Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — الكهف 18:95 – مريم 19:24
المحتويات
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:100
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
- الكهف 18:105
- الكهف 18:106
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
- مريم 19:1
- مريم 19:2
- مريم 19:3
- مريم 19:4
- مريم 19:5
- مريم 19:6
- مريم 19:7
- مريم 19:8
- مريم 19:9
- مريم 19:10
- مريم 19:11
- مريم 19:12
- مريم 19:13
- مريم 19:14
- مريم 19:15
- مريم 19:16
- مريم 19:17
- مريم 19:18
- مريم 19:19
- مريم 19:20
- مريم 19:21
- مريم 19:22
- مريم 19:23
- مريم 19:24
الكهف 18:95
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:96
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:97
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:98
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:
كان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] [[في النسخة المعتمدة بدلها: روى.]] وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.
واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.
وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَباً علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (عليه السلام) .
فَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ... ، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:
لحق سَبَباً، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
قرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.
ويدل عليه ما
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.]] إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» [[سنن أبي داود: 2/ 249.]] [94] .
وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله عزّ وجلّ لأحرقت ما على الأرض» [[جامع البيان للطبري: 16/ 17.]]
[95] .
وقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما
روى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ
[[سنن أبي داود: 2/ 246.]] وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء) ، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:
(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:
وكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.
فأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:
قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد [[تفسير القرطبي: 11/ 49، وفيه: مغيب، بدل: معاد.]]
قال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:
الحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.
وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ [[سورة يوسف: 109.]] والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [[سورة البينة: 5.]] .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْراً أي معروفا.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.
وقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:
ما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.
قوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَباً كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] [[كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.]] عند مغرب الشمس وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْراً: علما.
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.
الباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله عزّ وجلّ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.
قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار) ، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (عليه السلام) قال [[أي أصاب قيلولة النهار.]] ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
وقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] [[زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.]] الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.
قال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [96] [[مجمع الزوائد: 8/ 6 بتفاوت يسير.]] .
قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي [[في المصدر: هم، بدل: هي.]] أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض [[في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله] ، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] .]] ، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [97] [[تفسير القرطبي: 11/ 51، ودلائل النبوة: 218 بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.]] .
فلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله عزّ وجلّ، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.
ثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله عزّ وجلّ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.
فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.
ثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.
فلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] [[من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.]] الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.
ثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.
قال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] [[من المصدر.]] الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان [[كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.]] أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» [[جامع البيان للطبري: 16/ 26 بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) .]] .
فلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.
فلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون [[أي يسب بعضهم بعضا.]] ، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.
فلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.
قال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.
قال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.
قال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.
قال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.
قال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.
قال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.
قال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام [[أي العقول.]] .
قال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.
قال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.
قال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.
قال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.
قال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.
قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.
قال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.
قال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.
قال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله عزّ وجلّ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.
وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله عزّ وجلّ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله عزّ وجلّ نغفا [[في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .]] عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [98] [[مسند أحمد: 2/ 510 بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: 16/ 28.]] .
وروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله عزّ وجلّ: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [[سورة الأنبياء: 96.]] فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»
قال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .
قال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا هم كذلك إذ يبعث الله عزّ وجلّ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:
أبشروا، فقد كفاكم الله عزّ وجلّ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» [[كنز العمال: 14/ 340 ح 38871، وجامع البيان للطبري: 16/ 28 بتفاوت يسير.]] [99] .
قال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.
في قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:
ما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً: حاجزا كالحائط والسدّ.
قالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [100] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْراً، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً من أسفله.
قال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:
كالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [101] .
قالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
الكهف 18:99
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:100
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:101
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:102
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:103
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:104
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:105
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:106
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:107
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:108
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:109
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
الكهف 18:110
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضاً.
ثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:
الإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله عزّ وجلّ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.
أَفَحَسِبَ: أفظنّ.
وقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ) ، أي كفاهم ذلك
الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ [[سورة الأعراف: 194.]] .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك
فقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس [[ليست في المصدر.]] الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» [[جامع البيان للطبري: 16/ 41.]] [102] .
وقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [[سورة الغاشية: 3- 4.]] .
وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» [[كنز العمال: 2/ 444 ح 4454.]] [103] .
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» [[صحيح البخاري: 5/ 236.]] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً.
ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً، يعني سخرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،
فقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» [[جامع البيان للطبري: 16/ 47.]]
[104] .
[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] [[زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.]] عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:
جنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [105] [[سنن الدارمي: 2/ 333.]] .
وقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل [[جامع البيان للطبري: 16/ 46، ولسان العرب: 12/ 460 وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.]]
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:
إنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،
قال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [[سورة البقرة: 269.]] ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [[سورة الإسراء: 85.]] فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.
وقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ [[سورة لقمان: 27.]] الآية.
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» [[زاد المسير: 5/ 141، وأسباب نزول الآيات: 202 وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.]] [106] ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.
قال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:
فلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع [[مجمع البيان: 6/ 396.]]
