تأويلات أهل السنة — النصر 110:1 – الناس 114:5
المحتويات
النصر 110:1
سُورَةُ النَّصْرِ
وهي مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ):
قال عامة أهل التأويل: إن قوله - تعالى -: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) هو مكة، والنصر الذي نصر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على أهل مكة.
قال أبو بكر الأصم: هذا لا يحتمل؛ لأن فتح مكة كان بعد الهجرة بثماني سنين، ونزول هذه السورة كان بعد الهجرة بعشر سنين، ولا يقال للذي مضى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، ولكن أراد سائر الفتوح التي فتحها له، أو كلام نحو هذا، ولكن يحتمل أن يكون قوله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ) يعني: إذ جاء.
وجائز ذلك في اللغة، وفي القرآن كثير " إذا " مكان " إذ "، فإن كان على هذا فيستقيم حمله على فتح مكة؛ على ما قاله أُولَئِكَ.
أو يكون قوله - تعالى -: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ)، أي: قد جاء نصر اللَّه.
أو أن يكون أراد بما ذكر من النصر والفتح: الفتوح التي كانت له من بعد حين دخل الناس في دين اللَّه أفواجا؛ على ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَصْرُ اللَّهِ)، أي: عون اللَّه وخذلانه لأعدائه.
أو أن يكون قوله - تعالى -: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ): هي فتوح الأمور التي فتحها اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عليه من تبليغ الرسالة إلى من أمر بتبليغها إليهم، والقيام بالأمور التي أمره أن يقوم بها، فتح تلك الأمور عليه وأتمها، فإن كان على هذا، تصير فتوح تلك الأمور له نعيا له؛ بالدلالة على ما قاله أهل التأويل: إنه نعى لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نعيه،
النصر 110:2
وجهة الاستدلال الوجوه التي ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢).
ذكر أهل التأويل أنه كان قبل ذلك يدخل واحدًا واحدًا، فلما كان فتح مكة، جعلوا يدخلون دينه أفواجا أفواجا، وقبيلة قبيلة.
ويحتمل ما ذكرنا من سائر الفتوح، أي: فتوح الأمور التي ذكرنا، على ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " نصرت بالرعب مسيرة شهرين، شهرا أمامي، وشهرا ورائي ".
ثم في قوله: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) الآية، نعي لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من وجوه، وقد ذكر في الأخبار: أنه نعى إليه نفسه بهذه السورة.
أحدها: ما ذكرنا من جهة الاستدلال عرف أنه قد دنا أجله؛ حيث أتم ما أمر به، وفرغ منه: من التبليغ والدعاء.
والثاني: عرف ذلك اطلاعا من اللَّه تعالى، أطلعه عليه بعلامات جعلها له؛ ففهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما لا يدرك أفهامنا ذلك.
والثالث: لما كفى مؤنة القيام بالتبليغ بنفسه بدخول الناس في الدِّين جماعة جماعة، وكان قبل ذلك يقوم بنفسه، عرف بذلك حضور أجله، وهو نوع من الدلالة.
ووجه الدلالة: أن القوم لما دخلوا في دين اللَّه فوجا فوجا؛ دل ذلك على ظهور الإسلام وكثرة أهله؛ فكانت الغلبة والنصر دليل الأمن من الزوال عما هم عليه من الدِّين إذا زال الرسول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ... (٣) قال بعض أهل التأويل: أي: صل بأمر ربك، وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم: أن التسبيح هو التنزيه، والتبرئة عن جميع معاني الخلق، والوصف بما يليق به، قال: نزهه وبرئه بالثناء عليه، وصفه بالصفات العلا، وسمه بالأسماء الحسنى التي علمك ربك.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ)، أي: قل: " سُبْحَانَ اللَّهِ وبحمده " على ما جاء في الأخبار أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يكثر في دعائه " سُبْحَانَ اللَّهِ وبحمده، وأستغفر اللَّه وأتوب إليه ".
وهذا لأن " سُبْحَانَ اللَّهِ " حرف جامع يجمع جميع ما يستحق من الثناء عليه، والوصف له بالعلو والعظمة والجلال، والتنزيه عن جميع العيوب والآفات، وعن جميع معاني الخلق، جعل لهم هذا الحرف الجامع؛ لما عرف عجزهم عن القيام بالوصف بجميع ما يستحق من الثناء عليه.
وكذلك حرف " الحمد لله "، هو حرف جامع يجمع شكر جميع ما أنعم اللَّه عليهم، جعل لهم ذلك؛ لما عرف من عجزهم، وقلة شكر ما أنعم عليهم واحدا بعد واحد.
وعلى ذلك يخرج قوله: " اللهم صل على مُحَمَّد "، أمرهم أن يجعلوا الصلاة على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، ولما لم يجعل في وسعهم القيام بما يستحقه أمروا أن يقولوا: " اللهم صل على مُحَمَّد "؛ ليكون هو المتولي ذلك بنفسه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرْهُ):
قال أبو بكر الأصم: دل قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَغْفِرْهُ) على أن كان منه تقصير وتفريط في أمره حتى أمره بالاستغفار عن ذلك.
لكن هذا كلام [وخش]؛ لا يصف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالتقصير في شيء، ولا بالتفريط في أمر قط، ولكن قد جعل اللَّه - تعالى - على كل أحد من نعمه وفضله وإحسانه في طرفة عين ولحظة بصر ما ليس في وسعه وطاقته القيام بشكر واحد منها، وإن لطف، وإن طال عمره؛ فأمره بالاستغفار؛ لما يتوهم منه التقصير في أداء شكر نعمه عن القيام بذلك.
أو أن يكون لأمته لا لنفسه.
فإن قال قائل: ما معنى أمره بالاستغفار، وقد ذكر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن يكون أمر بالاستغفار لأمته، نحو قوله - تعالى -: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).
أو أن يكون اللَّه - تعالى - وعد له المغفرة إذا لزم الاستغفار، ودام عليه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا):
أي: كان لم يزل توابا، ليس أن صار توابا بأمر اكتسبه وأحدثه، على ما تقول المعتزلة: إنه صار توابا. ثم قوله: (تَوَّابًا)، على التكثير، أي: يقبل توبة بعد توبة، أي: إذا تاب مرة، ثم ارتكب الجرم وعصاه؛ ثم تاب ثانيا، وثالثا، وإن كثر؛ فإنه يقبل توبته.
والثاني: (تَوَّابًا)، أي: رجَّاعا يرجعهم ويردهم عن المعاصي، إلى أن يتوبوا، أي: هو الذي يوفقهم على التوبة.
ثم قال: (تَوَّابًا)، ولم يقل: " غفارًا "، وحق مثله من الكلام أن يقال: " إنه كان غفار "؛ كما قال في آية أخرى: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)، ولكن المعنى فيه عندنا: أن المراد من الاستغفار ليس قوله: " أستغفر اللَّه "، ولكن أن يتوب إليه، ويطلب منه المغفرة بالتوبة؛ (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).
ويجوز أن يكون فيه إضمار؛ كأنه قال: " واستغفره، وتب إليه؛ إنه كان توابا ".
ويجوز أن يستغنى بذكر الاستغفار في السؤال عن ذكره في الجواب، وأحرى أن يستغنى بذكر التوبة في الجواب عن ذكرها في السؤال، وقد يجوز مثل هذا في الكلام.
ثم الدِّين اسم يقع على ما يدين به الإنسان، حقا كان أو باطلا، وعلى ذلك أضاف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ما كان يدين به إلى نفسه، وما دان به الكفرة إليهم، حيث قال: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، وأما إضافته إلى اللَّه - تعالى - حيث قال: (يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) الآية؛ لأنه الدِّين الذي أمرهم به، ودعاهم إليه؛ لذلك خرجت الإضافة والنسبة إليه، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
النصر 110:3
الآية٣ : وقوله تعالى :﴿فسبح بحمد ربك﴾ قال بعض أهل التأويل : أي صل بأمر ربك.
وأصله : ما ذكرنا في ما تقدم أن التسبيح هو التنزيه، والتنزيه عن جميع معاني الخلق، والوصف بما يليق به. قال : نزهه وبرّئه بالثناء عليه، وصفه بالصفات العلا، وسمه بالأسماء الحسنى التي علمك ربك.
ويحتمل أن يكون معنى قوله :﴿فسبح بحمد ربك﴾ أي قل : سبحان الله وبحمده على ما جاء في الأخبار أن النبي ﷺ كان يكثر من دعائه : " سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه " ( مسلم ٤٨٤/٢٢٠ ).
وهذا لأن " سبحان الله " حرف جامع يجمع جميع ما يستحق من الثناء عليه، والوصف له بالعلو والعظمة والجلال، والتنزيه عن جميع العيوب والآفات، وعن جميع معاني الخلق، جعل لهم هذا الجامع لما عرف عجزهم عن القيام بالوصف بجميع ما يستحق من الثناء عليه.
وكذلك حرف : " الحمد لله " هو حرف جامع يجمع جميع شكر ما أنعم عليهم، جعل لهم ذلك لما عرف عجزهم وقلة شكر ما أنعم عليهم واحد بعد واحد.
وعلى ذلك يخرج قوله : " اللهم صل على محمد " ( البخاري٦٣٥٧ )، أمرهم أن يجعلوا الصلاة على رسول الله ﷺ بقوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ ( الأحزاب : ٥٦ ) ولما لم يجعل في وسعهم القيام بما يستحقه أمرهم أن يقولوا : " اللهم صل على محمد "، ليكون هو المتولي ذلك بنفسه، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿واستغفره﴾ قال أبو بكر الأصم : دل قوله تعالى :﴿واستغفره﴾ على أن كان منه تقصير وتفريط في أمره، حتى أمره(١) بالاستغفار عن ذلك.
لكن هذا كلام وحش، لا يصف رسول الله ﷺ /٦٥٦ أ/ بالتقصير في شيء، ولا بالتفريط في أمر، ولكن قد جعل الله تعالى على كل أحد من نعمه وفضله وإحسانه في طرفة عين ولحظة بصر ما ليس في وسعه وطاقته القيام بشكر واحد منها، وإن لطف، وطال عمره.
فأمره بالاستغفار لما يتوهم منه التقصير في أداء شكر نعمه عن القيام بذلك، أو أن يكون لأمته لا لنفسه.
فإن قال قائل : ما معنى أمره بالاستغفار ؟ وقد ذكر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
فالجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أنه يجوز أن يكون أمره(٢) بالاستغفار لأمته نحو قوله تعالى :﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ ( محمد : ١٩ ).
( والثاني :)(٣)أن يكون الله تعالى وعد له المغفرة إذا لزم الاستغفار، ودام عليه.
وقوله تعالى :﴿إنه كان توابا﴾ أي كان، ولم يزل توابا، ليس أن صار توابا بأمر اكتسبه، وأحدثه، على ما تقوله المعتزلة : إنه صار توابا.
ثم قوله تعالى :﴿توابا﴾ ( يحتمل وجوها :
أحدهما :)(٤) على التكثير، أي يقبل توبة بعد توبة، أي إذا تاب مرة، ثم ارتكب الحرم، وعصاه، ثم تاب ثانيا وثالثا، وإن كثر فإنه يقبل توبته.
والثاني : توابا، أي رجاعا يرجعهم، ويردهم عن المعاصي إلى أن يتوبوا، أي هو الذي يوفقهم إلى(٥) التوبة.
( والثالث :)(٦) قال ﴿توابا﴾ ولم يقل غفارا، وحق مثله من الكلام أن يقال : إنه كان غفارا، كما قال في آية أخرى :﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارا﴾ ( نوح : ١٠ ).
ولكن المعنى عندنا أن المراد من الاستغفار، ليس قوله : استغفر الله، ولكن أن يتوب إليه، ويطلب منه المغفرة بالتوبة ﴿إنه كان توابا﴾.
( والرابع :)(٧) يجوز أن يكون فيه إضمار، كأنه قال ﴿واستغفره﴾، وتب إليه ﴿إنه كان توابا﴾.
{ والخامس :)(٨) يجوز ذكره(٩) الاستغفار في السؤال عن ذكره في الجواب اجتزاء(١٠) بذكر التوبة ( منه )(١١) في الجواب عن ذكرها في السؤال، ويجوز مثل هذا في الكلام.
ثم الدين اسم يقع على ما يدين به الإنسان حقا كان أو باطلا. وعلى ذلك أضاف النبي ﷺ ما كان يدين به إلى نفسه، وما دان به الكفرة إليهم حين(١٢) قال :﴿لكم دينكم ولي دين﴾ ( الكافرون : ٦ ).
