في أيام الآخرة، وسلف الرجل لآخر هو أن يعطيه قرضًا؛ ليأخذ مثله وقت الحاجة إليه، أو يسلم الرجل رأس ماله في الأشياء التي يأمل منها الربح، فكأنه بما يشري نفسه يجعلها سلفًا ورأس مال، ليأخذ ربح ما باع في الآخرة، فذلك هو الإسلاف.
الحاقة 69:22
الآية ٢٢ وقوله تعالى :﴿في جنة عالية﴾ قال بعضهم : مرتفعة على ما يستحب في الدنيا من الجنان : في ربوة من الأرض مرتفعة.
وقال بعضهم : الجنة اسم لروضة ذات أشجار، فكأنه يصف أشجارها بالارتفاع والطول والمنظر، وذلك أشهى إلى أربابها وهذا ما قال :﴿قطوفها دانية﴾ [ الآية ٢٣ ] من غير ذكر الشجار، لأن ذكر الجنة اقتضى ذكر الأشجار.
[ وقال بعضهم ](١) : يكون معنى العالية عظمة القدر والخطر : مرتفعة. وقد يوصف الشيء الرفيع بالعلو /٥٩٣-أ/ والله اعلم
١ ساقطة من الأصل وم..
الحاقة 69:23
الآية ٢٣ ثم قوله تعالى ﴿قطوفها دانية﴾ أي في القطوف متدانية من أهلها لمن يريد قطفها وبعيدة لمن لا يريد قطفها. وقيل دانية ينالها القاعد كما ينالها القائم. وقيل : ثمارها دانية أي لا يرد أيديهم بعد ولا شوك.
الحاقة 69:24
الآية ٢٤ وقوله تعالى :﴿كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ تأوليه أن يقال :﴿كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية﴾ : إنما جعلتم أيامكم الخالية سلفا [ في أيام الدنيا (١)، وسلف الرجل ](٢)لآخر، وهو أن يعطيه قرضا ليأخذ مثله وقت الحاجة إليه، أو يسلم الرجل رأس ماله في الأشياء التي يأمل منها الربح، فكأنه يماري نفسه بجعلها سلفا ورأس مال ليأخذ ربح ما باع في الآخرة، فذلك هو الإسلاف، أو يجعل عمله للآخرة رأس ماله وما رزق من الأموال، ينفقها في سبيل الله، ويجعل ذلك رأس ماله.
وذكر عن وكيع أنه قال : بلغنا أن الذين أسلفوا الصوم أي أنهم صاموا في الدنيا، وتركوا الطعام والشراب، فأثابهم الله في الآخرة فقال (٣) ﴿كلوا واشربوا هنيئا﴾.
١ من نسخة الحرم المكي، في م: الآخرة.
٢ من نسخة الحرم المكي وم، في الأصل: لرجل.
٣ في الأصل وم: فقلوا.
الحاقة 69:25
أو يجعل عمله للآخرة رأس ماله، وما رزق من الأموال ينفقها في سبيل اللَّه، ويجعل ذلك رأس ماله.
وذكر عن وكيع أنه قال: بلغنا أن المراد الذين أسلفوا الصوم؛ أي: أنهم صاموا في الدنيا وتركوا الطعام والشراب، فأثابهم اللَّه في الآخرة فقال: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا).
* * *
قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ) والإيتاء بالشمال أحد أعلام الشقاء، فتمنى ألا يؤتى بما فيه علم شقائه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يقول هذا في الوقت الذي قرأ ورأى فيه خلاف ما كان يظن في الدنيا ويحسب؛ لأنه كان يحسب أنه في الدنيا أحسن صنعًا من الذين آمنوا، وأقرب منزلة إلى اللَّه - تعالى - كما قال: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)، فظهر له بقراءته الكتاب أنه لم يكن على ما حسب؛ بل قد أساء صنيعه؛ فود عند ذلك ألا يعرف ما حسابه؛ لئلا تظهر مساوئه.
ويحتمل أنه يتمنى أنه ترك ميتًا ولم يُحي حتى كان لا يرى الحساب ولا يعرفه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) أي: ياليت الميتة الأولى (كَانَتِ الْقَاضِيَةَ)، أي: يا ليت الميتة الأولى كانت دائمة عليَّ.
وقال بعض أهل التأويل: يا ليت النفخة الآخرة كانت تقضي بالموت والهلاك، لم تكن محيية باعثة، واللَّه أعلم.
وقال قتادة: تمنوا الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليهم منه، ثم الموت عليهم مقضي، وليس بقاضٍ، فحقه أن يقول: يا ليتها كانت مقضية؛ ولكن هذه
الحاقة 69:26
الآية ٢٦ وقوله تعالى :﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ يقول هذا في الوقت الذي قرأ، ورأى فيه (١) خلاف ما كان يظن في الدنيا، ويحسب، لأنه كان يحسب أنه في الدنيا أحسن صنعا من الذين آمنوا، وأنه أقرب منزلة إلى الله تعالى كما قال ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ [الكهف: ١٠٤] فظهر له بقراءة الكتاب أنه لم يكن على [ ما ](٢) حسب، بل قد أساء صنعه، فود عند ذلك ألا يعرف ما حسابه لئلا تظهر مساوئه.
ويحتمل أنه يتمنى أنه ترك ميتا، ولم يحي حتى كان لا يرى الحساب، ولا يعرفه.
١ في الأصل وم: فيها.
٢ ساقطة من الأصل وم.
الحاقة 69:27
الآية٢٧ وقوله تعالى :﴿يا ليتها كانت القاضية﴾ أي يا ليت الميتة الأولى كانت دائمة علي، وقال بعضهم : يا ليت النفخة الأخيرة، كانت تقضي بالموت والهلاك لم تكن محنة باعثة، والله أعلم.
وقال قتادة : تمنوا الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليهم منه، ثم الموت عليهم مقضيّ، وليس بقاض، فحقه أن يقول : يا ليتها كانت مقضية. ولكن هذه اللفظة يذكرها الناس في كل مكروه من الأمور.
ألا ترى أن الناس يدعون الله تعالى بأن يصرف عنهم قضاء السوء ؟ وليس بقضاء الله، بل هو مقضيه، فخرج القول على ما تعارفوا. وهذا كان يقال : الصلاة أمر الله، وليست هي بأمره، ولكن تأويله أنها بأمره ما تقام، فسمي أيضا قضاء الله، وهو في الحقيقة مقضيه، والله أعلم.
الحاقة 69:28
اللفظة يذكرها الناس في كل مكروه من الأمور؛ ألا ترى أن الناس يدعون اللَّه - تعالى - بأن يصرف عنهم قضاء السوء، وليس بقضاء اللَّه؛ بل هو مقضيِهِ؛ فخرج القول على ما تعارفوا، وهذا كما يقال: (الصلاة أمر الله)، وليست هي بأمره، ولكن تأويله: أنها بأمره ما تقام، فسمي أيضًا قضاء اللَّه، وهو في الحقيقة مقضيه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) فالأصل أن الكفرة كانوا يفتخرون بكثرة أموالهم، فيقولون: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، فيزعمون أن اللَّه - تعالى - بما آتاهم من الأموال يدفعون عن أنفسهم العذاب بأموالهم إن حل بهم، فيتبين لهم في ذلك الوقت أنها لا تغني عنهم شيئًا، فيقول كل واحد منهم: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ).
وقوله - تعالى -: (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) ذكر عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة، فالأصل: أن الكافر كان يحتج في الدنيا لنفسه بحجج باطلة، فمرة يقول: (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)، ويقول مرة: (مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، ومرة يقول: هذا سحر، ومرة يقول: هو مجنون، وغير ذلك، فيعبر بقوله: (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) أي: هلكت تلك الحجج التي كنا نتشبث بها، واضمحلت، وظننا أنها حجج.
ومنهم من يقول: السلطان: هو القدر والشرف؛ أي: ذهب ذلك كله.
وقيل: أي: هلك عني تكبّري وسلطاني على الأنبياء - عليهم السلام - في الدنيا وترك الاكتراث إليهم.
وجائز أن يكون أراد به: أن السلطان الذي كان لي على نفسي في الدنيا قد انقطع؛ لأنه كان يملك استعمالها في مرضات اللَّه - تعالى - فيقول: قد انقطع ذلك السلطان؛ لأني لا أملك استعمالها فيما أستوجب به مرضاة اللَّه؛ لأنه يسلم فلا يقبل منه إسلامه.
ثم يجوز أن تكون الهاءات في هذه الخطابات على معنى الإشارات إلى الأنفس، أو على تأكيد الأمر والمبالغة: كالنسابة، أو كأنهم ينادون أنفسهم بذلك، وقد تدخل الهاء في النداء؛ كقوله يا ربّاه، ويا سيّداه.
الحاقة 69:29
الآية ٢٩ وقوله تعالى :﴿هلك عني سلطانيه﴾ ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : كل سلطان في القرآن فهو حجة.
والأصل أن كل كافر كان يحتج في الدنيا لنفسه بحجج باطلة : فمرة يقول :﴿ما أنت إلا بشر مثلنا﴾ [ الشعراء : ١٥٤ و ١٨٦ ]، ويقول مرة :﴿ما هذا إلا أساطير الأولين﴾ [الأحقاف: ١٧] ومرة يقول :﴿هذا سحر﴾ [ النمل : ١٣ و. . ] ومرة يقول :﴿مجنون﴾ [الدخان: ١٤] وغير ذلك فيصير يقول :﴿هلك عني سلطانيه﴾ أي هلكت تلك الحجج التي كنا نتشبث بها، واضمحلت، وظننا أنها حجج.
ومنهم من يقول : السلطان هو القدر والشرف، أي ذهب ذلك كله. وقيل : أي هلك عني تكبري وسلطاني على الأشياء في الدنيا وترك الاكتراث إليهم.
وجائز أن يكون أراد به أن السلطان الذي كان لي على نفسي في الدنيا قد انقطع لأنه كان يملك استعماله (١) في أمر مرضاة الله، فيقول : قد انقطع ذلك السلطان لأني لا أملك استعماله (٢) في ما أستوجب به مرضاة الرب، لأنه يسلم، فلا يقبل منه إسلامه.
ثم يجوز أن تكون الهاءات في هذه الخطابات (٣)على معنى الإشارات إلى الأنفس أو على تأكيد الأمر والمبالغة كالمتشابه، أو كأنهم ينادون أنفسهم بذلك. وقد تدخل الهاء في النداء كقوله : يا رباه، ويا سيداه. وجائز أن يكون [ للوقف وإتمام ](٤) الكلام، وأهل النحو يسمونها(٥) هاء الاستراحة.
١ في الأصل وم: استعمالها..
٢ في الأصل وم: استعمالها..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل: الخطيئات..
٤ في الأصل: الوقت واحمام، في م: الوقت واتمام..
٥ في الأصل وم: يسمونه..
الحاقة 69:30
وجائز أن يكون الوقف وإجمام الكلام، وأهل النحو يسمّونه: هاء الاستراحة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) وقال في موضع آخر (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ)، وهو السوق على العنف، وقال في موضع آخر: (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا)، فكأنهم - واللَّه أعلم - يغلون، وبدأ بالأمر بالإغلال؛ لأن الناس في الدنيا يجتهدون كل الجهد في منع العذاب بأيديهم، فأخبر أن أيديهم تغل في الآخرة؛ فلا يتهيأ لهم دفع ما يحل بهم من العذاب؛ فيكون ذلك أشد في العذاب عليهم، ويكون حالهم كما قال اللَّه - تعالى -: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فتغل يداه؛ كي يتقي النار بوجهه، ثم يدخلون في السلاسل فيجرون ويسحبون ويساقون على وجوههم على اختلاف أحوال القيامة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) أي: أدخلوه، يقال: لحم مصلي: أي مشوي؛ فجائز أن يؤمر بأن يشوى في الجحيم.
وقوله: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) فذكر أولًا: أنهم يغلون، ثم يصلون الجحيم، ثم يسلسلون إذ ذاك، وحق مثله أن يسلسل، ثم يمد إلى الجهنم، ولكنّه يشبه أن يكونوا أولًا يحشرون، ثم يساقون إلى نار جهنم بقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا)، وإذا وردوها هموا أن يفروا منها، فيسلسلون إذ ذاك، ويسحبون في النار حينئذ؛ فلا يتهيأ لهم الهرب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) ففيه بيان السبب الذي لأجله استوجبوا هذا العقاب، وهو أنهم كانوا لا يؤمنون باللَّه العظيم.
ثم قوله: (لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) جائز أن يكون لا يؤمن بوحدانية اللَّه، أو لا يؤمن بإرسال الرسل، أو كان لا يؤمن بالبعث، وإلا فهم يؤمنون باللَّه، ولكن من لم يكن مؤمنًا بالرسل والبعث فهو غير مؤمن في الحقيقة؛ لأن الإله الحق هو الذي أرسل الرسل، ويقدر على البعث، والكافر لا يثبت له قدرة البعث، ولا يراه أرسل الرسل، فصار لا يؤمن بالله العظيم في الحقيقة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) إخبار أنه كان لا يؤمن بالبعث؛ لأن الناس ليسوا يطلبون من المساكين الجزاء لما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله
الحاقة 69:31
الآية ٣١ وقوله تعالى :﴿ثم الجحيم صلوه﴾ أي أدخلوه، يقال : لحم مصلى، أي مشوي، فجائز أن يؤمر، فيشوى في الجحيم.
الحاقة 69:32
الآية ٣٢ وقوله تعالى :﴿ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾ فذكر أولا أنهم يغلون، ثم يصلون الجحيم، ثم يسلسلون إذ ذاك، وحق مثله أن يسلسل، ثم يمد إلى جهنم.
ولكن يشبه أن يكونوا أولا يحشرون، ثم يساقون إلى نار جهنم بقوله :﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا﴾ [ الزمر ٧١ ] أو إذا وردوها هموا أن يفروا منها، فيسلسلون إذ ذاك، ويسحبون في النار حينئذ، فلا يتهيأ لهم الهرب.
الحاقة 69:33
الآية ٣٣ وقوله تعالى :﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم﴾ ففيه بيان السبب الذي لأجله استوجبوا هذا العقاب، وهم أنهم كانوا لا يؤمنون بالله العظيم.
ثم قوله تعالى :﴿لا يؤمن بالله﴾ جائز أن يكون لا يؤمن بوحدانيته، أو لا يؤمن بإرسال الرسل، أو كان لا يؤمن بالبعث. وإلا فهم لا يؤمنون بالله، ولكن من لم يكن مؤمنا بالرسل والبعث فهو غير مؤمن في الحقيقة، لأن الإله الحق هو الذي أرسل الرسل، ويقدر على البعث، والكافر لا يثبت له قدرة البعث، ولا يراه (١) أرسل الرسل، فصار لا يؤمن بالله العظيم في الحقيقة.
١ من م، في الأصل: يراد..
الحاقة 69:34
الآية ٣٤ وقوله تعالى :﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ إخبار أنه كان لا يؤمن بالبعث لأن المؤمنين(١) ليسوا يطلبون من المساكين الجزاء لما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله ورجاء الثواب في الآخرة.
والكافر غير مؤمن بالجزاء ليحمله ذلك على الإطعام، وليس هو بكسب، يرغب فيه، من مكاسب الدنيا، فكأنه يقول : إن الذي أفضى به إلى النار تركه الإيمان بالله تعالى أو بالبعث.
ويجوز أن يكون قوله :﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾ إثبات السخرية من الذي ترك [ حض أهله على الإطعام ](٢) كقوله :﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾[ يس ٤٧ ] يقول : كيف نطعمه (٣)، ومن بيده خزائن السماوات والأرض، لا يطعمه ؟ فلو كان أهلا للإطعام لكان الأولى بأن(٤) يطعمه الله تعالى.
١ في الأصل وم: الناس..
٢ في الأصل وم: المحض على أهله بالإطعام.
٣ في الأصل وم: أطعمه..
٤ في الأصل وم: من..
الحاقة 69:35
تعالى، ورجاء الثواب في الآخرة، والكافر غير مؤمن بالجزاء؛ ليحمله ذلك على الإطعام، وليس هو بكسب يرغب فيه من مكاسب الدنيا؛ فكأنه يقول: إن الذي أفضى به إلى النار تركه الإيمان باللَّه - تعالى - أو بالبعث.
ويجوز أن يكون قوله: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) إثبات السخرية من الذي ترك الحض على أهله بالإطعام؛ كقوله: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ)، يقول: كيف أطعمه ومن بيده خزائن السماوات والأرض لا يطعمه؟! فلو كان أهلًا للإطعام لكان الأولى من يطعمه هو اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) أي: قريب يرجو منه، وهو كقوله: (فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)، فليس له قريب يرجوه، أو ينفعه ذلك الحميم، وقد كان له في الدنيا حميم ينتفع به ويرجو منه.
وقوله: (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) وقال في موضع آخر: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ)، وقال في موضع آخر: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ)، والزقوم غير الضريع؛ فهذا - واللَّه أعلم - يدل أن في جهنم دركات، فأهل دركة منها لا يجدون غير الغسلين، وأهل دركة منها يجدون غير ذلك، وأهل دركة منها طعامهم الزقوم، ليس لهم غيره، وإلا لو لم يحمل الأمر على هذا، أوجب ما ذكرناه اختلافًا، فيخرج أن يكون من عند اللَّه بقوله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).
ثم يجوز أن يكون قدر لأهل كل دركة ما توجبه الحكمة أن يكون ذلك طعامهم؛ فعلى ما كانوا يفتخرون في هذه الدنيا بالأطعمة على من دونهم، ويهينون من لم يكن عنده ذلك الطعام، جعل اللَّه - تعالى - لهم من ذلك الوجه طعامًا في الجحيم يهانون به.
وقال الحسن: إن القرآن كله كسورة واحدة، والسورة كأنها آية واحدة، فكأنه جمع بين هذه الأشياء كلها في آية واحدة فقال: (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ)، (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ)، و (مِنْ زَقُّومٍ) وإذا حمل على ما ذكر ارتفع توهم التناقض، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) فجائز أن يكون هذا اسمًا لشيء من الأشياء التي يعذب بها أهل النار، لم يطلع اللَّه - تعالى - الخلق على علم ذلك ومعرفته في الدنيا،
الحاقة 69:36
الآية ٣٦ وقوله تعالى :﴿ولا طعام إلا من غسلين﴾ كقوله تعالى في موضع آخر :﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ [الغاشية: ٦] وقوله تعالى في موضع آخر :﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون﴾ ﴿لآكلون من شجر من زقوم﴾[ الواقعة : ٥١و ٥٢ ] والزقوم غير الضريع.
فهذا، والله أعلم، أن في جهنم دركات، فأهل دركة منها، لا يجدون غير الغسلين، وأهل دركة منها، طعامهم الزقوم، ليس لهم غيره، وإلا لو لم يحمل الأمر على [ هذا ] (١) لوجب ما ذكرناه اختلافا، فيخرج أن يكون من عند الله بقوله تعالى :﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [ النساء ٨٢ ].
ثم يجوز أن يكون قدر كل أهل دركة ما توجبه الحكمة أن يكون طعامهم. فعلى ما كانوا يفتخرون في هذه الدنيا بالأطعمة على من دونهم، ويهينون من لم يكن عنده ذلك الطعام، جعل الله تعالى لهم من ذلك الوجه طعاما في الجحيم، يهانون به.
وقال الحسن : إن القرآن كله كسورة واحدة، والسورة كأنها آية واحدة، فكأنه جمع بين هذه الأشياء كلها في آية واحدة، فليس لهم طعام إلا من غسلين، وليس لهم طعام إلا من ضريع ومن زقوم. وإذا حمل على ما ذكر ارتفع توهم التناقض، والله اعلم.
وقوله تعالى :﴿إلا من غسلين﴾ جائز أن يكون هذا (٢)اسما لشيء من الأشياء التي يعذب بها أهل النار، لم يطلع الله تعالى الخلق على علم ذلك ومعرفته، وقد ذكر أسامي في الآخرة، ليس للخلق بمعرفتها عهد.
ألا ترى أن الزقوم ليس باسم لشيء يستقبح، ويستفظع في الدنيا، ثم جعله الله تعالى اسما لشيء المستبشع الكريه في الآخرة، وقال ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلا﴾ [الإنسان: ١٨] والسلسبيل غير معروف في ما بين أهل اللسان ؟.
وقال بعضهم : الغسلين ما يسيل من جلود أهل النار إذا عذبوا، وذلك هم الصديد والقيح.
وجائز أن يكون إذا اشتد حرهم استغاثوا إلى الله تعالى، وطلبوا منه يرجون أن يرفع عنهم الحر، فيصب عليهم ما يزيد في عذابهم، فيسمى ما يزول عنهم غسلينا، والله أعلم.
١ في الصل وم: وقال..
٢ في الأصل وم: هذه.
الحاقة 69:37
وقد ذكر أسامي في الآخرة ليس للخلق بمعرفتها عهد؛ ألا ترى أن الزقوم ليس باسم لشيء يستقبح ويستفظع في الدنيا، ثم جعله اللَّه - تعالى - اسمًا للشيء المستبشع الكريه في الآخرة، وقال (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا)، والسلسبيل غير معروف فيما بين أهل اللسان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار إذا عذبوا، وذلك هو الصديد والقيح.
وجائز أن يكون إذا اشتد حرهم استغاثوا إلى اللَّه - تعالى - وطلبوا منه ما يرجون أن يرفع عنهم الحر، فيصب عليهم ما يزيد في عذابهم؛ فيسمى ما يزول عنهم: غسلينا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) فهم الذين قال: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ).
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا) لا يجوز أن تكون السلسلة تفضل عن أبدانهم فتأخذ فضل مكان من جهنم؛ لأنه - تعالى - وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولو كانت تلك السلسلة آخذة فضل مكان، لكان لا يقع الامتلاء بالجنة والناس أجمعين فقط، فيؤدي إلى خلف الوعد، واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يخلف الميعاد، ولكن إن كانت تلك السلسلة أطول من أبدانهم فهي تدار على أهلها؛ ليقع لهم بها فضل تضييق وغم، فأمّا أن تفضل عن أبدانهم فلا يحتمل.
وذكر عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا؛ فإنه أهون -أو قال: أيسر- عليكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم القيامة؛ (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) ".
وعن الحسن أنه قال: " إن المؤمن قوام نفسه، يحاسب نفسه لله - تعالى - وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ لأن المؤمن يفجؤه الشيء فيقول: واللَّه إني لأستهينك وإنك لمن حاجتي، ولكن واللَّه ما لي من صلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء؛ فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت هذا، ما لي ولهذا، والله ما أعذر، واللَّه لا أعود لهذا إن شاء اللَّه - تعالى - إن المؤمنين قوم أوثقهم العذاب،
الحاقة 69:38
وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسِير في الدنيا يسعى في فكاك نفسه، لا يأمن شيئًا حتى يلقى اللَّه يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها.
فمحاسبة النفس: أن ينظر في كل فعل يريد أن يقدم عليه إلى عاقبته، فإن كان رشدًا أمضاه وأنفذه، وإن كان غيًّا انتهى عنه، كما قال النبي - عليه السلام -: " إذا أردت أمرًا فدبّر عاقبته، فإن كان رشدًا فأمضه، وإن كان غيًّا فانته عنه ".
وقال في خبر آخر: " إن المؤمن وقَّاف وزان "، ووزنه: ما ذكر في الخبر الأول من النظر في العواقب، فإذا نظر في العاقبة، ورأى الرشد في إنفاذه، فقد وزنه، وإذا رأى خلاف الرشد، انتهى عنه، ولم يقدم عليه، فذلك وقفه، فهذا الذي ذكرنا محاسبة المرء نفسه فيما يروم من الأمور.
ومحاسبة نفسه في الأفعال التي ارتكبها وأمضاها أن ينظر: فإن كان ارتكب محرمًا، تاب عنه، واستغفر لله - تعالى - لعله بفضله يمن عليه بالمغفرة، وإن كان ذلك فعلًا مرضيًا حمد اللَّه - تعالى - وسأله التوفيق بمثله؛ فهذه هي محاسبة العبد لنفسه فيما ارتكب من الأفعال.
* * *
قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ): قد وصفنا أن تأويل قوله: (فَلَا أُقْسِمُ) أي: فلا أقسم بما تبصرون من خلق السماوات والأرضين وأنفسكم، وما لا تبصرون في أنفسكم من الأسماع، والأبصار، والقلوب، والعقول.
أو ما تبصرون من الخلائق ممن حضركم، وما لا تبصرون من الخلائق ممن غاب عنكم، فيكون القسم بما نبصر وما لا نبصر قسم بالخلائق أجمع؛ لأن جملة الخلائق على هذين الوجهين، فصنف منهم يرى، وصنف لا يرى، وقد ذكرنا أن القسم من اللَّه - عز وجل - لتأكيد ما يقصد إليه مما يعرف بالتدبر والتأمل.
الحاقة 69:39
الآيتان ٣٨ و ٣٩ وقوله تعالى :﴿فلا أقسم بما تبصرون﴾ ﴿وما لا يبصرون﴾ قد وصفنا أن تأويل قوله :﴿فلا أقسم بما تبصرون﴾ من خلق السماوات والأرض وأنفسكم من الأسماع والأبصار والقلوب والعقول، أو ما تبصرون من الخلائق ممن حضركم ﴿وما لا تبصرون﴾ من الخلائق إن غاب عنكم.
فيكون القسم بما نبصر وما لا نبصر قسما(١) بالخلائق أجمع، لأن جملة الخلائق على هذين الوجهين : فصنف يرى، وصنف لا يرى. وقد ذكرنا أن القسم من الله عز وجل لتأكيد ما يقصد إليه مما يعرف بالتدبر والتأمل.
١ في الأصل وم: قسم.
الحاقة 69:40
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) أي: الذي تسمعونه منه تسمعون من رسول كريم، ثم ذكر - هاهنا - أنه قول رسول كريم، وقال في موضع آخر: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، فذكر - هاهنا -: كلام اللَّه، وذكر في الآية الأولى: أنه قول رسول كريم، فأما ما أضيف إلى الرسول فهو من حيث بلوغنا إليه من جهة الرسول، لا بأمر غيره وصلنا إليه، وأضيف إلى اللَّه - تعالى - لأن مجيئه وبدأه من عنده، وأضيف إلى الرسول؛ لأن ظهوره في حقنا كان به، وهذا كما أضيف ما وعاه القلب إلى الأذن بقوله: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)؛ لأنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن؛ فعلى ذلك أضيف القول إلى الرسول من حيث كان سماع الخلق من جهة الرسول، عليه السلام.
ثم الأصل أن الكلام والقول لا يسمعان، وإنَّمَا المسموع منهما الصوت الذي يعرف الكلام والقول به، ويدل عليه، لا أن يكون كلامه في الحقيقة صوته، فينسب أيضًا هذا القرآن إلى كلام اللَّه - تعالى - لما يدل على كلامه، لا أن يكون المسموع -في الحقيقة- هو كلامه وجائز أن يكون تأويل قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، أي: إن الذي سمعتموه من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أتاكم به لقول تلقاه من عند اللَّه الرسولُ الكريم، فيذكرهم هذا ليؤمنهم من تخليط يقع فيه من الشياطين وغيرهم من الأعداء.
ثم جائز أن يكون الرسول الكريم هو جبريل - عليه السلام - كما قال - تعالى - في سُورَةِ: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ): (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ).
ويحتمل أن يكون الرسول الكريم هو محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والأشبه أن يكون هو المراد؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالته، ولم يكونوا يقولون في جبريل - عليه السلام - شيئًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) أي: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، ليس بقول شاعر، ولا بقول كاهن.
ثم قوله: [(قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)] يحتمل أن يكون تأويله: فبقليل ما تؤمنون، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول، فالقليل الذي آمنوا به وتذكروا فيه هو الذي كان راجعًا إلى منافعهم، فأما الذي كان عليهم فهم لم يؤمنوا به ولا تذكروا فيه، وإذا كان تأويله ما ذكرنا، فانتصاب القليل؛ لانتزاع حرف الخافض، وفي الحقيقة انتصابه
الحاقة 69:41
الآيتان ٤١ و٤٢ وقوله تعالى :﴿وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون﴾ ﴿ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون﴾ أي إن هذا القرآن لقول رسول كريم، ليس بقول شاعر ولا بقول كاهن.
ثم قوله تعالى :﴿قليلا ما تذكرون﴾ وقوله (١) :﴿قليلا ما تؤمنون﴾ يحتمل أن يكون تأويله : فبقليل ما تؤمنون، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول.
والقليل الذي آمنوا به، وتذكروا فيه، هو الذي كان راجعا إلى منافعهم.
فأما الذي كان عليهم فهم لم يؤمنوا به، ولا تذكروا فيه.
وإذا كان تأويله ما ذكرنا فانتصاب القليل لا ينزع حرف الخافض، وفي الحقيقة انتصابه لكونه مصدرا، وهو المفعول المطلق.
وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قوم الكاهن والشاعر (٢)، وتأويله أن الأمر(٣) لو كان على ما يزعمون بأنه قول كاهن وقول شاعر(٤) فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ؟ وتعلمون أن الشاعر(٥)، وإن كان الغالب عليه الكذب في ما يأتي، فقد يصدق في القليل منه ؟ وكذلك الكاهن، فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ؟ وأنتم تعلمون أنه صادق.
فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن يصدقوه (٦)، وإن كان على التأويل الأول ففيه إضمار أنهم يؤمنون إلا بالقليل منه والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: والساحر..
٣ في الأصل وم: الأمور..
٤ في الأصل وم: ساحر..
٥ في الأصل وم: الساحر..
٦ من م، في الأصل: يصدقون..
الحاقة 69:42
الآيتان ٤١ و٤٢ وقوله تعالى :﴿وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون﴾ ﴿ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون﴾ أي إن هذا القرآن لقول رسول كريم، ليس بقول شاعر ولا بقول كاهن.
ثم قوله تعالى :﴿قليلا ما تذكرون﴾ وقوله (١) :﴿قليلا ما تؤمنون﴾ يحتمل أن يكون تأويله : فبقليل ما تؤمنون، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول.
والقليل الذي آمنوا به، وتذكروا فيه، هو الذي كان راجعا إلى منافعهم.
فأما الذي كان عليهم فهم لم يؤمنوا به، ولا تذكروا فيه.
وإذا كان تأويله ما ذكرنا فانتصاب القليل لا ينزع حرف الخافض، وفي الحقيقة انتصابه لكونه مصدرا، وهو المفعول المطلق.
وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قوم الكاهن والشاعر (٢)، وتأويله أن الأمر(٣) لو كان على ما يزعمون بأنه قول كاهن وقول شاعر(٤) فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ؟ وتعلمون أن الشاعر(٥)، وإن كان الغالب عليه الكذب في ما يأتي، فقد يصدق في القليل منه ؟ وكذلك الكاهن، فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه ؟ وأنتم تعلمون أنه صادق.
فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن يصدقوه (٦)، وإن كان على التأويل الأول ففيه إضمار أنهم يؤمنون إلا بالقليل منه والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: والساحر..
٣ في الأصل وم: الأمور..
٤ في الأصل وم: ساحر..
٥ في الأصل وم: الساحر..
٦ من م، في الأصل: يصدقون..
الحاقة 69:43
لكونه مصدرًا، وهو المفعول المطلق.
وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قول: الكاهن والساحر، وتأويله: أن الأمور لو كانت على ما تزعمون بأنه قول كاهن وقول ساحر، فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه، وقد تعلمون أن الساحر وإن كان الغالب عليه الكذب فيما يأتي، فقد يصدق في القليل منه، وكذلك الكاهن، فما لكم لا تصدقون بالقليل منه، وأنتم تعلمون أنه صادق، فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن يصدقوه.
وإن كان على التأويل الأول، ففيه إضمار أنهم لا يؤمنون إلا بالقليل منه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) فالتنزيل في الحقيقة لا يحتمل أن يسمع؛ لأنه إخبار عن فعله، وإنما الذي يسمع منه هو المنزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ثم أضاف إلى نفسه التنزيل؛ ليعلم أن هذه الأخبار، وهي قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَنْزِيلٌ) خرجت على المجاز، ليس على التحقيق؛ لأن التنزيل هو إنزاله، فسمي: تنزيلًا؛ لأنه هو الذي كلفه الإنزال، لا أن يكون هو الذي تولى الإنزال، وإن كان هو خالقه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) فهذا عطف على ما تقدم من قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ)، وعليه وقوع القسم، وهو موضعه؛ فكأنه يقول: إن الذي تلقاه من عند رسول كريم، وما هو بقول تلقاه من كاهن أو ساحر، ولا بقول تقوله علينا، ولو تقول، لأخذنا منه باليمين.
ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن الذي يسمعون منه رسول كريم، وليس بشاعر، ولا كاهن، ولا متقول؛ لأنهم كانوا مرة ينسبونه إلى الكهانة، ومرة إلى السحر، ومرة أنه تقوله على اللَّه، ولو تقول (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) يبين أن عذاب اللَّه بأخص عباده أسرع وقوعًا إذا هم خالفوا، وزلوا - منه بأعدائه؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) فبين أنه لو وجد منه شيء مما قالوا فيه، لأخذه على المكان؛ ألا ترى إلى آدم - عليه السلام - وما حل به عندما ابتلي بالزلة والخلاف، وكذلك يونس - عليه السلام - وما عوتب على أثر الزلة؛ وهذا لأن عذاب الأولياء يخرج مخرج التنبيه، والتذكير، والاستدعاء إلى ما كانوا عليه من الطاعة، والانقياد قبل ارتكابهم الزلة، ولا كذلك عذاب الأعداء، فأخر عذابهم إلى اليوم الذي يدوم عليهم فيه العذاب.
الحاقة 69:44
الآية ٤٤ وقوله تعالى :﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ فهذا على ما تقدم من قوله :﴿إنه لقول رسول كريم﴾ ﴿وما هو بقول شاعر﴾ [ الآيتان ٤٠ و ٤١ ] وعليه وقوع القسم، وهو موضعه، فكأنه يقول : إن الذي تلقاه من عنده رسول كريم، وما هو بقول، تلقاه من كاهن أو شاعر (١)، ولا بقول تقوّله علينا ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ ﴿ثم لقطعنا منه الوتين﴾ الآيتان : ٤٥ و٤٦ ].
ويحتمل وجها آخر، وهو أن الذي يسمعون منه رسول كريم، وليس بشاعر ولا كاهن ولا متقول، لأنهم كانوا مرة ينسبونه إلى الكهانة ومرة إلى السحر ومرة أنه تقوّله على الله ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ يبين أن عذاب الله بأخص عباده أسرع وقوعا، إذ هم خالفوه، وزلوا، منه بأعدائه.
ألا ترى إلى قوله عز وجل :﴿لأخذنا منه باليمين﴾ فتتبين أنه لو وجد منه شيء مما قالوا لأخذه(٢) على المكان ؟
ألا ترى إلى آدم عليه السلام وما حل به عندما ابتلي بالزلة والخلاف ؟ وكذلك يونس عليه السلام وما عوقب به على إثر الزلة ؟ وهذا لأن عذاب الأولياء يخرج مخرج التنبيه والتذكير والاستدعاء إلى ما كانوا عليه من الطاعة والانقياد قبل ارتكابهم الزلة، ولا كذلك عذاب الأعداء [ إذ أخر ](٣) عذابهم إلى اليوم الذي يدوم عليهم فيه العذاب.
وفيه وجه آخر، وهو أن الذي سمعتموه(٤) منه لو كان سحرا أو شعرا أو كهانة أو تقولا(٥) لكان لا يمهله الله تعالى، بل يؤاخذه على [ ما كان منه ](٦) من غير عجز (٧) كما قال :﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ [ الآية ٤٧ ] فإمهاله دل على أن الأمر ليس كما قالوا، بل هو ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ [ الآية : ٤٣ ].
١ في الأصل وم: ساحر..
٢ من م، في الأصل: لأخذناه..
٣ في الأصل وم: فأخر..
٤ في الأصل وم: سمعتم.
٥ في الأصل وم: تقولة.
٦ في الأصل وم: المكان..
٧ في الأصل وم: ان عجزوا..
الحاقة 69:45
الآية ٤٥ وقوله تعالى :﴿لأخذنا منه باليمين﴾ فأخذ الله تعالى عذابه وعقوبته كقوله تعالى ﴿فأخذناهم بالبأساء والضراء﴾ [الأنعام: ٤٢] وقوله عز وجل ﴿فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ الأعراف : ٩٥.
