Lafzullah

تأويلات أهل السنة — البلد 90:1 – الكافرون 109:6

المؤلف / المصدر: أبو منصور الماتريدي (ت 333هـ) — تحقيق: مجدي محمد باسلوم · دار الكتب العلمية، بيروت 1426 · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-468)

المحتويات
  1. البلد 90:1
  2. البلد 90:2
  3. البلد 90:3
  4. البلد 90:4
  5. البلد 90:5
  6. البلد 90:8
  7. البلد 90:10
  8. البلد 90:11
  9. البلد 90:12
  10. البلد 90:13
  11. البلد 90:14
  12. البلد 90:15
  13. البلد 90:16
  14. البلد 90:17
  15. البلد 90:18
  16. البلد 90:19
  17. البلد 90:20
  18. الشمس 91:1
  19. الشمس 91:2
  20. الشمس 91:3
  21. الشمس 91:4
  22. الشمس 91:5
  23. الشمس 91:6
  24. الشمس 91:7
  25. الشمس 91:8
  26. الشمس 91:9
  27. الشمس 91:11
  28. الشمس 91:12
  29. الشمس 91:13
  30. الشمس 91:14
  31. الشمس 91:15
  32. الليل 92:1
  33. الليل 92:3
  34. الليل 92:4
  35. الليل 92:5
  36. الليل 92:7
  37. الليل 92:8
  38. الليل 92:9
  39. الليل 92:10
  40. الليل 92:11
  41. الليل 92:12
  42. الليل 92:13
  43. الليل 92:14
  44. الليل 92:15
  45. الليل 92:16
  46. الليل 92:17
  47. الليل 92:18
  48. الليل 92:19
  49. الليل 92:20
  50. الليل 92:21
  51. الضحى 93:1
  52. الضحى 93:3
  53. الضحى 93:4
  54. الضحى 93:5
  55. الضحى 93:6
  56. الضحى 93:7
  57. الضحى 93:8
  58. الضحى 93:9
  59. الضحى 93:10
  60. الضحى 93:11
  61. الشرح 94:1
  62. الشرح 94:2
  63. الشرح 94:4
  64. الشرح 94:5
  65. الشرح 94:7
  66. التين 95:1
  67. التين 95:2
  68. التين 95:3
  69. التين 95:4
  70. التين 95:5
  71. التين 95:6
  72. التين 95:7
  73. العلق 96:1
  74. العلق 96:2
  75. العلق 96:3
  76. العلق 96:4
  77. العلق 96:5
  78. العلق 96:6
  79. العلق 96:7
  80. العلق 96:8
  81. العلق 96:9
  82. العلق 96:11
  83. العلق 96:12
  84. العلق 96:13
  85. العلق 96:14
  86. العلق 96:15
  87. العلق 96:16
  88. العلق 96:17
  89. العلق 96:18
  90. العلق 96:19
  91. القدر 97:1
  92. القدر 97:2
  93. القدر 97:3
  94. القدر 97:4
  95. القدر 97:5
  96. البينة 98:1
  97. البينة 98:2
  98. البينة 98:3
  99. البينة 98:4
  100. البينة 98:5
  101. البينة 98:6
  102. البينة 98:7
  103. البينة 98:8
  104. الزلزلة 99:1
  105. الزلزلة 99:2
  106. الزلزلة 99:3
  107. الزلزلة 99:5
  108. الزلزلة 99:6
  109. الزلزلة 99:7
  110. العاديات 100:1
  111. العاديات 100:2
  112. العاديات 100:3
  113. العاديات 100:4
  114. العاديات 100:6
  115. العاديات 100:7
  116. العاديات 100:8
  117. العاديات 100:9
  118. العاديات 100:11
  119. القارعة 101:1
  120. القارعة 101:4
  121. القارعة 101:5
  122. القارعة 101:6
  123. القارعة 101:7
  124. القارعة 101:8
  125. القارعة 101:9
  126. القارعة 101:11
  127. التكاثر 102:1
  128. التكاثر 102:2
  129. التكاثر 102:3
  130. التكاثر 102:5
  131. التكاثر 102:6
  132. التكاثر 102:7
  133. التكاثر 102:8
  134. العصر 103:1
  135. العصر 103:2
  136. العصر 103:3
  137. الهمزة 104:1
  138. الهمزة 104:2
  139. الهمزة 104:3
  140. الهمزة 104:4
  141. الهمزة 104:6
  142. الهمزة 104:8
  143. الفيل 105:1
  144. الفيل 105:2
  145. الفيل 105:3
  146. الفيل 105:4
  147. الفيل 105:5
  148. قريش 106:1
  149. قريش 106:3
  150. قريش 106:4
  151. الماعون 107:1
  152. الماعون 107:2
  153. الماعون 107:4
  154. الماعون 107:5
  155. الماعون 107:7
  156. الكوثر 108:1
  157. الكوثر 108:2
  158. الكوثر 108:3
  159. الكافرون 109:1
  160. الكافرون 109:2
  161. الكافرون 109:6

البلد 90:1

سُورَةُ (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ. وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ): اختلف في قوله: (لَا): قَالَ بَعْضُهُمْ: (لَا) هاهنا في موضع الدفع والرد لمنازعة كانت بين قوم؛ فدفع اللَّه - تعالى - المنازعة من بينهم بقوله: (لَا)، وكانت تلك المنازعة معروفة فيما بينهم؛ فترك ذكرها لذلك، كما ذكر الجواب في بعض السور ولم يذكر السؤال؛ لما كان السؤال عندهم معروفا؛ فترك ذكره، وهو كقوله: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، وغير ذلك. ومنهم من يقول بأن حرف (لَا) مرة يستعمل في حق الصلة والتأكيد، ومرة في موضع النفي، ويظهر مراده بما يعقبه من الكلام: فإن كان الذي يعقبه إثباتا، فهو بحق التأكيد، وإن كان الذي يعقبه من الكلام نفيا فهو في موضع النفي. ثم الذي عقبه من الكلام إثبات، وليس بنفي؛ فدل أنه في موضع التأكيد؛ فكأنه قال: لأقسم بهذا البلد، ثم كان حقه أن يقول: " لأقسمن بهذا البلد " بإثبات النون، كما يقال: " لأفعلن "، في اليمين، لكن نون التأكيد قد تذكر في موضع القسم، وقد لا تذكر، قال الله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ)، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بهَذَا الْبَلَدِ) قالوا: أريد بهذا البلد: مكة، فأقسم بها بما عظم شأنها بما سبق ذكرنا له، ولخاصة هي معظمة في أعين أهلها، ثم كان من عادة الكفرة القسم بكل ما يعظمونه؛ فعاملهم اللَّه - تعالى - من الوجه الذي جرت به العادة فيما بينهم؛ ليؤكد ما قصد إليه بالقسم؛ فيزيل عنه الشبه التي اعترضت لهم. وقوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢): قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَنْتَ حِلٌّ): نازلها من الحلول. وقَالَ بَعْضُهُمْ: وأنت حلال بهذا البلد، والحل والحلال لغتان. فإن كان على هذا فالحل غير منصرف إلى نفسه؛ وإنما انصرف إلى ما أحل له؛ لأنه لا يجوز أن يكون هو بنفسه حلالا أو حراما؛ فالحل والحرمة إذا أضيفا إلى من له الحل والحرمة فإنما يراد بالحل والحرمة الشيء الذي أحل له، والشيء الذي حرم عليه، لا أن يكون الوصف راجعا إلى المضاف إليه، فإذا قيل: هذا محرم، أريد به أن الأشياء محرمة عليه، وإذا قيل: هذا حلال ليس بمحرم أريد به أن الأشياء له حلال، وإذا أضيفا إلى من لا يخاطب بالحل والحرمة، أريد بهما عين ذلك الشيء كقوله: هذا لحم حلال أو صيد حلال، وهذا لحم حرام؛ فيريد أن ذلك اللحم حلال، وذلك الصيد حرام أو حلال. ثم اختلفوا في الذي أحل له: فمنهم من صرفه إلى القتال، فقال بأنه أحل له القتال فيها، وذلك يوم فتح مكة. ومنهم من قال بأنه أحل له الدخول فيها إذا جاء من الآفاق بغير إحرام، ولا يحل ذلك لغيره. وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يوم فتح مكة: " إن مكة حرام، حرمها اللَّه - تعالى - يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعتي هذه، هي حرام بحرام اللَّه تعالى إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها، ولا يرفع لقطتها، إلا من نشدها "، فقال العباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إلا الإذخر يا رسول اللَّه؛ فإنه لا غنى لأهل مكة عنه للقبر والبنيان؟ فقال - عليه السلام -: " إلا الإذخر " فبين رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنها قد أحلت له ساعة من نهار. والحل يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما. وذكر أبو بكر الأصم أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يؤذيه أهل مكة؛ فيتأذى بهم؛ فيخرج من بين أظهرهم؛ فيحل له الصيد في ذلك الوقت. ولكن لا يسع صرف التأويل إلى هذا؛ إذ لا يعرف مثل هذا إلا بالخبر والنقل. ثم في قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على لسان العباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " إلا الإذخر " دلالة أن

البلد 90:2

الآية ٢ : وقوله تعالى :﴿وأنت حل بهذا البلدِ﴾ قال بعضهم : وأنت نازل بها، من الحلول، وقال بعضهم : وأنت حلال بهذا البلد، والحل والحلال لغتان ؛ فإن كان على هذا فالحل غير منصرف إلى نفسه، وإنما انصرف إلى ما أحل له، لأنه لا يجوز أن يكون بنفسه حلالا أو حراما، فالحل والحرمة إذا أضيفا إلى من له الحلال والحرام فإنما يراد بالحل والحرمة الشيء الذي أحل له والشيء الذي حرم عليه، لا أن يكون الوصف راجعا إلى المضاف إليه. فإذا قيل : هذا محرم أريد به أن الأشياء محرمة عليه، وإذا قيل : هذا حلال ليس بمحرم أريد به أن الأشياء له حلال. وإذا أضيفا إلى من لا يخاطب بالحل والحرمة أريد بهما عين ذلك الشيء كقوله [ ﷺ ](١) :( ( هذا لحم حلال أو صيد حلال، وهذا لحم حرام ) ) بنحوه : أحمد ١/٣٢٦ ] فيريد أن ذلك اللحم حلال، وكذلك الصيد حرام أو حلال. ثم اختلفوا في الذي أحل له : فمنهم من صرفه إلى القتال، فقال : إنه أحل له القتال فيها ؛ وذلك يوم فتح مكة، ومنهم من قال : إنه أحل له الدخول فيها [ إذا(٢) جاء من الآفاق بغير إحرام، ولا يحل ذلك لغيره. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ](٣) قال : قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة :](٤) ( ( إن مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعتي هذه، لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها، ولا ينفر صيدها ولا ترفع لقطتها إلا لمن نشدها ) ) فقال العباس رضي الله عنه إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لا غنى لأهل مكة عنه للقبر والبنيان، فقال عليه السلام :( ( إلا الإذخر ) ) [ البخاري ١١٢ و٢٠٩٠ ومسلم ١٣٥٥/٤٤٧ ]. فبين رسول الله ﷺ أنها أحلت ساعة من نهار. والحل يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما. وذكر أبو بكر الأصم أن رسول الله ﷺ كان يؤذيه أهل مكة، فيتأذى بهم، فيخرج من بين أظهرهم، فيحل له الصيد في ذلك الوقت. ولكن لا يسع صرف التأويل إلى هذا ؛ إذ يعرف مثل هذا إلا بالخير والنقل. ثم في قول رسول الله ﷺ على لسان العباس رضي الله عنه ( ( إلا الإذخر ) ) دلالة أن التحريم لم يكن منصرفا إليه، ولا يحتمل أن يكون التحريم شاملا له، ثم استثناه بما ذكر العباس رضي الله عنه من حاجة أهل مكة إليه لما لم يكن بين ما ذكر من التحريم والتخليل كثير مدة، يجري في مثلها النسخ، ولكن ترك بيان الحل إلى أن سأله العباس رضي الله عنه بينه(٥)، وهو دليل قول أصحابنا، رحمهم الله : إن تأخير البيان جائز. وقوله تعالى :﴿وأنت حل بهذا البلدِ﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون القسم منصرفا إلى نفسه، فأقسم به لما عظم من أمره وشأنه، كأنه قال عز وجل : لا أقسم بهذا البلد وبالذي، هو حل بهذا البلد. [ الثاني : أن ](٦) يكون منصرفا إلى مكة، ويكون قوله :﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ خرج مخرج التعريف لمكة لكونه فيها، أي البلد الذي أنت نازل به وحال به أو حلاّل فيه. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل: فإذا.. ٣ ساقطة من الأصل وم.. ٤ ساقطة من م.. ٥ في الأصل وم: بين.. ٦ في الأصل وم: أو..

البلد 90:3

التحريم لم يكن منصرفا إليه، ويحتمل أن يكون التحريم شاملاً له، ثم استثناه بما ذكر العباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من حاجة أهل مكة إليه؛ لما لم يكن بين ما ذكر من التحريم والتحليل كثير مدة يجري في مثلها النسخ، ولكن ترك بيان الحل إلى أن سأله العباس - رضي اللَّه عته - ثم بين. وهو دليل قول أصحابنا - رحمهم اللَّه -: إن تأخير البيان جائز. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون القسم منصرفا إلى نفسه؛ فأقسم به؛ لما عظم من أمره وشأنه؛ كأنه قال - عَزَّ وَجَلَّ -: لا أقسم بهذا البلد وبالذي هو حل بهذا البلد. أو يكون منصرفا إلى مكة، ويكون قوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) خرج مخرج التعريف بمكة؛ لكونه فيها، أي: البلد الذي أنت نازل به، وحال به، أو حلال فيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣): قَالَ بَعْضُهُمْ: الوالد هو آدم عليه السلام (وَمَا وَلَدَ): هم أولاده وذريته، ولكن آدم - عليه السلام - وأولاده ليسوا بمخصوصين بالدخول تحت اسم الولد والوالد؛ بل ذلك فيهم، وفي جملة الروحانيين؛ فيكون القسم بالخلائق أجمع، ويكون (وَمَا) على هذا التأويل بمعنى " الذي ". ومنهم من جعل أن " ما ": " ما " جحد؛ ققال: " وما ولد " أي: الذي لا يلد وهو العاقر، فأقسم بالبشر جملة من يلد منهم ومن لا يلد، وأقسم بهم - أيضا - لما جعلهم مفضلين على كثير من الخلائق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤): قَالَ بَعْضُهُمْ: الكبد: الانتصاب، أخبر أنه خلق الإنسان منتصبا، وخلق كل دابة منكبا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الكبد: الشدة والمعاناة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: خلقه منتصبا في بطن أمه، ثم يقلب وقت الانفصال. ولقائل أن يقول: أي حكمة في ذكر هذا وفي تأكيده بالقسم، وكل يعلم أنه خلق كذلك؟ فجوابه أن في ذكر هذا إبانة أنهم لم يخلقوا عبثا باطلا، بل خلقهم اللَّه تعالى ليمتحنهم ويأمرهم بالعبادة، كما قال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). فإن كان التأويل منصرفا إلى الشدة والمعاناة فتأويله: أنه خلقهم ليكابدوا المعاش والمعاد جميعا، وخلقهم للشدة؛ ليعتبروا ويتذكروا. وإن كان منصرفا إلى الانتصاب، ففيه تعريف لعظم نعم اللَّه - تعالى - عليهم من غير أن كانوا مستوجبين لذلك؛ ليستأدي منهم الشكر بذلك. وإن كان التأويل على ما ذكر أنه خلقه منتصبا في بطن أمه، ثم يقلب وقت الانفصال، ففيه أن اللَّه - تعالى - قادر على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء؛ لأنه لا يتهيأ لأحد أن يقلب أحدًا، فيجعل أعلاه أسفله، إلا أن يجد مثله في المكان سعة، ثم إن اللَّه - تعالى - قلبه، فجعله أعلاه أسفله في ذلك المكان الضيق، فتبين لهم ألا يعجزه شيء؛ فيحملهم ذلك على الإيمان بالبعث والنشور، واللَّه أعلم. ومعنى قوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) عندنا: لقد خلقنا الإنسان لما له يكابد، فإن كانت مكابدته في طاعة اللَّه تعالى، وكان مؤثرا لها - فقد خلق للجنة، وإن كانت مكابدته في أمر الشيطان، فهو للنار خلق، وعلى هذا يخرج قوله - تعالى -: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)، أي: ذرأ من يعلم أنه يؤثر طاعة الشيطان وعصيان الرحمن لجهنم، وذرأ من يعلم أنه يعبد اللَّه ويوحده للعبادة بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). والأصل: أن الحكيم أبدا يقصد بفعله العاقبة إلا الذي ليست له معرفة بالعاقبة، فأما من عرف العاقبة فابتداء فعله يقع لتلك العاقبة، فإن كانت عاقبته النار؛ فابتداء الخلق من اللَّه - تعالى - يقع لذلك الوجه، وإن كانت عاقبته الجنة فهو لذلك الوجه ما خلق؛ فعلى هذا يخرج تأويل قوله - عليه السلام -: " السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه " وهو لا يوصف بالسعادة

البلد 90:4

الآية ٤ : وقوله تعالى :﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ قال بعضهم : الكبد الانتصاب ؛ أخبر [ أنه ](١) خلق الإنسان منتصبا، وخلق كل دابة منكبة، وقال بعضهم : الكبد الشدة والمعاناة. وقال بعضهم : خلقه منتصبا في بطن أمه، ثم يقلبه(٢) وقت الانفصال. ولقائل أن يقول : أي حكمة في ذكر هذا وفي تأكيده بالقسم ؟ وكل يعلم أنه خلق كذلك. فجوابه أن في ذكر هذا إبانة أنهم لم يخلقوا عبثا باطلا، بل خلقهم الله تعالى ليمتحنهم، ويأمرهم بالعبادة كما قال :﴿وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون﴾ [الذريات: ٥٦]. فإن كان التأويل منصرفا إلى الشدة والمعاناة فتأويله أنه خلقهم الله تعالى ليكابدوا للمعاش والمعاد جميعا، وخلقهم للشدة ليعتبروا، ويتذكروا. وإن كان منصرفا إلى الانتصاب ففيه تعريف لعظم نعم الله تعالى عليهم من غير أن كانوا مستوجبين لذلك ليستأدي منهم الشكر بذلك. وإن كان التأويل على ما ذكر أنه خلقه منتصبا في بطن أمه، ثم يقلبه(٣) وقت الانفصال ففيه أن الله تعالى قادر على ما يشاء وأنه لا يعجزه شيء، [ ولا يتهيأ ](٤) لأحد أن يقلب(٥) أحدا، فيجعل أعلاه أسفله إلا أن يجد مثله في المكان سعة. ثم إن الله تعالى قلبه، فجعل أعلاه أسفله في ذلك المكان الضيق، فتبين لهم أنه لا يعجزه شيء فيحملهم ذلك على الإيمان بالبعث والنشور، والله أعلم. ومعنى قوله :﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ عندنا : لقد خلقنا الإنسان لما له مكابدته في أمر الشيطان فهو للنار خلق. وعلى هذا يخرج قوله تعالى :﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس﴾ [الأعراف: ١٧٩] أي ذرأ من يعلم أنه يؤثر طاعة الشيطان وعصيان الرحمن لجهنم، وذرأ من يعلم أنه يعلم أنه يعبد الله، ويوحده للعبادة بقوله :﴿وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون﴾. والأصل أن الحكم أبدا تقصد بفعله العاقبة إلا الذي ليست له معرفة بالعاقبة. فأما من عرف العاقبة فابتداء فعله يقع لتلك العاقبة [ فإن كانت عاقبته ](٦) النار فابتداء الخلق من الله تعالى يقع/٦٤٢ – أ/لذلك الوجه، وإن كانت العاقبة الجنة فهو لذلك الوجه الذي خلق. فعلى ذلك يخرج تأويل قوله عليه السلام :( ( السعيد سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه ) ) ( البزار في كشف الأستار ٢١٥٠ ) وهو لا يوصف بالسعادة والشقاوة في ذلك الوقت، ولكن معناه أنه إذا آثر الشقاوة في حالة الامتحان خلق لذلك، وإذا آثر السعادة فلذلك أيضا. وقال نوح عليه السلام :﴿ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾ [نوح: ٢٧] وهم في وقت ما ولدوا غير موصوفين بواحد من الوصفين، بل يصيروا كذلك، فتبين أنهم خلقوا لذلك. وقد(٧) وقع القسم على ما له يكابد، ليس على المكابدة نفسها، لأن المكابدة من الإنسان ظاهرة لا يحتاج إلى تأكيدها بالقسم، وقولنا : إن المقصود من ابتداء الفعل قول النبي عليه السلام :( ( إذا أردت أمرا فتدبر عاقبته، فإن كان رشدا فامضه، وإن كان غيا فانته عنه ) ) ( الزبيدي في الإتحاف ١٠/٩٣، وعزاه لابن المبارك في الزهد ). وزعمت المعتزلة أن الله تعالى لم يخلق أحدا من البشر إلا ليعبده، ولو كان الأمر على ما زعموا، وظنوا لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، أو وجب أن يكون العقل خارجا مخرج الخطإ لأن كل من صنع أمرا يريد غير الذي يكون [ يكن ](٨) جاهلا بالعواقب أو عابثا بالفعل لأن من أنشأ الشيء يعلم أنه لا يكون عد ذلك منه عبثا، ولو كان غير الذي يريده، وهو أن يبني ليسكن، كان الذي حمله على البناء جهله بالعواقب، وجل الله تعالى عن أن يلحقه خطأ في التدبير أو جهل بالعواقب. فثبت بما ذكرنا أن الله تعالى شاء لكل فريق ما علم الذي يكون منهم، وخلقهم لذلك الوجه دون أن يكون خلق الجملة للعبادة، والله أعلم. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: يقلب.. ٣ في الأصل وم: يقلب.. ٤ في الأصل وم: لأنه لا يتهيأ.. ٥ في الأصل وم: القلب.. ٦ من م، ساقطة من الأصل.. ٧ في الأصل وم: فمن.. ٨ ساقطة من الأصل وم..

البلد 90:5

والشقاوة في ذلك الوقت؛ ولكن معناه أنه: إذا آثر الشقاوة في حالة الامتحان خلق كذلك، وإذا آثر السعادة فكذلك أيضا. وقال نوح - عليه السلام -: (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)، وهم في وقت ما وُلدوا غير موصوفين بواحد من الوصفين، بل يصيرون كذلك؛ فيتبين أنهم خلقوا لذلك؛ فموقع القسم على ما له يكابد، ليس على المكابدة نفسها؛ لأن المكابدة من الإنسان ظاهرة لا يحتاج إلى تأكيدها بالقسم. وقولنا: إن المقصود من ابتداء الفعل العاقبة قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - " إذا أردت أمرا فدبر عاقبته، فإن كانت رشدا فأمضه، وإن كانت غيا فانته ". وزعمت المعتزلة أن اللَّه - تعالى - لم يخلق أحدا من البشر إلا ليعبده، ولو كان الأمر على ما زعموا وظنوا، لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب، أو وجب أن يكون الفعل خارجا مخرج الخطأ؛ لأن كل من صنع أمرا يريد غير الذي يكون جاهلا بالعواقب، أو عابثا بالفعل؛ لأن من يبنى لشيء يعلم أنه لا يكون، عد ذلك منه عبثا، ولو كان غير الذي يريده، وهو أن يبني ليسكن فيه، ثم ينقض قبل أن يسكن، كان الذي حمله على البناء جهله بالعواقب. وجل اللَّه - تعالى - من أن يلحقه خطأ في التدبير أو جهل بالعواقب؛ فثبت بما ذكرنا أن اللَّه - تعالى - شاء لكل فريق ما علم الذي يكون منهم، وخلقهم لذلك الوجه دون أن يكون خلق الجملة للعبادة، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا. أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ): فالآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حسب أن اللَّه - تعالى - لا يقدر على بعثه؛ فيكون قوله: (أَحَدٌ) هو اللَّه تعالى. (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أي: جما. (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أي: أنفقت منه مقدار ما يخرج عن حد الإحصاء. وقوله: (لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)، أي: لم يعلم أحد مبلغ ما أنفق من ذلك.

البلد 90:8

أو يكون قوله: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)، أي: لم يعلم أتباعه الذين أنفق عليهم مقدار ما أنفق عليهم؛ فيكون في قوله - تعالى -: (أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا) إظهار منه لسخاوته وجوده، على الافتخار منه بذلك، وامتنانا منه على أتباعه، فإن كان على هذا فهو في أمر الدنيا، وقد علم اللَّه القدر الذي أنفق عليهم، وعلم الخلق سخاوته لا بقوله؛ فليس اشتغاله في إظهار الجود والامتنان إلا نوع من السفه، وكان الذي يحق عليه الاشتغال بالشكر لله - تعالى - أو توجيه الحمد إليه؛ لما علم أن الذي أنعم به من المال الكثير من اللَّه تعالى، وأن تلك المنقبة -وهي السخاوة- نالها باللَّه تعالى، وهذا كقوله - تعالى -: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ)، أي: آباؤكم لم ينالوا ما تذكرون من الشرف والمناقب الحميدة إلا باللَّه - تعالى - فاذكروه كذكركم آباءكم، وهذا النوع من الافتخار راجع إلى الخصائص من القوم لا إلى الجملة؛ إذ كل أحد يقول مثل ذلك: إنه أهلك مالا لبدا، وفعل كذا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩): فإن كان قوله: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) على نفي القدرة على البعث، ففي ذكر العينين نفي تلك الشبهة، وهو أن اللَّه - تعالى - أنشأ له بصرا يرى بفتحة واحدة ما بين السماء والأرض، فمن بلغت قدرته هذا لا يعجزه شيء أو يخفى عليه أمر، فقوله: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ)، أي: ألم نخلق له عينين يدرك بهما المحسوسات بالنظر، وجعلنا لهما جفونا وأشفارا يدفع بهن القذى عن عينيه، ويغضهما بهن عن النظر إلى ما لا يعنيه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِسَانًا) أي: خلقنا له لسانا يحضر به ما غاب واستتر. وقوله: (وَشَفَتَيْنِ) ففي خلق الشفتين وجهان من الحكمة. أحدهما: أنه جعلهما طبقا يستران قبح ما في فمه، ولولاهما لكان الناظر إليه وقت مضغه الطعام أو شيئا من الأشياء، استقذر ذلك منه. وجعلهما طبقا للسانه؛ لئلا يمده، ويستعمله فيما لا يعنيه. فذكرهم عظيم نعمه في خلق العينين واللسان والشفتين؛ ليستأدي منهم الشكر، وليعلموا أن الذي بلغت قدرته هذا، ليس بالذي يعجزه شيء. وقوله: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠).

البلد 90:10

الآية ١٠ : وقوله تعالى :﴿وهديناه النجدين﴾ أي بينا له [ ما عليه وما له ](١) وما يحمد عليه وما يذم وما يقبح ويجمل. والنجد الطريق. فبين للخلق الطريقين جميعا طريق الخير والشر، ومكنهم من الفعلين جميعا. وقال بعضهم : النجدان الثديان، أي، أي هديناه الثديين في حالة الإرضاع، ولكن السنن والهداية لم تنصرف إلى هذا خصوصا، بل هذا من بعض ما هداه، وبينه ؛ فقد بين له غيره من الأمور، ولا قيد في اللفظ، فيحمل على الإطلاق والعموم. ١ من م، ساقطة من الأصل..

البلد 90:11

أي: بينا له ما عليه، وما له، وما يحمد عليه، وما يذم، وما يقبح ويجمل، والنجد: الطريق، فبين للخلق الطريقين جميعا: طريق الخير والشر، ومكنهم من الفعلين جميعا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: النجدان: الثديان، أي: هديناه الثديين في حالة الإرضاع. ولكن التبيين والهداية لم ينصرف إلى هذا خصوصا، بل هذا من بعض ما هداه وبينه، فقد بين له غيره من الأمور، ولا قيد في اللفظ؛ فيحمل على الإطلاق والعموم. * * * قوله تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ): قيل: فيه من وجهين: أحدهما: فهلا اقتحم العقبة. والثاني: أنه لم يقتحم. فإن كان على الأول، فمعناه: أن الذي قال: أنفقت مالا لبدا، كيف لا كان إنفاقه في فك الرقبة، وفي الإنفاق على اليتيم والمسكين الذي بلغ به الجهد إلى أن ألصق بالتراب؟ ويكون من جملة من آمن باللَّه - تعالى - وتواصى بالصبر والمرحمة؛ ليكون من أصحاب الميمنة، ويكسب بذلك الحياة الطيبة في الآخرة دون أن تكون العاقبة في الملاهي وشهوات النفس؛ فلم يحصل لنفسه حمدًا ولا أجرا في العقبى، بل صار من أصحاب المشأمة، فيكون ما بعد قوله: (أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا)، صلة له وتفسيرا. وإن كان التأويل على النفي، ففيه تكذيبه فيما زعم أنه أنفق مالا لبدا، فيقول: لو كان على ما يظن، لظهر ذلك، بفك الرقاب والموأساة على اليتيم وعلى المسكين الذي هو ذو متربة؛ فيكون هذا كله صلة قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا) أيضا. ثم قيل في العقبة من وجهين:

البلد 90:12

أحدهما: على تحقيق العقبة، وهو أن يكون في النار عقبة لا تجاوز ولا تقطع إلا بما ذكر من فك الرقبة والإطعام في يوم ذي مسغبة، كقوله - تعالى -: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) على تحقيق العقبة؟ معناه: وما يدريك بم تقطع تلك العقبة؟ ثم بين أنها تقطع بما ذكر من فك الرقبة ونحوه. وجائز أن يكون على التمثيل لا على التحقق، ووجهه: أنه يشتد عليه تحمل المؤن التي ذكر من فك الرقبة، وإطعام المساكين، ومواساة اليتيم؛ فتكون العقبة كناية عن تحمل المؤن، لا على العقبة نفسها، وهو كقوله: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)، أي: يصير الإيمان عليه في الشدة والثقل كأنه كلف الصعود إلى السماء، ويشتد على الأول تحمل المؤن، كما يشتد عليه قطع العقبة والصعود عليها. والاقتحام: هو رمي النفس في المهالك. وقيل: الاقتحام: هو تحمل المؤن: فإن كان على تحمل المؤن، فوجهه ما ذكرنا: أن كيف لم يتحمل هذه المؤن؛ ليصير من أهل الميمنة؟ وإن كان على الرمي في المهالك؛ فكأنه يقول: قد أهلك نفسه بتركه الإنفاق في الوجوه التي ذكر، والإعراض عن الإيمان باللَّه تعالى، بتركه فكاك الرقبة. وروى أبو بكر الأصم في تفسيره خبرا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن رجلا سأله فقال: يا رسول اللَّه، دلني على عمل أدخل به الجنة؟ فأمره بعتق النسمة، وفك الرقبة؛ فقال السائل: أليسا هما واحدا؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " لا؛ عتق النسمة: أن تعتقها، وفك الرقبة: أن تعين على فكاكها ". ففكاك الرقبة: أن تخلصها من وجوه المهالك، وذلك يكون بالتخليص عن ذل الرق، وأن ترى إنسانا يهم بقتل آخر بغير حق؛ فتدفع عن المظلوم شر الظالم، وتراه يغرق؛

البلد 90:13

فتخلصه عن ذلك؛ فيكون في ذلك كله فكاك الرقبة عن المهالك؛ لتكتسب بها الحياة الطيبة في الآخرة. واختلف القراء في هذا الحرف: فمنهم من قرأه: (فَكَّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ أطْعَمَ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) على النصب. ومنهم من قرأه: (فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ) على الرفع. فإذا قرأته بالنصب، فمعناه: هلا فك رقبة، أو أطعم؛ فيكون راجعا إلى تفسير الاقتحام. وإذا قرأته بالرفع، انصرف التأويل إلى تفسير العقبة؛ فكأنه قال: قطع العقبة يكون بالفك وبما ذكر. وذكر عن سفيان بن عيينة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: كل ما في القرآن: (وَمَا أَدْرَاكَ)، فقد أعلمه ودرَّاه، وكل ما فيه (وَمَا يُدْرِيكَ)، فهو لم يعلمه، واللَّه أعلم. والمسغبة: المجاعة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥): أي: ذا قرابة منه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦): أي: ألصق بطنه بالتراب. وقيل: الذي ليس له شيء يحجبه عن التراب. ثم في قوله: (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ) دلالة وجوب حق اليتيم على القريب إذا كان محتاجا؛ فيكون فيه حجة لقول أصحابنا: إن اليتيم إذا كان محتاجا، فرضت نفقته على أقربائه. وفي قوله: (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) دلالة أن المسكين الذي وصفه، وهو ألا يكون بينه وبين التراب حائل، فكفايته تلزم الخلق جملة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧): فتأويله أنه لا ينفعه فك الرقبة ولا الإطعام؛ حتى يكون مؤمنا مع ذلك، متواصيا بالصبر

البلد 90:14

الآيات ١١ و١٢ و١٣ و١٤ : وقوله تعالى :﴿فلا اقتحم العقبة﴾ [ ﴿وما أدراك ما العقبة﴾ ﴿فك رقبة﴾ ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة﴾ ](١) قيل فيه من وجهين : أحدهما : فهلا(٢) اقتحم العقبة. الثاني : أنه لم يقتحم. فإن كان على الأول فمعناه : أن الذي قال :﴿أهلكت مالا لبدا﴾ كيف لا كان إنفاقه في فك الرقبة وفي الإنفاق على اليتيم والمسكين الذي بلغ به الجهد إلى أن ألصق بالتراب، ويكون من جملة من آمنوا بالله تعالى ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ [ الآية : ١٧ ] ليكون من أصحاب الميمنة، ويكتب بذلك الحياة الطبية في الآخرة دون أن تكون العاقبة في الملاهي وشهوات النفس ؟ فلم يحصل لنفسه حمدا ولا أجرا في العقبى، بل صار من أصحاب المشأمة، فيكون ما بعد قوله :﴿أهلكت مالا لبدا﴾ صلة له وتفسيرا. وإن كان التأويل على النفي، ففيه تكذيب في ما يزعم أنه أنفق مالا لبدا، فنقول : لو كان ما يظن ذلك(٣) بفك الرقاب والإنفاق (٤)على اليتيم وعلى المسكين الذي، هو ذو متربة، فيكون هذا كله صلة قوله عز وجل :﴿أهلكت مالا لبدا﴾ أيضا. ثم قيل في العقبة في وجهين : أحدهما : على تحقيق العقبة، وهو أن يكون في النار عقبة، لا تتجاوز، ولا تقطع إلا بما ذكر من فك الرقبة والإطعام ﴿في يوم ذي مسغبة﴾ [ الآية : ١٤ ] كقوله تعالى :﴿سأرهقه صعودا﴾ [المدثر: ١٧] وقوله تعالى :﴿وما أدراك ما العقبة﴾ على تحقيق العقبة ؛ معناه : وما يدريك بم تقطع تلك العقبة ؟ ثم بين أنها تقطع بما ذكر من فك الرقبة ونحوه. [ والثاني ](٥) : جائز أن يكون على التمثيل لا على التحقيق، ووجهه أنه يشتد عليه بحمل المؤن التي ذكر من فك الرقبة وإطعام المساكين ومواساة اليتيم، فتكون العقبة كناية عن تحمل المؤن لا على العقبة /٦٤٢ – ب/ نفسها، وهو كقوله :﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصّعّد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥] إذ يصير الإيمان عليه في الشدة والثقل كأنه كلف الصعود إلى السماء. ويشتد على الأول تحمل المؤن [ كما يشتد عليه قطع العقبة والصعود عليها. والاقتحام هو رمي النفس في المهالك، وقيل : الاقتحام، هو تحمل المؤن. فإن كان على تحمل المؤن ](٦) فوجهه ما ذكرنا أن كيف لم يحتمل هذه المؤن ليصير من أهل الميمنة ؟ وإن كان على الرمي في المهالك لم يحتمل هذه المؤن ليصير من أهل الميمنة. فكأنه يقول : قد أهلك نفسه بترك الإنفاق في الوجوه التي ذكر والإعراض عن الإيمان بالله تعالى بتركه فكاك الرقبة. وروى أبو بكر الأصم في تفسيره خبرا عن رسول الله ﷺ ( ( أن رجلا سأله فقال : يا رسول الله دلني على عمل أدخل به الجنة، فأمره بعتق النسمة وفك الرقبة، فقال : السائل : أليستا، هما واحد ؟ فقال النبي عليه السلام : لا إن عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين على فكاكها ) ) [ أحمد ٤/٢٩٩ ]. وفكاك الرقبة أن تخلصها من وجوه المهالك، وذلك يكون بالتخلص من ذل الرق، وأن ترى إنسانا هم بقتل آخر بغير حق، فتدفع عن المظلوم شر الظالم، فتراه يفرق، فتخلصه من ذلك، فيكون في ذلك كله فكاك الرقبة من المهالك، ليكتسب بها الحياة الطيبة في الآخرة. فاختلف القراء في هذا الحرف ؛ فمنهم من قرأ : فك(٧) رقبة أو أطعم في يوم ذي مسغبة على النصب، فإذا قرأته بالنصب فمعناه : هلا فك رقبة، أو أطعم، فيكون راجعا إلى تفسير الاقتحام، وإن قرأته بالرفع انصرف التأويل إلى تفسير العقبة، فكأنه قال : قطع العقبة يكون بالفك وبما ذكرنا. وذكر عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه أنه قال : كل ما في القرآن :﴿وما أدراك﴾ فقد أعلمه، وأدراه، وكل ما فيه :﴿وما يدريك﴾ فهو لم يعلم، والله أعلم. والمسغبة المجاعة. ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ من م، في الأصل: فلا.. ٣ في الأصل وم: ليظهر. ٤ في الأصل وم: والمواساة. ٥ في الأصل وم: و.. ٦ من م، ساقطة من الأصل.. ٧ انظر معجم القراءات القرآنية ج٨/١٥٢..