فجمع المعنيين في بيت واحد.
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله عزّ وجلّ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله عزّ وجلّ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [107] .
[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟
قال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [108] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» [[مسند أحمد بن حنبل: 5/ 45، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.]] [109] .
وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [110] [[الدر المنثور: 4/ 257.]] .
وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.
ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .
قال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [111] [[تفسير ابن كثير: 2/ 513.]] .
وقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» [[مجمع الزوائد: 10/ 126.]] [112] .
[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد [[كذا في المخطوط.]] عن] [[زيادة عن نسخة أصفهان.]] سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [113] [[تفسير القرطبي: 11/ 72، وفي مجمع الزوائد: 7/ 52 بتفاوت يسير.]] .
مريم 19:1
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:2
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:3
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:4
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:5
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:6
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:7
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:8
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:9
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:10
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:11
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:12
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:13
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:14
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:15
مريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [114] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قوله عزّ وجلّ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.
فقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله عزّ وجلّ، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،
وقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به
، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله عزّ وجلّ به [على] نفسه.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.
وقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله عزّ وجلّ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شمطا، يقول:
شخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.
قوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله عزّ وجلّ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» [[تفسير الطبري: 16/ 61.]] .
قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [[سورة مريم: 65.]] أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:
لم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّداً وَحَصُوراً
وقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد عليه السلام
، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم عليهما السلام كانا قبله وكانا أفضل منه.
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [[سورة مريم: 29.]] أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟
فَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله عزّ وجلّ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.
قوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله عزّ وجلّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:
تحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا [[لسان العرب: 11/ 573.]]
أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض [[الصحاح: 5/ 2104.]]
وأصله من حنين الناقة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَناناً إلا أن يكون بعطف رحمة الله عز وجلّ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله عزّ وجلّ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله عزّ وجلّ والإخلاص.
وقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.
وَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.
أخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» [[مسند أحمد: 1/ 254، وكنز العمال: 11/ 521.]] .
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
بارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً
قالا: متكبرا.
قال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
عَصِيًّا
شديد العصيان لربّه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
قال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.
أخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.
مريم 19:16
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.
مريم 19:17
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.
مريم 19:18
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.
مريم 19:19
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.
مريم 19:20
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.
مريم 19:21
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.
مريم 19:22
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.
مريم 19:23
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.
مريم 19:24
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
القرآن مَرْيَمَ
وهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.
قال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكاناً شَرْقِيًّا
يعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.
قال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكاناً شَرْقِيًّا
فَاتَّخَذَتْ
فضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
قال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.
فذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرئيل (عليه السلام) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ
فتصور لَها بَشَراً
آدميا سَوِيًّا
لم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
مؤمنا مطيعا.
قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية
، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ
أي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلاماً زَكِيًّا
صالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.
قالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.
وَكانَ ذلك أَمْراً مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.
فَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل عليه السلام رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكاناً قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.
قال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.
قال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:
لأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.
وقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.
وروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.
قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: نَسْياً بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.
قال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.
قال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.
قال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:
أتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل [[تفسير القرطبي: 11/ 93.]]
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:
حدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
فَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (عليه السلام) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:
هو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله عزّ وجلّ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [[سورة الزخرف: 51.]] أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.
تُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام والتخفيف على الحذف.
رُطَباً جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.
وقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.
وقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.
فَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (عليه السلام) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.
قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،
قال النبي ﷺ في عمر رضي الله عنه: «فلم أر عبقريا يفري فريه»
[[المعجم الكبير: 12/ 232، وزاد المسير: 5/ 159، ومسند أحمد: 2/ 28 بتفاوت.]] أي يعمل عمله، قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا [[الصحاح: 2/ 471.]]
قد كنت تفرين به الفريا.
أي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.
يا أُخْتَ هارُونَ
قال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .
وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،
وقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.
وقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [[سورة الزخرف: 48.]] أي شبهها.
ما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [[سورة آل عمران: 110.]] أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [[سورة الإسراء: 93.]] أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:
أجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج [[تفسير الطبري: 16/ 100.]]
وقال الفرزدق:
فكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام [[التبيان: 7/ 123.]]
أي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.
قال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.
فأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،
فأخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:
حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟
قال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:
أبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.
وأمّا صاحب جريح
فأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] [[في نسخة أصفهان: داود.]] قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:
حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .
قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس [[الأحاديث الطوال للطبراني: 110.]] ، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.
وأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.
آتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما
سئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد [[مسند أحمد: 5/ 59.]] .
وقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
أخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:
حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّاراً شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.
وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْراً كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.
قال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله سبحانه وتعالى لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.
يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.
أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا [[في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن.]] عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:
يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي [[في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.]] : يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا [[مسند أحمد: 3/ 9 بتفاوت.]] .
قال مقاتل: لولا ما قضى الله سبحانه وتعالى من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب عزّ وجلّ فيرثهم.
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.