وأما إضافته إلى الله تعالى حين(١٣) قال :﴿يدخلون في دين الله أفواجا﴾ ( الآية : ٢ ) ( فهو )(١٤) الدين الذي أمرهم به، ودعاهم إليه. لذلك خرجت الإضافة والنسبة إليه. ( والله أعلم بالصواب )(١٥) ( والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين )(١٦).
١ في الأصل وم: أمر.
٢ في الأصل وم: أمر.
٣ في الأصل وم: أو.
٤ ساقطة من الأصل وم.
٥ في الأصل وم: على.
٦ في الأصل وم: ثم.
٧ في الأصل وم: و.
٨ في الأصل وم: و.
٩ في الأصل وم: تذكر.
١٠ في الأصل وم: واجترى.
١١ ساقطة من الأصل وم.
١٢ في الأصل وم: حيث.
١٣ في الأصل وم: حيث.
١٤ من م، ساقطة من الأصل.
١٥ من م، ساقطة من الأصل.
١٦ ساقطة من م.
المسد 111:1
سُورَةُ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ):
أي: خسرت، وخابت، كذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ، يقال: تب يتب تبا وتبابا.
ثم ما ذكر من قوله: (يَدَا أَبِي لَهَبٍ) يحتمل حقيقة اليد.
ويحتمل أن يكون ذكر اليد على الصلة.
فإن كان على إرادة حقيقة اليد، فهو يخرج على وجوه:
أحدها: ما ذكر: أنه كان كثير الإحسان إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والإنفاق عليه، والصنائع إليه، وكان يقول: إن كان الأمر لمُحَمَّد يومئذ؛ فيكون لي عنده يد، وإن كان لقريش فلي عندها يد؛ فأخبر - واللَّه أعلم - أنه خسر فيما طمع ورجا من اليد التي له عنده والإحسان الذي أحسن إليه؛ إذ لم يصدقه، ولم يؤمن به، وخسر - أيضا - ما ادعى من اليد له عند قريش.
والثاني: يحتمل أن يكون من أبي لهب تخويف لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالبطش والأخذ باليد؛ فأمن اللَّه - تعالى - رسوله عما خوفه به حيث قال: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ)، أي: خسرت يداه، ولا يقدر على البطش.
والثالث: يحتمل أن يكون اليد كناية عن القوة في نفسه وماله في دفع العذاب عن نفسه، وكذلك كانوا يدعون دفع العذاب عن أنفسهم؛ بقولهم: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).
وذكر بعض أهل التأويل: أنه لما نزل قوله - تعالى -: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، جمع عشائره الأقرب فالأقرب منهم، وقال: " إني لا أملك لكم من اللَّه نفعا في الدنيا والآخرة إلا بعد أن تقولوا شهادة أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأني رسول اللَّه " فقال أبو لهب عند ذلك: " تبا لك يا مُحَمَّد، ألهذا دعوتنا؟! " فنزل عند ذلك: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) ومجازاة له.
فهذا وإن لم يكن في فعله في القصة استعمال اليدين، فيجوز أنه كان يصرف الناس عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بيده، أو حين دعى إلى الإيمان باللَّه - تعالى - مد يديه على التعجب من ذلك، وقال: " ألهذا دعوتنا؟ " فرد اللَّه - تعالى - عليه ذلك، وعيره به.
وقد يجوز أن يظهر في الجواب مقدمة السؤال وإن لم يذكر ذلك في السؤال؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)؛ فعلم بذلك أن السؤال إنما كان عن قربانهن في المحيض؛ فكذلك الأول.
وإن كان ذكر اليد على الصلة، فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: ذكر اليد كناية عن العمل والفعل، إلا أنه ذكر اليد؛ لما باليد يقوم ويعمل؛ كقوله تعالى: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)، و (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)، وذلك على الكناية عما كان منه من الصنيع، أي: خسرت أعماله وبطلت.
والثاني: يذكر اليد على إرادة: قدام وأمام؛ كقوله - تعالى -: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، أي: أمامه وخلفه؛ فيكون معناه: ما قدم من الأعمال، واللَّه أعلم.
ثم تخصيص أبي لهب بالذكر من بين سائر الكفرة يحتمل وجوها:
أحدها: خصه بالاسم؛ لأنه كان من الفراعنة والأكابر، وهو المقصود به، والفراعنة قد يذكرون بأسمائهم؛ لما هم المقصودون به، وإن كان من دونهم يشاركونهم في ذلك؛ كذكر فرعون، وعاد، وثمود، وغيرهم.
والثاني: كان شديد الهيبة والخوف؛ فذكره باسمه، وخصه به؛ ليعلم أن محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لا يهابه، ولا يخافه، واللَّه أعلم.
والثالث: أنه كثير الأيادي والصنائع بحق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فلو كان الخطاب بهذا يعم الكفرة، لكان يظن بما سبق منه من الأيادي أنه غير داخل تحت الخطاب؛ فخصه بالذكر؛ ليعلم أنه لا يغنيه من اللَّه شيء.
ثم ذكره بالكنية يخرج على وجوه:
المسد 111:2
أحدها: يحتمل أن يكون بالكنية عرف عند الناس، وبها كان معروفا دون اسمه؛ فذكره بالذي كان معروفا به.
والثاني: ما ذكر أن اسمه كان عبد العزى؛ فلم يرد أن ينسبه إلى غيره، وهو العزى؛ فذكره بالكنية لهذا.
والثالث: أنه عيره بأشياء، وخوفه بمواعيد؛ فلو ذكره باسمه، فلعله يصرف ذلك الخطاب والوعيد الذي كان له إلى غيره؛ لما شرك غيره في الاسم؛ إذ كانوا يسمون أولادهم وينسبونهم إلى أصنامهم، ولم يكن أحد شركه في كنيته؛ فلا يمكنه التحويل إلى غيره.
وقيل: ذكره بالكنية يخرج مخرج الوعيد له، أي: تصير النار له كالابن، وهو كالأب لها؛ وذلك لأن هذه الكنى إنما تذكر في المتعارف على وجه التفاؤل، كما يقال: أبو منصور؛ على رجاء أن يولد له ابن يسمى: منصورًا.
ثم إن اللَّه - تعالى - سمى النار في بعض الآيات: أما للكافر، كقوله: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ)، وفي بعضها: مولى؛ حيث قال: (هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)؛ فجاز - أيضا - أن تكون النار إذا قربت منه، وانضمت إلى حجره أن تصير في التمثيل كالولد، ويصير هو أبا لها؛ فقال: (أَبِي لَهَبٍ)؛ على هذا الوجه من التأويل.
ووجه آخر: وهو أن ذكر الكنية وإن كان يراد بها التعظيم، فعند ذكر المواعيد والعقوبات يراد بها الاستخفاف والإهانة، وهو على ما ذكرنا في البشارة: أنها وإن كانت تذكر عندما يسر ويبهج في الأغلب، فعند ذكر العقوبة نذارة، كقوله - تعالى -: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)؛ فعلى ذلك الكنية، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أي: لم يغن ماله وقوته وما كسب من عذاب اللَّه شيئا؛ على ما يقولون: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).
والثاني: أي شيء أغنى عنه ماله وما كسب؟!.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَسَبَ) يحتمل الولد، أي: ما أغنى عنه ما جمع من ماله وما كسب من الولد؛ على ما ذكر في الخبر، روى أبو الأسود عن عائشة - رضي الله
المسد 111:3
عنها - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه ".
وسئل ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: أيأخذ الرجل من مال ولده؟ فتلا (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا...) الآية، فهو مما وهب اللَّه لنا؛ فهم وأموالهم لنا، والله أعلم.
ويحتمل ما أغنى عنه ما جمع من المال، وما كسب من العمل والإنفاق الذي أنفق على الطمع الذي فعل، أي: لم يغنه شيئا.
أو لم يغنه ما كسب عن صد الناس عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والدخول في دينه والاتباع له، وسوء المقال الذي قال فيه.
وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أغنى عنه ماله وما اكتسب).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣):
أي: ذات التهاب.
وفيه دلالة إثبات رسالته، حيث أخبر أنه سيصلى نارا، ولا يصلي النار إلا بعد ما يختم بالكفر، ثم كان كما أخبر؛ دل أنه علم ذلك باللَّه تعالى.
وفي هذه السورة دلالتان أخريان يدلان على نبوته:
إحداهما: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إنما قرأ هذه السورة عليهم بمكة حين لم يكن له ناصر في الدِّين، وكانت المنعة والقوة للكفرة، وكانوا جميعا أولياء أبي لهب وأنصارا له عن آخرهم، ولا يحتمل أن يكون مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقرأ هذه السورة عليه، وفيها سب له وتعيير إلى يوم القيامة، مع قلة أوليائه وكثرة أعدائه؛ إذ فيه خوف هلاكه - إلا برب العالمين.
ومعنى آخر: أنه - عليه السلام - كان موصوفا بحسن العشرة وإجمال الصحبة مع الأجانب؛ فما ظنك بالعشيرة والأقارب مع ما أنه كان متنزها عن الفحش في جميع أوقاته؛ فما جاز له هذا إلا بالأمر من اللَّه تعالى؛ فدل ذلك على نبوته ورسالته.
وقوله - - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤):
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: كانت حمالة النميمة والحديث بين الناس، فأوعدها اللَّه -
المسد 111:4
الآيتان ٤و٥ : وقوله تعالى :﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ ﴿في جيدها حبل من مسد﴾(١) قال بعضهم : أي حمالة النميمة والحديث بين الناس، فأوعدها الله تعالى لذلك في الآخرة بما ذكر ﴿في جيدها حبل من مسد﴾ وهي السلسلة، ومنه يقال : فلان يحطب إذا أعرى.
وقال بعضهم : كانت حمالة الحطب حقيقة، كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك، وتطرحه(٢) في طريق رسول الله ﷺ والمسلمين، فأوعدها(٣) الله تعالى بما ذكر من حبل من مسد في الآخرة.
ومنهم من قال : إنها كانت كذلك في الدنيا، تحمل الحطب إلى منزلها، وكان في جيدها حبل من ليف، فعيرها بذلك ؛ لأنها كانت تعير رسول الله ﷺ بالفقر والحاجة.
وذكر أنها كانت تمسك في عنقها حبلا من ليف سرا من زوجها، وذلك مما لا تتحلى بها النساء، وليس هو من أسباب الزينة، فأخبر الله تعالى عن سفهها وجهلها ليكون ذلك سبا وتعييرا، مجازاة لما كانت تقول في رسول الله ﷺ، وكذلك قالت لأبي بكر الصديق رضي الله عنه : أما رضي محمد أن يهجو عمه حتى هجاني، أو قالت : حتى هجاني رب محمد ( والله اعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين )(٤).
١ ساقطة من الأصل وم.
٢ في الأصل وم: وتطرح.
٣ من م، في الأصل: فأوعد.
٤ في م: صلى الله تعالى عليه وسلم.
المسد 111:5
تعالى - لذلك في الآخرة ما ذكر: (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) وهي السلسلة، ومنه يقال: فلان يحطب؛ إذا أغرى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كانت حمالة الحطب حقيقة، كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك، وتطرحه في طريق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمسلمين؛ فأوعدها اللَّه - تعالى - بما ذكر من حبل من مسد في الآخرة.
ومنهم من قال: إنها كانت كذلك في الدنيا، كانت تحمل الحطب إلى منزلها، وكان في جيدها حبل من ليف؛ فعيرها بذلك؛ لأنها كانت تعير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالفقر والحاجة.
وذكر أنها كانت تمسك في عنقها حبلا من ليف سرا من زوجها، وذلك مما لا يتحلى به النساء، وليس هو من أسباب الزينة؛ فأخبر اللَّه - تعالى - عن سفهها وجهلها؛ ليكون ذلك سبًّا وتعييرًا مجازاة لما كانت تقوله في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ ولذلك قالت لأبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " أما رضي مُحَمَّد أن يهجو عمه حتى هجاني؟! " أو قالت: " حتى هجاني رب مُحَمَّد؟! " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، واللَّه أعلم.
* * *
الإخلاص 112:1
سُورَةُ الْإِخْلَاصِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ):
ذكر أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن نسب اللَّه تعالى.
وقيل: عن صفته.
وقيل عن اللَّه تعالى: ما هو؟.
