Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — الكهف 18:74 – الكهف 18:94
المحتويات
الكهف 18:74
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:75
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:76
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:77
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:78
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:79
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:80
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:81
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:82
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (عليه السلام) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله عزّ وجلّ: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله عزّ وجلّ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله عزّ وجلّ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:
قد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله عزّ وجلّ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» [[جامع البيان للطبري: 15/ 349.]] [80] .
وقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .
قال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:
«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» [[جامع البيان للطبري: 15/ 343 بتفاوت يسير.]] [81] .
وكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:
صاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:
فتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة [[المصدر السابق: 337.]] . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية، أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.
فحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله عزّ وجلّ: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [[سورة الرحمن: 22.]] وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.
واختلفوا في كيفية ذلك
فروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (عليه السلام) » [82] .
وقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.
وروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:
«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً، أمسك الله عزّ وجلّ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (عليه السلام) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» [[مسند الحميدي: 1/ 182، وزاد المسير: 5/ 114.]] [83] .
وقال قتادة: رد الله عزّ وجلّ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.
وقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَباً كأنه قال: أعجب عجبا.
وقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَباً. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (عليه السلام) ، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصاً: يقصان الأثر: يتبعانه.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا يعني الخضر [[في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط.]] واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] [[من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت [[في المصدر: فإذا هي تهتز.]] تحته خضراء» [[كنز العمال: 12/ 72 ح 34048.]] [84] .
[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (عليه السلام) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.
وقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «انتهى موسى إلى الخضر (عليه السلام) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» [[تفسير القرطبي: 11/ 15 بتفاوت يسير.]] [85] .
وقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً:
صوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي عزّ وجلّ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:
وذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.
قالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.
وقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» [[صحيح البخاري: 1/ 39 بتفاوت.]] [86].
وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:
قد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا [[الصحاح: 2/ 581.]]
وأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.
قالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ
[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن دينار عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [87] [[تاريخ مدينة دمشق: 61/ 155 ط. دار الفكر.]] .
وقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني [[زاد المسير: 5/ 120 ونسبه للفراء.]] : وقيل: لا تغشني [[جامع البيان للطبري: 15/ 354.]] مِنْ أَمْرِي عُسْراً، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.
وقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور [[ذكره في عرائس المجالس: 172، بلفظ: حسنود.]] ، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا [[مسند أحمد: 5/ 121.]] فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً؟» [88].
أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً:
منكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً في فراقي.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.]] ، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً» [[السنن الكبرى: 6/ 392، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.]] [89] .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.]] ، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [90] [[كنز العمال: 2/ 461 ح 4500.]] .
وقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.
فَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِداراً، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [[سورة مريم: 90.]] . قال ذو الرمّة:
قد كاد أو [قد] هم بالبيود [[جامع البيان للطبري: 15/ 290.]]
وقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [[سورة الأعراف: 154.]] وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [[سورة محمد: 21.]] وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل [[جامع البيان للطبري: 15/ 358، ولسان العرب: 3/ 189 وفيه ويعدل بدل ويرغب.]]
وقال عقيل:
إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان [[الصحاح: 2/ 661، وجامع البيان للطبري: 15/ 358.]]
أَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:
انصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.
وقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و (تبع) ، و (اتّقى) و (تقى) ، قال الشاعر:
وقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق [[الصحاح: 4/ 1431.]]
وأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:
تخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد
عَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْراً، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.
ف قالَ الخضر (عليه السلام) : هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:
لِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى.]] بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ [[سورة إبراهيم: 16.]] ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ [[سورة المؤمنون: 100.]] أي أمامهم. قال الشاعر:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا [[لسان العرب: 15/ 390.]]
وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (عليه السلام) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:
يغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْياناً وَكُفْراً، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْماً هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:
ولم تعوّج رحم من تعوّجا [[لسان العرب: 12/ 232.]]
قال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْماً يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله عزّ وجلّ على يديه أمّة من الأمم.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» [[تفسير مجمع البيان: 6/ 376.]] [91] .
وقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،
وقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» [[تفسير القرطبي: 11/ 38.]] .
وقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] [[بياض في مصوّرة المخطوط.]] علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [92] .
وقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.
[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي [[في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.]] عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] [[ليس في النسخة المعتمدة.]] مكحول عن [أبي] [[من عرائس المجالس: 174، وفي المخطوط: أم.]] الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» [[زاد المسير: 5/ 126.]] [93] .
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.
[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله عزّ وجلّ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم ابن عبد الله الضبيعي عن] [[زيادة من نسخة أصفهان.]] العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:
خير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله عزّ وجلّ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله عزّ وجلّ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله عزّ وجلّ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.
فَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله عزّ وجلّ. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً و (اسطاع) و (استطاع) بمعنى واحد.
الكهف 18:83
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:84
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:85
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:86
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:87
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:88
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:89
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:90
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:91
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:92
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:93
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:94
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.