Lafzullah

تأويلات أهل السنة — المزمل 73:1 – القيامة 75:40

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. المزمل 73:1
  2. المزمل 73:2
  3. المزمل 73:4
  4. المزمل 73:5
  5. المزمل 73:6
  6. المزمل 73:7
  7. المزمل 73:8
  8. المزمل 73:9
  9. المزمل 73:10
  10. المزمل 73:11
  11. المزمل 73:12
  12. المزمل 73:13
  13. المزمل 73:14
  14. المزمل 73:15
  15. المزمل 73:16
  16. المزمل 73:17
  17. المزمل 73:18
  18. المزمل 73:19
  19. المزمل 73:20
  20. المدثر 74:1
  21. المدثر 74:2
  22. المدثر 74:3
  23. المدثر 74:4
  24. المدثر 74:5
  25. المدثر 74:6
  26. المدثر 74:7
  27. المدثر 74:8
  28. المدثر 74:9
  29. المدثر 74:11
  30. المدثر 74:12
  31. المدثر 74:13
  32. المدثر 74:14
  33. المدثر 74:15
  34. المدثر 74:16
  35. المدثر 74:17
  36. المدثر 74:18
  37. المدثر 74:19
  38. المدثر 74:20
  39. المدثر 74:21
  40. المدثر 74:22
  41. المدثر 74:23
  42. المدثر 74:24
  43. المدثر 74:25
  44. المدثر 74:26
  45. المدثر 74:27
  46. المدثر 74:28
  47. المدثر 74:29
  48. المدثر 74:30
  49. المدثر 74:31
  50. المدثر 74:32
  51. المدثر 74:33
  52. المدثر 74:34
  53. المدثر 74:35
  54. المدثر 74:36
  55. المدثر 74:37
  56. المدثر 74:38
  57. المدثر 74:39
  58. المدثر 74:40
  59. المدثر 74:41
  60. المدثر 74:42
  61. المدثر 74:43
  62. المدثر 74:44
  63. المدثر 74:45
  64. المدثر 74:46
  65. المدثر 74:47
  66. المدثر 74:48
  67. المدثر 74:49
  68. المدثر 74:50
  69. المدثر 74:52
  70. المدثر 74:53
  71. المدثر 74:54
  72. المدثر 74:55
  73. المدثر 74:56
  74. القيامة 75:1
  75. القيامة 75:3
  76. القيامة 75:4
  77. القيامة 75:5
  78. القيامة 75:6
  79. القيامة 75:7
  80. القيامة 75:8
  81. القيامة 75:9
  82. القيامة 75:10
  83. القيامة 75:11
  84. القيامة 75:12
  85. القيامة 75:13
  86. القيامة 75:14
  87. القيامة 75:15
  88. القيامة 75:16
  89. القيامة 75:17
  90. القيامة 75:18
  91. القيامة 75:19
  92. القيامة 75:20
  93. القيامة 75:21
  94. القيامة 75:22
  95. القيامة 75:23
  96. القيامة 75:24
  97. القيامة 75:25
  98. القيامة 75:26
  99. القيامة 75:27
  100. القيامة 75:28
  101. القيامة 75:29
  102. القيامة 75:30
  103. القيامة 75:31
  104. القيامة 75:32
  105. القيامة 75:33
  106. القيامة 75:34
  107. القيامة 75:35
  108. القيامة 75:36
  109. القيامة 75:37
  110. القيامة 75:38
  111. القيامة 75:39
  112. القيامة 75:40

المزمل 73:1

سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ). المزمل والمدثر يقتضيان معنى واحدا، على ما نذكر في سورة المدثر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ). جائز أن يكون هذا الأمر كله منصرفا إلى وقت واحد، فإذا صرفته إلى وقت واحد، فإما أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) منصرفا إلى قوله: (قُمِ اللَّيْلَ)، أو إلى قوله: (إِلَّا قَلِيلًا)، فإن صرفت النقصان إلى قوله: (إِلَّا قَلِيلًا)، زدت في الأمر بالقيام، وإن صرفت النقصان إلى قوله: (قُمِ اللَّيْلَ)، فقد زدت في قوله: (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا)؛ فإلى أيهما صرف، اقتضى الزيادة في أحدهما، والنقصان في الآخر؛ فيتفق معناهما، وهذا نظير قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ)؛ فمنهم من جعل الكلالة اسما للميت الموروث عنه، ومنهم من أوقع هذا الاسم على الحي الذي يرث الميت، وأيهما كان فهو يقتضي معنى واحدا؛ لأن منزلة الحي من مورثه ومنزلة المورث من الحي واحدة، لا تختلف. وجائز أن يكون هذا على اختلاف الأوقات، على ما ذكره أهل التفسير؛ فيكون قوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) أمرا بإحياء أكثر الليل، ثم يكون في قوله: (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا) تخفيف الأمر عليه؛ فيكون فيه أن له أن ينقص عن الأكثر. وقوله: (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)، أي: على المقدار الذي أبيح له الانتقاص، وإذا ارتفع

المزمل 73:2

الآيات ٢ -٤ : وقوله تعالى :﴿قم الليل إلا قليلا﴾﴿نصفه أو انقص منه قليلا﴾ ﴿أو زد عليه﴾ جائز أن يكون هذا الأمر كله منصرفا إلى وقت واحد. فإذا صرفت إلى وقت واحد : فإما أن يكون قوله عز وجل﴿إلا قليلا﴾﴿نصفه أو انقص منه قليلا﴾﴿أو زد عليه﴾ منصرفا إلى قوله[ ﴿قم الليل﴾ وإما(١) إلى قوله :](٢)﴿إلا قليلا﴾. فإن صرفت النقصان إلى قوله :﴿إلا قليلا﴾ زدت في الأمر بالقيام. وإن صرفت النقصان إلى قوله :﴿قم الليل﴾ فقد زدت في قوله :﴿نصفه أو انقص منه قليلا﴾ فإلى أّيهما صرف اقتضى الزيادة في أحدهما والنقصان في الآخر، فيتفق معناهما. وهذا نظير قوله :﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾[النساء: ١٧٦]. فمنهم من جعل الكلالة اسما للميت الموروث عنه، ومنهم من أوقع هذا الاسم على الحيّ الذي يرث الميت، وأيهما كان فهو يقتضي معنى واحدا لأن منزلة الحيّ من مورّثه ومنزلة الموروث من الحيّ واحدة، لا تختلف. وجائز أن يكون هذا على اختلاف الأوقات على ما ذكره أهل التفسير، فيكون قوله :﴿قم الليل إلا قليلا﴾ أمرا بإحياء أكثر الليالي، ثم يكون في قوله :﴿أو انقص منه قليلا﴾ تخفيف الأمر عليه، فيكون فيه أن له أن ينقص عن الأكثر. وقوله تعالى :﴿أو زد عليه﴾ أي على المقدار الذي أبيح له في النقصان(٣). وإذا ارتفع النقص عاد الأمر إلى ما كان مأمورا[ به ](٤) في الابتداء. ثم القليل ليس باسم لأعين الأشياء، ولكنه من الأسماء المضافة. فإذا قيل(٥) : قليل اقتضى ذكره تثبيت ما هو أكثر منه حتى[ يصير ](٦) هذا قليلا إذا قوبل بما[ هو ](٧) أكثر منه. فلذلك قالوا بأن قوله :﴿قم الليل﴾ يقتضي أمر القيام أكثر الليل. ولهذا، قال أصحابنا في من أقر لفلان عليه ألف درهم إلا قليلا، إنه يلزمه أكثر من نصف الألف لأنه استثنى القليل، فلا بد من أن يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى حتى يكون المستثنى قليلا ممّا(٨) استثنى، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿ورتل القرآن ترتيلا﴾ فالترتيل هو التبيين في اللغة، أي بينه تبيينا. وقيل : اقرأه حرفا حرفا على التقطيع لما ذكر أن رسول الله ﷺ كان يقطّع القراءة. ولكن جائز أن يكون قرأه على التقطيع لأن التبيين كان في تقطيعه، وإنما أمر بالتبيين لأن القرآن لم ينزل لتجود قراءته فقط، لكنه لمعان ثلاثة. أحدها : أن يقرأ للحفظ والبقاء إلى يوم القيامة لئلا يذهب، ولا ينسى. والثاني : أن يقرأ لتذكر ما فيه وفهم ما أودع من الأحكام وما لله عليهم من الحقوق وما لبعضهم على بعض. والثالث : أن يقرأ ليعمل بما فيه، ويتعظ[ المرء بمواعظه، ويجعله المسلمون ](٩) إماما يتبعون أمره، وينتهون عما نهى عنه. فتنفيذ قراءته في الصلاة يلزمنا هذا كله. ولا يدرك ذلك إلا بالتأمل ؛ وذلك عند قراءته على الترتيل. وهذا الذي ذكرناه يوجب اختيار من يرى الوقوف في القرآن، لأن ذلك أدل على المعنى وأقرب إلى الأفهام. وفيه دلالة أن المستحب فيه : ترك الإدغام وترك الهمز الفاحش، لأن ذلك أبلغ في التبيين. والأصل أن[ سامع القرآن ](١٠) مأمور بالاستماع إليه، وإذا لزمه الاستماع، وفي الاستماع الوقوف على حسن نظمه وعجيب حكمته والوقوف على معانيه، لزم القارئ تبيينه ليصل السامع إلى معرفة معانيه، ويقف على حسن نظمه وعجيب تأليفه ؛ وذلك يكون أقرب إلى أفهام السامع والقارئ لما فيه من لطائف المعاني. ثم الترتيل منصرف إلى القراءة قرآنا على جهة المصدر أن ما هو كلام الله تعالى لا يوصف بالترتيل، والله الموفق. ١ في م: أو.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ في الأصل و م: الانتقاص.. ٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٥ ساقطة من م.. ٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٧ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٨ في الأصل و م: كما.. ٩ في الأصل و م: هو بمواعظه ويجعلونه.. ١٠ في الأصل و م: السامع في القرآن..

المزمل 73:4

الانتقاص عاد الأمر إلى ما كان مأمورا به في الابتداء. ثم القليل ليس باسم لأعين الأشياء؛ ولكنه من الأسماء المضافة، فإذا قيل اقتضى ذكره تثبيت ما هو أكثر منه حتى يصير هذا قليلا إذا قوبل بما هو أكثر منه؛ فلذلك قالوا بأن قوله (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا)، يقتضي أمر القيام أكثر الليل؛ ولهذا قال أصحابنا فيمن أقر أن لفلان عليه ألف درهم إلا قليلا: إنه يلزمه أكثر من نصف الألف؛ لأنه استثنى القليل؛ فلا بد من أن يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى حتى يكون المستثنى قليلا، كما استثنى، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤): الترتيل، هو التبيين في اللغة، أي: بينه تبيينا. وقيل: اقرأه حرفا حرفا على التقطيع؛ لما ذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يقطع القراءة، ولكن جائز أن يكون على قراءة التقطيع؛ لأن التبيين كان في تقطيعه؛ وإنما أمر بالتبيين لأن القرآن لم ينزل لمجرد قراءته فقط، لكنه لمعان ثلاثة: أحدها: أن يقرأ للحفظ والبقاء إلى يوم القيامة؛ لئلا يذهب، ولا ينسى. والثاني: أن يقرأ؛ لتذكر ما فيه، وفهم ما أودع من الأحكام، وما لله عليهم من الحقوق، وما لبعضهم على بعض. والثالث: يقرأ؛ ليعمل بما فيه، ويتعظ بمواعظه، ويجعلونه إماما يتبعون أمره، وينتهون عما نهى عنه؛ فنفذ قراءته في الصلاة يلزمنا هذا كله، ولا ندرك ذلك إلا بالتأمل، وذلك عند قراءته على الترتيل، وهذا الذي ذكرناه يوجب اختيار من يرى الوقوف في القرآن؛ لأن ذلك يدل على المعنى وأقرب إلى الإفهام. وفيه دلالة أن المستحب فيه ترك الإدغام، وترك الهمز الفاحش؛ لأن ذلك أبلغ في

المزمل 73:5

التبيين، والأصل أن السامع للقرآن مأمور بالاستماع إليه، وإذا لزمه الاستماع، وفي الاستماع الوقوف على حسن نظمه وعجيب حكمته، والوقوف على معانيه؛ فلزم القارئ تبيينه؛ ليصل السامع إلى معرفة معانيه، ويقف على حسن نظمه، وعجيب تأليفه، وذلك يكون أقرب في إفهام السامع والقارئ؛ لما فيه من لطائف المعاني. ثم الترتيل منصرف إلى القراءة، وسمى القراءة: قرآنا على جهة المصدر؛ إذ ما هو كلام اللَّه تعالى لا يوصف بالترتيل، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) ولم يقل: ثقيلا على من؟ فجائز أن يكون الثقل راجعا إلى الكفرة والمنافقين، ويكون الثقيل الأمر بالجهاد؛ لأنه اشتد على الفريقين جميعا، وأيس الكفار من المسلمين أن يعودوا إلى ملتهم؛ قال اللَّه تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ)، وتخلف المنافقون عن القتال مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وثقل ذلك عليهم، فجائز أن يكون قوله (ثَقِيلًا)؛ أي: على الكفرة والمنافقين، وكذا على أهل الكبائر ثقيل أيضا؛ لأنهم لم يتمنوا أن ينزل عليهم الكتاب، وأما على المسلمين فليس بثقيل بل هو كما قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ). وجائز أن يصرف ذلك إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أمر بتبليغ الرسالة إلى الفراعنة وإلى الخلق كافة، وفي القيام بالتبليغ إلى الفراعنة مخاطرة بالروح والجسد، والقيام بما فيه مخاطرة بالروح والجسد أمر ثقيل صعب جدًّا. أو يكون ذلك منصرفا إلى قيام الليل؛ فيكون معنى: (قَوْلًا ثَقِيلًا): أي الوفاء بما يوجبه ذلك القول. وجائز أن يكون هذا منصرفا إلى اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأنصاره؛ فيكون ثقله من الوجه الذي كلفوا القيام بفرائضه، وحفظ حدوده، وتحليل حلاله، واجتناب حرامه. وزعمت الباطنية أن القول الثقيل هو أن كلف الناطق - وهو الرسول عليه السلام - بتفويض الأمر إلى الأساس، وهو الباب، وذلك الأساس والباب هو علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عندهم، وهم يسمون الرسول - عليه السلام -: ناطقا، ويقولون بأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان مأمورا بتبليغ التنزيل إلى الخلق؛ فلما بلغ التنزيل إليهم، واستغنوا عنه، احتاجوا إلى من يعلمهم التأويل؛ فأمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بأن يسند أمر التأويل إلى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ليكون هو الذي يتولى تعليم الخلق تأويله؛ فذلك هو القول الثقيل؛ إذ أمر أن يستند إلى غيره؛ فاشتد عليه إذ صار غيره ولي الأمر، وبقي هو ساكنا لا ينطق. فيقال لهم: إن في الأمر بإسناد الأمر إلى من ذكر تخفيفَ الأمر على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بزعمكم؛ لأن من مذهبكم: أنه إذا فوض الأمر إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قبض هو - عليه السلام - وصورة القبض عندكم: أن يميز الصورة الروحانية النورانية من الصورة الجسدانية التي كانت محتبسة في الصورة الجسدانية، ثم تتلف الصورة الجسدانية، وتبعث الصورة الروحانية النورانية إلى دار الكرامة والحبور والخلاص من الحبس - لم يشتد ذلك عليه، ولم يثقل؛ بل كان فيه ما يرغبه إلى التفويض، ويدعوه إليه. ومن مذهب الباطنية: أنهم لا يعلمون أحدا مذهبهم إلا بعد أن يحلفوه بالأيمان المغلظة بألا يخبر به أحدًا؛ إشفاقا على أنفسهم، ولو كان الأمر على ما قدروا أن التلف يرد على الصورة الجسدانية التي هي سبب لحبس الصورة أن روحانية، وإذا تلفت ردت الروحانية إلى دار فيها كل أنواع السرور - فما الذي يحوجهم إلى الاستحلاف، وما بالهم يشفقون على أنفسهم، وليس في إتلاف أنفسهم إلا الخلاص من الحبس، والوصول إلى الكرامات، ومن هذا وصفه حق عليه الموت؛ ليعلموا أنهم يعاملون الخلق على خلاف ما يوجبه اعتقادهم، ولو كان ما اعتقدوا حقا، لما استجازوا مخالفته، ولكن الذي دعاهم إلى ما ذكرنا تسويل الشيطان وتزيينه في قلوبهم، وما مثلهم إلا مثل اليهود، الذين ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس؛ فقيل لهم: (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)؛ لأنكم لا تصلون إلى الآخرة إلا بالموت، فإن كنتم محقين في دعواكم فتمنوا الموت؛ لتصلوا إليها؛ فكان في امتناعهم عن التمني ما يظهر كذبهم، ويبطل مقالتهم، ويبين تمويههم؛ فكذلك في إشفاق هَؤُلَاءِ على أنفسهم من الهلاك إظهار وإنباء أنهم قصدوا به قصد التمويه على الضعفة؛ ليصلوا إلى المأكلة ويتوسعوا به في أمر دنياهم من غير حجة لهم في ذلك. وبهذا الفصل الذي ذكرنا يحتج على الثنوية؛ فإن من مذهبهم تحريم القتل والذبح، وأحق من يرى القتل والذبح مباحين هم؛ لأن من مذهبهم: أن العالم إنما هو بامتزاج النور والظلمة، فما من جزء من أجزاء النور إلا هو مشوب بجزء من أجزاء الظلمة، وكانا متباينين، فغلبت الظلمة على النور، فامتزجت به؛ فصارت الظلمة حابسة للنور، ومعلوم أن في القتل تخليص أجزاء النوراني من حبس الظلمات؛ لأن في القتل إزالة السمع والبصر والعقل، ومعلوم أن السمع والبصر في هذه الأشياء، إذ بها رؤية الأنوار، فإذا امتازت هذه الأشياء من الجسد، وبقي الجسد الظلماني لا يبصر شيئا، فقد وصل جوهر النور إلى غرضه ومقصوده بالقتل، وصار إلى مقره، فإذا كان القتل يوصله إلى غرضه ويخلصه عن وثاق الظلمة وحبسه، فقد أحسن القاتل إليه بالقتل والذبح؛ فلا يجيء أن يجرَّم القتل على مذهبهم: بل يجب أن يمدح المرء على ذلك الفعل، ويستصوب ذلك منه. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: القول الثقيل كلام اللَّه تعالى، وثقله: هو تبجيله وتعظيم حرمته، ليس كلام السفهاء الذي لا يكترث به، ولا يؤبه له. وقال الزجاج: الثقيل: الوزين، أي: الذي له وزن وقدر في القلوب، الذي يجب أن يعظم ويوقر، ليس بالقول الذي يستصغر. وجائز أن يكون القول الثقيل هو الحق؛ على ما روي في بعض الأخبار: " إن الحق ثقيل مر، والباطل خفيف وفر ". وروي عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " حق لميزان لا يوضع فيه إلا الخير أن يثقل، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف "؛ فيكون ثقله العمل بما فيه.

المزمل 73:6

وجائز أن يكون القول الثقيل هو تكليف القيام عامة الليل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦): قرئ: (وطاء) و (وَطْئًا)، فمن قرأ: (وطاء) بالمد، فتأويله من المواطأة، وهي الموافقة، أي: موافق للسمع، والبصر، والفؤاد؛ لأن القلب يكون أفرغ بالليالي عن الأشغال التي تحول المرء عن الوصول إلى حقيقة درك معاني الأشياء، وكذلك السمع والبصر يكون أحفظ للقرآن، وأشد استدراكا لمعانيه. ومن قرأه: (وَطْئًا)، فهو من الوطء بالأقدام؛ فتأويله: أنه أشد على البدن وأصعب؛ لأن المرء قد اعتاد التقلب والانتشار في الأرض بالنهار، ولم يعتد ذلك بالليل، بل اعتاد الراحة فيه، فإذا كلف القيام والانتصاب برجليه في الوقت الذي لم يعتد فيه القيام، كان ذلك أشد عليه وأصعب على بدنه. ولأن المرء بالنهار ليس ينتصب قائما في مكان واحد، فيمكث فيه كذلك؛ بل ينتقل من موضع إلى موضع، ولو كلف الانتصاب في مكان اشتد عليه ذلك، ولحقه الكلال والعناء من ذلك. ثم أمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن ينتصب قائما يصلي إلى نصف الليل أو أكثر؛ فكان في ذلك محنة شديدة، وكلفة شاقة، واللَّه أعلم. ثم الأصل أن المرء ينتشر بالنهار؛ لطلب ما يعيش به وليصل إلى ما يتمتع به في أمر دنياه، وينام الليل؛ طلبا للراحة، وإيثارًا للتخفيف، وكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ممنوعا عن اكتساب الأشياء التي يتوصل بها إلى سعة الدنيا إلا القدر الذي يقيم به مهجته، وكذلك منع عن الراحة بالليالي، وأمر بإحياء الليل إلا القدر الذي لا بد منه، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون في الأمر بقيام الليل نوع من الراحة والتخفيف؛ وذلك أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ألزم بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، فحُمِّل تبليغها إليهم بالنهار، ورفعت عنه الكلفة بالليل، وأمر بأن يتفرغ لعبادة ربه، وكان الأمر بالتفرغ للعبادة أيسر من الأمر بتبليغ الرسالة؛ لأن في الأمر بالتبليغ أمرًا بما فيه المخاطرة بالروح والجسد، وليس في الأمر بالانتصاب قائما أكثر الليل ذلك؛ وإنَّمَا فيه إيصال الوجع إلى بعض أعضائه؛ فيكون فيه بعض التخفيف. فَإِنْ قِيلَ على التأويل الأول: كيف خص رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في باب النكاح؛ حيث أبيح له فضل العدد، ولم يبح لأمته، وفي ذلك زيادة تمتع بشهوات الدنيا؟ فجوابه أن يقال: بأن المعنى الذي به حظر على غيره الزيادة على الأربع، وقصر الأمر على الأربع هو خوف الجور؛ ألا ترى إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)، وإذا كان التحريم للوجه الذي ذكرنا، ارتفع الحظر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عصمه عن الجور، ومكنه من العدل بين نسائه، ثم ليس في إباحة زيادة العدد سوى فضل محنة وكلفة لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لأنه إذا أمر أن يقوم فيما بينهن بالعدل، وأن يبتغي مرضاتهن بحسن العشرة معهن، وإنما يصل المرء إلى الإرضاء بالأموال، ولم يتمتع هو من الدنيا مقدار ما يصل إلى إرضائهن بالأموال، ولم يتهيأ له أن يصيبهن إلا بسعة الأخلاق، وأن يبين لهن لتقر أعينهن ولا يحزن - فثبت أنه ليس في إباحة العدد فضل تمتع، بل فيه زيادة محنة وابتلاء. وفيه أيضا ما يحقق رسالته، ويثبت نبوته؛ لأن المرء إنما يصل إلى توفير الحقوق الواجبة عليه بالنكاح إذا تناول من فضول الدنيا وطعم لذاتها، وأعطى النفس شهواتها، ثم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان ممنوعا من إعطائه النفس شهواتها، ومع ذلك قام بإيفاء حقوق الأزواج؛ فثبت أنه باللطف من اللَّه تعالى وصل إلى إيفاء حقهن، ليس بأسباب البشرية. وفي هذه الآية دلالة أن الصلاة تشتمل على الذكر والفعل جميعا؛ لأنه قال: أشد على البدن، وشدته تكون بالفعل، وقال: (وَأَقْوَمُ قِيلًا)، وذلك يرجع إلى الذكر. ثم يجوز أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يكلف تبليغ الرسالة بالليالي؛ لأن أعداءه من الفراعنة وغيرهم كانت همتهم أن يقتلوه ويمكروا به، ولم يكن يتهيأ لهم إيصال الأذى به؛ لمكان أتباعه، والليالي هي أوقات غفلة الأتباع، فلو كلف التبليغ فيها لتمكنوا من إيصال المكر به؛ فوضع عنه التبليغ، وامتحنه بالقيام لعبادة ربه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) قيل: هو من نشأ ينشأ، أي: نما، فسميت: ناشئة؛ لأن الأوقات تحدث، وتترادف. وجائز أن يكون المراد من ناشئة الليل، أي: ما يوجد من الأحوال في الليل من القيام للصلاة، والاشتغال بعبادة الرب، جل جلاله.

المزمل 73:7

وقوله: (وَأَقْوَمُ قِيلًا)، أي: أصوب كلاما، والأقوم: هو المبالغة في الوصف بما أريد بالقيام؛ فإن أريد به الكلام، فحقه أن نصرفه إلى الصدق؛ إذ الأقوم من الأخبار أصدقها، وإن أريد به القيام بقاء ما يقتضيه لك الكلام فمعنى قوله (وَأَقْوَمُ)، أي: أبلغ في وفاء ما يوجبه القول، وإن أريد به القراءة نفسها فهو بالليالي أقوم قراءة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧): أي: فراغا وسعة ومنقلبا؛ فالسبح يذكر ويراد به الفراغ، ويذكر ويراد به المشي والتقلب، وهذا الذي قالوه محتمل، ولكن لا يجيء أن يصرف تأويل الآية إلى الفراغ، والتقلب إلى حوائج نفسه؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يتناول من الدنيا إلا قدر ما يقيم به مهجته؛ فلا يحتاج إلى فضل تقلب، ولا إلى كثير فراغ؛ ليتوسع في أمر دنياه. ولكن حقه أن يصرف قلبه إلى تبليغ الرسالة، ودعاء الخلق إلى توحيد اللَّه تعالى، وإلى ما يحق عليهم؛ فيكون في قوله: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) ترخيص لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أن ينصب بالليالي للقيام بين يديه، واجتزأ منه بتبليغ الرسالة بالنهار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ... (٨). أي: اذكر ربك؛ دليله قوله على أثره: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا)، والتبتل يقع إليه لا إلى اسمه، ثم ذكر المولى - جل جلاله - هو أن ينظر إلى أحوال نفسه، ما الذي يلزمه من العبادة في تلك الحال؟ فيكون ذكر ربه بإقامة تلك العبادة، لا بأن يذكر اللَّه تعالى بلسانه فقط، وهو كقوله: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)، واستغفارهم أن يأتمروا بما أمروا، وينتهوا عما نهوا، لا أن يقولوا بألسنتهم: " نستغفر اللَّه "؛ لأنهم وإن قالوا " نستغفر اللَّه "، لم يقبل ذلك منهم إذا كانوا كفرة؛ فثبت أن استغفارهم أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه نوح؛ فكذلك ذكر اللَّه تعالى يقع بوفاء ما يلزمهم حالة القيام به، وذلك يكون بالأفعال مرة، وبالأقوال ثانيا. ومنهم من صرف الأمر إلى الاسم على ما يؤديه ظاهر اللفظ، فأمر بذكر اسم الرب لما يحصل له من الفوائد بذكره؛ لأن من أسمائه أسماء ترغبه في اكتساب الخيرات والإقبال على عبادة الرب، ومنها ما يدعو الذاكر إلى الخوف والرهبة، ومنها ما يوقفه على عجائب حكمته، ولطيف تدبيره، وتقرير سلطانه وعظمته في قلبه، ومنها ما يحدث له زيادة علم وبصيره، وهي الأسماء المشتقة من الأفعال، فإذا تأمل فيها عرف الوجه الذي

المزمل 73:8

الآية ٨ : وقوله تعالى :﴿واذكر اسم ربك﴾ أي اذكر ربك، دليله قوله على إثره﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾[ وبالتبتيل ينقطع ](١) إليه لا إلى اسمه. ثم ذكر الرب، جل جلاله، هو أن ينظر[ المرء ](٢) إلى أحوال نفسه[ ويتساءل ](٣) ما الذي يلزمه من العبادة في تلك الحال، فيكون ذكر ربه بإقامة تلك العبادة لا بأن يذكر الله تعالى بلسانه فقط، وهو كقوله :﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾[ نوح/١٠ ] واستغفارهم أن يأتمروا بما أمروا، وينتهوا عما نهوا، لا أن يقولوا بألسنتهم : نستغفر الله، لأنهم وإن قالوا : نستغفر الله، لم يقبل ذلك منهم إذا كانوا كفرة. فثبت أن استغفارهم أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه نوح. فلذلك ذكر الله تعالى يقع بوفاء ما تلزمهم حال القيام به، وذلك يكون بالأفعال مرة وبالأقوال ثانيا. ومنهم من صرف الأمر إلى الاسم على ما يؤديه ظاهر اللفظ[ إذ أمر ](٤) بذكر اسم الرب لما يحصل له من الفوائد بذكرها ؛ لأن من أسمائه أسماء ترغبه في اكتساب الخيرات والإقبال[ على عبادة الرب ](٥) ومنها ما يدعو الذاكر إلى الخوف والرهبة، ومنها ما يوفقه(٦) على عجائب حكمته ولطف تدبيره وتقرير سلطانه وعظمته في قلبه، ومنها ما يحدث له زيادة علم بصيرة، وهي الأسماء المشتقة من الأفعال، وإذا تأمل فيها عرف الوجه الذي منه اشتقت تلك الأسماء، فذكر أسمائه يحدث ما ذكرنا من الفوائد والعلوم. وقوله تعالى :﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ فالتبتيل، هو الانقطاع إلى الله تعالى، وأن يقطع نفسه عن شهواتها، ويصرفها عن لذاتها ؛ فكأنه قال : وتبتل إليه، وبتل نفسك تبتيلا من الشهوات واللذات. ولذلك سميت مريم رضي الله عنها البتول، لأنها قطعت نفسها عن منافع الدنيا، وأقبلت إلى الآخرة، وانقطعت إليه. ١ في الأصل و م: التبتيل يقع.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ في الأصل و م: فأمر.. ٤ في الأصل و م: فأمر.. ٥ في الأصل: عبادة، في م: على عبادة.. ٦ في الأصل وم: يوقف.

المزمل 73:9

منه اشْتَقَّ تلك الأسماء، فذكر أسمائه يحدث له ما ذكرنا من الفوائد والعلوم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا). التبتل هو الانقطاع إلى اللَّه تعالى، وأن يقطع نفسه من شهواتها، ويصرفها عن لذاتها؛ فكأنه قال: وتبتل إليه، وبتل نفسك تبتيلا من الشهوات واللذات؛ ولذلك سميت مريم - رضي اللَّه عنها -: البتول؛ لأنها قطعت نفسها عن منافع الدنيا، وأقبلت إلى الآخرة، وانقطعت إليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩). قال أبو بكر الأصم: تأويله: ملك المشرق والمغرب، وحقه أن يقال: مالك المشرق والمغرب؛ لأنه هو المالك على التحقيق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الرب هو المصلح، ثم خص المشرق والمغرب بالذكر وإن كان هو مالكهما ومالك الخلائق أجمع؛ لأن ذكر المشرق يقتضي ذكر السماوات والأرضين، وفي ذكر السماوات والأرضين ذكر أعلى العليين وأسفل السافلين؛ لأنه إذا نظر إلى المشرق ورأى ما يطلع في المشرق من عين الشمس، ثم تجري في أقطار السماء، وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام، ثم تغرب في عين حمئة؛ فتصير إلى أسفل السافلين، وتجري كذلك حتى تصل إلى مطلعها، ثم تطلع هنالك؛ فدل ذلك على أن مدبر السماوات والأرضين ومنشئهما واحد، وأن سلطانه في الأرض كسلطانه في السماء، ويعلم أن من بلغت قدرته هذا المبلغ في أن يسير عين الشمس في يوم واحد مسيرة ألف عام ما يشتد على الخلق قطع هذه المسافة في مدد كثيرة - لا يجوز أن يعجزه شيء، ودل على أن ملكه دائم لا ينقطع؛ لأن عين الشمس تجري في كل يوم، على ما سخرت، لا تتبدل، ولا تتغير باختلاف الأزمنة والأوقات، وجعل منافع أهل الأرض متصلة بمنافع السماء، ولو لم يكن مدبرهما واحدا لارتفع الاتصال، وانقطعت منافع السماء عن أهل الأرض؛ فكان في ذكر المشرق والمغرب دلالة وحدانيته، وإظهار قوته وسلطانه، والوقوف على عجائب حكمته ولطائف تدبيره. ثم تخصيص ذكر المشرق والمغرب دون السماء والأرض؛ هو - واللَّه أعلم - لأن هذا أوصل إلى معرفة التوحيد، وأسرع إلى الإدراك من ذكر السماوات والأرض، وإن كان

المزمل 73:10

في التدبر في أمر السماء والأرض تحقيق ذلك. وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)، أي: الذي أمرت بذكره هو رب المشرق والمغرب، وفيه تعريف الوجه الذي يوصل إلى معرفة ربوبيته. وقوله: (لَآ إلَهَ إِلَّا هُوَ)، أي: لا معبود يستحق العبادة إلا هو؛ لأن الذي يحمل الإنسان على عبادة المعبود الخوف والرجاء، وإذا عرفهم بذكر المشرق والمغرب أن تدبير الخلائق كلها راجع إليه، وأنه هو القاهر عليهم والقادر عليهم، وبيده الخزائن والمنافع أجمع، علموا أنه هو الإله الحق، والرب القاهر، وأن من سواه مربوب مقهور، لا يملك نفعا ولا ضرًّا، فكيف يستوجب العبادة والإلهية؟!. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا): جائز أن يكون أراد به أن كِلْ أمورك كلها إلى اللَّه تعالى حتى يكون هو الذي يدبر ويحكم، ولا تر لنفسك فيها تدبيرا. والوكيل في الشاهد هو الذي يدخل في أمر آخر على جهة التبرع؛ لينصره فيه، ويعينه؛ فيكون قوله: (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا)، أي: اطلب من عنده النصر والمعونة، والمرء في الشاهد إنما يفزع إلى الوكيل؛ ليزيح عن نفسه علله، ويقضي عنه حوائجه، ويقوم عنه في النوائب؛ فكأنه يقول: افزع إلى اللَّه تعالى في نوائبك؛ فيكون هو الذي يزيح عنك العلل، ويقضي عنك الحوائج، ويكون معتمدك في النوائب، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠). قال أهل التفسير: تأويله: اصبر على تكذيبهم إياك؛ ألا ترى إلى قوله في سياق الآية: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ)، فثبت أنه دعي إلى الصبر على التكذيب. وجائز أن يكون منصرفا إلى هذا وإلى غيره؛ لأنهم كانوا لا يقتصرون على تكذيبه، بل كانوا ينسبونه إلى الكذب مرة، وإلى السحر ثانيا، وإلى الجنون ثالثا، وإلى أنه يتيم رابعا؛ فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى؛ فجائز أن يكون قوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) منصرفا إلى كل ذلك. ثم الأمر بالصبر يقع بخصال ثلاث: أحدها: ألا تجازهم على تكذيبهم إياك تكذيبك إياهم، أو لا تجزع عليهم، وفي الجزع بعض التسلي والتشفي. ولا تدع عليهم بالهلاك والتبار بل اصبر لذلك. ولقائل أن يقول: كيف كان يشتد عليه تكذيبهم إياه حتى كاد يتحزن لذلك، والذين نسبوه إلى الكذب كانوا من أعدائه، وليس يستثقل التكذيب من العدو، ولا يستكثر منه؛ لأنه بما يعاديه يعتقد أن يسيء إليه بجميع ما يمكنه وسعه، وإنما يستثقل التكذيب من أهل الصفوة والمودة؛ فكيف استثقله؟ وكيف بلغ به التكذيب مبلغا يحزن به؛ حتى يدعى إلى الصبر بقوله: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ...) الآية، وبقوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)؟ والجواب عن هذا أن الكذب والجهل مما يستثقلهما العقل والطبع جميعا، وكذلك التكذيب والتجهيل، أمر ثقيل على الطبع والعقل جميعا، حتى إن الكذاب إذا نسب إلى الكذب، اشتد عليه ذلك، ولم يتحامل، وكذلك الجهول إذا عرف بالجهل، ثقل ذلك عليه؛ فإذا كان التكذيب مستقبحا في عقول الخلق وطبائعهم، وإن كانت طبائعهم مشوبة بالآفات وفي عقولهم نقص، فرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مع صفاء عقله، وسلامة طبعه عن الآفات أحق أن يثقل عليه؛ فيحزن لذلك. ثم ما من إنسان ينسب إلى الكذب فيما يحدث عن نفسه أو عمن سواه من الخلائق ممن علت رتبتهم أو انحطت إلا وهو يجد لذلك ثقلاً، فكيف إذا أخبر عن اللَّه تعالى وكذب فيه، أليس هذا أحق أن يثقل على القلب ويتحزن له؟! ويجوز أن يكون حمله على الحزن شدة إشفاقه على المكذبين؛ لأن تكذيبهم يفضي بهم إلى العطب والهلاك؛ فأشفق عليهم باشتغالهم بما به هلاكهم، وحزن لذلك. أو يكون حزنه غضبا لله تعالى؛ إذ الرسل كانوا يغضبون لله تعالى، ويشتدون على أعدائه. والجواب عن قوله: إن المكذبين كانوا من أعدائه، فكيف اشتد عليه تكذيبهم، وذلك أمر غير مستشنع من الأعداء؟ فنقول: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يعاملهم معاملة الولي مع وليه الصفي، ولم يكن يعاملهم بما يعامل به الأعداء؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، ومن عامل آخر معاملة أقرب الأصفياء معه، كان الحق عليهم أن يجازوه بالإحسان؛ فإذا تركوا ذلك، وقابلوه بالتكذيب، اشتد عليه، وحزن لذلك. ثم في قوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)، وفي قوله: (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)، إبطال قول من قال: إن اللَّه تعالى لا يفعل بعبده إلا ما هو أصلح له؛ لأنا نعلم أنه إذا أذن لنبي من الأنبياء بالدعاء على استعجال الهلاك، واستجيب له فيما دعا، كان فيه ما يحمل القوم على الإيمان، ويردعهم عن التكذيب؛ لأنهم يخافون حلول النقمة عليهم؛ فيتركون التكذيب، ويقبلون على الإجابة؛ فيكون فيه نجاتهم عن الهلاك، وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، فإذا لم يؤذن دل أنه ليس من شرط اللَّه تعالى أن يفعل بعباده ما هو أصلح لهم. فَإِنْ قِيلَ: كيف لم يؤذن بالدعاء عليهم؛ ليحملهم ذلك على الإسلام، ويمنعهم عن التكذيب؟ قيل له: لأن فيما ذكرته رفع المحنة والابتلاء؛ لأن الحجة إذ ذاك تقع من جهة الضرورة؛ لأنهم إذا علموا أنهم يستأصلون بالتكذيب، امتنعوا عنه، وأجابوا إلى الإسلام كرها؛ فتصير الحجج اضطرارية، لا تمييزية واختيارية، وحجج الرسل - عليهم السلام - اختيارية، لا ضرورية؛ لما ذكرنا أنها لو جعلت اضطرارية، لارتفعت المحنة؛ فجعلت حججهم من وجه يقع بها الشبه؛ ليوصل إلى معرفتها بالفكر؛ لئلا ترتفع المحنة. فإن قال قائل: إن أبا حنيفة - رحمه اللَّه - ذكر في كتاب العالم والمتعلم: أن إيمان الملائكة وإيمان الرسل وإيماننا واحد، ثم قال: فإذا استوينا نحن والرسل في الإيمان، فكيف صار الثواب لهم أكمل، وخوفهم من اللَّه أشد؟ فأجاب عن هذا السؤال بأجوبة، وقال في جملة ما أجاب: إنهم لو ارتكبوا الزلات يحل بهم العقاب عقيب الزلل؛ فصار خوفهم باللَّه تعالى ألزم من هذه الجهة. ولسائل أن يسأل على هذا، فيقول: فإذن إيمانهم باللَّه تعالى، وتركهم المعاصي ضروري لا اختياري؟! فيجاب عنه بأن يقال بأن الأنبياء - عليهم السلام - لم يُبَيَّنْ لهم العصمة، بل كانوا على خوف من وقوعهم في المهالك؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم - عليه السلام -: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)، ولو كانت العصمة له ظاهرة، لكان يستغني عن السؤال. وقال في قصة شعيب - عليه السلام -: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)، فثبت أنه لم يبين لهم العصمة، ونحن إنما شهدنا لهم بالعصمة بالوجود؛ لأن الحكمة توجب العصمة، والرسل - عليهم السلام - أمروا بتبليغ الرسالة، ولم يؤذن لهم بالنظر في أمر من تقدمهم من الرسل؛ ليظهر لهم العصمة بالتدبر والتفكر؛ فثبت أنهم كانوا على الخوف والرجاء في فكاك أنفسهم، وفي وقوعها في المهالك، وأن إيمانهم باللَّه تعالى لم يكن ضروريًّا، بل وصلوا إلى معرفته بالتمييز؛ لذلك عظمت درجاتهم. والثاني: أن الأنبياء - عليهم السلام - قد كان تقرر في قلوبهم هيبة اللَّه تعالى وعظمته؛ فكانت المعرفة هي التي دعتهم إلى الإيمان به، لا خوف حلول العقوبة بهم لو ارتكبوا الزلات، وأما الكفرة، فلم يعرفوا عظمة اللَّه تعالى، ولا قدرته، ولا سلطانه حتى يحملهم ذلك على الإيمان به، فلو حلت العقوبة بهم بالتكذيب، لكان الخوف هو الذي يحملهم على الإيمان لا غير؛ فيصير إيمانهم ضروريا؛ فلهذا لم يعاقبوا بالتكذيب؛ لئلا ترتفع المحنة، وخولف بينهم وبين غيرهم، وهذا كما نقول بأن أنباء من تقدم من الرسل حجة لرسولنا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في إثبات نبوته، وإن كانت تلك الأنباء قد عرفها أهل الكتاب، وأخبروا بها؛ لأن أهل الكتاب عرفوا تلك الأنباء بالتعلم والتلقين، ولم يختلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلى من عنده علم تلك الأنباء؛ فعلم أنه باللَّه تعالى علم، لا بتعليم أحد؛ فصارت الأنباء حججا لذلك، ولو لم تصر لغيره حجة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا): جائز أن يكون تأويله: اهجرهم وقت سبهم، ونسبتهم إياك إلى ما لا يليق بك، ولا تعبأ بهم، ولا تكترث إليهم، وإلى ما يتقولون عليك؛ لأن ذلك بعض ما يزجر المتقول والساب عما هو فيه، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا). ويحتمل أن يكون تأويله: أن انقطع عنهم انقطاعا جميلا، والانقطاع الجميل: ألا يترك شفقته عليهم، ولا يدعو عليهم بالهلاك، ولا يمتنع عن دعائهم إلى ما فيه رشدهم وصلاحهم؛ ولذلك قال في وقت أذاهم إياه: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ". ويحتمل أن يكون هجره إياهم هجرا جميلا هو ألا يكافئهم بالسيئة السيئة، بل يدفع السيئة بالحسنة؛ كقوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ)؛ إذ ذاك أدعى للخلق إلى إجابة من يفعل ذلك بهم عند المعاملة، واللَّه أعلم. ثم من الناس من يقول بأن هذه الآية نسختها آية السيف. ومنهم من قال بأنها لم تنسخ، وصرفوا تأويل الآية إلى جهة لا يعمل عليها النسخ، وذلك أن في قوله: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) منع المكافاة لأجل ما آذوه، ولم يفرض عليه القتال؛ ليكافئهم بأذاهم، وينتقم منهم بذلك؛ بل رجع قتاله إلى نصرة الدِّين؛ ولتكون كلمة اللَّه تعالى هي العليا؛ لذلك لم يكن في آية السيف ما يوجب نسخ هذا، ولا نسخ العمل بقوله: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ). الثاني: أنه ليس في قتالهم انتقام منهم، بل فيه ما يدعوهم إلى الإيمان باللَّه تعالى ورسوله، واذا آمنوا بذلك نجوا من العقاب، وفازوا بعظيم الثواب؛ فيصير القتال رحمة لهم لا عقوبة. ووجه جعله رحمة: هو أنهم إذا رأوا غلبة المسملمين عليهم مع قلة عددهم والضعف الذي حل بأبدانهم؛ لاشتغالهم بعبادتهم ربهم، وكثرة عدد المشركين مع قوة أبدانهم - أيقنوا أنهم لم ينالوا الغلبة بالحيل والأسباب؛ بل اللَّه تعالى هو الذي قواهم عليهم، وقام بنصرهم؛ فيتقرر عندهم كون أهل الإسلام على الحق، وإذا أيقنوا بالحق التزموه فيحرزون به جزيل الثواب، وكريم المآب؛ فصار القتال رحمة لهم، لا أن يكون عقوبة عليهم؛ لسوء صنيعهم، وإذا كان كذلك، بقي العمل بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) ثابتا باقيا، وبهذا يجاب من سأل فقال: إن اللَّه تعالى يقول لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وفي القتال ترك الرحمة؛ فكيف فرض عليه؟ فيقال أن ليس في القتال ترك الرحمة؛ بل هو من أبلغ الرحمة وتمامها؛ إذ يحملهم على الإيمان، وترك التكذيب؛ فتعلو منزلتهم، ويشرف قدرهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