البلد 90:15

الآية ١٥ : وقوله تعالى :﴿يتيما ذا مقربة﴾ أي ذا قربة منه.

البلد 90:16

الآية ١٦ : وقوله تعالى :﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ أي ألصق بطنه بالتراب، وقيل : ليس له شيء يحجبه عن التراب. ثم في قوله :﴿يتيما ذا مقربة﴾ دلالة وجوب حق اليتيم على القريب إذا كان محتاجا، فيكون فيه حجة لقول أصحابنا : إن اليتيم إذا كان محتاجا فرضت نفقته على أقربائه. وفي قوله :﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ دلالة أن المسكين الذي وصفه، وهو ألا يكون بينه وبين التراب حائل، فكفايته تلزم الخلق جملة.

البلد 90:17

الآية ١٧ : وقوله تعالى :﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ فتأويله أنه لا ينفعه فك الرقبة ولا إطعام حتى يكون مؤمنا مع ذلك متواصيا بالصبر والرحمة. فإذا كان كذلك فحينئذ يجعل قاطعا للعقبة. وجائز أن يكون الصبر أريد به الإيمان كقوله :﴿إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات﴾ [ هو : ١١ ] أي آمنوا. والتواصي بالصبر والرحمة، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ إذ التواصي مأخوذ من الوصية، وهذا يوجب أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اعتقاد الإيمان.

البلد 90:18

والمرحمة، فإذا كان كذلك؛ فحيئنذ يحصل قاطعا للعقبة. وجائز أن يكون الصبر أريد به الإيمان؛ كقوله: (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، أي: آمنوا. والتواصي بالصبر والمرحمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ التواصي مأخوذ من الوصية، وهذا يوجب أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اعتقاد الإيمان. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨): أي: أصحاب الميامن، وهم أهل اليُمْن. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩): أي: أصحاب الشؤم على أنفسهم؛ حيث عملوا بالمعاصي، واستوجبوا بها نارا مؤصدة، وهي المؤصدة المطبقة المبهمة، وصفة الإطباق ما ذكر في آية أخرى، وذلك قوله - تعالى -: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ)، وقال اللَّه تعالى: (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) الآية، واللَّه أعلم. * * *

البلد 90:19

الآيتان ١٩ و٢٠ : وقوله تعالى :﴿والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة﴾ [ ﴿عليهم نار مؤصدة﴾ ](١) أي أصحاب الشؤم على أنفسهم حين(٢) عملوا المعاصي، واستوجبوا به نارا موصدة، وهي المؤصدة المطبقة المبهمة، ووصفه الإطباق ما ذكر في آية أخرى، وذلك قوله عز وجل :﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ [الزمر: ١٦] وقوله(٣) تعالى :﴿أحاط بهم سرادقها﴾ الآية [الكهف: ٢٩] والله أعلم [ بالصواب، والحمد لله رب العالمين ](٤). ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: حيث.. ٣ في الأصل وم: وقال الله. ٤ ساقطة من وم..

البلد 90:20

الآيتان ١٩ و٢٠ : وقوله تعالى :﴿والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة﴾ [ ﴿عليهم نار مؤصدة﴾ ](١) أي أصحاب الشؤم على أنفسهم حين(٢) عملوا المعاصي، واستوجبوا به نارا موصدة، وهي المؤصدة المطبقة المبهمة، ووصفه الإطباق ما ذكر في آية أخرى، وذلك قوله عز وجل :﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ [الزمر: ١٦] وقوله(٣) تعالى :﴿أحاط بهم سرادقها﴾ الآية [الكهف: ٢٩] والله أعلم [ بالصواب، والحمد لله رب العالمين ](٤). ١ ساقطة من الأصل وم.. ٢ في الأصل وم: حيث.. ٣ في الأصل وم: وقال الله. ٤ ساقطة من وم..

الشمس 91:1

سُورَةُ الشَّمْسِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا). قالوا: تأويله: والشمس وضوئها. وقيل: وحرها. وقيل: وبهائها. وهذا في موضع القسم؛ وذلك لأن اللَّه - تعالى - جعل في الشمس معاني تدل على لطائف حكمته وعجائب تدبيره، وجعلها في النهاية من البركات، وفي النهاية من الآيات، فمن عجيب تدبيره أنه جعل نورها بحيث يهلك نور الظل حتى إذا بدت في مكان أذهبت نور الظل، ونور السراج، ونور القمر، وستر نورها الكواكب عن أن ترى، وجعلها بحيث يظهر بها هباء الهواء، فبين أن الهواء ذا هباء؛ ألا ترى أنك إذا نظرت في المشكاة حين سقوط الشمس فيها تبين لك بها هباء الهواء، ولو أراد أحد من الخلائق أن يتدارك المعنى الذي به استنار هذا الشَّمس كل هذا لم يقف عليه. ثم من بركتها أن بحرارتها مصالح الأغذية، وبها مصالح النبات، وبها ييبس الحب، وبها تنضج الفواكه. ومن عجيب تدبيره أنه جعلها بالنائي عن كل شيء له بها صلاح؛ إذ لو دنت منها، لكانت تحرق الأشياء كلها. ومن آياتها أن جعلت بحيث تسير وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام ما يتعذر على الذي خلق للسير والمشي قطع تلك المسافة بمدد كثيرة. وهي أيضا تظهر جود الرب - جل جلاله - لأن منافعها تعم الخلق كلهم: برهم وفاجرهم، والولي منهم والعدو.

الشمس 91:2

فأقسم اللَّه - تعالى - بها؛ ليزيل عن الكفرة الشبهة التي تعرض لهم في أمر الدِّين؛ إما في التوحيد، أو في الرسالة، أو في البعث، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢): جائز أن يتلوها في كل ما ذكرنا في الشمس من المنافع والمعاني؛ فيكون ثانيها في العمل، فإنه يقع به صلاح الأغذية أيضا، وهو ينير أيضا إلا أنه لا ينتهي منتهاها ولا يبلغ مبلغها، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إذا تلاها، أي: يتلوها في أول ما يهل؛ فإنه إذا وجبت الشمس في آخر اليوم من الشهر تلا غروبها طلوع الهلال. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنه يتلوها إذا صار بدرا، وفي هذا دلالة أن منشئهما واحد؛ لأن منافعهما تعم الخلق جميعا، ولو لم يكن مدبرهما واحدا، لكانت لا تعم، بل يمنع كل واحد منهما مُنْشَأه عن إيصال النفع إلى قوم عدوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣): يحتمل أوجها: يحتمل أن يكون النهار جلى الدنيا. ويحتمل أن يكون جلى الأرض. ويحتمل أن يكون جلى الشمس. ويحتمل أن تكون تجلى الأبصار بنورها عن ظلمة الليل التي يغشاها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤): ينصرف إلى الأوجه التي ذكرنا أيضا، أي: يغشى الدنيا، أو الأرض، أو الشمس، أو يغشى الأبصار بظلمتها عن الخلائق، واللَّه أعلم. ثم لليل والنهار زيادة سلطان ليست للشمس ولا للقمر؛ لأن من سلطان الليل والنهار أنهما يفنيان الآجال، ويقطعان الأعمال، ولا يتهيأ لأحد الامتناع والتحرز من سلطانهما، ويتهيأ للخلق دفع أذى الشمس والقمر عن أنفسهم بالحيل والأسباب؛ فكان في ذكر الليل والنهار زيادة معنى ليس ذلك في ذكر الشمس والقمر.

الشمس 91:3

الآية ٣ : وقوله تعالى :﴿والنهار إذا جلاها﴾ يحتمل أوجها : يحتمل أن يكون النهار جلى الدنيا، ويحتمل أن يكون جلى الأرض، ويحتمل أن يكون جلّى الشمس، ويحتمل أن يجلي الأبصار بنورها عن ظلمة الليل التي تغشاها.

الشمس 91:4

الآية ٤ : وقوله تعالى :﴿والليل إذا يغشاها﴾ ينصرف إلى الأوجه التي ذكرنا أيضا، أي يغشى الدنيا أو الأرض أو الشمس، أو يغشى الأبصار بظلمتها عن الخلائق، والله أعلم. ثم الليل والنهار زيادة سلطان ليست للشمس ولا للقمر، لأن من سلطان الليل والنهار أنهما يفنيان الآجال، ويقطعان الأعمار، ولا يتهيأ لأحد الامتناع والتحرز من سلطانهما، أو يتهيأ للخلق دفع أذى الشمس والقمر عن أنفسهم بالحيل والأسباب، فكان في ذكر الليل والنهار زيادة معنى، ليس ذلك في ذكر الشمس والقمر.

الشمس 91:5

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥): قال الزجاج: " ما " بمعنى: " الذي "، وقد تستعمل في مثله، كقول العرب: " سبحان ما سبحت له السماوات والأرض "، أي: سبحان الذي سبحت له. وقَالَ بَعْضُهُمْ: " ما " هاهنا بمعنى " مَن "؛ كأنه يقول: والسماء ومَن بناها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: " ما " هاهنا تجعل الفعل الماضي بمعنى المصدر، تقول: أعجبني ما صنعت، أي: أعجبني صنعك؛ فيكون معناه: والسماء وبنائها. فإن كان التأويل على الوجهين الأولين، رجع القسم إلى اللَّه تعالى، والسماء، وإلى ما تقدم من الشمس والقمر والنهار والليل. وإن كان على التأويل الآخر، رجع القسم إلى ما خلق وهو السماء، فإن بناء السماء عينها. وقال أبو بكر الأصم: إن هذه الماءات في قوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا. وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)، تخرج على التعجب، على شرط التقديم، وإن كانت مؤخرة في اللفظ؛ كأنه يقول اللَّه، تعالى: وما السماء؟ ثم أجاب: بناها بأن رفع سمكها وسواها ورفعها بغير عمد ترونها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) أي: بسطها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧): قالوا: تسويتها في أن خلقها باليدين والرجلين والعينين ونحوها، فإن كان على هذا فالتسوية ترجع إلى الأغلب لا إلى الجملة؛ إذ ليس لكل نفس هذه الجوارح جملة؛ فيكون معناه: أنه سوى أكثر النفوس بما ذكر من اليدين والرجلين، وذلك جائز في الكلام، وهو كقوله - تعالى -: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا)، (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)، ومعناه: أنه جعله سكنا ومقرا لأكثر الخلائق لا للجملة، وجعل النهار لأكثر الخلائق معاشا لا للجملة، واللَّه أعلم. وقيل: سوى جوارحها وأطرافها ما لو لم يكن له جارحة من تلك الجوارح يوصف

الشمس 91:6

الآية ٦ : وقوله تعالى :﴿والأرض وما طحاها﴾ أي بسطها.

الشمس 91:7

الآية ٧ : وقوله تعالى :﴿ونفس وما سواها﴾ قالوا : تسويتها في أن خلقها باليدين والرجلين والعينين ونحوها. فإن كان على هذا فالتسوية ترجع إلى الأغلب لا إلى الجملة ؛ إذ ليس لكل نفس هذه الجوارح جملة، فيكون معناه أنه سوى أكثر النفوس بما ذكر من اليدين والرجلين، وذلك جائز في الكلام، وهو كقوله تعالى :﴿وجعل الليل سكنا﴾ [الأنعام: ٩٦] [ وقوله ](١) :﴿وجعلنا النهار معاشا﴾ [ عم : ١١ ] ومعناه : أنه [ جعل الليل ](٢)سكنا ومقرا لأكثر الخلائق لا للجملة، وجعل النهار لأكثر الخلائق معاشا لا للجملة، والله أعلم. وقيل : سوى جوارحها وأطرافها ما لو لم يكن له جارحة من تلك الجوارح لوصف بالنقصان، وهذا أعم من الأول. ويحتمل ﴿سواها﴾ على(٣) ما عليه مصلحتها، فتملك التقلب والتعيش، ليس على ما عليه سائر الحيوان. ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون قوله :﴿وسواها﴾ أي جعلها بحيث احتمال الكلفة والمحنة كقوله تعالى :﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾ [القصص: ١٤] يميز بين القبيح والحسن، ويعرف عواقب الأمور من الخير والشر. ١ ساقطة من الأصل وم. انظر تفسير الآية ٣ من سورة الحاقة والآية ٤ من سورة المرسلات والآيات المشابهة لها.. ٢ في الأصل وم: جعلها.. ٣ أدرج بعدها في الأصل وم: غير..

الشمس 91:8

بالنقصان، وهذا أعم من الأول. ويحتمل: (سَوَّاهَا) على ما عليه مصلحتها، وتملك التقلب والتعيش، ليس على ما عليه سائر الحيوان. ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون قوله: (سَوَّاهَا)، أي: جعلها بحيث احتمال الكلفة والمحنة، كقوله - تعالى -: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى)، وتميز بين القبيح والحسن، وتعرف عواقب الأمور من الخير والشر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨): هذا يحتمل أوجها: أحدها: أي: بين لها فجورها وتقواها وعلمها، فمن زعم أن المعارف ضرورية خلقة، يحتج بهذه الآية، فيقول: أخبر - تعالى - أنه علمها فجورها وتقواها، وأنه وضع في نفسه ما يعرف به قبح كل قبيح، وحسن كل حسن. والأصل فيه عندنا: أنه يعرف حسن الأشياء وقبحها جملة ببداية العقول، ولكن العقول لا تعرف حسن كل شيء على الإشارة إليه، ولا قبح كل قبيح على الإشارة إليه؛ وإنما تعرف ذلك إما بخبر يرد على ألسن الرسل عليهم السلام، أو باستعمال الفكر؛ ألا ترى أنك تجد النفس من طبعها أنها تألف الملاذ والمنافع، وتنفر عن المكاره والآلام، ولكنها لا تعرف معرفة كل منتفع على الإشارة إليه ولا ضرارة أعين الأشياء؛ وإنما تعرف ذلك بالذوق. وكذلك العين تدرك الألوان، لكنها لا تعرف حسنه وقبحه؛ بل العقل هو الذي يفصل بينهما، فعلى ذلك قد جعل في طبع العقل قبح القبائح جملة وحسن الحسن، ولكن لا يفصل بينهما على الإشارة إلى كل في نفسه إلا بما ذكرنا؛ فيكون قوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، أي: جعل في نفسها ما يبين القبيح من الحسن، والخبيث من الطيب، ويبين قبح الفجور وحسن التقوى، ويلزمه المحنة والكلفة بذلك، ثم يصل إلى معرفة ذلك إما بالرسل، وإما باستعمال الفكر. ويحتمل وجها آخر، وهو أن يلهمها تقواها إذا وفَّى بما لله تعالى عليه من الاستقامة على الطريقة والمجاهدة؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا

الشمس 91:9

لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، فوعد الهداية بالجهاد، وقال - تعالى -: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ثم كانت الإجابة مضمنة شريطة، وهي أن يستجيب له الداعي فيما دعاه إليه؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، وقال - تعالى -: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)، وقال: (إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ...) الآية؛ فثبت أن الذي يلهم التقوى هو الذي يقوم بوفاء ما عليه، فإذا قام به ألهمه التقوى، وبين له سبيل الفجور. وقال أبو بكر الأصم في قوله: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، أي: ألزمها فجورها وتقواها؛ فتكون تقواها لها، وفجورها عليها، لا يؤخذ أحد بفجور أحد، وفي هذا دليل على أن التقوى إذا ذكر مفردا انصرف إلى الخيرات أجمع، وإذا قرن به البر والإعطاء، انصرف إلى الاتقاء عن المحارم، كقوله - تعالى -: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ...)، وإذا قيل: بر، واتقى، أريد به: أنه بر بكل ما يحمد عليه، واتقى عن كل ما يذم عليه فاعله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠): فموقع ما تقدم من القسم بالشمس والقمر والليل والنهار على هذا، فقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) في الآخرة (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) في الآخرة؛ فيكون هذا منصرفا إلى الجزاء في الآخرة؛ على ما يذكر في قوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)؛ فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من الوجه الذي نذكره، إن شاء اللَّه تعالى. ثم اختلفوا في تأويل الفلاح: قَالَ بَعْضُهُمْ: أفلح، أي: سعد. ومنهم من يقول: أي: بقي في الخيرات، والفلاح: البقاء. ومنهم من يقول: أفلح، أي: فاز، والمفلح في الجملة هو الذي يظفر بما يأمل، وينجو عما يحذر؛ فيدخل في ذلك السعادة والبقاء والفوز. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ زَكَّاهَا): جائز أن يكون منصرفا إلى اللَّه تعالى. وجائز أن ينصرف إلى العبد، قال اللَّه - تعالى -: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى

الشمس 91:11

مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ)، وقال - تعالى -: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ...)، فبين اللَّه - تعالى - أنه هو الذي تفضل بتزكية من زكا. وجائز أن يصرف إلى العبد؛ فيكون قوله: (زَكَّاهَا)، أي: صاحبها، وكذلك قوله: (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) يحتمل هذين الوجهين؛ فيكون اللَّه - تعالى - هو الذي أنشأ فعل الضلال؛ فيكون الفعل من حيث الإنشاء من اللَّه تعالى، ومن حيث العمل من العبد. ثم قوله: (مَنْ دَسَّاهَا)، أي: أخفاها، وإخفاؤها: أنه صيرها بحيث لا تذكر في المحافل إلا بالذم، وزكى الأخرى، أي: أظهرها حتى ينظر إليها الناس بعين التبجيل والتعظيم. وهكذا شأن المتقي أن يكون مبجلا معظما فيما بين الخلق، والفاجر يعيش مذموما مهانا فيما بين الخلق. أو يرجع الإظهار والإخفاء إلى الآخرة: فيجلّ قدر المتقي المزكي، ويخمل ذكر الفاجر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (دَسَّاهَا) من " دسَّسْت "، فأسقط السين، وأبدل مكانها الياء. ثم الإضافة في قوله: (دَسَّاهَا) إلى اللَّه - تعالى - على خلق ذلك الفعل منه، وفي قوله: (مَن زكَّاهَا) على التوفيق. * * * قوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا): ولم يبين لمن كذبوا، وقد بينه في آية أخرى فقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِطَغْوَاهَا) يحتمل وجهين: أي: لأجل معصيتها وطغيانها؛ إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم وتركهم التفكر في أمره؛ وإلا لو تفكروا فيما جاءهم به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يجدوا موضع التكذيب. والثاني: بأهل طغواها، أي: كذبت ثمود بسبب أهل الطغيان؛ فيكون في هذه الآية

الشمس 91:12

إنباء أنهم لم يكذبوا رسولهم بشبهة اعترضت لهم، أو بحجة كانت لهم، بل كذبوه عن عناد منهم، وتيقن منهم برسالته، وذلك أن حجة نبيهم صالح - عليه السلام - جاوزت الحجج؛ لأنهم أوتوا الناقة على سؤال سبق منهم، وعلى تعد منهم في السؤال؛ إذ كان لهم أن يطالبوه بالحجة على دعوى الرسالة، ولم يكن لهم أن ينصوا السؤال على شيء يشيرون إليه، فهم بإشارتهم إلى سؤال الناقة كانوا معتدين فيه. ثم من حكمة اللَّه - تعالى - أن الحجة إذا كانت على أثر السؤال، ثم ظهر التكذيب من السائلين هو الاستئصال في الدنيا، وقد وجد من أُولَئِكَ القوم السؤال والتكذيب؛ فعوقبوا بالاستئصال، قال اللَّه - تعالى -: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً)؛ فيبين اللَّه - تعالى - المعنى الذي لأجله لم يرسل الآيات التي سألت الكفرة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو أنهم لو أوتوا، ثم عندوا، استؤصلوا؛ فقد أراد اللَّه - تعالى - إبقاء أمته إلى أن تقوم الساعة، وأرسله رحمة للعالمين، وجعل حجته من وجه فيها رحمة للعالمين، وهي القتال، ووجه الرحمة فيه: أنهم كانوا يمتنعون عن اتباعه؛ لحب الدنيا وشهواتها؛ فكان يمنعهم ذلك عن النظر في حججه وآيات رسالته؛ فكان في الجهاد ما يضيق عليهم المعاش، ويضطرهم إلى النظر في الحجج؛ فيحملهم ذلك على تصديقه والإيمان به؛ فثبت أن في القتال رحمة عليهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢). أي: قام أشقاها، وصار أشقاها بما أحدث من الكفر بعقر الناقة. وروي عن عمار بن ياسر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لعلي. - رضي اللَّه عنه -: " ألا أخبرك بأشقى الناس، رجلين؟ " قال: بلى، يا رسول اللَّه. فقال: " أحيمر ثمود، عاقر الناقة، والذي يضرب على هذه -وأشار إلى هامته- حتى يبتل منها هذه، وأشار إلى لحيته " فصار عاقر الناقة أشقى الناس بما ذكرنا. وجائز أن يكون قاتل علي، صار أشقى الناس؛ لأنه استحل قتله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣): فهو يحتمل وجهين:

الشمس 91:13

الآية ١٣ : وقوله تعالى :﴿فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها﴾ فهو يحتمل وجهين : أحدهما : أي احذروا ناقة الله، وهو كقوله :﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾ [الأعراف: ٧٣]. والثاني : أي قال احذروا ناقة الله تأكل في أرض الله، وذروا بين الناقة ﴿وسقياها﴾ وشربها(١) ثم أضيفت الناقة إلى الله تعالى لوجهين : أحدهما : أن الله تعالى لم يأذن لأحد بتملكها(٢) حتى ينسب إليه الملك ؛ بل بقيت غير مملوكة لأحد، فأضيفت إلى الله تعالى كما أضيفت إليه المساجد لما لا ملك لأحد عليها. [ الثاني : أنها ](٣) أضيفت إلى الله تعالى على معنى التفضيل. والأصل : أن إضافة الأشياء إلى الله تعالى بحق الحرمات على تفضيل تلك الأجزاء من بين غيرها. فإضافة الأشياء إلى الله تعالى بحق الله تعالى بحق الكليات يخرج مخرج تعظيم الله تعالى ؛ فإذا قيل : رب المساجد أريد به تفضيل المساجد من بين سائر البقاع، وإذا قيل : رب العرش أريد به تعظيم العرش، وكذلك إذا قيل : رب الناقة أريد به تعظيم أمرها، وإذا قيل : رب العالمين ورب كل شيء أريد به تعظيم الرب، جل جلاله. ١ في الأصل وم: أو شربها.. ٢ في الأصل وم: بالتملك عليه، في م: بالتملك عليها.. ٣ في الأصل وم: أو..

الشمس 91:14

أحدهما: أي: احذروا ناقة اللَّه، وهو كقوله: (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). والثاني: أي: قال لهم: ذروا ناقة اللَّه تأكل في أرض اللَّه، وذروا بين الناقة وسقياها -أي: شربها- ثم أضيفت الناقة إلى اللَّه - تعالى - لوجهين: أحدهما: أن اللَّه - تعالى - لم يأذن لأحد بالتملك عليها؛ حتى ينسب إليه الملك، بل بقيت غير مملوكة لأحد؛ فأضيفت إلى اللَّه - تعالى - كما أضيفت إليه المساجد؛ لما لا ملك لأحد عليها. أو أضيفت إلى اللَّه - تعالى - على معنى التفضيل، والأصل أن إضافة الأشياء إلى اللَّه - تعالى - بحق الجزئيات على تفضيل تلك الأجزاء من بين غيرها، وإضافة الأشياء إلى اللَّه - تعالى - بحق الكليات، تخرج مخرج تعظيم اللَّه تعالى، فإذا قيل: رب المساجد، أريد به: تفضيل المساجد من بين سائر البقاع، وإذا قيل: رب العرش، أريد به تعظيم العرش، وكذلك إذا قيل: رب الناقة، أريد به تعظيم أمرها، وإذا قيل: رب العالمين، ورب كل شيء، أريد به تعظيم الرب، جل جلاله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤): يحتمل أن يكونوا كذبوا صالحا في رسالته، أو كذبوه فيما أخبرهم من حلول العذاب بهم إذا عقروا الناقة، فعقروها مع ذلك. وقوله - تعالى -: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ)، قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: أطبق عليهم العذاب على الصغير والكبير، ومنه يقال: بعير مدموم؛ إذا كان سمينا أطبق شحمه على لحمه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: دمدم عليهم، أي: دمر عليهم بذنبهم، وذنبهم ما تعدوا من تكذيبهم الرسول، وعقرهم الناقة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَسَوَّاهَا): يحتمل وجهين:

الشمس 91:15

أحدهما: أنه سواهم بالأرض؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ). أو سوى بين الصغير والكبير في الإهلاك؛ فالصغار منهم يومئذ ماتوا بآجالهم، والكبار منهم استؤصلوا بذنوبهم. وقوله: (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥): جائز أن تكون الإضافة منصرفة إلى اللَّه تعالى، وهو أن يكون اللَّه لما أهلكهم لم يخف تبعة الإهلاك. ووجه الخوف: هو أنه فيما أهلكهم، أهلكهم بما أوجبت الحكمة إهلاكهم، ولم يلحقه تقصير في الحكمة، ولا وجد العائب في ذلك مقالا. وهكذا قال الحسن: ذاك ربنا، لم يخف مما أنزل عليهم العذاب. أو يكون منصرفا إلى العاقر؛ فيكون معناه: أنه عقرها، ولم يخف العاقبة التي حذرهم بها صالح - عليه السلام - من قوله: (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا)، أي: لم يعلم ما يحل به من عقر تلك الناقة، ولو علم لم يفعل. ويجوز استعمال الخوف في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته، صار علما. ثم الحكمة في ذكر قصة ثمود وجهان: أحدهما: أن في ذكرها تثبيت رسالة مُحَمَّد صلوات اللَّه عليه، وهو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لم يوجد منه الاختلاف إلى من عنده علم الأنباء والأخبار، ولا كان يعرف الكتابة؛ ليقع له المعرفة بهما؛ فثبت أنه بالوحي علم. والثاني: أن في ذكرها تحذيرًا لمكذبي الرسل، فحذروا بها ليمتنعوا عن تكذيبه؛ فلا يحل بهم كما حل بمكذبي صالح - عليه السلام - من بأسه وعذابه، واللَّه الهادي. * * *

الليل 92:1

سُورَةُ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) جعل اللَّه - تعالى - الليل والنهار آيتين عظيمتين ظاهرتين مكررتين على الخلائق ما يعرف كل كافر ومؤمن، وجميع أهل التنازع الذين ينازعون أهل الإيمان والتوحيد من الجبابرة والفراعنة. والقسم بالليل والنهار، والقسم بقوله: (وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) واحد. وقد ذكرنا أن القسم إنما يذكر في تأكيد ما يقع به القسم، ما لولا القسم وإن ذلك يوجب دون القسم؛ وذلك لعظم ما فيهما؛ حتى قهرا جميع الفراعنة والجبابرة، وغلبا عليهم في إتيانهما وذهابهما، حتى أن من أراد منهم دفع هذا ومجيء هذا، ما قدروا عليه. وفيهما دلالة وحدانية اللَّه - تعالى - وألوهيته، وقدرته، وسلطانه، وعلمه، وتدبيره، وحكمته: أما دلالة وحدانيته وألوهيته: اتساقهما وجريانهما على حد واحد وسنن واحد مذ كانا وأنشئا من الظلمة والنور، والزيادة والنقصان؛ فدل جريانهما على ما ذكرنا أن منشئهما واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا جاء هذا، وغلب الآخر، دامت غلبته عليه، وكذلك الآخر يكون مغلوبا أبدا، والآخر غالبا؛ فإذا لم يكن ذلك، دل أنه فعل واحد. ويدل - أيضا - على أن ليس ذلك عمل النور والظلمة، على ما تقوله الثنوية. ودل اتصال منافع أحدهما بمنافع الآخر على أن ذلك عمل واحد لا عدد. ودل اتساق ما ذكرنا، ودوامهما على حد واحد على الاستواء أن منشئهما مدبر عليم، عن تدبير وعلم خرج ذلك لا على الجزاف بلا تدبير.

الليل 92:3

ودل مجيء كل واحد منهما بطرفة عين على أن منشئهما قادر لا يعجزه شيء من بعث ولا غيره. ودل ما ذكرنا أن فاعل ذلك حكيم، على حكمة خرج فعله، لا يحتمل أن يتركهم سدى لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم بأمور. وكذلك جعل فيما ذكر من الذكر والأنثى من الدلالات والآيات من الازدواج والتوالد والتناسل وغير ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن حرف (ما) متى قرن بالفعل الماضي، صار بمعنى المصدر؛ كأنه قال: وخلق الذكر والأنثى؛ فيكون قسما بجميع الخلائق، إذ لا يخلو شيء من أن يكون ذكرا وأنثى. وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (والذَّكَرِ وَالْأُنْثَى)، وكذلك روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قرأ كذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ما) هاهنا بمعنى " الذي "؛ كأنه قال: والذي خلق الذكر والأنثى؛ فيكون على هذا الوجه القسم باللَّه تعالى، وعلى التأويل الأول بالذكر والأنثى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤): قالوا: على هذا وقع القسم، فَإِنْ قِيلَ: إن كلا يعلم من كافر ومؤمن أن سعيهم لمختلف؛ فما الحكمة والفائدة من ذكر القسم على ما يعلم كل ذلك؟ فالوجه فيه - واللَّه أعلم -: أن ما يقع لهم بالسعي، وما يستوجبون به لمختلف في الآخرة، وهو جزاء السعي؛ كأنه قال: إن جزاء سعيكم وثوابه لمختلف، وذلك أنهم كانوا يقولون: إن كانت دار أخرى على ما يقوله مُحَمَّد - عليه الصلاة والسلام - فنحن أحق بها من أتباع مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كقوله: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا). أو يكون قوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)؛ لأن المعطي في الشاهد ينفع غيره، ويضر نفسه في الظاهر، والممسك ينفع نفسه، ثم المعطي محمود عند الناس؛ فلو لم يكن عاقبة ينتفع المعطي بما أعطى، ويضر البخيل المنع، لكان الناس بما حمدوا هذا وذموا الآخر سفهاء؛

الليل 92:4

الآية ٤ : وقوله تعالى :﴿إن سعيكم لشتى﴾ قالوا : على هذا وقع القسم. فإن قيل : إن كلا يعلم من كافر ومؤمن أن سعيكم لمختلف، فما الحكمة والفائدة من ذكر القسم على ما يعلم كل ذلك ؟. ( قيل : الوجه )(١) فيه، والله أعلم أن ما يقع لهم بالسعي وما يستوجبون به مختلف في الآخرة، وهو جزاء السعي، كأنه قال : إن جزاء سعيكم وثوابه لمختلف، وذلك أنهم كانوا يقولون إن كانت دار أخرى على ما يقوله محمد ﷺ فنحن أحق بها من اتباع محمد ﷺ بقوله :﴿ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا﴾ ( الكهف : ٣٦ ) أو أن يكون قوله :﴿إن سعيكم لشتى﴾ لأن المعطي في الشاهد ينفع غيره، ويضر نفسه في الظاهر، والممسك ينفع نفسه ( ويضر غيره )(٢) ثم المعطي محمود عند الناس. فلو لم تكن عاقبة، ينتفع المعطي بما أعطى، ويضر البخيل المنع لكان الناس بما حمدوا هذا، وذموا الآخر، سفهاء. دل(٣) أن العاقبة، هي التي تصيّر هذا محمودا، وأن الخلق جميعا من مسلم وكافر ومحسن ومسيء، قد استووا في نعم هذه الدنيا ولذّاتها بما ذكرنا من ممر الليل والنهار مما يخلق فيهما من النبات والثمار والعيون والأشجار. فإذا وقع الاستواء في هذه الدار، وبه وردت الأخبار عن النبي المختار أن الناس شركاء في الماء والنار والكلإ، فلا(٤) بد من دار أخرى للأشقياء والأبرار ليقع بها التفاوت بين الأبرار والأشرار أو النافع منهم نفسه والضار. وإذا ثبت أنهما استويا في منافع الليل والنهار وجميع ما في الدنيا من الأنزال وغيرها، فإذا وقع الاستواء بينهم في الدنيا فلا بد من دار أخرى يقع التفاوت والتفاضل بينهم، وفيها يميز ما ذكرنا. ١ في الأصل وم: فالوجه. ٢ من نسخة الحرم المكي: ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: فدل. ٤ الفاء ساقطة من الأصل وم.

الليل 92:5

فدل أن العاقبة هي التي تصير هذا محمودا. ولأن الخلق جميعا من مسلم وكافر، ومحسن ومسيء، قد استووا في نعم هذه الدنيا ولذاتها مما ذكرنا من ممر الليل والنهار ومما يخلق فيها من النبات والثمار والعيون والأشجار، فإذا وقع الاستواء في هذه الدار، وبه وردت الأخبار عن النبي المختار أن الناس شركاء في الماء والكلأ والنار - لا بد من دار أخرى للأشقياء والأبرار؛ ليقع بها التفاوت بين الأبرار والأشرار، والنافع منهم نفسه والضار، وإذا ثبت أنهما استويا في منافع الليل والنهار، وجميع ما في الدنيا من الأنزال وغيرها، فإذا وقع الاستواء بينهم في الدنيا لا بد من دار أخرى فيها يقع التفاوت والتفاضل بينهم، وفيها يميز بين ما ذكرنا. ثم بين أن السعي الذي يقع الجزاء له مختلف، ما ذكر بقوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وهو يخرج على وجوه: يحتمل (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى)، أي: أعطى ما أمر به، واتقى عصيانه وكفران نعمه، أو اتقى المنع، أو من أعطى التوحيد لله - تعالى - من نفسه، واتقى الشرك والكفران لنعمه، وصدق بموعود اللَّه - تعالى -: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى): للأعمال والشرائع؛ إذ نشرح صدره للتوحيد والإسلام ونيسره عليه. (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ)، ولم يأت بالتوحيد، (وَاسْتَغْنَى) عن اللَّه - تعالى - بما عنده، (وَكَذَّبَ) بموعود اللَّه (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى)؛ لما بعده من الأعمال، واللَّه أعلم. والثاني: في حق القبول والعزم على وفاء ذلك بقوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى)، أي: قبل الإعطاء، وعزم على وفاء ذلك، (وَاتَّقَى)، أي: عزم على اتقاء معاصي اللَّه - تعالى - ومحارمه. (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى)، أي: بموعوده؛ (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)، أي: سنيسره لوفاء ما عزم عليه، (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ)، أي: عزم على البخل والمنع بذلك، (وَاسْتَغْنَى) وبالذي له وعنده، (وَكَذَّبَ) بموعود اللَّه تعالى (فَسَنُيَسِّرُهُ) لوفاء ما عزم عليه، من الخلاف لله

الليل 92:7

﴿فسنيسره لليسرى﴾ للأعمال والشرائع أو لشرح صدره للتوحيد والإسلام، ونيسره عليه

الليل 92:8

﴿وأما من بخل﴾ ولم يأت بالتوحيد ﴿واستغنى﴾ عن الله تعالى بما عنده، وكذب بموعود الله تعالى ﴿فسنيسره للعسرى﴾ لما يعده من الأعمال، والله أعلم. والثاني : في حق القبول والعزم على وفاء ذلك بقوله :﴿فأما من أعطى واتقى﴾ أي قبل الإعطاء، وعزم على وفاء ذلك ﴿واتقى﴾ أي عزم ( على )(١) اتقاء معاصي الله ومحارمه ﴿وصدق بالحسنى﴾ أي بموعوده ﴿فسنيسره لليسرى﴾ أي سنيسره لوفاء ما عزم ﴿وأما من بخل﴾ أي ( عزم )(٢) على البخل والمنع بذلك ﴿واستغنى﴾ بالذي له عنده، وكذب بموعود الله تعالى ﴿فسنيسره﴾ لوفاء ما عزم من الخلاف لله تعالى والمعصية له. وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول الله / ٦٤٤ ب/ ﷺ أنه سئل عن ذلك، فقال :( كل ميسر لما خلق له ) ( مسلم ٢٦٤٩ ) أو قال :( كل ميسر لما عمل ) ( البخاري ٤٩٤٩ ). والثالث : يخرج على حقيقة إعطاء ما وجب من الحق في المال وحقيقة المنع، يقول ﴿فأما من أعطى﴾ ما وجب من حق الله تعالى في ما له ﴿واتقى﴾ نقمة الله ومقته وعذابه ﴿وصدق بالحسنى﴾ أي بموعود الله تعالى ﴿فسنيسره لليسرى﴾ في الخيرات والطاعات ﴿وأما من بخل واستغنى﴾ أي منع حق الله تعالى الذي في ماله ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ ساقطة من الأصل وم.

الليل 92:9

﴿وكذب بالحسنى﴾ بالذي وعد على ذلك

الليل 92:10

﴿فسنيسره للعسرى﴾ في الإفضاء إلى ما وعد.