فنزلت هذه السورة معلمة بجميع من يُسأل عنه وجوابه؛ ولذلك أثبت (قُلْ)؛ ليكون مخاطبة كل مسئول عن ذلك أن قل، لا على تخصيص الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بهذا الأمر؛ إذ ليس في حق الائتمار بالأمر إعادة حرف الأمر في الائتمار؛ فتبين بذلك أنه ليس على تخصيص الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالتعليم، بل هو أحق من سبق له الغناء عن تعليم الإجابة لهذا عند حضرة هذا السؤال، كما سبقت منه الدعوة إلى اللَّه - تعالى - بحقيقة ما يقتضي ما جرى به السؤال، وكما أثبت كذلك؛ ليقرأه أبدا، وحق المخصوص بالأمر أن يأتمر، ولا يجعل ذلك متلوا كذلك في الوقت الذي يحتمل المأمور الأمر به، والوقت الذي لا يحتمل؛ فثبت أن ذلك على ما بينا، ودل قوله: (قُلْ): أنه على أمر سبق عنه السؤال؛ فيكون في ذلك إجابة لما سبق عنه السؤال، وكذلك جميع ما في القرآن (قُلْ) ففيه أحد أمرين:
إما إجابة عن أمر سبق عنه السؤال؛ فينزل بحق تعريف كل مسئول عن مثله.
أو يكون اللَّه - تعالى - إذ علم أنه - عليه السلام - أو من يتبعه يسأل عما يقتضي ذلك الجواب؛ فأنزل ما به يبقى في أهل التوحيد؛ منا منه وفضلا.
ثم لم يجب تحقيق الحرف الذي وقع عنه السؤال إلا لمن شهد وسمع، وقد يتوجه ذلك الحرف الذي وقع عنه إلى ما ذكروا من الأسباب وغيرها، وفيما نزل يصلح جواب ذلك كله ويليق به، وإن كنا لا نشهد على حقيقة ما كان أنه ذا، دون ذا ونجيب بذلك لو سئلنا عما ذكرنا، وعن كل حرف يصح في العقل والحكمة الجواب بمثل ما اقتضته هذه السورة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هُوَ):
اختلف في تأويله:
من الناس من قال: هو إضافة إلى الذي عنه كان -أو يكون- السؤال المقتضي ما جرى به البيان من الجواب، أي: الذي يسألون عنه: (اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ) إلى آخر السورة.
ومنهم من قال: هو اسم اللَّه الأكبر، يروى ذلك عن بعض أولاد علي بن أبي طالب - رضي اللَّه عنهم - أنه كان يقول في دعائه: " يا هو، يا من لا هو إلا هو، يا من به كانت هوية كل هو "، وذلك يخرج على وجهين:
أحدهما: أنه هو لذاته هوية كل من سواه؛ لما هو يكون محتملا للتلاشي والوجود، إلا هو سبحانه لم يزل ولا يزال هو (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) على ما اقتضى بيان وحدانيته في هذه السورة؛ وعلى ذلك قيل: هو الأحد بذاته، المنشيء أحدية كل الآحاد، المتعالى عن كل معاني أحدية من سواه.
والثاني: أن يكون إضافه إلى اسمه الذي لا يحتمله اللسان، وهو الذي لم يطلع عليه الخلائق، وهو الذي يراد في الدعاء: " باسمك الذي من سألك به أعطيته، ومن دعاك به أجبته " فيكون السؤال به بما يكنى عنه من الوجه الذي ذكرت، لا أن يسعه اللسان أو يحتمل الطوق التفوه به تعالى.
والتأويل الأول هو أقرب إلى الأفهام، وأحق أن يكون على ذكر من يقتضي عنه السؤال، ثم التفسير على ما جرى.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللََّهُ):
اختلف في المعنى الذي جرى هذا في حق أهل هذا اللسان أنه مما اشتق من أمر عرفوه أو لا عن أمر عرفوه؟ إذ في كل لسان لما أريد به عند الذكر لسان العرب اسم يدعى به ويسمى، وإن اختلف وزن كل من ذلك على اختلاف الألسن؛ ليعلم أن الأحرف والتقطيع في التكلم إنما هو ليفهم المقصود، لا على توهم حقيقة الاسم بتلك الحروف والتقطيع، وذلك كما يعبر عن تكوينه الخلائق بـ " كن "، لا على تحقيق كاف أو نون في التكوين؛ فعلى ذلك جميع ما يسمى اللَّه - تعالى - لا على تحقيق الحروف التي تجري بها التسمية ممن لا يحتمل طوقه إلا بها؛ لكن على ما يقرب إلى الأفهام المراد في التفوه به.
وقال قوم: (اللَّهُ) هو المعبود في لسان العرب لا على الاستحقاق، لكن على وضع ذلك كذلك؛ دليله تسميتهم كل من عبدوه وكل شيء عبدوه: إلها، وإن كان جميع ما سوى إله الحق ممن عبد لا يحتمل شيئا من تلك المعاني التي زعم من ادعى الاشتقاق عنها من الاحتجاب، أو الالتجاء إليه، ونحو ذلك؛ فثبت أنه اسم موضوع للمعبود.
وعلى ذلك قوله - تعالى -: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، أي: معبوده ما يهواه، لا أن للهوى شيئا من ذلك؛ فيكون المعبود الحق هو اللَّه - تعالى - لما له في كل شيء أثر عبودة ذلك الشيء ودلالة الربوبية له عليه سبحانه فهو المعبود بذاته، بمعنى المستحق بذاته العبادة من جميع خلقه والاستسلام له والخضوع بما ذكرت من الموضوع في كل آية ذلك، ولا قوة إلا باللَّه، وهذا تحقيق ما ذهبنا إليه أنه خالق بذاته؛ رحمن رحيم بذاته، موصوف به في الأزل، وإن كان الذي وصل إليه أثر رحمته وفيه ظهور دلالة تدبيره حدث بعد أن لم يكن على ما كانت العبادة والاستحقاق كان ممن حدث وفيمن كان بعد أن لم يكن، وهو إله لِيم يزل ولا يزال.
وعلى ذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، و (رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ)، وإن كان من الأشياء ما سيكون، لا أنها كانت كائنة، وكذلك يوم الدِّين؛ فعلى ذلك أمر " خالق "، ونحو ذلك؛ ومن هذا الوجه أنكر قوم أن يكون الإله اسم معبود في الحقيقة، أو اسما مشتقا عن لسان؛ إذ هو لم يزل إلها، ومن به العبادة أو عنه الاشتقاق حادث.
والأصل عندنا: ما ذكرنا: أنه بجميع ما وصف به وصف بذاته؛ إذ لا يحتمل التغير والاستحالة، ولا نيل مدح بغير ممدح، وإنما يمدح به لذاته: لأنه استحق من كلٍّ ذلك لوقت كون ذلك، وعلى ذلك القول بـ " العالم " و " القادر ": أنه كذلك، وإن كان الذي علمه ممن سواه وكل مقدور عليه حادث بعد أن لم يكن، ولا قوة إلا باللَّه.
وقال الضحاك: اللَّه اسمه الأكبر؛ لأنه يبتدأ به في كل موضع.
ثم اختلف في معنى الاشتقاق:
فمنهم من يقول: أصله: إله، من أَله الرجل إلى آخر، أي: التجأ إليه واستجاره؛ فآلهه، بمعنى: أجاره وآمنه؛ فسمي: إلها على وزن الفعال؛ كما يسمى: إماما؛ لما يؤتم به، وفخم بإدخال الألف واللام، ثم لين وحذف الهمزة كما هو لغة قريش، ثم أدغم أحد اللامين في الآخر، فشدد؛ فصار اللَّه.
وعلى ذلك تأويل الصمد: أن يصمد إليه من الحوائج، ويستغاث به ويلتجأ إليه.
وقيل: إن اشتقاقه من وله يله ولها؛ إذا فزع إليه، فسمي به؛ لأن المفزع إليه، وهو قريب من الأول.
ولكن حق ذلك في الاسم أن يكون ولاه، فأبدل الواو ألفا، كما يقال في وكاف: إكاف، وكذلك أهل الحجاز يجعلون الواو ألفا، قال الشاعر:
فأقبلت ألهي ثكلى على عجل
وقيل: سمي به؛ لأنه أَله كل شيء، أي: ذلله وعبَّدَه؛ فتأله له، أي: عبده، قال قائلهم:
وأَله إلهك واحدا متفردا؍ ساد الملوك بعزه وتمجدا؍
وقال آخرون: سمي به؛ لاستتاره، ومنه يقال: لهت؛ فلا ترى، وقال الشاعر:
لاه ربي عن الخلائق طرا؍ خالق الخلق لا يرى ويرانا؍
وقيل: سمي به؛ لتحير القلوب عن التفكر في عظمته؛ كقوله: ألاهني الشيء حتى ألهت، ومنه مفازة ملهة، يعني: العقل يحار عند النظر إلى عظمته، ومنه أَله يأله؛ فهو إله.
وقال الشاعر:
وبهما تيه تأله العين وسطها؍ مخففة الأعلام بيد ضر ما تتملق؍
قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والأصل عندنا: الإغضاء عن هذا؛ لما أن الحاجة إلى تعَرُّف الاشتقاق والوضع؛ لتعرف محل الأمر، وموقع الحكم، ومن جميع ما اشتقوا به الاسم يحتمل تسمية الغير بكل ذلك، وتحقيق الإضافة إلى ذلك وتسميته: إلها، أو إضافة ما به عرف الحقيقة - لا يحتمل غيره سبحانه وتعالى، ولا يجوز التسمية به؛ فثبت الغَناء في معرفته عن جميع الوجوه التي أريد الاستخراج منها؛ إذ هي طرق توصلهم إلى العلم بالمقصود والوقوف على المراد، وقد عرف دون الذي ذكروا، واللَّه أعلم. والأصل عندنا في ذلك: أن اللَّه - سبحانه وتعالى - بلطفه يمنع الخلق عن تسمية أحد: إلها، إلا من جهة أحوال تعترض؛ فسموا به على معنى جعل الاسم الذي جرت التسمية به حقيقة له؛ فسموا؛ ظنا منهم أن بذلك التوسل والتقرب، لا أن يروا لشيء من ذلك حقيقة ذلك، بل قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، وقالوا: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، وقالوا: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا)؛ ليعلم أنهم عرفوا لله - تعالى - بما دعوا لأنفسهم في ذلك معاني تردهم إلى اللَّه سبحانه وتعالى، فذكروا مجازا من أحد لسانين، واللَّه أعلم.
أما لسان الرسل في ذكر اللَّه ففي أمور تقربهم إلى اللَّه تعالى، لقوله: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، وقال: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ)، وصف مبايعة العبد ونصره أو نصر دينه نصرًا لله ومبايعته، بما يقرب ذلك إليه؛ فعلى ذلك تسميتهم ما عبدوها، لا أنهم رأوها آلهة في الحقيقة.
أو عن ألسن الفلاسفة أن ليس لله اسم ذاتي؛ وإنما سمي هو بذكر كل ذي شرف ومنزلة عنده؛ فعلى ذلك إذ محل من يعبدون عندهم ما ذكرنا من القول عنهم؛ فسموا به، لا أن حققوا كما ذكروا حقيقة ذلك الاسم إلى من عرفوه أنه إله، ردوا أمرهم في ذلك، وذلك من لطف اللَّه - تعالى - فيما سخرهم عليه؛ كتسمية الخالق والرحمن: أنهم لا يسمون أحدا بهما، وإن كثرت أفعاله، وعظمت رحمته في الخلق؛ ليعلم أنها أسماء اللَّه - تعالى - منع الخلق عن التسمي بها باللطف من حيث لا يعرف سببه.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أي: الأمر هو اللَّه أحد؛ كما تقول: إنه زيد قائم، أي: الأمر زيد قائم، جواب من يسألك: ما الأمر والشأن في أن قمت هاهنا؟ فتقول: الأمر زيد قائم، أي: قمت لأجله، إلى هذا يذهب الزجاج؛ كأنه يذهب إلى أنه لما قال: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فقيل له: ما الأمر والشأن؛ فقال: الأمر الله أحد؛ أي: ليعرفوا أنه كذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَحَدٌ) يتوجه إلى واحد، ثم " واحد " اسم ينفي المثل في الإضافة، كما يقال: هو واحد الزمان، وواحد الخلق؛ على نفي التشبيه له عما أضيف إليه، ويكون واحدا من حيث العدد بما عن مثله يبتدأ الحساب، ولا يبتدأ من أحد؛ فيصير أحدا من ذا الوجه، وإن كان اللَّه - تعالى - بأي حرف ذكر، ففيه ذلك، وهو الواحد الذي يستحيل أن تكون وحدانيته من وجه يحتمل ثانيا، أو من وجه تعديل، هو الواحد الإله الحق المتعالي عن معنى الأعداد والأنداد، وهو على ما ذكر الحكيم في الآحاد أنها أربع:
واحد هو كلٌّ لا يحتمل التضعيف؛ لإحالة كون وراء الكل.
