Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — النمل 27:21 – النمل 27:40
المحتويات
النمل 27:21
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ نبوّته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود (عليه السلام) تسعة عشر ابنا.
قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشدّ تعبّدا من سليمان (عليهما السلام) .
وَقالَ سليمان شاكرا لنعم الله سبحانه وتعالى عليه يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
قال مقاتل في هذه الآية: كان سليمان (عليه السلام) جالسا إذ مرّ به طائر يطوف فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي:
السلام عليك أيّها الملك المسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله سبحانه وتعالى الكرامة وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق الى فروخي ثم أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه.
قال: فنظر القوم طويلا إذ مرّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كيما أكسب على فروخي حتى يشبّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له.
وقال فرقد السخي: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيّه أعلم، قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا.
وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسن العدل قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة وأحمد ابن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا الفضل بن العباس الرازي قال: حدّثنا أبو عبيد قال:
حدّثنا موسى ابن إبراهيم قال: حدّثنا عباد بن إبراهيم عن الكلبي عن رجل عن كعب قال:
صاحت ورشان عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول [[في النسخة الثانية (أصفهان) زيادة: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة عند سليمان، فقال:
أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول:]] : ليت ذا الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول [[في النسخة الثانية زيادة: كما تدين تدان، وصاح هدهد عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول:]] : من لا يرحم لا يرحم.
وصاح صرد عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
قال: فصاحت طيطوى عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول: كلّ حىّ ميّت، وكلّ جديد بال.
وصاح خطّاف عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه تقول: قدّموا خيرا تجدوه، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
وهدرت حمامة عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟ قالوا: لا.
قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمريّ عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى، والغراب يدعو على العشّار، والحدأة تقول: كلّ شيء هالك إلّا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همّه، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول:
سبحان المذكور بكلّ مكان.
وأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا الفضل بن العباس بن مهران قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل عن عياش عن زرّ عن مكحول قال: صاح درّاج عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال فإنّه يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
وبإسناده عن موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا صالح الهروي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الديك إذا صاح يقول: اذكروا الله يا غافلين» [[تفسير القرطبي: 13/ 166.]] [108] .
وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القبّر قال: الهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطّاف قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يمدّ الضَّالِّينَ كما يمد للقارئ.
وَحُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ في مسير لهم فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وذلك أنّه جعل على كلّ صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلّا يتقدّموا في المسير كما يصنع الملوك.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يُوزَعُونَ: يدفعون. ابن زيد ومقاتل:
يساقون، السدّي: يوقفون، وأصل الوزع في كلام العرب الكفّ والمنع، ومنه
الحديث: ما يزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن
ويقال للأمر أوزعه.
وفي الخبر: لا بدّ للناس من وزعة
. وقال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع [[لسان العرب: 4/ 83.]]
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد قال: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب في هذه الآية قال: بلغنا أنّ سليمان (عليه السلام) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فحملته وأمر الرخاء فسرت به، فأوحي إليه- وهو يسير بين السماء والأرض- إنّي قد زدت في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلّا جاءت الريح فأخبرتك به.
وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان (عليه السلام) بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح الى الرّواح ومن الرواح إلى الصباح.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن إدريس ابن وهب بن منبه قال: حدّثني أبي قال: إنّ سليمان (عليه السلام) ركب البحر يوما فمرّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلامه في أذن سليمان فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إنّي سمعت قولك وإنّما مشيت إليك لأن لا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير ممّا أوتي آل داود، فقال الحرّاث: أذهب الله همّك كما أذهبت همّي.
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر [[في النسخة الثانية زيادة: الباقوحي.]] قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال:
حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو إلياس عن وهب بن منبه عن كعب قال: إنّ سليمان (عليه السلام) كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه تلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز تحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع في قدر عشرة جزائر، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون ويخبز الخابزون وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم.
فسار بمن اصطحبه إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول ﷺ فقال سليمان: هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله سبحانه، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليّ، فلم يهبطوا فيّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوها سجّدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيّا في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمّارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور الى وكرها ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان.
قال: ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير، واد من الطائف فأتى عَلى وادِ النَّمْلِ ف قالَتْ نَمْلَةٌ تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل المذنب في العظم، فنادت النملة يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلّا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان (عليه السلام) .
قال فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي إلى قوله فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني مع عبادك الموحّدين.
وقال قتادة ومقاتل: وادي النمل بأرض الشام.
قال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذباب.
وقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين.
قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. واختلفوا في اسم تلك النملة.
فأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال: حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال: حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال: كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود (عليه السلام) طاحية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني الفضل بن الحسن قال: حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال: حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال: كان اسم نملة سليمان حرمي، وهو قول مقاتل.
ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذّرت النمل ظلمي؟ أما علمت أنّي نبي عدل؟ فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟ مع ما أنّي لم أرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنّين ما أعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح، فقال لها:
عظيني، فقالت النملة: هل علمت لم سمّي أبوك داود؟
قال: لا.
قالت: لأنّه داوى جرحه فردّ. هل تدري لم سمّيت سليمان؟
قال: لا.
قالت: لأنّك سليم وكنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك وإنّ لك أن تلحق بأبيك ثم قالت:
أتدري لم سخّر الله لك الريح؟
قال: لا.
قالت: أخبرك الله أنّ الدنيا كلّها ريح، فَتَبَسَّمَ سليمان ضاحِكاً متعجّبا مِنْ قَوْلِها، وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي الى آخر الآية.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا ابن شنبة قال: أخبرنا الحضرمي قال: حدّثنا حسن الخلّال قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أي طلبها وبحث عنها فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيّوب (لِيَ) هاهنا وفي سورة يس وَما لِيَ لا أَعْبُدُ [[سورة يس: 22.]] وأرسل حمزة الياء فيهما جميعا [[في النسخة الثانية: استثناء.]] ، وأمّا أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذه ويفتح في يس، وفرّق بينهما فقال: لأنّ هذه للتي في النمل استفهام والأخرى انتفاء.
أَمْ كانَ قيل: الميم صلة وقيل: أم بمعنى بل كان مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً وكان عذابه أن ينتف ريشه وذنبه فيدعه ممعطا ثم يلقيه في بيت النمل فيلدغه، وقال عبد الله بن شدّاد: نتفه وتشميسه.
الضحّاك: لأشدّن رجله ولأشمسنّه.
مقاتل بن حيّان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه.
وقيل: لأودعنّه القفص، وقيل: لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل:
لأبدّدنّ عليه؟.
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة، وأما سبب تفقّده الهدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان ينوبها واحتياج سليمان (عليه السلام) إلى الماء، فلم يعلم من قصره [[في الثانية: حفرة.]] بعد الماء، وقيل له: علم ذلك عند الهدهد، فتفقّده فلم يجده فتوعّده وكانت القصّة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء دخل حديث بعضهم في بعض:
إنّ نبي الله سليمان ﷺ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة.
وقال لمن حضره من أشراف قومه: إنّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا: فبأي دين ندين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن اسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن [يسعى] [[هكذا في الأصل.]] إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء.
قال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث، فقال له نافع بن الأزرق: فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر [حبتي القمح] فيقع في عنقه؟.
فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً»
الآية [109] .
قالوا: فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان بن داود عليه السلام: يعفور، واسم هدهد اليمن عنفر [[وروي: عنفير وعنقر.]] فقال عنفر ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟
قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام.
فقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والريح فمن أين أنت؟ فقال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل.
فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء.
قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلّا وقت العصر.
قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد وذلك أنه نزل على غير ماء فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هاهنا ماء. فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده- قال ابن عباس: في بعض الروايات: وتعب] من تفحّصه إلى] الشمس- سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام وقال لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.