الليل 92:11

تعالى والمعصية له. وعلى ذلك يخرج ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن ذلك؛ فقال: " كل ميسر لما خلق له "، أو قال: " كل ميسر لما عمل ". والثالث: يخرج على حقيقة إعطاء ما وجب من الحق في المال وحقيقة المنع؛ يقول: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) ما وجب من حق اللَّه - تعالى - في ماله، (وَاتَّقَى) نقمة اللَّه ومقته وعذابه، (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى)، أي: بموعود اللَّه تعالى، (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) في الخيرات والطاعات. (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ)، أي: منع حق اللَّه - تعالى - الذي في ماله، (وَكَذَّبَ) بالذي وعد على ذلك، (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) في الإفضاء إلى ما وعد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١): قيل: إذا هلك ومات، أو تردى في النار. وفي ظاهر قوله - تعالى -: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ) دلالة على أن الآية في حقيقة الإعطاء من المال والمنع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى)، قَالَ بَعْضُهُمْ: بالجنة. وقيل: يشهادة: أن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وقيل: بالخلف على ما أنفق. وجائز أن تكون " اليسرى " اسم للجنة وكذلك " الحسنى ". و " العسرى " و " السوءى ": النار. ويحتمل أن تكون " اليسرى " اسما لكل ما طاب وحسن من العمل، و " العسرى ": ما خبث، وقبح من العمل. ومنهم من قال: إن الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأنه اشترى

الليل 92:12

بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواقٍ، فأعتقه لله - تعالى - فأنزل اللَّه تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى...) إلى قوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)، يعني: سعي أبي بكر وأمية وأبي. وذكر إلى آخر السورة: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى): أبو بكر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى): أمية بن خلف، وأبي بن خلف؛ يرويه عبد اللَّه بن مسعود، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. * * * قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى): هذا يخرج على وجوه: أحدها: جائز أن يكون قوله: (عَلَيْنَا)، أي: لنا، وذلك جائز في اللغة جار؛ كقوله - تعالى -: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)، أي: للنصب، وكقوله - تعالى -: (وَعَلَيْنَا الحسَابُ)، و (عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ)، أي: لنا محاسبتهم، وقوله - تعالى -: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)، أي: لله قصد السبيل، وكقوله - تعالى -: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ)، أي: لربهم، كما قال: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، ونحو ذلك كثير أن يكون " علينا " بمعنى " لنا "؛ فيصير كأنه قال: إن لنا للهدى؛ كقوله: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، وكقوله: (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا)، يكون فيه إخبار أن الهدى له والدِّين الخالص له، وأما سائر الأديان -فلما هي سبل الشيطان- ليست لله تعالى. على هذا جائز أن يخرج تأويل الآية، والوجهان الآخران يخرجان على حقيقة " على "، لكن أحدهما يخرج ذكر الهدى على إرادة البيان وتبيين الطريق، والآخر على إرادة حقيقة

الليل 92:13

الهدى، الذي هو ضد الكفر ومقابله. فأما على إرادة البيان؛ فكأنه قال: إن علينا غاية البيان في حق الحكمة والعدل فيما يمتحنون، حتى إن كان التقصير والتفريط فإنما يكون من قبل أنفسهم، لا من قبل الله تعالى، أي: يبين لهم كل شيء غاية البيان ونهايته؛ لتزول الشبهة عنهم، واللَّه أعلم. ويحتمل وجها آخر، وهو أن يقول: إن علينا هداية من استهدانا واجتهد في طلبها؛ كقوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا). ووجه آخر: إن علينا إنجاز ما وعدنا على الهدى لمن اهتدى واختاره يخرج تأويل الآية على إرادة البيان من الوجوه التي ذكرنا. وأما على إرادة حقيقة الهدى الذي هو مقابل الكفر؛ فكأنه قال: إن علينا التوفيق والمعونة والعصمة في حق الإحسان والإفضال، لا على أن ذلك عليه لهم. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " إن علينا بيان ما للآخرة والأولى؛ كي لا يزول عن قصد الطريق؛ فيهلك نفسه في كل مضيق ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣): فهو يخرج على وجهين: أحدهما: يقول - واللَّه أعلم: إنكم تعلمون أن لنا الآخرة والأولى، وليس لما تعبدون من الأصنام والأوثان لا آخرة ولا أولى، فكيف صرفتم عبادتكم عمن له الآخرة والأولى إلى من ليس له الآخرة والأولى، على علم منكم بذلك؟ يسفههم في اختيارهم عبادة الأصنام على عبادة اللَّه تعالى. والثاني: يقول - واللَّه أعلم -: إن لنا الآخرة والأولى؛ فما بالكم تبخلون بالإنفاق على أنفسكم، وما يرجع منفعته إليكم، بما ليس لكم في الحقيقة، وإنَّمَا هو لله تعالى؟! وهذا التأويل صلة قوله - تعالى -: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى...) الآية، والأول يكون صلة قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) أي: نارا تتوقد، وتتلهب، أو تتشعب، على ما ذكر من صفتها. ثم ذلك الإنذار يكون للفريقين: لأهل التوحيد، ولأهل الشرك جميعا، واللَّه أعلم.

الليل 92:14

الآية ١٤ : وقوله تعالى :﴿فأنذرتكم نارا تلظى﴾ أي نارا تتوقد، وتتشعب، على ما ذكر من صفتها. ثم الإنذار يكون للفريقين لأهل التوحيد ولأهل الشرك جميعا، والله أعلم.

الليل 92:15

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦). قالت المعتزلة: هذا ليس على حقيقة التكذيب؛ ولكن على التقصير والتفريط في أمر اللَّه تعالى، والوقوع في مناهيه؛ فيصرفون الآية إلى أصحاب الكبائر بارتكابهم الكبيرة يصيرون مكذبين ومتولين؛ لأنهم في ابتداء اعتقادهم التوحيد والإيمان اعتقدوا وفاء كل ما وقع به الأمر، ووفاء كل ما يليق به، والانتهاء عن جميع ما لا يليق به، فإذا ترك ذلك صار مكذبا لما اعتقد في الأصل وفاء ذلك. لكن عندنا لا يصير بترك الوفاء مكذبا؛ لكن يصير مخالفا لما وعد واعتقد. واستدلت المرجئة الذين لا يرون العذاب إلا لأهل الشرك والكفر بهذه الآية يقولون: إنه لا يصلاها إلا الذي كذب وتولى، والمسلم وإن ارتكب الكبيرة أو الصغيرة فهو ليس بمكذب ولا متولٍّ. ولكن تأويل الآية عندنا في الكفرة، ليست في أهل التوحيد والإيمان. ثم يحتمل قوله: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى. الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) في باب ودرك دون درك وباب، فإن كل فريق دركا، قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، وهذا كما قال: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ)، وقال في آية أخرى: (إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ)؛ فيكون الضريع الذي ذكر في باب ودرك منها، والغسلين في باب آخر، فجائز على هذا ألا يصلي ذلك الدرك إلا الأشقى. فأما يجوز أن يكون لصاحب الكبيرة درك خاص. وأما ما ذكروا أن أصحاب الكبائر قد أوعدوا وخوفوا بمواعيد شديدة، فلسنا ننكر المواعيد لهم، وأنهم يعذبون، ولكن نقول: لا يكونون في الدركات التي فيها الكفار إن أدخلوا في النار. وجائز - أيضا - أن يعذبوا بعذاب سوى العذاب الذي ذكر بالنار والتلظي. وعندنا: هم في مشيئة اللَّه - تعالى - إن شاء عذبهم وإن شاء تجاوز عنهم، وخلى عنهم سبيلهم، وأما النار التي ذكر بصفة التلظي فهي للكفار، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨):

الليل 92:16

ثم يحتمل قوله :﴿لا يصلاها إلا الأشقى﴾ ﴿الذي كذب وتولى﴾ في باب ودرك دون درك وباب ﴿من النار﴾(١) فإن لكل(٢) فريق دركا. قال الله تعالى :﴿إن المنافقين في الدرك من النار﴾ ( النساء : ١٤٥ ). وهذا كما قال :﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ ( الغاشية : ٦ ) وقال في آية أخرى } ﴿ولا طعام إلا من غسلين﴾ ( الحاقة : ٣٦ ) فيكون الضريع الذي ذكر في باب ودرك منها والغسلين في باب آخر، فجائز على هذا ألا يصلى ذلك الدرك إلا الأشقى، ويجوز(٣)أن يكون لصاحب الكبيرة درك خاص. وأما ما ذكروا أن أصحاب الكبائر قد أوعدوا، وخوفوا بمواعيد شديدة، فلسنا ننكر المواعيد لهم وأنهم يعذبون، ولكن نقول : لا يكونون في الدركات التي فيها الكفار، إن أدخلوا في النار/٦٤٥ أ/ وجائز أيضا أن يعذبوا بعذاب سوى العذاب الذي ذكر بالنار والتلظي. وعندنا هم في مشيئة الله تعالى، إن شاء عذبهم، وإن شاء تجاوز عنهم، وخلى عنهم سبيلهم. وأما النار التي ذكر بصفة التلظي فهي للكفار، والله أعلم. ١ في الأصل وم: وباب. ٢ من م، في الأصل: كل. ٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: فأما يجوز.

الليل 92:17

الآيتان ١٧ و ١٨ : وقوله تعالى :﴿وسيجنبها الأتقى﴾ ﴿الذي يؤتى ماله يتزكى﴾ أخبر أنه يجنب النار عن الأتقى، ويقيه عنها. ثم فيه دلالة أنه إنما يتجنبها، ويتقيها، بالأعمال التي يعلمها، فدل أن الله تعالى في أفعالهم صنعا حين(١)أضاف الوقاية إليه والتجنب عنها، وهو كقوله :﴿ربنا آتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ( البقرة : ٢٠١ ). ١ في الأصل وم: حيث.

الليل 92:18

الآيتان ١٧ و ١٨ : وقوله تعالى :﴿وسيجنبها الأتقى﴾ ﴿الذي يؤتى ماله يتزكى﴾ أخبر أنه يجنب النار عن الأتقى، ويقيه عنها. ثم فيه دلالة أنه إنما يتجنبها، ويتقيها، بالأعمال التي يعلمها، فدل أن الله تعالى في أفعالهم صنعا حين(١)أضاف الوقاية إليه والتجنب عنها، وهو كقوله :﴿ربنا آتينا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ( البقرة : ٢٠١ ). ١ في الأصل وم: حيث.

الليل 92:19

أخبر أنه يجنب النار عن الأتقى ويقيه عنها. ثم فيه دلالة أنه إنما يجنبها ويقيها بالأعمال التي يعملها؛ فدل أن لله - تعالى - في أفعالهم صنعا، حيث أضاف الوقاية إليه والتجنب عنها، وهو كقوله: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠). أي: ما لأحد عند اللَّه تعالى من نعمة يجزى بها ولا بد أن يستحق الثواب بها، لكن إذا أدى نعمة من نعم اللَّه - تعالى - التي أعطاها إياه لغيره؛ ابتغاء وجهه، وطلب رضاه - يجزيه بفضله؛ كأنه كانت له عنده نعمة يجزى بها. والثاني: يحتمل أن هذا صلة قوله: (يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى)، أي: يتصدق ويتزكى؛ لابتغاء وجه اللَّه - تعالى - على من ليس عنده نعمة ويد يجازيه بها وينفق عليه جزاء لصنيع قد سبق منه في حقه؛ كأنه يقول: لا يعطي الزكاة أحدًا عن مجازاة لما سبق منه إليه من نعمة؛ إنما أعطاها له لا مجازاة، ولكن لله تعالى خالصا. وفيه دليل ألا يعطي الرجل زكاة ماله من عنده له نعمة أو منة؛ لأنه يخرج ذلك مخرج الإعطاء ببدل. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) أي: يرضى بالذي يجزى به، ويساق إليه من الثواب. وحرف أو " سوف " والـ " عسى " من اللَّه تعالى واجب؛ كأنه يقول: يعطيه حتى يرضى. وقَالَ بَعْضُهُمْ: نزلت هذه الآية - وهي قوله عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) - في أبي بكر الصديق، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذه الآية نزلت في أبي الدحداح - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - طلب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - منه نخلة - إلى آخر القصة. وقال بعض أهل الأدب: تردى في النار، أي: سقط، ويقال: تردى: تفعل، من الردى، وهو الهلاك، و (إِذَا تَجَلَّى): إذا بدا، واليسرى من التيسير، والعسرى من التعسير، واللَّه أعلم.

الليل 92:20

الآيتان ١٩ و ٢٠ : وقوله تعالى :﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى﴾ ﴿إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ ( يحتمل وجهين : أحدهما : أن )(١) ما لأحد عند الله تعالى من نعمة يجزى بها، ولا يد يستحق ( الثواب )(٢) بها. لكن إذا أدى نعمة من نعم الله تعالى التي أعطاها إياه لغيره ابتغاء وجهه، وطلب مرضاته، يجزيه بفضله، كأنه كانت له عنده نعمة، يجزي بها. والثاني : يحتمل أن يكون(٣) صلة قوله :﴿الذي يؤتى ماله يتزكى﴾ أي يتصدق، ويتزكى لابتغاء وجه الله تعالى على من ليس عنده نعمة ويد يجازيه بها، وينفق عليه جزاء لصنيع قد سبق منه في حقه، كأنه يقول : لا يعطي الزكاة أحدا عن مجازاة ( ما )(٤) سبق منه إليه من نعمة، إنما أعطاه له لا مجازاة، ولكن لله تعالى خالصا. وفيه دليل ألا يعطي الرجل زكاة ماله من عنده له نعمة أو منة لأنه يخرج ذلك مخرج الإعطاء ببدل. ١ في الأصل وم: أي.. ٢ من م، ساقطة من الأصل. ٣ في الأصل وم: هذا.. ٤ في م: قد: ساقطة في الأصل.

الليل 92:21

الآية ٢١ : وقوله تعالى :﴿ولسوف يرضى﴾ أي يرضى بالذي يجزى به، ويساق إليه من الثواب، وحرف : ال : سوف و ال : عسى من الله تعالى واجب، كأنه يقول : يعطيه حتى يرضى. وقال بعضهم : نزلت هذه الآية، وهو قوله تعالى :﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى﴾ في أبي بكر رضي الله عنه. وقال بعضهم : هذه الآية نزلت في أبي الدحداح رضي الله عنه طلب النبي ﷺ منه نخلة إلى آخر القصة(١). وقال بعض أهل الأدب :﴿تردى﴾ ( الآية : ١١ ) في النار، أي سقط، ويقال :﴿تردى﴾ تفعل من الردى، وهو الهلاك، و ﴿إذا تجلى﴾ ( الآية : ٢ ) إذا بدا، و﴿لليسرى﴾ ( الآية : ٧ ) من التيسير، و﴿للعسرى﴾ ( الآية : ١٠ ) من التعسير. والله أعلم. ( والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين }(٢). ١ لقد ذكر المؤلف خبرا آخر عن أبي الدحداح في تفسير الآية ٢٤٥ من سورة البقرة وتصدقه بحديقة له، انظر ج ١ / ٤٣٨. ٢ ساقطة من م..

الضحى 93:1

سُورَةُ الضُّحَى، هي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى). قَالَ بَعْضُهُمْ: الضحى: هو ضوء النهار، كقوله: (وَضُحَاهَا)، أي: ضوءها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو ساعة من النهار، وهي من أول النهار، ويقال: صلاة الضحى، وهي عند ضحوة النهار. ومنهم من يقول: هو كناية عن الحر؛ كقوله: (أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى)، إلى قوله: (وَلَا تَضْحَى)، أي: لا يصيبك الحر، واللَّه أعلم. ومنهم من يقول: هو كناية عن النهار كله، أقسم به، وبالليل الذي ذكر. فإن كان المراد من الضحى هو ضوء النهار، ومن (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى): ظلمته؛ فيخرج القسم به على أن ظلمة الليل تستر الخلائق كلهم في طرفة عين، وكذلك ضوء النهار يكشف الستر، ويجلي بطرفة عين جميع الخلائق، من غير أن يعلم أحد ثقل ذلك الستر أو خفة ذلك الضوء، فأقسم بذلك لعظيم ما فيهما من الآية. وإن كان المراد منه نفس الليل والنهار؛ فالقسم بهما لما جعل فيهما من المنافع الكثيرة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا سَجَى) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: إذا استوى.

الضحى 93:3

وقَالَ بَعْضُهُمْ: إذا سكن وركد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (إِذَا سَجَى): إذا غشي وأظلم، وغطى كل شيء وستر، وهو من التسجي والتستر؛ يقال: تسجى قبر المرأة؛ إذا تستر وتغطى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) على هذا وقع القسم، ثم اختلف في السبب الذي لأجله نزل هذا: قَالَ بَعْضُهُمْ: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان سئل عن شيء إذ طلبوا منه شيئا، فقال: أفعل ذلك غدا، أو أجيبكم عنه غدا، ولم يستثن؛ فاحتبس عنه الوحي أياما لذلك؛ فقال المشركون: ودَّعه ربه وقلاه، أي: تركه وأبغضه. ومنهم من قال: إنه أبطأ عليه الوحي، فجزع جزعا شديدا، فقالت له خديجة - رضي اللَّه عنها -: " إني لأرى قلاك ربك وودعك "؛ مما ترى من جزعه؛ فنزل قوله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى). ولسنا ندري كيف كان الأمر؟ فإن كان نزل ذلك لقول قريش، فالقسم يحتمل كذلك؛ ردا لقولهم. والقول الثاني: أنه نزل لقول خديجة - رضي اللَّه عنها - فهو غير محتمل؛ لأن خديجة تعلم أن اللَّه - تعالى - لم يودعه ولا قلاه، وكذا كل مؤمن معتقد أن اللَّه - تعالى - لا يودع أحدا من رسله. ولأنها تصدق الرسول - عليه السلام - أنه لم يودعه ولا قلاه إذا أخبرها بغير قسم؛ فلا معنى للقسم؛ فدل أن هذا الوجه غير محتمل. ثم صرف تأويل الآية إلى غير ما قالوا أشبه عندنا وأقرب مما قالوا، وهو أنه - عليه السلام - بعث إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم قتل من خالفهم، وإهلاك من

الضحى 93:4

استقبلهم بالخلاف، ولم يكن معه فضل مال وسعة يستميل به قلوب الناس؛ فيقول أُولَئِكَ الكفرة: إن ربه قد خذله وتركه وقلاه، حيث بعثه إلى من ذكرنا من الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم القتل وعادتهم إهلاك من خالفهم بلا أنصار ولا أعوان من الملائكة، ولا مال وسعة يستميل به القلوب والأنفس؛ لأن من سلم إنسانا إلى أعدائه الذين يعلم أنهم أعداؤه، ويخلي بينه وبين الأعداء بلا أنصار وأعوان ولا مال وسعة من الدنيا - يقال: إنه قد خذله وتركه وقلاه؛ إذ لا يفعل ذلك في الأصل إلا لذلك؛ فعند ذلك قالوا: إنه ودعه وقلاه، وهو ما قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا)، وقولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، ونحو ذلك مما قالوا، فلولا صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكروا، وإلا صرفه إلى ما ذكرنا أشبه. وفي قولهم: " قد ودعه ربه " دلالة أنهم قد عرفوا أنه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأقروا بذلك حتى قالوا؛ فنزل قوله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ). والثاني: أنه لو كان يخترع على ما كانوا يقولون أُولَئِكَ، لكان لا يحتبس عن الاختراع، ويكون يخترع أبدًا؛ حتى لا يقولوا: " إنه ودَّعه "؛ فدل ظهور احتباس الوحي: أنه عن أمر يخبر، وأنه مأمور بذلك، ثم أخبر أنه لم يبعث إلى هَؤُلَاءِ الفراعنة والجبابرة لما ذكر أُولَئِكَ الكفرة أنه خذله وتركه وقلاه، ولكن بعثه وهو ينصره ويعينه على تبليغ ما أمر بتبليغه إلى من أمر بتبليغه، ولم يقله، ولكنه اصطفاه واختاره؛ حتى يعلو أمره، ويكثر ذكره، وفي ذلك آية عظيمة على إثبات الرسالة، وهو ما ذكرنا أنه بعث إلى من همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم، فقهرهم جميعا، وغلب على الكل حتى أظهر الإسلام فيمن قرب منه ومن بعد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤): يقول: مع ما أعطيت في الدنيا من الشرف والذكر والغلبة على الفراعنة، فالآخرة خير لك من الأولى؛ يرغبه في الآخرة، ويزهده في الدنيا. أو يقول: إن أولى لك أن يكون سعيك للآخرة؛ فهو خير لك من الأولى، وهو

الضحى 93:5

كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥). أي: لتعطى في الآخرة ما ترضى من الكرامة والشرف. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: ولسوف يعطيك ربك فترضى في الدنيا من الذكر والشرف والمنزلة والغلبة على الأعداء. ويحتمل: يعطيك في أمتك ما ترجو وتأمل من الشفاعة لهم وترضى. ويقول بعض الناس: إن أرجى آية هذه؛ حيث وعد له أنه يعطيه ما يرضى، ولا يرضى أن يكون أمته في النار. ومنهم من قال: أرجى آية قوله - تعالى -: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)، وهو قول ابن مسعود، رضي الله عنه. وعندنا أرجى الآيات هي التي أمر اللَّه - تعالى - رسله بالاستغفار للمؤمنين، وكذلك ما أمر الملائكة بالاستغفار لهم؛ فاستغفروا لهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦): ما ذكر من الأحوال التي ذكر فيه من قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى. وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) الآية، وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، ونحو ذلك من الأحوال التي ذكر فيه وهي في الظاهر أحوال تذكر للشين فيمن تقال فيه، لكن في ذكر ما ذكر فيه من الأحوال: ذكر بشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالنصر له والعون؛ وآية له على رسالته ونبوته؛ لأن نفاذ القول وغلبة الأمر مع الأحوال التي ذكر - أعظم في الأعجوبة من نفاذه في حال السعة وحال قوة الأسباب وتأكيدها. أو أن يكون قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)، ونحوه، لأن أُولَئِكَ الكفرة كانوا ينسبونه إلى الافتراء

الضحى 93:6

الآية٦ : وقوله تعالى :﴿ألم يجدك يتيما فآوى﴾ ( آية مما )(١) ذكر من الأحوال التي ذكر فيه : من قوله تعالى :﴿ألم يجدك يتيما فآوى﴾ ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾ ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ ( الآيات : ٦و٧و٨ } وقوله تعالى :﴿وما كنت تتلوا من قبله، من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ ( العنكبوت : ٤٨ ) ونحو ذلك من الأحوال التي ذكر فيه ﴿وهي﴾(٢) في الظاهر أحوال تذكر للتبيين في من يقال فيه. لكن في ذكر ما ذكر فيه من الأحوال ذكر بشارة لرسول الله ﷺ والنصر له والعون وآية له على رسالته ونبوته، لأن نفاذ القول وغلبة الأمر مع الأحوال التي ذكر أعظم في الأعجوبة من نفاذه في أحوال السعة وحال قوة الأسباب وتأكيدها، وهو(٣) قوله تعالى :﴿ألم يجدك يتيما فآوى﴾ ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾ ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ ونحوه لأن أولئك الكفرة كانوا ينسبونه إلى الافتراء والاختراع من ذات نفسه، فأخبر أن اليتيم والفقير، ليس يبلغ في العلم والمعرفة المبلغ الذي يقدر على الاختراع وإنشاء الشيء من ذات نفسه على وجه يعجز عن مثله جميع الخلائق لما لا يجد ما ينفق في ذلك، ويتحمل المؤن حتى يبلغ مبلغ الاختراع. وكذلك ما ذكر حين(٤) قال :﴿وما كنت تتلوا من قبله، من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ ( العنكبوت : ٤٨ ) لأنهم قالوا :﴿إنما يعلمه بشر﴾ ( النحل : ١٠٣ ) فالبشر إنما يتعلمون بالكتابة والخط. فإذا لم يكن لرسول الله ﷺ ( حظ )(٥) من ذلك دل أنه بالله تعالى عرف وحده. وقوله تعالى :﴿ألم يجدك يتيما فآوى﴾ يحتمل(٦) قوله :﴿فآوى﴾ وجوها : أحدها : وجدك يتيما فآواك إلى عمك حتى رباك، ودفع عنك كل أذى وآفة وساق إليك كل خير وبر إلى أن بلغت المبلغ الذي بلغت )(٧). والثاني : يقول قد وجدك يتيما فآواك إلى عدو من أعدائه(٨) حتى تولى تربيتك، وبرك، وعطف عليك، وتولى عنك دفع المكروه والأذى، يذكر منته وعظيم نعمه عليه أنه كان ما ذكر، ثم صير من أعدائه(٩) أشفق الناس عليه وأعطف، والله أعلم. والثالث : قد وجدك يتيما فآواك إلى نفسه، وعطف عليك، حتى اختصك، واصطفاك للرسالة والنبوة حتى صرت مذكورا في الدنيا والآخرة وحتى أحوج جميع الناس إليك، ليس ذلك من أمر اليتيم أنه يبلغ شأنه وأمره إلى ما بلغ من أمرك وشأنك حتى صرت مخصوصا من بين الناس جميعا في ما ذكرنا من اختصاصه إياك بالرسالة، وأحوج جميع الناس إليك، يذكر عظيم منه ونعمه عليه. ١ في الأصل وم: الآية ما. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: أو أن يكون. ٤ في الأصل وم: حيث. ٥ ساقطة من الأصل وم. ٦ أدرج قبلها في الأصل وم: ثم. ٧ من م، ساقطة من الأصل. ٨ في الأصل وم: أعدائك. ٩ أدرج بعدها في الأصل وم: دفع المكروه.

الضحى 93:7

والاختراع من ذات نفسه، فأخبر أن اليتيم والفقير ليس يبلغ في العلم والمعرفة المبلغ الذي يقدر على الاختراع وإنشاء الشيء من نفسه على وجه يعجز عن مثله جميع الخلق؛ لما لا يجد ما ينفق في ذلك، ويتحمل من المؤن حتى يبلغ مبلغ الاختراع، وكذلك ما ذكر حيث قال: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...) الآية؛ لأنهم قالوا: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ)، والبشر إنما يتعلمون بالكتابة والخط، فإذا لم يكن لرسول اللَّه - عليه الصلاة والسلام - شيء من ذلك؛ دلَّ أنه باللَّه - تعالى - عرف وحده. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى)، أي: وجدك يتيما فآواك. ثم يحتمل قوله: (فَآوَى) وجوها: أحدها: وجدك يتيما فآواك إلى عمك حتى ربَّاك ودفع عنك كل أذى وآفة، وساق إليك كل خير وبر، إلى أن بلغت المبلغ الذي بلغت. والثاني: يقول: قد وجدك يتيما فآواك إلى عدو من أعدائك حتى تولى تربيك وبرك، وعطف عليك، وتولى عنك دفع المكروه والأذى، يذكر منته وعظيم نعمه عليه أنه كان ما ذكر، ثم صير عدوا من أعدائه أشفق الناس عليه وأعطف، واللَّه أعلم. والثالث: قد وجدك يتيما فآواك إلى نفسه، وعطف عليك حتى اختصك واصطفاك للرسالة والنبوة؛ حتى صرت مذكورا في الدنيا والآخرة، وحتى أحوج جميع الناس إليك، وليس ذلك من أمر اليتيم أنه يبلغ شأنه وأمره إلى ما بلغ من أمرك وشأنك حتى صرت مخصوصا من بين الناس جميعا، فيما ذكرنا من اختصاصه إياك بالرسالة، وأحوج جميع الناس إليك؛ يذكر عظيم مننه ونعمه عليه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) هذا يخرج على وجوه: أحدها: يقول - واللَّه أعلم -: لولا أن اللَّه تعالى هداك لدينه، ووفقك له، وإلا وجدك ضالا؛ إذ كان نشوءه بين قوم ضلال، لم يكن أحد يهديه ويدعوه إلى اللَّه تعالى، ولكنه هداك وأرشدك، فلم يجدك ضالا، وهو كقوله - تعالى -: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا...)، أي: لولا أنه أنقذكم منها، وإلا صرتم على شفا حفرة من النار لو لم ينقذكم منها، وكقوله: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا)؛ لأن البشر أنشئ وطبع على الركون والميل إلى النعم العاجلة، واختيار الأيسر والألذ، ولكنه بفضله ولطفه ثبتك وعصمك، ولم يكلك على ما طبعت وأنشئت في أصل الخلقة؛ فعلى ذلك نقول في قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، أي: لولا أنه هداك؛ وإلا وجدك ضالا لو لم يهدك، ففيه أنه هداه ولم يجده ضالا. والثاني: يقول: ووجدك ضالا لا ضلال كسب واختيار، ولكن ضلال الخلقة التي أنشئ عليها الخلق، والضلال بمعنى الجهل؛ لأن الخلق في ابتداء أحوالهم يكونون جهالا، لا جهل كسب يذمون عليه، أو يكون لهم علم يحمدون عليه، ولكن جهل خلقة وضلال خلقة؛ لما ليس معهم آلة درك العلم؛ فلا صنع له في كسب الجهل، فأما بعد الظفر بآلة العلم يكون الجهل مكتسبا؛ فيذم عليه، وكذا العلم؛ فيترتب عليه الحمد والذم؛ فعلى هذا يكون قوله - تعالى -: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، أي: وجدك جاهلا على ما يكون في أصل الخلقة وحالة الصغر فهداك، أي: علمك، وهو كقوله - تعالى -: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا...)، وقوله - تعالى -: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ...)، يذكر أنه لم يكن يدري شيئا حتى أدراه وعلَّمه. والثالث: يقول: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا)، أي: غافلا عن الأنباء المتقدمة وأخبارهم حتى أطلعك اللَّه - تعالى - على ذلك، كقوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ). أو يقول: ووجدك في أمر القرآن أو ما فيه جاهلا غافلا عن علم ذلك، فأعلمك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا)، أي: وجدك بين قوم ضلال فهداك، أي: أخرجك من بينهم ما لو لم يخرجك من بين أظهرهم، لدعوك إلى ما هم عليه، ويجبرونك على ذلك، ولم يرضوا منك إلا ذلك، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) من طريق مكة فهداك الطريق. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) حقيقة الضلال، فهداك للتوحيد. لكن هذا [وخش من القول]؛ إذ لا يليق به أن ينسب إلى ذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) عن النبوة أي: جاهلا، فهداك للنبوة، وهو قريب مما ذكرناه.

الضحى 93:8

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) أي: فقيرا فأغناك بما أراك من أمر الآخرة، وما يسوق إليك من نعيمها، أي: بما أعد له في الآخرة، وما وعد له من النعيم والكرامات هانت عليه الدنيا، حتى ذكر أن الدنيا لم تكن تعدل عنده - عليه السلام - جناح بعوضة؛ ولذلك روى أن الغنى غنى القلب. ويحتمل أنه جعل فيه حالا بلطفه أغناه؛ كما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه نهى عن الوصال، فقيل: أنت تواصل، يا رسول اللَّه؟ فقال - عليه السلام -: " أنا لست كأحدكم؛ إن ربي يطعمني ويسقيني "؛ فجائز أن يكون لله - عَزَّ وَجَلَّ - فيه لطف أغناه به، وإن لم يطلعنا عليه، واللَّه أعلم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أغناك بمال خديجة، رضي اللَّه عنها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فأغناك، أي: فأرضاك بما أعطاك من الرزق، وأقنعك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: " فأما اليتيم فلا تكهر "، فالكهر: الزجر، كأنه قال: فلا تزجر. وجائز أن يكون قوله: (فَلَا تَقْهَرْ)، أي: لا تمنع حقه، وادفع إليه حقه وماله. أو يكون ذكر هذا، يقول: كنت يتيما ورأيت حال اليتيم؛ فلا تقهر اليتيم؛ فيكون على الصلة لقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى)، فلا تقهر اليتيم بعد ذلك. (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠): أي: كنت محتاجا فقيرا، فعرفت محل الفقر والحاجة وشدة حاله؛ فلا تنهر السائل -أي: لا تزجره- ولكن أعطه. وجائز أن يكون الأمر لا على النهي، ولكن على الأمر بالبر لهَؤُلَاءِ والإعطاء لهم. وجائز أن يراد من نفي شيء إثبات ضده، كقوله - تعالى -: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ)، أي: خسرت، وعلى هذا الحديث، وهو ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إذا أتاكم السائل فلا تقطعوا عليه مسألته، حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه برفق ولين، إما ببذل يسير، أو برد جميل؛ فإنه قد يأتيكم من ليس بإنسٍ ولا جِنٍّ؛ يرى كيف صنيعكم فيما خولكم اللَّه تعالى ". وقال قوم: تزويج اليتيم قهره؛ لما فيه من الاستذلال والإضرار؛ فلم يجوزوه من غير

الضحى 93:9

الآية٩ : وقوله تعالى :﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾ وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه فأما اليتيم فلا تكهر(١)، فالكهر الزجر، كأنه قال : فلا تزجر. وجائز أن يكون قوله :﴿فلا تقهر﴾ أي لا تمنع حقه، وادفع إليه حقه وماله، أو يكون ذكر هذا ليقول : كنت يتيما، ورأيت حال اليتيم فيكون على الصلة لقوله :﴿ألم يجدك يتيما فآوى﴾ ﴿فلا تقهر﴾ اليتيم بعد ذلك. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ٨ / ١٨٣.

الضحى 93:10

الآية ١٠ :( وقوله تعالى )(١) :﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ أي كنت محتاجا فقيرا، فعرفت محل الفقر والحاجة وشدة حاله ﴿فلا تنهر﴾ السائل، أي لا تزجره، ولكن أعطه. وجائز أن يكون الأمر ( لا )(٢) على النهي، ولطكن على الأمر بالبر لهؤلاء والإعطاء لهم. وجائز أن يراد في نفي شيء إثبات ضده كقوله تعالى :﴿فما ربحت تجارتهم﴾ ( البقرة : ١٦ ). أي خسرت وعلى هذا الحديث، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال :{ إذا أتاكم السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه برفق ولين إما ببذل يسير أو برد جميل فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جن يرى كيف صنعكم في ما خولكم الله تعالى ). وقال قوم :( في )(٣) تزويج اليتيم قهره، لما فيه من الاستدلال والإضرار، فلم يزوجوا من غير الأب والجد، وأجازوا بيع ماله من وصيته، إن كان وصى الأب أو الجد وصى أنه في تركته(٤). فدل أن تزويج اليتيم ليس من قهره في شيء. وقد روي عن النبي ﷺ أنه زوج بنت حمزة سلمة ابن أبي سلمة، وهو صغير ويتيم، وزوج ابن عمر بنت أخيه، وهي صغيرة، وزوج عروة ابنته من مصعب، ( وهو صغير )(٥)، فقهره اليتيم في ظلمه والاعتداء عليه، وليس في التزويج. ١ ساقطة من الأصل وم:. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ ساقطة من الأصل وم. ٤ في الأصل وم: تركتها. ٥ في الأصل وم: وهي صغيرة.