وواحد هو الأقل، وهو الذي لا يحتمل التضعيف والتجزؤ؛ لأنه أقل الأشياء، فإذا تنصف يكون ذلك النصف أقل منه.
وواحد هو وسط، وهو الذي يحتمل التنصيف والتضعيف جميعا.
والرابع: هو الذي قام به الآحاد هو، ولا هو أخفى من هو، هو الذي انخرس عنه اللسان، وانقطع دونه البيان، وانحسرت عنه الأوهام، وحارت فيه الأفهام، فذلك الله رب العالمين.
والأصل في ذلك: أنه لا سبيل إلى العبارة عنه بغير هذا اللسان، ولا وجه للتقريب إلى الأفهام بهذا اللسان إلا بما جرى به الاعتياد، وظهرت به المعارف؛ فلما ذكرنا من الضرورة جعل التوحيد في الحقيقة بالأدلة والبراهين في ضمن التسمية في عبارة اللسان، وحقه مما أخبرت من ضرورات الأحوال في إرادة التقريب إلى الأفهام إلى عبارات اللسان المؤسس على الاعتياد في إظهار المعارف؛ فعلى ذلك القول بـ " واحد "، وبـ " أحد "، لا على أحدية غيره من جهة التوسط، أو من جهة القلة، أو من جهة الكثرة، مع ما كل من هو في معنى واحد، فهو واحد الآحاد المجتمعة، إلا الواحد الذي يقال جزء لا يتجزأ، وهو من غير في الجملة متجزئ عن توهم ذلك الجزء غير متجزئ في الوهم، أو هو الأقل منه، وهو جزء في الحقيقة، واللَّه يتعالى عن الوصف بالكل والبعض، والقليل والكثير، والواحد مما له حق الأبعاض، أو الكل، أو رتبة القليل والكثير، جل ثناؤه؛ بل هو الذي خلق جميع ما وصفت، وجعل لكل من ذلك مقابلا بما ذكر؛ ليصير كل من
الإخلاص 112:2
ذلك زوجا؛ فتكون الوحدانية الحق له، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اللَّهُ الصَّمَدُ (٢).
فذكر أنه أحد، وذكر أنه الصمد في تحقيق ما وصف من الأحدية، وهو - واللَّه أعلم - أن أحوج جميع من سواه؛ حتى تحقق قصد جميع من سواه بالحاجات إليه بالكون في الخلقة وفي الصلاح بعد الكون، وفي الذي به الدوام بعد الوجود، والوجود بعد العدم ما احتمل الوجود دونه، ولا البقاء إلا به، أحاطت الحاجات بكلٍّ؛ ليكون له الغَناء عن الكل في الوجود والبقاء؛ ليتحقق أنه الموجود بذاته والباقي بذاته، والمتعالي عن معنى وجود غيره سبحانه، وهو على ما ذكرنا من عجز الألسن عن البيان عنه بالعبارة إلا على التقريب إلى الأفهام بالمجعول من آثار هويته في جميع الأنام.
ثم قيل في (الصَّمَدُ) بوجوه يرجع جميع ذلك إلى ما بينا.
أحدها: السيد الذي قد انتهى سؤدده، ومعنى ذلك في المفهوم من السؤدد في صرف الحوائج إليه، ورجاء كل المحاوج به.
والثاني: في أن لا جوف له، وذلك في وصف الوحدانية والتعالي عن معنى أحدية غيره من اجتماع أجزاء ممكن فيها الفرج والثقب التي هي كالأجواف.
أو على ما فسر قوم بالذي هو في ظاهر العبارة مخرج الكتاب، وهو الذي ذكر على أثره، وهو قوله - تعالى -: (لَمْ يَلِدْ)؛ لأن كل ذي الكون ذو جوف عنه يتولد الأولاد، ويكون في ذلك إحالة قول من نسب إليه الولد؛ فيقول: كيف يكون له ولد، وقد تعلمون أنه ليس بذي جوف؟ كما قال: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ)، في قوم نزهوه عن الصاحبة، وهم لم يشهدوا الولادة إلا بها، كما لم يشهدوا الولادة إلا عن ذي جوف؛ فيكون في هذا نقض قول هذا الفريق فيه بالولادة بما نزهوه عن الجوف، كما في الأول بما برءوه عن الصاحبة.
وقيل: بما لذي الأجواف من الحاجات؛ فيرجع إلى التأويل الأول: أنه المصمود إليه
الإخلاص 112:3
بالحوائج.
وظن قوم: أنه إذا نفى عنه الجوف ثبت أنه مصمت، وذلك معنى اجتماع أجزاء تتداخل فتتكاثر كذي الجوف هو اجتماع أجزاء تتفق، فإذا تحقق التنزيه عن أحد الوجهين تحقق التنزيه عن الوجه الآخر؛ ففي الوجهين نفي الوحدانية، وتحقيق ازدواج الأجساد مع ما قد ينفى عن أشياء أمور لا تحقق لها المقابلة؛ كما ينفى عن الأعراض: السمع والبصر والعلم، لا على إثبات مقابلتها بما علموا أن الأعراض لا تحتمل الإعراضات؛ فعلى ذلك العلم بوحدانية اللَّه - تعالى - والتنزيه عن احتمال الأزواج يحقق القول الذي ذكرت.
وقد قيل في الصمد: إنه الدائم، وذلك - أيضا - يرجع إلى ما ذكرت: أنه لا يحتمل التغير والاستحالة وإصابة أثر الحاجة، وهو المصمود إليه بالحوائج.
وقد قال قائل في التأويل الأول:
لقد بكر الناعي بخيري بني أسد؍ بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد؍
ويقال: صمدت إلى فلان، أي: قصدت إليه، وهذا يوضح معنى الصمد: أنه يصمد إليه في الحوائج.
وقيل في ذلك: إن الصمد تأويله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
قال الشيخ أبو منصور - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الأصل: أنه - تعالى - عظم القول بالولاد ما عظم بجعل الشركاء؛ وذلك أن معنى الولاد: أن يكون بجوهر من له ولد؛ فيكون بذلك شريكا، وذلك ينفي التوحيد؛ فعلى ذلك القول بالولاد؛ لذلك عظم القول به، وألزم على من عرفه بالأدلة القول ببراءته عن الولاد؛ كما ثبت الاشتراك من الوجه الذي بينا، وقد شهد العالم بكليته بحق الخلقة على أنه - تعالى - منشئه عن الشركاء والأشباه جميعا؛ فيبطل القول بالذي ذكرنا، مع ما كان جميع الخلائق على الإشارة إلى كل منه يحتمل الازدواج، ومنه يكون التوالد، واللَّه تعالى متعالٍ عن ذلك.
وبعد: فإن كلام العالم على الإشارة إلى آحاد متولد عن غير، أو يتولد منه غير، وهما أمران راجعان إلى ما عليه حق هذا العالم، وعليه موضوعهم؛ وقد ثبت تعاليه عن جميع معاني غيره؛ إذ كل غير له بجميع معانيه حدث بعد أن لم يكن أتى عليه تدبير غيره، وجرى عليه تقدير سلطان غيره، واللَّه - تعالى - لو كان يتوهم شيء من ذلك فيه تسقط له الألوهية، وتحقق له الحاجة إلى غيره، ويوجب جري سلطان غيره عليه، وذلك يوجب غيرًا خارجا عن هذه المعاني؛ حتى تسلم الأدلة له على حد الموضوع، وتصفو له الشهادة على ما قامت وانقطعت بالخلقة، وبما فيه من الحكمة، ولا قوة إلا باللَّه.
وعلى ذلك ختم السورة: أن ليس له أحد كفُؤًا؛ لأنه من ذلك توجب المماثلة، وفي المماثلة اشتراك، وقد ثبت فساد العالم بتوهم الاشتراك في تدبيره، وقد لزم التعالي عن المعاني التي للأرواح بها يقوم التدبير، ويجري سلطان التقدير.
وجائز أن يكون مخرج السورة في تحقيق نعت من قد عرفوه بإحدى خصال ثلاث: إما بالتلقين لكل عن كل، إلى أن ينتهي ذلك إلى علام الغيوب، فسخرهم بذلك وأنشأهم على ذلك؛ حتى أيقن من جحد ذلك أنه بعد تلقين متوارث ظاهر لا يحتمل مثله الخطأ في حق توارث الأمور بما يبطل المعارف كلها بأسرها - أنشئوا وبها تعالموا، وذلك كأول علوم الخلق وكالشيء المطبوع الذي لا يستطاع جحده إلا بما لعل الطباع المخلوقة على جهة الرياضة وأنواع الحيل.
وإما بالتأمل فيها في كل جزء من أجزاء العالم من الأدلة عليه والشهادة له؛ فبين بالآية للذين عرفوه بأحد الوجوه التي ذكرنا أن نعته كذا؛ ليقطع به توهم المثل له، أو العدل في أمر؛ وليعرفوا أن القول بغير خارج عن الوجوه التي ذكرنا، وأنه يرجع إلى ضرب من التلقين، ليس له حق الطباع ولا حق التلقين الذي له صفة الكافية والكلية في التلقين، ولا في حق شهادة الكل بالخلقة يدرك بالتأمل والتفكر؛ فيمتنع عن ذلك، ويرجع إلى حقيقة ما جرى به النعت دون غيره مما ألفوا فيه يرجع إلى تلقين من ذكر، وتلبيس بلا حجة؛ لذلك لا يضاهي شيئا مما ذكرت، مع ما في كل ذلك جميع ما في غير ذلك من شهادة الخلقة، والحاجة فيها إلى غيره من الإيجاد والإبقاء، وهو الأحد بما لا دليل لغيره؛ بل في ذلك إحالة الألوهية من كل الوجوه الثلاثة، وهو الصمد بمعنى المصمود إليه في
الإخلاص 112:4
الحوائج، المالك لقضائها، وهو الذي لم يلد ولم يولد، وهو المتعالي عن احتمال ولاد فيه ومنه؛ لما ذكرت من فساد الألوهية الثابتة له بما ذكر من الوجوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) لما في كل أحد سواه جميع الوجوه التي منها يعرف سلطان غيره عليه، وأنه ذليل لمن ذل له كل شيء على السواء، ولا قوة إلا باللَّه، ومنه الاستهداء، ولما ذكرت سميت هذه السورة: سورة الإخلاص؛ لأنها في إخلاص التوحيد لله، ونفي الأشباه والشركاء في الألوهية والربوبية، وأن كل شيء سواه مربوب ومملوك له، ولا قوة إلا باللَّه.
* * *
الفلق 113:1
سُورَةُ الْفَلَقِ، وهي مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ):
قال الفقيه - رحمه اللَّه -: الأمر بالتعوذ به يحتمل وجوها ثلاثة:
أحدها: على التعليم، لا لنازلة كانت في ذلك الوقت؛ لكن لما علم اللَّه - تعالى - من عظيم شر من ذكر بما يظن بالأغلب أن شر ما ذكر يتصل بالذي ذكر في علم الله تعالى؛ فأمرهم بالتعوذ به، كما أخبر في أمر الشيطان: أنه عدو لهم، وأنه يراهم من حيث لا يرونه؛ ليكونوا أبدا معدين متيقظين فزعين إلى اللَّه - تعالى - معتصمين، وهذا أحق في التعليم من الذي ذكر في سورة الناس؛ لأنه أضر من ذلك العدو؛ لأن ضرره إنما يتصل به بإتيانه ما دعاه إليه الشيطان، وما يوسوس في صدره الوسواس، وذلك فعله يمكنه الامتناع عنه، وهذا الضرر يقع بفعل غيره من وجه لا يعلم مأتاه -أعني: شر النفاثات ونحو ذلك- فهو أحق في تعليم العباد فيه، والأمر بالفزع إلى من بلطفه جعل ذلك الفعل ممن ذكرنا معمولا فيه مؤثرا.
والثاني: ما قيل: نزل جبريل - عليه السلام - على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فقال: " إن عفريتا من الجن يكيدك؛ فتعوذ بأعوذ برب الفلق، وبرب الناس من شره إذا أويت إلى الفراش ".
والثالث: قيل: إن واحدًا من اليهود سحر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فنزل هذا.
قال أبو بكر الأصم: ذكروا في هذه السورة حديثا فيه ما لا يجوز؛ فتركته.
قال الفقيه - رحمه اللَّه -: ولكن عندنا فيما قيل: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سحر - وجهان في إثبات رسالته ونبوته.
أحدهما: بما أعلمه بالوحي أنه سحر، وذلك فعل فعلوه سرا منه، ولا وقوف لأحد على الغيب إلا بالوحي.