وقوله تعالى :﴿باليمين﴾ أي بالقوة، أي لا يعجزنا (١) منه شيء، ولا يفوتنا عذابه كقوله تعالى :﴿وما هم بمعجزين﴾ [الزمر: ٥١] وكقوله تعالى :﴿وما نحن بمسبوقين﴾ [ الواقعة ٦٠ والمعارج : ٤١ ] أي لا يعجزنا ما عنده من الشرف والقوة من أن نؤاخذه، وننزل عليه النقمة.
وجائز أن يكون اليمين صلة القول لا على تحقيق اليد، فذكر اليمين لأن التأديب في الشاهد والأخذ، يقع بها، وهو كقوله تعالى :﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ [الحج: ١٠] فأضاف التقدم إلى اليد لا على تحقيق اليد، إذ يجوز ألا يكون ليديه بما قدم صنع، لكن لما كان التقديم في الشاهد يقع بالأيدي. فذكرت اليدان على ذلك لا على تحقيق الفعل بهما. فكذلك يجوز أن تكون اليمين ذكرت لما بها يقع الأخذ والتأديب في الشاهد، وإن لم يكن هنالك يمين والله أعلم.
واليمين القوة، وسميت اليمين يمينا لأن قدرة الرجل تكون فيها، وسمي ملك الرقاب ملك اليمين لأن ملك اليمين يكتسب بالقهر والغلبة، وإنما يصل المرء إلى القهر والغلبة بالقوة، فسمي ملك يمين لهذا، لا أن يراد بذكر اليمين تحقيق اليمين، إذ اليد لا تملك شيئا حتى يضاف إليها، فكذلك في ما أضيف من اليمين إلى الله تعالى، فالمراد منه القوة.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: يعجزه ما..
الحاقة 69:46
وفيه وجه آخر: وهو أن الذي سمعتم منه لو كان سحرًا أو شعرًا أو كهانة أو تقوَّله، لكان لا يمهله اللَّه - تعالى - بل يؤاخذه على المكان من غير أن حجزوا، كما قال: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)، فإمهاله دل على أن الأمر ليس كما قالوا، بل هو تنزيل من رب العالمين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) فأخذ اللَّه - تعالى -: عذابه وعقوبته؛ كقوله - تعالى -: (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً).
وقوله: (بِالْيَمِينِ) أي: بالقوة؛ أي: لا يعجزنا عنه شيء، ولا يفوتنا عذابه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ)، وهو كقوله - تعالى -: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ)، أي: لا يعجزنا ما عنده من الشرف والقوة من أن نؤاخذه، وننزل عليه النقمة.
وجائز أن يكون اليمين صلة القول، لا على تحقيق اليد، فذكر اليمين؛ لأن التأديب في الشاهد والأخذ يقع بها، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ)، فأضاف التقديم إلى اليد، لا على تحقيق اليد؛ إذ يجوز ألا يكون ليديه بما قدم صنع، لكن لما كان التقديم في الشاهد يقع بالأيدي، فذكرت اليدان على ذلك، لا على تحقيق الفعل بهما، فكذلك يجوز أن تكون اليمين ذكرت؛ لما بها يقع الأخذ والتأديب في الشاهد، وإن لم يكن هناك يمين، واللَّه أعلم.
واليمين: القوة، وسمّيت اليمين: يمينًا؛ لأن قدرة الرجل تكون فيها، وسمي ملك الرقاب: ملك يمين؛ لأن ملك اليمين يكتسب بالقهر والغلبة، وإنَّمَا يصل المرء إلى القهر والغلبة بالقوة؛ فسمي: ملك يمين لهذا، لا أن يراد بذكر اليمين تحقيق اليمين؛ إذ اليد لا تملك شيئًا حتى يضاف إليها، فكذلك فيما أضيف من اليمين إِلى اللَّه - تعالى - فالمراد منه القوة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) قيل: الوتين: عرق في القلب.
وقيل: حبل في القلب.
الحاقة 69:47
وقيل: هو العرق الذي إذا قطع مات صاحبه، وهو عرق متصل بالظهر، فكأنه قال: نعذبه عذابًا لا بقاء له مع ذلك العذاب، وهذا من أعظم آيات الرسالة في أنهم متى زلوا أخذوا على المكان، ويكون فيه أمان الخلق عن إحداث التغيير والتبديل من الرسل؛ لأنهم لو غيروا لعذبوا.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْهُ بِالْيَمِينِ) فجائز أن يكون قوله: (مِنْهُ) زيادة في الكلام، وحقه الإسقاط، ويكون معناه: لأخذناه باليمين.
وجائز أن يكون معناه: لأخذنا من تقوله وسحره وكهانته باليمين، فإن كان على هذا فحقه الإثبات، وليس بصلة زائدة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)، ففي هذا يأس منه لأُولَئِكَ الكفرة؛ لأنهم كانوا يطمعون من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اتباعهم وموافقتهم على ملتهم؛ فأخبر أنه لو أجابهم لقطع منه وتينه، وأخذه أخذًا لا يملكون منع ذلك عنه، ولا دفعه، ولم يكن أحد ينصره عند ذلك أو يحجزه عنا، وهو كقوله - تعالى - (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ...) إلى قوله: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) فالمتقون: الموحّدون، فسمَّاهم مرة: متقين، ومرة: صابرين شاكرين؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، وهو تذكرة؛ لأنه يذكرهم الوعد والوعيد، وما يتقى وما يؤتى، وغير ذلك، فهو تذكرة، يعني: القرآن.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) أي: بآياتي ورسلي، ثم نمهلكم، فهو صلة قوله: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) فبيَّن أنه مع كذبهم بآياته ورسله يمهلهم، ولا يعجل عليهم بالعقوبة، ولو وجد التقول من الرسول، لكان يستأصله، ويقطع وتينه، فهو على ما ذكرنا: أن عذابه على خواص عباده أسرع وقوعًا إذا خالفوا منه بأعدائه.
وجائز أن يكون قوله: (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ) هم المنافقون؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بألسنتهم، ويخالفونه ويكذبونه بقلوبهم؛ فيكون هذا التأويل
الحاقة 69:48
الآية ٤٨ وقوله تعالى ﴿وإنه لتذكرة للمتقين﴾ فالمتقون هم الموحدون، فسماهم مرة متقين ومرة صابرين ومرة شاكرين كقوله عز وجل ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ [إبراهيم: ٥] وهو تذكرة لأنه يذكرهم الوعد والوعيد وما يتقى وما يؤتى وغير ذلك. فهو تذكرة، يعني القرآن.
الحاقة 69:49
الآية ٤٩ وقوله تعالى :﴿وإنا لنعلم أن منكم مكذبين﴾ أي بآياتي ورسلي ثم نمهلكم(١)،
، فهو صلة قوله :﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل﴾ [ الآية : ٤٤ فبين أنه مع كذبهم بآياته ورسله يمهلهم، ولا يعجل عليهم بالعقوبة، ولو وجد التقول من الرسول لكان يستأصله، ويقطع وتينه.
فهو على ما ذكرنا أن عذابه على خواص عباده أسرع وقوعا، إذا خالفوا، منه بأعدائه.
وجائز أن يكون [ قوله عز وجل ] (٢)﴿وإنا لنعلم أن منكم مكذبين﴾ هم المنافقون لأنهم كانوا يظهرون /٥٩٤-ب/الموافقة لرسول الله ﷺ بألسنتهم، ويخالفونه، ويكذبونه، بقلوبهم، فيكون هذا التأويل راجعا إلى أهل النفاق.
والتأويل الأول إلى أهل الكفر الذين أظهروا التكذيب.
١ من م، الأصل: يهلكهم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
الحاقة 69:50
راجعًا إلى أهل النفاق، والتأويل الأول إلى أهل الكفر الذين أظهروا التكذيب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) أي: العذاب حسرة عليهم يوم القيامة؛ لأنه شافع مشفع لمن اتبعه وعمل بما فيه، وما حل، مصدق لمن نبذه وراء ظهره ولم يعمل به، فهو حسرة عليهم؛ لأنه يخاصمهم، فيخصمهم ويشهد عليهم، فيصدق في شهادته.
أو يذكرون يوم القيامة معاملتهم بالقرآن، فيندمون عليه، ويزيدهم حسرة؛ لأنهم كانوا إذا تلي عليهم القرآن في الدنيا ازدادوا عند تلاوته ضلالًا وكفرًا، وازدادوا به رجسًا إلى رجسهم، كما قال اللَّه تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)، وهو ليس بسبب لازدياد الرجس، ولكنهم كانوا يحدثون زيادة تكذيب وضلال عند التلاوة؛ فأضيفت الزيادة إلى القرآن؛ إذ كان القرآن هو الذي يحملهم على زيادة التكذيب؛ فهذه المعاملة تزيدهم حسرة يوم القيامة؛ فأضيفت إلى القرآن؛ إذ كان القرآن هو الذي عنده وقعوا فيه، كما أضيف الرجس إليه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) والأصل: أن الحق اسم لما يحمد عليه، فحقه أن ينظر فيما تستعمل هذه اللفظة، فيصرفها إلى أحمد الوجوه، فإذا استعملت في الإخبار أريد بها الصدق؛ نحو أن يقال: " هذا خبر حق "؛ أي: صدق، وإذا استعملت في الحكم أريد بها: العدل، وإذا استعملت في الأقوال والأفعال، أريد بها: الإصابة؛ فقوله: (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) أي: صدق ويقين أنه من رب العالمين، فهو صلة قوله - عز وجل -: (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) قيل: صَلِّ.
وقيل: اذكره بالاسم الذي إذا سميت كان تسبيحًا، أي تنزيهًا عن كل ما قالت فيه الملاحدة، وما نسبت إليه مما لا يليق به، واللَّه الهادي وعليه التكلان.
* * *
الحاقة 69:51
الآية ٥١ وقوله تعالى :﴿وإنه لحق اليقين﴾ والأصل أن الحق اسم لما يحمد عليه، فحقه أن تنظر في ما تستعمل هذه اللفظة فتصرفها على أحد الوجوه :
فإذا استعملت في الأخبار أريد بها الصدق نحو أن يقال : هذا خبر حق أي صدق. وإذا استعملت في الحكم أريد بها العدل. وإذا استعملت في الأقوال والأفعال أريد بها الإضافة.
فقوله تعالى :﴿وإنه لحق اليقين﴾ أي صدق، ويقين أنه من رب العالمين. فهو صلة قوله عز وجل ﴿تنزيل من رب العالمين﴾ [ الآية ٤٣ ].
الحاقة 69:52
الآية ٥٢ وقوله تعالى ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ قيل : صل، وقيل : اذكره بالاسم الذي إذا سميت كان تسبيحا أي تنزيها عن كل ما قالت فيه الملاحدة، وما نسبت إليه، مما لا يليق به والله اعلم(١).
١ في م: الهادي، وعليه التكلان.
المعارج 70:1
سُورَةُ الْمَعَارِجِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ) قرئ بتسكين الألف، ومعناه: سَالَ واد بعذاب واقع للكافرين، أي: جرى واد بعذاب واجب.
والقراءة العامة بالهمزة من السؤال، وتأويله على سؤال القوم العذاب بقولهم: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، وقولهم: (عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا).
وقيل: هو النضر بن الحارث، سأل ذلك، فقتل يوم بدر بعدما أسر؛ هكذا قال بعض أهل التأويل.
ولكن عندنا أن هذا وإن كان في الظاهر خارجًا مخرج السؤال، لكن لم يكن سؤاله هذا لينزل به العذاب في التحقيق، وإنَّمَا هذا منه على جهة الاستبعاد بالعذاب والاستهزاء برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والذي حملهم على الاستبعاد والإنكار هو أنه كان عند أهل مكة: أنه لو كان فيهم نبي، لكانوا هم أحق بالنبوة من رسول اللَّه - عليه السلام - لأنهم هم الذي بسطت لهم الدّنيا، وهم الذين لهم نفاذ الكلام في البلاد، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم تبسط له الدنيا، ولا كان لكلامه فيما بينهم نفاذ، فيظنون بهذا أنهم أقرب منزلة عند اللَّه - تعالى - من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه لا يستقيم في العقل أن يصل الولي إلى عدوه، ويحسن إليه ويدع صلة وليه ويجفوه، فهذا الظن الذي ذكرنا هو الذي حملهم على تكذيب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يخبرهم من حلول العذاب بالتكذيب، وعلى الاستهزاء به، فكان سؤال السائل على جهة الاستبعاد والإنكار للعذاب، لا أن كانوا مقرين به ثمّ استعجلوه.
وذكر أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أبرنا قسمًا، وأوصلنا رحمًا، وأقرانا للضيف؛ فكان يدعو بهذا لما عنده: أنه أشرف حالًا وأعلى منزلة عند اللَّه - تعالى - من مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأتباعه، ومن كان هذا شأنه، فهو أولى أن ينصر؛ قال اللَّه - تعالى -: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ)، ولو لم يكن عندهم أنهم أقرب منزلة وأحق أن يكونوا أولياء، وإلا لم يكونوا يجترئون أن يسألوا بهذا، فهذه الشبهة التي ذكرناها هي التي أورثت لهم ما ذكرناها من الظن، حتى زعموا أنهم أحق بالرسالة، وظنهم هذا يتولد من ظن إبليس، وذلك أن إبليس قال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)؛ فظن أن أمر الفاضل للمفضول بالسجود في الخضوع له خارج عن حد الحكمة؛ فصار إلى ما صار إليه من الخزي واللعن، فكذلك هَؤُلَاءِ لما رأوا من نفاذ كلمتهم وسعتهم في الدنيا ظنوا أنهم أقرب إلى اللَّه - تعالى - إذ التوسع عندهم دلالة الولاية والقرب.
ثم سفههم هو الذي حملهم على التكبر على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وترك الخضوع، وإلا لو أعطوا النصفة من أنفسهم، لكان يجب أن يكونوا هم أطوع خلق اللَّه - تعالى - لأن الواجب على من كثرت عليه النعم من آخر أن يكون هو أشكر للنعم، وأطوع له فيما يدعوه إليه من الذي قلَّت نعمه عليه، فإذا كانوا مقرين أن نعم اللَّه عليهم أكثر، وإحسانه إليهم أوفر، أوجب ما ذكروا أن يكونوا هم ألزم لطاعته، وآخذ لما يأمرهم به، وكذلك إبليس اللعين إذا رأى لنفسه فضلا، وإنما استوجب ذلك بما أنعم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عليه، كان الحق عليه أن يتسارع إلى طاعته وينقاد لما أمر به، لا أن يظهر الخلاف من نفسه وترك الائتمار بأمره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) أي: هو واقع بهم لا محالة في علم اللَّه تعالى.
المعارج 70:2
أو (وَاقِعٍ) بمعنى: سيقع، كما يقال: قابل: أي: سيقبل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) فإن كان قوله: (لِلْكَافِرِينَ) صلة قوله: (بِعَذَابٍ وَاقِعٍ)، فحقه أن يقول: على الكافرين، ولكن اللام من حروف الإضافة والخفض، وحروف الإضافة مما يستبدل بعضها ببعض؛ فجعل اللام بدلا عن " على ".
وإن كان قوله: (لِلْكَافِرِينَ) صلة قوله: (لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ) فمعناه: أن ليس على الكافرين دافع لعذاب اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بل واقع بهم لا محالة، فأبدلت اللام مكان " عن "؛ لأنهما جميعًا من حروف الخفض.
وقد يدفع العذاب عن المسلمين من وجوه: إما برحمة اللَّه - تعالى - أو بشفاعة الرسل والأخيار، وإما بحسنات سبقت منهم، توجب تكفير سيئاتهم.
فأما الكفار فلا تنالهم رحمته، ولا شفاعة أحد من الخلائق، وليست لهم حسنات تكفر سيئاتهم، فليس لهم ما يدفع عنهم العذاب.
وجائز أن يكون معناه: أن الذين ظنوا أنه ينصرهم عند النوائب وحلول الشدائد، لا يقوم بنصرهم، ولا يشفع لهم؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون الملائكة على رجاء أن يشفعوا لهم، ويقربوهم إلى اللَّه تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) أي: ذلك العذاب لهم من اللَّه - تعالى - ذي المعارج؛ أي: من له المعارج؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)، أي: الذي له العرش.
واختلفوا في المعارج: قَالَ بَعْضُهُمْ: هي المصاعد، وهي السماوات، وسمَّاهن مصاعد؛ لأن بعضها أصعد من بعض وأرفع، ولو قال: ذي المسافل، كان مستقيمًا، واقتضى ما يقتضي قوله: ذي المعارج؛ لأن بعضها إذا كان أصعد من بعض؛ فالذي تحتها أهبط وأسفل، ولكن ذكر المصاعد؛ لأن هذا أعلى في الوصف.
ثم في ذكر هذا عظيم نعمه وإحسانه إلى خلقه؛ حيث خلق السماوات والأرض
المعارج 70:3
الآية ٣ وقوله تعالى :﴿من الله ذي المعارج﴾ أي ذلك العذاب لهم من الله ذي المعارج كقوله تعالى :﴿ذو العرش المجيد﴾ أي الذي له العرش.
واختلفوا في المعارج : قال بعضهم هي (١)المصاعد، وهي السماوات، وسماهن مصاعد لأن بعضها أصعد من بعض وأرفع، ولو قال : ذي المسافل كان مستقيما، واقتضى[ قوله ما يقتضي ](٢) ﴿ذي المعارج﴾ لأن بعضها إذا كان أصعد [ فإن ](٣) الذي تحتها أهبط وأسفل. ولكن ذكر المصاعد لأن هذا أعلى في الوصف.
ثم في ذكر هذا عظم نعمه وإحسانه على خلقه حين (٤) خلق السماوات مسكنا لأهلها، وخلق الأرض مسكنا حتى إذا عرفوا هذا عرفوا أن له أن يفضل بعضا على بعض، وله أن يصطفي من يشاء من الناس للرسالة، ويختص بها، وذكرهم أيضا حكمته وعلمه وقدرته وسلطانه أنه حين (٥) وضع سماء [ على سماء ](٦) وخلقهن طباقا من غير عمد تحتها، تمسكها أو علائق من فوقها، تربطها، يبين(٧) أنه يمسكها بحكمته وقدرته وسلطانه، فيكون في ذكر كل وجه في ما ذكرنا إزالة الشبهة التي اعترضت لهم في أمر البعث والرسالة، وإيضاح بأن من قدر على ما ذكرنا قادر على الإعادة بعد الإفناء.
وقوله :﴿ذي المعارج﴾ المعالي : أي الذي له العلو والرفعة كما قلنا في قوله ﴿الحمد لله﴾ أي لا أحد يستحق الحمد في الحقيقة، وما حمد أحد إلا وذلك في الحقيقة لله تعالى لأنه به استفاده.
فعلى ذلك قولنا : له العلو والرفعة [ يحتمل وجهين :
أحدهما ](٨) أي ليس أحد يستفيد العلو والكرامة إلا وحقيقة ذلك لله تعالى، لأنه استفاده به.
والثاني : أي هو الموصوف بالعلو والجلال عما يقع عليه أوهام الخلق.
١ في الأصل وم: هو..
٢ في الأصل وم: ما يقضي قوله..
٣ في الأصل وم، و..
٤ و ٢٠ في الأصل وم: حيث..
٥ اقطة من الأصل وم: حيث.
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: فئتين..
٨ ساقطة من الأصل وم..
المعارج 70:4
مسكنًا لأهلها، وبسط الأرض مسكنًا لأهلها، حتى إذا عرفوا هذا عرفوا أن له أن يفضل بعضًا على بعض، وله أن يصطفي من يشاء من الناس للرسالة ويختص بها.
وذكرهم - أيضًا - حكمته وعلمه وقدرته وسلطانه حيث وضع سماء على سماء، وخلقهن طباقًا من غير عمد تحتها تمسكها، أو علائق من فوقها تربطها، فتبين أنه يمسكها بحكمته وقدرته وسلطانه؛ فيكون في ذكر كل وجه مما ذكرنا إزالة الشبهة التي اعترضت لهم في أمر البعث والرسالة وإيضاح بأن من قدر على ما ذكرنا لقادر على الإعادة بعد الإفناء.
وقيل: المعارج: المعالي، أي: الذي له العلو والرفعة، كما قلنا في قوله: الحمد لله، أي: لا أحد يستحق الحمد في الحقيقة، وما حمد أحد إلا وذلك في الحقيقة لله - تعالى - لأنه به استفاده، فعلى ذلك قولنا: له العلو والرفعة، أي: ليس أحد يستفيد العلو والكرامة إلا وحقيقة ذلك لله - تعالى - لأنه استفاده به.
والثاني: أي: هو الموصوف بالعلو والجلال عما يقع عليه أوهام الخلق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) يحتمل أن يكون معنى قوله: (تَعْرُجُ) ليس عن هبوط يصعد ويعرج، لكن أنشأهم كذلك معروجين؛ كقوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ)، أي: أنشأهم كذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا)، ليس أنها كانت في موضع منحط فرفعها، لكنه كذلك خلقها مرفوعة؛ فعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ)، أي: أنشأهم كذلك ليستعملهم (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ).
ووجه آخر -وهو الأشبه بالآية-: وهو ما قالوا: إن الملائكة تعرج إليه؛ أي: إلى الموضع الذي منه أرسلهم إلى أنواع الأمور في يوم لو قدر ذلك العروج بعروج البشر وسيرهم، لكان مقدار خمسين ألف سنة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)، وقال في موضع آخر: (أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)، فيحتمل أن يكون هذا الوقت وقت تقدير عروج الملائكة وصعودهم، وهو أن البعض ينزل منهم، ثم يعرج في يوم واحد، مقدار ذلك المسير ألف عام، والبعض منهم ينزل ويعرج في يوم واحد مسيرة خمسين ألف سنة؛ فيكون في هذا إبانة أن ليس أهل سماء أحق أن يدور عليهم تدبير أهل الأرض من أهل سماء؛ بل ينزل أهل سماء إلى أهل الأرض مرة؛ لما يراد من تدبير، وينزل أهل سماء أخرى بتدبير آخر، ثم من أي سماء يرسل، فهو يصعد إلى تلك السماء في يوم واحد، إن أرسل من السماء السابعة أو السادسة أو الأولى، فهو يصعد إليها في ذلك اليوم، فيكون في هذا تبيين قوة بعض الملائكة على بعض: أن فيهم من يسير مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد، وفيهم من يسير مسيرة ألف سنة، ومن قدر على أن يخلق في خلق من خلائقه من القوة ما يقطع هذه المسافة في يوم واحد، لا يحتمل أن يعجزه شيء؛ فيكون في ذكر هذا تحقيق كون ما به هول أمر القيامة والبعث.
وجائز أن يكون قوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) راجعا إلى يوم القيامة، فذكر في موضع أن مقداره ألف سنة، وذكر هاهنا أن مقداره خمسين ألف سنة، والأصل أن ذلك اليوم ليس بذي حد ولا له غاية ينتهى إليها، فما يخبر من الحد فيه، فهو يخرج مخرج تعظيم ذلك اليوم؛ ليقع به التهويل والتقريع، فبأي شيء يعظم ذكره في القلوب يذكره؛ فمرة ذكره بالخلود، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ)، ومرة قال: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا)، ومرة قال: (خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)، ومرة قال: (أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)، إذ هذه الأشياء مما يعظم ذكرها في القلوب، وكذلك الألف هي عظيمة في القلوب، فإذا كانت هذه الأشياء يعظم ذكرها في القلوب فذكر الشيء الواحد من الجملة أو ذكر الأشياء يقتضي معنى واحدا.
المعارج 70:5
ومنهم من يصرف الألف إلى تقدير عروج الخلائق إلى السماء في ذلك اليوم، ويصرف قوله: (خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) إلى تقدير المقام للحساب قبل أن يدخلوا النار.
وجائز أن يكون تأويله على ما ذكره بعض أهل التفسير، وهو أن اللَّه تعالى لو جعل حساب الخلق يومئذ إلى الخلق، فتكلفوا أن يفرغوا من حسابهم، لن يفرغوا منه إلا في مقدار خمسين ألف سنة، لكن اللَّه تعالى بلطفه يحاسبهم حسابا يفرغون منه في أدنى في وقت حتى يصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار في النار؛ على ما جاء في الأخبار، وذلك قوله: (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
فَإِنْ قِيلَ في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)، أن كيف قدر ذلك بصعودنا، ونحن لم يمكن لنا من الصعود، ولم ننشأ على ما في طبعنا إنشاء الصعود حتى ننظر: أنه ألف سنة أو أقل أو أكثر.
وجوابه أن يقال: إن تأويله - واللَّه أعلم -: أنه لو بسط ما بين السماء والأرض، وصار بحيث يمكن السير عليه، لم يقطع ذلك المسير إذا احتجنا إلى قطعه إلا بألف سنة مما تعدون.
وجائز أن يكون تأويله: أن لو جُعل لنا إلى السماء بابٌ، وفتح، وظللنا نعرج إليها لم نتوصل إليها إلا في ألف عام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) قيل: الصبر الجميل هو صبر لا جزع فيه، والصبر الذي لا جزع فيه هو أن يصبر صبرا لا يرى عليه أثر الصبر، بألا يظهر في وجهه كراهة، ولا عبوسة، وهو أن ينظر إلى من آذاه بعين الرضا والشفقة، ليس بعين السخط والكراهة.
أو الصبر الجميل ألا يكافئهم، ولا يدع شفقته ورحمته عليهم بما يؤذونه، وقد كان - عليه السلام - كذلك مشفقا بهم رحيما، حتى بلغت شفقته ورحمته وحزنه على كفار قومه مبلغا كادت نفسه تهلك فيها، كما قال اللَّه، تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ
المعارج 70:6
حَسَرَاتٍ)، وقال: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ)، فالرسل - عليهم السلام - كانوا إذا أوذوا لم يكونوا يحزنون لمكان أنفسهم بما أوذوا، بل كانوا يحزنون لمكان من يؤذيهم خوفا من أن يحل بهم الهلاك والبوار بإيذائهم رسل الله تعالى، وإشفاقهم على قومهم هو الذي كان يحزنهم؛ ليس سوء صنيعهم ومعاملتهم معهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) أي: بعيدا أن يكون، فيكون على النفي والإنكار، وقد يستعمل هذا الحرف في موضع النفي؛ يقول الرجل في المناظرة لصاحبه: أبعدت في القول؛ إذا أجاب بشيء لا ثبات له ولا صحة، فيريد بقوله: " أبعدت ": النفي؛ أي: ليس كما تقول، وقال اللَّه تعالى: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)، ومعناه على نفي النداء؛ أي: لا ينادون.
أو أن يكون قوله: (بَعِيدًا) أي: مستبعدا كونه، فبعد عن أوهامهم حتى أنكروه.
(وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) أي: قريبا كونه، إن كان معنى قوله: (بَعِيدًا) أي: بعيدا كونه.
أو (وَنَرَاهُ قَرِيبًا)، أي: كائنا، وقد قرب وقت وقوع ذلك بهم، وكل ما هو كائن فهو قريب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) فكأنهم سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن الوقت الذي وعدوا أن يقع بهم العذاب متى وقته؟ فنزلت هذه الآية: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ).
وقيل: المهل: عكر الزيت، وهو درديُّه؛ فجائز أن يكون هذا على التحقيق، وهو أنها تتغير في ذلك اليوم من لون إلى لون، فتحمر مرة، وتصفر أخرى؛ لشدة هول ذلك اليوم، فتكون كدردي الزيت لينا ولونا متغيرا من حال إلى حال.
وجائز ألا يحل بها التغير، ولكن شدة ما ينزل بالمرء من الهول والفزع يضعف بصره حتى يرى السماء على خلاف اللون الذي هي عليه، وهو كما يرى المرء إذا حل به
المعارج 70:7
الآية ٧ [ وقوله تعالى ](١) :﴿ونراه قريبا﴾ أي قريبا كونه إن كان معنى قوله :﴿بعيدا﴾ أي بعيدا كونه، ﴿ونراه قريبا﴾ أي كائنا، وقد قرب وقت وقوع ذلك بهم. وكل ما هو كائن، فهو قريب.
١ ٤٠ ساقطة من الأصل وم..
المعارج 70:8
الآيتان ٨ و٩ وقوله تعالى :﴿يوم تكون السماء كالمهل﴾ [ ﴿وتكون الجبال كالعهن﴾ ] (١) فكأنهم سألوا رسول الله ﷺ عن الوقت الذي وعدوا أن يقع بهم العذاب : متى وقته ؟ فنزلت [ هاتان الآيتان ] (٢) وقيل : المهل : عكر الزيت، وهو درديه.
فجائز أن يكون هذا على التحقيق، وهو أنها تتغير في ذلك اليوم من لون إلى لون، فتحمر مرة، وتصفر أخرى لشدة هو ذلك اليوم، فتكون كدردي الزيت لينا ولونا متغيرا من حال إلى حال.
وجائز ألا يحل بها التغيير، ولكن شده ما ينزل بالمرء من الهول والفزع تضعف بصره حتى يرى السماء على خلاف اللون الذي هي عليه، وهو كما ترى المرء إذا حل به الضعف والمرض في الشاهد وجد (٣) طعم الأشياء على خلاف ما هي عليها. فيكون في ذكر هذا تهويل وتفزيع.
إن هول ذلك اليوم شديد، لا تقوم لهوله (٤) السماوات والأرضون مع صلابتها وغلظها في نفسها، فكيف يقوم لهوله (٥) الآدمي الموصوف بالضعف واللين ؟
وجائز على ما ذكرنا [ أنها تصير شبيهة ] (٦)بالمهل للينها ورخوتها، وأنها تلين، وترخو، من هول ذلك اليوم حتى تصير السماء كالمهل والجبال كالعهن، فيكون في هذا تهويل ليرجعوا عما هم فيه، ويقبلوا على عبادة الله تعالى، ويتسارعوا إلى طاعته.
وتأويل العهن ووجه تشبيه الجبال بها، يذكر بعد هذا في قوله :﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥].
١ ي الأصل وم: هذه الآية.
٢ في الأصل وم: هذه الآية.
٣ في الأصل وم: ووجه.
٤ في الأصل وم: لهولها..
٥ في الأصل وم: لهولتها..
٦ في الأصل وم: انه يصير شبيها..
المعارج 70:10
الضعف والمرض في الشاهد، ووجد طعم الأشياء على خلاف ما هي عليها؛ فيكون في ذكر هذا تهويل وتفزيع أن هول ذلك اليوم شديد لا تقوم لهوله السماوات والأرضون مع صلابتها وغلظها في نفسها، فكيف يقوم لهولها الآدمي الموصوف بالضعف واللين.
وجائز أن تكون على ما ذكرنا أنها تصير شبيهة بالمهل؛ للينها ورخاوتها، وهو أنها تلين وترخو من هول ذلك اليوم حتى تصير السماء كالمهل، والجبال كالعهن؛ فيكون في هذا - أيضا - تهويل؛ ليرجعوا عما هم عليه ويقبلوا على عبادة الله تعالى، ويتسارعوا إلى طاعته.
وتأويل العهن، ووجه تشبيه الجبال بها يذكر بعد هذا في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) قرئ برفع الياء ونصبها، فمن رفع الياء فتأويله: أي: لا يطلب حميم من حميم، ولا يؤخذ بمكانه كما يفعل مثله في الدنيا؛ لأن ذلك اليوم هو يوم العدل، وليس من العدل أن يؤخذ الغير بذنب الغير.
ومن قرأه بالنصب فتأويله: ألا يسأل حميم حميما من شدة ذلك اليوم وهوله النصرة والشفاعة.
أو لا يسأل عن حاله بما حل به من الشغل في نفسه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) يحتمل أن يُعَرَّف بعضهم عن بعض أن هذا أبوك وابنك وحميمك؛ إذ لا يعرفه إلا بالتعريف؛ لما حل به من شدة الهول والفزع، ثم إذا عرفوا لا يسألونهم؛ بل يفر بعضهم من بعض، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ). الآية.
المعارج 70:11
الآية ١١ وقوله تعالى :﴿يبصّرونهم﴾ يحتمل : يعرف بعضهم عن بعض : أن هذا أبوك وابنك وحميمك، إذ لا يعرفه إلا بالتعريف لما حل به من شدة الهول والفزع. ثم إذا عرفوا لا يسألونهم، بل يفر بعضهم من بعض كما قال تعالى :﴿يوم يفر المرء من أخيه﴾ [ عبس : ٣٤ و. . . ] الآيات (١) أو يكون معناه أن يبصروا ما سبق منهم من الذنوب والأجرام، فيعرفونها، وتصير لهم حاضرة.
١ في الأصل وم: الآية..
المعارج 70:12
أو يكون معناه: أن يبصروا ما سبق منهم من الذنوب والأجرام، فيعرفونها، وتصير لهم حاضرة.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا... (١٤) ففي هذا أنه يستقبلهم في ذلك هول وفزع لم يكن لهم بمثله عهد في الدنيا، ولا كان خطر ببالهم ذلك؛ لأن المرء لا يبلغ به الهول في الدنيا مبلغا يود أن يفتدي به ببنيه وصاحبته، وأخيه، وأقربائه، وجميع من في الأرض؛ فيكون فيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ ليحمل الناس على الإنابة إلى اللَّه تعالى والانتهاء عما نهاهم عنه.
ثم بدأ بذكر البنين والأقربين وأنهاه بالأبعدين، وحق هذا أن يبدأ بالأبعدين، ثم يختم بذكر الأقربين؛ لأن المرء قد تسخو نفسه بفداء الأبعدين، ويضن ببذل الأقربين فداء، فإذا سخت أنفسهم في ذلك اليوم بفداء البنين والأقربين فلأن تسخو بفداء الأبعدين أحق، وإذا كان كذلك فغاية التهويل والتفزيع أن يبدأ بذكر الأباعد، ويختم بذكر الأقارب، فكيف ابتدأ بذكر الأقربين؟ فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض إذا كان له عليهم ملك وكانوا بأجمعهم له، وإذا كانوا جميعا له ملكا؛ كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة أو أكثر، فكما يضن ببذل أولاده، وأن يكونوا عنه فداء، فكذلك يضن بالأباعد إذا كانوا جميعا ملكا له؛ فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل الأبعدين، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى، ولكنه ذكر الآحاد أولا، ثم ذكر الجماعة ثم ذكر جماعة الجماعة؛ ليعلموا ألا ينفعهم الفداء في ذلك اليوم، وأن الذين ودوا الفداء؛ ليتخلصوا من عذاب اللَّه تعالى لا يشتد عليهم ما فدوا، وإن كان ذلك ملء الأرض، واللَّه أعلم.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (ثُمَّ يُنْجِيهِ) رد وتنبيه ألا ينجيه ذلك اليوم.
المعارج 70:13
الآيات ١٢ -١٤ وقوله تعالى :﴿يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه﴾ ﴿وصاحبته وأخيه﴾ ﴿وفصيلته التي تؤويه﴾ ﴿ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه﴾ ففي هذا أن يستقبلهم في ذلك اليوم هول وفزع لم يكن بمثله عهد في الدنيا، ولا كان خطر ببالهم ذلك، لأن المرء لا يبلغ به الهول في الدنيا مبلغا يود أن يفتدي به ببنيه وصاحبته وأخيه وأقربائه وجميع من في الأرض.
فيكون فيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم ليحمل الناس على الإنابة إلى الله تعالى والانتهاء(١) عما هم عليه.
ثم بدأ بذكر البنين والأقربين، وانتهى بالأبعدين، وحق هذا أن يبدأ بالأبعدين، ثم يختم بذكر الأقربين(٢)، لأن المرء قد تسخو نفسه بفداء الأبعدين. ويضن (٣)ببذل الأقربين فداء.
فإذا سخت أنفسهم في ذلك اليوم بفداء البنين والأقربين فلأن تسخو بفداء الأبعدين أحق وإذا كان كذلك فغايته التهويل والتفزيع : أن يبدأ بذكر الأقارب، فكيف يبدأ بذكر الأقربين ؟ فجوابه من وجهين :
أحدهما : أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض، إذا كان عليهم ملك، وكانوا بأجمعهم له. وإذا كانوا جميعا له ملكا كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة، أو أكثر، فكما يضن (٤)ببذل أولاده، وأن يكونوا عنه فداء، فكذلك يضن (٥) بالأباعد إذا كانوا جميعا ملكا له. فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل الأبعدين، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع والله اعلم.