روى عكرمة عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
قالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليّ إلّا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء.
قال: فولّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له:
ويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال.
فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.
فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأعذّبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه.
قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله في قوله فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان.
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ علمت ما لم تعلم وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سبأَ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه
نطق الخبر أنّ النبي ﷺ سئل عن سبأ فقال: كان رجلا له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله عزّ وجل
، وقال الشاعر:
الواردون وتيم في ذرى سبا ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس [[جامع البيان للطبري: 14/ 155.]]
بِنَبَإٍ بخبر يَقِينٍ لا شكّ فيه.
قال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهاد وقيل: شراحيل ابن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا، وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفوا لي، فأبى أن يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.
ويصدّق هذا ما
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عمّار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: «كان أحد أبوي بلقيس جنّيا.
قالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولدا غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلا فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.
ثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلّا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا قولها وتشهدوا عليها، فلمّا جاءوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت أرغب عن هذا فالساعة قد رضيت به فزوّجوها منه، فلمّا زفّت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها حتى غصّت منازله ودوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمّ فساده وأخذتني الحميّة حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها» [[تفسير القرطبي: 13/ 211. بتفاوت.]] [110] .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» [[تفسير القرطبي: 13/ 211.]] [111] .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة.
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق.
وقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعا.
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعا في ثلاثين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا مكلّل بالجوهر.
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ قرأ أبو عبد الرّحمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس «ألا اسجدوا» بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من الله سبحانه مستأنفا، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل:
ألا يا سلمى يا هند، هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر [[لسان العرب: 15/ 36.]]
فعلى هذه القراءة «اسجدوا» في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي اسجدوا.
قال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلّا بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلّا تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أبي ألا يسجدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد بمعنى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ لئلّا يسجدوا لله فأن موضع نصب ويَسْجُدُوا نصب بأن، واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلّا أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذه ألا ثمّ يبتدي يسجدوا كما يصل الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الخفيّ المخبوّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني غيب السموات والأرض.
وقال أكثر المفسّرين: خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله:
يخرج الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد منكم، قاله الفرّاء.
ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية حفص عن عاصم.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي كل عرش وإن عظم فدونه، لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.
قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ الى قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كلّه كلام الهدهد.
النمل 27:22
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ نبوّته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود (عليه السلام) تسعة عشر ابنا.
قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشدّ تعبّدا من سليمان (عليهما السلام) .
وَقالَ سليمان شاكرا لنعم الله سبحانه وتعالى عليه يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
قال مقاتل في هذه الآية: كان سليمان (عليه السلام) جالسا إذ مرّ به طائر يطوف فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي:
السلام عليك أيّها الملك المسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله سبحانه وتعالى الكرامة وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق الى فروخي ثم أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه.
قال: فنظر القوم طويلا إذ مرّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كيما أكسب على فروخي حتى يشبّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له.
وقال فرقد السخي: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيّه أعلم، قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا.
وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسن العدل قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة وأحمد ابن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا الفضل بن العباس الرازي قال: حدّثنا أبو عبيد قال:
حدّثنا موسى ابن إبراهيم قال: حدّثنا عباد بن إبراهيم عن الكلبي عن رجل عن كعب قال:
صاحت ورشان عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول [[في النسخة الثانية (أصفهان) زيادة: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة عند سليمان، فقال:
أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول:]] : ليت ذا الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول [[في النسخة الثانية زيادة: كما تدين تدان، وصاح هدهد عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول:]] : من لا يرحم لا يرحم.
وصاح صرد عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
قال: فصاحت طيطوى عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول: كلّ حىّ ميّت، وكلّ جديد بال.
وصاح خطّاف عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه تقول: قدّموا خيرا تجدوه، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
وهدرت حمامة عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟ قالوا: لا.
قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمريّ عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى، والغراب يدعو على العشّار، والحدأة تقول: كلّ شيء هالك إلّا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همّه، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول:
سبحان المذكور بكلّ مكان.
وأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا الفضل بن العباس بن مهران قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل عن عياش عن زرّ عن مكحول قال: صاح درّاج عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال فإنّه يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
وبإسناده عن موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا صالح الهروي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الديك إذا صاح يقول: اذكروا الله يا غافلين» [[تفسير القرطبي: 13/ 166.]] [108] .
وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القبّر قال: الهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطّاف قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يمدّ الضَّالِّينَ كما يمد للقارئ.
وَحُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ في مسير لهم فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وذلك أنّه جعل على كلّ صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلّا يتقدّموا في المسير كما يصنع الملوك.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يُوزَعُونَ: يدفعون. ابن زيد ومقاتل:
يساقون، السدّي: يوقفون، وأصل الوزع في كلام العرب الكفّ والمنع، ومنه
الحديث: ما يزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن
ويقال للأمر أوزعه.
وفي الخبر: لا بدّ للناس من وزعة
. وقال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع [[لسان العرب: 4/ 83.]]
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد قال: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب في هذه الآية قال: بلغنا أنّ سليمان (عليه السلام) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فحملته وأمر الرخاء فسرت به، فأوحي إليه- وهو يسير بين السماء والأرض- إنّي قد زدت في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلّا جاءت الريح فأخبرتك به.
وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان (عليه السلام) بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح الى الرّواح ومن الرواح إلى الصباح.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن إدريس ابن وهب بن منبه قال: حدّثني أبي قال: إنّ سليمان (عليه السلام) ركب البحر يوما فمرّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلامه في أذن سليمان فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إنّي سمعت قولك وإنّما مشيت إليك لأن لا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير ممّا أوتي آل داود، فقال الحرّاث: أذهب الله همّك كما أذهبت همّي.
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر [[في النسخة الثانية زيادة: الباقوحي.]] قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال:
حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو إلياس عن وهب بن منبه عن كعب قال: إنّ سليمان (عليه السلام) كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه تلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز تحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع في قدر عشرة جزائر، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون ويخبز الخابزون وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم.
فسار بمن اصطحبه إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول ﷺ فقال سليمان: هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله سبحانه، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليّ، فلم يهبطوا فيّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوها سجّدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيّا في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمّارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور الى وكرها ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان.
قال: ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير، واد من الطائف فأتى عَلى وادِ النَّمْلِ ف قالَتْ نَمْلَةٌ تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل المذنب في العظم، فنادت النملة يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلّا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان (عليه السلام) .
قال فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي إلى قوله فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني مع عبادك الموحّدين.
وقال قتادة ومقاتل: وادي النمل بأرض الشام.
قال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذباب.
وقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين.
قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. واختلفوا في اسم تلك النملة.
فأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال: حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال: حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال: كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود (عليه السلام) طاحية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني الفضل بن الحسن قال: حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال: حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال: كان اسم نملة سليمان حرمي، وهو قول مقاتل.
ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذّرت النمل ظلمي؟ أما علمت أنّي نبي عدل؟ فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟ مع ما أنّي لم أرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنّين ما أعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح، فقال لها:
عظيني، فقالت النملة: هل علمت لم سمّي أبوك داود؟
قال: لا.
قالت: لأنّه داوى جرحه فردّ. هل تدري لم سمّيت سليمان؟
قال: لا.
قالت: لأنّك سليم وكنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك وإنّ لك أن تلحق بأبيك ثم قالت:
أتدري لم سخّر الله لك الريح؟
قال: لا.