والثاني: بما أبطل عمل السحر بتلاوة القرآن؛ فيصير لتلاوته في إبطال عمل السحر ما لعصا موسى - عليه السلام - وأن هذا في كونه آية أعظم مما فعل موسى عليه السلام؛ لأن ذلك يتنوع بتنوع ما له الفعل والعمل من حيث الجوهر والطبع من حيث مرأى العين؛ فإنه ثعبان يلقف ما صنعوا. فأما إبطال السحر وعمله بتلاوة القرآن لا يكون إلا باللطف من اللَّه تعالى، واللَّه أعلم.
ثم الأصل في هذا عندنا: أنه قد ثبت الأمر بالتعوذ بقوله: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، وقد بينا حق الاشتراك فيما يتضمن هذا الأمر إن كان على نازلة في واحد، أو على ابتداء التعليم، فهو أمر فيه رجاء للفرج والمخرج من الأمور الضارة بما يعتصم فيها باللَّه - تعالى - بما عنده من اللطائف؛ فجائز تمكينه من أمور ضارة باللطف من حيث لا يعلم البشر مأتاه، ولعل الذي يعمل به لا يعلم حقيقة ذلك العمل الذي جعل اللَّه لذلك العمل إلا بما سبق من وقوع ذلك، وقد يجوز الأمر والنهي بأشياء بعينها من الأفعال؛ لمكان ما يتولد عنها من المنافع والمضار باللطف من حيث لا فعل في حقيقة ذلك للخلق؛ وإنما ذلك لطف من اللَّه - تعالى - نحو ما نهى عن أكل أشياء، وأمر بها، مما بها الاعتداء والقتل، من غير أن نعلم حقيقة وصول ذلك إلى ما يعدو أو يقتل وأي حكمة في ذلك ومعنى له؟.
وكذلك الموضوع من المناكح لطلب الولد وسقي الأشجار والزروع بما يحدث الله فيها، وإن كان وجه العمل بالمأمور به، والمنهي عنه، وحقيقته بغير الذي له ذلك. وعلى ذلك الأمر بالاستماع، والنظر لما يلقى إليه ويراه، وإن لم يكن حقيقة الإدراك فعله.
وعلى ذلك التقدير جائز أن يكون اللَّه - تعالى - يجعل النفث بالعزائم، أو بأنواع السحر، أو بأنواع الرقى - أعمالا في المقصود بها من النفع والضر، لا يعلم حقيقة الوقوع والمعنى الموضوع فيه له من فيه ذلك الفعل، وهو به مأمور، وعنه منهي؛ بما له من حقيقة الفعل، وإن لم يكن النافع به في حقيقة فعله.
ثم قوله - عز وجل -: (الْفَلَقِ) اختلفوا فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: الصبح.
الفلق 113:2
وقيل: كل شيء ينفلق من جميع ما خلق، نحو الأرحام؛ ليتعرف ما فيها، والحب، والنوى، والهوام، وكل شيء.
فمن ذهب إلى تخصيص الصبح؛ فهو لأنه آخر الليل، وأول النهار، وقد جرى تدبير اللَّه - تعالى - في إنشاء هذين الوقتين على جميع العالم، بحيث لا يملك أحد الامتناع عن حكمهما فيما جعل لهما، وهما النهاية في العلم بعلم اللَّه - تعالى - الغيب؛ إذ جرى من تدبيره في أمر الأوقات في الليل والنهار على حد واحد كل عام، بما فيهما من الرحمة للخلق وأنواع المحنة، ومَنَّ عليهما بما يأتيان الخلق ويذهبان؛ فكأنما ذكر جميع الخلق على ما ذكر في تأويل قوله - تعالى -: (بِرَبِّ النَّاسِ)؛ فيكون فيه لو قصد بالذكر ما في كل ذلك، ولا قوة إلا باللَّه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) له وجهان:
أحدهما: من شر خلقه؛ لما أضاف إلى فعله؛ كما يقال: " من شر فعل فلان "، أي: من شر ما يفعله.
ويحتمل من شر يكون من خلقه، لكن الإضافة إليه بما هو خالق كل شيء من فعل خلقه، ومن خلق ما له الفعل ولا فعل.
والأول كأنه أقرب؛ لما ذكر في بقية السورة من الواقع بخلقه المكتسب من جهتهم، وأضيف إليه؛ لما بينا، ولأن كل شر اكتسبه الخلق فذلك منسوب إلى اللَّه - تعالى - خلقا، وهو فعل المكتسب وكسبه، فمتى كان المراد من قوله - تعالى -: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) هذا النوع؛ فكأن ذكر ما بعده يكون تكريرا.
وإذا حمل الأول على محض التخليق فيما لا صنع للخلق فيه من الشرور، كان ذكر ما لهم صنع فيه -وإن كان بخلق اللَّه تعالى، لا يكون تكريرا- فيكون هذا التأويل أحق، مع ما قد بينا أنه يمنع في فعل غيره بلطف، أو إعجاز، وفي الإعجاز لا يحتمل التعوذ من شر من لا يقدر على فعل يتصل به الشر، وفي ذلك إثبات التمكين لما يقع به الشر؛ فيجوز التعوذ من الذي منه أذية تكون من غيره، على ما بينا من جواز الأمر والنهي عن
الفلق 113:3
أفعال لمكان ما يقع بها، وإن لم يكن الواقع في الحقيقة لهم؛ فعلى ذلك التعوذ من شر خلقه، وهو التمكين واللَّه الموفق والمعين.
وفي هذا تعلق بعض من يقول بأن القوة تسبق الفعل: أنه لو لم يكن له قوة على الشر كيف كان يتعوذ من شر من لا يقوى عليه؟.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن التعوذ يكون بما سيفعل بما يملك هو ما يقع لديه الفعل، وهو الآلات السليمة والقدر تحدث تباعًا على حدوث الأفعال، وتحدث لما يختار هو؛ فصارت القدرة في كونها لما يختار؛ ككون ما يختار من الفعل بالاختيار بحدوث القدرة حالة الفعل؛ فيتعوذ منه؛ لعلمه أن الذي به كأنه في يده.
والثاني: أن قد جرت العادة بالعلم بما يقع في المتعارف: كالعلم بما هو واقع في الرغبة والرهبة؛ ألا ترى أنه يتعوذ من ظلم الجبابرة والظلمة، على ما بينهم من بعد الأمكنة وطول المدد؛ لإمكان الوصول بما اعتيد منهم بلوغ أمثال ذلك، وإن كانت القدرة على الظلم في حقه للحال معدومة، لا تبقى في مثل هذه المدة؛ فعلى ذلك الأمر الأول:
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) اختلف فيه:
قيل: الغاسق: هو الليل المظلم: والغسق الظلمة.
وقيل: سمي الليل: غاسقا؛ لأن الغاسق: البارد، قال اللَّه تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا)، والليل أبرد من النهار؛ لذلك سمي: غاسقا.
والأصل في هذا: أن الذي ذكر لا يكون منه ضرر يتعوذ منه، لكنه يرجع إلى من كان في ظلمة الليل، أو في نور القمر من الذي يأتي منه المضار، ومعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة الليل، ومنها في الليالي لا يمكن إلا بنور القمر؛ فأمر بالتعوذ مما يكون فيها، لا أن يكون منها، وهو كقوله - تعالى -: (وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)، لما يقع به الإبصار؛ لا أنه يقع منه ذلك.
وهذا - واللَّه أعلم - ليس على تخصيص الليل بذلك؛ لأنه ليس له فعل الضر، لكن قد يعرض به الإمكان من الشر؛ لما المعلوم أن من الشرور ما لا يمكن منها إلا في ظلمة
الفلق 113:4
الليل، ومنها في الليل لا يمكن إلا بنور القمر؛ فأمر بالتعوذ منه عما يتحقق فيه؛ فعلى ذلك يجوز التعوذ من شر النهار، على تأويل ما يقع به من التمكين من الشر، ويوجد فيه، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِذَا وَقَبَ) واختلفوا في معنى (وَقَبَ): قيل: إذا جاء ودخل.
وقيل: ذهب.
وقيل: معناه: القمر إذا خسف، أمر بالاستعاذة من ذلك؛ إذ هو علم من أعلام الساعة؛ لهذا قال: (إِذَا وَقَبَ)؛ إذ القمر لا يخسف إلا في الليل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤):
فهذا تعوذ من شرهم بحسب سببه، لكنه في الحقيقة فعل لهم، وفي الأول يقع سببه بلا صنع لهم، فكأنه في الجملة أمر بالتعوذ من كل سبب خيف تولد الشر منه، فعلا كان ذلك له أو لم يكن؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)، وقد يكون للشيطان فعل في الحقيقة، ولا يكون للحياة الدنيا فعل؛ فوقع النهي عن الاغترار بهما؛ فعلى ذلك التعوذ من شر الأمرين وإن لم يكن لأحدهما فعل بما يقع فيه.
وجائز أن يكون من هذا الوجه في الملائكة محنة في الدفع والحفظ؛ لقوله - عز وجل -: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، قيل فيه: أي: بأمر اللَّه يقع حفظه؛ فجائز أن يكون في هذه الأمور الخفية، وأنواع المضار من حيث لا يعلم إلا بعد جهد يقع الحفظ باللَّه - تعالى - على استعمال الملائكة.
وعلى ذلك يجوز أن يكون أمر سلامة المطاعم والمشارب والمنافع التي للبشر عن إفساد الجن، يحفظ ما ذكر؛ ليكون فيها محنة للملائكة، على ما كان مكان وسواس الشيطان إيقاظ الملائكة ومعونتهم.
ويحتمل أن يكون اللَّه - تعالى - لم يمكنهم إفساد ما ذكرنا وإن مكنهم الوسواس؛ إذ باللطف يمنع من حيث لايعلم.
الفلق 113:5
وقيل - أيضا -: من أمر اللَّه: عذابه وأنواع البلايا إلى وقت إرادة اللَّه - تعالى - الوقوع.
وقوله - عَزَّ وجل -: (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥) يخرج على وجهين:
أحدهما: إذا كان الحاسد دون المحسود، لا يقوى على الشر ليفعل به، والشر المتوهم منه يكون من شر عينه، وعمل الحسد إرادة زوال نعم المحسود وذهاب دولته.
وإنه جائز أن يكون اللَّه - عَزَّ وجل - بلطفه يجعل في بعض الأعيان عملا يتأدى بالنظر إلى ما يستحسنه من النعم إلى الزوال، ويؤثرون ذهاب الدولة عنه؛ فأمر بالتعوذ لهذا، وقد بينا لك المتولدات من الأفعال بما جعل اللَّه - تعالى - فيها من المضار والمنافع ما لا يبلغها علوم الخلق، بل لو أراد الخلق أن يعرفوا ما في البصر من الحكمة التي تدرك بفتح البصر ما بين السماء والأرض من غير كثير مهلة، لم يقدروا عليه.
وروى عمران بن حصين أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة ".
وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " العين حق، فإن كان شيء يسبق القدر لسبقه العين ".
وفي خبر آخر: " لا شر في الهام، والعين حق ".
ويدل عليه في قصة إخوة يوسف - عليه السلام -: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ).
وقد فسر قوم وجه عمل العين وكيفيته، لكنه أمر كعمل الشمس في العين نفسها فيما تبصر الشمس وتنظر إليها، فإنها تضره وتغلبه عن النظر على بعدها من العين بما جعل اللَّه - تعالى - وذلك من اللطف والحكمة، وكذلك عمل العين في المعيون.
والثاني: أن يكون بما حسد أن يبعث حسده على الحيل وأنواع ما به العين من السعي في الأمور التي بها الفساد على ضعفه في نفسه؛ قال اللَّه - تعالى - في صفة المنافقين: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ)، فمع ما بين من فشلهم وضعفهم، أمرهم بالحذر عنهم، وقال: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)، ثم أمر بالتعوذ من شره؛ فكذلك الحاسد، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
الناس 114:1
سُورَةُ النَّاسِ، مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس ِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦).
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ):
ظاهره أمر لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بشيء مشار إليه، وهو التعوذ، وحق الإجابة في مثله أن يقول: أعوذ، لا أن يقول: (قُلْ أَعُوذُ) لكنه - واللَّه أعلم - يخرج على وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك أنزل بحق أن يصير ذلك أمرا لكل من بلغه، وتعليما بالذي عليه من الاعتصام باللَّه - تعالى - والالتجاء إليه من شر الذي ذكره؛ ليعيذه، وتكون الإعاذة بوجهين:
أحدهما: في تذكير ما عرفه من الحجج في دفع ما يخطر بباله من المكروه.