المزمل 73:11

وجواب آخر: أن يقال بأن الحجة في، القتال ليس في القتل؛ لأنهم إذا خافوا القتال، تركوا التكذيب، وأقبلوا على الداعي؛ ألا ترى أنه ذكر أن القوم قبل أن يفرض عليهم القتال، كان يدخل الواحد منهم بعد الواحد في هذا الدِّين؛ فلما شرع القتال، جعلوا يدخلون فيه فوجا فوجا، وقبيلة قبيلة. ثم إباحة القتل يكون بالضرورة؛ لأنهم إذا علموا أنهم لا يقتلون، لم يقع لهم الخوف بالقتال، وإذا لم يخافوا تركوا الإجابة؛ فشرع القتل فيه؛ لتحقيق الخوف؛ فلم يكن فيه ترك الرحمة، وهو كقوله: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)، وفي إقامة القصاص تلف النفس، وليس فيه إحياء، ولكن وجه الإحياء فيه: هو أن القاتل إذا فكر في قتل نفسه بقتل صاحبه، ردعه ذلك عن القتل؛ فيكون فيه إحياء النفسين جميعا؛ فيصير إيجاب القصاص سببا للإحياء في الحقيقة، وإن كان في الظاهر سببا للإتلاف؛ فكذلك هَؤُلَاءِ إذا أيقنوا بالقتل بامتناعهم عن الإجابة، تركوا الامتناع، وأقبلوا على الإجابة؛ فيكون موضوع القتل للرحمة في التحقيق، وإن كان في الظاهر خارجا مخرج ترك الرحمة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) ففيه أن أهل الخصب والرغد هم الذين اشتغلوا بالتكذيب، وهم الذين كانوا يصدون الناس عن سبيل اللَّه؛ كما قال: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا)، وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا)؛ فخص أولي النعمة بالذكر لهذا. ثم في قوله: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) إيهام بأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سبق منه المنع، ولم يوجد من رسول اللَّه حيلولة ومنع، ولكن مثل هذا الخطاب موجود في كتاب اللَّه تعالى في غير آي من كتابه، وهو أن يخرج مخرجا يوهم أن هناك مقدمة، وإن لم يكن فيها مقدمة في التحقيق؛ قال اللَّه تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا)، ولم يكن فيه تحقيق الوضع، وإن كان الرفع يستعمل في الشيء الموضوع؛ فكان تأويل الرفع هاهنا بأنها خلقت مرفوعة. وقال: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ)، ولم تكن مرفوعة فوضعها، وكان معناه: أنها خلقت موضوعة. وقال يوسف - عليه السلام -: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، ولم يسبق منه دخول في دين أُولَئِكَ؛ فيكون تاركا له بعدما دخل فيه. وقال اللَّه تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا

المزمل 73:12

أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ)، ولم يقتضِ قوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) كونهم في الظلمات، ولا اقتضى قوله: (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) كونهم في النور، فيخرجهم منه، وإن كان في الظاهر يؤدي ذلك؛ فعلى ذلك قوله: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) وإن كان في الظاهر يقتضي حيلولة ومنعا، فليس في الحقيقة إثبات منع. ويذكر غير هذا في سورة المدثر. ثم قوله: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) معناه: لا تجازهم بصنيعهم، ولا تستعجل عليهم بالدعاء؛ بل أمهلهم قليلا (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ). وقيل في الفرق بين النِّعَمة والنَّعْمَةِ: إن النَّعْمَة ما يعطى للعبد إرادة استدراجه فيها وهلاكه، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ)، والنعم هي منة اللَّه تعالى على عباده؛ تفضلا عليهم، كقوله، (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)، واللَّه أعلم. قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣). قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الأنكال هي السلاسل والقيود. وقال أبو بكر الأصم: الأنكال: ما ينكل به ويعتبر به غيره؛ قال اللَّه تعالى: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً)، تأويله ما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى أيضا. فإن كان على ما ذكره أبو بكر الأصم فقد يكون في الدنيا، ويكون منصرفا إلى يوم بدر وكأن الأول أشبه. والجحيم: هو معظم النار. ثم في هذه الآية دلالة نبوة نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وآية رسالته، لأن قوله: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا) وراجع إلى قوله: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ)، فإن لهم لدينا أنكالا وجحيما، وإنما ينكلون ويعذبون بالجحيم إذا ماتوا على الكفر؛ ففيه إبانة أنهم يموتون وهم كفار، وعلى ذلك ماتوا، وختم أمرهم، ولم يُسلم منهم أحد؛ فيخرج ما أخبر عن غيب كما أخبر، وذلك لا يعلم إلا باللَّه - تعالى - فثبت أنه لم يخترعه من تلقاء نفسه، بل علم

المزمل 73:13

باللَّه تعالى، وعلم الغيب من أعظم آيات رسالته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) فالذي يغص، ولا يقدر على ابتلاعه ليس بطعام في الحقيقة، وقال: (لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ)، والحميم ليس بشراب في التحقيق؛ ولكن سمي الأول: طعاما؛ لأنه يمضغ مضغ الطعام، والصديد والحميم يسيلان سيل الشراب، فذكر في الأول طعاما، وفي الثاني شرابا لهذا. ولأن الطعام اسم لما يطعم؛ فهو مطعوم، وإن كان كريها، والحميم مشروب وإن كان في نفسه كريها. ثم الأصل أن الكفرة بكفرهم تركوا شكر نعم اللَّه - تعالى ذكره - وقابلوها بالكفران؛ فأبدل اللَّه تعالى لهم في الآخرة مكان كل نعمة نقمة؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا)، فأبدلهم مكان البصر عمى، ومكان السمع صمما؛ لتركهم شكر ما أنعموا من البصر والسمع واللسان، وأبدلهم مكان اللباس قطرانا، ومكان المراكب: السحْب إلى النار على أقدامهم ووجوههم؛ فكذلك أبدلهم مكان الطعام والشراب زقوما وحميما؛ لتركهم شكر نعم اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤). قد ذكرنا الرجفة في غير موضع. وقوله: (كَثِيبًا مَهِيلًا)، أي: رملا سائلا؛ ففيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ لأن الجبال من أصلب الأشياء وأشدها في أنفسها، ثم يبلغ هول ذلك اليوم مبلغا لا يحتمله الجبال مع شدتها وصلابتها، فالإنسان الضعيف المهين أنَّى يقوم لشدته وهوله؟ فذكرهم حال ذلك اليوم؛ ليرتدعوا، وينتهوا عما هم عليه في التكذيب والضلال. * * * قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا). قوله: (شَاهِدًا عَلَيْكُمْ) قال أبو بكر الأصم: تأويله: مبينا لكم ما لله تعالى عليكم من الحق. وجائز أن يكون (شَاهِدًا عَلَيْكُمْ)، أي: لكم وعليكم جميعا؛ فيكون على الكفرة شاهدا بقوله: (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ)، ويكون للمؤمنين شاهدا، وقد

المزمل 73:14

الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا﴾ أي رملا سائلا. ففيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم لأن الجبال من أصلب الأشياء وأشدها في نفسها. ثم يبلغ هول ذلك اليوم مبلغا لا تحتمله الجبال مع شدتها وصلابتها. فإن الإنسان الضعيف المهين أنّى يقوم لشدته وهوله، فذكرهم حال ذلك ليرتدعوا، وينتهوا عمّا هم عليه من التكذيب والضلال.

المزمل 73:15

الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا﴾ قوله :﴿شاهدا عليكم﴾ قال أبو بكر الأصم : تأويله : مبينا لكم(١) ما لله عليكم من الحق. وجائز أن يكون﴿شاهدا عليكم﴾ أي لكم وعليكم جميعا ؛ فيكون على الكفرة شاهدا بقوله :﴿وجئنا بك شهيدا على هؤلاء﴾ [النحل: ٨٩] ويكون للمؤمنين شاهدا، وقد يذكر﴿عليكم﴾ ويراد به لكم كقوله تعالى :﴿وما ذبح على النصب﴾[المائدة: ٣] أي للنصب لأنهم كانوا يذبحون لها لا عليها، وخصّ ذكر موسى عليه السلام وفرعون من بين الجملة. ففائدة ذكر التخصيص، هو، والله أعلم، أن رسول الله ﷺ كان منشؤه بين ظهراني الذين كذّبوه، ولم يكونوا(٢) وقفوا منه على كذبة قط، بل كانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وكان بمحل يرونه أهلا للشهادة، فكيف ينسبونه إلى الكذب، ولم يعهدوا ذلك منه ؟ وكذلك موسى عليه السلام كان نشأ بين ظهراني أولئك الذين أرسل إليهم وكانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وعرفوا أنه يصلح للشهادة. ومنهم من يقول بأنهم أزروا برسول الله ﷺ واستصغروه اعتبارا بما شهدوا من حاله عند الصغر، إذ كان منشؤه فيهم، فكذلك أزروا بموسى عليه السلام حين(٣) بعث إليهم، واستخفوا به استخفافهم به في حالة الصغر حتى قالوا :﴿ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين﴾ [الشعراء: ١٨] فنزل بهم ما نزل بأولئك من الاستئصال بتكذيبهم إياه وإزرائهم به، فذكّرهم حال مكذبي موسى عليه السلام وما نزل بهم من مقت الله تعالى بتكذيبهم وإزرائهم ليعتبروا به، فينقلعوا عن الإزراء لئلا يحل بهم ما حلّ بأولئك ولئلا يغتروا بقواهم وكثرة عددهم وأموالهم ؛ فإن مكذبي موسى عليه السلام كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا وأشد بطشا فلم يغنهم ذلك من الله شيئا. وجائز أن يكون حصر ذكر موسى عليه السلام وفرعون، ونبأهما، لأن خبره منتشرا في ما بين أهل مكة، لأنهم كانوا خبرة اليهود والذين عندهم نبأ موسى عليه السلام لينتهوا عمّا هم عليه من التكذيب، ولأن الله تعالى إذ يحتج بالحجج ؛ وله أن يحتج عليهم بحلها، إذ في ذلك قطع الشبه وإزاحة العذر، أو ذكّرهم نبأ موسى عليه السلام وقومه لأن العهد به كان أقرب ؛ إذ قومه كانوا آخر قوم استؤصلوا في الدنيا. ١ في الأصل و م: عليكم.. ٢ في الأصل و م: يكن.. ٣ في الأصل و م: حيث..

المزمل 73:16

يذكر " عليكم " ويراد به " لكم " كقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)، أي: للنصب؛ لأنهم كانوا يذبحون لها، لا عليها. وخص ذكر موسى - عليه السلام - وفرعون من بين الجملة؛ ففائدة ذكر التخصيص هو - واللَّه أعلم - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان منشَؤه بين ظهراني الذين كذبوه، ولم يكن وقفوا منه على كذبة قط؛ بل كانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وكان بمحل يرونه أهلا للشهادة؛ فكيف ينسبونه إلى الكذب، ولم يعهدوا ذلك منه، وكذلك موسى - عليه السلام - كان نشأ بين ظهراني أُولَئِكَ الذين أرسل إليهم، وكانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وعرفوا أنه يصلح للشهادة. ومنهم من يقول بأنهم ازدروا برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واستصغروه؛ اعتبارا بما شهدوا من حاله عند الصغر؛ إذ كان نشوءه فيهم؛ وكذلك ازدروا بموسى - عليه السلام - حين بعث إليهم، واستخفوا به استخفافهم به في حال الصغر، حتى قالوا: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ)، فنزل بهم ما نزل بأُولَئِكَ من الاستئصال بتكذيبهم إياه، وازدرائهم به، فذكرهم حال مكذبي موسى - عليه السلام - وما نزل بهم من مقت اللَّه تعالى بتكذيبهم وازدرائهم به ليعتبروا به؛ فينقلعوا عن الازدراء؛ لئلا يحل بهم ما حل بأُولَئِكَ. ولئلا يغتروا بقواهم، وكثرة عددهم وأموالهم؛ فإن مكذبي موسى - عليه السلام - كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأشد بطشا؛ فلم يغنهم ذلك من اللَّه - تعالى - شيئا. وجائز أن يكون خص ذكر موسى - عليه السلام - وفرعون ونبأهما؛ لأن خبره كان منتشرا فيما بين أهل مكة؛ لأنهم كانوا جيرة اليهود الذين عندهم نبأ موسى - عليه السلام - وفرعون، فكانوا يخبرونهم بما حل بفرعون وقومه بتكذيبهم الرسول؛ فذكرهم نبأ موسى - عليه السلام - لينتهوا عما هم عليه من التكذيب. ولأن لله تعالى أن يحتج عليهم بآحاد الحجج، وله أن يحتج عليهم بجملتها؛ إذ في ذلك قطع الشبه، وإزاحة العذر. أو ذكرهم نبأ موسى - عليه السلام - وقومه؛ لأن العهد بهم كان أقرب؛ إذ قومه كانوا آخر قوم استؤصلوا في الدنيا. وقوله: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) أي: شديدا: ومنه: المطر الشديد

المزمل 73:17

يسمى الوابل. وقال أبو بكر: اسم لكل معضلة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) فهو يحتمل أوجها: أحدها: أي: كيف تتقون النار في الآخرة إذا سلكتم في الدنيا سبيلها -وهو الكفر- وأنتم تعلمون أن من سلك طريقا لشيء ولا منفذ لذلك الطريق إلا إلى ذلك الشيء؛ فإنه يرد عليه لا محالة. أو كيف تتقون النار في الآخرة، وقد تركتم القيام بما عليكم من شكر النعم. أو كيف تتقون العذاب في الآخرة وأنتم تدفعون إليها، وتضطرون بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ)، وبقوله: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ)، وبقوله: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ)، وقد مكنتم في الدنيا من الإيمان باللَّه تعالى، ومكنتم من الانتهاء عن الكفر، ثم لم تنقلعوا عنه، فأنى يتهيأ لكم المخلص من عذابه، وأنتم تدفعون إليه. أو كيف تنتفعون بإيمانكم في الآخرة، ولم تؤمنوا في الدنيا، وقد مكنتم به. والأصل أن دار الآخرة ليست بدار لاستحداث الأسباب، وإنما هي دار وقوع المسببات؛ فهم إذا لم يستحدثوا الأسباب التي جعلت لدفع العذاب في الدنيا، لم يمكنوا من استحداثها في الآخرة فينتفعوا بها، ولم يكونوا أهلا لوقوع المسببات؛ لما لم يستحدثوا الأسباب في الدنيا، وإنما قلنا: إنها ليست بدار محنة وابتلاء؛ لأن المحنة؛ لاستظهار الخفيات، والثواب والعقاب قد شوهد وعوين؛ فإذا قيل: إذا فعلت كذا، دخلت النار وهو يعاين النار، ويراها، فهو يمتنع عن الإقدام على ذلك الفعل، وإذا قيل له: إذا آمنت باللَّه تعالى أكرمت بالجنة، وهو يشاهد الجنة، ويراها، فهو يؤمن لا محالة؛ فلا وجه للابتلاء في الآخرة؛ بل هي دار وقوع المسببات يعني: الثواب والعقاب؛ والذي يدل على هذا قوله؛ (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا)، فأخبر أنهم يشيبون لا بسبب المشيب، والمشيب في الدنيا لا يوجد إلا بعد وجود سببه، وهو الكبر ليعلم أن الدار الآخرة ليست بدار استحداث الأسباب؛ فما يستحدثون من الإيمان باللَّه تعالى لا ينفعهم في ذلك اليوم، ولا يقيهم من عذاب اللَّه تعالى.

المزمل 73:18

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) جائز أن يكون هذا على التحقيق، فيشيب الولدان لهول ذلك اليوم، ويصير الشيب سكارى؛ لشدة هوله؛ كما قال تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى). وجائز أن يكون على التمثيل، لا على تحقيق الشيب، فمثله به؛ لعظم ذلك اليوم، وشدة هوله، وقد يجوز أن يمثل الشيء بما يبعد عن الأوهام تحقيقه؛ على تعظيم ذلك الشيء، كقوله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)، فذكر هذا على التمثيل؛ لعظم ما قيل فيه، لا على تحقيق الانفطار والانشقاق. وجائز أن يكون معناه: أنه لولا أن اللَّه - تعالى - بعثهم للإبقاء وألا يتغيروا، ولا يتفانوا، وإلا كان هول ذلك اليوم يبلغ مبلغا يشيب به الولدان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨). أي: بما يجعل الولدان شيبا، وهو هول ذلك اليوم، وشدة فزعه. أو منفطر بالغمام. وقيل: منفطر باللَّه، أي: بقضائه وحكمه، واللَّه أعلم. ثم قال: (مُنْفَطِرٌ بِهِ)، ولم يقل: " منفطرة "، والسماء مؤنث؛ فذكر الزجاج: أن معنى قوله: (مُنْفَطِرٌ بِهِ)، أي: ذات انفطار، فعبر بها كما يعبر عن الذكور؛ كما يقال: امرأة مرضع، أي: ذات إرضاع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا): أي: الذي وقع به الوعد مفعول، لا أن يكون الوعد هو المفعول، وكذا قوله: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا)، والوعد لا يؤتى، بل الموعود هو الذي يؤتى، ولكن نسب الموعود إلى الوعد؛ لأنه من آثاره، وهذا كما يقال: المطر رحمة اللَّه، أي: برحمة اللَّه ما أمطروا، لا أن يكون المطر رحمته، ويقال: الصلاة أمر اللَّه، أي: بأمر اللَّه ما تقام، لا أن تكون أمره الذي يوصف به؛ فكذلك الموعود نسب إلى الوعد؛ إذ بالوعد ما استوجبوا، لا أن يكون الوعد هو المفعول وهو المأتي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ... (١٩). جائز أن يكون قوله: (هَذِهِ) منصرفا إلى الأهوال التي ذكرها فيكون ذكرها تذكرة.

المزمل 73:19

الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿إن هذه تذكرة﴾ فجائز أن يكون قوله :﴿هذه﴾ منصرفا إلى الأهوال التي ذكرها[ فيكون ذكرها ](١) تذكرة. ويحتمل أن ينصرف إلى الرسالة أي رسالة محمد ﷺ ويحتمل[ أن تكون ](٢) هذه السور أو الآيات كلها تذكرة. وقوله عز وجل :﴿إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾ إلى ما دعاه إليه ربه ؛ وذلك يكون بالإجابة إلى(٣) ما دعاه إليه، أو من شاء اتخذ إلى ما وعد له ربه في الآخرة سبيلا في أن يقبل على طاعته، ويشغل نفسه بعبادته. ١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: أي.. ٣ في الأصل و م: في..

المزمل 73:20

ويحتمل أن ينصرف إلى الرسالة، أي: رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تذكرة. ويحتمل: أي: هذه السورة، أو الآيات كلها تذكرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا): قَالَ بَعْضُهُمْ: من شاء اتخذ عند ربه جاهًا ومنزلة لنفسه. أو (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا). أي: إلى ما دعاه إليه ربه، وذلك يكون بالإجابة فيما دعاه إليه. أو من شاء اتخذ إلى ما وعد له ربه في الآخرة سبيلا في أن يقبل على طاعته، ويشغل نفسه بعبادته. * * * قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ): قال أبو عبيد: الصواب أن يقرأ: (وَنِصْفِهِ وثُلُثِهِ) بالخفض؛ على معنى إضافة (أَدْنَى) إليها، فكأنه يقول: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل، وأدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه، و (أَدْنَى) يكون على الزيادة والنقصان جميعا؛ لأن فضل ما بين الثلث، إلى النصف هو السدس؛ فإذا زاد على الثلث أقل من نصف السدس، فهو إلى الثلث أدنى، وكذلك إذا نقص من الثلث شيئا قليلا، فهو إلى الثلث قريب؛ فيكون إليه أدنى، وكذلك الفضل فيما بين النصف إلى الثلثين هو السدس، فإذا زاد على النصف أكثر من نصف السدس، فهو إلى الثلثين أدنى، وإذا نقص من نصف السدس فهو إلى النصف أدنى وأقرب. ومنهم من اختار النصب فيهما، والوجهان جميعا محتملان؛ لأن قوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ) ليس فيه إيجاب حكم مبتدأ؛ وإنما فيه إخبار عن القيام الذي وجد من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فجائز أن يكون وجد منه ذلك كله، وهو أن يكون قريبًا من الثلثين، وقريبًا من النصف، وأدنى من الثلث؛ على ما ذكره أهل المقالة الأولى، ويكون قد قام أدنى من ثلثي الليل، وقام نصفه وثلثه، وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه، فذكر في الثلثين الأدنى؛ لما وجد منه الأدنى من جهة الزيادة والنقصان، ولم يوجد موافقة الثلثين، وأخبر بالنصف والثلث بالأمرين جميعا؛ لوجود الموافقة، وهو أن يكون قام نصف الليل، وقام ثلثه، وقام أدنى من النصف، وأدنى من الثلث، وإذا كان هذا كله محتملا، لم يجز أن يدفع أحد الوجهين، ويتمسك بالوجه الآخر؛ وهذا كقوله تعالى: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ)، فقرئ برفع التاء ونصبه جميعا؛ لما وجد الأمران جميعا، وهو أن يكون موسى - عليه السلام - وفرعون عَلِما بها أي: بالآيات جميعا. وكذلك قال في سورة سبأ: (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)، وقرئ: (رَبَّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)؛ لوجود الأمرين جميعا وهو الدعاء والإجابة؛ فقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَبَّنَا بَاعِدْ) ودعاء، وقوله (رَبُّنَا بَاعَدَ) على الإجابة، ففرق بينهما بالإعراب؛ فكذلك هاهنا لما استقام وجود الوجهين من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، استقام أن يقرأ بالنصب والخفض جميعا، ويفرق بينهما بالإعراب، واللَّه أعلم. ثم يجوز أن يكون المفروض من القيام قدر ثلث الليل، ويكون الزيادة بحكم النافلة. ويجوز أن يكون كله مفروضا، وإن طال، وزاد على الثلث والنصف والثلثين، وإن كان يجوز له الاقتصار على ثلث الليل؛ ألا ترى أن فرض الركوع والسجود يقضي بإدراك جزء منه، وكذلك فرض القيام يقضي بالجزء منه، ثم إن الركوع وإن طال فهو من أوله إلى آخره فرض حتى لو أن داخلا شاركه في أول الركوع، ثم رفع رأسه، وشاركه ثالث في آخر ركوعه، ثم رفع رأسه مع الإمام، صار كل واحد منهم مدركا لفرض الركوع، وإن كان الإمام لو اقتصر على جزء منه، كفاه ذلك عن فرضه؛ فكذلك الفرض لما انصرف إلى قيام الليل فصار جميع ما يؤتى من القيام في الليل وإن طال فرضا، وإن كان قد يجوز الاجتزاء ببعضه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ): في هذه الآية، وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) - دليل على أن فرض القيام كان على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وعلى من تبعه من المؤمنين، وإن كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو المخصوص بالخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)؛ لأنه لو لم يكن الفرض شاملا لهم، لم يكن لقوله: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) معنى؛ ألا ترى أنه إذا لم يفرض علينا قيام الليل في يومنا هذا، لم نحتج في ترك القيام إلى أن يتوب اللَّه علينا. ثم إن اللَّه تعالى ذكر في التوبة وفيما فيه التبع خطابا يجمع الجميع بقوله: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ)، وبقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) وذكر فيما فيه الأمر خطابا يقتضي الآحاد، وهو قوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا)؛ ففي هذا أنه قد يجوز أن يخاطب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على إدخال غيره فيه تبعًا له، ولا يجوز أن يخاطب غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويراد به إشراك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ذكر الخطاب؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو المتبوع؛ فجاز إلحاق غيره به، وغيره لا يكون متبوعا حتى يلحق به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ): فيه أن الليل والنهار ليسا يمضيان على الجزاف؛ ولكن بتقدير سبق من اللَّه - عز وجل - وآية ذلك ظاهرة؛ لأنهما يجريان مذ خلقهما على تقدير واحد، لم يتقدما، ولم يتأخرا، ولم ينتقصا ولم يزادا؛ فيكون فيه إبانة أن مدبرهما واحد، وأن الذي قدرهما هكذا ممن لا يبيد ملكه، ولا ينفذ سلطانه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ): قَالَ بَعْضُهُمْ: علم أن لن تطيقوه. قال أبو يكر الأصم: هذا لا يستقيم؛ لأنه لا جائز أن يكلفهم اللَّه تعالى ما لا يطيقونه؛ ألا ترى إلى قوله: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). وليس فيما ذكره أبو بكر ما يدفع هذا التأويل؛ لأنه يقال للأمر إذا اشتد وتعسر: لا يطاف هذا الأمر، وإن لم يكن ذلك خارجا من الوسع؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)، وتأويله: لا تحملنا أمرا يشتد علينا عمله، ليس أنهم خافوا أن يحملهم أمرا لا يحتمله وسعهم؛ فيكون قوله: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) -إن كان تأويله: أن لن تطيقوه- على ذلك، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون قوله: (مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: لا تحملنا أمرا تهلك فيه طاقتنا، لا أن تحملوا أمرا لا يطيقونه؛ ألا ترى الإنسان يحتمل القتل، ولكن قتله يهلك طاقته. وجائز أن يكون قوله: (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)، أي: اعصمنا من الشهوات واللذات؛ لئلا نؤثرها؛ فنكون مضيعين بارتكابها قوة الفعل الذي تعبدنا به؛ فلا نصل إلى فعله، وهذه هي القوة التي لا تزايل الفعل، بل تطابقه، وأما الفعل الذي هو خارج عن احتمال الوسع والطاقة، فذلك هو الذي لا يقع بمثله التكليف. وجائز أن يكون تأويل قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ)، أي: لن تحصوا حد ما أمركم به، لو أخذ عليكم في أمر بتقدير الثلث والنصف، لم يمكنكم ذلك إلا بعد جهد؛ ففرض عليكم قيام الثلث من الليل، وجعل لكم الإمكان في أن تزيدوا عليه فيحيط عملكم بقيام الثلث، ولو كان على حد واحد، لم يمكنكم حفظه إلا بعد شدة وجهد، وفي ذلك كلفة عسيرة. ويؤيد هذا تأويل من قال: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ)، أي: لن تطيقوه، وتكون الطاقة عبارة عن التعسير، واشتداد الأمر. ثم في هذه الآية دلالة على إباحة تعليق الحكم بالاستحسان، لأنه قد فرض عليهم قيام ثلث الليل، ولا يمكنهم تدارك الثلث بتقدير الإحاطة، وإنما يمكنهم بالتقدير الذي يغلب على القلب؛ فثبت أنه قد يجوز أن يكون الحكم معتبرا بما يقع في القلوب، ويغلب على الظنون، والاستحسان ليس إلا تعليق الحكم بما يغلب على القلوب. والذي يدل على أن الحكم لازم بما ذكرنا: أن اللَّه تعالى ألزم الحد على القاذف وعلى الزاني، ولم يبين مبلغ وقوع الضرب فيه، ولا ما يضرب به، فقدر ذلك بما يقع في القلوب أن مثل هذا الضرب يصلح لمثل هذه الجناية، وكذلك قيم الأشياء، والأروش، والنفقات، وتسوية المكاييل، والموازين يعتبر ذلك كله بغلبة الظنون من غير أن كان في شيء من ذلك أصل تقدر النوازل به وتنتزع منه؛ فثبت أنه يجوز أن يحكم بالذي يغلب على القلوب، وأن المجتهد يرجع إلى وجهين: مرة ينظر غيره فيتمثل بها؛ فيسمى ذلك: قياسا، ومرة يحكم فيها بما يغلب على الظنون؛ فيسمى ذلك: استحسانا. وفي هذه الآية دلالة أن سؤال من يسأل أبا حنيفة - رحمه اللَّه - أن الوتر لو كان له مشابهٌ في الفرض، لكان لا يختلف لعدده - سؤال غير مستقيم؛ لأنه قد فرض على القوم أن يقوموا ثلث الليل، وقد أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم لا يحصون حد ما أمرهم به، وإذا لم يحصوا فلا بد أن يقع هناك زيادة ونقصان؛ فكذلك الوتر وإن كان حد عدده غير معروف فهو لا يخرجه عن حكم الفرائض، واللَّه أعلم. ثم في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) أن اللَّه وقتما فرض عليهم علم أنهم لا يحصونه؛ ولكن بيّن هذا؛ ليعلموا أن لله تعالى أن يكلفهم إقامة العبادة إلى وقت لا يتهيأ لهم إحاطة مبلغ ذلك الوقت إلا بعد جهد؛ ليعرفوا منة اللَّه تعالى عليهم إذا أسقط عنهم ذلك التكليف، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)، ولكن ذكر هذا؛ ليعلموا أنهم يكلفون القيام للعشرة وإن كان بهم ضعف، لكن إذا خفف عنهم، عرفوا ما لله عليهم من عظيم المنة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) يحتمل أن تكون طائفة منهم امتنعوا عن القيام؛ فتكون التوبة راجعة إليهم؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ)، فهذا يبين أنهم جميعًا لم يقوموا معه؛ وإنما قامت معه طائفة؛ فتكون التوبة راجعة إلى الطائفة التي امتنعت عن القيام. وجائز أن تكون راجعة إليهم، وإلى الذين قاموا معه؛ فيكون الذين قاموا معه قصروا في القيام عن الحد الذي شرط عليهم؛ فافتقروا إلى التوبة - أيضًا - كما افتقر إليها من تخلف عن القيام؛ فتاب اللَّه عليهم جميعا، واللَّه أعلم. وقوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ): فمنهم من ذكر أن قيام الليل صار منسوخا بهذه الآية. ومنهم من يقول بأن النسخ وقع بقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وهي الصلاة المفروضة، وليس بينهما فرق عندنا؛ وإنما نسخ بهما جميعا. ووجه النسخ: هو أن فرض القيام لو كان باقيا، لكان لا يجوز لهم أن يكتفوا من القراءة بما تيسر عليهم؛ لأنهم إذا قاموا إلى ثلث الليل لزمهم تبليغ القراءة إلى حدٍّ يتعسَّر عليهم ويشتد، فإذا أذن بالاقتصار على القدر الذي تيسَّر، عُلِمَ أنه قد سقط عنهم أن يقوموا ثلث الليل. ثم هو إذا قام صلاة المغرب والعشاء قد قرأ من القرآن ما تيسر عليه؛ فصار قاضيا لما اقتضاه قوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)، فمن هذا الوجه استدلوا بهذه الآية على نسخ حكم القيام بالليل، ثم هذه القراءة يقيمها في الصلاة؛ فيكون النسخ واقعا بهما. ثم من الناس من يزعم أن فرض القيام سقط عن رسول اللَّه - ﷺ - وعن أمته؛ واستدل بقوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ)؛ فإن كان الفرض عليه قائما، لم يكن التهجد به نافلة. ومنهم من زعم أنه لم يسقط عنه فرض القيام؛ بل دام عليه إلى أن قبض - عليه السلام -. واحتج بما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " كُتب عليَّ قيام الليل، ولم يكتب عليكم "، ومعناه: بقي عليَّ مكتوبا، ورفع عنكم؛ إذ قد دللنا أن القيام في الابتداء كان واجبًا عليه وعليهم جميعا. وقد قال بعض الناس: إن صلاة الليل، لم تكن فرضا على أمته بهذا الحديث، وما ذكرناه عليهم. ثم الجواب عن التعلق أن قوله: (فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) معناه: غنيمة لك، لا أن يكون القيام منه تطوعا. ووجه صرفه إلى الغنيمة: هو أن العبادة من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - تخرج مخرج الشكر لله تعالى؛ فيصير بها مكتسبا للفضيلة، وليس يقع ذلك موقع التكفير للسيئات؛ لأنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فلم يكن يحتاج إلى إتيان الحسنات؛ ليكفر عنه السيئات؛ فثبت أن الفعل منه يقع موقع اكتساب الفضيلة؛ فتدوم له بذلك الفضيلة ويستوجب بها جزيل الثواب، وذلك من أعظم الغنائم. والذي يدل على أن فعله يخرج مخرج الشكر: ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قام حتى تورمت قدماه؛ فقيل له: يا رسول اللَّه، ألم يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال - عليه السلام -: " أفلا أكون عبدا شكورا؟ "، وأما غيره فإن الحسنات منهم مكفرة لسيئاتهم، ومطهرة لزلاتهم؛ قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)؛ فهم بحسناتهم لم يصيروا مكتسبين الفضيلة في مستأنف الأوقات، فيصيروا بها مغتنمين، بل رفعوا زلاتهم، وطهروا أنفسهم من المآثم؛ فلم تصر القربة منهم، واللَّه أعلم. فلهذا ما سمى تهجده: نافلة، لا أن يكون قيامه نفلا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). فمنهم من زعم أن هذه السورة كلها مكية، ومنهم من زعم أن أولها مكية، وآخرها مدنية، ويحتج هَؤُلَاءِ بقوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ)، وبقوله: [(يُقَاتِلُونَ] فِي سَبِيلِ اللَّهِ)؛ وذلك لأن الجهاد فرض على المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة، ولم يوجد منهم الضرب في الأرض في حال كونهم بمكة، وفي هذا إخبار عن جهاد طائفة، وعن ضرب بعض في الأرض؛ فثبت أن نزول هذه الآيات كانت بالمدينة. واحتجوا - أيضا - بقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، قالوا: إن الزكاة إنما فرضت عليهم بعدما هاجروا إلى المدينة، وفي هذا أمر بإيتاء الزكاة؛ فثبت أن نزولها كان بالمدينة، وأما أول السورة فهي في موضع المحاجة على أهل الشرك، ولم يكن بالمدينة مشرك؛ بل كانوا أهل كتاب. ومن ذكر أنها كلها مكية، فهو يحمل قوله: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) على الوعد والبشارة، ليس على الإيجاب والوجوب؛ ألا ترى إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى)، فأخبر أنه سيكون منكم مرضى، لا أن كانوا مرضى في ذلك الوقت؛ فلم يكن فيما ذكر دلالة كونها مدنية. ثم الآية إن كانت على الوعد؛ ففيه أنهم كانوا في ضيق من العيش، وكانوا من القوم في خوف؛ فيكون فيه بشارة أنه يرفع عنهم الضيق بما يضربون في الأرض، ويوسع عليهم العيش، وأنه يفتح لهم الفتوح، ويكثر أنصارهم حتى يقهروا العدو، ويقع لهم من ناحيتهم الأمن، وقد آل الأمر إلى ما بشروا به، فيه آية رسالته - عليه السلام - إذ أخبرهم عن علم الغيب، وكان الأمر على ما أخبر. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) في موضع الاعتلال، أنه إنما خفف عليهم الأمر بما ذكر من الأعذار من المرض، والضرب في الأرض، والمجاهدة في سبيل اللَّه تعالى، والتخفيف إذا وجب لعذر مما لم يلاق العذر حالة الفعل، لم يخفف؛ فكيف خفف عنهم قبل وقوع الأعذار، ولكن هذه الأعذار وإن تحققت هي لا تلاقي الفعل؛ بل تتقدمه؛ لأن المجاهدة تكون بالنهار، لا بالليل، وكذلك الضرب في الأرض وقت النهار لا الليل، والقيام كان بالليل ليس بالنهار، ثم قد وضع عنهم قيام الليل وإن لم يكن العذر ملاقيا للقيام؛ فعلى ذلك جائز أن يرفع عنهم القيام بالليل وإن لم يأت بعد وقت المجاهدة، ولا كان الضرب موجودا؛ إذ ليس في ذلك كله إلا عدم ملاقاة العذر حالة القيام. ثم وجه رفع قيام الليل عنهم بالمجاهدة والضرب في الأرض وإن كانا يحصلان في النهار لا في الليل: هو أن المجاهدة بالنهار تضعفهم، وتوهن قواهم؛ فيتعذر عليهم قيام الليل، وكذلك الضرب في الأرض؛ فمن اللَّه تعالى عليهم بأن رفع عنهم قيام الليل، وإن لم يوجد منهم الاشتغال بالجهاد بالليالي، واللَّه أعلم. ثم الضرب في الأرض يكون للتجارة، ولغيرها من الوجوه: لطلب العلم، وغيره من الأسباب؛ فلا يحصل أمر الضرب على التجارة خاصة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). قال أبو بكر في قوله: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) هو دلالة أن هذه الآية مدنية؛ لأن الزكاة إنما فرضت عليهم بالمدينة، فإن كان الأمر على ما ذكر: أن فرضها نزل بالمدينة فذلك عندنا مصروف إلى زكاة المواشي خاصة؛ لأن أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لم يكن لهم بمكة سوائم؛ لأنهم كانوا يخافون العدو؛ فلم يتهيأ لهم إسامة المواشي، وأما ما رجع من الزكوات إلى غيرها من الأموال، فيشبه أن تكون واجبة عليهم في حال كونهم بمكة، وبعد مفارقتهم منها، ولا يكون في الأمر بإيتاء الزكاة دلالة نزولها بالمدينة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا): فالقرض -في لغة العرب-: القطع، يقال: قرض الفأر الجراب، أي: قطعه؛ فسمي القرض: قرضا لهذا؛ لأنه يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذلك هو بالتصدق يقطع ذلك القدر؛ فيجعله لله تعالى خالصا؛ فسمي: إقراضا لهذا. ويجوز أن يكون أضاف إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما يتصدق عليه؛ إذ الإقراض حصل فيما بينه وبين ربه؛ فيصير الفقير معاونا له في تلك القربة. ولأن المرء في الشاهد إنما يقرض ما يفضل عن حاجته، فيدفعه إلى من يثق به، ليسترده منه عند حاجته إليه؛ فكذلك الصدقة أُوجبت في المال الذي يفضل عن حاجاته، فيقرضها لله تعالى فيجدها مهيأة عندما تمسه الحاجة. ثم المال الذي يدفعه إلى الفقير على جهة التصدق هو مال اللَّه تعالى، ثم جعل الله تعالى ذلك منه إقراضا له جل جلاله وأضافه إلى نفسه؛ فتكون الفائدة في الإضافة إلى نفسه هي تفضيل عمله؛ ليرغبه في مثل ذلك الفعل على جهة التكرم منه؛ وهو كما سمى الثواب الذي يتفضل به على عباده أجرا بقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ)، ومن عمل لنفسه لم يستوجب الأجر على غيره، وسمى الذي يُقتل: شهيدا بائعا نفسه لله تعالى؛ على تفضيل وترغيب للعباد في مثله؛ لقوله: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) معناه: تجدوه حاصلًا لكم، وإلا فكل شيء تقدمونه من خير أو شر تجدونه حاضرًا في ذلك اليوم، ولكن الشر يكون عليهم، قال اللَّه تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا)، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)، وفي حق الكلام أن يقول: " هو خير "؛ لأن " هو " يرفع ما بعده، ولكن " هو " كالفصل هاهنا، وحقه الحذف، وإذا حذف انتصب الكلام؛ لأن معناه: تجدونه عند اللَّه خيرا لكم مما خلفتم، فيكون " خيرا " مفعولا. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) يحتمل أوجها: أحدها: أنه خير لكم، وأعظم أجرا مما خلفتم لورثتكم؛ فيكون فيه أن الذي يخلفه لورثته له فيه خير، ولكن ما يقدم لآخرته خير له، والذي يدل على أن له فيما يخلفه لورثته خيرا قوله - عليه السلام -: " إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس ". والثاني: أن المرء في الشاهد قد تسخو نفسه ببذل الأموال للآجلة الآجلة لما يأمل منهم من المال الثواب العاجل، فيكون في قوله: (هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) ترغيب للعباد في تقديم الأموال لوجه اللَّه تعالى؛ لأنهم إذا رغبت أنفسهم في بذل الأموال للآجلة؛ طمعا للمنافع التي تحصل لهم؛ فكان بذل المال لوجه اللَّه تعالى أعظم في الأجر، وأولى أن يقع فيه الرغبة. ولأن النفس قد تتحمل المكروه في الشاهد لمنافع تأملها في ثاني الحال، فإذا طمعت لما تبذل لوجه اللَّه تعالى الثواب الجزيل والأجر العظيم خف عليها تحمل المكروه، والذي يناله بالبذل. ويجوز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَعْظَمَ) بمعنى: عظيم؛ إذ قد يستعمل حرف " أفعل " في موضع " فعيل "؛ كما يقال " أكبر " بمعنى: " كبير "، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) فالاستغفار: هو طلب المغفرة، وذلك يكون باللسان مرة، وبالأفعال ثانيا. فطلب المغفرة من جهة الفعل: أن ينتهي عن الفعل الذي يستحق عليه العقاب ويجيب إلى ما دعا اللَّه إليه؛ قال اللَّه - تعالى -: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)، فجعل انتهاءهم عن الكفر ودخولهم في الإسلام سبب مغفرتهم، وقال اللَّه تعالى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)، وليس استغفارهم أن يقولوا باللسان: " اللهم اغفر لنا "، ولكن معناه: أن انتهوا عما أنتم فيه من الكفر، وأجيبوا ربكم فيما دعاكم إليه، فهذا هو الاستغفار من جهة الأفعال. وأما الاستغفار باللسان وهو طلب المغفرة، يكون على وجهين: أحدهما: أن تسأل ربك التجاوز عن سيئاتك. والثاني: أن يسأل حتى يوفقه للسبب الذي إذا جاء به استوجب المغفرة، وعلى هذا التأويل يخرج استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه، وهو أنه طلب من ربه أن يوفقه لما فيه نجاته، وهو الإسلام، لا أن يسأل ربه أن يغفر له مع دوامه على الكفر؛ ألا ترى أنه امتنع عن الاستغفار له حيث تقررت عنده عداوته لله تعالى، وعلم أنه لم يوفق للسبب الذي يستوجب به المغفرة؛ قال اللَّه تعالى: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ)؛ فثبت أنه لم يطلب منه المغفرة مع دوامه على الكفر، ولكن للوجه الذي ذكرنا، واللَّه أعلم. * * *

المدثر 74:1

سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ): قيل: إن الذي حمل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على التدثر: أنه كان في بعض طرق مكة إذ سمع صوتا من السماء والأرض؛ فنظر عن يمينه وعن يساره وأمامه وخلفه، فلم ير شيئا، فرفع رأسه فرأى شيئًا؛ ففرق منه، فأتى بيته، وقال: " زملوني "، فدثروه. فإن صح ما قالوا، وإلا لم يسعهم أن يشهدوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن الذي حمله على التدثر ما ذكروا من الفرق. ولأن التدثر ليس مما يسكن به الروع الذي يحل بصاحبه من الصياح. وذكروا أن أول ما نزل من الوحي قوله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، فإن صح ما ذكروا، فأول ما أوحي إليه هو الصياح الذي سمعه؛ إذ كان ذلك متقدما على قوله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ). وقيل: إن كفار مكة قذفوه بالسحر، وأجمعوا رأيهم على أن ينسبوه إليه، وفشا هذا القول فيهم له؛ فأحزنه ذلك؛ فدخل بيته وتدثر بثيابه، فأمره اللَّه - تعالى - أن يقوم فينذرهم بقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ)، وعلى هذا التأويل يكون الوحي نازلا قبل نزول هذه السورة، حتى سموه: ساحرا؛ لما يرون منه من الآيات، واللَّه أعلم. وذكر أن موسى صلوات اللَّه على نبينا وعليه قال: " أتاني ربي من طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران ". فإن صح هذا الخبر، فمعنى قوله: " أتاني ربي "، أي: أوحى إلي، وقوله: " وسيأتي من طور ساعورا " هو الوحي إلى عيسى عليه السلام، وقوله: " وسيطلع من جبل فاران " هو القرآن الذي أنزل على نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. وفي هذا الخبر دلالة أن الأخبار التي ورد بها ذكر نزول الرب في كل ليلة إلى سماء الدنيا، هي على نزول أمره إلى ملائكته، أن قولوا: " هل من داع فيجاب؟، هل من مستغفر فيغفر له؟ "، فجائز أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في أول ما أوحي إليه كان بجبل فاران، وهو جبل من جبال مكة، أو كان ذلك الجبل منسوبا إلى ذلك المكان. ثم في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) تثبيت نبوة نبينا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وآية رسالته، وذلك أن تعريف المرء بما عليه من الثياب ونسبته إليه، لا يخرجه مخرج التعظيم والتبجيل، وإنما التبجيل فيما يدعى باسمه أو بكنيته، فلو كان الأمر على ما زعمت الكفرة: أن هذا القرآن ليس من عند اللَّه، وأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - هو الذي اخترعه من ذات نفسه، لكان لا يعرف نفسه بثيابه، بل يعرفها بما فيه تبجيلها وتعظيمها، فإذ لم يفعل ثبت أنه كان رسولا حقا، بلغ الرسالة على ما أوحي إليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأدى كما أمر، على ما ذكرنا في الآيات التي خرجت مخرج المعاتبة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن فيها تثبيت رسالته؛ نحو قوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى)، وغير ذلك من الآيات. وجائز أن تكون نسبته إلى ثيابه؛ ليعلم الخلق أن لا بأس للمرء أن يعرف أخاه بثيابه. وجائز أن تكون نسبته إلى الثوب الذي يدثر به يخرج مخرج التعظيم لذلك الثوب؛ لموافقته حال نزول الوحي، وهذا كما ذكرنا: أن إضافة الأشياء إلى اللَّه تعالى نحو الجزئيات تخرج مخرج تعظيم تلك الأشياء، كقوله: ناقة اللَّه، ومسجد اللَّه، ورب العرش، على تعظيم العرش، وتعظيم أمر الناقة، وتشريف المسجد. وإضافة الأشياء إليه نحو الكليات، يخرج مخرج تعظيم اللَّه تعالى؛ كقوله: رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما. ثم أذن للمرء أن يسبح في ركوعه، فيقول: " سبحان ربي العظيم "، فيخص نفسه بقوله: " ربي "، والحق في مثله أن يقول " سبحان ربنا "؛ لئلا يخرج ذلك مخرج تعظيم النفس؛ كقوله: " رب العالمين "، و " رب السماوت والأرض وما بينهما "؛ إذ الإضافة من الجانبين على السواء فيما ذكرنا، لكن ذلك الذكر إذا وافق الحالة التي فيها تعظيم الرب ووصفه بالعلو؛ وهي الركوع والسجود، أذن له بأن يأتي بهذا الذكر، وإن خرج ذلك مخرج تعظيم النفس.