الضحى 93:11

الأب والجد، وأجازوا بيع ماله من وصيه إن كان وصي الأب أو وصي أمه في تركتها؛ فدل أن تزويج اليتيم ليس من قهره في شيء، وقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه زوج بنت حمزة سلمة بن أبي سلمة، وهو صغير يتيم، وزوج ابن عمر بنت أخيه وهي صغيرة، وزوج عروة ابنته من مصعب وهي صغيرة. وقهر اليتيم في ظلمه والاعتداء عليه، وليس في التزويج ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: حدثهم بنعم اللَّه - تعالى - التي أنعم عليهم؛ ليعرفوا ويفوا بما فيه شكرها. أو يقول: حدثهم بما أنعم اللَّه عليك، وهو هذا القرآن؛ إذ القرآن من أعظم ما أنعم اللَّه عليه، فأمر بتحدث ما عليه من النعم؛ ليعرفوا عظيم ما أنعم اللَّه عليه من الاختصاص لهم؛ حيث جعلهم من أمته ومن قومه. أو أمر بأن يقرأه ويحدث بما فيه. وقد روي عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف خز، لم نره عليه قبل، ولا بعد، فقال: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " إن اللَّه - تعالى - إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته عليه ". وعن عطية عن أبي سعيد عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إن اللَّه - تعالى - جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتبؤس ". وعن أبي الأحوص عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " من أعطاه اللَّه - تعالى - خيرا؛ فلْيُرَ عليه، وابدأ بمن تعول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على كفاف، ولا تعجز عن نفسك ". وعن يحيى بن عبد اللَّه عن أبيه عن أَبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إذا بسط اللَّه - تعالى - على عبد نعمة فلْتُرَ عليه " يعني به: الصدقة والمعروف، وقول ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " وابدأ بمن تعول " دليل عليه. قال أهل الأدب: عال: افتقر، وأعال، أي: كثر عياله، ويقال: أسجيته: أسكنته، وقالوا: الانتهار: الكلام الخشن. وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. * * * سُورَةُ (أَلَمْ نَشْرَحْ)، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ). المخاطب في هذه السورة من اللَّه - تعالى - رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خاطبه إياه؛ حيث قال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) إلى ما ذكر. والمخاطبة في سورة الضحى إنما كانت من غير اللَّه - تعالى - إياه، كان جبريل - عليه السلام - خاطبه في ذكر منن اللَّه تعالى إياه، وذكر نعمه ألا ترى أنه قال: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ)، ولم يقل: ما ودعناك. ويجوز أن يكون الخطاب في سورة (وَالضُّحَى) من اللَّه على المغايبة؛ كما يقال: إن أمير المؤمنين يقول كذا، ويريد نفسه. ثم اختلف في قوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: شرح صدره للإسلام؛ كقوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ). أخبر أن من شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه. والشرح، قيل: هو التليين، والتوسيع، والفتح، أي: ألم نوسع لك صدرك ونفتح ونلين للإسلام. وقد روي في الخبر أنه لما نزل هذا، قيل: يا رسول اللَّه، وهل لذلك من علامة؟ فقال: " بلى، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله ". لكن يعرف ذلك من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بطريق الحقيقة، ويظهر منه ذلك باليقين، فأما من غيره فإنما يعرف التجافي من دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود بالتقارب، وغالب الظن؛ لأن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كانت له الآخرة لا محالة، وأمورها كالمشاهدة والمعاينة، وكذلك جميع الأنبياء والرسل - عليهم السلام - فأما لغيرهم فلا نحكم بذلك؛ فلا يبلغ ذلك، وهو كما ذكر أن رؤيا الأنبياء كالعيان، أي: تعرف بطريق اليقين، بخلاف رؤيا غيرهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: شرح صدره؛ لأنه لما كلف بتبليغ الرسالة إلى الجن والإنس وإلى الفراعنة والجبابرة الذين همتهم إهلاك من يخالفهم، والإقلاع عن عبادة من يعبد اللَّه ضاق صدره لذلك، وثقل على قلبه؛ فوسع اللَّه صدره وشرحه حتى هان ذلك عليه وخف، وهو قول أبي بكر الأصم، إلا أنه يقول: فعل ذلك به، وحقق بالآيات والحجج، ونحن نقول باللطف منه، حتى قام بوفاء ما كلف وأمر، أما هو لا يقول باللطف والاختصاص للبعض دون البعض؛ لقوله بالأصلح. ويحتمل أن يكون ما ذكر من شرح صدره وتوسيعه هو ما ذكر في قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وخلقه كان يجاوز وسعه وطاقته؛ حتى كادت نفسه تهلك لمكان كفر أُولَئِكَ، وما يعلم أنه ينزل بهم؛ إشفاقا عليهم، ورحمة، كقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) الآية، وقوله: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ...) الآية، وغير ذلك من أمثال هذا، وذلك - والله أعلم - ما وصف من خلقه أنه عظيم، فوسع صدره وشرحه حتى يخفف ذلك عليه؛ حيث قال له: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ...)، وقال: (وَلَا تَحْزَن عَليهِم) الآية. وقال الحسن في قوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ): بلى، قد شرح له صدره، وملأه علما وحكمة. ثم قوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) إلى آخر ما ذكر، إن كان المخاطب به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو المعنيُّ والمراد به، فتأويل السورة يخرج على ما ذكرنا من تيسير الأمر عليه،

الشرح 94:1

الآية١ : وقوله تعالى :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ الخطاب(١) في هذه السورة من الله تعالى لرسوله(٢) ﷺ خاطب ( به حين قال )(٣) :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ إلى ما ذكر. والمخاطبة في سورة الضحى إذا كانت من غير الله تعالى إياه، كان جبرائيل عليه السلام خاطبه في ذكر منن الله تعالى إياه وذكر نعمه، إلا أنه قال :﴿ما ودعك ربك وما قلا﴾ ( الآية : ٣ ) ولم يقل : ودعناك. ويجوز أن يكون الخطاب في سورة الضحى من الله تعالى على المغايبة، يقال : إن أمير المؤمنين يقول : كذا، أراد نفسه. ثم اختلف في قوله :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ قال بعضهم : شرح صدره للإسلام كقوله :﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ ( الزمر : ٢٢ ) أخبر أن من شرح صدره للإسلام، ﴿فهو على نور من ربه﴾ / ٦٤٦ ب/والشرح : قيل : هو التليين والتوسيع والفتح، أي ألم نوسع لك صدرك، ونفتح، ونلين للإسلام. وقد روي في الخبر أنه لما نزل هذا قيل : يا رسول الله، وهل لذلك من علامة ؟ فقال : بلى التجافي من دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت. قبل نزوله ) ( الحاكم في المستدرك ٤ / ٣١١ ) ولكن يعرف ذلك من رسول الله بطريق الحقيقة، ويظهر ذلك منه باليقين، فأما من غيره فإنما يعرف بالتجافي من دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود بالتقارب. وغالب الظن أن(٤) رسول الله ﷺ كانت له الآخرة وأمورها كالمشاهدة والمعاينة. وكذلك جميع الأنبياء والرسل. فأما لغيرهم يبلغ ذلك، وهو ما ذكرنا أن رؤيا الأنبياء كالعيان، أي تعرف بطريق اليقين بخلاف رؤيا غيرهم. وقال بعضهم : شرح صدره لأنه لما كلف بتبليغ الرسالة إلى الجن والإنس وإلى الفراعنة والجبابرة الذين همتهم إهلاك من يخالفهم والانقلاع عن عبادة من يعبد الله، ضاق صدره لذلك، وثقل على قلبه، فوسع الله صدره، وشرحه حتى هان ذلك عليه، وخف، وهو قول أبي بكر الأصم. إلا أنه فعل ذلك به، وحققه(٥) بالآيات والحجج. ونحن نقول باللطف منه حتى قام بوفاء ما كلف، وأمر. أما هو فلا يقول باللطف والاختصاص للبعض دون البعض لقوله بالأصلح. ويحتمل أن يكون ما ذكر من شرح صدره وتوسيعه، هو ما ذكر في قوله ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ ( القلم : ٤ ) وخلقه كان يجاوز وسعه وطاقته حتى كادت نفسه تهلك لمكان كفر أولئك، وما يعلم أنه ينزل بهم، إشفاقا ورحمة كقوله :﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين﴾ ( الشعراء : ٣ ) وقوله :﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك﴾ ( هود : ١٢ ) وغير ذلك من أمثال هذا، وذلك، والله أعلم، ما وصف من خلقه أنه عظيم، فوسع صدره، وشرحه حتى يخف ذلك عليه حين(٦) قال له :﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾ ( فاطر : ٨ ) وقال :﴿ولا تحزن عليهم﴾ ( النمل : ٧٠ ). وقال الحسن في قوله :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ بلى قد شرح له صدره، وملأه علما وحكمة، ثم قوله :﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ إلى ما ذكر إن كان المخاطب به رسول الله، وهو المراد به. فتأويل السورة يخرج على ما ذكر من تيسير(٧) الأمر عليه وتخفيف ما حمّله وأمر به. ١ في الأصل وم: المخاطب. ٢ في الأصل وم: رسوله. ٣ في الأصل وم: إياه حيث، وفي م: إياه حيث قال.. ٤ في الأصل وم: لأن. ٥ في الأصل وم: وحقق. ٦ في الأصل وم: حيث. ٧ من نسخة الحرم المكي: في الأصل وم: تبيين.

الشرح 94:2

وتخفيف ما حمله عليه وأمر به. وقوله - تعالى -: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ): على ابتداء وضع الوزر والإثم على ما نذكر، وإن كان المخاطب به غيره وهم أمته، وإن كان الخطاب أضيف إليه، فالأمر فيه سهل، وإن كان الخطاب على الاشتراك، فيحتاج إلى التأويل أيضا. وقوله - تعالى -: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ): قال عامة أهل التأويل: على تحقيق الوزر له والإثم؛ كقوله: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ...)، وقوله: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) يقولون: أثبت له الذنب والوزر، فوضع ذلك عنه، ولكن هذا وحش من القول، لكنا نقول: إن قوله: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ): الوزر هو الحمل والثقل؛ كأنه يقول: قد خففنا عليك ما حمل عليك من أمر النبوة والرسالة والأحمال التي حملت عليك؛ كأنه يقول: قد خفف ذلك عليك، ما لو لم يكن تخفيفنا إياها عليك لأنقض ظهرك، أي: أثقل، واللَّه أعلم. والثاني: جائز أن يكون قوله: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ) ابتداء وضع الوزر، أي: عصمك وحفظك، ما لو لم يكن عصمته إياك لكانت لك أوزار وآثام، كقوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، أي: لو لم يهدك لوجدك ضالا؛ لأنه كان بين قوم ضلال، ولكن هداه فلم يجده ضالا؛ فعلى ذلك ما ذكر من وضع وزره ابتداء، وهو كقوله: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، أي: عصمكم عن أن تدخلوا فيها، لا أن كانوا فيها، ثم أخرجهم، ولكن ابتداء إخراج، فعلى ذلك ما ذكر من وضع وزره. وقوله: (أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)، أي: أثقل ظهرك.

الشرح 94:4

وقوله: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤): جائز أن يكون رفع ذكره؛ لما ألزم الخلق الإيمان به حتى لا يقبل من أحد الإيمان بالله تعالى، والتوحيد له، والطاعة، والعبادة إلا بالإيمان به والطاعة له، قال اللَّه - تعالى -: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ...)، وقال: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ...). وجائز أن يكون ما ذكر من رفع ذكره هو أنه يذكر حيث ذكر اللَّه، قرن ذكره بذكره في الأذان والإقامة، وفي الصلاة، وفي التشهد، وفي غيره من الخطب، واللَّه أعلم. والأول عندنا أرفع وأعظم من الثاني. وجائز أن يكون رفع ذكره ما أضاف اسمه إلى اسمه بما قال: رسول اللَّه، ونبي اللَّه، ولم يسمه باسمه على غير إضافة إلى الرسالة والنبوة، فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ...)، وقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ...)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ...)، ونحو ذلك، وهو المخصوص بهذا دون غيره من إخوانه عليه السلام؛ لأنه قلما أضاف اسمهم إلى اسمه، وقلما قرن أسماءهم باسمه، بل ذكرهم بأسمائهم، كقوله: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ...)، وقوله: (وَيُونُسَ وَلُوطًا)، ونحو ذلك. أو رفع ذكره بما عظَّمه وشرفه عند الخلق كله، حتى إن من استخف به خسر الدنيا والآخرة. وقوله - تعالى -: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦): روي في الخبر أنه قال: " لن يغلب عسر يسرين ". قَالَ بَعْضُهُمْ: إنما كان عسرا واحدا، وإن ذكره مرتين " لأن العسر الثاني ذكره بحرف التعريف؛ فهو والأول واحد؛ واليسر ذكره بحرف النكرة؛ فهو غير الأول.

الشرح 94:5

الآيتان ٥ و ٦ ) : وقوله تعالى :﴿فإن مع العسر يسرا﴾ ﴿إن مع العسر يسرا﴾ روي في الخبر أنه قال ﷺ : " لن يغلب عسر يسرين ) ( الحاكم في المستدرك : ٢ / ٥٢٨ ). قال بعضهم : إنما كان عسرا واحدا، وإن ذكره مرتين، لأن العسر الثاني ذكره بحرف التعريف فهو والأول واحد، واليسر ذكره، بحرف النكرة، فهو غير الأول. وقال أبو معاذ : كلما كررت المعرفة كانت واحدة(١)، والنكرة على العدد يقال في الكلام : إن مع الأمير غلاما، إن مع الأمير غلاما، فالأمير واحد، ومعه غلامان، وإذا قيل : إن مع الأمير الغلام، إن مع الأمير غلاما، فالأمير واحد، ومعه غلامان، وإذا قيل : إن مع الأمير الغلام، إن مع الأمير الغلام، فالأمير واحد، والغلام واحد، وإذا قيل : إن مع أمير غلاما، إن مع أمير غلاما، فهما أميران وغلامان. فعلى ذلك ما ذكر هاهنا. ثم قوله ( ﷺ )(٢) " يسرين " هما(٣) يسر الإسلام والهدى، ويجوز أن يطلق اسم اليسر على الإسلام والدين، قال الله تعالى :﴿فسنيسره لليسرى﴾ ( الليل : ٧ ) ويسر آخر ما وعد لهم من السعة في الدنيا. ويحتمل أن يكون يسرين أحدهما : رجاء اليسر، والآخر وجوده، فهما يسران : الرجاء والوجود. ويحتمل أن يكون يسرا في الدنيا ويسرا في الآخرة، أو أن يكون توسيعا(٤) عليهم الدنيا ويسرا(٥)ما يفتح لهم الفتوح في الدنيا، ويسوق إليهم المغانم والسبايا، والله أعلم. ثم قالوا في قوله :﴿فإن مع العسر يسرا﴾ / ٦٤٧ أ/ أي بعد العسر يسرا. وأصله : أن حرف مع إذا أضيف إلى الأوقات والأحوال يقع على اختلاف الأوقات في المكان الواحد، وإذا أضيف إلى المكان يقع على اختلاف المكان في وقت واحد. وهاهنا أضيف إلى الوقت. فهو على اختلاف الأوقات واحد بعد واحد. فإذا قيل : فلان مع فلان في مكان فالوقت واحد، والمكان مختلف متفرق. ١ في الأصل وم: واحدا. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: هو. ٤ في الأصل وم: توسيع توسيع. ٥ في الأصل وم: ويسريان.

الشرح 94:7

وقال أبو معاذ: كلما كررت المعرفة كان واحدا، والنكرة على العدد؛ يقال في الكلام: إن مع الأمير غلاما إن مع الأمير غلاما، فالأمير واحد ومعه: غلامان، وإذا قيل: إن مع الأمير الغلام، إن مع الأمير الغلام؛ فالأمير واحد والغلام واحد، وإذا قيل: إن مع أمير غلاما، إن مع أمير غلاما، فهما أميران وغلامان؛ فعلى ذلك ما ذكر هاهنا. ثم قوله: " يسرين " هو يسر الإسلام والهدى، ويجوز أن يطلق اسم اليسر على الإسلام والدِّين، قال اللَّه - تعالى -: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)، ويسر آخر: ما وعد لهم من السعة في الدنيا. ويحتمل أن يكونا يسرين: أحدهما: رجاء اليسر، والآخر وجوده، فهما يسران: الرجاء، والوجود. ويحتمل أن يكون يسرًا في الدنيا، ويسرًا في الآخرة. أو أن يكون توسيعًا: توسع عليهم الدنيا، ويسرًا ثانيا: ما يفتح لهم الفتوح في الدنيا، ويسوق إليهم المغانم والسبايا، واللَّه أعلم. ثم قالوا في قوله: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، أي: بعد العسر يسر. وأصله أن حرف " مع " إذا أضيف إلى الأوقات والأحوال يقع على اختلاف الأوقات في المكان الواحد، وإذا أضيف إلى المكان يقع على اختلاف المكان في وقت واحد، وهاهنا أضيف إلى الوقت؛ فهو على اختلاف الأوقات واحدا بعد واحد؛ فإذا قيل: فلان مع فلان في مكان، فالوقت واحد، والمكان مختلف متفرق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨): قَالَ بَعْضُهُمْ: إذا فرغت من دنياك فانصب لآخرتك، وهو من النصب، أي: التعب. وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في العبادة له، لكن هذا بعيد؛ لأنه نزل ذلك بمكة، ولم يكن أمر بالغزو والجهاد بمكة، إلا أن يكون أمر بالجهاد بمكة في أوقات تأتيه في المستقبل؛ فيكون الحكم لازما عليه في تلك الأوقات، لا في حال ورود الأمر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فإذا فرغت من الصلاة، فانصب في الدعاء. وقال قتادة: إذا فرغ من الصلاة أن يبالغ في دعائه وسؤاله إياه. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: فإذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. ويحتمل عندنا: إذا فرغت من تبليغ الرسالة إليهم، فانصب لعبادة ربك والأمور التي بينك وبين ربك، على ما ذكرنا في أحد التأويلين في قوله: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا)، في أمر الرسالة والتبليغ، واذكر اسم ربك فيما بينك وبين ربك. ويجب ألا نتكلف تفسير ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها؛ لأنه أمر بينه وبين ربه، وكان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعلم ما أراد به فيما خاطبه من الجميع، وأنه فيم كان؟ وقد كان خصوصا له، وليس شيئًا مما يجب علينا العمل به حتى يلزمنا التكلف لاستخراج ذلك سوى الشهادة على اللَّه تعالى؛ فكان الإمساك عنه أولى، وترك التكلف فيه والاشتغال به أرفق وأسلم، واللَّه الموفق. * * *

التين 95:1

سُورَةُ التِّينِ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ): قال: هذه السور كلها نزلت في محاجة أهل مكة، سوى سورة (وَالضُّحَى) و (أَلَمْ نَشْرَحْ)؛ فإنهما جاءتا في تذكير منن اللَّه تعالى لرسوله - عليه السلام -: إحداهما: خاطبه جبريل - عليه السلام - في تذكر ما من عليه، والأخرى خاطبه ربه - جل جلاله - بذلك، وأما غيرهما من السور فإنما جاءت في محاجة أهل مكة. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ): قسم؛ أقسم تأكيدا للحجج التي أقامها ما لولا القسم لكان ما ذكر يوجب ذلك، لكن في القسم تأكيد ما ذكر من الحجة. ثم اختلف أهل التأويل في قوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: هو التين الذي يأكله الناس، والزيتون الذي يستخرجون منه الزيت، كذا روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه سئل عن قوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ)؛ فقال: تينكم وزيتونكم هذا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هما جبلان بالشام. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هما مسجدان في الشام: أحدهما: مسجد دمشق، والآخر: مسجد بيت المقدس.

التين 95:2

وقيل: التين: مسجد أصحاب الكهف، والزيتون: مسجد نبينا عليه السلام. وعن قتادة: أنه قال: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه مسجد بيت المقدس. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: التين والزيتون: جبلان بالشام، يقال لهما: طور تيناء، وطور زيتاء؛ بالسريانية، سميا بالتين والزيتون؛ لأنهما ينبتان فيهما. وقوله: (وَطُورِ سِينِينَ (٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: هو جبل بسينين، والسينين: اسم موضع، والطور الجبل، وكذا قال أَبُو عَوْسَجَةَ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: جبل حسن، و " السينين ": الحسن بالحبشة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كل جبل مشجر، له الثمر، فهو سينين. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو الجبل الذي أوحي عليه إلى موسى - عليه السلام - وهو طور سيناء. وقيل: هو الجبل المبارك. ثم تخرج جهة القسم بالجبل، وبما ذكر على وجوه: أحدها: بما عظم شأن الجبال في قلوب الخلق حيث وصل إليهم أخبار السماء من جهة تلك الجبال، وجميع ما يرجع إلى منافع أنفسهم ودينهم، على ما ذكر أنه أوحي إلى موسى - عليه السلام - على جبل طور سيناء، وأوحي إلى عيسى - عليه السلام - على جبل ساعورا، وأوحي إلى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على جبل فاران، على ما ذكر في الخبر أن موسى - عليه السلام - قال: " أتاني ربي من جبل طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران "، أي: أتاني وحي ربي من جبل طور سيناء، وسيأتي وحي عيسى - عليه السلام - من جبل ساعورا، ويأتي الوحي إلى مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من فاران ".

التين 95:3

والثاني: أقسم بالجبال؛ لما أرساها في الأرض، وجعلها أوتادا لها؛ لئلا تميد بأهلها، ولا تميل، على ما ذكر في غير آي من القرآن عظم شأن الجبال من هذه الجهة في قلوب الخلق. والثالث: لما أخرج منها مع شدتها وصلابتها وغلظها وارتفاعها المياه الجارية وغير الجارية الصافية الباردة، وهي من ألين الأشياء وأخرج منها الأشجار الكثيرة المثمرة وغير المثمرة من غير إنبات أحد، ولا غرسها، وغير ذلك من المنافع التي جعل في الجبال مما لا يمكن للخلق استخراج ذلك منها بحيلهم وتكلفهم، فأقسم بها لعظم ما جعل في الجبال من المنافع والبركات. وكذلك إن كان القسم بالتين الذي يؤكل والزيتون الذي يخرج منه الزيت؛ لما جعل لهم في ذلك من المنافع العظام، كقوله - تعالى -: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) فمن هذه الوجوه التي ذكرنا يحتمل القسم بالجبال والتين والزيتون. أو ذكر التين والزيتون والمراد بهما: الجبل؛ لما في الجبل يكونان عندهم، على ما ذكرنا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) هو مكة؛ سماه: أمينا؛ لما يأمن من دخله، أو يؤمن من دخله ويحفظه؛ لأن الأمين عند الناس هو الذي يحفظ من ائتمن عليه وفيه، وهو المأمون به. ثم جائز أن يكون القسم بالبلد لأهل مكة ولأهل الشرك؛ لما عظم شأنه وأمره عندهم وفي قلوبهم، وأقسم بالجبال؛ لعظم قدرها ومنزلتها ومحلها في قلوب أهل الكتاب؛ لما كانوا يؤمنون ببعض الوحي، وأهل مكة لا يؤمنون بالرسل وبالوحي؛ ولكن يعظمون ذلك البلد. وجائز أن يكون القسم بما ذكر كله لهم جميعا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) قال أهل التأويل: على هذا وقع القسم، لكن القسم بغيره أولى وأقرب؛ لأنهم قد شاهدوا وعرفوا أنه خلق الإنسان على

التين 95:4

الآية ٤ : وقوله تعالى :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ قال أهل التأويل : على هذا وقع القسم، لكن القسم بغيره أولى وأقرب، لأنهم قد شاهدوا وعرفوا أنه خلق الإنسان على أحسن تقويم، إذ لم يتمن أحد أن يكون على غير هذا التقويم وعلى غير هذه الصورة التي أنشأها عليه. والأشبه أن يكون القسم واقعا على قوله :﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ ( الآية : ٥ ) لما فيه دفع الإنكار والتكذيب، وهو نار جهنم، فأكد ذلك بالقسم، كأنه قال تعالى : مع أنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم نردهم إلى أسفل السافلين لكفرهم وعنادهم سوى المؤمنين. ثم قوله تعالى :﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ يخرج على وجوه : أحدهما : أحسن صورة يشاهدون، ويعاينون، لأن الملائكة جعلهم أحسن صورة وأحسن تقويما من البشر، ولكن يرجع إلى سائر / ٦٤٧ ب/ الخلائق دونهم، وذلك لأن خلق البشر على صورة، لا يتمنى أحد منهم أن يكون على غير صورة البشر، دل أنه على أحسن صورة. والثاني : على أحسن تقويم أي على أحكم تقويم وأتقنه ؛ لأنه جبلهم وأنشأهم على هيئة تهيء(١) لهم استعمال الأشياء كلها في منافعهم والانتفاع بها بحيل وأسباب علمهم ( إياها، وجعلها )(٢) فيهم ومكن لهم ذلك. ( والثالث )(٣) : يحتمل ( أحسن تقويم } أي أحكم وأتقن على الدلالة على وحدانية الله وألوهيته. ( والرابع )(٤) : جعلهم أهل تمييز ومعرفة بحيث يكون منهم الخيرات في أنواع الطاعات التي يثابون عليها، وينالون بها الثواب الجزيل، والكرامة العظيمة ما لا يكون لغيرهم. ١ في الأصل وم: يتهيأ. ٢ في الأصل وم: وجعل. ٣ في الأصل وم: و. ٤ في الأصل وم: أو.

التين 95:5

أحسن تقويم؛ إذ لم يتمن أحد أن يكون على غير هذا التقويم وعلى غير هذه الصورة التي أنشأه عليها؛ فالأشبه أن يكون القسم واقعا على قوله: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)؛ لما فيه وقع الإنكار والتكذيب وهو نار جهنم؛ فأكد ذلك بالقسم كأنه قال: مع أنا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، نردهم إلى أسفل السافلين؛ لكفرهم وعنادهم سوى المؤمنين. ثم قوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) يخرج على وجوه: أحدها: أحسن صورة يشاهدون ويعاينون؛ لأن الملائكة لعلهم أحسن صورة وأحكم تقويما في الخلقة من البشر، ولكن يرجع إلى سائر الخلائق دونهم؛ وذلك لأنه خلق البشر على صورة لا يتمنى أحد منهم أن يكون على غير صورة البشر؛ دل أنه خلقهم على أحسن صورة. والثاني: على أحسن تقويم، أي: على أحكم تقويم وأتقنه؛ لأنه خلقهم وأنشأهم على هيئة يتهيأ لهم استعمال الأشياء كلها في منافعهم والانتفاع بها بحيل وأسباب علمهم وجعكل فيهم، ومكن لهم ذلك. ويحتمل (أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، أي: أحكم وأتقن على الدلالة على وحدانية اللَّه - تعالى - وألوهيته. أو جعلهم أهل تمييز ومعرفة، وبحيث يكون منهم الخيرات وأنواع الطاعات التي يثابون عليها، وينالون بها الثواب الجزيل، والكرامة العظيمة ما لا يكون لغيرهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) هو يحتمل وجوها: أحدها: رددناه إلى أسفل السافلين وهو جهنم، نرد الكافر إلى جهنم وهي أسفل السافلين، والمؤمن رددناه إلى الجنة وهي أعلى العليين، وهو ما استثنى بقوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) في الجنة. والثاني: رددناه إلى أسفل ما اختار من الأعمال والأفعال، وهو ما اختار من فعل الشرك والكفر، ورددنا المؤمن إلى أعلى ما اختار من الأعمال العالية الرفيعة، والله أعلم.

التين 95:6

والثالث: ما قاله أهل التأويل: ثم رددناه إلى أرذل العمر وأسفله، ثم استثنى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (٦)...) إلى آخره، أي: يجري عليهم ثواب أعمالهم التي عملوا بها في حال صحتهم وشبابهم، فأما أُولَئِكَ فإنهم إذا ردوا إلى ما ذكر، لم يجر لهم ذلك؛ وهذا التأويل إنما يصح، أن لو استثنى المحسنين من المؤمنين منهم، فأما إذا استثنى أهل الإيمان من أهل الكفر فإنه لا يحتمل، والأول أشبه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين (٧): إن كان الخطاب به لكل إنسان كذب بالدِّين، يقول: ما الذي دعاك إلى تكذيبك بالدِّين؟ وقد عرفت أن اللَّه - تعالى - أحكم الحاكمين، لا يفعل إلا ما هو حكمه، ولو لم يكن يوم الدِّين كان فعله عبثا باطلا؛ لأنه أنشأكم، ثم رباكم إلى أن بلغتم إلى الحال التي بلغتم، فلو لم يكن بعث، لكان يخرج فعله عبثا باطلا. أو يقول: لما سوى بين من اختار ولايته وبين من اختار العداوة في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ فلا بد من مكان يفرق بينهما هنالك. وإن كان الخطاب في قوله: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين) ولرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول: أي حجة له في تكذيبك بما تخبره من الدِّين؟ أي: لا حجة له في ذلك. أو يقول: ما الذي دعاه إلى تكذيبه بالدِّين بعد ما عرف أني أحكم الحاكمين؟!. ثم اختلف في قوله: (بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨): قَالَ بَعْضُهُمْ: أحكم القاضين، أي: أعدلهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أحكم الحكماء، والإفناء بلا بعث فعل السفهاء، لا فعل الحكماء، وهو أحكم الحاكمين، أي: أعدل القاضين في التفريق بين الأولياء والأعداء، وقد اجتمعوا في الدنيا؛ فلا بد من دار يفرق بينهما فيها، واللَّه الموفق. * * *

التين 95:7

الآيتان : ٧و٨ : وقوله تعالى :﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾(١) إن كان الخطاب به لكل إنسان كذب بالدين بقوله، فما(٢) الذي دعاك إلى تكذيبك بالدين، وقد عرفت أن الله أحكم الحاكمين لا يفعل إلا ( ما )(٣) هو حكمة. ولو لم يكن يوم الدين كان فعله عبثا باطلا، لأنه أنشأكم، ثم رباكم إلى أن بلغتم. فلو لم يكن بعث لكان يخرج فعله عبثا باطلا، أو نقول : لما سوى بين ما اختار ولايته وبين ما اختار الولاية في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، فلا بد من مكان يفرق بينهما هنالك. وإن كان الخطاب في قوله :﴿فما يكذبك بعد بالدين﴾ لرسول الله تعالى فيقول(٤) : أي حجة له في تكذيبك بما تخبره من الدين ؟ أي لا حجة له في ذلك، أو نقول : ما الذي دعاه إلى تكذيبه بالدين بعد ما عرف أني أحكم الحاكمين ؟ وقال بعضهم : أحكم القاضين، أي أعدلهم. وقال بعضهم : أحكم الحكماء، وإلا فناء بلا بعث فعل السفهاء لا فعل الحكماء، وهو أحكم الحاكمين، أي أعدل القاضين في التفريق بين الأولياء والأعداء، وقد اجتمعوا في الدنيا، فلا بد من دار يفرق بينهما فيها، والله الموفق. ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ الفاء ساقطة من الأصل وم. ٣ من م، ساقطة من الأصل. ٤ في الأصل وم: يقول.

العلق 96:1

سُورَةُ اقْرَأْ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ): ذكر أهل التأويل أن هذه أول سورة نزلت على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وأول وحي أوحي إليه. وقيل: غير هذه هي الأولى. ثم الإشكال أنه أمره بأن يقرأ باسم ربك الذي خلق، وحق هذا ونحوه إذا قيل له: اقرأ، أو افعل: ألا يقول مثل ما قيل له: اقرأ أو افعل؛ لأنه أمر في الظاهر إنما يكون عليه الائتمار بذلك، وكذلك قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، وكذلك على هذا قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ...)، وأمثال ذلك، يجب ألا يقول هو مثل ما قيل له: (قُلْ)، أو: (اقْرَأْ)، ولكن يقول: " يَا أَيُّهَا الكافرون "، ويقول: " هو اللَّه أحد "، " أعوذ برب الفلق "، " أعوذ برب الناس "، هذا هو وجه الكلام ومعناه. وجوابه أنه يحتمل وجوها: أحدها: أنه أريد بهذا أن يكون قرآنا يقرأ هكذا في حق القراءة يبقى، ويثبت في المصاحف إلى آخر الدهر؛ ليعلم كيف قيل لرسول اللَّه؟ وكيف أوحي إليه؟ وأنه لم يترك مما قيل له حرفا واحدا؛ ليكون حجة لرسالته وآية لنبوته، واللَّه أعلم. ويحتمل أن يكون كذلك على خلاف المفهوم من كلام الناس؛ لئلا يكون المفهوم

العلق 96:2

من وحي السماء والمنزل منها كخطاب بعض بعضا، ولكن خلاف المفهوم منه. والثاني: أن يكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، خاطب جبريل - عليه السلام - رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - به، وأمره أن يقرأ، ثم يأمر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - غيره بذلك، وذلك الغير يقول لآخر كذلك؛ فيكون الخطاب منه لكل أحد، ومن كل أحد لآخر، واللَّه أعلم. وقوله - تعالى -: (بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) يحتمل أن يريد به أي: افتتح القراءة باسم ربك على ما جعل افتتاح كل شيء باسم الرب - تعالى - لينال بركة ذلك فيه. والثاني: أن يكون ما ذكر على أثر اسم ربه، هو تفسير اسم ربه؛ حيث قال: (الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ)؛ فيكون هذا تفسيرا لما ذكر من اسم ربه. أو يكون قوله: (بِاسْمِ رَبِّكَ) كما يقال: " أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت "، وذلك الاسم مكتوم بين أسمائه. ثم قوله: (بِاسْمِ رَبِّكَ) يخرج إضافته إليه مخرج التعظيم لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وخصوصيته له؛ على ما ذكرنا أن إضافة خاصية الأشياء إلى اللَّه - تعالى - تخرج مخرج تعظيم ذلك الخاص، من ذلك قوله: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ)، و (نَاقَةُ اللَّهِ)، (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)، ونحو ذلك من إضافة خاصية الأشياء إليه، وإضافة كلية الأشياء إلى اللَّه - تعالى - تخرج مخرج تعظيم الرب والمحمدة له، نحو قوله: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، و (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، و (رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ). ثم لا يجوز إضافة الخاص الذي لا خصوصية ظهرت له إلى اللَّه - تعالى - لا يجوز أن يقال: يا رب زيد، ويا رب عمرو، ونحو ذلك؛ إنما يجوز ذلك فيمن ظهرت له خصوصية وفضل من الأنبياء والرسل والملائكة، عليهم السلام، والبقاع والأمكنة التي ظهرت لها خصوصية وفضل؛ ليكون ذلك تعظيما لها، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢):

العلق 96:3

العلق: الدم الجامد، ثم قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، أراد به كل إنسان، و (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) كذلك؛ ليعلم أن الاسم الفرد إذا دخله لام التعريف أريد به العموم، وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ). ثم في الآية دلالة على إبطال قول من يدعي طهارة النطفة؛ بعلة أن الإنسان خلق منها؛ فإنه أخبر أنه خلق الإنسان من علق، نسب خلق الإنسان إليه، ولا شك أن العلق نجس، ثم أخبر أنه خلق الإنسان منه؛ فعلى ذلك جائز أن تكون النطفة التي منها يخلق الإنسان نجسة، وذلك غير مستحيل. ثم أضاف خلقه مرة أخرى إلى الأحوال التي قلب منها، حيث قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ...)، إلى آخر ما ذكر، وأضاف هاهنا إلى حالة واحدة، وهي العلقة التي ذكر، وإن لم يكن الإنسان في الحقيقة مخلوقا من العلقة والنطفة والتراب الذي ذكر؛ لأن هذه الأسماء أسامي هذه الأشياء باعتبار خاصيات فيها، وتلك الخاصيات تنعدم باعتراض حال أخرى عليها، وإنما يخلق الإنسان من المضغة وإنما ذكر خلق الإنسان منه، ونسبه إلى ما ذكر؛ لما أن الإنسان هو المقصود من خلق ذلك، وهو النهاية التي ينتهي إليها، فذكر بالذي ينتهي إليه من الغاية، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤): ذكر (الْأَكْرَمُ)؛ ليعلم أن اختياره واصطفاءه لرسالته ونبوته، وتعليم القرآن ابتداء إحسان منه إليه، وتفضل عليه، لا بحق له عليه؛ إذ ذكر في موضع المنة والفضل

العلق 96:4

والكرم؛ إذ الأكرم هو الوصف بغاية الكرم؛ كالأعلم وصف بإحاطة العلم وكماله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥): جعل اللَّه - تعالى - القلم سببا به يحفظ، وبه يثبت، وبه يوصل إلى حفظ ما يخاف فوته ونسيانه من أمر دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم، لم يستقم أمر دينهم رلا دنياهم. ثم قوله: (عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)، أي: علم الخط والكتابة بالقلم. وكذا ذكر في حرف ابن مسعود وأبي وحفصة - رضي اللَّه عنهم -: (علم الخط بالقلم). ثم أضاف التعليم بالقلم إلى نفسه. وكذلك قوله: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥) فهو يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه؛ لما يخلق منهم فعل تعلمهم. ويحتمل إضافته إليه؛ للأسباب التي جعلها لهم في التعليم، واللَّه أعلم. ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته، لا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه علمه إياه بلا كتابة ولا خط؛ حيث قال: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، ثم في تعليم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بلا قلم ولا كتابة آية عظيمة لرسالته، حيث جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات، ولا كتابة، ولا خط يخطه. ثم قوله: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) يحتمل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ لقوله: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)، وكقوله: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا)، وقوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ). ويحتمل قوله: (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ): كل إنسان؛ كقوله: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧): طغى بالغنى، أي: تكبر، وافتخر بما رأى نفسه غنية، وعلى هذا ما روي في الخبر

العلق 96:5

وكذلك قوله تعالى :﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ فهو يخرج على وجهين : أحدهما : أن يكون أضاف ذلك إلى نفسه لما يخلق منهم فعل تعلمهم. ﴿والثاني﴾(١) : إضافته إليه للأسباب التي جعلها لهم في التعليم، والله أعلم. ثم ذلك التعليم بالقلم لأمته ( لا )(٢) لرسول الله ﷺ ؛ لأنه علمه إياه بلا كتابة ولا خط حين(٣) قال :﴿وما كنت نتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ ( العنكبوت : ٤٨ ). ثم في تعليم رسول الله ﷺ بلا قلم ولا كتابة آية عظيمة لرسالته حين(٤)جعله بحال يحفظ بقلبه بلا إثبات، ولا كتابة، ولا خط خطه. ثم قوله تعالى :﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ يحتمل رسول الله ﷺ كقوله :﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ ( النساء : ١١٣ ) وكقوله تعالى :﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ ( هود : ٤٩ ) وقوله تعالى :﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ ( الشورى : ٥٢ ). ويحتمل قوله تعالى :﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ كل إنسان كقوله تعالى :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ ( النحل : ٧٨ ). ١ في الأصل وم: ويحتمل. ٢ من م، ساقطة من الأصل. ٣ في الأصل وم: حيث. ٤ في الأصل وم: حيث.

العلق 96:6

الآيتان٦و٧ : وقوله تعالى :﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ ﴿أن رآه استغنى﴾ طغى بالغنى، أي تكبر، وافتخر بما رأى نفسه غنية. وعلى هذا ما روي في الخبر(١) من التعوذ من غنى يطغي وفقر ينسي، لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار والطغيان، والطغيان هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه، والفقر المنسي هو المجهد الذي ينسي غيره من النعم، أعني ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ذلك. وقوله تعالى :﴿إن الإنسان ليطغى﴾ ﴿أن رآه استغنى﴾ ليس هذا وصف ذلك الكافر بعينه على ما ذكره أهل التأويل أبي جهل، لعنه الله، ولكن ( هو وصف )(٢) كل كافر أن رأى نفسه غنية. ١ انظره في الترمذي: ٢٣٠٦. ٢ ساقطة من الأصل وم.

العلق 96:7

من التعوذ من غنى يطغي، وفقر ينسي؛ لأن الغنى يحمل على التكبر والافتخار، والطغيان هو المجاوزة عن الحد والتعدي فيه، والفقر المنسي: هو المجهد الذي ينسي غيره من النعم، أعني: ينسي غير المال من صحة البدن والعقل والعلم ونحو ذلك. وقوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) ليس هذا وصف ذلك الكافر بعينه على ما ذكره أهل التأويل -: أبي جهل لعنه اللَّه - ولكن كل كافر يطغى؛ إن رأى نفسه غنية. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨): أي: المرجع كذا قال أبو عبيد. وقال غيره: الرجوع. ثم يحتمل قوله: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)، أي: المرجع للكل إلى ما أعد لهم: أعد للكافر النار، وللمؤمن الجنة؛ على ما ذكر في الآية. وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه. ثم قوله: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى)، أريد به إنسان دون إنسان؛ إذ لم يطغ كل إنسان، ولا خلف يقع في خبر اللَّه تعالى؛ فكأن المراد منه: البعض؛ ليعلم أن الفهم بظاهر الخطاب والعموم ليس بواجب، ولكن على حسب قيام الدليل على المراد منه. وفيه أن المراد منه قد يكون مبينا مقرونا به، وقد يكون مطلوبا غير مقرون به. * * * قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠): ذكر أهل التأويل أن الذي ينهى: أبو جهل - لعنه اللَّه - (عَبْدًا إِذَا صَلَّى): رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وذلك أنه كان يصلي في الحجر، فكان ينهاه أبو جهل؛ فنزل: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى). وجائز أن يجمع هذا كله في الوعيد الذي ذكره على أثر ذلك، وهو قوله: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ

العلق 96:8

الآية٨ : وقوله تعالى :﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ أي المرجع، كذا قال أبو عبيد(١) وقال غيره : الرجوع. ثم يحتمل قوله :﴿إلى ربك الرجعى﴾ أي المرجع للكل إلى ما أعد لهم، أعد للكافر النار وللمؤمن الجنة على ما ذكر في الآية. وجائز أن يكون إخبارا عن رجوع الكل إليه. ثم قوله :﴿إن الإنسان ليطغى﴾ أريد به إنسان دون إنسان، إذ لم يطغ كل إنسان، ولا خلف يقع في خبر الله، فكان المراد منه البعض ليعلم أن الفهم بظاهر الخطاب، والعموم ليس بواجب، ولكن على حسب قيام الدليل على المراد منه. وفيه إن المراد منه قد يكون منبها مقرونا به، وقد يكون مطلوبا غير مقرون به. ١ في نسخة الحرم المكي: عبيدة.