والثاني: باللطف الذي لا يبلغه علم الخلق، ولا تدركه عقولهم مما لديه نفع الأمن من الزيغ مما حقه الإفضال، والذي ذلك حقه، فلله - تعالى - أن يكرم به العبد مبتدئا، وله أن يقدم فيه محنة السؤال والاعتصام به؛ على الإكرام أيضا، ويلزم على من عصم به عن الزلة، أو هدي إلى حسنة: الشكر لله - تعالى - فيما ابتدأه أو أكرمه به عند السؤال.
والوجه الثاني من وجهي الخطاب: أن يكون الخطاب لغيره، وإن كان راجعا إلى مشار إليه، فهو مما يشترك في معناه غيره؛ فأبقى وأثبت ما به يصير مخاطبا من بلغ ذلك، وهو قوله - تعالى -: (قُلْ) حتى يدوم هذا إلى آخر الدهر، وعلى هذا جميع ما فيه حرف الكلفة والمحنة -أعني: صيغة الأمر- واللَّه الموفق.
ثم في قوله - تعالى -: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ...) إلى آخر السورة وجهان من الحكمة، فيهما نقض قول أهل الاعتزال:
أحدهما: أن المحنة قد ثبتت بالامتناع عن طاعة الشيطان والمخالفة له: فإما أن كان
الناس 114:2
اللَّه - تعالى - أعطاه جميع ما يقع به الامتناع حتى لا يبقى عنده مزيد، أو لا يعطيه جميع ذلك، بل بقي عنده شيء منه.
فإن كان قد أعطاه، فهو بطلب ذلك بالتعوذ والاعتصام باللَّه - تعالى - كاتم لما أعطاه، طالب ما ليس عند اللَّه - تعالى - فيكون الأمر بالتعوذ محنة وأمرا بما به كتمان ذلك، وذلك حين استوفاه يكون إنكاره ستر نعم اللَّه - تعالى - وقد تبرأ عن الأمر بالفحشاء والمنكر، وبين أن ذلك عمل الشيطان.
ثم في المحنة بهذا محنة بالاستهزاء باللَّه تعالى؛ لأنه يطلب منه ما يعلم أنه لا يملكه، ولا يجده عند نفسه، وذلك من علَم الهزء عند ذوي العقول، فمن ظن أن اللَّه - تعالى - يمتحن عباده ويأمرهم بشيء مما ذكرنا، فهو جاهل باللَّه - تعالى - وبحكمته وإن لم يكن اللَّه تعالى يمتحن عباده، ويأمرهم بشيء مما ذكرنا؛ فهو جاهل بما أعطاه وعنده بعد ذلك.
ثم كان من مذهبهم أنه ليس لله - تعالى - أن يمتحنهم بفعل إلا بعد إيتاء جميع ما عنده مما به قوامه ووجوده؛ ففي ذلك اعتراف بلزوم المحنة وتوجه التكليف قبل إيتاء جميع ما عنده مما به الوصول إلى ما أمر به، وذلك ترك مذهبهم مع ما كان عندهم أنه لو كان عند اللَّه - تعالى - أمر ومعنى، لا يقع فعل المختار؛ لأجل أنه لا يعطيه ذلك - لم يكن له أن يمتحنه، وهو بالامتحان جائر.
وإما أن سألوه بفعل قد أمر به، وإن لم يكن أعطاه ذلك، وهم ما وصفوا اللَّه - تعالى - بمثل ذلك أو بفعل يتلو وقت الأمر ذلك؛ فيكون إعطاء ذلك وقت الأمر؛ فكأنه ظن أن يأمر ولا يعطي حتى يُسأل، وذلك حرف الجور.
ثم الأصل الذي اطمأن به قلوب الذين يعرفون اللَّه - تعالى - أنه متى هدى الهداية التي يسأل أو عصم العصمة التي يطلب، أو وفق لما يرجو من الفعل، أو أعانه عندما يخاف أنه كان ذلك لا محالة، وتحقق بلا شبهة، ويأمن لديه من الزيغ والضلال، وعلى ذلك جبلوا مما لا نجد غير معتزلي إلا وقد اطمأن قلبه به، حتى يعلم أن هذا منه وقع المجبول عليه بالتقليد، ولا قوة إلا باللَّه تعالى.
وقوله - عز. وجل -: (بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) ولم يقل: " أعوذ برب الخلق "، وهذا أعم من الأول، وإضافة كلية الأشياء إليه، أو إضافته إلى الكل بالربوبية من باب التعظيم لله - تعالى - فما كان أعم فهو أقرب في التعظيم، فهذا - واللَّه أعلم - يخرج على أوجه:
أحدها: أراد التعريف، وبهذا يقع الكفاية في معرفة من يفزع إليه ممن يملك ذلك، ليعوذ منه، لكنه ذكر (بِرَبِّ الْفَلَقِ)، في موضع، و (باللَّهِ) في موضع، وقوله في موضع، كقوله - تعالى -: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ)، وقال: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)؛ ليعلم به من سعة الأمر وتحقيق الفزع، والرجوع إلى اللَّه - تعالى - عند نزول ما ينزل بالمرء مما يخاف على نفسه، ويشغل قلبه - أن له ذكر ما يحضره من أسماء اللَّه - تعالى - أي اسم كان؛ إذ ما من اسم إلا وفيه دلالة على نعمه وسلطانه وقدرته وعظمته؛ ليكون في ذلك توجيه الملك إليه وإخلاص الحمد له بإضافة النعم؛ فيكون ذلك من بعض ما به التشفع إلى اللَّه - تعالى - من ذكر قدرته وإحسانه، وأرفع ذلك في ذكر الناس بالإضافة إليه.
والثاني: أن الذين عرف فيهم الأرباب والملوك والعبادات لمن دون اللَّه - تعالى - هم الإنس دون غيرهم؛ فأمر أهل الكرامة بمعرفة اللَّه - تعالى - والعصمة عن عبادة غيره، والاعتراف بالملك والربوبية له -: أن يفزعوا إليه عما ذكر، ذاكرين لذلك، واصفين بأنه الرب لهم، والملك عليهم، والمستحق للعبادة لا غير.
أو لما كان للوجوه التي ذكرنا ضل القوم من اتخاذهم أربابا دون اللَّه تعالى.
أو نزولهم على رأي ملوكهم في الحل والحرمة، وفي البسط والقبض.
أو عبادتهم غير اللَّه - تعالى - وفزعهم إليه؛ فأمر اللَّه - تعالى - أهل الكرامة بما ذكرت الفزع إلى الذي يذكر بهذه الأوصاف على الحقيقة على نحو فزع الضالين إلى أربابهم وملوكهم والذين عبدوهم دونه؛ إذ إليه مفزع الكفرة - أيضا - عند الإياس عمن اتخذوهم دون اللَّه؛ لنصرتهم ومعونتهم، واللَّه أعلم.
والثالث: أن المقصود من خلق هذا العالم هم الذين نزلت فيهم هذه السورة، وغيرهم
الناس 114:4
كالمجعول المسخر لهم، قال اللَّه - تعالى -: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، وقال: (اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُم...) الآية، وقال اللَّه - تعالى -: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا...) الآية، فإذا قيل: (بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ)، فكأنه قيل: " برب كل شيء "، لأن ما سواهم جعل لهم، وذكر الخلق والتوجيه إليه في الاستعاذة والاستعانة هو اعتراف بألا يملك غيره ذلك؛ فاستوى الأمران، واللَّه أعلم.
وقيل في (بِرَبِّ النَّاسِ): مصلح الناس، وذلك يرجع إلى أن به صلاحهم في الدِّين وفي النفس.
وقيل: ملك الناس؛ على الإخبار بأن الملك له فيهم جميعا، وفي الخلق مما لم يذكر فيه جهة الملك؛ فبين أن ذلك كله في التحقيق لله - تعالى - وملكه، ولغيره يكون من جهته على ما أعطي لهم بقدر ما احتاجوا إليه.
وقيل: سيدهم، لكن لفظة " السيد " لا تذكر لمالك غير الناس، ويوصف بالرب والملك والمالك على الإضافة لا مطلقا، يقال: رب الدار، ومالك الجارية، وملك المصر، ونحو ذلك، فكأنه أقرب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤):
سمى الذي يوسوس بأنه وسواس وخناس، وقيل في تأويله من وجهين:
أحدهما: أنه يوسوس لدى الغفلة، ويخنس عند ذكر اللَّه تعالى، أي: يخرج ويذهب.
وقيل: يخنس: لا يرى، ولا يظهر، كقوله - تعالى -: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)؛ ولهذا قيل في الجواري الكنس: إنهن يطلعن من مطالعهن، ويخنسن بالنهار، أي: يختفين.
وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاس ِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) صير الموسوس في صدور الناس من الجنة والناس.
وقيل - أيضا -: على التقديم والتأخير، معناه: قل أعوذ برب الناس من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس.
أما الوسوسة فهي أمر معروف، وذلك بما يلقى من الكلمات التي تشغل القلب وتحير في أمر الدِّين، بما لا يعرف الذي يلقى إليه المخرج من ذلك، وعلى ذلك أمر أهل الأهواء، وأصناف الكفرة؛ كقوله - تعالى -: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ)، وأما شياطين الجن، فهو أمر ظاهر عند جميع أهل الأديان ومن آمن بالرسل عليهم السلام، لكن الدهرية ومنكري الرسل يقولون: ليس في الجن شياطين؛ وإنما هو أمر يُخَوَّف به مدعو الرسالة؛ ليلزموا الخلق الاستماع إليهم في تعرف الجهل وما عندهم في دعواهم من العلوم والمعارف، وهذا لسفههم قالوا، ولو أنهم تأملوا في ذلك، لعرفوا أنهم على غير بحث عما ألزمهم ضرورة العقل الطلب، ودعتهم إلى البحث عنه ما مستهم من الحاجة، وهي الخواطر التي تقع في القلوب، والخيالات التي تعرض في الصدور، منها ما إذا صورت وجدت قباحا، ومنها ما إذا صورت وجدت حسانا، ولا يجوز وقوع أمر أو كون شيء بعد أن لم يكن من قبل نفسه؛ للإحالة في أن يصير لا شيء بنفسه شيئا قبيحا أو حسنا بلا مدبر، وقد علم جميع الإنسان بالذي ذكرت من الابتلاء به مما يعلم أنه لم يكن من نفسه معنى يحدث له ذلك؛ فثبت أن قد كانت الضرورة تلزم البحث عن ذلك.
ثم لا يعلم من حيث طلب الأبدان الموجبة لها ولا في العقول - أيضا - دركها؛ فيجب بها أمران منعهم عن العلم بهما القنوع بالجهل وحب الراحة:
أحدهما: القول بالصانع، ودخول العالم تحت تدبير حكيم عليم قدير.
والآخر: القول بالرسالة تأتيهم من عند علام الغيوب، وإذا كان ذلك بحيث لا يبلغه علم البشر فيعرف حقيقة ذلك؛ فَيُعْلم عند النظر والبحث أمران عظيمان:
أحدهما: الرسل بما معهم من المعجزات، فيقولون بهم، وبالتوحيد بما رأوا من الآيات الصدق؛ إذ قد علموا أن في الأخبار صدقا، لولا ذلك لكانوا لا يدعون شيئا؛ إذ هو خبر له.
والثاني: يلزمهم بما يعاينوا من مرجح الأمر من غير الحكماء أنها تقع متفاوتة مضطربة، والعالم بما خرج متسقًا على الحكمة والمصلحة؛ فعلموا أنه كان بمدبر حكيم يعلم ما به المصالح؛ فيلزمهم به أمران أيضًا: التوحيد والرسالة، ولا قوة إلا باللَّه.
والأصل عندنا بتمكين الشيطان ما ذكرنا من الوسوسة أن الشيطان والملك خَلْقَان لله تعالى عرفناهما بالرسل - عليهم السلام - وبما بيَّنَّا من ضرورة الحاجة إلى العلم ممن بإلقائه يصير عند التصوير قبيحًا أو حسنًا، فيأتيان جميعًا بما مكنهما اللَّه تعالى من الأمرين جميعًا: أمر الملائكة الخير والحكمة فيسهل عليه سبيله بتيسير اللَّه تعالى وفضله، وأمر الشيطان الضلال والشر فييسر عليه، حتى صار الخير للأول كالطبع، والشر للثاني كذلك، فإذن كان كل واحد ممكنًا من الأمرين، قال اللَّه تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ...) إلى قوله - عز جل -: (لِلْعُسْرَى)، وقال اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ...) إلى قوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ).
ثم الأصل في الإنس أنهم امتحنوا بحقوق بينهم وبين اللَّه تعالى وبحقوق فيما بينهم، وكلفوا تثبيت الملائكة إياهم بقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)، وأمروا برد ما يوسوس إليهم الشيطان بقوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)، وغير ذلك.