المدثر 74:2

فكذلك ذلك الثوب الذي تدثر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذا وافق حال نزول الوحي عظم شأنه من ذلك الوجه؛ فنسب إلى ذلك الثوب. ثم المرء إنما يتدثر عندما يريد أن ينام، أو عند طلب الراحة، وليست تلك الحالة حالة يستحب المرء مصاحبة الكبراء العظماء في مثل تلك الحال، فضلا من أن يصحب الملك في مثل تلك الحال؛ فيكون في هذا دلالة أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لم يطلع على الأوقات التي كان يأتي فيها الوحي، وإذا لم يعلم كان الأمر عليه أصعب وأشد منه إذا بين له؛ لأنه إذا لم يبين له، لزمه أن يصون نفسه في الحالات كلها عن أشياء يستحي مع مثلها الخلوة بالملائكة؛ ولهذا لم يبين لأحد منتهى عمره؛ ليكون أبدا مستعدا للموت؛ فرقا أن يحل به ساعة بعد ساعة، ويكون أبدا على خوف ووجل من ذلك، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) خص النذارة دون البشارة، وقد كان هو نذيرا وبشيرا، ففي ذكر النذارة ذكر البشارة وإن أمسك عنها؛ لأن النذارة ليست ترجع إلى نفس الخلائق؛ وإنما النذارة هي تبيين عواقب ما ينتهي إليه حال من التزم الفعل المذموم؛ فإذا استوجب النذارة بالتزامه ذلك الفعل، فقد استوجب البشارة في تركه؛ فثبت أن في النذارة بشارة، وفي البشارة نذارة أيضا؛ فاقتصر بذكر إحداهما عن ذكر الأخرى، وليس في قوله: (قُمْ) إلزام قيام؛ ولكن معناه: قم في إنذار الخلق وبشارتهم، على ما ينتهي إليه وسعك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣). أي: عظم، وتعظيمه: أن يجيبه فيما دعاه إليه، ويطيعه فيما أمره، وأن يتحمل ما ألزمه عمله، فذلك هو تعظيمه لا أن يقول بلسانه: " يا عظيم " فقط. وجائز أن يكون تأويله: أن عظمه عن المعاني التي قالت فيه الملاحدة من أن لله تعالى ولدا، وأن له شريكا، ونزهه عنها. أو عظم حقه أو شكر نعمه، وهذا كما نقول: إن محبة اللَّه تعالى طاعته وائتمار أوامره، لا أن تكون هي شيئًا يعتري في القلب؛ فيصعق منه المرء، ويغشى عليه؛ فكذلك تعظيم اللَّه تعالى يكون بالمعاني التي ذكرنا، لا أن يكون بالقول خاصة.

المدثر 74:3

الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿وربك فكبر﴾ أي عظم. وتعظيمه أن يجيبه إلى ما دعاه إليه، ويطيعه في ما أمره، وأن يتحمل ما ألزمه عمله. فذلك تعظيمه، لا أن يقول بلسانه : يا عظيم فقط. وجائز أن يكون تأويله : أي عظمه عن المعاني التي[ قالت ](١) فيه الملحدة : منها(٢) إن لله تعالى ولدا، وإن له شريكا(٣)، ونزهه عنها وعظم حقه، واشكر نعمه. وهذا كما يقول : إن محبة الله تعالى طاعته وائتمار أوامره، لا أن تكون، هي شيء يعتري في القلب، فيصعق منه المرء، ويغشى عليه. فكذلك تعظيم الله تعالى، يكون بالمعاني التي ذكرنا، لا أن يكون بالقول خاصة. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل و م: من.. ٣ في الأصل و م: شريك..

المدثر 74:4

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤): جائز أن يكون أريد بالثياب نفسه، وتجعل الثياب كناية عنها؛ كما ذكر أن العرب كانت تقول إذا كان الرجل ينكث بالعهد، وليس بذي وفاء: إنه لدنس الثياب؛ وإذا كان له وفاء قالوا: إنه لطاهر الثياب. فإن كان الخطاب متوجها إلى النفس، فتأويله - واللَّه أعلم -: أن طهر خلقك، وأفعالك، وأقوالك عما تذم عليه. وجائز أن يكون أريد بها الثياب؛ فيكون قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) متوجها إلى التطهير من النجاسات، وإلى التطهير من الأدناس. فأما التطهير من الأنجاس، فقد امتحنا جميعا نحن ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - به. وأما التطهير من الأدناس، فجائز أن يؤمر به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاصة؛ لأنه كان مأمورا بتبليغ الرسالة إلى الخلق؛ فندب إلى تطهير ثيابه من الدنس؛ لئلا يستقذر، بل ينظر إليه بعين التبجيل والعظمة، وليس هذا على تطهير الثياب خاصة؛ بل أمر أن يطهر جميع ما يقع له به التمتع من المأكل والمشرب والملبس وغيرها، واللَّه أعلم. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: أي: لا يلبس الثوب على فخر ولا غدر. قيل: وكان الرجل إذا كان غادرا في الجاهلية يقال: إنه دنس الثياب. وقال الحسن: خلقك فحسِّنه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: قصر ثيابك ولا تطولها؛ فتقع أطرافها على الأرض؛ فتصيبها النجاسات، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥): فالرجز: اسم للمأثم، واسم لما يعذب عليه؛ فيكون منصرفا إلى ما تتأذى به النفس وتتألم به كالسبة في أنها اسم لما يتأذى به ولما تتألم عليه النفس؛ فقال اللَّه تعالى: (لَهُم

المدثر 74:5

الآية ٥ : وقوله تعالى :﴿والرجز فاهجر﴾ فالرجز اسم للمأثم، واسم لما يعذب عليه، فيكون منصرفا إلى ما تتأذى به النفس، وتتألم به النفس كالسبب في أنه(١) اسم لما تتأذى به النفس ولما تتألم عليه النفس. قال الله تعالى :﴿لهم عذاب من رجز أليم﴾[سبأ: ٥] فالمأثم اسم لما تتأذى به النفس، فهو اسم للأمرين : العذاب وما يتألم به جميعا. وصرف أهل التأويل الرجز إلى المأثم ههنا. وذكر قتادة أنه كان بمكة صنمان : إساف ونائلة، فكان من أتى عليهما من المشركين مسح وجهيهما، فأمر الله عز وجل نبيه ﷺ أن يعيرهما بقوله :﴿والرجز فاهجر﴾. وقيل أيضا : إن المشركين قالوا للنبي ﷺ لو مسحت وجهيهما لكان أن نؤمن لك ونتبعك، فأنزل الله تعالى :﴿والرجز فاهجر﴾[ أي فاهجر ](٢) عبادة الأوثان. وقيل : الرجز العذاب. فجملته ترجع إلى ما ذكرنا أنه اسم للعذاب ولما يعذب عليه، والله أعلم. ١ في الأصل و م: أنها.. ٢ ساقطة من الأصل و م..

المدثر 74:6

عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ)، فالمأثم اسم لما تتأذى به النفس، فهو اسم للأمرين: العذاب وما تتألم به، جميعا. وصرف أهل التأويل الرجز إلى المأثم هاهنا. وذكر قتادة أنه كان بمكة صنمان: إساف، ونائلة، فكان من أتى عليهما من المشركين مسح وجوههما، فأمر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - ﷺ - يعتزلهما بقوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ). وقيل - أيضا -: بأن المشركين قالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: لو مسحت وجوههما، لكنا نؤمن لك ونتبعك؛ فأنزل اللَّه تعالى: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)، أي: فاهجر عبادة الأوثان. وقيل: الرجز: العذاب. فجملته ترجع إلى ما ذكرنا: أنه اسم للعذاب، ولما يعذب عليه، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦): قال مجاهد والحسن: تأويله: ألا تستكثر عملك، فتمن به على ربك؛ على التقديم والتأخير. فإن كان التأويل هذا، فالمراد من الخطاب غير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وإن كان هو المذكور في الخطاب؛ إذ لا يتوهم أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يمن على ربه، ولا أن يستكثر عمله لله تعالى؛ لأن هذا النوع من الصنيع لا يفعله واحد من العوام الذي خُصَّ بأدنى خير؛ فكيف يتوهم على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؟! ولأن الامتنان على اللَّه تعالى من فعل المنافقين؛ قال اللَّه تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ). ويجوز أن يكون الخطاب له، وإن كان هو معصوما من ذلك؛ لقوله: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، ونحوه، وهذا كما ذكرنا أن العصمة لا تمنع وقوع النهي؛ إذ العصمة لا ينتفع بها إلا مع ثبات النهي، فإذا لم يكن فلا فائدة في العصمة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ)، أي: لا تعطيه عطية تلتمس بها أفضل منها في

المدثر 74:7

الدنيا من الثواب، نهى عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى استكثار المال في الدنيا من التجارة وغيرها، إلا القدر الذي لا بد له منه، وتقع إليه الحاجة؛ ألا ترى إلى قوله: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ)، فإذا نهى عن مد عينيه إلى ما متعوا؛ ففي اكتساب أسباب المال أحق؛ ثبت أن اللَّه تعالى نهاه عن اكتساب ذلك وجمعه، وجعل رزقه - عليه السلام - من الوجه الذي لا يبلغه حيل البشر، وهو الفيء والغنيمة، ثم نهى عن إمساكه وادخاره لنفسه؛ بل أمر أن يصرفه في أمته بقوله - عليه السلام -: " ما لي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم " وقال اللَّه - عز وجل -: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى...) الآية، وذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان لا يدخر لغد، وقال تعالى: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ)؛ فثبت أنه كان منهيا عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى اكتساب الأموال، وإلى الجمع؛ فنهي عن العطايا التي يلتمس بها أفضل منها في الدنيا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧): في هذا دعاء إلى إخلاص الصبر لله تعالى، وإلى الصدق فيه. وفي قوله - عزَّ وجلَّ -: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ)، دعاء إلى نفس الصبر. وجائز أن يكون هذا - أيضا - على الأمر بالصبر؛ فيكون على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: فاصبر لربك، أي: اصبر على ما تؤذى، ولا تجازهم بصنيعهم؛ فإن اللَّه تعالى يكفيهم؛ فيكون في هذا إبانة أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد امتحن بالأمور التي تكرهها نفسه، وتشتد عليها؛ فدعاه اللَّه تعالى إلى الصبر على تحمل المكاره، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ

المدثر 74:8

إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨): (نُقِرَ): أي: نفخ، و (النَّاقُورِ): الصور، وهي كلمة كتب الأولين ذكرها هنا، (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ)، وقال في موضع آخر: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ)، وقال في موضع آخر: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً). فجائز أن يحمل هذا كله على التحقيق؛ فتتحقق الصيحة والزجرة والنقرة، ثم تعقبها الساعة. وجائِز أن يكون هذا على التمثيل؛ فيكون فيه إخبار عن سهولة ذلك الأمر وهونه على اللَّه تعالى؛ لأن اللمحة والزجرة والنفخة والنقرة أمر سهل، لا يشتد على أحد. أو يكون على تقصير الوقت على الذين ينفخ فيهم الروح، أي: الأرواح ترد عليهم في قدر النفخة، والزجرة، والصيحة؛ خلافا لأمر النشأة الأولى؛ لأنه في النشأة الأولى إنما نفخ فيه الروح بعد كونه نطفة في بطن أمه أربعين يوما، ثم علقة، ثم مضغة كذلك القدر من المدة، ثم نفخ فيه الروح بعد مدد وأوقات، وفي النشأة الأخرى ينفخ الروح بالقصر من المدة، وذلك قدر النفخة والزجرة والصيحة واللمحة، واللَّه أعلم. وإنما قلنا بأن التأويل قد يتوجه إلى التمثيل دون التحقيق، وإن ذكر في بعض الأحاديث تثبيت الصور والناقور؛ لأنها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد يوجب علم العمل، ولا يوجب علم الشهادة، وفي تحقيق الصور والناقور ليس إلا الشهادة؛ لذلك لم يحصل الأمر على التحقيق والقطع لئلا نقطع الحكم على الشهادة. ثم قد ذكرنا أن قوله: " إذا " جواب سؤال واقع عن تبيين وقت؛ كأنه قيل له: فاصبر إلى أن ينقر في الناقور. أو يكون جوابا لقوله: (قُمْ فَأَنْذِرْ)، أي: أنذرهم عما يحل بأهل الشر من العذاب بنقر الناقور.

المدثر 74:9

أو يكون جوابا لقوله: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) إذا نقر في الناقور. أو كان السؤال واقعا عن أمر، لم يشر إلى ذلك الأمر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذلك اليوم يوم رحمة للمؤمنين؛ إذ في ذلك اليوم يكرمون، وينالون عظيم الدرجات من ربهم، ولكن اللَّه - عز وجل - ذكر ذلك اليوم في غير آي من كتابه، والأحوال التي تكون فيه، وإن كانت تلك الأحوال تنزل على غير المؤمنين، فمرة سماه: واقعة، ومرة: قارعة، ومرة: حاقة، وإنما يقع العذاب على الكفرة، ويحق عليهم؛ فلذلك سماه: عسيرا، وإن كان هو عسيرا على فريق، يسيرا على غيرهم. وجائز أن يكون عسيرا على الخلائق أجمع، بعض هول ذلك اليوم يشمل الفرق كلها، كما قال: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى)، ثم إن المؤمنين تفرج عنهم الأهوال بما يأتيهم من البشارات والكرامات عن اللَّه تعالى، ويبقى عسره على أصحاب النار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١). ذكر أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة، والأصل أن الأنباء التي ذكرت عن الأنبياء المتقدمة في المخاطبات التي جرت بينهم وبين الفراعنة فيها إبانة أنها جرت بينهم وبين الآحاد منهم، وذلك أن فرعون كل نبي كان واحدا، وكان من سواه يصدر عن رأيه، وينتهي إلى تدبيره؛ فكان يستغني عن مخاطبة من سواه، وقد كثرت فراعنة نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فكان كل واحد منهم يدعي الرياسة لنفسه، ويمتنع عن متابعة غيره، والصدور عن رأيه والانقياد له، منهم أبو جهل، ومنهم الوليد بن المغيرة، ومنهم أبو لهب، وغيرهم؛ فكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يحتاج إلى أن يخاطب كلا في نفسه، ومن احتاج إلى مخاطبة أقوام، وإجابة كل واحد بحياله، كان الأمر عليه أصعب من الذي احتاج إلى مخاطبة واحد؛ ففي هذا أن المحنة على رسولنا - عليه الصلاة والسلام - كانت أكبر مما امتحن بها من تقدمه من الرسل، عليهم السلام. ثم قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) فيه أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يمنعه عن شيء حتى يقول له: (ذَرْنِي)، ولكن هذا الكلام مما يتكلم به على الابتداء من جهة إظهار القوة؛ يقول الرجل لآخر: " خل بيني وبين فلان "، و " دعني وإياه " من غير أن يكون سبق منه المنع؛

المدثر 74:11

الآية ١١ : وقوله تعالى :﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ ذكر أن هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن المغيرة. والأصل أن الأنباء التي ذكرت عن الأنبياء المتقدمة في المخاطبات التي جرت بينهم وبين الفراعنة، فيها إبانة أنها جرت بينهم وبين الآحاد منهم ؛ وذلك أن فرعون كل نبي، كان واحدا، وكان من سواه يصدر عن رأيه، وينتهي إلى تدبيره، فكان يستغني عن مخاطبة من سواه. وقد كثرت فراعنة نبينا ﷺ فكان كل واحد منهم يدعي الرئاسة لنفسه، ويمتنع عن متابعة غيره والصدور عن رأيه والانقياد له. منهم أبو جهل، ومنهم الوليد بن المغيرة، ومنهم أبو لهب، وغيرهم. فكان رسول الله ﷺ يحتاج إلى أن يخاطب كلا في نفسه، ومن احتاج إلى مخاطبة أقوام وإجابة كل واحد بحياله، كان الأمر عليه أصعب من الذي احتاج إلى مخاطبة واحد. وهذا أن المحنة على رسولنا عليه السلام كانت أشد(١) مما امتحن من تقدمه من الرسل عليه السلام. ثم قوله تعالى :﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ فيه أن رسول الله ﷺ كان يمنعه عن شيء حتى يقول له : ذرني. ولكن هذا الكلام مما يتكلم به على الابتداء على جهة إظهار القوة ؛ يقول الرجل لآخر : خلّ بيني وبين فلان، ودعني وإياه(٢) من غير أن يكون سبق منه المنع، فيريد به إظهار القوة من نفسه أنه كافيه وقادر على دفع شره عن نفسه. فيكون في قوله :﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ دعاء من الله تعالى إياه إلى ألا تتعرض له، ولا تجازيه بصنيعه، فإن الله تعالى يكفه(٣)، ويدفع عنك شره، أو يكون فيه نهي عن أن يدعو عليه بالهلاك والثبور، وتصبير(٤) إلى أن يأتيه أمر الله تعالى، فيكون في هذا مَسلاة لرسول الله ﷺ. وذلك أن المتنازعين، إذا تنازعوا في شيء، وحدث بينهما شر، فانتصب ثالث في نصر أحدهما، خفّ الأمر على المنصور، ويفرح لذلك، ويسلو به. فإذا كان الله تعالى، هو الذي يقوم بنصر المصطفى عليه السلام، [ وبكف عدوه عنه ](٥) كان ذلك أكثر/ ٦١١ – أ/ في التسلي والتفريج، فيكون في هذا تمكين من الصبر الذي دعاه(٦) إليه بقوله :﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾[الأحقاف: ٣٥] وبقوله(٧) :﴿واصبر لحكم ربك﴾ الآية[الطور: ٤٨]. وقوله عز وجل :﴿خلقت وحيدا﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أي خلقته وحدي، ولم يكن لي في الخلق ناصر ومعين ولا مشير. [ والثاني ](٨) : أن يكون معناه : أي خلقته وحدي، لا مال له، ولا ولد. فيكون في هذا وعيد وتخويف لذلك اللعين، أي كيف لا يخاف أن يعاد إلى الحالة التي كان(٩) عليها يوم خلق بلا مال ولا ناصر كقوله :﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة﴾[الأنعام: ٩٤]. ١ في الأصل و م: أكثر.. ٢ الواو ساقطة من الأصل.. ٣ في الأصل و م: يكفيكه.. ٤ في الأصل و م: ويصبره.. ٥ في الأصل و م: ويكفيه عن عدوه.. ٦ في الأصل و م: دعي.. ٧ من م، في الأصل: ويقول.. ٨ في الأصل و م: وجائز.. ٩ في الأصل و م: كانت..

المدثر 74:12

فيريد به إظهار القوة من نفسه: أنه كافيه، وقادر على دفع شره عن نفسه؛ فيكون في قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) دعاء من اللَّه تعالى إياه إلى ألا يتعرض له، ولا يجازيه بصنيعه؛ فإن اللَّه تعالى يكفيكه، ويدفع عنك شره. أو يكون فيه نهي عن أن يدعو عليه بالهلاك والثبور، ويصبره إلى أن يأتيه أمر الله تعالى؛ فيكون في هذا مسلاة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وذلك أن المتنازعين إذا تنازعا في شيء، وحدث بينهما شر، فانتصب ثالث في نصر أحدهما خف الأمر على المنصور، ويفرح لذلك، ويسلو به، فإذا كان اللَّه تعالى هو الذي يقوم بنصر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - ويكفيه عن عدوه، كان ذلك أكثر في التسلي والتفرج؛ فيكون في هذا تمكين من الصبر الذي دعي إليه بقوله: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)، وبقوله: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ...) الآية. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقْتُ وَحِيدًا) أن يحتمل وجهين: أحدهما: أي: خلقته وحدي، ولم يكن لي في الخلق ناصر ومعين ولا مشير. وجائز أن يكون معناه: أي: خلقته وحيدا، لا مال له، ولا ولد؛ فيكون في هذا وعيد وتخويف لذلك اللعين، أي: كيف لا يخاف أن يعاد إلى الحالة التي كان عليها يوم خلق بلا مال ولا ناصر؛ كقوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ). وقوله - تعالى -: (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢): قيل: (مَالًا مَمْدُودًا)، أي: مالا لا ينقطع، بل يكون له مدد. وذكر عن مجاهد أنه قال: كان ذلك ألف دينار. وقال السدي: (مَالًا مَمْدُودًا) ثلاثة عشر ألفًا. وقيل: أراد به ما جعل له من الضياع بالطائف، تثمر في السنة مرتين. ولكن عندنا المال الممدود هو المتتابع الذي لا ينقطع مدده، والذي لا ينقطع مدده لا يقع تحت الإحصاء.

المدثر 74:13

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣): أي: حضورا، لا يغيبون، ويكون فيه وجهان من الحكمة: أحدهما: أن ماله قد كثر؛ حتى لم يحتج إلى تفريق أولاده في الجمع والاكتساب؛ بل كان يأتيه سمحا، لا يحتاج إلى تكلف أسباب الجمع. والثاني: أن غاية ما يراد ويتمنى ويلتمس من البنين هو أن يستأنس بالنظر إليهم، ويستعين بهم، ويستنصر إذا احتاج إلى ذلك؛ ففيه أنه قد نال مناه، ووصل إلى ما ترغب إليه النفوس من كثرة الأموال والأولاد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤)، أي: بسطت له في الدنيا بسطا. وقيل: التمهيدة هو التمكين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥). فجائز أن يكون طمعه منصرفا إلى الزيادة في الآخرة؛ كقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، فحسبوا أنهم إذا ساووا أهل الإيمان في الدنيا يساوونهم في الآخرة لو كانت الآخرة حقا؛ فكذلك هذا اللعين حسب أنه يبسط عليه نعيم الآخرة كما بسط عليه نعيم الدنيا؛ فكان قوله: (كَلَّا... (١٦) ردَّا عليه. فإن كان على هذا، ففيه أعظم الدلالة على إثبات رسالة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه أخبر أن ليس له نصيب في الآخرة؛ وإنَّمَا يحرم النصيب إذا ختم على الكفر كما قال، فكان. وهذا إخبار منه عن أمر الغيب، فصدق خبره، وخرج الأمر حقا كما قال؛ فثبت أنه باللَّه تعالى علمه. وجائز أن يكون طمعه الزيادة في الدنيا؛ فقطع عليه طمعه بقوله: (كَلَّا). وذكر أن ماله بعد نزول هذه الآية أخذ في الانتقاص إلى أن أهلكه اللَّه تعالى، ولم يزد شيئا؛ فيكون في هذا - أيضا - ما في الأول من إثبات الرسالة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا): في هذا تصبير لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأن اللَّه تعالى أكثر نعمه عليه، ثم ذلك الملعون مع كثرة نعم اللَّه عليه وإحسانه إليه، عاند، ولم يطعه في أوامره؛ فكيف ترجو أنت منه في معاملته إياك مع معاملتك إياه بما يخالف مراده وهواه؟ فيكون فيه ما يدعوه إلى الصبر.

المدثر 74:14

الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿ومهّدت له تمهيدا﴾ أي بسطت له في الدنيا بسطا. وقيل : التمهيد، هو التمكين.

المدثر 74:15

الآيتان ١٥و١٦ : وقوله تعالى :﴿ثم يطمع أن أزيد﴾﴿كلا﴾ فجائز أن يكون طمعه منصرفا إلى الزيادة في الآخرة كقوله :﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الجاثية: ٢١] فحسبوا أنهم إذا ساووا أهل الإيمان في الدنيا يساوونهم(١) في الآخرة، لو كانت(٢) الآخرة [ لهم ](٣) حقا. فكذلك هذا اللعين حسب أنه يبسط عليه نعيم الآخرة كما بسط عليه نعيم الدنيا. فكان قوله :﴿كلا﴾ ردا عليه. فإن كان على هذا ففيه أعظم الدلالة على إثبات رسالة محمد ﷺ لأنه أخبر أن ليس له نصيب في الآخرة، وإنما يحرم النصيب إذا ختم على الكفر كما قال، فكان. وهذا إخبار منه عن أمر الغيب. فصدق خبره، وخرج الأمر حقا كما قال، فثبت أنه بالله تعالى علم. وجائز أن يكون طمعه الزيادة في الدنيا، فقطع عليه طمعه بقوله :﴿كلا﴾. وذكر أن ماله بعد نزول هذه الآية أخذ في الانتقاص إلى أن أهلكه الله تعالى، ولم يزده(٤) شيئا، فيكون في هذا أيضا[ كما ](٥) في الأول من إثبات الرسالة. وقوله تعالى :﴿إنه كان لآياتنا عنيدا﴾ في هذا تصبير لرسول الله ﷺ لأن الله تعالى أكثر نعمه عليه. ثم ذلك الملعون مع كثرة نعم الله عليه وإحسانه إليه عاند، ولم يطعه(٦) في أوامره، فكيف ترجو أنت منه في معاملته إيّاك مع معاملتك إياه ما(٧) يخالف مراده وهواه ؟ فيكون فيه ما يدعوه إلى الصبر. والعناد، هو مخالفة الحق عن علم بظهور الحق، فيكون قوله :﴿إنه كان لآياتنا عنيدا﴾ إنه بعد علم وإحاطة ويقين عاند آيات الله، وخالف أمر رسول الله ﷺ واستكبر. والمكابر، هو الذي يكابر عقله، فيخالف ما يثبته عقله بالأقوال والأفعال. ثم في قوله تعالى :﴿ثم يطمع أن أزيد﴾﴿كلا﴾ إبطال قول من قال : إن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم، لأن قوله :﴿أن أزيد﴾ لا يخلو : إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له، وفي شرط الله تعالى عندهم أن يزيده، وفي قوله :﴿كلا﴾ قطع(٨) طمعه للزيادة، فيصير بحرمان الزيادة عنه. فكيف جعل آية رسالته من الوجه الذي هو جور عندكم، وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح ؟. فكيف جعل الحرمان أيضا علما لنبوّته، وكان عليه أن يحرمه على زعمكم ؟. وفي قراءة عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه :﴿ثم يطمع أن أزيد﴾(٩) ١ أدرج قبلها في الأصل و م: أن.. ٢ في الأصل و م: كان.. ٣ ساقطة من الأصل و م:. ٤ في الأصل و م: يزد.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ من م، في الأصل: يطعم.. ٧ في الأصل و م: بما.. ٨ ساقطة من م.. ٩ لم يذكر المؤلف قراءة ابن مسعود..

المدثر 74:16

الآيتان ١٥و١٦ : وقوله تعالى :﴿ثم يطمع أن أزيد﴾﴿كلا﴾ فجائز أن يكون طمعه منصرفا إلى الزيادة في الآخرة كقوله :﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الجاثية: ٢١] فحسبوا أنهم إذا ساووا أهل الإيمان في الدنيا يساوونهم(١) في الآخرة، لو كانت(٢) الآخرة [ لهم ](٣) حقا. فكذلك هذا اللعين حسب أنه يبسط عليه نعيم الآخرة كما بسط عليه نعيم الدنيا. فكان قوله :﴿كلا﴾ ردا عليه. فإن كان على هذا ففيه أعظم الدلالة على إثبات رسالة محمد ﷺ لأنه أخبر أن ليس له نصيب في الآخرة، وإنما يحرم النصيب إذا ختم على الكفر كما قال، فكان. وهذا إخبار منه عن أمر الغيب. فصدق خبره، وخرج الأمر حقا كما قال، فثبت أنه بالله تعالى علم. وجائز أن يكون طمعه الزيادة في الدنيا، فقطع عليه طمعه بقوله :﴿كلا﴾. وذكر أن ماله بعد نزول هذه الآية أخذ في الانتقاص إلى أن أهلكه الله تعالى، ولم يزده(٤) شيئا، فيكون في هذا أيضا[ كما ](٥) في الأول من إثبات الرسالة. وقوله تعالى :﴿إنه كان لآياتنا عنيدا﴾ في هذا تصبير لرسول الله ﷺ لأن الله تعالى أكثر نعمه عليه. ثم ذلك الملعون مع كثرة نعم الله عليه وإحسانه إليه عاند، ولم يطعه(٦) في أوامره، فكيف ترجو أنت منه في معاملته إيّاك مع معاملتك إياه ما(٧) يخالف مراده وهواه ؟ فيكون فيه ما يدعوه إلى الصبر. والعناد، هو مخالفة الحق عن علم بظهور الحق، فيكون قوله :﴿إنه كان لآياتنا عنيدا﴾ إنه بعد علم وإحاطة ويقين عاند آيات الله، وخالف أمر رسول الله ﷺ واستكبر. والمكابر، هو الذي يكابر عقله، فيخالف ما يثبته عقله بالأقوال والأفعال. ثم في قوله تعالى :﴿ثم يطمع أن أزيد﴾﴿كلا﴾ إبطال قول من قال : إن الله تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم، لأن قوله :﴿أن أزيد﴾ لا يخلو : إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له، وفي شرط الله تعالى عندهم أن يزيده، وفي قوله :﴿كلا﴾ قطع(٨) طمعه للزيادة، فيصير بحرمان الزيادة عنه. فكيف جعل آية رسالته من الوجه الذي هو جور عندكم، وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح ؟. فكيف جعل الحرمان أيضا علما لنبوّته، وكان عليه أن يحرمه على زعمكم ؟. وفي قراءة عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه :﴿ثم يطمع أن أزيد﴾(٩) ١ أدرج قبلها في الأصل و م: أن.. ٢ في الأصل و م: كان.. ٣ ساقطة من الأصل و م:. ٤ في الأصل و م: يزد.. ٥ ساقطة من الأصل و م.. ٦ من م، في الأصل: يطعم.. ٧ في الأصل و م: بما.. ٨ ساقطة من م.. ٩ لم يذكر المؤلف قراءة ابن مسعود..

المدثر 74:17

والعناد: هو مخالفة الحق عن علم بظهور الحق؛ فيكون قوله: (إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا): أنه بعد علم وإحاطة ويقين عاند آيات اللَّه، وخالف أمر رسوله، واستكبر. والمكابر هو الذي يكابر عقله، فيخالف ما يثبته عقله بالأقوال أو بالأفعال. ثم في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ. كَلَّا) إبطال قول من قال: إن اللَّه تعالى لا يفعل بعباده إلا ما هو الأصلح لهم؛ لأن قوله: (أَنْ أَزِيدَ) لا يخلو إما أن تكون الزيادة التي كان يطمعها خيرا له، وفي شرط اللَّه - تعالى - عندهم أن يزيده، وفي قوله: (كَلَّا) قطع طمعه للزيادة؛ فيصير بحرمان الزيادة عنه جائرًا؛ فكيف حصل آية رسالته من الوجه الذي هو جور عندكم. وإن كان حرمان الزيادة خيرا له وأصلح؛ فكيف جعل الحرمان - أيضا - علما لنبوته، وكان عليه أن يحرمه على زعمكم. وفي قراءة عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ثم يطمع أن يزيد). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧): جائز أن يكون على تحقيق الصعود، وهو العقبة التي يشتد الصعود عليها؛ كما ذكره بعض أهل التأويل، فيكلف الصعود عليها. وجائز أن يكون على التمثيل؛ وذلك لأن الصعود في الشاهد مما يشق على المرء، والهبوط مما يسهل على المرء الانحدار عنه. فإن كان على هذا، ففيه أنه يصيبه في الآخرة مما يشتد ويشق على نفسه تحمل ذلك. ثم يقال للمعتزلة في هذه الآية وفي قوله: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ): إن في هذا وعيدا من الله تعالى بأن يصليه سقر، وسيرهقه صعودا، فأراد اللَّه تعالى أن يصدق خبره، وينجز وعده، أو أراد أن يكذب خبره، ويخالف وعده؟ فإن قلتم بالثاني، فقد نسبتموه إلى الكذب، وإلى خلف الوعد؛ ومَن هذا وصْفُه فهو سفيه جاهل، لا يصلح أن يكون إلها. وإن قلتم: بلى، أراد أن يصدق خبره، وينجز وعده، قلنا لكم: أراد أن ينجز وعده مع دوامهم على الكفر، أو عند انقلاعهم عنه؟ فإن زعمتم أنه إنما أراد أن يصليهم سقر على الخروج من الكفر، فهذا منه جور؛ لأنه

المدثر 74:18

يصليهم سقر بشيء لا إرادة لهم فيه. وإن سلمتم أنه أراد إصلاءهم سقر إذا داموا على الكفر واستقروا عليه، فقد لزمكم أن تقولوا: إن اللَّه تعالى أراد من كل أحد ما علم أنه يختاره، ويكون منه. ويقال لهم: إن اللَّه تعالى يقول: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ)، ولو كان الأمر على ما زعمتم: أنه يريد من كل كافر أن يسلم، ويؤمن به، ويريد الكافر أن يكفر به، ويعاديه، فإذن قد أراد أن يكون له ولي من الذل؛ لأنه يريد أن يواليه مع اختيار الكافر في معاداته، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨). قال الفقيه - رحمه اللَّه -: إن فراعنة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - اعتقدوا معاندة الحق، واعتقدوا صد الناس عن سبيل اللَّه وأن يطفئوا نوره، فأرادوا أن يجمعوا على أمر ينسبونه إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على وجه ينفون عن أنفسهم سمة الجهل وتهمة الكذب في ذلك، على ما ذكروا أن الوليد جمع أصحابه، فقال: إن هذه أيام الموسم، وإن الناس سائلوكم عن هذا الرجل؛ فماذا تقولون؟ فقَالَ بَعْضُهُمْ: نقول: هو شاعر؛ قال: إنهم قد سمعوا الشعر، وما قوله بقول شعر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نقول: هو كاهن؛ فقال: إن الكهانة معروفة عند العرب، وإذا سمعوا قوله عرفوا أنه ليس بكاهن؛ فيكذبونكم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نقول: هو كذاب؛ فقال: إنا قد اختبرناه فما أخذنا عليه كذبة قط. فقَالَ بَعْضُهُمْ: نقول: هو مجنون، فقال: إذا نظروا إليه علموا أنه ليس بمجنون، فأعيا عليهم، ففكر في نفسه وقدر، فقال: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ): ما هذا الذي أتى به إلا سحر يؤثره عن غيره -أي: يرويه- فاتفقت كلمتهم على تسميته: ساحرا، وقالوا: الساحر يفرق بين اثنين، وقد وجد منه التفريق بين الآباء والأولاد وبين ذوي الأرحام؛ رجاء أن يصلوا إلى مرادهم من صد الناس عن سبيل اللَّه تعالى وإطفاء نوره؛ مكرًا منهم،

المدثر 74:19

وهو كقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ). ووجه رجوع المكر إلى أنفسهم ذكروا فيه أوجها: أحدها: رجوع المكر إلى أنفسهم: أن اللَّه تعالى أظهر سوء صنيعهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وجعله آية تتلى إلى يوم القيامة؛ فيكون فيه ظهور كذبهم، وإلحاق العار بهم إلى يوم التناد، وتوارد اللعن. والثاني: أن الكبراء إذا اجتمعوا في مكان للتدبير، اتصل بهم أوساطهم واختلط بهم صغارهم فيقع لجملتهم العلم بالذي وقع عليه التدبير واتفقت عليه الكلمة، وإذا وقفوا على تدبيرهم جملة، انتشر علم ذلك في الآفاق، فيقف الناس على كذبهم وافتعالهم، فيتحقق عند ذلك جهلهم بحال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويصير كذبهم شائعا في الخلق ظاهرا من الوجه الذي أرادوا نفي سمة الجهل عن أنفسهم؛ ويتحقق عند الناس كذبهم؛ فلا يركنوا إلى قولهم ولا يلتفتوا إلى إخبارهم عن حاله؛ إذ قد تبين جهلهم بحاله؛ فيكون ذلك سببا لترغيب الناس إلى الإسلام ودعائهم إليه، لا أن يكون سببا للصد عن سبيل اللَّه؛ فصار المكر راجعا إليهم. ثم قوله: (إِنَّهُ فَكَّرَ)، أي: فكر في الأمر الذي أراد إحكامه، أو فكر في الكلمات التي ألقوها فيما بينهم، أيها أليق برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فينسب إليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدَّرَ) يخرج على هذا أيضا. وقوله: (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) قيل: لعن، واللعن هو الإبعاد عن رحمة اللَّه تعالى، وقد ظهر الإبعاد؛ لأن مادة ماله قد انقطعت في الدنيا، وأخذ ما كان اجتمع عنده في الانتقاص إلى أن أهلكه اللَّه تعالى، ثم ساقه إلى النار خالدا فيها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَيْفَ قَدَّرَ)، أي: كيف لم يستح عن تقديره الذي قدر من تسمية رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: ساحرا، وقد علم أنه في إنشاء ذلك الاسم كاذب؟ أو كيف اجترأ على اللَّه تعالى، وتجاسر وهو يعلم أنه رسول حق، فعاند آياته، واجترأ على ذلك، ولم يخف نقمة اللَّه تعالى؟!. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) فلعنه مرتين، وقد ظهر أثر اللعن فيه في الدنيا والآخرة جميعا؛ لأن اللَّه تعالى فضحه بما أظهر كذبه للخلائق، فبقي ذلك العار إلى آخر

المدثر 74:20

الآية ٢٠ : وقوله تعالى :﴿ثم قتل كيف قدّر﴾ لعنه مرتين، وقد ظهر أثر اللعن فيه في الدنيا والآخرة جميعا، لأن الله تعالى فضحه بما أظهر كذبه للخلائق، فبقي ذلك العار إلى آخر الأبد، وأبعده من رحمته حين(١) أخذ ماله في الانتقاص، وانقطعت مادة ماله، فهذا أثر اللعنة في الدنيا، ووعده(٢) أن﴿سأصليه سقر﴾[ الآية ٢٦ ] وأن﴿سأرهقه صعودا﴾[ الآية ١٧ ] وذلك خزيه ولعنه في الآخرة، فظهرت إحدى اللعنتين في الدنيا، وستلحقه الثانية في الآخرة. ١ في الأصل و م: حيث.. ٢ الهاء ساقطة من الأصل و م..