العلق 96:9

الآيتان٩و١٠ : وقوله تعالى :﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ ذكر أهل التأويل أن الذي ينهى أبو جهل، لعنه الله ﴿عبدا إذا صلى﴾ رسول الله ﷺ، وذلك أنه كان يصلي في الحجر، فكان ينهاه أبو جهل، فنزل ( قوله تعالى )(١)﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾. ١ ساقطة من الأصل وم.

العلق 96:11

الآيات١١و١٢و١٣و١٤ :( وقوله تعالى )(١) :﴿أرأيت إن كان على الهدى﴾ ﴿أو أمر بالتقوى﴾ ﴿أرأيت إن كذب وتولى﴾ ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾(٢). جائز أن يجمع هذا كله في الوعيد الذي ذكره على إثر ذلك، وهو قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ كأنه قال ﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ أرأيت الذي ينهى من ﴿كان على الهدى﴾ ﴿أو أمر بالتقوى﴾ وهو رسول الله، كان ينهاه ذلك الكافر إذا صلى، وينهاه عن الهدى وعن الأمر بالتقوى ﴿أرأيت إن كذب﴾ رسول الله ﷺ ﴿وتولى﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾. يدخل جميع ما ذكر في هذا الوعيد، فيكون ذلك جوابا لما تقدم من قوله :﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ إلى آخر ما ذكر. وجائز أن يكون جواب قوله :﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ مسكوتا عنه، ترك للفهم. ثم قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ أي ألم يعلم بأن الله يراه(٣) ( فينتقم منه لرسول الله، أو ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾(٤)فيدفعه عما هم برسول الله. فهو وعيد. ثم قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : قد علم بأن الله يرى جميع ما يقوله، ويفعله، ويهم به، لكنه قال ذلك على المكابرة والعناد. والثاني :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ على نفي العلم له بذلك، إذ لو علم بأن الله يرى، ويعلم ما يفعله من النهي عن الصلاة والمكر به لكان لا يفعل ذلك به. ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: يرى. ٤ من م، ساقطة من الأصل.

العلق 96:12

الآيات١١و١٢و١٣و١٤ :( وقوله تعالى )(١) :﴿أرأيت إن كان على الهدى﴾ ﴿أو أمر بالتقوى﴾ ﴿أرأيت إن كذب وتولى﴾ ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾(٢). جائز أن يجمع هذا كله في الوعيد الذي ذكره على إثر ذلك، وهو قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ كأنه قال ﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ أرأيت الذي ينهى من ﴿كان على الهدى﴾ ﴿أو أمر بالتقوى﴾ وهو رسول الله، كان ينهاه ذلك الكافر إذا صلى، وينهاه عن الهدى وعن الأمر بالتقوى ﴿أرأيت إن كذب﴾ رسول الله ﷺ ﴿وتولى﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾. يدخل جميع ما ذكر في هذا الوعيد، فيكون ذلك جوابا لما تقدم من قوله :﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ إلى آخر ما ذكر. وجائز أن يكون جواب قوله :﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ مسكوتا عنه، ترك للفهم. ثم قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ أي ألم يعلم بأن الله يراه(٣) ( فينتقم منه لرسول الله، أو ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾(٤)فيدفعه عما هم برسول الله. فهو وعيد. ثم قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : قد علم بأن الله يرى جميع ما يقوله، ويفعله، ويهم به، لكنه قال ذلك على المكابرة والعناد. والثاني :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ على نفي العلم له بذلك، إذ لو علم بأن الله يرى، ويعلم ما يفعله من النهي عن الصلاة والمكر به لكان لا يفعل ذلك به. ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: يرى. ٤ من م، ساقطة من الأصل.

العلق 96:13

الآيات١١و١٢و١٣و١٤ :( وقوله تعالى )(١) :﴿أرأيت إن كان على الهدى﴾ ﴿أو أمر بالتقوى﴾ ﴿أرأيت إن كذب وتولى﴾ ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾(٢). جائز أن يجمع هذا كله في الوعيد الذي ذكره على إثر ذلك، وهو قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ كأنه قال ﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ أرأيت الذي ينهى من ﴿كان على الهدى﴾ ﴿أو أمر بالتقوى﴾ وهو رسول الله، كان ينهاه ذلك الكافر إذا صلى، وينهاه عن الهدى وعن الأمر بالتقوى ﴿أرأيت إن كذب﴾ رسول الله ﷺ ﴿وتولى﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾. يدخل جميع ما ذكر في هذا الوعيد، فيكون ذلك جوابا لما تقدم من قوله :﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ إلى آخر ما ذكر. وجائز أن يكون جواب قوله :﴿أرأيت الذي ينهى﴾ ﴿عبدا إذا صلى﴾ مسكوتا عنه، ترك للفهم. ثم قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ أي ألم يعلم بأن الله يراه(٣) ( فينتقم منه لرسول الله، أو ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾(٤)فيدفعه عما هم برسول الله. فهو وعيد. ثم قوله تعالى :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : قد علم بأن الله يرى جميع ما يقوله، ويفعله، ويهم به، لكنه قال ذلك على المكابرة والعناد. والثاني :﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ على نفي العلم له بذلك، إذ لو علم بأن الله يرى، ويعلم ما يفعله من النهي عن الصلاة والمكر به لكان لا يفعل ذلك به. ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: يرى. ٤ من م، ساقطة من الأصل.

العلق 96:14

اللَّهَ يَرَى)، كأنه قال: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت الذي ينهى من كان على الهدى، أو أمر بالتقوى، وهو رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان ينهاه ذلك الكافر إذا صلى، وينهاه عن الهدى، وعن الأمر بالتقوى، أرأيت الذي كذب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتولى عن طاعة الله تعالى، ألم يعلم بأن اللَّه يرى؟! يدخل جميع ما ذكر في هذا الوعيد؛ فيكون ذلك جوابا لما تقدم من قوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلَّى...) إلى آخر ما ذكر. وجائز أن يكون جواب قوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلَّى) مسكوتا عنه؛ ترك للفهم. ثم قوله: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) أي: ألم يعلم بأن اللَّه يرى؛ فينتقم منه لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. أو: ألم يعلم بأن اللَّه يرى؛ فيدفعه عما هم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فهو وعيد. ثم قوله: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) يحتمل وجهين: أحدهما: قد علم بأن اللَّه يرى جميع ما يقوله، ويفعله، ويهم به، لكنه فعل ذلك على المكابرة والعناد. والثاني: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) على نفي العلم له بذلك؛ إذ لو علم بأن اللَّه يرى، ويعلم ما يفعله من النهي عن الصلاة والمكر به، لكان لا يفعل ذلك به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦): أي: حقا لئن لم ينته عن صنيعه الذي يصنع برسول اللَّه (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ)، أي: لنأخذن بالناصية؛ كأنه عبارة عن الأخذ الشديد، والجر الشديد على الناصية. ثم يحتمل أن يكون ذلك الوعيد له في الدنيا: أنه لو لم ينته عما ذكر: فإن كان في الدنيا فتكون السفع كناية عن العذاب، أي: لنعذبن. وقيل: قد أخذ بناصيته يوم بدر، فألقي بين يدي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قتيلا. وإن كان في الآخرة، فهو عن حقيقة أخذ الناصية؛ كقوله: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا...)، وقوله: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ...).

العلق 96:15

الآيتان ١٥و١٦ : وقوله تعالى :﴿كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية﴾ ﴿ناصية كاذبة خاطئة﴾ أي حقا لئن لم ينته عن صنيعه الذي يصنع برسول الله لنسفعن(١) ﴿بالناصية﴾ ﴿ناصية﴾ أي لنأخذن بالناصية، كأنه عبارة عن الأخذ الشديد والجر الشديد على الناصية. ثم يحتمل أن يكون ذلك الوعيد له في الدنيا أنه / ٦٤٧ ب/ لو لم ينته عما ذكر. فإن كان في الدنيا فيكون السفع كناية عن العذاب أي لنعذبن. وقيل : قد أخذ بناصيته يوم بدر، فألقي بين يدي رسول الله قتيلا، وإن كان في الآخرة فهو عن حقيقة أخذ الناصية كقوله تعالى :﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما﴾ ( الإسراء : ٩٧ ) وقوله :﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ ( القمر : ٤٨ ). وقال أهل العربية ﴿لنسفعا بالناصية﴾ أي نقبض، وسفعت ناصيته، أي قبضت، ويقال : سفعه بالعصا، أي ضربه، ويقال : اسفع بيده، أي خذ بيده. وقوله تعالى :﴿كاذبة خاطئة﴾ يحتمل ما ذكر من قوله :﴿كاذبة خاطئة﴾ ( أن يكون )(٢) كناية عن النفس، ويحتمل أن يكون كناية عن الناصية التي تقدم ذكرها. ١ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٨/٨. ٢ ساقطة من الأصل وم.

العلق 96:16

وقال أهل العربية: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ)، أي: نقبض، وسفعت ناصيته، أي: قبضت، ويقال: سفعه بالعصا، أي: ضربه بها، ويقال: أسفع بيده، أي: خذ بيده. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦): يحتمل ما ذكر من قوله: (كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) كناية عن النفس. ويحتمل أن يكون كناية عن الناصية التي تقدم ذكرها. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) أي: أبو جهل، (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ)، أي: أهل مجلسه في الإعانة له بما يهم برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) نحن في الدفع عنه؛ لنرى هل يقدر أن يفعل به ما هم به. ثم يحتمل ذلك في الدنيا، وقد ذكر أنه قتل يوم بدر. وجائز أن يكون ذلك الدفع من الزبانية في الآخرة، وسموا: زبانية للدفع، أي: يدفعون أهل النار في النار. وقيل: الزبانية: الشرط، والواحد: زبينة، والنادي: المجلس، يريد به: قوله. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) أي: لا تطع ذلك الكافر، وكان ما ذكر، لم يطعه حتى مات؛ فكان فيه إثبات الرسالة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ): يحتمل قوله: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) أن يكون هذا خطابا للنبي - عليه السلام - أي: صلِّ، واقترب إلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ. ويحتمل أن يكون قوله: (وَاسْجُدْ) خطابا للنبي - عليه السلام - أي: صل، وقوله: (وَاقْتَرِبْ) خطابا لأبي جهل، أي: اقترب إلى مُحَمَّد؛ حتى ترى على سبيل الوعيد؛ لما كان يقصد المكر بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في حال الصلاة. ثم على التأويل الظاهر الآية حجة لنا على أهل التشبيه؛ فإنه لم يفهم من قوله: (وَاقْتَرِبْ): القرب من حيث المكان، وقرب الذات، ولكنْ قرب المنزلة والقدر، وكذلك ما ذكر في بعض الأخبار: " ومن تقرَّب إليَّ شبرا، تقربت إليه ذراعا "، ونحو ذلك، لا يفهم منه قرب الذات، ولكن قرب المنزلة والقدر بالإجابة، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القرب: قرب المنزلة والقدر. ثم في هذه السورة السجدة؛ لما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سجد فيها. وروي عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنه قال: " سجد في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)، و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) - أبو بكر، وعمر، ومَن هو خير منهما ". وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: " في (اقْرَأْ): من عزائم السجود ". وروى أبو عبيدة عن عبد اللَّه أنه سجد فيها، واللَّه أعلم. * * *

العلق 96:17

الآيتان١٧و١٨ : وقوله تعالى :﴿فليدع ناديه﴾ ﴿سندع الزبانية﴾ أي أهل مجلسه في الإعانة له بما يهم برسول الله ﷺ ﴿سندع الزبانية﴾ نحن في الدفع عنه لنرى هل يقدر أن يفعل ما هم به. ويحتمل ذلك في الدنيا، وقد ذكر أنه قتل يوم بدر، وجائز أن يكون ذلك الدفع من الزبانية ( في الآخرة، وسموا زبانية )(١)للدفع أي يدفعون أهل النار في النار. وقيل : الزبانية الشرط، والواحد : زبنية، والنادي المجلس، يريد به قومه. ١ من م، ساقطة من الأصل.

العلق 96:18

الآيتان١٧و١٨ : وقوله تعالى :﴿فليدع ناديه﴾ ﴿سندع الزبانية﴾ أي أهل مجلسه في الإعانة له بما يهم برسول الله ﷺ ﴿سندع الزبانية﴾ نحن في الدفع عنه لنرى هل يقدر أن يفعل ما هم به. ويحتمل ذلك في الدنيا، وقد ذكر أنه قتل يوم بدر، وجائز أن يكون ذلك الدفع من الزبانية ( في الآخرة، وسموا زبانية )(١)للدفع أي يدفعون أهل النار في النار. وقيل : الزبانية الشرط، والواحد : زبنية، والنادي المجلس، يريد به قومه. ١ من م، ساقطة من الأصل.

العلق 96:19

الآية١٩ : وقوله تعالى :﴿كلا لا نطعه﴾ أي لا تطع ذلك الكافر، وكان ما ذكر : لم يطعه حتى مات. وقوله تعالى :﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون هذا خطابا للنبي، أي صل، واقترب إلى الله. ويحتمل أن يكون قوله :﴿واسجد﴾ خطابا للنبي، أي صل، وقوله :﴿واقترب﴾ خطابا لأبي جهل، أي اقترب إلى محمد حتى ترى، على سبيل الوعيد، ولما كان يقصد بالنبي في حال الصلاة. وعلى(١) التأويل الظاهر الآية حجة لنا على أهل التشبيه، فإنه لم يفهم من قوله :﴿واقترب﴾ القرب من حيث المكان وقرب الذات. ولكن قرب المنزلة والقدر. وكذلك ما ذكر في بعض الأخبار :( من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ) ( البخاري : ٧٤٠٥ ) ونحو ذلك لا يفهم منه قرب الذات، ولكن قرب المنزلة والقدر بالإجابة، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القرب قرب المنزلة والقدر. ثم في هذه السورة السجدة لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : سجد في ﴿إذا السماء انشقت﴾ و﴿اقرأ باسم ربك﴾ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومن هو خير منهما. وروي عن علي أنه قال : في اقرأ من عزائم السجود، وأبي(٢) عبيدة عن عبد الله أنه سجد فيها. ١ الواو ساقطة من الأصل وم. ٢ في الأصل وم: وأبو.

القدر 97:1

سُورَةُ الْقَدْرِ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ): قال أهل التأويل: إن قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)، يعني: القرآن. ويحتمل أن يكون قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)، يعني: السلام الذي ذكره في آخر السورة، حيث قال: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ): فمن قال: أنزل القرآن في ليلة القدر، فهم مختلفون فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ في تلك الليلة، وهي في شهر رمضان؛ لقوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ...)، أي: أنزل من اللوح المحفوظ، ثم أنزل من السماء الدنيا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالتفاريق على قدر الحاجة من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والمواعظ، وكل ما يحتاج إليه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما أنزل من اللوح المحفوظ في تلك الليلة المقدار الذي يحتاج إليه إلى العام القابل جملة، ثم ينزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - نجوما بالتفاريق، واللَّه أعلم. ثم لا ندري أن تلك الفضيلة التي جعلت لهذه الليلة؛ لفضل عبادة جعلت فيها، امتحن الخلق بأدائها على الترغيب والأدب، أو فضلت لمكان ما امتحن الملائكة وكلفهم بالنزول فيها والعبادة لله في الأرض، وإنزال القرآن، ونحو ذلك؛ أو لحكمة ومعنى فضلت لم يطلع على ذلك المعنى أحد، وقد جعلت لبعض الأمكنة الفضيلة لعبادات جعلت فيها، نحو ما ذكر: " صلاة واحدة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وصلاة واحدة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة في غيره سوى المسجد الحرام ".

القدر 97:2

وقال - تعالى -: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ...)، خصت هذه البقاع بالفضيلة على غيرها؛ لعبادات جعلت فيها؛ فعلى ذلك جائز أن يخص بعض الأوقات دون بعض بالفضيلة؛ لمكان عبادات جعلت فيها، لكنْ بيَّن تلك الأماكن، ولم يبين تلك الأوقات المفضلة، وجعلها مطلوبة من بين غيرها من الأوقات؛ فهو - واللَّه أعلم -: أن لو بين، وأشير إليها؛ لكان لا مؤنة تلزم لطالبه في ذلك؛ لأنه يحفظ ذلك الوقت وتلك الليلة خاصة، وأما المكان تلزم المؤنة في إتيان ذلك المكان، وعلى ذلك يخرج ما لم يبين وقت خروج روح الإنسان من بدنه؛ لأنه لو بين، وأعلم نهاية عمره، لتعاطى الفسق، وارتكب المعاصي؛ آمنا إلى آخر أجزاء حياته، ثم يتوب؛ فلم يبين؛ ليكون أبدا على خوف وحذر ورجاء؛ فعلى ذلك لم يبين تلك الليلة؛ لتطلب من بين الليالي جميعا؛ ليحيوا ليالي غيرها، واللَّه أعلم. ثم إن كان السؤال عن القرآن هو المنزل في تلك الليلة، يكون دليله قوله: (حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍةٍ...). وإن كان السؤال عن ليلة القدر؛ فيكون البيان عنها. ثم قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: ما كنت تدري حتى أدراك؛ كقوله: (مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا...). ويحتمل قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ) على التعظيم لها والتعجيب، واللَّه أعلم. وقيل: نزول هذه الآية يكون على معنى التسلي، أعطاه فضل هذه الليلة، والعمل فيها، ثم بين فضلها حيث قال: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أُري بني أمية على منبره؛ فساءه ذلك؛ فنزل قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ...)، أي: من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية يا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.

القدر 97:3

الآية٣ : ثم بين فضلها حين(١) قال :﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ اختلف فيه، قال بعضهم : إن النبي عليه الصلاة والسلام أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزل :﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية. وقال بعضهم :﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ ( أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر }(٢) سواها. وقيل أيضا :( إن رسول الله ﷺ ذكر لأصحابه أن رجلا جاهد ألف شهر في سبيل الله، فعظم ذلك عليهم، فنزل قوله :﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ ( البيهقي في الكبرى ٤/ ٣٠٦ )أي العمل فيها خير من جهاد ذلك الرجل في ألف شهر. ويحتمل أن يكون ذكر ألف شهر على سبيل التمثيل لا على التوقيت، أي خير من ألف شهر وأكثر، إذ التقدير قد يكون لبيان العدد نفسه، وقد يكون لبيان شرف ذلك الشيء وعظمته، فلا يكون الغرض هو القصر على العدد، وهو كقوله ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله﴾ ( التوبة : ٨٠ ) ونحو ذلك. ثم اختلف في تسمية ليلة القدر، قال بعضهم : هي ليلة الحكم والقضاء، فيها يحكم، ويقضي ما يريد أن يكون في ذلك العام المقبل كقوله :﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ ( الدخان : ٤ ) وسميت ليلة القدر لأنها ليلة ومنزلة عند الله لما يوصف الشيء العظيم بالقدر والمنزلة، أو سميت ليلة مباركة لأنه تنزل فيها البركات والرحمة من الله تعالى على خلقه، أو سميت مباركة لكثرة ما يعمل فيها من العبادات. ١ في الأصل وم: حيث. ٢ من م، ساقطة من الأصل.

القدر 97:4

وقَالَ بَعْضُهُمْ: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر سواها. وقيل - أيضا -: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ذكر لأصحابه أن رجلا من بني إسرائيل جاهد ألف شهر في سبيل اللَّه؛ فعظم ذلك عليهم؛ فنزل قوله - تعالى -: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)، أي: العمل فيها خير من جهاد ذلك الرجل في ألف شهر. ويحتمل أن يكون ذكر ألف شهر على سبيل التمثيل، لا على التوقيت، أي: خير من ألف شهر وأكثر؛ إذ التقدير قد يكون لبيان العدد نفسه، وقد يكون لبيان شرف ذلك الشيء وعظمته؛ فلا يكون الغرض هو القصر على العدد، وهو كقوله: (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، ونحو ذلك. ثم اختلف في تسمية ليلة القدر: قَالَ بَعْضُهُمْ: هي ليلة الحكم والقضاء، فيها يحكم ويقضي ما يريد أن يكون في ذلك العام المقبل؛ لقوله - تعالى -: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ). أو سميت: ليلة القدر؛ لأنها ليلة لها قدر ومنزلة عند اللَّه تعالى؛ لما يوصف الشيء العظيم بالقدر والمنزلة. وسميت: ليلة مباركة؛ لأنه تنزل فيها البركات والرحمة من اللَّه - تعالى - على خلقه. أو سميت: مباركة؛ لكثرة ما يعمل فيها من العبادات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ...): قَالَ بَعْضُهُمْ: الروح هاهنا: جبريل - عليه السلام - كقوله - تعالى -: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: خلق موكلون بالملائكة، كما أن الملائكة موكلون ببني آدم. وجائز أن يكون الروح هاهنا هو الرحمة، أي: تنزل الملائكة بالرحمة فيها، على ما

القدر 97:5

سميت: مباركة بما ينزل فيها من البركات. ثم اختلفوا في قوله: (فِيهَا): قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في تلك الليلة تنزل الملائكة والروح. وقيل: (فِيهَا): أي: في الملائكة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)، أي: ينزلون بأمر ربهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ): قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: بكل أمر تقدر في تلك السنة على الأرض، وكذا قَالَ الْقُتَبِيُّ: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ)، أي: بكل أمر سلام. وقيل: من كل أمر يدبره اللَّه تعالى، أي: الملائكة لا علم لهم فيما يقدر اللَّه - تعالى - إلا أن يطلعهم اللَّه عليه؛ فكأنهم يطلعون على ما يقدر في تلك السنة من الأمور؛ فينزلون بها بأمر اللَّه تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (سَلَامٌ هِيَ... (٥): قيل: تنزل الملائكة تخفق بأجنحتها بالسلام من اللَّه تعالى والرحمة والمغفرة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: هي ليلة سالمة، لا يحدث فيها شر، ولا يرسل فيها شيطان إلى مطلع الفجر. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو سلام الملائكة، أي: تسلم الملائكة على كل مؤمن ومؤمنة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ)، أي: من كل آفة وبلاء سلام. وكذلك ذكر في قوله - تعالى -: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ): قَالَ بَعْضُهُمْ: يحفظونه من عذاب اللَّه. وقَالَ بَعْضُهُمْ: يحفظونه بأمر اللَّه تعالى؛ فكذلك يحتمل قوله: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ) هذين الوجهين. وقوله: (هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) يحتمل: أي تلك البركات التي ذكرت إلى مطلع الفجر. ويحتمل ذلك السلام الذي ذكر إلى مطلع الفجر. ويحتمل الملائكة يكونون في الأرض إلى مطلع الفجر، وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - أنه قرأ: (من كل امْرئٍ سلام)، وقال: يعني: الملائكة. ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: اختلفت الروايات عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ليلة القدر متى تكون؟ واختلفت الصحابة - رضوان اللَّه عليهم أجمعين - فيها: روى عبد اللَّه بن أنيس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال: " التمسوها في العشر الأواخر، واطلبوها في كل وتر ". وروى عبد اللَّه بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ليلة تسع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين ". وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -أنه قال: " تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر ". وروي أنها في سبع وعشرين. وعن عبد اللَّه بن عمر أنه: سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن ليلة القدر -وأنا أسمع- قال: " هي في كل رمضان ". وعن زر قال: قلت لأبي بن كعب: أخبرني عن ليلة القدر، يا أبا المنذر؛ فإن صاحبنا عبد اللَّه بن مسعود سئل عنها، فقال: من يقم الحول يصبها فقال: نعم، رحم الله أبا عبد الرحمن، واللَّه لقد علم أنها في رمضان، كره أن تتكلوا، واللَّه إنها في رمضان، ليلة سبع وعشرين. ثم ليس لنا، ولا لأحد أن يشير إلى تلك الليلة، فيقول: هي ليلة كذا: ليلة سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، إلا أن يثبت بالتواتر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في ذلك خبر بالإشارة إليها؛ فعند ذلك يسع، وإلا كانت مطلوبة في الليالي. وعلى هذا الوجه تخرج الأخبار المروية على التوافق دون المناقضة، وتكون كلها صحيحة؛ فتكون في سنة بعض الليالي، وفي سنة أخرى في غيرها، وفي سنة في العشر الأواخر من رمضان، وفي سنة العشر الأوسط من رمضان، وفي سنة في العشر الأول، وفي سنة في غير رمضان، واللَّه أعلم بالصواب.

البينة 98:1

سُورَةُ الْبَيِّنَةِ، وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ): ذكر في حق أهل الكتاب: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) بحرف (مِنْ)، وهو للتبعيض، ولم يقل: " أهل الكتاب "، وذكر في حق أهل الشرك: (وَالْمُشْرِكِينَ)؛ لأن أهل الكتاب كانوا فرقا: منهم من كان آمن برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به، ومنهم من كان كافرًا به، فلما بعث آمن به، فلزم الإيمان به، ومنهم من كان كافرا به، فلما بعث، وأرسل، لزم الكفر به، ولم يؤمن، فلما كانوا أصنافا وفرقا؛ لذلك قال: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) بحرف " من ". وأما المشركون: فإنهم كانوا صنفا واحدا، ثم لم يبين: أنهم إذا أتاهم البينة ينفكون أو لا؟. وجائز أن يكون قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَمْ يَكُنِ...) إلى قوله: (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)، أي: لم يكن بعض أهل الكتاب وبعض المشركين منفكين من الكفر؛ لأنه عطف المشركين على أهل الكتاب؛ كأنه قال: من أهل الكتاب ومن المشركين؛ ولذلك خفض المشركين، ولم يقل: " والمشركون "، بل كانوا أهل كفر وشرك إلى آخر عمرهم، وإن أتتهم البينة، والبينة: هي ما في خلقة كل أحد مما يدل على ألوهيته ووحدانيته. ويحتمل أن بعضا من الفريقين على الشرك حتى تأتيهم البينة، وهي معاينة العذاب عند

البينة 98:2

الموت؛ كقوله - تعالى -: (فَلَمَّا رَأَوا بَأسَنَا...)، ونحو ذلك. وذكر في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين)، وفي حرف أبي: (ما كان الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين). ثم اختلف في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُنْفَكِّينَ): قَالَ بَعْضُهُمْ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منتهين، زائلين عن الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين خارجين من الدنيا حتى تأتيهم البينة. ثم اختلفوا في البينة التي ذكر أنها تأتيهم: قَالَ بَعْضُهُمْ: البينة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ حيث قال على أثره: (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً). وقَالَ بَعْضُهُمْ: ما جاء به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو القرآن، وما جاء به مُحَمَّد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الحجج: فمن جعل قوله: (مُنْفَكِّينَ): منتهين، زائلين، يجعل البينة: رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ورسول اللَّه - عليه السلام - سمي بينة؛ لأنه به يعرف كل خير وكل إحسان، وبه يتبين الحق من الباطل، وكل شيء من أمر المعاد والمعاش، وكذلك القرآن جاء به. ومن قال: (مُنْفَكِّينَ): خارجين من الدنيا: يجعل البينة التي ذكر أنها تأتيهم: العذاب معاينة جهارا؛ كقوله - تعالى -: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ...)، أي: خارجين من الدنيا؛ حتى يعلموا العذاب؛ فعند ذلك يؤمنون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢): على التأويل الأول في البينة يكون ما ذكر من قوله: (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ) تفسيرا للبينة. وعلى الثاني يخرج على الابتداء، يقول: رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يتلو صحفا مطهرة. ثم جائِز أن يكون سمى القرآن وحده: صحفا؛ على المبالغة؛ إذ قد يسمى الواحد باسم الجميع على المبالغة.

البينة 98:3

وجائز أن يكون قوله: (يَتْلُو صُحُفًا): القرآن، وسائر الصحف؛ لأن سائر الصحف فيه. وكذلك: (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)، جائز أن يكون سمى كتابه المنزل على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: كتبا؛ على الإبلاع، والتأكيد؛ على ما ذكرنا. وجائز أن يكون: يتلو صحفا وكتبا عليهم، وهي التوراة والإنجيل والزبور، كأن هذا القرآن في تلك الكتب، وتلك الكتب في هذا، وهو كقوله - تعالى -: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)، أخبر أنه في تلك الكتب، وأن الكتب الأولى فيه؛ فيصير بتلاوة هذا عليهم كأنه تلا تلك الكتب عليهم، وعلى هذا قوله - تعالى -: (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي...)، وقوله - تعالى -: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ...)، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُم...)، ففى هذا ما في تلك الكتب. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (صُحُفًا مُطَهَّرَةً): التي كانت في أيدي السفرة البررة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُطَهَّرَةً)، يحتمل: مطهرة من أن يكون للباطل فيها حجة أو مدخل. أو مطهرة من الافتعال والافتراء. أو مطهرة من أن تحتمل ما ذكره أُولَئِكَ الكفرة. وقال قتادة: سمى كتابه بأحسن الأسماء، وأثنى عليه بأحسن الثناء، سماه: نورا، وهدى، ورحمة، وبركة، وآية، [وشفاء]، ونحوه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَيِّمَةٌ (٣) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: فيها كتب صادقة. وقَالَ بَعْضُهُمْ: عادلة. قال غيرهم: مستقيمة على ما توجبه الحكمة.

البينة 98:4

وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)، أي: أحكام كثيرة مستقيمة؛ على ما توجبه الشريعة والحكمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤): يقول أهل التأويل: إنما تفرقوا من بعد ما جاءتهم البينة، وهو مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -. قال أبو بكر: هذا التأويل خطأ؛ لأنهم كانوا متفرقين قبل ذلك؛ فلا معنى لهذا. وعندنا: ليس كما توهم هو، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: وما تفرقوا في مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إلا من بعد ما جاءهم العلم به، عند ذلك تفرقوا فيه، فأما قبل ذلك، كانوا مجتمعين فيه كلهم. أو ما تفرقوا في الدِّين والمذهب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، أي: عن بيان وعلم تفرقوا في الدِّين، وفيما تفرقوا فيه، وهو ما جعل في خلقة كل أحد دلالة التوحيد والربوبية له ما لو تفكروا، لعرفوا بأن اللَّه - تعالى - واحد، والبينة تحتمل من هذا الموضع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والقرآن، ونفس الخلقة على ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥). أي: ما أمر أوائلهم وأواخرهم في تلك الكتب إلا ليعبدوا اللَّه - تعالى - ولا يعبدوا من دونه. أو ما أمروا إلا ليجعلوا الألوهية لله والوحدانية له. ودل قوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ) على أن تأويل قوله - تعالى -: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، على إضمار الأمر، أي: إلا ليأمرهم بالعبادة على كل حال؛ لأنه لو خلقهم للعبادة ما قدروا على غيره. أو أن يكون قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) على الخصوص، خلق من علم أنه يعبده للعبادة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): إخلاص الدِّين له يخرج على وجهين: أحدهما: أن يخلص له الدِّين، ويصفى، لا يشرك فيه غيره، ويكون من خلوصه وصفائه. والثاني: الدِّين الخالص هو الدائم، كقوله (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا...)، أي: دائما. وكذلك يحتمل قوله: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ...). وقوله: (حُنَفَاءَ): قال أهل التأويل: المسلمون. وقَالَ بَعْضُهُمْ: حنفاء: متبعين، والحنف: الميل، كأنه قال: مائلين إلى الإسلام. وقيل: (حُنَفَاءَ): الحجاج. وقيل: الحنف: المستقيم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ): يحتمل القبول، أي: قبلوا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ كقوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ)، أي: تابوا، وقبلوا ذلك، ليس على حقيقة الإقامة. ويحتمل أن يكون حقيقة الإقامة والإيتاء، وأيهما كان، ففيه أن أوائلهم كانوا مأمورين بالصلاة والزكاة. ثم المعنى الذي في الصلاة والزكاة لا يحتمل النسخ في وقت من الأوقات؛ لأن الصلاة معناها: هو الاستسلام، والخضوع له، والزكاة: هي تزكية النفس وطهارتها، وذلك لا يحتمل النسخ أصلا. ثم قال: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) والدِّين مذكر، والقيمة مؤنث؛ فجائز أن يكون الذي ذكر هو الملة القيمة، ويحتمل دين الأمة القيمة، وهو قول الزجاج. أو يقول: ذلك الذي قومته الحجج والبراهين، أضيف إلى الحجج. وجائز أن يكون ذكر القَيِّمة، على التسوية بين ما سبق وما تقدم من أواخر الآي، من قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)، و (مُطَهَّرَةً)، و (كُتُبٌ قَيِّمَةٌ)، ثم قال على ذلك: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، تسوية بين ما تقدم وما تأخر من قوله: (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)، و (شَرُّ الْبَرِيَّةِ). وفي حرف أُبي: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمِ) بغير هاء. وفي قوله - تعالى -: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) - وجهان:

البينة 98:5

الآية٥ : وقوله تعالى :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ أي ما أمر أوائلهم وأواخرهم في تلك الكتب إلا ليعبدوا الله تعالى، ولا يعبدوا من دونه، أو ما أمروا إلا ليعبدوا الله تعالى، ولا يعبدوا من دونه أو ما أمروا إلا ليجعلوا الألوهية لله والوحدانية له. ودل قوله :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ على أن تأويل قوله تعالى :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ( الذاريات : ٥٦ ) على إضمار الأمر، أي إلا ليأمرهم بالعبادة على كل حال، لأنه لو خلقهم للعبادة ما قدروا غيره، أو أن يكون قوله :﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ على الخصوص، خلق عن علم أنه يعبدهم(١) للعبادة. وقوله تعالى :﴿مخلصين له الدين﴾ :﴿له﴾ يخرج على وجهين : أحدهما : أن يخلص له الدين، ويصفى، لا يشرك فيه غيره، ويكون من خلوص وصفاء(٢). والثاني : الدين الخالص، هو الدائم كقوله تعالى :﴿وله الدين واصبا﴾ ( النحل : ٥٢ ) وكذلك يحتمل قوله :﴿لله الدين الخالص﴾ ( الزمر : ٣ ). وقوله تعالى :﴿حنفاء﴾ قال أهل التأويل : المسلمون، وقال بعضهم : حنفاء متبعين، والحنف الميل، كأنه قال : مائلين إلى الإسلام، وقيل :﴿حنفاء﴾ الحجاج، وقيل : الحنف المستقيم. وقوله تعالى :﴿ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ يحتمل القبول، أي قبلوا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، أي تابوا، وقبلوا ذلك، ليس على حقيقة الإقامة، ويحتمل أن يكون على حقيقة الإقامة والإتيان، وأيهما كان ففيه أن أوائلهم كانوا مأمورين بالصلاة والزكاة. ثم المعنى الذي في الصلاة والزكاة، لا يحتمل النسخ في وقت من الأوقات، لأن الصلاة معناها الاستسلام والخضوع له، والزكاة، هي تزكية النفس وطهارتها، وذلك لا يحتمل النسخ ( أصلا )(٣). وقوله(٤) تعالى :﴿وذلك دين القيمة﴾ /٦٥٠أ/ والدين مذكر، والقيمة مؤنث، فجائز أن يكون الذي ذكر، هو الملة، ويحتمل دين الأمة القيمة، وهو قول الزجاج، أو يقول : ذلك الدين قومته الحجج، والبراهين أضيفت إلى الحجج. وجائز أن يكون ذكر القيمة على التسوية بين ما سبق، وتقدم من أواخر الآي من قوله تعالى :﴿حتى تأتيهم البينة﴾ وقوله(٥) :﴿مطهرة﴾ وقوله(٦) ﴿وكتب قيمة﴾ تسوية بين ما تقدم وما تأخر من قوله :﴿خير البرية﴾ وقوله(٧) :﴿شر البرية﴾ وفي حرف ابن مسعود :﴿ذلك الدين القيم لغيره﴾(٨). وفي قوله تعالى :﴿وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ وجهان : أحدهما : تحذير لهذه الأمة لئلا يتفرقوا كما تفرق أولئك في رسول الله ﷺ وفي ما جاء به. والثاني : يكونون دائما فزعين إلى الله تعالى في كل وقت، خائفين منه، وألا يكلوا إلى البيان الذي جاءهم، فيتفرقوا كما تفرق أولئك. ١ في الأصل وم: يعبده. ٢ في الأصل وم: وصفائه. ٣ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم. ٤ في الأصل وم: وقال. ٥ في الأصل وم: و. ٦ في الأصل وم و. ٧ في الأصل وم: و. ٨ في الأصل وم: القيمة لغيرها.

البينة 98:6

أحدهما: تحذير لهذه الأمة؛ لئلا يتفرقوا كما تفرق أُولَئِكَ في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وفيما جاء به. والثاني: يكونون أبدا فزعين إلى اللَّه - تعالى - في كل وقت، خائفين منه، وألا يكلوا إلى البيان الذي جاءهم؛ فيتفرقوا كما تفرق أُولَئِكَ. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦). ظاهر هذا أن يكون تأويل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ)، أي: بعض المشركين في النار، لا كل المشركين، ولكن من كفر من المشركين، كان كمن كفر من أهل الكتاب في نار جهنم، لكن الكفر هو الشرك، والشرك هو الكفر؛ كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ...)؛ فدل أن الكفر والشرك واحد؛ فكل كافر مشرك؛ فكأنه قال: إن الذين أشركوا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أُولَئِكَ هم شر البرية. ثم جاء كل هذا التشديد لهَؤُلَاءِ؛ لأن أهل الكتاب ادعوا أنهم من نسل الأنبياء، ثمِ تركوا اتباعهم، والمشركون قد (... أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ...)، ثم نقضوا ذلك العهد. وأهل الكتاب قالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، فتركوا اتباع الصالحين من آبائهم. والعرب - أيضا - كانوا أقرب إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من غيرهم؛ فحقه عليهم ألزم وأوجب؛ فشدد على هَؤُلَاءِ لهذا المعنى. ثم إن كان البرية مأخوذًا مقدرا من البري وهو التراب، ويرجع تأويل الآية إلى البشر؛ كأنه قال: أُولَئِكَ هم شر ما أنشئ من الأرض. وإن كان مأخوذا مقدرا من البرا وهو الخلق؛ فيصير كأنه قال: أُولَئِكَ هم شر ما خلقوا؛ فيدخل في ذلك الملائكة والجن والبشر، وفي الأول لا يدخل إلا البشر خاصة.