[ والثاني ] (٦) جائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى ولكنه ذكر الآحاد ثم ذكر الجماعة ليعلموا ألاّ ينفعهم الفداء في ذلك اليوم، وأن الذين [ لو ] (٧)ودوا الفداء ليتخلصوا من عذاب الله تعالى، لاشتد (٨)عليهم ما فدوا، وإن كان ذلك ملء الأرض، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وانتهاء..
٢ في الأصل وم: الأبعدين..
٣ في الأصل وم: ويظن..
٤ في الأصل يظن..
٥ في الأصل وم: يظن..
٦ في الأصل وم: و..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: لا يشتد..
المعارج 70:14
الآيات ١٢ -١٤ وقوله تعالى :﴿يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه﴾ ﴿وصاحبته وأخيه﴾ ﴿وفصيلته التي تؤويه﴾ ﴿ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه﴾ ففي هذا أن يستقبلهم في ذلك اليوم هول وفزع لم يكن بمثله عهد في الدنيا، ولا كان خطر ببالهم ذلك، لأن المرء لا يبلغ به الهول في الدنيا مبلغا يود أن يفتدي به ببنيه وصاحبته وأخيه وأقربائه وجميع من في الأرض.
فيكون فيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم ليحمل الناس على الإنابة إلى الله تعالى والانتهاء(١) عما هم عليه.
ثم بدأ بذكر البنين والأقربين، وانتهى بالأبعدين، وحق هذا أن يبدأ بالأبعدين، ثم يختم بذكر الأقربين(٢)، لأن المرء قد تسخو نفسه بفداء الأبعدين. ويضن (٣)ببذل الأقربين فداء.
فإذا سخت أنفسهم في ذلك اليوم بفداء البنين والأقربين فلأن تسخو بفداء الأبعدين أحق وإذا كان كذلك فغايته التهويل والتفزيع : أن يبدأ بذكر الأقارب، فكيف يبدأ بذكر الأقربين ؟ فجوابه من وجهين :
أحدهما : أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض، إذا كان عليهم ملك، وكانوا بأجمعهم له. وإذا كانوا جميعا له ملكا كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة، أو أكثر، فكما يضن (٤)ببذل أولاده، وأن يكونوا عنه فداء، فكذلك يضن (٥) بالأباعد إذا كانوا جميعا ملكا له. فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل الأبعدين، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع والله اعلم.
[ والثاني ] (٦) جائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى ولكنه ذكر الآحاد ثم ذكر الجماعة ليعلموا ألاّ ينفعهم الفداء في ذلك اليوم، وأن الذين [ لو ] (٧)ودوا الفداء ليتخلصوا من عذاب الله تعالى، لاشتد (٨)عليهم ما فدوا، وإن كان ذلك ملء الأرض، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وانتهاء..
٢ في الأصل وم: الأبعدين..
٣ في الأصل وم: ويظن..
٤ في الأصل يظن..
٥ في الأصل وم: يظن..
٦ في الأصل وم: و..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: لا يشتد..
المعارج 70:15
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) الآية، فاللظى: اسم من أسماء النار، والشوى: قيل: هي مكارم خلقه.
وقيل: هي القوائم والأطراف.
وقيل: هي الجلود.
والأصل أن نار جهنم تعمل على أصحابها كل قبيح وكل مستشنع مستفظع، فإن شئت صرفت ذلك إلى الأرجل، وإن شئت إلى الجلود، وإن شئت إلى مكارم خلقه الأخلاق؛ لأن التقبيح في كل ذلك موجود، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ)، فقيل في تأويل المطهرة وجوه.
إحداها: أنهن مطهرات من العيوب والآفات، وجملته: أنه ما من شيء يستحسن ويستقبح من خلق أو نفس أو معاملة إلا وهن مطهرات من ذلك، وما من شيء يستشنع ويستفظع إلا وذلك في أهل النار موجود.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) فجائز أن يكون الدعاء منها على التحقيق، وهو أن يجعل اللَّه تعالى لها باللطف لسانا تدعو به، أو يخلق فيها الكلام من غير لسان، فتقول: إليَّ، إليَّ.
وجائز أن يكون هذا على التمثيل، وهو أنها لا تدع أحدا يفر منها، ويتخلص من عذابها، فكأنها دعته إلى نفسها.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى) وجائز أن يكون قوله: (مَنْ أَدْبَرَ)، أي: من كان أدبر في الدنيا عن طاعة اللَّه تعالى، وتولى عن الإجابة لرسله؛ كقوله تعالى: (تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)، أي: أعرض.
أو أدبر عن توحيده، وتولى عن النظر في حجته، وفيما جاء من عنده.
ويحتمل قوله: (أَدْبَرَ)، أي: أدبر عن طاعة اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -، (وَتَوَلَّى) أي: تولى الشيطان، من الولاية.
المعارج 70:16
الآية ١٦ وقوله تعالى :﴿إنها لظى﴾ ﴿نزّاعة للشّوى﴾ فاللظى (١) اسم من أسماء النار : والشوى : قيل : هي مكارم خلقه، وقيل : هي القوائم والأطراف وقيل : هي الجلود.
والأصل أن نار جهنم [ تعمل بأصحابها ] (٢) كل قبيح وكل مستبشع وكل مستفظع. فإن شئت صرفت ذلك إلى الأرجل، وإن شئت إلى الجلود، وإن شئت إلى مكارم الأخلاق، لأن التقبيح في كل ذلك موجود، وهو كقوله عز وجل. ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾ [البقرة: ٢٥] فقيل [ في تأويل ](٣) المطهرة وجوه :
أحدهما : أنهن مطهرات من العيوب والآفات، وجملته أن ما من شيء يستحسن، ويستقبح من خلق أو نفس أو معاملة إلا وهن مطهرات من ذلك، وما من شيء يستبشع ويستفظع إلا وذلك في أهل النار موجود.
١ أدرج قبلها وم: الآية..
٢ في الأصل: بعمل أصحابها قبيح، في م: بعمل أصحابها قبيح..
٣ ساقطة من الأصل وم..
المعارج 70:17
الآية : ١٧ وقوله تعالى :﴿تدعوا من أدبر وتولى﴾ فجائز أن يكون الدعاء منها على التحقيق، وهو أن يجعل الله بلطفه (١) لسانا تدعو به، أو يخلق من غير لسان، ، فتقول : إلي.
وجائز أن يكون هذا على التمثيل، وهو أنها لا تدع أحدا يفر عنها، ويتخلص من عذابها، فكأنها دعته إلى نفسها.
ثم قوله تعالى :﴿من أدبر وتولى﴾ جائز أن يكون قوله :﴿من أدبر﴾ أي من كان أدبر في الدنيا عن طاعة الله تعالى :﴿وتولى﴾ عن الإجابة لرسله كقوله تعالى :﴿فأعرض عن من تولى عن ذكرنا﴾ [النجم: ٢٩]. أي أعرض، أو أدبر عن توحيده، وتولى عن النظر في حجته وفي ما جاء من عنده.
ويحتمل قوله :﴿أدبر﴾ عن طاعة الله عز وجل ﴿وتولى﴾ أي تولى الشيطان، من الولاية، وجائز أن يكون أدبر في جهنم /٥٩٦-أ/ فيدبر رجاء أن يفر عنها، ويتولى [ وكذا لا ](٢)
تدعه النار ليفر عنها، بل تغشاه عن الإعراض كقوله عز وجل :﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ [ النخل : ١٠٠ ].
ولكن هذا أقرب(٣) من الأول لأن من تولى عن ذكر الله فقد تولى الشيطان.
١ في الأصل: باللطف..
٢ في الأصل وم: كذلك..
٣ في الأصل وم: قريب..
المعارج 70:18
وجائز أن يكون أدبر في جهنم، فيدبر رجاء أن يفر عنها، ويتولى؛ فلا تدعه النار ليفر؛ بل تغشاه عن الإعراض، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ)، ولكن هذا قريب من الأول؛ لأن من تولى عن ذكر اللَّه فقد تولى الشيطان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) يخير بقوله: (وَجَمَعَ) عمَّا جبل عليه من شدة الحرص على الدنيا؛ فيكون الجمع كناية عن الحرص، فبلغ به هذا الحرص مبلغا أنساه ذكر الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَوْعَى) فيه بيان صفته فيما عليه من النهاية في البخل، فيكون الإيعاء كناية عن البخل حتى لم يؤد حق اللَّه تعالى في ماله، أو لم يقم بشكر ما لله تعالى من النعم، أو بلغ به البخل مبلغا منعه ذلك عن قبول حق اللَّه تعالى في ماله.
* * *
قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) اختلف في تأويل الهلوع من وجوه، كل يرجع إلى معنى واحد:
فقَالَ بَعْضُهُمْ: الطامع في اللذات، الطالب لها، والكاره للأثقال، الهارب منها.
وقيل: (خُلِقَ هَلُوعًا)، أي: على حب ما يتلذذ به، والقيام بطلبه وبغض ما يتألم به، والهرب عنه.
ومنهم من يقول: الهلوع: الضجور؛ وهو موافق للتأويل الأول؛ لأن الذي يحمله على الضجر هو ما يصيبه من الألم؛ فيضجر لذلك أو يضجر عن حق اللَّه تعالى.
ومنهم من يقول: تفسيره ما ذكر على أثره من قوله: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) وهذا - أيضا - مثل الأول؛ لأن الذي حمله على المنع شدة حبه إياه، والذي حمله على الجزع ما مسه من الضر والشر، فجزعت نفسه لذلك؛ لأنها أنشئت نافرة عن الضر ومبغضة له، وقال اللَّه تعالى: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا)، وقال في موضع آخر: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا)، أي: لا يسخو على إخراج ما في يديه.
ففي هذه الآيات إنباء أن الإنسان خلق على هذه الأحوال: قتورا عجولا، هلوعا، فلما أنشئ على حب ما ينفعه وبغض ما يكرهه ويتألم به، علم أنه خلق على هذه الأحوال؛ للمحنة، فمن تذكر فيما وعد اللَّه تعالى من النعم لمن قام بوفاء ما أمره به، حمله ذلك على التسارع في الخيرات وترك ما يحبه في الدنيا؛ لينال الموعود في الآخرة؛ إذ هو في الأصل أنشئ محبًّا لما يتلذذ به، ومن تذكر ما أوعد من العذاب بما يعطي نفسه من الشهوات من معاصي اللَّه تعالى، وبما يمنع من حقوق اللَّه تعالى الواجبة في ماله، سهل عليه ترك الشهوات، وخف عليه بذل ما طلب منه؛ لئلا يحل به ما ينغص بعيشه من الآلام والأوجاع والمكاره.
والأصل أن الإنسان وإن كان مطبوعا على هذه الأخلاق الذميمة من البخل، والإقتار، والعجلة، وجبل عليها، فقد ملك رياضة نفسه، ويمكنه أن يستخرجها من تلك الطباع الذميمة إلى أضدادها من الأخلاق الحميدة، والشمائل المرضية؛ فلزمه القيام بذلك؛ ألا ترى أنه يتهيأ له أن يقوم برياضة الدواب والسباع، فيخرجها بالرياضة عن طباعها التي أنشئت عليها من النفار عن الخلق والامتناع عن الانقياد، حتى تصير منقادة للخلق، ذليلة لهم، فيتهيأ لهم الاستمتاع والتوصل إلى منافعها، فكذلك الإنسان إذا قام برياضة نفسه أمكنه أن يستخرجها عن خلقها؛ فتصير مطيعة له، ويخف عليها بذل ما يطلب منها، ويسهل عليها تحمل ما كان يشتد عليها.
ثم الأصل: أن المرء، وإن جبل على حب ما يتلذذ به، وبغض ما يتألم ويتوجع منه، فقد جبل أيضا على ترك ما هو فيه من اللذة؛ للذة هي أعظم منها، وعلى التصبر لاحتمال الأذى والمكروه؛ ليتخلص عما هو أعظم من ذلك المكروه والألم، وإذا كان كذلك فهو إذا قابل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة، وأقرب اللذتين بأبعدهما، فرأى لذة الآخرة أعظم وأبقى، خف عليه ترك أقربهما لأبعدهما وأقلهما لأكثرهما، وإذا قابل مكروه الدنيا بمكروه الآخرة، وعذابها بعذاب الآخرة، فرأى عذاب الآخرة أشد وأبقى، خف عليه تحمل المكاره في الدنيا؛ فهذا السبب الذي ذكرنا ما يتوصل به إلى رياضة النفس.
والذي يدل على أن المرء قد يخف عليه تحمل الشدائد وترك اللذات الحاضرة؛ لما
المعارج 70:19
الآية ١٩ وقوله تعالى :﴿إن الإنسان خلق هلوعا﴾ اختلف في تأويل الهلوع من وجوه، وكل يرجع إلى معنى واحد : فقال بعضهم : الطامع في اللذات، الطالب لها، والكاره للأثقال، الهارب منها. وقيل :﴿خلق هلوعا﴾ أي على حب ما يتلذذ به والقيام(١) بطلبه وبغض ما يتألم به والهرب عنه.
ومنهم من يقول : الهلوع الضجور، وهو موافق للتأويل الأول، لأن الذي يحمله على الضجر، هو ما يصيبه من الألم فيضجر لذلك، أو يضجر من حق الله تعالى.
١ الواو ساقطة من الأصل وم.
المعارج 70:20
الآيتان ٢٠ و ٢١ ومنهم من يقول : تفسير ما ذكر على (١) إثره من قوله :﴿إذا مسه الشر جزوعا﴾ ﴿وإذا مسه الخير منوعا﴾ وهذا أيضا مثل الأول لأن الذي منعه [ على الخير ](٢) شدة حبه إياه، والذي حمله على الجزع ما مسه من الضر والشر، فجزعت نفسه لذلك، لأنها أنشئت نافرة الضر ومبغضة له.
وقال الله عز وجل :﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١] وقال في موضع آخر :﴿وكان الإنسان قتورا﴾[الإسراء: ١٠٠] أي لا يسخو على إخراج ما في يديه.
ففي هذه الآيات أنبأ أن الإنسان خلق على هذه الأحوال : قتورا عجولا هلوعا. فلما أنشئ على حب ما ينفعه وبغض ما يكرهه، ويتألم به، علم أنه (٣) خلق على هذه للمحنة. فمن تفكر(٤) في ما وعد الله تعالى من النعم لمن قام بوفاء ما أمره به حمله ذلك على التسارع في الخيرات [ وترك ](٥) ما يحبه في الدنيا، يسأل الموعود في الآخرة، إذ هو في الأصل أنشئ محبا لما يتلذذ [ به ] (٦). ومن تذكر ما أوعد من العذاب بما يعطي نفسه من الشهوات من معاصي الله تعالى وبما يمنع من حقوق الله تعالى الواجبة في ماله سهل عليه ترك الشهوات، وخف عليه بذل ما طلب منه لئلا يحل به ما ينغص عيشه من الآلام والمكاره.
والأصل أن الإنسان، وإن كان مطبوعا على هذه الأخلاق الذميمة من البخل والإقتار والعجلة، وجبل عليها، فقد ملك رياضة نفسه (٧)، ويمكنه أن يستخرجها من تلك الطباع الذميمة إلى أضدادها من الأخلاق الحميدة والشمائل المرضية، فلزمه القيام بذلك.
ألا ترى أنه يتهيأ له أن يقوم برياضة الدواب والسباع، فيخرجها بالرياضة عن طباعها التي أنشئت عليها من النفار عن الخلق والامتناع عن الانقياد حتى تصير منقادة للخلق ذليلة لهم، فيتهيأ لهم الاستمتاع والتوصل إلى منافعها ؟
فكذلك الإنسان إذا قام برياضة نفسه أمكنه أن يخرجها عن خلقتها، فتصير مطيعة له، فيخف عليها بذل ما يطلب منها، ويسهل عليها تحمل ما كان يشتد عليها.
ثم الأصل أن المرء، وإن جبل على حب ما يتلذذ به وبغض ما يتألم، ويتوجع، فقد جبل أيضا على ترك ما هو فيه من اللذة للذة هي أعظم منها وعلى التصبر لاحتمال الأذى والمكروه ليتخلص مما هو أعظم من ذلك المكروه والألم.
وإذا كان كذلك فهو إذا قابل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة وأقرب اللذتين بأبعدهما، فرأى لذة (٨) الآخرة أعظم وأبقى، خف عليه ترق أقربهما لأبعدهما وأقلهما لأكثرهما، وإذا قابل مكروه الآخرة وعذابها (٩) بعذاب الآخرة، فرأى عذاب الآخرة أشد وأبقى، خف عليه تحمل المكاره في الدنيا، فهذا السبب الذي ذكرنا مما يتوصل به إلى رياضة النفس، والذي يدل على أن المرء قد يخف عليه تحمل الشدائد وترك اللذات الحاضرة لما يأمل من اللذات الآجلة أنك ترى المرء قد يهون عليه الضرب في الأرض وقطع الأسفار وتحمل المؤن وركوب الأهوال والفظائع والانقطاع عن اللذات، كالذي يخرج للتجارة من بلده إلى بلاد نائية لما يرجو من النفع والربح في ذلك، فيتحمل ما يمسه من المكاره والمؤن لما يطمع من نيل اللذات التي تركها.
فعلى ذلك إذا تفكر في نعيم الآخرة، وتفكر في عقابها سهل عليه ترك اللذات الحاضرة وخف عليه تحمل المكاره في الدنيا.
ووجه آخر أنه لما جبل على حب اللذات وبغض المكاره، أمر أن يجعل ما يحبه من العاجل آجلا، فيكون شغله أبدا في ما يوصله على نعيم الآجل، وأمر أن يجعل هربه عن الآلام الآجلة [ عاجلا ](١٠) فيجتهد في ما فيه التخلص والنجاة من تلك الآلام، والله أعلم.
١ أدرج قبلها في الأصل وم: ذلك..
٢ في الأصل وم: على المنع..
٣ في الأصل وم: أنها..
٤ في الأصل وم: تذكر..
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٦ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: نفسها..
٨ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أنه..
٩ الواو ساقطة من الأصل..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
المعارج 70:21
الآيتان ٢٠ و ٢١ ومنهم من يقول : تفسير ما ذكر على (١) إثره من قوله :﴿إذا مسه الشر جزوعا﴾ ﴿وإذا مسه الخير منوعا﴾ وهذا أيضا مثل الأول لأن الذي منعه [ على الخير ](٢) شدة حبه إياه، والذي حمله على الجزع ما مسه من الضر والشر، فجزعت نفسه لذلك، لأنها أنشئت نافرة الضر ومبغضة له.
وقال الله عز وجل :﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١] وقال في موضع آخر :﴿وكان الإنسان قتورا﴾[الإسراء: ١٠٠] أي لا يسخو على إخراج ما في يديه.
ففي هذه الآيات أنبأ أن الإنسان خلق على هذه الأحوال : قتورا عجولا هلوعا. فلما أنشئ على حب ما ينفعه وبغض ما يكرهه، ويتألم به، علم أنه (٣) خلق على هذه للمحنة. فمن تفكر(٤) في ما وعد الله تعالى من النعم لمن قام بوفاء ما أمره به حمله ذلك على التسارع في الخيرات [ وترك ](٥) ما يحبه في الدنيا، يسأل الموعود في الآخرة، إذ هو في الأصل أنشئ محبا لما يتلذذ [ به ] (٦). ومن تذكر ما أوعد من العذاب بما يعطي نفسه من الشهوات من معاصي الله تعالى وبما يمنع من حقوق الله تعالى الواجبة في ماله سهل عليه ترك الشهوات، وخف عليه بذل ما طلب منه لئلا يحل به ما ينغص عيشه من الآلام والمكاره.
والأصل أن الإنسان، وإن كان مطبوعا على هذه الأخلاق الذميمة من البخل والإقتار والعجلة، وجبل عليها، فقد ملك رياضة نفسه (٧)، ويمكنه أن يستخرجها من تلك الطباع الذميمة إلى أضدادها من الأخلاق الحميدة والشمائل المرضية، فلزمه القيام بذلك.
ألا ترى أنه يتهيأ له أن يقوم برياضة الدواب والسباع، فيخرجها بالرياضة عن طباعها التي أنشئت عليها من النفار عن الخلق والامتناع عن الانقياد حتى تصير منقادة للخلق ذليلة لهم، فيتهيأ لهم الاستمتاع والتوصل إلى منافعها ؟
فكذلك الإنسان إذا قام برياضة نفسه أمكنه أن يخرجها عن خلقتها، فتصير مطيعة له، فيخف عليها بذل ما يطلب منها، ويسهل عليها تحمل ما كان يشتد عليها.
ثم الأصل أن المرء، وإن جبل على حب ما يتلذذ به وبغض ما يتألم، ويتوجع، فقد جبل أيضا على ترك ما هو فيه من اللذة للذة هي أعظم منها وعلى التصبر لاحتمال الأذى والمكروه ليتخلص مما هو أعظم من ذلك المكروه والألم.
وإذا كان كذلك فهو إذا قابل نعيم الدنيا بنعيم الآخرة وأقرب اللذتين بأبعدهما، فرأى لذة (٨) الآخرة أعظم وأبقى، خف عليه ترق أقربهما لأبعدهما وأقلهما لأكثرهما، وإذا قابل مكروه الآخرة وعذابها (٩) بعذاب الآخرة، فرأى عذاب الآخرة أشد وأبقى، خف عليه تحمل المكاره في الدنيا، فهذا السبب الذي ذكرنا مما يتوصل به إلى رياضة النفس، والذي يدل على أن المرء قد يخف عليه تحمل الشدائد وترك اللذات الحاضرة لما يأمل من اللذات الآجلة أنك ترى المرء قد يهون عليه الضرب في الأرض وقطع الأسفار وتحمل المؤن وركوب الأهوال والفظائع والانقطاع عن اللذات، كالذي يخرج للتجارة من بلده إلى بلاد نائية لما يرجو من النفع والربح في ذلك، فيتحمل ما يمسه من المكاره والمؤن لما يطمع من نيل اللذات التي تركها.
فعلى ذلك إذا تفكر في نعيم الآخرة، وتفكر في عقابها سهل عليه ترك اللذات الحاضرة وخف عليه تحمل المكاره في الدنيا.
ووجه آخر أنه لما جبل على حب اللذات وبغض المكاره، أمر أن يجعل ما يحبه من العاجل آجلا، فيكون شغله أبدا في ما يوصله على نعيم الآجل، وأمر أن يجعل هربه عن الآلام الآجلة [ عاجلا ](١٠) فيجتهد في ما فيه التخلص والنجاة من تلك الآلام، والله أعلم.
١ أدرج قبلها في الأصل وم: ذلك..
٢ في الأصل وم: على المنع..
٣ في الأصل وم: أنها..
٤ في الأصل وم: تذكر..
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٦ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل وم: نفسها..
٨ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: أنه..
٩ الواو ساقطة من الأصل..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
المعارج 70:22
يأمل من اللذات الآجلة أنك ترى المرء قد يهون عليه الضرب في الأرض، وقطع الأسفار، وتحمل المؤن، وركوب الأهوال والفظائع، والانقطاع عن اللذات؛ كالذي يخرج للتجارة من بلده إلى بلاد نائية؛ لما يرجو من النفع والربح في ذلك، فتحمل ما يمسه من المكاره والمؤن، لما يطمع من نيل اللذات التي هي أعظم من اللذات التي تركها؛ فعلى ذلك إذا تفكر في نعيم الآخرة، وتفكر في عقابها، سهل عليه ترك اللذات الحاضرة، وخف عليه تحمل المكاره في الدنيا.
ووجه آخر: أنه لما جبل على حب اللذات وبغض المكاره، أمر أن يجعل ما يحبه من العاجل آجلا، فيكون شغله أبدا فيما يوصله إلى نعيم الآجل، وأمر أن يجعل هربه عن الآلام الآجلة، فيجتهد فيما فيه التخلص والنجاة عن تلك الآلام، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) معناه - واللَّه أعلم -: لأن المصلين يقومون برياضة أنفسهم حتى يصرفوها عن خلقتها التي أنشئت عليها، ثم بين أن الذين يقومون برياضة أنفسهم هم الذين يقومون على صلواتهم دون الذين يقومون إلى الصلاة كسالى ولا يدومون عليها، ولا ينفقون من أموالهم إلا عن كراهة.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) دوامهم عليها في لزوم ما عرفوها، وهو أن يقيموها في أوقاتها، ويحافظوا عليها دون أن يكون دوامهم أن يكونوا فيها أبدا؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " أحب الأعمال إلى اللَّه أدومها وإن قلَّ " وأراد بقوله: " أدومها ": لزومها في الوقت الذي أوجبوا فعل ذلك على أنفسهم، لا أن يكونوا أبدًا فيها؛ لأنهم إذا بقوا فيها أبدًا، كثر ذلك منهم، قلا يكون لقوله: " وإن قلَّ " معنى، فثبت أن معنى الدوام ما وصفنا، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون المراد من المداومة هو أن يدوم على الأحوال التي تليق بالصلاة عند كونه فيها من الإقبال على المناجاة، وترك الالتفات، وتفريغ القلب عن الأشغال والوساوس.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ): هو التطوع، و (عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ): الفريضة.
المعارج 70:23
الآيتان ٢٢ و٢٣ وقوله تعالى :﴿إلا المصلين﴾ ﴿الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ معناه، والله اعلم : لأن المصلين يقومون برياضة أنفسهم حتى يصرفوها عن خلقتها التي أنشئت عليها، ثم بين أن الذين [ يقومون ](١) برياضة أنفسهم، هم الذين
يقومون على صلاتهم، دون الذين يقومون على الصلاة كسالى، ولا يداومون عليها، ولا ينفقون من أموالهم إلا عن كراهة.
ثم قوله عز وجل :﴿الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ دوامهم عليها في لزوم ما عرفوها، وهو أن يقيموها في أوقاتها، ويحافظوا عليها، دون أن يكون دوامهم أن يكونوا فيها أبدا.
ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :" أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها، وإن قل " ؟ [ مسلم ٧٨٣/٢١٨ ] وأراد بقوله :" أدومها " لزومها في الوقت الذي أوجب.
فعلى ذلك [ الذين هم على صلاتهم دائمون }(٢) لا أن يكونوا أبدا فيها، لأنهم إذا بقوا فيها أبدا كثر ذلك منهم، فلا يكون لقوله :" وإن قل " معنى فثبت أن معنى الدوام ما وصف، والله اعلم.
وجائز أن يكون المراد من المداومة، هو أن يدوم على الأحوال التي تليق بالصلاة عند كونه فيها من الإقبال على المناجاة وترك الالتفات وتفريغ من الأشغال والوساوس.
وقال بعضهم :﴿الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ هو التطوع، ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾[ الآية ٣٤ والأنعام : ٩٢ ] [ هي ](٣) الفريضة (٤). وتصديقه أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا صلوا صلاة داموا عليها، وكان ﷺ يقول :" خير الأعمال أدومها، وإن قل [ بنحوه مسلم : ٧٨٣/٢١٨ ].
وأصله : أن الله تعالى قال :﴿وأقاموا الصلاة﴾ [ البقرة : ٢٧٧و.. ] والإقامة على الشيء، هي الدوام عليه، لأنه إذا فعل الشيء مرة، ثم تركه، لم يوصف بالإقامة عليه.
فقوله :﴿دائمون﴾ و ﴿يقيمون﴾ [ البقرة : ٣ و... ] يقتضي معنى واحدا فيكون فيه إبانة أن الصلاة تلزم فعلها مرة بعد مرة، وليست كالفرائض التي إذا أديت مرة سقطت من نحو الجهاد والحج.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: على أنفسهم..
٣ ساقطة من الأصل وم.
٤ أدرج بعدها في الأصل وم..
المعارج 70:24
قالوا: وتصديقه أن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانوا إذا صلوا صلاة داموا عليها، وكانوا يقولون: " خير العمل، أدومه وإن قلَّ ".
وأصله: أن اللَّه تعالى قال: (وَأَقَامُوا)، والإقامة على الشيء هي الدوام عليه؛ لأنه إذا فعل الشيء مرة ثم تركه، لم يوصف بالإقامة عليه؛ فقوله: (دَائِمُونَ) و (ويُقِيمُونَ)، يقتضي معنى واحدا؛ فيكون فيه إبانة أن الصلاة يلزم فعلها مرة يعد مرة، وليست كالفرائض التي إذا أديت مرة، سقطت؛ من نحو الجهاد، والحج.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) قيل: هو الزكاة، ذكر ذلك عن قتادة وغيره.
وقال أبو بكر: هذا غير محتمل؛ لأن هذه الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة عليهم بعد هجرتهم إلى المدينة.
ولكن ليس فيما ذكره دفع لهذا التأويل؛ لأنه يجوز أن تكون الزكاة لم تفرض عليهم؛ لما لم يكونوا أصحاب أموال؛ لأن الزكاة لم تكن مفروضة في الجملة، وبين الوجوب إذا استفادوا الأموال؛ ألا ترى أن الفقير قد يعلم إيتاء الزكاة من المال وإن لم يكن له مال؛ ليقوم بأدائها إذا صار من أهلها؛ فقوله: (حَقٌّ مَعْلُومٌ) أي: أعلمه اللَّه تعالى في أموالهم، فلزمهم إخراجه، ثم بين أن خروجهم مما لزمهم من حق اللَّه تعالى في أموالهم بالدفع إلى السائل والمحروم.
وجائز أن يكون ذلك الحق المعلوم هو حق القرابة وغيره.
ومن ذكر أن هذا الحق غير الزكاة، قالوا: إنهم كانوا أُعْلِموا في أموالهم حقًّا، فجعلوا طائفة منها للسائل، وطائفة للمحروم؛ لذلك سماه: حقا معلوما.
ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت شيئا معلوما مفروضا عليهم في أموالهم نسخته آية الزكاة، ولم يذكر لنا ذلك؛ لعدم حاجتنا إليه.
ثم السائل معروف، وهو الذي يسأل.
المعارج 70:25
الآيتان ٢٤ و ٢٥ وقوله تعالى :﴿والذين في أموالهم حق معلوم﴾ [ للسائل والمحروم } ](١) قيل : هو الزكاة ذكر ذلك عن قتادة. وقال أبو بكر : هذا غير محتمل لأن هذه الآيات مكية وإنما فرضت الزكاة عليهم بعد هجرتهم.
ولكن ليس في ما ذكره دفع هذا التأويل : لأنه يجوز /٥٩٦-ب/ أن تكون الزكاة، لم تفرض عليهم لما لم يكونوا أصحاب الأموال، لأن الزكاة لم تكن مفروضة في الجملة وبين الوجوب إذا استفادوا الأموال.
ألا ترى أن الفقير (٢) قد يعلم إيتاء الزكاة من المال، وإن لم يكن له مال ليقوم بأدائها إذا صار من أهلها ؟ فقوله تعالى ﴿حق معلوم﴾ أي أعلمه الله [ أن له حقا معلوما ] (٣)في أموالهم، فلزمهم إخراجه، ثم بين أن خروجهم مما لزمهم من حق الله تعالى في أموالهم بالدفع إلى السائل والمحروم.
وجائز أن يكون ذلك الحق المعلوم، هو حق القرابة وغيره. ومن ذكر أن هذا الحق غير الزكاة قالوا : إنهم كانوا أعلموا أن في أموالهم حقا، فجعله لطائفة منها للسائل وطائفة للمحروم. لذلك سماه حقا معلوما.
ويحتمل أن يكون في ذلك الوقت معلوما مفروضا عليهم في أموالهم، نسخته(٤) آية الزكاة، ولم يذكر لنا ذلك لعدم حاجتنا إلى معرفته.
ثم السائل معروف، وهو الذي يسأل، وأما المحروم فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن المحروم، فقال " المحروم، هو الذي لا يثمر [ نخله، ويثمر ](٥) نخل الناس، ولا يزكو [ زرعه، ويزكو ] (٦) زرع الناس، ولا تلبن شاته، وتلبن شاة الناس " فعنى(٧) بالمحروم هذا : أنه حرم بركة ماله.
وفي هذا الخبر دليل على أن المرء، لا يصير غنيا بملك النخيل والأرض.
وجائز أن يكون المحروم، هو الذي حيل بينه وبين وجوه المكاسب. فمن كان حاله هكذا كان علينا أن نتعاهده، ونقوم بكفايته،
وقال الحسن : المحروم، هو الذي يتعفف عن السؤال، وإن هلك، والله اعلم.
١ ساقطة من الأصل وم،.
٢ في الأصل وم الفقير.
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: نسختا في م: نسختها..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ من م، في الأصل: له.
٧ في الأصل وم: فعنوا..
المعارج 70:26
وأما المحروم فقد روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن المحروم، فقال: " المحروم هو الذي لا يثمر نخله، ويثمر نخل الناس، ولا يزكو زرعه، ويزكو زرع الناس، ولا تلبن شاته وتلبن شاة الناس " فعنوا بالمحروم هذا: أنه حرم بركة ماله.
وفي هذا الخبر دليل على أن المرء لا يصير غنيًّا بملك النخيل والأرض.
وجائز أن يكون المحروم هو الذي حيل بينه وبين وجوه المكاسب، فمن كان حاله هكذا كان علينا أن نتعاهده ونقوم بكفايته.
وقال الحسن: المحروم هو الذي يتعفف عن السؤال وإن هلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) فيوم الدِّين هو يوم الجزاء ويوم الحساب، فكل من عرف الجزاء وآمن به لم يجزع بما يصيبه، ولا منع الحق الذي طلب منه، ولم يوصف بأنه هلوع، وإنما الهلوع هو الذي يكذب بيوم الدِّين، كما قال: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)، فأخبر أن الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين هو الذي لا يؤمن بالآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) أي: خائفون، وجلون، وهم الذين قال - عَزَّ وَجَلَّ - في آية أخرى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ).
وسئل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فقيل له: أهم الذين يسرقون ويزنون ويعملون بالمعاصي؟ فقال: " لا، بل هم الذين يصومون ويصلون ويؤتون الزكاة "، أو كما قال بلفظه عليه السلام.
ووجلهم هو أنهم يخافون ألا يقبل منهم حسناتهم.
أو يخافون أن يكونوا قصروا عن الوفاء بشكر النعم، أو غفلوا عن شكر كثير منها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) فهذا هو الحق ألا يأمن أحد من عذابه وإن دأب في عبادته واجتهد في طاعته؛ لما لا يدري على ماذا يختم أمره؟ أو يخاف
المعارج 70:27
الآية ٢٧ وقوله تعالى :﴿والذين هم من عذاب ربهم مشفقون﴾ أي خائفون وجلون، وهم الذين قال [ فيهم ](١) عز وجل في آية أخرى ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ [ المؤمنون : ٦٠ وسئل رسول الله ﷺ وقيل له : أهم الذين يسرقون، ويزنون، ويعملون بالمعاصي ؟ فقال : " لا بل هم الذين يقومون، ويصلون، ويؤتون الزكاة، أو كما قال بلفظه ﷺ " ووجلهم هم أنهم يخافون ألا تقبل منهم [ حسناتهم ](٢) أو يخافون أن يكونوا قصروا عن الوفاء بشكر النعم، أو غفلوا عن شكر كثير منها " [ زاد المسير ٥/٣٢٧ ]
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ٨٧من م، ساقطة من الأصل..
المعارج 70:28
الآية ٢٨ وقوله تعالى :﴿إن عذاب ربهم غير مأمون﴾ فهذا هو الحق ألا يأمن أحد من عذابه، وإن دأب في عمله، واجتهد في طاعته لما [ لا ] (١)يدري على ماذا يختم أمره، أو يخاف ألا يقبل منه ويرد عليه، أو يخاف أن يكون قد قصر عن شكر كثير من النعم، وغفل عنها.
والأصل أنه ما من أحد ينظر في أمره وحاله إلا وهو يرى على نفسه من الله تعالى أنعما، لو أجهد نفسه ليقوم بشكر واحدة (٢)منها لقصر في ذلك ولم يتهيأ له القيام بوفائها.
فمن كان هذا وصفه فأنى يقع له الأمن من عذابه ؟ ويؤخذ منه الوفاء بالأسباب التي يؤمن بها ؟ إلا أن يكون من الخاسرين.
١ من م، ساقطة من الأصل.
٢ في الأصل وم: واحد.
المعارج 70:29
ألا يقبل منه ويرد عليه، أو يخاف أن يكون قد قصر عن شكر كثير من النعم، وغفل عنها.
والأصل أنه ما من أحد ينظر في أمره وحاله إلا وهو يرى على نفسه من اللَّه تعالى نعما لو أجهد نفسه ليقوم بشكر واحد منها لقصر عن ذلك، ولم يتهيأ له القيام بوفائها، فمن كان هذا وصفه، فأنى يقع له الأمن من عذابه، ويوجد منه الوفاء بالأسباب التي يؤمن بها إلا أن يكون من الخاسرين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) ذكر حفظ الفرج، ولم يذكر بم يحفظ؟ وحفظه يكون بخصال:
أحدها: أن يسكن في قلبه جلال اللَّه وهيبته، ويخشى عقابه في المعاد.
والثاني: بما جعله اللَّه سببا للتعفف، من النكاح وملك اليمين؛ فيمنعه ذلك عن الزنى ويحفظ الفرج.
والثالث: يجيع بطنه بالصيام كما قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من لم يقدر على الباه فليصم؛ فإن الصوم له وجاء ".
والرابع: بما يترك النظر إلى النساء ولا يخلو بهن، ويدع مجالسة الفجار وأهل الريبة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) ولو لم يقل: (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)، لكنا نعلم بقوله: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) أنهم لا يلامون؛ لأنه قد أباح لهم الاستمتاع بمن ملكت أيمانهم ومن كان تحتهم بملك النكاح، ولا يجوز أن تلحق اللائمة باستعمال المباح المطلق، ولكن فيه فوائد:
أحدها: أن من الناس من يحرم الاستمتاع بملك النكاح وملك اليمين، فيخبر أنهم عند من اعتقد الإيمان بالرسل غير ملومين، وإنَّمَا يلومهم من أنكر الرسالة، وهم الثنوية والبراهمة.
وجائز أن يكون معناه: أنهم وإن منعوا النساء عن الجماع بما هو خير لهم من الصيام
المعارج 70:30
الآية ٣٠ وقوله تعالى :﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ لكنا نعلم بقوله تعالى :﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ أنهم لا يلامون، لأنهم قد أباح لهم الاستمتاع بمن ملكت أيمانهم ومن كان تحتهم بملك النكاح. ولا يجوز أن نلحق اللائمة باستعمال المباح المطلق ولكن فيه فوائد :
أحدهما : أن من الناس من يحرم الاستمتاع بملك النكاح وملك اليمين، فيخبر أنهم عند من اعتقد الإيمان بالرسل غير ملومين وإنما يلام(١) من أنكر الرسالة، وهم الثنوية والبراهمة.
وجائز أن يكون معناه : وإن منعوا النساء عن الجماع بما هو خير لهم من الصيام وأنواع القرب، لم تلحقهم اللائمة كما يلام من يمنع آخر عن طاعة الله تعالى : وإذا استمتعوا بملك النكاح وملك اليمين لم يبلوا بالزنى، فتلحقهم اللائمة بذلك.
١ في الأصل وم: يلزمهم..
المعارج 70:31
وأنواع القرب، لم تلحقهم اللائمة كما يلام من يمنع آخر عن طاعة اللَّه تعالى، وإذا استمتعوا بملك النكاح وملك اليمين، لم يبلوا بالزنى؛ فتلحقهم اللائمة بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) العادي: هو الظالم في الحقيقة؛ يقال: عدا فلان على فلان؛ إذا ظلمه، فهم عادون؛ حيث ظلموا أنفسهم فوضعوها في موضع لم يؤذن لهم بالوضع فيها.
وقال الحسن: هم العادون حيث عدوا من الحلال إلى الحرام.
وفي هذه الآية دلالة تحريم المتعة؛ لأنه أخبر أن من ابتغى وراء ملك اليمين وملك النكاح، فهو إذن من العادين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) فالأمانات لها وجهان:
أحدهما: ما ائتمن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عباده على ما له من الحقوق عليهم. والثاني: ما ائتمن بعضهم بعضا على الحقوق والعهود التي تجري بين الخلق من الذمم، والنذور، وغير ذلك؛ فيدخل فيه كل أمانة بين العبد وبين ربه، وبينهم وبين الخلق، وكل عهد أخذ عليهم؛ من نحو قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) -قيل في التأويل: العهود- ثم بين ذلك فقال: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ... ). والعهد الذي أعطينا للمعاهدين، فكل ذلك داخل تحت الآية، وقد يدخل معنى الأمانة في العهد والعهد في الأمانة، وقد يجوز أن يقع بينهما فرق، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ، (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) أي: يقيمونها لله تعالى كقوله: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)، أو قائمون بالوفاء بما عليهم من الشهادة، فيقومون لها، أحبوا أو كرهوا، ضرهم ذلك أو نفعهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) محافظة الصلاة إقامتها في أوقاتها بشرائطها، والذي يحملهم على المحافظة ما يخشون اللَّه تعالى، ولما جعلت تكفيرا لسيئاتهم؛ فيرغبون في إقامتها؛ تكفيرا عن سيئاتهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) في الآية إبانة أن مَن يكرم بالجنان هَؤُلَاءِ.
المعارج 70:32
الآية ٣٢ وقوله تعالى :﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ فالأمانات لها وجهان :
أحدهما : ما ائتمن الله عز وجل عباده على ما له من الحقوق عليهم.
والثاني [ ما ](١) ائتمن بعضهم على الحقوق والعهود التي تجري بين الخلق من الذمم والنذور وغير ذلك، فيدخل في كل أمانة بين العبد وبين ربه وبينه (٢) وبين الخلق، وكل عهد أخذ عليهم من نحو قوله تعالى :﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١] قيل في التأويل : العهود ثم بين ذلك، فقال :﴿لئن أقمتم الصلاة﴾ الآية [المائدة: ١٢] والعهد الذي أعطينا للعاهدين ؛ فكل ذلك داخل تحت الآية.
وقد يدخل معنى الأمانة في العهد والعهد في الأمانة، وقد يجوز أن يقع بينهما فرق، والله اعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وبينهم..
المعارج 70:33
الآية ٣٣ وقوله تعالى :﴿والذين هم بشهادتهم قائمون﴾ أي يقيمونها لله تعالى كقوله :﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ [النساء: ١٣٥] [ أي قائمين ](١) بالوفاء بما عليهم من الشهادة، فيقومون لها، أحبوا (٢) أم كرهوا، ضرهم ذلك أم (٣) نفعهم.
١ في الأصل وم: أو قائمون.
٢ ٩٧ في الأصل وم: أو.
٣ في الأصل وم: أو.
المعارج 70:34
الآية ٣٤ وقوله تعالى :﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾ [ المحافظة على ](١) الصلاة إقامتها في أوقاتها بشرائطها والذي يحملهم على المحافظة على الصلاة ما يخشون الله تعالى، ولما جعلت تكفيرا لسيئاتهم يرغبون(٢)في إقامتها تكفيرا عن(٣) سيئاتهم.
١ في الأصل وم: محافظة..
٢ في الأصل وم: فيرغبون.
٣ في الأصل وم: عنهم.
المعارج 70:35
الآية ٣٥ وقوله تعالى :﴿أولئك في جنات مكرمون﴾ في الآية إبانة أن من يكرم بالجنان هؤلاء.
وذكر عن أبي بكر الأصم أنه قال : في هذه دلالة أن من وفى بهذه الأشياء التي ذكرها في هذه السورة من الإدامة على الصلاة وإيتاء الحق المعلوم والتصديق بيوم الدين إلى آخر ما ذكر، فهو الذي يكرم بالجنة [ ويكرم ](١) الخاطئ الذي يرجع عن خطيئته ويتوب عنها.
فأما [ غير هذين فهو لا ](٢) يستوجب الإكرام بالجنة. فما ذكر من الإكرام بالجنة للصنفين الذين ذكرهما، فهو كما ذكر.
وأما الصنف الثالث فهم الذين بلوا بالخطيئات /٥٩٧-أ/ من أهل الإيمان، ولم يتوبوا عنها، فقد ترجى لهم هذه الكرامة بعفو الله عز وجل وكرمه وجوده.
ومن كان هذا وصفه لم ييأس من إحسانه، بل كان العفو منه مأمولا والإحسان منه مرجوا.
١ في الأصل وم: و.
٢ في الأصل وم: على غير هذين فهؤلاء..
المعارج 70:36
وذكر عن أبي بكر الأصم أنه قال: في هذه الآية، دلالة أن من وفَّى بهذه الأشياء التي ذكرها في هذه السورة من الإدامة على الصلاة، وإيتاء الحق المعلوم، والتصديق بيوم الدِّين... إلى آخر ما ذكر - فهو الذي يكرم بالجنة، والخاطئ الذي يرجع عن خطيئته ويتوب عنها، فأما غير هذين فهو لا يستوجب الإكرام بالجنة، فما ذكر من الإكرام بالجنة للصنفين اللذين ذكرهما فهو كما ذكر، وأما الصنف الثالث فهم الذين بلوا بالخطيئات من أهل الإيمان ولم يتوبوا عنها، فقد يرجى لهم هذه الكرامة بعفو اللَّه سبحانه وتعالى، وكرمه وجوده، ومن كان هذا وصفه لم يؤيس من إحسانه، بل كان العفو منه مأمولا والإحسان منه مرجوًّا.
* * *
قوله تعالى: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ) اختلف في تأويل الإهطاع:
فمنهم من يقول: هو الإسراع في المشي.
ومنهم من يقول: هو إدامة النظر.
فمن حمله على الإسراع، فمعناه: أن أئمة الكفر كانوا يأتون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فيستمعون القرآن منه، ثم يسرعون إلى أتباعهم، ويجلسون حلقا حلقا، ويحرفون ما يستمعون من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويلبسون على ضعفائهم وأتباعهم؛ ليصدهم ذلك عن الإيمان باللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ورسوله.
فإن كان الأمر على هذا فتأويله: ما لهم يسرعون إليك ليسمعوا كلامك ثم يتفرقوا عن اليمين وعن الشمال ويكذبونك، نحو أن يقول بعضهم: [(مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى)]، و: (مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ)، ونحو ذلك.
المعارج 70:38
وما المنفعة لهم في طعنهم عليك سوى استحقاقهم المقت والهلاك بذلك من اللَّه تعالى، وما يرجون بإعراضهم عن تصديقك بعدما رأوا الآيات.
ومن حمله على النظر، فمعناه: أنهم كانوا يجلسون من بعيد، فينظرون إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه ويطعنون عليه بالسحر والافتراء، وأنه من أساطير الأولين، فيمكرون، بمن يقتدي برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ومن يعاديه من الكفرة.
فإن كان على هذا فتأويله كأنه يقول له: يجلسون من البعد ناظرين إليك، ولا يدنون منك؛ ليستمعوا ما أنزل إليك فينتفعوا به، لكنهم متفرقون عن اليمين وعن الشمال، يصدون الناس عن مجلسك، وقد علموا أن لهم إلى من يعلمهم الكتاب والحكمة حاجة؛ إذ ليس عندهم كتاب ولا علم بالأنباء المتقدمة؛ ليعلموا أنك جئت بالعلم والحكمة دون السحر والكهانة.
فإن كان على هذا الوجه؛ فالعتاب لمكان التحريف والتبديل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) قوله: (أَيَطْمَعُ) حرف استفهام، وقد ذكرنا أن حرف الاستفهام ممن لا يَستِفْهم إيجابٌ.
ثم اختلف في وجه الإيجاب:
فمنهم من يقول: معنى قوله: (أَيَطْمَعُ)، أي: لا يطمع كل امرئ منهم بعبادتهم الأصنام والأوثان أن يدخلوا جنة نعيم؛ إذ هم منكرون للبعث والجنة والنار، ثم مع هذا ينصرون الأصنام ويعبدونها، ويخضعون لها، وإن كان لا طمع لهم في نصرها إلى شيء في العاقبة، ولا يرجون منها العواقب؛ فيكون في هذا ترغيب للمؤمنين على القيام بنصر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنهم يطمعون في نيل الجنة والكرامة من اللَّه تعالى والنجاة من النار بنصرهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبعبادتهم لله تعالى، كأنه يقول: إنهم لا يطمعون نيل
المعارج 70:39
شيء، ولا يخافون من شيء في العاقبة، ثم يقومون بنصر الأصنام، فأنتم أحق بنصر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ إذ تطمعون نيل الجنة والدخول فيها بنصركم إياه، واللَّه أعلم.
ومنهم من حمله على إيجاب الطمع، وهو أنهم كانوا يطمعون دخول الجنة ونيل نعيمها إذا رجعوا إلى ربهم؛ ظنًّا منهم أنهم إذا ساووا المسلمين في نعيم الدنيا وسعتها، فكذلك يساوونهم في نعيم الآخرة، كما قال اللَّه تعالى خبرا عنهم: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى)، وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...) الآية، هكذا ظن الكفرة أنهم إن رجعوا إلى ربهم فسيجدون عنده خير منقلب، فقال تعالى: (كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فقوله: (كَلَّا) على هذا التأويل رد لاعتقادهم وقطع لأطماعهم، فقال: (كَلَّا) أي: لا يدخلونها قط، ثم استأنف الكلام فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ).
وعلى التأويل الأول: (كَلَّا) بمعنى: حقًّا أنهم لا يطمعون، ثم استانف بقوله: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ)، أي: من تلك النطف؛ فيذكرهم بهذا عظيم نعمه وإحسانه إليهم بما أخرجهم منها ونقلهم من حال إلى حال حتى صاروا بشرًا سويًّا؛ ليعلموا أنه لا يتركهم سدى؛ بل ليمتحنهم ويستأدي منهم شكر ما أنعم عليهم؛ فيوجب ذلك تصديق الرسل.
وفيه تذكير قدرته وسلطانه، وبيان ضعف ابتدائهم؛ ليعلموا أن من قدر على إنشائهم لقادر على أن يحييهم بعدما أفناهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠).
ذكر المشارق والمغارب: ذكر السماوات والأرض، وفي ذكرهما ذكر أهل السماوات وأهل الأرض، فيكون معناه: فلا أقسم برب الخلائق أجمع، ويكون حرف " لا " زائدًا في الكلام تأكيدا للقسم على ما يذكر، فيكون معناه: فلا أقسم.
ثم حق هذا القسم أن يقول مكان قوله: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ): " فلا أقسم بي " إذا كان القسم
المعارج 70:40
الآية ٤٠ وقوله تعالى :﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ الآية، ذكر المشارق والمغارب ذكر السماوات والأرض، وفي ذكرهما ذكر أهل السماوات والأرضيين، فيكون معناه : فلا أقسم برب الخلائق أجمع.
ويكون حرف : لا زائدا في الكلام تأكيدا للقسم على ما يذكر فيكون معناه : فلأقسم.
ثم حق هذا القسم أن يكون (١) مكان قوله :﴿رب المشارق والمغارب﴾ فلأقسم بي إذا كان القسم من الله تعالى. هذا هو ظاهر الكلام في متعارف [ أهل ](٢) اللسان. ولكن يحتمل [ وجهين :
أحدهما ](٣) : أن يكون هذا القسم من النبي ﷺ كأنه علّمه أن يقسم به، ويقول له قل : يا محمد :﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾
[ والثاني ](٤) : إن كان هذا قسما من الله تعالى، فهو مستقيم أيضا من وجهين :
أحدهما : على الإضمار، كأنه قال : فلا أقسم بي، وأنا رب المشارق والمغارب.
والثاني : وإن كان هذا القسم من الله، فيستقيم(٥) بلفظ المغايبة كما يستقيم بلفظ الحاضر، لأن الخلق كله، لله شهود، وليس هو شاهد للخلق، فيخرج الكلام بينهم على ما يخاطب الغائب [ مرة ] (٦) ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد، ومثل هذا مستعمل في متعارف [ أهل ] (٧)اللسان، والله اعلم.
وفي الآية دلالة على أن ملك السماوات والأرضيين ومدبرهما واحد، إذ لو لم يكن [ واحدا ](٨) لكان لملك(٩) السماء أن يمنع الشمس والقمر والكواكب من إيصال النفع إلى أهل الأرض، ويكون لملك الأرض أن يمنع ملك السماء من الإغراب في الأرض.
ثم الذي يشرق، ويغرب منذ خلق يجري على ما جرى عليه التدبير جريا واحدا، لم يقع فيه تغيير، ولا تبديل، ولو كان لله تعالى شريك لكان لا بد من وقوع التغيير فيه(١٠).
فثبت أن تدبير السماوات والأرضيين وتدبير سلطانهما راجع إلى الواحد.
١ في الأصل وم: يقول..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: وجوها: احدهما.
٤ في الأصل وم: و..
٥ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: ملك.
١٠ في الأصل وم: فيها.
المعارج 70:41
من اللَّه تعالى، هذا هو ظاهر الكلام، في متعارف اللسان، ولكن يحتمل هذا وجوها:
أحدها: أن يكون هذا القسم من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كأنه علمه أن يقسم به ويقول له: قل يا مُحَمَّد: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ).
وإن كان هذا قسما من اللَّه تعالى فهو مستقيم - أيضا - من وجهين:
أحدهما: على الإضمار؛ كأنه قال: فلا أقسم بي؛ فأنا رب المشارق والمغارب.
والثاني: وإن كان هذا القسم من اللَّه تعالى يستقيم بلفظ الغائب كما يستقيم بلفظ الحاضر؛ لأن الخلق كله لله شهود، وليس هو شاهدًا للخلق، فيخرج الكلام بينهم على ما يخاطب الغائب، ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد، ومثل هذا مستعمل في متعارف اللسان، واللَّه أعلم.
وفي الآية دلالة على أن ملك السماوات والأرضين ومدبرهما واحد؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان لملك السماء أن يمنع الشمس والقمر والكواكب من إيصال النفع إلى أهل الأرض، ويكون لملك الأرض أن يمنع ملك السماء عن الإغراب في الأرض.
ثم الذي يشرق ويغرب منذ خلق يجري على ما جرى عليه التدبير جريا واحدا لم يقع فيه تغيير ولا تبديل، ولو كان لله تعالى فيه شريك لكان لا بد من وقوع التغيير فيها؛ فثبت أن تدبير السماوات والأرضين وتدبير سلطانهما راجع إلى الواحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) هذا موضع القسم، فجائز أن يكون أريد به: أن يبدل الخير منهم، فيجعل مكان ما كانوا من الشر خيرا؛ كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا)، وقد فعل ذلك؛ لأنهم أسلموا.
ويحتمل أن يكون أراد به أن يبدل قوما خيرا منهم.
ثم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على تحقيق القدرة.
والثاني: أن يكون معنى القدرة إرادة الفعل.
أما الأول فعلى وجهين:
أحدهما: على معنى تخويف أهل مكة أنهم إن لم ينتهوا عن ذلك، أنزل اللَّه تعالى
المعارج 70:42
مكانهم من هو خير لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والبدل لا يكون إلا بعد المبدل عنه، وقد فعل الله تعالى ذلك بهم، أهلك المعاندين منهم، وأبدل لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أولادهم والمهاجرين منهم والأنصار الذين آووا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ونصروه.
والثاني: أي: كنا قادرين على أن نجعل المرسل إليهم خيرا منهم؛ إذ قد علموا من قدرة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أنه هو الذي خلقهم وأنشأهم، لكن إنما أرسل إليهم وأمرهم؛ لحاجات أنفسهم، لا لنفع يرجع إليه، ليس على ما عليه ملوك الدنيا، لكنه إنما امتحنهم بالأمر ليسعوا في نجاة أنفسهم، ونهاهم؛ ليفكوا رقابهم من النار؛ فيكون فيه تسكين قلب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عند وجده عليهم حيث لم يؤمنوا.
وأما الوجه الثاني: أن يكون معنى القدرة إرادة الفعل خاصة؛ إذ قد يكنى بالقدرة عن الفعل إذ هي سبب الفعل؛ كالأمر المعتاد بين الخلق يأمر رجل آخر بفعل فيقول: لا أستطيع ولا أقدر، أي: لا أفعل، وعلى هذا تأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ)، أي هل يفعل ذلك فعلى هذا تأويل هذا تأويل قوله - تعالى - (إِنَّا لَقَادِرُونَ)، أي: لفاعلون ما هو خير لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بدلا عن هَؤُلَاءِ.
فإن كان على هذا فيكون فيه بشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه يجعل له أصحابا يرضاهم، ويكون فيه إخبار اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالنصر والغلبة على المكذبين منهم، ويكون فيه إنباء لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه لا ينفذ فيه مكرهم وإن اجتهدوا، ويكون فيه إعلام أنه ينتقم منهم له ويعذبهم، وقد فعل ذلك كله بحمد اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - واللَّه المستعان؛ حيث بدل من أهل مكة أهل المدينة، وكانوا خيرا منهم؛ لأن أهل مكة كانوا عليه، وأهل المدينة كانوا له، فكانوا هم خيرا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ).
والمسبوق: المغلوب، فكأنه قال: لا يسبقنا أحد ولا يعجزنا أحد عن ذلك، ولا يفوتنا أحد فيما نريده.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢).
قال أبو بكر: الخائض: المتحير، واللاعب: الخاطئ، فقوله: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا) أي: دعهم فيما هم فيه من خطاياهم وتحيرهم في دينهم، فكل من اشتغل بما لا يحتاج له فهو خائض لاعب، وأصله أن كل أمر لا عاقبة له تحمد فهو فيه لاعب
المعارج 70:43
لاهٍ؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)، أي: من يعمل في الحياة الدنيا للدنيا لا للآخرة فهو لاعب لاهٍ، وكأن هذه الآية صلة قوله تعالى: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ) الآية، أمره بألا يشتغل بأُولَئِكَ ويقبل على من يرجو منهم الإيمان.
أو أمره بألا يشتغل بمكافأتهم بسوء صنيعهم؛ فإن اللَّه سينصره عليهم ويكافئه عنهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) قد لاقوا ذلك اليوم وهو يوم بدر، وسيلاقون اليوم الثاني وهو يوم الآخرة.
وقوله تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا... (٤٣) يخبر أنهم يخرجون من الأجداث، وهي القبور سراعًا إلى الداعي، والذي يحملهم على الإسراع هو أن أنفسهم أبت إجابة الداعي في الدنيا؛ فنزل بهم الهلاك بتركهم الإجابة، فيسارعون في ذلك اليوم إلى إجابة الداعي؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب الذي حق عليهم بترك الإجابة، وذلك لا ينفعهم وإن وجدت منهم التوبة والرجوع عن تلك الإجابة؛ لأن ذلك اليوم ليس بيوم ينفع فيه الندامة والتوبة، وإنَّمَا هو يوم تجزى فيه كل نفس بما كسبت؛ وهذا كقوله: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ)، فأخبر أنهم يفزعون إلى الإيمان باللَّه تعالى لما أيقنوا أنهم إنما حل بهم البأس بإعراضهم عن الإيمان، ففزعوا عند إيقانهم بالعذاب إلى الإيمان؛ رجاء أن يتخلصوا من العذاب، فلم ينفعهم ذلك ولم يغنهم من عذاب اللَّه شيء؛ إذ ذلك الوقت ليس بوقت قبول التوبة، فيكون هذا تحريضا بالإسراع إلى إجابة الداعي والإيمان بما يدعو إليه قبل أن يؤمنوا إيمانا لا ينفعهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ).
قرئ بنصب النون، وجزم الصاد، وهو اسم العلامة كالغرض وأشباهه.
وقرئ بضم النون والصاد، وهو اسم الصنم.
فإن كان على العلامة، فمعناه: أنهم يسارعون في ذلك الوقت إلى إجابة الداعي مسارعة من يسارع في هذه الدنيا إلى الغرض والعلامة المنصوبة؛ كذا قاله بعض أهل التأويل.
وذكر عن الكلبي (إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ): إلى علم يسعون.
وقال قتادة: إلى علم يستبقون.
المعارج 70:44
وعن مجاهد: إلى علم ينطلقون.
فإن كان على الثاني، فمعناه: أنهم يسرعون إلى إجابة الداعي في ذلك؛ كسرعتهم إلى عبادة النصب عند خوفهم فوت عبادتها وعند اجتماع عبادها عندها لو يبتدرون نصبهم حتى يستلموها.
ومنهم من ذكر أن النصب برفع النون والصاد هي الأغراض التي يسبقون إليها، ومن تأول هذا فهو يجعل النُصُب هاهنا جمع النَّصْب.
وقوله: (يُوفِضُونَ) أي: يسرعون.
وقال الحسن: أي: يرملون، وهما واحد؛ لأن الإسراع في الرمل موجود.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ... (٤٤).
يحتمل أن يكون هذا على بصر الوجوه وصفة خشوعها على ما قال في آية أخرى: (لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)، فيخشع خشوعا لا يملك صرف طرفه عن الداعي، ففيه أن الذِّلة قد أحاطت بهم حتى أثرت في الأعين والوجوه، وفي كل عضو.
وجائز أن يكون هذا على بصر القلوب، وهو أن قلوبهم تشتغل بإجابة الداعي عن أن تبصر لنفسها حيلة تتخلص بها من أهوال ذلك اليوم وشدائده.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ):
أي: تعلوهم، والذلة: الحالة في النفس تبدو وتظهر من الأبصار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ).
حقه أن يقول: هذا اليوم الذي كانوا يوعدون؛ لأنه أضاف إلى اليوم الذي كانوا يوعدون في الدنيا.
ولكن معناه: كانوا يوعدون ذلك اليوم في الدنيا، وذلك اليوم في الوقت الذي كانوا يوعدون غير موجود، فيعبر عنه بما يعبر به عن الغائب، واللَّه أعلم، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله أجمعين.
* * *
نوح 71:1
سُورَةُ نُوحٍ عليه السلام مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
في ذكر نبأ نوح - عليه السلام - دلالة رسالته وأَية نبوته؛ لما ذكرنا: أن هذا لم يكن من علمه، ولا علم قومه، ولم يختلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى من عنده علم به فتعلمه منه، فعلم أنه باللَّه تعالى علمه لا بأحد من خلقه؛ فيكون فيه إلزام الحجة عليهم، وفيه إعلام رسول اللَّه - عليه السلام - ما لقي نوح - عليه السلام - من قومه؛ ليصبره بذلك على أذى قومه؛ إذ السورة مكية.
ثم أمره بالإنذار، ولم يذكر معه البشارة، فكذلك قال نوح - عليه السلام - (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) ولم يقل: بشير، وقد كان هو بشيرا ونذيرا، فجائز أن يكون اقتصر على ذكر النذارة؛ لأن في ذكرها ذكر البشارة؛ وذلك أنهم إذا استوجبوا العذاب إذا داموا على ما هم فيه من الضلالة وعبادة غير اللَّه تعالى، فهم إذا انتهوا عن ذلك استوجبوا العفو، واستيجاب العفو وقوع البشارة، فإذا كان ذكر أحد الوجهين يقتضي ذكر الوجه الآخر، اكتفي بذكر أحدهما عن ذكر الآخر.
وجائز أن يكون خص النذارة بالذكر؛ لأن الحال كانت حال الإنذار؛ لأنهم كانوا معرضين عن طاعة اللَّه تعالى ومقبلين على عبادة غيره، فكانوا مستوجبين للنذارة، ولم يكونوا من أهل البشارة، وإنما يصيرون من أهلها إذا انتهوا عما هم عليه؛ فيكون قوله: (أَنْذِرْ قَومَكَ) إن داموا على ما هم عليه، وفي هذا دلالة على أن المرء إذا أخذ غير طريق الهدى، فالسبيل فيه أن يفسد عليه مذهبه، ثم إذا ظهر فساده عنده، أمره باتباع سبيل الهدى وبين له الحجج والدلائل؛ لينجع فيه ذلك، ليس أن يحتج عليه بالحجج التي هي
نوح 71:2
حجج مذهب الحق قبل أن يبين له فساد ما هو فيه؛ فإن ذلك لا ينجع فيه، ولا يدعوه إلى قبول الحق والتزامه، بل يبين له قبح ما هو فيه وفساد ما اعتقده، فإذا بأن له ذلك يحتاج إلى أن يسأله عن سبيل الهدى فيه؛ ليعرفه بالتعلم.
ثم الأصل أن الدنيا هي سبيل الآخرة، والضلال سبيل يفضي بمن سلكه إلى العذاب الدائم، والهدى سبيل يفضي إلى الثواب الدائم، فالنذارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة من يلزم الضلال، والبشارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة من يلزم الهدى.
وإن شئت قلت: إن النذارة هي أن يبين عسر ما يحل به في العاقبة، والبشارة هي أن يثبته بما يصير إليه في العاقبة من اليسر.
ثم في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) دلالة أن حجة الإسلام تلزم الخلق قبل أن يأتيهم النذير؛ لأنه لو كانت لا تلزمهم، لكانوا في أمن من نزول العذاب قبل أن يأتيهم النذير؛ فلا يخوفون بنزل العذاب بهم قبل أن ينذروا، فلما خوفوا بنزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير دل أن الحجة لازمة عليهم، وأن لله تعالى أن يعذبهم لتركهم التوحيد وإن لم يرسل إليهم الرسل، فيكون تأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، على عذاب الاستئصال في الدنيا ليس على عذاب الآخرة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢).
أي: مبين بما يقع به الإنذار والتخويف؛ فيكون الإبانة منصرفة إلى النذارة.
ويحتمل أن يكون هذا الوصف راجعا إلى نفسه خاصة؛ كأنه قال: نذير لكم مبين، أي: إني لم أقم في دعائي إياكم إلى عبادة اللَّه تعالى وإنذاركم من عند نفسي، ولكن بما اختصني اللَّه تعالى وولاني ذلك.
ثم الأصل في الإنذار أن يقتضي نهيا وفي النهي أن يقتضي أمرا، لكن الإنذار يقتضي نهيا وَكِيدا، والنهي الوكيد يقتضي الأمر بالخلاف أمرا وكيدا.
وأما البشارة فهي تقتضي الأمر الوكيد وغير الوكيد؛ لأنه يستوجب البشارة بكل خير يفعله، وإن كان للمرء ترك ذلك الخير بخير آخر يأتي به، فلا يفهم بنفس البشارة الأمر الوكيد؛ ويفهم بتصريح النذارة كلا الوجهين اللذين ذكرناهما.
وإذا كان كذلك، فمطلق البشارة لا يدل على تحقيق النذارة، وأما النذارة فهي تدل على
نوح 71:3
البشارة؛ لأن النذارة على ما هو فيه في الفعل تلزم النهي، وإذا انتهى عنه فقد حصل العفو، وفي حصول العفو ارتفاع ما خوف وذهابه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) فكأنه قال: أنذرهم على عبادة غير اللَّه، ومرهم بعبادة من يستحق العبادة، وهو اللَّه تعالى؛ إذ الأمر بالإنذار يقتضي النهي عما هم عليه ويدعو إلى خلافه، وبين لهم الخلاف الذي دعوا إليه؛ لقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ).
وقيل: (اعْبُدُوا اللَّهَ)، أي: وحدوه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل عبادة جرى بها الأمر في القرآن على الإرسال فهي منصرفة إلى التوحيد.
فكأن الذي حملهم على هذا التأويل هو أن الآيات التي فيها أمر بالعبادة نزلت في أهل الكفر؛ لأنه خاطب بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، ولم يخاطب بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: يا أيها الذين آمنوا اعبدوا ربكم، وإذا ثبت أنها في أهل الكفر، والكافر أول ما يؤمر يؤمر بالتوحيد ليس يخاطب بعبادة أخرى سواه؛ لأنه ما لم يأت بالتوحيد لم يقبل منه شيء من العبادات، فجعلوا تأويل العبادة التوحيد لهذا؛ لا أن يكون العبادة عبارة عن التوحيد خاصة، بل العبادة يراد بها التوحيد مرة إذا ذكرت عقيب الكفر، وإذا ذكرت في أهل الإيمان فالعبادة منهم أن يفوا بمعاملة ما اعتقدوه بالقول؛ وأن ينجزوا ما وعدوا من أنفسهم، وهذا كما ذكرنا في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: أنهما إذا ذكرتا في أهل الكفر، انصرف المراد من ذلك إلى الاعتقاد لا إلى الفعل؛ لأنهم ليسوا من أهل الفعل، وإذا ذكرتا في أهل الإسلام أريد بالإقامة والإيتاء إيجاد الفعل، فكذلك الحكم في العبادة بقوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ) أي: وحدوه واتقوه، أي: اتقوا الإشراك في عبادته، وأطيعوني فيما آمركم به من توحيد اللَّه تعالى وألا تشركوا به شيئا.
وجائز أن يكون قوله: (وَاتَّقُوهُ)، أي: اتقوا المهالك كلها، واتقوا النار؛ كما قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، وقوله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)، فالتقوى إذا ذكر على الانفراد مرسلا، اقتضى الانتهاء عما فيه الهلاك، واقتضى الأمر بالعبادة والطاعة، وإذا جمع بين العبادة والتقوى،
نوح 71:4
كانت العبادة منصرفة إلى إتيان الأفعال، وانصرف التقوى إلى اتقاء المهالك، وهو كما قلنا في البر والتقوى: إن كل واحد منهما إذا ذكر مفردا اقتضى ما يقتضيه الآخر، وإذا جمعا في الذكر، صرف أحدهما إلى جهة والآخر إلى جهة أخرى، وكذلك الإسلام والإيمان إذا أفرد بذكر أحدهما يكون معنى كل واحد منهما هو معنى الآخر، وإذا جمعا في الذكر صرف كل واحد منهما إلى جهة على حدة.
وقال الحسن في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّقُوهُ)، أي: اتقوا اللَّه في حقه أن تضيعوه فهو يجمع ما يؤتى وما يتقى.
ثم الأصل أن الطاعة قد تكون لمن سوى اللَّه، والعبادة لا تكون إلا لله تعالى؛ فلذلك قال عند الأمر بالعبادة: (اعْبُدُوا اللَّهَ)، فأضافها إلى اللَّه تعالى، وأضاف الطاعة إلى نفسه بقوله: (وَأَطِيعُونِ)، ففيه دلالة أن ليس في الطاعة لآخر إشراك باللَّه تعالى في الطاعة، بل اللَّه تعالى جعل الإشراك في الطاعة بقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، وذم من يعدل باللَّه تعالى في العبادة بقوله تعالى: (وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، فالعبادة كأنها تقتضي الخضوع والتضرع على الرجاء والخوف، واللَّه تعالى هو الذي يرجى منه ويخاف من نقمته، فأما الطاعة فهي تقتضي فعلا على الأمر لا غير؛ وعلى ذلك لما صرفت الكفرة الرجاء والخوف إلى الأصنام بقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقولهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، سموا: عباد الأصنام، فكل من يفعل الفعل على الخوف والرجاء فذلك منه عبادة له.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) إن صرفت قوله: (وَاتَّقُوهُ) إلى اتقاء الشرك يرجع قوله: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) إلى ما سلف من الذنوب في حالة الشرك؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ).
وإن صرفته إلى سائر وجوه المهالك، رجع إلى السالف وإلى الآنف جميعا؛ وهو كقوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)؛ فيكون قوله (مِن) صلة على ما ذكره أهل التفسير، ومعناه: يغفر لكم ذنوبكم.
وجائز أن يكون قوله: (مِن) على التحقيق ليس على حق الصلة؛ لأنه قد يكون من الذنوب ذنوب يؤاخذ بها بعد الإسلام، وهي التي تكون بينه وبين الخلق من القصاص وغيره، فالمأثم بالقتل وإن زال عنه بالتوبة؛ فإن القصاص لا يرتفع عنه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) جائز أن يكون أُولَئِكَ القوم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام؛ فيخرج قوله: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) مخرج الأمان لهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا؛ إذ يكون معناه: أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى انقضاء أجلكم المسمى سالمين آمنين، لا يتهيأ لعدوكم أن يمكر بكم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقال في موضع آخر: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، جائز أن يكون قوله: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ)، أي: لا يتأخرون عن آجالهم أو لا يؤخرون بما يطلبون من التأخير؛ فيكون في هذا إياس لهم أنهم لا يؤخرون إذا طلبوا التأخير؛ قال اللَّه تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ)؛ فأخبر - جل جلاله - أن الموت إذا أتاه طلب التأخير ليبذل ما طلب منه البذل قبل ذلك من التصدق والإيمان به، فقطع عنهم طمعهم بقوله: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)، وبقوله: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، وبقوله: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ).
وهذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون بأن رجلا لو جاء وقتل آخر، فإنما قتله قبل انقضاء أجله، واللَّه تعالى يقول: (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، والأصل: أن اللَّه تعالى إذا علم أنه يقتل فإنما يجعل انقضاء أجله بالقتل ليس بغيره؛ لأنه لا يجوز أن يجعل انقضاء أجله بموته حتف نفسه، ثم ينقضي أجله بغير ذلك؛ لأنه لو جاز ذلك لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، والجهل بالعواقب يسقط الربوبية، ويثبت الجهل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
أي: لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء آجالكم، لكنتم تبذلون للحال ما أريد منكم؛ لئلا يحل بكم العذاب.
أو أن يكون معنى قوله: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ)، أي: أجل العذاب إذا حل، وقع
نوح 71:5
لا محالة، فلو علموا بوقوعه لا محالة، لارتدعوا عنه.
* * *
قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا).
يحتمل أن يكون هذا من نوح - عليه السلام - بعد أن أخبر (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)، فيكون القول منه قول معتذر: أنه لم يقصر في دعوة قومه إلى الإسلام، وأنه قد دعاهم إلى الإسلام في كل وقت وحال، وأنه قد أبلى عذره في ذلك، وإنما جاء التفريط والتعدي من جهة قومه.
ويحتمل أن يكون هذا منه على الإشفاق والرحمة والتعرض؛ لاستنزال اللين والرحمة، لعل اللَّه تعالى بلطفه يلين قلوبهم فينقادوا للحق، ويرغبوا في الإجابة؛ ليتخلصوا من العذاب ويستوجبوا المغفرة من ربهم، فهو يخرج على أحد هذين الوجهين: إن كان قبل الإخبار، فهو على التعرض منه؛ لاستنزال اللين والرحمة، وإن كان بعده فهو على إبلاء العذر، لا على الدعاء والرجاء بأن يلين قلوبهم بلطفه فينقادوا للحق؛ إذ لا يجوز أن يخبر اللَّه تعالى أنهم لا يؤمنون، وهو يطمع منهم أن يؤمنوا.
ثم قوله: (إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا)، أي: دعوت في كل وقت وكل ساعة من الليل والنهار أمكنني فيه الدعاء.
وقوله -. عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦).
وأصل هذا أن عداوتهم كانت قد اشتدت لنوح عليه السلام، وكانوا قد استثقلوه وأبغضوا كلامه، فحدث لهم ببغضهم كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على الفرار؛ فنسب ذلك إلى الدعاء، لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء؛ فنسب إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب، لا أن يكون الدعاء في الحقيقة سببا لزيادة الفرار؛
نوح 71:6
الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿فلم يزدهم دعائي إلا فرارا﴾ أصل هذا أن عداوتهم كانت قد استبدت بنوح عليه السلام وكانوا قد استثقلوه، وأبغضوا كلامه، فحدث لهم ببغضهم(١) كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على الفرار، فنسب ذلك إلى الدعاء ؛ لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء، فنسبه(٢) إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب لا أن يكون الدعاء في الحقيقة سببا لزيادة الفرار، وهو كقوله تعالى :﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾[التوبة: ١٢٥] والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلي عليهم القرآن، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه، فأضيفت تلك الزيادة إلى القرآن، إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس، فنسب إليه على معنى المجاورة، وكقوله(٣) تعالى :﴿فاتخذتموه سخريا حتى أنسوكم ذكري﴾[ المؤمنون ١١٠ ] وهم لم يكونوا ناسين(٤)، بل كانوا ذاكرين(٥)، يذكرونهم مرة بعد مرة، لكن بغضهم إياهم واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان، فنسب إليهم الإنساء(٦).
فعلى ذلك لما أبغضوا، واستثقلوا كلامه ودعاءه أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود. ثم سبب النفار إلى الدعاء الوجه الذي ذكرنا لا(٧) أن يكون الدعاء في الحقيقة منفرا(٨).
١ في م: بغضهم..
٢ الهاء ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: وقال..
٤ في الأصل و م: منسيين..
٥ في الأصل و م: مذكورين..
٦ في الأصل و م: الأشياء..
٧ في الأصل و م: إلا..
٨ في الأصل و م: منفر..
نوح 71:7
وهو كقوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ)، والقرآن لم يجعل سببا لزيادة الرجس، ولكنهم لما أحدثوا بغضا عندما تلى عليهم القرآن، فحدث لهم بذلك معنى حملهم على ذلك الوجه، فأضيفت تلك الزيادة إلى القرآن؛ إذ عند ذلك حدث ذلك السبب الزائد في الرجس، فنسب إليه على معنى المجاورة، وقال اللَّه تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي)، وهم لم يكونوا منسيين، بل كانوا مذكرين يذكرونهم مرة بعد مرة، لكن بغضهم إياهم واتخاذهم سخريا أوقع لهم النسيان، فنسب إليهم الإنساء، فعلى ذلك لما أبغضوه واستثقلوا كلامه ودعاءه، أحدث لهم ذلك البغض زيادة نفار وجحود، ثم نسب النفار إلى الدعاء على الوجه الذي ذكرنا لا أن يكون الدعاء في الحقيقة منفر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) وقال في موضع آخر: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ...) إلى قوله: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ)، فيجوز أن تكون هذه الآية فيما يدعون رؤساءهم وأشرافهم والأجلة منهم، فإذا دعاهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء عليهم السلام، وضربوهم على ما ذكر في الأخبار، وأما الأتباع منهم، والمقلدون لهم، كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ويغطون وجوههم ورءوسهم؛ كي لا يسمعوا كلامه فيقع شيء منه في قلوبهم؛ لما حذرهم رؤساؤهم عن ذلك.
أو يكون هذا في طائفة منهم، وهذا في طائفة إذا كان أيس من قوم، وأقبل على آخرين، فاختلفت معاملتهم معه على ما كان من أمر نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ثم هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: على التحقيق على ما ذكرنا؛ ليؤيسه من الإجابة.
والثاني: جائز أن يكون على التمثيل، فضرب مثلهم في تركهم الإجابة مثل من جعل أصبعه في أذنه واستغشى ثيابه؛ لئلا يسمع ولا يجيب؛ وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)، ولم يوجد منهم نبذ، ولكنهم أعرضوا عنه إعراض من ينبذه وراء ظهره، وكذلك في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) على التمثيل، وهو أنهم تركوا الإجابة إلى ما دعوا إليه كترك الإجابة من الذي يرد يده في
نوح 71:8
فيه؛ لئلا يتكلم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا)، أي: داموا على ما هم عليه وثبتوا على كفرهم.
وقال قتادة: (وَأَصَرُّوا)، أي: صاحوا في وجوه الأنبياء - عليهم السلام - ردا عليهم، أو مغالبة في الدعاء؛ كقوله: (وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)، أي: استكبروا عن طاعة اللَّه تعالى، وامتنعوا عن الإجابة لرسوله عليه السلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩)، ففي هذا إخبار أنه دعاهم إلى عبادة اللَّه تعالى في كل وقت تهيأ له من ليل أو نهار، ولم يقصر فيها، ودعاهم في كل وقت؛ رجاء الإجابة منهم.
ويحتمل (إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا)، أي: إذا بعدوا مني، وازدحموا وكثروا؛ فدعاهم جهارا؛ لتعمهم الدعوة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) إذا قربوا منه وقلوا، فلما أدخلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم أعلن في الدعاء.
ثم جائز أن يكون الجهر والإسرار منصرفا إلى الدعوة، ويكون الإعلان إعلانا بالحجج وإظهارا للبينات، وإلى هذا يذهب أبو بكر الأصم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) فالاستغفار طلب المغفرة بما ذكر من قوله عَزَّ وَجَلَّ: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ)؛ فيكون هذا منه أمرا لهم بإتيان الإيمان الذي هو سبب المغفرة، لا أمرًا بسؤال المغفرة نفسه من اللَّه تعالى؛ إذ استغفار كل قوم يرجع إلى أحوالهم، فإذا كانوا كفرة، فهو إيمان باللَّه تعالى، وإن كانوا أصحاب ذنوب، فالتوبة إلى اللَّه تعالى، وإن كانوا مخلصين فمما سلف من ذنوبهم مما يعلمونها، ونحو ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) فيحتمل أنما قال هذا لهم؛ لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه، غفر اللَّه لهم ذنوبهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا؛ فيتوسعوا به، على ما قال به بعض أهل التأويل: إن اللَّه تعالى قد حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير؛ فلذلك كان نوح - عليه السلام - يعدهم بما ذكرنا، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم بالإجابة وزوال السعة عنهم بالإسلام ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أن الذي هم فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل عليهم المطر من السماء مدرارا متتابعا، ويمددهم بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار، لكن ذوو الألباب والعقلاء ينظرون إلى حسن العاقبة وما إليه مآل الأمر دون الحال، فذلك الذي يرغب فيه؛ ولذلك اختلفت دعوة النبي عليه السلام لأمته: فمنهم من بشره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته، (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، وقال: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ...) الآية.
ونظير الأول كقوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
والأصل أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا مبشرين ومنذرين، داعين، زاجرين، محتجين، مدحضين، فما تلوا عليهم من أنباء الأولين دخل فيهم جميع الأوجه الثلاثة؛ إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتلاء، ومرة بذكر ما ينزل بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين؛ أن كيف كان عاقبة هَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ.
وكذلك دعاء الرحمة يكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر، وبذكر الأمم السالفة، وأن الرسل كيف كانوا يدعونهم ثانيا للحق، واللَّه أعلم.
نوح 71:10
الآية١٠ : وقوله تعالى :﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ فالاستغفار طلب المغفرة بما ذكر من قوله عز وجل :﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾[ الآية : ٣ ] فيكون هذا منه أمرا لهم بإتيان الإيمان الذي هو سبب المغفرة، لا أمرا بسؤال المغفرة نفسه من الله تعالى ؛ إذ استغفار كل قوم يرجع إلى أحوالهم :
فإذا كانوا كفرة فهو إيمان بالله تعالى، وإن كانوا أصحاب ذنوب فالتوبة إلى الله تعالى عز وجل وإن كانوا مخلصين، فمما سلف من ذنوبهم مما يعلمونها ونحو ذلك.
نوح 71:11
الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿ويرسل السماء عليكم مدرارا﴾ ﴿ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾ فيحتمل أن ما قال هذا لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال، فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه غفر الله لهم ذنوبهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا، فيتوسعوا به على ما قال به بعض أهل التأويل : إن الله تعالى قد حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير. ولذلك كان نوح عليه السلام يعدهم.
[ ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم والإجابة وزوال السعة عنهم بالإسلام ](١) ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر الله عز وجل أن الذي هم فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل عليهم المطر من السماء مدرارا متتابعا، ويمددهم(٢) بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار.
لكن ذوي(٣) الألباب والعقلاء ينظرون(٤) إلى حسن العاقبة وما[ عليه مآل الأمر ](٥) دون الحال، فذلك الذي يرغبهم(٦) فيه. ولذلك اختلفت دعوة النبي عليه السلام لأمته[ فمنهم ](٧) من بشّره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته [ بقوله تعالى ](٨) :﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ ]يونس : ٥٨ ] وقوله(٩) تعالى :﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ الآية[آل عمران: ١٥].
ونظير الأول كقوله عز وجل :﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾[الأعراف: ٩٦].
والأصل أن الرسل عليه السلام بعثوا مبشرين ومنذرين داعين زاجرين محتجين مدحضين ؛ فبما يتلون(١٠) عليهم من أنباء الأولين دخل فيه(١١) جميع الأوجه الثلاثة، إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتداء ومرة بما ينزل بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين : أن كيف كانت عواقب هؤلاء وهؤلاء.
وكذلك الدعاء، والرحمة تكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر يكون(١٢) بذكر الأمم السالفة وأن الرسل كيف كانوا يدعونهم ثانيا، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من و، في الأصل: ويمددكم.
.
٣ في الأصل: ذوو، في م: ذوا..
٤ في الأصل و م: ينظر..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: إليه مودة..
٦ في الأصل و م: يرغبه..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: وقال..
١٠ في الأصل و م: يتلوا..
١١ في الأصل و م: و..
١٢ في الأصل و م: فيهم..
نوح 71:12
الآيتان ١١ و١٢ : وقوله تعالى :﴿ويرسل السماء عليكم مدرارا﴾ ﴿ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾ فيحتمل أن ما قال هذا لأنهم كانوا في شدة عيش وضيق حال، فوعد أنهم إن انتهوا عن الكفر، وأجابوا إلى ما يدعوهم إليه غفر الله لهم ذنوبهم، وأرسل السماء عليهم مدرارا، فيتوسعوا به على ما قال به بعض أهل التأويل : إن الله تعالى قد حبس عنهم المطر، وعقمت أرحام نسائهم، وهلكت مواشيهم وجناتهم لتمام أربعين سنة، ثم أهلكوا بعد ذلك، وكانوا كلهم كفارا، ليس فيهم صغير. ولذلك كان نوح عليه السلام يعدهم.
[ ويحتمل أن يكونوا خافوا انقطاع النعمة عنهم والإجابة وزوال السعة عنهم بالإسلام ](١) ومن الناس من يترك الإيمان خشية هذا، فأخبر الله عز وجل أن الذي هم فيه من رغد العيش لا ينقطع عنهم بالإسلام، بل يرسل عليهم المطر من السماء مدرارا متتابعا، ويمددهم(٢) بأموال وبنين مع ما يجعل لهم من الجنان والأنهار.
لكن ذوي(٣) الألباب والعقلاء ينظرون(٤) إلى حسن العاقبة وما[ عليه مآل الأمر ](٥) دون الحال، فذلك الذي يرغبهم(٦) فيه. ولذلك اختلفت دعوة النبي عليه السلام لأمته[ فمنهم ](٧) من بشّره بكثرة أمواله وبنيه، ومنهم من رغبه في آخرته [ بقوله تعالى ](٨) :﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ ]يونس : ٥٨ ] وقوله(٩) تعالى :﴿قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ الآية[آل عمران: ١٥].
ونظير الأول كقوله عز وجل :﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾[الأعراف: ٩٦].
والأصل أن الرسل عليه السلام بعثوا مبشرين ومنذرين داعين زاجرين محتجين مدحضين ؛ فبما يتلون(١٠) عليهم من أنباء الأولين دخل فيه(١١) جميع الأوجه الثلاثة، إذ النذارة والبشارة مرة تقع بالابتداء ومرة بما ينزل بالمتقدمين المصدقين منهم والمكذبين : أن كيف كانت عواقب هؤلاء وهؤلاء.
وكذلك الدعاء، والرحمة تكون مرة بابتداء الدعاء، والزجر يكون(١٢) بذكر الأمم السالفة وأن الرسل كيف كانوا يدعونهم ثانيا، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من و، في الأصل: ويمددكم.
.
٣ في الأصل: ذوو، في م: ذوا..
٤ في الأصل و م: ينظر..
٥ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: إليه مودة..
٦ في الأصل و م: يرغبه..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ في الأصل و م: وقال..
١٠ في الأصل و م: يتلوا..
١١ في الأصل و م: و..
١٢ في الأصل و م: فيهم..
نوح 71:13
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣).
قال أبو بكر الأصم: تأويله كيف لا ترجون لله ثوابا فتعبدوه فيثيبكم بها، وقد علمتم أن الخير كله في يده، وأن الذي تعبدون من دون اللَّه لا يملكون لكم نفعا ولا يدفعون عنكم ضرًّا؛ فجعل قوله: (وَقَارًا) مكان " عبادة "، واللَّه أعلم.
وقال غيره: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا)، أي: ما لكم لا ترجون لأنفسكم عند الله منزلة وشرفا وقدرا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ما لكم لا تخافون عظمة اللَّه وقدرته عليكم؛ فتنتهوا عما نهاكم وتأتوا ما أمركم به، وحمل الرجاء على الخوف؛ لما قد ذكرنا أن الرجاء المطلق يقتضي الخوف والرجاء جميعا، وكذلك الخوف المطلق يقتضي رجاء، واللَّه أعلم.
والأشبه بالتأويل عندنا: أن الرجاء لله تعالى على مثال الغضب لله، والحب لله، والبغض لله، أي: ما لكم لا تسعون سعي من يرجو ما عند اللَّه على الوقار والهيبة، بعد أن شاهدتم من نعم اللَّه تعالى وإحسانه إليكم من خلق أن سماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر، وما ذكر من منته في الآيات التي يتلوها؛ وذلك أن المرء إذا سعى لآخر على غير رجاء أو لم يرج أحدا، استحقر به، فألزمهم نوح - عليه السلام - سعي من يرجوه على التوقير والهيبة على ما عليه العادة في الشاهد أن الساعي للملوك والكبراء على الرجاء كيف يكون منهم توقيرهم إياهم وهيبتهم منهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤).
فمن حمل قوله: (لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) على حقيقة الرجاء، فتأويله: كيف لا ترجون أن يعظم قدركم عند اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إذا أجبتم إلى ما دعاكم إليه، وفيما ذكر من خلقه إياهم أطوارا تذكير لهم حسن صنيعه بهم فيما قلبهم من حال إلى حال من أول ما أنشأهم إلى حالهم التي هم فيها، فكيف لا يرجون إحسانه في حادث الأوقات إذا أقبلوا على طاعته واشتغلوا بعبادته؟!
وإن كان قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) على الخوف، ففيما ذكر من قوله - عز وجل -: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) تذكير العظمة والسلطان والقدرة، وهو أنه دبركم في تلك الظلمات الثلاث، ولم يخفَ عليه أحوالكم فيها، بل قلبكم من حال إلى حال كيف شاء،
نوح 71:14
الآية١٤ : وقوله تعالى :﴿وقد خلقكم أطوارا﴾ فمن حمل قوله :﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ ؟ على حقيقة الرجاء فتأويله : كيف لا ترجون أن يعظم قدركم عند الله عز وجل، إذا أجبتم إلى ما دعاكم إليه، وفي ما ذكر من خلقه إياهم أطوارا تذكير لهم حسن صنيعه لهم في ما قلّبهم من حال إلى حال من أول ما أنشأهم إلى حالهم التي هم فيها، وكيف لا يرجون إحسانه في حادث الأوقات إذا أقبلوا على طاعته، واشتغلوا بعبادته ؟.
وإن كان قوله عز وجل﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ على الخوف ففي ما ذكر من قوله عز وجل :﴿وقد خلقكم أطوارا﴾ تذكير العظمة والسلطان والقدرة، وهو أنه [ خلقكم ](١) وبرأكم في تلك الظلمات الثلاث، ولم تخف عليه أحوالكم فيها، بل قلبكم من حال إلى حال كيف شاء، فكيف تخفى عليه أفعالكم في حال بروزكم وظهوركم ؟ فيكون في ذكر هذا تنبيه أن الله تعالى، لا يخفى عليه شيء من أعمال الخلق، فيدعو ذلك إلى المراقبة، ويلزم التيقظ والتبصرة في كل حال لئلا يتعدى بأحد ](٢) حدود الله، ولا يضيع حقوقه، فيحل به البوار والهلاك.
فإذا حمل التأويل على الرجاء كان فيه تذكير عظيم نعمه عليهم من أول ما أنشأهم إلى الوقت الذي انتهوا إليه، فيحملهم ذلك على طلب ما يشرف قدرهم عند الله تعالى، وتحمد عاقبتهم.
وإن حملته على الخوف كان فيه تذكير القدرة والسلطان، فيحملهم على المراقبة والاتقاء في حادث الأوقات.
ومن حمل قوله عز وجل :﴿وقارا﴾ على العبادة فهو يخرج على غير الوجهين اللذين ذكرناهما في الخوف والرجاء إذا صرف إليهما التأويل ؛ كأنه يقول : إن الذي خلقكم أطوارا، قد تعلمون أنه حكيم[ ومن هو حكيم ](٣) لا يسفه[ ومن ](٤) ترككم سدى لا يأمركم، ولا ينهاكم، ولا يستأدي منكم شكر النعم، سفه. فيكون في ذكر هذا ترغيب في العبادة وإخلاص الطاعة، ويكون في ذكر هذا أيضا تثبيت الربوبية وإلزام القول/ ٥٩٩ ب/ بالوحدانية، لأنه أنشأهم من أول ما أنشأهم نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن خلقهم بشرا سويا.
فلو لم يكن المدبر والمنشئ واحدا لكان يعجز عن تقليبه من حال على حال، لأنه إذ أراد أن ينشئ من النطفة علقة ومن العلقة مضغة كان للآخر أن يمنعه عن تدبيره، فلا يتهيأ له إنشاء علقة ولا مضغة.
فارتفاع المانع دليل على أن لا مدبر سواه، ولا خالق غيره. فإذا ثبت[ انفراده بما ذكرنا ثبت ](٥) أنه هو المستحق للعبادة من الخلائق.
وقال بعضهم : معنى قوله :﴿وقد خلقكم أطوارا﴾ أي بمختلف الأخلاق والصور والألوان والألفاظ والأصوات والنعم حتى لا ترى أحدا يشبه آخر بجميع خلقته. وهذا من عظيم ما يستدل به على قدرة الله وحكمته، والله الموفق.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: و..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
نوح 71:15
فكيف يخفى عليه أفعالكم في حال بروزكم وظهوركم؛ فيكون في ذكر هذا تنبيه أن اللَّه تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال الخلق فيدعو ذلك إلى المراقبة، ويلزم التيقظ والتبصر في كل حال؛ لئلا يتعدى حدود اللَّه، ولا يضيع حقوقه، فيحل به البوار والهلاك.
فإذا حملت التأويل على الرجاء، فهو يخرج على غير التأويل الذي حملته على الخوف؛ لأنك إذا حملته على الرجاء كان فيه تذكير عظيم مننه، ونعمه عليهم من أول ما أنشأهم إلى الوقت الذي انتهوا إليه؛ فيحملهم ذلك على طلب ما يشرف قدرهم عند الله تعالى، ويحمد عاقبتهم.
وإن حملته على الخوف، كان فيه تذكير القدرة والسلطان؛ فيحملهم على المراقبة والاتقاء في حادث الأوقات.
ومن حمل قوله: (وَقَارًا) على العبادة، فهو يخرج على غير الوجهين الذين ذكرناهما في الخوف والرجاء إذا صرف إليهما التأويل، كأنه يقول: إن الذي خلقكم أطوارا قد تعلمون أنه حكيم ومن هو حكيم لا يسفه، وتَرْكُكُم سدى لا يأمركم ولا ينهاكم، ولا يستأدي منكم شكر النعم - سفه؛ فيكون في ذكر هذا ترغيب في العبادة وإخلاص الطاعة.
ويكون في ذكر هذا أيضا إثبات الربوبية وإلزام القول بالوحدانية؛ لأنه أنشأهم من أول ما أنشأهم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى أن خلقهم بشرا سويًّا، فلو لم يكن المدبر والمنشئ واحدا، لكان يعجز عن تقليبه من حال إلى حال؛ لأنه إذا أراد أن ينشئ من النطفِ علقة، ومن العلقة مضغة، كان للآخر أن يمنعه عن تدبيره؛ فلا يتهيأ له إنشاء علقة ولا مضغة، فارتفاع المانع دليل على أن لا مدبر سواه، ولا خالق غيره.
وإذا ثبت انفراده بما ذكرنا ثبت أنه هو المستحق للعبادة من الخلائق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: معنى قوله: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)، أي: مختلف الأخلاق والصور والألوان والألفاظ والأصوات والنغم؛ حتى لا يرى أحد يشبه آخر بجميع خلقته، وهذا من عظيم ما يستدل به على قدرته وحكمته، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥).
نوح 71:16
قد ذكرنا أن قوله: (أَلَمْ تَرَوْا) يقتضي تذكير أمر عرفوه، فأغفلوا عنه، فقد يقتضي تذكير أعجوبة لم يسبق من الخلائق العلم بها، يقول: قد رأوا أنه خلق سبع سماوات طباقا بغير علائق فوقها ولا أعمدة تحتها، ومن قدر على خلق مثله لقادر على خلق كل ما يريد؛ فيكون فيه إيجاب القول بالبعث؛ إذ إعادتهم ليست بأعسر من خلق السماوات في تقدير عقولكم، فمن قدر على خلقهن، لقادر على البعث، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا... (١٦).
منهم من يذكر أنه جعله نورا في السماء الدنيا، وأضافه إلى جملة السماوات.
وقد يجوز - أيضا - أن يضاف الشيء إلى العدد وإن لم يكن يوجد ذلك إلا في البعض، يقال: في سبع قبائل مسجد واحد، والمسجد إذا كان واحدا فهو لا يكون في سبع قبائل، وإنَّمَا يكون في قبيلة واحدة، ويقال: فلان توارى في دور قوم، وهو لا يكون متواريا في دور جملتهم، وإنما يكون متواريا في واحدة منهن، ثم أضيف التواري إلى الجملة فكذلك أضاف نور القمر إلى السماوات السبع وإن كان القمر في سماء واحدة.
ومنهم من ذكر أن نور القمر قد أحاط بجميع السماوات، وزعم أن وجهه إلى السماوات، وظهره إلى أهل الأرض، ولهذا ما يعمل عليه السواتر من السحاب وغيره، فأما نور وجهه فإنه لا يستره شيء من السواتر.
لكن هذا إنما يعرف بالخبر، فإن صح عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خبر، فذلك هو، وإلا فالإمساك عن مثله أحق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) فذكر السراج هاهنا مكان الضوء في موضع آخر، وهو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً)، فذكر في القمر النور
نوح 71:17
وفي الشمس الضياء؛ لأن القمر يكون في وقت الحاجة إلى النور، وذلك في ظلمة الليل، ثم اللَّه تعالى أنشأ الليل لنسكن فيه، لكن قد يبدو للخلائق بالليل حوائج يحتاجون إلى قضائها؛ فمن اللَّه تعالى عليهم بنور القمر؛ ليتوصلوا بنوره إلى قضاء حوائجهم، وجعل الشمس ضياء؛ ليختطف ضوءها نور الليل، ويغلب عليه، ولا يختطف نور النهار نور الشمس، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧):
جائز أن يكون أضاف الإنبات إلى الأرض، ويرد ذلك إلى الأصل الذي خلق من التراب، وهو آدم - عليه السلام - فنسب الفرع إلى الذي منه خلق الأصل؛ لحدوثه منه، لا أن يكون خلق الجملة من التراب، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)، والذي لنا في السماء هو المطر لا الذي يرزق به، ولكن الذي يرزق به أصله المطر، فنسب إلى المطر؛ لأنه هو الأصل الذي يتوصل به إلى الإرزاق؛ فكذلك الخلائق لما كانوا من نسل آدم - عليه السلام - وكان هو أصلا لهم، أضيف النسل إلى الأصل؛ الذي حدث منه الأصل.
ويحتمل أن يكون يرجع هذا إلى كل في نفسه؛ وذلك لأن حياة الأبدان وقوامها بالذي يخرج من الأرض، وينبت منها من أنواع الأغذية، فإذا كان قوامها بما ينبت منها، فكأنما أنبتنا منها؛ فاستقام أن يضاف الإنبات إليها، كما يستقيم أن يضاف خروج الثمار إلى الأرض وإن كان حدوثها من الأشجار؛ إذ قوام الأشجار وبقاؤها بها؛ فنسب ما يخرج منها إلى الأرض على التقدير الذي ذكرنا.
ففي قوله: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) على التأويل الأول إثبات القدرة على البعث وإلزام الحجة على من يجحد كونه؛ لأنه يذكرهم قدرته أنه أنشأهم من الأرض، ولم يكونوا شيئا، فمن قدر على إنشائهم من الأرض بعد أن كانوا ترابا، لقادر على أن
نوح 71:18
يعيدهم إلى الحالة التي كانوا عليها من كونهم بشرا سويا، وإن صاروا عظاما ورفاتا؛ لأنهم كانوا يزعمون أن كيف يعادوا خلقا جديدا بعد أن صاروا ترابا، فاحتج عليهم بأمر الابتداء من الوجه الذي ذكرنا.
وإن كان على التأويل الثاني، ففيه تذكير نعمه: أن قد أخرج لهم من الأرض ما يتعيشون به، ويقيمون به أودهم، أو يستأدي منهم الشكر، وفيه تذكير قوته وسلطانه؛ ليخوفهم عقابه فيتعظوا ويتقوا سخطه، ويطلبوا مرضاته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)، فجمع يين الإعادة والإخراج بحرف الجمع: وجعل قوله عَزَّ وَجَلَّ (وَيُخْرِجُكُمْ) في موضع " ثم "؛ لأن هذا الإخراج يكون بعد الإعادة إلى الأرض، فيكون في هذا دليل أن أحد الحرفين وهو " الواو " قد يستعمل مكان " ثم ".
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩).
أي: جعلها كالشيء المبسوط الذي ينتفع ببسطه، ولو لم يجعلها كذلك، لم يتوصلوا إلى حوائجهم، ولا الانتفاع بها، ففي ذكر هذا تذكير بما لله تعالى عليهم من عظيم المنة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠):
قيل: الفجاج: هي الطرق الواسعة.
وقيل: السبل في السهل، والفجاج: الطرق في الجبال، وهذا - أيضا - من عظيم نعم اللَّه تعالى على عباده؛ لأن اللَّه تعالى قدر أرزاق الخلق في البلاد، فلو لم يجعل لهم في الأرض سبلا، لم يجدوا طريقا يسلكونه، فيتوصلون به إلى ما به قوام أبدانهم؛ فصارت الطرق المتخذة لما نسلك فيها، فنصل إلى حوائجنا وإلى معايشنا: كالدواب التي سخرت لنا؛ فنتوصل بها إلى حوائجنا، وهذا يبين لك أن ملك أقطار الأرض وتدبيرها يرجع إلى الواحد القهار؛ لأنه أحوج الخلق إلى الانتشار في البلاد؛ لإقامة أودهم، وجعل لهم سببا يتوصلون به إلى ذلك؛ فثبت أن مالك الأقطار واحد.
نوح 71:19
الآية ١٩ :﴿والله جعل لكم الأرض بساطا﴾ أي جعلها كالشيء المبسوط الذي ينتفع ببسطه. ولو لم يجعلها كذلك لم يتوصلوا إلى حوائجهم ولا الانتفاع بها. ففي ذكر هذا تذكير بالله تعالى[ بما ](١) عليهم من عظيم المنة.
الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿لتسلكوا منها سبلا فجاجا﴾ قيل : الفجاج الطرق الواسعة، وقيل : السبل في السهل، والفجاج الطرق في الجبال. وهذا أيضا من عظيم نعم الله تعالى على عباده، لأن الله تعالى قدر أرزاق الخلق في البلاد، فلو لم يجعل لهم في الأرض سبلا لم يجدوا طريقا يسلكونه، فيتوصلون به إلى ما به قوام أبدانهم. فصارت الطرق المتخذة لما يسلك به فيها، فنصل إلى حوائجنا وإلى معايشنا كالدواب التي سخرت لنا، فنتوصل بها إلى حوائجنا.
وهذا يبين لك أن ملك أقطار الأرض وتدبيرها يرجع إلى الواحد القهار، لأنه أحوج الخلق إلى الانسياب في البلاد لإقامة أودهم، وجعل لهم سببا، يتوصلون إلى ذلك. فثبت أن مالك الأقطار واحد.
١ ساقطة من الأصل و م..
نوح 71:21
قوله تعالى: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي)، أي: عصوني فيما أمرتهم به أو فيما دعوتهم إليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا):
يشبه أن يكون المتبوعون هم الذين كثرت أموالهم وحواشيهم، استتبعوا من دونهم فيتبعوهم ولم يتبعوا نوحا عليه السلام، وقد كان نوح - عليه السلام - يدعوهم إلى اتباعه، فأخبر أنهم لم يتبعوه، وإنَّمَا اتبعوا من كثرت أمواله وأولاده وحواشيه؛ فتكون هذه الآية في الأتباع أنهم اتبعوا أجلتهم ورؤساءهم ليس في رؤسائهم، وما تقدم من الآيات في أجلتهم من دعاء نوح - عليه السلام - إياهم إلى التوحيد وغيره.
ويحتمل أن تكون هذه الآية في الأجلة والضعفة جميعا؛ فيكون قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا)، أي: اتبعوا من تقدمهم من أهل الثروة والغناء، والذين وسعت عليهم الدنيا، وبسطت لهم؛ ظنًّا منهم أنهم أحق باللَّه تعالى، وأقرب إليه في المنزلة.
والذي حملهم على هذا هو أنهم لا يرون أحدا في الشاهد يترك صلة وليه ويصل عدوه، فيرون أنه إذا بسطت على رؤسائهم الدنيا، ووسع اللَّه تعالى عليهم، وضيق على هَؤُلَاءِ - أن أُولَئِكَ أقرب منزلة وأعلى حالا، وأنهم هم الأولياء، وهم لا يؤمنون بالآخرة وثوابها، فكانوا يزعمون أنه يوفر الجزاء على الأولياء والمحسنين في الدنيا، وزعموا أن من وسع عليه الدنيا فهو أحق أن يكون وليا لله تعالى حيث وصل إليه الجزاء فيها، فهذا الظن هو الذي حملهم على الاتباع.
نوح 71:22
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا خَسَارًا)، أي: بوارا وهلاكا لذلك المتبوع، فكانت تلك النعم التي ظنوا أنهم أكرموا بها بصنيعهم سببا لخسارهم.
ثم قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) كقوله: (وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا)، ثم قد بينا تأويل شكايته إلى اللَّه تعالى من قومه، فهذه الآية وتلك الآيات في معنى تأويل الشكاية إلى اللَّه تعالى - واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢).
قَالَ بَعْضُهُمْ: إنهم كانوا يمكرون ما يمكرون بألسنتهم؛ حيث كانوا يدعونهم إلى الكفر والصد عن سبيل اللَّه، فكنى بالمكر عما قالوه بالسنتهم، فكان ذلك (مَكْرًا كُبَّارًا)، أي: قولا عظيما.
وجائز أن يكون على حقيقة المكر، وهو أن رؤساءهم مكروا بأتباعهم حيث قالوا: إن هَؤُلَاءِ لو كانوا أحق باللَّه تعالى منا، لكانوا هم الذين يوسع عليهم ويضيق علينا، فإذا وسع علينا وضيق عليهم، ثبت أنا نحن الأولياء والأصفياء دون غيرنا، وهذا منهم مكر عظيم؛ لأنه يأخذ قلوب أُولَئِكَ فيصدهم عن سبيل اللَّه تعالى.
وجائز أن يكون مكرهم ما ذكر أنهم كانوا يأتون بأولادهم الصغار إلى نوح عليه السلام، ويقولون لهم: إياكم واتباع هذا فإنه ضال مضل، فكان هذا مكرهم بصغارهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣).
هذه المقالة منهم كانت بعد أن انقادت لهم الأتباع، واتبعتهم إلى ما دعوهم إليه من عبادة الأصنام، فقالوا بعد ذلك: (لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ) أي: لا تذرن عبادتها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا).
هي أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها.
ثم يحتمل أن يكون الذي بعثهم على عبادة الأصنام ما ذكره أهل التفسير: أن قوم نوح - عليه السلام - اتخذوا هذه الأصنام أول ما اتخذوها على صورة رجال عباد كانت هذه الأسماء أسماءهم، فسموا الأصنام بأسماء العباد؛ ليعتبروا بها، ويجتهدوا في العبادة إذا نظروا إليها، فلما مضى ذلك القرن الذين اتخذوها عبرة وخلفهم قرن بعدهم، قال لهم الشيطان: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فعبدوها.
نوح 71:23
الآية ٢٣ : وقوله تعالى :﴿وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا﴾ الآية ؛ هذه المقالة منهم كانت بعد أن انقادت لهم الأتباع، واتبعتهم إلى ما دعوهم إليه من الأصنام، فقالوا بعد ذلك :﴿لا تذرن آلهتكم﴾ لأي لا تذرن عبادتها.
وقوله تعالى :﴿ولا تذرنّ ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾هي أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها.
ثم يحتمل أن يكون الذي بعثهم على عبادة الأصنام ما ذكره أهل التفسير أن قوم نوح اتخذوا هذه الأصنام أول ما اتخذوها على صورة رجال عبّاد، كانت هذه الأسماء أسماؤهم، فسموا الأصنام بأسماء العباد ليعتبروا بها، ويجتهدوا في العبادة إذا نظروا إليها.
فلما مضى ذلك القرن الذي اتخذوها[ فيه ](١)عبرة، وخلفهم قرن بعدهم، قال لهم الشيطان : إن الذين من قبلكم كانوا يعبدون هذه الأصنام، فاعبدوها(٢).
ومنهم من ذكر أن جسد آدم عليه السلام كان عند نوح، يترك كل مؤمن في زمانه يدخل، فينظر إلى جسد آدم عليه السلام ومن لم يكن مؤمنا، لم يدعه ينظر إليه. فجاء إبليس إلى الكفار، فقال : أيفخر نوح ومن آمن به عليكم بجسد آدم، وأنتم كلكم ولده، فصنع لكل قوم صنما على صورة آدم، فكانوا يعبدون تلك الصورة.
ويحتمل(٣) أن يكون الذي بعثهم على ذلك، هو أنهم لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة رب العالمين، كما يرى هؤلاء الذين يخدمون الأجلة في الشاهد ؛ لا يطمع كل واحد منهم في خدمة الملوك، ولا يرى نفسه أهلا لخدمتهم، بل يشتغل بخدمة من دونهم(٤) أولا على رجاء أن يقربه إلى الملك، فكذلك هؤلاء حسبوا أنهم لا يصلحون لخدمة رب العالمين، فكانوا إذا رأوا شيئا حسنا كانوا يظنون أن حسنه لمنزلة له عند الله، فكانوا يقبلون على عبادته رجاء أن يقربهم إلى الله، فجعلوا الأصنام على أحسن ما قدروا عليه، ثم اشتغلوا بخدمتها وعبادتها رجاء أن تقربهم إلى الله تعالى.
قال عز وجل حكاية عنهم :﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾[الزمر: ٣] وقال :﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨].
فجائز أن يكون هذا الحسبان، هو الذي حملهم على عبادتها وتعظيم شأنها، والله أعلم أي ذلك كان ؟.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م، فعبدوها..
٣ الواو ساقطة من الأصل و م..
٤ في الأصل و م: دونه..
نوح 71:24
ومنهم من ذكر أن جسد آدم - عليه السلام - كان عند نوح - عليه السلام - يترك كل مؤمن في زمانه أن يدخل فينظر إلى جسد آدم عليه السلام ومن لم يكن مؤمنا لم يدعه أن ينظر إليه، فجاء إبليس إلى الكفار فقال: أيفخر نوح ومن آمن به عليكم بجسد آدم وأنتم كلكم ولده؟ فصنع لكل قوم صنما على صورة آدم - عليه السلام - فكانوا يعبدون تلك الصورة.
ويحتمل أن يكون الذي بعثهم على ذلك هو أنهم لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة رب العالمين، كما يرى هَؤُلَاءِ الذين يخدمون الأجلة في الشاهد لا يطمع كل واحد منهم في خدمة الملوك، ولا يرى نفسه أهلا لخدمتهم، بل يشتغل بخدمة من دونه أولاً؛ على رجاء أن يقربه إلى الملك، فكذلك هَؤُلَاءِ حسبوا أنهم لا يصلحون لخدمة رب العالمين، فكانوا إذا رأوا شيئا حسنا كانوا يظنون أن حسنه لمنزلة له عند اللَّه تعالى لا غير، فكانوا يقبلون على عبادته؛ رجاء أن يقربهم إلى اللَّه تعالى، فجعلوا الأصنام على أحسن ما قدروا عليه ثم اشتغلوا بخدمتها وعبادتها؛ رجاء أن تقربهم إلى اللَّه تعالى، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - حكاية عنهم: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقال: (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، فجائز أن يكون هذا الحسبان هو الذي حملهم على عبادتها وتعظيم شأنها، واللَّه أعلم أي ذلك كان!
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) جائز أن يكون أريد به الكبراء أنهم أضلوا كثيرا، أي: دعوا إلى الضلال، وزينوه في قلوبهم فأضلوا سفهاءهم بذلك.
وجائز أن يكون أريد به الأصنام، ولكن حقه إن كان على الأصنام أن يقول: " وقد أضللن كثيرا "؛ كما قال إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)، ولكن الإضلال من فعل الممتحنين، والأصنام ليست لها أفعال، فلما نسب إليها نسبة من يوجد منه الفعل، أخرج الخطاب على الوزن الذي يخاطب به من يوجد منه هذا الفعل؛ وهو كقوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا)، فأضاف إلى القرية فعل أهلها، والفعل إذا أضيف إلى الأهل، أضيف بلفظ التذكير، ثم أنث هاهنا؛ لإضافة فعل الأهل إلى القرية، ولو كانت القرية بحيث يكون منها الفعل لكان
نوح 71:25
الخطاب يرتفع عنها بلفظ التأنيث لا بلفظ التذكير، فحيث أضيف إليها فعل أهلها أنث كما يوجب لو كان الفعل متحققا منها.
ثم الأصنام لا يتحقق منها الإضلال، ولكن معنى الإضافة هاهنا هو أنها أنشئت على هيئة لو كانت تلك الهيئة ممن يضل لأضل، وهو كما قلنا في تأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا):
فهذا يشبه أن يكون بعدما بين له (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)، فإذ علم أنهم لا يؤمنون لم يدع لهم بالهدى، ولكن دعا اللَّه تعالى ليزيد في إضلالهم، ويكون الإضلال عبارة عن الهلاك، والضلال: الهلاك، قال اللَّه تعالى: (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)، أي: هلكنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا... (٢٥) فحرف " ما " هاهنا صلة في الكلام، ومعناه: بخطيئاتهم، أو من خطيئاتهم أغرقوا، فأدخلوا نارا في الآخرة؛ إذ أغرقت أبدانهم وأجسادهم وردت أرواحهم إلى النار.
(فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا)، أي: لم يجدوا لأنفسهم بعبادتهم من عبدوا من دون اللَّه تعالى أنصارًا من المعبودين؛ لأنهم كانوا يعبدون من يعبدون من دون اللَّه ليقربهم إلى اللَّه، ويكونوا لهم شفعاء وعزًّا، فلم يجدوا الأمر على ما قدروه عند أنفسهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦).
قيل: تأويله: لا تذر على الأرض من الكافرين ساكن دار، وإذا لم يبق منهم ساكن دار فقد بادوا جميعا وهلكوا، فكأنه يقول: لا تذر منهم أحدا.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧).
هذا كلام شنيع في الظاهر من نوح عليه السلام؛ لأنه خارج مخرج الإنكار على الله تعالى لو تركهم ولم يهلكهم، وهذا يشبه بقول من قال: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)، وهذا - أيضا - خارج مخرج التذكير لله تعالى: أنه لو أبقاهم أدى ذلك إلى إضلال العباد، وفيه تقدم بين يدي اللَّه تعالى وذلك عظيم؛ لأنه ليس في شرط الألوهية إهلاك من عمله الإضلال؛ ألا ترى أن إبليس اللعين وأتباعه جل سعيهم في
نوح 71:26
الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا﴾ قيل : تأويله : لا تذر على الأرض من الكافرين ساكن دار. وإذا لم يبق ساكن دار، فقد ماتوا جميعا، فكأنه يقول : لا تذر منهم أحدا.
نوح 71:27
الآية ٢٧ : وقوله تعالى :﴿إنك إن تذرهم يضلوا عبادك﴾هذا كلام شنيع في الظاهر من نوح عليه السلام لأنه خارج مخرج الإنكار على الله تعالى، ولو تركهم، ولم يهلكهم. وهذا يشبه قول(١)/ ٦٠٠ ب/ من قال :﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾[البقرة: ٣٠] وهذا أيضا خارج مخرج التكبر لله تعالى : أنه لو أبقاهم أدى ذلك إلى إضلال العباد، وفيه تقدم بين يدي الله تعالى ؛ وذلك عظيم، ولأنه ليس في شرط الألوهية إهلاك من عمله الإضلال.
ألا ترى أن إبليس اللعين وأتباعه جل سعيهما(٢) في إضلال بني آدم، ثم لم يهلكوا، بل أبقوا على الوقت المعلوم ؟.
ولكنه يجوز أن يكون دعا عليهم بعد أن أذن بالدعاء عليهم بالهلاك والبوار، فيكون الدعاء بالهلاك على تقدم الأدب.
والأصل أن الرسل عليهم السلام بعثوا لدعاء الخلق إلى الإسلام، وكانوا في دعائهم راجين الإسلام خائفين عليهم بدوامهم على الكفر. فبما قيل لنوح عليه السلام :﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾[هود: ٣٦] وقع له الإياس من إسلام من تخلف عن الإيمان، فارتفع معنى الدعاء إلى الإسلام، فجائز أن يراد(٣) له الإذن بعد ذلك بالدعاء عليهم بالهلاك، فيدعو إذ ذاك.
ثم يكون قوله :﴿إنك إن تذرهم يضلوا عبادك﴾ خارج مخرج الإشفاق والرحمة على من معه من المؤمنين، وهو أن الذين داموا على الكفر، لو أبقوا خيف من الكفرة أن يضلوا المؤمنين، ويعيدوهم إلى ملتهم، فتكون شفقته على المسلمين داعية إلى الدعاء بالهلاك(٤) على الكفرة لئلا يتوصلوا إلى الإضلال.
وقوله تعالى :﴿ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾وقت بلوغهم المحنة والابتلاء ؛ فحينئذ يوجد منهم الفجور لا[ أن ](٥)يلدوا فجارا كفارا ؛ إذ لا صنع لهم في ذلك الوقت، وهو كقوله تعالى :﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه﴾ [الإنسان: ٢] أي نبتليه لوقت [ بلوغه ](٦) المحنة والابتلاء لا أن نبتلي وقت ما يشاء.
وفي هذه الآية دلالة أن الكفر قد يقع عليه اسم الفجور لأنه لو خرج قوله﴿كفارا﴾ مخرج التفسير لقوله :﴿فاجرا﴾ استقام أن يحمل تأويل قوله تعالى :﴿وإن الفجار لفي جحيم﴾[الانفطار: ١٤] على الكفرة.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: بقول..
٢ في الأصل و م: سعيه..
٣ في الأصل و م: يرد..
٤ في الأصل و م: على الهلاك، من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: على الهلاك..
٦ ساقطة من الأصل و م..
نوح 71:28
إضلال بني آدم، ثم لم يستأصلوا ولم يهلكوا، بل أبقوا إلى الوقت المعلوم.
ولكن يجوز أن يكون دعا عليهم، بعد أن أذن له بالدعاء عليهم بالهلاك والبوار؛ فيكون الدعاء بالهلاك على تقدم الإذن.
والأصل: أن الرسل - عليهم السلام - بعثوا لدعاء الخلق إلى الإسلام، وكانوا في دعائهم راجين الإسلام منهم، خائفين عليهم بدوامهم على الكفر، فلما قيل لنوح - عليه السلام -: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) - وقع له الإياس عن إسلام من تخلف عن الإيمان، فارتفع معنى الدعاء إلى الإسلام، فجائز أن يرد له الإذن بعد ذلك بالدعاء عليهم بالهلاك، فيدعو إذ ذاك.
ثم يكون قوله: (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ) خارجًا مخرج الإشفاق والرحمة على من معه من المؤمنين، وهو أن الذين داموا على الكفر لو أبقوا، خيف منهم أن يضلوا المؤمنين ويغيروهم إلى ملتهم؛ فتكون شفقته على المسلمين داعية له على الدعاء بالهلاك على الكفرة؛ لئلا يتوصلوا إلى الإضلال.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) وقت بلوغهم المحنة والابتلاء، فحينئذ يوجد منهم الفجور، لا أن يلدوا فجارا كفارا؛ إذ لا صنع لهم في ذلك الوقت، وهو كقوله: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ)، أي: نبتليه لوقت بلوغه المحنة والابتلاء، لا أن يبتلى وقت ما يشاء.
وفي هذه الآية دلالة أن الكفر قد يقع عليه اسم الفجور؛ لأنه لو خرج قوله: قوله تعالى: (كَفَّارًا) مخرج التفسير لقوله: (فَاجِرًا) استقام أن يحمل تأويل قوله تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) على الكفرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:
(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا؍ (٢٨) هكذا الواجب على المرء في الدعاء والاستغفار أن يبدأ بنفسه، ثم بوالديه، ثم بالمؤمنين.؍
ثم قوله: (بَيْتِيَ) قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في سفينتي.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (في بيتي) أي: في ديني؛ فيكون البيت كناية عن الدِّين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما هو بيته الذي يسكن فيه؛ لما أطلعه اللَّه تعالى أن من دخل بيته مؤمنا لا يعود إلى الكفر.
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: ثم إن أرجى الأمور للمؤمنين في الآخرة دعاء الأنبياء والملائكة - عليهم السلام - في الدنيا؛ لأنهم إنما يدعون بعد الإذن لهم بالدعاء، فلا يحتمل أن ياذن اللَّه تعالى لهم بالدعاء، ثم لا يجيب دعوتهم.
وذكر عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قال: إن نوحًا - عليه السلام - دعا بدعوتين:
أحدهما: للمؤمنين بالاستغفار والتوبة.
والثانية: على الكفار بالبوار والتبار.
وقد أجيبت دعوته فيما دعا على الكفرة؛ فلا يجوز أن يجاب في شر الدعوتين، ثم لا يجاب في خير الدعوتين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) قيل: كسرا وذلا وصغارا؛ فإنه مشتق من التبر، وكل مكسور يقال له: تبر؛ فكأنه يقول: اكسر منعة الظالمين وشوكتهم؛ فإن كان التأويل هذا فهو يقع على جميع الظلمة من كان في وقته ومن بعده.
وقيل: التبار: الهلاك؛ فإن كان هذا معناه فهو على ظالمي زمانه؛ إذ لا يجوز للأنبياء - عليهم السلام - أن يدعوا على قوم إلا أن يؤذن لهم بالدعاء عليهم، وإنما جاء الإذن في حق قومه، فأما في حق غيرهم لم يثبت؛ فلا يجوز القول فيه إلا بما تواتر الخبر به عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واللَّه أعلم.
* * *
الجن 72:1
سُورَةُ الْجَنِّ، وهي مَكِّيَّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)، اختلف في السبب الذي كان به مجيء الجن إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فمنهم من ذكر أن إبليس صعد إلى السماء، فوجدها قد ملئت حرسا شديدا وشهبا؛ فتيقن أنه قد حدث في الأرض حادث، ففرق جنوده؛ ليعلم ذلك.
ومنهم من يقول بأن الأصنام خرت لوجوهها حين بعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فعلم إبليس أنه قد حدث في الأرض حادث حتى خرت له الأصنام، ففرق جنوده؛ ليصل إلى علم ذلك.
ثم من الناس من يزعم أن قصة هذه السورة وقصة قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) - واحدة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ بأن هَؤُلَاءِ النفر الذين ذكروا في هذه السورة كانوا من مشركي الجن، والذين ذكروا في سورة الأحقاف كانوا من يهود الجن؛ دليله: أنه قال في هذه السورة فيما حكي عن الجن: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا)، واليهود يقرون بالبعث، ولا ينكرونه؛ فثبت أنهم كانوا من جنس المشركين، وقال في سورة الأحقاف: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)؛ فثبت أنه قد كان عندهم علم بالكتاب المنزل على رسول الله موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وكانوا به مقرين، واليهود هم الذين يؤمنون بكتاب موسى - عليه السلام - لا غير. ثم فيما حكى اللَّه تعالى عن الجن من تصديقهم هذا الكتاب واستماعهم ما جرى من المخاطبات فيما بينهم - فوائد:
إحداها: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان مبعوثا إلى الجن والإنس حتى صرف الجن إلى الاستماع إليه.
وفيه أنهم لما أخذوا القرآن من لسانه قاموا فيما بين القوم بإنذارهم، وأعانوه في التبليغ على ما أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ).
وفيه أن أُولَئِكَ النفر تسارعوا إلى الإجابة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فيكون فيه تسفيه قوم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - الذين نشأ بين أظهرهم؛ لأنهم عرفوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما بينهم بالصيانة والعدالة، ولم يقفوا منه على كذب قط، وحق من يعرف بالصدق إن لم يصدق ألا يتسارع إلى تكذيبه فيما يأتي به من الأنباء، بل يوقف في حاله إلى أن يتبين منه ما يظهر كذبه، وقومه استقبلوه بالتكذيب، ولم يعاملوه معاملة من كان معروفا بالصدق والصيانة، والجن الذين صدقوه، لم يكونوا عارفين بأحواله فيما قبل أنه صدوق، أو ممن يرتاب في خبره، ثم تسارعوا إلى تصديقه؛ لما لاحت لهم الحجة وثبتت عندهم آية الرسالة وعاملوه معاملة من قد عرف بالصدق؛ فدل أنهم كانوا في غاية من السفه.
وفيه - أيضا - دلالة رسالته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن قوله تعالى: (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ...) إلى آخر القصة فيما بينهم - إخبار عن علم الغيب وهذا لا يعرف إلا بمن عنده علم الغيب؛ فثبت أنه باللَّه تعالى علم.
ثم يجوز أن يكون الذي حملهم على الإيمان به ما عرفوا أنه أتى بالمعجز الذي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله، وبما وقفوا على إحكام معانيه وحسن تأليفه ونظمه.
وفيه أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يشعر بمجيئهم حتى أُوحي إليه أنه قد أتاه نفر من الجن، واستمعوا إلى ما أوحي إليه؛ فيكون فيه دلالة على فساد قول الباطنية؛ حيث يزعمون أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قبل الوحي بالجسد الروحاني؛ لأنه لو كان كما وصفوا، لرأى الجن عندما حضروا إليه؛ إذ الجسد الروحاني مما يبصر الجن، ولم يكن يُوحَى إليه، فيعرف أن قد حضره نفر من الجن.
وروي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه سأل جبريل - عليه السلام - أن يراه على صورته، فقال له جبريل: " إنك لا تطيقه؛ لأن الأرض لا تسعني، ولكن انظر إلى أفق السماء "، ولو كان يأخذ الوحي بالجسد الروحاني، لكان قد رأى جبريل - عليه السلام - على صورته فيبطل فائدة هذا السؤال؛ فثبت أن الأمر ليس كما زعموا، بل كان يقبله بالصورة الجسدانية، وأنه كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ...).
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: النفر: ما بين الثلاثة إلى التسعة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا).
قَالَ بَعْضُهُمْ: العجب: الغريب، وإنَّمَا استغربوا ذلك منه؛ لأنهم سمعوه من أُمِّي لا يعرف الكتابة ولا يقرأ الكتب.
ومنهم من قال بأن حسن تأليفه ونظمه ووصفه هو الذي حملهم على التعجب.
ومنهم من قال: إنما تعجبوا من آياته وحججه؛ لأنه جاء في تثبيت التوحيد، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث، ولم يكن لهم معرفة بالوحدانية؛ بل كانوا أهل شرك، ولم يكونوا أهل معرفة بالبعث ولا الرسالة؛ فكانت الآيات عجيبة؛ حيث قررت عندهم هذه الأوجه، واللَّه أعلم.
ثم في هذه السورة وفي قوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) إخبار أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يشعر بمجيئهم. وروي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه لما تلى على أصحابه سورة الرحمن، قال لأصحابه: " إن الجن كانوا أحسن إجابة منكم، إني تلوت عليهم هذه السورة، فكانوا يقولون: ما بشيء من آلائك نكذب ربنا، فلك الحمد ". ففي هذا الخبر دلالة أنه قد رآهم وشعر بمجيئهم؛ فيكون فيه إثبات الوجهين جميعا: أن قد شعر مرة، ولم يشعر أخرى.
ثم يجوز أن يكون رآهم بما قوى اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بصره حتى احتمل إدراك الجن، وضعفت أبصار غيره عن رؤيتهم؛ ألا ترى أن أهل الجنة يرون الملائكة عندما تأتيهم بالتحف من ربهم، فيقوي اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بصرهم حتى رأوا الملائكة بجوهرهم، وإن ضعفت أبصارهم عن الرؤية في الدنيا، ففي ذلك تجويز أن يكون اللَّه - تعالى - قوى بصر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حتى رأى الجن على صورتهم.
وجائز أن يكون اللَّه تعالى صور الجن على صورة الإنس حتى رآهم، وشعر بمجيئهم، واللَّه أعلم.
ثم ما ذكرنا من السببين في أمر مجيء الجن إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أول السورة من قول أهل التأويل لا نقطع القول بذلك، وإن كان في حد الإمكان والجواز؛ لأنهم تكلفوا استخراج ذلك بالتدبر والاجتهاد، وما كان سبيل معرفته الاجتهاد، لم يجز أن نقطع القول فيه بالشهادة.
وقد يجوز أن يكون الذي حملهم على المجيء غير ذينك الوجهين، وهو أن يكون النفر من منذري الجن؛ لأنه ذكر أن من الجن نذرًا، وأن الرسل من الإنس دون الجن، فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيتلقفوا منه ما يقومون به بالنذارة فيما بين قومهم إذ كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الأخبار، وينذرون قومهم بها، ثم انقطع علم ذلك عنهم حيث لم يجدوا مسلكا إلى الصعود؛ لأنها قد ملئت حرسا، وعلموا أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يبقيهم حيارى ويقطع عنهم وجه المعرفة، فتفرقوا في الأرض رجاء أن يظفروا بمن يزيل عنهم الشبه، ويوضح لهم الحجج والبراهين، فوصلوا إلى مقصودهم من جهة نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ويجوز أن يكون عندهم أن لا أحد في الأرض من جني أو إنسي يكذب على اللَّه؛ كما حكى اللَّه عنهم بقوله: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، فلما تحقق عندهم الكذب خافوا على أنفسهم أن يبتلوا به، وأن يشتبه عليهم الصراط السوي؛ فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا بمن يدلهم على الطريقة المثلى، حتى وجدوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
ويجوز أن يكونوا لما صعدوا إلى السماء، فرأوها مملوءة من الحرس والشهب، أيقنوا أن ذلك لحادث خبر أو خافوا حلول نقمة بأهل الأرض؛ فتفرقوا في البلاد لما لعلهم يصلون إلى علم ذلك.
ثم الذي تحقق كون هذا الخبر وهو أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في حق الكفرة - انقطاع الكهنة بعد ذلك، ولو كان الأمر على خلاف هذا، لكانوا لا ينقطعون؛ لأن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيأتون الكهنة بما يستمعون من الأخبار، ويلقونها
الجن 72:2
إليهم؛ فيضلون بها الخلق، فلو لم يمنعوا عن السماء لكانوا لا ينقطعون، ومن ادعى الكهانة اليوم فلا تجد عنده خبرا حادثا سوى ما تلقفوه من ألسن الرسل عليهم السلام، وكان أمر الشهاب أمرا ظاهرا، عرفته الكفرة فيما بينهم؛ فكانت هذه حجة سماوية لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مقررة عند الكفرة رسالته؛ إذ لم يدع أحد منهم بكون الشهاب قبل أن يبعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فصار انقطاع الكهنة دليلا على صدقه في مقالته، واللَّه المستعان.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ... (٢).
أي: إلى الحق، على ما ذكرنا بيانه في سورة الأحقاف في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا).
قال أبو بكر الأصم: إنهم كانوا من مشركي العرب، فتبرءوا من الشرك لما استمعوا وسمعوا من القرآن بقولهم: (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)، وقد يحتمل هذا الذي قالوا.
ويحتمل أنه لم يسبق منهم الإشراك؛ بل كانوا من جملة الموحدين، ولكنهم أحدثوا إيمانا بما سمعوا من القرآن، وأحدثوا تبرءًا من الشرك، وقد يتبرأ المرء من الشرك عندما يحدث له زيادة إيقان وإن لم يسبق منه الإشراك؛ كما قال موسى - عليه السلام -: (قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣).
اختلف في تأويل الجد:
فمنهم من يقول بأن هذه الكلمة يتكلم بها فيمن يظفر بكل ما يريده، فيوصف بأنه ذو جد، فجائز أن يكونوا أرادوا بهذا أن ربنا هو الظافر بكل ما يريده، فلا يستقبله خلاف، ولا تمسه حاجة، وعلى هذا التأويل قوله: " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " أي: من كان له الجد في الدنيا، فإذا كان في تقدير اللَّه تعالى على خلاف ذلك، لم يغنه ذلك من عذاب اللَّه شيئا.
فإن كان هذا هو المراد، فمعناه: أن من هذا وصفه يتعالى عن أن يكون له شريك، أو يحتاج إلى صاحبة، أو إلى اتخاذ ولد؛ لأن هذه الأشياء كلها أمارات الحاجة، ومن ظفر بكل ما يريده لم تقع له حاجة.
وجائز أن يكون الجد صلة، ومعناه: تعالى ربنا.
وجائز أن يكون الجد عبارة عن العظمة والرفعة؛ يقال: " فلان جد في قومه ": إذا عظم وشرف فيهم.
وقال الحسن: (تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا)، أي: غِنَى ربنا؛ ألا ترى كيف ذكر اللَّه تعالى عندما نزه نفسه عن اتخاذ الأولاد بقوله: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ)، وقد ذكر اتخاذ الولد هاهنا على أثر قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَدُّ رَبِّنَا).
ومنهم من يقول تأويله: ملك ربنا.
وجائز أن يكون أريد به: قوة ربنا، فتعالى ربنا عن كل ما لو نسب إليه كان فيه نسبته إلى فعل الرذالة والتسفل.
ثم الحق ألا يتكلف تفسير قوله: (جَدُّ رَبِّنَا) هاهنا؛ لأنه حكاية عن مقالة الجن، فمراد هذه الكلمة إنما يعرف بإخبار الجن.
ثم الشرك فيما جرى به الكتاب على أوجه أربعة:
مرة على العبادة بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).
وشرك في الخلق بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ).
وشرك في الحكم بقوله تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).
وشرك في الملك بقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)، فثبت أن الشرك يقع مرة في العبادة، ومرة في الخلق، ومرة في الملك، ومرة في الحكم؛ فهو بقولهم: (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) تبرءوا عن الشرك من هذه الأوجه الأربعة.
ثم إذا كان الجد عبارة عن الذي يظفر بكل ما يريده، ففيه ما ينقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يزعمون أن اللَّه تعالى أراد من كل كافر الإيمان، فإذا لم يؤمنوا، فهو غير ظافر بما يريد على قولهم.
ويدخل عليهم النقض من وجه آخر، وهو أنا قد بينا أن الشرك قد يقع مرة في الخلق، وهم ينفون خلق الأفعال عن اللَّه تعالى، وإذا نفوا ذلك، فقد جعلوا له في الخلق شركاء، وقد أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنه هو المتفرد بخلق الخلائق؛ فثبت أن الأفعال من حيث الخلق
الجن 72:3
الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿وأنه تعالى ربنا﴾ اختلف في تأويل الجد : فمنهم من يقول بأن هذه الكلمة يتكلم بها في من يظفر بكل ما يريده، فيوصف بأنه ذو جد. فجائز أن يكونوا أرادوا بهذا أن ربنا، هو الظافر بكل ما يريده، لا يستقيله خلافه، ولا تمسه حاجة.
وعلى هذا التأويل قوله[ ﷺ ](١) :( ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) [ البخاري : ٨٤٤ ] أي من كان له الجد في الدنيا، فإذا كان في تقدير الله تعالى خلاف ذلك، لم يغنه ذلك من عذاب الله شيئا، وإن كان هذا، هو المراد، فمعناه أن من هذا وصفه يتعالى عن أن يكون له شريك، ويحتاج إلى صاحبة أو إلى اتخاذ ولد، لأن هذه الأشياء كلها أمارات الحاجة. ومن ظفر بكل ما يريده لم تقع[ له ](٢) حاجة.
وجائز أن يكون الجد صلة، ومعناه : تعالى ربنا. وجائز أن يكون الجد عبارة عن العظمة والرفعة ؛ يقال : فلان جد في قومه إذا عظم، وشرف فيهم.
وقال الحسن﴿تعالى جد ربنا﴾ أي غنى ربنا.
ألا ترى كيف ذكر الله تعالى عندما نزه نفسه عن اتخاذ الأولاد بقوله :﴿قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني﴾[يونس: ٦٨] وقد ذكر اتخاذ الولد ههنا على إثر قوله عز وجل :﴿جد ربنا﴾. ومنهم من يقول : تأويله : ملك ربنا. وجائز أن يكون أريد به قوة ربنا، فتعالى ربنا عن كل ما نسب إليه، كان فيه أي(٣) فعل للرزالة والتسفل.
ثم الحق ألا نتكلف(٤) تفسير قوله :﴿جد ربنا﴾ ههنا لأنه حكاية عن مقالة الجن. فمراد هذه الكلمة إنما يعرف بأخبار الجن.
ثم الشرك في ما جرى به الكتاب على أوجه أربعة :
مرة على العبادة بقوله عز وجل :﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [ بالكهف : ١١٠ ] وشرك في الخلق بقوله عز وجل :﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه﴾[الرعد: ١٦] وشرك في الحكم بقوله تعالى :﴿ولا يشرك في حكمه أحدا﴾[الكهف: ٢٦] وشرك في الملك بقوله :﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾[ الإسراء : ١١١و. . ].
فثبت أن الشرك يقع مرة في العبادة ومرة في العباد ومرة في الملك ومرة في الحكم.
فهم بقولهم :﴿ولن نشرك بربنا أحدا﴾تبرؤوا من الشرك في هذه الأوجه الأربعة.
ثم إذا كان الجد عبارة عن الذي يظفر بكل ما يريده، ففيه ما ينقض على المعتزلة قولهم، لأنهم يزعمون أن الله تعالى أراد من كل كافر الإيمان. فإذا لم يؤمنوا فهو غير ظافر بما يريد على قولهم، ويدخل عليهم النقض من وجه آخر، وهو أنا قد بينا أن الشرك قد يقع مرة في الخلق، وهم ينفون خلق الأفعال عن الله تعالى. وإذا نفوا ذلك فقد جعلوا له في الخلق شركاء، وقد أخبر عز وجل أنه هو المتفرد بخلق الخلائق.
فثبت أن الأفعال من حيث الخلق والإنشاء من الله تعالى، ومن جهة الكسب والفعل للخلق. فمن الوجه الذي يضاف إلى الله تعالى لا يجوز أن يضاف من ذلك الوجه إلى الخلق عندنا. فلا يقع في الخلق تشابه، لأنه لا يتحقق من العباد الفعل من الوجه[ الذي ](٥) تحقق من الله تعالى.
[ ألا ترى أنه يضاف الملك إلى الله تعالى ](٦) وإلى الخلق ؟ ثم لا يقع فيه إشراك لأنه من الوجه الذي يضاف إلى الله تعالى على جهة التحقيق.
فكذلك إضافة الأفعال إلى الله تعالى وإلى الخلق، لا يجب الشرك لاختلاف الجهتين، والله الموفق.
وقوله تعالى :﴿ما اتخذ صاحبة ولا ولدا﴾ لأن اتخاذ الصاحبة من الخلق لغلبة الشهوة، وهو منشئ الشهوات، فلا يجوز أن يغلبه ما هو خلقه، فيبعثه ذلك على اتخاذ الصاحبة.
وبهذا نرد على من زعم أن الملائكة بنات الله، والبنات تحدث من الصاحبة، وهو متعال، لم يتخذ صاحبة، فأنى يكون له بنات ؟.
وقوله تعالى :﴿ولا ولدا﴾ فالأصل أن الأولاد يرغب فيهم المرء لإحدى خصال :
إما لما يناله من الوحشة، فيطلب الولد ليستأنس بهم، أو يرغب فيهم لما حل به(٧) من الضعف، فيريد أن يستنصرهم، أو لما يخاف زوال ملكه، فيطلب الولد ليأمن من زواله، وجل الله سبحانه وتعالى عن أن تلحقه وحشة أو يصيبه ضعف، أو يخاف زوال الملك.
فإذا كانت الطرق التي بها يرغب في اكتساب الأولاد منقطعة في حقه لزم تنزيهه عن اتخاذ الأولاد. ولهذا[ في ](٨) ما ذكر عندما يشتبه الملاحدة في اتخاذ الأولاد : غناه بقوله :﴿سبحانه هو الغني﴾[يونس: ٦٨] أي غني عن كل الوجوه التي تتوجه إلى اتخاذ الأولاد، وبالله التوفيق.
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: إلى..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: نتكلم..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل و م: بهم..
٨ ساقطة من الأصل و م..
الجن 72:4
والإنشاء من اللَّه تعالى، ومن جهة الكسب والفعل للخلق؛ فمن الوجه الذي تضاف إلى اللَّه تعالى لا يجوز أن تضاف من ذلك الوجه إلى الخلق عندنا؛ فلا يقع في الخلق تشابه؛ لأنه لا يتحقق من العباد الفعل من الوجه الذي تحقق من اللَّه تعالى؛ ألا ترى أنه يضاف الملك إلى اللَّه تعالى، وإلى الخلق، ثم لا يقع في ذلك إشراك؛ لأنه من الوجه الذي يضاف إلى اللَّه تعالى لا يتحقق ذلك الوجه في الخلق؛ لأن الإضافة إلى الخلق على جهة المجاز والإضافة إلى اللَّه تعالى على جهة التحقيق؛ فكذلك إضافة الأفعال إلى اللَّه تعالى وإلى الخلق، لا توجب الشرك؛ لاختلاف الجهتين، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا)؛ لأن اتخاذ الصاحبة من الخلق؛ لغلبة الشهوة، وهو منشئ الشهوات؛ فلا يجوز أن يغلبه ما هو خلقه، فيبعثه ذلك على اتخاذ الصاحبة، وبهذا يرد على من زعم أن الملائكة بنات اللَّه تعالى، والبنات يحدثن من الصاحبة، وهو تعالى لم يتخذ صاحبة؛ فأنى يكون له بنات.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا وَلَدًا) فالأصل أن الأولاد يرغب فيهم المرء؛ لإحدى خصال: إما لما يناله من الوحشة؛ فيطلب الولد؛ ليستأنس بهم.
أو يرغب فيهم؛ لما حل به من الضعف، فيريد أن يستنصر بهم.
أو لما يخاف زوال ملكه؛ فيطلب الولد؛ ليأمن من زواله.
وجل اللَّه سبحانه وتعالى عن أن تلحقه وحشة، أو يصيبه ضعف، أو يخاف زوال الملك؛ فإذا كانت الطرق التي بها يرغب في اكتساب الأولاد منقطعة في حقه، لزم تنزيهه عن اتخاذ الأولاد؛ ولهذا ما ذكر عندما نسبته الملاحدة إلى اتخاذ الأولاد - غناه بقوله (سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ)، أي: غني عن كل الوجوه التي تتوجه إلى اتخاذ الأولاد، وباللَّه التوفيق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤).
فمنهم من ذكر أن سفيههم إبليس، وليس هذا براجع إلى الواحد على الإشارة إليه،
الجن 72:5
بل هو راجع إلى كل من يوجد منه فعل السفه؛ ألا ترى أنه إذا قيل: " كان يقول مسيئنا كذا، و " كان يقول فاسقنا كذا "، لم يعن به فاسق ولا مسيء واحد على الإشارة؛ بل يراد به كل معروف بالإساءة والفسق؛ فعلى ذلك قوله (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا) وليس بمقتصر على الواحد، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه ذلك.
ثم في هذه الآية دلالة أن النفر الذين استمعوا كانوا مؤمنين، ولم يكونوا من أهل الكفر؛ لأنهم لو كانوا أهل شرك، لكانوا لا يضيفون فعل السفه إلى غيرهم، ويخرجون أنفسهم منه، وقد وجد منهم فعل السفه.
ولو كانوا مشركين - أيضا - لكانوا يقولون مكان هذه الكلمة: " وإنا كنا نقول على الله شططا "؛ ليكون ذلك منهم توبة ورجوعا عما كانوا فيه من الشرك والكفر؛ شكرا بما أنعم اللَّه عليهم من عظيم النعمة بأن هداهم للإيمان، لا أن يضيفوا ذلك إلى سفهائهم؛ فثبت أنهم كانوا مؤمنين.
والشطط: الجور.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الكذب.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الظلم.
والشطط هاهنا الجور، والجور ما أتوا به من القول الفاحش، وهو الشرك باللَّه تعالى، وهذا يبين أن الجور قبيح في كل الألسن وفيما بين أهل الأديان؛ ألا ترى كيف سفهوا من يقول على اللَّه تعالى بالجور.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥).
ذكر أبو بكر الأصم أنهم كانوا اعتقدوا أن لله تعالى صاحبة وولدا؛ بما سمعوا الجن والإنس يقولون ذلك، وكان عندهم أنهم في ذلك صادقون؛ فذلك المعنى هو الذي حملهم على القول بأن لله تعالى ولدا وصاحبة؛ فلما ظهر عندهم كذب من يدعي اتخاذ الولد والصاحبة تبرءوا عمن يقول ذلك؛ فثبت بهذا أنهم كانوا أهل شرك إلى ذلك الوقت؛ فلما استمعوا إلى قراءة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولاحت لهم الحجج، وارتفعت عنهم الشبه، آمنوا به، وتبرءوا عن مقالتهم المتقدمة.
وقد يحتمل غير ما ذكره عنهم أبو بكر من التأويل، وهو أن القوم كانوا أنشئوا على الهدى والإيمان؛ فكانوا يظنون أن الجن والإنس على الهدى، وأنهم لا يكذبون على الله تعالى حتى ظهر عندهم كذب الإنس والجن، بقولهم: إن لله ولدا وصاحبة.
وجائز أن يكون معناه: إنا كنا نظن ألا تسخو نفس أحد من الممتحنين بالكذب على اللَّه تعالى بما أراهم اللَّه تعالى قبح الكذب، وقرر عندهم بالحجج والأدلة تنزيهه عن اتخاذ الأولاد والصاحبة؛ حتى ظهر عندهم ذلك بما أظهروه بألسنتهم.
ثم الذي يدل على أن التأويل الذي ذكره أبو بكر ليس بمحكم: أنه قد كان في الجن والإنس مصدق يصف اللَّه تعالى بالتنزيه، وقد كان فيهم من يقول بالولد والصاحبة؛ ألا ترى إلى قوله حكاية عنهم: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ)، وإلى قوله: (وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ)، ولا يحتمل أن يقع عندهم أن الفريقين جميعا على الصواب، ولكن كان في ظنونهم أن القوم جميعا على الهدى على ما هم عليه، فلما تبين عندهم الكذب من أُولَئِكَ قالوا هذا القول واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣).
ذكر أن الإنس، هم قوم من العرب كانت إذا نزلت بواد استجارت بسيد الوادي، وقالت: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
ثم اختلف بعد هذا:
فمنهم من ذكر أنهم كانوا يجيرونهم.
ومنهم من زعم أنهم كانوا لا يجيرونهم، وكان ذلك يزيد في رهق الإنس من الجن.
وقالوا: الرهق: هو الخوف، والفرق؛ كذلك روي عن أبي رءوف.
ومنهم من يقول: هو الذلة والضعف، فكانوا يزدادون الضعف والذلة والخوف والفرق بامتناعهم عن الإعاذة.
ومنهم من يقول بأنهم كانوا يجيرون من استجارهم، ولكن مع هذا كانوا يفرقون منهم، ومن كيدهم في الأماكن التي لم يستجيروا فيها إليهم، وفي غير الأوقات التي وقعت فيها الإجارة.
وعلى اختلافهم اتفقوا أن الجن هي التي كانت تزيد الإنس رهقا.
وقيل بأن هذا الفعل من الإنس -وهو الاستجارة بهم- شرك؛ لأن اللَّه تعالى هو المجير؛ فكان الحق عليهم أن يستجيروا باللَّه تعالى؛ ليدفع عنهم مكايد الجن، وألا يروا لأنفسهم ناصرا غير اللَّه تعالى، فإذا فزعوا في الاستجارة إلى الجن، فقد رأوا غير الله تعالى يقوم عنهم بالذب والنصر؛ فكان ذلك منهم شركا.
ولأن الجن أضعف من الإنس؛ ألا ترى أنها تختفي من الإنس وتتصور بغير صورتها؛ فرقا؛ لئلا يشعر بها الإنس، وبلغ في ضعفها: أنها لا تقدر على إتلاف أحد من البشر، ولا تقدر على سلب أموالهم، ولا إفساد طعامهم وشرابهم، واستنصار القوي بالضعيف أداة الذلة؛ فيخرج تأويل من قال بأن الرهق هو الذلة والضعف على هذا.
ومنهم من يقول بأن الإنس هي التي كانت تزيد الجن رهقا، وقال: الرهق: التجبر، والتكبر.
وقيل: هو السفه والجهل.
وقيل: هي المآثم.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: هو العبث والظلم؛ يقال: فلان مرهق في دينه؛ إذا كان مفسدا.
ووجه زيادة الرهق: هو أن الرؤساء من الجن كانوا يرون لأنفسهم الفضل على أتباعهم من الجن وعلى الإنس جميعا بما رأوا من افتقار الإنس إليهم حتى احتاجوا إلى الاستعاذة بهم؛ فكان يتداخلهم الكبر من ذلك، ويزدادون به تجبرا وتعظما؛ فكان ذلك يمنعهم عن النظر في حجج الرسل، وكذلك أكابر الكفرة من الإنس كانوا يمتنعون عن الإجابة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بما يرون لأنفسهم من الفضل على من سواهم؛ ألا ترى إلى قوله تعالى:
الجن 72:6
الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا﴾ وذكر أن الإنس، وهم قوم من(١) العرب، كانت إذا نزلت بواد استجارت بسيد الوادي، وقالت : نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
ثم اختلف بعد هذا، فمنهم من ذكر أنهم كانوا يجيرونهم، ومنهم من زعم أنهم كانوا لا يجيرونهم، وكان ذلك يزيد في رهق الإنس والجن، وقالوا : الرهق الخوف والفرق، كذلك روي عن أبي روق. ومنهم من يقول : هو الذلة والضعف، فكانوا يزدادون[ ضعفا وذلة وخوفا وفرقا ](٢) بامتناعهم عن الإجارة(٣) ومنهم من يقول بأنهم كانوا يجيرون من استجارهم. ولكن مع هذا كانوا يفرقون منهم ومن كيدهم في الأماكن التي لم تستجيروا فيها إليهم وفي غير الأوقات التي وقعت فيها الإجارة.
وعلى اختلافهم اتفقوا أن الجن هي التي كانت تزيد الإنس رهقا.
وقيل بأن هذا الفعل من الإنس، وهو الاستجارة بهم، شرك لأن الله تعالى، وهو المجير، فكان الحق عليهم أن يستجيروا بالله تعالى ليدفع عنهم مكايد الجن ولا يروا لأنفسهم ناصرا غير الله، جل جلاله، فإذا فزعوا في الاستجارة إلى الجن فقد رأوا غير الله تعالى، يقوم عنهم بالذب والنصر، فكان ذلك منهم إشراكا ولأن الجن أضعف من الإنس.
ألا ترى أنها تختفي من الإنس(٤)، وتتصور بغير صورتها فرقا لئلا يشعر بها، وبلغ من ضعفها أنها لا تقدر على إتلاف أحد من البشر، ولا تقدر على سلب أموالهم ولا إفساد طعامهم وشرابهم ؟ واستنصار القوي بالضعيف إراءة الذلة، فيخرج تأويل من قال بأن الرهق، هو الذلة والضعف على هذا.
ومنهم من يقول بأن الإنس، هي التي كانت تزيد الجن رهقا، وقالوا : الرهق التجبر والتكبر، وقيل : هو السفه والجهل والمأثم(٥).
وقال القتبي : هو العبث في الظلم ؛ يقال : فلان مرهق في دينه إذا كان مفسدا.
ووجه زيادة الرهق، هو أن الرؤساء من الجن، يرون لأنفسهم الفضل على أتباعهم من الجن، فيتداخلهم الكبر من ذلك، ويزدادون به تجبرا وتعظما، فكان ذلك يمنعهم عن النظر في حجج الرسل.
وكذلك أكابر الكفرة من الإنس كانوا يمتنعون عن الإجابة للرسول ﷺ بما يرون لأنفسهم من الفضل على من سواهم.
ألا ترى إلى قوله :﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها﴾ الآية ؟ [الأنعام: ١٢٣].
فمن زعم أن الرّهق الإثم أو السفه أو الجور أو الظلم أو العبث يرجعه(٦) كله إلى هذا المعنى الذي ذكرنا لأن سفههم، هو الذي كان يحملهم على التجبر والتكبر لأنه كان يستعيذ بهم إلا الجاهل السفيه، وليس في إعاذة الجاهل منقبة لما يتكبر لأجلها، وهم بتكبرهم ازدادوا إثما وبعدا من رحمة الله تعالى، والله أعلم.
١ ساقطة من م..
٢ في الأصل و م: الضعف والذلة والخوف..
٣ في الأصل و م: الإعاذة..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: الأصل..
٥ في الأصل و م: وهي المأثم..
٦ في الأصل وم: يرجع..
الجن 72:7
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا...) الآية.
فمن زعم أن الرهق: هو الإثم، أو السفه، أو الجور والظلم، أو العبث - يرجع كله إلى هذا المعنى الذي ذكرنا؛ لأن سفههم هو الذي كان يحملهم على التجبر والتكبر؛ لأنه كان لا يستعيذ بهم إلا الجاهل السفيه، وليس في إعاذة الجاهل السفيه منقبة ما يتكبر لأجلها، وهم بتكبرهم ازدادوا إثما وبعدا من رحمة اللَّه تعالى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧).
فجائز أن يكونوا نفوا القدرة عن اللَّه تعالى بالبعث؛ لما لم يشاهدوا البعث، ورأوه أمرا خارجا عن طوقهم وقواهم؛ فظنوا أن القدرة لا تنتهي إلى هذا، لا أن يكونوا أرادوا به خروج البعث عن حد الحكمة؛ لأنهم لو أرادوا به نفي البعث، لكانوا يقتصرون على قولهم: (أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ)؛ فلما وصلوا به الكلام الذي يتكلم به للتأكيد، وهو قوله: (أَحَدًا)، دل أنهم نفوا القدرة.
وجائز أن يكونوا ظنوا أن لا بعث؛ لأنه أمر خارج من الحكمة؛ إذ ليس من الحكمة أن يهلك ثم يعاد، بل إذا أريد الإبقاء لن يفنى؛ حتى لا يحوج إلى الإعادة.
ثم هذا الكلام ليس بحكاية عن الجن؛ بل اللَّه تعالى أخبر أن الجن ظنت أن لا بعث كما ظننتم أنتم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ظَنَنْتُمْ) في الظاهر إشارة إلى الإنس جملة، مسلمهم وكافرهم، ومعلوم بأن المسلمين لم يكونوا يظنون ذلك، بل قد أيقنوا بالبعث، ولكن معناه: أن الكفرة من الجن ظنت أن لا بعث كما ظنت الكفرة منكم أيها الإنس.
ثم في هذه الآية إبانة أنهم كانوا يقولون: لا بعث بالظن، ليس بالعلم، والذي حملهم على الظن إعراضهم عن السبب الذي يوجب القول بالبعث، وكل يأنف بطبعه أن يلزم الظنون، ففيه دعاء وترغيب إلى النظر في حجج البعث وترك الاعتماد على الظنون.
ثم ذكر النحويون أن ما كان ابتداؤه بالكسر في هذه السورة - أعني: حرف " إن "، فهو
الجن 72:8
حكاية عن الجن؛ نحو قوله: (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا)، وما كان فيه من الحكاية لا عن الجن، فحقه أن يقرأ بالنصب؛ فاختاروا النصب في قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ)؛ لما ليس هو بحكاية عن قول الجن، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨).
جائز أن يكون لمسهم السماء: ليجدوا أبوابها؛ فيدخلوا فيها للاستماع؛ إذ أخبارها ليست في جملة آفاق السماء، ولا أبوابها محيطة بجملة السماء، فكانوا يلمسونها؛ ليظفروا بأبوابها فيدخلوا فيها.
وجائز أن يكون أريد من لمس السماء: لمس أبوابها؛ فكانوا يلمسون أبوابها؛ ليفتحوها؛ فيدخلوا فيها؛ فيستمعوا إلى الأخبار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) جائز أن يكون بعض الأبواب ملئت من الحرس، وبعضها من الشهب؛ فإن أتوا إلى الأبواب التي ملئت من الحرس دفعتهم الحرس، وطردتهم، وإن أتوا إلى الأبواب التي فيها الشهب، تبعتهم الشهب؛ كما قال - عَزَّ وَجَلََّ: (وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا).
وجائز أن تكون الأبواب كلها مملوءة من الحرس والشهب جميعا؛ لأن الحرس لم يمتحنوا بالحراسة خاصة؛ بل امتحنوا بها وبغيرها من الأعمال؛ فجائز أن يكون اشتغالهم بتلك الأعمال يمنعهم عن الحرس؛ فإذا رأوا استراق السمع في وقت شغلهم، تبعهم الشهاب الثاقب، وقذفهم عن مرادهم.
وجائز أن يصعد الجن إلى المكان الذي لا يراهم الملائكة، ويسمع الجن كلامهم؛ لأن المرء قد يتكلم بكلام فينتهي صوته إلى حيث لا يراه البصر، فتكون الشهب تحت الحرس؛ فيقذفون عنها بالشهب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩).
قيل: الشهاب من الكواكب، والرصد من الملائكة.
الأصل في ذلك أن الجن قد حبسوا وقت مبعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن خبر السماء،
الجن 72:9
الآية٩ : وقوله تعالى :﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا﴾/٦٠٢ ب/ قيل : الشهاب من الكواكب، والرصد من الملائكة، والأصل(١) في ذلك أن الجن قد حبسوا وقت مبعث رسول الله ﷺ عن خبر السماء، وكانوا يسترقون السمع قبل ذلك، حتى[ ينقطع عن ](٢) الكهنة ؛ إذ لا يجوز أن يأتوا بخبر السماء وقت مبعث النبي ﷺ حتى لا(٣) يختلط أمر الكهنة بأمره ﷺ فحبسوا عن الصعود إلى السماء وإتيان الخبر عنها حتى ينقطع أمر الكهنة، فجاءهم الرسول بعد ذلك ليعلموا أن ذلك ليس بكهانة، وإنما هو وحي ثابت من السماء ؛ إذ لو كان كهانة كان غيره لا يمنع عن مثله كما في سالف الأزمان.
فهذه الآية كأنها(٤) حكاية عن قول الجن لما رجعوا إلى قومهم منذرين، قالوا هذا كله لقومهم.
١ الواو ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: أنفع من..
٣ في الأصل و م: كان..
٤ في الأصل و م: كأن..
الجن 72:10
وكانوا يسترقون السمع قبل ذلك حتى انقطع أمر الكهنة؛ إذ لا يجوز أن يأتوا بخبر السماء وقت مبعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حتى كان يختلط أمر الكهنة بأمره عليه السلام؛ فحبسوا عن الصعود إلى السماء وإتيان الخبر عنها؛ حتى انقطع أمر الكهنة، فجاءهم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعد ذلك؛ ليعلموا أن ذلك ليس بكهانة، وإنما هو وحي يأتيه من السماء؛ إذ لو كان كهانة كان غيره لا يمنع عن مثله، كما في سالف الزمان؛ فهذه الآية كأنها حكاية عن قول الجن لما رجعوا إلى قومهم منذرين قالوا هذا كله لقومهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) فهو يحتمل وجهين:
أحدهما: لا ندري بما قطعت بالحرس والشهب أخبار السماء عن أهل الأرض، وحبس الذين يصعدون السماء عن أخبار السماء، ويقذفون من كل جانب، أريد بأهل الأرض الشر، وهو إنزال العذاب عليهم، أو أريد بهم أن يرسل إليهم رسول يرشدهم.
وجائز أن يكونوا أيقنوا أن أخبار السماء إنما انقطعت عن أهل الأرض بما يرسل إليهم من الرسول؛ فيكون الرسول هو الذي يخبرهم بما لهم إليه من حاجة، ولكنهم لم يدروا أنه أريد بهم الرشد بإرسال الرسول أو الشر؛ لأنهم كانوا علموا أن من آمن بالرسول المبعوث، ونظر إليه بعين الاستهداء والإرشاد فقد رشد، ومن نظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء استؤصل؛ فلم يدروا أيكذبون الرسول؛ فيحل بهم الهلاك في العاقبة، أو يصدقونه فيرشدوا به؟ وهذا يبين أن العواقب في الأشياء هي المقصودة، وأن الحكيم ما يفعل من الأمر يفعله للعواقب، وفي هذا إبانة أن الجن من المسلمين لم يكونوا معتزلة؛ إذ من قول المعتزلة: أن اللَّه تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدِّين والدنيا في حقهم، والجن قد أيقنوا أن اللَّه تعالى قد يريد الشر بمن يعلم أنه يؤثر فعل الشر على فعل الخير، ويريد الخير بمن يعلم أنه يؤثره على فعل الشر.
* * *
قوله تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ
الجن 72:11
اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ... (١١).
قَالَ بَعْضُهُمْ: (الصَّالِحُونَ) هم المؤمنون و (دُونَ ذَلِكَ) هم الكافرون.
ويشبه أن يكون (الصَّالِحُونَ)، و (دُونَ ذَلِكَ) وليس على الإيمان والكفر؛ لأن هذا قد ذكر فيما تقدم من الآيات بقوله: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ)، ولو كان التأويل على ما ذكروا، لكان يقع موقع التكرار؛ ولكن تأويله عندنا: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ)، أي: منا من عرف بالصلاح والستر، (وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) وهم الفسقة؛ فيكون فيه إبانة أن كل أهل دين فيهم الصالح المرضي، وفيهم الفاسق المفسد في دينه؛ قال اللَّه تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ)، ولو لم يكن منا غير صالح، لم يكن لاشتراط الصالحين معنى، وكقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، فلو لم يكن منا أهل فسق، لما قال هذا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا).
أي: أهواء متفرقة، ولم يذكروا في الأهواء المتفرقة الأصلح والأدون، وذكروا ذلك عند ذكر الفاسق والصالح؛ لأن أهل الأهواء كلٌّ يظن في نفسه: أنه هو المحق، وغيره على الباطل، وأما الفاسق فهو يعرف أنه يتعاطى بفسقه ما لا يحل له، ويرتكب ما نهي عنه، وكذلك كل من شاهد فسقه يعرف أنه على الباطل؛ وإن كان كذلك، ظهر الدون فيه، وظهر الصالح، ولم يظهر ذلك في اعتقاد المذاهب؛ فلم يتكلم فيه بالدون والصالح.
ثم الطرائق هي المذاهب والأهواء، والقدد: القطع، يقال: قدَّه، أي: قطعه، فمعناه: أنا كنا على مذاهب متفرقة، وأهواء متشتتة، ففي الآية أن في الجن أهواء متفرقة، كما أن ذلك في الإنس، والأصل فيه أن طريق معرفة المذهب والدِّين الفكر والاجتهاد ليتوصل به إلى الحق، والمجتهد قد يصيب الطريق مرة، ويزيغ عنه أخرى؛ فلهذا ما أصاب البعض من الخلائق الطريق المستقيم، ومنهم من زاغ عنه.
ويعلم بهذا أن سبيل الجن في التوحيد وسبيل الإنس واحد، وهو الفكر، وله الاجتهاد، وأن فيهم آيات متشابهة كما في الإنس؛ إذ عن المتشابه يتولد الزيغ؛ لذلك تفرقوا على أهواء متفرقة مختلفة، وأما أسباب الفسق مجتمعة، فتعرف بالمعاينة، فيظهر الأدون والأرفع في الدِّين.
الجن 72:12
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) ذكر أبو بكر الأصم أنه على كفرهم ظنوا ألا يعجزوا اللَّه تعالى.
ولكن أكثر أهل التأويل ذكروا أن الظن هاهنا في موضع العلم، ويؤيد تأويلهم قراءة حفصة - رضي اللَّه عنها - فإنها كانت تقرأ: (وأنا علمنا أن لن نعجز اللَّه في الأرض فَرَرَةً ولن نسبقه هربا).
فقوله: (لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ) أي: لن نفوته، ولا يتهيأ لنا أن نعجز اللَّه بأهل الأرض عن إيصال نقمته وعذابه إلينا.
ويخرج قوله: (فَرَرَةً) على ذلك، أي: لو فررنا من عذابه، لن نعجزه ألا يعذبنا.
والفرار قد يكون بدون الطلب؛ قال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)، ولم يرد به الفرار من الطلب، وأما الهرب فإنه لا يكون إلا عن طلب؛ فكأنهم قالوا: لا يتهيأ لنا الفرار عن عذاب اللَّه تعالى؛ لكثرة الأعوان والأنصار، ولا يعجزه هربنا عن طلب.
أو أن يكون قوله عَزَّ وَجَلَّ: (لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ) وإن دخلنا تحت تخوم الأرضين، ولن نعجزه بالهرب على وجه الأرض، فيكون فيه إقرار بأنا لا نقدر بالحيل والأسباب أن نحترز من عذاب اللَّه تعالى، كما يتهيأ الاحتراز عن ملوك الأرض بالحيل والأسباب.
ثم مثل هذا الكلام يصدر عن أهل الإسلام؛ لأن مثل هذا الكلام إنما يتكلم به من يخاف حلول نقم اللَّه تعالى عليه، والذي أيقن بالبعث، ويذكر مقامه بين يدي ربه، وأما أهل الكفر: فلم يؤمنوا بالبعث حتى يحملهم خوف العاقبة على النظر في مثل هذا؛ فثبت أن هذه المقالة صدرت عن أهل الإسلام، ليس عن أهل الكفر؛ كما ذكره أبو بكر الأصم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣).
فالهدى هو الدعاء إلى الحق، فيحتمل أن يكون لما دعينا إلى الحق -وهو القرآن- آمنا به؛ ألا ترى إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ)، أي: يدعو إليه، وقال اللَّه تعالى في أول السورة: (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ).
ويجوز أن يكون الهدى هو الاهتداء، أي: لما سمعنا ما به اهتدينا. وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى فآمنوا به؛ لأنه لو كانوا على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا؛ فلا يكون لقوله: (آمَنَّا بِهِ) وقد آمنوا من قبل - معنى، وليس يثبت كفرهم بما ذكر؛ لأنه قد يجوز أن يكونوا على الإيمان فلما سمعوا الهدى، أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة؛ ألا ترى إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، وقال: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) أي: زادوا إيمانا؛ بالتفسير على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة لأنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين، فأحدثوه للحال، وكذلك قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وقد هدوا الصراط المستقيم، ولكنهم يريدون بهذا الدعاء أن اهدنا بالإشارة والتعيين إليه الصراط المستقيم على ما هديتنا في الجملة؛ فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى لا ينفي عنهم الإيمان فيما سبق من الأوقات، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل، ثم يحدثوا الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند اللَّه - عز وجل -، ولا يدل إيمانهم به على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا).
قال - رحمه اللَّه -: إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من اللَّه تعالى إلا المعتزلة؛ فإنهم يخافون ذلك؛ لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر من الإيمان، ثم يطلقون القول فيهم: إنهم يخلدون في النار، وفي التخليد خوف البخس والرهق، بل فيه ما يزيد على البخس؛ لأن البخس هو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم.
وقال تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، والمعتزلة تزعم أنه لو آخذهم بالخطأ والنسيان، كان جائرًا.
وقال: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)، وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى، كان ذلك منه جورا وظلما، فهم أبدا على خوف من جور ربهم.
ونحن نقول بأنه لو آخذهم به، كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم، كان ذلك منه إنعاما وإفضالا، فنحن ندعو اللَّه تعالى، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله فنهلك، بل
الجن 72:13
الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به﴾ فالهدى، هو الدعاء إلى الحق، فيحتمل أن يكون لما دعينا إلى الحق، وهو القرآن، آمنا به.
ألا ترى إلى قوله عز وجل :﴿يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾[الأحقاف: ٣٠] وقوله(١) تعالى في أول السورة :﴿يهدي إلى الرشد﴾ ؟ [الجن: ٢].
ويجوز(٢) أن يكون الهدى، هو الاهتداء، أي لما سمعنا ما به اهتدينا.
وظن أبو بكر الأصم أنهم كانوا كفرة إلى أن سمعوا الهدى، فآمنوا به ؛ لأنهم(٣) لو كانوا/٦٠٣ أ/ على الهدى من قبل لكان الإيمان منهم سابقا، فلا يجوز لقوله﴿فآمنا به﴾ وقد آمنوا به من قبل، معنى. وليس يثبت كفرهم بما ذكر لأنه قد يجوز ان يكونوا على الإيمان، فلما(٤) سمعوا الهدى أحدثوا إيمانا بهذا الهدى على ما سبق منهم من الإيمان بالجملة.
ألا ترى إلى قوله عز وجل :﴿فزادتهم إيمانا﴾[التوبة: ١٢٤] وقوله(٥) :﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾ ؟ [الفتح: ٤] أي زادوا إيمانا لتفسير مع ما سبق منهم من الإيمان بالجملة[ لا ](٦) أنهم لم يكونوا من قبل مؤمنين، فأحدثوه للحال، وكذلك قولهم(٧) :﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] [ وقد هدوا الصراط المستقيم ](٨) ولكنهم يريدون بهذا الدعاء : أن اهدنا بالإشارة إليه والتعيين الصراط المستقيم على ما هديتنا في الجملة. فكذلك إحداثهم الإيمان بما سمعوا من الهدى، لا ينفي عنهم الإيمان في ما سبق من الأوقات، بل يجوز أن يكونوا مؤمنين من قبل، ثم يحدثوا(٩) الإيمان بكل أمر يجيئهم من عند الله عز وجل ولا يدل إيمانهم على أنهم لم يكونوا من قبل مسلمين، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا﴾ قال، رحمه الله : إنه لا أحد من أهل الإيمان من جني ولا إنسي يخاف البخس والرهق من الله تعالى إلا المعتزلة ؛ فإنهم يخافون ذلك لأنهم ليسوا يخرجون مرتكبي الكبائر، بل(١٠) يطلقون القول فيهم : إنهم يخلدون في النار، وفي التخليد تخويف البخس والرهق، بل فيه ما يزيد على البخس، وهو النقصان، وفي التخليد ذهاب منفعة الإيمان ومنفعة الخيرات التي سبقت منهم.
وقال تعالى :﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾[البقرة: ٢٨٦] والمعتزلة تزعم أنه لو آخذهم بالخطأ والنسيان كان جائرا، وقال :﴿ربنا لا تزغ قلوبنا إذ هديتنا﴾[آل عمران: ٨] وهم يزعمون أنه لو أزاغ قلوبهم بعد الهدى كان منه جورا وظلما ؛ فهم أبدا على خوف من جور ربهم، ونحن نقول : إنه لو آخذهم به كان يكون ذلك منه عدلا، وإذا عفا عنهم كان ذلك منه إنعاما وإفضالا.
فنحن ندعو الله تعالى، ونتضرع إليه ألا يعاملنا بعدله، فنهلك، بل[ ندعوه أن ](١١) يعاملنا بالإفضال والإنعام.
وعلى قول المعتزلة :[ من ](١٢) ارتكب كبيرة ردت عليه حسناته، وصار عدوا لله تعالى[ وخلد ](١٣) وفي النار أبدا الآبدين، والله تعالى يقول :﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾[النساء: ٤٠] وأولى الحسنات التي تستوجب عليها المضاعفة، هي الإيمان بالله تعالى، فلا يجوز أن يخلد في النار، وتذهب عنه منفعة الإيمان﴿سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا﴾[الإسراء: ٤٣].
ثم قوله تعالى :﴿بخسا ولا رهقا﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : البخس النقصان أي لا ينقص من حسناته، والرهق الظلم، كقوله تعالى :﴿فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾[طه: ١١٢] ولا يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره :
والثاني :﴿فلا يخاف بخسا﴾ أي لا تقبل حسناته إذا تاب﴿ولا رهقا﴾ أي يظلم فلا تحسب له حسناته شيئا.
١ في الأصل و م: وقال الله..
٢ الواو ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل و م: لأنه..
٤ في الأصل و م: فلا..
٥ في الأصل و م: وقال..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م..
٧ في الأصل و م: قال..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
٩ في الأصل و م: يحدثون..
١٠ في الأص و م: ثم..
١١ ساقطة من الأصل و م..
١٢ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل و م..
١٣ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل و م..
الجن 72:14
يعاملنا بالإفضال والإنعام.
وعلى قول المعتزلة من ارتكب كبيرة، ردت عليه حسناته، وصار عدوًّا لله تعالى، وخلد في النار أبد الآبدين، واللَّه يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا)، وأولى الحسنات التي يستوجب عليها المضاعفة هو الإيمان باللَّه تعالى، فلا يجوز أن يخلد في النار، ويذهب عنه منفعة الإيمان، تعالى اللَّه عما يقولون علوًّا كبيرا.
ثم قوله: (بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) يحتمل وجهين:
أحدهما: البخس: النقصان، أي: لا ينقص من حسناته، والرهق: الظلم؛ كقوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا)، وأن يحمل عليه من سيئات ارتكبها غيره.
والثاني: (فَلَا يَخَافُ بَخْسًا)، أي: ألا تقبل حسناته إذا تاب، (وَلَا رَهَقًا) أي: ظلم؛ فلا يحسب له من حسناته شيئا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: [(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ... (١٤)].
القاسط: الجائر والمقسط: العادل.
ثم في العدل ثلاث لغات؛ يقال عدل عنه: إذا مال وجار.
وعدل به: إذا جعل له شريكا وعديلا.
وعدل فيه: إذا حكم بالعدل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا):
التحري والتوخي هو القصد؛ فكأنه يقول: قصد الرشد بالإسلام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥).
قال أبو بكر الأصم: دلت الآية على أن للجن لحما ودما كما للإنس؛ لأنه قال في الإنس: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، فلو لم يكونوا لحما ودما، لم يصيروا لجهنم حطبا.
ولكن هذا لا يدل؛ لأن اللحم من شأنه أن يحترق وينضج، ولا يصلح أن يكون وقودا، ولكن اللَّه تعالى باللطف، صير لحمان الإنس وقودا، ليس أن صار حطبا بما كان
الجن 72:15
الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ قال أبو بكر الأصم : دلت الآية على أن للجن لحما ودما كما للإنس لأنه [ قال في الإنس ](١) :﴿وقودها الناس والحجارة﴾[ البقرة : ٢٤ والتحريم : ٦ ] فلو لم يكونوا لحما ودما لم يصيروا لجهنم حطبا.
ولكن لا يدل[ على ذلك ](٢) لأن اللحم من شأنه أن يحترق، وينتضج، ولا يصلح أن يكون(٣) وقودا، ولكن الله تعالى باللطف صير لحمان الإنس وقودا، ليس أن صار حطبا بما كان لحما، فليس في الآية ما ذكر، بل فيه أن الجن امتحنوا بالعبادة كما امتحن بها الإنس، وأنهم إذا عصوا ربهم استوجبوا العقاب مثل ما يستوجبه الإنس.
ثم ذكر عن أبي حنيفة، رحمه الله، أنه قال : ليس للجن ثواب [ وعليهم العقاب إذا عصوا، ومعنى قوله : ليس لهم ثواب ](٤) عندنا : ليس يريد به أن الله تعالى لا يرضى عنهم إذا عبدوه، ولا تعظم منزلتهم عنده، ولكنه يريد به أن الذي وعد للإنس من المأكل والمشارب والأزواج الحسان والحور في الجنة على الخلود، ليس لهم لأن الوعد من الله تعالى بها جرى للإنس، ولم يجر الوعد للجن، ولا ذكر ذلك في شيء من القرآن.
والذي وعد به الإنس طريقة الإفضال والإنعام لا أن يكون ذلك حقا للإنس قبله.
فإذا لم يجر لهم الوعد بذلك لم يجب القول لهم بالموعود.
وأما العقاب فإن الحكمة توجب التعذيب لمن كفر به، فلا يجوز أن تكون [ الحكمة ](٥) توجب تعذيب الكفرة، ثم لا يعذب الجن إذا كفروا، ولذلك وجب القول بعقابهم، ولم يجب القول بالثواب، والله الموفق.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في الأصل و م: يكونوا..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
الجن 72:16
لحما، فليس في الآية دلالة ما ذكر.
بل فيها أن الجن قد امتحنوا بالعبادة كما امتحن بها الإنس، وأنهم إذا عصوا ربهم استوجبوا العقاب مثل ما يستوجبه الإنس.
ثم ذكر عن أبي حنيفة - رحمه اللَّه - أنه قال: ليس للجن ثواب، وعليهم العقاب إذا عصوا.
ومعنى قوله: ليس لهم ثواب عندنا، ليس يريد به أن اللَّه تعالى لا يرضى عنهم إذا عبدوه، ولا تعظم منزلتهم عنده، ولكنه يريد به أن الذي وعد للإنس من المآكل والمشارب والأزواج الحسان والحور في الجنة على الخلود - ليس لهم فيها؛ لأن الوعد من اللَّه تعالى بها جرى للإنس، ولم يجر الوعد للجن، ولا ذكر ذلك في شيء من القرآن، والذي وعد به الإنس طريقه الإفضال والإنعام، لا أن يكون ذلك حقًّا للإنس قِبَلَه، فإذا لم يجر لهم الوعد بذلك، لم يجب القول لهم بالموعود.
وأما العقاب فإن الحكمة توجب التعذيب لمن كفر به؛ فلا يجوز أن تكون الحكمة توجب تعذيب الكفرة، ثم لا يعذب الجن إذا كفروا؛ فلذلك وجب القول بعقابهم، ولم يجب القول بالثواب، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) اختلف فيه:
فمنهم من قال: طريقة الهدى.
ومنهم من قال: طريقة الكفر.
فمن قال: المراد: هو طريقة الهدى، قالوا: إن الطريقة المعروفة المعهودة هي طريق اللَّه تعالى، فعند الإطلاق، تنصرف إليه؛ كالدِّين متى ذكر مطلقا ينصرف إلى دين الحق، ؛ كذلك: السبيل المطلق؛ قال الله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، وهو الإسلام.
ثم يخرج هذا على وجوه:
أحدها: ينصرف إلى الكفرة أنهم: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ)، أي: لو أجابوا إلى ما يدعون إليه من الهدى (لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)، أي: وسعنا عليهم العيش، وكثرنا أموالهم، ويكون ذكر الماء هاهنا كناية عن السعة؛ لأن سعة الدنيا كلها تتصل بالماء، والماء أصلها؛ قال اللَّه تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)، فأخبر أن رزق الخلق في السماء، والذي ينزل من السماء الماء، وهو المطر، وجعل ذلك رزقا، إذ هو أصل رزق الخلق؛ فكذلك ذكر الماء هاهنا كناية عن السعة من الوجه الذي ذكرنا.
فإن كان على هذا؛ فيكون الخطاب راجعا إلى الوقت الذي كانوا ابتلوا فيه بالقحط والسنين؛ فوعد لهم أنهم لو أجابوا إلى ما دعوا إليه يرفع عنهم القحط والسنين، ويوسع عليهم في الرزق، وهو كقول نوح وهود وغيرهما، ووعدهم قومهم بإرسال الأمطار، وتكثير الأنزال والأموال والأولاد ونحوه.
ويجوز أن يكون هذا في أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فإنهم كانوا في أول الإسلام في ضيق الحال، وشدة من العيش، وكانوا يتفرقون في الشعاب والأودية؛ لشدة ما حل بهم من الجوع؛ ليصيبوا من عشبها، وعند اشتداد الحال تخاف النفس من إهلاكها والتبديل، فوعدوا السعة في العيش (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) التي كانوا عليها، أي: داموا عليها ولم يبدلوا الدِّين بالهوى والحق بالباطل، كما وعد لهم النصر والظفر على الأعداء، مع قلة أنصارهم إن داموا على الإسلام.
ويحتمل ما قَالَ بَعْضُهُمْ: أن تأويل قوله: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) أي: لو أسلم أهل الأرض كلهم جميعا، لوسعنا عليهم الدنيا، وكثرنا أموالهم وأولادهم؛ حتى يفتنوا فيها ويمتحنوا بمحن شديدة، فيتحمل البعض منهم فيبقوا مؤمنين، ولا يتحمل البعض فيبغون ويعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ حتى لا يقع الخلف في وعدنا؛ فإن الله تعالى وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولا يجوز أن يقع في وعيده خلف، وهم لو استقاموا على الطريقة، ولم يبغوا، أدى ذلك إلى خلف الوعيد؛ لأنه لا يملؤه إذا داموا على الطريقة ولم يبغوا، وتكون الحكمة في بغيهم أن يعرف الخلق أن اللَّه - تعالى - لم يخلقهم لمنافع تحصل له، ولكن خلقهم لأنفسهم: إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم، وإن أساءوا فعليهم، ولو أبقاهم على الطريقة المستقيمة، وظهرت الموالاة في الجملة، لكان يسبق إلى الأوهام: أنه إنما خلقهم لمنافع نفسه.
وهذا من اللَّه تعالى بيان علمه بما لا يكون أن لو كان كيف يكون؛ إذ اللَّه تعالى علم الإيمان من البعض، والكفر من البعض؛ للحكمة التي ذكرنا، وغيرها مما يقف على بعضها الخلق دون البعض، وحكم بذلك، ثم أخبر أنه لو حكم بأن يستقيم الكل على
الجن 72:17
طريقة الحق، ويؤمنوا، لم يحكم على طريق الأبد في حق الكل، بل حكمه أن يستقيم عليها البعض إلى مدة، ثم يترك، ويبدل الحق بالباطل ويدوم البعض عليها؛ تحقيقا لما ذكرنا من الحكمة؛ وهو كقوله تعالى: (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ)، أي: لو لم نفرض عليهم الجهاد والخروج إلى القتال، لبرز الذين منتهى آجالهم القتل إلى حوائج أنفسهم، فيقتلون، بيانا منه لحكمه الذي يحكم أنه لو حكم كيف كان؛ فكذا هذا.
وأما من قال: معناه: طريقة الكفر، فهو أن يكون المراد من الاستقامة هاهنا: الإقامة، ولفظة " الإقامة " يعبر بها عن الإقامة على الكفر والإسلام جميعا، وتكون (الطَّرِيقَةِ) هاهنا إشارة إلى الطريقة التي كانوا عرفوها قبل الإسلام وهي الكفر، وإن كانت الطريقة إذا أطلق ذكرها، أريد بها طريقة الهدى؛ لأن طريقة الكفر هي التي كانت معروفة فيما بينهم، وكذلك ذكر أهل التأويل: أن الطريقة هاهنا طريقة الكفر فقوله: (لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)، أي: وسعنا عليهم، وكثرنا أموالهم؛ ليعلموا جود ربهم؛ حيث بسط عليهم الرزق مع اختيارهم عداوته؛ كما بسط الرزق على أوليائه، وليعلموا أن حلمه يجاوز الحد حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم ولم يعجل بإنزال النقمة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ... (١٧) فالفتنة: المحنة التي فيها الشدة، فإن كان هذا في أهل الكفر، ففي بسط الرزق عليهم محنة شديدة؛ لأن ذلك يمنعهم عن الخضوع والانقياد لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لما يروا من الفضل على من دونهم في المال والسعة؛ ألا ترى إلى قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)، وكذلك قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا).
وإن كان التأويل منصرفا إلى أهل الإسلام، ففي التوسيع عليهم محنة شديدة؛ وكذلك جميع ما امتحنا به فيه شدة، قال اللَّه تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) فما من حال تعترض الإنسان إلا وله فيها شدة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ): جائز أن يكون: ومن يعرض عن طاعة ربه وعبادته، أو يعرض عن توحيده، أو يعرض عن القرآن؛ إذ هو ذكر.
والإعراض هاهنا عبارة عن الإيثار والاختيار، أي: من يختار ذكر غير اللَّه تعالى على ذكره، أو طاعة غيره على طاعته.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا)، وقال في موضع آخر: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)
الجن 72:18
فجائز أن يكون الصعد، والصعود على التحقيق؛ كما ذكره أهل التفسير: أنهم يكلفون الصعود على جبل من نار، فلا يقدرون إلا بعد شدة عظيمة، ثم إذا بلغوا أعلاها يهوون فيها، فيكون ذلك دأبهم.
وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود أشد من الهبوط؛ فيكون الصعود عبارة عن المشقة هاهنا: أنه يستقبله ما يشق عليه.
وقيل: المشقة التي عليهم هي ما يحل بهم من العذاب متتابعا عذابا بعد عذاب.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: الصعود: المشقة، يقال: صعد عليَّ هذا الأمر: يشق عليَّ.
وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " ما يصعدني أمر ما يصعدني خطبة النكاح "، أي: ما يشق عليَّ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨):
أي: ما يسجد فيه، وما يسجد به، فما يسجد فيه هو البقاع، وما يسجد به هو الجوارح؛ فكأنه يقول بأن البقاع التي يسجد فيها والأعضاء التي يسجد بها لله تعالى؛ لأنه هو الذي خلقها وأنشأها، والمساجد التي بنيت فإنما تبنى لعبادة اللَّه تعالى، وليدعى فيها فلا يشركوا غيره في العبادة والدعاء.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أراد بالمساجد المسجد الحرام؛ روي ذلك عن الضحاك وغيره؛ فكأنه إنما صرف التأويل إلى المسجد الحرام؛ لأن هذه السورة مكية ولم يكن في غيرها من البقاع مساجد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: المساجد هاهنا البيع والكنائس؛ لأن البيع والكنائس بنيت؛ ليعبد الله تعالى فيها، فنهاهم أن يعبدوا فيها غير اللَّه تعالى، فيخرج هذا مخرج الاحتجاج أنكم قد علمتم أن المساجد بنيت لتعبدوا اللَّه فيها فلا تعبدوا فيها غيره، وإذا كان اللَّه منشئها وخالقها دون غيره، فكيف تشركون معه غيره في العبادة والدعاء وليس هو بمنشئ لها؟ وقوله - عز وجل -: (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا).
جائز أن يكون على الدعاء نفسه، فيكون معناه: ألا تدعوا مع اللَّه أحدا؛ لأن الإله اسم المعبود، وكان القوم إذا عبدوا شيئا سموه: إلها؛ فيقول: لا تدعوا مع اللَّه أحدًا إلها؛
الجن 72:19
فإنه هو الإله، وهو المستحق للعبادة من كل أحد.
وجائز أن يكون أريد بالدعاء العبادة؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: " الدعاء مخ العبادة "، وقال تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)؛ فجعل دعاءهم إياه عبادة منهم له؛ فيكون قوله: (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)، أي: لا تشركوا غيره معه في العبادة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩):
منهم من يقول: إنهم (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)، على جهة الرغبة فيه والموالاة له؛ فقوله (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)، أي: كاد يلتصق بعضهم إلى بعض مثل اللبد ليتصلوا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو (كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ)، أي: على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، كادوا يلتصقون برسول اللَّه؛ حبا لما سمعوا من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أو حرصا على حفظ ما سمعوا أو تعجبًا مما سمعوا؛ فكانوا يحرصون على حفظ ما سمعوا؛ لأنهم كانوا من منذري الجن؛ فحرصوا على حفظه ووعيه؛ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم؛ وتعجبوا مما سمعوا؛ لأنهم سمعوه من مكان لم يكن مكان قراءة الكتب، وسمعوا من الأمي الذي لم يقرأ كتابا قط، ولا عرف المكتوب؛ فتعجبوا منه أشد التعجب.
والتلبد: التصاق الشيء بالشيء التصاقا لا يفصل بعضه عن بعض، وسمي اللبد: لبدا من هذا؛ لأن الصوف يلتصق بعضه ببعض حتى لا يميز.
ومنهم من زعم أنهم فعلوا هذا؛ لشدة معاداتهم لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فيكون على هذا منصرفا إلى الكفرة؛ الإنس منهم والجن، فيخبر أنهم اجتمعوا وتظاهروا؛ ليطفئوا نور اللَّه، فأبى اللَّه تعالى إلا أن يتم نوره، فإن كان منصرفًا إلى الكفرة، فقوله: (لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ
الجن 72:20
يَدْعُوهُ) معناه: أي: لما قام مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يدعو إلى اللَّه ويوحده، ويدعو الخلق إلى عبادته وطاعته - هَمَّ المشركون من الإنس والجن، وتلبدوا على هذا الأمر أن يطفئوه؛ فأبى اللَّه تعالى إلا أن ينصره ويمضيه.
وإن كان هذا من أهل الإسلام من الجن، والدعاء راجع إلى العبادة؛ فكأنه يقول: لما قام بعبادة اللَّه تعالى وهي الصلاة، كادوا يكونون عليه لبدا؛ لشدة حرصهم في تحفظ ما سمعوا، وشدة حبهم لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولما سمعوا.
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا)، فيه إخبار عن دينه: أن دينه التوحيد، لا الإشراك باللَّه تعالى، وإخبار عما يدعو الخلق إليه، وذلك توحيد اللَّه تعالى والقيام بطاعته.
وجائز أن يكون هذا على أثر سؤال منهم، ودعوتهم إلى عبادة الأصنام؛ على ما ذكر في الأخبار أنهم قالوا: إنا نعبد إلهك يوما، وتعبد آلهتنا يوما، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ...) الآية.
وجائز أن يكون كلاما مبتدأ يؤيسهم، ويقنطهم، ويقطع طمعهم عن عوده إلى ما هم عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١).
أي: ضرًّا في الدِّين، ورشدا في الدِّين، والأصل في الأسماء المشتركة أن ينظر إلى مقابلها، فيظهر مرادها بما يقابلها؛ قال اللَّه تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ)، والقاسط: الجائر، وقد يكون غير الكافر جائرا، ثم صرف الجور إلى
الجن 72:21
الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾ أي ضرا في الدين ورشدا في الدين.
والأصل في الأسماء المشتركة أن ينظر إلى [ مقابلها، فيظهر(١) مرادها بما يقابلها كقوله تعالى :﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون﴾[الجن: ١٤] والقاسط الجائر، وقد يكون غير الكافر جائرا، ثم صرف الجور إلى الكفر، فيظهر مراده بمقابله ](٢) وهو قوله :﴿ومنا القاسطون﴾.
والضر قد يكون في الدين وفي المال والنفس، ولكنه لمّا ذكر قوله :﴿رشدا﴾ والرشد يتكلم به في الدين، علم أن قوله :﴿ضرا﴾ راجع إليه أيضا ؛ فكأنه يقول : لا أملك إضلالكم ولا رشدكم، إنما ذلك إلى الله تعالى :﴿يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾الآية[فاطر: ٨].
والمعتزلة تزعم أن الله تعالى، لا يملك رشد أحد ولا غيّه، بل(٣) رسول الله ﷺ أكبر ملكا، لأنه يملك أن يدعو الخلق إلى الهدى بنفسه، والله تعالى لا يملك ذلك إلا برسوله. وقال عز وجل :﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾ الآية [البقرة: ٢٧٢] وقال :﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾[القصص: ٥٦].
ولو كان المراد من الهداية المضافة إلى الله تعالى الدعوة والبيان لكان رسول الله ﷺ يهديهم، لأنه داع ومبين. فثبت أن في الهداية من الله تعالى لطفا لا يبلغه تدبير البشر.
١ في م: فينظر..
٢ من م، في الأصل: مقابله..
٣ من م، في الأصل: يا..
الجن 72:22
الكفر؛ فظهر مراده بمقابله، وهو قوله (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ).
والضر قد يكون في الدِّين والمال والنفس، ولكنه لما ذكر قوله: (رَشَدًا)، والرشد يتكلم به في الدِّين، علم أن قوله: (ضَرًّا) راجع إليه أيضا، فكأنه يقول: لا أملك إضلالكم، ولا رشدكم؛ إنما ذلك إلى اللَّه تعالى، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء.
والمعتزلة تزعم أن اللَّه تعالى لا يملك رشد أحد ولا غيه، بل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أكثر ملكا منه؛ لأنه يملك أن يدعو الخلق إلى الهدى بنفسه، واللَّه تعالى لا يملك ذلك إلا برسوله.
وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وقال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، ولو كان المراد من الهداية المضافة إلى اللَّه تعالى الدعوة والبيان، لكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يهديهم؛ لأنه داع ومبين؛ فثبت أن في الهداية من اللَّه تعالى لطفا لا يبلغه تدبير البشر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢).
فكأنهم طلبوا منه ترك تبليغ الرسالة إلى قومٍ، أو كتمان شيء ما أمر بإظهاره، أو محاباة أحد من الأجلة، فأمر أن يخبرهم أنه لا يجيره أحد من اللَّه تعالى، ولا يجد لنفسه ملجأ إن فعل ذلك، سوى أن يبلغ رسالات ربه؛ فيجيره من عذابه؛ ويكون له عنده ملجأ؛ إن فعل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ... (٢٣).
فمنهم من جعل قوله: (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ) استثناء من قوله: قل إني لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدا إلا بلاغا من اللَّه أي: إني لا أملك لكم هدايتكم ولا إضلالكم إلا ما كلفت لأجلكم من تبليغ الرسالة.
ومنهم من جعل هذا استثناء من قوله: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ) إن عدلت عن أمره، ولم أبلغ الرسالة؛ فلا يجيرني من عذابه إلا أن أبلغ الرسالة؛ قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، وقال: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ).
ولأنه لا يجوز أن تقع له الحاجة إلى الإجارة من عذاب اللَّه تعالى، ولم يوجد منه تقصير ولا تضييع يستوجب به العقاب؛ فلا بد من أن يُمْكِن فيه ما ذكرنا من التقصير في التبليغ والعدول عما كلف؛ حتى يستقيم ذكر الإجارة فيه.
وذكر أبو معاذ -صاحب التفسير-: أن الاستثناء راجع إلى قوله: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا)، ليس إلى قوله: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ)، واستدل على ذلك بقراءة عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان يقرأ: (قل إني لا أملك لكم غيًّا ولا رشدا إلا بلاغًا من اللَّه)، وليس فيما ذكرنا قطع الاستثناء على قوله: قل إني لا أملك لكم ضرًّا ولا رشدا إلا بلاغا من اللَّه؛ للوجه الذي ذكرنا.
ولأن أكثر أهل التأويل أجمعوا على صرف الاستثناء إلى قوله: (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ)؛ فلا يجوز أن يحمل قولهم على الخطأ بما ذكره أبو معاذ، وما ذهبوا إليه وجه الصحة والسداد.
وجائز أن يكون البلاغ والرسالة واحدًا؛ فيكون قوله الذي يبلغ بلاغا من الله ورسالاته، ويكون ذلك على التكرار؛ وهو كقول (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، قيل: إنهما واحد.
وجائز أن تكون الرسالة نفس ما أنزل، وهو الكتاب، والبلاغ ما أودع فيه من الحكمة والمعاني؛ وكذلك قيل في قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ): إن الكتاب هو المنزل نفسه، والحكمة: ما تضمن فيه من المعاني.
وجائز أن يكون البلاغ من اللَّه تعالى منصرفا إلى حكمه، ورسالاته إلى غيره.
أو تكون رسالاته حكمه، والبلاغ خبره؛ وهو كقوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا): صدقا أخباره، وعدلا أحكامه، أو إبلاغا من اللَّه حق اللَّه عليهم ورسالاته بما به مصالحهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) قالوا: لا ملجأ وممالًا، أي: موضعا يمال إليه، والالتحاد الإمالة، سمي اللحد: لحدا من هذا؛ لأنه يمال عن سننه.
الجن 72:23
الآية ٢٣ : قوله تعالى :﴿إلا بلاغا من الله ورسالاته﴾استثناء من قوله :﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾﴿إلا بلاغا من الله﴾ أي إني لا أملك لكم هدايتكم وإضلالكم إلا ما كلفت لأجلكم من تبليغ الرسالة.
ومنهم من جعل هذا استثناء من قوله :﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد﴾إن عدلت عن أمره، ولم(١) أبلغ الرسالة، فلا يجيرني من عذابه إلا أن أبلغ الرسالة. قال الله تعالى :﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾[المائدة: ٦٧] وقال :﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾[النور: ٥٤] لأنه لا يجوز أن تقع له الحاجة[ إلى الإجارة ](٢) من عذاب الله، ولم يلح(٣) منه تقصير ولا تضييع، يستوجب به العقاب، فلا بد من أن يمكن فيه ما ذكرنا من التقصير في التبليغ والعدول عمّا كلف حتى يستقيم ذكر الإجارة فيه.
وذكر أبو معاذ صاحب التفسير أن الاستثناء راجع إلى قوله :﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾ [ الجم : ٢١ ] ليس إلى قوله :﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد﴾[الجن: ٢٢] واستدل على ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ : قل إني لا أملك لكم غيا ولا رشدا إلا بلاغا من الله.
وليس في ما ذكرنا قطع الاستثناء على قوله :﴿قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا﴾ للوجه الذي ذكر. ولأن أكثر أهل التأويل أجمعوا على صرف الاستثناء إلى قوله :﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد﴾ فلا يجوز أن يحمل قولهم على الخطإ لما ذكره أبو معاذ. ولما ذهبوا إليه وجه الصحة والسداد.
وجائز أن يكون البلاغ والرسالة واحدا، فيكون الذي يبلغ﴿بلاغا من الله ورسالاته﴾ ويكون ذلك على التكرار، وهو كقوله :﴿ويعلمه الكتاب والحكمة﴾[آل عمران: ٤٨] قيل : إنهما واحد.
وجائز أن تكون الرسالة نفس ما أنزل الله، وهو الكتاب، والبلاغ ما أودع فيه من الحكمة والمعاني.
وكذلك قيل في قوله تعالى :﴿ويعلمه الكتاب والحكمة﴾ فالكتاب هو المنزل نفسه، والحكمة ما تضمن فيه من المعاني.
وجائز أن يكون البلاغ من الله تعالى منصرفا إلى حكمه ورسالاته إلى خبره(٤)، أو تكون رسالاته حكمه والبلاغ خبره، وهو كقوله تعالى :﴿وتمت كلمات ربك صدقا﴾ أخباره﴿وعدلا﴾[الأنعام: ١١٥] أو﴿بلاغا من الله﴾ حق الله عليهم﴿ورسالاته﴾ بما به مصالحهم، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولن أجد من دونه ملتحدا﴾ قالوا : لا ملجأ ومآل وموضع، يمال إليه، والالتحاد الإمالة، سمّي اللحد لحدا من هذه لأنه يمال عن سننه.
وقوله تعالى :﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا﴾كقوله(٥) في موضع آخر :﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة﴾[الأحزاب: ٥٧] وقوله(٦) :﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾[الأحزاب: ٣٦] وكل من ارتكب المآثم فقد دخل في حد العصيان وإيذاء الرسول.
ولكن المراد ههنا : من يعتقد عصيان الرسول وأذاه لأن الله تعالى أضاف الأذى والعصيان إلى نفسه، ولا أحد يقصد قصد أذى الله تعالى، والله عز وجل لا يؤذى، ولكن أضاف أذى الرسول وعصيانه إلى نفسه، وقد كانوا يعتقدون عصيانه وأذاه، فجعل عصيانهم وأذاهم لرسوله أذى منهم لله تعالى وعصيانا له، فثبت أن هذا في الاعتقاد.
وقال عز وجل :﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾[النساء: ٨٠] وقال :﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾[النساء: ٦٥] فجعل طاعة الرسول طاعة له وعصيان رسوله عصيانا له، ولأنه ذكر العصيان على [ إثر ](٧) تبليغ الرسالة ثبت(٨) أن العصيان ههنا في ترك القبول بما أنزل على الرسول وفي اعتقاد العصيان له.
وروي عن أبي حنيفة، رحمه الله، أنه قال : من آمن بالله تعالى، ولم يؤمن برسوله فهو ليس بمؤمن لأن جهله بالله تعالى، هو الذي حمله على تكذيب الرسول، لأن الرسول ليس يدعو إلا إلى ما يقربه إلى الله تعالى وإلى ما ينجيه من عذابه. فلو كان يحب الله تعالى، ويؤمن به، لكان يدعوه ذلك إلى حب الرسول وإلى طاعته. فثبت أن المكذب للرسول جاهل بربه، والمطيع له مطيع لله عز وجل.
١ من م، في الأصل و م: ولن..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في م: يقع..
٤ في الأصل و م: غيره..
٥ في الأصل و م: وقال..
٦ في الأصل و م: وقال..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ في الأصل و م: فثبت..
الجن 72:24
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)، وقال في موضع آخر (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، وقال: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)، وكل من ارتكب المآثم، فقد دخل في حد العصيان وإيذاء الرسول، ولكن المراد هاهنا من يعتقد عصيان الرسول وأذاه؛ لأن اللَّه تعالى أضاف الأذى والعصيان إلى نفسه، ولا أحد يقصد قصد أذى اللَّه تعالى، واللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لا يؤذى، ولكن أضاف أذى الرسول وعصيانه إلى نفسه، وقد كانوا يعتقدون عصيانه وأذاه؛ فجعل عصيانهم وأذاهم لرسوله أذى منهم لله تعالى وعصيانا له؛ فثبت أن هذا في الاعتقاد، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، وقال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، فجعل طاعة الرسول طاعة له، وعصيان رسوله عصيانا له.
ولأنه ذكر العصيان على أثر تبليغ الرسالة؛ فثبت أن العصيان هاهنا في ترك القبول لما أنزل على الرسول، وفي اعتقاد العصيان له.
وروي عن أبي حنيفة - رحمه اللَّه - أنه قال: من آمن باللَّه تعالى، ولم يؤمن برسوله، فهو ليس بمؤمن؛ لأن جهله باللَّه تعالى هو الذي حمله على تكذيب الرسول؛ لأن الرسول ليس يدعوه إلا إلى ما يقربه إلى اللَّه تعالى، وإلى ما ينجيه من عذابه؛ فلو كان يحب الله تعالى، ويؤمن به، لكان يدعوه ذلك إلى حب الرسول، وإلى طاعته؛ فثبت أن المكذب للرسول جاهل بربه، والمطيع له مطيع لله تعالى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)، وقال في موضع آخر: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا).
ويحتمل أن يكون هذا في الدنيا والآخرة جميعا، ويكون ذلك راجعا إلى يوم بدر، كما ذكره أهل التأويل؛ إذ قد ظهر في ذلك اليوم أنهم شر مكانا، وأضعف جندا، وأضعف ناصرا.
ويشبه أن يكون هذا في الآخرة؛ فإنهم يعلمون أنهم أقل عددا في الآخرة؛ لأن كل واحد منهم يتبرأ عن صاحبه وناصره ومعينه في الدنيا، ويصير عدوًّا له؛ فيقل عددهم،
الجن 72:25
وأما في يوم بدر، فقد كانوا أكثر عددا من المسلمين؛ فلم يتبين لهم أنهم أقل في العدد.
ويجوز أن يوم بدر يكون المسلمون أكثر عددا؛ لأن اللَّه تعالى أمد المسلمين بملائكته؛ فصار عددهم أكثر في التحقيق، وإن كانت الكفرة في رأي العين أكثر منهم عددا.
ثم يشبه أن تكون هذه الآية نزلت على أثر تخويف الكفرة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بكثرة عددهم وقوتهم في أنفسهم، وقلة عدد المسلمين، فوعد اللَّه تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالنصر وكثرة العدد عند وقوع الحاجة إليها، وباللَّه التوفيق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥):
فهذا ذكره عند ذكر الوعيد، وهو قوله: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا)، فكأنهم سألوه: متى وقت هذا الوعيد؟ فأمر أن يقول: (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا).
قد ذكرنا فيما تقدم من الآيات: أن ليس في بيان وقت الوعيد فضل يقع في الوعيد؛ بل إذا لم يبين وقت الوعيد، كان فيه فضل تخويف وتحذير لا يوجد فيما يبين؛ لأنه إذا بين، فإن كان فيه أمد سَوَّفَ الناس وأخروا التوبة؛ لما أمنوا حلول النقمة بهم إلى مجيء ذلك اليوم، وإذا لم يمهلوا صاروا إلى الإياس؛ فيرتفع الخوف والرجاء، وفيه ارتفاع المحنة؛ لأن المحنة في الأصل بالعمل على الرجاء والخوف.
ولأنه إذا لم يبين، كانوا على الحذر والخوف؛ فيحملهم ذلك على التسارع في الخيرات والإقلاع عن المساوئ؛ فأمر أن يقول هذا، وإلَّا فالذي أمره بأن يقول هذا عالم بالوقت الذي يقع فيه الوعيد.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) الأصل فيما غيب اللَّه تعالى عن الخلق أنه على منازل ثلاثة:
أحدها: ما قد أعجز الخلق عن احتمال الوقوف عليه بالخلقة، نحو الكيانات التي هي أصول الأشياء، لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي به صلح أن يكون كيانا، لم يقف عليه، ونحو الماء جعل حياة لكل شيء، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي به صلح أن يجعل حياة، لم يقف عليه، وكذلك هذا في كل ما جعل كيانا موجودا.
الجن 72:26
الآيتان ٢٦ و٢٧ : وقوله تعالى :﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا﴾﴿إلا من ارتضى من رسول﴾ الأصل[ في ما ](١) غيب الله عن الخلق أنه على منازل ثلاثة :
أحدها : قد أعجز الخلق عن احتمال الوقوف عليه بالخلقة نحو الكيانات التي هي أصول الأشياء ؛ لو أراد أحد أن يعرف المعنى الذي صلح أن يكون كيانا لم يقف عليه، ونحو الماء[ الذي ](٢)جعل حياة لكل شيء، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي به يصلح أن يجعل حياة لم يقف عليه. وكذلك هذا في كل ما جعل كيانا موجودا.
والثاني : ما مكن معرفته وبلوغه إليه بالتأمل والنظر بدون معرفة السمع والأثر نحو معرفة الصانع ومعرفة وحدانيته.
والثالث : هو الذي لم يعجزهم عن إدراكه، ولا مكنهم من الوقوف عليه دون خبر يرد. فقوله تعالى :﴿فلا يظهر على غيبه أحدا﴾﴿إلا من ارتضى من رسول﴾ في هذا والذي مكنوا فيه. لكنهم لا يبلغونه إلا بمعونة الخبر ؛ وذلك نحو الأشياء التي ترجع إلى مصالح الخلق والتي توصل إلى مصالح الأغذية مما ظهر بين الخلق، ولكنها لا تعرف إلا بالسماع ممن له علم من الخلق وانتشاره فيهم، وهو بحيث لا يحتمل إدراكه بالنظر، فبين أن ذلك بالرسول. ومتى وجد ذلك من شخص مشار إليه دل ذلك على الاختصاص له بالرسالة.
ثم ذكر بعضهم أن في هذه الآية دلالة تكذيب المنجّمة، وليس كذلك لأن فيهم من يصدق خبره، ويعرف المطالع والمغارب والمشارق والكواكب التي بها يتوالد الخلق والتي يقع عندها التغير والتبدل، وذلك مما لا يوقف على علمه بالتأمل والتدبر، وكذلك المطبّبة منهم من يعرف طبائع النبات أنها تصلح لكذا، وهذا يصلح لكذا، فتقع به المصالح للخلق.
ومعلوم(٣) أن هذا من نوع ما لا يدرك بالتأمل والنظر، فعلم أنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إلا من ارتضى من رسول﴾ أي اختاره، واصطفاه.
والأصل أن الرسالة تلوم خلق الشهادة له بالصدق في كل خبر وبالعدل في كل حكم لقوله :﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾[النساء: ٦٥] وبالإصابة في كل أمر في ما لم يبلغ مبلغا يوجب الأمر، فهو لا يختصه للرسالة.
وفي الاختصاص نعمة عظيمة على الخلق ؛ إذ به وصل الخلق إلى تعرف ما تبلغهم إليه الحاجة في أمر معاشهم ومعادهم ودينهم ودنياهم.
وقوله تعالى :﴿فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ قيل : رصدا من بين يدي الرسول ومن خلفه من الملائكة ليمنع الإنس عن الرسل في منعهم عن التبليغ حتى يبلغوا. ذكر هذا عن الحسن البصري، رحمه الله، وكذلك قال في قوله :﴿إن ربك أحاط بالناس﴾[الإسراء: ٦٠]. إن إحاطته هي أن يعصمه من الناس[ من أن يصل إليه منع الناس ](٤) إياه عن تبليغ الرسالة.
ويحتمل أن يكون الملائكة جعلوا رصدا للجن(٥) عن استراق ما يوحى إلى الرسول ﷺ وعن تلقنه حتى يكون الرسول هو الذي يبلغ إلى الخلق، ويشتهر ذلك بين الخلق أن الرسول، هو الذي قام بتبليغه إلى الخلق، لأنهم إذا لم يجعلوا رصدا[ لكان للجن ](٦) أن يسترقوه، ويبلغوه، فيأتوا بلدة، لم يتيسر عندهم علم ذلك من جهة الرسول، فيعرفوا ذلك من عند الجن قبل أن يبلغهم الرسول، فإذا بلّغ الرسول من بعد التبس الأمر على الذين ظهر فيهم العلم من جهة الجن، فجعل عليهم رصدا حتى ينتشر علم ذلك من جهة الرسول، [ فترتفع الشبه ](٧)، إذ يكون الرصد يمنع الجن الذين سمعوا من رسول الله ﷺ أن يبلغوا قومهم من الجن حتى ينتهي الخبر إليهم من جهة الرسول ﷺ.
وقال بعضهم :﴿من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ إن الملائكة كانوا يرصدون النبي ﷺ فإذا جاءه الملك قالوا : هذا وحي من الله تعالى، وإذا جاءه الشيطان أخبروه به، ولكن هذا بعيد، لا يحتمل أن يخفى عليه وحي الشيطان من وحي جبرائيل عليه السلام.
وقال بعضهم :﴿من بين يديه ومن خلفه رصدا﴾ أي من بين يدي من يبلغ الرسالة إلى الرسول، وهو الملك الذي ينزل بالوحي، جعل من بين يديه ومن خلفه ملائكة يرصدونه كي لا يستلب الشيطان منه، ويحدث فيه حدثا من التغيير والتبديل، ليعلم رسول الله أنه إنما يبلغ إليه رسالة ربه، وهذا بعيد أيضا لأن المبلغ بالقوة يدفع(٨) أذى الجن عن نفسه، وهو أمين لا يخاف من التغيير والتبديل حتى يجعله ممتحنا بالتبليغ، والذين معه من الرصد/٦٠٥ –أ/ امتحنوا بأمور أخر، لا أن جعلوا رصدا من الجن.
وجائز أن يكونوا أرسلوا لمكان تعظيم الوحي وتشريف الرسالة، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: فيها..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ الواو ساقطة من الأصل و م..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل و م: من الجن..
٦ في الأصل و م: لكن الجن..
٧ في الأصل و م: فيترفع التشبيه..
٨ أدرج قبلها في الأصل و م: ما..
الجن 72:27
والثاني: ما أمكن الخلق معرفته وبلوغه إليه بالتأمل والنظر، بدون معرفة السمع والأثر، نحو معرفة الصانع ومعرفة وحدانيته.
والثالث: هو الذي لم يعجزهم عن إدراكه، ولا مكنهم من الوقوف عليه دون خبر يرد، بقوله: (فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) في هذا، وهو الذي مكنوا منه، لكنهم لا يبلغونه إلا بمعونة الخبر، وذلك نحو الأشياء التي ترجع إلى مصالح الخلق والتي توصل إلى مصالح الأغذية فيما ظهر بين الخلق، ولكنها لا تعرف إلا بالسماع، ممن له علم من الخلق وانتشاره فيهم، وهو بحيث لا يحتمل إدراكه بالنظر؛ فبين أن ذلك بالرسول، ومتى وجد ذلك من شخص مشار إليه دل ذلك على الاختصاص له بالرسالة.
ثم ذكر بعضهم: أن في هذه الآية دلالة تكذيب المنجمة، وليس كذلك؛ لأن فيهم من يصدق خبره، ويعرف المطالع، والمغارب، والمشارق، والكواكب التي بها يتوالد الخلق، والتي يقع عندها التغير والتبدل، وذلك مما لا يقف على علمه بالتأمل والتدبر.
وكذلك المتطبعة: منهم من يعرف طبائع النبات أنها تصلح لكذا، وهذا يصلح لكذا، فيقع به المصالح للخلق، ومعلوم أن هذا من نوع ما لا يدرك بالتأمل والنظر؛ فعلم أنهم وقفوا على علمه من جهة رسول انقطع أثره، وبقي علمه في الخلق، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)، أي: اختاره واصطفاه، والأصل أن الرسالة تلزم الخلق الشهادة له بالصدق في كل خبر وبالعدل في كل حكم؛ لقوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، وبالإصابة في كل أمر فيما لم يبلغ مبلغا يوجب الأمر؛ فهو لا يختصه للرسالة، وفي الاختصاص نعمة عظيمة على الخلق؛ إذ به وصل الخلق إلى تعرف ما يبلغهم إليه الحاجة في أمر معاشهم ومعادهم ودينهم ودنياهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧).
قيل: رصدا من بين يدي الرسول، ومن خلفه من الملائكة؛ ليمنع الإنس عن الرسل في منعهم الرسل عن التبليغ؛ حتى يبلغوا، ذكر هذا عن الحسن البصري رحمه اللَّه. وكذلك قال في قوله: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ): إن إحاطته هي أن يعصمه من الناس من أن يصل إليه منع الناس إياه عن تبليغ الرسالة.
ويحتمل أن يكون الملائكة جعلوا رصدا عن الجن عن استراق ما يوحى إلى الرسول - ﷺ - وعن تلقيه؛ حتى يكون الرسول هو الذي يبلغ إلى الخلق، ويشتهر ذلك فيما بين الخلق أن الرسول هو الذي قام بتبليغه إلى الخلق؛ لأنهم إذا لم يجعلوا رصدًا؛ أمكن الجن أن يسترقوه ويبلغوه؛ فيأتوا بلدة لم ينتشر عندهم علم ذلك من جهة الرسول؛ فيعرفوا ذلك من عند الجن قبل أن يبلغهم الرسول، فإذا بلغ الرسول من بعد، التبس الأمر على الذين ظهر فيهم العلم من جهة الجن؛ فجعل عليهم رصدا؛ حتى ينتشر علم ذلك من جهة الرسول؛ فترتفع الشبه.
أو يكون الرصد لمنع الجن الذين سمعوا من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يبلغوا قومهم من الجن؛ حتى ينتهي الخبر إليهم من جهة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا): إن الملائكة كانوا يرصدون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فإذا جاءه الملك، قالوا: هذا وحي من اللَّه تعالى، وإذا جاءه الشيطان أخبروه به.
ولكن هذا بعيد؛ لا يحتمل أن يخفى عليه وحي الشيطان من وحي جبريل عليه السلام.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا): من بين يدي من يبلغ الرسالة إلى الرسول، وهو الملك الذي ينزل بالوحي، جعل بين يديه ومن خلفه ملائكة يرصدونه؛ كي لا يستلب الشيطان عنه، ويحدِثُ فيه حدثا من التغيير والتبديل؛ ليعلم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه إنما يبلغ إليه رسالات ربه.
وهذا بعيد أيضا؛ لأن للمبلغ من القوة ما يدفع أذى الجن عن نفسه، وهو أمين لا يخاف منه التغيير والتبديل حتى يجعل عليه الرصد؛ فيؤمن من تبديله؛ ألا ترى إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)، فوصفه الله تعالى بالقوة والأمانة جميعا.
لكنه جائز أن يكون المبلغ ممتحنا بالتبليغ، والذين معه من الرصد امتحنوا بأمور أخر،
الجن 72:28
لا أن جعلوا رصدا من الجن.
وجائز أن يكونوا أرسلوا معه؛ لمكان تعظيم الوحي، وتشريف الرسالة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨).
قال قائلون: ليعلم مُحَمَّد بالرصد: أن قد بلغ سائر الرسل رسالات ربه على الوجه الذي أمروا كما بلغ هو.
والثاني: أن يعلم كل في نفسه: أن قد أبلغ رسالات ربه.
أو ليعلم الأعداء أن قد أبلغ مُحَمَّد - عليه السلام - رسالات ربه على الوجه الذي أمر، لم يقع فيه تغيير من شيطان، ولا جني، ولا عدو.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ).
أي: بما عند الرسل، أو بما عند الملائكة، أو بما عند الخلق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) أي: أحاط العلم بالذي هو معدود، لا بالعد، وهو كقوله: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)، أي: ما يوزن عند الخلق.
أو أحاط العلم بما لدى الكفرة لا بالرصد، وأن في نصب الرصد محنة وتكليفا على الرصد، لا أن يقع بهم الحفظ، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، فبين أن النصر من عنده، وأن الملائكة إنما أرسلت؛ لتطمئن بها قلوب المؤمنين، وتركن إليها طباعهم.
(وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا)، أي: كل شيء عنده معدود ومحصى، لا يغفل - جل جلاله - عن معرفة عدده، ولا يعتريه أحوال يعزب عنه فيها علم ذلك، خلافا لما عليه أمر الخلق، واللَّه الموفق، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله أجمعين.
* * *