المدثر 74:21

الأبد وأبعده من رحمته؛ حيث أخذ ماله في الانتقاص، وانقطعت مادة ماله، فهذا أثر اللعن في الدنيا، ووعد أن يصليه سقر، وأن سيرهقه صعودا، وذلك خزيه ولعنه في الآخرة، فظهرت، إحدى اللعنتين في الدنيا وتلحقه الثانية في الآخرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ نَظَرَ (٢١) جائز أن يكون نظر في كلمات القوم التي ألقوها فيما بينهم. وقوله: (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) جائز أن يكون الذي حمله على العبوس والبسور هو ما ألقوا إليه المختلف من الكلمات، فعبس وجهه عليهم؛ لما في اختلافهم ظهور كذبهم. أو يكون الذي دخل عليه من شدة الغيظ في أمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أهمه وأحزنه، حتى أثر ذلك في وجهه، فعبس لذلك وجهه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣): يحتمل أن يكون أدبر عن أُولَئِكَ القوم الذين اجتمعوا للتدبير، واستكبر عليهم. أو أدبر عن طاعة اللَّه تعالى، واستكبر على رسوله؛ حيث أعرض عنه، ولم يجبه إلى ما دعاه إليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤): أي: هذا الذي أتى به مُحَمَّد مما يؤثر من أفعال السحر. أو هذا الذي يخبر أنه أتى به من عند اللَّه هو سحر يؤثر عمن تقدمه، ولكن قال هذا على علم منه أنه ليس بسحر. قال الفقيه - رحمه اللَّه -: ولو كان الذي أتى به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سحرا كما قرفوه به، فهو لا يخرج من أن يكون حجة له في صدق مقالته وإثبات رسالته؛ لأنه لا وجه لمعرفة السحر من طريق الرأي والتدبير، وإنَّمَا سبيل الوصول إليه الإتقان والتلقن عن الغير، وقد علموا أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يلقنْه أحد، ولا وجد منه الاختلاف إلى من عنده علم ذلك، فوقع لهم الإيقان: أنه باللَّه تعالى علم لا بأحد من الخلائق؛ فيصير الذي قرفوه به من أعظم الحجة، ولكن اللَّه تعالى طهره عن السحر، ونزهه عن ذلك، وأمره بمعاداة السحرة حتى قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " اقتلوا كل ساحر وساحرة "، وقال: " توبة الساحر ضربة

المدثر 74:22

الآيتان ٢١و٢٢ : وقوله تعالى :﴿ثم نظر﴾﴿ثم عبس وبسر﴾ فجائز أن يكون[ الذي ](١) حمله على العبوس والبُسور، هو ما ألقوا إليه من الكلمات، فعبس وجهه عليهم لما في اختلافهم ظهور كذبهم، أو يكون الذي دخل عليه من شدة الغيظ في أمر رسول الله ﷺ أهمه، وأحزنه، حتى أثر ذلك في وجهه، فعبس لذلك وجهه. ١ ساقطة من الأصل و م..

المدثر 74:23

الآية ٢٣ : ثم قوله تعالى :﴿ثم أدبر واستكبر﴾ يحتمل أن يكون أدبر عن أولئك القوم الذين اجتمعوا للتدبير، واستكبروا [ عليه، أو ](١) أدبر عن طاعة الله، واستكبر على رسوله حين أعرض عنه، ولم يجبه إلى ما دعاه إليه. ١ في الأصل و م: عليهم..

المدثر 74:24

الآية ٢٤ : وقوله تعالى :﴿فقال إن هذا إلا سحر يؤثر﴾ أي هذا الذي أتى به محمد مما يؤثر من أفعال السحر، أو هذا الذي يخبر[ أنه ](١) أتى به من عند الله هو سحر يؤثر عمن تقدمه. ولكن قال هذا على علم منه أنه ليس بسحر. قال الفقيه، رحمه الله : ولو كان الذي أتى به محمد ﷺ سحرا كما قرفوه به فهو لا يخرج من أن يكون حجة له في صدق مقالته وإثبات رسالته لأنه لا وجه لمعرفة السحر من طريق الرأي والتدبير، وإنما سبيل الوصول إليه التلقين(٢) والتلقف عن الغير، وقد علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم[ لم يتلقن من أحد ](٣) ولا وجد منه الاختلاف إلى من عنده علم ذلك، فوقع لهم الإيقان أنه بالله تعالى علم لا بأحد من الخلائق، فيصير الذي قرفوه به من أعظم الحجج(٤). ولكن الله تعالى طهره من السحر، ونزهه عن ذلك، وأمره بمعاداة السحرة، حتى قال رسول الله ﷺ :( اقتلوا كل ساحر وساحرة )[ الترمذي ١٤٦٠ ] وقال :( توبة الساحر ضربة بالسيف )[ أحمد ١/١٩٠ ]. ثم الأصل أن الساحر يفرق بين الاثنين، ويعمل سحره في التفريق على وجه لا يوقف على سبب التفريق، وكان سبب تفريق رسول الله ﷺ ظاهرا لأنه يأتيهم بالحجج، فيعلم من أمعن النظر[ فيها صدقه في ما يدعي من الرسالة، فيأتمر به، ومن ترك النظر فيها، ولم يعط من نفسه النصفة، ترك الإيمان، فيبطل أن يكون التفريق كتفريق السحر، ولأن كلا منهم لو تفكر في ما جاء به محمد ﷺ وأمعن النظر ](٥) فيه حمله ذلك على الإيمان به والتصديق لرسالته، فيصير الذي جاء به محمد ﷺ سبب الاجتماع والألفة لا أن يكون سبب التفريق بين الأحبة. ثم الأصل أن الساحر، بغيته وقصده من سحره نيل الجاه عند العظماء والرؤساء واستفادة السعة في الدنيا، ورسول الله ﷺ لم يكن يطلب بما أتى به الجاه عند الرؤساء، بل عاداهم، وأظهر الخلاف، فدعا الخلق إلى الزهادة في الدنيا لا إلى الاستكبار فيها، فكيف يجوز أن ينسب إلى السحر، وقد أتى بما يضاد فعل السحرة ؟. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: الالتقان.. ٣ في الأصل و م: يلتقن أحدا.. ٤ في الأصل و م: الحجة.. ٥ من م، ساقطة من الأصل..

المدثر 74:25

بالسيف ". ثم الأصل أن الساحر يفرق بين الاثنين، ويعمل سحره في التفريق على وجه لا يوقف على سبب التفريق، وكان سبب تفريق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ظاهرا؛ لأنه كان يأتيهم بالحجج؛ فيعلم من أمعن النظر فيها صدّقه فيما يدعي من الرسالة فيؤمن به، ومن ترك النظر فيها، ولم يعط من نفسه النصفة ترك الإيمان به؛ فبطل أن يكون تفريقه كتفريق السحر. ولأن كلاًّ منهم لو تفكر فيما جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأمعن النظر فيه، حمله ذلك على الإيمان به، والتصديق لرسالته؛ فيصير الذي جاء به مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سبب الاجتماع والألفة، لا أن يكون سبب التفريق بين الأحبة. ثم الأصل أن الساحر بغيته وقصده من سحره نيل الجاه عند العظماء والرؤساء واستفادة السعة في الدنيا، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، لم يكن يطلب بما أتى به الجاه عند الرؤساء، بل عاداهم، وأظهر الخلاف لهم، فدعا الخلق إلى الزهادة في الدنيا لا إلى الاستكثار منها، فكيف يجوز أن ينسب إلى السحر، وقد أتى بما يضاد فعل السحرة؟. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥): قد علم أنه ليس بقول البشر؛ لما عجز البشر عن إتيان مثله، وقال: (إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا)؛ فثبت أنه على العلم منه بأنها آيات عاند. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦). السقر: لون من العذاب. وقيل: السقر: هي الدركة الخامسة. وقيل: السقر: من أبواب جهنم، ومعناه: سأدخله جهنم من باب السقر، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨): يحتمل: أي: لا تبقي له حياة يتلذذ بها، ولا تذره يهلك فيستريح، بل يبقى أبدا في الهلاك، كما قال تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى). ويحتمل: لا تبقي له جلدا ولا لحما ولا عظما، بل تنضج جلده وتأكل لحمه، وتكسر عظمه، ولا تذره على تلك الحال كسير العظم، مأكول اللحم، نضيج الجلد، بل يعاد

المدثر 74:26

الآية ٢٦ : وقوله تعالى :﴿سأصليه سقر﴾ فالسقر لون من العذاب، وقيل : السقر، هي الدركة الخامسة، وقيل : السقر من أبواب[ جهنم ](١) ومعناه : سأدخله جهنم من[ باب من ](٢) أبواب السقر، والله أعلم. ١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٢ ساقطة من الأصل و م..

المدثر 74:27

الآيتان ٢٧و٢٨ : وقوله تعالى :﴿وما أدراك ما سقر﴾﴿لا تبقي ولا تذر﴾ يحتمل أي لا تبقي حياة يتلذذ بها﴿ولا تذر﴾ لا تذره، فيستريح، بل تبقيه(١) أبدا في الهلاك كما قال تعالى :﴿فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى﴾[طه: ٧٤]. لا تبقي له جلدا ولا لحما ولا عظما، بل تنضج جلده، وتأكل لحمه، وتكسر عظمه، ولا تذره على تلك الحال : كسر العظم واكل اللحم ونضج الجلد، بل يعاد جلده ولحمه وعظمه، فتحرقها كذلك أبدا، لا تبقي له روحا، ولا تذره، فيرهب فيها، فيتخلص من عذابها. ١ في الأصل و م: تبقي..

المدثر 74:28

الآيتان ٢٧و٢٨ : وقوله تعالى :﴿وما أدراك ما سقر﴾﴿لا تبقي ولا تذر﴾ يحتمل أي لا تبقي حياة يتلذذ بها﴿ولا تذر﴾ لا تذره، فيستريح، بل تبقيه(١) أبدا في الهلاك كما قال تعالى :﴿فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى﴾[طه: ٧٤]. لا تبقي له جلدا ولا لحما ولا عظما، بل تنضج جلده، وتأكل لحمه، وتكسر عظمه، ولا تذره على تلك الحال : كسر العظم واكل اللحم ونضج الجلد، بل يعاد جلده ولحمه وعظمه، فتحرقها كذلك أبدا، لا تبقي له روحا، ولا تذره، فيرهب فيها، فيتخلص من عذابها. ١ في الأصل و م: تبقي..

المدثر 74:29

جلده ولحمه وعظمه فتحرقها كذلك أبدا، ولا تُبقي له روحا ولا تذره فيهرب منها؛ فيتخلص من عذابها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩): قيل فيه بوجوه: قيل (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ)، أي: محرقة للجلد، فالبشر: الجلد، فجائز أن خص الجلد بالتلويح؛ لأن الجلد من الإنسان هو الظاهر؛ فيكون ظاهر الإحراق مؤثرًا فيه؛ فخصه بالذكر لهذا؛ كما سمي الإنسان: إنسانا؛ لظهوره لكل من هو من أهل الروية، وسمي الجن جنا: لاستتاره عمن ليس من جنسه، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ). وقيل: (لَوَّاحَةٌ)، أي: ظاهرة للبشر؛ كقوله تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ). وقوله: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى)، أي: تظهر لهم وتلوح، فينظرون إليها، ويتيقنون بالعذاب. ويحتمل أن يكون قوله: (لَوَّاحَةٌ)؛ لأن النار تأكل جلودهم ولحومهم؛ فتظهر عظامهم وتلوح عند ذلك، ثم تبدل جلودا ولحوما، أبدا على هذا مدار أمرهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠): روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنها - أنهم خزنة جهنم مع كل واحد من الأعوان ما لا يحصى، وذكر أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد والنيران، والآخر هو الخازن الأكبر، وهو مالك يأمرهم بما أمر هو به. ويحتمل: أن يكون في السقر تسعة عشر دركا، وقد سلط على كل درك ملك؛ وذلك لأن جهنم ذات حد في نفسها؛ لأن اللَّه تعالى وعد أن يملأها من الجنة والناس، ولو لم ترجع إلى حد، لكان لا يتحقق امتلاؤها بالقدر الذي ذكر. ويحتمل: أن يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب، قد وكل واحد منهم أن يعذب بنوع من ذلك، والأصل: أن اللَّه تعالى حكيم يعلم أن في كل فعل من أفعاله حكمة عجيبة، ولكن لا كل حكمة يوصل إليها بالعقل، وينتهى إلى معرفتها بالتدبير؛ ألا ترى أن اللَّه تعالى جعل في الماء معنى يحيا به كل شيء، ولو أراد أحد أن يتكلف استخراج المعنى الذي به صلح أن يكون طبيعة موافقًا لإحياء كل شيء لا يمكنه ذلك، وجعل في الطعام ما يغذي وينمي، ولو أراد أحد أن يتعرف المعنى الذي يقع به الاغتذاء والإنماء لم يتدارك؛ وكذلك جعل في العدد الذين سماهم حكمة، ولكنا لا نصل إلى تعرفها بعقولنا وتدبرنا. وزعمت الباطنية أن في ذكر الأعداد التي عليها تركيب العالم تعريف الأعداد المجعولة في الروحانيات. فيقال لهم: من جعل الأعداد التي عليها تركيب العالم أولى بأن يتعرف بها الأعداد المجعولة في الروحانيات من أن تجعل الأعداد التي في الروحانيات علمًا لاستدراك المجعولة في الجسدانيات؟ ثم يسألون عن الأعداد المجعولة في الروحانيات لأي معنى جعلت؟ وأي حكمة فيها؟ فليس جوابهم بعد هذا إلا العجز والاعتراف بالجهل، فليقروا بالجهل من الابتداء من غير أن يتكلفوا استخراج ما يوجب عن حقيقة كان فيه ظهور عجزهم، واللَّه أعلم. والأصل عندنا ما ذكرنا: أن أهل التوحيد اعتقدوا أن اللَّه تعالى حكيم، وأنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة؛ لأن الذي يحمل الإنسان على الخروج عن حد الحكمة في الشاهد أحد معان ثلاثة: إما الجهل. وإما العجز. وإما الحاجة. واللَّه تعالى عالم لا يجهل، وقوي لا يلحقه عجز عن وفاء ما وعد، وغني لا تمسه حاجة؛ فانتفت عنه الأسباب التي لديها يقع الخروج عن حد الحكمة، فثبت أنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة، لكنهم إذا لم يعرفوا الحكمة بعقولهم، ولم يتداركوها بتدبيرهم، ظنوا أنه لا حكمة فيه، وأنكروا أن يضاف ذلك إلى اللَّه تعالى، فأهل الدهر أنكروا البعث، وأنكروا الصانع؛ لما رأوا أشياء في الشاهد هي في الظاهر خارجة مخرج العبث؛ وفعل الحكمة لا يخرج مخرج العبث، فنفوا بهذا أن يكون للأشياء صانع، ومن بنى بناء، ثم نقضه، ثم أعاده إلى الحالة التي كان عليها قبل النقض، لم يكن حكيما، بل كان جاهلا سفيها، فقاسوا أمر البعث على ذلك، وظنوا أنه خارج مخرج العبث؛ إذ ليس

المدثر 74:30

الآية ٣٠ : وقوله تعالى :﴿عليها تسعة عشر﴾ روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنهم خزنة جهنم، مع كل واحد من الأعوان ما لا يحصى، وذكر أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار، وستة يسوقونهم، وستة يضربونهم بمقامع الحديد والنيران، والأخير(١)، هو الخازن/ ٦١٢ – أ/ الأكبر، وهو مالك، يأمرهم بما أمر هو به. ويحتمل أن يكون في السقر تسعة عشر دركا، وقد سلط على كل درك ملك ؛ وذلك أن جهنم ذات حد في نفسها لأن الله تعالى، وعد أن يملأها من الجنة والناس، ولو لم ترجع إلى حد لكان لا يتحقق امتلاؤها بالقدر الذي ذكره. ويحتمل أن يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب، وقد وكل كل واحد منهم أن يعذب بنوع من ذلك. والأصل أن الله تعالى حكيم، يعلم أن في كل فعل من أفعاله حكمة[ عجيبة، ولكن لا كل حكمة ](٢) يوصل إليها بالعقل، وينتهى إلى معرفتها بالتدبير. ألا ترى أن الله تعالى جعل في الماء معنى، يحيي كل شيء ؟ ولو أراد أن يتكلف استخراج المعنى الذي به صلح أن يكون طبعه موافقا لإحياء كل شيء، لا يمكنه ذلك، وجعل في الطعام ما يغذي، وينمي ؟ ولو أراد أحدا أن يتعرف المعنى الذي يقع به الاغتذاء والإنماء لم يتدارك، وكذلك جعل في العدد الذين سماهم حكمة ؟ ولكنا لا نصل إلى تعرفها بعقولنا وتدبيرنا. وزعمت الباطنية أن في ذكر الأعداد التي عليها تركيب العالم تعريف الأعداد المجعولة في الروحانيات. فيقال لهم : من جعل الأعداد التي[ عليها ](٣) تركيب العالم أولى بأن يعرف بها الأعداد المجعولة في الروحانيات من أن يجعل الأعداد التي في الروحانيات على الاستدراك المجعولة في الجسدانيات. ثم يسألون عن الأعداد المجعولة في الروحانيات : لأي معنى جعلت ؟ وأي حكمة فيها ؟ فليس جوابهم بعد هذا إلا العجز والاعتراف بالجهل، فليقروا بالجهل من الابتداء من[ غير ](٤) أن يتكلفوا استخراج ما يوجب من حقيقة، كان فيه ظهور عجزهم، والله أعلم. والأصل عندنا ما ذكرنا أن أهل التوحيد اعتقدوا أن الله تعالى حكيم وأنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة، لأن الذي يجعل الإنسان يخرج(٥) عن حد الحكمة في الشاهد أحد معان ثلاثة : إما الجهل وإما العجز وإما الحاجة، والله تعالى عالم لا يجهل، وقوي لا يلحقه عجز عن وفاء ما وعد، وغني لا تمسه حاجة، فانتفت عنه الأسباب التي لديها يقع الخروج عن حد الحكمة. فثبت أنه لا يجوز أن يخرج فعله عن حد الحكمة. لكنهم إذ لم يعرفوا الحكمة بعقولهم، ولم يتداركوها بتدبيرهم ظنوا أنه لا حكمة فيه، وأنكروا أن يضاف ذلك إلى الله تعالى. فأهل الدهر أنكروا البعث، وأنكروا الصانع لما رأوا أشياء في الشاهد، هي في الظاهر خارجة مخرج العبث، وفعل الحكمة لا يخرج مخرج العبث، فنفوا بهذا أن يكون للأشياء صانع، ومن بنى بناء، ثم نقضه، ثم أعاده إلى الحالة التي كان عليها(٦) قيل النقض، ولم يكن حكيما بل كان جاهلا سفيها. فقاسوا أمر البعث على ذلك، وظنوا أنه خارج مخرج العبث ؛ إذ ليس فيه إلا الإعادة إلى الحالة التي كان عليها قبل الموت. وما ذكرنا من الاعتبار هو الذي حمل الثنوية على القول بإلهين اثنين لأنهم رأوا في الشاهد خيرا وشرا وصلاحا وفسادا وظلمة ونورا، ولا يجوز أن يكون جوهر الظلمة والنور واحدا، ولا يجوز أيضا أن يكون فعل الحكيم يخرج على الاختلاف والتناقض، فقد رأوا(٧) بهذا أن خالق الشر والخير مختلف. وبهذا(٨) أنكرت المعتزلة خلق أفعال العباد لأن الفعل يكون مرة خيرا ومرة شرا ومرة صلاحا ومرة فسادا، ولا يجوز أن يكون الشر مضافا إلى الله تعالى ولا أن يكون الفساد منسوبا إليه، فأنكروا أن يكون لله تعالى في أفعال العباد صنعا. وأهل التوحيد سلموا الأمر إلى الله تعالى، وفوضوا العلم إليه في كل ما جاء عنه عز وجل وإن لم يتداركوا ما فيه من الحكمة بعقولهم لوجودهم أشياء، هي خارجة أن يتداركوها بعقولهم، ويقفوا عليها بعلومهم كما ذكرنا من أمر الماء أنه قد جعل فيه معنى. ذلك المعنى يحيي الأشياء، ولو أرادوا أن يعرفوا ذلك المعنى بالعقول والآراء لم يمكنهم ذلك. وكذلك المعنى(٩) في الطعام وفي الأشياء المشروبة موجود، ثم لم يجب بهذا إنكار المياه وسائر الأطعمة والأشربة، وكذلك لا يجب إنكار عدد(١٠) الذين سماهم من الملائكة ولا إنكار البعث ولا إنكار كل شيء لا يقفون على حكمته بعقولهم، والله أعلم. ١ في الأصل و م: والآخر.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٥ في الأصل و م: على الخروج.. ٦ في الأصل و م: عليه.. ٧ في الأصل و م: بنوا.. ٨ الواو ساقطة من الأصل و م.. ٩ في الأصل و م: هذا.. ١٠ في الأصل و م: العدد..

المدثر 74:31

فيه إلا الإعادة إلى الحالة التي كان عليها قبل الموت. وما ذكرنا من الاعتبار هو الذي حمل الثنوية على القول بإلهين اثنين: أنهم رأوا في الشاهد خيرا وشرا، وصلاحا وفسادا، وظلمة ونورا، ولا يجوز أن يكون جوهر الظلمة والنور واحدا، ولا يجوز - أيضا - أن يكون فعل الحكيم يخرج على الاختلاف والتناقض، فقد بنوا بهذا أن خالق الشر والخير مختلف. وبهذا أنكرت المعتزلة خلق أفعال العباد؛ لأن الفعل يكون مرة خيرا ومرة شرا، ومرة صلاحا ومرة فسادا، ولا يجوز أن يكون الشر مضافا إلى اللَّه تعالى، ولا أن يكون الفساد منسوبا إليه؛ فأنكروا أن يكون لله - تعالى - في أفعال العباد صنع. وأهل التوحيد سلموا الأمر إلى اللَّه تعالى، وفوضوا العلم إليه في كل ما جاء عنه - جل وعز - وإن لم يتداركوا ما فيه من الحكمة بعقولهم؛ لوجودهم أشياء هي خارجة أن يتداركوها بعقولهم، ويقفوا عليها بعلومهم، كما ذكرنا من أمر الماء: أنه قد جعل فيه معنى، ذلك المعنى يحيي الأشياء، ولو أرادوا أن يعرفوا ذلك المعنى بالعقول والآراء، لم يمكنهم ذلك؛ وكذلك في هذا الطعام، وفي الأشياء المشروبة موجود، ثم لم يجب بهذا إنكار المياه وسائر الأطعمة والأشربة؛ فكذلك لا يجب إنكار العدد الذين سماهم الله تعالى من الملائكة، ولا إنكار البعث، ولا إنكار كل شيء لم يقفوا على حكمته بعقولهم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً... (٣١): فلقائل أن يقول في هذا: إنه لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة، لم يوجد فيها إنسي ولا جني، فكيف قال: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)، وهو لم يجعل أصحاب النار إلا ملائكة؟ والجواب: أن تأويله: أي: ما جعلنا على أصحاب النار إلا ملائكة يعذبون أهلها بها، لا أن يكون الملائكة تمسهم النار، ويتأذون بها. وفي هذا دلالة على أن من قرأ مكان قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ): " أصحاب النار " في صلاته لا تفسد؛ لأنه ليس في نسبة أصحاب الجنة إلى أصحاب النار إيجاب عذاب عليهم؛ كما لم يكن في قوله: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً) إيجاب عذاب على الملائكة واستحقاقهم، واللَّه أعلم. وإِنَّمَا خصهم بذلك - واللَّه أعلم - لأنهم خلقوا يسخطون ويغضبون لله تعالى، ولا يعصون اللَّه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لم يميلوا إلى أحد، ولم يرحموا بما رأوا عليه من العذاب في معصية اللَّه وخلافه، ليسوا على طباع الإنس والجن أن قلوبهم ربما تميل وترحم من لا يستحق الرحمة. وذكر أهل التأويل أن قوله: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً) رد على أُولَئِكَ الكفرة الذين قالوا: " إنا لنكفي هَؤُلَاءِ العدة -حين سمعوا (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) - فنغلب عليهم، ونخرج من النار "، فأخبر أنهم ليسوا برجال أمثالكم، إنما هم ملائكة، ووصف الملائكة، وقد روى في الأخبار من هول خلقهم، وعظمهم، وشدة بأسهم وبطشهم، وأن لهب النيران يخرج من أفواههم، وأن بنيتهم لا تحتمل الحرق والآلام، وليس على ما عليه بنية البشر، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا): الفتنة: قد يتكلم بها على وجهين: فتذكر الفتنة ويراد بها المحنة التي فيها الشدة. وتذكر ويراد بها العذاب. فإن كان يراد بها العذاب، فمعناه: أنه جعل العدد الذي ذكر فتنة للكفرة؛ وهو كقوله: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)، أي: يعذبون. وإن كان يراد بها المحنة، فتخرج على وجوه: أحدها: أي: ما جعلنا ذكر عددهم إلا لافتتان الذين كفروا، أي: من علمَ اللَّه تعالى منه أنه يكفر بآيات اللَّه تعالى، جعل ذلك سببا لفتنته إذا كان في علم اللَّه تعالى أنه ممن يبتغي الفتنة، فأما من علم أنه ينظر في آيات اللَّه مسترشدا، فلم يزده ذلك إلا إيمانا وتصديقا؛ إذ علموا أن لله تعالى أن يمتحنهم بأنواع المحن، فآمنوا به، وسلموا ذلك لله تعالى؛ فيكون في جعل عدتهم تسعة عشر شدة على الكفرة، إذ كان سبب كفرهم؛ فلذلك سمى المحنة على هذا أن وجه فتنة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) بمعنى: على الذين كفروا. ثم جائز أن يكون ذلك على حدوث الكفر، وهو في قوم قد آمنوا به، فلما سمعوا هذا زعموا أن لا حكمة في هذا العدد، وليس هذا العدد بأولى من أن يجعلوا أصحاب النار من العشرين أو من الثمانية عشر، فكفروا به؛ وهو كقول موسى - عليه السلام -: (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ)، وذلك على حدوث إضلال لهم لم يكن من السامري موجود، لا أن الإضلال متقدم بغيرها. وجائز أن تكون فتنتهم هي أنهم ازدادوا بذكر هذا العدد كفرا إلى كفرهم؛ لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء، ولم ينظروا إليه بعين التبجيل والتعظيم، فازدادوا بذلك كفرا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا): الاستيقان والزيادة واحد؛ لأن في الاستيقان زيادة إيمان، وفي الزيادة استيقان، فمعناه: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب والذين آمنوا. ووجه استيقانهم: أنهم يجدون هذا العدد موافقا للعدد الذي في كتابهم؛ فيحملهم ذلك على الاستيقان أنه من عند اللَّه تعالى. ويحتمل أنه يراد به أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا إذا وجدوا ذلك موافقا لما في كتبهم؛ فيستيقنون: أنه إنما يخبر عن اللَّه تعالى، ويرتفع عنهم الارتياب؛ ليكون أدعى لهم إلى الإيمان به، إن أراد منهم الإيمان، وأقرب إلى إلزام الحجة عليهم، إن لم يرد منهم الإيمان، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا)، أي: تصديقا على ما سبق منهم من التصديق بالجملة، وكذلك روي عن أبي حنيفة - رحمه اللَّه - في قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، وفي كل موضع ذكر فيه الزيادة في الإيمان: أن معنى الزيادة فيه: أنهم زادوا بالتفسير تصديقا على تصديقهم بالجملة؛ لأنهم إذا وحدوا الله - تعالى، وآمنوا به، فقد أقروا بأن له الخلق والأمر كله، وفي الإقرار بأن له الخلق إيمانٌ بالرسل وتصديق منه إياهم بجميع ما أنزل عليهم من الكتب عن اللَّه تعالى؛ فصار بإيمانه معتقدًا للتصديق بكل رسول على الإشارة إليه، فإذا آمن بالرسول والكتاب المنزل إليه، فقد أتى بزيادة تصديق على ما وجد منه من التصديق بالجملة. وجائز أن تكون الزيادة منصرفة إلى الثبات والاستقامة؛ لأن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت؛ إذ المؤمن في كل وقت مأمور باجتناب الكفر، وإذا اجتنب الكفر، فقد أتى بضده، وهو الإيمان؛ فثبت أن الإيمان له حكم التجدد في كل وقت، وإذا كان كذلك، استقام صرف الزيادة إلى الثبات والقرار عليه، فإن شئت فسم الدوام على الإيمان: زيادة، وإن شئت فسمه: إيمانا، وإن شئت فسمه: ثباتا، وفي الكتاب ما يطلق جواز هذا كله؛ قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، فندبهم إلى الإيمان بعدما آمنوا، وما ذلك إلا الثبات على ما هم عليه، وقال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وهو الإيمان، وقال في آية أخرى: (لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا)، فجعل دوامهم على الإيمان واستقامتهم عليه إيمانا. وقال تعالى: (زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)، قال أبو داود: إيمانا مع إيمانهم فأطلق فيه اسم الزيادة، واسم الثبات، واسم الإيمان. وإن كانت الزيادة منصرفة إلى الأعمال، فهو عندنا على الزيادة من جهة الفضيلة والكمال، لا إلى الزيادة في عينه؛ لأن الشيء إذا استحق الزيادة بغيره فاستحقاقه يقع من جهة الفضيلة والكمال؛ ألا ترى إلى قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام " ومعلوم أنه لم يرد به التفاضل من جهة العدد؛ إذ هو يأتي بأعين الأفعال التي يلزمه إتيانها في غير ذلك؛ فكانت الزيادة منصرفة إلى الكمال والفضل، لا إلى الزيادة من جهة العدد. وكذلك قال: " صلاة في جماعة تفضل على صلاة المرء وحده بخمس وعشرين درجة "، ولم يرد به الزيادة من جهة العدد؛ وإنما أريد به الزيادة من جهة الفضل والشرف والكمال، وكذلك الزيادة التي تقع للإيمان من الأعمال الصالحة، إنما هي من جهة الفضيلة والشرف؛ إذ الأعمال ليست من جنس الإيمان؛ إذ الإيمان هو التصديق، وذلك غير موجود في الأفعال؛ فثبت أن زيادته من الوجه الذي ذكرنا دون غيره. وقوله - تعالى -: (وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا): في هذا الفصل كلام بيننا وبين المعتزلة، فهم يزعمون أن تلك العدة -وهي عدة الملائكة- جعلت محنة لأهل الإسلام، وأهل الكتاب، وأهل الكفر، وللذين في قلوبهم مرض؛ ليؤمنوا بها، ويستسلموا لها لا ليكفر بها من كفر، ويقول: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا)؟ ولكن لما وجد منهم ذلك القول نسب الجعل إليه، لا أن خلقوا لذلك الوجه؛ وهو كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، نسب إليهما الالتقاط وإن كان الالتقاط لغير ذلك الوجه، وكذلك قال: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا)، ومعلوم أن الإملاء لم يكن لازدياد الإثم، ولكن هم لما ازدادوا إثما، نسب الإملاء إليه، وإن لم يكن الإملاء لذلك الوجه، وكذلك يقال في الكلام السائر: لدوا للموت وابنوا للخراب ولا أحد يبني البناء للخراب؛ ولكن مصيره لما كان إلى الخراب نسب البناء إليه، وإن لم يكن البناء لذلك الوجه، ويقال: يسرق السارق لتقطع يده، ومعلوم أنه ليس يسرق للقطع، ولكن بسرقته إذن لزمه القطع ولأجلها ما قطع، نسب الفعل إليه، وإن كانت السرقة لغير ذلك الوجه؛ فكذلك العدة التي ذكرت في الآية جعلت فتنة بجهة واحدة، وهي التي ذكرناها، لكنه لما وجد من الكفرة ما ذكرنا نسب الخلق إلى ذلك الوجه، لا أن كان الجعل لذلك. ولكنا نقول: لو كان الأمر على ما زعموا، أدى ذلك إلى إسقاط الربوبية؛ إذ في الحكمة: من عمل عملا يريد غير الذي يكون، أوجب ذلك جهلا بالعواقب، أو جعل عابثا في فعله، ومن هذا وصفه، لم يصلح أن يكون إلها، بل يكون جاهلا سفيها؛ ألا ترى أن من بنى شيئا يعلم أنه لا يكون - كان ذلك منه عبثا، وإذا كان غير الذي يريده كان جاهلا به. فإذا ثبت هذا فنقول: لو أراد اللَّه من الكافر غير الذي كان منه، لكان فعله خارجا مخرج الخطأ، أو العبث؛ فثبت أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم؛ فإذا علم من عبده أنه يؤثر الضلال على الهدى، فقد شاء له الضلال، وإذا علم أنه يؤثر فعل الخير، شاء له ذلك، ووفقه له، وهداه إليه. والجواب عن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، فمعناه: ليكون لهم في علم اللَّه عدوا وحزنا، لا أن كان الالتقاط منهم لذلك الوجه؛ بل لو علموا أنه يصير لهم عدوا وحزنا لم يلتقطوه، ولكنهم جهلوا ما ينتهي إليه العاقبة؛ فالتقطوه؛ رجاء أن ينتفعوا به. ولا يجوز أن تخفى على اللَّه تعالى عواقب الأشياء؛ فيكون فعله في الابتداء لغير ذلك الوجه. وقولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب فهذا يتكلم به في موضع التذكير والدعاء؛ لئلا يحرص المرء في بناء الأبنية، بل يزهد عنه، ولا يجوز أن يخفى على اللَّه تعالى أمر؛ فيخرج الأمر فيه مخرج التذكير؛ فثبت أنه على التحقيق، واللَّه أعلم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا): فالمثل يذكر بمعنى البيان؛ كقول القائل: " أمثل لك صورة كذا " يريد أبين لك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، فهذا كله تفسير قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً...) الآية، أي: يضل به من كان في علمه أنه يختار الضلال، واختياره الضلال هو أن ينظر في آيات اللَّه تعالى بعين الاستهزاء والاستخفاف، ومن كان نظره في آيات اللَّه ما ذكرنا، أضله اللَّه تعالى، وزاده غواية، ومن نظر في آيات اللَّه، بعين الاستهداء والاسترشاد، واستقبلها بالتبجيل والتعظيم لها، وفقه اللَّه تعالى، ومن عليه بالهداية؛ وهو كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)، وغير ذلك، واللَّه الموفق. وقالت المعتزلة: قوله: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ)، أي: يسميه: ضالا، أو يحكم عليه بالضلال إذا ضل، لا أن يكون اللَّه - تعالى - يضله، ويشاء ضلالته. فيقال لهم: إذا كان اللَّه يريد أن يؤمن به، وذلك إرادته في كل أحد عندكم فتسميته إياه: ضالا، وحكمه بالضلال وهو يريد أن يهتدي - جور منه، وفيه تحقيق كذبه، جل اللَّه تعالى عن أن يلحقه وصف الجور في فعله، أو ينسب إلى الكذب. وقال أبو بكر الأصم: تأويله؛ أن اللَّه - تعالى - ينصب طريقا، مَن سلكه أفضى به إلى الهداية، ومن زاغ عنه صار إلى الضلال، ولا يتهيأ لأحد من الخلائق أن ينصب مثله. فنقول: لو كان التأويل على ما زعم لكان حقه أن يقال: " كذلك يضل اللَّه ما يشاء ويهدي ما يشاء "؛ فلما قال: (مَنْ يَشَاءُ)، و " مَن " يعبر به عن الأشخاص العقلاء لا عن الطريق التي لا يعقل، ثبت أن الذي قاله ليس بشيء يعتمد عليه. ثم الأصل أن قوله: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) من صفات الربوبية، وفيه امتداح الرب - تعالى - بالفعل لما يريد، فلو لم يكن مريدا منهم ما قد كان، ولم يرد كون ما علم أنه يكون، سقط الامتداح، وخرج عن أن يكون من صفات الربوبية؛ فثبت أن الله تعالى شاء لكل فريق ما علم أن يكون منهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ): فالجنود هو اسم للجماعة التي ينتقم بها، وينتصر بها. وجائز أن يكون قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ) منصرفًا إلى الملائكة، التي هي أصحاب النار، ليس ما جعله من خزنة النار عددًا قليلًا؛ لقلة جنوده، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)، أي: لا يعلم مقادير قواهم وأحوالهم إلا اللَّه؛ فمعناه: لا يعلم جنود ربك، أي: لا يعلم قوة هَؤُلَاءِ الجنود وبطشهم وهيبتهم إلا هو. ثم يجوز أن يكونوا سلطوا على تعذيب أهل النار؛ على جهة الامتحان للملائكة؛ كما امتحن بعضهم بإيصال التحف والكرامات إلى أهل الجنة، وكما امتحن بعضهم في الدنيا بقبض الأرواح، وبعضهم باستنزال الأمطار، وغير ذلك. وجائز أن يكون تسليطهم على أهل النار على جهة الثواب والجزاء لهم؛ لأنهم يتلذذون بما يعذبون أهل النار، وينتقمون من أعداء اللَّه تعالى؛ لأن المرء في الشاهد إذا وصل إلى الانتقام من عدوه، تلذذ به وتنعم. ويحتمل أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)، أي: وما يعلم كثرة جنود ربك إلا هو. ويحتمل: وما يعلم السبب الذي به يجعل الجنود، ويصلحون للانتقام إلا هو؛ إذ هو القادر على أن يجعل أضعف شيء من خلقه جندا ينتقم به من أعدائه، كما في قصة البعوض في زمن نمرود، وغير ذلك من إرسال الطير إلى أصحاب الفيل، وإمطار الحجارة على قوم لوط، ونحو ذلك. ويحتمل أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ)، أي: لا يعلم ما الذي يتخذ اللَّه تعالى جندًا للانتقام من الأعداء إلا هو؛ ألا ترى أن اللَّه - تعالى - انتقم من بعض

المدثر 74:32

الأعداء بالغرق، وهم قوم فرعون وقوم نوح - عليه السلام - وأهلك بعضا منهم بالرياح، واتخذها جنودا عليهم، وأهلك بعضهم بالخسف؛ فيكون في هذا إيجاب المراقبة من حلول النقمة والسخطة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ): جائز أن يكون منصرفا إلى السقر أنها ذكرى للبشر، أي: موعظة وتذكيرا لهم ما إليه مرجع أمورهم. وجائز أن يكون منصرفا إلى عدة الملائكة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا... (٣٢): قيل: حقًّا. وقيل: هو على الردع والتنبيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْقَمَرِ. وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣). فهذا في موضع القسم؛ وقد ذكرنا أن القسم؛ لتأكيد ما قصد إليه بالذكر، وإدبار الليل بمجيء النهار، فجائز أن يكون ذكر آخر الليل يقتضي ذكر أوله، وذكر أول النهار يقتضي ذكر النهار كله؛ فيكون القسم بهما قسما بالليل كله، والنهار كله. ثم الليل إذا أقبل عملت ظلمته في ستر الأشياء كلها بساعة لطيفة، وكذلك النهار إذا أقبل عمل في دفع الظلمة عن الخلائق جملة بساعة لطيفة ما لو اجتهد المرء في جميع عمره -وإن طال- على عد تلك الأشياء؛ ليحيط علما بجملتها، لم يتمكن منه، وإذا كان لليل من السلطان ما ذكرنا، ولإقبال النهار من الأمر ما ذكرنا، وكان الذي ذكرنا أمرا مشاهدا معاينا، ولو أريد معرفة ما فيهما من الحكمة: أنه لأي معنى ما صلح أن يكون الليل ساترا عن درك أعين الأشياء، واستقام أن يكون النهار مزيلا للستر؟ لم يقدر عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يجب إنكار كل ما لا يوصل إلى درك الحكمة فيه بالعقول والآراء؛ فيكون فيه إيجاب التصديق بالأنباء التي يأتي بها الرسل، وإن كان فيها ما لا يوقف على الحكمة المجعولة فيها بالآراء. وفيه أن منشئ الليل والنهار واحد، وأن الخلائق بجملتهم تحت سلطانه وتدبيره، يحكم فيهم ما يشاء، ويفعل ما يريد. وجائز أن يكون القسم منصرفا إلى الوقتين اللذين وقع عليهما الذكر، وهما إدبار الليل، وإسفار الصبح؛ فيكون فيهما ما في الأول.