البينة 98:7

وكذلك ما ذكر من أهل الإيمان؛ حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧): فإن كان البرية مأخوذا من البرى، فهو يرجع إلى الأصناف جميعا، وإن كان من البري -وهو التراب- فهو يرجع إلى البشر خاصة؛ فيصير كأنه قال: شر أهل البشر من جنسهم، وخير أهل الخير من جنسهم؛ لأنهم صاروا قادة في الهدى والخير. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨): فإن كان العدن هو المقام، فجميع الجنان عدن، وجميع الجنان نعيم. ثم قد قسم الخلق صنفين: صنفا جعله شر البرية، وصنفا جعله خير البرية، ثم يكون من كل صنف شر من شر، وخير من خير، وسوى بين من نشأ على الكفر، وداوم عليه في التأبيد والتخليد وبين من أحدث الكفر في آخر عمره، وكذلك من دام على الإيمان، ومن أحدث سوى بينهما، ولم يجعل لما مضى من الكفر والإيمان جزاء ولا عقابا؛ وذلك - واللَّه أعلم - هو أن من اعتقد إيمانا إنما يعتقده للأبد، وكذلك من يعتقد الكفر، إنما يعتقده للأبد، فإذا أحدث الإيمان بعد الكفر اعتقد قبح ما عمل في حال كفره وشره، وحسن ما أحدث من الإيمان والتوحيد، وكذلك من أحدث الكفر بعد الإيمان، اعتقد فساد ما عمل في حال إيمانه؛ لذلك سوى بين من أحدث، وبين من دام عليه، وليس كمن يذنب في وقت، ويتوب في وقت؛ لأنه ليس يعتقد حسن ذلك، ولا قبحه في الأبد، واللَّه الموفق. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: رضي اللَّه عنهم، بعملهم الذي عملوا لأنفسهم، وسعيهم الذي سعوا في الدنيا لهم؛ رضي سعيهم لهم، (وَرَضُوا عَنْهُ)، أي: رضوا هم عنه بما أكرمهم، ووفقهم للأعمال التي عملوا لأنفسهم في الدنيا، وهو كقوله - تعالى -: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)، أي: إن قبلوا ما أحسن إليهم، وأحسنوا صحبة إحسانه إليهم يرضى ذلك لهم. وهذا يدل أن ما يعملون من خير أو شر إنما يعملون لأنفسهم، ولمنفعة ترجع إليهم، أو مضرة تندفع عنهم. والثاني: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) بما أكرمهم من الثواب لأعمالهم التي عملوا لأنفسهم، ورضوا عنه بكرامته التي أكرمهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) هذا منه إفضال وإنعام؛ حيث ذكر رضاه عنهم، وإن ذكر العفو والتجاوز كان حقا، ولكن هذا كما ذكر من لطيف معاملته عباده؛ حيث سمى ما ادخروا في وقت حاجتهم إليه: قرضا؛ حيث قال: (... وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا...)، وسمى بذلهم أنفسهم وأموالهم سرًّا، وما يعملون لأنفسهم - جزاء وشكرا، وأموالهم وأنفسهم في الحقيقة له، ولكن سمى بالذي ذكرنا؛ لطفا منه وفضلا؛ فعلى ذلك ما ذكر من رضاه عنهم به، وكذلك قوله: (وَرَضُوا عَنْهُ) وذكر رضاهم عنه بفضله ولطفه، وإلا من هم حتى يذكر منهم الرضا عن اللَّه تعالى؟!. ثم هو يخرج على وجهين سوى ما ذكرنا: أحدهما: رضوا عنه بما امتحنهم في الدنيا بالمحن الشديدة العظيمة، وإن اشتدت تلك، وثقلت على أنفسهم إذا رأوا إحسان اللَّه - تعالى - وفضله في الآخرة. والثاني: رضوا عنه بالنعم التي أكرمهم في الجنة، (... لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا)، ولا يريدون غيرها، ولا يملون على ما يملون في الدنيا. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (مُنْفَكِّينَ)، أي: لا يزالون على هذه الحال، يقول الرجل: ما انفككت أفعل كذا وكذا، أي: ما زلت أفعل كذا وكذا. وقَالَ الْقُتَبِيُّ وأبو عبيد وغيرهما: المنفكين: زائلين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ): أي: الذي ذكر من الجزاء لمن خشي نقمته، أو خشي سوء صحبة نعمه، وأصله أن من اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات، فإنما يفعل ذلك؛ لخشية ربه - تعالى - وكل من كان أعلم بربه فهو أخشى لربه تعالى، ومن كان أجهل به فهو أجرأ؛ قال اللَّه - تعالى -: (... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ...). وقال الحسن: الخشية: هي الخوف اللازم في القلب الدائم فيه، أو خشي خلافه وكفران نعمه، واللَّه أعلم، والحمد لله رب العالمين. * * *

البينة 98:8

الآية٨ : وقوله تعالى :﴿جزاؤهم عند ربهم جنات عدن﴾ فإن كان العدن هو المقام، فجميع الجنان عدن، وجميع الجنان(١)نعيم. ثم قد قسم الخلق صنفين :( صنفا )(٢) جعله ﴿شر البرية﴾ وصنفا(٣) جعله ﴿خير البرية﴾. ثم يكون من كل صنف شر من شر، وخير من خير، وسوى بين من نشأ على الكفر، ودام عليه في التأبيد والتخليد، وبين من أحدث الكفر في آخر عمره، وكذلك من دام على الإيمان، ومن أحدثه، سوّى بينهما، ولم يجعل لما مضى من الكفر جزاء ولا عقابا، وذلك، والله أعلم، هو أن من اعتقد إيمانا إنما(٤) يعتقد للأبد، وكذلك من يعتقد الكفر إنما يعتقد للأبد. فإذا أحدث الإيمان بعد الكفر اعتقد قبح ( ما )(٥)عمل في حال كفره وشره وحسن ما أحدث من الإيمان والتوحيد. وكذلك من أحدث الكفر بعد الإيمان اعتقد فساد ما عمل في حال إيمانه. لذلك ( سوى )(٦)بين من أحدث وبين من دام عليه، وليس كمن يذنب في وقت، ويتوب في وقت، لأنه ( ليس )(٧) يعتقد حسن ذلك ولا قبحه في الأبد، والله الموفق. وقوله تعالى :﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ ( يحتمل وجهين )(٨) : أحدهما : يقول :﴿رضي الله عنهم﴾ بعملهم الذي عملوا لأنفسهم، وسعيهم الذي سعوا في الدنيا لهم، رضي الله عن سعيهم لهم، ﴿ورضوا عنه﴾ أي رضوا هم عنه بما أكرمهم، ووفقهم للأعمال التي عملوا لأنفسهم في الدنيا، وهو كقوله تعالى :﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾ ( الزمر : ٧ ) أي إن قبلوا ما أحسن إليهم، وأحسنوا صحبة إحسانه إليهم يرض ذلك لهم. وهذا يدل أن ما يعملون من خير أو شر إنما يعملون لأنفسهم، ولمنفعة ترجع، أو مضرة تندفع عنهم. والثاني :﴿رضي الله عنهم﴾ بما أكرمهم من الثواب لأعمالهم التي عملوا لأنفسهم ﴿ورضوا عنه﴾ بكرامته التي أكرمهم. وقوله تعالى :﴿رضي الله عنهم﴾ هذا منه إفضال وإنعام حين(٩) ذكر رضاه عنهم. وإن ذكر العفو والتجاوز كان حقا. ولكن هذا كما ذكر من لطيف معاملته عباده حين(١٠) سمى ما ادخروا في وقت حاجتهم إليه قرضا حسنا حين(١١)قال :﴿وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ ( المزمل : ٢٠ ) وسمى بذلهم أنفسهم وأموالهم شراء(١٢) وما يعملون لأنفسهم جزاء وشكرا، وأموالهم وأنفسهم في الحقيقة له. ولكن سمى الذي ذكرنا لطفا منه وفضلا. فعلى ذلك ما ذكر من رضاه عنهم به. وكذلك قوله :﴿ورضوا عنه﴾ ذكر رضاهم عنه بفضله ولطفه، وإلا فمنهم(١٣) الرضا عن الله تعالى. ثم هو يخرج على وجهين سوى ما ذكرنا : أحدهما :﴿ورضوا عنه﴾ بما امتحنهم في الدنيا بالمحن الشديدة العظيمة، وإن اشتدت، وثقلت(١٤) على أنفسهم، إذا رأوا إحسان الله تعالى وفضله في الآخرة. والثاني :﴿ورضوا عنه﴾ بالنعم التي أكرمهم في الجنة ﴿لا يبغون عنها حولا﴾ ولا يريدون غيرها، ولا يملون ( على ما يملون )(١٥) في الدنيا. قال أبو عوسجة :﴿منفكين﴾ أي لا يزالون على هذه الحال، يقول الرجل : ما انفككت أفعل كذا وكذا. وقال القتبي وأبو عبيد وغيرهما :﴿منفكين﴾ زائلين. وقوله تعالى :﴿ذلك لمن خشي ربه﴾ أي الذي ذكر من الجزاء لمن خشي نقمته أو خشي سوء صحبة نعمه. وأصله : أن من اجتنب المعاصي، وعمل بالطاعات، فإنما يفعل ذلك لخشية ربه تعالى، فكل من ( هو )(١٦) أعلم بربه فهو أخشى لربه تعالى، ومن ( هو )(١٧) أجهل به فهو أجرأ ( على معصيته )(١٨). قال الله تعالى :﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ ( فاطر : ٢٨ ). وقال الحسن : الخشية، هي(١٩) الخوف اللازم في القلب الدائم فيه، أي(٢٠) خشي خلافه وكفران نعمه، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين. ١ ساقطة من م. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: و. ٤ من م، في الأصل: تاما. ٥ من م، ساقطة من الأصل. ٦ من نسخة الحرم المكي ساقطة من الأصل وم. ٧ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم. ٨ ساقطة من الأصل وم. ٩ في الأصل وم: حيث. ١٠ في الأصل وم: حيث. ١١ في الأصل وم: حيث. ١٢ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾. ١٣ الفاء ساقطة من الأصل وم. ١٤ أدرج قبلها في الأصل وم: ذلك. ١٥ من م، ساقطة من الأصل. ١٦ ساقطة من الأصل وم. ١٧ ساقطة من الأصل وم. ١٨ ساقطة من الأصل وم. ١٩ في الأصل وم: هو. ٢٠ في الأصل وم: أو.

الزلزلة 99:1

سُورَةُ (إِذَا زُلْزِلَتِ)، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا): قد ذكرنا أن حرف (إِذَا) إنما يذكر عن سؤال سبق منهم؛ كأنهم سألوا عن الوقت الذي كانوا يوعدون فيه، وإن لم يذكر السؤال؛ لأنه قد يكون في الجواب بيان السؤال، وفي السؤال بيان الجواب، وإن لم يذكر، فعند ذلك قال: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، أخبرهم عن أحوال يوم القيامة والحساب، ولم يخبرهم عن وقتها، وقد ذكرناه في غير موضع. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا)، أي: حركت الأرض تحريكا شديدًا؛ لهول ذلك اليوم، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن تكون تتزلزل وتتحرك؛ حتى تلقي ما ارتفع منها من الجبال الرواسي في الأودية، حتى تستوى الأرض، لا يبقى فيها هبوط ولا صعود، كقوله - تعالى -: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧). وجائز أن يكون قوله: (زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ)، أي: تتزلزل، وتتحرك؛ لتغير الجبال الرواسي حتى تصير كما ذكر: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)، وإذا فنيت وتلاشت بقيت الأرض مستوية على ما ذكر. ويحتمل أن تكون تتزلزل وتتحرك؛ حتى تصير غير تلك؛ كقوله - تعالى -: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ...) الآية. ويحتمل أن يكون تبديلها وتحريكها ومدها هو تغير صفاتها؛ على ما ذكرنا في الوجهين الأولين. قال الزجاج: لا تصح هذه القراءة؛ لأن الزلزال من المضاعف، والمضاعف إنما يكون بالخفض مصادرها، أما من الأسماء قد يكون نصبا؛ كقوله تعالى: (مِنْ صَلْصَالٍ)

الزلزلة 99:2

، ونحوه، والزلزال: مصدر؛ فيكون الأصل المطرد فيه هو الكسر، والنصب يكون نادرا، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢). أي: أحمالها؛ لهول ذلك اليوم، وقال في آية أخرى: (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ)، ثم يحتمل (وَأَخْرَجَتِ) (وَأَلْقَتْ) ما فيها من الموتى من أول ما دفن فيها من كل شيء من الحيوان وغيرها، إلى آخر ما يجعل فيها من الكنوز وغيرها مما يحتمل الحساب، ومما لا يحتمل من البشر، وجميع الممتحنين وغيرهم. ويحتمل: أخرجت أثقالها: الممتحنين خاصة: ممن يحاسبون، ويثابون، ويجزون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣). أي: قال الكافر: ما لها تتحرك؟ فقَالَ بَعْضُهُمْ: أحمق في الدنيا، وأحمق في الآخرة؛ حيث يسأل الأرض ما لها تتزلزل وتتحرك؟ يظن أنها بنفسها تفعل ذلك لا لفزعة ما ترى من أهوال ذلك اليوم وتغيير أحوالها؛ على ما لم ينظر في الدنيا في الآيات والحجج حتى يقبلها، ويخضع لها. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا)، (وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا)، تشهد وتخبر بما عمل على ظهرها. ثم إخبارها يخرج على وجوه: أحدها: ما قاله أهل التأويل: إنها تخبر وتحدث بما عمل على ظهرها من خير أو شر، أو طاعة أو معصية. لكن لا يحتمل إخبارها الخير؛ لأنها إنما تشهد عليهم؛ لإنكار أهل الكفر ما كان منهم من فعل الكفر والمعصية، وأما أهل الجنة فإنهم يكونون مقرين بالخيرات، واللَّه - تعالى - يصدقهم على ذلك، واللَّه أعلم. وكذلك ما ذكر من شهادة الجوارح إنما تشهد عليهم على ما ينكرون من الشرك والكفر وغير ذلك من المعاصي؛ فعلى ذلك التأويل يكون إخبارها على حقيقة النطق والكلام. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إخبارها: ما ذكر من تزلزلها وتحركها، والأحوال التي تكون فيها هو تحديثها وأخبارها التي تكون منها.

الزلزلة 99:3

الآيتان٣و٤ : وقوله تعالى :﴿وقال الإنسان ما لها﴾ ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾(١) قال الكافر ما لها تتحرك ؟ فقال بعضهم : أحمق في الدنيا وأحمق في الآخرة حين(٢) يسأل : الأرض ما لها تتزلزل، وتتحرك ؟ يظن أنها بنفسها تفعل ذلك، لا لفزعه مما(٣) يرى من أهوال ذلك اليوم وتغيير أحوالها على ما لم ينظر في الدنيا في الآيات والحجج حتى يقبلها، ويخضع لها. وقال بعضهم : هو على التقديم والتأخير كأنه يقول :﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ ﴿وقال الإنسان ما لها﴾ تشهد، وتخبر بما عمل على ظهرها. ثم قوله تعالى(٤) :﴿أخبارها﴾ يخرج على وجوه : أحدها : ما قاله أهل التأويل : أنها تخبر، وتحدث بما عمل على ظهرها من خير أو شر أو طاعة أو معصية. لكن لا يحتمل ﴿أخبارها﴾ الخير لأنها إنما تشهد عليهم لإنكار أهل الكفر ما كان منهم من فعل الكفر والمعصية. وأما أهل الجنة فإنهم يكونون مقرين بالخيرات، والله تعالى يصدقهم على ذلك، والله أعلم. وكذلك ما ذكر من شهادة الجوارح، إنما تشهد عليهم على ما ينكرون من الشرك والكفر وغير ذلك من المعاصي. فعلى ذلك التأويل يكون ﴿أخبارها﴾ على حقيقة النطق والكلام. ( والثاني : ما )(٥) قال بعضهم :﴿أخبارها﴾ ما ذكر من تزلزلها وتحركها والأحوال التي تكون فيها، هو تحديثها وأخبارها التي تكون منها. ( والثالث : ما )(٦) قال بعضهم : يومئذ تبين، وتقع أخبارها التي أخبروا في الدنيا، فكذبوها، يومئذ يتبين لهم ذلك، وتقع لهم المشاهدة عيانا من الحساب والثواب والعقاب. وفي الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال : " أتدرون ما أخبارها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها " ( الترمذي : ٢٤٢٩ ). ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ في الأصل وم: حيث. ٣ من م، في الأصل: ما. ٤ ساقطة من الأصل وم. ٥ في الأصل وم: و. ٦ في الأصل وم: و.

الزلزلة 99:5

وقَالَ بَعْضُهُمْ يومئذ تبين وتقع أخبارها التي أخبروا في الدنيا فكذبوها، يومئذ يتبين لهم ذلك، ويقع لهم مشاهدة عيانا من الحساب والثواب والعقاب، وفي الخبر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " أتدرون ما أخبارها؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: " أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها ". وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥): من قال بأن أخبارها من شهادتها بما عملوا على ظهرها، يكون تأويله قوله - تعالى -: (أَوْحَى لَهَا)، أي: أذن لها ربها بالشهادة؛ فتشهد. ومن قال: إخبارها هو تزلزلها وتحركها والأحوال التي تكون منها يقول على إسقاط (لَهَا) يقول: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)، أي: فعل ذلك بها، والوحي قد يكون الوحي والإلهام والأمر، ويستعمل فيما يليق به. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) يحتمل صدور الناس من وجهين: أحدهما: يصدرون من قبورهم إلى الحساب؛ ليروا كتابة أعمالهم، أي: ليروا ما كتب من أعمالهم التي عملوا في الدنيا، ويحتمل صدورهم على ما أعد لهم في الآخرة من الثواب والعقاب؛ فعلى هذا التأويل؛ ليروا جزاء أعمالهم التي عملوا في الدنيا، كقوله - تعالى -: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، وقوله - تعالى -: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا...)، هذا تفسير قوله: (أَشْتَاتًا). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨): قَالَ بَعْضُهُمْ: يرى الكافر ما عمل من خير في الدنيا، وأما في الآخرة فلا يرى؛ لأنه لا يؤمن بها، ولا يعمل لها؛ كقوله - تعالى -: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ...)، والمؤمن يرى ما عمل من شر في الدنيا، وما عمل في الآخرة؛ وعلى ذلك روي في الخبر أن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان جالسا مع رسول اللَّه - ﷺ - فنزلت هذه الآية؛ فقال أبو بكر الصديق: يا رسول اللَّه: كل من عمل منا شر يراه؟ فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: " ما يرون في الدنيا مما يكرهون فهو من ذاك، ويؤخر الخير لأهله في الآخرة ". وجائز أن يكون قوله - تعالى -: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) و (شَرًّا يَرَهُ)، على الإحصاء والحفظ؛ كقوله - تعالى -: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا...)، أي: لا يذهب عنه شيء قليل ولا كثير حتى الذرة. ويحتمل وجها آخر، وهو أن قوله - تعالى -: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ...)، أي: من يعمل من المؤمنين مثقال ذرة خيرا يره في الآخرة، ومن يعمل من الكفار مثقال ذرة شرا يره في الآخرة؛ لأن اللَّه - تعالى - قد أخبر في غير آي من القرآن أنه يتقبل حسنات المؤمنين، ويتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)، ونحو ذلك من الآيات. وقوله: (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) ليس على إرادة حقيقة الذرة؛ ولكن على التمثيل. ثم قيل من إخبار الأرض وما ذكر من شهادة الجوارح: أن كيف احتمل ذلك، وهي أموات، والموات لا علم لها؟ فجائز أن يكون اللَّه - تعالى - يجعل لها علما، وينطقها بذلك، وأن لها بذلك علما على جعلها آية. ثم في قوله - تعالى -: (لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) دلالة أن قوله - تعالى -: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)، وقوله: " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو "، وقول الناس: " نقرأ كلام رب العالمين "، و " في المصاحف قرآن " ألا يراد به حقيقة كون كلام اللَّه - تعالى - في المصاحف، ولا حقيقة كون القرآن فيها والسفر به، ولا حقيقة سماع كلامه، ويكون على ما أراد من سماع ما به يفهم كلامه، أو يسمع ما يعبر به عن كلامه، وكذلك يكون في المصاحف ما يفهم به كلامه، أو ما يعبر به عن كلامه؛ على ما ذكر من رؤية الأعمال، وأعين الأعمال لا ترى، ولكن يرى ما يدل عليها، وهو المكتوب من أعمالهم في الكتب التي فيها أعمالهم؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم بالصواب.

الزلزلة 99:6

الآية : وقوله تعالى :﴿يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم﴾ يحتمل صدور الناس من وجهين : أحدهما : يصدرون من قبورهم إلى الحساب ليروا كتابة أعمالهم، أي ليروا ما كتب من أعمالهم التي عملوا في الدنيا. ( والثاني )(١) : صدورهم على ما أعد لهم في الآخرة من الثواب والعقاب. فعلى هذا التأويل ليروا جزاء أعمالهم التي عملوا في الدنيا كقوله تعالى :﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ ( الشورى : ٧ ) وقوله تعالى :﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا﴾ ( الزمر : ٧١ ) هذا تفسير قوله :﴿أشتاتا﴾. ١ في الأصل وم: ويحتمل.

الزلزلة 99:7

الآيتان٧و٨ : وقوله تعالى :﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ ﴿ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ قال بعضهم : يرى الكافر ما عمل من خير في الدنيا، وأما في الآخرة فلا يرى ؛ لأنه لا يؤمن بها، ولا يعمل لها، كقوله تعالى :﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ ( الإسراء : ١٨ ) والمؤمن يرى ما عمل من شر في الدنيا وما عمل ( من خير )(١) في الآخرة. وعلى ذلك روي في الخبر " أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان جالسا مع رسول الله ﷺ فنزلت الآية، فقال أبو بكر الصديق لرسول الله ﷺ : أكل ما عمل من شر يراه ؟ فقال رسول الله ﷺ : " ما ترون في الدنيا مما تكرهون فهو من ذاك، ويدخر الخير لأهله في الآخرة " ( الحاكم في المستدرك ٢/٥٣٢و٥٣٣ ). وجائز أن يكون قوله تعالى :﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ ﴿ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ على الإحصاء والحفظ، كقوله تعالى :﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ أي لا يذهب عنه شيء قليل ولا كثير حتى الذرة. ويحتمل وجها آخر، وهو(٢) أن قوله تعالى :﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ أي من يعمل من المؤمنين مثقال ذرة خيرا يره في الآخرة ﴿ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ ومن يعمل من الكفار مثقال ذرة شرا يره في الآخرة، لأن الله تعالى قد أخبر في غير آية(٣) من القرآن أنه يتقبل حسنات المؤمنين ويتجاوز عن سيئاتهم كقوله تعالى :﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ ( العنكبوت : ٧ ) ونحو ذلك من الآيات. وقوله تعالى :﴿مثقال ذرة﴾ ليس إرادة حقيقة الذرة، ولكن على التمثيل. ثم قيل : من أخبار الأرض وما ذكر من شهادة الجوارح من شهادة الجوارح أن كيف احتمل ذلك، وهي(٤) أموات، والأموات(٥) لا علم لها ؟ فجائز أن يكون الله تعالى يجعل لها علما، وينطقها بذلك، وأن لها بذلك علما على جعلها آية في قوله تعالى :﴿ليروا أعمالهم﴾ دلالة أن قوله تعالى :﴿حتى يسمع كلام الله﴾ ( التوبة : ٦ ) وقوله ( عليه الصلاة والسلام )(٦) " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض /٦٥١ت أ/ العدو " ( مسلم ١٨٦٩/ ٩٤ )، وقول الناس : يقرأ كلام رب العالمين، وفي المصاحف ( قرآن، لا يراد به حقيقة كلام الله تعالى في المصاحف )(٧) ولا حقيقة كون القراءة فيها والسفر به، ولا حقيقة سماع كلامه تعالى، ويكون على ما أراد من سماع ما به يفهم كلامه، ويسمع ما يعبر به عن كلامه، وكذلك يكون في المصاحف ما يفهم به كلامه أو ما يعبر به عن كلامه على ما ذكرنا من رؤية الأعمال وأعين الأعمال، ولكن يرى ما يدل عليها، وهو المكتوب من أعمالهم في الكتب التي فيها أعمالهم. فعلى ذلك هذا، والله أعلم بالصواب. ( وصلى الله تعالى على محمد، وسلم. تمت هذه السورة )(٨). ١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم. ٢ من م، في الأصل: و. ٣ في الأصل وم: آي. ٤ من م، في الأصل: وهو. ٥ في الأصل وم: والموات. ٦ ساقطة من الأصل وم. ٧ من م، ساقطة من الأصل. ٨ ساقطة من م.

العاديات 100:1

سُورَةُ (وَالْعَادِيَاتِ)، مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا...) إلى آخره. قال على - كرم اللَّه وجهه - وعبد اللَّه - رضي اللَّه عنهما -: هي الإبل. وقال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وغيره من أهل التأويل: هي الخيل؛ غير أن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: ذلك يوم بدر. وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ذلك في الحج. ومن قال: هي الخيل، قال: ذلك في سرية بعثها رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فأبطأ عليه خبرها؛ فاغتم لذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فنزل جبريل - عليه السلام - بخبرها على ما ذكر ووصف؛ فسر بذلك المؤمنون. فإن كان في أمر السرية والخيل على ما قاله ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - فجهة القسم بذلك تحتمل وجوها: أحدها: أنه من علم الغيب؛ إذ لا يعلم بحالهم وما وصف من أمر الخيل لا يكون إلا بالوحي من السماء، أو لمن شهد ذلك، فإذا لم يحضرهم أحد ممن شهدها، ثم أخبر بذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ثم ظهر عندهم على ما أخبر رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، علموا بذلك أنه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأنه إنما عرف بالوحي من اللَّه تعالى إليه، وذلك من أعظم آيات الرسالة.

العاديات 100:2

أو أن يكون القسم بما ذكر من شدة الخيل وقوتها وحدة بصرها؛ حيث عدت في ليل مظلم، لا قمر فيه، ولا نور - عدوا يخرج النار من شدة عدوها من الحجارة التي تضرب بحوافرها ما لا يقدر الإنسان العدو في مكان مستو، فضلا أن يقدر على ذلك من الصعود والهبوط، وما ذكر من إثارة النقع من شدة عدوها، وتوسطها في العدو. أو يذكر موافقة مرادهم وحصول غرضهم في الإغارة على عدوهم في أغفل ما يكون العدو، وهو وقت الصبح. ثم القسم بقوله: (وَالْعَادِيَاتِ)، وما ذكر من الموريات وغيره، هو صفة العاديات ونعوتها. وفيه بشارات ثلاثة: أحدها: أنه لم تحدث لهم حادثة. والثاني: الإغارة على العدو. والثالث: أنهم قد توسطوا العدو. ومن قال: هي الإبل، وذلك في أمر الحج، يذكر سرعة سيرها، وشدة عدوها في الليلة المظلمة التي فيها الأودية والهبوط والصعود. ثم قوله: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) على هذا التأويل، أي: تضرب الحجر بالحجر؛ فتخرج منه النار من شدة سيرها وعدوها، وفي الخيل شدة ضرب الحوافر على ما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) على هذا التأويل، يقول بعضهم: نزولهم في تلك المغارات والأودية في وقت الصبح. والأشبه أن يكون خروجهم من تلك المغارات والأودية في ذلك الوقت؛ لأن ذلك الوقت وقت الخروج منها والدفع، لا وقت المقام. أو يكون قد استقبلهم العدو هنالك، ومن أراد بهم الشر؛ فتكون المغيرات على الإغارة عليهم؛ إن كان ثم عدو. (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) على هذا التأويل: الجمع في الحجج، وهو الجمع المعروف. ومن قال: ذلك في الخيل، يكون توسطهن في جمع العدو.

العاديات 100:3

الآية٣ : وقوله تعالى :﴿فالمغيرات صبحا﴾ على هذا التأويل يقول بعضهم : نزولهم في تلك الغارات والأودية في وقت الصبح. والأشبه أن يكون خروجهم في تلك الغارات والأودية في ذلك الوقت ؛ لأن الوقت وقت الخروج منها والرواح(١) لا وقت المقام، أو يكون قد استقبلهم العدو هنالك. ومن أراد بهم الشر فتكون المغيرات على الإغارة عليهم، إن كان ثم عدو. ١ في الأصل وم: والدفع.

العاديات 100:4

الآيتان٤و٥ : قوله تعالى :﴿فأثرن به نفعا﴾(١) ﴿فوسطن به جمعا﴾ على هذا التأويل الجمع في الحج، وهو الجمع المعروف. ومن قال ذلك في الخيل يكون توسطهن في جمع العدو. ١ ساقطة من الأصل وم.

العاديات 100:6

ثم الذي وقع به القسم قوله - تعالى -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) أي: الإنسان لنعم ربه لكفور، لا يشكرها، وهو أن الإنسان يذكر مصائبه وما يصيبه من الشدة في عمره أبدا، وينسى جميع ما أنعم اللَّه عليه، وإن لا يفارقه طرفة عين؛ ولذلك قال الحسن: الكنود: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم. وقيل: الكنود: القتور البخيل الشحيح في الإنفاق، ويجب أن يكون وصف كل إنسان ما ذكر، لكن المؤمن يتكلف شكر نعم اللَّه - تعالى - ويجتهد في ذلك، ويصبر على المصائب، وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا)، وخلق (عَجُولًا)، هو كل إنسان، ثم استثنى المصلين منهم، وهم المؤمنون؛ أي: كذلك خلق وطبع كل إنسان، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه من ذلك الطبع الذي أنشئ عليه، وطبع إلى غيرها من الطبائع؛ كالبهائم والسباع التي طبعها النفور من الناس بالاستيحاش عنهم، ثم تصير بالرياضة ما تستقر عندهم وتجيبهم عند دعوتهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) قَالَ بَعْضُهُمْ: إن ذلك الإنسان على ما فعله في الدنيا لشهيد في الآخرة على ما جمعه؛ أي: يشهد ذلك ويعلمه؛ كقوله: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنَّهُ)، أي: ذلك الإنسان لبخله وامتناعه عن الإنفاق (لَشَهِيدٌ)، أي: يتولى حفظ ماله وإحصاءه بنفسه، لا يثق بغيره. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (وَإِنَّهُ) ويعني: الله تعالى (عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) أي: عالم، يحصيه؛ ويحفظه، كقوله: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا...). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أي: ذلك الإنسان لشديد الحب للمال، فذكر بخله، وشحه في المال، في ترك الإنفاق والبذل، وعلى ذلك طبع كل إنسان؛ على ما ذكرنا، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه مما طبع بالرياضة، ويجتهد في الإنفاق، والحب هاهنا: حب إيثار، أي: يؤثر لنفسه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) يقول - واللَّه أعلم -: فهلا

العاديات 100:7

الآية٧ : وقوله تعالى :﴿وإنه على ذلك لشهيد﴾ قال بعضهم : إن الإنسان على ما فعله في الدنيا لشهيد في الآخرة على ما جمعه، أي يشهد ذلك، ويعلمه، كقوله تعالى :﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ ( القيامة : ١٤ ). وقال بعضهم :﴿وإنه﴾ أي ذلك الإنسان ببخله وامتناعه عن الإنفاق لشهيد، أي يتولى حفظ ماله وإحصاءه بنفسه، لا يثق بغيره. وقال بعضهم :﴿وإنه﴾ يعني الله تعالى ﴿على ذلك لشهيد﴾ أي عالم، يحصيه، ويحفظه كقوله تعالى :﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ ( الكهف : ٤٩ ).

العاديات 100:8

الآية٨ : وقوله تعالى :﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ أي ذلك الإنسان لشديد الحب للمال، فذكر بخله وشحه في المال في ترك الإنفاق والبذل، وعلى ذلك طبع كل إنسان على ما ذكرنا، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه مما طبع بالرياضة، ويجتهد بالإنفاق. والحب هنا حب إيثار، أي يؤثر لنفسه.

العاديات 100:9

الآيتان٩و١٠ : وقوله تعالى :﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور﴾ ﴿وحصل ما في الصدور﴾(١) يقول : والله أعلم : أفلا يعلم قدرة ربه وسلطانه وحكمته في إنشائه أنه يستخرج ما في القبور، ويحييهم ؟ أو يقول(٢) : أفلا يعلم، أي فيعلم ﴿إذا بعثر ما في القبور﴾ ﴿وحصل ما في الصدور﴾. ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ في الأصل وم: يكون.

العاديات 100:11

يعلم قدرة ربه وسلطانه وحكمته في إنشائه أنه يستخرج ما في القبور ويحييهم. أو يكون قوله: (أَفَلَا يَعْلَمُ)، أي: فيعلم (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ. وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) أي: إن ربهم يومئذ لخبير بما كان منهم في الدنيا، (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ)، يقول: فهلا يعلم - أيضا - أنه يميز ما في الصدور، ويبين ويظهر ما فيها، لا يترك كذلك غير مميز، ولا مبين، بل يظهر ويميز، كقوله: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ). ثم قوله: (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ)، أي: عن علم له بذلك يأخذهم، ويجزيهم بما يجزيهم. وفي قوله - تعالى -: (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) دلالة أن حصول الأعمال وخلوصها وما يثاب عليها ويعاقب بالقلوب وبالنيات، لا بنفس الأعمال؛ حيث قال: (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ). قال أهل اللغة وأَبُو عَوْسَجَةَ: (ضَبْحًا): الضبح: صوت في الصدر؛ ضبح يضبح ضبحا، فهو ضابح. (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا)، أي: هيجن الغبار بحوافرهن، والنقع: الغبار، والنقوع: جماعة، (فَوَسَطْنَ) من التوسط، أي: صرن في الوسط، و (لَكَنُودٌ): كفور، (وَحُصِّلَ)، أي: اختبر؛ يقال: حصلت: أي: اختبرت. وقَالَ بَعْضُهُمْ والْقُتَبِيّ: (وَالْعَادِيَاتِ): الخيل، والضبح: صوت حلوقها إذا عدت. وقيل: الضبح والضبع واحد في السير؛ يقال: ضبحت الناقة، وضبعت. (فَالْمُورِيَاتِ)، أي: أورت النار بحوافرها، والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا، ويقال: بعثرت، أي: قلبت، فجعل أسفلها أعلاها. قوله تعالى: (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ)، أي: ميز ما فيها من الخير والشر، والشك، واليقين، والله أعلم. * * *

القارعة 101:1

سُورَةُ الْقَارِعَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْقَارِعَةُ) قال: القارعة عندهم هي الداهية الشديدة من الأمور، وهي في هذا الموضع وصف لشدة هول يوم القيامة، وهو من اللَّه - تعالى - تذكير لعباده، وتعجيب لهم عما يكون في ذلك اليوم من الأهوال في الأحوال والأفعال وسمى اللَّه - تعالى - في كتابه ذلك اليوم بما يكون فيه من اختلاف الأحوال، نحو قوله: (الْحَاقَّةُ)، و (الْوَاقِعَةُ)، وما أشبه ذلك، فكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الْقَارِعَةُ) تذكير لهم بما وصف من حال ذلك اليوم وشدته؛ ليتفكروا في العواقب، ويتدبروا ما يستقبلهم في الأواخر من العذاب؛ فيمتنعوا بذلك عما نهاهم اللَّه - تعالى - عنه. ثم إن اللَّه - تعالى - خلق في بني آدم نفسا يدرك بها الشهوات واللذات في الدنيا، وعقلا يتذكر به عواقب الأمور وأواخرها، ويزيده ذلك تيقظا وتبصرا، ثم العقل مرة يدعوه إلى نفسه حتى يميل إلى ما يدعوه في جزاء ما أطمع في العاقبة، والنفس مرة تدعوه إليها؛ فيصير هواه وميله فيما يتلذذ به من الشهوات في دنياه، وعلى ذلك تأويل قوله: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي...)، أي: يرحمه ويعصمه عن اختيار السوء. أو رحمه حتى جعل هواه فيما توجبه العواقب من الجزاء والثواب؛ فلذلك ذكر اللَّه - تعالى - عباده بما يستقبلهم من الأهوال في ذلك اليوم؛ ليعملوا عقولهم في أفكاره، والتذكر عنه؛ فيزدجروا عما زجرهم عنه. أو يتذكروا ما وعد لهم من الجزاء في ذلك اليوم؛ فيزدادوا بذلك حرصا في الخيرات. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) اختلفوا في تأويله من

القارعة 101:4

الآية٤ : وقوله تعالى :﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾ اختلفوا في تأويله من وجوه، لكنه في الحاصل يرجع إلى معنى واحد : فمنهم من قال : أي كالجراد المنتشر حين أرادت الطيران، ومنهم من قال : كالجراد الذي يموج بعضهم في بعض، ومنهم من قال :﴿كالفراش المبثوث﴾ الذي يتهافت في النار، فيحترق. وكل ذلك يؤدي معنى الحيرة والاضطراب من هول ذلك اليوم. وأصل ذلك قوله تعالى :﴿وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾ ( الحج : ٢ ) فكأن الله تعالى قال : إنهم يصيرون في الحيرة من هول ذلك اليوم وشدته كالطائر الذي لا يدري أين يطير ؟ وأين يثبت ؟ وأين ينزل ؟

القارعة 101:5

وجوه، ولكنه في الحاصل يرجع إلى معنى واحد: فمنهم من قال: أي: كالجراد المنتشر حين أرادت الطيران. ومنهم من قال: كالجراد الذي يموج بعضه في بعض. ومنهم من قال: كالفراش المبثوث الذي يتهافت في النار؛ فيحترق؛ وكل ذلك يؤدي معنى الحيرة والاضطراب من هول ذلك اليوم. وأصل ذلك قوله - تعالى -: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)، فكأن اللَّه - تعالى - قال: إنهم يصيرون في الحيرة من هول ذلك اليوم وشدته كالطائر الذي لا يدري أين يطير؟ وأين يثبت؟ وأين ينزل؟ وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) قَالَ بَعْضُهُمْ: كالصوف المصبوغ. وقَالَ بَعْضُهُمْ: كالمندوف من الصوف. فإن كان على التأويل الأول، فمعناه - واللَّه أعلم -: أن الجبال في ذلك اليوم تتلون ألوانا من شدة ذلك اليوم بلون العهن؛ ألا تراه يقول: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً)، وقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)؛ فكذلك هذا على ذلك المعنى. وإن كان على التأويل الآخر، فمعناه: أن الجبال مع شدتها وصلابتها، تصير في الرخاوة والضعف من هول ذلك اليوم كالصوف المندوف؛ إذ ذلك أضعف أحواله. وقال قتادة: شبههم بغنم لا راعي لها، ذكر العهن كناية عن الغنم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) اختلفوا في تأويل الميزان من وجوه، ولكنَّ أقربها عندنا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد من قوله: (ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) جملة المؤمنين، وقوله - عز وجل -: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) جملة الكفار، ويكون الوجه في ذلك أن المؤمن لما عظم حق اللَّه - تعالى - وأقام حدوده كان له ميزان وقيمة وخطر عند اللَّه - تعالى - في ذلك اليوم، والكافر لما ترك ذلك، خف وزنه وقيمته وخطره، وقد يطلق - واللَّه أعلم -

القارعة 101:6

الآيتان ٦و٧ وقوله تعالى :﴿فأما من ثقلت موازينه﴾ ﴿فهو في عيشة راضية﴾ اختلفوا في تأويل الميزان من وجوه، ولكن أقربها عندنا وجهان : أحدهما : أن يكون المراد من قوله :﴿ثقلت موازينه﴾ جملة المؤمنين، وقوله تعالى :﴿وأما من خفت موازينه﴾ جملة الكفار، ويكون الوجه في ذلك أن المؤمن لما عظّم حق الله تعالى، وأقام حدوده، كان له ميزان وقيمة وخطر عند الله تعالى في ذلك، والكافر لما ترك ذلك خف وزنه وقيمته وخطره. وقد يطلق، والله أعلم، هذا الكلام على معنى الجاه والمنزلة، يقال : لفلان عند فلان وزن وقيمة، وليس عنده ذلك الوزن. فكذلك هذا. والوجه الثاني : من وزن السرائر التي لم يطلع الله تعالى على ملائكته الذين يكتبون أعمال بني آدم ذلك. ومعلوم أن ذلك إنما يحصل من المؤمنين دون الكفرة. وقد وصفنا مسألة الميزان(١)، وبيناها، فلذلك اختصرنا الكلام في هذا الموضع، والله أعلم. ١ في قوله: ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ ﴿ومن خفت موازينه﴾ (المؤمنون: ١٠٢ و ١٠٣).