وعلى ذلك خلقت الملائكة ممتحنين بالكتابة على البشر بقوله: (كِرَامًا كَاتِبِينَ) فتكون الحكمة في تكليف التمكين ما وصف من محنة اللَّه تعالى إياهم طاعتهم في أنفسهم وفيما مكنوا من غيرهم، على ما ذكرت من أمر الإنس، وحكمة ذلك للإنس إلزام التيقظ والنظر فيما يقع في قلبه من الخواطر؛ ليعلم الذي له والذي عليه.
وكذلك في تكليف الملائكة كتابة قوله وفعله؛ ليكون متيقظًا ومتنبهًا في كل أفعاله وأحواله كتيقظه فيما كان الأولياء والأعداء من الكاتبين الظاهرين عليه أنه يحذر كل الحذر عما يؤذي وليه، ويقبل على كل أمر فيه نفع بما أمَّل، ويحذر عدوه أشد الحذر؛ لئلا يؤذيه من حيث لا يعلم، فيتهمه كل تهمة. ثم معلوم ألا يمل الكتبة إلا بعد إحكامه وإصلاحه غاية ما يحتمل الوسع، فعلى ذلك فيما خفي؛ إذ هم في العقول في درك ما منهم وما عليهم كالذين ذكر لهم ممن ظهروا لأبصارهم، واللَّه الموفق. وكذلك صلحت المحنة والأمر في صحبة الأولياء والأعداء بحق الولاية والعداوة فيما لا يرون صلاحها وفيما يرون؛ إذ من الوجه الذي فيه الولاية والعداوة مرئية لأبصار القلوب والعقول؛ فيمكن الحذر والمعاملة جميعًا، وعلى هذا التقدير لم يمكن اللَّه أعداءه الذين لا يرون من معاداتهم بأفعال من أبدانهم وأموالهم بالسلب والتنجيس والإفساد، وقد مكن أعداءهم من الإنس ذلك؛ ليمكنهم الدفع عن ذلك والحذر عنه بما وقع الوقوف لبعض على حيل بعض والصرف عن ذلك، وما هذا إلا كدرك الحواس بأفعالها وأسبابها بالحس، وكذلك أمر الملائكة، لكن من لا يحتمل عقله معرفة الصانع والتوحيد مع شهادة العقل وكل شيء فجهله بالشيطان غير مستبعد ولا مستنكر، واللَّه أعلم.
قال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ثم اختلف في وجه تمكن الشيطان من الإنس فيما يوسوس إليه:
قد روي في بعض الأخبار أنه يجري فيه مجرى الدم، فأنكر ذلك قوم، وليس ذلك مما ينكر بعد العلم باحتمال جري الدم فيه وجري قوة الطعام والشراب وما به حياة الأبدان والحواس مما لطف مجراه في جميع العروق والأعصاب وكل شيء؛ بلطافة ذلك؛ فعلى ذلك الشيطان.
وعلى ما روي في أمر الملك مما يكتب ما لا يعلم موضع قعوده ولا يسمع صريف قلمه ولا ما يكتبه علينا من ذلك، فعلى ذلك أمر الذي ذكرت.
ثم قد ثبت القول بأمر اللَّه تعالى نبيه أن يتعوذ به عن همزه ونزغه وحضوره بقوله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ...) الآية، وقوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ...)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا)، وقال: (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ...) الآية، فثبت أن أمره على ما بيناه.
ثم القول في أي موضع لوقت ما له من الوحي والمس والنزغ أمر لا يحتاج إليه بحق؛ لأن اللَّه تعالى وعَزَّ وَجَلَّ أخبرنا أنا لا نراه بقوله: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، ولكن الذي رجعت المحنة إلى أفعاله التي يقع لها آثار في الصدور، وقد مُكِنَّا بحمد اللَّه تعالى ومَنِّهِ لندرك منه، وإنما علينا التيقظ لما يقع في الصدور من أفعاله ووساوسه لندفع بما مكننا اللَّه تعالى وعَزَّ وَجَلَّ من الأسباب، وعرفنا من الحجج نقض الباطل والتمسك بالحق، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا)، وتوجهوا إلى اللَّه تعالى بالتعوذ في طلب اللطف الذي جعله اللَّه تعالى للدفاع، كقول يوسف - عليه الصلاة والسلام -: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ...) الآية، على العلم فيه بطوائف الأشياء من المجعول لدفع كيدهن، وكذلك قول الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً...) الآية.
لكن من الناس من يقول: هو يعلم النفس فيما تهوى فيزين لها ذلك، والعقل فيما يدعو من ذلك فيمنعه عن ذلك.
ومنهم من يقول: لا، لكن في ذلك آثار من الظلمة والنور والطيِّب والخبيث، فيعرف بالآثار وفيها موقع وسواسه حتى يصل إلى الفعل، وقد يكون عمل الهوى والعقل جميعًا في الجسد وخارجًا منه، وبخاصة آثار الأعمال.
ومنهم من يقول: ليس له بشيء من ذلك علم، لكن بكل ما يرجو العمل من التغرير أو في التمويه والتلبيس كالأعمى فيما يمس ويطلب المضار من المنافع ونحو ذلك، لكن ذلك كله طريق عمل الشيطان وطريق إمكانه وحِيَله، وذلك أمر لم نؤمر بمعرفته، وإنما علينا مجاهدته في منع ذلك بالتيقظ أو بدفعه بما نتذكر، هكذا ذكرت في الآيات، أو بالفزع إلى اللَّه سبحانه وتعالى في دفعه ومنعه إن حضر بما عنده من اللطائف التي لديها يقع الأمن عن الزيغ والظفر بالرشد.
وتأول كثير منهم أنه يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الناس، وذلك ممكن؛ لما قد يكون من كل جنس ضُلَّالٌ وغُواة وأخيار وأبرار، فأما حق تأويل السورة على ما وصفنا في ذكر وسواس الجن والإنس.
ثم القول في المعوِّذتين أنهما من القرآن أو ليستا من القرآن، قال الفقيه - رحمه اللَّه -: لنا من أمرهما أنهما انتهتا بما انتهت إلى أهل هذا العصر معرفة القرآن في الجمع بين اللوحين بتوارث الأمة، ولسنا نحن ممن يعرف بالمحنة والسير بما به نعلم أنهما معجزتان أو لا، وإنما حق ذلك الأخذ عن أهل ذلك والشهادة له بعد الثبات أنه من القرآن وأنه معجز، حقُّ أمثالنا فيه الاتباع، وقد اتضح بما به جرى التعارف في جميع الشرائع التي بها يشهد أنها عن اللَّه تعالى وأنها حق، فعلى ذلك هذا.
لكن ذكر عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه لم يكتبها في مصحفه، وذلك عندنا يخرج على وجهين:
أحدهما: أنه لم يكن سمع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال فيهما شيئًا أنهما من القرآن أم لا، ولم يكن أيضًا رأى على نفسه السؤال عن ذلك حقًّا واجبًا؛ لأن القرآن وما جاء به الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فيما يلزم علم الشهادة والعمل به واحدٌ؛ إذ المقصود من كل ذلك القيام بالمقصود من حق الكلفة لا التسمية، ولم يكن النجباء يمتحنون أنفسهم بالسير في الوجوه التي بها يعرفون المعجز من غير ذلك أنه قرآن أو غيره، وإنما ذلك من عمل المرتابين الشاكين في خبر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليعرفوا أنه مبعوث مرسل، فأما من تقرر عنده واطمأن به قلبه وزال عنه الحرج فيما آتاهم فقد كُفُوا ذلك، وكذلك يجوز ترك البحث عن ذلك لما ذكرت، لا أن عنده أنهما ليستا من القرآن، وفي خبر عقبة الجهني أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لأصحابه: " نزل اليوم آيات لم ير مثلهن قط " قيل: ما هن يا رسول اللَّه؟ فقال: " المعوِّذتان "، دل أنهما من القرآن.
وأيد أيضا ما ذكرت في ترك الكتابة ما روي عن أبي بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال لنا: " فقولوا "، فنحن نقول بقولٍ لم يشهد في تلك بأنهما منه ولا ليستا منه بما لم يكن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأخبره بهما، فعلى ذلك أمر عبد اللَّه بن مسعود، رضي الله عنه.
ويؤيد ذلك أيضا أمر استعاذة القرآن أنها مقدمة على القراءة، وحق هاتين السورتين لو كانتا منه بيقين أن تكونا في افتتاح المصحف كالاستعاذة للقرآن، فهذا أيضًا بعض الذي يمنع العلم بحقيقة ذلك عنه، وقد بينا جواز وجه الإشكال مع ما كان الإنزال لحاجة العباد، وعلى ذلك جرى العمل بهما من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وغيره، فهو أمر لا يضر الجهل بالوجه الذي ذكرت. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لو علمت أن أحدًا أعلم بالقرآن مني وحملتني مطيتي لأتيته. وقد روي عمن ذكر عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يعرض على جبريل - عليه السلام - كل عام مرة إلا في العام الذي قبض عرض عليه مرتين، وقد شهدهما جميعًا عبد اللَّه، فعلَّه لم يعرض ما شاء اللَّه، وإذا كان كذلك لم يكن هو ممن يسأل في هذا الباب غيره ليثبت عنده السماع بأنهما أثبتتا في المصحف؛ فبقي قوله بحيث لا نعرف حقيقته، ووجه آخر أن يكون رآهما منه لكن لم يكتب؛ لوجهين:
أحدهما: لما لم يكن موضع الكتاب والتدبير، على ما ذكرنا أن يكون في أول المصاحف، فكره أن يكتب بتدبيره، ويتخير له موضعًا للكتابة؛ فلم يكتب كذلك.
والثاني: أنه يكتب ليحفظ ولا ينسى، وقد أمن عليهما النسيان؛ لأنهما بحيث يجب تلاوتهما في أوائل النهار ومبادئ الليل، وعند النوازل ينفع التعوذ بهما من كل شر وكيد، على نحو الاستعاذة وأنواع الدعوات المدعوة، فلما أمن خفاءهما لم يكتب، وعلى ذلك ترك كتابة فاتحة الكتاب، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
الناس 114:5
الآيتان ٥و٦ :( والثالث : جائز )(١) أن يكون قوله تعالى﴿الذي يوسوس في صدور الناس﴾ ﴿من الجنة والناس﴾(٢) صير الموسوس في صدور الناس من الجنة والناس.
( والرابع :)(٣) على التقديم والتأخير، معناه :﴿قل أعوذ برب الناس﴾ من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس.
أما الوسوسة فهو أمر معروف، وذلك مما يلقى من الكلمات التي تشغل القلب، وتحيره لما في أمر الدين ما(٤) لا يعرف الذي يلقى إليه المخرج من ذلك.
وعلى ذلك أمر أهل الأهواء وأصناف الكفرة كقوله تعالى :﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن﴾ ( الأنعام : ١١٢ )، وقوله تعالى :﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ ( الأنعام : ١٢١ ).
وأما شياطين الجن فهو أمر ظاهر عند جميع أهل الأديان ومن آمن بالرسل عليهم الصلاة والسلام، لكن الدهرية ومنكري ( الرسل )(٥) يقولون : ليس في الجن شياطين، وإنما هو أمر يخوف به مدعو الرسالة، ليلزموا الخلق الاستماع إليهم في تعريف الجهل، وما عندهم في دعواهم من العلوم والمعارف ( شيء )(٦)، وهذا لسفههم قالوه(٧). ولو أنهم تأملوا في ذلك لعرفوا أنهم على غير بحث عما ألزمهم ضرورة الفعل الطلب، ودعتهم إلى البحث عنه ما مسهم من الحاجة، وهي الخواطر التي تقع في القلوب والخيالات التي تعرض في الصدور / ٦٦٠ أ/ ( منها ما )(٨) إذا صورت وجدت قباحا، ومنها (٩) ما إذا صورت وجدت حسانا.
ولا يجوز وقوع أمر أو كون شيء بعد أن لم يكن من قبل نفسه للإحالة في أن يصير، لا شيء بنفسه، شيئا قبيحا أو حسنا بلا مدبر، وقد علم جميع الإنسان بالذي ذكرت من الابتلاء به مما يعلم أنه لم يكن من نفسه معنى يحدث له ذلك.
فثبت أن قد كانت الضرورة تلزم البحث عن ذلك. ثم لا يعلم من حيث الأبدان الموجبة لها، ولا في العقول دركها، فيجب بها أمران منعاهم عن العلم بهما، ( هما )(١٠) القنوع بالجهل وحب الراحة : أحدهما القول بالصانع، ودخول العالم تحت تدبير حكيم عليم قدير. والآخر القول بالرسالة، تأتيهم من عند علام الغيوب. وإذا كان ذلك بحيث لا يبلغه علم البشر، فيعرف حقيقة ذلك، فيعلم عند النظر والبحث أمرين عظيمين :
أحدهما : الرسل بما معهم من المعجزات، فيقولون بهم وبالتوحيد بما رأوا من الآيات الصدق، وإذ قد علموا أن في الأخبار صدقا، لولا ذلك لكانوا لا يدعون شيئا، إذ هو خير لهم(١١).