المدثر 74:33

الآيتان ٣٣و٣٤ : وقوله تعالى :﴿والقمر﴾﴿والليل إذ أدبر﴾﴿والصبح إذا أسفر﴾ فهذا في موضع القسم، وقد ذكرنا أن القسم لتأكيد ما قصد إليه بالذكر، وإدبار الليل مجيء النهار، فجائز أن يكون ذكر آخر الليل يقتضي ذكر أول النهار[ وذكر أول النهار يقتضي ذكر النهار ](١) كله. فيكون القسم بها قسما بالليل كله والنهار كله. ثم الليل إذا أقبل عملت ظلمته في ستر الأشياء كلها بساعة لطيفة، وكذلك النهار إذا أقبل عمل في رفع الظلمة عن الخلائق جملة بساعة ما لو اجتهد المرء في جميع عمره، وإن طال، في عد تلك الأشياء ليحيط علما بجملتها لم يتمكن منه. وإذا كان لليل من السلطان ما ذكرنا، ولإقبال النهار من الأمر ما ذكرنا، وكان الذي ذكرنا أمرا مشاهدا معاينا، ولو أريد معرفة ما فيه(٢) من الحكمة أنه لأي معنى ما صلح أن يكون الليل ساترا عن درك أعين الأشياء، واستقام أن يكون النهار مزيلا للستر، لم يقدر عليه، فيكون إبانة أنه لا يجب إنكار كل ما لا يوصل إلى درك الحكمة فيه بالعقول والآراء، فيكون فيه إيجاب التصديق بالأنباء التي يأتي بها الرسل، وإن كان فيها ما لا يوقف على الحكمة المجعولة فيها بالآراء. وفيه أن منشئ الليل والنهار واحد، وأن الخلائق بجملتهم تحت سلطانه وتدبيره، يحكم فيهم بما يشاء، ويفعل ما يريد. وجائز أن يكون القسم منصرفا إلى الوقتين اللذين، وقع عليهما الذكر، وهما إدبار الليل وإسفار الصبح، فيكون فيهما في الأول. وقوله تعالى :﴿أسفر﴾ أي أضاء، وانتشر. وقوله :﴿أدبر﴾ أي ذهب. وحكي عن الكسائي أنه قال : إن﴿أدبر﴾ لغة قريشية ؛ يقولون : ذهب كالأمس الدابر أي الذاهب، فيقولون : دبر في الأيام والشهور والسنين، ولا يقولون في غير ذلك، لا يقولون : دبر الرجل، ودبر الأمر، ولكن يقال : أدبر. وفي حرف ابن مسعود : إذا أدبر، وفي الحروف : إذ دبر(٣)، والمعروف إذ أدبر كما قلنا. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: فيها.. ٣ انظر معجم القراءات القرآنية ح ٧/٢٦٣..

المدثر 74:34

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَسْفَرَ (٣٤)، أي: أضاء، وانتشر. وقوله: (إِذْ أَدْبَرَ)، أي: ذهب. وحكي عن الكسائي أنه قال: إن " دبر " لغة قرشية، يقولون: ذهب كالأمس الدابر، أي: الذاهب، فيقولون: دبر في الأيام والشهور والسنين، ولا يقولون في غير ذلك: لا يقولون: دبر الرجل، ودبر الأمر؛ ولكن يقال: أدبر. وفي حرف ابن مسعود (إذا دبر)، وفي الحروف (إذا أدبر)، والمعروف (إِذْ أَدْبَرَ) كما قلنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) قيل: يعني: السقر. ثم عذاب أهل النار ألوان، وفي جهنم دركات، والسقر: إحدى دركاتها؛ إذ هي لون من ألوان العذاب؛ فصارت هي من إحدى الكبر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦). فمنهم من صرف النذارة إلى السقر، ومنهم من صرفها إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو كقوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا)، فمنهم من قرأ (لتنذر) بالتاء، وصرف النذارة إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. ومنهم من قرأ بالياء، وصرفها إلى القرآن. ثم الأصل أن ما خرج مخرج الأفعال مضافًا إلى الأشياء اللاتي ليست لهن أفعال، فهو يقتضي أمرين: أحدهما: ذكر الأحوال التي تقع لديها مما لو لم يكن ذلك سببًا لم تحدث تلك الأحوال من غير أن يكون علة لها؛ فنسبت إليها إذا صارت سببًا؛ لحدوث تلك الأحوال، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، وحياة الدنيا لا تغر أحدا، ولكنهم اغتروا بزينتها، فنسب إليها الغرور لما كانت سببا لتغريرهم. والثاني: أنها أنشئت على هيئة لو كانت من أهل التغرير، لكانت تغر، فنسب إليها الغرور لذلك. وقال في قصة إبراهيم - عليه السلام - (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ)، والأصنام ليست ممن ينسب إليها الإضلال؛ لأنه لا فعل لها، ولكن عبادها لما ضلوا بها، نسب الإضلال إليها، وهي - أيضا - على صورة لو كانت لها

المدثر 74:35

الآية ٣٥ :[ وقوله تعالى :﴿إنها لإحدى الكبر﴾ قيل : يعني السقر، ثم عذاب أهل النار ألوان، وفي جهنم دركات، والسقر إحدى دركاتها، إذ هي لون من ألوان العذاب، فصارت هي من إحدى الكبر ](١). ١ من م، ساقطة من الأصل..

المدثر 74:36

الآية ٣٦ : وقوله تعالى :﴿نذيرا للبشر﴾ فمنهم من صرف النذارة إلى السقر، ومنهم من صرفها إلى الرسول عليه السلام وهو كقوله تعالى :﴿وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا﴾[الأحقاف: ١٢] فمنهم من قرأ بالتاء(١)، وصرفها إلى القرآن. ثم الأصل أن ما خرج مخرج الأفعال مضافا إلى الأشياء اللاتي ليست لهن أفعال، فهو يقتضي أمرين : أحدهما : ذكر الأفعال[ التي ](٢) يقع لديها مما لو لم تكن تلك الأشياء لم تحدث تلك الأفعال(٣) من غير أن تكون علة لها، فنسبت إليها إذ صارت شيئا لحدوث تلك الأفعال(٤)، وهو كقوله عز وجل :﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾[الأنعام: ٧٠] والحياة الدنيا لا تغر أحدا، ولكنهم اغتروا بزينتها، فنسب إليها الغرور لما كانت سببا لتغريرهم. والثاني : أنها أنشئت على هيئة، لو كانت من أهل التغرير لكانت تغر، فنسب إليها(٥) الغرور لذلك. وقال في قصة إبراهيم، صلوات الله عليه وعلى نبينا :﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس﴾[إبراهيم: ٣٦] والأصنام ليست ممن ينسب إليها الإضلال، لأنها(٦) لا أفعال لها، ولكن عبادها لما ضلوا[ بها ](٧) نسب الإضلال إليها، وهي أيضا على صورة، لو كانت لها أفعال لكان يقع منها الإضلال : فنسب إليها الإضلال للوجهين اللذين ذكرناهما. فكذلك النذارة أضيفت إلى النذر ههنا لأنه عند ذكرها تقع النذارة، فأضيفت إليها كذلك، أو خلقهن على هيئة، لو كانت من أهل النذارة لكانت نذيرة، والله أعلم. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٧/٢٦٣.. ٢ من م، ساقطة من الأصل.. ٣ في الأصل و م: الأحوال.. ٤ في الأصل و م: الأحوال.. ٥ في الأصل و م: إليه.. ٦ في الأصل و م: لأنه.. ٧ ساقطة من الأصل و م..

المدثر 74:37

أفعال لكان يقع منها الإضلال؛ فنسب إليها الإضلال؛ للوجهين اللذين ذكرناهما؛ فكذلك النذارة أضيفت إلى النار هاهنا؛ لأنه عند ذكرها تقع النذارة؛ فأضيفت إليها لذلك. أو خلقها على هيئة لو كانت من أهل النذارة، لكانت نذيرة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧): قيل: هو على التهديد كقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، وذلك إنما يكون على إثر المبالغة في العظات، وتذكير عواقب الأمور، وقد بالغ في ذلك في هذه السورة وبين عواقب أمور العباد. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) قيل: أن يتقدم إلى طاعة اللَّه، أو يتأخر إلى معصية اللَّه تعالى. والأصل: أن المرء جبل على حب المنافع لنفسه والخيرات، وعلى بغض الشر والمضار، ومن أحب شيئا طلبه، ومن أبغض شيئا اجتنبه، وهرب منه، وإذا طلب شيئًا تقدم إليه، وإذا هرب من شيء تأخر عنه؛ فكنى عن الطلب بالتقدم وعن الهروب بالتأخر؛ فقيل في تأويل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَتَقَدَّمَ) أي: إلى طاعة اللَّه، تجدي إليه المنافع في الآخرة، وتجلب إليه المحاسن أو يتأخر عن طاعته؛ إذ في الإعراض عن طاعته إيقاع النفس في المهالك وأنواع الشدائد. وجائز أن يكون قوله: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)، معناه: يتقدم، ويتأخر بتخليق اللَّه تعالى فعل التقدم والتأخر منه؛ فيكون فعلا له وكسبا؛ لوجوده في حيز قدرته، وخلقا لله تعالى؛ فيكون مثل قولنا، لا حجة علينا، في إضافته التقدم والتأخر إلينا، والله الموفق. * * * قوله تعالى (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ): أصحاب اليمين هم الذين وصفهم اللَّه تعالى في موضع آخر في كتابه، وهو قوله - عز وجل -: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ)، فاستثنى أصحاب اليمين من جملة

المدثر 74:38

الآيات ٣٨-٤٠ : وقوله تعالى :[ ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ ]﴿إلا أصحاب اليمين﴾﴿في جنات يتساءلون﴾ أصحاب اليمين، هم الذين وصفهم الله تعالى في موضع آخر، في كتابه، وهو قوله عز وجل :﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾[ الحاقة : ١٩، والانشقاق : ٧ ] فاستثنى أصحاب اليمين من جملة المرتهنين لأنه ذكر الرّهون بلفظ يعبر بها عن الجمع، وهو قوله تعالى :﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ فاستقام استثناء الجماعة من تلك الجملة أي أصحاب اليمين قد سبقت منهم الأعمال التي يستوجبون بها الإطلاق من الحبس لأن المجرمين صاروا مرهونين بإجرامهم، وأصحاب اليمين قد اكتسبوا الخيرات، وعملوا الصالحات. والأعمال الصالحة جعلها الله تعالى مكفرة للمساوئ والأجرام كقوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينّهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾[العنكبوت: ٧].

المدثر 74:39

الآيات ٣٨-٤٠ : وقوله تعالى :[ ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ ]﴿إلا أصحاب اليمين﴾﴿في جنات يتساءلون﴾ أصحاب اليمين، هم الذين وصفهم الله تعالى في موضع آخر، في كتابه، وهو قوله عز وجل :﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾[ الحاقة : ١٩، والانشقاق : ٧ ] فاستثنى أصحاب اليمين من جملة المرتهنين لأنه ذكر الرّهون بلفظ يعبر بها عن الجمع، وهو قوله تعالى :﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ فاستقام استثناء الجماعة من تلك الجملة أي أصحاب اليمين قد سبقت منهم الأعمال التي يستوجبون بها الإطلاق من الحبس لأن المجرمين صاروا مرهونين بإجرامهم، وأصحاب اليمين قد اكتسبوا الخيرات، وعملوا الصالحات. والأعمال الصالحة جعلها الله تعالى مكفرة للمساوئ والأجرام كقوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينّهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾[العنكبوت: ٧].

المدثر 74:40

المرتهنين؛ لأنه ذكر الرهون بلفظ يعبر بها عن الجمع، وهو قوله: (كُلُّ نَفْسٍ)، فاستقام استثناء الجماعة من تلك الجملة، أي: أصحاب اليمين قد سبقت منهم الأعمال التي يستوجبون بها الإطلاق عن الحبس؛ لأن المجرمين صاروا مرهونين بإجرامهم، وأصحاب اليمين قد اكتسبوا الخيرات، وعملوا الصالحات، والأعمال الصالحة جعلها اللَّه تعالى مكفرة للمساوئ والإجرام؛ كقوله: (لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣). فظاهر هذا يؤدي إلى أن التساؤل كان من أهل الجنة بعضهم بعضا، وإذا صدر السؤال عن بعضهم بعضا فحقه أن يقال: " ما سلكهم في سقر "؛ لأن أهل السقر لم يسألوا، بل سئل عنهم غيرهم؛ ألا ترى أنه قال: (عَنِ الْمُجْرِمِينَ)، ولم يقل: " يتساءلون المجرمون "؛ فثبت أن الظاهر يقتضي أن يكون المخاطبون غير المجرمين؛ لذلك قلنا: إن حق مثله أن يقال: " ما سلكهم في سقر "، لكنه يحتمل أن يكون قوله: (عَن) زيادة في الكلام، وحقه الحذف والإسقاط، وإذا حذف ارتفع الريب والإشكال؛ كأنه قال: في جنات يتساءلون المجرمين؛ فيكون فيه تثبيت أن أهل السقر هم الذين خوطبوا بالسؤال. وجائز أن يكون أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا عن مكان المجرمين، أين مكانهم؟ وأين هم؟ فيطلعون عليهم فيسألونهم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)؟ فيقولون إذ ذاك: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ...) إلى آخر الآية؛ ألا ترى إلى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ)؛ فثبت أنهبم يطلعون على أماكنهم، فإذا رأوهم سألوهم عن ذلك بقوله: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)، فأجابوا بما أخبر اللَّه تعالى عنهم بقوله: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ...) إلى قوله: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ). والأصل: أن الأفعال التي يتعلق جوازها بالإيمان إذا أضيفت إلى من ليس من أهل الإيمان، أريد بها القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان، أريد بها أعين تلك الأفعال. والذي يدل على هذا هو أن الكافر يسلك به إلى سقر إذا كان مكذبا بيوم الدِّين، وإن أقام الصلاة، وأطعم المسكين، لم ينفعه ذلك حتى يوجد منه الإيمان؛ فثبت أنه لم يرد بذكر هذه الأفعال إتيان أعينها؛ وإنما أريد بها القبول والإقرار بها؛ والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ)؛ فثبت أنهم جحدوا أن يكون عليهم إطعام؛ فدل أنه أريد بذكر الإقامة قبولها، لا وجود عينها، وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة، ويقروا بإيتاء الزكاة، وقد يجوز أن يذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويراد به القبول؛ قال اللَّه تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)، ولم يكن إيجاد الإقامة وإيجاد الإيتاء من شرط التخلية؛ بل كان معناه على القبول، فإذا أقروا بالصلاة وقبلوا إقامتها، وأقروا بالزكاة، لزم تخلية سبيلهم وإن لم يوجد منهم الفعل بعد؛ فلذلك صلح حمل التأويل على القبول، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل؛ لما ذكرناه. هذا إذا ثبت أن تأويل قوله: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) منصرف إلى الصلاة المعروفة، فكيف وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين: الموحدين هاهنا؛ لأن أهل الصلاة هم المسلمون، يقال: " أجمع أهل الصلاة على هذا "، ويُعني به المسلمون. ثم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدِّين وبين ترك الصلاة وترك الإطعام، وهذا - واللَّه أعلم - يحتمل وجهين: أحدهما: أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة هو الذي يقر بيوم الدِّين؛ لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء؛ لما يطمع من المنافع في العواقب، ويتقي بتركها مخافة التبعة في العواقب؛ فإذا لم يقر بيوم الدِّين، لم يرج المنافع، ولا خاف المضار؛ فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع الصلاة، وعلى ترك إيتاء الزكوات، وعلى جحدها كلها وعدم قبولها، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)؛ لعدم رجاء العواقب؛ فإذا لم ير لفعله عاقبة، لم يقم بالانتصار لليتيم، ولا قام بالإحسان للمسكين، بل تكذيبه بيوم الدِّين يحمله على الجور على اليتيم، وترك الإحسان إلى المسكين؛ فلذلك جمع في الذكر بين تكذيب يوم الدِّين وبين ترك الصلاة، وإيتاء الزكاة وترك الإطعام. وجائز أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدِّين هذه الوظائف التي وظفت عليهم بالإسلام؛ لأنهم إذا آمنوا بيوم الدِّين، لزمهم تحمل هذه الأحمال من إقامة

المدثر 74:41

الآيتان ٤١ و٤٢ : وقوله تعالى :﴿في جنات يتساءلون﴾﴿عن المجرمين﴾﴿ما سلككم في سقر﴾ ؟ فظاهر هذا يؤدّي إلى أنّ التساؤل كان من أهل الجنة بعضهم بعضا. وإذا صدر السؤال عن بعضهم بعضا فحقه أن يقال :﴿ما سلككم في سقر﴾ لأن أهل سقر لم يسألوا، بل سأل عنهم غيرهم. ألا ترى أنه قال :﴿عن المجرمين﴾ ولم يقل : يتساءل المجرمون ؟ فثبت أن الظاهر يقتضي أن يكون المخاطبون غير المجرمين. لذلك قلنا : إن حق مثله أن يقال :﴿ما سلككم في سقر﴾ لكنه يحتمل أن يكون قوله﴿عن﴾ زيادة في الكلام، وحقه الحذف والإسقاط، وإذا حذف، ارتفع الريب والإشكال، كأنه قال : في جنات يسألون المجرمين، فيكون في تثبيت أن أهل سقر، هم الذين خوطبوا بالسؤال. وجائز أن يكون أهل الجنة، يسأل بعضهم بعضا عن مكان المجرمين : أين مكانهم ؟ وأين هم ؟ فيطلعون عليهم، فيسألونهم﴿ما سلككم في سقر﴾ ؟.

المدثر 74:42

الآيتان ٤١ و٤٢ : وقوله تعالى :﴿في جنات يتساءلون﴾﴿عن المجرمين﴾﴿ما سلككم في سقر﴾ ؟ فظاهر هذا يؤدّي إلى أنّ التساؤل كان من أهل الجنة بعضهم بعضا. وإذا صدر السؤال عن بعضهم بعضا فحقه أن يقال :﴿ما سلككم في سقر﴾ لأن أهل سقر لم يسألوا، بل سأل عنهم غيرهم. ألا ترى أنه قال :﴿عن المجرمين﴾ ولم يقل : يتساءل المجرمون ؟ فثبت أن الظاهر يقتضي أن يكون المخاطبون غير المجرمين. لذلك قلنا : إن حق مثله أن يقال :﴿ما سلككم في سقر﴾ لكنه يحتمل أن يكون قوله﴿عن﴾ زيادة في الكلام، وحقه الحذف والإسقاط، وإذا حذف، ارتفع الريب والإشكال، كأنه قال : في جنات يسألون المجرمين، فيكون في تثبيت أن أهل سقر، هم الذين خوطبوا بالسؤال. وجائز أن يكون أهل الجنة، يسأل بعضهم بعضا عن مكان المجرمين : أين مكانهم ؟ وأين هم ؟ فيطلعون عليهم، فيسألونهم﴿ما سلككم في سقر﴾ ؟.

المدثر 74:43

الآيات ٤٣ -٤٧ : فيقولون إذ ذاك :﴿لم نك من المصلين﴾[ ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾﴿حتى أتانا اليقين﴾ ](١). ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿فاطلع فرءاه في سواء الجحيم﴾ ؟ [الصافات: ٥٥] فثبت أنهم يطلعون على أماكنهم. فإذا رأوهم(٢) سألوهم عن ذلك بقوله تعالى :﴿ما سلككم في سقر﴾ ؟ فأجابوا بما أخبر الله تعالى عنهم بقوله :﴿لم نك من المصلين﴾ إلى قوله :﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾[ ﴿حتى أتانا اليقين﴾ ](٣). والأصل أن الأفعال التي يتعلق جوازها بالإيمان، إذا أضيفت إلى من ليس من أهل الإيمان أريد بها القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان أريد بها أعين تلك الأفعال. والذي يدل على هذا، هو أن الكافر يسلك به إلى سقر إذا كان مكذبا بيوم الدين، وإن أقام الصلاة، وأطعم المسكين، لم ينفعه ذلك حتى يوجد منه الإيمان، فثبت أنه لم يرد بذكر هذه الأفعال إتيان أعينها، وإنما أريد بها القبول والإقرار بها. والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله عز وجل :﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾[يس: ٤٧] فثبت أنهم جحدوا أن يكون عليهم إطعام، فدلّ أنه أريد بذكر الإقامة قبولها لا وجود عينها، وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة، ويقرّوا بإيتاء الزكاة. وقد يجوز أن تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويراد به القبول كقوله(٤) تعالى :﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾[التوبة: ٥] ولم يكن إيجاد الإقامة وإيجاد الإيتاء من شرائط التخلية، بل كان معناه على القبول. فإذا أقروا بالصلاة، وقبلوا إقامتها، وأقروا بالزكاة، لزمت تخلية سبيلهم، وإن لم يوجد منهم الفعل بعد. فلذلك صلح حمل التأويل على القبول، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل لما ذكرنا هذا إذا ثبت أن تأويل قوله :﴿لم نك من المصلين﴾ منصرف إلى الصلاة المعروفة. فكيف، وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين الموحدون(٥) ههنا لأن أهل الصلاة، هم المسلمون ؟ يقال : أجمع أهل الصلاة على هذا، ويعنى به المسلمون. ثم الله عز وجل جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدين وبين ترك الصلاة والإطعام(٦)، وهذا، والله أعلم، يحتمل وجهين : أحدهما : أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة، هو الذي يقر بيوم[ الدين ](٧) لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء لما يطمع من المنافع في العواقب، ويتقي تركها(٨) مخافة التبعة في العواقب. فإذا لم يقر بيوم [ الدين ](٩) لم يرج المنافع، ولا خاف المضار، فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع الصلاة وعلى ترك إيتاء الزكاة وعلى جحدها كلها وعدم قبولها، وهو كقوله عز وجل :﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾﴿فذلك الذي يدع اليتيم﴾﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾[الماعون: ١ -٣] لعدم رجاء العواقب. فإذا لم ير لفعله عاقبة لم يقم بالانتصار لليتيم، ولا قام بإحسان[ إلى ](١٠) المسكين، بل تكذيبه بيوم الدين يحمله على الجور على اليتيم وترك الصلاة وإيتاء الزكاة وترك الإطعام. [ والثاني ](١١) : أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدين هذه الوظائف التي وضعت عليهم بالإسلام لأنهم إذا آمنوا بيوم الدين لزمهم تحمل هذه الأحمال من إقامة الأفعال : إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطعام المساكين وصيام شهر رمضان وغير ذلك من العبادات، فاشتد عليهم، فتركوا الإيمان بها لئلا يلزمهم تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان. وقوله تعالى :﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾ فالخائض هو الذي يخوض في الباطل. وقوله تعالى :﴿حتى أتانا اليقين﴾ أي حتى أيقنا أنا كنا على باطل في ما كنا نخوض فيه. ١ في الأصل و م: إلى آخر الآية.. ٢ في الأصل و م: رأوا.. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ في الأصل و م: قال الله.. ٥ في الأصل: الموحدين، ساقطة من م.. ٦ الواو ساقطة من الأصل و م.. ٧ من م، ساقطة من الأصل.. ٨ في الأصل و م: بتركها.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ في الأصل و م: وجائز..

المدثر 74:44

الآيات ٤٣ -٤٧ : فيقولون إذ ذاك :﴿لم نك من المصلين﴾[ ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾﴿حتى أتانا اليقين﴾ ](١). ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿فاطلع فرءاه في سواء الجحيم﴾ ؟ [الصافات: ٥٥] فثبت أنهم يطلعون على أماكنهم. فإذا رأوهم(٢) سألوهم عن ذلك بقوله تعالى :﴿ما سلككم في سقر﴾ ؟ فأجابوا بما أخبر الله تعالى عنهم بقوله :﴿لم نك من المصلين﴾ إلى قوله :﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾[ ﴿حتى أتانا اليقين﴾ ](٣). والأصل أن الأفعال التي يتعلق جوازها بالإيمان، إذا أضيفت إلى من ليس من أهل الإيمان أريد بها القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان أريد بها أعين تلك الأفعال. والذي يدل على هذا، هو أن الكافر يسلك به إلى سقر إذا كان مكذبا بيوم الدين، وإن أقام الصلاة، وأطعم المسكين، لم ينفعه ذلك حتى يوجد منه الإيمان، فثبت أنه لم يرد بذكر هذه الأفعال إتيان أعينها، وإنما أريد بها القبول والإقرار بها. والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله عز وجل :﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾[يس: ٤٧] فثبت أنهم جحدوا أن يكون عليهم إطعام، فدلّ أنه أريد بذكر الإقامة قبولها لا وجود عينها، وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة، ويقرّوا بإيتاء الزكاة. وقد يجوز أن تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويراد به القبول كقوله(٤) تعالى :﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾[التوبة: ٥] ولم يكن إيجاد الإقامة وإيجاد الإيتاء من شرائط التخلية، بل كان معناه على القبول. فإذا أقروا بالصلاة، وقبلوا إقامتها، وأقروا بالزكاة، لزمت تخلية سبيلهم، وإن لم يوجد منهم الفعل بعد. فلذلك صلح حمل التأويل على القبول، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل لما ذكرنا هذا إذا ثبت أن تأويل قوله :﴿لم نك من المصلين﴾ منصرف إلى الصلاة المعروفة. فكيف، وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين الموحدون(٥) ههنا لأن أهل الصلاة، هم المسلمون ؟ يقال : أجمع أهل الصلاة على هذا، ويعنى به المسلمون. ثم الله عز وجل جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدين وبين ترك الصلاة والإطعام(٦)، وهذا، والله أعلم، يحتمل وجهين : أحدهما : أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة، هو الذي يقر بيوم[ الدين ](٧) لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء لما يطمع من المنافع في العواقب، ويتقي تركها(٨) مخافة التبعة في العواقب. فإذا لم يقر بيوم [ الدين ](٩) لم يرج المنافع، ولا خاف المضار، فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع الصلاة وعلى ترك إيتاء الزكاة وعلى جحدها كلها وعدم قبولها، وهو كقوله عز وجل :﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾﴿فذلك الذي يدع اليتيم﴾﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾[الماعون: ١ -٣] لعدم رجاء العواقب. فإذا لم ير لفعله عاقبة لم يقم بالانتصار لليتيم، ولا قام بإحسان[ إلى ](١٠) المسكين، بل تكذيبه بيوم الدين يحمله على الجور على اليتيم وترك الصلاة وإيتاء الزكاة وترك الإطعام. [ والثاني ](١١) : أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدين هذه الوظائف التي وضعت عليهم بالإسلام لأنهم إذا آمنوا بيوم الدين لزمهم تحمل هذه الأحمال من إقامة الأفعال : إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطعام المساكين وصيام شهر رمضان وغير ذلك من العبادات، فاشتد عليهم، فتركوا الإيمان بها لئلا يلزمهم تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان. وقوله تعالى :﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾ فالخائض هو الذي يخوض في الباطل. وقوله تعالى :﴿حتى أتانا اليقين﴾ أي حتى أيقنا أنا كنا على باطل في ما كنا نخوض فيه. ١ في الأصل و م: إلى آخر الآية.. ٢ في الأصل و م: رأوا.. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ في الأصل و م: قال الله.. ٥ في الأصل: الموحدين، ساقطة من م.. ٦ الواو ساقطة من الأصل و م.. ٧ من م، ساقطة من الأصل.. ٨ في الأصل و م: بتركها.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ في الأصل و م: وجائز..

المدثر 74:45

الأفعال؛ والصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطعام المساكين، وصيام شهر رمضان، وغير ذلك من العبادات؛ فاشتد عليهم ذلك؛ فتركوا الإيمان بها؛ لئلا يلزمهم تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥): فالخائض هو الذي يخوض في الباطل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧): أي: حتى أيقنا أنا كنا على باطل فيما كنا نخوض فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) معناه: أن لا شفيع لهم؛ والأصل: أن الشفاعة إذا أضيفت إلى أهل الكفر، فقيل: ليس لهم شفعاء، أو لا تنفعهم شفاعة الشافعين، اقتضى نفي الشفاعة، أي: لا شفيع لهم. وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان اقتضى نفي الانتفاع بشفاعة الشفعاء، ولم يقتض نفي الشفاعة؛ كما ذكرنا: أن الأفعال التي يكون قوامها بالإيمان إذا أضيفت إلى الكفار فهي تقتضي نفي القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان فهي تقتضي نفي الفعل. وقولنا بأنه إذا قيل: " لا شفيع له "، وأريد به أهل الإسلام، فهو يقتضي نفي الانتفاع، ولا يقتضي نفي الشفاعة - فذلك ينصرف عندنا إلى أهل الاعتزال والخوارج؛ لأنا نرى أصحاب الكبائر من أهل الإسلام مستوجبين للشفاعة، وهم يقولون: لا يجوز في حكم اللَّه تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر، بل يخلدهم في النار؛ لأن اللَّه تعالى أوعد النار لمن ارتكب الكبائر، وأخبر أنهم يخلدون فيها؛ فلا يجوز أن يقع في وعده خلف، أو يتحقق في خبره كذب، ولو استوجبوا الشفاعة، ونالوا بها المغفرة من رب العزة، لصار فيما وعد مخلفا، وفيما أخبر كذوبا؛ فمثل هَؤُلَاءِ إذا ارتكبوا الكبائر لا يرجى لهم الخلاص بالشفاعة أبدا؛ بل يحكم عليهم بالخلود في النار؛ فيرتفع ما يثبت الكذب وينتفي ما يوجب خلف الوعد. ولأنهم لما اعتقدوا التخليد في النار لمن ارتكب الكبائر، وجب أن يكون نفيهم الشفاعة بزعمهم على ذلك؛ لأن اللَّه تعالى يقول: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ)؛ فلا يجوز أن يحق عليهم العذاب ثم لا ينالهم العذاب إذا بعثوا. ثم احتج فريق منهم بنفي الشفاعة في الآخرة بقوله: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ) ، وبقوله: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)، وبقوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ)، وزعموا أن شفيع كل امرئ منهم عمله يومئذ؛ فمن حسن عمله نجا به، ومن ساء عمله حق عليه العذاب، ولم يكن له شافع، ولو وجب نفي الشفاعة بما ذكر من هذه الآيات الظاهرة، لوجب تحقيقها بقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، وبقوله: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا)؛ إذ في هاتين الآيتين أن اللَّه تعالى قد يأذن بالشفاعة يومئذ للبعض؛ فثبت أن ما ذكرتم من نفي الشفاعة، لم يقتض نفيا على الإطلاق، بل النفي انصرف إلى بعض الخلائق، ووجب القول بثبوتها لبعضهم. ثم جاءت الأخبار مفسرة على إيجاب القول بالشفاعة لأهل الكبائر؛ فثبت أن ما ذكر من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ)، وقوله: (وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ)، منصرف إلى أهل الكفر، وبه نقول. ومن المعتزلة من يحقق الشفاعة، ولكنه يراها للذين يستوجبون استغفار الملائكة في الدنيا، وهم الذين ذكرهم اللَّه تعالى في كتابه: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ)، فأما أصحاب الكبائر؛ فإنهم لا تنالهم شفاعة أحد؛ بل يخلدون في النار. فيقال لهم: فأية منفعة تحصل للذين تابوا واتبعوا سبيله في الشفاعة، وهم قد استوجبوا الخلاص بتوبتهم، واتباعهم سبيل الرشاد. فإن قالوا: منفعتهم بها: أنه يعظم قدرهم عند اللَّه تعالى، ويستوجبون بها فضل الدرجات؛ كما ترى المرء في الشاهد يذكر أخاه عند الملوك بحسن السيرة، ويذكره بما فيه من المناقب الجميلة والمحاسن، ويبتغي بذلك إعلاء منزلته، وإعظام قدره عندهم؛ ليعظموه، ويبجلوه، فكذلك الشفعاء في الآخرة يثنون عند اللَّه تعالى على أوليائه خيرا؛ ليزيد في درجاتهم، وتعظم منزلتهم عند اللَّه تعالى. والجواب أن هذه الزيادة في الدرجات ليست إلا إلى الوصول إلى فضول الشهوات، وفضول الشهوات والزيادة في اللذات لا تذكر في المنافع؛ إذ لا حاجة لهم إلى ما هو

المدثر 74:46

الآيات ٤٣ -٤٧ : فيقولون إذ ذاك :﴿لم نك من المصلين﴾[ ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾﴿حتى أتانا اليقين﴾ ](١). ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿فاطلع فرءاه في سواء الجحيم﴾ ؟ [الصافات: ٥٥] فثبت أنهم يطلعون على أماكنهم. فإذا رأوهم(٢) سألوهم عن ذلك بقوله تعالى :﴿ما سلككم في سقر﴾ ؟ فأجابوا بما أخبر الله تعالى عنهم بقوله :﴿لم نك من المصلين﴾ إلى قوله :﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾[ ﴿حتى أتانا اليقين﴾ ](٣). والأصل أن الأفعال التي يتعلق جوازها بالإيمان، إذا أضيفت إلى من ليس من أهل الإيمان أريد بها القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان أريد بها أعين تلك الأفعال. والذي يدل على هذا، هو أن الكافر يسلك به إلى سقر إذا كان مكذبا بيوم الدين، وإن أقام الصلاة، وأطعم المسكين، لم ينفعه ذلك حتى يوجد منه الإيمان، فثبت أنه لم يرد بذكر هذه الأفعال إتيان أعينها، وإنما أريد بها القبول والإقرار بها. والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله عز وجل :﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾[يس: ٤٧] فثبت أنهم جحدوا أن يكون عليهم إطعام، فدلّ أنه أريد بذكر الإقامة قبولها لا وجود عينها، وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة، ويقرّوا بإيتاء الزكاة. وقد يجوز أن تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويراد به القبول كقوله(٤) تعالى :﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾[التوبة: ٥] ولم يكن إيجاد الإقامة وإيجاد الإيتاء من شرائط التخلية، بل كان معناه على القبول. فإذا أقروا بالصلاة، وقبلوا إقامتها، وأقروا بالزكاة، لزمت تخلية سبيلهم، وإن لم يوجد منهم الفعل بعد. فلذلك صلح حمل التأويل على القبول، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل لما ذكرنا هذا إذا ثبت أن تأويل قوله :﴿لم نك من المصلين﴾ منصرف إلى الصلاة المعروفة. فكيف، وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين الموحدون(٥) ههنا لأن أهل الصلاة، هم المسلمون ؟ يقال : أجمع أهل الصلاة على هذا، ويعنى به المسلمون. ثم الله عز وجل جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدين وبين ترك الصلاة والإطعام(٦)، وهذا، والله أعلم، يحتمل وجهين : أحدهما : أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة، هو الذي يقر بيوم[ الدين ](٧) لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء لما يطمع من المنافع في العواقب، ويتقي تركها(٨) مخافة التبعة في العواقب. فإذا لم يقر بيوم [ الدين ](٩) لم يرج المنافع، ولا خاف المضار، فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع الصلاة وعلى ترك إيتاء الزكاة وعلى جحدها كلها وعدم قبولها، وهو كقوله عز وجل :﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾﴿فذلك الذي يدع اليتيم﴾﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾[الماعون: ١ -٣] لعدم رجاء العواقب. فإذا لم ير لفعله عاقبة لم يقم بالانتصار لليتيم، ولا قام بإحسان[ إلى ](١٠) المسكين، بل تكذيبه بيوم الدين يحمله على الجور على اليتيم وترك الصلاة وإيتاء الزكاة وترك الإطعام. [ والثاني ](١١) : أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدين هذه الوظائف التي وضعت عليهم بالإسلام لأنهم إذا آمنوا بيوم الدين لزمهم تحمل هذه الأحمال من إقامة الأفعال : إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطعام المساكين وصيام شهر رمضان وغير ذلك من العبادات، فاشتد عليهم، فتركوا الإيمان بها لئلا يلزمهم تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان. وقوله تعالى :﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾ فالخائض هو الذي يخوض في الباطل. وقوله تعالى :﴿حتى أتانا اليقين﴾ أي حتى أيقنا أنا كنا على باطل في ما كنا نخوض فيه. ١ في الأصل و م: إلى آخر الآية.. ٢ في الأصل و م: رأوا.. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ في الأصل و م: قال الله.. ٥ في الأصل: الموحدين، ساقطة من م.. ٦ الواو ساقطة من الأصل و م.. ٧ من م، ساقطة من الأصل.. ٨ في الأصل و م: بتركها.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ في الأصل و م: وجائز..

المدثر 74:47

الآيات ٤٣ -٤٧ : فيقولون إذ ذاك :﴿لم نك من المصلين﴾[ ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾﴿حتى أتانا اليقين﴾ ](١). ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿فاطلع فرءاه في سواء الجحيم﴾ ؟ [الصافات: ٥٥] فثبت أنهم يطلعون على أماكنهم. فإذا رأوهم(٢) سألوهم عن ذلك بقوله تعالى :﴿ما سلككم في سقر﴾ ؟ فأجابوا بما أخبر الله تعالى عنهم بقوله :﴿لم نك من المصلين﴾ إلى قوله :﴿وكنا نكذب بيوم الدين﴾[ ﴿حتى أتانا اليقين﴾ ](٣). والأصل أن الأفعال التي يتعلق جوازها بالإيمان، إذا أضيفت إلى من ليس من أهل الإيمان أريد بها القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان أريد بها أعين تلك الأفعال. والذي يدل على هذا، هو أن الكافر يسلك به إلى سقر إذا كان مكذبا بيوم الدين، وإن أقام الصلاة، وأطعم المسكين، لم ينفعه ذلك حتى يوجد منه الإيمان، فثبت أنه لم يرد بذكر هذه الأفعال إتيان أعينها، وإنما أريد بها القبول والإقرار بها. والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله عز وجل :﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾[يس: ٤٧] فثبت أنهم جحدوا أن يكون عليهم إطعام، فدلّ أنه أريد بذكر الإقامة قبولها لا وجود عينها، وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة، ويقرّوا بإيتاء الزكاة. وقد يجوز أن تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويراد به القبول كقوله(٤) تعالى :﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾[التوبة: ٥] ولم يكن إيجاد الإقامة وإيجاد الإيتاء من شرائط التخلية، بل كان معناه على القبول. فإذا أقروا بالصلاة، وقبلوا إقامتها، وأقروا بالزكاة، لزمت تخلية سبيلهم، وإن لم يوجد منهم الفعل بعد. فلذلك صلح حمل التأويل على القبول، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل لما ذكرنا هذا إذا ثبت أن تأويل قوله :﴿لم نك من المصلين﴾ منصرف إلى الصلاة المعروفة. فكيف، وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين الموحدون(٥) ههنا لأن أهل الصلاة، هم المسلمون ؟ يقال : أجمع أهل الصلاة على هذا، ويعنى به المسلمون. ثم الله عز وجل جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدين وبين ترك الصلاة والإطعام(٦)، وهذا، والله أعلم، يحتمل وجهين : أحدهما : أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة، هو الذي يقر بيوم[ الدين ](٧) لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء لما يطمع من المنافع في العواقب، ويتقي تركها(٨) مخافة التبعة في العواقب. فإذا لم يقر بيوم [ الدين ](٩) لم يرج المنافع، ولا خاف المضار، فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع الصلاة وعلى ترك إيتاء الزكاة وعلى جحدها كلها وعدم قبولها، وهو كقوله عز وجل :﴿أرأيت الذي يكذب بالدين﴾﴿فذلك الذي يدع اليتيم﴾﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾[الماعون: ١ -٣] لعدم رجاء العواقب. فإذا لم ير لفعله عاقبة لم يقم بالانتصار لليتيم، ولا قام بإحسان[ إلى ](١٠) المسكين، بل تكذيبه بيوم الدين يحمله على الجور على اليتيم وترك الصلاة وإيتاء الزكاة وترك الإطعام. [ والثاني ](١١) : أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدين هذه الوظائف التي وضعت عليهم بالإسلام لأنهم إذا آمنوا بيوم الدين لزمهم تحمل هذه الأحمال من إقامة الأفعال : إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطعام المساكين وصيام شهر رمضان وغير ذلك من العبادات، فاشتد عليهم، فتركوا الإيمان بها لئلا يلزمهم تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان. وقوله تعالى :﴿وكنا نخوض مع الخائضين﴾ فالخائض هو الذي يخوض في الباطل. وقوله تعالى :﴿حتى أتانا اليقين﴾ أي حتى أيقنا أنا كنا على باطل في ما كنا نخوض فيه. ١ في الأصل و م: إلى آخر الآية.. ٢ في الأصل و م: رأوا.. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ في الأصل و م: قال الله.. ٥ في الأصل: الموحدين، ساقطة من م.. ٦ الواو ساقطة من الأصل و م.. ٧ من م، ساقطة من الأصل.. ٨ في الأصل و م: بتركها.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ ساقطة من الأصل و م.. ١١ في الأصل و م: وجائز..