القارعة 101:7

وقوله تعالى :﴿فهو في عيشة راضية﴾ منهم من قال ﴿مرضية﴾ ( الفجر : ٢٨ ) يرضى أهل الجنة بتلك العيشة، فهي مرضية، ومنهم من قال : ذات رضا، كقوله تعالى :﴿من ماء دافق﴾ ( الطارق : ٦ ) أي ذات اندفاق. ومنهم من قال : إنه أضاف الرضا إلى العيش ؛ لأنه به يرضى.

القارعة 101:8

الآيات٨ ١٠ : وقوله تعالى :﴿وأما من خفت موازينه﴾ ﴿فأمه هاوية﴾ ﴿وما أدراك ما هيه﴾(١) منهم من قال : سمى النار أما للكافر ؛ لأنه إليها يأوي. ومنهم من يقول : المراد من الأم أم رأسه، أي يلقى في جهنم على أم رأسه منكوسا. وقوله تعالى :﴿هاوية﴾ أي يهوي به حين(٢) لا يكون له ثبت ولا قرار. ١ في الأصل وم: ﴿فأمه هاوية﴾. ٢ في الأصل وم: حيث.

القارعة 101:9

هذا الكلام على معنى الجاه والمنزلة، يقال: لفلان عند فلان وزن وقيمة، وليس عنده ذلك الوزن، فكذلك هذا. والوجه الثاني: من وزن السرائر التي لم يطلع اللَّه - تعالى - ملائكته الذين يكتبون أعمال بني آدم ذلك، ومعلوم أن ذلك إنما يحصل من المؤمنين دون الكفرة، وقد وصفنا مسألة الميزان وبيناها؛ فلذلك اختصرنا الكلام في ذا الموضع، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، منهم من قال: مرضية، يرضى أهل الجنة بتلك العيشة؛ فهي مرضية. ومنهم من قال: ذات رضاء؛ كقوله: (مَاءٍ دَافِقٍ)، أي: ذات اندفاق. ومنهم من قال: إنه أضاف الرضاء إلى العيش؛ لأنه به يرضى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) منهم من قال: سمى النار: أما للكافر؛ لأنه إليها يأوي. ومنهم من قال: المراد من الأم: أم رأسه؛ أي: يلقى في جهنم على أم رأسه منكوسا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَاوِيَةٌ)، أي: تهوي به؛ حيث لا يكون له ثبات ولا قرار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَارٌ حَامِيَةٌ (١١) أي: تحميه، وتنضجه. ومنهم من قال: (نَارٌ حَامِيَةٌ)، أي: شديدة الحر، واللَّه أعلم، وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. * * *

القارعة 101:11

الآية١١ : وقوله تعالى :﴿نار حامية﴾ أي تحميه، وتنضجه. ومنهم من قال :﴿نار حامية﴾ أي شديدة الحر، والله أعلم ( والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام )(١) على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. ١ في م: وصلى الله.

التكاثر 102:1

سُورَةُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)، أي: شغلكم التفاخر بالتكاثر، ثم لم يقل: عماذا شغلتم؟ فيجوز أن يكون (أَلْهَاكُمُ)، أي: شغلكم التكاثر عن توحيد اللَّه - تعالى - أو عن التفكر في حجج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، أو عن ذكر البعث. ثم قوله - تعالى -: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون الغرض من الخطاب بهذه الآية: آباءهم وسلفهم الذين تقدموا بالإخبار عن قبح صنيعهم واشتغالهم بالسفه؛ فيكون هذا صلة آيات أخر، من نحو قوله - تعالى -: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)، وغير ذلك؛ فكأن اللَّه - تعالى - يخبرهم بآبائهم، ونهاهم عن الاقتداء بآبائهم؛ لأنهم تعاطوا أفعالا تخرج عن الحكمة حتى ماتوا، وذلك يقع من وجهين: أحدهما: أن من أنعم عليه نعمة، فجحدها، ولم يؤد شكرها، استوجب المقت والعقوبة؛ يقول: كيف تقتدون بآبائكم، وإنهم كفروا بنعمة اللَّه، وجحدوا بها، بل الواجب عليكم أن تتبعوا النبي الذي جاء بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم. والثاني: أن يكون فيه علامة ودلالة للبعث: أن آباءهم لما فعلوا ما يستوجب به المقت والعقوبة، وماتوا من غير أن يصيبهم ذلك في دنياهم: أن لهم دارا أخرى يعاقبون فيها بما فعلوا. وإن كان الخطاب إنما انصرف إليهم، ففيه إخبارهم عن سفههم: أنه شغلهم التفاخر بالتكاثر حتى جحدوا آيات رسوله، عليه السلام. أو أن يكون فيه إخبار عن سفههم من وجه آخر، وهو أن الافتخار كيف وقع بالأموات، والتفاخر بالأموات غير مستقيم.

التكاثر 102:2

أو يكون فيه وجه ثالث: إنما تفاخروا بما لا صنع لهم فيه؛ لأنهم: إنما افتخروا بالأموال والأولاد، وذلك من لطف اللَّه - تعالى - وجميل صنعه؛ فيكون في هذا كله ذكرهم بما فيهم من السفه والخرق. ثم التعيير بذكر هذه الأسباب إنما وقع - واللَّه أعلم - دون ما هم فيه من الكفر؛ لأن هذه الأسباب مما يبتلى به المؤمن في بعض الأحوال؛ فعيرهم اللَّه - تعالى - بذلك؛ ليكون فيه تذكير وموعظة للمؤمنين، ولو خرج ذكر الكفار في هذا، لكان لا يجتنب المؤمن شيئا من هذه الأفعال. وقد روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قرأ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، فقال: " يقول ابن آدم: مالي، مالي، وما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت... " الخبر؛ فهذا يدل على أن الوعيد على الإطلاق من غير تصريح بأهل الكفر؛ لموعظة المسلمين، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) يحتمل: حقيقة زيارة الموتى، وذلك مما يذكرهم أن التكاثر مما لا ينفعهم إذا كان عاقبتهم هذا. ويحتمل: أي: صرتم إلى المقابر بعد الموت؛ فحينئذ تذكرون حق اللَّه - تعالى - ثم لا ينفعكم، واللَّه أعلم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ بَعْضُهُمْ: كَلَّا، بمعنى: النفي، والتعطيل. وقَالَ بَعْضُهُمْ: معنى قوله: (كَلَّا)، أي: حقا. فإن كان على الوجه الأول، فكأنه قال: ليس كما حسبتم، وتوهمتم، وقدرتم عند أنفسكم وتعلمون ذلك إذا نزل بكم العذاب، وهو على الابتداء. وإن كان على معنى: حقا، فكأنه قال: حقا ستعلمون أنه ليس كما قدرتم عند أنفسكم، وكل ذلك يرجع إلى الوجوه التي وصفنا أنكم ستعلمون غدا حقا يقينا: أن الذي ألهاكم، وشغلكم عن توحيد اللَّه تعالى والتفكر في حجج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والإيمان بالبعث كان عبثا باطلاً، وأنه كان من الواجب عليكم: أن تؤمنوا باللَّه ورسوله،

التكاثر 102:3

الآيتان : ٣و٤ وقوله تعالى :﴿كلا سوف تعلمون﴾ ﴿ثم كلا سوف تعلمون﴾ قال بعضهم :﴿كلا﴾ بمعنى النفي والتعطيل، وقال بعضهم : معنى قوله :﴿كلا﴾ أي حقا. فإن كان على الأول، فكأنه قال : ليس كما حسبتم، وتوهمتم، وقدرتم عند أنفسكم، وتعلمون ذلك إذا نزل بكم العذاب، وهو على الابتداء. وإن كان على معنى حقا، فكأنه قال : ستعلمون أنه ليس كما قدرتم عند أنفسكم. وكل ذلك يرجع إلى الوجوه التي وصفنا : أنكم ستعلمون غدا حقا أن الذي ألهاكم، وشغلكم عن توحيد الله تعالى، أو التفكر في حجج رسول الله ﷺ، أو الإيمان بالبعث، كان عبثا باطلا، وأنه كان من الواجب عليكم أن تؤمنوا بالله ورسوله، وتنظروا في حجج رسول الله ﷺ، وتؤمنوا بالبعث. وفائدة التكرار بما جرى من العادة في تكرار عند الوعيد، وعند الإياس أو الرجاء، نحو قولهم : الويل الويل، وقولهم : بخ بخ، وغير ذلك. فكذلك هذا. ومنهم من حمل كل لفظة من ذلك على تأويل على حدة : إن قوله تعالى ﴿كلا سوف تعلمون﴾ عند الموت عند ما ترون العذاب. إن الأمر ليس كما حسبتم، وتعلمون في يوم البعث أنه حق يقين.

التكاثر 102:5

وتنظروا في حجج رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وتؤمنوا بالبعث. وفائدة التكرار: ما جرى من العادة في تكرار الكلام عند الوعيد أو عند الإياس أو الرجاء؛ نحو قولهم: الويل الويل، وقولهم: بخ بخ، وغير ذلك؛ فكذلك هذا. ومنهم من حمل كل لفظة من ذلك على تأويل على حدة: أن قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) وعند الموت عندما ترون العذاب: أن الأمر ليس كما حسبتم، وتعلمون في يوم البعث أنه حق يقين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) يعني بهذا - واللَّه أعلم -: إبطال ما كانوا عليه من الظنون والحسبان في هذه الدنيا؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا)، فإذا نزل بهم العذاب تحقق عندهم، وعلموا علما يقينا. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) حين نزل بكم الموت، (ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) في القبر، وكذلك روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة. وفيه وجه ثان: وهو أنهم كانوا عند أنفسهم علماء، وأنهم على حق، ولكن اللَّه - تعالى - بين لهم أن علمهم كان حسبانا؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)؛ فيظهر لهم عند ذلك: أن اليقين ما نزل بهم، وأن الذي علموا لم يكن علم يقين؛ بل كان شكا وحسبانا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) يحتمل وجهين: أحدهما: يرونها عند الموت. والثاني: أي: يرونها بالتفكر والنظر في آيات اللَّه وحججه في الدنيا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)، له معنيان: أحدهما: عيانا ومشاهدة. والثاني: أن تكون رؤيتهم بعين اليقين، ليس على ما كان عندهم: أنهم لو فتح لهم باب من السماء وعرجوا إليها، لقالوا: (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)

التكاثر 102:6

الآية٦ : وقوله تعالى :﴿لترون الجحيم﴾ يحتمل وجهين : أحدهما : ترونها عند الموت. والثاني : أي ترونها بالتفكر والنظر في آيات الله وحججه في الدنيا.

التكاثر 102:7

الآية٧ : وقوله تعالى :﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ له معنيان : أحدهما : عيانا ومشاهدة. والثاني : أن تكون رؤيتهم بعين اليقين ليس على ما كان عندهم : أنهم لو فتح لهم باب من السماء، وعرجوا إليها ﴿لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾ ( الحجر : ١٥ ) يقول الله تعالى : يرتفع السحر عن أبصارهم، فيرونها عين اليقين.

التكاثر 102:8

يقول اللَّه، تعالى: يرتفع عنهم السحر عن أبصارهم، فيرونها عين اليقين. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) ظاهر هذا يقتضي أن يكون سؤالهم بعدما دخلوا النار؛ لأنه قال: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ) بعدما وصف أنهم يدخلون النار؛ فبان أنه في ذلك الوقت، فإن كان على ذلك، فهو في موضع التقرير عندهم: أنهم استوجبوا المقت والعقوبة؛ لأنه كان عندهم أن من أنعم عليه بنعمة، فلم يشكرها، استوجب المقت والعقوبة؛ فاللَّه - تعالى - يسألهم في ذلك الوقت عن شكر ما أنعم عليهم؛ ليقرر عندهم استيجاب العقوبة، ويجوز أن يكون هذا عند الحساب؛ لأنه قال: (يَوْمَئِذٍ)، ولم يقل: قبل ذلك، أو بعده؛ بل قال على الإطلاق؛ فيعمل به. وإذا احتمل ذلك الوجه أن ينصرف إلى المؤمنين والكافرين كان الوجه في سؤال المؤمنين تذكيرهم أن أعمالهم لم تبلغ ما يستوفي بها شكر النعمة التي أنعمها عليهم، وليعلموا أن اللَّه - تعالى - تفضل عليهم، وتجاوز عنهم، لا أن بلغت إليه حسناتهم، فاستوجبوا رحمته بها؛ بل بكرمه وفضله. وإن كان في الكافرين، فهو تقرير ما استوجبوا من نقمته حيث تركوا شكر نعمه. ثم قوله - تعالى -: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) إن كان السؤال من الكفرة فإنهم يسألون عما تركوا من الإيمان باللَّه - تعالى - وبما أتى إليهم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبغير ذلك من النعيم. وإن كان في المؤمنين فهو في سائر النعم من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها، واللَّه أعلم. * * *

العصر 103:1

سُورَةُ الْعَصْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، خرج قوله: (وَالْعَصْرِ) مخرج القسم، والقسم موضوع في الشاهد؛ لتأكيد ما ظهر من الحق الخفي، أو لنفي شبهة اعترضت، أو دعوى ادعيت؛ فكذلك في الغائب. ثم الأصل بعد هذا: أنه ليس في جميع القرآن شيء مما وقع عليه القسم إلا إذا تأمله المرء واستقصى فيه، وجد فيه المعنى الذي أوجبه القسم لولا القسم. ثم اختلفوا في تأويل قوله: (وَالْعَصْرِ): فمنهم من قال: هو الدهر والزمان. ومنهم من قال: هو آخر النهار، فذلك وقت يشتمل على طرفي النهار، وهو آخر النهار وأول الليل؛ فكأنه أراد به: الليل والنهار. وقال أبو معاذ: تقول العرب: " لا أكلمك العصران "، يريدون: الليل والنهار، وفي مرور الليل والنهار مرور الدهور والأزمنة؛ لأنهما يأتيان على الدهور والأزمنة وما فيهما؛ فكان في ذكر الليل والنهار ذكر كل شيء، والقسم بكل شيء قسم بمنشئه؛ لأن كل شيء من ذلك إذا نظرت فيه، دلك على صانعه ومنشئه. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إن الدنيا وما فيها كأنها خلقت وأنشئت متجرًا للخلق، والناس فيها تجار؛ كما ذكره في غير آي من القرآن، قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)، وقال: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، أي: إن الإنسان لفي خسار من تجارته ومبايعته (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ...) الآية. ولقائل أن يقول: كيف استثنى أهل الربح من أهل الخسران، ولم يستثن أهل الخسران من أهل الربح؟! فيقول: " إن الإنسان لفي ربح إلا الذين كفروا "، واستثناء هذه الفرقة من تلك أولى في العقول من تلك؟! والجواب عن هذا: أن هذه الآية إنما نزلت بقرب من مبعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والقوم بأجمعهم كانوا أهل كفر وخسار؛ فلذلك وقع الاستثناء على ما ذكر؛ إذ استثناء القليل من الكثير هو المستحسن عند أهل اللغة، وإن كان القسم الثاني في حد الجواز، والقرآن في أعلى طبقات الكلام في الفصاحة. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الْإِنْسَانَ) اسم جنس؛ فكأنه أراد: جميع الناس؛ ألا ترى أنه قال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، ولا تستثنى الجماعة من الفرد؛ فكأنه يقول -على هذا-: إن الناس في أحوالهم واختياراتهم في خسر إلا من كانت تجارته في تلك الحالة ما ذكر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يحتمل أن يكون تأويله: الصالحات التي كانت معروفة في الكفر والإسلام من حسن الأخلاق وغيره؛ ألا ترى أنه قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، نقول: المعروف هو المعروف الذي هو معروف في الطبع والعقل، والمنكر الذي ينكره العقل، وينفر عنه الطبع. وإن كان المراد منه: الكفر، فكأنه قال: إن الكافرين في هلاك وخسار، إلا من آمن باللَّه تعالى ورسوله وعمل صالحا. ثم في هذه السورة ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكذلك ذكر الصالحات في سُورَة " التين "، وترك ذكر الصالحات في سورة " الكَبَد "؛ فكأن اللَّه - تعالى - ذكر الصالحات في تلك السورة؛ لما قد كان ذكرها قبل ذلك؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)، وغير ذلك. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ): الحق في الأصل كل ما يحمد عليه فاعله، والصبر: هو الكف عن كل ما يذم عليه فاعله؛ فكأن التواصي بالحق تواصٍ بكل ما يحمد عليه، والتواصي بالصبر تواصٍ عن كل ما يذم عليه. ثم في ظاهر قوله - تعالى -: (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا...) الآية - ما يوجب أن من لم يجمع بين هذه الأشياء التي ذكرها (لَفِي خُسْرٍ)؛ فيكون ظاهره حجة للخوارج والمعتزلة، إلا أن الانفصال عن هذا - واللَّه أعلم -: أن اللَّه تعالى وعد الجنة لمن جمع هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية، وذكر الإيمان مفردا في آية أخرى، ووعد عليه الجنة؛ فلا يخلو وعده الجنة عن الإيمان المفرد في تلك الآية من أحد وجهين: إما أن يكون ذكر الإيمان مفردا، وأراد به الاكتفاء عن ذكر الجملة؛ فيكون في ذكر طرف منه ذكر لجملته. أو يكون في إيجاب الجنة له على مفرد الإيمان، فالحال فيه موقوفة. ولأن اللَّه - تعالى - أوجب الجنة، ولم ينف إيمانه عمن ينقص عن ذلك، فالحال فيه موقوفة على كليته، وإذا كان كذلك لم يقطع القول على إيجاب الجنة لمن أتى بالإيمان مفردا، أو على إيجاب النار؛ فيكون السبيل فيه على الرجاء؛ لأنه لو لم يذكر كان يقع فيه اليأس، وأصل كل عبادة في الدنيا إنما بنيت على الرجاء والخوف؛ فلذلك كان الأمر على ما وصفنا. أو نقول بأن اللَّه - تعالى - أوجب النار على من أتى بجميع السيئات، ولم يكن فيه دليل على أن من أتى بالكفر وحده لا يستوجب به نارا، فكذلك اللَّه - سبحانه وتعالى - وإن أوجب الجنة لمن جمع بين هذه الأعمال؛ فلا يدل على أن من أتى بالإيمان وحده، لا يستوجب به الجنة. وعلى أنه يجوز أن يكون استثناء كل من أتى بشيء من هذه الأعمال بالانفراد؛ فيكون فيه استثناء كل طائفة من ذلك على حدة، كأنه قال: إلا الذين آمنوا وإلا الذين عملوا الصالحات، وإلا الذين تواصوا بالحق. وإذا كان كذلك لا يكون حجة لهم، وإذا أريد به الجمع يكون حجة؛ فجاء التعارض والاحتمال؛ فوجب التوقف. ويحتمل أن يراد به الاعتقاد، أي: إن الإنسان لفي خسر، إلا من آمن، واعتقد هذه الأعمال الصالحة؛ كقوله - تعالى -: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ...) الآية، واللَّه أعلم. * * *

العصر 103:2

وقوله تعالى :﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ إن الدنيا وما فيها كأنها خلقت، وأنشئت متجرا(١) للخلق، والناس فيها تجار كما ذكر في غير آية(٢) من القرآن، قال الله تعالى :﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ ( التوبة : ١١١ ) وقال :﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ ( الصف : ١٠ ) أي ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ من تجارته ومبايعته. ١ في الأصل وم: متحركا. ٢ في الأصل وم: آي.

العصر 103:3

الآية٣ :( وقوله تعالى )(١) ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآية. لقائل أن يقول : كيف استثنى أهل الربح من أهل الخسران، ولم يستثن أهل الخسران من أهل الربح ؟ فنقول : إن الإنسان لفي ربح إلا الذين كفروا، واستثناء هذه الفرقة من تلك أولى في العقول من تلك. والجواب عن هذا أن هذه الآية إنما نزلت بقرب من مبعث رسول الله ﷺ، والقوم أجمعهم كانوا أهل كفر وخسار، فكذلك وقع الاستثناء على ما ذكر، إذ استثناء القليل من الكثير هو المستحسن عند أهل اللغة، وإن كان الكثير في حد الجواز، والقرآن في أعلى طبقات الكلام في الفصاحة. ثم قوله تعالى :﴿إن الإنسان﴾ اسم ( جنس )(٢) فكأنه أراد جميع الناس. ألا ترى أنه قال :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ ؟ ولا تستثنى الجماعة من الفرد، فكأنه يقول على هذا : إن الناس في أحوالهم واختياراتهم في خسر إلا من كانت تجارته في تلك الحالة ما ذكر. وقوله تعالى :﴿وعملوا الصالحات﴾ يحتمل أن يكون تأويله ﴿الصالحات﴾ التي كانت معروفة في الكفر والإسلام من حسن الأخلاق وغيره. ألا ترى أنه قال :﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ ؟ ( آل عمران : ١١٠ ) يقول : المعروف، هو المعروف الذي هو معروف في الطبع والعقل، والمنكر الذي ينكره العقل، وينفر عنه الطبع. وإن كان المراد منه الكفر فكأنه قال : إن الكافرين في هلاك وخسران إلا من آمن بالله تعالى ورسله، وعمل صالحا. ثم في هذه الآية ذكر الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وكذلك ذكر الصالحات في سورة التين ( الآية : ٦ )، وترك ذكر الصالحات في سورة البلد، فكأن الله تعالى ( ترك )(٣) ذكر الصالحات في تلك السورة لما قد كان ذكرها بعد(٤) ذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة﴾ ؟ ( البلد : ١٤ ) وغير ذلك. وقوله تعالى :﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ الحق في الأصل كل ما يحمد عليه فاعله، والصبر، هو الكف عن كل ما يذم عليه فاعله. فكان التواصي بالحق تواصيا بكل ما يحمد عليه، والتواصي بالصبر تواصيا عن كل ما يذم عليه. ( ثم )(٥) ظاهر قوله تعالى :﴿والعصر﴾ ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ﴿إلا الذين آمنوا﴾ الآية ما يوجب أن من لم يجمع بين هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية ﴿لفي خسر﴾، فيكون ظاهره حجة للخوارج والمعتزلة، إلا أن الانفصال عن هذا- والله أعلم- أن الله تعالى وعد الجنة لمن جمع هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية، وذكر الإيمان مفردا في آية أخرى، ووعد عليه الجنة، فلا يخلو وعده الجنة عن الإيمان المفرد في تلك الآية من أحد وجهين : إما أن يكون ذكر الإيمان مفردا، وأراد به الاكتفاء عن ذكر الجملة، فيكون في ذكر طرف منه ذكر لجملته. ( وإما أن )(٦) يكون في إيجاب الجنة له على مفرد الإيمان، فالحال فيه موقوفة. ولأن الله تعالى أوجب الجنة، ولم ينف إيمانه عمن ينتقص عن ذلك، فالحال فيه موقوفة على دليله. وإذا كان كذلك لم يقطع القول على إيجاب الجنة لمن أتى بالإيمان مفردا على إيجاب النار، فيكون السبيل فيه على الرجاء ؛ لأنه لو لم يذكره(٧) كان يقع به اليأس. وأصل كل عبادة في الدنيا إنما بنيت على الرجاء والخوف، فكذلك كان الأمر على ما وصفنا، أو نقول بأن الله تعالى أوجب النار على من أتى بجميع السيئات، ولم يكن فيه دليل على من أتى بالكفر وحده، لا يستوجب به نارا. فكذلك الله سبحانه وتعالى وإن أوجب الجنة لمن جمع بين هذه الأعمال فلا يدل على من أتى بالإيمان وحده، لا يستوجب الجنة. وعلى أنه يجوز أن يكون استثناء كل من أتى بشيء من هذه الأعمال بالانفراد، فيكون فيه استثناء كل طائفة من ذلك على حدة، كأنه قال :﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وإلا الذين ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾. وإذا كان كذلك لا يكون حجة لهم، وإذا أريد به الجمع يكون حجة، فجاء التعارض والاحتمال، فوجب التوقف. ويحتمل أن يراد به الاعتقاد، أي ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ ﴿إلا الذين آمنوا﴾ من آمن، واعتقد هذه الأعمال الصالحة كقوله تعالى :﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ الآية :( التوبة : ٥ ) والله أعلم ( والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين )(٨). ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ من م، ساقطة من الأصل. ٣ ساقطة من الأصل وم. ٤ في الأصل وم: قبل. ٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم. ٦ في الأصل وم: أو. ٧ في الأصل وم: يذكر. ٨ ساقطة من م.

الهمزة 104:1

سُورَةُ الْهُمَزَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)، اختلفوا في معنى الهمزة واللمزة: فقَالَ بَعْضُهُمْ: معناهما واحد، وهو الدفع والطعن. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الهمزة: هو الذي يؤذي جليسه بلسانه، واللمزة: الذي يؤذي بعينيه وغير ذلك. وقَالَ بَعْضُهُمْ: الهمزة: الذي يطعنه عند حضرته، واللمزة: الذي يطعنه عند غيبته، وهذا إنما يسمى به من يعتاد ذلك الفعل. وأهل اللغة وضعوا هذا المثال، وهو " فُعَل " لمن يعتاد ذلك الفعل ويحترفه. قال أهل التأويل: إن الآية في الكفار؛ لكن بعضهم قالوا: نزلت في الأخنس بن شريق. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. ولقائل أن يقول: إن الآية نزلت في الكفار، وكذلك كثير من الآي من نحو قوله - تعالى -: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، ونحوها، ومعلوم أنه وجد منهم هذا الفعل أو عدم، استوجبوا ما ذكر من العقوبات وأشد، مع أن الذي فيه من الكفر أقبح من هذين الفعلين، فكيف وقع تعييرهم بذلك؟!. والجواب عن هذا وأمثاله من نحو قوله - تعالى -: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، وقوله: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)، فهم وإن أقاموا الصلاة، وأعطوا الزكاة، لم تزل عنهم عقوبة النار. والجواب عنه: أن الإيمان لم يحسن لاسمه، ولا قبح الكفر لنفس اسم الكفر؛ لأنه ليس أحد ممن يذهب مذهبا ويدين دينا إلا وهو يكفر بشيء ويؤمن بشيء؛ لأن المسلم

الهمزة 104:2

مؤمن باللَّه - تعالى - كافر بالطاغوت، والكافر يكفر بالرحمن ويؤمن بالطاغوت ويعبده؛ فثبت أن الإيمان ليس يحسن لنفس اسم الإيمان، ولا قبح الكفر؛ لعين اسم الكفر ولكن الإيمان باللَّه - تعالى - إنما حسن من حيث أوجبت الحكمة الإيمان به، وقبح الكفر؛ لأن الحكمة أوجبت ترك الكفر باللَّه تعالى، فالإيمان حسن؛ لما فيه من المعنى، والكفر قبح، لما فيه من معنى الكفر، وهذان الفعلان قبيحان في أنفسهما، لا بغيرهما؛ فكان التعيير الذي يقع بهذين الفعلين أكثر وأبلغ منه في تعييرهم بالكفر؛ لذلك عيرهم اللَّه - تعالى - بهذين الفعلين. ووجه آخر: أن هذا يخرج مخرج الموعظة لأمة مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وذلك أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان يهمز به ويسخر منه؛ لما يأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ولا يحمله ما كانوا يتعاطونه على ترك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ لئلا يمتنع أحد من أمته عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما يخشى أن يسخر به أو يستهزأ. والثالث: أن يكون هذا على وجه المكافأة والانتقام لما كانوا يفعلون بنبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على الزجر والردع عن ذلك؛ إذ العقلاء يمتنعون عن الأفعال القبيحة؛ فعلى هذه الوجوه يحتمل معنى تعييرهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) قرئ على التخفيف (جَمَعَ) من الجمع؛ أي: جمع ماله عنده ولم يفرقه وعدده وذكره -أي: حفظ عدده، وذكره على الدوام- لئلا ينقصه، وصفه بالبخل والشح. ومن قرأه بالتشديد، فمعناه: أنه جمعه وادخره بممر الزمان، لم يجمع ذلك في أيام قصيرة. والأصل (جمعه) بالتخفيف، لكن شدده لما فيه من زيادة الجمع. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) يتوجه وجهين: أحدهما: أن يكون على الحقيقة أنه قدر عند نفسه أنه يبقى لبقاء الأموال له؛ لما يرى بقاءه من حيث الظاهر بها؛ فتقرر عنده أن ما آتاه اللَّه - تعالى - من الأموال هو رزقه؛ فيعيش إلى أن يستوفي جميع رزقه؛ فيجمعه، ويدخره؛ لكي يزيد في عمره. والوجه الثاني: أن يكون على الظن والحسبان، كأنه يقول: جمع مالا وعدده جمع من

الهمزة 104:3

الآية٣ : وقوله تعالى :﴿أيحسب أن ماله أخلده﴾ يتوجه بوجهين : أحدهما : أن يكون على الحقيقة أنه ( قدره عند )(١) نفسه أنه يبقى لبقاء الأموال له لما يرى بقاءه من حيث الظاهر بها، فتقرر عنده أن ما آتاه الله تعالى من الأموال، هو رزقه، فيعيش إلى أن يستوفي جميع رزقه، فيجمعه، ويدخره لكي يزيد في عمره. والوجه الثاني : أن يكون على الظن والحسبان، كأنه يقول :﴿جمع مالا وعدده﴾ جمع من يظن أن ماله يزيد في عمره. فإن كان على التأويل الأول فقوله :﴿كلا﴾ رد عليه، أي ليس كما قدره عند نفسه، وإن كان على التأويل الثاني فعلى إيجاب عقوبة مبتدأة. وقيل : عدده : أي أكثر عدده، وقال الحسن : عدده أي صنفه، فجعل ماله أصنافا، وجعل أنواعا من الإبل والغنم والبقر والدور والعقار والمنقول وغيرها، وقيل : عدده : أي استعده، وأعده، وهيأه. ١ في الأصل وم: قدر عنده.

الهمزة 104:4

يظن أن ماله يزيد في عمره. فإن كان على التأويل الأول فقوله: (كَلَّا (٤) رد عليه؛ أي: ليس كما قدره عند نفسه. وإن كان على التأويل الثاني، فعلى إيجاب عقوبة مبتدأة. وقيل: (وَعَدَّدَهُ) أي: أكثر عدده. وقال الحسن: عدده، أي: صنفه؛ فجعل ماله أصنافا، وأنواعا من الإبل، والغنم والبقر والدور، والعقار، والمنقول، وغيرها. وقيل: (وَعَدَّدَهُ)، أي: استعده، وأعده، وهيأه. وقوله: (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ): قيل: باب من أبواب النار. وقيل: هي صفة النار. والحطمة: هو الكسر؛ فكأنه قال: النار التي يعذب بها الكفرة، وتكسر عظامهم وتحطمهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧): قيل: إن النار تأتي على جلودهم وعروقهم ولحومهم وعظامهم حتى تأكلها، وتكسر العظام، فتطلع على أفئدتهم؛ فحينئذٍ يتبدلون جلودًا غيرها؛ ليذوقوا العذاب. وقيل: إنما تحرق النار منهم كل شيء سوى الفؤاد؛ لأن الفؤاد إذا احترق، لم يتألم بعد ذلك، ولم يشعر بالعذاب، والمراد من الإحراق إلحاق الألم والضرر بهم. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) قرئ: (عُمُدٍ): برفع العين والميم، وقرئ بالنصب فيهما. وذكر عن الفراء أنه قال: العَمَد والعُمُد: جماعات للعمود، والعماد. وقَالَ بَعْضُهُمْ: العَمَد: جمع العَمَدَة؛ نحو: بقرة، وبقر. وقال الكلبي: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ. فِي عَمَدٍ)، أي: النار عليهم مطبقة؛ يقول: طبقها ممددة في عمد من نار ممددة عليهم من فوقهم، والعمد كعمد أهل الدنيا، غير أنها من نار تمد عليهم، واللَّه أعلم، والحمد لله رب العالمين. * * *

الهمزة 104:6

الآيتان ٦و٧ : وقوله تعالى :﴿نار الله الموقدة﴾ ﴿التي تطلع على الأفئدة﴾ قيل : إن النار تأتي على جلودهم وعروقهم ولحومهم وعظامهم حتى تأكلها، وتكسر العظام، فتطلع على أفئدتهم، فحينئذ يتبدلون جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. وقيل : إنما تحرق النار منهم كل شيء سوى الفؤاد ؛ لأن الفؤاد إذا احترق لم يتألم بعد ذلك، ولم يشعر بالعذاب. والمراد من الإحراق إلحاق الألم والضرر بهم.

الهمزة 104:8

الآيتان٨و٩ : وقوله تعالى :﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ ﴿في عمد ممددة﴾ قرئ عمد(١) برفع العين والميم، وقرئ بالنصب فيهما. وذكر عن الفراء أنه قال : العمد والعمد جماعات العمود والعماد. وقال بعضهم : العمد جمع العمدة، نحو بقرة وبقر. وقال الكلبي :﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ ﴿في عمد ممددة﴾ أي النار عليهم مطبقة، يقول : أطبقتها(٢)ممددة في عمد من نار ممددة عليهم من فوقهم. والعمد كعمد أهل الدنيا، غير أنها من نار تمد عليهم، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين ( والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين )(٣). ١ انظر معجم القراءات القرآنية ج٨ / ٢٣٥. ٢ في الأصل وم: طبقها.. ٣ ساقطة من م.