والثاني : يلزمهم بما يعانون من خروج الأمر من غير الحكماء أنها تقع متفاوتة مضطربة، والعالم بما خرج منشقا على الحكمة والمصلحة، فعلموا أنه كان يعلم(١٢) ما به الصالح، فيلزمهم به أمران أيضا : التوحيد والرسالة، ولا قوة إلا بالله تعالى.
والأصل عندنا بتمكين الشيطان ما ذكرنا من الوسوسة : أن الشيطان والملك خلقان لله تعالى، عرفناهما بالرسل عليهم السلام، وبما بينا من ضرورة الحاجة إلى العلم بمن بالغاية يصير عند التصوير قبيحا أو حسنا، فيأتيان جميعا بما مكنهما الله تعالى من الأمرين جميعا : أمر الملائكة الخير والحكمة، فيسهل عليه سبيله بتيسير الله تعالى وفضله، وأمر الشيطان الضلال والشر، فييسر عليه، حتى صار الخير للأول كالطبع، والشر للثاني كذلك.
فإذن كان كل واحد ممكنا من الأمرين : قال الله تعالى :﴿فأما من أعطى واتقى﴾، ﴿وصدق بالحسنى﴾ إلى قوله تعالى :﴿فسنيسره للعسرى﴾ ( الليل : ٥ ١٠ )، وقال الله تعالى :﴿فمن يرد الله أن يهديه﴾ إلى قوله تعالى :﴿كأنما يصعد في السماء﴾ ( الأنعام : ١٢٥ ).
ثم الأصل في الإنس أنهم امتحنوا بحقوق بينهم وبين الله تعالى وبحقوق في ما بينهم، وكلفوا بتثبيت الملائكة إياهم ( بقوله )(١٣) تعالى :﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾ ( الأنفال : ١٢ )، وأمروا برد ما يوسوس إليهم الشيطان بقوله تعالى :﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾ ( فاطر : ٦ ) وغير ذلك.
وعلى ذلك خلقت الملائكة ممتحنين بالكتابة على البشر بقوله :﴿كراما كاتبين﴾ ( الانفطار : ١١ )، فتكون الحكمة في تكليف التمكين لما وصف من محنة الله تعالى إياهم طاعتهم في أنفسهم، وفي ما مكنوا من غيرهم على ما ذكرت من أمر الإنس.
وحكمة ذلك للإنسان(١٤) إلزام التيقظ والنظر في ما يقع في قلبه من الخواطر، ليعلم الذي له من الذي عليه، وكذلك في تكليف الملائكة كتابة قوله وفعله ليكون متيقظا ومنتبها في كل أفعاله وأحواله، كتيقظه في ما كان الأولياء والأعداء من الكاتبين الظاهرين عليه أنه يحذر كل الحذر عما يؤذي وليه، ويقبل على كل أمر فيه يطمع بما أمل، ويحذر عدوه أشد الحذر لئلا يؤذيه من حيث لا يعلم، فيتهمه كل تهمة.
ثم معلوم ألا يمل الكتبة إلا بعد إحكامه وإصلاحه غاية ما يحتمل الوسع.
فعلى ذلك في ما خفي، إذ هم في العقول في ( درك )(١٥) ما منهم وما عليهم، كالذين ذكر منهم ممن ظهر وألا يضارهم، والله الموفق.
وكذلك صلحت المحنة والأمر في صحبة الأولياء والأعداء بحق الولاية والعداوة في ما لا يرون صلاحها، وفي ما يرون، إذ من الوجه الذي فيه الولاية والعداوة مزينة لأبصار القلوب والعقول، فيمكن الحذر والمعاملة جميعا.
وعلى هذا التقدير لم يمكن الله أعداءه الذين لا يرون من معاداتهم بأفعال من أبدانهم وأموالهم بالسلب والتنجيس والإفساد، وقد مكن أعداءهم من الإنس ذلك لتمكنهم الدفع عن ذلك والحذر عنه بما وقع الوقوف على حيل بعض، والصرف عن ذلك.
وما هذا إلا كدرك الحواس بأفعالها وأسبابها بالحس، وكذلك أمر الملائكة.
لكن من لا يحتمل عقله معرفة الصانع والتوحيد مع شهادة العقل وكل شيء فجهله بالشيطان غير مستبعد ولا مستنكر، والله اعلم.
قال رضي الله عنه : ثم اختلف في وجه تمكن الشيطان من الإنس في ما يوسوس إليه : قد روي في بعض الأخبار " أنه يجري فيه مجرى الدم " ( مسلم ٢١٧٤ )، فأنكر ذلك قوم، وليس ذلك مما ينكر بعد العلم باحتمال جري الدم فيه، وجري قوة الطعام والشراب وما به حياة الأبدان مما لطف مجراه في جميع العروق والأعصاب. وكل شيء بلطافة ذلك ( فعل ذلك )(١٦) الشيطان.
وعلى ما روي في أمر الملك مما يكتب ما لا يعلم موضع تعوذه، ولا يسمع صرير قلمه، ولا ما يكتب علينا من ذلك أمر الذي ذكرت.
ثم قد ثبت القول بأمر الله تعالى نبيه أن يتعوذ به من همزه ونزغه وحضوره بقوله تعالى :﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ الآية ( الأعراف : ٢٠٠، وفصلت ٣٦ )، وقوله تعالى :﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾ ( المؤمنون : ٩٧ )، وقوله(١٧) تعالى :﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ ( الأعراف : ٢٠١ )، وقوله :(١٨) ﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ الآية ( البقرة : ٢٧٥ )، فثبت أن أمره على ما يشاء.
ثم القول في أي موضع لوقت ما له من الوحي والمس والنزغ أمر لا يحتاج إليه بحق ؛ لأن الله تعالى أخبرنا أنا لا نراه بقوله :﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ ( الأعراف : ٢٧ ).
ولكن الذي رجعت المحنة إلى أفعاله التي يقع لها آثار في الصدور، وقد مكنا بحمد الله تعالى منه(١٩) لندرك منّه.
وإنما علينا التيقظ لما يقع في الصدور من أفعاله ووساوسه لندفع بما مكننا الله تعالى من الأسباب، وعرفنا من الحجج نقض الباطل، والتمسك بالحق، كقوله تعالى :﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ ( الأعراف : ٣٠١ ).
ورجعوا إلى الله تعالى بالتعوذ في طلب اللطف الذي جعله الله تعالى للدفاع، كقول يوسف عليه السلام ﴿وإلا تصرف عن كيدهن أصب إليهن﴾ الآية ( يوسف : ٣٣ )، على العلم فيه بطوائف الأشياء من المجعول لدفع كيدهن.
وكذلك قول الراسخين في العلم :﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة﴾ الآية ( آل عمران : ٨ ).
لكن من الناس من يقول : هو يعلم في ما تهوى، فيزين لها ذلك، والعقل في ما يدعو إلى ذلك، يمنعه(٢٠) عن ذلك.
ومنهم من يقول : لا، لكن في ذلك آثار من الظلمة والنور، والطيب والخبيث، فتعرف بالآثار، وفيها موقع وسواسه حتى يصل إلى العقل. وقد يكون عمل الهوى والعقل جميعا في الجسد وخارج منه، وبخاصة آثار الأعمال.
ومنهم من يقول : ليس له من ذلك علم / ٦٦٠ ب/، لكن بكل ما يرجو العمل من التغرير، أو في التمويه والتلبيس كالأعمى في ما يمس، ويطلب المضار من المنافع ونحو ذلك، لكن ذلك كله طريق عمل الشيطان، وطريق إمكانه وحيله، وذلك من لم يؤمن بمعرفته، وإنما علينا مجاهدته في منع ذلك بالتيقظ أو بدفعه بما نتذكر، هكذا ذكرت في الآيات، أو بالفزع إلى الله تعالى في دفعه ومنعه إن حضر بما عنده من اللطائف التي لديها يقع الأمن عن الزيغ والظفر بالرشد.
ويؤول كثير منهم أنه يوسوس في صدور الجن كما يوسوس في صدور الناس، وذلك ممكن بما يكون من كل جنس ضلال وغواة وأخيار وأبرار.
فأما حق تأويل السورة ( فهو )(٢١) على ما وصفنا في ذكر وسواس الجن والإنس.
ثم القول في المعوذتين : إنهما من القرآن، أو ليستا من القرآن.
قال الفقيه، رحمه الله : لنا من أمرهما أنهما أنبهتا بما أنبهت إلى أهل هذا العصر معرفة القرآن في الجميع بين اللوحين بتوارث الأمة. ولسنا نحن ممن يعرف بالمحنة والسر بما به نعلم أنهما معجزتان أو لا. وإنما حق ذلك ( الأخذ عن أهل ذلك العصر )(٢٢) )(٢٣)، والشهادة بعد ذلك أنهما من القرآن، وأنه معجز، حق أمثالنا فيه الاتباع، وقد اتضح بما به جرى التعارف في جميع الشرائع التي بها يشهد أنها عن الله تعالى، وأنها حق. فعلى ذلك هذا.
لكن ذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه لم يكتبهما في مصحفه. وذلك عندنا يخرج على وجهين :
أحدهما : أنه لم يكن سمع رسول الله ﷺ ( أنه )(٢٤) قال فيهما شيئا أنهما من القرآن أو(٢٥) لا.
( والثاني :)(٢٦) لم يكن أيضا رأى على نفسه السؤال عن ذلك حقا واجبا ؛ لأن القرآن وما جاء به الرسول ﷺ في ما يلزم علم الشهادة والعمل به واحد ؛ إذ المقصود من كل ذلك القيام بالمقصود من حق الكلفة لا التسمية. ولم يكن النجباء يمتحنون أنفسهم بالسر في الوجود ( التي )(٢٧) بها يعرفون المعجز من غير ذلك أنه قرآن أو غيره. وإنما ذلك من عمل المرتابين الشاكين في خبر الرسول ﷺ ليعرفوا أنه مبعوث مرسل.
فأما من تقرر عنده، واطمأن به قلبه، وزال عنه الحرج في ما آتاهم، فقد كفوا ( عن )(٢٨) ذلك.
وكذلك يجوز ترك البحث عن ذلك لما ذكرت، لا أن عنده أنهما ليستا من القرآن.
وفي خبر عقبة ( ابن عامر )(٢٩) الجهني أن النبي ﷺ قال لأصحابه : " نزل اليوم آيات لم ير مثلهن قط، قيل : ما هن يا رسول الله ؟ فقال : المعوذتان " ( مسلم ٨١٤ / ٢٦٥ ) دل أنهما من القرآن.
وأيد أيضا ما ذكرت في ترك الكتابة ما روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أخبره بهما : قال ( لي. . . قال : فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ )(٣٠) ( البخاري ٤٦٩٣ )، لم نشهد في تلك بأنهما منه، ولا ليستا منه، بما لم يكن رسول الله ﷺ أخبره بهما.
فعلى ذلك أمر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ويؤيد ذلك أيضا استعاذة القرآن أنها مقدمة على القراءة، وحق هاتين السو
١ في الأصل وم: وقيل.
٢ أدرج بعدها في الأصل وم.
٣ في الأصل وم: وقيل أيضا.
٤ في الأصل وم: بما.
٥ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
٦ ساقطة من الأصل وم.
٧ الهاء ساقطة من الأصل وم.
٨ ساقطة من الأصل وم.
٩ في الأصل وم: ومنهم.
١٠ ساقطة من الأصل وم.
١١ في الأصل وم: له.
١٢ في الأصل وم: بعد.
١٣ ساقطة من الأصل وم.
١٤ في الأصل وم: للإنس.
١٥ ساقطة من الأصل من م.
١٦ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
١٧ في الأصل وم: وقال.
١٨ في الأصل وم: وقال.
١٩ في الأصل وم: ومنه.
٢٠ في الأصل وم: ويمنعه.
٢١ ساقطة من الأصل وم.
٢٢ ساقطة من م.
٢٣ من م، ساقطة من الأصل.
٢٤ ساقطة من الأصل وم.
٢٥ في الأصل وم: أم.
٢٦ في الأصل وم: و.
٢٧ من م، ساقطة من الأصل.
٢٨ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم.
٢٩ ساقطة من الأصل وم.
٣٠ ساقطة من الأصل وم.