المدثر 74:48

الآية٤٨ : وقوله تعالى :﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ معناه : أن لا شفيع لهم. والأصل أن الشفاعة إذا أضيفت إلى أهل الكفر، فقيل : ليس لهم شفعاء، أولا تنفعهم شفاعة الشافعين، اقتضى نفي الشفاعة، أي لا شفيع لهم. وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان اقتضى ثبوت(١) الانتفاع بشفاعة الشفعاء، ولم يقتض نفس الشفاعة كما ذكرنا أن الأفعال التي يكون قوامها بالإيمان، إذا أضيفت إلى الكفار، فهي تقتضي نفي القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان، فهي تقتضي ثبوت(٢) الفعل. وقولنا بأنه إذا قيل : لا شفيع له، وأريد به أهل الإسلام، فهو يقتضي ثبوت(٣) الشفاعة، فذلك ينصرف عندنا إلى أهل الاعتزال والخوارج لأنا نرى أصحاب الكبائر من أهل الإسلام مستوجبين/ ٦١٤ – أ/ للشفاعة، وهم يقولن : لا يجوز في حكم الله تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر، بل يخلدهم في النار، لأن الله تعالى أوعد النار لمن ارتكب الكبائر أنهم يخلدون فيها، فلا يجوز أن يقع في وعده خلف، ويتحقق في خبره كذب. ولو استوجب الشفاعة، ونالوا بها المغفرة من رب العزة لصار في ما وعد مخلفا وفي ما أخبر كذوبا. فمثل هؤلاء إذا ارتكبوا الكبائر لا يرجى لهم الخلاص بالشفاعة أبدا، بل يحكم عليهم بالخلود في النار، فيرتفع ما يثبت الكذب، وينتفي ما يوجب خلف وعد. ولأنهم لما اعتقدوا التخليد في النار لمن ارتكب الكبائر وجب أن يكون نفيهم الشفاعة بزعمهم على ذلك لأن الله تعالى يقول :﴿كما بدأكم تعودون﴾﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾[ الأعراف : ٢٩و٣٠ ] فلا يجوز[ [ أن يحل ](٤)عليهم العذاب، ثم لا ينالهم العذاب إذا بعثوا. ثم احتج فريق منهم بنفي الشفاعة في الآخرة بقوله تعالى :﴿فما لنا من شافعين﴾[الشعراء: ١٠٠] وبقوله :﴿أنفقوا مما رزقكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾[البقرة: ٢٥٤] وبقوله :﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يُقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾[البقرة: ١٢٣]. وزعموا أن شفيع كل امرئ منهم عمله يومئذ ؛ فمن حسن عمله يجز به، ومن ساء عمله حق عليه العذاب، ولم يكن له شافع. ولو وجب نفي الشفاعة بما ذكر من هذه الآيات الظاهر لوجب تحقيقها بقوله تعالى :﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾[الأنبياء: ٢٨] وبقوله :﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾[طه: ١٠٩] إذ في هاتين الآيتين أن الله تعالى قد يأذن بالشفاعة يومئذ للبعض، فثبت أن ما ذكرتم من نفي الشفاعة لم يقتض نفيا على الإطلاق، بل النفي انصرف إلى بعض الخلائق، ووجب قبول ثبوتها لبعضهم. ثم جاءت الأخبار مفسرة على إيجاب القبول بالشفاعة لأهل الكبائر، فثبت أن ما ذكر من قوله عز وجل :﴿فما لنا من شافعين﴾[الشعراء: ١٠٠] وقوله :﴿ولا خلة ولا شفاعة﴾[البقرة: ٢٥٤] منصرف إلى أهل الكفر، وبه نقول. ومن المعتزلة من يحقق الشفاعة، ولكنه يراها للذين يستوجبون استغفار الملائكة في الدنيا، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه :﴿ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾[غافر: ٧]. وأما أصحاب الكبائر فإنهم لا تنالهم شفاعة أحد، بل يخلدون في النار. فيقال لهم : فأي منفعة تحصل للذين تابوا، واتبعوا سبيله في الشفاعة، وهم قد استوجبوا الخلاص بتوبتهم واتباعهم سبيل الرشاد. فإن قالوا : منفعتهم بها أنهم(٥) لعظم قدرهم عند الله يستوجبون بها الدرجات كما ترى المرء في الشاهد يذكر أخاه عند الملوك بحسن السيرة، ويذكره بما فيه من المناقب الجميلة والمحاسن، ويبتغي بذلك إعلاء منزلته وإعظام قدره عندهم ليُعظّموه، ويُبجّلوه. فكذلك الشفعاء في الآخرة يثنون عند الله تعالى على أوليائه خيرا ليزيد في درجاتهم، وتعظم منزلتهم عند الله تعالى. والجواب أن هذه الزيادة في الدرجات ليست إلا إلى الوصول إلى فضول الشهوات، وفضول الشهوات والزيادة في اللذات لا تذكر في المنافع ؛ إذ لا حاجة لهم إلى ما هو في حق الفضول من الشهوات، فيكون في مثالها وقع الحاجة والوصول إلى المنفعة. ومعلوم بأنهم إنما أطمعوا في الشفاعة، وإنما تحصل لهم بها المنفعة، إذا وقعت إليها الحاجة. وأهل الكبائر هم الذين تمسهم الحاجة إليها. فأما الذين تابوا، وأنابوا، فقد استغنوا عن الشفاعة. لذلك وجب القول بتحقيق الشفاعة في أهل الكبائر. وأما استدلالهم بما ذكروا من أمر الشهود فليس بمحكم من القول لأن المرء إنما يذكر أخاه بالجميل، ويظهر ما اشتمل عليه من خلال الخير لجهل الملوك بحاله في ما هو عليه من جميل الخصال ومحمود الفعال. ألا ترى أن الملك إذا كان عالما بحاله لم يقدم الإنسان على الثناء(٦) الجميل منه ؟ فثبت أن الذي يحوجه إلى الثناء عليه عند الملوك جهل بحاله. ولا يجوز أن يكون الله تعالى يخفى عليه حال أحد وما هو عليه من ظواهر(٧) أموره وبواطنها حتى يحتاج إلى معرف يعرفه. فبطل أن تكون الشفاعة للوجه الذي ذكروه(٨)، وثبت أنها للوجه الذي ذكرناه(٩). ثم العفو والصفح عن إحلال العقوبة بمن هموا أن يعاقبوه بجريمة سبقت منهم، ثم الشفاعة في ما بين الخلق أمر معهود، إنما تكون عند زلات تستوجب بها العقوبة والمقت، فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضا. فلا ينكر أن يكون الله تعالى يعفو عمن استوجب العقاب بشفاعة الأخيار وأهل الرضا والأبرار، والله الموفق. ١ في الأصل و م: نفي.. ٢ في الأصل و م: نفي.. ٣ في الأصل و م: نفي.. ٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٥ في الأصل و م: أنه.. ٦ في الأصل و م: البشر.. ٧ في الأصل و م: الظواهر.. ٨ في الأصل و م: ذكروها.. ٩ في الأصل و م: ذكرناها..

المدثر 74:49

في حق الفضول من الشهوات؛ فيكون في مثالها دفع الحاجة، والوصول إلى المنفعة، ومعلوم أنهم إنما طمعوا في الشفاعة؛ لما يحصل لهم بها من المنفعة وإنَّمَا تحصل لهم بها المنفعة إذا وقعت إليها الحاجة، وأهل الكبائر هم الذين تمسهم الحاجة إليها، فأما الذين تابوا وأنابوا فقد استغنوا عن الشفاعة؛ لذلك وجب القول بتحقيق الشفاعة في أهل الكبائر. وأما استدلالهم بما ذكروا من أمر الشهود، فليس بمحكم من القول؛ لأن المرء إنما يذكر أخاه بالجميل، ويظهر ما اشتمل عليه من خلال الخير لجهل الملوك بحاله فيما هو عليه من جميل الخصال، ومحمود الفعال؛ ألا ترى أن الملك إذا كان عالما بحاله، لم يقدم الإنسان على نشر الجميل منه؛ فثبت أن الذي يحوجه إلى الثناء عليه عند الملوك جهل الملوك بحاله؛ ولا يجوز أن يكون اللَّه تعالى يخفى عليه حال أحد، وما هو عليه من ظواهر أموره وبواطنها حتى يحتاج إلى معرف يعرفه؛ فبطل أن تكون الشفاعة للوجه الذي ذكروه، وثبت أنها للوجه الذي ذكرناه. ثم العفو والصفح عن إحلال العقوبة بمن هموا أن يعاقبوه بجريمة سبقت منه، ثم الشفاعة فيما بين الخلق أمر معهود أنها تكون عند زلات يستوجب بها العقوبة والمقت؛ فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضاء؛ فلا ينكر أن يكون اللَّه تعالى يعفو عمن استوجب العقاب بشفاعة الأخيار وأهل الرضاء والأبرار، واللَّه الموفق. * * * قوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ): جائز أن يكون تأويله: ما لهم معرضين عن ذكر ما لهم، وما عليهم، وعما إليه مآلهم ومنقلبهم؛ وذلك يكون في الرسول وفي القرآن؛ لأن كل واحد منهما يذكر للمرء ما له وعليه، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون تأويله: فما لهم عما به يشرف قدرهم، ويصيرون به مذكورين في

المدثر 74:50

الملأ الأعلى - معرضين؛ وذلك يكون في طاعته، والإقبال على عبادته، وهو كقوله تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ)، معناه: أنكم تصيرون به مذكورين، ويعظم قدركم لو اتبعتموه، ولم تضيعوا حرمته. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠). بنصب الفاء وخفضه. فمن قرأ بخفض الفاء صرف الفعل إليها، كأنه يقول: حمر نافرة، ونفر واستنفر واحد؛ كما يقال: استرقد القوم، أي: رقدوا. ومن قرأ بنصب الفاء، فتأويله: أنه فعل بها ما يحملها على النفار، وذلك يكون بالرمي وبالقانص من الأسد، كما ذكره أهل التفسير في تأويل القسورة هي الأسد، أو الرماة، أو الصيادون. ويقال: هي النفرة، وكان هذا تشبيها بالحمر الوحشية التي في طبعها النفار. ووجه التقريب هو أن هَؤُلَاءِ أعرضوا عما في الإقبال عليه نجاتهم وتخلصهم من العطب، ونفروا كنفار الحمر المستنفرة من العطب والهلاك. وفي هذه الآية تبين شدة سفههم وغاية جهلهم؛ لأن الحمر تنفر عن القانص والرامي والأسد؛ لتسلم من الهلاك والعطب، وهَؤُلَاءِ الكفرة نفروا عما فيه نجاتهم إلى ما فيه هلاكهم وعطبهم؛ فهم أشر من الحمير وأضل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢). قال بعض أهل التأويل: إن المشركين قالوا: يا مُحَمَّد، بلغنا أن الرجل في بني إسرائيل كان إذا أذنب ذنبا، فيصبح، وجد صحيفة معلقة على باب داره أو مكتوبا عند رأسه: إنك أذنبت كذا. وزاد بعضهم: إنك أذنبت كذا، وتوبتك كذا. وسألوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يجعلهم كذلك؛ فأخبر اللَّه تعالى ذلك عنهم، ثم آيسهم عن ذلك، فقال: (كَلَّا)، أي: لا تنالون ما تأملون. وقال قتادة: قالوا: يا مُحَمَّد، إنْ سَرَّك أن نتبعك فائت كل واحد منا بصحيفة خاصة: إلى فلان بن فلان، تأمرنا فيها باتباعك. وقيل: سألوا أن يؤتوا ببراءة بغير عمل. ولكن لا يجب قطع الأمر على واحد من هذه التأويلات، بل يقال بها على جهة الإمكان والاحتمال؛ لأن هَؤُلَاءِ المفسرين لم يشاهدوا أُولَئِكَ القوم الذين صدرت منهم هذه الإرادة؛ ليخبروهم ماذا أرادوا به؟ حتى يثبت ما ذكروا من القصة والأخبار، ولا تواترت الأخبار من عند ذي الحُجَّة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنهم سألوه ذلك؛ لذلك لم يستقم قطع الأمر على ما ذكروا. وجائز أن تكون هذه الإرادة تحققت في بعض الكفرة وهم الرؤساء منهم والأكابر، لا أن أراد كلٌّ في ذات نفسه أن يؤتى صحفا منشرة. والإرادة هاهنا عبارة عن الطلب، ثم طلبهم ما ذكر يتوجه إلى أوجه ثلاثة: أحدها: أن يكون كل واحد من عظمائهم ود أن يكون هو المخصوص بإنزال الكتاب عليه؛ كما قال في آية أخرى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)؛ فيكون في هذا إظهار استكبارهم على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، على جهة التعنت والعناد؛ ليصير ذلك آية لهم في تحقيق رسالة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، كما قال اللَّه تعالى حكاية عنهم: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا...) إلى قوله: (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ)، ففي هذه الآية إبانة أنهم كانوا يطلبون إنزال الكتاب عليهم؛ ليتقرر لديهم رسالة نبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وكان ذلك على جهة التعنت والعناد؛ وإلا لو تفكروا في حاله أداهم ذلك إلى العلم برسالته من غير أن يحتاجوا إلى تثبيت رسالته بكتاب ينزل عليهم، واللَّه أعلم. وجائز أن يكونوا رأوا أكابرهم أحق بالرسالة من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأولى بإنزال الكتاب عليهم؛ لما رأوهم أفضل من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ألا ترى إلى قوله: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، وقال في آية أخرى: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا)، فأرادوا أن يؤتوا صحفا منشرة لهذا المعنى؛ إذ هم أولى أن يخصوا بهذه الفضيلة. وإنما ذكرنا هذه التأويلات في هذه الآية، لأن هذه المعاني التي ذكرناها قد ظهرت منهم بمتلو القرآن، والتأويلات التي ذكرها أهل التفسير لا يتهيأ تثبيتها من جهة الكتاب ولا من جهة الإخبار عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فصارت هذه التأويلات أمكن وأملك بالآية من غيرها، واللَّه أعلم.

المدثر 74:52

الآية ٥٢ : وقوله تعالى :﴿بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشّرة﴾ قال بعض أهل التأويل : إن المشركين قالوا : يا محمد بلغنا أن الرجل في بني إسرائيل كان إذا أذنب ذنبا، فأصبح، وجد صحيفة على باب داره أو مكتوبا عند رأسه : أنك أذنبت كذا، وزاد بعضهم : أنك أذنبت كذا، وتوبتك كذا، وسألوا النبي ﷺ أن يجعلهم كذلك، فأخبر الله تعالى كذلك عنهم. الآية ٥٣ : ثم آيسهم من ذلك، وقال :﴿كلا﴾ أي لا تنالون ما تأملون. وقال قتادة : قالوا : يا محمد إن سرّك أن نتبعك فأت كل واحد منا بصحيفة خاصة : إلى فلان ابن فلان، تأمرنا فيها باتباعك. وقيل : سألوا أن يؤتوا ببراءة عمل، ولكن لا يجب قطع الأمر على واحد/ ٦١٤ – ب/ من هذه التأويلات ؛ بل يقال بها على جهة الإمكان والاحتمال لأن هؤلاء المفسرين لم يشاهدوا أولئك القوم الذين صدرت منهم هذه الإرادة ليجزوهم ماذا أرادوا به حتى يثبت ما ذكروا من القصص والأخبار، ولا تواترت الأخبار عن ذي الحجة النبي ﷺ أنهم سألوه ذلك. لذلك لم يستقم قطع الأمر على ما ذكروا. وجائز أن تكون هذه الإرادة تحققت في بعض الكفرة، وهم الرؤساء منهم والأكابر، لا أن أراد كل في ذات نفسه أن يؤتى صحفا منشّرة. والإرادة ههنا عبارة عن الطلب. ثم طلبهم ما ذكر يتوجه إلى [ وجهين : أحدهما ](١) : أن يكون كل واحد من عظمائهم ودّ أن يكون، هو المخصوص بإنزال الكتاب عليه كما قال تعالى في آية أخرى :﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾[الأنعام: ١٢٤] فيكون في هذا إظهار استكبارهم على رسول الله ﷺ على جهة التعنت والعناد، فيصير(٢) ذلك آية لهم على تحقيق رسالة النبي ﷺ كما قال الله تعالى حكاية عنهم :﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا﴾ إلى قوله تعالى :﴿أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه﴾[الإسراء: ٩٠ -٩٣]. ففي هذه الآية إبانة أنهم كانوا يطلبون إنزال الكتاب عليهم ليتقرر لديهم رسالة نبينا محمد ﷺ وكان ذلك على التعنت والعناد. وإلا لو تفكروا في حاله أدّاهم ذلك إلى العلم برسالته من غير أن يحتاجوا إلى تثبيت رسالته بكتاب، ينزل عليهم والله أعلم. [ والثاني ](٣) : أن يكونوا رأوا أكابرهم أحق بالرسالة من رسول الله ﷺ وأولى بإنزال الكتاب عليهم لما رأوهم أفضل من رسول الله ﷺ. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾بالزخرف : ٣١ ] وقوله(٤) في آية أخرى :﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾ ؟ [ص: ٨] فأرادوا أن يؤتوا صحفا منشرة لهذا المعنى، إذ هم أولى أن يخصوا بهذه الفضيلة. وإنما ذكرنا هذه التأويلات في هذه الآية لأن هذه المعاني التي ذكرناها قد ظهرت منهم بمتلوّ القرآن، والتأويلات التي ذكرها أهل التفسير لا يتهيأ تثبيتها من جهة الكتاب ولا من جهة الأخبار عن رسول الله ﷺ فصارت هذه التأويلات أمكن وأملك بالآية من غيرها، والله أعلم. ١ في الأصل و م: أوجه ثلاثة أحدها.. ٢ في الأصل و م: ليصير.. ٣ في الأصل و م: وجائز.. ٤ في الأصل و م: وقال..

المدثر 74:53

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣): إن الذي حملهم على الطلب بأن يؤتى كل منهم صحفا منشرة إعراضهم عن الإيمان بالآخرة؛ وإلا لو آمنوا بها، لكان إيمانهم بها يحملهم على ترك العناد والتعنت، وعلى ترك الجسر على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويدعوهم إلى الإذعان للحق. وقوله: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) سنذكر معنى هذه الآية في سورة " عبس وتولى "، وسنذكر معنى قوله: (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) في سورة " إذا الشمس كورت ". وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦): فأهل التأويل صرفوا قوله (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى) إلى اللَّه تعالى. وجائز أن يصرف إلى البشر. فإن كان المراد من قوله - عَزَّ وَجَلَّ - (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى): البشر؛ فيكون معنى قوله: (هُوَ أَهْلُ التقوَى)، أي: الذي يقوم بالذكر؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا)، فجعل الذين ألزمهم كلمة التقوى من أهل التقوى، وإن كان المراد من قوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى)، أي: اللَّه - سبحانه وتعالى - فتأويله أنه أهل أن يتقي الزلة والعثرة في حقوقه تعالى. والوجه فيه أن المرء في الشاهد إنما يتقي الزلة والعثرة إلى آخر؛ لإحدى خصال ثلاث: إحداها: لما يرى من افتقاره وحاجته إليه؛ فيتقي العثرة إليه؛ تبجيلا وتعظيما. أو يتقي زلته؛ ذلك لما يرى من قدرته وسلطانه على الانتقام منه. أو يتقي زلته؛ لكثرة نعمه وأياديه؛ استحياء منه. وإذا كانت هذه الأشياء هي الداعية إلى الاتقاء، فإن الخلائق بأجمعهم مفتقرون ومحتاجون إلى اللَّه تعالى، وله القدرة والسلطان عليهم، وهو المنعم المتفضل على كل أحد، فهو أهل أن يعظم ويوقر، وأن يخاف نقمته، ويستحيا منه، ومن اتقى صار أهلا لأن يغفر له. وجائز أن يكون معنى قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى)، أي: هو أهل لأن يسأل منه ما يتقي به من النار بقوله تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، وبقوله: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)، ثم علمنا وجه الاتقاء بقوله: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، فبين أن الاتقاء أن يفزع إلى اللَّه تعالى، ويتضرع إليه؛ ليتقي بفضله ورحمته، وقال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)، فأمرنا - جل جلاله - بالمناصبة مع الشيطان؛ للمحاربة، وأخبر أن محاربته أن نفزع إلى اللَّه - تعالى - بالاستعاذة بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)، وقال في آية أخرى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ...) الآية، فهو أهل أن يطلب منه ما يتقي به، وأهل أن يستعاذ به؛ لدفع كيد العدو. (وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)، أي: أهل أن يطلب منه المغفرة، جعلنا اللَّه - تعالى - من أهل التقوى والذين من عليهم بالمغفرة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)، أي: هو أهل أن يتقي عنه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه، واللَّه المستعان. * * *

المدثر 74:54

الآيتان٥٤و٥٥ :[ وقوله تعالى :﴿كلا إنه تذكرة﴾﴿فمن شاء ذكره﴾ سيذكر معناه(٥) في سورة :﴿عبس وتولى﴾ ](٦) ] بقوله تعالى :﴿كلا إنه تذكرة﴾﴿فمن شاء ذكره﴾[ الآيتان : ٥٤و٥٥ ] ](٧).

المدثر 74:55

الآيتان٥٤و٥٥ :[ وقوله تعالى :﴿كلا إنه تذكرة﴾﴿فمن شاء ذكره﴾ سيذكر معناه(٥) في سورة :﴿عبس وتولى﴾ ](٦) ] بقوله تعالى :﴿كلا إنه تذكرة﴾﴿فمن شاء ذكره﴾[ الآيتان : ٥٤و٥٥ ] ](٧).

المدثر 74:56

الآية ٥٦ : وسيذكر معنى قوله :﴿وما يذكرون إلا أن يشاء الله﴾ في سورة :﴿إذا الشمس كوّرت﴾ [ بقوله :﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾[ الآية : ٢٩ ] ](٨). وقوله تعالى :{ { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } فأهل التأويل صرفوا قوله تعالى :﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ إلى الله تعالى، وجائز أن يصرف إلى البشر. فإن كان المراد من قوله عز وجل :﴿هو أهل التقوى﴾ البشر فيكون معنى قوله :﴿هو أهل التقوى﴾ أي الذي يقوم بالذكر ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها﴾ ؟ [الفتح: ٢٦] فجعل الذين ألزمهم كلمة التقوى من أهل التقوى. وإن كان المراد من قوله عز وجل :﴿هو أهل التقوى﴾ هو(٩) الله سبحانه وتعالى فتأويله :{ أنه أهل تقى ](١٠) الزلة والعثرة في حقوقه تعالى. والوجه فيه أن المرء في الشاهد إنما يتقي الزلة والعثرة إلى آخر لإحدى خصال ثلاث : إحداها : لما يرى من افتقاره وحاجته إليه يتقي(١١) العثرة تبجيلا وتعظيما. [ والثانية ](١٢) : لما يرى من قدرته وسلطانه على الانتقام منه[ يتقي زلته ](١٣). [ والثالثة ](١٤) : لكثرة نعمه وأياديه[ يتقي زلته ](١٥) استحياء منه. وإذا كانت هذه الأشياء، هي الداعية إلى الاتقاء، والخلائق بأجمعهم مفتقرون ومُحتاجون إلى الله تعالى، وله القدرة والسلطان عليهم، وهو المنعم على كل أحد، فهو أهل أن يعظم، ويوقر، وأن تخاف نقمته، ويستحيى منه. ومن اتقي صار أهلا لأن يغفر. وجائز أن يكون معنى قوله عز وجل :﴿هو أهل التقوى﴾ أي هو بأن يسأل عما(١٦) يتقى من النار لقوله(١٧) تعالى :﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾[آل عمران: ١٣١] وقوله(١٨) :﴿قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾[التحريم: ٦]. ثم علمنا وجه الاتقاء بقوله :﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾[البقرة: ٢٠١] فبين أن الاتقاء أن يفرغ[ المرء ](١٩) إلى الله تعالى، ويتضرع إليه، ليقيه(٢٠) بفضله ورحمته، وقال :﴿إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدوا﴾[فاطر: ٦]. فأمرنا، جل جلاله، بالناصية مع الشيطان للمحاربة، وأخبر أن محاربته أن نفزع إلى الله تعالى بالاستعاذة بقوله تعالى :﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾[الأعراف: ٢٠٠] وقوله(٢١) تعالى في آية أخرى :﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾الآية[المؤمنون: ٩٧]. فهو أهل أن يطلب منه ما يقي به، وأهل أن يستعاذ به لدفع كيد العدو﴿وأهل المغفرة﴾ أي أهل أن يطلب منه المغفرة. جعلنا الله تعالى من أهل التقوى والذين منّ عليهم بالمغفرة. وقال بعضهم :﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ أي هو أهل أن يُتّقى منه، وأهل أن يغفر لمن اتقاه. والله المستعان[ والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين ](٢٢).

القيامة 75:1

سُورَةُ الْقِيَامَةِ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)، اختلف في تأويله: فمنهم من ذكر: أنه أقسم اللَّه تعالى بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة، ذكر ذلك عن الحسن، ويكون معناه: لأقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة. لكن ذكر عنه أنه يقول في قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ. وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ. وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ): إن القسم يقع على البلد ووالد وما ولد، والوالد هو آدم عليه السلام، وما ولد جملة أولاده عليه السلام، فإذا كان القسم جائزا بالوالد والمولود جميعا، كانت النفس اللوامة داخلة في جملة المولود فقد أقسم بالنفس اللوامة عنده؛ فلا معنى للرد هاهنا ثم موقع " لا " في قوله: (لَا أُقْسِمُ) وتأويله - يذكر في قوله: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) في سورة يذكر فيها الكبد. ومنهم من ذكر أن القسم وقع بهما جميعا، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه. ثم صرف بعض أهل التأويل معنى القسم إلى قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)، وجعله موضع القسم، فإن كان على هذا، فالإشكال عليه أن يقول قائل: كيف أكد أمر البعث، وجمع العظام بالقسم بيوم القيامة، وقد جرى من القوم الذين احتج عليهم بهذه الآية الإنكار بيوم القيامة، فكأنه أكد القسم بشيء جرى به الإنكار؟ والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يكون القسم منصرفا إلى الحكمة التي توجب القول بالبعث؛ إذ قد بينا في غير موضع: أنه بالبعث ما خرج خلق هذا العالم مخرج الحكمة، ولولا البعث، لكان خلقه عبثا باطلا، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)، كأنه قال: لا أقسم بحكمته الداعية إلى كون القيامة كذا أن يكون كذا. وجائز أن يكون القسم في الحقيقة بالدلائل والبراهين التي من تفكر وأمعن النظر فيها، حمله ذلك على القول بالبعث، وإذا كان محتملا صح القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة؛ لأن التفكر في النفس اللوامة والاعتبار بها يدعو إلى القول بالبعث. ثم العادة جرت على القسم بالأشياء التي عظم خطرها، وجل قدرها في القلوب؛ وجلالة خطرها يكون بأحد وجهين: إما بما كثرت منافعها؛ فيكون خطرها مشاهدا معروفا. أو بعظم خطرها بالدلائل والأخبار، فالسماوات والأرضون قد عرف الخلق جلالة أقدارهما بالعيان؛ بما كثرت منافع الخلق بهما. وعظم يوم القيامة بما جل خطره في القلوب؛ وثبت القول بكونه بالدلالات والبراهين. ثم قد وصفنا أن اللَّه - تعالى - أقسم بأشياء؛ لتأكيد ما يعرف بيانه ويجب القول به لولا القسم لو أمعن النظر فيه؛ وأعملت فيه الروية؛ لذلك استقام القسم بها، واللَّه أعلم. واختلف في النفس اللوامة: قَالَ بَعْضُهُمْ: النفس اللوامة هي النفس الكافرة، تلوم ربها في الدنيا أبدا في تضييق العيش عليها، وتشكو ربها من الفقر والإقتار عليها، مع كثرة نعم اللَّه عليها وإحسانه إليها. ومنهم من صرف التأويل إلى كل نفس مؤمنة كانت أو كافرة، فهي تلوم غيرها؛ لتعاطيها أشياء قد تعاطت نفسه مثلها، وامتحنت بها، والحق على كل أحد ألا يلوم أخاه بما تعاطى فعلا قد أتى هو ذلك الفعل بعينه أو مثله، ولكنها أنشئت كذلك لوامة، كما قال: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا). ومنهم من ذكر أن هذا يكون في الآخرة، فالكافر إذا أيقن بالعذاب وما حل به من نقمة اللَّه تعالى ند على ما فرط في جنب اللَّه، وأدركته الحسرة؛ فعند ذلك يلوم نفسه،

القيامة 75:3

والمؤمن إذا عاين الثواب يلوم نفسه لما أمسك عن المعصية وتاب، وأطال المقام في المحراب؛ وأبصر للعاملين بالطاعة حسن المآب، وللعاصي نفسه بما شذ منه وغاب، عند كمال القوة وعنفوان الشباب، وقال: كيف لم أزدد في العمل؛ لأزداد في الثواب! ومنهم من خص الكافر في الآخرة باللوم على نفسه، وهذا أظهر؛ لأن المسلم إذا أكرم بالثواب فشكره لذلك يشغله عن اللوم على نفسه؛ فلا يتفرغ له. ولأن اللَّه - تعالى - يضاعف له من الحسنات، ويعطيه من الدرجات زيادة على ما استوجبه بعمله؛ فضلا منه وإنعاما، فكيف يلوم نفسه بتقصيرها في العمل، وهو يعلم أن ما وصل إليه من الكرامات، لم ينل جملتها بعمله، بل بفضل اللَّه تعالى وبكرمه، والله أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣): فقوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ) وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فليس هو باستفهام؛ ولكنه تحقيق حسبان من الإنسان؛ فجائز أن يكون ما حمله على الحسبان هو أن القدرة لا تنتهي إلى هذا في أن تجمع العظام وتؤلف بعد تفتتها وتلاشيها، فيدفع حسبانه هذا بقوله: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)، فمن تفكر في النشأة الأولى، علم أن القدرة تنتهي إلى جمع العظام بعد أن صارت رميما، وأن الذي قدر على إنشائها لقادر على جمعها بعد تفريقها. وجائز أن يكون حسب أن العظام لا تجمع بعد تفريقها؛ لأنها لو جمعت بعد التفريق، لم تكن تفرق بعد أن وجدت مجموعة؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد لا يقصد إلى نقض ما بنى؛ ليعيده مرة أخرى إلى الجهة المتقدمة، ومن فعل ذلك كان عابثا في هدمه، ولم يكن حكيما، فإن كان هذا المعنى هو الذي حمله على الحسبان، فجوابه أن يقال بأن الجمع الأول وقع لمكان المحنة والابتلاء، والجمع بعد التفريق لمكان الجزاء؛ فإذا كان الجمع الثاني لغير الوجه الذي وقع له الجمع في الابتداء، كان مستقيما صحيحًا، وإنما يخرج عن حد الحكمة إذا لم تكن الإعادة إلا للوجه الذي وقع الابتداء له؛ ألا ترى أن الذي نقض بناءه إذا أعاده لا للوجه الذي كان بني أول مرة، لم ينكر عليه. وفيما ذكرنا رد قول الباطنية؛ لأنهم زعموا أن هذه الأنفس تتلاشى وتتلف؛ فلا تبعث،

القيامة 75:4

وأن البعث يقع على الأنفس الروحانية، ولو كان كما زعموا، لم يكن لقوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ) معنى؛ لأن العظام لا تجمع على قولهم بعدما صارت رميمة؛ فيكون الأمر إذن على ما وقع في حسبان هذا الإنسان؛ فلا معنى للرد عليه بقوله: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ)؛ ألا ترى أن الذي حمله على الإنكار لجمع العظام بعد تفريقها هو أنه لم ير هذا موجودا في الشاهد، ولو كان الأمر على ما زعمت الباطنية، لكان الإنكار مدفوعا؛ إذ وجد النفس الروحانية مبعوثة في الشاهد بعد توفيها، وقال اللَّه تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)، فأخبر أن الأنفس التي أنشئت أول مرة هي التي تحيا، لا غير. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤): فمنهم من حمل هذه الآية على الابتداء، وزعم أنه ليس فيها جواب لما يقتضيه قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ). ومنهم من ذكر أن قوله: (بَلَى)، جواب لقوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)، فاكتفى بقوله: (بَلَى) بما سبق منه من الدلالات والحجج على القول بالبعث؛ فاقتصر على قوله: (بَلَى) على الوصل بما تقدم من الدلالات. ومنهم من جعل جوابه في قوله: (قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ)، معنى تسوية البنان: هو الجعل من عظم واحد، مجموعا غير متفرق، مثل خف البعير، وحافر الدواب. ووجه الاستدلال: أنهم أقروا بأن اللَّه تعالى قادر على أن يسوي البنان؛ لما رأوا التسوية موجودة في الدواب، ثم الجمع بعد التفريق أظهر وجودا وأيسر فعلا من تسوية البنان؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يقدر على التأليف والجمع بين أشياء متفرقة، ويعجز عن تسوية البنان؛ فإذا كانت التسوية أعسر وجودا من الجمع بعد التفريق، ثم وصفوا اللَّه تعالى بالقدرة على تسوية البنان، فكيف أنكروا قدرته على جمع العظام بعد تفريقها؟ تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرا!!. ومنهم من يقول بأن اللَّه تعالى لما لم يسو بين بنان الإنسان، وسوى بين بنان الدواب؛ ليصل إلى الأخذ والإعطاء، وإلى التقديم والتأخير، والقبض والبسط، وأنواع المنافع التي

القيامة 75:5

خص بها من نحو ما يملكون بالبنان تسخير الدواب والأنعام؛ فعلم بالتفريق بين الدواب وبينهم أن البشر هم المقصودون بالمحنة، وألا يتركهم سدى، لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يستأديهم شكر ما أنعم اللَّه عليهم؛ وقد ائتمر البعض وعصى البعض؛ فلا بد من دار أخرى للمجازاة؛ فالنظر في هذا يحمله على القول بالبعث والجزاء. ولأن الاستواء يقع في الابتداء، والجمع بعد التفريق يكون عند الإعادة، والعقول تشهد على أن أمر الإعادة أيسر من أمر الابتداء، فإذا لم يتعذر عليه الاستواء في الابتداء؛ فأنى يعسر عليه إعادة الجمع مع قدرته على الجمع في الابتداء؟ ولأنهم لما لم يخلقوا مستوية البنان، فليعلموا أن في ترك الاستواء حكمة، ولو كان الأمر على ما قدروا أن لا بعث لكان ذلك يخرج عن حد الحكمة؛ فيكون فيما ذكر تثبيت البعث والقول بالقدرة على جمع العظام بعد تفرقها، وتفتتها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥): قال أهل التفسير: يؤخر التوبة، ويقدم المعصية، ويقول: " سوف أتوب "، فيأتيه الموت على شر حاله. وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون ذكر الإرادة لا على تحقيقها؛ ولكن من فعل شيئا فعله على الإرادة والاختيار، فكنى بالإرادة عن الفعل، لأنها تقترن بالفعل؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، ولم يظن أحد من الكفرة أن السماء والأرض خلقتا باطلًا، ولكن خلقهما خرج على الحكمة بالبعث والجزاء، ففي ترك القول بالبعث وصف بأن خلقهما للعب والباطل، ويؤدي إلى هذا؛ فيصير كأنهم قالوا ذلك، وظنوا كذلك؛ فعلى هذا يحمل الأمر على الظن، لا أن وجد منهم الظن في الحقيقة؛ فكذلك إذا فعلوا فعل الفجور، وكان فعلهم على الإرادة والاختيار؛ فكأنهم أرادوا أن يفجروا أمامهم، لا أن كانت الإرادة منهم متحققة لذلك مقصودا. وجائز أن يكون ذلك على تحقيق الإرادة، وذلك أن للشر والفجور سبلا من سلكها أفضى به إلى أن يستحق اسم الفجور، وللخير والهدى سبلا من سلكها أفضى به الأمر إلى

القيامة 75:6

أن يستحق اسم البر والتقوى، فإنما صار إلى الفجور وإلى أنواع الشرور بسلوكه ذلك السبيل، وصار مريدا من هذه الجهة. ثم قوله: (أَمَامَهُ)، يحتمل وجهين: أحدهما: فيما بقي من عمره؛ لأنه يترك الاستهداء والاسترشاد، ويمضي على العادة التي عود نفسه على ذلك من الشرور والضلال. ويحتمل أن يكون الأمام هو يوم القيامة، ثم قال في موضع: (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا)، بعد ذكر ذلك اليوم بالأمام والوراء جميعا؛ فيكون قوله: (وَرَاءَهُمْ)، أي: وراء الأوقات التي خلت ومضت؛ فعلى اعتبار الإضافة إلى الأوقات الماضية يكون يوم القيامة وراءها، وعلى اعتبار الإضافة إلى ذلك الفاجر يكون أماما؛ لأنه يكون أمام هذا الفاجر؛ فكذلك استقام الوصف بالأمام والوراء جميعا. ثم ذكر الفجور، ولم يذكر الكفر وإن كان الإنسان الذي يريد أن يفجر أمامه كافرًا؛ لأن في ذكر الفجور تعييرًا وتشيينًا؛ إذ هو اسم للتعيير خاصة، وليس في نفس الكفر تعيير؛ إذ كل أحد -مؤمنا كان أو كافرا- مؤمن بشيء كافر بشيء، فالكافر من حيث اسمه لم يصر قبيحا؛ بل بمعناه ما قبح؛ فكان الفجور أبلغ في التعيير من الكفر؛ فسمي به، واللَّه أعلم. وقال أبو بكر: معنى قوله: (يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)، أي: يريد أن يعاين يوم القيامة، ويعلم به أنه متى هو؟ تفسيره على أثره. قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) أي: يريد أن يعلمه بسؤاله متى هو؟ فأخبر أنها تقوم إذا (بَرِقَ الْبَصَرُ)، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) سؤاله هذا سؤال تعنت واستهزاء؛ لما ذكرنا أنه ليس في تعرف وقت كونه مزجر ولا مرغب، وإنَّمَا يقع الزجر والرغبة بتذكير الأحوال التي تكون في ذلك اليوم؛ فلذلك ذكر الأحوال التي تكون في ذلك اليوم، ولم يوقفهم على ذلك الوقت متى يكون؟ إذ ليس في معرفة وقته كثير حكم، فيجيبهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بجواب الحكماء، لا أن يجيبهم بجواب مثلهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧): قيل: دهش وتحير، ثم اختلف بعد هذا: فمنهم من صرف هذا إلى حالة الموت. ومنهم من ذكر أن هذه الأحوال تكون يوم القيامة. وإلى أي الحالين صرف التأويل، فهو مستقيم؛ لأن المنكر بالبعث إذا جاءه بأس الله تعالى، ورأى ما حل به من الأهوال - أيقن بالبعث، وعلم به. ثم إن كان المراد به حالة الموت؛ فقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) يخرج على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأن بصره إذا دهش وتحير، صار بحيث لا ينتفع ببصر وجهه، ولا ببصر قلبه، لا يرى ضوء القمر؛ فيصير القمر كالمنخسف، وتصير الشمس والقمر كالمجموعين، ولا يرى ضوء الشمس ولا نور القمر؛ فيصير النهار عليه ليلا، والليل نهارا؛ شغلا بما حل به من البلايا والأهوال، وهو كما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والآخرة جنة المؤمن وسجن الكافر "، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من كره لقاء اللَّه، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء اللَّه، أحب اللَّه لقاءه " فصرفوا تأويل هذين الخبرين إلى حالة الموت؛ وذلك أن الكافر يعاين في ذلك الوقت ما أوعد من الأهوال والشدائد؛ فكره مفارقة روحه من جسده؛ لئلا يقع في تلك الأهوال والشدائد، وتصير الدنيا له في ذلك الوقت كالجنة، لا يجب مفارقتها. والمؤمن إذا عاين ما وعد له من البشارات، وأنواع الكرامات، ود الخروج من الدنيا؛ ليصل إلى ما أعد له؛ فتصير الدنيا عليه كالسجن في ذلك الوقت؛ فيكون هذا كله على التمثيل من الوجه الذي ذكرنا. وإن كان ذلك على يوم القيامة، فهو على تحقيق الخسف، وجمع الشمس والقمر. وقوله - عز وجل -: (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ): يحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (أَيْنَ الْمَفَرُّ)، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي. أو يقول: إلى أين أفر؟ وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من العذاب؟ واللَّه أعلم. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ):

القيامة 75:7

الآية ٧ : ثم قوله تعالى :﴿فإذا برق البصر﴾ قال بعضهم : إذا شخص البصر نحو الداعي يوم القيامة، وهو كقوله عز وجل :﴿ليوم تشخص فيه الأبصار﴾[إبراهيم: ٤٢] فيشخص ببصره إلى الداعي، لأنه قد علم أن الذي حلّ به من بأس الله تعالى هو لامتناعه عن الإجابة للداعي في هذه الدنيا، فيتسارع يوم القيامة في إشخاص بصره إلى الداعي ابتداء منه إلى إجابة الداعي.

القيامة 75:8

قَالَ بَعْضُهُمْ: إذا شخص البصر نحو الداعي يوم القيامة، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)، فيشخص ببصره إلى الداعي؛ لأنه قد علم أن الذي حل به من بأس اللَّه تعالى هو لامتناعه عن الإجابة للداعي في هذه الدنيا؛ فيسارع يوم القيامة في إشخاص بصره إلى الداعي؛ ابتدارا منه إلى إجابة الداعي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) أي ذهب ضوءه ونوره؛ ففيه أن أن عالم في ذلك اليوم يغير ويبدل، كقوله - تعالى -: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)، وقال: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً)، وقال: (يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا). وقوله - تعالى -: (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩): فيه أن سلطانهما يذهب؛ فلا يعملان عملهما بعد ذلك. ثم من الناس من زعم أنهما يجمعان يوم القيام كالبعيرين القرينين، أو الثورين القرينين، فيلقيان في النار، ويعذبان بها. وذكر عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه أنكر هذا، وقال: " إنهما خَلقان لله تعالى، طائعان له - عَزَّ وَجَلَّ - ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ)، يدأبان في طاعة اللَّه تعالى، ومن كان هذا وصفه؛ فلا يجوز أن يعذب ". وعندنا أن إلقاءهما إن ثبت، فهما يلقيان في النار؛ ليعذب بهما غيرهما، وهم الذين عبدوهما من دون اللَّه تعالى، وذلك كقوله - عز وجل -: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) الآية، ومعلوم أن الأصنام التي عبدت من دون اللَّه لا تعذب بالنار، ولكنها تجعل حصبا ونارا يعذب بها من عبدها، وقال اللَّه تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً)، ولا يجوز أن يكون الملائكة يمسهم أذى النار، بل هم الذين يُعَذّبُون؛ فعلى ذلك الشمس والقمر إن ثبت أنهما يلقيان في النار، فهما يلقيان؛ ليعذب بهما من عبدهما، لا أن يعذبا بأنفسهما، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) جائز أن يكون قوله: (أَيْنَ الْمَفَرُّ) على طلب الحيلة أن كيف أحتال إلى أن أفر؟ وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من بأس اللَّه وعذابه؟! ويحتمل أن يكون قوله: (أَيْنَ الْمَفَرُّ)، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي؛

القيامة 75:9

الآية٩ : وقوله تعالى :﴿وجمع الشمس والقمر﴾ ففيه أن سلطانهما يذهب فلا يعملان عملهما بعد ذلك. ثم من الناس من زعم أنهما يجمعان يوم القيامة كالبعيرين القريبين أو الثورين القريبين، فيلقيان في النار، ويعذبان بها. وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه أنكر هذا، وقال :/ ٦١٦ – أ/ إنهما خلقا الله تعالى طائعان له عز وجل ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾[إبراهيم: ٣٣] يدأبان في طاعة الله تعالى. ومن كان هذا وصفه فلا يجوز أن يعذب ؟. وعندما أن إلقاءهما، إن ثبت، فهما يلقيان في النار ليعذب بهما غيرهما، وهم الذين عبدوها من دون الله تعالى، وذلك كقوله عز وجل :﴿وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾[الأنبياء: ٩٨] الآية. ومعلوم بأن الأصنام التي عبدت من دون الله تعالى، لا تعذب بالنار، ولكنها تجعل حصبا ونارا يعذب بها من عبدها. وقال الله تعالى :﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة﴾[المدثر: ٣١] ولا يجوز أن يكون الملائكة يمسهم أذى النار، بل هم الذين يعذبون. فعلى ذلك الشمس والقمر، إن ثبت أنهما في النار، فهما ليعذب بهما من عبدهما لا أن يعذبا نفساهما، والله أعلم.