قالت: أخبرك الله أنّ الدنيا كلّها ريح، فَتَبَسَّمَ سليمان ضاحِكاً متعجّبا مِنْ قَوْلِها، وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي الى آخر الآية.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا ابن شنبة قال: أخبرنا الحضرمي قال: حدّثنا حسن الخلّال قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أي طلبها وبحث عنها فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيّوب (لِيَ) هاهنا وفي سورة يس وَما لِيَ لا أَعْبُدُ [[سورة يس: 22.]] وأرسل حمزة الياء فيهما جميعا [[في النسخة الثانية: استثناء.]] ، وأمّا أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذه ويفتح في يس، وفرّق بينهما فقال: لأنّ هذه للتي في النمل استفهام والأخرى انتفاء.
أَمْ كانَ قيل: الميم صلة وقيل: أم بمعنى بل كان مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً وكان عذابه أن ينتف ريشه وذنبه فيدعه ممعطا ثم يلقيه في بيت النمل فيلدغه، وقال عبد الله بن شدّاد: نتفه وتشميسه.
الضحّاك: لأشدّن رجله ولأشمسنّه.
مقاتل بن حيّان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه.
وقيل: لأودعنّه القفص، وقيل: لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل:
لأبدّدنّ عليه؟.
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة، وأما سبب تفقّده الهدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان ينوبها واحتياج سليمان (عليه السلام) إلى الماء، فلم يعلم من قصره [[في الثانية: حفرة.]] بعد الماء، وقيل له: علم ذلك عند الهدهد، فتفقّده فلم يجده فتوعّده وكانت القصّة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء دخل حديث بعضهم في بعض:
إنّ نبي الله سليمان ﷺ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة.
وقال لمن حضره من أشراف قومه: إنّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا: فبأي دين ندين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن اسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن [يسعى] [[هكذا في الأصل.]] إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء.
قال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث، فقال له نافع بن الأزرق: فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر [حبتي القمح] فيقع في عنقه؟.
فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً»
الآية [109] .
قالوا: فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان بن داود عليه السلام: يعفور، واسم هدهد اليمن عنفر [[وروي: عنفير وعنقر.]] فقال عنفر ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟
قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام.
فقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والريح فمن أين أنت؟ فقال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل.
فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء.
قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلّا وقت العصر.
قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد وذلك أنه نزل على غير ماء فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هاهنا ماء. فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده- قال ابن عباس: في بعض الروايات: وتعب] من تفحّصه إلى] الشمس- سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام وقال لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.
روى عكرمة عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
قالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليّ إلّا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء.
قال: فولّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له:
ويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال.
فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.
فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأعذّبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه.
قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله في قوله فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان.
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ علمت ما لم تعلم وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سبأَ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه
نطق الخبر أنّ النبي ﷺ سئل عن سبأ فقال: كان رجلا له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله عزّ وجل
، وقال الشاعر:
الواردون وتيم في ذرى سبا ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس [[جامع البيان للطبري: 14/ 155.]]
بِنَبَإٍ بخبر يَقِينٍ لا شكّ فيه.
قال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهاد وقيل: شراحيل ابن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا، وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفوا لي، فأبى أن يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.
ويصدّق هذا ما
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عمّار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: «كان أحد أبوي بلقيس جنّيا.
قالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولدا غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلا فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.
ثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلّا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا قولها وتشهدوا عليها، فلمّا جاءوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت أرغب عن هذا فالساعة قد رضيت به فزوّجوها منه، فلمّا زفّت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها حتى غصّت منازله ودوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمّ فساده وأخذتني الحميّة حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها» [[تفسير القرطبي: 13/ 211. بتفاوت.]] [110] .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» [[تفسير القرطبي: 13/ 211.]] [111] .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة.
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق.
وقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعا.
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعا في ثلاثين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا مكلّل بالجوهر.
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ قرأ أبو عبد الرّحمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس «ألا اسجدوا» بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من الله سبحانه مستأنفا، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل:
ألا يا سلمى يا هند، هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر [[لسان العرب: 15/ 36.]]
فعلى هذه القراءة «اسجدوا» في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي اسجدوا.
قال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلّا بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلّا تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أبي ألا يسجدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد بمعنى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ لئلّا يسجدوا لله فأن موضع نصب ويَسْجُدُوا نصب بأن، واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلّا أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذه ألا ثمّ يبتدي يسجدوا كما يصل الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الخفيّ المخبوّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني غيب السموات والأرض.
وقال أكثر المفسّرين: خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله:
يخرج الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد منكم، قاله الفرّاء.
ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية حفص عن عاصم.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي كل عرش وإن عظم فدونه، لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.
قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ الى قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كلّه كلام الهدهد.
النمل 27:23
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ نبوّته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود (عليه السلام) تسعة عشر ابنا.
قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشدّ تعبّدا من سليمان (عليهما السلام) .
وَقالَ سليمان شاكرا لنعم الله سبحانه وتعالى عليه يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
قال مقاتل في هذه الآية: كان سليمان (عليه السلام) جالسا إذ مرّ به طائر يطوف فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي:
السلام عليك أيّها الملك المسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله سبحانه وتعالى الكرامة وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق الى فروخي ثم أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه.
قال: فنظر القوم طويلا إذ مرّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كيما أكسب على فروخي حتى يشبّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له.
وقال فرقد السخي: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيّه أعلم، قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا.
وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسن العدل قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة وأحمد ابن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا الفضل بن العباس الرازي قال: حدّثنا أبو عبيد قال:
حدّثنا موسى ابن إبراهيم قال: حدّثنا عباد بن إبراهيم عن الكلبي عن رجل عن كعب قال:
صاحت ورشان عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول [[في النسخة الثانية (أصفهان) زيادة: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة عند سليمان، فقال:
أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول:]] : ليت ذا الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول [[في النسخة الثانية زيادة: كما تدين تدان، وصاح هدهد عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول:]] : من لا يرحم لا يرحم.
وصاح صرد عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
قال: فصاحت طيطوى عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول: كلّ حىّ ميّت، وكلّ جديد بال.
وصاح خطّاف عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه تقول: قدّموا خيرا تجدوه، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
وهدرت حمامة عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟ قالوا: لا.
قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمريّ عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى، والغراب يدعو على العشّار، والحدأة تقول: كلّ شيء هالك إلّا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همّه، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول:
سبحان المذكور بكلّ مكان.
وأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا الفضل بن العباس بن مهران قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل عن عياش عن زرّ عن مكحول قال: صاح درّاج عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال فإنّه يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
وبإسناده عن موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا صالح الهروي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الديك إذا صاح يقول: اذكروا الله يا غافلين» [[تفسير القرطبي: 13/ 166.]] [108] .
وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القبّر قال: الهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطّاف قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يمدّ الضَّالِّينَ كما يمد للقارئ.
وَحُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ في مسير لهم فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وذلك أنّه جعل على كلّ صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلّا يتقدّموا في المسير كما يصنع الملوك.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يُوزَعُونَ: يدفعون. ابن زيد ومقاتل:
يساقون، السدّي: يوقفون، وأصل الوزع في كلام العرب الكفّ والمنع، ومنه
الحديث: ما يزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن
ويقال للأمر أوزعه.
وفي الخبر: لا بدّ للناس من وزعة
. وقال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع [[لسان العرب: 4/ 83.]]
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد قال: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب في هذه الآية قال: بلغنا أنّ سليمان (عليه السلام) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فحملته وأمر الرخاء فسرت به، فأوحي إليه- وهو يسير بين السماء والأرض- إنّي قد زدت في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلّا جاءت الريح فأخبرتك به.
وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان (عليه السلام) بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح الى الرّواح ومن الرواح إلى الصباح.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن إدريس ابن وهب بن منبه قال: حدّثني أبي قال: إنّ سليمان (عليه السلام) ركب البحر يوما فمرّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلامه في أذن سليمان فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إنّي سمعت قولك وإنّما مشيت إليك لأن لا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير ممّا أوتي آل داود، فقال الحرّاث: أذهب الله همّك كما أذهبت همّي.
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر [[في النسخة الثانية زيادة: الباقوحي.]] قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال:
حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو إلياس عن وهب بن منبه عن كعب قال: إنّ سليمان (عليه السلام) كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه تلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز تحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع في قدر عشرة جزائر، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون ويخبز الخابزون وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم.
فسار بمن اصطحبه إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول ﷺ فقال سليمان: هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله سبحانه، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليّ، فلم يهبطوا فيّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوها سجّدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيّا في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمّارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور الى وكرها ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان.
قال: ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير، واد من الطائف فأتى عَلى وادِ النَّمْلِ ف قالَتْ نَمْلَةٌ تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل المذنب في العظم، فنادت النملة يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلّا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان (عليه السلام) .
قال فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي إلى قوله فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني مع عبادك الموحّدين.
وقال قتادة ومقاتل: وادي النمل بأرض الشام.
قال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذباب.
وقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين.
قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. واختلفوا في اسم تلك النملة.
فأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال: حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال: حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال: كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود (عليه السلام) طاحية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني الفضل بن الحسن قال: حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال: حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال: كان اسم نملة سليمان حرمي، وهو قول مقاتل.
ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذّرت النمل ظلمي؟ أما علمت أنّي نبي عدل؟ فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟ مع ما أنّي لم أرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنّين ما أعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح، فقال لها:
عظيني، فقالت النملة: هل علمت لم سمّي أبوك داود؟
قال: لا.
قالت: لأنّه داوى جرحه فردّ. هل تدري لم سمّيت سليمان؟
قال: لا.
قالت: لأنّك سليم وكنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك وإنّ لك أن تلحق بأبيك ثم قالت:
أتدري لم سخّر الله لك الريح؟
قال: لا.
قالت: أخبرك الله أنّ الدنيا كلّها ريح، فَتَبَسَّمَ سليمان ضاحِكاً متعجّبا مِنْ قَوْلِها، وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي الى آخر الآية.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا ابن شنبة قال: أخبرنا الحضرمي قال: حدّثنا حسن الخلّال قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أي طلبها وبحث عنها فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيّوب (لِيَ) هاهنا وفي سورة يس وَما لِيَ لا أَعْبُدُ [[سورة يس: 22.]] وأرسل حمزة الياء فيهما جميعا [[في النسخة الثانية: استثناء.]] ، وأمّا أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذه ويفتح في يس، وفرّق بينهما فقال: لأنّ هذه للتي في النمل استفهام والأخرى انتفاء.
أَمْ كانَ قيل: الميم صلة وقيل: أم بمعنى بل كان مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً وكان عذابه أن ينتف ريشه وذنبه فيدعه ممعطا ثم يلقيه في بيت النمل فيلدغه، وقال عبد الله بن شدّاد: نتفه وتشميسه.
الضحّاك: لأشدّن رجله ولأشمسنّه.
مقاتل بن حيّان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه.
وقيل: لأودعنّه القفص، وقيل: لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل:
لأبدّدنّ عليه؟.
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة، وأما سبب تفقّده الهدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان ينوبها واحتياج سليمان (عليه السلام) إلى الماء، فلم يعلم من قصره [[في الثانية: حفرة.]] بعد الماء، وقيل له: علم ذلك عند الهدهد، فتفقّده فلم يجده فتوعّده وكانت القصّة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء دخل حديث بعضهم في بعض:
إنّ نبي الله سليمان ﷺ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة.
وقال لمن حضره من أشراف قومه: إنّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا: فبأي دين ندين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن اسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن [يسعى] [[هكذا في الأصل.]] إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء.
قال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث، فقال له نافع بن الأزرق: فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر [حبتي القمح] فيقع في عنقه؟.
فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً»
الآية [109] .
قالوا: فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان بن داود عليه السلام: يعفور، واسم هدهد اليمن عنفر [[وروي: عنفير وعنقر.]] فقال عنفر ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟
قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام.
فقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والريح فمن أين أنت؟ فقال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل.
فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء.
قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلّا وقت العصر.
قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد وذلك أنه نزل على غير ماء فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هاهنا ماء. فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده- قال ابن عباس: في بعض الروايات: وتعب] من تفحّصه إلى] الشمس- سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام وقال لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.
روى عكرمة عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
قالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليّ إلّا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء.
قال: فولّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له:
ويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال.
فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.
فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأعذّبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه.
قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله في قوله فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان.
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ علمت ما لم تعلم وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سبأَ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه
نطق الخبر أنّ النبي ﷺ سئل عن سبأ فقال: كان رجلا له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله عزّ وجل
، وقال الشاعر:
الواردون وتيم في ذرى سبا ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس [[جامع البيان للطبري: 14/ 155.]]
بِنَبَإٍ بخبر يَقِينٍ لا شكّ فيه.
قال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهاد وقيل: شراحيل ابن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا، وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفوا لي، فأبى أن يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.
ويصدّق هذا ما
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عمّار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: «كان أحد أبوي بلقيس جنّيا.
قالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولدا غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلا فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.
ثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلّا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا قولها وتشهدوا عليها، فلمّا جاءوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت أرغب عن هذا فالساعة قد رضيت به فزوّجوها منه، فلمّا زفّت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها حتى غصّت منازله ودوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمّ فساده وأخذتني الحميّة حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها» [[تفسير القرطبي: 13/ 211. بتفاوت.]] [110] .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» [[تفسير القرطبي: 13/ 211.]] [111] .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة.
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق.
وقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعا.
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعا في ثلاثين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا مكلّل بالجوهر.
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ قرأ أبو عبد الرّحمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس «ألا اسجدوا» بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من الله سبحانه مستأنفا، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل:
ألا يا سلمى يا هند، هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر [[لسان العرب: 15/ 36.]]
فعلى هذه القراءة «اسجدوا» في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي اسجدوا.
قال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلّا بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلّا تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أبي ألا يسجدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد بمعنى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ لئلّا يسجدوا لله فأن موضع نصب ويَسْجُدُوا نصب بأن، واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلّا أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذه ألا ثمّ يبتدي يسجدوا كما يصل الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الخفيّ المخبوّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني غيب السموات والأرض.
وقال أكثر المفسّرين: خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله:
يخرج الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد منكم، قاله الفرّاء.
ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية حفص عن عاصم.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي كل عرش وإن عظم فدونه، لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.
قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ الى قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كلّه كلام الهدهد.
النمل 27:24
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ نبوّته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود (عليه السلام) تسعة عشر ابنا.
قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشدّ تعبّدا من سليمان (عليهما السلام) .
وَقالَ سليمان شاكرا لنعم الله سبحانه وتعالى عليه يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
قال مقاتل في هذه الآية: كان سليمان (عليه السلام) جالسا إذ مرّ به طائر يطوف فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي:
السلام عليك أيّها الملك المسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله سبحانه وتعالى الكرامة وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق الى فروخي ثم أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه.
قال: فنظر القوم طويلا إذ مرّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كيما أكسب على فروخي حتى يشبّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له.
وقال فرقد السخي: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيّه أعلم، قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا.
وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسن العدل قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة وأحمد ابن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا الفضل بن العباس الرازي قال: حدّثنا أبو عبيد قال:
حدّثنا موسى ابن إبراهيم قال: حدّثنا عباد بن إبراهيم عن الكلبي عن رجل عن كعب قال:
صاحت ورشان عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول [[في النسخة الثانية (أصفهان) زيادة: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة عند سليمان، فقال:
أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول:]] : ليت ذا الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول [[في النسخة الثانية زيادة: كما تدين تدان، وصاح هدهد عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول:]] : من لا يرحم لا يرحم.
وصاح صرد عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
قال: فصاحت طيطوى عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول: كلّ حىّ ميّت، وكلّ جديد بال.
وصاح خطّاف عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه تقول: قدّموا خيرا تجدوه، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
وهدرت حمامة عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟ قالوا: لا.
قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمريّ عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى، والغراب يدعو على العشّار، والحدأة تقول: كلّ شيء هالك إلّا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همّه، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول:
سبحان المذكور بكلّ مكان.
وأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا الفضل بن العباس بن مهران قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل عن عياش عن زرّ عن مكحول قال: صاح درّاج عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال فإنّه يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
وبإسناده عن موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا صالح الهروي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الديك إذا صاح يقول: اذكروا الله يا غافلين» [[تفسير القرطبي: 13/ 166.]] [108] .
وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القبّر قال: الهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطّاف قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يمدّ الضَّالِّينَ كما يمد للقارئ.
وَحُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ في مسير لهم فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وذلك أنّه جعل على كلّ صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلّا يتقدّموا في المسير كما يصنع الملوك.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يُوزَعُونَ: يدفعون. ابن زيد ومقاتل:
يساقون، السدّي: يوقفون، وأصل الوزع في كلام العرب الكفّ والمنع، ومنه
الحديث: ما يزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن
ويقال للأمر أوزعه.
وفي الخبر: لا بدّ للناس من وزعة
. وقال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع [[لسان العرب: 4/ 83.]]
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد قال: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب في هذه الآية قال: بلغنا أنّ سليمان (عليه السلام) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فحملته وأمر الرخاء فسرت به، فأوحي إليه- وهو يسير بين السماء والأرض- إنّي قد زدت في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلّا جاءت الريح فأخبرتك به.
وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان (عليه السلام) بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح الى الرّواح ومن الرواح إلى الصباح.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن إدريس ابن وهب بن منبه قال: حدّثني أبي قال: إنّ سليمان (عليه السلام) ركب البحر يوما فمرّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلامه في أذن سليمان فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إنّي سمعت قولك وإنّما مشيت إليك لأن لا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير ممّا أوتي آل داود، فقال الحرّاث: أذهب الله همّك كما أذهبت همّي.
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر [[في النسخة الثانية زيادة: الباقوحي.]] قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال:
حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو إلياس عن وهب بن منبه عن كعب قال: إنّ سليمان (عليه السلام) كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه تلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز تحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع في قدر عشرة جزائر، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون ويخبز الخابزون وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم.
فسار بمن اصطحبه إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول ﷺ فقال سليمان: هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله سبحانه، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليّ، فلم يهبطوا فيّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوها سجّدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيّا في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمّارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور الى وكرها ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان.
قال: ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير، واد من الطائف فأتى عَلى وادِ النَّمْلِ ف قالَتْ نَمْلَةٌ تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل المذنب في العظم، فنادت النملة يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلّا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان (عليه السلام) .
قال فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي إلى قوله فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني مع عبادك الموحّدين.
وقال قتادة ومقاتل: وادي النمل بأرض الشام.
قال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذباب.
وقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين.
قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. واختلفوا في اسم تلك النملة.
فأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال: حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال: حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال: كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود (عليه السلام) طاحية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني الفضل بن الحسن قال: حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال: حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال: كان اسم نملة سليمان حرمي، وهو قول مقاتل.
ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذّرت النمل ظلمي؟ أما علمت أنّي نبي عدل؟ فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟ مع ما أنّي لم أرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنّين ما أعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح، فقال لها:
عظيني، فقالت النملة: هل علمت لم سمّي أبوك داود؟
قال: لا.
قالت: لأنّه داوى جرحه فردّ. هل تدري لم سمّيت سليمان؟
قال: لا.
قالت: لأنّك سليم وكنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك وإنّ لك أن تلحق بأبيك ثم قالت:
أتدري لم سخّر الله لك الريح؟
قال: لا.
قالت: أخبرك الله أنّ الدنيا كلّها ريح، فَتَبَسَّمَ سليمان ضاحِكاً متعجّبا مِنْ قَوْلِها، وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي الى آخر الآية.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا ابن شنبة قال: أخبرنا الحضرمي قال: حدّثنا حسن الخلّال قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أي طلبها وبحث عنها فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيّوب (لِيَ) هاهنا وفي سورة يس وَما لِيَ لا أَعْبُدُ [[سورة يس: 22.]] وأرسل حمزة الياء فيهما جميعا [[في النسخة الثانية: استثناء.]] ، وأمّا أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذه ويفتح في يس، وفرّق بينهما فقال: لأنّ هذه للتي في النمل استفهام والأخرى انتفاء.
أَمْ كانَ قيل: الميم صلة وقيل: أم بمعنى بل كان مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً وكان عذابه أن ينتف ريشه وذنبه فيدعه ممعطا ثم يلقيه في بيت النمل فيلدغه، وقال عبد الله بن شدّاد: نتفه وتشميسه.
الضحّاك: لأشدّن رجله ولأشمسنّه.
مقاتل بن حيّان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه.
وقيل: لأودعنّه القفص، وقيل: لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل:
لأبدّدنّ عليه؟.
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة، وأما سبب تفقّده الهدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان ينوبها واحتياج سليمان (عليه السلام) إلى الماء، فلم يعلم من قصره [[في الثانية: حفرة.]] بعد الماء، وقيل له: علم ذلك عند الهدهد، فتفقّده فلم يجده فتوعّده وكانت القصّة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء دخل حديث بعضهم في بعض:
إنّ نبي الله سليمان ﷺ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة.
وقال لمن حضره من أشراف قومه: إنّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا: فبأي دين ندين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن اسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن [يسعى] [[هكذا في الأصل.]] إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء.
قال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث، فقال له نافع بن الأزرق: فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر [حبتي القمح] فيقع في عنقه؟.
فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً»
الآية [109] .
قالوا: فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان بن داود عليه السلام: يعفور، واسم هدهد اليمن عنفر [[وروي: عنفير وعنقر.]] فقال عنفر ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟
قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام.
فقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والريح فمن أين أنت؟ فقال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل.
فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء.
قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلّا وقت العصر.
قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد وذلك أنه نزل على غير ماء فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هاهنا ماء. فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده- قال ابن عباس: في بعض الروايات: وتعب] من تفحّصه إلى] الشمس- سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام وقال لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.
روى عكرمة عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
قالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليّ إلّا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء.
قال: فولّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له:
ويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال.
فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.
فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأعذّبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه.
قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله في قوله فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان.
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ علمت ما لم تعلم وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سبأَ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه
نطق الخبر أنّ النبي ﷺ سئل عن سبأ فقال: كان رجلا له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله عزّ وجل
، وقال الشاعر:
الواردون وتيم في ذرى سبا ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس [[جامع البيان للطبري: 14/ 155.]]
بِنَبَإٍ بخبر يَقِينٍ لا شكّ فيه.
قال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهاد وقيل: شراحيل ابن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا، وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفوا لي، فأبى أن يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.
ويصدّق هذا ما
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عمّار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: «كان أحد أبوي بلقيس جنّيا.
قالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولدا غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلا فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.
ثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلّا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا قولها وتشهدوا عليها، فلمّا جاءوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت أرغب عن هذا فالساعة قد رضيت به فزوّجوها منه، فلمّا زفّت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها حتى غصّت منازله ودوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمّ فساده وأخذتني الحميّة حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها» [[تفسير القرطبي: 13/ 211. بتفاوت.]] [110] .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» [[تفسير القرطبي: 13/ 211.]] [111] .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة.
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق.
وقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعا.
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعا في ثلاثين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا مكلّل بالجوهر.
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ قرأ أبو عبد الرّحمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس «ألا اسجدوا» بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من الله سبحانه مستأنفا، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل:
ألا يا سلمى يا هند، هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر [[لسان العرب: 15/ 36.]]
فعلى هذه القراءة «اسجدوا» في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي اسجدوا.
قال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلّا بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلّا تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أبي ألا يسجدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد بمعنى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ لئلّا يسجدوا لله فأن موضع نصب ويَسْجُدُوا نصب بأن، واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلّا أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذه ألا ثمّ يبتدي يسجدوا كما يصل الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الخفيّ المخبوّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني غيب السموات والأرض.
وقال أكثر المفسّرين: خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله:
يخرج الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد منكم، قاله الفرّاء.
ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية حفص عن عاصم.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي كل عرش وإن عظم فدونه، لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.
قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ الى قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كلّه كلام الهدهد.
النمل 27:25
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ نبوّته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود (عليه السلام) تسعة عشر ابنا.
قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشدّ تعبّدا من سليمان (عليهما السلام) .
وَقالَ سليمان شاكرا لنعم الله سبحانه وتعالى عليه يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
قال مقاتل في هذه الآية: كان سليمان (عليه السلام) جالسا إذ مرّ به طائر يطوف فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي:
السلام عليك أيّها الملك المسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله سبحانه وتعالى الكرامة وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق الى فروخي ثم أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه.
قال: فنظر القوم طويلا إذ مرّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كيما أكسب على فروخي حتى يشبّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له.
وقال فرقد السخي: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيّه أعلم، قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا.
وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسن العدل قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة وأحمد ابن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا الفضل بن العباس الرازي قال: حدّثنا أبو عبيد قال:
حدّثنا موسى ابن إبراهيم قال: حدّثنا عباد بن إبراهيم عن الكلبي عن رجل عن كعب قال:
صاحت ورشان عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول [[في النسخة الثانية (أصفهان) زيادة: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة عند سليمان، فقال:
أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول:]] : ليت ذا الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول [[في النسخة الثانية زيادة: كما تدين تدان، وصاح هدهد عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول:]] : من لا يرحم لا يرحم.
وصاح صرد عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
قال: فصاحت طيطوى عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول: كلّ حىّ ميّت، وكلّ جديد بال.
وصاح خطّاف عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه تقول: قدّموا خيرا تجدوه، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
وهدرت حمامة عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟ قالوا: لا.
قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمريّ عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى، والغراب يدعو على العشّار، والحدأة تقول: كلّ شيء هالك إلّا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همّه، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول:
سبحان المذكور بكلّ مكان.
وأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا الفضل بن العباس بن مهران قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل عن عياش عن زرّ عن مكحول قال: صاح درّاج عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال فإنّه يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
وبإسناده عن موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا صالح الهروي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الديك إذا صاح يقول: اذكروا الله يا غافلين» [[تفسير القرطبي: 13/ 166.]] [108] .
وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القبّر قال: الهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطّاف قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يمدّ الضَّالِّينَ كما يمد للقارئ.
وَحُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ في مسير لهم فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وذلك أنّه جعل على كلّ صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلّا يتقدّموا في المسير كما يصنع الملوك.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يُوزَعُونَ: يدفعون. ابن زيد ومقاتل:
يساقون، السدّي: يوقفون، وأصل الوزع في كلام العرب الكفّ والمنع، ومنه
الحديث: ما يزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن
ويقال للأمر أوزعه.
وفي الخبر: لا بدّ للناس من وزعة
. وقال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع [[لسان العرب: 4/ 83.]]
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد قال: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب في هذه الآية قال: بلغنا أنّ سليمان (عليه السلام) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فحملته وأمر الرخاء فسرت به، فأوحي إليه- وهو يسير بين السماء والأرض- إنّي قد زدت في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلّا جاءت الريح فأخبرتك به.
وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان (عليه السلام) بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح الى الرّواح ومن الرواح إلى الصباح.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن إدريس ابن وهب بن منبه قال: حدّثني أبي قال: إنّ سليمان (عليه السلام) ركب البحر يوما فمرّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلامه في أذن سليمان فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إنّي سمعت قولك وإنّما مشيت إليك لأن لا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير ممّا أوتي آل داود، فقال الحرّاث: أذهب الله همّك كما أذهبت همّي.
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر [[في النسخة الثانية زيادة: الباقوحي.]] قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال:
حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو إلياس عن وهب بن منبه عن كعب قال: إنّ سليمان (عليه السلام) كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه تلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز تحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع في قدر عشرة جزائر، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون ويخبز الخابزون وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم.
فسار بمن اصطحبه إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول ﷺ فقال سليمان: هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله سبحانه، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليّ، فلم يهبطوا فيّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوها سجّدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيّا في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمّارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور الى وكرها ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان.
قال: ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير، واد من الطائف فأتى عَلى وادِ النَّمْلِ ف قالَتْ نَمْلَةٌ تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل المذنب في العظم، فنادت النملة يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلّا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان (عليه السلام) .
قال فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي إلى قوله فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني مع عبادك الموحّدين.
وقال قتادة ومقاتل: وادي النمل بأرض الشام.
قال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذباب.
وقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين.
قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. واختلفوا في اسم تلك النملة.
فأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال: حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال: حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال: كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود (عليه السلام) طاحية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني الفضل بن الحسن قال: حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال: حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال: كان اسم نملة سليمان حرمي، وهو قول مقاتل.
ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذّرت النمل ظلمي؟ أما علمت أنّي نبي عدل؟ فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟ مع ما أنّي لم أرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنّين ما أعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح، فقال لها:
عظيني، فقالت النملة: هل علمت لم سمّي أبوك داود؟
قال: لا.
قالت: لأنّه داوى جرحه فردّ. هل تدري لم سمّيت سليمان؟
قال: لا.
قالت: لأنّك سليم وكنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك وإنّ لك أن تلحق بأبيك ثم قالت:
أتدري لم سخّر الله لك الريح؟
قال: لا.
قالت: أخبرك الله أنّ الدنيا كلّها ريح، فَتَبَسَّمَ سليمان ضاحِكاً متعجّبا مِنْ قَوْلِها، وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي الى آخر الآية.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا ابن شنبة قال: أخبرنا الحضرمي قال: حدّثنا حسن الخلّال قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أي طلبها وبحث عنها فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيّوب (لِيَ) هاهنا وفي سورة يس وَما لِيَ لا أَعْبُدُ [[سورة يس: 22.]] وأرسل حمزة الياء فيهما جميعا [[في النسخة الثانية: استثناء.]] ، وأمّا أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذه ويفتح في يس، وفرّق بينهما فقال: لأنّ هذه للتي في النمل استفهام والأخرى انتفاء.
أَمْ كانَ قيل: الميم صلة وقيل: أم بمعنى بل كان مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً وكان عذابه أن ينتف ريشه وذنبه فيدعه ممعطا ثم يلقيه في بيت النمل فيلدغه، وقال عبد الله بن شدّاد: نتفه وتشميسه.