الفيل 105:1

سُورَةُ الْفِيلِ، وهي مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)، اختلفوا في السبب الذي به وقع القصد من أصحاب الفيل إلى تهديم البيت وتخريبه. فمنهم من قال: إنهم اتخذوا بيتا في بلادهم، وسموه: كعبة؛ لكي ينتاب الناس إليه كما ينتابون إلى الكعبة، فأبي الناس إتيان ذلك البيت؛ فغاظهم ذلك حتى قصدوا تهديم البيت. ومنهم من قال: إن العرب حرقوا بيعة كانت لهم، وخربوها؛ فغاظهم ذلك حتى أرادوا تهديم هذا البيت؛ جزاء بما فعلت العرب بهم. ومنهم من قال: إنهم كانوا ملوكا وفراعنة، ومن عادتهم أنهم يعادون من ضادهم في ملكهم وسلطانهم. وأي ذلك كان، فلا حاجة إلى معرفته، وإنما حاجتنا إلى تعريف المعنى الذي به أنزلت السورة وثبتت. وتأويل ذلك يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن اللَّه - تعالى - ذكرهم تلك النعمة التي أنعمها عليهم في صرف من أراد إهلاكهم؛ فإنهم كانوا قصدوا قتل أهل مكة، وسبي نسائهم وذراريهم، وأخذ أموالهم؛ فذكرهم اللَّه - تعالى - جميل صنعه بهم؛ ليشكروا له، ويعبدوه حق عبادته، وينزجروا عن عبادة غيره. والوجه الثاني: أن اللَّه - تعالى - خوف أهل مكة. ووجه ذلك: أن اللَّه - تعالى - لما أهلك أصحاب الفيل بما ضيعوا حرمة بيته؛ فلا يأمن أهل مكة من إهلاكه إياهم وتعذيبهم بما ضيعوا حرمة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - مع أن

الفيل 105:2

حرمة الرسول أعظم من حرمة البيت، فلما نزل بأُولَئِكَ ما نزل لما جاء منهم من تضييع حرمة بيته؛ فلأن تخشى عذابه ونقمته من تضييع حرمة رسوله أولى. والوجه الثالث: أن اللَّه - تعالى - أهلك أُولَئِكَ لما أراهم من آياته فلم ينصرفوا؛ لأنه ذكر أنهم كانوا إذا وجهوا الفيل نحو البيت امتنع ووقع، وإذا وجهوه نحو أرضهم هرول وسارع، فلما رأوا ذلك، ولم ينصرفوا أهلكهم اللَّه - تعالى - فلا يؤمن على أهل مكة - أيضا - أنهم لما رأوا الآيات المعجزة من الرسول - عليه السلام - فلم يؤمنوا، أن يهلكهم اللَّه - تعالى - فينتقم منهم بعقوبته؛ فعلى ما ذكرنا يخرج معنى نزول السورة. وقيل: إنه على البشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعلى الإشارة أنه لم يكن للبيت ناصر في ذلك الوقت ولا معين؛ بل كان وحده، فنصره اللَّه - تعالى - حتى لم يتمكن أعداؤه من هدمه؛ فعلى ذلك ينصرك ويعينك، ويهلك عدوك، وإن كنت أنت وحدك؛ إذ كان وقت نزول هذه السورة لم يكن له كثير أعوان، وقد فعل ذلك يوم بدر. ثم قوله: (أَلَمْ تَرَ) حرف استعمل في تذاكر أعجوبة قد كانت، وعرفوها، ثم غفلوا عنها، أو فيما لم يكن؛ فيعجبهم بما فعل بأعدائه؛ ليحملهم على الزجر والانتهاء عما حرم اللَّه - تعالى - فكأنه قال: رأيت ربك كيف فعل بأصحاب الفيل؟!. ويجوز أن يكون الخطاب منه للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، والمراد غيره. ويجوز أن يكون هذا خطابا لكل واحد منهم. ثم تسميتهم: أصحاب الفيل، ونسبة الفيل إليهم يحتمل وجهين: أحدهما: أي: الذي صحبوا الفيل. والثاني: (بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)، أي: أرباب الفيل؛ كما يقال: رب الدار، وصاحب الدار. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) أي: أبطل ما قدروه عند أنفسهم من تخريب البيت وتهديمه؛ فالكيد: ما ذكرنا بدءا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) جماعات متفرقة، جماعة جماعة، وهكذا السنة في الخروج لمحاربة أعداء اللَّه - تعالى - أن يخرجوا جماعة جماعة. وقيل: هي طير لم ير قبلها ولا بعدها مثلها، لها رءوس كالسباع.

الفيل 105:3

الآية٣ : وقوله تعالى :﴿وأرسل عليهم طيرا أبابيل﴾ جماعات متفرقة جماعة جماعة، وهكذا السنة في الخروج لمحاربة أعداء الله تعالى أن يخرجوا جماعة جماعة. وقيل : هي طير، لم ير قبلها ولا بعدها مثلها، لها رؤوس كالسباع، وقيل : شبيهة برجال الهند.

الفيل 105:4

وقيل: شبيهة برجال الهند. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) اختلفوا في السجيل: قَالَ بَعْضُهُمْ: هو اسم موضع، خلقت حجارته؛ لتعذيب الفراعنة، وإهلاكهم. وقَالَ بَعْضُهُمْ: فارسية معربة، وهي " سنك وكل "، وهو الآجر في التقدير. وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذه عبارة عن شدة الحجارة وقوتها. وقوله: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) قالوا: العصف: هو ورق الزرع، أو ورق كل نابت. ْوقوله: (مَأْكُولٍ) ينحو نحوين، ويتوجه وجهين: إلى ما قد أكل وإلى ما لم يؤكل؛ إذ ما يؤكل إذا ما كان معدا للأكل، سمي: مأكولا، فإن كان غير المأكول، فكأنه قال: جعلهم في الضعف والرخاوة -مع قوتهم وسلطانهم- كعلف الدواب؛ حتى لا يخاف منهم بعد ذلك أبدا. وإن كان على المأكول فهو أنه تعالى جعلهم كالمأكول التي أكلتها الدواب؛ فيكون فيها ثقب، واللَّه أعلم بالصواب. * * *

الفيل 105:5

الآية٥ : وقوله تعالى :﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ قالوا : العصف هو ورق الزرع، أو ورق كل نابت. وقوله :﴿مأكول﴾ ينحو نحوين، ويتوجه وجهين : إلى ما قد أكل، وإلى ما لم يؤكل، إذ ما لم يؤكل إذا كان معدا للأكل سمي مأكولا. فإن كان غير المأكول فكأنه(١) قال : جعلهم في الضعف والرخاوة مع قوتهم وسلطانهم كعلف الدواب حتى لا يخاف منهم بعد ذلك أبدا. وإن كان على المأكول فهو أنه تعالى جعلهم كالمأكول ( الذي أكلته )(٢) الدود، فيكون ﴿فيه ثقوب﴾(٣)، والله أعلم بالصواب. ١ من م: في الأصل: فإنه. ٢ في الأصل وم: التي أكلتها. ٣ في الأصل وم: وفيها.

قريش 106:1

سُورَةُ (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ)، هذا يخرج على وجوه: أحدها: ما قال الفراء: إن اللام لام الاعتدال؛ لأن السورة صلة لسورة (أَلَمْ تَرَ)، قال: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)، (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ)؛ كأنه يقول: أهلكت أصحاب الفيل، وفعلت بهم ما فعلت لتألف قريش بذلك المكان كما ألفوا به الرحلتين اللتين جعلتا لهم في الشتاء والصيف. والثاني: يحتمل أن يقول: ألزمت الخلق عبادة رب هذا البيت حتى ألفوا ذلك البيت، وحملوا ما تحتاج إليه قريش، وأهل ذلك المكان من الطعام، وما يتعيشون به؛ لتألف قريش بعبادة رب ذلك البيت ما لولا ذلك لم يتهيأ لهم المقام بذلك المكان؛ لأنه لا زرع فيه، ولا نبات، ولا ما يتعيش به، وهو كما قال إبراهيم - عليه السلام -: (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، وإنما تعيشهم في ذلك المكان بما يحمل إليهم من الآفاق والأمكنة النائية؛ كقوله: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا...) الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: أمرت قريش بأن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإيلافهم رحلة الشتاء والصيف؛ يقول: كما ألفتم هاتين الرحلتين، فألفوا عبادة رب هذا البيت. وقَالَ بَعْضُهُمْ: إن أهل مكة كانوا يرتحلون تجارا آمنين في البلدان، لا يخافون شيئا؛ لحرمتهم؛ لأن الناس يحترمونهم لمكان الحرم، حتى لا يتعرض لهم بشيء، ولا يؤذيهم أحد حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في حيّ من الأحياء؛ يقال: هذا حرمى؛ فيخلى عنه، وعن ماله؛ تعظيما لذلك المكان، وهو ما قال: (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ).

قريش 106:3

وقيل: إن العرب كانت تغير بعضهم على بعض، ويسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة كانوا آمنين في حرم اللَّه - تعالى - كقوله - تعالى -: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)، فذكر عظيم نعمه عليهم ومننه؛ ليعلموا ذلك أنه منه. وأصله أن اللَّه - تعالى - لما كان من حكمته وإرادته جعل الرسالة في قريش وإبقاؤها إلى الوقت الذي أراد أن يبقى، جعل لهم من الأمن في ذلك المكان والأرزاق التي تجبى إليهم، وما يتعيشون به في ذلك؛ ليبقوا إلى الوقت الذي أراد بقاءهم إليه؛ فيكون ما أراد على ما أراد، فكما أنشأ هذا العالم للبقاء إلى الوقت الذي أراد أن يبقوا فيه جعل لهم من الأرزاق ما يبقون إلى الوقت الذي أراد؛ ليكون ما أراد؛ فعلى ذلك الأول. قَالَ الْقُتَبِيُّ: الإيلاف: مصدر آلفت فلانا إيلافا؛ كما تقول: ألزمته إلزاما. وقال الكسائي: آلفت المكان، وألفته؛ لغتان. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ)، أي: كصنع قريش (إِيلَافِهِمْ)، أي: صنيعهم، (رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ (٤) السنين الذي أصابهم، (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) العدو، واللَّه أعلم. * * *

قريش 106:4

الآية٤ : وقوله تعالى :﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾(١) أصله أن الله تعالى لما كان من حكمته وإرادته جعل الرسالة في قريش، وإبقاؤها إلى الوقت الذي أراد أن تبقى، جعل لهم من الأمر في ذلك المكان والأرزاق التي تجبى إليهم وما يتعيشون ( به )(٢) في ذلك الوقت ليبقوا إلى ذلك الوقت الذي أراد إبقاؤهم إليه، فيكون ما أراد على ما أراد. فكما أنشأ هذا العالم للبقاء إلى الوقت الذي أراد أن يبقوا فيه(٣)، جعل لهم من الأرزاق ما يبقون إلى الوقت الذي أراد ليكون ما أراد. / ٦٥٤ أ/ فعلى ذلك الأول. قال القتبي : الإيلاف مصدر ألفت فلانا كذا إيلافا، كما تقول : ألزمته إلزاما. وقال الكسائي : ألفت المكان آلفته لغتان. وعن ابن عباس رضي الله عنه :﴿لإيلاف قريش﴾ أي لصنيع قريش ﴿إلافهم﴾ صنيعهم ﴿رحلة الشتاء والصيف﴾ ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ ﴿الذي أطعمهم من جوع﴾ السنين الذي أصابهم ﴿وآمنهم من خوف﴾ العدو، والله أعلم، ( والحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين )(٤). ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: فيها. ٤ ساقطة من م..

الماعون 107:1

سُورَةُ الْمَاعُون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ)، اختلف في نزوله: قال ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - هي مدنية. وقال مقاتل ومجاهد وجماعة: هي مكية. وجائز أن يكون أولها نزل بمكة؛ لأن الذي ذكر أنها نزلت في شأنه كان مكيا، وهو العاص بن وائل السهمي مع ما أنهم هم الذين يكذبون بيوم الدِّين، وآخرها نزل بالمدينة؛ لأن في أواخرها وصف المنافقين، وهو ما ذكر من المراءاة في الصلاة، ومنع ما ذكر. ثم إن كان نزولها في الكفرة، فالجهة فيه والمعنى غير الجهة والسبب لو كانت نزلت في المنافقين. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَرَأَيْتَ) حرف يستعمل في موضع السؤال والاستفهام. ويجوز أن يكون استعماله على وجه التقرير عند السائل؛ لما يراد به إعلامه؛ على سبيل ما روي في الخبر: " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما قبل منك؟ "، وكان ذلك في موضع التقرير؛ فكذلك قوله: (أَرَأَيْتَ)، معناه - واللَّه أعلم -: أن اعلم أن الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين هو الذي يكذب بالدِّين. قال أهل التأويل جميعا: (يُكَذِّبُ بِالدِّينِ)، أي: بالحساب، والبعث. وجائز أن يكون يكذب بالدِّين الذي يظهر، أي: يكذب بالدِّين الذي أظهر لك. ولا نحقق أن كان في المنافقين؛ لأن أهل النفاق كانوا يكذبون ما يظهرون من الموافقة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمؤمنين. وإن كان في أهل الكفر، فهو على الرؤساء منهم؛ فتكذيبهم بالدِّين هو ما كانوا يظهرون لأتباعهم من الجهد والشدة، يموهون بذلك على أتباعهم؛ ليقع عندهم أن الذي هم عليه

الماعون 107:2

حق، وأن الذي عليه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - باطل؛ فيكذبون بالدِّين الذي يرون من أنفسهم، ويظهرون بالتمويهات التي يموهون بها عليهم. فكيفما كان إن كانت نزلت في المنافقين، أو في أهل الكفر، أو في الذي كذب بالحساب والبعث، أو بالذي ذكرنا أنه يظهر خلاف ما يضمر - ففيها عظة وتنبيه للمؤمنين وزجر لهم عن مثل صنيعهم؛ لأنه نعت الذي كذب بالدِّين إن كان المراد به الحساب، أو الدِّين نفسه؛ حيث قال: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) كأنه قال: الذي يكذب بالدِّين هو الذي يدع اليتيم؛ أي: يظلم اليتيم، ويمنع حقه. (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) يقول - واللَّه أعلم - للمؤمنين: لا تظلموا اليتيم، ولا تمنعوا حقه، ولا تسيئوا صحبة اليتيم، كما فعل من كذب بالدِّين وحضوا على طعام المسكين؛ يصف بخلهم واستهانتهم باليتيم والمساكين، وسوء معاملتهم التي عاملوهم، يعظ المؤمنين ويزجرهم عن ذلك. وجائز أن يكون قوله: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)؛ لما عندهم أن من أعطي المال، ووسع عليه الدنيا إنما أعطي ذلك لكرامة له عند اللَّه - تعالى - ومن ضيق عليه، ومع ذلك عنه؛ لهوان له عنده وحقارة؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ). وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ...) الآية، يظنون أن اللَّه - تعالى - منع من منع ذلك؛ لهوان له عنده، ومن وسع عليه، وسع لكرامة له عنده؛ فيقول: كيف أكرم من أهانه اللَّه تعالى؛ فيحتمل أن يكون ما ذكر أنه لا يحض على طعام المسكين. ويحتمل أن يكون الذي حمله على ظلمه اليتيم، وتركه إطعامه تكذيبه بالبعث؛ لأنه ليس لليتيم من ينصره، ويقوم بدفع من يقصد ظلمه، ويمنع حقه، وكان لا يخاف عقوبة البعث؛ إذ لا يؤمن به. ثم يحتمل قوله: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا

الماعون 107:4

يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ...) الآية؛ أن يكون في الاعتقاد والرؤية. ويحتمل أن يكون في حق الفعل نفسه؛ فإن كان في الاعتقاد والرؤية، فأهل الإسلام لا يعتقدون ذلك، وإن كان في حق الفعل فإنهم ربما يفعلون ذلك. وحمله عندنا على الاعتقاد أوجب وأقرب؛ لما وصفنا أن اليتيم لا ناصر له، وليس للكافر خوف العاقبة؛ لما لا يؤمن بذلك، وإنما يمتنع المرء في الغالب من سوء الصحبة؛ لهذين: إما رغبة في جزاء الآخرة، أو خوف المكافأة في الدنيا، والمساكين ليس لهم في الدنيا ما يكافئهم ويجازيهم، وليس لليتيم ناصر؛ ليخاف منه، ولم يكن للكافر رغبة في ثواب الآخرة، ولا خوف من العقاب؛ لعدم تصديقه بذلك. ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) هو النهاية في وصفه بالبخل؛ لأن الحث على الصدقة أن يرجيه ويطمعه في ثوابه، فإذا لم يرج هو نفسه، فكيف يرجي غيره؟ مع ما أن الحكمة عند هَؤُلَاءِ الكفرة أن من جر إلى نفسه نفعا فهو الحكيم، ومن ضر نفسه فهو جائر غير حكيم، وهو إذا منع الصدقة نفع نفسه، وإذا أوفى اليتيم حقه ضرها؛ فلذلك لا يرغب فيها؛ فهذا المعنى الذي وصفناه، دعانا إلى توجيه التأويل إلى الاعتقاد. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) إن كان هذا في أهل النفاق، فأهل النفاق كذلك كانوا لا يفعلون شيئا من الطاعات إلا وكانوا عنها لاهين ساهين، وإذا فعلوا شيئا منها، فعلوا مراءاة؛ كقوله - تعالى -: (يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا)، وقوله: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)، فذكر كسلهم وبخلهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ...) إلى آخر ما ذكر في المنافقين على ما ذكرنا من نعتهم. وجائز أن يكون في أهل الكفر، وأهل الكفر كانوا يصلون، كقوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً...)، أخبر أن صلاتهم في الحقيقة ليست بصلاة؛ فجائز أن تكون على صورة الصلاة الحقيقية، وقد ذكر أنهم كانوا يصلون مستقبلين نحو أصنامهم، يرون الناس كثرة اجتهادهم في طاعة الأصنام، حتى إذا رآهم من نأى عنهم ظن أن ذلك حق، فيكون في ذلك صد عن إجابة الرسول،

الماعون 107:5

ودفع وجوه القوم عنه، وذلك قوله: (إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً). ويحتمل أن يكون كناية عن الخضوع والتذلل؛ فيكون معناه: ويل للذين لا يخضعون ولا يخشعون. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سهوا عن صلاتهم لأنفسهم، وصلاتهم التي هي لأنفسهم هي أن تكون الصلاة لله - تعالى - ويجعلوها له، ولا يصلوا لغير اللَّه من الأصنام وغيرها؛ لأن من صلى لله - تعالى - يرجع منفعتها في الحقيقة إليه؛ لما تعلق بها من الجزاء الجميل، فهم بالسهو عن تلك الصلاة وتركها يلحقون الضرر بأنفسهم ويجعلونها للأصنام التي لا تضر ولا تنفع. والثاني: سهوهم عن الصلاة حين أضاعوها، وهو ما ذكر في حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ...)؛ فيقول: سهيتم عن الصلاة فلم تمنعهم عما ذكر. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - مرفوعا: " هم الذين يؤخرونها عن وقتها ". وقال مجاهد: الساهي: الذي لا يبالي صلى أم لا؟ ألا ترى أنه قال: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ). وقال الحسن: هم المنافقون، يؤخرونها عن وقتها، ويراءون إذا صلوا. وقال سعد: الترك عن الوقت. وقال أبو العالية: الساهي: هو الذي لا يدري على شفع انصرف أو على وتر؟ وروي عن عطاء بن يسار، أنه قال: الحمد لله حيث لم يقل: " في صلاتهم ساهون "، ولكنه قال: (عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ).

الماعون 107:7

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو الزكاة، رواه ابن الزبير، وعكرمة، ومجاهد عنه. وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو الزكاة. وعن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رواية أخرى هو العارية. وعن ابن عمر قال: هو الذي لا يعطي حقه، وهو الزكاة. وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رواية: (الْمَاعُونَ): منع القدر، والدلو، والفأس. وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مثله، وكذا عن ابن عَبَّاسٍ في رواية أخرى. وقال أبو عبيدة: كل ما فيه نفعه فهو الماعون. وعن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: ما جاء أهلها بعد. فإن كان ذلك على العواري، فالمعنى منها ذم البخل، وأشده منع الفرض. وجائز أن يكون الماعون كل معروف وكل ما يعار، يدخل في ذلك الزكاة وغيرها؛ ففيه ذكر بخلهم وشحهم ومنع الحق من المستحق. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (يَدُعُّ الْيَتِيمَ)، أي: يضرب، ويدفع في قفاه؛ يقال: دع يدع دعا، فهو داع، ومدعوع. وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (يَدُعُّ الْيَتِيمَ)، أي: يدفعه، وكذلك في قوله: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)، أي: يدفعون. وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَلَا يَحُضُّ): لا يحرض، ولا يحث، (سَاهُونَ) غافلون. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لاهون)، و (أرأيتك) بالكاف، وكذلك في حرف أبي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، واللَّه أعلم بحقيقة ما أراد. * * *

الكوثر 108:1

سُورَةُ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) هذا خرج مخرج الامتنان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والإنعام عليه والإفضال؛ ليستأدي بذلك شكره والخضوع له. ثم اختلفوا في (الْكَوْثَرَ): فقيل: هو الخير الكثير، والخير الكثير: ما أعطي من النبوة والرسالة وما لا ينجو أحد من سخط اللَّه - تعالى - إلا به، وهو الإيمان به والتصديق له، وما صيره معروفا مذكورا في الملائكة، وما قرن ذكره بذكره، ورفع قدره ومنزلته في جميع الخلائق، وغير ذلك مما لا يحصى، وهو ما قال: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ). وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْكَوْثَرَ): نهر في الجنة، وعلى ذلك جاءت الأخبار عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن (الْكَوْثَرَ) فقال: " نهر في الجنة "، أو قال ذلك من غير سؤال. فإن ثبتت الأخبار فهو ذاك كفينا عن ذكره، وإن لم تثبت الأخبار فالوجه الأول أقرب عندنا؛ لأنه ليس في إعطائه النهر تخصيص في التشريف والعطية؛ لأن اللَّه - تعالى - وعد لأمته ما هو أكثر من هذا؛ لما روي في الأخبار عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " إن لأهل الجنة في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "، ونحن نعلم أن هذا في الإنعام أكثر من النهر الذي وصف. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (الْكَوْثَرَ): شيء أعطاه اللَّه - تعالى - رسوله لا يعرف. وأصله: أنه شيء خاطب به رسوله، وهو قد عرفه؛ فلا يجب أن يتكلف معرفته وتفسيره؛ لأنه إن أخطأ لحقه الضرر، وإن أصابه لم ينفع كثير نفع. وقيل: (الْكَوْثَرَ): هو حرف أخذ من الكتب المتقدمة. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) اختلف فيه: قَالَ بَعْضُهُمْ: حقيقة الصلاة هي الخضوع والخشوع والدعاء، أمره بجميع ما يعبده في نفسه، وأمره أن يأتي بما تعبده من القرابين، والذبائح، والضحايا التي فيها نفار الطباع؛ حتى أن من الكفرة من يحرم الذبائح والنحر؛ للآلام التي فيها، والطباع تنفر عن ذلك؛ فتعبده بالذي فيه مناقصة طبعه ونفاره عنه. وجائز أن يكون لا على الأمر بالصلاة والنحر، ولكن معناه: إذا فعلت ذلك فافعل لله؛ لأن أُولَئِكَ الكفرة كانوا يصلون للأصنام، ويذبحون لها؛ كقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ)، أي: للنصب، فأمره أن يجعل ذلك لله تعالى. وقال أن من: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) هو صلاة العيد، وانحر البدن بعدها. وقال مجاهد وعطاء: صل الصبح بجمع، وانحر بمنى. وقال بعضهم: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) حقيقة الصلاة، وهي الصلاة المعروفة المفروضة، وهي مخ العبادة؛ على ما ذكر في الخبر. وكذلك ما ذكر أن المصلي مناجٍ الرب تعالى، وهو - واللَّه أعلم - لأنه ما من عبادة إلا وفيها شيء من اللذة وقضاء شهوة النفس وأمانيها من السير، والركوب، والأكل، والشرب، والكلام، والانتقال من موضع إلى موضع، وغير ذلك من الطاعات مما فيه شيء من اللذة للنفس وقضاء شهوتها -وإن قل- من الحج والزكاة والجهاد وغير ذلك، إلا الصلاة نفسها؛ فإن فيها قطع النفس عن جميع شهواتها وأمانيها، وعن جميع ما يتلذذ به من أنواع اللذات، وعلى ذلك ما سمي موسى - عليه السلام -: كليم اللَّه، ونجيه؛ لأنه فارق قومه وجميع ما للنفس فيه لذة وراحة، وأتى جبلا ليس فيه أحد، وكلمه ربه في ذلك؛ فسمي: نجي اللَّه، وعلى ذلك سمي المصلي: مناجيا ربه، وخص بذلك الاسم؛ لما ذكرنا. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَانْحَرْ): هو ما ذكرنا من نحر البدن الذي تعبده للكل؛ لما فيه من نفار النفس بالتألم الذي يحصل لغيره بفعل غيره؛ فالتألم به بفعل نفسه أكثر من التألم بفعل غيره، وهو مجاهدة النفس وتغير ما امتحنه - عليه السلام - بتحمل المشقة لوجهه تعالى مرة بالتبليغ إلى الكفرة مع الخطر على نفسه، ومرة بمجاهدة نفسه بالقيام بالليل، ومرة بإتيان خلاف الطبع، وهو ذبح البدن؛ إذ الطبائع تنفر عن إراقة الدماء مع أنه أشفق

الكوثر 108:2

الآية٢ : وقوله تعالى :﴿فصل لربك وانحر﴾ اختلف فيه : قال بعضهم : حقيقة الصلاة، هي الخضوع والخشوع والدعاء، أمره بجميع ما يعبده في نفسه، وأمره أن يأتي بما تعبده من القرابين والذبائح والضحايا التي فيها نفار الطباع، حتى إن من الكفرة من يحرم الذبائح والنحر للآلام التي فيها، والطباع تنفر عن ذلك، فتعبده بالذي فيه مناقضة طبعه ونفاره عنه. وجائز أن يكون لا على الأمر(١)بالصلاة والنحر، ولكن معناه : إذا فعلت ذلك فافعل لله ؛ لأن أولئك الكفرة كانوا يصلون للأصنام، ويذبحون لها كقوله تعالى :﴿وما ذبح على النصب﴾ ( المائدة : ٣ ) أي للنصب، فأمره أن يجعل ذلك لله تعالى. وقال الحسن : صل لربك صلاة العيد، وانحر البدن بعدها، وقال مجاهد وعطاء : صل الصبح بجمع، وانحر بمنى. وقال بعضهم : صل لربك حقيقة الصلاة، وهي الصلاة المعروفة المفروضة ( وهي مخ العبادة ) ( بنحوه : الترمذي( ٣٣٧١ ) على ما ذكر في الخبر، وكذلك ما ذكر : " إن المصلي مناج الرب تعالى " ( أحمد ٢/ ٦٧ ). وهو، والله أعلم ؛ لأنه ما من عبادة إلا وفيها شيء من اللذة وقضاء الشهوة للنفس وأمانيها، من السير والركوب والأكل والشرب والكلام والانتقال من موضع ( إلى موضع )(٢)، وغير ذلك من الطاعات مما فيه شيء من اللذة للنفس وقضاء شهوتها، وإن قل من الحج / ٦٥٥ أ/ والزكاة والجهاد وغير ذلك، إلا الصلاة نفسها، فإن فيها قطع النفس عن جميع شهواتها وأمانيها، وعن جميع ما يتلذذ به من أنواع اللذات. وعلى ذلك ما سمى موسى عليه السلام كليم الله ونجيه ؛ لأنه فارق قومه وجميع ما للنفس فيه لذة وراحة، وأتى جبلا، ليس فيه أحد، وكلمه ربه في ذلك، فسمي نجي الله. وعلى ذلك سمي المصلي مناجيا ربه، وخص بذلك الاسم لما ذكرنا. وقوله تعالى :﴿وانحر﴾ هو ما ذكرنا من نحر البدن الذي يعبده للكل لما فيه من نفار النفس بالتألم الذي يحصل لغيره بفعل غيره. فالتألم به يفعل بنفسه أكثر من التألم بفعل غيره، وهو مجاهدة النفس، ويغير ما امتحنه عليه السلام بتحمل المشقة لوجهه تعالى مرة بالتبليغ إلى الكفرة مع الخطر على نفسه، ومرة بمجاهدة نفسه بالقيام بالليل، ومرة بإتيان خلاف الطبع، وهو ذبح البدن، إذ الطبائع تنفر عن إراقة الدماء، مع أنه من أشفق الناس وأرحمهم على خلقه. فبلغ من حسن إجابته له وطاعته له أن ساق مائة بدنة، فنحر ستين منها بيده، وولى عليا رضي الله عنه نحر أربعين على ما ذكر في الخبر :( أحمد ١/ ٣١٤ و ٣١٥ ). وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )(٣) قال :﴿فصل لربك وانحر﴾ وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وكذا روي عن علي رضي الله عنه، وعن عاصم الجحدري ( أنه )(٤) قال : هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة. ومن قول الثنوية : إنهم لا يرون ذبح شيء من الأشياء لما فيه من الألم والأذى. وقولهم هذا، ليس بصحيح ؛ لأنا نعلم أن إماتة الروح بالذبح أهون على المذبوح من موته حتف أنفه، فإذا جاز في الحكمة أن يزهق روحه بغير الذبح ( فلأن يجوز بالذبح )(٥)أحق. وأصله ما ذكرنا أن هذه السورة نزلت في مخاطبة رسول الله ﷺ، وهو المقصود به من بين الناس، وهو أعلم(٦) بالذي خاطبه به من الصلاة والنحر والكوثر وغير ذلك، نتكلف نحن تفسيره مخافة الكذب على الله، سوى أن نذكر أقاويل أهل التأويل. ١ أدرج قبلها في الأصل وم: رأي. ٢ من م، ساقطة من الأصل. ٣ ساقطة من الأصل وم. ٤ ساقطة من الأصل وم. ٥ من م، ساقطة من الأصل.. ٦ في الأصل وم: يعلم.

الكوثر 108:3

الناس وأرحمهم على خلقه، فبلغ من حسن إجابته له، وطاعته له أن ساق مائة بدنة، فنحر ستين منها بيده، وولى عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نحر أربعين؛ على ما ذكر في الخبر. [وروى أبو الجوزاء] عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ): وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وكذا روي عن عليٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وعن عاصم الجحدري، قال: هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة. ومن قول الثنوية: أنهم لا يرون ذبح شيء من الأشياء؛ لما فيه من الألم والأذى. وقولهم هذا ليس بصحيح؛ لأنا نعلم أن إفاتة الروح بالذبح أهون على المذبوح من موته حتف أنفه؛ فإذا جاز في الحكمة أن تزهق روحه بغير الذبح فلأن يجوز في الذبح أحق. وأصله: ما ذكرنا أن هذه السورة نزلت في مخاطبة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وهو المقصود به من بين الناس، وهو يعلم بالذي خاطبه به من الصلاة؛ والنحر، والكوثر، وغير ذلك؛ فلا نتكلف نحن تفسيره مخافة الكذب على اللَّه - تعالى - سوى أن نذكر أقاويل أهل التأويل. وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) يذكر أهل التأويل: أن فلانا سمى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أبتر؛ فنزل: إن الذي سماك أبتر هو الأبتر - لا نعرفه حقيقة؛ لأنه لم يذكر أن أحدا من أولاد الفراعنة وأعداء الرسل - عليهم السلام - افتخر بأبيه أو بأحد من أوليائه والمنتمين بهم افتخروا بهم، وافتخر أولاد أولياء رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على الناس حتى يتعينوا بذلك فيما بينهم؛ يقول: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) أي: معاديك ومبغضك هو الأبتر دونك. أو يقول: أعداؤك هم الذين يبتر ذكرهم، وأولياؤك مذكورون أبدا على ما قلنا. وأصله ما ذكرنا أنه خاطب به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وقد عرف ذلك، ونحن لا نعلم في أي شيء كانت القصة؟ وفيم نزلت الآية؟ واللَّه ورسوله أعلم. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الشانئ: المبغض، يقال: شنئته: أبغضته، والأبتر: هو الذي لا ولد له ذكر، ولا عقب له. وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) هو بشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالغلبة عليهم، والقهر لهم، والنصرة عليهم، وإظهار دين اللَّه - تعالى - في البلاد والآفاق؛ إذ أخبر أن الذي عاداه وباغضه هو المنقطع والأبتر لا هو، واللَّه المستعان. * * *

الكافرون 109:1

سُورَةُ الْكَافِرُونَ مَكِّيَّة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ. وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ. وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦). قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ...) إلى آخرها. ذكر أنها نزلت في منابذة المتمردين المعاندين منهم، الذين علم اللَّه - تعالى - منهم أنهم لا يؤمنون أبدا، ولا يرجعون عما هم عليه من عبادة الأوثان إلى التوحيد والإسلام؛ لأنه لا كل كافر يكون على وصف أنه لا يعبد اللَّه - تعالى - في وقت من الأوقات؛ إذ قد يجوز أن يكون كافرًا في وقت، ثم يسلم في وقت آخر؛ فدل ما ذكرنا أنها نزلت في المتمردين المعاندين الذين علم اللَّه - تعالى - أنهم يثبتون على الكفر، ولا يؤمنون أبدا، وكان كما أخبر؛ ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ إذ أخبر أنهم لا يؤمنون، فلم يؤمنوا، وماتوا على الكفر. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) أنتم الآن، (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ؍ (٣) اليوم (مَا أَعْبُدُ) فيما بعد اليوم.؍ وقَالَ بَعْضُهُمْ: الأول: فيما مضى من الوقت، والثاني إخبار عن الحال، والآخر فيما بقي من الوقت. ولكن لا يجيء أن يكون هكذا؛ بل يجيء أن يكون قوله: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) في حادث الوقت؛ لأن حرف " ما " إنما يستعمل في حادث الأوقات، يقول الرجل: لا أفعل كذا، يريد به: حادث الوقت. وقوله: (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) وكذلك - أيضا - في حادث الأوقات، أو إخبار عن الحال. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) إنما هو إخبار عن الماضي من الأوقات؛ كأنه يقول: لم أكن أنا عابدا قط في وقت من الأوقات، وهذا يدل على أن رسول اللَّه - ﷺ - لم يكن عبد غير اللَّه قط. وفي هذه السورة وجهان من الدلالة: أحدهما: ما ذكرنا من إثبات الرسالة.

الكافرون 109:2

الآيات ٢ ٥ : وقوله تعالى :﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ أنتم الآن ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ في ما بعد اليوم ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾(١). وقال بعضهم : الأول في ما مضى من الوقت، والثاني : إخبار عن الحال، والآخر في ما بقي من الوقت، ولكن لا يجيء أن يكون هكذا، بل يجيء به أن يكون قوله :﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ في حادث الوقت، لأن حرف :﴿لا﴾ إنما يستعمل في حادث الأوقات، يقول الرجل : لا أفعل كذا، يريد به حادث الوقت، وقوله :﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ كذلك أيضا في حادث الأوقات، أو إخبار عن الحال. وقوله تعالى :﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ إنما هو إخبار عن الماضي من الأوقات، كأنه يقول : لم أكن أنا عابدا ﴿ما عبدتم﴾(٢) قط في وقت من الأوقات. وهذا يدل على أن رسول الله ﷺ لم يكن عبد غير الله قط. وفي هذه السورة وجهان من الدلالة : أحدهما : ما ذكرنا من إثبات الرسالة. والثاني : إخبار عن الإياس لهم من رسول الله ﷺ من أن يرجع إلى دينهم أبدا، وقطع رجائهم وطمعهم في ذلك. وفيه أيضا أن من أشرك ( غير الله في عبادته )(٣) سبحانه وتعالى وعبد غيره دونه على رجاء القربة إلى الله تعالى، فهو ليس بعابد الله تعالى ولا موحد له ؛ لأن أولئك إنما عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم، ورجاء أن تقربهم إلى الله زلفى. أخبر أنها لا تقربهم زلفى، وأنهم ليسوا بموحدين ولا عابدين لله تعالى. ١ ساقطة من الأصل وم. ٢ ساقطة من الأصل وم. ٣ في الأصل وم: غيره في عبادة الله.

الكافرون 109:6

والثاني: إخبار عن الإياس لهم من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن أن يرجع إلى دينهم أبدا، وقطع رجائهم وطمعهم في ذلك. وفيه - أيضا - أن من أشرك غيره في عبادة اللَّه - سبحانه وتعالى - أو عبد غيره دونه على رجاء القربة إلى اللَّه - تعالى - فهو ليس بعابد لله - تعالى - ولا موحد له؛ لأن أُولَئِكَ إنما عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم، ورجاء أن تقربهم إلى اللَّه - تعالى - زلفى؛ أخبر أنها لا تقربهم زلفى، وأنهم ليسوا بموحدين، ولا عابدين لله تعالى. وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) يحتمل وجهين: أحدهما: لكم جزاء دينكم الذي دنتم، ولي جزاء ديني الذي دنت. والثاني: على المنابذة والإياس، لكم ما اخترتم من الدِّين، ولي ما اخترت، لا يعود واحد منا إلى دين الآخر، وكان قبل ذلك يطمع كل فريق عود الفريق الآخر إلى دينهم الذي هم عليه. وقوله - تعالى -: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ليس على الأمر، على ما نذكر في سورة الإخلاص والمعوذتين؛ إذ لو كان على الأمر فهو يلزم أن يقول كل واحد منا لكل كافر ذلك، فإذا لم يلزم دل أنه ليس على الأمر. وفي حرف ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين). وعنه أنه قال: " من قرأ هذه السورة فقد أكثر وأطنب ". وفي حديث مرفوع عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لرجل: " إذا أويت إلى فراشك فاقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)؛ فإنه براءة من الشرك ". وأهل التأويل يقولون: إن سبب نزول هذه ومنابذته إياهم: أن رهطا من قريش قالوا لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: هلم فلنعبد ما تعبد، واعبد أنت ما نعبد نحن؛ فيكون أمرنا أمرا واحدا؛ فنزلت هذه السورة. قال أَبُو عَوْسَجَةَ: الدِّين: [العبادة]، تقول: هذا ديني، أي: [عبادتي]. ثم المعنى الذي وقع عليه التكرار لهذه الأحرف عندنا: أن التكرار حرف جرى الاستعمال به في موضع المبالغة والتأكيد لما قصد به من الكلام في أي كلام كان، رجاء كان، أو وعيدًا أو غيره، كقولهم: بخ بخ، والويل الويل، وهيهات هيهات، وغير ذلك، فكذلك في هذا الموضع لما وقع الإياس عن إيمانهم باللَّه - تعالى - بما علم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بطريق الوحي أنهم لا يؤمنون، كرر هذا الكلام؛ تأكيدا للإياس وإبلاغا فيه، والله أعلم. وصلى اللَّه على سيدنا مُحَمَّد وآله وصحبه أجمعين. * * *