القيامة 75:10

الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿يقول الإنسان يومئذ أين المفر﴾ فجائز أن يكون قوله :﴿أين المفر﴾ على طلب الحيلة أن كيف أحتال إلى أن أفرّ، أو إلى من ألتجئ لأتخلص من بأس الله وعذابه ؟. ويحتمل أن يكون قوله :﴿أين المفر﴾ أي ليس لي موضع فرار عما حلّ بي لإيقانه أن ليس له مفر. وجائز أن يكون هذا كله عند الموت على ما ذكرنا.

القيامة 75:11

لإيقانه أن ليس له مفر. وجائز أن يكون هذا كله عند الموت على ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا لَا وَزَرَ (١١). وذكر أهل التأويل أن الوزر هو الجبل بلغة حمير. وذكر عن الحسن قال: كانت العرب يخيف بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض؛ فكان يكون الرجلان في ماشيتهما فلا يشعران حتى يريا نواصي الخيل، فيقول أحدهما لصاحبه: الوزر الوزر، يعني: الجبل؛ فكأنه يقول: ليس لهما إذ ذاك تفريج ولا تسل من الأحزان كما يتسلى من يأوي إلى الجبل في الدنيا عن بعض ما يحل به من الأفزاع. وقيل: الوزر: الملجأ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) فتأويله: أنه ينبأ من أول ما عمل إلى آخر ما انتهى إليه عمله؛ كقوله: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا). وقال بعض أهل التأويل: بما قدم من أنواع الطاعة، وما أخر من حق اللَّه تعالى من اللوازم التي كانت عليه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بما أعلن، وأسر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: بما قدم في حياته من أعمال، وما أخر، أي: ما سن من سنة، فاستن بها بعد موته. وقد ذكرنا أنه باللطف من اللَّه تعالى ما يعلم بالذي قدم من الأعمال وأخرها، فيتذكر بذلك حتى يصير ما كتب في الكتاب حجة عليه؛ وإلا فالمرء في هذه الدنيا إذا كتب كتابا، ثم أتت عليه مدة، لم يتذكر جميع ما كتب فيه، ولا وقف على علم ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥): هذا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون أراد بهذا في الدنيا: أن الإنسان بصير بعمل نفسه، وإن جادل عنها: أنه لم يفعل ذلك، وأسر ذلك عن الناس، (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، أي: أرخى الستور بما كسبت نفسه، والمعذار هو الستر. والوجه الثاني: أن يكون في الآخرة، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن الإنسان وإن كان يعتذر يوم القيامة بقوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، وقال: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)، فيقدمون على الحلف؛ اعتذارا منهم على العلم منهم أنهم مبطلون في جدالهم. والثاني: أن يكون معنى البصيرة: الشاهد، أي: أن الإنسان على نفسه شاهد يوم القيامة بسوء أفعاله، (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، أي: وإن ستر على نفسه، شهدت عليه جوارحه، وذلك نحو قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ...) الآية. فَإِنْ قِيلَ: إن الإنسان مذكر، كيف وصف بالبصر بلفظة التأنيث بقوله: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)، ولم يقل " بصير "؟ فجوابه من أوجه: أحدها: ما قيل: إن الإنسان تسمية جنسٍ فيه الجماعة، لا أن يكون تسمية للشخص الواحد فقط؛ ألا ترى إلى قوله: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، استثنى الذين آمنوا من قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، ولا يستثنى الجماعة من الواحد، وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، فاستثنى الذين آمنوا من الإنسان؛ فثبت أن الإنسان تسمية جنس، والجنس جماعة، وتكون الجماعة مضمرة فيه؛ كأنه قال: إن جماعة الناس على أنفسهم بصيرة؛ فيكون قوله: (بَصِيرَةٌ) راجعا إلى الجماعة، واللَّه أعلم. وجواب ثان قوله: (بَصِيرَةٌ) وصف للإنسان بالغاية من البصر بكل ما عمل، حتى لا يعزب عنه شيء، والهاء قد تدخل في خطاب المذكر عند الوصف بالمبالغة؛ كقولك: فلان علامة ونسابة، وراوية للشعر، وبالغة في النحو. والثالث: أن الإنسان تسمية ما يراه بجوارحه كلها من الأيدي والأرجل والسمع والبصر

القيامة 75:12

الآيتان : ١٢و١٣ : وقوله تعالى :[ ﴿إن ربك يومئذ المستقر﴾ ](١) ﴿ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخّر﴾ فتأويله : أنه ينبأ من أول ما عمل إلى آخر ما انتهى إليه عمله كقوله :﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾[الكهف: ٤٩]. وقال بعض أهل التأويل :﴿بما قدم﴾ من أنواع الطاعة﴿وأخر﴾ من حق الله تعالى من اللوازم التي كانت عليه. وقال بعضهم : بما أعلن، وستر. وقال بعضهم :﴿بما قدم﴾ في حياته من أعمال﴿وأخر﴾ ما سنّ من سنة، فاستن [ به ](٢) بعد موته. وقد ذكرنا أنه باللطف من الله تعالى ما لم يعلم بالذي قدّم من الأعمال، وأخرها، فيتذكر بذلك حتى يصير ما كتب في الكتاب حجة عليه، وإلا فالمرء في هذه الدنيا إذا كتب كتابا، ثم أتت عليه مدة، لم يتذكر جميع ما كتب فيه، ولا وقف على علم ذلك. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..

القيامة 75:13

الآيتان : ١٢و١٣ : وقوله تعالى :[ ﴿إن ربك يومئذ المستقر﴾ ](١) ﴿ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخّر﴾ فتأويله : أنه ينبأ من أول ما عمل إلى آخر ما انتهى إليه عمله كقوله :﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾[الكهف: ٤٩]. وقال بعض أهل التأويل :﴿بما قدم﴾ من أنواع الطاعة﴿وأخر﴾ من حق الله تعالى من اللوازم التي كانت عليه. وقال بعضهم : بما أعلن، وستر. وقال بعضهم :﴿بما قدم﴾ في حياته من أعمال﴿وأخر﴾ ما سنّ من سنة، فاستن [ به ](٢) بعد موته. وقد ذكرنا أنه باللطف من الله تعالى ما لم يعلم بالذي قدّم من الأعمال، وأخرها، فيتذكر بذلك حتى يصير ما كتب في الكتاب حجة عليه، وإلا فالمرء في هذه الدنيا إذا كتب كتابا، ثم أتت عليه مدة، لم يتذكر جميع ما كتب فيه، ولا وقف على علم ذلك. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ من م، ساقطة من الأصل..

القيامة 75:14

الآيتان ١٤و١٥ : وقوله تعالى :﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾﴿ولو ألقى معاذيره﴾ هذا يخرج على وجهين : أحدهما : جائز أن يكون أراد بهذا في الدنيا أن الإنسان بصير بعمل نفسه، وإن جادل عنها أنه لم يفعل ذلك، وأسر ذلك عن [ الناس ](١)﴿ولو ألقى معاذيره﴾ أي ألقى الستور بما كسبت نفسه، والمعذار هو الستر. والوجه الثاني : أن يكون في الآخرة، وهو يحتمل وجهين : أحدهما : أن الإنسان وإن كان يعتذر يوم القيامة بقوله :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾[ النعام : ٢٣ ] وقوله(٢) :﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم﴾[المجادلة: ١٨] فيقدمون على الحلف اعتذارا منهم[ على العلم منهم ](٣) أنهم مبطلون في جدالهم. والثاني : أن يكون معنى البصيرة الشاهد أي أن الإنسان على نفسه[ شاهد يوم القيامة بسوء أفعاله، وإن ألقى معاذيره، أي وإن ](٤) شهدت عليه جوارحه، وذلك نحو قوله عز وجل :﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾[يس: ٦٥] وقوله تعالى :﴿شهد عليهم سمعهم وأبصارهم﴾ الآية[فصلت: ٢٠]. فإن قيل : إن الإنسان مذكّر كيف وصفه(٥) بالبصيرة بلفظة التأنيث بقوله :﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ ولم يقل : بصير ؟ فجوابه من أوجه : أحدها : ما قيل : إن الإنسان تسمية جنس، فيه الجماعة، ولا أن يكون تسمية للشخص الواحد فقط. ألا ترى إلى قوله :﴿والعصر﴾﴿إن الإنسان لفي خسر﴾﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾[ العصر : ١و٢و٣ ] استثنى الذين آمنوا من قوله :﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ولا تستثنى الجماعة من الواحد، وكذلك قوله عز وجل :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية[ التين : ٤و٥و٦ ] فاستثنى الذين آمنوا من الإنسان، فثبت أن الإنسان تسمية جنس، والجنس جماعة، وتكون الجماعة مضمرة فيه ؛ كأنه قال : إن جماعة الناس على أنفسهم بصيرة، فيكون قوله﴿بصيرة﴾ راجعا إلى الجماعة، والله أعلم. [ والثاني ](٦) : قوله :﴿بصيرة﴾ وصف للإنسان بالغاية من البصر بكل ما عمل حتى لا يغرب عنه شيء، والهاء قد تدخل في خطاب المذكر عند الوصف بالمبالغة كقولك : فلان علاّمة ونسّابة ورواية للشعر وبالغة في النحو والثالث : أن الإنسان تسمية ما يراه بجوارحه كلها من الأيدي والأرجل والسمع والبصر والرأس، ونحو ذلك : نفس أمارة بالسوء، فتصير جوارحه كلها بصيرة أي شاهدة عليه بما قدم، وأخر. وجائز أن يكون هذا على الإضمار، فيكون قوله :﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ أي نفس الإنسان بصيرة بما عملت. ثم من الناس من يثبت للجوارح العلم بما كسبت نفسه حتى تصير شاهدة عليه يوم القيامة لقوله :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾[النور: ٢٤] ولو لم يكن لها العلم بما قدمت نفسه لا تشهد بما لا تعلم. وليس الأمر عندنا على ما زعموا لأنها لو علمت بذلك لكان صاحبها يصل إلى العلم من جهتها. ألا ترى أن القلب لما ثبتت له المعرفة وقع لصاحبه العلم من جهته ؟ كذلك السمع لما جعل منه وقع لصاحبه علم المسموع به، ولما كان بعينه يبصر الأشياء كان علم البصر واقعا من جهتها. فلما لم يقع له العلم بيديه ولا برجليه ولا بشيء من جوارحه سوى القلب علم أنه لا حظّ لها في المعرفة، ولكن جعلت هي شاهدة وحجة يوم القيامة، تشهد على صاحبها بما يحدث الله تعالى فيها علما ضروريا بذلك، لا أن كان لها علم بالذي شهدت قبل ذلك كما جعلت ناطقة(٧) في ذلك الوقت، لا أن كان النطق فيها موجودا من قبل، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل و م: وقال.. ٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٥ في الأصل و م: وصف.. ٦ في الأصل و م: وجواب ثان.. ٧ في الأصل و م: نطقة..

القيامة 75:15

الآيتان ١٤و١٥ : وقوله تعالى :﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾﴿ولو ألقى معاذيره﴾ هذا يخرج على وجهين : أحدهما : جائز أن يكون أراد بهذا في الدنيا أن الإنسان بصير بعمل نفسه، وإن جادل عنها أنه لم يفعل ذلك، وأسر ذلك عن [ الناس ](١)﴿ولو ألقى معاذيره﴾ أي ألقى الستور بما كسبت نفسه، والمعذار هو الستر. والوجه الثاني : أن يكون في الآخرة، وهو يحتمل وجهين : أحدهما : أن الإنسان وإن كان يعتذر يوم القيامة بقوله :﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾[ النعام : ٢٣ ] وقوله(٢) :﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم﴾[المجادلة: ١٨] فيقدمون على الحلف اعتذارا منهم[ على العلم منهم ](٣) أنهم مبطلون في جدالهم. والثاني : أن يكون معنى البصيرة الشاهد أي أن الإنسان على نفسه[ شاهد يوم القيامة بسوء أفعاله، وإن ألقى معاذيره، أي وإن ](٤) شهدت عليه جوارحه، وذلك نحو قوله عز وجل :﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾[يس: ٦٥] وقوله تعالى :﴿شهد عليهم سمعهم وأبصارهم﴾ الآية[فصلت: ٢٠]. فإن قيل : إن الإنسان مذكّر كيف وصفه(٥) بالبصيرة بلفظة التأنيث بقوله :﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ ولم يقل : بصير ؟ فجوابه من أوجه : أحدها : ما قيل : إن الإنسان تسمية جنس، فيه الجماعة، ولا أن يكون تسمية للشخص الواحد فقط. ألا ترى إلى قوله :﴿والعصر﴾﴿إن الإنسان لفي خسر﴾﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾[ العصر : ١و٢و٣ ] استثنى الذين آمنوا من قوله :﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ولا تستثنى الجماعة من الواحد، وكذلك قوله عز وجل :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية[ التين : ٤و٥و٦ ] فاستثنى الذين آمنوا من الإنسان، فثبت أن الإنسان تسمية جنس، والجنس جماعة، وتكون الجماعة مضمرة فيه ؛ كأنه قال : إن جماعة الناس على أنفسهم بصيرة، فيكون قوله﴿بصيرة﴾ راجعا إلى الجماعة، والله أعلم. [ والثاني ](٦) : قوله :﴿بصيرة﴾ وصف للإنسان بالغاية من البصر بكل ما عمل حتى لا يغرب عنه شيء، والهاء قد تدخل في خطاب المذكر عند الوصف بالمبالغة كقولك : فلان علاّمة ونسّابة ورواية للشعر وبالغة في النحو والثالث : أن الإنسان تسمية ما يراه بجوارحه كلها من الأيدي والأرجل والسمع والبصر والرأس، ونحو ذلك : نفس أمارة بالسوء، فتصير جوارحه كلها بصيرة أي شاهدة عليه بما قدم، وأخر. وجائز أن يكون هذا على الإضمار، فيكون قوله :﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ أي نفس الإنسان بصيرة بما عملت. ثم من الناس من يثبت للجوارح العلم بما كسبت نفسه حتى تصير شاهدة عليه يوم القيامة لقوله :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾[النور: ٢٤] ولو لم يكن لها العلم بما قدمت نفسه لا تشهد بما لا تعلم. وليس الأمر عندنا على ما زعموا لأنها لو علمت بذلك لكان صاحبها يصل إلى العلم من جهتها. ألا ترى أن القلب لما ثبتت له المعرفة وقع لصاحبه العلم من جهته ؟ كذلك السمع لما جعل منه وقع لصاحبه علم المسموع به، ولما كان بعينه يبصر الأشياء كان علم البصر واقعا من جهتها. فلما لم يقع له العلم بيديه ولا برجليه ولا بشيء من جوارحه سوى القلب علم أنه لا حظّ لها في المعرفة، ولكن جعلت هي شاهدة وحجة يوم القيامة، تشهد على صاحبها بما يحدث الله تعالى فيها علما ضروريا بذلك، لا أن كان لها علم بالذي شهدت قبل ذلك كما جعلت ناطقة(٧) في ذلك الوقت، لا أن كان النطق فيها موجودا من قبل، والله أعلم. ١ من م، ساقطة من الأصل.. ٢ في الأصل و م: وقال.. ٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل و م.. ٥ في الأصل و م: وصف.. ٦ في الأصل و م: وجواب ثان.. ٧ في الأصل و م: نطقة..

القيامة 75:16

والرأس وغير ذلك، وفيها نفس أمارة بالسوء؛ فتصير جوارحه كلها بصيرة، أي: شاهدة عليه بما قدم وأخر. وجائز أن يكون هذا على الإضمار؛ فيكون قوله: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)، أي: نفس الإنسان بصيرة بما عملت. ثم من الناس من يثبت للجوارح العلم بما كسبت نفسه؛ حتى تصير شاهدة عليه يوم القيامة بقوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، ولو لم يكن لها العلم بما قدمت نفسه، لكانت لا تشهد بما لا تعلم. وليس الأمر عندنا على ما زعموا؛ لأنها لو علمت بذلك، لكان صاحبها يصل إلى العلم من جهتها؛ ألا ترى أن القلب لما ثبت له المعرفة، وقع لصاحبه العلم من جهته، وكذلك السمع لما حصل فيه السمع، وقع لصاحبه علم المسموع به، ولما كان بعينه يبصر الأشياء كان علم البصر واقعا من جهتها؛ فلما لم يقع له العلم بيديه، ولا برجليه، ولا بشيء من جوارحه سوى القلب - علم أنه لا حظ لها في المعرفة، ولكن جعلت هي شاهدة وحجة يوم القيامة تشهد على صاحبها، بما يحدث اللَّه تعالى فيها علما ضروريا بذلك، لا أن كان لها علم بالذي شهدت قبل ذلك، كما جعلت نطوقة في ذلك الوقت، لا أن كان النطق فيها موجودا من قبل، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ): هذا كلام مبتدأ منفصل عن الأول، وذكر أهل التأويل أن جبريل - عليه السلام - كان إذا أتى نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالوحي، فكان لا يفرغ من آخر آية حتى يقول نبي اللَّه - عليه السلام - في أولها؛ مخافة النسيان، على ما عليه عرف الخلق أنهم إذا أرادوا وعي الكلام وحفظه، كرروها بألسنتهم؛ كي يضبطوها ولا ينسوها؛ فكان النبي - عليه السلام - يفعل ذلك؛ خشية النسيان؛ فَنُهي عن ذلك بقوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)، وهو كقوله: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ). وهذا عندنا مما لا يجوز أن نشهد على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يحرك لسانه قبل مجيء هذه الآية، ويستذكره؛ مخافة النسيان إلا بأخبار متواترة؛ لأن هذا في حق الشهادة على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ولا تجوز الشهادة على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يفعل كذلك إلا بتواتر الأخبار، فأما أن يثبت بخبر واحد فلا. ولا يقال بأنه لو لم يتقدم منه التحريك، لكان لا معنى للنهي؛ فإنه ليس فيه ما يثبت مقالتهم، ويصحح تأويلهم، ويسوغ لهم الشهادة؛ لأنه يستقيم في الابتداء أن ينهى فيقال: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ)، ولا تفعل كذا، وإن لم يسبق منه ارتكاب ذلك الفعل، ولا تقدم منه تحريك لسان؛ فثبت أنه ليس في ضمن هذه الآية بيان ما ادعوا. هذا إذا ثبت أن قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ)، وقوله: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)، على النهي؛ فكيف وهو يحتمل معنى آخر غير النهي، وهو أن يكون هذا على البشارة له بالكفاية: أن قد كفيت مؤنة الاستذكار للحفظ، وهذا من عظيم آيات الرسالة أن السورة تلقى عليه؛ فيحفظها كما هي، مما يشتد على الناس حفظه وقراءته إلا أن يتكلفوا، ويجتهدوا في ذلك؛ فيعلم بهذا أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هو الذي أقدره على ذلك، وجعله آية من آياته، واللَّه أعلم. ثم الأصل أن من ألقى إلى آخر كلاما متتابعا، نظر في ذلك الكلام: فإن كان القصد منه حفظ عين الكلام، فإن المخاطب به لا ينتظر فراغ المتكلم عن ذلك الكلام، بل يشتغل بالتقائه وتحفظه ساعة ما يلقى إليه، كمن ينشد بين يدي آخر شعرًا، وأراد الآخر أن يحفظ ذلك الشعر ويعيه، فهو لا ينتظر فراغ المنشد عن شعره، بل هو يأخذ بالتقائه في أول ما يسمع منه؛ إذ الغرض من الأشعار حفظ أعينها دون معانيها؛ ألا ترى أن الألفاظ إذا حذفت منها خرجت عن أن تكون شعرا. وأما إذا لم يكن القصد من الكلام ضبط عينه، وإنما أريد به تفهيم ما أودع فيه من المعنى، فالعادة في مثله الإصغاء إلى آخر الكلام؛ ليفهم معناه، وما يراد به؛ ألا ترى أن من كتب إلى آخر كتابا فإن المكتوب إليه يقرأ الكتاب من أوله إلى آخره؛ ليعرف مراد الكتاب، لا أن يشتغل بضبط ما أودع به من الألفاظ؛ إذ ليس يقصد بالكتابة إلى حفظ الألفاظ.

القيامة 75:17

فإذا كان المراد يتوجه من الكلام إلى ما ذكرنا، ثم القرآن قصد به الوجهان جميعا: ضبط حروفه ونظمه، وتعرف ما أودع فيه من المعاني؛ إذ صار حجة بنظمه ولفظه، وبالمعاني المودعة فيه - فقيل: لا تعجل بتحريك اللسان كما يفعل من يريد التقاء الكلام الذي يلقى إليه؛ فإنك وإن أحوجت إلى حفظ نظمه وحروفه، فقد كفيت حفظه بدون تحريك اللسان. وجائز أن يكون نُهي عن تحريك اللسان والمبادرة إلى حفظه قبل أن يُقضى إليه بالوحي؛ لما فيه من ترك التعظيم لمن يأتيه بالوحي، فأمر أن يصغي إليه سمعه، ويستمع إلى آخره؛ تعظيما للذي أتاه بالوحي، وتوقيرا له. ثم هذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأن من قولهم: إن القرآن لم ينزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مؤلفا منظوما؛ بل أنزل على قلبه كالخيال، فصوره بقلبه، وألفه بلسانه؛ فأتى بتأليف، عجز الآخرون عن أن يؤلفوا مثله. ونحن نقول: بل أنزل هذا القرآن مؤلفا منظوما على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ولم يكن التأليف من فعله؛ والذي يدل على صحة مقالتنا قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ)؛ لأن التأليف لو كان من فعله - عليه السلام - لكان لا يوجد منه تحريك اللسان وقتما تزل عليه؛ لأنه إذا كان كالخيال فهو يحتاج إلى أن يصوره في قلبه، ثم يصل إلى التأليف بعد التصوير، وتتأتى له العبارة باللسان، وإنما يقع التحريك من مؤلَّف منظوم؛ ثبت أنه أُنزل هذا مؤلف منظوم. والثاني: أنه قال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)، فهذه الآية نفت طعن أُولَئِكَ الكفرة الذين زعموا أن هذا ليس بقرآن، بل إنما علمه فلان، وكان لسان ذلك البشر أعجميا، وهذا القرآن عربي؛ فكيف يستقيم أن يعلمه ذلك البشر، ولسانه غير هذا اللسان، ولو كان هذا القرآن وقتما أنزل كالخيال، لكان ذلك الطعن قائما؛ لأنه كان يؤلفه، ويجمعه باللسان العربي، وإن علم بالأعجمية لما قدر أن يؤلفه، وينظمه بعد أن كان خيالا باللسان العربي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧):

القيامة 75:18

فقوله: (عَلَيْنَا) يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن علينا في حق الوعد جمعه وقرآنه؛ لأنه قد سبق منا الوعد في الكتب المتقدمة بإنزال هذا القرآن وإرسال هذا الرسول؛ فعلينا إنجاز ذلك الوعد ووفاؤه. أو علينا في حق الحكمة جمعه؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أمر بتبليغ الرسالة، ولا يتهيأ له ذلك إلا بعد أن يجمع له فيؤديه إلى الخلق. ولأن اللَّه تعالى حكيم في فعله؛ ففعله موصوف بالحكمة، وإن لم نعرف نحن وجه الحكمة في فعله. وجائز أن يكون قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) في حق الرحمة والرأفة على الخلق، لا أن يكون ذلك حقا لهم قبله تعالى، وهو كقوله - تعالى -: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ...) إلى قوله: (إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)، فأخبر أنه أبقى القرآن، ولم يذهب به؛ رحمة منه على عباده وفضلا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَقُرْآنَهُ)، أي: قراءته، وتسميته: قرآنا؛ كما قيل في تأويل قوله: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ)، أي: جعلناه فرقانا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨): أي: جمعناه في قلبك، أو جمعنا حدوده، وما أودع فيه من المعاني. أو جمعناه بعد أن فرقناه في التنزيل. وقوله: (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) اتباعه يكون بأوجه: في أن يبلغه إلى الخلق، ويعلم أمته، ويتبع حلاله، ويجتنب حرامه، وغير ذلك. وقوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩): جائز أن يكون قوله: (عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، أي: بيان ما أنزلناه إليك مجملا؛ فيكون بيانه في تعريف ما هو بحق الائتمار، وما هو في حق الجواز، وما هو في حق التحسين والتزيين؛ لأن الفرائض لها شعب وأركان وحواشٍِ. أو نقول: فيها فرائض، ولوازم، وآداب، وأركان. على هذا ففيه منع تعليق الحكم بظاهر المخرج؛ لأنه لو كان متعلقا به، لكان البيان منقضيا بنفس المنزل؛ فلا يحتاج إلى أن يبين، وفيه دلالة تأخير البيان عن وقت وقوع الخطاب في السمع.

القيامة 75:19

الآية ١٩ : وقوله تعالى :﴿ثم إن علينا بيانه﴾ جائز أن يكون قوله :﴿علينا بيانه﴾ أي بيان ما أنزلناه مجملا، فيكون بيانه في تعريف ما هو بحق الإتمام وما هو في حق الجواز وما هو في حق التحسين والتزيين، لأن الفرائض لها شعب وأركان وحواش، أو نقول : فيها فرائض ولوازم وآداب وأركان على هذا، وفيه منع تعليق الحكم بظاهر المخرج، لأنه لو كان متعلقا به لكان البيان منقضيا بنفس المنزل، فلا يحتاج إلى أن يبين. وفيه دلالة تأخير البيان عن وقت قرع(١) الخطاب السمع، ويحتمل أن يكون قوله عز وجل :﴿ثم إن علينا بيانه﴾ أي بيان ما هو بحق الكنايات والنتائج منها، وما هو بحق الأصول والفروع، وما هو بحق المقصود. فيبين لرسوله عليه السلام معنى الأصول والكنايات ليتعرف به[ على ](٢) فروعها ونتائجها، ويبين لمن بعده من جاهد في الله حق جهاده، ويهديه لذلك[ كما ](٣) قال الله تعالى :﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾[العنكبوت: ٦٩] أو يكون قوله :﴿ثم إن علينا بيانه﴾ في أن يحفظك، ويعصمك، لتتمكن من تبليغ ما أنزل إليك إلى الخلق، وتبين لهم، والله أعلم. ووجه آخر أن رسول الله ﷺ بعث إلى كل من كان شاهدا من الخلائق إلى يوم التنادي، ثم لم يمكن من تبليغ الرسالة إلى كل أحد مما ذكرنا بنفسه، فكأنه ضمن عن رسول الله ﷺ التبليغ إلى الخلائق كافة بما شاء، جل جلاله، إما بتسخير الرواة والحفّاظ والعلماء ليبلغوا عن رسول الله ﷺ ما أدي إليهم، وإما(٤) بكون قوله :﴿ثم إن علينا بيانه﴾ أي بيان المحق من المبطل والوليّ من العدوّ ؛ وذلك يكون يوم القيامة، فيعرف الأولياء بما يحيّون من الكرامات، ويتبين الأعداد/٦١٧ – أ/ والمبطلون ما يحل بهم من الحساب وأنواع العذاب. ١ في الأصل و م: وقوع.. ٢ ساقطة من الأصل و م.. ٣ ساقطة من الأصل و م.. ٤ في الأصل و م: أو..

القيامة 75:20

ويحتمل أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَيْنَا بَيَانَهُ) أي: بيان ما هو بحق الكنايات والنتائج منها، ما هو بحق الأصول والفروع، وما هو بحق المقصود، فبين لرسوله - عليه السلام - معنى الأصول والكنايات؛ ليتعرف به فروعها ونتائجها، ويبين لمن بعده ممن جاهد في اللَّه حق جهاده، ويهديه لذلك، قال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا). أو يكون قوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) في أن نحفظك ونعصمك من الناس؛ لتمكن من تبليغ ما أنزل إليك إلى الخلق، وتبين لهم، واللَّه أعلم. ووجه آخر: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بعث إلى كل من كان شاهدا من الخلائق إلى يوم التناد، ثم لم يمكن من تبليغ الرسالة إلى كل أحد مما ذكرنا بنفسه؛ فكأنه ضمن عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - التبليغ إلى الخلائق كافة بما شاء - جل جلاله - بتسخير الرواة والحفاظ والعلماء ليبلغوا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما أدى إليهم. أو يكون قوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)، أي: بيان المحق من المبطل، والولي من العدو، وذلك يكون يوم القيامة؛ فيعرف الأولياء بما يجنون من الكرامات، ويبين للأعداء والمبطلين ما يحل بهم من الحساب وأنواع العذاب. * * * قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ). فقوله: (كَلَّا) ردع ومنع عما سبق منهم. وفي قوله: (بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) إبانة أن الذي حملهم على ما هم فيه من الحسبان: أن العظام لا تجمع، وأن البعث ليس بشيء - حبهم العاجلة، وذلك أنهم أولعوا بالعاجلة، وأحبوها حبا أنساهم عن الإيمان بالآخرة، أو عن النظر في الحجج والبراهين التي لو أمعنوا النظر فيها أدتهم إلى القول بالبعث، وحتى صاروا إلى ألا يرجوا الآخرة كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا...) الآية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥): ففيه بيان ما ينتهي إليه عواقب من التزم طاعة اللَّه تعالى، وآمن بالبعث والحساب، وبيان ما ينتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته؛ فقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) جائز أن يكون أريد بها نفس الوجوه. وجائز أن يكون أريد بها الأنفس، وتكون الوجوه كناية عنها، والذي يدل على أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ)، والوجوه لا تظن ذلك، ولا تعلم به، فثبت أن ذكر الوجوه على الكناية، لا أن أريد بها أعينها، فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ، وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر، ونالت شهوتها، ظهر سرور ذلك في وجهه، وإذا تألمت بأمر فاعتراها الحزن، ظهر أثر الحزن في وجهه؛ فيكون في قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) وصف لهم بما هم عليه من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك. وإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات، ووصلوا إلى أنواع اللذات، لم يبق لقوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) موضع، إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر؛ فيكون في هذا إثبات القول بالرؤية. والثاني: أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق، إذا قربوا إنسانا لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرمه به؛ فجائز أن يكون اللَّه تعالى يكرم أولياءه بالنظر إليه، ويتفضل عليهم لذلك. وجائز أن يكون قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) منصرفا إلى انتظار الثواب؛ كما قاله بعض أهل التأويل، فتنتظر ما يأتيها من التحف والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه؛ فجائز أن يكون بعد تلك الكرامات كرامات وتحف أخر لم تأتهم بعد؛ ألا ترى إلى قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه وتكلح؛ فإذا لم يحل بهَؤُلَاءِ بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات لم ينتهوا بعدُ إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها؛ وإنما أكرموا ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد. وجائز أن يكون قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، أي: نجعل نظرها فيما أكرمت إلى اللَّه تعالى، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، واللَّه أعلم. وجائز أن يكون قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما ينتهي إليه نظره؛ بل يكون وراء ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) إلى ذلك. ويحتمل: أي: إلى أمر ربها ناظرة. وإذا كان قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيناها - لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد؛ لا بل ظاهره يُحِيلُ القول بالرؤية؛ فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل. فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل على إحالة الرؤية، فليس له قطع هذا التأويل، وصرف التأويل إلى انتظار الكرامات؛ فيكون الآية حجة في جواز الرؤية، وإن لم تكن حجة في الوجوب، والخلاف فيهما واحد. واحتج من نفى صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية بأن قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ) هو مقابل قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)، وقوله: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) مقابل قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ثم لم يكن قوله: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) على فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه؛ فكذلك قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها؛ ولكن واقع على الثواب نفسه. وجواب هذا الفصل من وجهين: أحدهما: أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب، لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسود الوجوه وتكلحها، ليس في بسورها؛ فلذلك استقام أن يكون قوله: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) على نفس العذاب، وأهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات بما وصفوا بنضارة الوجوه؛ فاستقام أن يكون قوله: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) منصرفا إلى حقيقة النظر، لا إلى غيره من الكرامات. ولأن الرؤية من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعها؟! أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى؛ فجائز أن يكرموا بالرؤية أيضا. والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت؛ كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - ولما جاء في غيرِ خبرٍ النظرُ إلى اللَّه تعالى، وقد قال - عليه السلام -: " إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته " وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية، ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم، وذلك غير مستقيم لوجهين: أحدهما: أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة، ولو كان المراد من الرؤية العلم، لارتفع الاختصاص؛ لأن العلم به مما يقع به الاشتراك بين الفريقين. ولأن كلا يجمع على العلم باللَّه تعالى في الآخرة، العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب، والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم العيان والمشاهدة، لا علم الاستدلال؛ لأن الآيات لا تضطر أهلها إلى العلم الحقيقي؛ ألا ترى إلى قوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى...)، وقال: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، وقال: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ)، فإذا ثبت ما ذكرنا، فقد صاروا مثبتين للرؤية من الوجه الذي أرادوا نفيها؛ فتثبت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن اللَّه تعالى، ولا نصف الرؤية بالكيفية؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة؛ وهو يُرى بلا كيف، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) جائز أن يكون الظن في موضع العلم هاهنا. وجائز أن يكون على حقيقة الظن، وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء، فالأسباب إذا كثرت، وازدحمت، وقع بها العلم، وإذا قلت وخفيت، لم يقع بها علم؛ فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل جانب حتى وقع له اليأس من النجاة، وأيقن أنه يفعل به الشر. وجائز أن يكون الأمر بعد لم يبلغ مبلغ الإياس؛ فيتوقع النجاة، ولا يتيقن أن يفعل به فاقرة، بل يكون منه على ظن، واللَّه أعلم. والفاقرة: قيل: الشر، والمنكر، والداهية. وقيل: الفقير: هو كسير الظهر، والفقر: الكسر، والفقار: عظم في الظهر يكسر، فكأن عظم الظهر يكسر في الآخرة ويسحب في النار على وجهه.

القيامة 75:21

الآيتان ٢٠و٢١ : وقوله تعالى :﴿كلا بل تحبون العاجلة﴾﴿وتذرون الآخرة﴾ يقول :﴿كلا﴾ ردع ومنع عما سبق منهم. وفي قوله :﴿بل تحبون العاجلة﴾ إبانة أن الذي حملهم على ما هم فيه من الحسبان أن العظام، لا تجمع، وأن البعث، ليس بشيء، وحبهم(١) العاجلة ؛ وذلك أنهم أولعوا بالعاجلة، وأحبوها حبا أنساهم الإيمان(٢) بالآخرة والنظر(٣) في الحجج والبراهين التي لو أمعنوا النظر فيها أدّتهم إلى القول بالبعث، حتى صاروا إلى ألا يرجوا الآخرة كقوله :﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا﴾الآية[يونس: ٧]. ١ الواو ساقطة من الأصل و م.. ٢ أدرج قبلها في الأصل و م: عن.. ٣ في الأصل و م: أو عن النظر..

القيامة 75:22

الآيات ٢٢و٢٣و٢٤و٢٥ : وقوله تعالى :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [ يحتمل وجوها : أحدها ](١) : ما تنتهي إليه عواقب من التزم طاعة الله، وآمن بالبعث والحساب، وبيان ما تنتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته. فقوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ جائز أن يكون أريد بها الأنفس، وتكون الوجوه كناية عنها. والذي يدل على أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ والوجوه لا تظن ذلك، ولا تعلم له. فثبت أن ذكر الوجوه على الكناية لا أن يريد بها أعينها. فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ. وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس ؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر، ونالت شهوتها، ظهر سرور ذلك في وجهه، وإذا تألمت بأمر، واعتراها الحزن ظهر أثر الحزن في وجهه. فيكون في قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وصف لهم بما هم عليه من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك. فإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات، ووصلوا إلى أنواع الملذات، لم يبق لقوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ موضع إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر، فيكون في هذا إثبات القول بالرؤية. والثاني : أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق إذا قربوا إنسانا، لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم(٢) الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرم به. فجائز أن يكون الله تعالى يكرم أولياءه بالنظر إليه، ويتفضل عليهم بذلك. [ والثالث ](٣) : جائز أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ منصرفا إلى انتظار الثواب كما قاله بعض أهل التأويل، فتنتظر ما يأتيها من التحف والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه، وجائز أن يكون بعد تلك الكرامات تحف أخر، لم تأتهم بعد. ألا ترى إلى قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ ؟ والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه، وتكلح. فإذا لم يحل بهؤلاء بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات، بعد لم ينتهوا إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها، وإنما أكرموا ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد. [ والرابع ](٤) : جائز أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ أن يجعلها ناظرة(٥) في ما أكرمت إلى الله تعالى، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، والله أعلم. [ والخامس ](٦) : جائز أن يكون قوله﴿إلى ربها ناظرة﴾ أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما ينتهي إليه نظره، بل يكون قدر(٧) ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ إلى ذلك. [ والسادس : جائز أن يكون ](٨) : إلى أمر ربها ناظرة. وإذا كان قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيّنّاها، لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد، لا بل ظاهره يحيل القول بالرؤية، فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل. فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل إلى حالة الرؤية فليس له قطع هذا التأويل، وصرف التأويل إلى انتظار الكرامات، فتكون الآية حجة في جواز[ الرؤية ](٩) وإن لم تكن حجة في الوجوب(١٠)، والخلاف فيهما واحد. واحتج من صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية أن قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ هو مقابل قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وقوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾[ لا ](١١) على فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه. فكذلك قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها، ولكن واقع على الثواب نفسه. وجواب هذا الفصل من وجهين : أحدهما : أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسوّد الوجوه وتكلّحها، ليس في بسورها. فلذلك استقام أن يكون قوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ على نفس العذاب. [ والثاني : أن ](١٢) أهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات، فوصفوا(١٣) بنضارة الوجوه، فاستقام أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ منصرفا إلى رفيع حقيقة النظر لا إلى غيره من الكرامات. ولأن الرؤية[ من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعا ؟. أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى، فجائز أن يكرموا بالرؤية ](١٤) أيضا. والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت كما قال عز وجل :﴿جاء أمرنا﴾[ هود : ٤٠و. . . ] في غير خبر النظر إلى الله تعالى، وقد قال عليه السلام :( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته )[ البخاري : ٦٥٧٣ ومسلم ١٨٢/٢٩٩ ]. وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية. ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم ؛ وذلك غير مستقيم لوجهين : أحدهما : أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة. ولو كان المراد من الرؤية العلم لارتفع الاختصاص. [ والثاني ](١٥) : لأن العلم مما يقع به الاشتراك بين الفريقين، ولأن كلا[ منهما ](١٦) يجمع على(١٧) العلم بالله تعالى في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب. والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم الاستدلال لأن الآيات لا يضطر أهلها إلى الحقيقي. ألا ترى إلى قوله :﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى﴾[ النعام : ١١١ ] وقوله(١٨) :﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾[الأنعام: ٢٣] وقوله(١٩) :﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء﴾ ؟ [المجادلة: ١٨]. فإذا ثبت ما ذكرنا فقد صاروا مثبتين للرؤية من[ الوجوه التي ](٢٠) أرادوا نفيها، وثبتت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله تعالى، ولا نصف الرؤية بالكيفية ؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، وهو يرى بلا كيف ؟ والله الموفق. وقوله تعالى :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ فجائز أن يكون الظن في موضع العلم ههنا، وجائز أن يكون على حقيقة الظنّ ؛ وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء، فالأسباب إذا كثرت، وازدحمت، وقع بها العلم، وإذا قلت، وخفيت، لم يقع بها علم. فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل جانب حتى وقع البأس من النجاة، وأيقن أنه يفعل به الشر. وجائز أن يكون الأمر(٢١) بعد لم يبلغ مبلغ الإياس، فيتوقع النجاة، ولا يتيقن أنه يفعل بها فاقرة، بل يكون منه ظن، والله أعلم. والفاقرة : قيل : الشر والمنكر والداهية، وقيل : الفقير هو كسير الظهر، والفقر الكسر، والفقار عظم في الظهر يكسر. فكان عظم الظهر يكسر في الآخرة، ويسحب في النار على وجهه. قال : رحمه الله : كأن هذه السورة من أولها إلى/ ٦١٧ – ب/ أخرها إلا آيات منها، وهي(٢٢) قوله تعالى :﴿بل تحبون العاجلة﴾ ﴿وتذرون الآخرة﴾ ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [ الآيات : ٢٠ -٢٥ ]. نزلت في تبيين معاملة أحد من الكفرة على الإشارة(٢٣) إليه مع رسول الله ﷺ ليشترك في حكم من يشاركه في معاملته. فأمر الله نبيه عليه السلام أن يعامله، ويستقبله بالذي[ يحق ](٢٤) على الحكماء معاملة السفهاء، ولم يأمره أن يعامله [ مثل معاملة ](٢٥) السفهاء. وبين معاملته في هذه السورة ليعلم أمته ما لقي رسول الله ﷺ من الجهد والبلاء في إظهار دين الله تعالى، فيعلموا قدره ومنزلته، ويعظموا دين الله تعالى بما نالوه سمحا وسهلا. وأمره أن يعامل[ من ](٢٦) معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشركة بقوله :﴿أولى لك فأولى﴾ ﴿ثم أولى لك فأولى﴾[ الآيتان : ٣٤و٣٥ ] والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: بركة.. ٣ في الأصل و م: و.. ٤ في الأصل و م: و.. ٥ في الأصل و م: و.. ٦ في الأصل و م: و.. ٧ في م: بعد.. ٨ في الأصل و م: ويحتمل أي.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ في الأصل و م: الوجوه.. ١١ ساقطة من الأصل و م.. ١٢ في الأصل و م: و.. ١٣ من م، ساقطة من الأصل.. ١٤ من م، ساقطة من الأصل.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ من م، في الأصل: علم.. ١٨ في الأصل و م: وقال.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ في الأصل و م: الوجه الذي.. ٢١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: الأمن.. ٢٢ في الأصل و م: وهو.. ٢٣ من م، في الأصل: الاستتارة.. ٢٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٢٥ في الأصل و م: مثله من.. ٢٦ ساقطة من الأصل و م..

القيامة 75:23

الآيات ٢٢و٢٣و٢٤و٢٥ : وقوله تعالى :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [ يحتمل وجوها : أحدها ](١) : ما تنتهي إليه عواقب من التزم طاعة الله، وآمن بالبعث والحساب، وبيان ما تنتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته. فقوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ جائز أن يكون أريد بها الأنفس، وتكون الوجوه كناية عنها. والذي يدل على أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ والوجوه لا تظن ذلك، ولا تعلم له. فثبت أن ذكر الوجوه على الكناية لا أن يريد بها أعينها. فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ. وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس ؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر، ونالت شهوتها، ظهر سرور ذلك في وجهه، وإذا تألمت بأمر، واعتراها الحزن ظهر أثر الحزن في وجهه. فيكون في قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وصف لهم بما هم عليه من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك. فإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات، ووصلوا إلى أنواع الملذات، لم يبق لقوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ موضع إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر، فيكون في هذا إثبات القول بالرؤية. والثاني : أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق إذا قربوا إنسانا، لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم(٢) الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرم به. فجائز أن يكون الله تعالى يكرم أولياءه بالنظر إليه، ويتفضل عليهم بذلك. [ والثالث ](٣) : جائز أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ منصرفا إلى انتظار الثواب كما قاله بعض أهل التأويل، فتنتظر ما يأتيها من التحف والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه، وجائز أن يكون بعد تلك الكرامات تحف أخر، لم تأتهم بعد. ألا ترى إلى قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ ؟ والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه، وتكلح. فإذا لم يحل بهؤلاء بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات، بعد لم ينتهوا إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها، وإنما أكرموا ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد. [ والرابع ](٤) : جائز أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ أن يجعلها ناظرة(٥) في ما أكرمت إلى الله تعالى، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، والله أعلم. [ والخامس ](٦) : جائز أن يكون قوله﴿إلى ربها ناظرة﴾ أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما ينتهي إليه نظره، بل يكون قدر(٧) ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ إلى ذلك. [ والسادس : جائز أن يكون ](٨) : إلى أمر ربها ناظرة. وإذا كان قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيّنّاها، لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد، لا بل ظاهره يحيل القول بالرؤية، فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل. فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل إلى حالة الرؤية فليس له قطع هذا التأويل، وصرف التأويل إلى انتظار الكرامات، فتكون الآية حجة في جواز[ الرؤية ](٩) وإن لم تكن حجة في الوجوب(١٠)، والخلاف فيهما واحد. واحتج من صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية أن قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ هو مقابل قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وقوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾[ لا ](١١) على فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه. فكذلك قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها، ولكن واقع على الثواب نفسه. وجواب هذا الفصل من وجهين : أحدهما : أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسوّد الوجوه وتكلّحها، ليس في بسورها. فلذلك استقام أن يكون قوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ على نفس العذاب. [ والثاني : أن ](١٢) أهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات، فوصفوا(١٣) بنضارة الوجوه، فاستقام أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ منصرفا إلى رفيع حقيقة النظر لا إلى غيره من الكرامات. ولأن الرؤية[ من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعا ؟. أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى، فجائز أن يكرموا بالرؤية ](١٤) أيضا. والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت كما قال عز وجل :﴿جاء أمرنا﴾[ هود : ٤٠و... ] في غير خبر النظر إلى الله تعالى، وقد قال عليه السلام :( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته )[ البخاري : ٦٥٧٣ ومسلم ١٨٢/٢٩٩ ]. وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية. ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم ؛ وذلك غير مستقيم لوجهين : أحدهما : أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة. ولو كان المراد من الرؤية العلم لارتفع الاختصاص. [ والثاني ](١٥) : لأن العلم مما يقع به الاشتراك بين الفريقين، ولأن كلا[ منهما ](١٦) يجمع على(١٧) العلم بالله تعالى في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب. والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم الاستدلال لأن الآيات لا يضطر أهلها إلى الحقيقي. ألا ترى إلى قوله :﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى﴾[ النعام : ١١١ ] وقوله(١٨) :﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾[الأنعام: ٢٣] وقوله(١٩) :﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء﴾ ؟ [المجادلة: ١٨]. فإذا ثبت ما ذكرنا فقد صاروا مثبتين للرؤية من[ الوجوه التي ](٢٠) أرادوا نفيها، وثبتت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله تعالى، ولا نصف الرؤية بالكيفية ؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، وهو يرى بلا كيف ؟ والله الموفق. وقوله تعالى :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ فجائز أن يكون الظن في موضع العلم ههنا، وجائز أن يكون على حقيقة الظنّ ؛ وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء، فالأسباب إذا كثرت، وازدحمت، وقع بها العلم، وإذا قلت، وخفيت، لم يقع بها علم. فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل جانب حتى وقع البأس من النجاة، وأيقن أنه يفعل به الشر. وجائز أن يكون الأمر(٢١) بعد لم يبلغ مبلغ الإياس، فيتوقع النجاة، ولا يتيقن أنه يفعل بها فاقرة، بل يكون منه ظن، والله أعلم. والفاقرة : قيل : الشر والمنكر والداهية، وقيل : الفقير هو كسير الظهر، والفقر الكسر، والفقار عظم في الظهر يكسر. فكان عظم الظهر يكسر في الآخرة، ويسحب في النار على وجهه. قال : رحمه الله : كأن هذه السورة من أولها إلى/ ٦١٧ – ب/ أخرها إلا آيات منها، وهي(٢٢) قوله تعالى :﴿بل تحبون العاجلة﴾ ﴿وتذرون الآخرة﴾ ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [ الآيات : ٢٠ -٢٥ ]. نزلت في تبيين معاملة أحد من الكفرة على الإشارة(٢٣) إليه مع رسول الله ﷺ ليشترك في حكم من يشاركه في معاملته. فأمر الله نبيه عليه السلام أن يعامله، ويستقبله بالذي[ يحق ](٢٤) على الحكماء معاملة السفهاء، ولم يأمره أن يعامله [ مثل معاملة ](٢٥) السفهاء. وبين معاملته في هذه السورة ليعلم أمته ما لقي رسول الله ﷺ من الجهد والبلاء في إظهار دين الله تعالى، فيعلموا قدره ومنزلته، ويعظموا دين الله تعالى بما نالوه سمحا وسهلا. وأمره أن يعامل[ من ](٢٦) معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشركة بقوله :﴿أولى لك فأولى﴾ ﴿ثم أولى لك فأولى﴾[ الآيتان : ٣٤و٣٥ ] والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: بركة.. ٣ في الأصل و م: و.. ٤ في الأصل و م: و.. ٥ في الأصل و م: و.. ٦ في الأصل و م: و.. ٧ في م: بعد.. ٨ في الأصل و م: ويحتمل أي.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ في الأصل و م: الوجوه.. ١١ ساقطة من الأصل و م.. ١٢ في الأصل و م: و.. ١٣ من م، ساقطة من الأصل.. ١٤ من م، ساقطة من الأصل.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ من م، في الأصل: علم.. ١٨ في الأصل و م: وقال.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ في الأصل و م: الوجه الذي.. ٢١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: الأمن.. ٢٢ في الأصل و م: وهو.. ٢٣ من م، في الأصل: الاستتارة.. ٢٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٢٥ في الأصل و م: مثله من.. ٢٦ ساقطة من الأصل و م..

القيامة 75:24

الآيات ٢٢و٢٣و٢٤و٢٥ : وقوله تعالى :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [ يحتمل وجوها : أحدها ](١) : ما تنتهي إليه عواقب من التزم طاعة الله، وآمن بالبعث والحساب، وبيان ما تنتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته. فقوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ جائز أن يكون أريد بها الأنفس، وتكون الوجوه كناية عنها. والذي يدل على أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ والوجوه لا تظن ذلك، ولا تعلم له. فثبت أن ذكر الوجوه على الكناية لا أن يريد بها أعينها. فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ. وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس ؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر، ونالت شهوتها، ظهر سرور ذلك في وجهه، وإذا تألمت بأمر، واعتراها الحزن ظهر أثر الحزن في وجهه. فيكون في قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وصف لهم بما هم عليه من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك. فإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات، ووصلوا إلى أنواع الملذات، لم يبق لقوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ موضع إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر، فيكون في هذا إثبات القول بالرؤية. والثاني : أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق إذا قربوا إنسانا، لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم(٢) الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرم به. فجائز أن يكون الله تعالى يكرم أولياءه بالنظر إليه، ويتفضل عليهم بذلك. [ والثالث ](٣) : جائز أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ منصرفا إلى انتظار الثواب كما قاله بعض أهل التأويل، فتنتظر ما يأتيها من التحف والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه، وجائز أن يكون بعد تلك الكرامات تحف أخر، لم تأتهم بعد. ألا ترى إلى قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ ؟ والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه، وتكلح. فإذا لم يحل بهؤلاء بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات، بعد لم ينتهوا إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها، وإنما أكرموا ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد. [ والرابع ](٤) : جائز أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ أن يجعلها ناظرة(٥) في ما أكرمت إلى الله تعالى، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، والله أعلم. [ والخامس ](٦) : جائز أن يكون قوله﴿إلى ربها ناظرة﴾ أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما ينتهي إليه نظره، بل يكون قدر(٧) ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ إلى ذلك. [ والسادس : جائز أن يكون ](٨) : إلى أمر ربها ناظرة. وإذا كان قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيّنّاها، لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد، لا بل ظاهره يحيل القول بالرؤية، فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل. فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل إلى حالة الرؤية فليس له قطع هذا التأويل، وصرف التأويل إلى انتظار الكرامات، فتكون الآية حجة في جواز[ الرؤية ](٩) وإن لم تكن حجة في الوجوب(١٠)، والخلاف فيهما واحد. واحتج من صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية أن قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ هو مقابل قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وقوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾[ لا ](١١) على فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه. فكذلك قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها، ولكن واقع على الثواب نفسه. وجواب هذا الفصل من وجهين : أحدهما : أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسوّد الوجوه وتكلّحها، ليس في بسورها. فلذلك استقام أن يكون قوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ على نفس العذاب. [ والثاني : أن ](١٢) أهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات، فوصفوا(١٣) بنضارة الوجوه، فاستقام أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ منصرفا إلى رفيع حقيقة النظر لا إلى غيره من الكرامات. ولأن الرؤية[ من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعا ؟. أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى، فجائز أن يكرموا بالرؤية ](١٤) أيضا. والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت كما قال عز وجل :﴿جاء أمرنا﴾[ هود : ٤٠و... ] في غير خبر النظر إلى الله تعالى، وقد قال عليه السلام :( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته )[ البخاري : ٦٥٧٣ ومسلم ١٨٢/٢٩٩ ]. وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية. ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم ؛ وذلك غير مستقيم لوجهين : أحدهما : أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة. ولو كان المراد من الرؤية العلم لارتفع الاختصاص. [ والثاني ](١٥) : لأن العلم مما يقع به الاشتراك بين الفريقين، ولأن كلا[ منهما ](١٦) يجمع على(١٧) العلم بالله تعالى في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب. والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم الاستدلال لأن الآيات لا يضطر أهلها إلى الحقيقي. ألا ترى إلى قوله :﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى﴾[ النعام : ١١١ ] وقوله(١٨) :﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾[الأنعام: ٢٣] وقوله(١٩) :﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء﴾ ؟ [المجادلة: ١٨]. فإذا ثبت ما ذكرنا فقد صاروا مثبتين للرؤية من[ الوجوه التي ](٢٠) أرادوا نفيها، وثبتت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله تعالى، ولا نصف الرؤية بالكيفية ؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، وهو يرى بلا كيف ؟ والله الموفق. وقوله تعالى :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ فجائز أن يكون الظن في موضع العلم ههنا، وجائز أن يكون على حقيقة الظنّ ؛ وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء، فالأسباب إذا كثرت، وازدحمت، وقع بها العلم، وإذا قلت، وخفيت، لم يقع بها علم. فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل جانب حتى وقع البأس من النجاة، وأيقن أنه يفعل به الشر. وجائز أن يكون الأمر(٢١) بعد لم يبلغ مبلغ الإياس، فيتوقع النجاة، ولا يتيقن أنه يفعل بها فاقرة، بل يكون منه ظن، والله أعلم. والفاقرة : قيل : الشر والمنكر والداهية، وقيل : الفقير هو كسير الظهر، والفقر الكسر، والفقار عظم في الظهر يكسر. فكان عظم الظهر يكسر في الآخرة، ويسحب في النار على وجهه. قال : رحمه الله : كأن هذه السورة من أولها إلى/ ٦١٧ – ب/ أخرها إلا آيات منها، وهي(٢٢) قوله تعالى :﴿بل تحبون العاجلة﴾ ﴿وتذرون الآخرة﴾ ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [ الآيات : ٢٠ -٢٥ ]. نزلت في تبيين معاملة أحد من الكفرة على الإشارة(٢٣) إليه مع رسول الله ﷺ ليشترك في حكم من يشاركه في معاملته. فأمر الله نبيه عليه السلام أن يعامله، ويستقبله بالذي[ يحق ](٢٤) على الحكماء معاملة السفهاء، ولم يأمره أن يعامله [ مثل معاملة ](٢٥) السفهاء. وبين معاملته في هذه السورة ليعلم أمته ما لقي رسول الله ﷺ من الجهد والبلاء في إظهار دين الله تعالى، فيعلموا قدره ومنزلته، ويعظموا دين الله تعالى بما نالوه سمحا وسهلا. وأمره أن يعامل[ من ](٢٦) معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشركة بقوله :﴿أولى لك فأولى﴾ ﴿ثم أولى لك فأولى﴾[ الآيتان : ٣٤و٣٥ ] والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: بركة.. ٣ في الأصل و م: و.. ٤ في الأصل و م: و.. ٥ في الأصل و م: و.. ٦ في الأصل و م: و.. ٧ في م: بعد.. ٨ في الأصل و م: ويحتمل أي.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ في الأصل و م: الوجوه.. ١١ ساقطة من الأصل و م.. ١٢ في الأصل و م: و.. ١٣ من م، ساقطة من الأصل.. ١٤ من م، ساقطة من الأصل.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ من م، في الأصل: علم.. ١٨ في الأصل و م: وقال.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ في الأصل و م: الوجه الذي.. ٢١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: الأمن.. ٢٢ في الأصل و م: وهو.. ٢٣ من م، في الأصل: الاستتارة.. ٢٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٢٥ في الأصل و م: مثله من.. ٢٦ ساقطة من الأصل و م..

القيامة 75:25

الآيات ٢٢و٢٣و٢٤و٢٥ : وقوله تعالى :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [ يحتمل وجوها : أحدها ](١) : ما تنتهي إليه عواقب من التزم طاعة الله، وآمن بالبعث والحساب، وبيان ما تنتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته. فقوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ جائز أن يكون أريد بها الأنفس، وتكون الوجوه كناية عنها. والذي يدل على أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ والوجوه لا تظن ذلك، ولا تعلم له. فثبت أن ذكر الوجوه على الكناية لا أن يريد بها أعينها. فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ. وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس ؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر، ونالت شهوتها، ظهر سرور ذلك في وجهه، وإذا تألمت بأمر، واعتراها الحزن ظهر أثر الحزن في وجهه. فيكون في قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وصف لهم بما هم عليه من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك. فإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات، ووصلوا إلى أنواع الملذات، لم يبق لقوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ موضع إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر، فيكون في هذا إثبات القول بالرؤية. والثاني : أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق إذا قربوا إنسانا، لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم(٢) الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرم به. فجائز أن يكون الله تعالى يكرم أولياءه بالنظر إليه، ويتفضل عليهم بذلك. [ والثالث ](٣) : جائز أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ منصرفا إلى انتظار الثواب كما قاله بعض أهل التأويل، فتنتظر ما يأتيها من التحف والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه، وجائز أن يكون بعد تلك الكرامات تحف أخر، لم تأتهم بعد. ألا ترى إلى قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ ؟ والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه، وتكلح. فإذا لم يحل بهؤلاء بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات، بعد لم ينتهوا إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها، وإنما أكرموا ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد. [ والرابع ](٤) : جائز أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ أن يجعلها ناظرة(٥) في ما أكرمت إلى الله تعالى، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، والله أعلم. [ والخامس ](٦) : جائز أن يكون قوله﴿إلى ربها ناظرة﴾ أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما ينتهي إليه نظره، بل يكون قدر(٧) ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ إلى ذلك. [ والسادس : جائز أن يكون ](٨) : إلى أمر ربها ناظرة. وإذا كان قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيّنّاها، لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد، لا بل ظاهره يحيل القول بالرؤية، فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل. فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل إلى حالة الرؤية فليس له قطع هذا التأويل، وصرف التأويل إلى انتظار الكرامات، فتكون الآية حجة في جواز[ الرؤية ](٩) وإن لم تكن حجة في الوجوب(١٠)، والخلاف فيهما واحد. واحتج من صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية أن قوله :﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ هو مقابل قوله :﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ وقوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾[ لا ](١١) على فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه. فكذلك قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها، ولكن واقع على الثواب نفسه. وجواب هذا الفصل من وجهين : أحدهما : أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسوّد الوجوه وتكلّحها، ليس في بسورها. فلذلك استقام أن يكون قوله :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ على نفس العذاب. [ والثاني : أن ](١٢) أهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات، فوصفوا(١٣) بنضارة الوجوه، فاستقام أن يكون قوله :﴿إلى ربها ناظرة﴾ منصرفا إلى رفيع حقيقة النظر لا إلى غيره من الكرامات. ولأن الرؤية[ من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعا ؟. أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى، فجائز أن يكرموا بالرؤية ](١٤) أيضا. والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت كما قال عز وجل :﴿جاء أمرنا﴾[ هود : ٤٠و... ] في غير خبر النظر إلى الله تعالى، وقد قال عليه السلام :( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته )[ البخاري : ٦٥٧٣ ومسلم ١٨٢/٢٩٩ ]. وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية. ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم ؛ وذلك غير مستقيم لوجهين : أحدهما : أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة. ولو كان المراد من الرؤية العلم لارتفع الاختصاص. [ والثاني ](١٥) : لأن العلم مما يقع به الاشتراك بين الفريقين، ولأن كلا[ منهما ](١٦) يجمع على(١٧) العلم بالله تعالى في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب. والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم الاستدلال لأن الآيات لا يضطر أهلها إلى الحقيقي. ألا ترى إلى قوله :﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى﴾[ النعام : ١١١ ] وقوله(١٨) :﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾[الأنعام: ٢٣] وقوله(١٩) :﴿يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء﴾ ؟ [المجادلة: ١٨]. فإذا ثبت ما ذكرنا فقد صاروا مثبتين للرؤية من[ الوجوه التي ](٢٠) أرادوا نفيها، وثبتت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله تعالى، ولا نصف الرؤية بالكيفية ؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، وهو يرى بلا كيف ؟ والله الموفق. وقوله تعالى :﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ فجائز أن يكون الظن في موضع العلم ههنا، وجائز أن يكون على حقيقة الظنّ ؛ وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء، فالأسباب إذا كثرت، وازدحمت، وقع بها العلم، وإذا قلت، وخفيت، لم يقع بها علم. فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل جانب حتى وقع البأس من النجاة، وأيقن أنه يفعل به الشر. وجائز أن يكون الأمر(٢١) بعد لم يبلغ مبلغ الإياس، فيتوقع النجاة، ولا يتيقن أنه يفعل بها فاقرة، بل يكون منه ظن، والله أعلم. والفاقرة : قيل : الشر والمنكر والداهية، وقيل : الفقير هو كسير الظهر، والفقر الكسر، والفقار عظم في الظهر يكسر. فكان عظم الظهر يكسر في الآخرة، ويسحب في النار على وجهه. قال : رحمه الله : كأن هذه السورة من أولها إلى/ ٦١٧ – ب/ أخرها إلا آيات منها، وهي(٢٢) قوله تعالى :﴿بل تحبون العاجلة﴾ ﴿وتذرون الآخرة﴾ ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾ ﴿إلى ربها ناظرة﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ ﴿تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [ الآيات : ٢٠ -٢٥ ]. نزلت في تبيين معاملة أحد من الكفرة على الإشارة(٢٣) إليه مع رسول الله ﷺ ليشترك في حكم من يشاركه في معاملته. فأمر الله نبيه عليه السلام أن يعامله، ويستقبله بالذي[ يحق ](٢٤) على الحكماء معاملة السفهاء، ولم يأمره أن يعامله [ مثل معاملة ](٢٥) السفهاء. وبين معاملته في هذه السورة ليعلم أمته ما لقي رسول الله ﷺ من الجهد والبلاء في إظهار دين الله تعالى، فيعلموا قدره ومنزلته، ويعظموا دين الله تعالى بما نالوه سمحا وسهلا. وأمره أن يعامل[ من ](٢٦) معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشركة بقوله :﴿أولى لك فأولى﴾ ﴿ثم أولى لك فأولى﴾[ الآيتان : ٣٤و٣٥ ] والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ في الأصل و م: بركة.. ٣ في الأصل و م: و.. ٤ في الأصل و م: و.. ٥ في الأصل و م: و.. ٦ في الأصل و م: و.. ٧ في م: بعد.. ٨ في الأصل و م: ويحتمل أي.. ٩ من م، ساقطة من الأصل.. ١٠ في الأصل و م: الوجوه.. ١١ ساقطة من الأصل و م.. ١٢ في الأصل و م: و.. ١٣ من م، ساقطة من الأصل.. ١٤ من م، ساقطة من الأصل.. ١٥ ساقطة من الأصل و م.. ١٦ ساقطة من الأصل و م.. ١٧ من م، في الأصل: علم.. ١٨ في الأصل و م: وقال.. ١٩ في الأصل و م: وقال.. ٢٠ في الأصل و م: الوجه الذي.. ٢١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل و م: الأمن.. ٢٢ في الأصل و م: وهو.. ٢٣ من م، في الأصل: الاستتارة.. ٢٤ من م، ساقطة من الأصل.. ٢٥ في الأصل و م: مثله من.. ٢٦ ساقطة من الأصل و م..

القيامة 75:26

قال - رحمه اللَّه -: كان هذه السورة من أولها إلى آخرها إلا آيات منها؛ وهي قوله: قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) - نزلت في تبيين معاملة واحد من الكفرة على الإشارة إليه مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، يشترك في حكم من يشاركه في معاملته، فأمر اللَّه تعالى نبيه - عليه السلام - أن يعامله ويستقبله بالذي يحق على الحكماء معاملة السفهاء، ولم يأمره أن يعامله معاملة مثله من السفهاء، وبين معاملَته في هذه السورة؛ ليعلم أمته ما لقي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الجهد والبلاء في إظهار دين الله تعالى، فيعلموا قدره ومنزلته، ويعظموا دين اللَّه تعالى بما نالوه سمحا سهلا، وأمره أن يتعامل معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشوكة بقوله: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)، واللَّه أعلم. * * * قوله تعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ) فقوله: (كَلَّا)، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أريد به: حقا. ويحتمل أن يكون على الردع والرد؛ أي: لا تفعل مثل هذا؛ فإنك ستندم في الوقت الذي قال: (إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ)؛ كأنهم سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن وقت ندمه، فبين لهم ذلك بقوله تعالى: (إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ)، والتراقي: هي عروق العنق، كأنه يقول: حين تزول النفس، أي: الروح عن مكانها، وتنتهي إلى التراقي. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) جائز: أن يكون الملائكة هم الذين يقولون هذا، فيقول بعضهم: من يرقى بروحه: أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ مِنْ رقي يرقى، أي: صعد. أو: مَن يقبض روحه؟ ويحتمل أن يقول أهله: من الذي يرقيه رقية فيشفى؟ فيكون فيه إخبار عما حل به من الضعف والشدة؛ أنه يمتنع عن أن يقول: ادعوا لي راقيا لعلي أُشفَى؛ فيكون أهله هم الذين يقولون هذا فيما بينهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨): جائز أن يكون الظن على الإيقان هاهنا؛ لما وقع له اليأس من الحياة، وكذلك روي

القيامة 75:27

الآية ٢٧ : وقوله تعالى :﴿وقيل من راق﴾ فجائز أن يكون الملائكة هم الذين يقولون هذا ؛ يقول بعضهم : من يرقى بروحه : أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ ﴿من راق﴾ يرقى أي يصعد ؟ ومن يقبض روحه ؟. ويحتمل أن يقول أهله : من الذي يرقيه فيشفى ؟ فيكون فيه إخبار عما حل به من الضعف والشدة : إنه يمتنع عن أن يقول : ادعوا لي راقيا لعلي أشقى، فيكون أهله هم الذين يقولون هذا في ما بينهم.

القيامة 75:28

الآية ٢٨ : وقوله تعالى :﴿وظن أنه الفراق﴾ فجائز أن يكون الظن على الإيقان ههنا لما وقع له اليأس من الحياة. وكذلك روي في قراءة ابن عباس رضي الله عنه :{ وأيقن(١) أنه الفراق. وجائز أن يكون على حقيقة الظَّنَّ لما لم يقع له اليأس من حياته بعد، فهو يأمل بعد. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٨/١١..

القيامة 75:29

في قراءة ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وأيقن أنه الفراق). وجائِز أن يكون على حقيقة الظن؛ لما لم يقع له الإياس من حياته بعد، فهو يأملها بعد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩): اختلفوا في تأويله: قيل: لفت ساقاه إحداهما على الأخرى؛ فلا يفترقان؛ كالتفاف الأشجار حتى لا يجد نفاذا فيها ولا هربا. وقيل: إن ساقيه في القيامة لتضعف عن حمله؛ من شدة الفزع. وقيل: أريد بالساق: الشدة، يقال: قامت الحرب على ساق؛ أي: على شدة؛ أي وصلت شدة الموت بشدة الآخرة، واجتمعت شدة الدنيا مع شدة الآخرة عليه؛ لأنه قد حل به سكرات الموت، ونزلت به شدائد الآخرة، وذلك آخر يومه من الدنيا وأول يومه من الآخرة. وقيل: ما من ميت يموت إلا التفت ساقاه من شدة ما يقاسي من الموت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ)، معناه: أن الملائكة يجهزون روحه، وبني آدم يجهزون بدنه، فذلك التفاف الساق بالساق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠): أي: إلى ما وعد ربك يومئذ يساق: إما إلى خير، وإما إلى شر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا صَدَّقَ... (٣١) أي: فلا صدق بما جاء من عند اللَّه تعالى من الأخبار، ولا صدق رسوله - ﷺ -. (وَلَا صَلَّى) يحتمل أن يكون أريد به نفس الصلاة، وذلك أن الصلاة حببت إلى الأنفس كلها حتى لا ترى أهل دين إلا وقد حببت الصلاة إليهم؛ فيكون في قوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى) إبانة سفهه وجهله. أو يكون قوله: (وَلَا صَلَّى)، أي: ولا أتى بالمعنى الذي له الصلاة، وهو الاستسلام

القيامة 75:30

الآية ٣٠ : وقوله تعالى :﴿إلى ربك يومئذ المساق﴾ أي إلى ما وعد ربك يومئذ يساق إما إلى خير وإما إلى شر.

القيامة 75:31

الآية ٣١ : وقوله تعالى :﴿فلا صدّق ولا صلى﴾ أي فلا صدق بما جاء من عند الله تعالى من الأخبار، ولا صدق رسوله صلى الله عليه وسلم﴿ولا صلى﴾ يحتمل أن يكون أريد به نفس الصلاة، وذلك أن الصلاة جيئت إلى الأنفس كلها حتى لا ترى أهل دين إلا وقد وجبت الصلاة عليهم، فيكون في قوله :﴿فلا صدق ولا صلى﴾ إبانة سفهه وجهله، أو يكون قوله :﴿ولا صلى﴾ أي ولا أتى بالمعنى الذي له الصلاة، وهو الاستسلام والانقياد لله تعالى.

القيامة 75:32

والانقياد لله تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢): أي: ولكن كذب بالأخبار التي جاءته. (وَتَوَلَّى)، أي: أعرض عن طاعة اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أي: يتبختر ويتكبر، وذلك أن الاحتيال والتكبر إنما يليق بمن أتى بفعل عظيم يعجز غيره عن إتيان مثله؛ نحو أن يهزم جندا عظيما، أو يفتح كورة حصينة، وهذا الذي تمطى لم يفعل سوى أن كذب بآيات الله تعالى، وأعرض عن طاعته، وما هذا إلا فعل السفهاء الحمقى، فأنى يليق بمثله التمطي؟! وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥): جائز أن يكون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قيل له: قل: أولى لك فأولى. أو كان رسول اللَّه قال له: أولى لك فأولى، فبين اللَّه تعالى ذلك في كتابه. وقال أهل التأويل: هذا وعيد على وعيد، كأنه قال: " ويل لك فويل، ثم ويل لك فويل ". وذكر أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أخذ [بجميع ثيابه]، وقال له هذا، فلم يتهيأ لذلك المسكين أن يدفع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن نفسه، وكان يفتخر بكثرة أنصاره، وأنه أعز من يمشي بين الجبلين، فاللَّه تعالى بلطفه أذله وأهانه حتى لم يتهيأ له الحراك عما نزل به، ولا نفعه قواه وكثرة أتباعه. وجائز أن يكون قوله: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) أي: أجدر لك، وأحرى، لا أن يكوك محمولًا على الإبعاد؛ فيكون قوله: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)، أي: الأجدر لك أن تنظر فيما جاء به محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ وفي الذي كان عليه آباؤك؛ ليظهر لك الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، فتتبع الصواب من ذلك، فتحرز به شرف الدنيا والآخرة؛ إذ كان يفتخر بشرفه وعزه، فإن أردت أن يدوم لك الشرف، فالأولى لك أن تنظر إلى ما ذكرنا، فتتبع الصواب من ذلك. والثاني: أن العرب كانت عادتها أن تقوم بنصر قبيلتها والذب عنها، سواء كانت ظالمة في ذلك أو لم تكن ظالمة، ورسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان من قبيلة أبي جهل - لعنه اللَّه - فلو كان على غير حق عنده، كان الأولى به أن ينصره، ويعينه، على ما عليه عادة العرب، وإن كان محقا فهو أولى، فترك ما هو أولى به من النصر والحماية، واللَّه أعلم.

القيامة 75:33

الآية ٣٣ : وقوله تعالى :﴿ثم ذهب إلى أهله يتمطى﴾ أي يتبختر، ويتكبر ؛ وذلك أن الاختيال والتكبر إنما يليق بمن أتى بفعل عظيم، يعجز غيره عن إتيان مثله نحو أن يهزم جندا عظيما أو يفتح كورة حصينة، وهذا الذي تمطى لم يفعل سوى أن كذب بآيات الله تعالى، وأعرض عن طاعته، وما هذا إلا فعل السفهاء الحمقى، فأنى يليق بمثله التمطّي ؟.

القيامة 75:34

الآيتان ٣٤و٣٥ : وقوله تعالى :﴿أولى لك فأولى﴾ ﴿ثم أولى لك فأولى﴾[ فيه وجهان : أحدهما :](١) جائز أن يكون رسول الله ﷺ قيل له : قل :﴿أولى لك فأولى﴾وكان رسول الله ﷺ قال له :﴿أولى لك فأولى﴾ وبين الله تعالى ذلك في كتابه. وقال أهل التأويل : هذا وعيد على وعيد ؛ كأنه قال : ويل لك فويل، ثم ويل لك فويل ؛ ذكر أن رسول الله ﷺ أخذ بجميع ثيابه، وقال له هذا، فلم يتهيأ لذلك المسكين لأن يدفع رسول الله ﷺ عن نفسه، وكان يفتخر بكثرة أنصاره أنه أعز من يمشي بين الجبلين. والله تعالى بلطفه أذله، وأهانه، حتى لم يتهيأ له الحراك مما نزل به، ولا نفعته قواه وكثرة أتباعه. وجائز أن يكون قوله :﴿أولى لك فأولى﴾ أي لأجدر بك أن تنظر في ما جاء[ به ](٢) محمد ﷺ وفي الذي كان عليه آباؤك ليظهر لك الصواب من الخطإ والحق من الباطل، فتتبع الصواب من ذلك. فتتجهز به شرف الدنيا والآخرة، إذ كان يفتخر بشرفه وعزه ؛ فإن أردت أن يدوم لك الشرف، فالأولى لك أن تنظر إلى ما ذكرنا، فتبع الصواب من ذلك. والثاني : أن العرب كانت عادتها أن تقوم بنصر قبيلتها، وتذب عنها : كانت ظالمة في ذلك أو لم تكن ظالمة في ذلك، ورسول الله ﷺ كان من قبيلة أبي جهل. فلو كان على غير حق عنده كان الأولى به أن ينصره ويعينه على ما عليه عادة العرب، وإن كان محقا فهو أولى. فترك ما هو أولى من النصر والحماية. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ ساقطة من الأصل و م..

القيامة 75:35

الآيتان ٣٤و٣٥ : وقوله تعالى :﴿أولى لك فأولى﴾ ﴿ثم أولى لك فأولى﴾[ فيه وجهان : أحدهما :](١) جائز أن يكون رسول الله ﷺ قيل له : قل :﴿أولى لك فأولى﴾وكان رسول الله ﷺ قال له :﴿أولى لك فأولى﴾ وبين الله تعالى ذلك في كتابه. وقال أهل التأويل : هذا وعيد على وعيد ؛ كأنه قال : ويل لك فويل، ثم ويل لك فويل ؛ ذكر أن رسول الله ﷺ أخذ بجميع ثيابه، وقال له هذا، فلم يتهيأ لذلك المسكين لأن يدفع رسول الله ﷺ عن نفسه، وكان يفتخر بكثرة أنصاره أنه أعز من يمشي بين الجبلين. والله تعالى بلطفه أذله، وأهانه، حتى لم يتهيأ له الحراك مما نزل به، ولا نفعته قواه وكثرة أتباعه. وجائز أن يكون قوله :﴿أولى لك فأولى﴾ أي لأجدر بك أن تنظر في ما جاء[ به ](٢) محمد ﷺ وفي الذي كان عليه آباؤك ليظهر لك الصواب من الخطإ والحق من الباطل، فتتبع الصواب من ذلك. فتتجهز به شرف الدنيا والآخرة، إذ كان يفتخر بشرفه وعزه ؛ فإن أردت أن يدوم لك الشرف، فالأولى لك أن تنظر إلى ما ذكرنا، فتبع الصواب من ذلك. والثاني : أن العرب كانت عادتها أن تقوم بنصر قبيلتها، وتذب عنها : كانت ظالمة في ذلك أو لم تكن ظالمة في ذلك، ورسول الله ﷺ كان من قبيلة أبي جهل. فلو كان على غير حق عنده كان الأولى به أن ينصره ويعينه على ما عليه عادة العرب، وإن كان محقا فهو أولى. فترك ما هو أولى من النصر والحماية. ١ ساقطة من الأصل و م.. ٢ ساقطة من الأصل و م..

القيامة 75:36

قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى). جائز أن يكون هذا الإنسان دهري المذهب؛ فيكون قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ) على حقيقة الحسبان؛ لأنه يحسب أن لا بعث ولا حساب، وقد كان في أهل مكة من هو دهري المذهب، وإن كان الخطاب في قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) ليس على تحقيق الحسبان، ولكن معناه: أيفعل فعل من يُؤْذِن عن أمره، كان فعله موافقا لفعل من يحسب أنه يترك سدى؛ كما ذكرنا في قوله: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)، وهو لا يريد أن يكون فاجرا في الحقيقة؛ ولكن يفعل فعل في يعقب فعله الفجور، وهو كقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)، وليس على حقيقة الظن؛ ولكن إذا لم يقل بالبعث، ولم يؤمن به، فقد وصف أن خلقهما إذن على باطل، وذلك الفعل الذي ذكرنا يكون في ترك الإيمان بالبعث وفي جحد الرسالة؛ لأن المحاسن لا بد من أن يكون لها عواقب، وكذلك المساوئ، ثم تمر هذه الدار على المسيء والمحسن مرًّا واحدا؛ فلا بد من أن يكون بعده دار أخرى فيها تتبين مرتبة المحسن ومذلة المسيء، فما لم يؤمن بالبعث فهو لا يجعل للمحاسن والمساوئ عواقب، وسوى بين مرتبة المسيء ومرتبة المحسن، وذلك عبث. والثاني: أن من عرف أنه لم يخلق عبثا، ولا يترك سدى؛ فلا بد لمثله من أن يرغب ويرهب، ويؤمر وينهى؛ ولا يعرف ذلك إلا بالرسول، فالضرورة أحوجت إلى رسول، يبين لهم ما يأتون وما يتقون، وما يرغبون في مثله، وعما يحذرون، فمن أنكر الرسالة فقد أهمل نفسه عن المرغوب والمرهوب، وعن الأمر والنهي، وذلك حال من خلق سدى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧): فالوجه فيه أن كل أحد يعلم أن نشوءه كان من نطفة، وتلك النطفة لو رئيت موضوعة على طبق، ثم اجتمع حكماء الأرض على أن يقدروا منها بشرا سويا كما قدره اللَّه - عز وجل - في تلك الظلمات، لم يصلوا إليه أبدا وإن استفرغوا مجهودهم وأنفدوا حيلهم

القيامة 75:37

الآيات ٣٧و٣٨و٣٩ : وقوله تعالى :﴿ألم يك نطفة من منيّ يُمنى﴾ ﴿ثم كان علقة فخلق فسوّى﴾ ﴿فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ والوجه فيه أن كل أحد يعلم أن نشوءه كان من نطفة، وتلك النطفة لو رئيت موضوعة على طبق، ثم اجتمع حكماء الأرض على أن يقدروا منها بشرا سويا كما قدره الله تعالى في تلك الظلمات لم يصلوا إليه أبدا، وإن استفرغوا جهودهم، وأنفدوا حيلهم وقواهم، ولو أرادوا أن يتعرفوا المعنى الذي لذلك المعنى صلحت النطفة على أن ينشأ منها العلقة والمضغة إلى أن ينشأ بشر سوي عليه، لعلموا(١) أن من بلغت قدرته هذا، هو أحكم الحاكمين. ولو كان الأمر على ما زعموا أن لا بعث لم يكن هو أحكم الحاكمين، بل كان واحدا من اللاعبين. ويتبين مما ذكرنا أن قدرته(٢) لا توصف بالعجز، ومن زعم أن قدرته لا تنتهي إلى البعث فقد وصف الرب بالعجز﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾[ الروم : ٤٠والزمر : ٦٧ ]. ١ في الأصل و م: فيعلموا.. ٢ أدرج قبلها في الأصل و م: الذي..

القيامة 75:38

الآيات ٣٧و٣٨و٣٩ : وقوله تعالى :﴿ألم يك نطفة من منيّ يُمنى﴾ ﴿ثم كان علقة فخلق فسوّى﴾ ﴿فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ والوجه فيه أن كل أحد يعلم أن نشوءه كان من نطفة، وتلك النطفة لو رئيت موضوعة على طبق، ثم اجتمع حكماء الأرض على أن يقدروا منها بشرا سويا كما قدره الله تعالى في تلك الظلمات لم يصلوا إليه أبدا، وإن استفرغوا جهودهم، وأنفدوا حيلهم وقواهم، ولو أرادوا أن يتعرفوا المعنى الذي لذلك المعنى صلحت النطفة على أن ينشأ منها العلقة والمضغة إلى أن ينشأ بشر سوي عليه، لعلموا(١) أن من بلغت قدرته هذا، هو أحكم الحاكمين. ولو كان الأمر على ما زعموا أن لا بعث لم يكن هو أحكم الحاكمين، بل كان واحدا من اللاعبين. ويتبين مما ذكرنا أن قدرته(٢) لا توصف بالعجز، ومن زعم أن قدرته لا تنتهي إلى البعث فقد وصف الرب بالعجز﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾[ الروم : ٤٠والزمر : ٦٧ ]. ١ في الأصل و م: فيعلموا.. ٢ أدرج قبلها في الأصل و م: الذي..

القيامة 75:39

الآيات ٣٧و٣٨و٣٩ : وقوله تعالى :﴿ألم يك نطفة من منيّ يُمنى﴾ ﴿ثم كان علقة فخلق فسوّى﴾ ﴿فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى﴾ والوجه فيه أن كل أحد يعلم أن نشوءه كان من نطفة، وتلك النطفة لو رئيت موضوعة على طبق، ثم اجتمع حكماء الأرض على أن يقدروا منها بشرا سويا كما قدره الله تعالى في تلك الظلمات لم يصلوا إليه أبدا، وإن استفرغوا جهودهم، وأنفدوا حيلهم وقواهم، ولو أرادوا أن يتعرفوا المعنى الذي لذلك المعنى صلحت النطفة على أن ينشأ منها العلقة والمضغة إلى أن ينشأ بشر سوي عليه، لعلموا(١) أن من بلغت قدرته هذا، هو أحكم الحاكمين. ولو كان الأمر على ما زعموا أن لا بعث لم يكن هو أحكم الحاكمين، بل كان واحدا من اللاعبين. ويتبين مما ذكرنا أن قدرته(٢) لا توصف بالعجز، ومن زعم أن قدرته لا تنتهي إلى البعث فقد وصف الرب بالعجز﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾[ الروم : ٤٠والزمر : ٦٧ ]. ١ في الأصل و م: فيعلموا.. ٢ أدرج قبلها في الأصل و م: الذي..

القيامة 75:40

وقواهم، ولو أرادوا أن يتعرفوا المعنى الذي لذلك المعنى صلحت النطفة على أن ينشئ منها العلقة والمضغة إلى أن أنشأ منها بشرا سويا، لم يقفوا عليه، فيعلمون أن من بلغت قدرته هذا هو أحكم الحاكمين. ولو كان الأمر على ما زعموا: أن لا بعث، لم يكن هو أحكم الحاكمين؛ بل كان واحدا من اللاعبين. وتبين بما ذكرنا أن الذي بلغت قدرته ذلك لا يوصف بالعجز، ومن زعم أن قدرته لا تنتهي إلى البعث فقد وصف الرب بالعجز، تعالى اللَّه عما يشركون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠): فقوله: (أَلَيْسَ)، في موضع التحقيق والتقرير، وإن كان خارجا مخرج الاستفهام على ما ذكرنا: أن ما يخرج مخرج الاستفهام من اللَّه تعالى، فحقه أن نصرفه إلى الوجه الذي يقتضيه ذلك الخطاب أن لو كان من مستفهم؛ فمن قال لآخر في الشاهد: أليس اللَّه تعالى بقادر على إحياء الموتى؟ فحقه أن يقول: بلى هو قادر على ذلك، وكذلك ذكر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال حين تلا هذه الآية: " سبحانك، فبلى " فقوله: (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ) أي: هو قادر على إحياء الموتى، واللَّه الموفق. * * *