الضحّاك: لأشدّن رجله ولأشمسنّه.
مقاتل بن حيّان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه.
وقيل: لأودعنّه القفص، وقيل: لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل:
لأبدّدنّ عليه؟.
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة، وأما سبب تفقّده الهدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان ينوبها واحتياج سليمان (عليه السلام) إلى الماء، فلم يعلم من قصره [[في الثانية: حفرة.]] بعد الماء، وقيل له: علم ذلك عند الهدهد، فتفقّده فلم يجده فتوعّده وكانت القصّة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء دخل حديث بعضهم في بعض:
إنّ نبي الله سليمان ﷺ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة.
وقال لمن حضره من أشراف قومه: إنّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا: فبأي دين ندين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن اسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن [يسعى] [[هكذا في الأصل.]] إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء.
قال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث، فقال له نافع بن الأزرق: فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر [حبتي القمح] فيقع في عنقه؟.
فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً»
الآية [109] .
قالوا: فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان بن داود عليه السلام: يعفور، واسم هدهد اليمن عنفر [[وروي: عنفير وعنقر.]] فقال عنفر ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟
قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام.
فقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والريح فمن أين أنت؟ فقال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل.
فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء.
قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلّا وقت العصر.
قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد وذلك أنه نزل على غير ماء فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هاهنا ماء. فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده- قال ابن عباس: في بعض الروايات: وتعب] من تفحّصه إلى] الشمس- سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام وقال لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.
روى عكرمة عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
قالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليّ إلّا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء.
قال: فولّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له:
ويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال.
فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.
فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأعذّبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه.
قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله في قوله فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان.
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ علمت ما لم تعلم وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سبأَ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه
نطق الخبر أنّ النبي ﷺ سئل عن سبأ فقال: كان رجلا له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله عزّ وجل
، وقال الشاعر:
الواردون وتيم في ذرى سبا ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس [[جامع البيان للطبري: 14/ 155.]]
بِنَبَإٍ بخبر يَقِينٍ لا شكّ فيه.
قال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهاد وقيل: شراحيل ابن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا، وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفوا لي، فأبى أن يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.
ويصدّق هذا ما
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عمّار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: «كان أحد أبوي بلقيس جنّيا.
قالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولدا غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلا فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.
ثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلّا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا قولها وتشهدوا عليها، فلمّا جاءوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت أرغب عن هذا فالساعة قد رضيت به فزوّجوها منه، فلمّا زفّت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها حتى غصّت منازله ودوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمّ فساده وأخذتني الحميّة حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها» [[تفسير القرطبي: 13/ 211. بتفاوت.]] [110] .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» [[تفسير القرطبي: 13/ 211.]] [111] .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة.
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق.
وقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعا.
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعا في ثلاثين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا مكلّل بالجوهر.
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ قرأ أبو عبد الرّحمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس «ألا اسجدوا» بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من الله سبحانه مستأنفا، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل:
ألا يا سلمى يا هند، هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر [[لسان العرب: 15/ 36.]]
فعلى هذه القراءة «اسجدوا» في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي اسجدوا.
قال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلّا بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلّا تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أبي ألا يسجدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد بمعنى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ لئلّا يسجدوا لله فأن موضع نصب ويَسْجُدُوا نصب بأن، واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلّا أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذه ألا ثمّ يبتدي يسجدوا كما يصل الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الخفيّ المخبوّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني غيب السموات والأرض.
وقال أكثر المفسّرين: خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله:
يخرج الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد منكم، قاله الفرّاء.
ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية حفص عن عاصم.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي كل عرش وإن عظم فدونه، لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.
قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ الى قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كلّه كلام الهدهد.
النمل 27:26
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ نبوّته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود (عليه السلام) تسعة عشر ابنا.
قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشدّ تعبّدا من سليمان (عليهما السلام) .
وَقالَ سليمان شاكرا لنعم الله سبحانه وتعالى عليه يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.
قال مقاتل في هذه الآية: كان سليمان (عليه السلام) جالسا إذ مرّ به طائر يطوف فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي:
السلام عليك أيّها الملك المسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله سبحانه وتعالى الكرامة وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق الى فروخي ثم أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه.
قال: فنظر القوم طويلا إذ مرّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كيما أكسب على فروخي حتى يشبّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له.
وقال فرقد السخي: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيّه أعلم، قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا.
وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسن العدل قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة وأحمد ابن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا الفضل بن العباس الرازي قال: حدّثنا أبو عبيد قال:
حدّثنا موسى ابن إبراهيم قال: حدّثنا عباد بن إبراهيم عن الكلبي عن رجل عن كعب قال:
صاحت ورشان عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول [[في النسخة الثانية (أصفهان) زيادة: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة عند سليمان، فقال:
أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول:]] : ليت ذا الخلق لم يخلقوا.
وصاح طاوس عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول [[في النسخة الثانية زيادة: كما تدين تدان، وصاح هدهد عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول:]] : من لا يرحم لا يرحم.
وصاح صرد عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
قال: فصاحت طيطوى عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّها تقول: كلّ حىّ ميّت، وكلّ جديد بال.
وصاح خطّاف عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه تقول: قدّموا خيرا تجدوه، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.
وهدرت حمامة عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟ قالوا: لا.
قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.
وصاح قمريّ عند سليمان (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال: فإنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى، والغراب يدعو على العشّار، والحدأة تقول: كلّ شيء هالك إلّا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همّه، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول:
سبحان المذكور بكلّ مكان.
وأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا الفضل بن العباس بن مهران قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل عن عياش عن زرّ عن مكحول قال: صاح درّاج عند سليمان بن داود (عليه السلام) فقال: أتدرون ما يقول؟
قالوا: لا.
قال فإنّه يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.
وبإسناده عن موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا صالح الهروي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الديك إذا صاح يقول: اذكروا الله يا غافلين» [[تفسير القرطبي: 13/ 166.]] [108] .
وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القبّر قال: الهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطّاف قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يمدّ الضَّالِّينَ كما يمد للقارئ.
وَحُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ في مسير لهم فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وذلك أنّه جعل على كلّ صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلّا يتقدّموا في المسير كما يصنع الملوك.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يُوزَعُونَ: يدفعون. ابن زيد ومقاتل:
يساقون، السدّي: يوقفون، وأصل الوزع في كلام العرب الكفّ والمنع، ومنه
الحديث: ما يزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن
ويقال للأمر أوزعه.
وفي الخبر: لا بدّ للناس من وزعة
. وقال الشاعر:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع [[لسان العرب: 4/ 83.]]
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد قال: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب في هذه الآية قال: بلغنا أنّ سليمان (عليه السلام) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فحملته وأمر الرخاء فسرت به، فأوحي إليه- وهو يسير بين السماء والأرض- إنّي قد زدت في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلّا جاءت الريح فأخبرتك به.
وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان (عليه السلام) بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح الى الرّواح ومن الرواح إلى الصباح.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن إدريس ابن وهب بن منبه قال: حدّثني أبي قال: إنّ سليمان (عليه السلام) ركب البحر يوما فمرّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلامه في أذن سليمان فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إنّي سمعت قولك وإنّما مشيت إليك لأن لا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير ممّا أوتي آل داود، فقال الحرّاث: أذهب الله همّك كما أذهبت همّي.
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر [[في النسخة الثانية زيادة: الباقوحي.]] قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال:
حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو إلياس عن وهب بن منبه عن كعب قال: إنّ سليمان (عليه السلام) كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه تلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز تحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع في قدر عشرة جزائر، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون ويخبز الخابزون وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم.
فسار بمن اصطحبه إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول ﷺ فقال سليمان: هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله سبحانه، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليّ، فلم يهبطوا فيّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوها سجّدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيّا في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمّارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور الى وكرها ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان.
قال: ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير، واد من الطائف فأتى عَلى وادِ النَّمْلِ ف قالَتْ نَمْلَةٌ تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل المذنب في العظم، فنادت النملة يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلّا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان (عليه السلام) .
قال فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي إلى قوله فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني مع عبادك الموحّدين.
وقال قتادة ومقاتل: وادي النمل بأرض الشام.
قال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذباب.
وقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين.
قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. واختلفوا في اسم تلك النملة.
فأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال: حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال: حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال: كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود (عليه السلام) طاحية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني الفضل بن الحسن قال: حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال: حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال: كان اسم نملة سليمان حرمي، وهو قول مقاتل.
ورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذّرت النمل ظلمي؟ أما علمت أنّي نبي عدل؟ فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟ فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟ مع ما أنّي لم أرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنّين ما أعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح، فقال لها:
عظيني، فقالت النملة: هل علمت لم سمّي أبوك داود؟
قال: لا.
قالت: لأنّه داوى جرحه فردّ. هل تدري لم سمّيت سليمان؟
قال: لا.
قالت: لأنّك سليم وكنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك وإنّ لك أن تلحق بأبيك ثم قالت:
أتدري لم سخّر الله لك الريح؟
قال: لا.
قالت: أخبرك الله أنّ الدنيا كلّها ريح، فَتَبَسَّمَ سليمان ضاحِكاً متعجّبا مِنْ قَوْلِها، وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي الى آخر الآية.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا ابن شنبة قال: أخبرنا الحضرمي قال: حدّثنا حسن الخلّال قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أي طلبها وبحث عنها فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيّوب (لِيَ) هاهنا وفي سورة يس وَما لِيَ لا أَعْبُدُ [[سورة يس: 22.]] وأرسل حمزة الياء فيهما جميعا [[في النسخة الثانية: استثناء.]] ، وأمّا أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذه ويفتح في يس، وفرّق بينهما فقال: لأنّ هذه للتي في النمل استفهام والأخرى انتفاء.
أَمْ كانَ قيل: الميم صلة وقيل: أم بمعنى بل كان مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً وكان عذابه أن ينتف ريشه وذنبه فيدعه ممعطا ثم يلقيه في بيت النمل فيلدغه، وقال عبد الله بن شدّاد: نتفه وتشميسه.
الضحّاك: لأشدّن رجله ولأشمسنّه.
مقاتل بن حيّان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه.
وقيل: لأودعنّه القفص، وقيل: لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل:
لأبدّدنّ عليه؟.
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة، وأما سبب تفقّده الهدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان ينوبها واحتياج سليمان (عليه السلام) إلى الماء، فلم يعلم من قصره [[في الثانية: حفرة.]] بعد الماء، وقيل له: علم ذلك عند الهدهد، فتفقّده فلم يجده فتوعّده وكانت القصّة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء دخل حديث بعضهم في بعض:
إنّ نبي الله سليمان ﷺ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة.
وقال لمن حضره من أشراف قومه: إنّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا: فبأي دين ندين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن اسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن [يسعى] [[هكذا في الأصل.]] إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء.
قال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث، فقال له نافع بن الأزرق: فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر [حبتي القمح] فيقع في عنقه؟.
فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً»
الآية [109] .
قالوا: فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان بن داود عليه السلام: يعفور، واسم هدهد اليمن عنفر [[وروي: عنفير وعنقر.]] فقال عنفر ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟
قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود عليه السلام.
فقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والريح فمن أين أنت؟ فقال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل.
فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء.
قال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلّا وقت العصر.
قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد وذلك أنه نزل على غير ماء فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هاهنا ماء. فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده- قال ابن عباس: في بعض الروايات: وتعب] من تفحّصه إلى] الشمس- سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان عليه السلام وقال لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.
روى عكرمة عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.
قالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليّ إلّا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء.
قال: فولّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له:
ويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال.
فقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.
فلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأعذّبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.
أخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (عليه السلام) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه.
قالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله في قوله فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان.
فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ علمت ما لم تعلم وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سبأَ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه
نطق الخبر أنّ النبي ﷺ سئل عن سبأ فقال: كان رجلا له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله عزّ وجل
، وقال الشاعر:
الواردون وتيم في ذرى سبا ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس [[جامع البيان للطبري: 14/ 155.]]
بِنَبَإٍ بخبر يَقِينٍ لا شكّ فيه.
قال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهاد وقيل: شراحيل ابن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا، وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفوا لي، فأبى أن يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.
ويصدّق هذا ما
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عمّار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: «كان أحد أبوي بلقيس جنّيا.
قالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولدا غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلا فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.
ثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلّا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا قولها وتشهدوا عليها، فلمّا جاءوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت أرغب عن هذا فالساعة قد رضيت به فزوّجوها منه، فلمّا زفّت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها حتى غصّت منازله ودوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمّ فساده وأخذتني الحميّة حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها» [[تفسير القرطبي: 13/ 211. بتفاوت.]] [110] .
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» [[تفسير القرطبي: 13/ 211.]] [111] .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة.
وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق.
وقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعا.
وقال مقاتل: كان ثمانين ذراعا في ثلاثين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا مكلّل بالجوهر.
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ قرأ أبو عبد الرّحمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس «ألا اسجدوا» بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من الله سبحانه مستأنفا، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل:
ألا يا سلمى يا هند، هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر [[لسان العرب: 15/ 36.]]
فعلى هذه القراءة «اسجدوا» في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي اسجدوا.
قال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلّا بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلّا تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أبي ألا يسجدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد بمعنى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ لئلّا يسجدوا لله فأن موضع نصب ويَسْجُدُوا نصب بأن، واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلّا أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذه ألا ثمّ يبتدي يسجدوا كما يصل الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الخفيّ المخبوّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني غيب السموات والأرض.
وقال أكثر المفسّرين: خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله:
يخرج الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد منكم، قاله الفرّاء.
ويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية حفص عن عاصم.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي كل عرش وإن عظم فدونه، لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.
قال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ الى قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كلّه كلام الهدهد.
النمل 27:27
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:28
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:29
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:30
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:31
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:32
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:33
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:34
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:35
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:36
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:37
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:38
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:39
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .
النمل 27:40
قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.
قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.
وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.
وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.
وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.
قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.
وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.
قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] .
وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.
الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما
أخبرنا عبد الله بن حامد قال:
أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] .
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:
حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.
وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.
قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.
ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله:
انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا
وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟
فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.
قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.
وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:
حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:
أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.
الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.
فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.
ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.
فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.
وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.
قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:
ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:
حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة.
قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.
فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.
قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.
قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.
قالوا: بلقيس يا رسول الله.
قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.
واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.
وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.
وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:
قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.
قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.
الكسائي: المنكر، وأنشد:
فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]]
وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:
حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:
وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام.
وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.
ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.
أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) .
واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،
فروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] .
وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.
وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.
وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.
قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.
وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.
مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.
وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.
وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.
فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.
قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها.
قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.
وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت:
عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.
وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.
وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.
إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.
وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.
كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
مملّس مستونْ قَوارِيرَ
وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.
قال: سلي.
قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.
فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟
قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.
قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟
قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
فحسن إسلامها.
واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:
ما يذهب هذا؟
قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.
قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»
[115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] .
قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.
وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.
قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.
قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.
فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.
قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .